Verse. 944 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

وَھٰذَا كِتٰبٌ اَنْزَلْنٰہُ مُبٰرَكٌ فَاتَّبِعُوْہُ وَاتَّقُوْا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُوْنَ۝۱۵۵ۙ
Wahatha kitabun anzalnahu mubarakun faittabiAAoohu waittaqoo laAAallakum turhamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وهذا» القرآن «كتاب أنزلناه مبارك فاتَّبعوه» يا أهل مكة بالعمل بما فيه «واتقوا» الكفر «لعلكم ترحمون».

155

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ } لا شك أن المراد هو القرآن وفائدة وصفه بأنه مبارك أنه ثابت لا يتطرق إليه النسخ كما في الكتابين، أو المراد أنه كثير الخير والنفع. ثم قال: {فَٱتَّبِعُوهُ } والمراد ظاهر. ثم قال: {وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي لكي ترحموا. وفيه ثلاثة أقوال: قيل اتقوا مخالفته على رجاء الرحمة، وقيل: اتقوا لترحموا، أي ليكون الغرض بالتقوى رحمة الله، وقيل: اتقوا لترحموا جزاء على التقوى. ثم قال تعالى: {أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا } وفيه وجوه: الوجه الأول: قال الكسائي والفراء، والتقدير: أنزلناه لئلا تقولوا، ثم حذف الجار وحرف النفي، كقوله: {أية : يُبَيّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } تفسير : [النساء: 176] وقوله: {أية : رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ }تفسير : [النحل: 15] أي لئلا. والوجه الثاني: وهو قول البصريين معناه: أنزلناه كراهة أن تقولوا ولا يجيزون إضمار «لا» فإنه لا يجوز أن يقال: جئت أن أكرمك بمعنى: أن لا أكرمك، وقد ذكرنا تحقيق هذه المسألة في آخر سورة النساء. والوجه الثالث: قال الفراء: يجوز أن يكون «أن» متعلقة باتقوا، والتأويل: واتقوا أن تقولوا إنما أنزل الكتاب. البحث الثاني: قوله: {أَن تَقُولُواْ } خطاب لأهل مكة، والمعنى: كراهة أن يقول أهل مكة أنزل الكتاب، وهو التوراة والإنجيل على طائفتين من قبلنا، وهم اليهود والنصارى، وإن كنا «إن» هي المحففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والأصل وأنه كنا عن دراستهم لغافلين، والمراد بهذه الآيات إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد كي لا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما، فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم وقوله: {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ } أي لا نعلم ما هي، لأن كتابهم ما كان بلغتنا، ومعنى أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم، مفسر للأول في أن معناه لئلا يقولوا ويحتجوا بذلك، ثم بين تعالى قطع احتجاجهم بهذا، وقال: {فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } وهو القرآن وما جاء به الرسول {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ }. فإن قيل: البينة والهدى واحد، فما الفائدة في التكرير؟ قلنا: القرآن بينة فيما يعلم سمعاً وهو هدى فيما يعلم سمعاً وعقلاً، فلما اختلفت الفائدة صح هذا العطف، وقد بينا أن معنى {رَحْمَةً } أي أنه نعمة في الدين. ثم قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ } والمراد تعظيم كفر من كذب بآيات الله، وصدف عنها، أي منع عنها، لأن الأول ضلال، والثاني منع عن الحق وإضلال. ثم قال تعالى: {سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَـٰتِنَا سُوء ٱلْعَذَابِ } وهو كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [النحل: 88].

البيضاوي

تفسير : {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ} يعني القرآن. {أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ} كثير النفع. {فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} بواسطة اتباعه وهو العمل بما فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَهَٰذَا } القرآن {كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ } يا أهل مكة بالعمل بما فيه {وَٱتَّقَوْاْ } الكفر {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }.

