٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
158
Tafseer
الرازي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي: {يَأْتِيهُمُ } بالياء وفي النحل مثله، والباقون {تَأْتِيَهُمُ } بالتاء. واعلم أنه تعالى لما بين أنه إنما أنزل الكتاب إزالة للعذر، وإزاحة للعلة، وبين أنهم لا يؤمنون ألبتة وشرح أحوالاً توجب اليأس عن دخولهم في الإيمان فقال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } ونظير هذه الآية قوله في سورة البقرة: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ ٱلْغَمَامِ }تفسير : [البقرة: 210] ومعنى ينظرون ينتظرون وهل استفهام معناه النفي، وتقدير الآية: أنهم لا يؤمنون بك إلا إذا جاءهم أحد هذه الأمور الثلاثة، وهي مجيء الملائكة، أو مجيء الرب، أو مجيء الآيات القاهرة من الرب. فإن قيل: قوله: {أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } هل يدل على جواز المجيء والغيبة على الله. قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا حكاية عنهم، وهم كانوا كفاراً، واعتقاد الكافر ليس بحجة، والثاني: أن هذا مجاز. ونظيره قوله تعالى: {أية : فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَـٰنَهُمْ }تفسير : [النحل: 26] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ }تفسير : [الأحزاب: 57] والثالث: قيام الدلائل القاطعة على أن المجيء والغيبة على الله تعالى محال، وأقربها قول الخليل صوات الله عليه في الرد على عبدة الكواكب {أية : لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76]. فإن قيل: قوله: {أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } لا يمكن حمله على إثبات أثر من آثار قدرته، لأن على هذا التقدير: يصير هذا عين قوله: {أو يأتي ربك } فوجب حمله على أن المراد منه إتيان الرب. قلنا: الجواب المعتمد أن هذا حكاية مذهب الكفار، فلا يكون حجة، وقيل: يأتي ربك بالعذاب، أو يأتي بعض آيات ربك وهو المعجزات القاهرة. ثم قال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ } وأجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علامات القيامة، عن البراء بن عازب قال: كنا نتذاكر أمر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما تتذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة قال: «حديث : إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابة الأرض، وخسفاً بالمشرق، وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب، والدجال وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونار تخرج من عدن» تفسير : وقوله: {لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ } صفة لقوله: {نَفْساً } وقوله: {أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا } صفة ثانية معطوفة على الصفة الأولى، والمعنى: أن أشراط الساعة إذا ظهرت ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان نفساً ما آمنت قبل ذلك، وما كسبت في إيمانها خيراً قبل ذلك. ثم قال تعالى: {قُلِ ٱنتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ } وعيد وتهديد.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {هَلْ يَنظُرُونَ} معناه أقمت عليهم الحجة وأنزلت عليهم الكتاب فلم يؤمنوا، فماذا ينتظرون. {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} أي عند الموت لقبض أرواحهم. {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} قال ابن عباس والضحاك: أمْرُ ربّك فيهم بالقتل أو غيره، وقد يذكر المضاف إليه والمراد به المضاف؛ كقوله تعالىٰ: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف: 82] يعني أهل القرية. وقوله: {أية : وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ}تفسير : [البقرة: 93] أي حُبّ العجل. كذلك هنا: يأتي أمر ربك، أي عقوبة ربّك وعذاب ربّك. ويُقال: هذا من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلاَّ الله. وقد تقدّم القول في مثله في «البقرة» وغيرها. {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} قيل: هو طلوع الشمس من مغربها، بيّن بهذا أنهم يُمْهَلون في الدنيا فإذا ظهرت الساعة فلا إمهال. وقيل: إتيانُ الله تعالىٰ مجيئُه لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة؛ كما قال تعالىٰ: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}تفسير : . [الفجر: 22]. وليس مجيئه تعالىٰ حركة ولا انتقالا ولا زوالا؛ لأن ذلك إنما يكون إذا كان الجائي جسماً أو جوهراً. والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون: يجيء وينزل ويأتي. ولا يُكَيِّفون؛ لأنه{أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ} تفسير : [ الشورىٰ: 11]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث إذا خرجْنَ لا ينفع نفساً أيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في أيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها والدّجالُ ودابَّةُ الأرض»تفسير : . وعن صَفْوان بن عَسّال المُرَادِيّ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن بالمغرب باباً مفتوحاً للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يُغْلَق حتى تطلع الشمس من نحوه»تفسير : . أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ والدارميّ والتّرمذيّ وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال سفيان: قِبل الشام، خلقه الله يوم خلق السَّمٰوات والأرض. «مفتوحاً» يعني للتوبة لا يُغلق حتى تطلع الشمس منه. قال: حديث حسن صحيح. قلت: وكذّب بهذا كله الخوارجُ والمعتزلة كما تقدم. وروى ابن عباس قال: سمعت عمر بن الخطاب فقال: أيها الناس، إن الرَّجْم حق فلا تُخْدَعُنّ عنه، وإن آية ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رَجم، وأن أبا بكر قد رَجَم، وأنّا قد رجمنا بعدهما، وسيكون قوم من هذه الأُمة يكذّبون بالرَّجْم، ويكذّبون بالدّجال، ويكذّبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكّذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما ٱمْتَحَشُوا. ذكره أبو عمر. وذكر الثعلبيّ في حديث فيه طول عن أبي هريرة حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم ما معناه: أن الشمس تُحبس عن الناس ـ حين تكثر المعاصي في الأرض، ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد، ويفشو المنكر فلا يُنْهى عنه ـ مقدار ليلة تحت العرش، كلما سجدتْ واستأذنت ربها تعالىٰ من أين تطلع لم يجىء لها جواب حتى يوافيها القمر فيسجد معها، ويستأذن من أين يطلع فلا يُجاء إليهما جواب حتى يُحبسا مقدارَ ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر؛ فلا يعرف طول تلك الليلة إلاَّ المتهجدون في الأرض، وهم يومئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين. فإذا تمّ لهما مقدار ثلاث ليال أرسل الله تعالىٰ إليهما جبريل عليه السَّلام فيقول: «إن الربّ سبحانه وتعالىٰ يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منه، وأنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور» فيطلعان من مغاربهما أسودين، لا ضوء للشمس ولا نور للقمر، مثلهما في كسوفهما قبل ذلكتفسير : . فذلك قوله تعالىٰ: {أية : وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ} تفسير : [القيامة: 9] وقوله: {أية : إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ}تفسير : [التكوير: 1] فيرتفعان كذلك مثل البعيرين المقرونين؛ فإذا ما بلغ الشمس والقمر سُرَّةَ السماء وهي منصفها جاءهما جبريل عليه السَّلام فأخذ بقرونهما وردّهما إلى المغرب، فلا يغربهما من مغاربهما ولكن يغربهما من باب التوبة ثم يردّ المصراعين، ثم يلتئم ما بينهما فيصير كأنه لم يكن بينهما صَدْع. فإذا أغلق باب التوبة لم تقبل لعبْدٍ بعد ذلك توبة، ولم تنفعه بعد ذلك حسنة يعملها؛ إلاَّ من كان قبل ذلك محسناً فإنه يجري عليه ما كان عليه قبل ذلك اليوم؛ فذلك قوله تعالىٰ: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً}. ثم إن الشمس والقمر يُكسيان بعد ذلك الضوء والنور، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك يطلعان ويغربان. قال العلماء: وإنما لا ينفع نفساً إيمانُها عند طلوعها من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تُخْمَدُ معه كلّ شهوة من شهوات النفس، وتَفْتُر كلّ قوّة من قوى البدن؛ فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدُنُو القيامة في حال من حضره الموت في ٱنقطاع الدّواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم؛ فمن تاب في مثل هذه الحال لم تُقبل توبته، كما لا تُقبل توبة من حضره الموت. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغر»تفسير : أي تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار؛ فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله. وعلى هذا ينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة ما عاش؛ لأن علمه بالله تعالىٰ وبنبيه صلى الله عليه وسلم وبوعده قد صار ضرورة. فإن ٱمتدّت أيام الدنيا إلى أن ينسىٰ الناس من هذا الأمر العظيم ما كان، ولا يتحدّثوا عنه إلاَّ قليلاً، فيصير الخبر عنه خاصّاً وينقطع التواتر عنه؛ فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قُبل منه. والله أعلم. وفي صحيح مسلم عن عبد الله قال: حفِظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً لم أنْسَه بعدُ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن أول الآيات خروجاً طلوعُ الشمس من مغربها وخروجُ الدابة على الناس ضُحًى وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأُخرىٰ على إثرها قريباً»تفسير : . وفيه حديث : عن حذيفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غرفة ونحن أسفلَ منه، فٱطلع إلينا فقال: «ما تذكرون»؟ قلنا: الساعة. قال: «إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات. خَسْفٌ بالمشرق وخَسْفٌ بالمغرب وخَسْفٌ في جزيرة العرب والدّخَان والدّجّال ودابّةُ الأرض ويأجوجُ ومأجوج وطلوعُ الشمس من مغربها ونارٌ تخرج من قعر عَدَنٍ تُرَحِّل الناس»»تفسير : . قال شعبة: وحدّثني عبد العزيز بن رُفَيع عن أبي الطّفيل عن أبي سَرِيحَة مثلَ ذلك، لا يذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال أحدهما في العاشرة: ونزول عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم. وقال الآخر: وريحٌ تُلْقِي الناسَ في البحر. قلت: وهذا حديث متقن في ترتيب العلامات. وقد وقع بعضها وهي الخسوفات على ما ذكر أبو الفرج الجَوْزِي من وقوعها بعراق العجم والمغرب، وهلك بسببها خلق كثير؛ ذكره في كتاب فهوم الآثار وغيره. ويأتي ذكر الدابة في «النمل». ويأجوج ومأجوج في «الكهف». ويُقال: إن الآيات تتتابع كالنّظْم في الخيط عاماً فعاماً. وقيل: إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها أن إبراهيم عليه السَّلام قال لنمروذ: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} تفسير : [البقرة: 258] وأن المُلْحدة والمُنَجِّمة عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون: هو غير كائن؛ فَيُطْلِعها الله تعالىٰ يوماً من المغرب لِيُرِيَ المنكرين قدرته أن الشمس في مُلْكه، إن شاء أطلعها من المشرق وإن شاء أطلعها من المغرب. وعلى هذا يحتمل أن يكون ردّ التوبة والإيمانِ على من آمن وتاب من المنكرين لذلك المكذبين لخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بطلوعها، فأما المصدِّقون لذلك فإنه تُقبل توبتهم وينفعهم إيمانهم قبل ذلك. ورُوي عن عبد الله بن عباس أنه قال: لا يقبل من كافر عملٌ ولا توبةٌ إذا أسلم حين يراها، إلاَّ من كان صغيراً يومئذ؛ فإنه لو أسلم بعد ذلك قُبل ذلك منه. ومن كان مؤمناً مذنباً فتاب من الذنب قُبل منه. ورُوي عن عِمران بن حُصين أنه قال: إنما لم تقبل توبته وقت طلوع الشمس حين تكون صيحةٌ فيهلك فيها كثير من الناس؛ فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت وهلك لم تقبل توبته، ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته؛ ذكره أبو الليث السَّمَرْقَنْدِيّ في تفسيره. وقال عبد الله بن عمر: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة حتى يَغْرِسوا النخل. والله بغيبه أعلم. وقرأ ابن عمر وٱبن الزبير «يوم تأتي» بالتاء؛ مثل «تلتقطه بعض السَيَّارة». وذهبت بعض أصابعه. وقال جرير:شعر : لمّا أتى خبرُ الزّبير تواضَعتْ سُورُ المدينة والجبالُ الخُشّعُ تفسير : قال المبرد: التأنيث على المجاورة لمؤنث لا على الأصل. وقرأ ابن سِيرين «لا تنفع» بالتاء. قال أبو حاتم: يذكرون أن هذا غلط من ٱبن سِيرين. قال النحاس: في هذا شيء دقيق من النحو ذكره سيبويه، وذلك أن الإيمان والنفس كلّ واحد منهما مشتمل على الآخر فأنّث الإيمان إذ هو من النفس وبها؛ وأنشد سيبويه:شعر : مَشَيْنَ كما ٱهتزّتْ رماحٌ تَسفّهتْ أعالِيهَا مَرُّ الرياح النَّواسمِ تفسير : قال المَهْدَوِيّ: وكثيراً ما يؤنّثون فعل المضاف المذكر إذا كانت إضافته إلى مؤنّث، وكان المضاف بعض المضاف إليه أو منه أو به؛ وعليه قول ذِي الرمّة:شعر : مـشين... الـبيت تفسير : فأنث المَرّ لإضافته إلى الرياح وهي مؤنثة، إذ كان المَرّ من الرياح. قال النحاس: وفيه قول آخر وهو أن يؤنّث الإيمان لأنه مصدر كما يذكّر المصدر المؤنث؛ مثل: {أية : فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ}تفسير : [البقرة: 275] وكما قال:شعر : فقد عذرتنا في صحابته العذر تفسير : ففي أحد الأقوال أنّث العذر لأنه بمعنى المعذرة. {قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} بكم العذاب.
البيضاوي
تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ} أي ما ينتظرون يعني أهل مكة، وهم ما كانوا منتظرين لذلك ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبهوا بالمنتظرين. {إِلا أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} ملائكة الموت أو العذاب. وقرأ حمزة والكسائي بالياء هنا وفي «النحل». {أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } أي أمره بالعذاب، أو كل آية يعني آيات القيامة والهلاك الكلي لقوله: {أَوْ يَأْتيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} يعني أشراط الساعة وعن حذيفة بن اليمان والبراء بن عازب: (كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما تذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة، قال: «حديث : إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابة الأرض، وخسفاً بالمشرق، وخسفاً بالمغرب، وخسفاً بجزيرة العرب، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام، وناراً تخرج من عدن)تفسير : {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءايَـٰتِ رَبّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} كالمحتضر إذ صار الأمر عياناً والإِيمان برهاني. وقرىء «تنفع» بالتاء لإِضافة الإِيمان إلى ضمير المؤنث. {لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ} صفة نفساً. {أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا} عطف على {ءامَنتُ} والمعنى: أنه لا ينفع الإِيمان حينئذ نفساً غير مقدمة إيمانها أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيراً، وهو دليل لمن لم يعتبر الإِيمان المجرد عن العمل وللمعتبر تخصيص هذا الحكم بذلك اليوم، وحمل الترديد على اشتراط النفع بأحد الأمرين على معنى لا ينفع نفساً خلت عنها إيمانها، والعطف على لم تكن بمعنى لا ينفع نفساً إيمانها الذي أحدثته حينئذ وإن كسبت فيه خيراً. {قُلِ ٱنتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} وعيد لهم، أي: انتظروا إتيان أحد الثلاثة فإنا منتظرون له وحينئذ لنا الفوز وعليكم الويل.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى متوعداً للكافرين به، والمخالفين لرسله، والمكذبين بآياته، والصادين عن سبيله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ} وذلك كائن يوم القيامة {أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} وذلك قبل يوم القيامة كائن من أمارات الساعة وأشراطها حين يرون شيئاً من أشراط الساعة؛ كما قال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عمارة حدثنا أبو زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس، آمن من عليها» تفسير : فذلك حين {لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ}. حدثنا إسحاق حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها» تفسير : وفي لفظ: «حديث : فإذا طلعت، ورآها الناس، آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل» تفسير : ثم قرأ هذه الآية. هكذا روي هذا الحديث من هذين الوجهين، ومن الوجه الأول أخرجه بقية الجماعة في كتبهم، إلا الترمذي من طرق عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة، عن أبي زرعة بن جرير، عن أبي هريرة به. وأمّا الطريق الثاني، فرواه عن إسحاق غير منسوب، وقيل: هو ابن منصور الكوسج، وقيل: إسحاق بن نصر، والله أعلم، وقد رواه مسلم عن محمد بن رافع الجنديسابوري، كلاهما عن عبد الرزاق به، وقد ورد هذا الحديث من طرق أخر عن أبي هريرة. كما انفرد مسلم بروايته من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة به. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا ابن فضيل عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض» تفسير : ورواه أحمد عن وكيع عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم سلمان، عن أبي هريرة، به، وعنده: والدخان، ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب عن وكيع. ورواه هو أيضاً والترمذي من غير وجه عن فضيل بن غزوان به، ورواه إسحاق بن عبد الله القروي عن مالك بن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ولكن لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه؛ لضعف القروي، والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا شعيب بن الليث عن أبيه، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، آمن الناس كلهم، وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل» تفسير : الآية، ورواه ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة به. ورواه وكيع عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة به، أخرج هذه الطرق كلها الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، قبل منه» تفسير : لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. [حديث آخر] عن أبي ذر الغفاري في الصحيحين وغيرهما من طرق عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي عن أبيه، عن أبي ذر جندب بن جنادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟» تفسير : قلت: لا أدري، قال: «حديث : إنها تنتهي دون العرش، فتخر ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها: ارجعي، فيوشك يا أبا ذر أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت، وذلك حين {لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ}»تفسير : [حديث آخر] عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري رضي الله عنه، قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا سفيان عن فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة، ونحن نتذاكر الساعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم، وخروج الدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن، تسوق أو تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا» تفسير : وهكذا رواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديث فرات القزاز عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد به، وقال الترمذي: حسن صحيح. [حديث آخر] عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال الثوري: عن منصور عن ربعي عن حذيفة قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين، فينتبه الذين كانوا يصلون فيها، فيعملون كما كانوا يعملون قبلها، والنجوم لا ترى قد غابت مكانها، ثم يرقدون، ثم يقومون فيصلون، ثم يرقدون، ثم يقومون فيطل عليهم جنوبهم حتى يتطاول عليهم الليل، فيفزع الناس ولا يصبحون، فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها، إذ طلعت من مغربها، فإذا رآها الناس، آمنوا، فلم ينفعهم إيمانهم» تفسير : رواه ابن مردويه، وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه - والله أعلم -. [حديث آخر] عن أبي سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك بن سنان رضي الله عنه وأرضاه. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا ابن أبي ليلى عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} قال: «حديث : طلوع الشمس من مغربها» تفسير : ورواه الترمذي عن سفيان بن وكيع عن أبيه به، وقال: غريب، ورواه بعضهم، ولم يرفعه، وفي حديث طالوت بن عباد عن فضال بن جبير، عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها» تفسير : وفي حديث عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله فتح باباً قبل المغرب، عرضه سبعون عاماً؛ للتوبة، لا يغلق حتى تطلع الشمس منه» تفسير : رواه الترمذي، وصححه النسائي وابن ماجه في حديث طويل. [حديث آخر] عن عبد الله بن أبي أوفى. قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا ابن فضيل عن سليمان بن زيد، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه، فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون، يقوم أحدهم فيقرأ حزبه، ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه، ثم ينام، فبينما هم كذلك، إذ صاح الناس بعضهم في بعض، فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد، فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها - فضج الناس ضجة واحدة، حتى إذا صارت في وسط السماء، رجعت وطلعت من مطلعها - قال: - حينئذ لا ينفع نفساً إيمانها» تفسير : هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس هو في شيء من الكتب الستة. [حديث آخر] عن عبد الله بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أبو حيان عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير قال: جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة، فسمعوه وهو يحدث عن الآيات يقول: إن أولها خروج الدجال، قال: فانصرفوا إلى عبد الله بن عمرو، فحدثوه بالذي سمعوه من مروان في الآيات، فقال: لم يقل مروان شيئاً، حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضحى، فأيتهما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على أثرها» تفسير : ثم قال عبد الله، وكان يقرأ الكتب: وأظن أولها خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وذلك أنها كلما غربت، أتت تحت العرش، وسجدت، واستأذنت في الرجوع، فأذن لها في الرجوع، حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها، فعلت كما كانت تفعل، أتت تحت العرش فسجدت، واستأذنت في الرجوع، فلم يرد عليها شيء، ثم استأذنت في الرجوع فلا يرد عليها شيء، حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب، وعرفت أنه إذا أذن لها في الرجوع لم تدرك المشرق، قالت: رب ما أبعد المشرق من لي بالناس، حتى إذا صار الأفق كأنه طوق، استأذنت في الرجوع، فيقال لها: من مكانك فاطلعي، فطلعت على الناس من مغربها، ثم تلا عبد الله هذه الآية: {لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ} الآية، وأخرجه مسلم في صحيحه، وأبو داود وابن ماجه في سننيهما من حديث أبي حيان التيمي، واسمه يحيى بن سعيد بن حيان بن أبي زرعة بن عمرو بن جرير به. [حديث آخر عنه] قال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حبان الرقي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زبريق الحمصي، حدثنا عثمان ابن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ابن لهيعة عن حُيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجداً ينادي ويجهر: إلهي مرني أن أسجد لمن شئت - قال: - فيجتمع إليه زبانيته، فيقولون كلهم: ما هذا التضرع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم - قال: - ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا - قال - فأول خطوة تضعها بأنطاكيا، فتأتي إبليس فتلطمه» تفسير : هذا حديث غريب جداً، وسنده ضعيف، ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك، فأما رفعه فمنكر، والله أعلم. [حديث آخر] عن عبد الله بن عمرو وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين. قال الإمام أحمد: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل ابن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد، يرده إلى مالك بن يخامر، عن ابن السعدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل» تفسير : فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الهجرة خصلتان، إحداهما تهجر السيئات، والأخرى تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة تقبل حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت، طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل» تفسير : هذا الحديث حسن الإسناد، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم. [حديث آخر] عن ابن مسعود رضي الله عنه. قال عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين: حدثني أبو عبيدة عن ابن مسعود: أنه كان يقول: ما ذكر من الآيات، فقد مضى غير أربع: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، وخروج يأجوج ومأجوج. قال: وكان يقول: الآية التي تختم بها الأعمال: طلوع الشمس من مغربها، ألم تر أن الله يقول: {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ} الآية كلها، يعني: طلوع الشمس من مغربها. حديث ابن عباس رضي الله عنهما رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث عبد المنعم بن إدريس عن أبيه، عن وهب بن منبه عن ابن عباس مرفوعاً، فذكر حديثاً طويلاً غريباً منكراً رفعه، وفيه: أن الشمس والقمر يطلعان يومئذ من المغرب مقرونين، وإذا انتصفا السماء، رجعا، ثم عادا إلى ما كانا عليه، وهو حديث غريب جداً، بل منكر، بل موضوع إن ادعي أنه مرفوع، فأما وقفه على ابن عباس أو وهب بن منبه، وهو الأشبه، فغير مدفوع، والله أعلم. وقال سفيان عن منصور عن عامر عن عائشة رضي الله عنها قالت: إذا خرج أول الآيات، طرحت الأقلام وحبست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال. رواه ابن جرير رحمه الله تعالى، فقوله تعالى: {لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ} أي: إذا أنشأ الكافر إيماناً يومئذ، لا يقبل منه، فأما من كان مؤمناً قبل ذلك، فإن كان مصلحاً في عمله، فهو بخير عظيم، وإن لم يكن مصلحاً، فأحدث توبة حينئذ، لم تقبل منه توبته، كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة، وعليه يحمل قوله تعالى: {أَوْ كَسَبَتْ فِىۤ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا} أي: ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملاً به قبل ذلك. وقوله تعالى: {قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} تهديد شديد للكافرين، ووعيد أكيد لمن سَوَّف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك، وإنما كان هذا الحكم عند طلوع الشمس من مغربها؛ لاقتراب الساعة، وظهور أشراطها؛ كما قال: {أية : فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} تفسير : [محمد: 18] وقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } تفسير : [غافر:84-85] الآية.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ } ما ينتظر المكذبون {إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ } بالتاء والياء {ٱلْمَلَٰئِكَةَ } لقبض أرواحهم {أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } أي أمره بمعنى عذابه {أو يَأتِيَ بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ } أي علاماته الدالة على الساعة {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ } وهي طلوع الشمس من مغربها كما في حديث الصحيحين {لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } ما{ لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ } الجملة صفة النفس {أَوْ } نفساً لم تكن {كَسَبَتْ فِى إِيمَٰنِهَا خَيْرًا } طاعة أي لا تنفعها توبتها كما في الحديث {قُلِ ٱنتَظِرُواْ } أحد هذه الأشياء {إِنَّا مُنتَظِرُونَ } ذلك.
