٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
154
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {ثُمَّ ءاتَيْنَا } فيه وجوه: الأول: التقدير: ثم إني أخبركم بعد تعديد المحرمات وغيرها من الأحكام، إن آتينا موسى الكتاب، فذكرت كلمة «ثم» لتأخير الخبر عن الخبر، لا لتأخير الواقعة، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } تفسير : [الأعراف: 11] والثاني: أن التكاليف التسعة المذكورة في الآية المتقدمة التكليف لا يجوز اختلافها بحسب اختلاف الشرائع بل هي أحكام واجبة الثبوت من أول زمان التكليف إلى قيام القيامة. وأما الشرائع التي كانت التوبة مختصة بها، فهي إنما حدثت بعد تلك التكاليف التسعة، فتقدير الآية أنه تعالى لما ذكرها قال: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم بعد ذلك آتينا موسى الكتاب. الثالث: أن فيه حذفاً تقديره: ثم قل يا محمد إنا آتينا موسى، فتقديره: اتل ما أوحى إليك، ثم اتل عليهم خبر ما آتينا موسى. أما قوله: {تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ } ففيه وجوه: الأول: معناه تماماً للكرامة والنعمة على الذي أحسن. أي على كل من كان محسناً صالحاً، ويدل عليه قراءة عبد الله {عَلَى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } والثاني: المراد تماماً للنعمة والكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة بالتبليغ، وفي كل ما أمر به والثالث: تماماً على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع، من أحسن الشيء إذا أجاد معرفته، أي زيادة على علمه على وجه التتميم، وقرأ يحيى بن يعمر {عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ } أي على الذي هو أحسن بحذف المبتدأ كقراءة من قرأ {أية : مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً } تفسير : [البقرة: 26] بالرفع وتقدير الآية: على الذي هو أحسن ديناً وأرضاه، أو يقال المراد: آتينا موسى الكتاب تماماً، أي تاماً كاملاً على أحسن ما تكون عليه الكتب، أي على الوجه الذي هو أحسن وهو معنى قول الكلبي: أتم له الكتاب على أحسنه، ثم بين تعالى ما في التوراة من النعم في الدين وهو تفصيل كل شيء، والمراد به ما يختص بالدين فدخل في ذلك بيان نبوة رسولنا صلى الله عليه وسلم دينه، وشرعه، وسائر الأدلة والأحكام إلا ما نسخ منها ولذلك قال: {وَهُدًى وَرَحْمَةً } والهدى معروف وهو الدلالة، والرحمة هي النعمة {لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ } أي لكي يؤمنوا بلقاء ربهم، والمراد به لقاء ما وعدهم الله به من ثواب وعقاب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} مفعولان. {تَمَاماً} مفعول من أجله أو مصدر. {عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ} قرىء بالنصب والرفع. فمن رفع ـ وهي قراءة يحيى بن يَعْمَر وابن أبي إسحاق ـ فعلى تقدير: تماماً على الذي هو أحسنُ. قال المهدوِيّ: وفيه بعدٌ من أجل حذف المبتدأ العائد على الذي. وحكى سيبويه عن الخليل أنه سمع «ما أنا بالذي قائل لك شيئاً». ومن نصب فعلى أنه فعل ماض داخل في الصِّلة؛ هذا قول البصريين. وأجاز الكسائي والفرّاء أن يكون اسماً نعتاً للذي. وأجازا «مررت بالذي أخيك» ينعتان الذي بالمعرفة وما قاربها. قال النحاس: وهذا محال عند البصريين؛ لأنه نعت للاسم قبل أنْ يتمّ، والمعنى عندهم: على المحسن. قال مجاهد: تماماً على المحسن المؤمن. وقال الحسن في معنى قوله: «تَمَاماً عَلَىٰ الَّذِي أَحْسَنَ». كان فيهم محسن وغير محسن؛ فأنزل الله الكتاب تماماً على المحسنين. والدليل على صحة هذا القول أن ابن مسعود قرأ: «تماماً على الذين أحسنوا». وقيل: المعنى أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان يحسنه موسى مما كان علمه الله قبل نزول التوراة عليه. قال محمد ابن يزيد: فالمعنى «تماماً على الذي أحسن» أي تماماً على الذي أحسنه الله عز وجل إلى موسى عليه السلام من الرسالة وغيرها. وقال عبد الله بن زيد،: معناه على إحسان الله تعالى إلى أنبيائه عليهم السلام من الرسالة وغيرها. وقال الربيع بن أنس: تماماً على إحسان موسى من طاعته الله عز وجل؛ وقاله الفراء. ثم قيل: «ثُمّ» يدلّ على أن الثاني بعد الأوّل، وقصة موسى صلى الله عليه وسلم وإتيانه الكتاب قبل هذا؛ فقيل: «ثم» بمعنى الواو؛ أي وآتينا موسى الكتاب، لأنهما حرفا عطف. وقيل: تقدير الكلام ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: المعنى قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم، ثم أتل ما آتينا موسى تماماً. {وَتَفْصِيلاً} عطف عليه. وكذا {وَهُدًى وَرَحْمَةً}. {وَهَـٰذَا كِتَابٌ} إبتداء وخبر. {أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} نعت؛ أي كثير الخيرات. ويجوز في غير القرآن «مباركاً» على الحال. {فَٱتَّبِعُوهُ} أي ٱعملوا بما فيه. {وَٱتَّقُواْ} أي ٱتقوا تحريفه. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي لتكونوا راجين للرحمة فلا تُعذّبون.
البيضاوي
تفسير : {ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ} عطف على {وَصَّـٰكُمُ }، وثم للتراخي في الإخبار أو للتفاوت في الرتبة كأنه قيل؛ ذلكم وصاكم به قديماً وحديثاً ثم أعظم من ذلك {أَنَّا آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ}. {تَمَامًا} للكرامة والنعمة. {عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ} على كل من أحسن القيام به، ويؤيده إن قرىء «على الذين أحسنوا» أو «على الذي أحسن تبليغه» وهو موسى عليه أفضل الصلاة والسلام، أو «تماماً على ما أحسنه» أي أجاده من العلم والتشريع أي زيادة على علمه إتماماً له. وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي «على الذي هو أحسن» أو على الوجه الذي هو أحسن ما يكون عليه الكتب. {وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء} وبياناً مفصلاً لكل ما يحتاج إليه في الدين، وهو عطف على تمام ونصبهما يحتمل العلة والحال والمصدر. {وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم} لعل بني إسرائيل. {بِلِقَاء رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ} أي بلقائه للجزاء.
ابن كثير
تفسير : قال ابن جرير: {ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ} تقديره ثم قل يا محمد مخبراً عنا: أنا آتينا موسى الكتاب؛ بدلالة قوله: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} قلت: وفي هذا نظر، وثم ههنا إنما هي لعطف الخبر بعد الخبر، لا للترتيب ههنا؛ كما قال الشاعر:شعر : قُلْ لِمَنْ سادَ ثُمَّ سادَ أَبُوه ثُمَّ قَدْ سادَ قَبْلَ ذلكَ جَدُّهُ تفسير : وههنا لما أخبر الله سبحانه عن القرآن بقوله: {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ}، عطف بمدح التوراة ورسولها، فقال: {ثم آتينا موسى الكتاب}، وكثيراً ما يقرن سبحانه بين ذكر القرآن والتوراة؛ كقوله تعالى: {أية : وَمِن قَبْلِهِ كِتَـٰبُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً} تفسير : [الأحقاف: 12] وقوله أول هذه السورة: {أية : قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَٰطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً} تفسير : [الأنعام: 91] الآية، وبعدها: {أية : وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ} تفسير : [الأنعام: 92] الآية. وقال تعالى مخبراً عن المشركين: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلاۤ أُوتِىَ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ} تفسير : [القصص: 48] قال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِىَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَـٰهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} تفسير : [القصص: 48] وقال تعالى مخبراً عن الجن أنهم قالوا: {أية : يٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىۤ إِلَى الحَقِّ} تفسير : [الأحقاف: 30] الآية، وقوله تعالى: {تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً} أي: آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تماماً كاملاً جامعاً لما يحتاج إليه في شريعته؛ كقوله: {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ} تفسير : [الأعراف: 145] الآية، وقوله تعالى: {عَلَى ٱلَّذِىۤ أَحْسَنَ} أي: جزاء على إحسانه في العمل، وقيامه بأوامرنا وطاعتنا؛ كقوله: {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإِحْسَانُ} تفسير : [الرحمن: 60] وكقوله: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَٰهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} تفسير : [البقرة: 124] وكقوله: {أية : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِـآيَـٰتِنَا يُوقِنُونَ } تفسير : [السجدة: 24]. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس: {ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىۤ أَحْسَنَ} يقول: أحسن فيما أعطاه الله. وقال قتادة: من أحسن في الدنيا، تمم له ذلك في الآخرة، واختار ابن جرير أن تقديره: {ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ تَمَامًا} على إحسانه، فكأنه جعل الذي مصدرية؛ كماقيل في قوله تعالى: {أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ} تفسير : [التوبة: 69] أي: كخوضهم، وقال ابن رواحة:شعر : وثَبَّتَ اللّهُ ما آتاكَ مِنْ حَسَنٍ في المرسلين ونَصْراً كالذي نُصِروا تفسير : وقال آخرون: {ٱلَّذِىۤ} ههنا بمعنى الذين، قال ابن جرير: وذكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرؤها: (تماماً على الذين أحسنوا) وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: تماماً على الذي أحسن، قال: على المؤمنين والمحسنين، وكذا قال أبو عبيدة. وقال البغوي: المحسنون: الأنبياء والمؤمنون، يعني: أظهرنا فضله عليهم. قلت: كقوله تعالى {أية : قَالَ يَٰمُوسَىٰ إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِي وَبِكَلَـٰمِي} تفسير : [الأعراف: 144] ولا يلزم اصطفاؤه على محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، والخليل، عليهما السلام؛ لأدلة أخرى. قال ابن جرير: وروى أبو عمرو بن العلاء عن يحيى بن يعمر: أنه كان يقرؤها: (تماماً على الذي أحسنُ) رفعاً، بتأويل: على الذي هو أحسن، ثم قال: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، وإن كان لها في العربية وجه صحيح، وقيل: معناه: تماماً على إحسان الله إليه، زيادة على ما أحسن إليه حكاه ابن جرير والبغوي، ولا منافاة بينه وبين القول الأول، وبه جمع ابن جرير كما بيناه، ولله الحمد. وقوله تعالى: {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً} فيه مدح لكتابه الذي أنزله الله عليه { لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } فيه الدعوة إلى اتباع القرآن، يرغب سبحانه عباده في كتابه، ويأمرهم بتدبره، والعمل به، والدعوة إليه، ووصفه بالبركة لمن اتبعه، وعمل به في الدنيا والآخرة؛ لأنه حبل الله المتين.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ } التوراة و(ثم) لترتيب الأخبار {تَمَامًا } للنعمة {عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ } بالقيام به {وَتَفْصِيلاً } بيان {لّكُلِّ شَىْءٍ } يحتاج إليه في الدين {وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم } أي بني إسرائيل {بِلَقَاءِ رَبِّهِمْ } بالبعث {يُؤْمِنُونَ }.
الشوكاني
. تفسير : هذا الكلام مسوق لتقرير التوصية التي وصى الله عباده بها، وقد استشكل العطف بِثُمَّ مع كون قصة موسى وإيتائه الكتاب قبل المعطوف عليه. وهو ما تقدم من قوله: {ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ } فقيل: إن ثم ها هنا بمعنى الواو وقيل: تقدير الكلام، ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالنا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل المعنى: قل تعالوا أتل ما حرّم ربكم عليكم، ثم أتل إيتاء موسى الكتاب وقيل: إن التوصية المعطوف عليها قديمة لم يزل كل نبيّ يوصي بها أمته وقيل: إن ثم للتراخي في الإخبار كما تقول: بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت بالأمس أعجب. قوله: {تَمَامًا } مفعول لأجله أو مصدر، و {عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ } قرىء بالرفع، وهي قراءة يحيـى بن يعمر، وابن أبي إسحاق، فيكون رفع أحسن على تقدير مبتدأ، أي على الذي هو أحسن، ومنه ما حكى سيبويه عن الخليل أنه سمع: ما أنا بالذي قائل لك شيئاً. وقرأ الباقون بالنصب على أنه فعل ماض عند البصريين، وأجاز الفراء والكسائي أن يكون اسماً نعتاً للذي، وهذا محال عند البصريين لأنه نعت للاسم قبل أن يتمّ، والمعنى عندهم تماماً على من أحسن قبوله والقيام به كائناً من كان، ويؤيد هذا أن ابن مسعود قرأ: {تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَوا} وقال الحسن: كان فيهم محسن وغير محسن، فأنزل الله الكتاب تماماً على المحسنين. وقيل المعنى: أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان يحسنه موسى مما علمه الله قبل نزول التوراة عليه. وقيل المعنى: تماماً على الذي أحسن به الله عزّ وجلّ إلى موسى من الرسالة وغيرها. وقيل: تماماً على إحسان موسى بطاعة الله عزّ وجلّ قاله الفراء. قوله: {وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء } معطوف على تماماً، أي ولأجل تفصيل كل شيء، وكذا {هُدًى وَرَحْمَةً } معطوفتان، عليه أي وللهدى والرحمة، والضمير في لعلهم راجع إلى بني إسرائيل، المدلول عليه بذكر موسى، والباء في {بِلِقَاء } متعلقة بـ {يؤمنون}. قوله: {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ } الإشارة إلى القرآن، واسم الإشارة مبتدأ وخبره كتاب، وأنزلناه صفة لكتاب، ومبارك صفة أخرى له، وتقديم صفة الإنزال لكون الإنكار متعلقاً بها، والمبارك كثير البركة لما هو مشتمل عليه من المنافع الدنيوية والدينية {فَٱتَّبَعُوهُ } فإنه لما كان من عند الله، وكان مشتملاً على البركة، كان اتباعه متحتماً عليكم {وَٱتَّقَوْاْ } مخالفته، والتكذيب بما فيه {لَعَلَّكُمْ } إن قبلتموه ولم تخالفوه {تُرْحَمُونَ } برحمة الله سبحانه، و"أن" في {أَن تَقُولُواْ } في موضع نصب. قال الكوفيون: لئلا تقولوا. وقال البصريون: كراهة أن تقولوا. وقال الفراء والكسائي: المعنى فاتقوا أن تقولوا يا أهل مكة {إِنَّمَا أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ } أي التوراة والإنجيل {عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا } وهم اليهود والنصارى ولم ينزل علينا كتاب {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ } أي عن تلاوة كتبهم بلغاتهم {لَغَـٰفِلِينَ } أي لا ندري ما فيها، ومرادهم إثبات نزول الكتابين مع الاعتذار عن اتباع ما فيهما بعدم الدراية منهم، والغفلة عن معناهما. قوله: {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ } معطوف على {تَقُولُواْ } أي أو أن تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب كما أنزل على الطائفتين من قبلنا {لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ } إلى الحق الذي طلبه الله، فإن هذه المقالة والمعذرة منهم مندفعة بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، وإنزال القرآن عليه، ولهذا قال: {فَقَدْ جَاءكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } أي كتاب أنزله الله على نبيكم، وهو منكم يا معشر العرب، فلا تعتذروا بالأعذار الباطلة وتعللوا أنفسكم بالعلل الساقطة، فقد أسفر الصبح لذي عينين {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } معطوف على {بَيّنَةً } أي جاءكم البينة الواضحة، والهدى الذي يهتدي به كل من له رغبة في الاهتداء، ورحمة من الله يدخل فيها كل من يطلبها ويريد حصولها، ولكنكم ظلمتم أنفسكم بالتكذيب بآيات الله، والصدوف عنها، أي الانصراف عنها. وصرف من أراد الإقبال إليها {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} التي هي رحمة وهدى للناس {وَصَدَفَ عَنْهَا } فضلّ بانصرافه عنها، وأضلّ بصرف غيره عن الإقبال إليها {سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَـٰتِنَا سُوء ٱلْعَذَابِ } أي العذاب السيء بـسبب {مَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ } وقيل معنى صدف: أعرض، ويصدفون يعرضون، وهو مقارب لمعنى الصرف، وقد تقدّم تحقيق معنى هذا اللفظ، والاستفهام في {فمن أظلم} للإنكار، أي إنكار أن يكون أحد أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها، مع ما يفيده ذلك من التبكيت لهم. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد {تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ } قال: على المؤمنين المحسنين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي صخر {تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ } قال: تماماً لما كان قد أحسن الله. وأخرج أيضاً عن ابن زيد قال: تماماً لنعمته عليهم وإحسانه إليهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله: {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ } قال: هو القرآن الذي أنزل الله على محمد {فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ } يقول: فاتبعوا ما أحلّ الله فيه، واتقوا ما حرّم. وأخرج هؤلاء عن مجاهد في قوله: {عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا } قال: اليهود والنصارى، خاف أن تقوله قريش. وأخرج ابن المنذر، وابن حاتم، عن ابن عباس، قال: هم اليهود والنصارى، {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ } قال: تلاوتهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ } قال: هذا قول كفار العرب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي، في قوله: {فَقَدْ جَاءكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } يقول: قد جاءتكم بينة لسان عربي مبين حين لم يعرفوا دراسة الطائفتين. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {صَدَفَ عَنْهَا } قال: أعرض عنها. وأخرج عبد بن حميد، عن الضحاك، في قوله: {يَصْدِفُونَ } قال: يعرضون.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} وفي قوله: {تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ} خمسة أقاويل: أحدها: تماماً على إحسان موسى بطاعته، قاله الربيع، والفراء. والثاني: تماماً على المحسنين، قاله مجاهد، وكان ابن مسعود. يقرأ: {تَمَاماً عَلَى الَّذِينَ أَحْسَنُواْ}. والثالث: تماماً على إحسان الله إلى أنبيائه، قاله ابن زيد. والرابع: تماماً لكرامته في الجنة على إحسانه في الدنيا، قاله الحسن وقتادة. والخامس: تماماً لنعمة الله على إبراهيم لأنه من ولده، قاله ابن بحر.