ابن عطية

تفسير : {هذا} إشارة إلى القرآن، و {مبارك} وصف بما فيه من التوسعات وإزالة أحكام الجاهلية وتحريماتها وجمع كلمة العرب وصلة أيدي متبعيه وفتح الله على المؤمنين به ومعناه منمي خيره مكثر، و "البركة" الزيادة والنمو، و {فاتبعوه} دعاء إلى الدين، {واتقوا} الأظهر فيه أنه أمر بالتقوى العامة في جميع الأشياء بقرينة قوله {لعلكم ترحمون} و {أن} من قوله {أن تقولوا} في موضع نصب، والعامل فيه {أنزلناه} والتقدير وهذا كتاب أنزلناه كراهية أن، وهذا أصح الأقوال وأضبطها للمعنى المقصود، وقيل العامل في {أن} قوله {واتقوا} فكأنه قال واتقوا أن تقولوا، وهذا تأويل يتخرج على معنى واتقوا أن تقولوا كذا، لأنه لا حجة لكم فيه، ويكن يعرض فيه قلق لقوله أثناء ذلك {لعلكم ترحمون} وفي التأويل الأول يتسق نظم الآية، و "الطائفتان" اليهود والنصارى بإجماع من المتأولين والدراسة القراءة والتعلم بها، و {إن} في قوله {وإن كنا} مخففة من الثقيلة، واللام في قوله {لغافلين} لام توكيد، هذا مذهب البصريين وحكى سيبويه عن بعض العرب أنهم يخففونها ويبقونها على عملها، ومنه قراءة بعض أهل المدينة {وإن كلاً} وأما المشهور فإنها إذا خففت ترجع حرف ابتداء لا تعمل، وأما على مذهب الكوفيين فـ {إن} في هذه الآية بمعنى ما النافية، واللام بمعنى إلا، فكأنه قال وما كنا عن دراستهم إلا غافلين. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: معنى هذه الآية إزالة الحجة عن أيدي قريش وسائر العرب بأنهم لم يكن لهم كتاب، فكأنه قال: وهذا القرآن يا معشر العرب أنزل حجة عليكم لئلا تقولوا إنما أنزلت التوراة والإنجيل بغير لساننا على غيرنا، ونحن لم نعرف ذلك، فهذا كتاب بلسانكم ومع رجل منكم، وقوله تعالى: {أو تقولوا} جملة معطوفة على الجملة الأولى، وهي في غرضها من الاحتجاج على الكفار وقطع تعلقهم في الآخرة بأن الكتب لما أنزلت على غيرهم وأنهم غافلون عن الدراسة والنظر في الشرع وأنهم لو نزل عليهم كتاب لكانوا أسرع إلى الهدى من الناس كلهم، فقيل لهم: قد جاءكم بيان من الله وهدى ورحمة، ولما تقرر أن البينة قد جاءت والحجة قد قامت حسن بعد ذلك أن يقع التقرير بقوله {فمن أظلم ممن كذب} بهذه الآيات البينات، {وصدف} معناه حاد وراغ وأعرض، وقرأ يحيى بن وثاب وابن أبي عبلة "كذَب" بتخفيف الذال، والجمهور "كذّب" بتشديد الذال، و {سنجزي الذين} وعيد، وقرأت فرقة "يصدِفون" بكسر الدال وقرأت فرقة "يصدُفون" بضم الدال.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} يعني: القرآن لأنه كثير الخير والنفع والبركة ولا يتطرق إليه نسخ {فاتبعوه} يعني: فاعملوا بما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام {واتقوا} يعني مخالفته {لعلكم ترحمون} يعني: ليكن الغرض بالتقوى رحمة الله وقيل معناه لكي ترحموا على جزاء التقوى {أن تقولوا} يعني لئلا تقولوا وقيل معناه كراهية أن تقولوا يعني أنزلنا إليكم الكتاب كراهية أن تقولوا {إنما أنزل الكتاب} وقيل: يجوز أن تكون أن متعلقة بما قبلها فيكون المعنى واتقوا أن تقولوا وهذا خطاب لأهل مكة والمعنى واتقوا يا أهل مكة أن تقولوا إنما أنزل الكتاب والكتاب اسم جنس لأن المراد به التوراة والإنجيل {على طائفتين من قبلنا} يعني اليهود والنصارى {وإن كنا} أي: وقد كنا وقيل وإنه كنا {عن دراستهم} يعني قراءتهم {لغافلين} يعني: لا علم لنا بما فيها لأنها ليست بلغتنا. والمراد بهذه الآية إثبات الحجة على أهل مكة وقطع عذرهم بإنزال القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بلغتهم والمعنى: وأنزلنا القرآن بلغتهم لئلا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا بلسانهم ولغتهم فلم نعرف ما فيهما فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم بلغتهم {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} وذلك أن جماعة من الكفار قالوا لو أنزل علينا ما أنزله على اليهود والنصارى لكنّا خيراً منهم وأهدى وإنما قالوا ذلك لاعتمادهم على صحة عقولهم وجودة فطنهم وذهنهم قال الله عز وجل: {فقد جاءكم بينة من ربكم} وهو رحمة ونعمة أنعم الله بها عليكم {فمن أظلم} أي لا أحد أظلم أو أكفر {ممن كذب بآيات الله وصدف عنها} يعني وأعرض عنها {سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب} يعني أسوأ العذاب وأشده {بما كانوا يصدفون} أي ذلك العذاب جزاؤهم بسبب إعراضهم وتكذيبهم بآيات الله.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} الآية. يجُوز أن يكون "كِتَابٌ" و "انزلْنَاه" و "مُبَاركٌ" إخْبَاراً عن اسم الإشارة، عند مَنْ يُجِيزَ تعدُّدَ الخَبَر مُطْلَقاً، أو بالتَّأويل عند مَنْ لَمْ يجوِّزْ ذلك، ويجُوز أن يكُون "أنزلْنَاهُ"، و "مُبَاركٌ": وصْفَيْن لـ "كِتَابٌ" عند من يُجِيزَ تَقْدِيم الوَصْفِ غير الصِّريح على الوَصْفِ الصَّريح، وقد تقدم تَحْقِيقُ ذلك في السُّورة قَبْلَها، في قوله - سبحانه -: {أية : بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة:54]. قال أبو البقاء: "ولو كان قُرِئ: "مُبَاركاً" بالنَّصْب على الحالِ، لجَاز" ولا حَاجَة إلى مِثْلِ هذا، وقُدِّم الوَصْفُ بالإنْزَال؛ لأن الكلام مع مُنْكِري أنَّ اللَّهِ يُنَزِّل على البَشَر كِتَاباً، ويُرْسِلَ رَسُولاً، وأما وَصْف البَرَكَة؛ فهو أمْرٌ مُتَرَاخ عَنْهم، وجيء بصِفَة الإنْزَال بِجُمْلَة فِعْليَّة أسند الفعل فيها إلى ضَمِير المُعَظِّم نفسه مُبَالغة في ذلك، بخلافِ ما لو جيءَ بها اسْماً مُفْرداً. والمراد بالكتاب: القُرْآن، وَوَصْفه بالبَرَكَة، أي: لا يَتَطرَّقُ إليه النَّسْخُ، كما في الكِتَابَيْن، والمُرَاد: كثير الخَيْر والنَّفْع. {فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. قيل: "اتَّقُوا مُخَالفَتهُ على رَجَاء الرَّحْمة". وقيل: اتَّقُوا لِتُرْحَمُوا، أي: ليكون الغَرَضُ بالتَّقْوَى، رَحْمَه الله - تعالى -. قوله: "أن تَقُولُوا" فيه وجهان: أحدهما: أنه مَفْعُول من أجله. قال أبو حيَّان: "والعَامِلُ فيه "أنْزَلْنَاهُ" مقدّراً، مَدْلُولاً عليه بنَفْس "أنْزَلْنَاهُ" المَلْفُوظِ به، تقديرُه: أنْزَلْنَاه أن تقولوا". قال: "ولا جائز أن يعمل فيه "أنْزَلْنَاهُ" الملفوظ به؛ لئلا يلزم الفصل بين العَامِل ومَعْمُولهِ بأجْنَبِيٍّ، وذلك أنَّ مُباركٌ": إمَّا صِفَةٌ، وإما خبرٌ، وهو أجنبيٌّ بكل من التقديرين" وهذا الذي منَعَه هو ظَاهِرُ قول الكسائِّي، والفرَّاء. والثاني: أنَّها مَفْعُول به، والعاملُ فيه: "واتَّقُوا" أي: واتَّقُوا قولكم كَيْتَ وكَيْتَ، وقوله: "لَعَلُّكم تُرْحَمُون" معترضٌ جارٍ مُجْرى التَّعْلِيل، وعلى كَوْنِه مَفْعُولاً من أجْلِه، يكون تقديره عند البصريِّين على حَذْفِ مُضافٍ، تقديرُه: كراهة أن تَقُولُوا، وعند الكوفيِّين يكون تقديره: "ألاَّ يَقُولُوا". قال الكسائيُّ, والفرَّاء: والتقدير: أنزَلْنَاهُ لئلا تَقُولُوا، ثم حذف الجارَّ، وحَرْف النَّهْي، كقوله - تبارك وتعالى -: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء:176] وكقوله: {أية : رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} تفسير : [النحل:15] أي: ألاَّ تَمِيد بِكُم، وهذا مُطَّرِد عِنْدَهُم في هذا النَّحْو، وقد تقدَّم ذلك مراراً. وقرأ الجمهور: "تَقُولُوا" بتاء الخطاب، وقرأ ابن مُحَيْصِن: "يَقُولوا": بياء الغَيْبَة، ومعنى الآية الكريمة، كراهة أن يقول أهْلُ مكَّة: أنزل الكتاب، وهو التُّوْراة، والإنْجِيل على طَائِفَتَيْن من قَبْلِنا، وهُمْ اليَهُود والنَّصَارى. قوله: "وَإنْ كُنَّا" ["إنْ"] مُخَفَّفَة من الثِّقِيلة عند البَصْريِّين، وهي هُنَا مُهْمَلة؛ ولذلك وَلِيتها الجُمْلة الفِعْليَّة، وقد تقدَّم تحقيق ذلك، وأنَّ الكوفيِّين يَجْعَلُونها بمعنى: "ما" النَّافية، واللام بمعنى: "إلاَّ"، والتقدير: ما كُنَّا عن دِرَاسَتِهم إلاَّ غافِلِين. وقال الزَّجَّاج بِمْثِل ذلك، فَنَحا نحو الكوفيِّين. وقال قُطْرُب: "إنْ" بمعنى "قَدْ" واللاَّم زَائِدة. وقال الزَّمَخْشَري بعد أن قَرَّر مذهب البصريين كما قدَّمنا: "والأصْل: إنه كُنَّا عن عِبَادَتِهِم" فقدّر لها اسْماً مَحْذُوفاً، هو ضمير الشَّأن، كما يُقَد‍ِّر النَّحْويُّون ذلك في "أنْ" بالفَتْح إذا خُفِّفَت، وهذا مخالفٌ لِنُصُوصِهِم، وذلك أنَّهم نَصُّوا على أنَّ: "إنْ" بالكَسْر إذا خُفِّفَت، ولِيَتْهَا الجُمْلَةُ الفعليةُ النَّاسِخة، فلا عَمَل لها، لا في ظاهرٍ ولا مُضْمرٍ. و "عَنْ دِرَاسَتِهِم" متعلِّق بخبر "كُنَّا" وهو: "غافلين", وفيه دلالة على بُطلان مذهب الكوفيين في زعمهم أن اللام بمعنى: "إلاَّ", ولا يَجُوز أن يَعْمَل ما بعد "إلاَّ" فيما قَبْلَها؛ فكذلك ما هو بِمَعْنَاها. قال أبو حيَّان: "ولَهُم أن يَجْعَلُوا "عَنْها" متعلِّقاً بمحذوف" وتقدَّم أيضاً خلاف أبي عليٍّ، في أنَّ هذه اللاَّم لَيْسَت لام الابتِدَاء، بل لامٌ أخْرَى، ويدلُّ أيضاً على أن اللاَّم لام ابتداء لَزِمتِ للفَرْق، فجَازَ أن يتقدَّم مَعْمُولُها عليها، لمّا وقعت في غَيْر ما هُو لَهَا أصل، كما جاز ذلك في: "إنَّ زيداً طعامك لآكِلٌ" حَيْث وقعت في غير ما هُوَ لَهَا [أصلٌ] ولمْ يَجُزْ ذلك فيهَا إذا وقعت فيما هُوَ لَهَا أصْلٌ، وهو دُخُولها على المُبْتَدأ. وقال أبُو البقاءِ واللاَّم في "لغَافِلِين" عِوَض أو فَارِقَة بَيْن "إنْ" و "ما". قال شهاب الدين: قوله: "عِوَض" عبارة غَريبَةٌ، وأكثر ما يُقَال: إنها عِوَضٌ عن التَّشْديد الَّذِي ذَهَبَ من "إنْ" ولَيْس بِشَيء. فصل في معنى الآية قال المفَسِّرُون: "إنْ" هي المُخَفَّفَة من الثّقِيلة، واللاَّم هي الفَارِقَةُ بَيْنَهُمَا وبين النَّافيَة، والأصْل: وإن كُنَّا عن دِرَاستِهِم غَافِلين، والمعنى: إثْبَات الحُجُّة عليهم بإنْزَال القُرْآن عَلَيْهم، وقوله: {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} أي: لا نَعْلَم مَا هِيَ، لأن كِتَابَهُم لَيْس بِلُغَتِنَا. قوله: {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ}. أي: لِئلاَّ تقُولُوا أو تَحْتَجُّوا بِذَلِك، ثمَّ إنه - تعالى - قطع احتِجَاجَهُم بهذا، فقال: {فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} وهو القُرْآن العظيم بَيِّنَة فيما يُعْلم سَمْعاً، وهُو هُدًى فيما يُعْلَم سَمْعاً وعَقْلاً، فلما اختلفت الفَائِدَة، صَحَّ هذا العَطْف، ومعنى "رَحْمة" أي: نِعْمَة في الدِّين. قوله: "فَقَدْ جَاءَكُم": جواب شَرْط مقدَّرٍ فقدَّرَه الزَّمَخْشَريُّ: إن صَدَقْتُم فيما كُنْتُم تَعُدُّون من أنْفُسِكم، فَقَدْ جَاءَكم، قال: "وهو من أحْسن الحُذُوف" وقدّرَه غَيْره: إن كُنْتُم كما تَزْعُمون: إنَّكم إذا أنزل عَلَيْكُم كِتَابٌ، تكونون أهْدَى من اليَهُودِ والنَّصَارى، فقدْ جَاءَكُم، ولم يُؤنِّث الفِعْل؛ لأن التَّأنِيث مجازيُّ، وللفَصْل بالمَفْعُول، و "مِنْ ربِّكم" يجوز أن يتعلَّق بـ " جَاءَكُم" وأن يتعلَّق بِمَحْذُوف على أنَّه صِفَةٌ لـ بَيِّنَة". وقوله: "هُدة ورَحْمَة" محذُوفٌ بعدهما: مِن ربِّكُم. قوله: "فَمَنْ أظْلَمُ" الظَّاهِر أنَّها جُمْلَة مُسْتَقِلة. وقال بعضهم: هي جواب شَرْط مُقَدَّر، تقديرُه: فإن كَذَّبْتُم، فلا أحَد أظْلَم مِنْكُم. والجُمْهور على "كَذَّب" مُشَدّداً، وبآيات الله متعلِّق به، وقرأ يحيى بن وثاب، وابن أبي عَبْلَة: "كَذَبَ" بالتخفيف، و "بآيات اللَّه": يجوز أن يكُون مَفْعُولاً, وأن يكون حالاً، أي: كذَّب ومعهُ آيات اللَّه، و "صدف" مَفْعُوله مَحْذُوف، أي: "وصدف عنها غيره" وقد تقدَّم تَفْسير ذلك [الأنعام:157]. والمُراد: تَعْظِيم كُفْر من كذَّب بآيَاتِ الله "وصدَف عَنْها" أي مَنَع؛ لأنَّ الأوَّل ضلال، والثاني مَنْع عن الحقِّ وإضْلال. ثم قال - تعالى -: {سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} وهو كقوله تعالى:{أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النحل:88].