الشوكاني
. تفسير : أي لما أقمنا عليهم الحجة، وأنزلنا الكتاب على رسولنا المرسل إليهم، فلم ينفعهم ذلك ولم يرجعوا به عن غوايتهم، فما بقي بعد هذا إلا أنهم {يُنظَرُونَ } أي ينتظرون {أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } أي ملائكة الموت لقبض أرواحهم، وعند ذلك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل {أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } يا محمد كما اقترحوه بقولهم: {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } تفسير : [الفرقان: 21] وقيل معناه: أو يأتي أمر ربك بإهلاكهم. وقيل المعنى: أو يأتي كل آيات ربك بدليل قوله: {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك} وقيل: هو من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وقد جاء في القرآن حذف المضاف كثيراً، كقوله: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ }تفسير : [يوسف: 82] وقوله: {أية : وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ } تفسير : [البقرة: 93] أي حب العجل. وقيل إتيان الله مجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه، كقوله: {أية : وَجَاء رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }تفسير : [الفجر: 22]. قوله: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك} قرأ ابن عمر وابن الزبير "يَوْمَ تَأْتِي" بالفوقية، وقرأ الباقون بالتحتية، قال المبرد: التأنيث على المجاورة لمؤنث، لا على الأصل، ومنه قول جرير:شعر : لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع تفسير : وقرأ ابن سيرين: "لا تنفع" بالفوقية. قال أبو حاتم: إن هذا غلط عن ابن سيرين. وقد قال الناس في هذا شيء دقيق من النحو ذكره نفطويه، وذلك أن الإيمان والنفس كل واحد منهما مشتمل على الآخر، فأنث الإيمان إذ هو من النفس. قال النحاس، وفيه وجه آخر، وهو أن يؤنث الإيمان، لأنه مصدر كما يذكر المصدر المؤنث مثل {أية : فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ } تفسير : [البقرة: 275]. ومعنى {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءايَـٰتِ رَبّكَ } يوم يأتي الآيات التي اقترحوها، وهي التي تضطرهم إلى الإيمان {لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } أو ما هو أعمّ من ذلك، فيدخل فيه ما ينتظرونه. وقيل: هي الآيات التي هي علامات القيامة المذكورة في الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي التي إذا جاءت لا ينفع نفساً إيمانها. قوله: {لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ } أي من قبل إتيان بعض الآيات، فأما التي قد كانت آمنت من قبل مجيء بعض الآيات فإيمانها ينفعها، وجملة: {لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ } في محل نصب على أنها صفة {نفساً}. قوله: {أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا } معطوف على {ءامَنتُ } والمعنى: أنه لا ينفع نفساً إيمانها عند حضور الآيات متصفة بأنها لم تكن آمنت من قبل، أو آمنت من قبل ولكن لم تكسب في إيمانها خيراً، فحصل من هذا أنه لا ينفع إلا الجمع بين الإيمان من قبل مجيء بعض الآيات مع كسب الخير في الإيمان، فمن آمن من قبل فقط، ولم يكسب خيراً في إيمانه، أو كسب خيراً ولم يؤمن، فإن ذلك غير نافعه، وهذا التركيب هو كقولك: لا أعطي رجلاً اليوم أتاني لم يأتني بالأمس، أو لم يمدحني في إتيانه إليّ بالأمس، فإن المستفاد من هذا أنه لا يستحق العطاء إلا رجل أتاه بالأمس ومدحه في إتيانه إليه بالأمس، ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم: {انتظروا} ما تريدون إتيانه {إنا منتظرون} له، وهذا تهديد شديد ووعيد عظيم، وهو يقوّي ما قيل في تفسير: {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءايَـٰتِ رَبّكَ } إنها الآيات التي اقترحوها من إتيان الملائكة، وإتيان العذاب لهم من قبل الله كما تقدّم بيانه. وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن مسعود {هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } قال: عند الموت {أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } قال: يوم القيامة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في تفسير الآية مثله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل {أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } قال: يوم القيامة في ظلل من الغمام. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، في مسنده، والترمذي وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله: {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءايَـٰتِ رَبّكَ } قال: "حديث : طلوع الشمس من مغربها"تفسير : ، قال الترمذي غريب. ورواه ابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، عن أبي سعيد موقوفاً. وأخرجه الطبراني، وابن عدي، وابن مردويه من حديث أبي هريرة مرفوعاً. وأخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ونعيم بن حماد، والطبراني عن ابن مسعود موقوفاً. فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه، فهو واجب التقديم له، متحتم الأخذ به، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها»تفسير : ، ثم قرأ الآية. وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن أبي ذر مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس، مرفوعاً نحوه أيضاً. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله: {أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا } يقول: كسبت في تصديقها عملاً صالحاً، هؤلاء أهل القبلة، وإن كانت مصدقة لم تعمل قبل ذلك خيراً فعملت بعد أن رأت الآية لم يقبل منها، وإن عملت قبل الآية خيراً، ثم عملت بعد الآية خيراً قبل. منها وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مقاتل، في قوله: {أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا } قال: يعني: المسلم الذي لم يعمل في إيمانه خيراً، وكان قبل الآية مقيماً على الكبائر. والآيات التي هي علامات القيامة، قد وردت الأحاديث المتكاثرة في بيانها وتعدادها، وهي مذكورة في كتب السنة.
ابن عطية
تفسير : الضمير في {ينظرون} هو للطائفة التي قيل لها قبل فقد جاءكم بينة من ربكم وهم العادلون بربهم من العرب الذين أمضت أكثر آيات السورة في جدالهم، و {ينظرون} معناه ينتظرون، و {الملائكة} هنا يراد بها ملائكة الموت الذين يصحبون عزرائيل المخصوص بقبض الأرواح، قاله مجاهد وقتادة وابن جريج. ويحتمل أن يريد الملائكة الذين يتصرفون في قيام الساعة، وقرأ حمزة والكسائي "إلا أن يأتيهم" بالياء، وقرأ الباقون "تأتيهم" بالتاء من فوق، وقوله {أو يأتي ربك} قال الطبري: لموقف الحساب يوم القيامة، وأسند ذلك إلى قتادة وجماعة من المتأولين، ويحكي الزجاج أن المراد بقوله {أو يأتي ربك} أي العذاب الذي يسلطه الله في الدنيا على من يشاء من عباده كالصيحات والرجفات والخسف ونحوه. قال القاضي أبو محمد: وهذا الكلام على كل تأويل فإنما هو بحذف مضاف تقديره أمر ربك أو بطش ربك أو حساب ربك وإلا فالإتيان المفهوم من اللغة مستحيل في حق الله تعالى، ألا ترى أن الله تعالى يقول {أية : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} تفسير : [الحشر:2] فهذا إتيان قد وقع وهو على المجاز وحذف المضاف، وقوله: {أو يأتي بعض آيات ربك} أما ظاهر اللفظ لو وقفنا معه فيقتضي أنه توعدهم بالشهير الفظيع من أشراط الساعة دون أن يخص من ذلك شرطاً يريد بذلك الإبهام الذي يترك السامع مع أقوى تخيله، لكن لما قال بعد ذلك {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها} وبينت الآثار الصحاح في البخاري ومسلم أن الآية التي معها هذا الشرط هي طلوع الشمس من المغرب، قوى أن الإشارة بقوله: {أو يأتي بعض آيات ربك} إنما هي إلى طلوع الشمس من مغربها، وقال بهذا التأويل مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم، ويقوي أيضاً أن تكون الإشارة إلى غرغرة الإنسان عند الموت أو ما يكون في مثابتها لمن لم يغرغر. ففي الحديث حديث : أن توبة العبد تقبل مالم يغرغر تفسير : ، وهذا إجماع لأن من غرغر وعاين فهو في عداد الموتى، وكون المرء في هذه الحالة من آيات الله تعالى، وهذا على من يرى الملائكة المتصرفين في قيام الساعة. قال القاضي أبو محمد: فمقصد هذه الآية تهديد الكافرين بأحوال لا يخلون منها كأنه قال: هل ينظرون مع إقامتهم على الكفر إلا الموت الذي لهم بعده أشد العذاب، والأخذات المعهودة لله عز وجل، أو الآيات التي ترفع التوبة وتعلم بقرب القيامة. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يريد بقوله: {أو يأتي بعض آيات ربك} جميع ما يقطع بوقوعه من أشراط الساعة ثم خصص بعد ذلك بقوله: {يوم يأتي بعض آيات ربك} الآية التي ترفع التوبة معها، وقد بينت الأحاديث أنها طلوع الشمس من مغربها، وقرأ زهير الفرقبي "يومُ يأتي" بالرفع وهو على الابتداء والخبر في الجملة التي هي "لا ينفع" إلى آخر الآية، والعائد من الجملة محذوف لطول الكلام وقرأ ابن سيرين وعبد الله بن عمرو وأبو العالية "لا تنفع" بتاء، وأنث الإيمان بما أضيف إلى مؤنث. أو لما نزل منزلة التوبة، وقال جمهور أهل التأويل كما تقدم الآية التي لا تنفع التوبة من الشرك أو من المعاصي بعدها، هي طلوع الشمس عن المغرب. وروي عن ابن مسعود أنها إحدى ثلاث، إما طلوع الشمس من مغربها، وإما خروج الدابة، وإما خروج يأجوج ومأجوج. قال أبو محمد: وهذا فيه نظر لأن الأحاديث ترده وتخصص الشمس. وروي في هذا الحديث أن الشمس تجري كل يوم حتى تسجد تحت العرش وتستأذن فيؤذن لها في طلوع المشرق، وحتى إذا أراد الله عز وجل سد باب التوبة أمرها بالطلوع من مغربها، قال ابن مسعود وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتطلع هي والقمر كالبعيرين القرينين، ويقوي النظر أيضاً أن الغرغرة هي الآية التي ترفع معها التوبة، وقوله {أو كسبت في إيمانها خيراً} يريد جميع أعمال البر فرضها ونفلها، وهذا الفصل هو للعصاة المؤمنين كما قوله {لم تكن آمنت من قبل} هو للكفار، والآية المشار إليها تقطع توبة الصنفين، وقرأ أبو هريرة "أو كسبت في إيمانها صالحاً" وقوله تعالى: {قل انتظروا} الآية تتضمن الوعيد أي فسترون من يحق كلامه ويتضح ما أخبر به.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ} لقبض أرواحهم، أو تأتيهم رسلاً لأنهم لم يؤمنوا مع ظهور الدلائل. {يَأْتِىَ رَبُّكَ} أمره بالعذاب، أو قضاؤه في القيامة. {بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} طلوع الشمس من مغربها، أو طلوعها والدجال والدابة. {أَوْ كَسَبَتْ} يعتد بالإيمان قبل هذه الآيات، وأما بعدها فإن لم تكسب فيه خيراً فلا يعتدّ به وإن كسبت فيه خيراً ففي الاعتداد به قولان، وظاهر الآية أنه يعتد به، ومن قال: لا يعتدّ به كان المعنى لم تكن آمنت وكسبت قاله السدي. {خَيْراً} أداء الفروض على أكمل الأحوال، أو التنفل بعد الفروض.
النسفي
تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ } أي أقمنا حجج الوحدانية وثبوت الرسالة وأبطلنا ما يعتقدون من الضلالة فما ينتظرون في ترك الضلالة بعدها {إِلا أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } أي ملائكة الموت لقبض أرواحهم {يَأْتِيهِمُ } حمزة وعلي {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ } أي أمر ربك وهو العذاب أو القيامة، وهذا لأن الإتيان متشابه وإتيان أمره منصوص عليه محكم فيرد إليه {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ } أي أشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } لأنه ليس بإيمان اختياري بل هو إيمان دفع العذاب والبأس عن أنفسهم {لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ } صفة {نَفْساً } {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا } أي إخلاصاً كما لا يقبل إيمان الكافر بعد طلوع الشمس من مغربها لا يقبل إخلاص المنافق أيضاً أو توبته وتقديره: لا ينفع إيمان من لم يؤمن ولا توبة من لم يتب قبل {قُلِ ٱنتَظِرُواْ } إحدى الآيات الثلاث {إِنَّا مُنتَظِرُونَ } بكم إحداها. {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } اختلفوا فيه وساروا فرقاً كما اختلفت اليهود والنصارى وفي الحديث «حديث : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية وإلا واحدة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي السواد الأعظم» تفسير : وفي رواية «حديث : وهي ما أنا عليه وأصحابي»تفسير : وقيل: فرقوا دينهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض. {فارقوا دِينَهُمُ } حمزة وعلي أي تركوا {وَكَانُواْ شِيَعاً } فرقاً كل فرقة تشيع إماماً لها {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } أي من السؤال عنهم وعن تفرقهم أو من عقابهم {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } فيجازيهم على ذلك {مَن جَاءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } تقديره عشر حسنات أمثالها إلا أنه أقيم صفة الجنس المميزة مقام الموصوف {وَمَن جَاء بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص الثواب وزيادة العقاب {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبّي } {رَبّي } أبو عمرو ومدني {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا } نصب على البدل من محل {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } لأن معناه هداني صراطاً بدليل قوله {أية : وَيَهْدِيَكُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً }تفسير : [الفتح: 20] (قِيِّماً) «قيما» فيعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من القائم {قَيِّماً } كوفي وشامي وهو مصدر بمعنى القيام وصف به {مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ } عطف بيان {حَنِيفاً } حال من {إِبْرَاهِيمَ } {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } بالله يا معشر قريش. {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي } أي عبادتي، والناسك العابد أو ذبحي أو حجي {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي } وما أتيته في حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل {للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } خالصة لوجهه. {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي } بسكون الياء الأول وفتح الثاني: مدني. وبعكسه غيره {لاَ شَرِيكَ لَهُ } في شيء من ذلك {وَبِذٰلِكَ } الإخلاص {أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ } لأن إسلام كل نبيٍ متقدم على إسلام أمته. {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً } جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم. والهمزة للإنكار أي منكر أن أطلب رباً غيره، وتقديم المفعول للإشعار بأنه أهم {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ } وكل من دونه مربوب ليس في الوجود من له الربوبية غيره {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } جواب عن قولهم {أية : ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ } تفسير : [العنكبوت: 12] {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } أي لا تأخذ نفس آثمة بذنب نفس أخرى {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من الأديان التي فرقتموها {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأَرْضِ } لأن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فأمته قد خلفت سائر الأمم، أو لأن بعضهم يخلف بعضاً أو هم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ } في الشرف والرزق وغير ذلك {دَرَجَـٰتٍ} مفعول ثانٍ، أو التقدير إلى درجات، أو هي واقعة موضع المصدر كأنه قيل رفعة بعد رفعة {لّيَبْلُوَكُمْ فِى ما آتَـٰكُمْ} فيما أعطاكم من نعمة الجاه والمال كيف تشكرون تلك النعمة وكيف يصنع الشريف بالوضيع والغني بالفقير والمالك بالمملوك { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ } لمن كفر {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن قام بشكرها، ووصف العقاب بالسرعة لأن ما هو آتٍ قريب {أية : وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ }تفسير : [النحل: 77] عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ ثلاث آيات من أول الأنعام حين يصبح وكل الله تعالى به سبعين ألف ملك يحفظونه وكتب له مثل أعمالهم إلى يوم القيامة».
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {هل ينظرون} يعني: هل ينتظر هؤلاء بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم القرآن وصدهم عن آيات الله وهو استفهام معناه النفي وتقديره الآية أنهم لا يؤمنون بك إلا إذا جاءتهم إحدى هذه الأمور الثلاث فإذا جاءتهم إحداها آمنوا وذلك حين لا ينفعهم إيمانهم {إلا أن تأتيهم الملائكة} يعني: لقبض أرواحهم وقيل أن تأتيهم بالعذاب {أو يأتي ربك} يعني: للحكم وفصل القضاء بين الخلق يوم القيامة وقد تقدم الكلام في معنى الآية في سورة البقرة عند قوله {أية : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}تفسير : [الأَنعام: 210] بما فيه كفاية وإن المجيء والذهاب على الله لمحال فيجب إمرارها بلا تكييف {أو يأتي بعض آيات ربك} قال جمهور المفسرين: هو طلوع الشمس من مغربها، ويدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض"تفسير : أخرجه مسلم. عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله حديث : {يوم يأتي بعض آيات ربك} قال: "طلوع الشمس من مغربها"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب (م) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه"تفسير : عن صفوان بن عسال المرادي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : باب من قبل المغرب مسيرة عرضه أو قال يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين سنة خلقه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض مفتوحاً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منه"تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من عليها"تفسير : وفي رواية "حديث : فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً"تفسير : (م) عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال حديث : اطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال ما تذكرون قلنا الساعة فقال "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر: الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم وثلاث خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب وآخر ذلك نار تطرد الناس إلى محشرهم"تفسير : (م) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : بادروا بالأعمال قبل ست: طلوع الشمس من مغربها والدخان والدجال والدابة وخويصة أحدكم وأمر العامة"تفسير : (م) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم أنسه بعد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً"تفسير : وروى الطبري بسنده عن عبد الله بن مسعود في تفسير هذه الآية قال: "حديث : تصبحون والشمس والقمر من ها هنا من قبل المغرب كالبعيرين القرينين"تفسير : زاد في رواية عنه "حديث : فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً"تفسير : وبسنده عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً "حديث : أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إنها تذهب إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي من حيث جئتِ فتصبح طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعي فارجعي من حيث جئت فتصبح طالعة من مطلعها لا تنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي فتخر ساجدة في مستقرها تحت العرش فيقال لها اطلعي من مغربك فتصبح طالعة من مغربها"تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال ذلك يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً " تفسير : وبسنده حديث : عن أبي ذر قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على حمار "فنظر إلى الشمس حين غربت فقال إنها تغرب في عين حمئة تنطلق حتى تخر لربها ساجدة تحت العرش حتى يأذن لها فإذا أراد أن يطلعها من مغربها حبسها فتقول يا رب إن مسيري بعيد فيقول لها اطلعي من حيث غربت فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل"تفسير : وروي بسنده عن ابن عباس قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية من العشيات فقال لهم حديث : "عباد الله توبوا إلى الله قبل أن يأتيكم بعذاب فإنكم توشكون أن تروا الشمس من قبل المغرب فإذا فعلت حبست التوبة وطوي العمل" فقال الناس: هل لذلك من آية يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن آية تلك الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون له ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ينقص ثم يأتون مضاجعهم فينامون حتى إذا استيقظوا والليل مكانه فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم فإذا أصبحوا فطال عليهم رأت أعينهم طلوع الشمس فبينما هم ينظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب فإذا فعلت ذلك لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل"تفسير : قال ابن عباس: لا ينفع مشركاً إيمانه عند الآيات وينفع أهل الإيمان عند الآيات إن كانوا اكتسبوا خيراً قبل ذلك. وقال ابن الجوزي قيل إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها أن الملحدة المنجمين زعموا أن ذلك لا يكون فيريهم الله قدرته فيطلعها من المغرب كما أطلعها من المشرق فيتحقق عجزهم وقيل بل ذلك بعض الآيات الثلاثة: الدابة ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها. يروى عن ابن مسعود أنه قال: التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها ما لم تخرج إحدى ثلاث: الدابة وطلوع الشمس من مغربها أو يأجوج ومأجوج. ويروى عن عائشة قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت التوبة وحبست الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال. ويروى عن أبي هريرة في قوله تعالى أو يأتي بعض الآيات ربك قال هي مجموع الآيات الثلاث: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض ورواه مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض"تفسير : وأصح الأقوال في ذلك ما تظاهرت عليه الأحاديث الصحيحة وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طلوع الشمس من مغربها وقوله تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل} يعني لا ينفع من كان مشركاً إيمانه ولا تقبل توبة فاسق عند ظهور هذه الآية العظيمة التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة {أو كسبت في إيمانها خيراً} يعني أو عملت قبل ظهور هذه الآية خيراً من عمل صالح وتصديق. قال الضحاك: من أدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إيمانه قبِل الله منه العمل الصالح بعد نزول الآية كما قبل منه قبل ذلك فأما من آمن من شرك أو تاب من معصية عند ظهور هذه الآية فلا يقبل منه لأنها حالة اضطرار كما لو أرسل الله عذاباً على أمة فآمنوا وصدقوا فإنها لا ينفعهم إيمانهم ذلك لمعاينتهم الأهوال والشدائد التي تضطرهم إلى الإيمان والتوبة وقوله {قل انتظروا} يعني ما وعدتم به من مجيء الآية ففيه وعيد وتهديد {إنا منتظرون} يعني ما وعدكم ربكم من العذاب يوم القيامة أو قبله في الدنيا. قال بعض المفسرين: وهذا إنما ينتظره من تأخر في الوجود من المشركين والمكذبين لمحمد صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الوقت والمراد بهذا أن المشركين إنما يمهلون قدر مدة الدنيا فإذا ماتوا أو ظهرت الآيات لم ينفعهم الإيمان وحلت بهم العقوبة اللازمة أبداً. وقيل إن قوله {قل انتظروا إنا منتظرون} المراد به الكف عن قتال الكفار فتكون الآية منسوخة بآية القتال وعلى القول الأول تكون الآية محكمة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {هَلْ يَنظُرُونَ}، أي: ينتظرُونَ، يعني: العربَ المتقدِّمَ الآن ذكرهُم، و {ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} هنا: هم ملائكة المَوْت الذين يصحبون عزرائيل المخْصُوصَ بقَبْض الأرواح، قاله مجاهد وقتادة وابنُ جْرَيْج. وقوله تعالى: {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ}، قال الطبريُّ: لموقف الحساب يَوْمَ القيامة، وأسند ذلك إلى قتادة وجماعةٍ من المتأوِّلين، وقال الزَّجَّاج: إن المراد: «أو يأتي عذاب ربك». قال * ع *: وعلى كلِّ تأويل فإنما هو بحذفِ مضافٍ، تقديره: أمر ربك، أو بَطْش رَبِّك، أو حسابُ ربك، وإلا فالإتيانُ المفهومُ من اللغة مستحيلٌ على اللَّه تعالَىٰ؛ ألا تَرَىٰ أن اللَّه عزَّ وجلَّ يقول: {أية : فَأَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} تفسير : [الحشر:2]؛ فهذا إتيان قد وقع، وهو على المجازِ، وحذفِ المضافِ. قال الفَخْر: والجواب المعتمَدُ عليه هنا أنَّ هذا حكايةُ مذهب الكفَّار، واعتقادِهِم، فلا يفتقر إلى تأويله، وأجمعوا على أن المراد بهذه الآيات علاماتُ القيامةِ. انتهى. قلتُ: وما ذكره الفَخْر من أن هذا حكايةُ مذهب الكفار هي دَعْوَىٰ تفتقر إلى دليلٍ. وقوله سبحانه: {أَو يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ}، قال مجاهد وغيره هي إشارة إلى طلوعِ الشمْسِ من مغربها؛ بدليلِ الَّتي بعدها. قال * ع *: ويصحُّ أن يريد سبحانه بقوله: {أَو يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ} جميعَ ما يُقْطَعُ بوقوعه من أشراط الساعة، ثم خصَّص سبحانه بعد ذلك بقوله: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءايَـٰتِ رَبِّكَ} الآيةَ التي ترتفع التوبةُ معها، وقد بيَّنت الأحاديثُ الصِّحاح في البخاريِّ ومسلمٍ؛ أنها طلوع الشمس مِنْ مغربها، ومقْصِدُ الآية تهديدُ الكفَّار بأحوالٍ لا يخلُونَ منها، وقوله: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَـٰنِهَا خَيْراً}؛ يريد: جميعَ أعمال البرِّ، وهذا الفَصْل هو للعُصَاة من المؤمنين؛ كما أن قوله: {لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ} هو للكافرين، فالآية المشارُ إليها تقْطَعُ توبة الصِّنْفَيْنِ، قال الداووديُّ: قوله تعالى: {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَـٰنِهَا خَيْراً}، يريد أن النفس المؤمنة التي ٱرتكَبَتِ الكبائر لا تُقْبَلُ منها التوبة يومئذ، وتكونُ في مشيئة اللَّه تعالَىٰ؛ كأن لم تَتُبْ، وعن عائشة (رضي اللَّه عنها): إذا خرجَتْ أول الآيات، طُرِحَتِ الأقلامُ، وحُبِسَتِ الحَفَظَةُ، وشَهِدَتِ الأجساد على الأعمال. انتهى. وقوله سبحانه: {قُلِ ٱنتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ}: لفظٌ يتضمَّن الوعيد.