ابن عطية
تفسير : {ثم} في هذه الآية إنما مهلتها في ترتيب القول الذي أمر به محمد صلى الله عليه وسلم كأنه قال ثم مما قضيناه أنا آتينا موسى الكتاب، ويدعو إلى ذلك أن موسى عليه السلام متقدم بالزمان على محمد صلى الله عليه وسلم وتلاوته ما حرم الله، و {الكتاب} التوراة، و {تماماً} نصب على المصدر، وقوله {على الذي أحسن} مختلف في معناه فقالت فرقة {الذي} بمعنى الذين، و {أحسن} فعل ماض صلة "الذين "، وكأن الكلام وآتينا موسى الكتاب تفضلاً على المحسنين من أهل ملته وإتماماً للنعمة عندهم، هذا تأويل مجاهد، وفي مصحف عبد الله " تماماً على الذين أحسنوا"، فهذا يؤيد ذلك التأويل، وقالت فرقة {الذي} غير موصولة، والمعنى تماماً على ما أحسن هو من عبادة ربه والاضطلاع بأمور نبوته،يريد موسى عليه السلام، هذا تأويل الربيع وقتادة، وقالت فرقة: المعنى {تماماً} أي تفضلاً وإكمالاً على الذي أحسن الله فيه إلى عباده من النبوءات والنعم وغير ذلك، وفـ {الذي} أيضاً في هذا التأويل غير موصولة، وهذا تأويل ابن زيد. وقرأ يحيى بن يعمر وابن إسحاق "تماماً على الذي أحسنُ" بضم النون، فجعلها صفة تفضيل ورفعها على خبر ابتداء مضمر تقديره "على الذي هو أحسن" وضعف أبو الفتح هذه القراءة لقبح حذف المبتدأ العائد، وقال بعض نحويي الكوفة يصح أن يكون {أحسن} صفة لـ {الذي} من حيث قارب المعرفة إذ لا تدخله الألف واللام كما تقول العرب مررت بالذي خير منك ولا يجوز فالذي عالم، وخطأ الزجاج هذا القول الكوفي، و {تفصيلاً} يريد بياناً وتقسيماً و {لعلهم} ترج بالإضافة إلى البشر، و {بلقاء ربهم} أي بالبعث الذي الإيمان به نهاية تصديق الأنبياء صلوات الله عليهم، إذ لا تلزمه العقول بذواتها وإنما ثبت بالسمع مع تجويز العقل له.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَمَاماً عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ} تماماً على إحسان موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ بطاعته، أو تماماً على المحسنين، أو تماماً على إحسان الله ـ تعالى ـ إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، أو تماماً لكرامته في الجنة على إحسانه في الدنيا.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِي أَحْسَنَ}، {ثُمَّ}؛ في هذه الآية: إنما مُهْلَتها في ترتيب القولِ الذي أمر به نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ كأنه قال: ثم ممَّا قضَيْناه أنَّا آتينا موسَى الكتاب؛ ويدعو إلى ذلك أن موسى ـــ عليه السلام ـــ متقدِّم بالزمانِ على نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم وتلاوته ما حرَّم اللَّه، و {ٱلْكِتَـٰبَ}: التوراةُ، و {تَمَاماً}: مصدر، وقوله: {عَلَى ٱلَّذِي أَحْسَنَ}: مختلفٌ في معناه، فقالت فرقة: {ٱلَّذِي} بمعنى الَّذِينَ و {أَحْسَنَ}: فعلٌ ماضٍ صلَةُ «الذين»، وكأن الكلام: وآتينا موسَى الكتابَ تفضُّلاً على المحسنين من أهْل ملَّته، وإتماماً للنعمة عليهم، وهذا تأويل مجاهد؛ ويؤيِّده ما في مصحف ابْنِ مسعود: «تَمَاماً عَلَى الَّذِينَ أحْسَنُوا»، وقالت فرقة: المعنَىٰ: تماماً على ما أحْسَنَ هو مِنْ عبادة ربِّه، يعني: موسى ـــ عليه السلام ـــ وهذا تأويل الربيع وقتادة، وقالت فرقة: المعنى: تماماً على الذي أحسن اللَّه فيه إلى عباده من النبوُّات وسائر النعم؛ و {بِلَقَاء رَبِّهِمْ}، أي: بالبعث. وقوله سبحانه: {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، {هَـٰذَا } إشارة إلى القرآن، و {مُّبَارَكٌ}: وصف بما فيه من التوسُّعات وأنواعِ الخَيْرات، ومعناه: مُنَمًّى خيره مُكثَّر، والبركةُ: الزيادةُ والنموُّ، {فَٱتَّبَعُوهُ}: دعاء إلى الدِّين، {وَٱتَّقَوْاْ}: أمر بالتقوَى العامَّة في جميع الأشياء؛ بقرينةِ قوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، و «أنْ» في قوله: {أَن تَقُولُواْ} في موضعِ نصبٍ، والعاملُ فيه: {أَنزَلْنَـٰهُ}، والتقدير: وهذا كتاب أنزلناه؛ كراهيةَ أنْ تقولوا، والطائفتان: اليهودُ والنصارَىٰ بإجماع المتأوِّلين، والدِّرَاسَة: القراءةُ والتعلُّم بها، ومعنى الآية: إزالة الحجة مِنْ أيدي قُرَيْشٍ وسائرِ العربِ، ولما تقرَّر أن البينة قد جاءَتْهم، والحجَّةَ قد قامَتْ عليهم ـــ حَسُنَ بعد ذلك أنْ يقع التقريرُ بقوله سبحانه: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا}، أيْ: حَادَ عنها، وزَاغَ، وأعرض، و {سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ}: وعيدٌ.
ابن عادل
تفسير : أصل "ثُمَّ": المُهلة في الزمان، وقد تأتي للمُهْلة في الإخبار. وقال الزَّجَّاج: وهو مَعْطُوف على "أتْلُ" تقديره: أتْلُ ما حرَّم ثم أتْلُ ما آتيْنَا. وقيل: هو مَعْطُوف على "قَلْ" أي: على إضْمَار قل، أي: ثم قل: آتينا. وقيل: تقديره: ثم أخْبِرُكم آتَيْنا. وقال الزمخشري: عطف على وصَّاكُم به قال: فإن قلت: كيف صَحَّ عطفه عليه بـ "ثم"، والإيتَاء قبل التَّوْصِيَة به بِدَهْر طَويلٍ؟ قال شهاب الدين: هذه التَّوصية قديمة لم يَزلْ تتواصاها كل أمَّةٍ على لسان نبيِّها، فكأنه قيل: ذلك وَصَّاكُم به يا بَنِي آدَمَ قَديماً وحَديثاً، ثم أعْظَم من ذَلِك أنَّا آتَيْنَا موسى الكِتَاب. وقيل: هو مَعْطُوف على ما تقدَّم قبل شَطْر السورة من قوله: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ} تفسير : [الأنعام:84]. وقال ابن عطية - رحمه الله تعالى -: "مهلتها في تَرْتَيب القَوْلِ الذي أمر به محمَّد صلى الله عليه وسلم كأنَّه قال: ثم مِمَّا وصِّيْنَاه أنا أتَيْنَا مُوسى الكتاب، ويدعو إلى ذلك أن موسى - عليه السلام - مُتقدِّم بالزمان على محمَّد - عليه الصلاة والسلام -". وقال ابن القُشَيْرِي: "في الكلام حذف, تقديره: ثم كُنَّا قد آتينا موسى الكتاب قبل إنزالِنَا القُرْآن العَظِيم على محمَّد - عليه الصلاة والسلام -". وقال أبُو حيَّان: "والذي ينبغي أن يُسْتَعْمَل للعَطْفِ كالواو من غير اعتِبَار مُهْلَةٍ، وبذلك قال [بَعْض] النَّحْويِّين". قال شهاب الدّين: وهذه استراحة، وأيضاً لا يلزم من انتفاء المهلة انتفاء الترتيب فكان ينبغي أن يقول من غير اعتبار ترتيب ولا مهلة على أن الفرض في هذه الآية عدم الترتيب في الزمان. قوله: "تَمَاماً" يجوز فيه خَمْسَة أوْجُه: أحدها: أنَّه مفعول من أجْلِهِ، أي: لأجْل تمامِ نِعْمَتِنَا. الثاني: أنَّه حالٌ من الكِتَاب، أي: حَالَ كَوْنه تَمَاماً. الثالث: أنَّه نَصْب على المصدرِ؛ لأنَّه بمعنى: آتيناهُ إيتاء تمامٍ، لا نقصان. الرابع: أنه حالٌ من الفاعل، أي: مُتِمِّين. الخامس: أنَّه مصدرٌ مَنْصُوب بفِعْل مُقَدَّر من لفظه، ويكون مصدراً على حَذْف الزَّوائِد، والتقدير: أتَمَمْنَاهُ إتْمَاماً، و "على الذي" مُتعلِّق بـ "تماماً" أو بمحذُوف على أنَّه صِفَة، هذا إذا لم يُجْعَلْ مصدراً مؤكَّداً، فإن جُعِلَ، تعيِّن جعلُه صِفَة. و "أحسن" فيه وجهان: أظهرهما: أنه فِعْلٌ ماضٍ واقعٌ صلةً للموصول، وفاعله مُضْمَرٌ يعود على مُوسى - عليه الصلاة والسلام - أي: تماماً على الذي أحْسَن؛ فيكون الذي عبارةٌ عن مُوسَى. وقال أبو عبيدة: على كُلِّ من أحْسَن، أي: أتممنا فَضِيلَة مُوسَى - عليه الصلاة والسلام - بالكتاب على المُحْسِنين أي: أظهرنا فضله عليهم. وقيل: على المُحْسِنين من قومه، أي: على من أحْسَن من قومه، وكان فيهم مُحْسنٌ ومُسِيءٌ، وتدُلُّ عليه قِرَاءة ابن مَسْعُود: وعلى الذي أحْسَن. وقيل: كُلُّ من أحسن، أي: الذي أحْسَنَهُ موسى من العِلْم، والحِكْمَة، والإحْسَان في الطاعة والعِبَادة، وتَبْلِيغ الرِّسَالة. وقيل: "الذي" عِبَارةٌ عمّا عَمِلَهُ مُوسى - عليه الصلاة والسلام - وأتقنه، أي: تماماً على الذي أحْسَنَهُ موسى - عليه الصلاة والسلام -. والثاني: أنَّ "أحَسْن" اسمٌ على وَزْن أفْعَل، كـ "أفْضَل" و "أكْرَم"، واستَغْنَى بِوَصْف الموصُول عن صِلَتِهِ، وذلك أنَّ المَوْصُول متى وُصِفَ بِمَعْرِفَة، نحو: "مَرَرْتُ بالذي أخيك"، أو بِمَا يُقارب المَعْرِفَة، نحو: "مَرَرْت بالذي خَيْر مِنْكَ، وبالذي أحْسَن منك"، جاز ذلك، واستغني به عن صِلته، وهو مَذْهَبُ الفرَّاء، وأنشد قوله: [الرجز] شعر : 2386- حتَّى إذَا كَانَا هُمَا اللَّذِينِ مِثْلَ الجَدِيليْن المُحَمْلَجَيْنِ تفسير : بنصب "مِثْلَ" على أنه صِفَةٌ لـ "اللَّذِيْن" المنصُوب على خَبَر كان، ويجُوز أن تكون "الَّذي" مصدريَّة، و "أحْسَنَ" فعل ماضٍ صِلَتُها والتقدير: تماماً على إحْسَانِه، أي: إحْسان الله - تعالى - إليه، وإحْسَان مُوسَى إليهم، وهُو رأي يُونُس والفراء؛ كقوله: [البسيط] شعر : 2387- فَثَبَّتَ اللَّهُ مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ تَثْبِيتَ عِيسَى ونَصْراً كالَّذِي نُصِرُوا تفسير : وقد تقدَّم: تَحْقِيقُ هذا. وفتح نُون "أحْسَنَ" قراءة بالعامَّة, وقرأ يَحْيَى بن يَعْمُر، وبان أبِي إسْحَاق برفعها، وفيها وجهان: أظهرهما: أنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي: على الذي هو أحْسَن، فحذف العَائِد، وإن لم تَطُل الصِّلَةُ، فهي شَاذَّةٌ من جِهَة ذلك، وقد تقدَّم بدلائله عِنْد قوله: {أية : مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} تفسير : [البقرة:26]، فيمن رفع "بَعُوضَةٌ". الثاني: أن يكُون "الَّذِي" واقِعاً موقع الذين، وأصلُ "أحْسن": أحْسَنُوا بواو الضَّمير، حُذِفَت الواوُ اجتِزَاءً بحركة ما قبلها، قاله التبريزيُّ؛ وأنشد في ذلك فقال: [الوافر] شعر : 2388- فلَوْ أنَّ الأطِبَّا كَانُ حَوْلِي وكان مَعَ الأطِبَّاءِ الأسَاة تفسير : قال الآخرُ في ذلك هذا البيت: [الوافر] شعر : 2389- إذا مَا شَاءُ ضَرُّوا مَن أرَادُوا ولا يَألُوهُمُ أحَدٌ ضِرَارا تفسير : وقول الآخر في ذلك: [الرجز] شعر : 2390- شَبُّوا على المَجْدِ وَشَابُوا واكتَهَلْ تفسير : يريد اكْتَهَلُوا، فحذف الواو، وسكن الحَرْف قبلها، وقد تقدَّم أبْيَاتٌ أخر كَهَذِه في غُضُون هذا الكتاب، ولكن جَمَاهِير النُّحَاة تَخُصُّ هذا بِضَرُورَة الشِّعْر. وقوله: "وتَفْصيلاً" وما عُطِفَ عليه؛ مَنْصُوب على ما ذُكِرَ في "تَمَاماً" [والمعنى: بياناً لكلِّ شيءٍ يحتاجُ إليه من شرائع الدِّين. و "هدًى ورحمةً" هذا في صِفَة السُّورة. {لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}. قال ابن عباسٍ - رضي الله عنهما -: "كي يُؤمنوا بالبعث، ويُصَدِّقُوا بالثُّوَاب والعِقَاب"].
البقاعي
تفسير : ولما كانت هذه الآيات الثلاث وافية بالآيات العشر التي كتبها الله لموسى عليه السلام على لوحي الشهادة في أول ما أوحي إليه في طور سيناء المشار إليها بقوله {أية : وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم}تفسير : [الأنعام: 91] وبنى عليها التوراة وأمره أن يودعها في تابوت العهد لتكون شهادة عليهم وعلى أعقابهم كما هو مذكور في وسط السفر الثاني من التوراة وقد مضى بيانه في البقرة ويأتي في آخر هذه المقولة وزائدة عليها من الأحكام والمحاسن ما شاء الله؛ حسن أن تذكر بعدها التوراة، فقال مشيراً بأداة التراخي إلى كل من الترتيب والتعظيم: {ثم آتينا} أي بما لنا من العظمة التي تقتضي تعظيم ما كان من عندنا {موسى الكتاب} أي المشار إليه بقوله تعالى {أية : قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} تفسير : [الأنعام: 91] - وهي - والله أعلم - معطوفة على قوله {أية : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر} تفسير : [الأنعام: 146] لأنه تعالى بعد أن أعطى موسى العشر الآيات واعده إلى الجبل مواعدة ثانية، فشرع له بعض الأحكام وأمره بنصب قبة الزمان التي يوحي إليه فيها ويصلون إليها، وببعض ما يتخذ من آلاتها كما مضى في البقرة، ثم ذكر بعد ذلك بيسير تحريم الشحوم عليهم، فقال في أوائل السفر الثالث وهو سفر الكهنة، وفيه تلخيص أمر القرابين: ودعا الرب موسى وكلمه في قبة الأمد وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: كل إنسان منكم إذا قرب للرب قرباناً من البهائم فلتكن قرابينكم من البقر ومن الغنم - إلى أن قال: ويقرب قرباناً للرب الحجاب المبسوط على الأحشاء وكل الثوب الذي على الأكشاح والكليتين والشحم الذي عليهما وعلى الجنب - إلى أن قال: وقال: الشحوم للرب عهد الأبد، ولا تأكلوا دماً ولا شحماً، ثم قال: وكلم الرب موسى وقال له: كلم بني إسرائيل وقل لهم: لا تأكلوا شحم البقر ولا شحم الغنم: الضأن والماعز جميعاً، لأن كل من أكل شحم بهيمة ويقرب قرباناً للرب، تهلك تلك النفس من شعبها، ولا تأكلوا دماً حيث ما سكنتم، لا دم البهائم ولا دم الطير، وأيّة نفس أكلت دماً تهلك تلك النفس من شعبها، وقال في السفر الخامس: فأما الدم فلا تأكلوا ولكن ادفقوه على الأرض مثل الماء، ثم قال بعده بقليل: وكلوا في قراكم من كل شهوات أنفسكم، ولكن إياكم أن تأكلوا دماً، لأن دم البهيمة هو في نفسها، فلا تأكلوا النفس مع اللحم ليحسن إليكم وإلى أولادكم من بعدكم إذا عملتم الحسنة أمام الله ربكم؛ رجع إلى السفر الثالث ثم قال: ودخل موسى وهارون إلى قبة الزمان وخرجا ودعوا الشعب، فظهر مجد الرب أمام جميع الشعب، ونزلت نار من قبل الرب فأحرقت الشحم والذبيحة الكاملة له على المذبح، وعاين ذلك جميع الشعب وحمدوا الله، وخر الشعب كله على وجهه؛ ثم ذكر عقب ذلك بيسير محرمات الحيوان، وكذا ذكر في السفر الخامس وقد جمعت بينهما ومعظم السياق للخامس: قال: لا تأكلوا شيئاً نجساً، هذا! كلوا من جميع البهائم: الثور: والحمل والنعجة والمعز والأيل والظبي والجوذر والرخ والرئم والوعل والثيثل كل بهيمة ذات ظلف مقسوم ظلفها تجتر كلوها، وحرموا من التي لا تجتر، ومن التي لها ظلوف مقسومة ولا تجتر الجمل والأرنب والوبر التي تجتر وليس لها أظلاف مقسومة هي نجسة لكم، وفي الثالث: وحرموا من البهائم التي ليست لها أظلاف التي تجتر: الجمل الذي يجتر وليس له أظلاف هو نجس محرم عليكم، والأرنب الذي يجتر وليس له أظلاف منجس محرم عليكم؛ رجع: والخنزير الذي له أظلاف ولا يجتر هو نجس، لا تأكلوا من لحوم هذه ولا تقربوا إلى أجسادها؛ وقال في الثالث: ولا تمسوا لحومها لأنها نجسة محرمة عليكم؛ وقال في الخامس من ترجمة الاثنين والسبعين: وإياكم أن تأكلوا كل نجس، ويكون الذي تأكلونه من الدواب العجل من البقر والخروف من الغنم والجدي من المعز أو الأيل والغزال والعين والوعل وعنز الجبل واليحمور وناقة القمر والزرافة، وكل دابة مشقوقة الظلف وهي تنبت أظافير في كل ظلفها واجتر من الدواب. فإياه فكلوا، والذي لا تأكلون منه من الذي يجتر ومن المشقوق الظلف الذي ينبت له أظافير الجمل والأرنب واليربوع، فإن ذلك يجتر ولكنه غير مشقوق الظلف، وهو لا يحل لكم، والخنزير أيضاً فإن ظلفه مشقوق وينبت في ظلفه أظافير غير أنه لا يجتر، وما لا يجتر فإنه لا يحل لكم فلا تأكلوا من لحومها ولا تقربوا أجسادها؛ وقال في الثالث منها: وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما: كلما بني إسرائيل وقولا لهما: إن الذي تأكلونه من المواشي من جميع الأنعام التي على