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} قال: هو القرآن الذي أنزله الله على محمد {فاتبعوه واتقوا} يقول: فاتبعوا ما أحل فيه واتقوا ما حرم . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن الضريس ومحمد بن نصر والطبراني عن ابن مسعود قال: إن هذا القرآن شافع مشفع وما حل مصدق من جعله أماماً قاده إلى الجنة، ومن جعل خلفه ساقه إلى النار. وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن أبيه عن جده " حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يمثل القرآن يوم القيامة رجلاً فيؤتى الرجل قد حمله فخالف أمره، فيقف له خصماً فيقول: يا رب حملته إياي فبئس حاملي تعدى حدودي، وضيع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال: فشأنك، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار، ويؤتى بالرجل الصالح قد كان حمله وحفظ أمره، فيتمثل له خصماً دونه فيقول: يا رب حملته إياي فحفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب معصيتي، واتبع طاعتي، فما يزال يقذف له بالحجج حتى يقال له: شأنك به، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يلبسه حلة الاستبرق، ويعقد عليه تاج الملك، ويسقيه كأس الخمر ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن أبي موسى الأشعري قال: إن هذا القرآن كائن لكم ذكراً وكائن عليكم وزراً فتعلموه واتبعوه، فإنكم أن تتعبوا القرآن يورد بكم رياض الجنة، وان يتبعكم القرآن يزج في أقفائكم حتى يوردكم إلى النار .