ابن عادل
تفسير : لمّا بيّن أنَّهُ إنَّما أنْزَل الكتاب إزالةً للعُذْرِ، وإزاحَةً للعِلَّة، بيَّن أنَّهُم لا يُؤمِنُون ألْبَتَّةَ، وشرح أحْوَالاً تُوجِب اليَأسَ عن دُخُولهم في الإيمان، فقال - سبحانه وتعالى -: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} أي: بالعذاب، أو عند المَوْت لقبض أرْوَاحِهِم، ونَظِير هذه الآية في سُورة البقرة: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ} تفسير : [البقرة:210]. و "هل" استفهام، معناه: النَّفْي، ومعنى "ينظرون": ينتظرون، والتقدير: أنَّهم لا يُؤمِنُون بِكَ، إلاَّ إذا جَاءَهُم أحَدُ هذه الأمُور الثلاثة. قوله: "أو يَأتِي رَبُّكَ": تقدَّم أنه حَذْفِ مُضَاف. وقرا الأخوان: "إلا أن يأتِيهُم الملائِكَةُ" بياء منقُوطة من تحت؛ لأن التأنيث مَجَازِيُّ، وهو نظير: {أية : فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} تفسير : [آل عمران:39]. وقرأ أبو العالية، وابن سيرين: "يَوْم تَأتِي بَعْضُ" بالتأنيث؛ كقوله تعالى: {أية : تَلْتَقِطْهُ} تفسير : [يوسف:10]. فإن قيل: "أو يَأتِي ربُّكَ" هل يَدلُّ على جوازِ المجيءِ والغيبة على الله - تعالى -. فالجواب من وُجُوه: الأول: أن هذا حكاية عن الكُفَار، واعتِقَاد الكَافِر ليس بِحُجَّة. والثاني: أنَّ هذا مَجَازٌ، ونظيرُه قولهُ - تعالى -: {أية : فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ} تفسير : [النحل:26]. والثالث: قيام الدَّلائل القاطِعَة على أنَّ المَجيء والغيْبَة على اللَّه مُحَال، وأقْرَبُها قول إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في الرَّد على عَبدَة الكواكب: {أية : لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} تفسير : [الأنعام:76]. فإن قيل: قوله - تعالى -: {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} لا يمكن حَمْلُه على إثْبَاتِ أثر من آثار قُدْرَته؛ لأن على هذا التَّقْدِير يَصِيرُ هذا عَيْن قوله: {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} مكرَّراً؛ فوجب حَمْلُه على أنَّ المُرادَ مِنْه: إتْيَان الرَّبِّ. قلنا: الجوابُ المُعْتَمد: أنَّ هذا حكاية مَذْهب الكُفَّار؛ فلا يَكُون حُجَّةً. وقيل: يأتي ربُّك بلا كَيْف؛ لِفَصْل القضاءِ يَِوْم القِيَامة؛ لقوله - سبحانه وتعالى -: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} تفسير : [الفجر:22]. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "يَأتي أمْر ربِّك فيهم بالقَتْل أو غَيْره"، وقيل: يَأتِي ربُّك بالعَذَابِ. وقيل: هذا من المُتَشَابه الَّذِي لا يَعْلَمُ تَأوِيله إلاَّ اللَّه. "أو يأتي بعضُ آيات ربِّك": وهو المُعْجِزَات القَاهِرة. قوله: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}. الجمهور على نصب "يَوْمَ"، وناصِبهُ [ما] بَعْد "لاَ"، وهذا على أحَدٍ الأقوال الثلاثة في "لاَ", وهي أنَّها يتقدَّم مَعْمُول ما بَعْدَها عَلَيْها مُطْلَقاً، ولا يتقدَّم مُطْلَقاً، ويُفَصَّل في الثالث: بَيْن أن يَكُون جوابَ قَسَم، فَيَمْتَنِع؛ أوْ لاَ، فيجوز. وقرأ زُهَيْر الفَرْقَبِيُّ: "يومُ" بالرَّفع، وهو مُبْتَدأ، وخَبَرُه الجُمْلَة بعده، والعَائِد مِنْها إليه مَحْذُوف، أي: لا تَنْفَع فيه. وقرأ الجُمْهُور "يَنْفَعُ" بالياء من تحت، وقرأ ابنُ سيرين: "تَنْفَع" بالتَّاء من فوق. قال أبو حاتم: "ذَكَرُوا أنَّه غَلَط". قال شهاب الدِّين: لأنَّ الفِعْل مسندٌ لِمُذَكَّر، وجوابُه: أنَّه لما اكْتَسَب بالإضافَة التَّأنيث، أجْرِي عليه حُكْمُه؛ كقوله: [الطويل] شعر : 2391- وتَشْرَقُ بالقَوْلِ الَّذِي قَد أذَعْتَهُ كما شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ تفسير : وقد تقدَّم تَحْقِيق هذا أوَّل السُّورة؛ وأنْشَد سيبويه: [الطويل] شعر : 2392- مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحُ تَسَفَّهَتْ أعِالِيَهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّواسِم تفسير : وقيل: لأن الإيمان بِمَعْنى: العَقِيدة؛ فهو كقولهم: "أتَتْهُ كِتَابي فاحْتَقَرَهَا" أي: صَحِيفَتِي، ورِسَالَتِي. قال النَّحَّاس: "في هذا شَيْء دَقِيقٌ ذكره سيبويه: وذلك أن الإيمان، والنَّفْس كلٌّ مُشْتَمِلٌ على الآخَر، فأنَّث الإيمان، إذ هو من النَّفْسِ وبها" وأنشد سيبويه: [الطويل] شعر : 2393- مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ... ....................... تفسير : وقال الزَّمَخْشَرِيُّ: "في هذه القراءة، يكُون الإيمان مُضَافاً إلى ضَمِير المُؤنَّثِ الذي هو بَعْضُه؛ كقوله: ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِه". قال أبو حيَّان: "وهو غَلَطٌ؛ لأن الإيمان لَيْس بَعْضاً من النَّفْس". قال شهاب الدِّين: وقد تقدَّم آنِفاً ما يَشْهَد لصحَّةِ هذه العِبَارة من كلام النَّحَّاس، في قوله عن سيبويه: "وذلك أن الإيمان والنَّفْس كُلٌّ مِنْهُما مُشْتَمِلٌ على الآخَر، فأنَّث الإيمان، إذْ هُو من النَّفْس وبها" فلا فَرْق بين هَاتِيْن العِبَارَتَيْن، أيْ: لا فَرْق بين أنْ يقول: هو منها وبها، أو هو بعْضُها، والمُرَاد في العِبَارتَيْن: المَجَاز. فصل أجمعُوا على أنَّ المقصُود بهذه الآية: عَلامة القيامة، عن البراء بن عَازِب رضي الله عنه قال: "حديث : كُنَّا نَتَذَكَر السَّاعة [إذْ أشرف عَلَيْنا رسُول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما تَتَذاكَرُون؟ قُلْنَا: نَتَذاكَرُ السَّاعة] قال: إنها لا تقُوم حتَّى تَرَوْا قبلها عشْر آيات: الدُّخان، ودابَّة الأرْضِ، وخسْفاً بالمشْرِق، وخَسْفاً بالمَغرِب، وخسْفاً بجزيرَة العرب، والدَّجَّال، وطُلُوع الشَّمس من مَغْرِبها، ويأجُوج ومَأجُوج، ونُزول عيسى - عليه السلام -، وناراً تَخْرج من عَدَن ". تفسير : وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تَقُوم السَّاعة حتى تَطْلُع الشَّمس من مَغْرِبها؛ فإذا طلعت وَرَآهَا النَّاس، آمنوا أجْمَعِين، وذلك حين لا يَنْفَع نَفْساً إيمانُها لم تَكُن آمَنَتْ من قَبْلُ أو كَسَبت في إيمانِها خَيْراً ". تفسير : وروى أبُو مُوسَى الأشْعَريُّ - رضي الله عنه - قال: قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يَدُ اللَّه بُسْطَانٌ لِمسيء اللَّيْل، ليتُوب بالنَّهَار، ولمُسِيء النَّهَار، ليتُوب باللَّيْل، حتى تَطْلع الشَّمْس من مَغْرِبِهاَ ". تفسير : وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تَابَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ من مَغْرِبهَا تَابَ اللَّه علَيْه ". تفسير : وعن زِرِّ بن حبيش، قال: أتَيْتُ صفوان بن العَسَّال المراديّ؛ فذكر عن رسُول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الله جَعَل بالمَغْرِب بَاباً مَسِيرة عَرْضِه سَبْعُون عاماً، لا يُغْلَقُ حتَّى تَطْلُع الشَّمْس من قبله، وذلك قَوْل الله - عزَّ وجلَّ -: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً} . تفسير : وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاثٌ إذا خَرَجْن لَمْ يَنفع نَفساً إيمانُهَا لم تكن آمنَتْ من قَبْل أو كَسَبت في إيمانِهَا خَيْراً: الدجَّال، والدَّابَّة، وطُلُوع الشَّمْسِ من مَغْرِبها ". تفسير : قوله: {لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ}. في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّها في محلِّ نَصْبٍ؛ [لأنها] نَعْتٌ لـ "نَفْساً"، وفصل بالفَاعِل، وهُوَ "إيمانُها" بين الصِّفَة ومَوْصُوفها، لأنَّه لَيْس بأجْنَبِيِّ، إذ قد اشْتَرك الموصُوف الَّذِي هو المفعُول والفاعل في العامل، فعلى هذا يَجُوز: "ضَرَبَ هِنْداً غلامُهَا القُرشِيَّة"، وقوله "أوْ كَسَبَتَ" عَطْف على "لَمْ تَكُن آمَنَتْ". وفي هذه الآية بُحُوثُ حَسَنَةٌ تتعلَّق بِعِلْم العربيَّة وعليْها تُبْنَى مَسَائل من "أصُول الدِّين"، وذلك أنَّ المُعْتَزِليَّ يقول: "مُجَرَّد الإيمان الصَّحيح لا يَكْفِي، بل لا بُدَّ من انْضِمَام عمل يَقْتَرِن به ويُصَدِّقه"، واستدلَّ بظاهِرِ هذه الآية، وذلك كما قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "لَمْ تَكُون آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ" صفة لقوله "نَفْساً" وقوله: "أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْراً" عُطِفَت على "آمَنَتْ" والمعنى: أنَّ أشْرَاط السَّاعَةِ إذا جاءت وهي آيات مُلْجِئَةٌ مُضْطَرَّةٌ، ذهب أوَانُ التَّكلِيف عِنْدَها؛ فلم يَنْفَعُ الإيمان حينئذٍ نَفْساً غيرَ مُقدِّمةٍ إيمانها قبل ظُهُور الآيَاتِ، أو مُقَدِّمَة إيمانها غير كَاسِبَةٍ خيراً في إيمانها؛ فلم يُفَرِّق كما ترى بين النَّفْس الكَافِرَة إذا آمنت إذا آمنت في غَيْر وقت الإيمان، وبَيْنَ النَّفْس التي آمَنَت في وقتِهِ ولم تكْسِبْ خيراً، ليعلم أن قوله: {أية : ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [البقرة:25] جمع بين قَرِينَتَيْن، لا ينبغي أن تَنْفَكَّ إحدَاهما عن الآخْرَى حتى يَفُوزَ صَاحِبُها ويَسْعَد، وإلاَّ فالشقوة والهلاك. وقد أجاب بَعْضُ النَّاس هذا الظَّاهر: بأن المَعْنَى بالآية الكريمة: أنَّه إذا أتَى بَعْض الأيَات، لا يَنْفَعُ نَفْساً كَافِرة إيمانُها الَّذِي أوْقَعَتْه إذ ذَلِك، ولا يَنْفَع نَفْساً سبق إيمانها وما كَسَبَت فيه خَيْراً، فقد علَّق نَفْيَ نَفْع الإيمانِ بأحَدِ وَصْفِيْن: إمَّا نَفْيَ سَبْق الإيمان فقط، وإمَّا سَبْقُه مع نَفْي كَسْبِ الخَيْر، ومَفْهُومُه: أنَّه يَنْفَع الإيمان السَّابق وَحْدَه أو السَّابِق ومعهُ الخَيْر، ومَفْهُوم الصِفَة قَوِيٌّ. فَيُسْتدل بالآية لِمَذْهَب أهْل السُّنَّة، فقد قلبوا دَلِيلَهُم دليلاً عَلَيْهم. وقد أجاب القَاضِي نَاصِر الدِّين بن المُنِير عن قول الزَّمخشري - رحمه الله - فقال "قال أحْمَد: هو يَرْوم الاسْتِدلال على أنَّ الكافر والعَاصِي في الخُلُود سواءٌ، حيث سَوَّى في الآية بَيْنَهُما؛ في عدم الانْتِفَاع بما يَسْتَدْرِكَانِهِ بعد ظُهُور الآيات ولا يتم ذلك، فإنَّ هذا الكلام في البلاغة يُلَقَّبُ بـ "اللَّفِّ" وأصلهُ: يَوْم يَأتِي بَعْض آيات ربِّك لا يَنْفَعُ نَفْساً إيمانُها لم تكن مُؤمِنَة قبل إيمانِها بَعْدُ، ولا نَفْساً لَمْ تَكْسِب خَيْراً قبل ما تَكْسِبُه من الخَيْر بَعْدُ، فَلَفَّ الكلامين؛ فجعلُهُمَا كلاماً واحداً إيجازاً وبلاغة، ويَظْهَرُ بذلك أنَّها لا تُخَالِفُ مذْهَب الحقِّ فلا يَنْفَعُ بَعْد ظُهُور الآياتِ اكتِسَاب الخَيْر، وإن نَفَع الإيمان المُتقدِّم من الخُلُود، فهي بالرِّد على مَذْهبه أوْلى من أنْ تَدلَّ له". الثاني: أن هذه الجُمْلَة في مَحَلِّ نَصب على الحالِ من الضَّمير المَجْرُور، قاله أبو البقاء، يعني: من "هَا" في إيمانِها. الثالث: أن تكُون مُسْتَأنَفة. وبهذا بَدَأ أبو البقاء، وثنَّى بالحالِ، وجعل الوَصْف ضَعِيفاً؛ كأنه استَشْعَر ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشري، ففرَّ من جَعْلِها نَعْتاً، وأبو حيَّان جعل الحال بَعِيداً، والاسِتئْنَاف أبْد منه. ثم قال - تعالى - {قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} وهذا وَعِيدٌ وتهديد.
البقاعي
تفسير : ولما كان أسوأ السوء حقوق العذاب، وكان حقوقه بعدم قبول التوبة، فسره بقوله مهوناً له ومسهلاً بتجريد الفعل: {هل ينظرون} أي ما ينتظرون هؤلاء المكذبون أدنى انتظار وأقربه وأيسره {إلا أن تأتيهم} أي حال تكذيبهم {الملائكة} أي بالأمر الفيصل من عذابهم كما هي عادتها في إتيانها المكذبين {أو يأتي ربك} أي ظهور أمر المحسن إليك أتم ظهور بجميع الآيات التي تحملها العقول وذلك يوم الجزاء {أو يأتي} وأبهم تهويلاً للأمر وتعظيماً فقال: {بعض آيات ربك} أي أشراط الساعة التي يكون فيها ظهوره التام وإحسانه إليك الأعظم مثل دابة الأرض التي تميز الكافر من المؤمن وطلوع الشمس من مغربها المؤذن بإغلاق باب التوبة؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبلتفسير : ، ثم قرأ الآية. ولما كان إتيان الملائكة - أي كلهم أمراً لا يحتمل العقول وصف عظمته، ولا بشرى للمجرمين عند رؤيته، فإنه لو وقع على صورتهم لتقطعت أوصالهم ولم يحتمله قواهم فقضي الأمر ثم لا ينظرون، وأما تجلي الرب سبحانه وعز اسمه وجلت عظمته. شعر : فالأمر أعظم من مقالة قائل إن رقق البلغاء أو إن فخموا تفسير : ترك ما يترتب عليه وقال: {يوم يأتي} أي يكشف ويظهر {بعض آيات ربك} أي المحسن إليك بالإتيان بذلك تصديقاً لك وترويعاً وتدميراً لمخالفيك {لا ينفع نفساً} أي كافرة {إيمانها} أي إذ ذاك، ولا نفساً مؤمنة كسبها الخير إذ ذاك في إيمانها المتقدم على تلك الآية بالتوبة فما وراءها، ولذلك بينه وبقوله واصفاً نفساً: {لم تكن} أي الكافرة {آمنت} ويسر الأمر ببعض زمان القبل، ولم يكلف باستغراقه بالإيمان فقال: {من قبل} أي قبل مجيء الآية في زمن متصل بمجيئها. ولما ذكر الكافرة، أتبعها المؤمنة فقال عاطفاً على "آمنت": {أو} لم تكن المؤمنة العاصية {كسبت} أي من قبل {في إيمانها} أي السابق على مجيء الآية {خيراً} أي توبة، وبعبارة أخرى: نفساً كافرة إيمانها المجدد بعد مجيء الآية، وهو معنى {لم تكن آمنت من قبل} أو نفساً مؤمنة كسبها الخير بعد مجيء الآية ما لم تكن كسبت في إيمانها السابق على الآية خيراً، والحاصل أنه لا يقبل عند ذلك إيمان كافر ولا توبة فاسق - كما قاله البغوي - لأن المقصود من التصديق والتوبة الإيمان بالغيب وقد فات بالآية الملجئة، فيكون فاعل الفعل المقدر في "كسبت" محذوفاً، والتقدير: لا ينفع نفساً لم تكن آمنت من قبل، أو لم تكن كسبت في إيمانها خيراً إيمانها وكسبها، فالإيمان راجع إلى من لم يؤمن، والكسب راجع إلى من لم يكسب، وهو ظاهر، والتهديد بعدم نفع الإيمان عند مجيء الآية أعظم دليل على ما ذكرته من التقدير، والآية من الاحتباك: ذكر إيمانها أولاً دليل على حذف كسبها من الجملة الثانية، وذكر جملتي آمنت وكسبت ثانياً دال على حذف كافرة ومؤمنة أولاً. ولما كان هذا تهديداً - كما ترى - هائلاً، أتبعه ما هو أشد منه للتنبيه على أن أهل الإيمان سالمون من ذلك بقوله: {قل انتظروا} أي بغاية جهدكم أيها المكذبون {إنا منتظرون *} بجهدنا، وستعلمون لمن تكون العاقبة. ولما نهى عن اتباع السبل لأنها سبب التفرق عن الحق، وكان قد كرر في هذه السورة نصب الحجج وإنارة الأدلة وإزاحة الشكوك ومحو آثار الشبه، وأشرفت السورة على الانقضاء. وكان من المعلوم قطعاً أن الحق - من حيث هو حق - شديد التأثير في إزهاق الباطل فكيف إذا كان كلام الملك الذي لا يخالف أمره ولا يخرج عن إرادته؛ اشتد استشراف النبي صلى الله عليه وسلم إلى رؤية ذلك الأثر مع ما عنده من الحرص على إسلام قومه لما طبعه الله عليه من الشفقة على جميع الخلق عموماً وعليهم خصوصاً، وإنما يكون ذلك الأثر بإيجاد هدايتهم ومحو غوايتهم، فلما ختم سبحانه بهذين التهديدين العظيمين الدالين على غشاوتهم، فإنه صلى الله عليه وسلم مما كان رجاه من هدايتهم أمر كأنه كان قد حصل، وذلك مورث للشفوق من الأسف على ما لا يدري قدره ولا يوصف خبره، فثبته سبحانه وسلاه بقوله: {إن الذين فرقوا} أي بعد إبلاغك إياهم {دينهم} أي بتكذيبهم ببعض آيات الله وصدوفهم عنها وإيمانهم ببعضها ففارقوه، لأن الكفر بعضه كفر بكله، وأضيف الدين إليهم لشدة رغبتهم فيه ومقاتلتهم عليه {وكانوا شيعاً} كل فرقة تشايع وتشيع إمامها كالعرب الذين تحزبوا أحزاباً بالاستكثار من الأصنام، فكان في كل قطر لهم معبود أو اثنان فأكثر، وكأهل الكتاب الذين ابتدعوا في دينهم بدعاً أوصلتهم إلى تكفير بعضهم بعضاً وآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، وكالمجوس الذين مزقوا دينهم باعتقاد أن الإله اثنان: النور والظلمة، وعبدوا الأصنام والنجوم وجعلوا لكل نجم صنماً يتوسل به في زعمهم إليه {لست منهم} أي من حسابهم ولا من عقابهم ولا من خلق الهداية في قلوبهم {في شيء} وفي هذا غاية الحث على الاجتماع ونهاية التوعد على الافتراق. ولما خفف عنه صلى الله عليه وسلم بتبرئته منهم، أسند إلى نفسه المقدس ما يحق له في إحاطة علمه وقدرته، فقال جواباً لمن يقول: فإلى من يكون أمرهم؟: {إنما أمرهم} أي في ذلك كله وفي كل ما يتعلق بهم مما لا يحصره حد ولا يحصيه عد {إلى الله} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه غيره، فمن شاء هداه ومن شاء أعماه، ومن شاء أهلكه ومن شاء أبقاه لأن له كمال العظمة. ولما كان الحشر متراخياً عن ذلك كله في الرتبة وفي الزمان، لا تبلغ كنه عظمته العقول، نبه على ذلك بالتعبير بأداة التراخي والتنبيه بقوله: {ثم} بعد استيفاء ما ضرب لهم من الآجال {ينبئهم} أي تنبئة عظيمة جليلة مستقصاة بعد أن يحشرهم إليه داخرين {بما كانوا} أي جبلة وطبعاً {يفعلون *} أي من تلك الأشياء القبيحة التي كان لهم إليها أتم داعية غير متوقفين في إصدارها على علم مع ادعاء التدين بها، والآية - مع ما تقدم من مقتضياتها - تعليل لقوله {أية : ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} تفسير : [الأنعام: 153].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة} قال: عند الموت {أو يأتي ربك} قال: يوم القيامة . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة} قال: بالموت {أو يأتي ربك} قال: يوم القيامة . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله {أو يأتي ربك} قال: يوم القيامة في ظلل من الغمام. أخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والترمذي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {يوم يأتي بعض آيات ربك} قال "طلوع الشمس من مغربها" . تفسير : وأخرج الطبراني وابن عدي وابن مردويه عن أبي هريرة حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {يوم يأتي بعض آيات ربك} قال "طلوع الشمس من مغربها " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي سعيد الخدري {يوم يأتي بعض آيات ربك} قال: طلوع الشمس من مغربها . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود في قوله {يوم يأتي بعض آيات ربك} قال: طلوع الشمس من مغربها . وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني عن ابن مسعود {يوم يأتي بعض آيات ربك} قال: طلوع الشمس والقمر من مغربهما مقترنين كالبعيرين القرنيين، ثم قرأ {أية : وجمع الشمس والقمر} تفسير : [القيامة: 9] . وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {يوم يأتي بعض آيات ربك} قال: طلوع الشمس من مغربها . وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم "حديث : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها، ثم قرأ الآية " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ثلاث إذا خرجت لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله صلى عليه وسلم "أن أوّل الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضحى، فأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها، ثم قال عبدالله وكان قرأ الكتب: وأظن أولهما خروجاً الشمس من مغربها، وذلك أنها كلما خرجت أتت تحت العرش، فسجدت وأستأذنت في الرجوع فيأذن لها في الرجوع، حتى إذا بدا لله أن تطلع عن مغربها فعلت كما كانت تفعل، أتت تحت العرش فسجدت واستأذنت في الرجوع فلم يرد عليها شيء، ثم تستأذن في الرجوع فلا يرد عليها شيء، حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب، وعرفت أنه إن أذن لها في الرجوع لم تدرك المشرق قالت: رب ما أبعد المشرق من لي بالناس؟ حتى إذا صار الأفق كأنه طوق استأذنت في الرجوع فيقال لها: من مكانك فاطلعي. فطلعت على الناس من مغربها، ثم تلا عبدالله هذه الآية {لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً} . وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال: حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ فقال: تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين، فبينما الذين كانوا يصلون فيها فيعملون كما كانوا والنجوم لا ترى قد قامت مقامها، ثم يرقدون ثم يقومون فيعملون ثم يرقدون، ثم يقومون فيطل عليهم جنوبهم حتى يتطاول عليهم الليل فيفزع الناس ولا يصبحون، فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذا هي طلعت من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا ولا ينفعهم إيمانهم تفسير : وأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال: حديث : كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار وعليه بردعة وقطيفة وذاك عند غروب الشمس فقال: يا أبا ذر أتدري أين تغيب هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم...! قال: فإنها تغرب في عين حمئة تنطلق حتى تخر لربها ساجدة تحت العرش، فإذا حان خروجها أذن لها فتخرج فتطلع، فإذا أراد أن يطلعها من حيث تغرب حبسها فتقول: يا رب ان سيري بعيد؟ فيقول لها: اطلعي من حيث غربت. فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل} فهو آية لا ينفع مشركاً إيمانه عند الآيات، وينفع أهل الإِيمان عند الآيات إن كانوا اكتسبوا خيراً قبل ذلك قال ابن عباس: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية من العشيات فقال لهم "حديث : يا عباد الله توبوا إلى الله بقراب، فإنكم توشكون أن تروا الشمس من قبل المغرب، فإذا فعلت ذلك حبست التوبة، وطوى العمل، وختم الإِيمان. فقال الناس: هل لذلك من آية يا رسول الله؟ فقال: آية تلكم الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال، فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون له، ثم يقضون صلاتهم والليل كأنه لم ينقض، فيضطجعون حتى إذا استيقظوا والليل مكانه، فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدي أمر عظيم، فإذا أصبحوا فطال عليهم طلوع الشمس، فبينما هم ينتظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب، فإذا فعلت ذلك لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل ذلك " . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {يوم يأتي بعض آيات ربك...} الآية. قال ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول " حديث : بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، ودابة الأرض، وخويصة أحدكم وأمر العامة. القيامة، ذكر لنا أن قائلاً قال: يا نبي الله ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ قال: تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين. فيقوم المتهجدون لحينهم الذي كانوا يصلون فيه، فيصلون حتى يقضوا صلاتهم والنجوم مكانها لا تسري، ثم يأتون فرشهم فيرقدون حتى تكل جنوبهم، ثم يقومون فيصلون حتى يتطاول عليهم الليل فيفزع الناس، ثم يصبحون ولا يصبحون إلا عصراً عصراً، فبينما هم ينتظرونها من مشرقها إذ فجئتهم من مغربها " . تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً} قال: لا ينفعها الإِيمان إن آمنت ولا تزداد في عمل ان لم تكن عملته . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {أو كسبت في إيمانها خيراً} يقول: كسبت في تصديقها عملاً صالحاً، هؤلاء أهل القبلة وإن كانت مصدقة لم تعمل قبل ذلك خيراً فعملت بعد أن رأت الآية لم يقبل منها، وإن عملت قبل الآية خيراً ثم عملت بعد الآية خيراً قبل منها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله {أو كسبت في إيمانها خيراً} يعني المسلم الذي لم يعمل في إيمانه خيراً، وكان قبل الآية مقيماً على الكبائر. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عبدالله بن عمرو قال: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما الآيات خرزات منظومات في سلك، انقطع السلك فتبع بعضها بعضاً " . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أنس " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الإِمارات خرزات منظومات بسلك، فإذا انقطع السلك نبع بعضه " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : الآيات خرز منظومات في سلك يقطع السلك فيتبع بعضها بعضاً " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: لو أن رجلاً ارتبط فرساً في سبيل الله، فانتحبت مهراً منذ أول الآيات ما ركب المهر حتى يرى آخرها . وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال: إذا رأيتم أول الآيات تتابعت . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي هريرة قال: الآيات كلها في ثمانية أشهر. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي العالية قال: الآيات كلها ستة أشهر . وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه عن عبدالله بن عمرو قال: أن الشمس إذا غربت سلمت وسجدت وأستأذنت فيؤذن لها، حتى إذا كان يوماً غربت فسلمت وسجدت واستأذنت فلا يؤذن لها، فتقول: يا رب إن المشرق بعيد وإني ان لا يؤذن لي لا أبلغ؟ قال: فتحبس ما شاء الله، ثم يقال لها. اطلعي من حيث غربت فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل الآية. وأخرج البيهقي في البعث عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: الآية التي لا ينفع نفساً إيمانها إذا طلعت الشمس من مغربها . وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليأتين على الناس ليلة بقدر ثلاث ليال من لياليكم هذه، فإذا كان ذلك يعرفها المصلون يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فبينما هم كذلك ماج الناس بعضهم في بعض فقالوا: ما هذا؟! فيفزعون إلى المساجد، فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها، فضج الناس ضجة واحدة حتى إذا صارت في وسط السماء رجعت طلعت من مطلعها، وحينئذ لا ينفع نفساً إيمانها " . تفسير : وأخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والطبراني وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي وابن مردويه عن صفوان بن عسال عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله جعل بالمغرب باباً عرضه سبعون عاماً، مفتوحاً للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من مغربها قبله، فذلك قوله {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها} ولفظ ابن ماجة: فإذا طلعت من نحوه لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ". تفسير : وأخرج الطبراني عن صفوان بن عسال قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانشأ يحدثنا أن للتوبة باباً عرض ما بين مصراعيه ما بين المشرق والمغرب لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {يوم يأتي بعض آيات ربك...} الآية. وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه " . تفسير : وأخرج عبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود قال: التوبة معروضة على ابن آدم ما لم يخرج إحدى ثلاث: ما لم تطلع الشمس من مغربها، أو تخرج الدابة، أو يخرج يأجوج ومأجوج. وقال: مهما يأتِ عليكم عام فالآخر شر . وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها " . تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان وابن مردويه من طريق مالك بن يخامر السكسكي عن عبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاص "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبل التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: مضت الآيات غير أربعة: الدجال، والدابة، ويأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، والآية التي يختم الله بها الأعمال. طلوع الشمس من مغربها، ثم قرأ {يوم يأتي بعض آيات ربك...} الآية قال: فهي طلوع الشمس من مغربها . وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : صبيحة تطلع الشمس من مغربها يصير في هذه الأمة قردة وخنازير، وتطوى الدواوين، وتجف الأقلام، لا يزاد في حسنه ولا ينقص من سيئه، ولا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عائشة قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت الأقلام، وطويت الصحف، وحبست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال. وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة " حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، ودابة الأرض، وخويصة أحدكم، وأمر العامة، قال قتادة: خويصة أحدكم: الموت. وأمر العامة: الساعة " . تفسير : وأخرج ابن ماجة عن أنس عن رسول الله صلى عليه وسلم قال " حديث : بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض، والدجال، وخويصة أحدكم، وأمر العامه " . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : العظام سبع، مضت واحدة وهي الطوفان وبقيت فيكم ست: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، والصور " . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : لا تقوم الساعة حتى يلتقي الشيخان الكبيران فيقول أحدهما لصاحبه: متى ولدت؟ فيقول: زمن طلعت الشمس من مغربها " . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: كنا نحدِّث أن الآيات يتابعن تتابع النظام في الخيط عاماً فعاماً. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو قال: الآيات خرزات منظومات في سلك، انقطع السلك فتبع بعضهن بعضاً . وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الآيات بعد المائتين " . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود قال: أن الناس بعد الآية يصلون ويصومون ويحجون، فيتقبل الله ممن كان يتقبل منه قبل الآية، ومن لم يتقبل منه قبل الآية لم يتقبل منه بعد الآية . وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها " . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر قال: يبيت الناس يسرون إلى جمع، وتبيت دابة الأرض تسري إليهم، فيصبحون وقد جعلتهم بين رأسها وذنبها، فما من مؤمن الا تمسحه، ولا منافق ولا كافر الا تخطمه، وان التوبة لمفتوحة، ثم يخرج الدخان فيأخذ المؤمن منه كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالشيء الخفيف، وان التوبة لمفتوحة، ثم تطلع الشمس من مغربها. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في البعث عن حذيفة بن أسيد قال: أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من علية ونحن نتذاكر فقال "حديث : ماذا تذكرون؟قلنا: نتذاكر الساعة. قال فإنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، والدجال، وعيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن أو اليمن تطرد الناس إلى المحشر، تنزل معهم إذا نزلوا وتقيل معهم إذا قالوا ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو قال: إن يأجوج ومأجوج ما يموت الرجل منهم حتى يولد له من صلبه ألف فصاعداً، وان من ورائهم ثلاث أمم ما يعلم عدتهم إلا الله تعالى: منسك، وتأويل، وتاريس، وان الشمس إذا طلعت كل يوم أبصرها الخلق كلهم، فإذا غربت خرت ساجدة فتسلم وتستأذن فلا يؤذن لها، ثم تستأذن فلا يؤذن لها، ثم الثالثة فلا يؤذن لها فتقول: يا رب إن عبادك ينظروني والمدى بعيد؟ فلا يؤذن لها حتى إذا كان قدر ليلتين أو ثلاث قيل لها: اطلعي من حيث غربت فتطلع فيراها أهل الأرض كلهم، وهي فيما بلغنا أول الآيات {لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل} فيذهب الناس فيتصدقون بالذهب الأحمر فلا يؤخذ منهم، ويقال: لو كان بالأمس . وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن عبد الله بن مسعود أنه قال ذات يوم لجلسائه: أرأيتم قول الله عز وجل {أية : تغرب في عين حمئة} تفسير : [الكهف: 86] ماذا يعني بها؟ قالوا: الله أعلم! قال: فإنها إذا غربت سجدت له وسبحته وعظمته وكانت تحت العرش، فإذا حضر طلوعها سجدت له وسبحته وعظمته واستأذنته فيؤذن لها، فإذا كان اليوم الذي تحبس فيه سجدت له وسبحته وعظمته، ثم استأذنته فيقال لها: أثبتي. فإذا حضر طلوعها سجدت له وسبحته وعظمته، ثم استأذنته فيقال لها: أثبتي. فتحبس مقدار ليلتين قال: ويفزع إليها المتهجدون، وينادي الرجل جاره يا فلان ما شأننا الليلة، لقد نمت حتى شبعت، وصليت حتى أعيت؟! ثم يقال لها: إطلعي من حيث غربت. فذاك {يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل...} الآية. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن ابن عباس قال: خطبنا عمر فقال: أيها الناس سيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا. وأخرج البخاري في تاريخه وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن كعب قال: إذا أراد الله أن تطلع الشمس من مغربها أدارها بالقطب، فجعل مشرقها مغربها ومغربها مشرقها. وأخرج ابن مردويه بسند واه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : خلق الله عند المشرق حجاباً من الظلمة على البحر السابع على مقدار ليالي الدنيا كلها، فإذا كان غروب الشمس أقبل ملك من الملائكة قد وكل بالليل، فيقبض قبضة من ظلمة ذلك الحجاب ثم يستقبل المغرب، فلا يزال يرسل تلك الظلمة من خلال أصابعه قليلاً قليلاً وهو يراعي الشفق، فإذا غاب الشفق أرسل الظلمة كلها، ثم ينشر جناحيه فيبلغان أقطار الأرض وأكناف السماء، فيجاوزان ما شاء الله أن يجاوزا في الهواء، فيشق ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيح والتقديس لله حتى يبلغ المغرب على قدر ساعات الليل، فإذا بلغ المغرب انفجر الصبح من المشرق ضم جناحيه وضم الظلمة بعضها إلى بعض بكفيه، حتى يقبض عليها بكف واحدة مثل قبضته حين تناولها من الحجاب بالمشرق، ثم يضعها عن المغرب على البحر السابع فمن هناك تكون ظلمة الليل، فإذا حوّل ذلك الحجاب من المشرق إلى المغرب نفخ في الصور، فضوء النهار من قبل الشمس وظلمة الليل من قبل ذلك الحجاب . فلا تزال الشمس تجري من مطلعها إلى مغربها حتى يأتي الوقت الذي جعله الله لتوبة عباده، فتستأذن الشمس من أين تطلع ويستأذن القمر من أين يطلع فلا يؤذن لهما، فيحسبان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر، فلا يعرف مقدار حبسهما إلا قليل من الناس وهم بقية أهل الأرض وحملة القرآن، يقرأ كل رجل منهم ورده في تلك الليلة، حتى إذا فرغ منه نظر فإذا ليلته على حالها، فيعود فيقرأ ورده فإذا فرغ منه نظر فإذا الليلة على حالها، فيعود فيقرأ ورده فإذا فرغ منه نظر فإذا الليلة على حالها، فلا يعرف طول تلك الليلة إلا حملة القرآن، فينادي بعضهم بعضاً، فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة ومقدار تلك الليلة مقدار ثلاث ليال، ثم يرسل الله جبريل عليه السلام إلى الشمس والقمر، فيقول: إن الرب عزَّ وجل أمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منها فإنه لا ضوء لكما ولا نور. فتبكي الشمس والقمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت، فترجع الشمس والقمر فتطلعان من مغربهما . فبينما الناس كذلك يبكون ويتضرعون إلى الله عز وجل والغافلون في غفلاتهم إذ نادى مناد: ألا أن باب التوبة قد أغلق والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما، فينظر الناس فإذا بهما أسودان كالعكمين لا ضوء لهما ولا نور، فذلك قوله {وجمع الشمس والقمر} [القيامة: 9] فيرتفعان مثل البعيرين المقرونين المعقودين، ينازع كل واحد منهما صاحبه استباقاً، ويتصايح أهل الدنيا، وتذهل الأمهات، وتضع كل ذات حمل حملها، فأما الصالحون والأبرار فإنه ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب لهم عبادة، وأما الفاسقون والفجار فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب عليهم حسرة، فإذا بلغت الشمس والقمر سرة السماء وهو منصفها جاءهما جبريل عليه السلام فأخذ بقرونهما فردهما إلى المغرب، فلا يغربهما في مغاربهما ولكن يغربهما في باب التوبة . فقال عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وما باب التوبة؟ فقال: يا عمر خلق الله باباً للتوبة خلف المغرب وهو من أبواب الجنة، له مصراعان من ذهب مكللان بالدر والياقوت والجوهر، ما بين المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين عاماً للراكب المسرع، فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربها، ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحاً من لدن آدم إلى ذلك اليوم إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب ثم ترفع إلى الله، فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله وما التوبة النصوح؟ قال: أن يندم العبد على الذنب الذي أصاب فيهرب إلى الله منه، ثم لا يعود إليه حتى يعود اللبن في الضرع. قال: فيغربهما جبريل في ذلك الباب ثم يرد المصراعين، فيلتئم ما بينهما ويصيران كأنهما لم يكن فيهما صدع قط ولا خلل، فإذا أغلق باب التوبة لم تقبل لعبد بعد ذلك توبة ولم تنفعه حسنة يعملها بعد ذلك إلا ما كان قبل ذلك، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري لهم قبل ذلك، فذلك قوله تعالى {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً} . فقال أبي بن كعب: يا رسول الله فداك أبي وأمي فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك، وكيف بالناس والدنيا...؟! قال : يا أبي إن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك ضوء النور، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك، وأما الناس فإنهم حين رأوا ما رأوا من تلك الآية وعظمها، يلحون على الدنيا فيعمرونها ويجرون فيها الأنهار، ويغرسون فيها الأشجار، ويبنون فيها البنيان، فاما الدنيا فإنه لو نتج مهراً لم يركب حتى تقوم الساعة من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور " . تفسير : وأخرج نعيم بن حماد في الفتن والحاكم في المستدرك وضعفه عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : بين أذني الدجال أربعون ذراعاً، وخطوة حمارة مسيرة ثلاثة أيام، يخوض البحر كما يخوض أحدكم الساقية، ويقول: أنا رب العالمين، وهذه الشمس تجري باذني أتريدون أن أحبسها؟ فتحبس الشمس حتى يجعل اليوم كالشهر والجمعة، ويقول: أتريدون أن أسيرها؟ فيقولون: نعم. فيجعل اليوم كالساعة، وتأتيه المرأة فتقول: يا رب أحي لي أخي وابني وزوجي، حتى انها تعانق شيطاناً وبيوتهم مملوءة شياطين، ويأتيه الأعرابي فيقول: يا رب أحي لنا ابلنا وغنمنا، فيعطيهم شياطين أمثال ابلهم وغنمهم سواء بالسن والسمة، فيقولون: لو لم يكن هذا ربنا لم يحي لنا موتانا؟! ومعه جبل من فرق وعراق اللحم حار لا يبرد، ونهر حار، وجبل من جنان وخضرة،وجبل من نار ودخان يقول: هذه جنتي، وهذه ناري، وهذا طعامي، وهذا شرابي. واليسع عليه السلام معه ينذر الناس يقول: هذا المسيح الكذاب فاحذروه لعنه الله . ويعطيه الله من السرعة والخفة ما لا يلحقه الدجال، فإذا قال: أنا رب العالمين. قال له الناس: كذبت، ويقول، اليسع: صدق الناس. فيمر بمكة فإذا هو بخلق عظيم فيقول: من أنت؟ فيقول أنا ميكائيل بعثني الله لأمنعه من حرمه، ويمر بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم، فيقول من أنت؟ فيقول: أنا جبريل بغثني الله لأمنعه من حرم رسوله . فيمر الدجال بمكة فإذا رأى ميكائيل ولى هارباً ويصيح، فيخرج إليه من مكة منافقوها ومن المدينة كذلك، ويأتي النذير إلى الذين فتحوا القسطنطينية، ومن تألف من المسلمين ببيت المقدس قال: فيتناول الدجال ذلك الرجل فيقول: هذا الذي يزعم أني لا أقدر عليه فاقتلوه، فَيُنْشَر ثم يقول: أنا أحييه قم ــ ولا يأذن الله لنفس غيرها ــ فيقول: أليس قد أمتُّك ثم أَحْيَيْتُك؟ فيقول: الآن ازددت فيك يقيناً، بشرني رسول الله صلى الله عليه وسلم انك تقتلني ثم أحيا باذن الله، فيوضع على جلده صفائح من نحاس فلا يحيك فيه سلاحهم، فيقول اطرحوه في ناري، فيحوّل الله ذلك الجبل على النذير جناناً، فيشك الناس فيه ويبادر إلى بيت المقدس، فإذا صعد على عقبة أفيق وقع ظله على المسلمين فيوترون قسيهم لقتاله، فاقواهم من برك أو جلس من الجوع والضعف ويسمعون النداء: جاءكم الغوث. فيقولون:هذا صوت رجل شبعان. وتشرق الأرض بنور ربها، وينزل عيسى ابن مريم ويقول: يا معشر المسلمين احمدوا ربكم وسبحوه، فيفعلون ويريدون الفرار، فيضيق الله عليهم الأرض فإذا أتوا باب لد في نصف ساعة فيوافقون عيسى، فإذا نظر إلى عيسى يقول: أقم الصلاة. فيقول الدجال: يا نبي الله قد أقيمت الصلاة...؟! فيقول: يا عدو الله زعمت انك رب العالمين فلمن تصلي؟ فيضربه بمقرعة فيقتله، فلا يبقى أحد من أنصاره خلف شيء إلا نادى: يا مؤمن هذا دجَّال فاقتله، فيمتعوا أربعين سنة لا يموت أحد ولا يمرض أحد، ويقول الرجل لغنمه ولدوابه: اذهبوا فارعوا وتمر الماشية بين الزرعين لا تأكل منه سنبلة، والحيات والعقارب لا تؤذي أحداً، والسبع على أبواب الدور لا يؤذي أحداً ويأخذ الرجل المدَّ من القمح فيبدره بلا حرث فيجيء منه سبعمائة مد . فيمكثون في ذلك حتى يكسر سد يأجوج ومأجوج، فيموجون ويفسدون ويستغيث الناس فلا يستجاب لهم، وأهل طور سينا هم الذين فتح الله عليهم فيدعون، فيبعث الله دابة من الأرض ذات قوائم، فتدخل في آذانهم فيصبحون موتى أجمعين، وتنتن الأرض منهم فيؤذون الناس بنتنهم أشد من حياتهم، فيستغيثون بالله، فيبعث الله ريحاً يمانية غبراء، فيصير على الناس غماً ودخاناً وتقع عليهم الزكمة، ويكشف ما بهم بعد ثلاث وقد قذف جميعهم في البحر، ولا يلبثون إلا قليلاً حتى تطلع الشمس من مغربها، وجفت الأقلام وطويت الصحف، ولا يقبل من أحد توبة، ويخر إبليس ساجداً ينادي: إلهي مرني أن أسجد لمن شئت، وتجتمع إليه الشياطين فتقول يا سيدنا إلى من تفزع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى يوم البعث وقد طلعت الشمس من مغربها وهذا الوقت المعلوم. وتصير الشياطين ظاهرة في الأرض حتى يقول الرجل: هذا قريني الذي يغويني فالحمد لله الذي أخزاه، ولا يزال أبليس ساجداً باكياً حتى تخرج الدابة فتقتله وهو ساجد ويتمتع المؤمنون بعد ذلك أربعين سنة لا يتمنون شيئاً إلا أعطوه حتى تتم أربعون سنة بعد الدابة، ثم يعود فيهم الموت ويسرع فلا يبقى مؤمن، ويبقى الكفار يتهارجون في الطرق كالبهائم حتى ينكح الرجل أمه في وسط الطريق يقوم واحد عنها وينزل واحد، وأفضلهم يقول: لو تنحيتم عن الطريق كان أحسن، فيكون على مثل ذلك حتى لا يولد أحد من نكاح، ثم يعقم الله النساء ثلاثين سنة، ويكونون كلهم أولاد زنا شرار الناس عليهم تقوم الساعة ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجداً ينادي ويجهر: إلهي مرني أسجد لمن شئت؟ فتجتمع إليه زبانيته فيقولون: يا سيدهم ما هذا التضرع؟! فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم وهذا الوقت المعلوم. قال: وتخرج دابة الأرض من صدع في الصفا، فأول خطوة تضعها بانطاكية، فتأتي إبليس فتخطمه " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: إذا طلعت الشمس من مغربها ذهب الرجل إلى المال كنزه، فيستخرجه فيحمله على ظهره فيقول: من له في هذه؟ فيقال له: أفلا جئت به بالأمس؟ فلا يقبل منه، فيجيء إلى المكان الذي احتفره فيضرب به الأرض ويقول: ليتني لم أرك. وأخرج ابن أبي شيبة عن جندب بن عبد الله البجلي قال: استأذنت على حذيفة ثلاث مرات فلم يأذن لي فرجعت، فإذا رسوله قد لحقني فقال: ما ردك؟ قلت ظننت أنك نائم. قال: ما كنت لأنام حتى أنظر من أين تطلع الشمس؟ قال ابن عون: فحدثت به محمداً فقال: قد فعله غير واحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أسامة قال: إن صبح يوم القيامة يطول تلك الليلة كطول ثلاث ليال، فيقوم الذين يخشون ربهم فيصلون، حتى إذا فرغوا من صلاتهم أصبحوا ينظرون إلى الشمس من مطلعها، فإذا هي قد طلعت من مغربها. والله أعلم .