الأرض كل بهيمة قد شق ظلفها وهي تخرج أظفاراً في كلا ظلفيها وتجتر، فذلك الذي تأكلونه من الأنعام، والذي لا يحل مما يجتر ولم يشق ظلفه الجمل الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه غير طاهر لكم، واليربوع - وفي نسخة: السنجاب - الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه غير طاهر لكم لم يطهر لكم، والأرنب الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه لا يطهر لكم والخنزير فإنه مشقوق الظلف ويخرج أظفاراً في ظلفه وهو لا يجتر فإنه لا يطهر لكم فلا تأكلوا من لحومها ولا تمسوا ما مات منها، فإن ذلك لا يطهر لكم؛ رجع إلى نسختي، ثم ذكر في الطير ودواب البر قريباً مما في شرعنا إلى أن قال: ولا تأكلوا أشياء نجسة بل ادفعوها إلى السكان الذين في قراكم يأكلونها أو يبيعونها من الغرباء، لأنك شعب طاهر لله ربك لا تطبخوا جدياً بلبن أمه؛ وقال في ترجمة الاثنين والسبعين: ولا تطبخ الخروف بلبن أمه؛ وقال في السفر الخامس: وكلوا من الطير ما كان زكياً وحرموا هذه التي أصف لكم، لا تأكلوا منها شيئاً: النسر والحداء - وذكر نحواً مما عندنا، وقال في نسختي في الثالث: فمن مس شيئاً من هذه - أي المحرمات - يكون نجساً إلى المساء، ومن حمل منها شيئاً فليغسل ثيابه ويكون نجساً إلى الليل - انتهى. الظبي - بالمعجمة المشاركة - معروف، والجوذر - بفتح الجيم والذال المعجمة والراء: البقرة الوحشية، والرئم - بكسر المهملة: الظبي الخالص البياض، والثيثل - بمثلثتين مفتوحتين بينهما ياء تحتانية ساكنة: بقر الوحش، والأيل - بفتح الهمزة وكسر التحتانية المشددة، الوعل - بفتح الواو وكسر المهملة - وهو تيس الجبل، والحمل - بفتح المهملة: الرضيع من أولاد الضأن، وقوله: لا تطبخوا جدياً بلبن أمه، الظاهر أن معناه النهي عن أكله ما دام يرضع، وما بعد الذي في الثالث هو معظم التوراة، والذي في الخامس إنما هو إعادة لما في الثالث، فإن الخامس تلخيص لجميع ما تقدمه من القصص والأحكام مع زيادات، فصدق أن إيتاء الكتاب أتى معظمه بعد تحريم ما حرم عليهم، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون معطوفاً على محذوف تقديره: ذلكم وصاكم به كما وصى بني إسرائيل في الفصل الذي نسبته من التوراة كنسبة أم القرآن من القرآن، وذلك هي العشر الآيات التي هي أول ما كتبه الله لموسى عليه السلام، وهي أول التوراة في الحقيقة لأنها أول الأحكام، وما قبلها فهو قصص وحاصل هذه العشر آيات: الرب إلهك الذي أصعدك من أرض مصر من العبودية والرق، لا يكونن لك إله غيري، لا تقسم باسمي كذباً، احفظ يوم السبت، أكرم والديك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تمدن عينيك إلى ما في أيدي الناس، فالمعنى: ذلك وصيناكم به كما وصينا بني إسرائيل به في العشر الآيات وبعض ما آتينا موسى من التوراة، ويجوز أن يكون التقدير: لكون هذه الآيات محكمة في كل الشرائع لم تنسخ في أمة من الأمم ولا تنسخ، وصاكم به يا بني آدم في الزمن الأقدم، ولم يزدد الأمر بها في التوصية إلا شدة {ثم آتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي جميعه وهي فيه، حال كونه {تماماً} لم ينقص عما يصلحهم شيئاً {على} الوجه {الذي أحسن} أي أتى بالإحسان فأثبت الحسن وجمعه بما بيّن من الشرع وبما حمى طوائف أهل الأرض به من الإهلاك بعامه، فإنه نقل أن الله تعالى لم يهلك قوماً هلاكاً عاماً بعد إنزال التوراة {وتفصيلاً لكل شيء} من جملة ذلك الفصل المحتوي على الكلمات الحاوية لكل شيء يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا، كما أن القرآن تفصيل لكل شيء من الجوامع السبع التي حوتها أم القرآن الحاوية لمصالح الدارين، وفي هذين الاحتمالين المقتضيين لكون "ثم" على حقيقتها من الترتيب والمهلة علم من أعلام النبوة، وهو الاطلاع على أن العشر الآيات وتحريم ما حرم عليهم بالبغي في أوائل ما أوحي إلى موسى عليه السلام بعد إغراق فبعون وأن معظم التوراة أنزل بعد ذلك، وهذا لا يعرفه إلا أحبارهم {وهدى} أي بياناً {ورحمة} أي إكراماً لمن يقبله ويعمل به {لعلهم} أي بني إسرائيل {بلقاء ربهم} أي الذي أخرجهم من مصر من العبودية والرق بقوته العظيمة وكلماته التامة {يؤمنون *} أي ليكون حالهم بعد إنزال الكتاب - لما يرون من حسن شرائعه وفخامة كلامه وجلالة أمره - حال من يرجى أن يجدد الإيمان في كل وقت بلقاء ربه لقدرته على البعث الذي الإيمان به نهاية تصديق الأنبياء لأنه لا تستقل به العقول، وإنما يثبت بالسمع مع تجويز العقل له، فيعلموا أنه لا يشبهه شيء كما أن كلامه لا يشبهه كلام فلا يبغوا باتخاذ عجل غاية أمره خوار لا يفهم ومجمجة لا تفيد. فلما بين أن إنزال الكتب رحمة منه لأن غايتها الدلالة على منزلها فتمتثل أوامره وتتقى مناهيه وزواجره، بين أنه لم يخص تلك الأمم بذلك، بل أنزل على هذه الأمة كتاباً ولم يرض لها كونه مثل تلك الكتب، بل جعله أعظمها بركة وأبينها دلالة، فقال: {وهذا} أي القرآن {كتاب} أي عظيم {أنزلناه} أي بعظمتنا إليكم بلسانكم حجة عليكم {مبارك} أي ثابت كل ما فيه من وعد ووعيد وخير وغيره ثباتاً لا تمكن إزالته مع اليمن والخير. ولما كان هذا معناه: وكان داعياً إليه محبباً فيه، سبب عنه قوله: {فاتبعوه} أي ليكون جميع أموركم ثابتة ميمونة، ولما أمر باتباعه وكان الإنسان ربما تبعه في الظاهر، أمر بإيقاع التقوى المصححة للباطن إيقاعاً عاماً، ولذلك حذف الضمير فقال: {واتقوا} أي ومع ذلك فأوقعوا التقوى، وهي إيجاد الوقاية من كل محذور، فإن الخطر الشديد والسلامة على غير القياس، فلا تزايلوا الخوف من منزله بجهدكم، فإن ذلك أجدر أن يحملكم على تمام الاتباع وإخلاصه {لعلكم ترحمون *} أي ليكون حالكم حال من يرجى له الإكرام بالعطايا الجسام، والآيتان ناظرتان إلى قوله تعالى {قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى} - إلى قوله -: {أية : وهم على صلاتهم يحافظون} تفسير : [الأنعام: 92]، ثم بين المراد من إنزاله وهو إقامة الحجة البالغة فقال: {أن} أي لأن لا {تقولوا} أو كراهة أن تقولوا أيتها الأمة الأمية {إنما أنزل الكتاب} أي الرباني المشهور {على طائفتين} وقرب الزمن وبعّضه بإدخال الجار فقال: {من قبلنا} أي اليهود والنصارى {وإن} أي وأنا - أو وأن الشأن - {كنا عن دراستهم} أي قراءتهم لكتابهم قراءة مرددة. ولما كانت هي المخففة أتى باللام الفارقة بينها وبين النافية فقال: {لغافلين*} أي لا نعرف حقيقتها ولا ثبتت عندنا حقيتها ولا هي بلساننا {أو تقولوا} أي أيها العرب: لم نكن عن دراستهم غافلين بل كنا عالمين بها، ولكنه لا يجب اتباع الكتاب إلا على المكتوب إليه فلم نتبعه، و {لو أنا} أهلنا لما أهلوا له حتى {أنزل علينا الكتاب} أي جنسه أو الكتاب الذي أنزل إليهم من عند ربنا {لكنا أهدى منهم} أي لما لنا من الاستعداد بوفور العقل وحدة الأذهان واستقامة الأفكار واعتدال الأمزجة والإذعان للحق، ولذلك سبب عن هاتين العلتين قوله: {فقد جاءكم} وذكر الفعل مدحاً لهذا القرآن وتفضيلاً وتشريفاً له على كل ما تقدمه وتنبيهاً على أن بيان هذه السورة في النهاية لأنها سورة أصول الدين {بينة} أي حجة ظاهرة بلسانكم {من ربكم} أي المحسن إليكم على لسان رجل منكم تعرفون أنه أولاكم بذلك {وهدى} أي بيان لمن تدبره عظيم {ورحمة} أي إكرام لمن قبله، فكذبتم بها. ولما قامت عليهم الحجة، حسن وقوع تحذير التقرير بقوله: {فمن} أي فتسبب عن تكذيبكم أنه يقال بياناً لأنكم أظلم الناس: من {أظلم ممن كذب} أي أوقع التكذيب {بآيات الله} أي الذي لا أعظم منه فلا أعظم من آياته، لأن الأثر على قدر المؤثر {وصدف} أي أعرض إعراضاً صار به كأنه في صفد أي سد عن سهولة الانقياد للدليل {عنها} بعد ما عرف صحتها. ولما كان الجواب قطعاً: لا أحد أظلم منه، فكان الحال مقتضياً لتوقع ما يجازى به، قال: {سنجزي} أي بوعد صادق لا خلف فيه، وأظهر ما أصله الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال: {الذين يصدفون} أي يجددون الإعراض ولا يتوبون {عن آياتنا} أي على ما لها من العظمة {سوء العذاب} أي الذي يسوء نفسه {بما كانوا يصدفون *} أي بسبب إعراضهم الذي كان عادة لهم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {تماماً على الذي أحسن} قال: على المؤمنين المحسنين . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر وفي قوله {تماماً على الذي أحسن} قال: تماماً لما قد كان من إحسانه إليه . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {تماماً على الذي أحسن} قال: تماماً لنعمه عليهم وإحسانه إليهم . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {تماماً على الذي أحسن} قال: من أحسن في الدنيا تمَّم الله ذلك له في الآخرة . وفي لفظ: تمت له كرامة الله يوم القيامة. وفي قوله {وتفصيلاً لكل شيء} أي تبياناً لكل شيء، وفيه حلاله وحرامه. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن هرون قال: قراءة الحسن " تماما على المحسنين" . وأخرج ابن الأنباري عن هرون قال: في قراءة عبد الله " تماماً على الذين أحسنوا" . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {تفصيلاً لكل شيء} قال: ما أمروا به وما نهوا عنه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لما ألقى موسى الألواح لفي الهدى والرحمة وذهب التفصيل.
القشيري
تفسير : يهوِّن عليهم مشقة مقاساة التكليف بما ذكر من التعريف بأنَّ الذين كانوا قبلنا كانوا في الضعف والعجز مثلها، ثم صَبرُوا فظَفروا، وأخْلَصُوا فخَلُصُوا.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ} اى اعطى موسى ما خص به فى المناجاة حيث اسمعه كلامه القديم الذى بين له طريق معارف القدم وكواشف الذات والصفات حين تجلى له ثم اعطى التوراة للعموم شريعة وبيانا لمناهد العبودية لانهم عن مشاهدة الجلال وسمع الخاص عند كلام الخاص بمعزل قوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً} وصف المفترين والمائلين عن الطريقة حقها على المريدين بذل النفوس وامانتها بالمجاهدات والرياضيات بانهم لما فارقوا سبيل الحق وقعوا فى اودية الباطل فصاروا فرق الدعاوى لهالكة فبعضهم زراقون وبعضهم طرادون وبعضهم متشبهون بزى الرجال وبعضهم متلبسون بقول الابطال قال فارس يستقيم الله على وتيرة واحدة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم ءاتينا موسى الكتاب} عطف على مقدر اى فعلنا تلك التوصية باتباع صراط الله ثم آتينا موسى الكتاب اى التوراة وثم للتراخى فى الاخبار كما فى قولك بلغنى ما صنعت اليوم ثم ما صنعت امس اعجب {تماما} مصدر من اتم بحذف الزوائد اى اتماما للكرامة والنعمة {على الذى أحسن} اى على من احسن القيام به كائنا من كان من الانبياء والمؤمنين {وتفصيلا لكل شئ} وبيانا مفصلا لكل ما يحتاج اليه فى الدين وهذا لا ينافى الاجتهاد فى شريعتهم كما لا ينافى قوله تعالى فى آخر سورة يوسف {أية : وتفصيل كل شئ} تفسير : [يوسف: 111]. فى شريعتنا لان التفصيل فى الاصول والاجتهاد فى الفروع {وهدى} من الضلالة {ورحمة} نجاة من العذاب لمن آمن به وعمل بما فيه {لعلهم} اى بنى اسرائيل المدلول عليهم بذكر موسى {بلقاء ربهم يؤمنون} الباء متعلقة بيؤمنون اى كى يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ثم}: هنا للترتيب الإخباري، وقال ابن جزي: هذه الوصية قديمة لكل أمة على لسان نبيها، فصح الترتيب. وقال البيضاوي: {أو} للتفاوت في الرتبة، كأنه قيل: ذلكم وصاكم به قديمًا وحديثًا، ثم أعظم من ذلك: أنا آتينا موسى الكتاب... الخ. وهو عطف على {وصّاكم}، و {تمامًا وتفصيلاً}: حالان، أو علتان، أو مصدران. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ثم} نخبرك أنا {آتينا موسى الكتاب}؛ التوراة، {تمامًا على الذي أحسن} القيام به من بني إسرائيل، ويدل عليه قراءة: {أحسنوا}، أي: تمامًا للنعمة على العاملين به، أو تمامًا على موسى الذي أحسن القيام به، أي: آتيناه الكتاب تفضلاً وإتمامًا للنعمة؛ جزاء على ما أحسن من طاعة ربه وتبليغ رسالته، ففاعل أحسن: ضمير موسى. أو: {تمامًا} أي: إكمالاً على ما أحسن الله به إلى عباده، فالفاعل على هذا: ضمير الله تعالى، {وتفصيلاً} أي: تبيينًا {لكل شيء} يحتاجون إليه في الدين. {وهدى} أي: هداية للظواهر، {ورحمة} للقلوب، {لعلهم} أي: بني إسرائيل، {بلقاء ربهم} للجزاء، {يُؤمنون} إيمانًا صحيحًا، وهو اللقاء بالأجسام والأرواح، والنعيم أو العذاب للأشباح. الله تعالى أعلم. الإشارة: كل من أحسن عبادة ربه في الظاهر، وحقق عبوديته في الباطن، أتم الله عليه نعمته بشهود ذاته وأنوار صفاته، ووهب له علومًا لدنية تفصل له ما أشكل، يكون له هداية لزيادة الترقي، ورحمةً يتهيأ بها قلبه لوحي الإلهام والتلقي. وبالله التوفيق. ثم ذكر فضل كتابه العزيز، فقال: {وَهَـٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}.
الطوسي
تفسير : قيل في معنى قوله {ثم آتينا موسى الكتاب} مع ان كتاب موسى قبل القرآن و (ثم) تقتضي التراخي قولان: احدهما - ان فيه خذفا، وتقديره: ثم اتل {آتينا موسى الكتاب} وقال ابو مسلم عطفه على المنن التي امتنَّ بها على ابراهيم من قوله {ووهبنا له إسحاق} الى قوله {إلى صراط مستقيم} واستحسنه المغربي. وقوله {تماما على الذي أحسن} قيل فيه خمسة أقوال: احدها - قال الربيع والفراء: تماما على احسانه اي احسان موسى كأنه قال ليكمل احسانه الذي يستحق به كمال ثوابه في الآخرة. الثاني - قال مجاهد: تماما على المحسنين. وقيل في قراءة عبد الله {تماما على الذين احسنوا} كأنه قيل اتماما للعنة على المحسنين الذين هو أحدهم. الثالث قال ابن زيد: تماما على احسان الله الى انبيائه. الرابع - قال الحسن وقتادة: لتمام كرامته في الجنة على احسانه في الدنيا. الخامس - قال ابو علي: تماما على احسان الله الى موسى بالنبوة، وغيرها من الكرامة. وقال أبو مسلم تماما على الذي احسن ابراهيم، فجعل ما اعطى موسى منَّة على ابراهيم واجابة لدعوته بما تقدم من احسانه وطاعته، وذلك اذ يقول ابراهيم {أية : واجعل لي لسان صدق في الآخرين}. تفسير : وقوله {تماما على الذي} يقتضي مضاعفة (عليه). ولو قال: تماما، لدل على نقصانه قبل تكميله. وقوله {أحسن} في موضع خفض عند الفراء، زعم ان العرب تقول مررت بالذي خير منك، وبالذي أخيك. ولا يقولون: بالذي قائم، لانه نكرة وأنشد عن الكسائي: شعر : ان الزبيري الذي مثل الحكم مشى بأسلابك في اهل العلم تفسير : قال الزجاج: أجمع البصريون على انه لا يجوز ذلك، لان (الذي) يقتضي صلة، ولا يصح ان يوصف الا بعد تمام وصلته. وقوله {وهدى ورحمة} صفتان للكتاب الذي أنزله على موسى، ومعناه حجة ورحمة {وتفصيلا لكل شيء} مثل ذلك. وقوله {لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون} معناه لكي يؤمنوا بجزاء ربهم، فسمى الجزاء لقاء الله تفخيما لشأنه وتعظيما له مع الاختصار والايجاز. و {تماما} و {تفصيلا} نصب على انه مفعول له، وتقديره إِنا فعلنا للتمام والتفصيل لكل ما شرعنا له. وروي في الشواذ {أحسن} رفعا وتقديره على الذي هو أحسن.