ابو السعود

تفسير : {وَهَـٰذَا} أي الذي تُليت عليكم أوامرُه ونواهيه أي القرآن {كِتَابٌ} عظيمُ الشأنِ لا يقادَر قدْرُه وقوله تعالى: {أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ} أي كثيرُ المنافع ديناً ودنيا، صفتان لكتابٌ، وتقديمُ وصفِ الإنزال مع كونه غيرَ صريحٍ لأن الكلام مع منكريه، أو خبران آخران لاسم الإشارة أي أنزلناه مشتملاً على فنون الفوائدِ الدينية والدنيوية التي فُصِّلت عليكم طائفةٌ منها، والفاء في قوله تعالى: {فَٱتَّبَعُوهُ} لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن عِظمَ شأنِ الكتابِ في نفسه وكونَه منزلاً من جنابه عز وجل مستتبعاً للمنافع الدينية والدنيوية موجبٌ لاتباعه أيَّ إيجاب {وَٱتَّقَوْاْ} مخالفتَه {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} بواسطة اتباعِه والعمل بموجبه {أَن تَقُولُواْ} علةٌ لأنزلناه المدلولِ عليه بالمذكور لا لنفسه، للزوم الفصلِ حينئذ بـين العامل والمعمولِ بأجنبـيّ هو مباركٌ وصفاً كان أو خبراً أي أنزلناه كذلك كراهةَ أن تقولوا يوم القيامة لو لم تُنْزِله {إِنَّمَا أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ} الناطقُ بتلك الأحكام العامة لكل الأمم {عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ} كائنتين {مِن قَبْلِنَا} وهما اليهودُ والنصارى، وتخصيصُ الإنزال بكتابـيهما لأنهما الذي اشتهر حينئذ فيما بـين الكتب السماويةِ بالاشتمال على الأحكام لا سيما الأحكامِ المذكورة {وَإِن كُنَّا} إنْ هي المخففةُ من إنَّ واللام فارقةٌ بـينها وبـين النافية وضميرُ الشأن محذوفٌ ومرادُهم بذلك دفعُ ما يَرِد عليهم من أن نزولَه عليهما لا ينافي عمومَ أحكامِه فلمَ لمْ تعملوا بأحكامه العامة؟ أي وإنه كنا {عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ} لا ندري ما في كتابهم إذ لم يكن على لغتنا حتى نتلقّى منه تلك الأحكامَ العامة ونحافظَ عليها وإن لم يكن منزلاً علينا، وبهذا تبـيّن أن معذرتَهم هذه مع أنهم غيرُ مأمورين بما في الكتابـين لاشتمالهما على الأحكام المذكورةِ المتناولةِ لكافة الأممِ كما أن قطعَ تلك المعذرةِ بإنزال القرآنِ لاشتماله أيضاً عليها لا على سائر الشرائعِ والأحكام فقط.

القشيري

تفسير : إنزال الكتاب عليهم تحقيق للإيجاب، وإذا بَقِيَ العبدُ عن سماع الخطاب تسلى بقراءة الكتاب، ومن لم يجدْ في قراءة القرآن كمالَ العيشِ والإِنس فَلأنَّه يقرأ ترسماً لا تحققاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {وهذا} اى القرآن {كتاب أنزلناه} ليس من قبل الرسول كما يزعم المنكرون {مبارك} اى كثير النفع دينا ودنيا قال فى التأويلات النجمية {مبارك} عليك وبركته انه انزل على قلبك بجعل خلقك القرآن ومبارك على امتك بانه حبل بينهم وبين ربهم ليوصلهم اليه بالاعتصام {فاتبعوه} واعملوا بما فيه {واتقوا} مخالفته {لعلكم ترحمون} بواسطة اتباعه والعمل بموجبه.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أن تقولوا}: مفعول له، أي: كراهة أن تقولوا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وهذا} القرآن {كتاب أنزلناه مبارك} كثير النفع {فاتبعوه} في الأصول والفروع، {واتقوا} الشرك والمعاصي، {لعلكم تُرحمون} ببركة أتباعه؛ فتحيا به قلوبكم، وتنتعش به أرواحكم، وإنما أنزلناه؛ كراهة {أن تقولوا يوم القيامة} في الحجة: {إنما أُنزل الكتابُ على طائفتين من قبلنا}؛ اليهود والنصارى، وإنما خصهما بالذكر لشهرتهما دون الكتب السماوية، {وإن كنا} وإنه، أي: الأمر والشأن، كنا {عن دراستهم} أي: قراءتهم {لغافلين} أي: كنا غافلين عن قراءة أهل الكتاب، لا ندري ما هي ولا نعرف مثلها، أو لم ندرس مثل دراستهم، ولم نعرف ما درسوا من الكتب، فلا حجة علينا، فقد قامت الحجة عليكم بنزول القرآن. {أو} كراهة أن {تقولوا} أيضًا: {لو أنا أُنزل علينا الكتابُ} كما أنزل إليهم، {لكُنا أهدى منهم} لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا، ولذلك تلقفنا فنونًا من العلم، كالقصص والأشعار والخطب والأنساب، مع كوننا أميين، قال تعالى لهم: {فقد جاءكم بينة من ربكم} وهو القرآن؛ حجة واضحة تعرفونها؛ {وهدى ورحمةٌ} لمن تدبره وعمل به، {فمن أظلم} أي: لا أحد أظلم {ممّن كذَّب بآيات الله} بعد أن عرف صحتها، {وصَدَف}؛ أعرض {عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب}؛ ألمه وقبحه، {بما كانوا يصدفون} أي: يعرضون ويصدون عنها. الإشارة: جعل الله رحمة القلوب وحياة الأرواح في شيئين: في التمسك بالقرآن العظيم وتدبر معانيه، واتباع أوامره واجتناب نواهيه، وفي التحصن بالتقوى جهد استطاعته، فبقدر ما يتحقق بهذين الأمرين تقوى حياة قلبه وروحه وسره، حتى يتصل بالحياة السرمدية، وبقدر ما يُخل بهما يحصل له موت قلبه وروحه، والإنسان إنما فضل وشرف بحياة قلبه وروحه، لا بحياة جسمه، ولا حجة له أن يقول: كنت مريضًا ولم أجد من يعالجني، ففي كل زمان رجال تقوم الحجة بهم على عباد الله، فيقال لهم: قد جاءكم بينة من ربكم، وهو الولي العارف، وهدى ورحمة لأهل عصره، لمن تمسك به وصحبه، وأما من أعرض عنه بعد معرفته فلا أحد أظلم منه، {فَمَن أظلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنهَا...} الآية. ثم هدَّد أهل الإعراض، فقال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ}.