ابو السعود
تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ} استئنافٌ مَسوقٌ لبـيان أنه لا يتأتى منهم الإيمانُ بإنزال ما ذكر من البـينات والهدى وأنهم لا يرعوون عن التمادي في المكابرة واقتراحِ ما ينافي الحكمةَ التشريعية من الآيات المُلجئة وأن الإيمانَ عند إتيانها مما لا فائدةَ له أصلاً مبالغةً في التبليغ والإنذار وإزاحةِ العلل والأعذار، أي ما ينتظرون {إِلا أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ} حسبما اقترحوا بقولهم: {أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } تفسير : [الفرقان، الآية 21] وبقولهم: {أية : أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـئِكَةِ قَبِيلاً }تفسير : [الإسراء، الآية 92] وبقولهم: {أية : لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } تفسير : [الأنعام، الآية 8] ونحو ذلك أو إلا أن تأتيهم ملائكةُ العذاب أو يأتيَ أمرُ ربك بالعذاب، والانتظارُ محمولٌ على التمثيل كما سيجيء وقرىء يأتيَهم بالياء لأن تأنيثَ الملائكة غيرُ حقيقي. {أو يأتي بعضُ آيات ربِّكَ} أي غيرُ ما ذكر كما اقترحوا بقولهم: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } تفسير : [الإسراء، الآية 92] ونحوِ ذلك من عظائمِ الآياتِ التي علّقوا بها إيمانَهم، والتعبـيرُ عنها بالبعض للتهويل والتفخيم، كما أن إضافةَ الآياتِ في الموضعين إلى اسم الربِّ المنبىء عن المالكية الكليةِ لذلك. وإضافتَه إلى ضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف، وقيل: المرادُ بالملائكة ملائكةُ الموت وبإتيانه سبحانه وتعالى إتيانُ كل آياتِه بمعنى آياتِ القيامةِ والهلاكُ الكليُّ بقرينة ما بعده من إتيان بعضِ آياتِه تعالى على أن المرادَ به أشراطُ الساعةِ التي هي (الدخانُ ودابةُ الأرضِ وخسفٌ بالمشرق وخسفٌ بالمغرب وخسفٌ بجزيرة العرب والدجالُ وطلوعُ الشمس من مغربها ويأجوجُ ومأجوجُ ونزولُ عيسى عليه السلام ونارٌ تخرج من عَدَنَ) كما نطق به الحديثُ الشريفُ المشهورُ وحيث لم يكن إتيانُ هذه الأمورِ مما ينتظرونه كإتيان ما اقترحوه من الآيات فإن تعليقَ إيمانِهم بإتيانها انتظارٌ منهم له ظاهراً، حُمل الانتظارُ على التمثيل المبني على تشبـيه حالِهم في الإصرار على الكفر والتمادي في العناد إلى أن تأتيَهم تلك الأمورُ الهائلةُ التي لا بد لهم من الإيمان عند مشاهدتِها البتةَ بحال المنتظرين لها. وأنت خبـيرٌ بأن النظمَ الكريمَ بسباقه المُنبىءِ عن تماديهم في تكذيب آياتِ الله تعالى وعدمِ الاعتدادِ بها وسياقِه الناطقِ بعدم نفع الإيمانِ عند إتيان ما ينتظرونه يستدعي أن يُحملَ ذلك على أمور هائلةٍ مخصوصةٍ بهم إما بأن تكونَ عبارةً عما اقترحوه أو عن عقوبات مترتبةٍ على جناياتهم كإتيان ملائكةِ العذاب وإتيانِ أمرِه تعالى بالعذاب وهو الأنسبُ لما سيأتي من قوله تعالى: {قُلِ ٱنتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} [الأنعام، الآية 158] . وإما حملُه على ما ذُكر من إتيان ملائكةِ الموتِ وإتيانِ كل آياتِ القيامةِ وظهورِ أشراطِ الساعة مع شمول إتيانِها لكل برّ وفاجر، واشتمالِ غائلتِها على كل مؤمن وكافرٍ فمما لا يساعده المقامُ على أن بعضَ أشراطِ الساعةِ ليس مما ينسدّ به بابُ الإيمان والطاعة، نعم يجوزُ حملُ بعضِ الآياتِ في قوله عز وجل: {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءايَـٰتِ رَبّكَ} على ما يعم مقترحاتِهم وغيرَها من الدواعي العظامِ السالبةِ للاختيار الذي عليه يدور فلكُ التكليفِ فإنه بمنزلة الكبرى من الشكل الأولِ فيتم التقريبُ عند وقوعِها بدخول ما ينتظرونه في ذلك دخولاً أولياً، ويوم منصوب بقوله تعالى: {لاَّ ينفَعُ} فإن امتناعَ عملِ ما بعد (لا) فيما قبلها عند وقوعِها جوابَ القسم، وقرىء يومُ بالرفع على الابتداء والخبرُ هو الجملةُ والعائدُ محذوفٌ أي لا تنفع فيه {نَفْساً} من النفوس {إِيمَانُهَا} حينئذ لانكشاف الحالِ وكون الأمرِ عياناً، ومدارُ قَبولِ الإيمان أن يكون بالغيب كقوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا }تفسير : [غافر، الآية 85] وقرىء لا تنفع بالتاء الفوقانية لاكتساب الإيمانِ من ملابسة المضاف إليه تأنيثاً وقوله تعالى: {لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ} أي من قبلِ إتيانِ بعضِ الآياتِ، صفةٌ لنفساً فصل بـينهما بالفاعل لاشتماله على ضمير الموصوفِ ولا ضيرَ فيه لأنه غيرُ أجنبـيَ منه لاشتراكهما في العامل. {أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا} عطفٌ على آمنت بإيراد الترديدِ على النفي المفيدِ لكفاية أحد النفيـين في عدم النفعِ، والمعنى أنه لا ينفع الإيمانُ حينئذ نفساً لم يقدّم إيمانَها أو قدّمتْه ولم تكسِبْ فيه خيراً، ومن ضرورته اشتراطُ النفعِ بتحقق الأمرين، أي الإيمانِ المقدَّمِ والخيرِ المكسوب فيه معاً، بمعنى أن النافعَ هو تحققُهما والإيمانُ المؤخرُ لغوٌ وتحصيلٌ للحاصل لا أنه هو النافعُ وتحققُهما شرطٌ في نفعه كما لو كان المقدَّمُ غيرَ المؤخرِ بالذات، فإن قولَك: لا ينفع الصومُ والصدقةُ مَنْ لم يؤمِنْ قبلَهما معناه أنهما ينفعانه عند وقوعِهما بعد الإيمان وقد استدل به أهلُ الاعتزالِ على عدم اعتبار الإيمانِ المجردِ عن الأعمال وليس بناهض ضرورةَ صحةِ حملِه على نفي الترديدِ المستلزِمِ لعمومه المفيدِ بمنطوقه لاشتراط عدمِ النفع بعدم الأمرين معاً وبمفهومه لاشتراط النفعِ بتحقق أحدِهما بطريق منعِ الخلوِّ دون الانفصالِ الحقيقي، فالمعنى أنه لا ينفع الإيمانُ حينئذ نفساً لم يصدُرْ عنها من قبلُ أحدُ الأمرين، أما الإيمانُ المجردُ أو الخيرُ المكسوبُ فيه فيتحقق النفعُ بأيهما كان حسبما تنطِقُ به النصوصُ الكريمةُ من الآيات والأحاديث وما قيل من أن عدمَ الإيمانِ السابقِ مستلزمٌ لعدم كسب الخيرِ فيه بالضرورة فيكون ذكرُه تكراراً بلا فائدة على أن الموجبَ للخلود في النار هو العدمُ الأولُ من غير أن يكون للثاني دخلٌ ما في ذلك قطعاً فيكون ذكرُه بصدد بـيانِ ما يوجب الخلودَ لغواً من الكلام - لغو من الكلام - مبني على توهم أن المقصودَ بوصف النفسِ بالعدمين المذكورين مجردُ بـيانِ إيجابِهما للخلود فيها وعدمِ نفعِ الإيمان الحادثِ في إنجائها عنه وليس كذلك، وإلا لكفىٰ في البـيان أن يقال: لا ينفعُ نفساً إيمانُها الحادثُ، بل المقصِدُ الأصليُّ من وصفها بذينك العدمين في أثناء بـيانِ عدم نفعِ الإيمان الحادثِ تحقيقُ أن موجبَ النفع إحدى مَلَكتيهما، أعني الإيمانَ السابقَ والخيرَ المكسوبَ فيه بما ذكر من الطريقة والترغيبِ في تحصيلهما في ضمن التحذيرِ من تركهما، ولا سبـيلَ إلى أن يقال كما أن عدمَ الأولِ مستقلٌّ في إيجاب الخلودِ في النار فليغلو ذكرُ عدمِ الثاني، كذلك وجوده مستقل في إيجاب الخلاصِ عنها فيكون ذكرُ الثاني لغواً لما أنه قياسٌ مع الفارق كيف لا والخلود فيها أمرٌ لا يُتصوَّر فيه تعددُ العللِ، وأما الخلاصُ عنها مع دخولِ الجنةِ فله مراتبُ بعضُها مترتبٌ على نفس الإيمان وبعضُها على فروعه المتفاوتةِ كماً وكيفاً، وإنما لم يُقتصر على بـيان ما يوجب أصلَ النفعِ وهو المقابلُ لما لا يوجبه أصلاً ـ أعني الإيمانَ الحادثَ - بل قرَنَ به ما يوجب النفعَ الزائدَ أيضاً، إرشاداً إلى تحرّي الأعلى وتنبـيهاً على كفاية الأدنى وإقناطاً للكفرة عما علّقوا به أطماعَهم الفارغةَ من أعمال البِرّ التي عمِلوها في الكفر من صلة الأرحام وإعتاق الرقاب وفك العُناةِ وإغاثةِ الملهوفين وقِرىٰ الأضيافِ وغير ذلك مما هو من باب المكارم ببـيان أن كل ذلك لغوٌ بحتٌ لابتنائه على غير أساسٍ حسبما نطق به قولُه تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ }تفسير : [إبراهيم، الآية 18]، ونحوُ ذلك من النصوص الكريمة، وأن الإيمانَ الحادثَ كما لا ينفعهم وحده لا ينفعهم بانضمام أعمالِهم السابقةِ واللاحقة، ولك أن تقول: المقصودُ بوصف النفسِ بما ذُكر من العدمين التعريضُ بحال الكفرة في تمردهم وتفريطِهم في كل واحد من الأمرين الواجبـين عليهم وإن كان وجوبُ أحدِهما منوطاً بالآخر كما في قوله عز وجل: {أية : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ}تفسير : [القيامة، الآية 31] تسجيلاً بكمال طغيانِهم وإيذاناً بتضاعف عقابِهم لما تقرر من أن الكفارَ مخاطَبون بفروع الشرائعِ في حق المؤاخذة كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ }تفسير : [فصلت، الآية 6 و7] إذا تحققت هذا وقفتَ على أن الآيةَ الكريمة أحقُّ بأن تكون حجةً على المعتزلة من أن تكون حجةً لهم هذا وقد قيل: إنها من باب اللف التقديريِّ، أي لا ينفع نفساً إيمانُها ولا كسبُها في الإيمان لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فيه، وليس بواضح فإن مبنىٰ اللفِّ التقديريِّ أن يكون المقدرُ من متمّمات الكلامِ ومقتَضَيات المقام قد ترك ذكرَه تعويلاً على دِلالة الملفوظِ عليه واقتضائِه إياه كما مر في تفسير قوله عز وجل: {أية : وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } تفسير : [النساء، الآية 172] فإنه قد طُوي في المفصل ذكرُ حشرِ المؤمنين ثقةً بإنباء التفصيل عنه أعني قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [البقرة، الآية 26 و137. وسورة النساء، الآية 173 و175. وسورة الجاثية، الآية 30] ، ولا ريب في أن ما قُدّر هٰهنا ليس مما يستدعيه قوله تعالى: {أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا} [الأنعام، الآية 158] ولا هو من مقتضيات المقامِ لأنه ليس مما وُعِدوه وعلّقوه بإتيان ما ذكر من الآيات كالإيمان حتى يرِدَ عليهم ببـيان عدمِ نفعِه إذ ذاك، على أن ذلك مشعرٌ بأن لهم بعد ما أصابهم من الدواهي ما أصابهم بقاءً على السلامة وزماناً يتأتى منهم الكسبُ والعملُ فيه، وفيه من الإخلال بمقام تهويلِ الخطبِ وتفظيعِ الحال ما لا يخفي. وقد أُجيب عن الاستدلال بوجوه أُخَرَ قُصارىٰ أمرِها إسقاطُ الآية الكريمةِ عن رتبة المعارضةِ للنصوص القطعيةِ المتونِ القويةِ الدلالةِ على ما ذُكر من كفاية الإيمان المجردِ عن العمل في الإنجاء من العذاب الخالدِ ولو بعد اللتيا والتي لِما تقرر من أن الظنيَّ بمعزل من معارضة القطعي. {قُلْ} لهم بعد بـيانِ حقيقةِ الحالِ على وجه التهديد {ٱنتَظِرُواْ} ما تنتظرونه من إتيان أحدِ الأمورِ الثلاثةِ لترَوا أيَّ شيء تنتظرون {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} لذلك لنشاهدَ ما يحِلُّ بكم من سوء العاقبة، وفيه تأيـيدٌ لكون المرادِ بما ينتظرونه إتيانَ ملائكةِ العذابِ أو إتيانَ أمرِه تعالى بالعذاب كما أشير إليه، وعِدَةٌ ضمنيةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بمعاينتهم لما يَحيق بالكفرة من العقاب، ولعل ذلك هو الذي شاهدوه يوم بدر والله سبحانه أعلم.
القشيري
تفسير : أخبر أنه بعدما (أزاح) لهم العلل اقترحوا ما ليس لهم، واغتروا بطول السلامة لهم، ثم بيَّن أنه إذا أمضى عقوبة عبدٍ حُكْماً فلا معارِضَ لتقديره، ولا مُناقِضَ لتدبيره.
اسماعيل حقي
تفسير : {هل ينظرون} هل استفهامية معناها النفى وينظرون بمعنى ينتظرون فان النظر يستعمل فى معنى الانتظار كأنه قيل انى اقمت على اهل مكة الحجة وانزلت عليهم الكتاب فلم يؤمنوا فما ينتظرون {الا ان تأتيهم الملائكة} اى ملك الموت واعوانه لقبض ارواحهم {او يأتى ربك} اى امره بالعذاب والانتقام. وقال البغوى {أو يأتى ربك} بلا كيف لفضل القضاء بين موقف القيامة انتهى. او المراد باتيان الرب اتيان كل آية يعنى آيات القيامة والهلاك الكلى بقرينة قوله تعالى {أو يأتى بعض ءايات ربك} يعنى اشراط الساعة التى هى الدخان ودابة الارض وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى عليه السلام ونار تخرج من عدن وهم ما كانوا منتظرين لاحد هذه الامور الثلاثة وهى مجيئ الملائكة او ميجئ الرب او مجيء الآيات القاهرة من الرب لكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظرين شبهوا بالمنتظرين {يوم يأتى بعض آيات ربك} ظرف لقوله {لا ينفع نفسا ايمانها} كالمحتضر فان معاينة اشراط الساعة بمنزلة نفسها ووقوع العيان يمنع قبول الايمان لانه انما يقبل اذا كان بالغيب {لم تكن ءامنت من قبل} صفة نفسا اى من قبل اتيان بعض الآيات {او كسبت فى ايمانها خيرا} الآية تقتضى ان لا ينفع الايمان بدون العمل الصالح ومذهب اهل السنة انه نافع حيث ان صاخبه لا يخلد فى النار. قال حضرة الشيخ الشهير بالهدائى الاسكدارى فى الواقعات لاح لى فى توفيق هذه الآية على مذهب اهل السنة وجهان. الاول ان يكون قوله {او كسبت} معطوفا على آمنت المقدر لا على آمنت المذكور والتقدير لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل سواء آمنت ايمانا مجردا او كسبت فى ايمانها خيرا. والثانى ان يعطف على آمنت المذكور ولكن يعتبر فى اللف مقدر فيكون النشر ايضا على اسلوبه والتقدير لا ينفع نفسا ايمانها ولا كسبها خيرا لم تكن آمنت من قبل او كسبت فى ايمانها خيرا {قل انتظروا} ما تنتظرونه من اتيان احد الامور الثلاثة لتروا أى شئ تنتظرون {انا منتظرون} لذلك وحينئذ لنا الفوز وعليكم الوبال بما حل بكم من سوء العاقبة. قال البغوى المراد ببعض الآيات طلوع الشمس من مغربها وعليه اكثر المفسرين. قال الحدادى فى تفسيره قال رسول الله صلى الله لعيه وسلم "حديث : "اذا غربت الشمس رفع بها الى السماء السابعة فى سرعة طيران الملائكة وتحبس تحت العرش فتستأذن من اين تطلع أمن مطلعها او من مغربها وكذا القمر فلا تزال كذلك حتى يأتى الله بالوقت الذى وقته لتوبة عباده وتكثر المعاصى فى الارض ويذهب المعروف فلا يأمر به احد وينتشر المنكر فلا ينهى عنه احد فاذا فعلوا ذلك حبست الشمس تحت العرش فاذا مضى مقدار ليلة سجدت واستأذنت ربها من اين تطلع فلم يجر لها جوابا حتى يوافيها القمر فيسجد معها ويستأذن من اين يطلع فلا يجر له جوابا فيحسبان مقدار ثلاث ليال فلا يعرف مقدار تلك الليلة الا المتهجدون فى الارض وهم يومئذ عصابة قليلة فى هوان من الناس فينام احدهم تلك الليلة مثل ما ينام قبلها من الليالى ثم يقوم فيتهجد ورده فلا يصبح فينكر ذلك فيخرج وينظر الى السماء فاذا هو بالليل مكانه والنجوم مستديرة فينكر ذلك ويظن فيه الظنون فيقول أخففت قراءتى أم قصرت صلاتى ام قمت قبل حينى ثم يقوم فيعود الى مصلاه فيصلى نحو صلاته فى الليلة الثانية ثم ينظر فلا يرى الصبح فيشتد به الخوف فيجتمع المتهجدون من كل بلدة فى تلك الليلة فى مساجدهم ويجأرون الى الله بالبكاء والتضرع فيرسل الله جبريل الى الشمس والقمر فيقول لهما ان الله يأمركما ان ترجعا الى مغربكما فتطلعا منه فانه لا ضوء لكما عندنا ولا نور فيبكيان عند ذلك وجلا من الله بكاء يسمعه اهل السموات السبع واهل سرادقات العرش ثم يبكى من فيهما من الخلائق من خوف الموت والقيامة فبينما المتهجدون يبكون ويتضروعون والغافلون فى غفلاتهم اذا بالشمس والقمر قد طلعا من المغرب اسودان لا ضوء للشمس ولا نور للقمر كصفتهما فى كسوفهما فذلك قوله تعالى {وجمع الشمس والقمر} فيرتفعان كذلك مثل البعيرين ينازع كل واحد منهما صاحبه استباقا فيتصارخ اهل الدنيا حينئذ ويبكون فاما الصالحون فينفعهم بكاؤهم ويكتب لهم عبادة واما الفاسقون فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب ذلك عليهم حسرة وندامة فاذا بلغ الشمس والقمر سرة السماء ومنتصفها جاء جبريل فأخذ بقرونهما فردهما الى المغرب فيغربان فى باب التوبة" فقال عمر رضى الله عنه بابى انت وامى يا رسول الله ما باب التوبة فقال "يا عمر خلق الله بابا للتوبة خلف المغرب له مصراعان من ذهب وما بين المصراع الى المصراع اربعون سنة للراكب فذلك الباب مفتوح مذ خلق الله خلقه الى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس من مغربها فاذا غربا فى ذلك الباب رد المصراعان والتأم بينهما فيصير كأن لم يكن بينهما صدع فاذا اغلق باب التوبة لم يقبل للعبد توبة بعد ذلك ولم ينفعه حسنة يعملها الا من كان قبل ذلك محسنا فانه يجزى كما قبل ذلك اليوم فذلك قوله تعالى {يوم يأتى بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قل أو كسبت فى إيمانها خيرا}"" تفسير : وانما لم يقبل الايمان فى ذلك الوقت لانه ليس بايمان اختيارى فى الحقيقة وانما هو ايمان لخوف الهلاك قال الله تعالى {أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا} تفسير : [غافر: 85]. قال السعدى قدس سره شعر : جه سود ازدزد آنكه توبه كردن كه نتواند كمند انداخت بركاخ بلند ازميوه كو كوتاه كن دست كه اين كوته ندارد دست برشاخ تفسير : وعدم قبول الايمان والتوبة غير مخصوص بمن يشاهد طلوع الشمس من المغرب وهو الاصح والظاهر ان من تولد بعد طلوعها او ولد قبله ولم يكن مميزا بعد ذلك يقبل ايمانه وجعله فى شرح المصابيح اصح قالت عائشة رضى الله عنها اذا خرجت اول الآيات طرحت الاقلام وحبست الحفظة وشهدت الاجساد بالاعمال. قال الامام السيوطى رحمه الله يظهر المهدى قبل الدجال بسبع سنين ويخرج الدجال قبل طلوع الشمس بعشر سنين ويقوم المهدى سنة مائتين بعد الالف او اربع ومائتين والله اعلم وقبل ظهور المهدى اشراط اخر من خروج بنى الاصفر وغيرها. وفى التأويلات النجمية ان الله تعالى جعل نفس الانسان وقلبه ارضا صالحا لقبول بذر الايمان وانباته وتربيته كما قال عليه السلام "حديث : لا الله الا الله ينبت الايمان فى القلب كما ينبت الماء البقلة " .تفسير : فالبذر هو قول المرء اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله عند تصديق القلب بشهادة اللسان وانما كان زمان هذه الزراعة زمان الدنيا لا زمان الآخرة ولهذا قال عليه السلام "حديث : الدنيا مزرعة الآخرة " .تفسير : فلا ينفع نفسا فى زمان الآخرة بذر ايمانها لم تكن بذرت من قبل فى زمان الدنيا او كسبت فى ايمانها خيراً من الاعمال الصالحة التى ترفع الكلمة الطيبة وهى لا اله الا الله وتجعلها شجرة طيبة مثمرة تؤتى اكلها كل حين باذن ربها من ثمار المعرفة والمحبة والكشف والمشاهدة والوصول والوصال ونيل الكمال انتهى ما فى التأويلات ونسأل الله ان يرزقنا التوفيق لتحقيق التوحيد.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {هل ينظرون} أي: ما ينتظر أهل مكة {إلا أن تأتيهم الملائكة} لقبض أرواحهم، أو بالعذاب، لأجل كفرهم، وهم لم يكونوا ينتظرون ذلك، ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبهوا بالمنتظرين، {أو يأتي ربك} أي: أمره بالعذاب، {أو يأتي بعض آيات ربك} يعني: أشراط الساعة. وعن حذيفة والبراء بن عازب: كنا نتذاكر الساعة، إذ أشرق علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " حديث : ما تداكرون"تفسير : قلنا: نتذاكر الساعة، فقال: "حديث : إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدجال ودابة الأرض، وخسفًا بالمشرق، وخسفًا بالمغرب، وخسفًا بجزيرة العرب، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونارًا تخرج من عدن ". تفسير : {يوم يأتي بعض آيات ربك}، وهو طلوع الشمس من مغربها، كما في حديث الصحيحين، قال الأقليشي: وذلك أن الله تعالى، إذا أراد طلوعها من مغربها، حبسها ليلة تحت العرش، فكلما سجدت وأستأذنت لم يجر لها جواب، حتى يحبسها مقدار ثلاث ليال، فيأتيها جبريل عليه السلام فيقول: إن الرب تعالى يأمرك أن ترجعي إلى مغربك فتطلعي منه، وأنه لا ضوء لك عندنا ولا نور، فتبكي عن ذلك بكاء يسمعها أهل السبع سماوات، ومن دونها، وأهل سرادقات العرش وحملته من فوقها، فيبكون لبكائها مما يخالطهم من خوف الموت، وخوف يوم القيامة، قال: فيبيت الناس ينتظرون طلوعها من المشرق، فتطلع الشمس والقمر خلف أقفيتهم من الغرب، أسودين مُكدرين، كالقارتين، ولا ضوء للشمس ولا نور للقمر، فيتصايح أهل الدنيا، وتذهل الأمهات عن أولادها، والأحبة عن ثمرة قلوبها، فتشتغل كل نفس بنفسها، ولا ينفع التوحيد حينئذٍ. هـ. وهو معنى قوله تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسًا إيمانها}؛ كالمحتضر إذا صار الأمر عيانًا، وإنما ينفع الإيمان بالغيب، وقد فات يومئذٍ، فلا ينفع الإيمان نفسًا {لم تكن آمنت من قبل}؛ ولا تنفع التوبة من المعاصي وترك الواجبات حينئذٍ؛ لقوله: {أو كسبت في إيمانها خيرًا} أي: لا ينفع نفسًا مؤمنة لم تكن كسبت خيرًا قبل ذلك اليوم، حيث كانت فرطت فيه قبل: وينفع اكتسابه بعد. والحاصل: أن طلوع الشمس من مغربها يُغلق بعده بابُ التوبة؛ فلا يقبل الإيمان من كافر، ولا التوبة من عاصٍ، وأما الإيمان المجرد عن العمل، إذا كان حاصلاً قبل ذلك اليوم، فإنه ينفع على مذهب أهل السنة، وكذلك العاصي بالبعض ينفعه بعض الذي كان يعمله، كالزاني مثلاً، إذا كان يصلي، فتنفعه صلاته ويعاقب على العصيان، وهكذا، والمنفي قبوله: إنما هو الخير المتروك قبل ذلك اليوم، فلا ينفع استدراكه بعد. ثم قال تعالى: {قل انتظروا} إتيان أحد الثلاثة؛ الملائكة بعذابكم، أو أمر الله تعالى بإهلاككم، أو بعض آياته، {إنا منتظرون} ذلك، لنا الفوز وعليكم الويل. الإشارة: ما ينتظر الغافلون والمنهمكون في اللذات والشهوات والإعراض عن الله إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم فجأة، فيموتون على الغفلة، فتنزل بهم الحسرة والندم، وقد زلت القدم بهم، أو يأتي أمر الله بطردهم والطبع على قلوبهم، فلا ينفعهم وعظ ولا تذكير، أو يأتي بعض آيات ربك؛ مصيبة أو داهية تثقل قلوبهم عن التوجه إلى الله، وجوارحهم عن طاعة الله. فالغافل والعاصي بين هذه الثلاثة، إن لم يقلع ويتب. والله تعالى أعلم. ثم أمرهم بالإعراض عن أهل الإعراض، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً}.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي {يأتيهم الملائكة} بالياء. الباقون بالتاء. وقد مضى الكلام في أمثال ذلك فيما مضى، فلا وجه للتطويل باعادته. قوله {هل ينظرون} ما ينتظرون، يعني هؤلاء الكفار الذين تقدم ذكرهم. وقال ابو علي: معناه هل تنتظر انت يا محمد واصحابك الا هذا؟ وهم وان انتظروا غيره فذلك لا يعتد به في جنب ما تنتظرونه من الاشياء المذكورة لعظم شأنها، وهو مثل قوله {أية : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}تفسير : ، وتكلمت ولم تتكلم بما لا يعتد به. وقوله {إلا أن يأتيهم الملائكة} يعني لقبض ارواحهم. وقال مجاهد وقتادة والسدي: تأتيهم الملائكة، لقبض ارواحهم {أو يأتي ربك} أي يوم القيامة {أو يأتي بعض آيات ربك}، كطلوع الشمس من مغربها. وقوله {أو يأتي ربك} قيل في معناه قولان: احدهما - او يأتي امر ربك بالعذاب. وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه، ومثله{أية : وجاء ربك}تفسير : وقوله {أية : إن الذين يؤذون الله ورسوله} تفسير : يعني يؤذون اولياء الله. الثاني - او يأتي ربك بعظم آياته فيكون {يأتي} به على معنى الفعل المعتدي، ومثل ذلك قول الناس: اتانا الروم يريدون أتانا حكم الروم وسيرتهم. وقوله {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل}. قيل في الآيات التي تحجب من قبول التوبة ثلاثة أقوال: احدها - قال الحسن، وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال "حديث : بادروا بالاعمال قبل ستة: طلوع الشمس من مغربها، والدابة، والدجال، والدخان، وخويصة احدكم - اي موته - وامر القيامة"تفسير : يعني القيامة. الثاني - قال ابن مسعود: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الارض، وهو قول ابي هريرة. الثالث - طلوع الشمس من مغاربها رواها جماعة عن النبي (صلى الله عليه وسلم). وقوله {أو كسبت في إيمانها خيرا} قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - الابهام في احد الامرين: الثاني - التغليب، لان الاكثر ممن ينتفع بايمانه حينئذ من كان كسب في ايمانه خيرا قبل. الثالث - انه لا ينفعه ايمانه حينئذ وان اكتسب فيه خيرا الا أن يكون ممن آمن قبل - في قول السدي - ومعنى كسب الخير في الايمان عمل النوافل والاستكثار من عمل البر بعد اداء الفرائض. والاول عندي أقواها، لان المعنى انه لا ينفع نفسا ايمانها الا اذا كانت آمنت قبل، فانها اذا آمنت قبل نفعها ايمانها بانفراده او اذا ضمت الى ايمانها افعال الخير، فان ذلك ينفعها أيضا، فانه ازداد خيرا. وقوله {قل انتظروا} خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) ان يقول لهؤلاء الكفار: انتظروا اتيان الملائكة وهذه الآيات، فانا منتظرون حصولها. ومعنى الآية الحث على المبادرة الى الايمان قبل الحال التي لا تقبل فيها التوبة، وهي ظهور الآيات التي تقدم ذكرها، وفي ذلك غاية التهديد.