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} كتاب النّبوّة او التّوراة الّتى هى صورة النّبوّة والعطف باعتبار المعنى كأنّه قال هذا ما آتينا محمّداً (ص) ثمّ آتينا موسى الكتاب والعطف ثمّ باعتبار الاخبارين والاعلامين او باعتبار تفاوت الخبرين فى الشّرف باعتبار موضوعيهما ويحتمل العطف على جملة ذلكم وصيّكم به لكنّه بعيد عن الفصاحة لعدم المناسبة بينهما، وامّا العطف على وصيّكم كما قيل فبعيد غاية البعد لعدم ظهور الرّابط لمبتدء المعطوف عليه {تَمَاماً} من غير نقصٍ فيه او تماماً للنّعمة وهو حال او مفعول مطلق او تعليل {عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ} صار ذا حسنٍ او جعل عمله حسناً وبأحد هذين المعنيين ورد تفسيره بان تعبد الله كأنّك تراه او احسن الى الغير ومنع اساءته عنهم، اعلم، انّ الحسن المطلق منحصر فى الولاية المطلقة الّتى صاحبها علىّ (ع) بعد محمّد (ص) وحسن غيرها من الّذوات والصّفات والافعال باعتبار اتّصاله بها، وتفاوت الحسن فى الاشياء باعتبار تفاوتها فى القرب والبعد عنها، فالطّالب للولاية يكون فى نفسه حسناً وافعاله الّتى تصدر عن طلبه تكون حسنة، والقابل لها يكون احسن وأفعاله الّتى تصدر عن جهة ذلك القبول أحسن من افعال الطّالب، والقابل المشاهد لصورة الولىّ والنّاظر الى ملكوته احسن من القابل الغائب عن المشاهدة، وتلك المشاهدة هى الّتى تسمّى عند الصّوفيّة بالفكر وتمثّل صورة الشّيخ والنّظر الى صورته أحسن من جميع افعاله والمتحقّق بحقيقة الولاية وافعاله احسن من القابل المشاهد وافعاله {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} اعلم، انّه تعالى وصف كتاب موسى (ع) بكونه تماماً وتفصيلاً لكلّ شيءٍ ههنا وقال فى سورة الاعراف: {أية : وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف:145] وهذا يدلّ على انّه تعالى جعل فى كتاب رسالته كلّ شيء مشتملاً على كلّ شيءٍ وكلّ شيءٍ مظهراً تامّاً ومرآةً كاملة لكلّ شيءٍ، وقد قال بعض الصّوفيّة: كلّ شيءٍ فى كلّ شيءٍ لكن ليس لكلّ احد ان ينظر كلّ شيءٍ فى كلّ شيءٍ، ولهذا قال: وكتبنا لموسى وما كان لغيره ذلك، ولمّا كان موسى (ع) بعد نبيّنا (ص) وبعد ابراهيم (ع) اوسع نظراً من حيث النّظر الى الكثرات ومراتب كلّ ومباديه وغاياته، وصف كتابه المنزل عليه بأنّه كتب له فيه من كلّ شيءٍ تفصيلاً لكلّ شيءٍ، بمعنى أنّه تعالى جعل لوح صدر موسى (ع) بحيث اذا انتقش فيه شيءٌ من الاشياء انتقش فيه جميع مباديه الى مبدء المبادى وجميع غاياته الى غاية الغايات، وانتقش جميع لوازم المبادى والغايات، واذا انتقش جميع المبادى والغايات ولوازمها فى شيءٍ لم يبق شيءٌ الاّ انتقش، فيه لانّ الموجودات كلّها متلازماتٌ اذا الكلّ معاليل علّة واحدة {وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ} اى بنى اسرائيل {بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} ان كان المراد بربّهم الرّبّ المطلق فالمراد باللّقاء لقاء جزائه وحسابه وحُسّابه، وان كان المراد به الرّبّ المضاف وهو ربّهم فى الولاية فالمراد باللّقاء لقاء ملكوت ذلك الرّبّ وهو ادنى مراتب اللّقاء والمعرفة بالنّورانيّة وفوقه لقاء جبروته بمراتبها، يعنى آتينا موسى الكتاب للدّعوة الظّاهرة حتّى يستعدّوا بقبول تلك الدّعوة الباطنة، ويستعدّوا بقبول تلك الدّعوة لفتح باب القلب ويشاهدوا بفتح باب القلب صورة ولىّ الامر بملكوته، وهو لقاء ربّهم الّذى هو ولىّ امرهم وبهذا اللّقاء يحصل الفوز بالرّوح والرّاحة والامن والامان والسّلامة من حوادث الزّمان والنّجاة من مضيق المكان؛ والى هذا اللّقاء اشار من قال: شعر : كرد شهنشاه عشق درحرم دل ظهور قد زميان برفراشت رايت الله نور تفسير : وقد فسّر السّكينة فى الاخبار بما يدلّ على ظهور ملكوت ولىّ الامر فى القلب حيث ورد، انّها ريح تفوح من الجنّة لها وجه كوجه الانسان، فانّ الملكوت من الجنّة، وكونها ذات وجه كوجه الانسان يدلّ على انّها من الّذوات الجوهريّة الملكوتيّة لكونها من الجنّة لا ما يفهم من لفظ الرّيح، ويسمّى فى عرف الصّوفيّة ظهور ملكوت ولىّ الامر على قلب الانسان بالسّكينة كما يسمّى بالفكر والحضور، وهذا اللّقاء هو المراد بما يقولون: لا بدّ للسّالك ان يجعل صورة المرشد نصب عينيه، يعنى ينبغى ان يصفو نفسه بالعبادات حتّى يظهر فى قلبه ولىّ امره فيكون مع الصّادق معيّة حقيقيّة لا ما يتوهّم من ظاهر اللّفظ من انّه لا بدّ ان يتعمّل ويتصوّر صورة مخلوقة له مردودة اليه، وقد ورد منهم، وقت تكبيرة الاحرام تذكّر رسول الله (ص) واجعل واحداً من الائمّة نصب عينيك؛ وعلى هذا كان المراد بالايمان ههنا الايمان الشّهودىّ لا الايمان بالغيب.
الهواري
تفسير : قوله: {ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} أي التوراة {تَمَاماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ}. ذكر بعضهم قال: من أَحسن في الدنيا تمّت عليه النِّعمة في الآخرة، يعني الجنة. قوله: {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} قال بعضهم: تبييناً لكل شيء. وقال الحسن: لكلِّ شَيء من الحلال والحرام والأحكام والهدى والضلالة. {وَهُدىً} أي يهتدون به إلى الجنة. {وَرَحْمَةً} يقتسمونها {لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} يعني البعث. قوله: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} يعني القرآن. {فَاتِّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. قال بعضهم: اتَّبِعوا ما أحلّ الله فيه، واتَّقُوا ما حرّم فيه. قوله: {أَن تَقُولُوا} يوم القيامة أي لئلا تقولوا يوم القيامة. قال مجاهد: يعني قريشاً. {إِنَّمَا أُنزِلَ الكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} قال بعضهم: اليهود والنصارى {وإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} قال: {أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ} أي من أهل الكتاب. {فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ} أي موعظة {مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} يعني القرآن {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْهَا} أي وصدَّ عنها في تفسير الحسن. وقال غيره: وأعرض عنها. أي لا أظلم منه. {سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونُ عَنْ ءَايَاتِنَا سُوءَ العَذَابِ} أي أشدّه {بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ} أي يصدون في تفسير الحسن. وقال غيره: يعرضون. قوله: {هَلْ يَنُظُرونَ} أي ما ينظرون، يعني المشركين {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ المَلاَئِكَةُ} أي بالموت {أَوْ يَأْتِي رَبُّكَ} أي بأمره {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} وقال بعضهم: {إِلاَّ أَن تَأتِيَهُمُ المَلاَئِكَةُ} بالموت، {أَوْ يَأتِيَ رَبُّكَ} أي بالقيامة. وهو قوله: (أية : وَجَآءَ رَبُّكَ) تفسير : [الفجر:22] أي بأمره. {وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}. وكقوله: (أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغَمَامِ وَالمَلاَئِكَةُ) تفسير : [البقرة:210]. قال: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} أي: طلوع الشمس من مغربها {لاَ يَنفَعُ نَفْساً ـ إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ـ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت آمنوا كلهم أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً . تفسير : ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : إن باب التوبة مفتوح من قبل المغرب مسيرة خمسمائة عام لا يزال مفتوحاً للتوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت أغلق . تفسير : ذكروا عن عبد الله بن عمر قال: إن الشمس تطلع من حيث يطلع الفجر، وتغرب من حيث يغرب الفجر، فإذا أرادت أن تغرب تقاعست حتى تضرب بالعمد فتقول: يا رب، إني إذا طلعت عُبدت دونك، فتطلع على ولد آدم كلهم. فتجري إلى المغرب فتسلّم فيرد عليها فتسجد فينظر إليها، ثم تستأذن فيؤذن لها فتجري إلى المشرق، والقمر كذلك. حتى يأتي عليها يوم تغرب فيه، فتسلّم ولا يُرَد عليها، وتسجد فلا يُنظر إليها، ثم تستأذن فلا يُؤذن لها. ثم يقال لهما: ارجعا من حيث جئتما فيطلعان من المغرب كالبعيرين المقترنين. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الليلة التي صبيحتها تطلع الشمس من مغربها قدرها ثلاث ليال. قوله: {لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً}. قال الكلبي: لا تقبل التوبة يومئذ ممن لم يكن مؤمناً، ولا ممن كان يدّعي الإِيمان بغير وفاء. فأما المؤمنون الصادقون فإن العمل يقبل منهم كما كان يقبل قبل ذلك. قوله: {قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ} كان المشركون ينتظرون بالنبي عليه السلام الموت، وكان النبي ينتظر بهم العذاب.
اطفيش
تفسير : {ثم آتيْنا مُوسَى الكِتَاب} عطف على وصَّاكم وثم، إما بمعنى الواو مجازاً استعمالا للمقيد فى المطلق، وإما باقية على التراخى، وفيه وجهان: الأول: أن التراخى باعتبار الإخبار أى وبعد ذلك أخبركم أنا أتينا موسى. والثانى: تراخى الرتبة، أى ذلك وصاكم به قديما وحديثا من لدن آدم، وأعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب متضمنا لتصديقك فيما قلت يا محمد من ذلك وغيره، ويجوز أن يكون للتراخى الزمانى، وفيه وجهان: الوجه الأول: أن بعطف قول ناصب لقوله: {آتينا موسى} إلى {يؤمنون} بثم على قل من قوله: {قل تعالوا} أى ثم قل عنَّا يا محمد آتينا موسى، وإنما قدرت القول للطول، ولك أن لا تقدره بل تعطف ما بعد ثم على محكى القول الأول. الوجه الثانى: أن يجعل الخطاب فى وصَّاكم لبنى آدم مطلق كلهم وآدم، أو لمن فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم، على أن تكون توصيتهم على عهد آدم عليه السلام فى جملة من وصى على ما مرّ من أن ذلك كله مما وصى به آدم وأولاده إلى يوم القيامة، فتكون التوصية به متقدمة من لدن آدم، وآتينا موسى الكتاب متأخر الزمان متراخ. وأغرب من قال معطوف له إسحاق قبل انتصاف السورة والكتاب التوراة. {تماماً} مفعول من أجله وهو اسم مصدر، ومعناه الإتمام وفاعل الإتمام هو الله تعالى فيتحدد فاعله وفاعل ناصبه وهو الفاعل فى آتينا، ولو جعلناه بظاهره صدر تم الثلاثى، لكان فاعله الكتاب، أو مصدر مفعول مطلق أى تم الكتاب تماما، أو حال من الكتاب أى ذا تمام أو تاما أو هو نفس التمام مبالغة أو اسم مصدر حال من نا، أى ذوى تمام أو متمين أو هو مفعول مطلق لآتينا، لأن إيتاء موسى الكتاب إتمام. {على الَّذى أحْسَن} أى عليه، أى على موسى، فوضع الظاهر وهو الذى موضع الضمير ليصفه بالإحسان، أى أحسن فى قوله واعتقاده وعمله وتبليغه الرسالة. وقال مجاهد: الذى للجنس كأنه قيل: على من أحسن، أو الفريق الذى أحسن، ويدل له قراءة ابن مسعود: على الذين أحسنوا أى إتماما للكرامة على موسى، أو على كل من أحسن فى عمله من قومه، أو مطلقا مَنْ، ويجوز وقوع الذى على العلم، فالرابط محذوف لا الضمير المستتر فى هذا الوجه، أى على العلم الذى أحسنه، أى أجاده، أى زيادة على علمه بالشرائع، وقيل: الذى حرف مصدر، أى على إحسان موسى، أو على إحسان الله، ولا نسلم مصدرية الذى، وقرأ يحيى بن يعمر: أحسنُ بالرفع، فيكون اسم تفضيل خبر المحذوف، وهو صدر صلة حذف صدر صلة، غير أنى بلا طول على القلة، أى الذى هو أحسن، والذى فى هذا الوجه واقع على الذين، أو على الوجه، فيكون تماماً على الذين الذى هو احسن، أو تاماً على الوجه الذى هو أحسن ما تكون عليه الكتب، وهذا الأخير هو معنى قول الكلبى: أتم له الكتاب على أحسنه وتفضيل دين موسى أو كتابه إنما هو بالنسبة إلى غير سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بل دين الأنبياء كلهم دين الإسلام. {وتَفْصيلا لِكلِّ شئٍ} يحتاج إليه فى الدين لا لكل شئ مطلقا، وهو معطوف على تماما، أى ولأجل التفصيل أو ومفصلين أو وفصَّلنا تفصيلا، وكذا العطف فى قوله: {وهدًى ورحْمةً} أى هدى من الضلالة وإنعاماً {لَعلَّهم} أى لعل بنى إسرائيل كما دل عليه موسى وكتابه {بلقَاءِ ربِّهم} بالبعث للجزاء. {يُؤْمنُونَ}
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} ثم لترتيب الإِخبار بلا مهلة أَى ثم أَخبركم أَنا آتينا موسى الكتاب، أَو لتراخى الرتبة أَى ذلكم وصيناكم به يا بنى آدم قديما وحديثا، وأَعظم من ذلك أَنا آتينا موسى الكتاب، ويبعد العطف على وهبنا له إِسحق لكثرة الفصل فانه بنحو نصف السورة، وليس تقدير ثم مما وصيناه أَنا آتينا موسى الكتاب تقرير إِعراب، ولا مخرجا لها عن تراخى الإِخبار أَو الرتبة، وكذا تقدير ثم كنا قد آتينا موسى الكتاب قبل القرآن. ويجوز أَن تكون فى مثل الآية لمطلق الجمع، وقدر بعض: ثم قل آتينا موسى الكتاب، أَى قل عنا، وقدر بعض: قل تعالوا أَتل ما حرم ربكم عليكم ثم اتل عليهم قولنا آتينا موسى، ووجه أَعظمية إِيتاء موسى الكتاب وهو التوراة اشتمالها على تلك الوصايا وكثرة العلم وتفصيل كل شئ حتى أَنها كجزاء لموسى كما قال {تماما عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِ شَئٍ وُهَدىً وَرَحْمَةً} أَى لاجل تمام نعمتنا أَى إِتمامها أَو آتينا موسى الكتاب تماما أَو ذا تمام أَو آتينا موسى الكتاب إِيتاء تمام، أَو آتينا موسى الكتاب ذا إِتمام أَو متمين أَو أَتممناه إِتماما تأكيداً للجملة قبله، والذى أَحسن هو موسى عليه السلام، وضع الظاهر موضع المضمر ليصفه بالإِحسان المتسبب لإِيتاءِ الكتاب، وذلك الإِحسان إِجادة علمه وعمله واعتقاده أَى آتيناه التوراة وزيادة على ذلك، أَو المراد إِحسان التبليغ، أَى آتيناه تماما على الذى أَحسن تبليغه، أَو تماما على الفريق الذى أَحسن القيام به مراعاة لمن أَحسن من بنى إِسرائيل، وفى هذا ضعف لأَن جلهم جهلاء بقرب نكثهم وفسقهم على عهد موسى عليه السلام ولا سيما بعده، أَلا ترى إِلى عبادة العجل "أية : اجعل لنا إِلها"تفسير : [الأعراف: 138] فلا يحسن مدحهم مع هذا أَو لو أَراد المجموع لا الجميع، ولو كان فيهم أَيضاً علماء وعباد غير ناكثين، ويجوز أَن يراد تماما على كل من أَراد الإِحسان، ويدل على إِرادة جنس المحسن قراءة عبد الله بن مسعود على الذين أَحسنوا، وقراءة الحسن على المحسنين، وقال أَبو مسلم: الذى أَحسن هو إِبراهيم فى قوله تعالى "أية : وتلك حجتنا" تفسير : [الأنعام: 83] ولا دليل عليه هنا، ويبعده الفصل، ونصب تفصيلا وهدى ورحمة على حد نصب تماما، والمراد بتفصيل كل شئ بيان كل شئ يحتاج إِليه فى الدين لا كل شئ على الإِطلاق وما فيه من الزيادة على الدين فتبع له، مع أَنها ليست عامة، والمشهور اختصاص هذه الأُمة المحمدية بالاجتهاد، وقيل به أَيضا لغيرهم، والأَول أَصح، اللهم إِلا إِن كان اجتهادهم بالقياس فيما يعلم من الدين ويفهم منه فهما جليا كأَنه ضرورى، ولا دلالة فى الآية على أَنه لا اجتهاد فى دين موسى عليه السلام. وعن مجاهد: لما أَلقى موسى الأَلواح بقى الهدى والرحمة وذهب التفضيل، والظاهر دوامه إِلا أَنهم غيروا {لَعَلَّهُمْ} أَى بنى إِسرائيل المدلول عليهم بموسى وكتابه {بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ} قدم للفاصلة وعلى طريق الاهتمام، ولقاؤه تعالى حضورهم المحشر بالبعث للجزاء، ويقال الرجوع إِلى ملك الرب وحده ولا يملك أحد معه شيئاً، فإِن الناس فى الدنيا فى صورة المالكين، ويقال كى يؤمنوا بالبعث والجزاء {يُؤْمِنُونَ} وترجية الإِيمان بالبعث فيهم مما يدل على ركة اعتقادهم فى الدين وضعفهم فيه.