الطوسي

تفسير : قوله {وهذا} اشارة الى القرآن، وصفه بأنه كتاب انزله الله وانما وصفه بأنه كتاب وان لم يكن قرآنا من اجل انه يكتب، لانه لما كان التقييد بالكتاب من اكثر ما يحتاج اليه في الدلائل والحكم، وصف بهذا الوصف. لبيان انه مما ينبغي ان يكتب، لانه اجل الحكم، وذكر في هذا الموضع بهذا الذكر ليقابل ما تقدم من ذكر كتاب موسى (ع). وقوله {مبارك} فالبركة ثبوت الخير بزيادته ونموه، واصله الثبوت، ومنه (تبارك) أي تعالى بصفة اثبات لا اول له ولا آخر، وهذا تعظيم لا يستحقه غير الله تعالى. ورفعه بأنه صفة للكتاب، ولو نصب على الحال كان جائزا غير ان الرفع يدل على لزوم الصفة للكتاب، والنصب يجوز ان يكون لحالة عارضة في وقت الفعل. وقوله {فاتبعوه} امر من الله باتباعه وتدبر وما فيه وامتثاله. وقوله {واتقوا} أمر منه تعالى باتقاء معاصيه، وتجنب مخالفة كتابه. وقوله {لعلكم ترحمون} أي لكي ترحموا، وانما قال {اتقوا لعلكم ترحمون} مع انهم اذا أتقوا رحموا لا محالة لامرين: احدهما - اتقوا على رجاء الرحمة، لانكم لا تدرون بما توافون في الآخرة. الثاني - أتقوا لترحموا، ومعناه ليكن الغرض بالتقوى منكم طلب ما عند الله من الرحمة والثواب.

الجنابذي

تفسير : {وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} كثير الخير والنّفع لانّ البركة الزّيادة والنّماء فى الخير وهو كلمة جامعة لكلّ ما ذكر فى وصف كتاب موسى (ع) مع شيءٍ زائدٍ وهو تعميم البركة لكلّ ما يتصوّر فيه البركة، وفى لفظ انزلنا دون آتينا دلالة على شرافة هذا الكتاب كأنّ كتاب موسى (ع) كان من سنخ هذا العالم فآتاه الله، والقرآن كان فى مقام اعلى من هذا العالم فأنزل الله الى هذا العالم السّفلىّ وآتاه محمّداً (ص) {فَٱتَّبِعُوهُ} حتّى تفوزوا من اتّباعه بولىّ امركم واتّباعه فانّ فيه حجتّه وباتّباعه تفوزون بفتح باب القلب وبفتحه نزول الرّحمة من الله وادنى مراتب حقيقة الرّحمة هو ملكوت ولىّ الامر {وَٱتَّقُواْ} مخالفة ما فيه {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} بلقاء ملكوت ولىّ امركم فانّ دار الشّياطين هى حقيقة سخط الله والدّنيا هى مظهر رحمته وسخطه معاً والملكوت العليا هى حقيقة رحمته المتجوهرة وكذا الجبروت والمشيّة، وفى الاقتصار على لفظ ترحمون هنا والاتيان بقوله بلقاء ربّكم تؤمنون هناك دلالة على شرافة هذا الكتاب كما لا يخفى.

اطفيش

تفسير : {يؤْمُنونَ * وهذا} أى القرآن {كتابٌ أنزلناهُ} نعت كتاب أو خبر ثان {مُباركٌ} نعت أيضا أو خبر آخر، ومعنى مبارك كثير النفع والخير، ولا يتطرق إليه نسخ {فاتَّبعُوه} اعملوا به {واتقُوا} مخالفته أو اتقوا {اللهَ لعلَّكُم ترْحَمونَ} ارجو الرحمة، أو لكى ترحموا باتباعه. {أنْ تقُولُوا} مفعول لأجله على حذف مضاف، أى كراهة أن تقولوا، هذا مذهب البصريين، ووصف الله بالكراهة جائزة. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله كره لكم ثلاثا" تفسير : وقال الكوفيون: هو على تقدير لام الجر والتعليل والنافية، أى لئلا تقولوا وهو ضعيف من حيث إنه مشتمل على حذف لا النافية فى غير موضع حذفها، والخطاب لأهل مكة، وقيل مفعول به لاتقوا، والجملة بينهما معترضة، أى اتقوا أن أن تقولوا.

اطفيش

تفسير : {وَهَذَا} أَى القرآن كله ما نزل وما سينزل باعتبار أَنه نزل مرة إِلى السماء الدنيا أَو ما نزل فقط وما سينزل مقيس عليه فى أَنه مبارك مصدق فإن كل جزء من أَبعاض القرآن قرآن {كِتَابٌ} أَى عظيم، ولهذا نكر {أَنْزَلْنَاهُ} كله أَو بعضه على ما مر، أَو جمع بين الحقيقة وهى إِنزال ما نزل والمجاز وهى إِنزال ما سينزل، أَو من عموم المجاز والجملة خبر ثان {مُبَارَكٌ} خبر ثالث. أَو أَنزلناه نعت كتاب ومبارك نعت ثان أَو خبر ثان، ومعنى مبارك أَثبت فيه خير الدنيا والآخرة، وقيل لا يقدم النعت الجملى على الإِفرادى {فاتَّبِعُوهُ} اقتدوا به يا أَهل مكة أَو العرب لكونه من الله ولعظم شأْنه، ولأَن فيه شرفكم ولأَن فيه منافع الدنيا والآخرة ومدافعهما فلا وجه لمخالفته {وَاتَّقُوا} احذروا الكفر به ومخالفة ما فيه ففيها خسارة الدنيا والآخرة {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} بالإِيمان به والعمل بما فيه.