فرات الكوفي
تفسير : {يَوْمَ يأتي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْراً158} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله [تعالى. ر]: {يوم يأتي بعض ايات ربك لا ينفع نفس إيمانها [أو كسبت في إيمانها خيراً}. أ، ب. ر: إلى آخر الآية] يعني صفوتنا ونصرتنا. قلت: إنما قدّر الله عنه باللسان واليدين والقلب. [قال. ب]: يا خيثمة إنّ نصرتنا باللسان كنصرتنا بالسيف ونصرتنا باليدين أفضل والقيام فيها!. يا خيثمة إن القرآن نزل [أ، ر: نزلت] أثلاثاً فثلث فينا وثلث في عدونا وثلث فرائض وأحكام، ولو أن آية نزلت في قومٍ ثم ماتوا أولئك ماتت الآية إذاً ما بقي من القرآن شيءٌ، إنّ القرآن يجري من أوله إلى آخره وآخره إلى أوله ما قامت السموات والأرض، فلكل قومٍ آية يتلونها [هم منها في خير أو شر]. يا خيثمة إنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء وهذا في أيدي الناس فكل على هذا. يا خيثمة سيأتي على الناس زمان لا يعرفون [الله. ر، ب] ما هو [و. ر، ب] التوحيد حتى يكون خروج الدجال وحتى ينزل عيسى بن مريم [عليهما الصلاة والسلام. ر] من السماء ويقتل الله الدجال على يديه [أ، ب: يده] ويصلي بهم رجلٌ منّا أهل البيت، ألا ترى أن عيسى يصلي خلفنا وهو نبي؟ ألا ونحن أفضل منه.
اطفيش
تفسير : {هلْ ينْظُرون} أى ما ينتظر أهل مكة {إلا أنْ تأتيهُم الملائكةُ أو يأتىَ ربُّك أو يأتى بعْضُ آياتِ ربِّك} أى إتيان الملائكة أو إتيان ربك أو إتيان بعض آيات ربك المنتظر للشئ عارف به، مقربه، يحبه أو يكرهه، ويكون نصب عينيه مترقيا له، وهم ليسوا مترقبين لذلك، ولا جاعليه أعينهم، ولا قائلين: إنا إذا جاء ذلك آمنا فيؤخر إيماننا إليه لما كان ذلك يلحقهم، ولا بد شبههم بمن ينتظره، بل هم ينكرون العذاب إذا توعدهم به، وينكرون قيام الساعة، بل تكون عندهم مستمرة لا تزال، وبعضهم يؤمن بها وينكر البعث، والمراد بإتيان الملائكة إتيان ملائكة العذاب، وقيل: إتيان ملائكة الموت ملك الموت وأعوانه، وقرأ حمزة والكسائى: يأتيهم الملائكة هنا وفى النحل بالتحتية، والمراد بإتيان ربك إتيان أمره بالعذاب. أحد الأوامر ضد النهى، أو إتيان أمره وهو العذاب أحد الأمور، وهذا الأخير إذا فسرنا إتيان الملائكة بإتيان ملائكة الموت. وقيل: المراد بإتيان ربك إتيان كل آياته وهى آيات يوم القيامة، والعذاب والهلاك الكلى لقوله: {أو يأتى بعض آيات ربك} فقابل ذلك ببعض الآيات، وقيل: إتيان ربك إتيان حسابه بعد البعث، وإنما كرر يأتى مرتين بعد الأول، وكرر لفظ ربك مرة بعد الأول، وكررهما أيضا بعد ذلك، إذ قال: {يوم يأتى بعض آيات ربك} للتأكيد والإرهاب، ولم يقل: الله أو الجبار، مع أن المراد الانتقام لا التربية والإحسان، لأن المضاف إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا هم، ولو كان يلقيه إليهم لأنه إذا ألقاه وجدوا إضافة ما يشعر بهما إليه لا إليهم، أو لأن المحسن جدا وغاية يكون عقابه على كفرانه عظيما، ولولا ذلك والله أعلم لقال: إلا أن تأتيهم الملائكة أو ربك أو بعض آياته. والمراد بإتيانه بعض آياته أشراط الساعة، كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والدجال، والخسف، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونار تخرج من عدن، والجمهور: أنها طلوع الشمس من مغربها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا رآها الناس آمنوا جميعا" تفسير : وفى رواية: "حديث : وإذا رآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا" تفسير : وكلتا الروايتين عن أبى هريرة. وروى أبو سعيد عنه صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى: {أو يأتى بعض آيات ربك} "حديث : طلوع الشمس من مغربها" تفسير : وفى رواية عن أبى هريرة مرفوعة: "حديث : من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه" تفسير : وفى رواية خلف: المغرب باب للجنة يسير الراكب فى عرضه أربعين أو سبعين للجنة أو خمسمائة عام مفتوح للتوبة إلى أن تطلع الشمس منه، وقيل: بعض آيات ربك. روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أنسه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة ضحى، وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا" تفسير : وقيل: بعض آيات ربك: طلوع الشمس من مغربها، والدابة، والدجال، لرواية أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض" تفسير : وهذا الحديث ظاهره أن الثلاث الأول الآيات، وأن أولى الثلاث مبهم. وكذا روى ابن مسعود أن أولادهن إحدى الثلاث مبهم، أو قال: التوبة معروضة على ابن آدم ما يخرج إحدى ثلاث: الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، أو يأجوج ومأجوج، وكذلك قالت عائشة: إذا خرجت إحداهن طرحت التوبة، وحبست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال، وقد علم بعد ذلك أن الشمس والدابة قبل الدجال، وقيل: يأجوج ومأجوج كما مر أنهما أول، ثم بعد ذلك علم أن أولاهما الشمس كما مر فى الحديث، ومما يدل أن بعض آيات ربك هو طلوع الشمس من مغربها ما رواه ابن مسعود: "حديث : تصبحون والشمس والقمر من هاهنا من قبل المغرب كالبعيرين المعقورين فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيراً " تفسير : وما رواه أبو ذر، حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوما: "أتدرون أين تذهب الشمس؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "إنها تذهب إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال ارتفعى من حيث جئت فتصبح طالعة حتى تنتهى إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعى من حيث جئت فتصبح طالعة من مطلعها لا ينكر الناس منها شيئا حتى تنتهى فتخر ساجدة فى مقرها تحت العرش فيقال لها: اطلعى من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون أى يوم ذلك؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذلك يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيراً . تفسير : وما روى أبو ذر رضى الله عنه إذا قال: حديث : كنت يوما رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على حمار، فنظر إلى الشمس حين غربت فقال: "إنها تغرب فى عين حميئة تنطلق حتى تخر لربها ساجدة تحت العرش حتى يأذن لها، فإذا أراد أن يطلعها من مغربها حبسها فتقول: يا رب إن مسيرى بعيد، فيقول لها اطلعى من حيث غربت، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" . تفسير : وما روى ابن عباس: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عشية من العشيات فقال لهم: "عباد الله توبوا إلى الله قبل أن يأتيكم العذاب، فإنه يوشك أن تطلع الشمس من قبل المغرب، فإذا طلعت حبست التوبة، وطوى العمل" فقال الناس: هل لذلك من آية يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "إن آية تلك الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال فيسبقه الذين يخشون ربهم ويصلون له، ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ينقص، ثم يأتون مضاجعهم فينامون حتى إذا استيقظوا والليل مكانه، فإذا رأوا ذلك خافوا أن يكون ذلك بين يدى أمر عظيم، فإذا أصبحوا أو طال عليهم رأت أعينهم طلوع الشمس، فبينما هم ينظرون إذ طلعت عليهم من قبل المغرب، فإذا طلعت لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" . تفسير : وعن ابن عمر: إذا كادت الشمس تغرب ضربت بالعمد لتأخرها تقول: يا رب إذا طلعت عبدت دونك، ثم تغرب ولا تزال كذلك تتجه إلى الله أى تستأذن فلا يؤذن لها، قبل: الحكمة فى طلوع الشمس من مغربها أن الملحدة والمنجمين ينكرون ذلك، فيريهم الله قدرته، وقيل: بعض آيات ربك أن يرى المحتضر ملك الموت أو أمرا من أمور الآخرة، وقيل: أول الآيات ظهور الدجال، ثم نزول عيسى عليه السلام، ثم خروج يأجوج ومأجوج فيقتلهم الله بالنقف فى أعناقهم وهو داء يقتل الدواب، ويموت عيسى عليه السلام، فيكثر الإحداث والفسوق، فتخرج الدابة فتميز المؤمن من الكافر، ويمهلون ويصرون، وتطلع الشمس من مغربها فلم تقبل توبة مشرك ولا فاسق، وتقوم الساعة قريبا. وعن حذيفة: حديث : كنا جلوسا بالمدينة فى ظل حائط وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غرفة فأشرف علينا فقال: "ما يجلسكم؟" فقلنا: نتحدث، فقال: "فى ماذا؟" فقلنا: عن الساعة، قال: "إنكم لا ترون الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات: أولها طلوع الشمس من مغربها، ثم الدخان، ثم الدجال، ثم الدابة، ثم ثلاث خسوفات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وخروج عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، وتكون آخر ذلك نار تخرج من اليمن من حفرة عدن، لا تدع أحدا إلا سوقه إلى المحشر" تفسير : ففى هذا نص على أن أول الآيات طلوع الشمس من مغربها، وكذلك رواه البراء ابن عازب، لكن ليس فى روايته ذكر المدينة والظل والإشراف من الغرفة، وكذا رواية مسلم عن حذيفة ليس فيها ذلك، وذلك الدخان غير الدخان الواقع فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن قيل: كيف ينزل عيسى بعد طلوع الشمس، وهو يؤمر بقتل اليهود والنصارى، ولا يقبل منهم إلا الإسلام والتوبة لا تقبل يومئذ؟ قلت: لعله يؤمر بدعائهم إلى الإسلام، ولو كان لا ينفعهم تعبد، فإما أن يؤمنوا ولا يقبل عنهم، وإما أن يقتلهم، ويحتمل أن يكون عدم قبول التوبة مؤجلا، ينزل عيسى فإذا نزل قبلت توبة من تاب على يديه، ويحتمل أن يتأخر للمؤمنين نزوله حتى يموت من شاهد طلوعها من المشركين. {يَومَ يأتى بعضُ آيات ربِّك لا ينْفعُ نفساً إيمانُها لم تكن آمَنت مِنْ قَبلُ أو كَسبتْ فى إيمانهم خيراً} يوم متعلق بينفع ولا صدر للا النافية غير العاملة عمل إن أو كان، وقرئ برفع يوم على الابتداء، والخبر لا ينفع نفسا إيمانها، والرابط محذوف، أى لا ينفع نفسا إيمانها فيه، أو لا ينفع نفسا إيمانها بعد حضوره، وبعض آيات ربك هو بعض آيات ربك المذكور قبل، فالإضافة للعمل الذكرى، وقيل: بعض آيات ربك هو جميع آيات الساعة أولا، وبعض آيات ربك آخراً هى التى لا تقبل بعدها توبة، وجملة لم تكن آمنت نعت لنفس ولو فصل بالفاعل، لأن عاملها واحد، أو حال من ضمير الخفض فى إيمانها، ولو كان مضافا إليها، لأن المضاف مصدر والمصدر يعمل كالفعل، وجملة كسبت معطوف على آمنت، فهو يسلط عليه النفى، أى لم تكن آمنت من قبل إتيان بعض آيات ربك، أو لم تكسب فى إيمانها خيرا، وقد آمنت فإذا ظهرت الآية لم تقبل توبة المشرك ولا توبة الفاسق، وهو حجة لنا فى كون الفاسق لا يكفيه إيمانه إن مات مصرا، سواء جعلنا الآية معاينة ملك الموت أو أمرا من أمور الآخرة أو جعلناها طلوع الشمس. أما إذا جعلناها المعاينة فظاهر، وإذا جعلناها الطلوع فالعبرة بعموم اللفظ، سلمنا أنه لا عموم، فالعبرة بالعلة، فإن العلة فى عدم قبولها بعد الطلوع أن التوبة هنا، ولإيمان كالإيمان، والتوبة قهراً وإلجاءً، وهذه العلة موجودة فى المعاينة، كما لا ينفع إذا عاينوا العذاب {أية : إلا قوم يونس لما آمنوا} تفسير : الآية، لأنه ليس إيمان اختيار ولا توبة اختيار، فكيف يثاب عليها؟ وإلا قبلت من ميت، ومن وافى المحشر ممن لا تباعة مخلوق عليه، أو ممن عليه تباعته، فيخلص الله عليه، ولو أتيت فى الدنيا، ويتعذر عليه الخلاص فيها، وليس ذلك واقعا. وإن قلت: أو فى ساق النفى بمعنى الواو، فيكون المعنى لا ينفع الإيمان نفسا جامعة بين عدم الإيمان وعدم كسب الخير فى الإيمان؟ قلت: هذا لو سلم، فإنما هو مع قيام دليل كقوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفوراً} ولا دليل هنا، فيجب إبقاء أو على أصلها، بل قام الدليل على إبقائها مثل ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، فلم يكن معنى الآية لم تؤمن ولم تكسب خيراً، فلم يكن معنى الآية نفسا جمعت بين عدم الإيمان وعدم كسب الخير، فضلا عن أن يقال: يفهم منه أن التى خلت من عدم كسب الخير فقط، ولم تخل عن الإيمان ينفعها إيمانها، مع أن الإيمان إذا انتفى لزم انتفاء كسب الخير، لأنه لا خير مع شرك، فكيف يقال: جمعت بين عدم الإيمان وعدم كسب الخير فى الإيمان، فما هذا إلا بسط كلام وتصريح باللازم، وإبهام أن ثم إيمانا، لكن لا كسب خير فيه، مع أن فرض الكلام فى عدم الإيمان، لكن مراد القائل أنه لا إيمان، ثم فضلا عن كسب الخير فيه، فالحاصل أن ذلك تطويل بنفى الشئ تصريحا، ثم نفيه التزاما، مع أنه قام الدليل على انتفاء الحاجة لذلك، والتكلف له. وما أكثر فى القرآن آمنوا وعملوا الصالحات وأكثر به، ولو قيل كسب معطوفا على لم تكن فلا يكون منفيا، فيكون المعنى نفسا لم تؤمن أو آمنت بعد ظهور بعض الآيات، كما قدر يرتكب الخصم لم تخلص، لأن علة عدم نفع إيمانها وكسبها خيرا إليه، وقع عن إلجاء لظهور الآية، وهذا علة مطردة لا تختص بمن أسلم بعد ظهورها، أو كسب خيرا بعد ظهورها، وأيضا لنا قول ابن عباس معنى الآية: لا ينفع مشركا إيمانه عند الآيات، وينفع أهل الإيمان إن كسبوا خيرا قبل ذلك. فهذا نص فى مذهبنا، وتصريح بأن الظرف المقدر فى قوله: أو كسب هو لفظ قبل كما ذكر قبله فى الآية لا لفظ بعد، وكذا قال الضحاك والكلبى من آمن من شرك أو تاب من معصية بعد ظهور بعض الآيات لم يقبل عنه، لأنه تاب إلجاءً بمعاينة الأهوال، فمن لم يكلف فى حال طلوعها لجنون، أو لم يبلغ، أو لم يولد، فله بعد ذلك التوبة والله أعلم، وقرأ ابن سيرين: لا تنفع بالفوقية تأنيثا للإيمان لإضافته لمؤنث، يعنى عنه الذكر، لأنك تقول: لا تنفع نفس نفسها بشئ. {قُلْ} يا محمد لأهل مكة {انْتظِرُوا} بعض الآيات {إنَّا مُنتظِرُون} له، لأن لنا الفوز بالثواب إيمانا وكسبنا الخير، ولكم الويل بشرككم، وذلك وعيد لهم ووعد للمؤمنين، وذلك أن الله أوعد الكفار العذاب يوم القيامة، وقيل: قبله فى الدنيا، وقيل بعد الموت فى القبر وعند الموت، وقيل: ذلك وعيد للمشركين كلهم إلى يوم القيامة ينتظرون عذاب يوم القيامة فى الدنيا، وبعد موتهم إلى أن يوافوه بالبعث وينتظروه، كل منهم عند الموت وبعده، وقيل معنى الآية الأمر بترك القتال، فتكون منسوخة بآية القتال، وهو خلاف الظاهر، وأيضا هى على هذه الدعوى كالتأجيل والمصرح، فله بالأجل المعين أو المبهم لا يكون منسوخا يحاول الأجل، وإنما النسخ فى الذى مؤجل عند الله ولم يقل لنا إنه مؤجل.
اطفيش
تفسير : {هَلْ يَنْظُرُونَ} أَى ما ينتظر أَهل مكة، فهذا من النظر الثلاثى بمعنى الانتظار الخملى، وأَهل مكة لم يعتقدوا انتظار الملائكة للعذاب وإِن اعتقدوا أَن الموت بالملائكة فليسوا فى مراقبة ذلك، ولم يعتقدوا أَيضاً إِتيان آيات الله بأوامره، ولا إِيمان لهم بيوم القيامة وما فيه، لكن لما كان يلحقهم ذلك لا محالة شبهوا بمن ينتظره واعتقده كأَنه قبل فما يستحقون إِلا نزول ذلك حين أَنزلت الكتاب فلم يؤمنوا، وقيل الواو للنبى صلى الله عليه وسلم وأَصحابه والحصر إِضافى منظور فيه إِلى الإِيمان، أَى إِنما يقع بهم أَحد هؤلاء الأَشياء لا الإِيمان، فإِنه لا يتأَتى منهم. وهل للإِنكار وهو نفى وكأَنه قيل لا ينتظرون، وأَنكر الرضى مجيئها للإِنكار وأَقرانها للتقرير والأَول المشهور وعليه الجمهور {إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُم} هذا الضمير لكفار مكة {المَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَو يَأْتِىَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} والعاقل لا ينتظر العذاب انتظار الميل بل انتظار توقع مكروه، لكن شبهوا لإِصرارهم على موجبه بمن ينتظره والجامع الترتيب، والمراد بإِتيان الملائكة إِتيانهم لقبض أَرواحهم أَو لتعذيبهم، ومعنى إِتيان الرب إِتيان أَمره بالعذاب أَو أَمر هو عذابه، أَو إِتيان الرب إِتيان آياته كلها: آيات القيامة والعذاب والهلاك الكلى، والمراد بإِتيان بعض الآيات علاماته الدالة على الساعة، قال حذيفة والبراء بن عازب رضى الله عنهما: كنا نتذاكر الساعة إِذ أَشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : ما تذاكرون قلنا نتذاكر الساعة. قال إِنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان ودابة الأَرض وخسفا بالمشرق وخسفاً بالمغرب وخسفاً بجزيرة العرب والدجال وطلوع الشمس من مغربها ويأْجوج ومأْجوج ونزول عيسى ونار تخرج من عدن وجزيرة العرب ما أَحاط به بحر فارس وبحر السودان ونهر دجلة ونهر الفرات"تفسير : . قيل بعض آيات ربك الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها، وإِتيان الأَمر والآيات مجاز استعارى لأَنه حقيقة فى الأَجسام {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} طلوع الشمس من مغربها كما فى الصحيحين عن أَبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربهاتفسير : ، وهو طلوع واحد، وزعم بعض أَنها تطلع من المغرب ثلاثة أَيام، ويقال تطلع إِلى خط نصف النهار وترجع، ونحن آمنا بطلوعها ولا يعرفون ما هو ولا أَعرف أَنا ما هو فإِن المغارب والمطالع لا يحصيها إِلا الله، وتغيب فى موضع وتطلع فى موضع فإِذا غربت عنا فى بلدنا، فهى طالعة فى غير بلدنا، فلو طلعت علينا فى مغربنا لم تكن طالعة فى المشرق الأَقصى وقس على ذلك. ويقال تدور بقطب الشمال، ويقال تصل إِليه ثم ترجع ولا نفهم ذلك فإِنها حينئذ ليست يراها كل أَحد حال طلوعها أَيضاً، ولعلها تغرب فى البحر المحيط بحيث تبعد جداً حتى لا يراها من عند المحيط المغربى ولا يرى ضوءَها أَهل المشرق ولا أَهل المغرب ولا أَهل الجنوب ولا أَهل الشمال، ويطلعها الله فوق السماءَ السابعة تحت العرش فقد غابت عن الناس كلهم، بعضهم غابت عنه أَكثر من ليل ويتفاوتون فتطلع على أَهل الدنيا كلهم بمرة لارتفاع محلها فقد صارت الدنيا كلها ليلا ثم صارت كلها نهاراً ثم تكون كعادتها. وفى البيهقى أَن أَول الايات ظهور الدجال ثم نزول عيسى ثم خروج يأجوج ومأجوج ثم خروج الدابة ثم طلوع الشمس من مغربها، وهو أَول الآيات العظام المؤذنة بتغيير أَحوال العالم العلوى، وذلك أَن الكفار يسلمون فى زمن عيسى عليه السلام ولا ينفع الكفار إِيمانهم أَيام عيسى، ويصير الدين واحداً فإِذا قبض عيسى ومن معه من المسلمين رجع أَكثرهم إِلى الكفر، فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها فإِذا رآها الناس آمن من على الأَرض وذلك حين لا ينفع الإِيمان النفس التى لم تؤمن من قبل ولا النفس التى آمنت قبل وأَصرت على المعاصى ولا ينفعها عملها الصالح بعد كما قال الله عز وجل {لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُهَا} توحيدها {لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} الجملة نعت لنفساً مفصول بالفاعل، وجاز ذلك لأَن عاملها واحد وهو ينفع، أَو حال من المضاف إِليه لأَن المضاف مصدر يصلح للعمل لا مستأَنفة كما قيل لأَنه جئ بها قيداً {أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمانِها خَيْراً} طاعة وتوبة عطف على آمنت فهو منفى، وأَو للتنويع فكأَنه قيل أَو لم تكن كسبت فى إِيمانها خيراً لأن آمنت منفى بلم تكن والمعطوف على المنفى منفى، وقوله في إِيمانها صريح فى أَنها آمنت، والمعنى فى توحيدها، فالناس الذين لا ينفعهم إِيمانهم يوم طلوع الشمس من مغربها نوعان: الأَول مشرك وحد لطلوع الشمس والآخر موحد من قبل طلوعها لكنه منهمك فى المعاصى غير تائب، وذلك كالإِيمان عند الغرغرة والمشاهدة، فلم يكن ينفعهم إِيمانهم لما رأَوا بأْسنا لأَنهم إِنما كلفوا بالإِيمان بالغيب، وأَما إِيمان المشاهدة فلا ينفعهم، قال الضحاك: من أَدركه بعض الآيات وهو على عمل صالح مع إِيمانه قبل الله منه العمل بعد نزول الآية كما قبل منه قبل، وأَما من آمن من شرك أَو تاب من معصية عند ظهور هذه الآية فلا يقبل منه لأَنها حال اضطرار كما لو أَرسل الله عذاباً على أمة فآمنوا وصدقوا فإِنه لا ينفعهم ذلك لمعاينتهم الأَهوال التى تضطرهم إِلى الإِيمان والتوبة، ويقبل إِيمان من لم يبلغ أَو ولد بعد فآمن أَو أَفاق من جنون، وفى الاية دليل لنا وللمعتزلة على أَن التوحيد المقرون بالمعصية المصر عليها لا ينفع، كما فى قوله تعالى "أية : ولم يلبسوا إِيمانهم بظلم"تفسير : [الأنعام: 82] فالظلم أَعم من الشرك لهذه الاية وهو مذهب المحدثين من قومنا أَيضاً، والأَشعرية عطفوا كسبت على لم تكن فيكون المعنى لا ينفع الإِيمان الحادث فى يوم الطلوع نفساً لم تؤمن قبل أَو آمنت بعد ظهور الآيات وكسبت فى إِيمانها الحادث خيراً، وهو باطل لأَن مقابل لم تؤمن قبل آمنت قبل، قال الطبرانى بسنده إِلى أَبى ذر رضى الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً: "حديث : أَتدرون أَين تذهب هذه الشمس إِذا غربت: قالوا: الله ورسوله أَعلم. قال: تذهب إِلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ارتفعى فارجعى من حيث جئت فتصبح طالعة من مطلعها، وهكذا كل يوم فإِذا أَراد الله أَن يطلعها من مغربها حبسها فتقول: يا رب إِن مسيرى بعيد. فيقول لها: اطلعى من حيث غربت، فقال الناس: يا رسول الله هل لذلك من آية؟ قال: آية تلك الليلة أَن تطول قدر ثلاث ليال فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ينقص ثم يأْتون مضاجعهم فينامون حتى إِذا استيقظوا والليل مكانه، خافوا أَن يكون ذلك بين يدى أَمر عظيم، فإِذا أَصبحوا طال عليهم طلوع الشمس، فبينما هم ينتظرونها إِذ طلعت عليهم من قبل المغرب"تفسير : . {قُلِ انْتَظِرُوا} بعض هذه الايات الموعود بها للعقاب، وذلك وعيد وتهديد فقط وإِلا فهم لا يؤمنون بها فضلا عن أَن ينتظروها فانتظروا الويل فإِننا ننتظر الفوز المراد فى قوله تعالى {إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} عقابكم فى الدنيا والآخرة، ولا يلزم المنتظر اتصاله بما ينتظره فهم منتظرون الآية ولا يتصلون بها، بل يتصل بها المشركون فى آخر الزمان، فالمشركون كلهم الأَولون والآخرون كفريق واحد، فانتظار أَواخرهم انتظار لأَوائلهم، كما ذم بنى إِسرائيل على عهده صلى الله عليه وسلم بما فعل أَوائلهم لرضاهم عنهم وتصويبهم. أَو يراد الانتظار فى قبورهم إِذ ترد إِليهم أَرواحهم وأَيضاً أَرواحهم حية تنتظر ولو بلا رجوع إِلى أَجسادهم فلا يصح ما قيل من أَن المراد الكف عن القتال وأَنه منسوخ بآية القتال والمراد أَن المشركين يمهلون قدر مدة الدنيا، فإِذا ماتوا أَو ظهرت الآيات لم ينفعهم الإِيمان وعوقبوا، قال صفوان بن غسان: المراد بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : باب من قبل المغرب يسير الراكب فى عرضه أربعين أَو سبعين سنة خلقه الله تعالى يوم خلق السماوات والأَرض مفتوحاً للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس منهتفسير : ، أَخرجه الترمذى. وفى رواية سبعين وفى أخرى مائة، ويروى للراكب المسرع، وفى رواية يلتم حتى ما به من صدع، فلا تقبل توبة، يروى: الدابة وطلوع الشمس أَيهما سبق فالآخر على أَثره، فإِن طلعت قبل خرجت الدابة ضحة يومها، وإِن خرجت الدابة قبل طلعت الشمس من الغد، وروى أَبو الشيخ وابن مردويه عن أَنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صبيحة تطلع الشمس من مغربها يصير فى هذه الأُمة قردة وخنازير وتطوى الدواوين وتجف الأَقلام، ولا يزاد فى حسنة ولا ينقص من سيئة، وذكر ابن مردويه عن ابن عباس رضى الله عنهما: تحبس الشمس ثلاث ليال والقمر ليلتين لا يؤذن لهما فى الطلوع، ينتبه لذلك أَهل الأَوراد وحملة القرآن فيجتمعون فى المساجد بالتضرع والبكاءَ بقية الليلة، ويرسل الله عز وجل جبريل عليه السلام إِلى الشمس والقمر فيقول: إِن الرب تعالى يأْمركما أَن ترجعا إِلى مغربكما فتطلعا منه، لا ضوءَ لكما عندنا ولا نور، فيبكيان خوف القيامة، فينادى مناد والغافلون فى غفلتهم: أَلا إِن باب التوبة قد أغلق والشمس والقمر طلعا من مغربهما فيراهما الناس كالغرارتين العظيمتين وكالبعيرين المقرونين يتنازعان استبقا. ويتصايح أَهل الدنيا، وتذهل الأمهات عن أَولادها وتضع كل ذات حمل حملها، وإِذا بلغا مقدار وقت العصر - وروى وسط السماء - ردا إِلى المغرب. وروى: للباب مصراعان من ذهب مكللان بالدر والجوهر ويكسيان بعد ذلك ضوءَهما ويطلعان من مطالعهما قبل، ويشتد حرص الناس على حفر العيون وغرس الأَشجار والبنيان، وتمكث الدنيا مائة وعشرين سنة السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة، وتعبد العرب الأَصنام كآبائهم مائة وعشرين سنة بعد نزول عيسى عليه السلام وخروج الدجال، ويمتع المؤمنون أَربعين سنة لا يتمنون شيئاً إِلا أَعطوه، فيشرع فيهم الموت وتصير الكفار كالبهائم ينكح الرجل المرأَة فى وسط الطريق، يقوم واحد عنها وينزل عليها الآخر، وأَفضلهم من يقول: لو تنحيتم عن الطريق لكان أَحسن، حتى لا يولد ولد إِلا بزنى، ويعقم الله النساءَ ثلاثين سنة ويكون كلهم أَولاد زنى فتقوم الساعة على أَشرار الخلق، وإِذا طلعت الشمس خر إِبليس ساجداً متضرعاً يقول: يا رب مرنى أَسجد لمن شئت، فتقول له الشياطين: يا سيدنا ما هذا التضرع؟ فيقول: هذا الوقت الذى سأَلت ربى أَن ينظرنى إِليه، والله أَعلم ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلى العظيم، وتلك الآيات أَمارات لقرب الساعة، أَو أَمارات لوجودها واستقبالها وتقبل توبة من لم يشاهد الطلوع لحدوثه بعد، أَو بلوغه أَو إِفاقته بعده، واختلفوا فيمن شاهده ونسيه وصححوا على فرض إِمكان النسيان أَنها لا تقبل وأَنه لا يمكن النسيان وذلك حمل لظاهر الاية والأَحاديث على عمومها.