الالوسي
تفسير : {ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ} كلام مسوق من جهته تعالى تقريراً للوصية وتحقيقاً لها وتمهيداً لما تعقبه من ذكر إنزال القرآن المجيد كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات إلى التكلم معطوف على مقدر يقتضيه المقام ويستدعيه النظام كأنه قيل بعد قوله سبحانه: { أية : ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ } تفسير : [الأنعام: 152] بطريق الاستئناف تصديقاً له وتقريراً لمضمونه فعلنا ذلك {ثُمَّ آتَيْنَا} الخ. وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام قدس سره، وقيل: عطف على {ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ بِهِ }. وعن الزجاج أنه عطف على معنى التلاوة كأنه قيل: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ثم اتل عليهم ما آتاه الله تعالى موسى عليه السلام، وقيل: عطف على { أية : قُلْ } تفسير : [الأنعام: 151] وفيه حذف أي قل تعالوا ثم قل آتينا موسى الكتاب. وعن أبـي مسلم واستحسنه المغربـي أنه متصل بقوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: { أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ } تفسير : [الأنعام: 84] وذلك أنه سبحانه عد نعمته عليه بما جعل في ذريته من الأنبياء عليهم السلام ثم عطف عليه بذكر ما أنعم عليه بما آتى موسى عليه السلام من الكتاب والنبوة وهو أيضاً من ذريته، والكل كما ترى وإن اختلف مراتبه في الوهن. وثم ـ كما قال الفراء ـ للترتيب الإخباري كما في نحو بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت (اليوم) أعجب. وتعقبه ابن عصفور بأنه ليس بشيء لأن ثم تقتضي تأخر الثاني عن الأول بمهلة ولا مهلة في الإخبارين فلا بد من الرجوع إلى أنها انسلخ عنها معنى الترتيب أو أنه ترتيب رتبـي كما يشير إليه قوله: أعجب في المثال وهو هنا ظاهر لأن إيتاء التوراة المشتملة على الأحكام والمنافع الجمة أعظم من هذه الوصية المشهورة على الألسنة، وبعضهم وجه الترتيب الإخباري المستدعي لتأخر الثاني عن الأول بأن الألفاظ المنقضية تنزل منزلة البعيد. وقيل: إنه باعتبار توسط جملة { أية : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تفسير : [الأنعام: 153] بين المتعاطفين. وقال بعضهم: إن {ثُمَّ } هنا بمعنى الواو، وقد جاء ذلك كثيراً في الكتاب. {تَمَامًا} للكرامة والنعمة وهو في موقع المفعول له، وجاز حذف اللام لكونه في معنى إتماماً، وجوز أبو البقاء أن يكون مصدراً لقوله: {آتَيْنَا} من معناه لأن إيتاء الكتاب إتمام للنعمة كأنه قيل: أتممنا النعمة إتماماً فهو كنباتاً في قوله تعالى: { أية : وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً } تفسير : [نوح: 17] وأن يكون حالاً من الكتاب أي تاماً {عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ } أي [على] من أحسن القيام به كائناً من كان فالذي للجنس. ويؤيده قراءة عبد الله {عَلَى ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} وقراءة الحسن {عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ}. وعن الفراء أن الذي هنا مثلها في قوله: شعر : إن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد تفسير : وكلام مجاهد محتمل للوجهين أو على الذي أحسن تبليغه وهو موسى عليه السلام أو تماماً على / ما أحسنه موسى عليه السلام أي أجاده من العلم والشرائع أي زيادة على عمله على وجه التتميم، وعن ابن زيد أن المراد تماماً على إحسان الله تعالى على أنبيائه عليهم السلام، وظاهره أن {ٱلَّذِى} موصول حرفي، وقد قيل به في قوله تعالى: { أية : وَخُضْتُمْ كَٱلَّذِي خَاضُواْ } تفسير : [التوبة: 69] وضمير {أَحْسَن} حينئذٍ لله تعالى، ومثله في ذلك ما نقل عن الجبائي من أن المراد على الذي أحسن الله تعالى به على موسى عليه السلام من النبوة وغيرها، وكلاهما خلاف الظاهر. وعن أبـي مسلم أن المراد بالموصول إبراهيم عليه السلام، وهو مبني على ما زعمه من اتصال الآية بقصة إبراهيم عليه السلام. وقرأ يحيـى بن يعمر {أَحْسَنُ} بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف و {ٱلَّذِى } وصف للدين أو للوجه يكون عليه الكتب أي تماماً على الدين الذي هو أحسن دين وأرضاه أو آتينا موسى الكتاب تاماً كاملاً على الوجه الذي هو أحسن ما يكون عليه الكتب، والأحسنية بالنسبة إلى غير دين الإسلام وغير ما عليه القرآن. {وَتَفْصِيلاً لّكُلِّ شَىْءٍ} أي بياناً مفصلاً لكل ما يحتاج إليه في الدين، ولا دلالة فيه على أنه لا اجتهاد في شريعة موسى عليه السلام خلافاً لمن زعم ذلك، فقد ورد مثله في صفة القرآن كقوله تعالى في سورة يوسف [111] عليه السلام: { أية : وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ } تفسير : ولو صح ما ذكر لم يكن في شريعتنا اجتهاد أيضاً {وَهَدَىٰ } أي دلالة إلى الحق {وَرَحْمَةً } بالمكلفين. والكلام في هذه المعطوفات كالكلام في المعطوف عليه من احتمال العلية والمصدرية والحالية، والظاهر اشتمال الكتاب على التفصيل حسبما أخبر الله تعالى إلى أن حرفه أهله. وأخرج ابن أبـي حاتم عن مجاهد قال: لما ألقى موسى عليه السلام الألواح بقي الهدى والرحمة وذهب التفصيل. {لَعَلَّهُمْ} أي بني إسرائيل المدلول عليهم بذكر موسى عليه السلام وإيتاء الكتاب، ولا يجوز عود الضمير على {ٱلَّذِى} بناء على الجنسية أو على ما قال الفراء لأنه لا يناسب قوله سبحانه: {بِلِقَاء رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ} بل كان المناسب حينئذٍ أن يقال: لعلهم يرحمون مثلاً، والجار والمجرور متعلق بما بعده قدم لرعاية الفواصل، والمراد من اللقاء قيل الجزاء، وقيل: الرجوع إلى ملك الرب سبحانه وسلطانه يوم لا يملك أحد سواه شيئاً. وعن ابن عباس المعنى كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.
سيد قطب
تفسير : لم ينقطع تدفق السياق في الموضوع الأساسي الذي يعالجه شطر السورة الأخيرة - وهو موضوع الحاكمية والتشريع وعلاقتهما بالدين والعقيدة - وهذا الشوط الجديد هو امتداد في العرض، وامتداد في الحشد، لتقرير هذه الحقيقة. وهو يتحدث عن المبادئ الأساسية في العقيدة - بصدد التشريع والحاكمية - كما كان الشطر الأول من السورة يتحدث عن هذه المبادئ في صدد قضية الدين والعقيدة. ذلك ليقرر أن قضية التشريع والحاكمية هي كذلك قضية الدين والعقيدة. وعلى ذات المستوى الذي يعرض به المنهج القرآني هذه الحقيقة. ومما يلاحظ أن السياق يستخدم في شطر السورة الثاني ذات المؤثرات والموحيات والمشاهد والتعبيرات التي حشدها في الشطر الأول منها: * يتحدث عن الكتب والرسل والوحي والآيات التي يطلبونها. * ويتحدث عن الدمار والهلاك الذي يعقب وقوع الآيات والتكذيب بها. * ويتحدث عن الآخرة وقواعد الدينونة والجزاء فيها. * ويتحدث عن المفاصلة بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقومه الذين يعدلون بربهم ويتخذون من دونه أربابا يشرعون لهم، ويوجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى إعلان حقيقة دينه جلية واضحة حاسمة. * ويتحدث عن الربوبية الواحدة للعالمين جميعاً، والتي لا يجوز أن يتخذ المؤمن من دونها ربوبية أخرى. * ويتحدث عن ملكية رب العالمين لكل شيء، وتصريفها لكل شيء، وعن استخلاف الله للناس كيف شاء، وقدرته على الذهاب بمن يشاء منهم عندما يشاء. وهذه هي ذاتها القضايا والحقائق، والمؤثرات والموحيات التي حشدها في أول السورة عند عرض حقيقة العقيدة في محيطها الشامل. محيط الألوهية والعبودية وما بينهما من علائق.. ولا ريب أن لهذا دلالته التي لا تخفى على من يتعامل مع القرآن الكريم ومع المنهج القرآني. يبدأ هذا المقطع الأخير في هذا الشطر من السورة بالحديث عن كتاب موسى.. وذلك تكملة للحديث السابق عن صراط الله المستقيم:{أية : وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}تفسير : للإيحاء بأن هذا الصراط ممتد من قبل في رسالات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وشرائعهم. وأقرب شريعة كانت هي شريعة موسى عليه السلام، وقد أعطاه الله كتابا فصل فيه كل شيء، وجعله هدى ورحمة لعل قومه يؤمنون بلقاء الله في الآخرة: {ثم آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن، وتفصيلاً لكل شيء، وهدى ورحمة، لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون}. ويستمر فيذكر الكتاب الجديد المبارك، الملتحم بالكتاب الذي أنزل على موسى، المتضمن للعقيدة وللشريعة المطلوب اتباعها والتقوى فيها. رجاء أن ينال الناس - حين يتبعونها - رحمة الله في الدنيا والآخرة: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك، فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون}.. ولقد نزل هذا الكتاب قطعاً لحجة العرب، كي لا يقولوا: إنه لم يتنزل علينا كتاب كالذي تنزل على اليهود والنصارى؛ ولو قد أوتينا الكتاب مثلما أوتوا لكنا أهدى منهم، فها هو ذا كتاب يتنزل عليهم، ويقطع هذه الحجة عليهم، فيستحق الذين يكذبون العذاب الأليم: {أن تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا. وإن كنا عن دراستهم لغافلين. أو تقولوا: لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم.. فقد جاءكم بينة من ربكم، وهدى ورحمة، فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها؟ سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون}.. لقد انقطعت المحجة بنزول هذا الكتاب؛ ولكنهم ما يزالون يشركون بالله؛ ويشرعون من عند أنفسهم ويزعمونه شريعة الله، بينما كتاب الله قائم وليس فيه هذا الذي يفترونه. وما يزالون يطلبون الآيات والخوارق ليصدقوا بهذا الكتاب ويتبعوه. ولو جاءتهم الآيات التي يطلبون أو بعضها لكان فيها القضاء الأخير: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك؟ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا. قل: انتظروا إنا منتظرون}. وعند هذا الحد يفصل الله - سبحانه - بين نبيه - صلى الله عليه وسلم - وسائر الملل المتفرقة التي لا تقوم على توحيد الله عقيدة وشريعة. ويقرر أن أمرهم إليه - سبحانه وتعالى - وأنه هو محاسبهم ومجازيهم وفق عدله ورحمته: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون. من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون}. وهنا يجيء الإيقاع الأخير في هذا القطاع - وهو الإيقاع الأخير في السورة - في تسبيحة ندية رخية، حازمة كذلك حاسمة، تلخص أعمق أعماق الحقائق العقيدية في هذا الدين: التوحيد المطلق، والعبودية الخالصة، وجدية الآخرة، وفردية التبعة والابتلاء في دار الدنيا. وسلطان الله المتمثل في ربوبيته لكل شي؛ وفي استخلافه للعباد في ملكه كيف شاء بلا شريك ولا معقب.. كما ترسم تلك التسبيحة المديدة صورة باهرة لحقيقة الألوهية، وهي تتجلى في أخلص قلب، وأصفى قلب، وأطهر قلب.. قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.. وذلك في مستوى من التجلي لا يصوره إلا التعبير القرآني ذاته: {قل: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم. ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين. قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. قل: أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء، ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى؛ ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون. وهو الذي جعلكم خلائف الأرض، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم، إن ربك سريع العقاب، وإنه لغفور رحيم}.. ونكتفي هنا بهذا القدر من الحديث المجمل، لنأخذ في مواجهة النصوص بالتفصيل: {ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن، وتفصيلاً لكل شيء، وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون}.. هذا الكلام معطوف بثم على ما قبله.. وتأويله:{أية : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا..} {أية : وأن هذا صراطي مستقيماً}تفسير : معطوفة على جملة: ألا تشركوا.. {ثم آتينا موسى الكتاب..} معطوف عليهما كذلك باعتباره من القول الذي دعاهم ليقوله لهم - صلى الله عليه وسلم - فالسياق مطرد كما أسلفنا. وقوله {تماماً على الذي أحسن}.. تأويله - كما اختار ابن جرير-: "ثم آتينا موسى التوراة تماما لنعمنا عنده، وأيادينا قبله، تتم به كرامتنا عليه، على إحسانه وطاعته ربه، وقيامه بما كلفه من شرائع دينه. وتبيينا لكل ما بقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم".. وقوله: وتفصيلا لكل شيء. كما قال قتادة: فيه حلاله وحرامه. وهدى ورحمة لعل قومه يهتدون ويؤمنون بلقاء ربهم فيرحمهم من عذابه.. .. هذا الغرض الذي من أجله آتينا موسى الكتاب، جاء من أجله كتابكم، لعلكم تنالون به الهدى والرحمة: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك، فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون}.. وإنه لكتاب مبارك حقاً - كما فسرنا ذلك من قبل عند ورود هذا النص في السورة أول مرة:{أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه، ولتنذر أم القرى ومن حولها، والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به، وهم على صلاتهم يحافظون}تفسير : [الآية: 92].. وكان ذكر هذا الكتاب هناك بمناسبة الحديث عن العقيدة في مجالها الشامل؛ وهو هنا يذكر بمناسبة الحديث عن الشريعة بنص مقارب! ويؤمرون باتباعه؛ وتناط رحمتهم من الله بهذا الاتباع. والكلام هنا بجملته في معرض الشريعة، بعد ما تناولته أوائل السورة في معرض العقيدة. وقد بطلت حجتكم، وسقطت معذرتكم، بتنزيل هذا الكتاب المبارك إليكم، تفصيلاً لكل شيء. بحيث لا تحتاجون إلى مرجع آخر وراءه؛ وبحيث لا يبقى جانب من جوانب الحياة لم يتناوله فتحتاجون أن تشرعوا له من عند أنفسكم: {أن تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا. وإن كنا عن دراستهم لغافلين. أو تقولوا: لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم. فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة. فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها؟ سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون}.. لقد شاء الله سبحانه أن يرسل كل رسول إلى قومه بلسانهم.. حتى إذا كانت الرسالة الأخيرة أرسل الله محمداً خاتم النبيين للناس كافة. فهو آخر رسول من الله للبشر، فناسب أن يكون رسولاً إليهم أجمعين. والله - سبحانه - يقطع الحجة على العرب أن يقولوا: إن كلا من موسى وعيسى إنما أرسلا إلى قومهما. ونحن كنا غافلين عن دراستهم لكتابهم، لا علم لنا به ولا اهتمام. ولو جاء إلينا كتاب بلغتنا، يخاطبنا وينذرنا لكنا أهدى من أهل الكتاب.. فقد جاءهم هذا الكتاب وجاءهم رسول منهم - وإن كان رسولاً للناس أجمعين - وجاءهم بكتاب هو بينة في ذاته على صدقه. وهو يحمل إليهم حقائق بينة كذلك لا لبس فيها ولا غموض. وهو هدى لما هم فيه من ضلالة، ورحمة لهم في الدنيا والآخرة.. فإذا كان ذلك كذلك، فمن أشد ظلماً ممن كذب بآيات الله وأعرض عنها وهي تدعوه إلى الهدى والصلاح والفلاح؟ من أشد ظلماً لنفسه وللناس بصده لنفسه وللناس عن هذا الخير العظيم، وبإفساده في الأرض بتصورات الجاهلية وتشريعاتها.. إن الذين يعرضون عن هذا الحق في طبعهم آفة تميلهم عنه؛ كالآفة التي تكون في خف البعير فتجعله يصدف - أي يميل - بجسمه ولا يستقيم! إنهم {يصدفون} عن الحق والاستقامة، كما يصدف البعير المريض عن الاعتدال والاستقامة! وهم مستحقون سوء العذاب بصدوفهم هذا وميلهم: {سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون}.. إن التعبير القرآني يستخدم مثل هذا اللفظ، المنقول في اللغة من حالة حسية إلى حالة معنوية ليستصحب في الحس أصل المعنى.. فيستخدم هنا لفظ "يصدف" وقد عرفنا أنه من صدف البعير إذا مال بخفه ولم يعتدل لمرض فيه! كذلك يستخدم لفظ "يصعر خده" وهو مأخوذ من داء الصَّعَر الذي يصيب الإبل - كما يصيب الناس - فتعرض صفحة خدها، اضطراراً، ولا تملك أن تحرك عنقها بيسر، ومثله استخدام لفظ {أية : حبطت أعمالهم}تفسير : من حبطت الناقة إذا رعت نباتا مسموماً فانتفخ بطنها ثم ماتت! ومثلها كثير.. ويمضي في هذا التهديد خطوة أخرى، للرد على ما كانوا يطلبونه من الآيات والخوارق حتى يصدقوا بهذا الكتاب.. وقد مضى مثل ذلك التهديد في أوائل السورة عند ما كانت المناسبة هناك مناسبة التكذيب بحقيقة الاعتقاد. وهو يتكرر هنا، والمناسبة الحاضرة هي مناسبة الإعراض عن الاتباع والتقيد بشريعة الله: فقد جاء في أول السورة:{أية : وقالوا: لولا أنزل عليه ملك! ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا يُنظرون} تفسير : وجاء هنا في آخرها: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك، أو يأتي بعض آيات ربك؟ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: قل: انتظروا إنا منتظرون}.. إنه التهديد الواضح الحاسم. فقد مضت سنة الله بأن يكون عذاب الاستئصال حتماً إذا جاءت الخارقة ثم لم يؤمن بها المكذبون.. والله سبحانه يقول لهم: إن ما طلبوه من الخوارق لو جاءهم بعضه لقضي عليهم بعده.. وإنه يوم تأتي بعض آيات الله تكون الخاتمة التي لا ينفع بعدها إيمان ولاعمل.. لنفس لم تؤمن من قبل، ولم تكسب عملاً صالحاً في إيمانها. فالعمل الصالح هو دائماً قرين الإيمان وترجمته في ميزان الإسلام. ولقد ورد في روايات متعددة أن المقصود بقوله تعالى:{يوم يأتي بعض آيات ربك} هو أشراط الساعة وعلاماتها، التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل. وعدوا من ذلك أشراطاً بعينها.. ولكن تأويل الآية على وفق السنة الجارية في هذه الحياة الأولى. فقد سبق مثله في أول السورة، وهو قوله تعالى: {أية : وقالوا لولا أنزل عليه ملك، ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون}تفسير : والملاحظ أن السياق يكرر وهو بصدد الكلام عن الشريعة والحاكمية، ما جاء مثله من قبل وهو بصدد الكلام عن الإيمان والعقيدة، وأن هذا ملحوظ ومقصود، لتقرير حقيقة بعينها. فأولى أن نحمل هذا الذي في آخر السورة على ما جاء من مثله في أولها من تقرير سنة الله الجارية. وهو كاف في التأويل، بدون الالتجاء إلى الإحالة على ذلك الغيب المجهول.. بعد ذلك يلتفت السياق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليفرده وحده بدينه وشريعته ومنهجه وطريقه عن كل الملل والنحل والشيع القائمة في الأرض - بما فيها ملة المشركين العرب -: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء. إنما أمرهم إلى الله، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون}.. إنه مفرق الطريق بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودينه وشريعته ومنهجه كله وبين سائر الملل والنحل.. سواء من المشركين الذين كانت تمزقهم أوهام الجاهلية وتقاليدها وعاداتها وثاراتها، شيعاً وفرقاً وقبائل وعشائر وبطونا. أو من اليهود والنصارى ممن قسمتهم الخلافات المذهبية مللا ونحلاً ومعسكرات ودولاً. أو من غيرهم مما كان وما سيكون من مذاهب ونظريات وتصورات ومعتقدات وأوضاع وأنظمة إلى يوم الدين. إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس من هؤلاء كلهم في شيء.. إن دينه هو الإسلام وشريعته هي التي في كتاب الله؛ ومنهجه هو منهجه المستقل المتفرد المتميز.. وما يمكن أن يختلط هذا الدين بغيره من المعتقدات والتصورات؛ ولا أن تختلط شريعته ونظامه بغيره من المذاهب والأوضاع والنظريات.. وما يمكن أن يكون هناك وصفان اثنان لأي شريعة أو أي وضع أو أي نظام.. إسلامي.. وشيء آخر..!!! إن الإسلام إسلام فحسب. والشريعة الإسلامية شريعة إسلامية فحسب. والنظام الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي الإسلامي إسلامي فحسب.. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس في شيء على الإطلاق من هذا كله إلى آخر الزمان! إن الوقفة الأولى للمسلم أمام أية عقيدة ليست هي الإسلام هي وقفة المفارقة والرفض منذ اللحظة الأولى. وكذلك وقفته أمام أي شرع أو نظام أو وضع ليست الحاكمية فيه لله وحده - وبالتعبير الآخر: ليست الألوهية والربوبية فيه لله وحده - إنها وقفة الرفض والتبرؤ منذ اللحظة الأولى.. قبل الدخول في أية محاولة للبحث عن مشابهات أو مخالفات بين شيء من هذا كله وبين ما في الإسلام! إن الدين عند الله الإسلام.. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس في شيء ممن فرقوا الدين فلم يلتقوا فيه على الإسلام. وإن الدين عند الله هو المنهج والشرع.. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس في شيء ممن يتخذون غير منهج الله منهجاً، وغير شريعة الله شرعا.. الأمر هكذا جملة. وللنظرة الأولى. بدون دخول في التفصيلات! وأمر هؤلاء الذين فرقوا دينهم شيعاً، وبرئ منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحكم من الله تعالى.. أمرهم بعد ذلك إلى الله؛ وهو محاسبهم على ما كانوا يفعلون: {إنما أمرهم إلى الله، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون}.. وبمناسبة الحساب والجزاء قرر الله سبحانه ما كتبه على نفسه من الرحمة في حساب عباده. فجعل لمن جاء بالحسنة وهو مؤمن - فليس مع الكفر من حسنة! - فله عشر أمثالها. ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها؛ لا يظلم ربك أحدا ولا يبخسه حقه: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها. ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها. وهم لا يظلمون}.. وفي ختام السورة - وختام الحديث الطويل عن قضية التشريع والحاكمية - تجيء التسبيحة الندية الرخية، في إيقاع حبيب إلى النفس قريب؛ وفي تقرير كذلك حاسم فاصل.. ويتكرر الإيقاع الموحي في كل آية:"قل".. "قل".. "قل".. ويلمس في كل آية أعماق القلب البشري لمسات دقيقة عميقة في مكان التوحيد.. توحيد الصراط والملة. توحيد المتجه والحركة. توحيد الإله والرب. توحيد العبودية والعبادة.. مع نظرة شاملة إلى الوجود كله وسنته ومقوماته. {قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين. قل: أغير الله أبغي ربا، وهو رب كل شيء، ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون. وهو الذي جعلكم خلائف الأرض، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم. إن ربك سريع العقاب، وإنه لغفور رحيم}.. هذا التعقيب كله، الذي يؤلف مع مطلع السورة لحناً رائعاً باهراً متناسقاً، هو تعقيب ينتهي به الحديث عن قضية الذبائح والنذور والثمار، وما تزعمه الجاهلية بشأنها من شرائع، تزعم أنها من شرع الله افتراء على الله.. فأية دلالة يعطيها هذا التعقيب؟ إنها دلالة لا تحتاج بعد ما سبق من البيان إلى مزيد.. {قل: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم. ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين}.. إنه الإعلان الذي يوحي بالشكر، ويشي بالثقة، ويفيض باليقين.. اليقين في بناء العبادة اللفظي ودلالتها المعنوية، والثقة بالصلة الهادية.. صلة الربوبية الموجهة المهيمنة الراعية.. والشكر على الهداية إلى الصراط المستقيم، الذي لا التواء فيه ولا عوج: {ديناً قيماً}.. وهو دين الله القديم منذ إبراهيم. أبي هذه الأمة المسلمة المبارك المخلص المنيب: {ملة إبراهيم حنيفا، وما كان من المشركين}. {قل: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له. وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}.. إنه التجرد الكامل لله، بكل خالجة في القلب وبكل حركة في الحياة. وبالصلاة والاعتكاف. وبالمحيا والممات. بالشعائر التعبدية، وبالحياة الواقعية، وبالممات وما وراءه. إنها تسبيحة "التوحيد" المطلق، والعبودية الكاملة، تجمع الصلاة والاعتكاف والمحيا والممات، وتخلصها لله وحده. لله {رب العالمين}.. القوام المهيمن المتصرف المربي الموجه الحاكم للعالمين.. في "إسلام" كامل لا يستبقي في النفس ولا في الحياة بقية لا يعبدها لله، ولا يحتجز دونه شيئاً في الضمير ولا في الواقع.. {وبذلك أمرت}.. فسمعت وأطعت: {وأنا أول المسلمين}. {قل: أغير الله أبغي ربا، وهو رب كل شيء، ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون؟}.. كلمة تتقصى السماوات والأرض وما فيهن ومن فيهن؛ وتشتمل كل مخلوق مما يعلم الإنسان ومما يجهل؛ وتجمع كل حادث وكل كائن في السر والعلانية.. ثم تظللها كلها بربوبية الله الشاملة لكل كائن في هذا الكون الهائل؛ وتعبدها كلها لحاكمية الله المطلقة عقيدة وعبادة وشريعة. ثم تعجب في استنكار: {أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء}؟ أغير الله أبغي ربا يحكمني ويصرف أمري ويهيمن عليَّ ويقومني ويوجهني؟ وأنا مأخوذ بنيتي وعملي، محاسب على ما أكسبه من طاعة ومعصية؟ أغير الله أبغي ربا. وهذا الكون كله في قبضته؛ وأنا وأنتم في ربوبيته؟ أغير الله أبغي ربا وكل فرد مجزي بذنبه لا يحمله عنه غيره؟ {ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى؟}.. أغير الله أبغي ربا وإليه مرجعكم جميعاً فيحاسبكم على ما كنتم تختلفون فيه؟ أغير الله أبغي ربا، وهو الذي استخلف الناس في الأرض، ورفع بعضهم فوق بعض درجات في العقل والجسم والرزق؛ ليبتليهم أيشكرون أم يكفرون؟ أغير الله أبغي ربا، وهو سريع العقاب، غفور رحيم لمن تاب؟ أغير الله أبغي ربا، فأجعل شرعه شرعاً، وأمره أمراً، وحكمه حكماً. وهذه الدلائل والموحيات كلها حاضرة؛ وكلها شاهدة؛ وكلها هادية إلى أن الله وحده هو الرب الواحد المتفرد؟؟؟ إنها تسبيحة التوحيد الرخية الندية؛ يتجلى من خلالها ذلك المشهد الباهر الرائع. مشهد الحقيقة الإيمانية، كما هي في قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو مشهد لا يعبر عن روعته وبهائه إلا التعبير القرآني الفريد.. إنه الإيقاع الأخير في السياق الذي استهدف قضية الحاكمية والشريعة؛ يجيء متناسقاً مع الإيقاعات الأولى في السورة، تلك التي استهدفت قضية العقيدة والإيمان؛ من ذلك قوله تعالى:{أية : قل: أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض، وهو يطعم ولا يطعم؟ قل: إني أمرت أن أكون أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين. قل: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه، وذلك الفوز المبين}.. تفسير : وغيرها في السورة كثير.. ولا نحتاج أن نكرر ما قلناه مراراً من دلالة هذه المثاني التي تردد في المطالع والختام. فهي صور متنوعة للحقيقة الواحدة.. الحقيقة التي تبدو مرة في صورة عقيدة في الضمير. وتبدو مرة في صورة منهج للحياة.. وكلتا الصورتين تعنيان حقيقة واحدة في مفهوم هذا الدين.. ولكننا نتلفت الآن - وقد انتهى سياق السورة - على المدى المتطاول، والمساحة الشاسعة، والأغوار البعيدة.. تلك التي تتراءى فيها أبعاد السورة - ما سبق منها في الجزء السابع وما نواجهه منها في هذا الجزء - فإذا هو شيء هائل هائل.. وننظر إلى حجم السورة، فإذا هي كذا صفحة، وكذا آية، وكذا عبارة.. ولو كان هذا في كلام البشر ما اتسعت هذه الرقعة لعشر معشار هذا الحشد من الحقائق والمشاهد والمؤثرات والموحيات؛ في مثل هذه المساحة المحدودة!.. وذلك فضلاً على المستوى المعجز الذي تبلغه هذه الحقائق بذاتها، والذي يبلغه التعبير عنها كذلك.. ألا إنها رحلة شاسعة الآماد، عميقة الأغوار، هائلة الأبعاد هذه التي قطعناها مع السورة.. رحلة مع حقائق الوجود الكبيرة.. رحلة تكفي وحدها لتحصيل "مقومات التصور الإسلامي"! حقيقة الألوهية بروعتها وبهائها وجلالها وجمالها.. وحقيقة الكون والحياة وما وراء الكون والحياة من غيب مكنون، ومن قدر مجهول، ومن مشيئة تمحو وتثبت، وتنشئ وتعدم، وتحيي وتميت، وتحرك الكون والأحياء والناس كما تشاء. وحقيقة النفس الإنسانية، بأغوارها وأعماقها، ودروبها ومنحنياتها، وظاهرها وخافيها، وأهوائها وشهواتها، وهداها وضلالها، وما يوسوس لها من شياطين الإنس والجن.. وما يقود خطواتها من هدى أو ضلال.. ومشاهد قيامة، ومواقف حشر، ولحظات كربة وضيق، ولحظات أمل واستبشار. ولقطات من تاريخ الإنسان في الأرض؛ ولقطات من تاريخ الكون والحياة. وحشود وحشود من هذه المجالي التي لا نملك تلخيصها في هذه العجالة. والتي لا تعبر عنها إلا السورة نفسها، في سياقها الفريد، وفي أدائها العجيب. إنه الكتاب "المبارك".. وهذه - بلا شك - واحدة من بركاته الكثيرة.. والحمد لله رب العالمين..
ابن عاشور
تفسير : {ثُمّ} هنا عاطفة على جملة: { أية : قل تعالوا } تفسير : [الأنعام: 151] فليست عاطفة للمفردات، فلا يُتوهَّم أنَّها لتراخي الزّمان، بل تنسلخ عنه حين تعطف الجمل فتدل على التّراخي في الرّتبة، وهو مهلة مجازيّة، وتلك دلالة (ثُم) إذا عطفت الجُمَل. وقد استصعب على بعض المفسّرين مسلك (ثُمّ) في هذه الآية لأنّ إتيان موسى عليه السّلام الكتاب ليس برتبة أهمّ من رتبة تلاوة ما حرّمه الله من المحرّمات وما فرضه من اتّباع صراط الإسلام. وتعدّدت آراء المفسّرين في محمل (ثُمّ) هنا إلى آراء: للفراء، والزجاج، والزّمخشري، وأبي مسلم، وغيرهم، كلّ يروم التخلّص من هذا المضيق. والوجه عندي: أنّ (ثُمّ) ما فارقت المعروف من إفادة التّراخي الرّتبي، وأنّ تراخي رتبة إيتاء موسى عليه السّلام الكتاب عن تلاوة ما حَرّم الله في القرآن، وما أمر به من ملازمة صراط الإسلام، إنَّما يظهر بعد النَّظر إلى المقصود من نظم الكلام، فإنّ المقصود من ذكر إيتاء موسى عليه السّلام الكتاب ليس لذاته بل هو التّمهيد لقوله: { أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك } تفسير : [الأنعام: 92] ليرتّب عليه قوله: { أية : أن تقولوا إنَّما أنْزِل الكتابُ على طائفتين من قبلنا } تفسير : إلى قوله: { أية : وهدى ورحمة } تفسير : [الأنعام: 156، 157]، فمعنى الكلام: وفوْق ذلك فهذا كتاب أنزلناه مبارك جمع فيه ما أوتيه موسى عليه السّلام (وهو أعظم ما أوتيه الأنبياء من قبله) وما في القرآن: الذي هو مصدّق لما بين يديه ومهيمن عليه؛ إن اتَّبعتموه واتَّقيتم رَحمناكم ولا معذرة لكم أن تقولوا لو أنزل لنا كتاب لكنّا أفضل اهتداءً من أهل الكتابين، فهذا غرض أهمّ جمعاً لاتّباع جميع ما اشتمل عليه القرآن، وأدْخل في إقناع المخاطبين بمزية أخذهم بهذا الكتاب. ومناسبة هذا الانتقال: ما ذكر من صراط الله الذي هو الإسلام، فإنّ المشركين لمّا كذّبوا دعوة الإسلام ذكَّرهم الله بأنَّه آتى موسى عليه السّلام الكتاب كما اشتهر بينهم حسبما بيّناه عند قوله تعالى: { أية : وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } تفسير : ( 91) الآية، في هذه السّورة، لينتقل إلى ذكر القرآن والتّحريض على اتّباعه فيكون التّذكير بكتاب موسى عليه السّلام تمهيداً لذلك الغرض. و{الكتاب} هو المعهود، أي التّوراة، و{تماما} حال من الكتاب، والتّمام الكمال، أي كان ذلك الكتاب كمالاً لما في بني إسرائيل من الصّلاح الذي هو بقيّة ممّا تلقّوه عن أسلافهم: من صلاح إبراهيم، وما كان عليه إسحاق ويعقوبُ والأسباط عليهم السّلام، فكانت التّوراة مكمّلة لصلاحهم، ومزيلة لما اعتراهم من الفساد، وأنّ إزالة الفساد تكملة للصّلاح. ووصف التّوراة بالتّمام مبالغة في معنى المُتِمّ. والموصول في قوله: {على الذي أحسن} مراد به الجنس، فلذلك استوى مفرده وجمعه. والمراد به هنا الفريق المحسن، أي تماماً لإحسان المحسنين من بنِي إسرائيل، فالفعل منزّل منزلة اللاّزم، أي الذي اتَّصف بالإحسان. والتّفصيل: التّبيين، وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : وكذلك نفصّل الآيات } تفسير : في هذه السّورة (55). و{كلّ شيء} مراد به أعظم الأشياء، أي المهمّات المحتاج إلى بيان أحكامها في أحوال الدّين. فتكون (كلّ) مستعملة في معنى الكثرة كما تقدّم في قوله تعالى: { أية : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك } تفسير : في سورة البقرة (145). أو في معنى العظيم من الأشياء كأنَّه جمع الأشياء كلّها. أو يراد بالشّيء: الشّيء المهمّ، فيكون من حذف الصّفة، كقوله: { أية : يأخذ كل سفينة غصباً } تفسير : [الكهف: 79]، أي كلّ سفينة صالحة، ومثله قوله تعالى: { أية : ما فرطنا في الكتاب من شيء } تفسير : [الأنعام: 38]. وقوله: {لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون} رجاء أن تؤمنوا بلقاء ربّهم، والضّمير عائد إلى معلوم من المقام وهم بنو إسرائيل، إذ قد علم من إيتاء موسى عليه السّلام الكتاب أنّ المنتفعين به هم قومه بنو إسرائيل، ومعنى ذلك: لعلّهم إن تحَرّوا في أعمالهم، على ما يناسب الإيمانَ بلقاء ربّهم، فإنّ بني إسرائيل كانوا مؤمنين بلقاء الله من قبل نزول التّوراة، ولكنّهم طرأ عليهم من أزمنة طويلة: من أطوار مجاورة القبط، وما لحقهم من المذلّة والتغرّب والخصاصة والاستعباد، ما رفع منهم العلم، وأذْوَى الأخلاق الفاضلة، فنسوا مراقبة الله تعالى، وأفسدوا، حتّى كان حالهم كحال من لا يؤمن بأنَّه يلقى الله، فأراد الله إصلاحهم ببعثة موسى عليه السّلام، ليرجعوا إلى ما كان عليه سلفهم الصّالح من مراقبة الله تعالى وخشية لقائه، والرّغبة في أن يلقوه وهو راض عنهم. وهذا تعريض بأهل مكة ومن إليهم من العرب، فكذلك كان سلفهم على هدى وصلاح، فدخل فيهم من أضلّهم ولقَّنهم الشّرك وإنكارَ البعث، فأرسل الله إليهم محمّدا صلى الله عليه وسلم ليردّهم إلى الهدى ويؤمنوا بلقاء ربّهم. وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بأمر البعث والجزاء.