الالوسي

تفسير : {وَهَـٰذَا} الذي تليت عليكم أوامره ونواهيه أي القرآن {كِتَابٌ} عظيم الشأن لا يقادر قدره {أَنزَلْنَـٰهُ} بواسطة الروح الأمين مشتملاً على فوائد الفنون الدينية والدنيوية التي فصلت عليكم طائفة منها، والجملة صفة {كِتَابٌ} وقوله سبحانه: {مُّبَارَكٌ} أي كثير الخير ديناً ودنيا صفة أخرى، وإنما قدمت الأولى عليها مع أنها غير صريحة لأن الكلام مع منكري الإنزال، وجوز أن يكون هذا وما قبله خبرين عن اسم الإشارة أيضاً؛ والفاء في قوله تعالى: {فَٱتَّبَعُوهُ } لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن عظم شأن الكتاب في نفسه وصفته موجب لاتباعه أي فاعملوا بما فيه أو امتثلوا أوامره {وَٱتَّقَوْاْ} مخالفته أو نواهيه {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي لترحموا جزاء ذلك، وقيل: المراد اتقوا على رجاء الرحمة أو اتقوا ليكون الغرض بالتقوى رحمة الله تعالى.

ابن عاشور

تفسير : جملة: {وهذا كتاب أنزلته مبارك} عطف على جملة: { أية : ثمّ آتينا موسى الكتاب} تفسير : [الأنعام: 154]. والمعنى: آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب كما تقدّم عند قوله تعالى: { أية : ثم آتينا موسى الكتاب } تفسير : [الأنعام: 154] الخ... وافتتاح الجملة باسم الإشارة، وبناءُ الفعل عليه، وجعل الكتاب الذي حقّه أن يكون مفعولَ: {أنزلناه} مبتدأ، كلّ ذلك للاهتمام بالكتاب والتّنويه به، وقد تقدّم نظيره: { أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه } تفسير : في هذه السّورة (92). وتفريع الأمر باتباعه على كونه منزلاً من الله، وكونه مباركاً، ظاهر: لأنّ ما كان كذلك لا يتردّدُ أحد في اتّباعه. والاتِّباع أطلق على العمل بما فيه على سبيل المجاز. وقد مضى الكلام فيه عند قوله تعالى: { أية : إن أتبع إلا ما يوحى إليّ } تفسير : [الأنعام: 50]، وقوله: { أية : اتبع ما أوحي إليك من ربك } تفسير : في هذه السّورة (106). والخطاب في قوله: {فاتبعوه} للمشركين، بقرينة قوله: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا}. وجملة: {أنزلناه} في محلّ الصّفة لــــ {كتاب}، و(مبارك) صفة ثانية، وهما المقصد من الإخبار، لأنّ كونه كتاباً لا مِرْيَة فيه، وإنَّما امْتروا في كونه منزّلاً من عند الله، وفي كونه مباركاً. وحسن عطف: {مبارك} على: {أنزلناه} لأنّ اسم المفعول ــــ لاشتقاقه ــــ هو في قوّة الفعل. ومعنى: {اتَّقُوا} كونوا متَّصفين بالتَّقوى وهي الأخذ بدين الحقّ والعملُ به. وفي قوله: {لعلكم ترحمون} وعد على اتّباعه وتعريض بالوعيد بعذاب الدّنيا والآخرة إن لم يتَّبعوه. وقوله: {أن تقولوا} في موضع التّعليل لفعل {أنزلناه} على تقدير لام التّعليل محذوفة على ما هو معروف من حذفها مع (أنْ). والتّقدير: لأن تقولوا، أي لقولكم ذلك في المستقبل، أي لملاحظة قولكم وتَوقُّع وقوعه، فالقول باعث على إنزال الكتاب. والمقام يدلّ على أنّ هذا القول كانَ باعثاً على إنزال هذا الكتاب، والعلّة الباعثة على شيء لا يلزم أن تكون علّة غائية، فهذا المعنى في اللاّم عكس معنى لام العاقبة، ويؤول المعنى إلى أنّ إنزال الكتاب فيه حِكَم منها حكمة قطع معذرتهم بأنَّهم لم ينزّل إليهم كتاب، أو كراهية أن يقولوا ذلك، أو لتجنّب أن يقولوه، وذلك بمعونة المقام إيثاراً للإيجاز فلذلك يقدّر مضافٌ مثل: كراهيةَ أو تجنّبَ. وعلى هذا التّقدير جرى نحاة البصرة. وذهب نحاة الكوفة إلى أنَّه على تقدير (لاَ) النّافية، فالتّقدير عندهم: أنْ لا تقولوا، والمآل واحد ونظائر هذا في القرآن كثيرة كقوله: { أية : يبين الله لكم أن تضلوا } تفسير : [النساء: 176] ــــ وقوله: ــــ { أية : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله } تفسير : [الزمر: 55، 56] ــــ وقوله: ــــ { أية : وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم } تفسير : [النحل: 15] أي لتجنّب مَيْدها بكم، وقول عمرو بن كثلوم: شعر : فَعَجَّلْنَا القِرَى أنْ تَشْتُمُونَا تفسير : وهذا القول يجُوز أن يكون قد صدر عنهم من قبلُ، فقد جاء في آية سورة القصص (48): { أية : فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى }، تفسير : ويجُوز أن يكون متوقّعاً ثمّ قالوه من بعد، وأيّاً مَا كان فإنَّه متوقّع أن يكرّروه ويعيدوه قولاً موافقاً للحال في نفس الأمر، فكان متوقّعاً صدوره عند ما يتوجّه الملام عليهم في انحطاطهم عن مجاوريهم من اليهودِ والنّصارى من حيث استكمال الفضائل وحسن السّير وكمال التديّن، وعند سؤالهم في الآخرة عن اتّباع ضلالهم، وعندما يشاهدون ما يناله أهل الملل الصّالحة من النّعيم ورفع الدّرجات في ثواب الله فيتطلّعون إلى حظّ من ذلك ويتعلّلون بأنَّهم حرموا الإرشاد في الدّنيا. وقد كان اليهود والنّصارى في بلاد العرب على حالة أكمل من أحوال أهل الجاهليّة، ألا ترى إلى قول النّابغة يمدح آل النّعمان بن الحارث، وكانوا نصارى: شعر : مَجَلَّتُهم ذاتُ الإله ودينُهم قَويمٌ فما يَرْجُون غيرَ العواقب ولا يَحْسِبُون الخَيْر لا شرّ بعده ولا يحسبون الشرّ ضَرْبَةَ لازب تفسير : والطائفة: الجماعة من النّاس الكثيرة، وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : فلتقم طائفة منهم معك } تفسير : في سورة النّساء (102)، والمراد بالطّائفتين هنا اليهود والنّصارى. والكتاب مراد به الجنس المنحصر في التّوراة والإنجيل والزّبور. ومعنى إنزال الكتاب عليهم أنَّهم خوطبوا بالكتب السّماوية التي أنزلت على أنبيائهم فلم يكن العرب مخاطبين بما أنزل على غيرهم، فهذا تعلّل أول منهم، وثمة اعتلال آخر عن الزّهادة في التخلّق بالفضائل والأعمال الصالحة: وهو قولهم: وإن كنا عن دراستهم لغافلين}، أي وأنَّا كنّا غافلين عن اتباع رشدهم لأنّا لم نتعلم، فالدّراسة مراد بها التعليم. والدّراسة: القراءة بمعاودة للحفظ أو للتّأمّل، فليس سرد الكتاب بدراسة. وقد تقدّم قوله تعالى: { أية : وليقولوا درست } تفسير : في هذه السّورة (105)، وتقدّم تفصيله عند قوله تعالى: { أية : وبما كنتم تدرسون } تفسير : من سورة آل عمران (79). والغفلة: السّهو الحاصل من عدم التفطّن، أي لم نهتمّ بما احتوت عليه كتبهم فنقتدي بهديها، فكان مجيء القرآن منبّها لهم للهدي الكامل ومغنِياً عن دراسة كتبهم. وقوله: {أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم} تدرّج في الاعتلال جاء على ما تكنّه نفوس العرب من شفوفهم بأنفسهم على بقيّة الأمم، وتطلّعهم إلى معالي الأمور، وإدلالهم بفطنتهم وفصاحة ألسنتهم وحِدّة أذهانهم وسرعة تلقّيهم، وهم أخلقاء بذلك كلّه. وفي الإعراب عن هذا الاعتلال منهم تلقين لهم، وإيقاظ لأفهامهم أن يغتبطوا بالقرآن، ويفهموا ما يعود عليهم به من الفضل والشّرف بين الأمم، كقوله تعالى: { أية : لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون } تفسير : [الأنبياء: 10]. وقد كان الذين اتَّبعوا القرآن أهدى من اليهود والنّصارى ببون بعيد الدّرجات. ولقد تهيّأ المقام بعد هذا التّنبيه العجيب لفاء الفصيحة في قوله: {فقد جاءكم بينة من ربكم} وتقديرها: فإذا كنتم تَقولون ذلك ويهجس في نفوسكم فقد جاءكم بيانٌ من ربِّكم يعني القرآن، يدفع عنكم ما تستشعرون من الانحطاط عن أهل الكتاب. والبيّنة ما به البيان وظهور الحقّ. فالقرآن بيّنة على أنَّه من عند الله لإعجازه بلغاء العرب، وهو هدي بما اشتمل عليه من الإرشاد إلى طرق الخير، وهو رحمة بما جاء به من شريعة سمحة لا حرج فيها، فهي مقيمة لصلاح الأمّة مع التّيسير. وهذا من أعجب التّشريع وهو أدلّ على أنَّه من أمر العليم بكلّ شيء. وتفرّع عن هذا الإعذار لهم الإخبار عنهم بأنَّهم لا أظلم منهم، لأنَّهم كذّبوا وأعرضوا. فالفاء في قوله: {فمن أظلم} للتّفريع. والاستفهامُ إنكاري، أي لا أحد أظلم من الذين كذّبوا بآيات الله. و(مَن) في {ممن كذب بآيات الله} موصولة وما صدقُها المخاطبون من قوله: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين}. والظّلم هنا يشمل ظلم نفوسهم، إذ زجُّوا بها إلى العذاب في الآخرة وخسران الدّنيا، وظلمَ الرّسول صلى الله عليه وسلم إذ كذّبوه، وما هو بأهل التّكذيب، وظلم الله إذ كذّبوا بآياته وأنكروا نعمته، وظلموا النّاس بصدّهم عن الإسلام بالقول والفعل. وقد جيء باسم الموصول لتدلّ الصّلة على تعليل الحكم ووجه بناء الخبر، لأنّ من ثبَت له مضمون تلك الصّلة كان حقيقا بأنَّه لا أظلم منه. ومعنى {صَدَف} أعرض هُو، ويطلق بمعنى صَرف غيره كما في «القاموس». وأصله التّعدية إلى مفعول بنفسه وإلى الثّاني بــــ {عن} يقال: صدفتُ فلاناً عن كذا، كما يقال: صرفتُه، وقد شاع تنزيله منزلة اللاّزم حتّى غلب عدمُ ظهور المفعول به، يقال: صدَف عن كذا بمعنى أعرض وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : انظر كيف نصرّف الآيات ثمّ هم يصدفون } تفسير : في هذه السّورة (46)، وقدّره في الكشاف هنا متعدّياً لأنَّه أنسب بكونهم أظلم النّاس تكثيراً في وجوه اعتدائهم، ولم أر ذلك لِغيره نظراً لقوله تعالى: {سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب} إذ يناسبه معنى المتعدّي لأنّ الجزاء على أعراضهم وعلى صدّهم النّاس عن الآيات، فإنّ تكذيبهم بالآيات يتضمّن إعْراضهم عنها فناسب أن يكون صَدْفهم هو صرفَهم النّاس. و{سوء العذاب} من إضافة الصّفة إلى الموصوف، وسوءه أشدّه وأقواه، وقد بيّن ذلك قوله تعالى: { أية : الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون } تفسير : [النحل: 88]. فقوله: {عذاباً فوق العذاب} هو مضاعفة العذاب، أي شدّته. ويحتمل أنَّه أريد به عذاب الدّنيا بالقتل والذلّ، وعذاب الآخرة، وإنَّما كان ذلك جزاءهم لأنَّهم لم يكذِّبوا تكذيباً عن دعوة مجرّدة، بل كذّبوا بعد أن جاءتهم الآيات البيّنات. و(ما) مَصدريّة: أي بصدفهم وإعراضهم عن الآيات إعراضاً مستمراً لم يدعوا راغبه فــــ {كان} هنا مفيدة للاستمرار مثل: { أية : وكان الله غفوراً رحيماً } تفسير : [النساء: 96].