الالوسي
تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ} استئناف مسوق لبيان أنه لا يتأتى منهم الإيمان بإنزال ما ذكر من البينات والهدى والإيذان بأن من الآيات ما لا فائدة للإيمان عنده مبالغة في التبليغ والإندار وإزاحة العلل والأعذار، و {هَل} للاستفهام الإنكاري، وأنكر الرضي مجيئها لذلك وقال: إنها للتقرير في الإثبات، والجمهور على الأول، والضمير لكفار أهل مكة. وزعم الجبائي أنه للنبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أي ما ينتظرون. {إِلا أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ} لقبض أرواحهم {أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } يوم القيامة في ظلل من الغمام حسبما أخبر وبالمعنى الذي أراد. وإلى هذا التفسير ذهب ابن مسعود وقتادة ومقاتل، وقيل: إتيان الملائكة لإنزال العذاب والخسف بهم. وعن الحسن إتيان الرب على معنى إتيان أمره بالعذاب. وعن ابن عباس المراد يأتي أمر ربك فيهم بالقتل، وقيل: المراد يأتي كل آياته يعني آيات القيامة والهلاك الكلي لقوله سبحانه: {أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءايَـٰتِ رَبِّكَ} وأنت تعلم أن المشهور من مذهب السلف عدم تأويل مثل ذلك بتقدير مضاف ونحوه بل تفويض المراد منه إلى اللطيف الخبير مع الجزم بعدم إرادة الظاهر. ومنهم من يبقيه على الظاهر إلا أنه يدعي أن الإتيان الذي ينسب إليه تعالى ليس الإتيان الذي يتصف به الحادث، وحاصل ذلك أنه يقول بالظواهر وينفي اللوازم ويدعي أنها لوازم في الشاهد، وأين التراب من رب الأرباب. وجوز بعض المحققين حمل الكلام على الظاهر المتعارف عند الناس، والمقصود منه حكاية مذهب الكفار واعتقادهم، وعلى ذلك اعتمد الإمام وهو بعيد أو باطل. والمراد بالآيات عند بعض أشراط الساعة، وهي على ما يستفاد من الأخبار كثيرة، وصح من طرق حديث : حذيفة بن أسيد قال: "أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من علية ونحن نتذاكر فقال: ما تذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة قال: إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات: الدخان والدجال وعيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج والدابة وطلوع الشمس من مغربها، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب. وخسف بجزيرة العرب. وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن أو اليمن تطرد الناس إلى المحشر تنزل معهم إذا نزلوا وتقيل معهم إذا قالوا"تفسير : . وببعضها على ما قيل: الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها وهو المراد بالبعض أيضاً في قوله سبحانه: {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَـٰتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ } وروى مسلم وأحمد والترمذي وغيرهم عن أبـي هريرة مرفوعاً ما هو صريح في ذلك. واستشكل ذلك بأن خروج عيسى عليه السلام بعد الدجال عليهم اللعنة وهو عليه السلام يدعو الناس إلا الإيمان ويقبله منهم وفي زمنه خير كثير دنيوي وأخروي، وأجيب عنه بما لا يخلو عن نظر. والحق أن المراد بهذا البعض الذي لا ينفع الإيمان عند طلوع الشمس من مغربها. فقد روى الشيخان «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس ءامنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها ثم قرأ الآية» بل قد روي هذا التعيين عنه صلى الله عليه وسلم في غير ما خبر صحيح، وإلى ذلك ذهب جلة المفسرين. وما يروى من الأخبار التي ظاهرها المنافاة لذلك غير مناف له عند التحقيق كما لايخفى على المتأمل، وسبب عدم نفع الإيمان عند ذلك أنه إذا شوهد تغير العالم العلوي يحصل العلم الضروري ويرتفع الإيمان بالغيب وهو المكلف به فيكون الإيمان حينئذ كالإيمان عند الغرغرة، ومقتضى الأخبار في هذا المطلب أنه لا يقبل الإيمان بعد ذلك أبداً لكن الظاهر على ما في «الزواجر» قبول ما وقع بعد ذلك من غير تقصير كمن جن وأفاق بعد أو أسلم بتبعية أبويه. وعن البلقيني أنه إذا تراخى الحال بعد طلوع الشمس من المغرب وطال العهد حتى نسي قبل الإيمان لزوال الآية الملجئة وله وجه وجيه. وقول العراقي: إن الظاهر أنه لا يطول العهد حتى ينسى غير متجه لما رواه القرطبـي في «تذكرته» عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبـي صلى الله عليه وسلم ونقله الحافظ ابن حجر في «شرح البخاري» أن الناس يبقون بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة، والكلام في كيفية طلوعها من المغرب مفصل في كتب الحديث، وفي «سوق العروس» لابن الجوزي أن الشمس تطلع من مغربها ثلاثة أيام بلياليها ثم يقال لها: ارجعي من مطلعك، والمشهور أنها تطلع يوماً واحداً من المغرب فتسير إلى خط نصف النهار ثم ترجع إلى المغرب وتطلع بعد ذلك من المشرق كعادتها قبل. وخبر عبد الله بن أبـي أوفى صريح في ذلك والكل أمر ممكن والله سبحانه على كل شيء قدير. وروى البخاري في «تاريخه» وأبو الشيخ وابن عساكر في كيفية ذلك عن كعب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا أراد الله تعالى أن يطلع الشمس من مغربها أدارها بالقطب فجعل مشرقها مغربها ومغربها مشرقها. وأهل الهيئة ومن وافقهم يزعمون أن طلوع الشمس من المغرب محال ويقولون: إن الشمس وغيرها من الفلكيات بسيطة لا تختلف مقتضياتها جهة وحركة وغير ذلك ولا يتطرق إليها تغيير عما هي عليه، وقد بنوا ذلك على مثل شفا جرف هار. وقال الكرماني: إنه على تقدير تسليم قواعدهم لا امتناع في ذلك أيضاً لقولهم بجواز انطباق منطقة فلك البروج المسمى بفلك الثوابت على المعدل وهي منطقة الفلك الأعظم المسمى بفلك الأطلس بحيث يصير المشرق مغرباً والمغرب مشرقاً انتهى. وفيه نظر يعلم بعد بيان كيفية الانطباق وما يتبعه ويلزم منه على ما في كتب محققيهم فأقول: قال في «التذكرة وشرحها» للسيد السند: الميل الكلي وهو غاية التباعد بين منطقتي / المعدل وفلك البروج الموجود بالأرصاد القديمة والحديثة ليس شيئاً واحداً بل كان ما وجده القدماء أكثر مما وجده المحدثون، وقد يظن أن ما وجده من هو أحدث زماناً كان أقل مما وجده من هو أقدم زماناً مع أن أكثر ما وجدوه لم يبلغ أربعة وعشرين جزءاً وأقله لم ينقص عن ثلاثة وعشرين جزءاً ونصف جزء. ثم الظاهر أن هذا الاختلاف إنما هو بسبب اختلال الآلات في استدارتها أو قسمتها أو نصبها في حقيقة نصف النهار لا بسبب تحرك إحدى المنطقتين إلى الأخرى وإلا لوجب أن يكون الاختلاف على نظام واحد ولم يوجد كذلك كما بين في محله لكنه يجوز أن يكون أصل الاختلاف بسبب التحرك وعدم الانتظام بسبب الاختلال ولما امتنع أن يكون هذا التقارب بحركة المعدل نحو منطقة البروج إذ يلزم منه أن تختلف عروض البلدان عما هي عليه وأن يكون خط الاستواء في كل زمان مكاناً آخر ذهب بعضهم إلى أن منطقة البروج تتحرك في العرض فتقرب من معدل النهار فإن كان هذا حقاً يجب أن يثبت فلكاً آخر يحرك فلك البروج هذه الحركة ثم إن المنطقة إن تحركت في العرض أمكن أن تتم الدورة وأمكن أن لا تتمها بل تتحرك إلى غاية ما ثم تعود وتلك الغاية يمكن أن تكون بعد انطباقها على منطقة المعدل مرتين أو حال انطباقها الثاني أو فيما بين الانطباقين وذلك إما بعد قطع نصف دورتها أو حال قطع النصف أو قبله، وإن لم تصل إلى ما بين الانطباقين فإما أن تعود حال انطباقها الأول أو قبل ذلك ثمانية احتمالات عقلية لا مزيد عليها، وعلى التقديرات الخمس الأول: يتبادل نصفا سطح فلك البروج الشمالي والجنوبي فيصير نصف سطح فلك البروج الذي هو شمالي عن المعدل جنوبياً عنه وبالعكس مع ما يتبع النصفين من الأحكام فتثبت أحكام النصف الشمالي للنصف الجنوبـي بعد صيرورته شمالياً وأحكام الجنوبـي للشمالي بعد صيرورته جنوبياً وفي الثلاثة الأولى منها ينطبق كل واحد من نصفي منطقة البروج على كل واحد من نصفي منطقة المعدل، وعلى التقديرات الباقية بعد الخمسة الأولى لا يتبادل غير البعض من السطح المذكور، وعلى التقديرات السبعة الأولى ينطبق النصف من منطقة فلك البروج على النصف المجاور له من منطقة المعدل وعند كل انطباق يتساوى الليل والنهار في جميع البقاع لأن مدار الشمس هو المعدل المنصف بالآفاق القاطعة له وتبطل فصول السنة لأن بعد الشمس عن سمت الرأس يكون شيئاً واحداً هو مقدار عرض البلد ويستمر الحال على هذا إلى أن تفترق المنطقتان بمقدار يحس به ولا يكون ذلك إلا في مدة طويلة، وعلى التقدير الثاني: لا يكون شيء من الانطباق وتساوي الملوين وبطلان الفصول إلا أن الارتفاعات ومقادير الأيام والليالي لأجزاء بعينها من فلك البروج تزيد وتنقص في بقعة بعينها انتهى ملخصاً. ولا يخفى أنه من لوازم ما ذكروه من التبادل الناشيء عن الانطباق مرتين انطباق قطب البروج الجنوبـي على قطب العالم الشمالي وعكسه وصيرورة بروج الخريف بروج الربيع وعكسه وبروج الصيف بروج الشتاء وعكسه وانعكاس توالي البروج إلى خلافه فيطلع الحوت ثم الدلو ثم الجدي وهكذا إلى الحمل وتوافق حركة ما حركته من المغرب إلى المشرق لحركة الفلك الأعظم إلى غير ذلك، وليس صيرورة المشرق مغرباً والمغرب مشرقاً من لوازم الانطباق المذكور بل لا يتصور أصلاً، نعم لو كان المدعي انطباق منطقة المعدل على منطقة فلك البروج بحيث تكون الحركة للمعدل نحو المنطقة لتصور ما ذكر لكنه ممتنع على ما صرح به السيد السند فيما مر وقد فرض عدم الامتناع فتدبر والانتظار في الآية محمول على التمثيل المبني على تشبيه حال / هؤلاء الكفار في الإصرار على الكفر والتمادي على العناد إلى أن تأتيهم تلك الأمور الهائلة التي لا بد لهم من الإيمان عند مشاهدتها البتة بحال المنتظرين لها وهذا هو الذي يقتضيه التفسير المأثور ولا ينبغي العدول عن ذلك التفسير بعد أن صحت نسبة بعضه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والبعض الآخر إلى أصحابه رضي الله تعالى عنهم وليس في النظم الكريم ما يأباه ولا أن المقام إنما يساعد على ما سواه، وقيل: المراد بإتيان الملائكة وإتيان الرب سبحانه ما اقترحوه بقولهم: { أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـٰئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا } تفسير : [الفرقان: 21] وبقولهم { أية : أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰئِكَةِ قَبِيلاً } تفسير : [الإسراء: 92] وبإتيان بعض الآيات غير ما ذكر كما اقترحوا بقولهم: { أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } تفسير : [الإسراء: 92] ونحو ذلك من عظائم الآيات التي علقوا بها إيمانهم. وجوز حمل بعض الآيات في قوله سبحانه: {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَـٰتِ رَبِّكَ} على ما يعم مقترحاتهم وغيرها من الدواهي العظام السالبة للاختيار الذي يدور عليه فلك التكليف وهو كلام في نفسه ليس بالدون ولكن إذا صح الحديث فهو مذهبـي، والتعبير بالبعض للتهويل والتفخيم كما أن إضافة الآيات إلى اسم الرب المنبىء عن المالكية الكلية لذلك، وإضافته إلى ضميره عليه الصلاة والسلام للتشريف. وتنكير {نَفْساً} للتعميم. وجملة {لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ} في موضع النصب صفة لنفساً فصل بينهما بالفاعل لاشتمالها على ضمير الموصوف ولا ضير فيه لأنه غير أجنبـي منه لاشتراكهما في العامل. وجوز كونها استئنافية و {يَوْم} منصوب بلا ينفع. وامتناع عمل ما بعد لا فيما قبلها إنما هو عند وقوعها جواب القسم. وقرأ حمزة والكسائي {يَأْتِيهِمُ} بالياء لأن تأنيث الملائكة غير حقيقي. وقرىء {يَوْم} بالرفع على الابتداء. والخبر هو الجملة والعائد محذوف أي لا ينفع فيه. وقرأ أبو العالية وابن سيرين {لاَّ تَنفَعُ } بالتاء الفوقانية. وخرجها ابن جني على أنها من باب قطعت بعض أصابعه فالمضاف فيه قد اكتسب التأنيث من المضاف إليه لكونه شبيهاً بما يستغني عنه، وقال أبو حيان: «إن التأنيث لتأويل الإيمان بالعقيدة والمعرفة مثل جاءته كتابـي فاحتقرها على معنى الصحيفة». وقوله سبحانه: {أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا} عطف على {آمَنتُ} والكلام محمول على نفي الترديد المستلزم للعموم المفيد بمنطوقه لاشتراط عدم النفع بعدم الأمرين معاً الإيمان المقدم والخير المكسوب فيه وبمفهومه لاشتراط النفع بتحقق أحدهما بطريق منع الخلو دون الانفصال الحقيقي. والمعنى أنه لا ينفع الإيمان حينئذ نفساً لم يصدر عنها من قبل أما الإيمان المجرد أو الخير المكسوب فيه فيتحقق الخير بأيهما كان حسبما تنطق به النصوص الكريمة من الآيات والأحاديث الصحيحة. والمعتزلة يقولون: إن الترديد بين النفيين، والمراد نفي العموم لا عموم النفي. والمعنى أنه لا ينفع الإيمان حينئذ نفساً غير مقدمة إيمانها أو مقدمة إيمانها غير كاسبة فيه خيراً. وهذا صريح فيما ذهبوا إليه من أن الإيمان المجرد عن العمل لا يعتبر ولا ينفع صاحبه. ولم يحملوا ذلك على عموم النفي كما قرروه في قوله تعالى: { أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً } تفسير : [الإنسان: 24] لأن ذلك حيث لم تقم قرينة حالية أو مقالية على خلافه وهنا قد قامت قرينة على خلافه فإنه لو اعتبر عموم النفي لغى ذكر اشتراط عدم النفع بالخلو عن كسب الخير في الإيمان ضرورة أنه إذا انتفى الإيمان قبل ذلك اليوم انتفى كسب الخير فيه قطعاً على أن الموجب للخلود في النار هو عدم الإيمان من غير أن يكون لعدم / كسب الخير دخل ما في ذلك أصلاً فيكون ذكره بصدد بيان ما يوجب الخلو لغلواً من الكلام أيضاً. وأجاب شيخ الإسلام عن ذلك بأنه «مبني على توهم أن المقصود بوصف النفس بالعدمين المذكورين مجرد بيان إيجابهما للخلود فيها وعدم نفع الإيمان الحادث في إنجائها عنه وليس كذلك وإلا لكفى في البيان أن يقال: لا ينفع نفساً إيمانها الحادث بل المقصود الأصلي من وصفها بذينك العدمين في أثناء [بيان] عدم نفع الإيمان الحادث تحقيق أن موجب النفع إحدى ملكيتهما أعني الإيمان السابق والخير المكسوب فيه لما ذكر من الطريقة والترغيب في تحصيلهما في ضمن التحذير من تركهما؛ ولا سبيل إلى أن يقال: كما أن عدم الأول مستقل في إيجاب الخلود في النار فيلغو ذكر عدم الثاني كذلك وجود مستقل في إيجاب الخلاص عنها فيكون ذكر الثاني لغواً لما أنه قياس مع الفارق كيف لا والخلود فيها أمر لا يتصور فيه تعدد العلل. وأما الخلاص منها مع دخول الجنة فله مراتب بعضها مترتب على نفس الإيمان وبعضها على فروعه المتفاوتة كماً وكيفاً. ولم يقتصر على إتيان ما يوجب أصل النفع وهو الإيمان السابق مع أنه المقابل بما لا يوجبه أصلاً وهو الإيمان الحادث بل قرن به ما يوجب النفع الزائد أيضاً إرشاداً إلى تحري الأعلى وتنبيهاً على كفاية الأدنى وإقناطاً للكفرة عما علقوا به أطماعهم الفارغة من أعمال البر التي عملوها في الكفر مما هو من باب المكارم وأن الإيمان الحادث كما لا ينفعهم وحده لا ينفعهم بانضمام أعمالهم السابقة واللاحقة. ثم قال: ولك أن تقول: المقصود بوصف النفس بما ذكر من العدمين التعريض بحال الكفرة في تمردهم وتفريطهم في كل واحد من الأمرين الواجبين عليهم وإن كان وجوب أحدهما منوطاً بالآخر كما في قوله سبحانه: { أية : فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ * وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } تفسير : [القيامة: 31-32] تسجيلاً عليهم بكمال طغيانهم وإيذاناً بتضاعف عقابهم لما تقرر من أن الكفار مخاطبون بالفروع في حق المؤاخذة كما ينبىء عنه قوله تعالى: { أية : وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ } تفسير : [فصّلت: 6-7] انتهى. وقيل في دفع اللغوية غير ذلك، وأجاب بعضهم عن متمسك المعتزلة بأن الآية مشتملة على ما سمي في علم البلاغة باللف التقديري كأنه قيل: لا ينفع نفساً إيمانها ولا كسبها في إيمانها خيراً لم تكن آمنت من قبل أو لم تكن كسبت خيراً فاقتصر للعلم به وفيه خفاء لا يخفى، ومثله ما تفطن له بعض المحققين وإن تم الكلام به من غير لف ولا اعتبار اقتصار وهو أن معنى الآية أنه لا ينفع الإيمان باعتبار ذاته إذا لم يحصل قبل ولا باعتبار العمل إذا لم يعمل قبل، ونفع الإيمان باعتبار العمل أن يصير سبباً لقبول العمل فإن العبارة لا تحتمله ولا يفهم منها من غير اعتبار تقدير في نظم الكلام، وقال مولانا ابن الكمال: إن المراد بالإيمان في الآية المعرفة كما يرشد إليه قراءة (لا تنفع) بالتاء وبكسب الخير الإذعان؛ ونحن معاشر أهل السنة والجماعة نقول بما هو موجب النص من أن الإيمان النافع مجموع الأمرين ولا حجة فيه للمخالف لأن مبناها حمل الايمان على المعنى الإصطلاحي المخترع بعد نزول القرآن وتخصيص الخير بما يكون بالجوارح وكل منهما خلاف الأصل والظاهر، ولو سلم فنقول: الإيمان النافع لا بد فيه من أمرين الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان وقد عبر عن الأول بقوله سبحانه: {آمَنت} وعن الثاني بقوله تعالى: {أَوْ كَسَبَتْ } فالكسب يكون بالآلات البدنية ومنها اللسان فمنطوق الآية على مذهبنا انتهى. ولا يخفى عليك أن الألفاط المستعملة في كلام الشارع حقائق شرعية يتبادر منها ما علم بلا قرينة، والإيمان وإن صح أنه لم ينقل عن معناه اللغوي الذي هو تصديق القلب مطلقاً وإن استعمل في التصديق الخاص إلا / أن المتبادر منه هذا التصديق وحينئذ فكلام هذا العلامة لا يخلو عن نظر، وأجاب القاضي البيضاوي بيض الله تعالى غرة أحواله بأن لمن اعتبر الإيمان المجرد عن العمل وقال بأنه ينفع صاحبه حيث يخلصه عن الخلود في النار تخصيص هذا الحكم بذلك أي أن هذا الحكم ـ أعني عدم نفع الإيمان المجرد صاحبه ـ مخصوص بذلك اليوم بمعنى أنه لا ينفعه فيه ولا يلزم منه أنه لا ينفعه في الآخرة في شيء من الأوقات، وليس المراد أن المحكوم عليه بعدم النفع هو ما حدث في ذلك اليوم من الإيمان والعمل، ولا يلزم من عدم نفع ماحدث فيه عدم نفع الإيمان السابق عليه وإن كان مجرداً عن العمل كما قيل لأن هذا ليس من تخصيص الحكم في شيء بل هو تخصيص للمحكوم عليه قد يرجع حاصله إلى اشتمال الآية على اللف التقديري كما أشرنا إليه. ويرد عليه أنه يلزم منه تخصيص الحكم بعدم نفع الإيمان الحادث في ذلك اليوم به أيضاً ولا قائل به إذ هو لا ينفع صاحبه في شيء من الأوقات بالإتفاق. ويمكن دفعه بأن التخصيص في حكم عدم النفع إنما يلاحظ بالنظر إلى الإيمان المجرد وباعتباره فقط على أن يكون معنى الآية يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع الإيمان الغير السابق إليه صاحبه فيه ولا الإيمان الغير المكتسب فيه الخير وإن نفع هو بالآخرة إلا أن في هذا تخصيصاً في الحكم والمحكوم به فتأمل، وبأن له أيضاً صرف قوله سبحانه: {كَسَبَتْ } عن أن يكون معطوفاً على {آمَنت} إلى عطفه إلى {لَمْ تَكُنْ} لكن بعد جعل أو بمعنى الواو وحمل الإيمان في {لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } على الإيمان الحادث في ذلك اليوم وإذا لم ينفع ذلك مع كسب الخير فيه يفهم منه عدم نفعه بدونه بالطريق الأولى، وأنت تعلم أن مثل هذا الاحتمال يضر بالاستدلال ونحن بصدد الطعن باستدلالهم فلا يضرنا أن فيه نوع بعد، ومن عجيب ما وقفت عليه لبعض فضلاء الروم في الجواب أن (أو) بمعنى إلا وبعدها مضارع مقدر مثلها في قول الحريري في «المقامة التاسعة»: فوالله ما تمضمضت مقلتي بنومها ولا تمخضت ليلتي عن يومها أو ألفيت أبا زيد السروجي ـ والأصل أو يكون كسبت أي إلا أن يكون، والمراد من هذا الاستثناء المبالغة في نفي النفي بتعليقه بالمحال كما في قوله تعالى: { أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [النساء: 22] و { أية : أَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [النساء: 23] في رأي. وقول الشاعر: شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب تفسير : وحاصل المعنى فيما نحن فيه إذا جاء ذلك إليهم لا ينفع الإيمان نفساً لم تكن آمنت من قبل ذلك اليوم إلا أن تكون تلك النفس التي لم تكن آمنت من قبل كسبت في الإيمان خيراً قبل ذلك اليوم وكسب الخير في الإيمان قبل ذلك اليوم للنفس التي لم تكن آمنت قبل ممتنع فالنفع المطلوب أولى بأن يكون ممتنعاً، وقد أجيب عن الاستدلال بوجوه أخر، وحاصل جميع ذلك أن الآية لما فيها من الاحتمالات لا تكون معارضة للنصوص القطعية المتون القوية التي لا يشوبها مثل ذلك الصادحة بكفاية الإيمان المجرد عن العمل في الإنجاء من العذاب الخالد ولو بعد اللتيا والتي، وبعد ذلك كله يرد على المعتزلة أن الخير نكرة في سياق النفي فيعم ويلزم أن يكون نفع الإيمان بمجرد الخير ولو واحداً وليس ذلك مذهبهم فإن جميع الأعمال الصالحة داخلة في الخير عندهم. {قُلْ } لهم بعد بيان حقيقة الحال على وجه التهديد {ٱنتَظِرُواْ } ما تنتظرونه من إتيان أحد هذه الأمور {إِنَّا مُنتَظِرُونَ } لذلك وحينئذ نفوز وتهلكون، قيل: في هذا تأييد لكون المراد بما ينتظرونه إتيان ملائكة العذاب أو إتيان أمره تعالى به وعدة ضمنية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بمعاينتهم بما يحيق بالكفرة من العقاب، ولعل ذلك هو الذي شاهدوه يوم بدر.