الواحدي
تفسير : {ثم آتينا} أَيْ: ثمَّ أُخبركم أنَّا آتينا {موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن} أَيْ: على الذي أحسنه موسى من العلم والحكمة، وكتب الله المتقدِّمة، أَيْ: علمه، ومعنى: {تماماً} على ذلك: أَيْ: زيادة عليه حتى تمَّ له العلم بما آتيناه {وتفصيلاً} أَيْ: آتيناه للتَّمام والتفصيل، وهو البيان {لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون} لكي يُؤمنوا بالبعث ويُصدِّقوا بالثَّواب والعقاب. {وهذا كتابٌ} يعني: القرآن {أنزلناه مبارك} مضى تفسيره في هذه السُّورة. {أن تقولوا} لئلا تقولوا: {إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} يعني: اليهود والنَّصارى {وإن كنَّا عن دراستهم لغافلين} وما كنَّا إلاَّ غافلين عن تلاوة كتبهم، والخطابُ لأهل مكَّة، والمرادُ: إثبات الحجَّة عليهم بإنزال القرآن على محمَّد عليه السَّلام كيلا يقولوا يوم القيامة: إنَّ التَّوراة والإِنجيل أُنزلا على طائفتين من قبلنا، وكنَّا غافلين عمَّا فيهما، وقوله: {وصدف عنها} أَيْ: أعرض. {هل ينظرون} إذا كذَّبوك {إلاَّ أن تأتيهم الملائكة} عند الموت لقبض أرواحهم، وذكرنا معنى {ينظرون} في سورة البقرة {أو يأتي ربك} أَيْ: أمره فيهم بالقتل {أو يأتي بعض آيات ربك} يعني: طلوع الشَّمس من مغربها، والمعنى: إنَّ هؤلاء الذين كذَّبوك إمَّا أن يموتوا فيقعوا في العذاب، أو يؤمر فيهم بالسَّيف، أو يمهلون قدر مدَّة الدُّنيا فيتوالدون ويتنعَّمون فيها، فإذا ظهرت أمارات القيامة {لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً} قدَّمت طاعةً وهي مؤمنةٌ {قل انتظروا} أحد هذه الأشياء {إنا منتظرون} بكم أحدها. {إنَّ الذين فارقوا دينهم} يعني: اليهود والنَّصارى، أخذوا ببعض ما أُمروا، وتركوا بعضه،كقوله إخباراً عنهم: {نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض} {وكانوا شيعاً} أحزاباً مختلفة. بعضهم يُكفِّر بعضاً {لست منهم في شيء} يقول: لم تؤمر بقتالهم، فلمَّا أُمر بقتالهم نُسخ هذا. {من جاء بالحسنة} من عمل من المؤمنين حسنةً {فله عشر أمثالها} كتبت له عشر حسناتٍ {ومَنْ جاء بالسيئة} الخطيئة {فلا يجزى إلاَّ مثلها} أَيْ: جزاءً مثلها لا يكون أكثر منها {وهم لا يظلمون} لا ينقص ثواب أعمالهم. {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً} أَيْ: عرَّفني ديناً {قيماً} مستقيماً. {قل إنَّ صلاتي ونسكي} عبادتي من حجِّي وقرباني {ومحياي ومماتي لله رب العالمين} أَيْ: هو يحييني وهو يميتني، وأنا أتوجَّه بصلاتي وسائر المناسك إلى الله، لا إلى غيره.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 154- وقد أنزلنا التوراة على موسى إتماماً للنعمة على من أحسن القيام بأمر الدين، وأنزلناها تفصيلا لكل شئ من التعاليم المناسبة لهم، وهُدىً إلى الطريق السوى، ورحمة لهم باتّباعه، وذلك ليؤمن بنو إسرائيل بلقاء ربهم يوم القيامة ومحاسبتهم على هذه التكاليف. 155- وهذا القرآن كتاب أنزلناه مبارك، مشتمل على الخير الإلهى والمنافع الدينية والدنيوية، فاتبعوه واتقوا مخالفته ليرحمكم ربكم. 156- أنزلناه حتى لا تعتذروا عن عصيانكم وتقولوا: إن الوحى لم ينزل إلا على طائفتين من قبلنا، هم أهل التوراة وأهل الإنجيل، ولا علم لنا مطلقاً بتلاوة كتبهم وفهم ما فيها من إرشاد. 157- وأنزلناه حتى لا تقولوا أيضاً: لو أنا أُنزل علينا الوحى الذى نزل عليهم لكنا أكثر منهم هداية وأحسن حالا، لسعة عقولنا وطيب استعدادنا. لا حُجة لكم بعد اليوم على عصيانكم، ولا محل لقولكم هذا، فقد جاءكم القرآن من ربكم علامة واضحة على صدق محمد، ومبيناً لكم جميع ما تحتاجون إليه فى دينكم ودنياكم، وهادياً إلى الطريق السوى، ورحمة لكم باتباعه. ولا يَكُنْ أحد أظلم ممن كذب بآيات الله التى أنزلها فى كتبه، وآياته التى خلقها فى الكون، وأعرض عنها فلم يؤمن ولم يعمل بها، وسنعاقب الذين يعرضون عن آياتنا، ولا يتدبرون ما فيها بالعذاب البالغ غايته فى الإيلام، بسبب إعراضهم وعدم تدبرهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الكتاب: التوراة. وتفصيلاً لكل شيء: تحتاج إليه أمة بني إسرائيل في عقائدها وعباداتها وفضائلها وأحكامها. وهذا كتاب أنزلناه: القرآن الكريم. مبارك: خيريته ونفعه وبركته دائمة. على طائفتين من قبلنا: اليهود والنصارى. عن دراستهم: أي قراءتهم لكتبهم لأنها بلسانهم ونحن لا نفهم ذلك. وصدف عنها: أعرض عنها ولم يلتفت إليها. سوء العذاب: أي سيء العذاب وهو أشده. معنى الآيات: هذا الكلام متصل بما قبله، فثم حرف عطف والمعطوف عليه هو قل تعالوا أتل الآيات أي ثم قل يا رسولنا آتى ربي موسى الكتاب تماماً لنِعَمِه {عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ} طاعة ربه وهو موسى عليه السلام، {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} مما تحتاج إليه أمة بني إسرائيل في عقائدها، وعباداتها وأحكامها العامة والخاصة {وَهُدًى} يتبينون به الحق والصواب، {وَرَحْمَةً} لهم في دنياهم لما يحمله من الدعوة إلى العدل والخير رجاء أن يوقنوا بلقاء ربهم. هذا ما دلت عليه الآية الأولى وهي قوله تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ} أي بني إسرائيل {يُؤْمِنُونَ} فيعملون الصالحات ويتخلون عن المفاسد والشرور لما تجلبه لهم من غضب الله تعالى وعذابه. أما الآية الثانية [155] فقد أشاد الله تعالى بالقرآن الكريم ممتناً بإنزاله وما أودع فيه من البركة التي ينالها كل من يؤمن به ويعمل به ويتلوه تعبداً وتقرباً وتعلماً. هذا معنى قوله تعالى: {وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ} وقوله {فَٱتَّبِعُوهُ....} أمر للعباد باتباع ما جاء في القرآن الكريم من عقائد وعبادات وشرائع وأحكام فإن من اتبعه قاده إلى السعادة والكمال في الحياتين، وقوله {وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي اتقوا ترك العمل به ليعدكم ذلك الذي هو متابعة القرآن والتقوى للرحمة فترحمون في الدنيا والآخرة. وأما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: {أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} فمعناها: إن الله تعالى أنزل الكتاب على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأمره بتلاوته وإبلاغه الناس لئلا يقول الكافرون من العرب إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا اليهود والنصارى والمراد بالكتاب التوراة والإِنجيل، {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} إذ لم نعرف لغتهم، ولم نعرف ما يقرأونه في كتابهم، فتقوم الحجة لكم علينا فقطعاً لهذه الحجة أنزلنا الكتاب. وقوله تعالى في الآية الرابعة: {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} كما قطع تعالى عذرهم بإنزال كتابه الكريم لو قالوا يوم القيامة إنما أنزل الكتاب على اليهود والنصارى ونحن لم ينزل إلينا شيء فلذا ما عرفنا ربنا ولا عرفنا محابه ومكارهه فنطيعه بفعل محابه وترك مكارهه، قطع كذلك عذرهم لو قالوا لو أنا أنزل علينا الكتاب الهادي إلى الحق المعرف بالهدى لكنا أهدى من اليهود والنصارى الذين أوتوا الكتاب قبلنا، فقال تعالى {فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} وهو القرآن الكريم ورسوله المبلغ له {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ} أي وجاءكم الهدى والرحمة يحملهما القرآن الكريم، فأي حجة بقيت لكم تحتجون بها عند الله يوم القيامة إنكم إن لم تقبلوا هذه البينة وما تحمله من هدى ورحمة فقد كذبتم بآيات الله وصدفتم عنها ولا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها، وسيجزيكم بما يجزي به المكذبين بآيات الله الصادفين عنها. هذا ما دلت عليه الآية الرابعة [157] {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ} أي كراهية أن تقولوا. {فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان منة الله تعالى على موسى عليه السلام والثناء عليه لإِحسانه. 2- تقرير عقيدة البعث والجزاء يوم القيامة. 3- الإِشادة بالقرآن الكريم، وما أودع الله فيه من البركة والهدى والرحمة والخير. 4- قطع حجة المشركين بإنزال الله تعالى كتابه وإرسال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. 5- التنديد بالظلم، وبيان جزاء الظالمين المكذبين بآيات الله المعرضين عنها.
القطان
تفسير : تماما على الذي احسن: تماما للنعمة على المحسنين. الدارسة: القراءة والعلم. صَدَفَ عنها: اعرض عنها. ولقد أنزلنا التوراة على موسى استكمالاً للإنعام على من احسن القيام بأمر الدين، وانزلناه مفصِّلاً لكل شيء من التعاليم المناسبة لقومه، وهدى الى الطريق السويّ، ورحمةً لمن اهتدى به.. وذلك ليؤمن بنو اسرائيل بلقاء ربهم يوم القيامة. وبعد ان وصف التوراة بتلك الصفات وصف القرآن الكريم فقال: وهذا القرآنُ كتابٌ أنزلناه، مبارَك مشتمِلٌ على الخير الإلهي، والمنافع الدينية والدنيوية، وجامع لاسباب الهداية الدائمة، فاتّبعوا يا أيها الناس ما هداكم إليه، واتّقوا ما نهاكم عنه، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }. وأنزلنا اليك ايها النبيّ هذا الكتاب المرشِدَ الى توحيد الله وطريق طاعتِه، حتى لا يعتذر من تبلّغهم إيّاه ويقولوا يوم القيامة: انما أُنزل الكتاب على طائفتين من قَبْلِنا، اليهود والنصارى، وكّنا عن تلاوتهما ذلك الكتاب غافلين. بل نحن لا ندري ما هي التوراة ولا الانجيل لعدم فهمنا ما يقول أهلهما، اذا كانا بلسان غير لساننا. {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ }. كذلك نزلنا هذا القرآن حتى لا تقولو: لو انزل علينا الوحيُ الذي نزل عليهم، لكنّا اكثر منهم هداية وأحسنَ حالا، لسعةِ عقولنا وطيب استعدادنا. وهنا ردّ الله عليهم بجواب قاطع لكل حجة، دافع لكل اعتذار، فقال: {فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ }. فلا حجة لكم بعد اليوم على عصيانكم، ولا محلَّ لقولكم هذا. لقد جاءكم القرآن علامةً واضحة عل صدق محمد صلى الله عليه وسلم ومبيّناً كل ما تحتاجون اليه في دينكم ودنياكم. وبعد ان بيّن سبحانه وتعالى عظيم قدرِ هذا الكتاب بيِّن سوءَ عاقبة من كذّب به فقال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا}. ان هذه الآيات مشتملة على الهداية الكاملة، والرحمة الشاملة، هل هناك أحدٌ أظلمُ ممن كذّب بها واعرض عنها!؟ {سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ}. وسنعاقب الذين يُعرضون عن آياتنا ولا يتدبّرون ما فيها بالعذاب البالغ غايته في الإيلام، جزاء إعراضهم وعدم تدبرهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَا} {ٱلْكِتَابَ} (154) - لَمَّا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنِ القُرْآنِ أَنَّهُ صِرَاطُهُ المُسْتَقِيمُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِاتِّبَاعِهِ، عَطَفَ يَمْدَحُ التَّورَاةَ وَرَسُولَها مُوسَى عَلَيهِ السَّلاَمُ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى كَامِلاً، جَامِعاً لِمَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَائِعِ، وَقَدْ آتَاهُ اللهُ إِيَّاهُ إِتْمَاماً لِلْنِّعْمَةِ وَالكَرَامَةِ، عَلَى مَنْ أَحْسَنَ فِي اتِّبَاعِهِ، وَاهْتَدَى بِهِ. وَالتَّوْرَاةُ دَلِيلٌ مِنْ دَلاَئِلِ الهِدَايَةِ إلَى الحَقِّ، وَسَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الرَّحْمَةِ لِمَنْ أَرَادَ الهِدَايَةَ، وَقَدْ تَضَمَّنَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيءٍ، لَعَلَّ قَوْمَ مُوسَى يُؤْمِنُونَ بِاللهِ، وَيَتَذَكَّرُونَ لِقَاءَ رَبِّهِمْ فَيُحْسِنُوا العَمَلَ، وَيَفُوزُوا فِي الآخِرَةِ بِحُسْنِ العَاقِبَةِ وَالمَآبِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونحن إذا سمعنا بكلمة "ثم" نعلم انها من حروف العطف، وحروف العطف كثيرة، وكل حرف له معنى يؤديه، وهنا {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ}، وإيتاء موسى الكتاب كان قبل أن يأتي قوله: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} فالتوارة جاءت ثم الإِنجيل، ثم جاء القرآن ككتاب خاتم. فكيف جاءت العبارة هنا بـ"ثم"؟. مع أن إتيان موسى الكتاب جاء قبل مجيء قوله الحق: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}؟ ونقول لأصحاب هذا الفهم: أنت أخذت "ثم" لترتيب أفعال وأحداث، ونسيت أن "ثم" قد تأتي لترتيب أخبار. فقد يأتي مَن يقول لك: لماذا لا تسأل عن فلان ولا تؤدي الحق الواجب عليك له؛ كحق القرابة مثلا، فتقول: كيف، لقد فعلت معه كذا، ثم أنا فعلت مع أبيه كذا، ثم أنا فعلت مع جدّه كذا. إذن، فأنت تقوم بترتيب أخبار. وتتصاعد فيها، وتترقى، ولذلك قال الشاعر العربي: شعر : إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جدّه تفسير : فالسيادة جاءت أولاً للجد، ثم جاءت للأب، ثم انتقلت للابن. و"ثم" في هذه الحالة ليست لترتيب الأحداث وإنما جاءت للترتيب الإِخباري أي يكون وقوع المعطوف بها بعد المعطوف عليه بحسب التحدث عنهما لا بحسب زمان وقوع الحدث على أحدهما فالمراد الترقي في الإِخبار بالأحداث. وانظر إلى القرآن بكمال أدائه يقول: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ...} تفسير : [الأعراف: 11] ونعلم أن الأمر من الله للملائكة بالسجود لآدم كان من البداية. فسبحانه في هذا القول الكريم يريد أن يرتب حالنا، إنه- سبحانه- خلقنا بعد أن صورنا، وصورنا، بعد أن قال للملائكة اسجدوا لآدم. ولله المثل الأعلى، تجد من يقول لابنه: لقد اعتنيت بك في التعليم العالي، ثم لا تنس أني قد اعتنيت بك في التعليم العالي، ثم لا تنس أنني قد اعتنيت بك في التعليم الثانوي، ثم لا تنسى أنني قد اعتنيت بك في التعليم الإعدادية؛ ثم لا تنسى أنني قد اعتنيت بك من قبل كل ذلك التعليم الابتدائي. وأنت بذلك ترتقي إخبارياً لا أحداثياً. فقد يكون الحدث بعد ولكن ترتيب الخبر فيه يكون قبل. {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ...} [الأنعام: 154] طبعاً مادام جاء بسيرة موسى فالكتاب هو التوارة وإذا أطلق الكتاب من غير تحديد؛ فإنه ينصرف إلى القرآن، لأنه هو الكتاب الجامع لكل ما في الكتب، والمهيمن على كل ما في الكتب. أما لو قيل مثلاً: أنزلنا على موسى الكتاب، فيكون الكتاب هو التوارة، أو أنزلنا على عيسى الكتاب، فيكون الكتاب هو الإنجيل. {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 154] والتمام هو استيعاب صفات الخير، ولذلك يقول الحق: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي...} تفسير : [المائدة: 3] و"أكملت" فلا نقصان، وأتممتها فلا استدراك. ولماذا جاء بالتمام على الذي أحسن في أمر موسى عليه السلام؟. جاء ذلك لأن الذين تصدوا للجاج والجدل معه صلى الله عليه وسلم هم اليهود. وأنتم تعلمون أنهم صوروا في مصر هنا فيلماً سينمائياً اسمه "الوصايا العشر" عن قصة سيدنا موسى عليه السلام. والوصايا العشر هي التي أقر "كعب الأحبار" أنها موجودة في التوراة وجاءت في الآيات السابقة التي تناولناها وشرحناها. فمن المناسب أن يأتي هنا ذكر موسى عليه السلام. وحينما جاء موسى عليه السلام بالتوراة كما أنزلها الله عليه عاصره أناس آمنوا بما في التوراة، وكانوا من الناجين، وقد ماتوا. أما الذين استمرت حياتهم إلى أن جاء رسول الله، فكان من المطلوب منهم أن يؤمنوا به؛ لأن الحق أوضح لهم في التوراة أن هناك رسولاً قادماً، ولابد أن تؤمنوا حتى تتم نعمة الإحسان عليكم، لأنكم وإن كنتم مؤمنين بموسى، وعاملين بمنهجيه فلابد من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. والسابقون لكم أحسنوا في زمن بعثة رسالة موسى عليه السلام، وجاء محمد بالرسالة الخاتمة فإن أردتم أن يتم الله عليكم الحسن والكرامة والنعمة، فلابد أن تعلنوا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، منكم من أحسن الاقتداء بموسى عليه السلام وآمنوا بمحمد فتم لهم الحسن: {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}. {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} أي أنّه مناسب لزمنه، ولله المثل الأعلى، عندما يكون لك ولد صغير السن فتقول: أنا فصلت له ملابسه، أي فصلت له الملابس التي تناسبه. وحين يكبر لن تظل ملابسه القديمة صالحة لأن يرتديها. {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} أي القيم التي تناسب الوقت الذي يعيشونه، فإذا ما جئنا بتفصيل جديد في القرآن فهو مناسب لوقته، ولقائل أن يقول: هنا تفصيل، وهنا تفصيل، فما الفرق بين تفصيل وتفصيل؟. نقول: إن كل تفصيل مناسب لزمنه، وآيات القرآن مفصلة جاهزة ومعدة لكل زمن وللناس جميعا إلى أن تقوم الساعة. والآفة- دائماً- في القائمين على أمر التشريع، فحينما تأتيهم حالة لذي جاه وسلطان يحاولون إعداد وتفصيل حكم يناسبه، فنقول لمثل هذا الرجل: أنت تفصل الحكم برغم أن الأحكام جاهزة ومعدة ظاهرة، إننا نجد القوالب البدنية تختلف فيها التفصيلات للملابس بينما القوالب المعنوية نجد فيها التساوي بين الناس كلها، فالصدق عند الطفل مثل الصدق عند اليافع، مثل الصدق عند الرجل، مثل الصدق عند المرأة، مثل الصدق عند العالم، مثل الصدق عند التاجر. وليس لكل منهم صدق خاص، وكذلك الأمانة. ورحمنا الإسلام بالقضية العقدية وكذلك بالقضية الحكيمة الجاهزة. المناسبة لكل بشر، وليست هناك آية على مقاس واحد تطبق عليه وحده، لا، فالآيات تسع الجميع {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً...} [الأنعام: 154]. والهُدَى هو ما يدل على الغايات، لأن دين الفطرة قد انطمس بعدم تبليغ الآباء إلى الأولاد منهج السماء في أمور الحياة ومتعلقاتها والقيم التي يجب أن تسود. والآفة أن الأب يعلم ولده كيف يأكل ويشرب، وينسى أن يعلمه أمور القيم، لكن الحق سبحانه وتعالى رحم غفلتنا، ورحم نسياننا؛ فشرع وأرسل لكل زمان رسولاً جديداً، وهدْيا جديداً ليذكرنا. {...لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 154] إن كل آفة تنبع من العزوف عن تشريعات الله، وهم ينسون أن يضعوا في أذهانهم لقاء الله، لكن لو أن لقاء الله متضح في أذهانهم لاستعدوا لذلك؛ لأن الغايات هي التي تجعل الإنسان يقبل على الوسائل. والشاعر يقول: شعر : ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ومن أين والغايات هي بعد المذاهب تفسير : ونقول لهذا الشاعر: قولك: ألا من يريني غايتي قبل مذهبي كلام صحيح، أما قولك: ومن أين والغايات بعد المذاهب، هذا كلام غير دقيق، فالغاية هي التي تحدد المذهب، وكذلك شرع الله الغاية أولاً، بعد ذلك جعل لهذا السبيل. وقد شرع الله لكل شيء ما تقضيه ظروف البشر الحياتية، ولذلك لا استدراك عليه لأن فيه تفصيلا لكل شيء. ويقول الحق بعد ذلك: {وَهَـٰذَا كِتَابٌ...}
الأندلسي