د. أسعد حومد

تفسير : {كِتَابٌ} {أَنزَلْنَاهُ} (155) - وَهذَا القُرْآنُ هُوَ كِتَابٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ، مُبَارَكٌ أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَاتَّبِعُوهُ أَيُّهَا النَّاسُ وَتَدَبَّرُوهُ، وَاعْمَلُوا بِمَا فِيهِ، وَادْعُوا إِليهِ. وَوَصَفَهُ تَعَالَى بِالبَرَكَةِ لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَعَمِلَ بِهِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، لأَِنَّهُ جَمَعَ أَسْبَابَ الهِدَايَةِ الدَّائِمَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {وَهَـٰذَا} إشارة وعادة ما تأتي وترد على متقدم، ولكن إذا لم يكن لاسم الإشارة متقدم أو حاضرة يشار إليه فهذا دليل على أنك إن أشرت لا ينصرف إلا إليه لأنه متعين ينصرف إليه الذهن بدون تفكير لوضوحه. وكلمة {كِتَابٌ} تدل على أنه بلغ من نفاسته أنه يجب أن يُكتَب ويسجل؛ لأن الإنسان لا يُسجل ولا يكتب إلا الشيء النافع، إنما اللغو لا يسأل عنه، وقال ربنا عن القرآن: إنه "كتاب"، ومرة قال فيه: "قرآن" فهو "قرآن" يتلى من الصدور، و"كتاب" يحفظ في السطور. ولذلك حينما جاءوا ليجمعوه اتوا بالمسطور ليطابقوه على ما في الصدور. {وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ...} [الأنعام: 155] و"أنزلناه" أي أمَرْنا بإنزاله، ونزل به الروح الأمين، وكلمة مبارك مأخوذة من "البركة: أي أنه يعطي من الخير والثمرة فوق ما يُظَنّ فيه، وقد تقول: فلان راتبه مائتا جنيه، ويربي أولاده جيداً ويشعر بالرضا، وتجد من يقول لك: هذه هي البركة. كأن الراتب لا يؤدي هذه المسئوليات أبداً. وكلمة "البركة" تدل على أن يد الله ممدودة في الأسباب، ونعلم أن الناس ينظرون دائماً إلى رزق الإيجاب، ولا ينظرون إلى الرزق الأوسع من الإيجاب وهو رزق السلب، فرزق الإيجاب يأتي لك بمائتي جنيه، ورزق السلب يسلب عنك مصارف لا تعرف قدرها. فنجد من يبلغ مرتبه ألفاً من الجنيهات، لكن بعض والده يمرض، ويحتاج ولد آخر إلى دروس خصوصية فتتبدد الألف جنيه ويحتاج إلى ما فوقها. إذن فحين يسلب الحق المصارف وإنفاق المال في المعصية أو المرض فهذه هي بركة الرزق، ونجد الرجل الذي يأتي ماله من حلال ويعرق فيه يوفقه الله إلى شراء كل شيء يحتاج إليه، ويخلع الله على المال القليل صفة القبول، ونجد آخر يأتي ماله حرام فيخلع الله على ماله صفة الغضب فينفقه في المصائب والبلايا ويحتاج إلى ما هو أكثر منه. وأنت حين تقارن القرآن بالتوراة في الحجم تجده أصغر منها ولكن لو رأيت البركة التي فيه فستجدها بركة لا تنتهي؛ فكل يوم يعطي القرآن عطاءه الجديد ولا تنقضي عجائبه، ويقرأه واحد فيفهم منه معنى، ويقرأه آخر فيفهم منه معنى جديداً. وهذا دليل على أن قائله حكيم، وضع في الشيء القليل الفائدة الكثيرة، وهذا هو معنى {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}؛ فكل كتاب له زمن محدود وعصر محدود وأمة محدودة، أما القرآن فهو يواجه من يوم أن أنزله الله إلى أن تقوم الساعة قضايا متجددة يضع لها حلولاً. والمهم أن القرآن قد جاء على ميعاد مع طموح البشريات، وحضارتها وارتقاءاتها في العقول؛ لذلك كان لابد أن يواجه كل هذه المسائل مواجهة تجعل له السبق دائماً ولا يكون ذلك إلا إذا كانت فيه البركة. وكلنا يعلم أن القرآن قد نزل على رجل أمّي، وفي أمة أميّة، ولذلك حكمة بالغة لأن معنى "أمّي" أي أنه لم يأخذ علماً من البشر، بل هو كما والدته أمه، وجاءت ثقافته وعلمه من السماء. إذن فالأمية فيه شرف وارتقاء بمصادر العلم له. ونزل القرآن في أمة أمية؛ لأن هذا الدين وتلك التشريعات، إنما نزلت في هذ الأمة المتبديّة المتنقلة من مكان إلى آخر وليس لها قانون بل يتحكم فيها رب القبيلة فقط، وحين تنزل إليها هذه القيم الروحية والأحكام التشريعية ففي ذلك الدليل على أن الكتاب الذي يحمل هذه القيم والأحكام قادم من السماء. فلو نزل القرآن على أمة متحضرة لقيل نقلة حضارية، لكنه نزل على أمة لا تملك قوانين مثل التي كانت تُحكم بها الفرس أو الروم. ومادام الكتاب له هذه الأوصاف التي تريح الخلق من عناء التشريع لأنفسهم ويضم كل الخير، لذلك يأتي الأمر من الله: {فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155] وساعة تأتي بـ"لعل" فاعلم أن فيها رجاء، وقد ترجو أنت من واحد وتقول: لعل فلاناً يعطيك كذا، والرجاء هنا من واحد، ومَن يفعل العمل المرجو إنسان آخر، وقد يفعل الآخر هذا العمل، وقد يغضب فلا يفعله؛ لأن الإنسان ابن أغيار، بل ومن يدري أنه ساعة يريد أن يفعل فلا يقدر. وإذا قلت: "لعلي أفعل لك كذا"، وهنا تكون أنت الراجي والمرجوّ في آن واحد، ولكنك أيضاً ابن للأغيار، فأنت تتوقع قدرتك على الفعل وعند إرادتك الفعل قد لا تتيسر لك مثل هذه القدرة. ولماذا أنزل الحق هذا الكتاب؟. يأتي الحق هنا بالتمييز للأمة التي أراد لها أن ينزل فيها القرآن فيقول: {أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ} [الآية: 155]. يعني: على المؤمن. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} [الآية: 157]. قال: يعني اليهود والنصارى. يعني لِئلا تقوله قريش. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الاية: 159]. قال: طلوع الشمس من مغربها. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا شيبان عن عاصم بن أَبي النجود، عن المعرور بن سويد عن أَبي ذر الغفاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق والمصدوق، يقول: حديث : قال الله، عز وجل: "يا ابن آدم: الحسنةُ عشرٌ أَو أَزيَد، والسيئة واحدة أَو أغفرها"تفسير : [الآية: 161]. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَكَانُواْ شِيَعاً} [الآية: 160]. قال: يهوداً. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَنُسُكِي} [الآية: 163]. قال: النسك يعني به ذبيحتي في الحج والعمرة.