تفسير : {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً} ثم تقتضي المهلة في الزمان هذا أصل وضعها، ثم تأتي للمهلة في الاخبار، قال الزمخشري: عطف على وصاكم به قال: فإِن قلت: كيف صح عطفه عليه بثم، والإِيتاء قبل التوصية بدهر طويل؟ قلت: هذه التوصية قديمة لم تزل تواصاها كل أمة على لسان نبيّها، كما قال ابن عباس: محكمات لم ينسخن بشيء من جميع الكتب فكأنه قيل: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديماً وحديثاً، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب المبارك. "انتهى". والذي قاله الزمخشري هو أنه رام إبقاء على المهلة الزمانية فصار التقدير أنّ وصاته تعالى تقدمت قبل زمان موسى عليه السلام ثم آتينا ففيه خروج من ضمير الغائب في وصاكم به إلى ضمير المتكلم في قوله: ثم آتينا. والكتاب هنا التوراة. وتماماً: منصوب على الحال، وهو مصدر في الأصل. والذي أحسن جنس، أي على من كان محسناً. ويؤيده قراءة ابن مسعود على الذين أحسنوا، وقراءة أبيّ تماماً للمحسنين وهاتان القراءتان تفسير لا قرآن. {بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ} أي بالبعث والحساب. {وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ} هذا: إشارة إلى القرآن. وأنزلناه ومبارك صفتان لكتاب، وكان الوصف الأول جملة فعلية مسندة لضمير الله تعالى بنون العظمة، وكان الوصف بالإِنزال آكد من الوصف بالبركة، فقدم لأن الكلام هو مع من ينكر رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينكر إنزال الكتب الإِلهية وكونه مباركاً عليهم هو وصف حاصل لهم منه متراخ عن الإِنزال، فلذلك تأخر الوصف بالبركة وتقدم الوصف بالإِنزال وبركته بما يترتب عليه من النقع والنماء بجمع كلمة العرب به والمواعظ والحكم والاعلام بأخبار الأمم السالفة والأجور التالية، والشفاء من الادواء، والشفاعة لقارئه، وعدّه من أهل الله تعالى. {أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ} أن تقولوا مفعول من أجله فقدره الكوفيون: لئلا تقولوا ولأجل أن لا تقولوا، وقدره البصريون: كراهة أن تقولوا والعامل في كلا المذهبين أنزلناه محذوفة يدل عليها أنزلناه المتقدمة. والكتاب هنا: جنس. والطائفتان: هم أهل التوراة والإِنجيل اليهود والنصارى بلا خلاف. والخطاب متوجه إلى كفار قريش بإِثبات الحجة عليهم بإِنزال هذا الكتاب لئلا يحتجوا هم وكفار العرب بأنهم لم يكن لهم كتاب، فكأنه قيل: وهذا القرآن يا معشر العرب أنزل حجة عليكم لئلا تقولوا، إنما أنزلت التوراة والإِنجيل بغير لساننا على غيرنا، ونحن لم نعرف ذلك فهذا كتاب بلسانكم مع رجل منكم. {وَإِن كُنَّا} قال الزمخشري: وإن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين أن النافية، والأصل وانه كنا عن دراستهم غافلين على أنها ضمير. "انتهى". وما ذهب إليه من أن أصله وأنه كنا، والهاء ضمير الشأن يلزم منه أنّ انْ المخففة من الثقيلة عاملة في مضمر محذوف حال التخفيف، كما قال النحويون: في أن المخففة من الثقيلة، والذي نص عليه أنّ ان المخففة من الثقيلة إذا لزمت اللام في أحد الجزئين بعدها، أو في أحد معمولي الفعل الناسخ الذي يليها أنها مهملة لا تعمل في ظاهر ولا في مضمر لا مثبت ولا محذوف فهذا الذي ذهب إليه مخالف للنصوص، وليست إذا وليها الناسخ داخلة في الأصل على ضمير شأن البتة. {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا} الآية، انتقال من الاخبار لحصر إنزال الكتاب على غيرهم وأنه لم ينزل عليهم إلى الأخبار بكم على تقرير. والكتاب هو الكتاب السابق ذكره. ومعنى أهدى منهم أي أرشد وأسرع اهتداء، لكونه نزل علينا بلساننا فنحن نتفهمه ونتدبّره وندرك ما تضمنه من غير اكداد فكر ولا تعلم لسان، بخلاف الكتاب الذي أنزل على الطائفتين فإِنه بغير لساننا فنحن لا نعرفه ونغفل عن دراسته. {فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} هذا قطع لاعتذارهم بانحصار إنزال الكتاب على الطائفتين وبكونهم لم ينزل عليم كتاب، ولو نزل لكانوا أهدى من الطائفتين. والظاهر أن البينة هي القرآن، وهو الحجة الواضحة لدلالة النيّرة حيث نزل عليهم بلسانهم، وألزم العالم أحكامه وشريعته، وأن الهدى والنور من صفات القرآن. {وَصَدَفَ} أي أعرض عنها، وتأخر الإِعراض لأنه ناشىء عن التكذيب. والإِعراض عن الشىء هو بعد رؤيته وظهوره. سنجزي الذين وعيد شديد. وعلق الجزاء على الصدوق لأنه ناشىء عن التكذيب. {هَلْ يَنظُرُونَ} الضمير في ينظرون عائد على الذين. قيل لهم: فقد جاءتكم بينة من ربكم أي ما ينتظرون إلا أن تأتيهم الملائكة إلى قبض أرواحهم وتعذيبها. {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} بعلمه وقدرته تعالى، بلا أين ولا كيف، لفصل القضاء بين خلقه في الموقف يوم القيامة. {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} يريد آيات القيامة والهلاك الكليّ. وفي بعض آيات ربك إشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها وغيرها. {يَوْمَ يَأْتِي} يوم منصوب بلا ينفع، وإيمانها فاعل بينتفع واجب تأخيره لعود الضمير على المفعول فصار نحو: ضرب زيداً غلامه. وتقدم نظيره في البقرة. وإذا ابتلى إبراهيم ربه قال الزمخشري: وقرأ ابن سيرين: لا تنفع ـ بالتاء ـ لكون الإِيمان مضافاً إلى ضمير المؤنث الذي هو بعضه كقولهم: ذهبت بعض أصابعه. انتهى. هذا غلط، لأن الإِيمان ليس بعضاً للنفس، ويحتمل أن يكون أنّث على معنى الإِيمان، وهو المعرفة أو العقيدة فيكون مثل: جاءته كتابي فاحتقره على معنى الصحيفة. ووصف نفساً بالجملة المنفية وهي لم تكن آمنت من قبل فدل على أن إيمانها وحده نافع قبل ذلك اليوم. وقوله: {أَوْ كَسَبَتْ} عطف على قوله آمنت التقدير أو تكن كسبت في إيمانها خيراً فدل ذلك على أنها إذا كانت مؤمنة، وكسبت خيراً قبل ذلك اليوم نفعها ذلك. وملخص هذا أنه قبل ذلك اليوم ينفع الإِيمان وحده، أو ينفع مع كسب الخير. {قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ} هذا أمر تهديد ووعيد. {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} ما يحل بكم.
الجيلاني
تفسير : {ثُمَّ} اعملوا أنا {آتَيْنَا} من مقام جودنا {مُوسَى ٱلْكِتَابَ} تماماً؛ أي: التوراة المبين لطريق الحق {تَمَاماً عَلَى} الوجه {ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ} بيانه وتوضيحه {وَ} بينَّا فيه أيضاً {تَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} من الكوائن والفواسد المتعلقة بعالم الفواسد المتعلقة بعالم الملك والشهادة {وَهُدًى} من المعارف والحقائق المتعلقة بعالم الملكوت والغيب {وَرَحْمَةً} من المكاشفات والمشاهدات المسقطة للإضافات مطلقاً المغنية لنفوس الغير والسوى رأساً {لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 154] رجاء أن يتحققوا بمرتبة اليقين العلمي ثم العيني ثم الحقي. {وَهَـٰذَا} أي: القرآن {كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ} تتميماً لمقاصد الكتب السالفة، وترويجاً لحكمه وأحكامه {مُبَارَكٌ} كثير الخير والنفع لمن آمن به وصدقه {فَٱتَّبِعُوهُ} أيها المتوجهون نحو التوحه الذاتي، وامتثلوا جميع أوامره، واجتنبوا عن جميع نواهيه {وَٱتَّقُواْ} عن تكذيبه والقدح يه وفيمن أنزل إليه {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155] تكتشفون وتفوزون به إلى فضاء التوحيد. وإنما أنزلنا القرآن بعد التوراة والإنجيل، وإن كان أكثر أحكام الكتب الإلهية مشتركة كراهة {أَن تَقُولُوۤاْ} أيها المؤمنون {إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} أي: اليهود والنصارى، وعلى لسانهم ولغتهم فلا تقبلون الأحكام الإلهية معللين قائلين: {وَإِن} أي: {كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ} قراءتهم وتعلمهم لعدم علمنا بوضع لغتهم {لَغَافِلِينَ} [الأنعام: 156]. {أَوْ} أن {تَقُولُواْ} متحسرين متمنين: {لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ} كما أنزل عليهم {لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ} لحدة أذهاننا وصفاء صدرونا، ومتى علم واطلع سبحانه من استعداداتكم هذا {فَقَدْ جَآءَكُمْ} من عنده لإهدائكم وإيصالكم إلى مقر توحيده {بَيِّنَةٌ} واضحة {مِّن رَّبِّكُمْ} الذي رباكم بإضافة استعدادات التوحيد وقابلياته، دالة عليه، مبينة له كاشفة إياه بالنسبة إلى المحجوبين من ذوي العلوم اليقينية {وَهُدًى} يرشدهم إلى مرتبة اليقين العيني {وَرَحْمَةٌ} لكم تستر هويتكم عن عيون بصائركم ويغنيكم في هوية الحق. وبالجملة: لو امتثلتم بمقتضاه لصار علمكم عيناً وعينكم حقاً {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} بعدما سمع أوصافها وفرائدها من الله {وَصَدَفَ} صد وأعرض {عَنْهَا} عناداً واستكباراً، والله {سَنَجْزِي} باسمنا المنتقم {ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا} إباء وتكذيباً {سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أي: عذاباً يسوءهم ويشتد عليهم {بِمَا كَانُواْ} أي: بشؤوم ما كانوا {يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 157] عنها، ويستنكفون عن قبولها عتواً وعناداً بلا حجة قطعية بل طنية أيضاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن ثلاثة غير هذه بقوله تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ} [الأنعام: 154] يشير إلى حال نبينا صلى الله عليه وسلم من وجهين: أحدهما: إنه تعالى لمَّا ذكر الخصال العشر وخصَّ بها النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الأمة وقال تعالى: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ} تفسير : [الأنعام: 153] ثم قال تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً} [الأنعام: 154]، ثم أخبر منك يا محمد أن آتينا موسى الكتاب قبلك تماماً على الذي أحسن؛ يعني: إتماماً لدينك على من أسلم من أمتك إسلامه، فإن الكتب المنزلة كلها وشرائع الأنبياء - عليهم السلام - كانت تتمه للدين الخفي الذي هو الإسلام، وهو الدين المرضي بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ} تفسير : [آل عمران: 19]، وبهذا السر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإتباع الأنبياء والاقتداء بهم، كما قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90] للجمع بين هداه وهداهم إتماماً للدين وتكميلاً له فلم تم هداه بالقرآن، وتم اقتداه بهداهم قال تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً}تفسير : [المائدة: 3]. والوجه الثاني: إن الذي أحسن هو النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فأراد بالذي أحسن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان مخصوصاً من بين الأنبياء - عليهم السلام - بالرؤية؛ ولهذا السر قد سمَّاه الله تعالى محسناً بقوله: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً}تفسير : [النساء: 125]، فالمعنى: آتينا موسى الكتاب تماماً على محمداً؛ أي: لتكميله في النبوة والرسالة يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ}تفسير : [هود: 120]، {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 154] أي: وبياناً وشرحاً لدينه. {وَهُدًى وَرَحْمَةً} على أمته، {لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 154]؛ أي: لكي يؤمنوا هذه الأمة برؤية ربهم فهم مخصوصون بهذه الكرامة كما خص نبيهم بها فيتشمروا عن ساق الجد في طلبها ثم قال تعالى: {وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ} [الأنعام: 155]، أي: أنزلناه أيضاً لإتمام نبوتك ودينك، {مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 155] أي: فاعتصموا به، {وَٱتَّقُواْ} [الأنعام: 155] عن غير الله بالله، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155] فتحوجون عن الوجود المجازي وتصلون إلى الوجود الحقيقي بنور القرآن، {أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام: 156]، أي فاحترزوا {أَن تَقُولُوۤاْ} إذا لم تنتفعوا بالقرآن: {إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام: 156] {أَوْ تَقُولُواْ} [الأنعام: 157] أي: لئلا تقولوا، {لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ} [الأنعام: 157] أي: في السير إلى الله. {فَقَدْ جَآءَكُمْ} [الأنعام: 157]، يعني: في هذا القرآن، {بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأنعام: 157] ما بين لكم طريق السير إلى الله والوصول، {وَهُدًى} [الأنعام: 157] وما يهديكم إلى الله أتم وأكمل مما جاءهم في الكتابين؛ لأنه {أية : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59]، وإحدى بركة القرآن كل ما في الكتب المنزلة من أسباب الهداية إلى الله تعالى مندرج في القرآن منفرد بكثير منها، {وَرَحْمَةٌ} [الأنعام: 157] أي: قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم وهو رحمة مهداة ليوصلكم إلى الله، فإن لكم فيه {أية : أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}تفسير : [الأحزاب: 21]، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} [الأنعام: 157] يعني: بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم، {وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} [الأنعام: 157] والفرقة والقطيعة، {بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام: 157] يعرضون عنها عن هدايتنا. ثم أخبر عن انتظار أهل الإنكار بقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} [الأنعام: 158] الإشارة فيها: أن القوم بعد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو صورة الهداية من الله، وبعد نزول الكتاب المبارك الذي هو المعتصم للوصول إلى الله تعالى في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، هل ينظر! {هَلْ يَنظُرُونَ} [الأنعام: 158]، أي: ينتظرون، {إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} [الأنعام: 158] عياناً وتسوقهم إلى الله قهراً وقهراً، إذ هم لم يعتصموا بالقرآن، ولم يتبعوا النبي، ولم يهتد بهدايته، ولم يتسلكوا بتسليكه. {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158]، يعني: إذ لم يأتوا إليه في متابعتك يأتي ربهم إليهم ويقطع مسافة البعد والحجب لهم، {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] فيكشف الغطاء يوم، {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] اللقاء، وبعد كشف الغطاء، {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً} [الأنعام: 158] وذلك؛ لأن الله تعالى جعل نفس الإنسان وقلبه أرضاً صالحة لقبول بذر الإيمان وإنباته وتربيته، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا إله إلا الله ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقلة" تفسير : فالبذر: هو قول المرء أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله عند تصديق القلب بشهادة اللسان، وإنما كان زمان هذه الزراعة زمان الدنيا لا زمان الآخرة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدنيا مزرعة الآخرة"تفسير : يوم باقي بعض آياته ربك لا ينفع نفساً في زمان الآخرة بذر إيمانها لم تكن آمنت أي: بذرت من قبل في زمان الدنيا، أو كسبت في إيمانها خيرّاً من الأعمال الصالحة التي ترفع الكلمات الطيبة وهي: لا إله إلا الله، وتجعلها شجرة طيبة مثمرة تؤتى أكلها حين بإذن ربها من ثمار المعرفة والمحبة والكشف والمشاهدة والوصول والوصال ونيل الكمال، {قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ} [الأنعام: 158] أيها المنتظرون للمستحيلات، {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} [الأنعام: 158] للميعاد في المعاد بما وعدناهم من العذاب والعقاب.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { ثُمَّ } في هذا الموضع، ليس المراد منها الترتيب الزماني، فإن زمن موسى عليه السلام، متقدم على تلاوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب، وإنما المراد الترتيب الإخباري. فأخبر أنه آتى { مُوسَى الْكِتَابَ } وهو التوراة { تَمَامًا } لنعمته، وكمالا لإحسانه. { عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ } من أُمة موسى، فإن الله أنعم على المحسنين منهم بنِعَم لا تحصى. من جملتها وتمامها إنزال التوراة عليهم. فتمت عليهم نعمة الله، ووجب عليهم القيام بشكرها. { وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ } يحتاجون إلى تفصيله، من الحلال والحرام، والأمر والنهي، والعقائد ونحوها. { وَهُدًى وَرَحْمَةً } أي: يهديهم إلى الخير، ويعرفهم بالشر، في الأصول والفروع. { وَرَحْمَة } يحصل به لهم السعادة والرحمة والخير الكثير. { لَعَلَّهُمْ } بسبب إنزالنا الكتاب والبينات عليهم { بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } فإنه اشتمل من الأدلة القاطعة على البعث والجزاء بالأعمال، ما يوجب لهم الإيمان بلقاء ربهم والاستعداد له. { وَهَذَا } القرآن العظيم، والذكر الحكيم. { كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ } أي: فيه الخير الكثير والعلم الغزير، وهو الذي تستمد منه سائر العلوم، وتستخرج منه البركات، فما من خير إلا وقد دعا إليه ورغب فيه، وذكر الحكم والمصالح التي تحث عليه، وما من شر إلا وقد نهى عنه وحذر منه، وذكر الأسباب المنفرة عن فعله وعواقبها الوخيمة { فَاتَّبِعُوهُ } فيما يأمر به وينهى، وابنوا أصول دينكم وفروعه عليه { وَاتَّقُوا } الله تعالى أن تخالفوا له أمرا { لَعَلَّكُمْ } إن اتبعتموه { تُرْحَمُونَ } فأكبر سبب لنيل رحمة الله اتباع هذا الكتاب، علما وعملا. { أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ } أي: أنزلنا إليكم هذا الكتاب المبارك قطعا لحجتكم، وخشية أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، أي: اليهود والنصارى. { وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ } أي: تقولون لَمْ تنزل علينا كتابا، والكتب التي أنزلتها على الطائفتين ليس لنا بها علم ولا معرفة، فأنزلنا إليكم كتابا، لم ينزل من السماء كتاب أجمع ولا أوضح ولا أبين منه. { أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ } أي: إما أن تعتذروا بعدم وصول أصل الهداية إليكم، وإما أن تعتذروا، بـ[عدم] كمالها وتمامها، فحصل لكم بكتابكم أصل الهداية وكمالها، ولهذا قال: { فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } وهذا اسم جنس، يدخل فيه كل ما يبين الحق { وَهُدًى } من الضلالة { وَرَحْمَةٌ } أي:سعادة لكم في دينكم ودنياكم، فهذا يوجب لكم الانقياد لأحكامه والإيمان بأخباره، وأن من لم يرفع به رأسا وكذب به، فإنه أظلم الظالمين، ولهذا قال: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا } أي: أعرض ونأى بجانبه. { سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ } أي: العذاب الذي يسوء صاحبه ويشق عليه. { بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ } لأنفسهم ولغيرهم، جزاء لهم على عملهم السيء {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ }. تفسير : وفي هذه الآيات دليل على أن علم القرآن أجل العلوم وأبركها وأوسعها، وأنه به تحصل الهداية إلى الصراط المستقيم، هداية تامة لا يحتاج معها إلى تخرص المتكلمين، ولا إلى أفكار المتفلسفين، ولا لغير ذلك من علوم الأولين والآخرين. وأن المعروف أنه لم ينزل جنس الكتاب إلا على الطائفتين، [من] اليهود والنصارى، فهم أهل الكتاب عند الإطلاق، لا يدخل فيهم سائر الطوائف، لا المجوس ولا غيرهم. وفيه: ما كان عليه الجاهلية قبل نزول القرآن، من الجهل العظيم وعدم العلم بما عند أهل الكتاب، الذين عندهم مادة العلم، وغفلتهم عن دراسة كتبهم.
همام الصنعاني
تفسير : 874- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ}: [الآية: 154]، قال: من أَحْسَنَ في الدنيا، تَمَّمَ له ذلك في الآخِرَة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):