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني نشأ في قوله: { أية : فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } تفسير : [الأنعام: 157] الآية، وهو يحتمل الوعيد ويحتمل التهكّم، كما سيأتي. فإن كان هذا وعيداً وتهديداً فهو ناشىء عن جملة: { أية : سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا } تفسير : [الأنعام: 157] لإثارته سؤال سائل يقول: متى يكون جزاؤهم، وإن كان تهكّما بهم على صدفهم عن الآيات التي جاءتهم، وتطلّعهم إلى آيات أعظم منها في اعتقادهم، فهو ناشىء عن جملة: { أية : فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها } تفسير : [الأنعام: 157] لأنَّه يثير سؤال سائل يقول: ماذا كانوا يترقَّبون من الآيات فوق الآيات التي جاءتهم. و{هل} للاستفهام الإنكاري، وهي ترد له كما ترد له الهمزة على التّحقيق، ولذلك جاء بعده الاستثناء. و{ينظرون} مضارع نَظَر بمعنى انتظر، وهو مشترك مع نظر بمعنى رأى في الماضي والمضارع والمصدر، ويخالفه في التّعدية، ففِعل نَظَر العين متعدّ بإلى، وفعل الانتظار متعدّ بنفسه، ويخالفه أيضاً في أنّ له اسم مصدر وهو النظِرة ــــ بكسر الظاء ــــ ولا يقال ذلك في النّظر بالعين. والضّمير عائد للّذين يصدفون عن الآيات. ثمّ إنْ كان الانتظار واقعاً منهم على أنَّه انتظار آيات، كما يقترحون، فمعنى الحصر: أنَّهم ما ينتظرون بعد الآيات التي جاءتهم ولم يقتنعوا بها إلاّ الآيات التي اقترحوها وسألوها وشرطوا أن لا يؤمنوا حتّى يُجاءوا بها، وهي ما حكاه الله عنهم بقوله: { أية : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً } تفسير : [الإسراء: 90] إلى قوله { أية : أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} تفسير : [الإسراء: 92] ــــ وقوله ــــ { أية : وقالوا لولا أنزل عليه ملك } تفسير : [الأنعام: 8] فهم ينتظرون بعض ذلك بجِدّ من عامتَّهم، فالانتظار حقيقة، وبسخرية من قادتهم ومضلّليهم، فالانتظار مجاز بالصّورة، لأنَّهم أظهروا أنفسهم في مظهر المنتظرين، كقوله تعالى: { أية : يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبّئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا } تفسير : [التوبة: 64] الآية. والمراد ببعض آيات ربّك: ما يشمل ما حكي عنهم بقوله: { أية : حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} تفسير : [الإسراء: 90] إلى قوله {أية : حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه }تفسير : [الإسراء: 93]. وفي قوله: { أية : وقالوا لولا أنزل عليه ملك }تفسير : [الأنعام: 8] إلى قوله { أية : فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون } تفسير : [الأنعام: 10] فالكلام تهكّم بهم وبعقائدهم. وإن كان الانتظار غير واقع بجدّ ولا بسخرية فمعناه أنَّهم ما يترقَّبون شيئاً من الآيات يأتيهم أعظم ممَّا أتاهم، فلا انتظار لهم، ولكنّهم صمّموا على الكفر واستبطنوا العناد، فإن فرض لهم انتظار فإنَّما هو انتظار ما سيَحل بهم من عذاب الآخرة أو عذاب الدّنيا أو ما هو برزخ بينهما، فيكون الاستنثاء تأكيداً للشّيء بما يشبه ضدّه. والمراد: أنَّهم لا ينتظرون شيئاً ولكن سيجيئهم ما لا ينتظرونه، وهو إتيان الملائكة، إلى آخره، فالكلام وعيد وتهديد. والقصر على الاحتمالين إضافي، أي بالنّسبة لما ينتظر من الآيات، والاستفهام الخبري مستعمل في التهكّم بهم على الاحتمالين، لأنَّهم لا ينتظرون آية، فإنَّهم جازمون بتكذيب الرّسول صلى الله عليه وسلم ولكنّهم يسألون الآيات إفحاماً في ظنّهم. ولا ينتظرون حساباً لأنَّهم مكذّبون بالبعث والحشر. والإتيان بالنّسبة إلى الملائكة حقيقة، والمراد بهم: ملائكة العذاب، مثل الّذين نزلوا يوم بدر { أية : إذ يوحي ربّك إلى الملائكة أنّي معكم فثبّتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرّعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان } تفسير : [الأنفال: 12]. وأمّا المسند إلى الرّب فهو مجاز، والمراد به: إتيان عذابه العظيم، فهو لعظم هوله جعل إتيانه مسنداً إلى الآمر به أمراً جازماً ليعرف مقدار عظمته، بحسب عظيم قدرة فاعله وآمره، فالإسناد مجازي من باب: بنى الأمير المدينة، وهذا مجاز وارد مثله في القرآن، كقوله تعالى: { أية : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } تفسير : [الحشر: 2] وقوله: { أية : ووجد الله عنده فوفّاه حسابه } تفسير : [النور: 39]. ويجوز أن يكون المراد بقوله: {أو يأتي ربك} إتيان أمره بحساب النّاس يوم القيامة، كقوله: { أية : وجاء ربك والملك صفا صفاً } تفسير : [الفجر: 22]، أي لا ينتظرون إلاّ عذاب الدّنيا أو عذاب الآخرة. وعلى الاحتمالات كلّها يجوز أن يكون وقوع ذلك يوم القيامة، ويجوز أن يكون في الدّنيا. وجملة: {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها} مستأنفة استئنافاً بيانياً تذكيراً لهم بأنّ الانتظار والتريّث عن الإيمان وخِيمُ العاقبة، لأنَّه مهدّد بما يمنع من التّدارك عند النّدامة، فإمَّا أن يعقبه الموت والحساب، وإمّا أن يعقبه مجيء آية من آيات الله، وهي آية عذاب خارق للعادة يختصّ بهم فيعلموا أنَّه عقوبة على تكذيبهم وصَدْفهم، وحين ينزّل ذلك العذاب لا تبقى فسحة لتدارك ما فات لأنّ الله إذا أنزل عذابه على المكذّبين لم ينفع عنده توبة، كما قال تعالى: { أية : فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين } تفسير : [يونس: 98] وقال تعالى: { أية : ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذاً منظرين } تفسير : [الحجر: 8] ــــ وقال ــــ { أية : ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون} تفسير : [الأنعام: 8]. ومن جملة آيات الله الآيات التي جعلها الله عامّة للنّاس، وهي أشراط السّاعة: والتي منها طلوع الشّمس من مغربها حين تُؤذن بانقراض نظام العالم الدنيوي. روى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : لا تقوم السّاعة حتّى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها النّاس آمنوا أجمعون وذلك حينَ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل » تفسير : ثمّ قرأ هذه الآية. والنّفع المنفي هو النّفع في الآخرة، بالنّجاة من العذاب، لأنّ نفع الدّنيا بكشف العذاب عند مجيء الآيات لا ينفع النّفوس المؤمنة ولا الكافرة، لقوله تعالى: { أية : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } تفسير : [الأنفال: 25] وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : ثمّ يحشرون على نياتهم »تفسير : . والمراد بالنّفس: كلّ نفس، لوقوعه في سياق النّفي. وجملة: {لم تكن آمنت من قبل} صفة {نفساً}، وهي صفة مخصّصة لعموم: {نفساً}، أي: النّفس التي لم تكن آمنت من قبل إتيان بعض الآيات لا ينفعها إيمانها إذا آمنت عند نزول العذاب، فعلم منه أنّ النّفس التي كانت آمنت من قبل نزول العذاب ينفعها إيمانها في الآخرة. وتقديم المفعول في قوله: {نفساً إيمانها} ليتمّ الإيجاز في عود الضّمير. وقوله: {أو كسبت في إيمانها خيراً} عطف على {آمنت}، أي أو لم تكن كسبت في إيمانها خيراً. و{في} للظرفيّة، وإنَّما يصلح للظرفية مدّة الإيمان، لا الإيمان، أي أو كسبت في مدّة إيمانها خيراً. والخير هو الأعمال الصّالحة والطّاعات. و{أو} للتّقسيم في صفات النّفس فيستلزم تقسيم النّفوس التي خصّصتها الصّفتان إلى قسمين: نفوس كافرة لم تكن آمنت من قبل، فلا ينفعها إيمانها يوم يأتي بعض آيات الله، ونفوس آمنت ولم تكسب خيراً في مدّة إيمانها، فهي نفوس مؤمنة، فلا ينفعها ما تكسبه من خير يوم يأتي بعض آيات ربّك. وهذا القسم الثّاني ذو مراتب متفاوتة، لأنّ التّقصير في اكتساب الخير متفاوت، فمنه إضاعة لأعمال الخير كلّها، ومنه إضاعة لبعضها، ومنه تفريط في الإكثار منها. وظاهر الآية يقتضي أن المراد نفوس لم تكسب في إيمانها شيئاً من الخير أي اقتصرت على الإيمان وفرّطت في جميع أعمال الخير. وقد علم من التّقسيم أنّ هذه النّفوس لا ينفعها اكتساب الخير من بعد مجيء الآيات، ولا ما يقوم مقام اكتساب الخير عند الله، وهو ما منّ به على هذه الأمّة من غفران السيّئات عند التّوبة، فالعزم على الخير هو التّوبة، أي العزم على اكتساب الخير، فوقع في الكلام إيجازُ حذف اعتمَاداً على القرينة الواضحة. والتّقدير: لا ينفع نفساً غيرَ مؤمنة إيمانُها أو نفساً لم تكن كسبت خيراً في إيمانها من قبل كسبها، يعني أو ما يقوم مقام كسب الخير، مثل التّوبة فإنَّها بعض اكتساب الخير، وليس المراد أنّه لا ينفع نفساً مؤمنة إيمانُها إذا لم تكن قد كسبت خيراً بحيث يضيع الإيمان إذا لم يقع اكتساب الخير، لأنَّه لو أريد ذلك لما كانت فائدة للتّقسيم، ولكفى أن يقال لا ينفع نفساً إيمانها لم تكسب خيراً، ولأنّ الأدلّة القطعية ناهضة على أن الإيمان الواقع قبل مجيء الآيات لا يُدْحَض إذا فرّط صاحبه في شيء من الأعمال الصّالحة، ولأنَّه لو كان كذلك وسلَّمناه لما اقتضى أكثر من أنّ الّذي لم يفعل شيئاً من الخير عدا أنَّه آمن لا ينفعه إيمانه، وذلك إيجاد قسم لم يقل به أحد من علماء الإسلام. وبذلك تعلم أنّ الآية لا تنهض حجّة للمعتزلة ولا الخوارج الذين أوجبوا خلود مرتكب الكبيرة غير التّائب في النّار، والتّسويةَ بينه وبين الكافر، وإن كان ظاهرُها قبل التأمّل يوهم أنَّها حجّة لهم، ولأنّه لو كان الأمر كما قالوا لصار الدّخول في الإيمان مع ارتكاب كبيرة واحدة عبثاً لا يرضاه عاقل لنفسه، لأنّه يدخل في كلفةِ كثيرٍ من الأعمال بدون جدوى عليه منها، ولكان أهون الأحوال على مرتكب الكبيرة أن يخلع ربقة الإيمان إلى أن يتوب من الأمرين جميعاً. وسخافة هذا اللازم لأصحاب هذا المذهب سخافة لا يرضاها من له نظر ثاقب. والاشتغال بتبيين ما يستفاد من نظم الآية من ضبط الحدّ الذي ينتهي عنده الانتفاع بتحصيل الإيمان وتحصيل أعمال الخير، أجدى من الخوض في لوازم معانيها من اعتبار الأعمال جُزْءاً من الإيمان، لا سيّما مع ما في أصل المعنى من الاحتمال المسقط للاستدلال. فصفة: {لم تكن آمنت من قبل} تحذير للمشركين من التريُّث عن الإيمان خشية أن يبغتهم يومُ ظهور الآيات، وهم المقصود من السّياق. وصفة {أو كسبت في إيمانها خيراً} إدماج في أثناء المقصود لتحذير المؤمنين من الإعراض عن الأعمال الصّالحة. ثمّ إنّ أقوال المفسرين السّالفين، في تصوير هذين القسمين، تفرّقت تفرّقاً يؤذن باستصعاب استخلاص مقصود الآية من ألفاظها، فلم تقارب الإفصاح بعبارة بيّنة، ويجمع ذلك ثلاثة أقوال: الأوّل: عن السدّي، والضحاك: أنّ معنى {كسبت في إيمانها خيراً}: كسبت في تصديقها، أي معه أو في مدّته، عملاً صالحاً، قَالا: وهؤلاء أهلُ القبلة، فإن كانت مُصدّقة ولم تعمل قبل ذلك، أي إتيان بعض آيات الله، فعمِلت بعد أن رأت الآية لم يُقبل منها، وإن عملتْ قبل الآية خيراً ثمّ عملت بعد الآية خيراً قُبل منها. الثّاني: أنّ لفظ القرآن جرى على طريقة التّغليب، لأنّ الأكثر ممّن ينتفع بإيمانه ساعتئذ هو من كسب في إيمانه خيراً. الثّالث: أنّ الكلام إبهام في أحد الأمرين، فالمعنى: لا ينفع يومئذ إيمان من لم يكن آمن قبل ذلك اليوم أو ضمّ إلى إيمانه فعل الخير، أي لا ينفع إيمان من يؤمن من الكفار ولا طاعة من يطيع من المؤمنين. وأمّا من آمن قبل فإنَّه ينفعه إيمانه، وكذلك من أطاع قبلُ نفعته طاعته. وقد كان قوله: {يوم يأتي بعض آيات ربك} بعد قوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك}، مقتصراً على ما يأتي من آيات الله في اليوم المؤجّل له، إعراضاً عن التعرّض لما يكون يوم تأتي الملائكة أو يأتي ربّك، لأنّ إتيان الملائكة، والمعطوف عليه غير محتمَل الوقوع وإنَّما جرى ذكره إبطالاً لقولهم: { أية : أو تأتي باللَّه والملائكة قَبيلاً } تفسير : [الإسراء: 92] ونحوه من تهكّماتهم، وإنَّما الذي يكون ممّا انتظروه هو أن يأتي بعض آيات الله، فهو محلّ الموعظة والتّحذير، وآيات القرآن في هذا كثيرة منها قوله تعالى: { أية : فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } تفسير : [غافر: 85]. وآياتُ اللَّه منها ما يختصّ بالمشركين وهو ما هدّدهم الله به من نزول العذاب بهم في الدّنيا، كما نزل بالأمم من قبلهم، ومنها آيات عامّة للنّاس أجمعين، وهو ما يُعرف بأشراط السّاعة، أي الأشراط الكبرى. وقد جاء تفسير هذه الآية في السنّة بطلوع الشّمس من مغربها. ففي «الصّحيحين» وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : لا تقوم السّاعة حتّى تطلع الشّمس من مغربها فإذا رآها النّاس آمَن مَنْ عليها فذلك حينَ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل »تفسير : . ثمّ قرأ هذه الآية، أي قوله تعالى: {يوم يأتي بعض آيات ربك} ــــ إلى قوله ــــ {خيراً}. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : من تاب قبل طلوع الشّمس من مغربها تاب الله عليه »تفسير : . وفي «جامع التّرمذي»، عن صفوان بن عسال المرادي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : بابٌ مِن قِبل المغرب مفتوح مسيرة عَرضه أربعين سنة (كذا) مفتوح للتَّوبة لا يُغلق حتّى تطلُع الشّمس من مغربها »تفسير : ، قال التّرمذي: حديث صحيح. واعلم أنّ هذه الآية لا تعارض آية سورة النّساء (18): { أية : وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار }: تفسير : لأنّ محمل تلك الآية على تعيين وقت فوات التّوبة بالنّسبة للأحوال الخاصّة بآحاد النّاس، وذلك ما فُسّر في حديث ابن عمر: أنّ رسول الله قال: إنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ رواه التّرمذي، وابن ماجه، وأحمد. (ومعنى يغرغر أن تبلغ روحه أي أنفاسه رأْس حلقه). ومحمل الآية التي نتكلّم فيها تعيين وقت فوات التّوبة بالنّسبة إلى النّاس كافة، وهي حالة يأس النّاس كلّهم من البقاء. وجاء الاستئناف بقوله: {قل انتظروا إنا منتظرون} أمراً للرّسول صلى الله عليه وسلم بأن يهدّدهم ويتوعّدهم على الانتظار، إن كان واقعاً منهم، أو على التريُّثثِ والتّأخّر عن الدّخول في الإسلام الذي هو شبيه بالإنتظار إن كان الانتظار إدّعائياً، بأن يأمرهم بالدّوام على حالهم التي عبّر عنها بالانتظار أمْرَ تهديد، ويخبرهم بأنّ المسلمين ينتظرون نصر الله ونزول العقاب بأعدائهم، أي: دوموا على انتظاركم فنحن منتظرون. وفي مفهوم الصّفتين دلالة على أنّ النّفس التي آمنت قبل مجيء الحساب، وكسبت في إيمانها خيراً، ينفعها إيمانها وعملها. فاشتملت الآية بمنطوقها ومفهومها على وعيد ووعد مُجملين تبيّنهما دلائل الكتاب والسنّة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة إتيان الله جل وعلا وملائكته يوم القيامة، وذكر ذلك في موضع آخر، وزاد فيه أن الملائكة يجيؤون صفوفاً وهو قوله تعالى: {أية : وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} تفسير : [الفجر: 22]، وذكره في موضع آخر، وزاد فيه أنه جل وعلا يأتي في ظلل من الغمام وهو قوله تعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ}تفسير : [البقرة: 210] الآية، ومثل هذا من صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه يمر كما جاء ويؤمن بها، ويعتقد أنه حق، وأنه لا يشبه شيئاً من صفات المخلوقين. فسبحان من أحاط بكل شيء علماً {أية : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}تفسير : [طه: 110].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 158- لقد قامت الحُجة على وجوب الإيمان، ولم يؤمن هؤلاء، فماذا ينتظرون لكى يؤمنوا؟ هل ينتظرون أن تأتيهم الملائكة رسلاً بدل البشرَ، أو شاهدين على صدقك؟ أو أن يأتيهم ربك ليروه، أو يشهد بصدقك؟ أو أن تأتيهم بعض علامات ربك لتشهد على صدقك؟! وعندما تأتى علامات ربك مما يلجئهم إلى الإيمان لا ينفعهم إيمانهم، لأنه إيمان اضطرار، ولا ينفع العاصى أن يتوب ويطيع الآن، فقد انتهت مرحلة التكليف، قل لهؤلاء المعرضين المكذبين: انتظروا أحد هذه الأمور الثلاثة، واستمروا على تكذيبكم، إنا منتظرون حكم الله فيكم. 159- إن الذين فرَّقوا الدين الحق الواحد بالعقائد الزائفة والتشريعات الباطلة، وصاروا بسبب ذلك أحزاباً، تحسبهم جميعاً وقلوبهم مختلفة، لست مؤاخذاً بتفرقهم وعصيانهم ولا تملك هدايتهم، فما عليك إلا البلاغ، والله - وحده - هو الذى يملك أمرهم بالهداية والجزاء، ثم يخبرهم يوم القيامة بما كانوا يفعلونه فى الدنيا ويجازيهم عليه. 160- مَن عمل صالحاً يضاعف له ثوابه إلى عشرة أمثاله فضلا وكرماً، ومَن عمل عملا سيئاً لا يعاقب إلا بمقدار عصيانه، عدلا منه تعالى، وليس هناك ظلم بنقص ثواب أو زيادة عقاب. 161- قل - يا أيها النبى - مبيناً ما أنت عليه من الدين الحق: إن ربى أرشدنى ووفقنى إلى طريق مستقيم، بلغ نهاية الكمال فى الاستقامة، وكان هو الدين الذى اتبعه إبراهيم مائلاً به عن العقائد الباطلة، وما كان إبراهيم يعبد مع الله إلهاً آخر كما يزعم المشركون. 162- قل إن صلاتى وجميع عباداتى، وما آتيه فى حال حياتى من الطاعة، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، كله خالص لوجه الله الذى خلق جميع الموجودات، فاستحق أن يعبد - وحده - وأن يطاع وحده.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بعض آيات ربك: أي علامات الساعة منها طلوع الشمس من مغربها. كسبت في إيمانها خيراً: من الطاعات والقربات. فرقوا دينهم: جعلوه طرائق ومذاهب تتعادى. وكانوا شيعاً: طوائف وأحزاباً. من جاء بالحسنة: أي أتى يوم القيامة بالحسنة التي هي الإِيمان بالله والإِقرار بوحدانيته والعمل بطاعته وطاعة رسوله. ومن جاء بالسيئة: أي بالشرك بالله ومعاصيه. معنى الآيات: بعد ذكر الحجج وإنزال الآيات التي هي أكبر بينة على صحة التوحيد وبطلان الشرك، والعادلون بربهم الأصنام ما زالوا في موقفهم المعادي للحق ودعوته ورسوله فأنزل الله تعالى قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ....} أي ما ينتظرون {إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} لقبض أراوحهم، {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} يوم القيامة لفضل القضاء، {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} الدالة على قرب الساعة كطلوع الشمس من مغربها، إن موقف الإِصرار على التكذيب هو موقف المنتظر لما ذكر تعالى من الملائكة ومجيء الرب تعالى أو مجيء علامات الساعة للفناء. وقوله تعالى {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} الدالة على قرب الساعة وهي طلوع الشمس من مغربها إيذاناً بقرب ساعة الفناء في هذه الحال يخبر تعالى أن نفساً لم تكن آمنت قبل ظهور هذه الآية لو آمنت بعد ظهورها لا يقبل منها إيمانها ولا تنتفع به لأنه أصبح إيماناً اضطرارياً لا اختيارياً، كما أن نفساً آمنت به قبل الآية، ولكن لم تكسب في إيمانها خيراً وأرادت أن تكسب الخير فإن ذلك لا ينفعها فلا تثاب عليه، لأن باب التوبة مفتوح إلى هذا اليوم وهو يوم طلوع الشمس من مغربها فإنه يغلق. وقوله تعالى: {قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} يأمر الله رسوله أن يقول لأولئك العادلين بربهم المصرين على الشرك والتكذيب: ما دمتم منتظرين انتظروا إنا منتظرون ساعة هلاككم فإنها آتية لا محالة. هذا ما تضمنته الآية الأولى [158] أما الآيتان بعدها فإن الله تعالى أخبر رسوله بأن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً أي طوائف وأحزاباً وفرقاً مختلفة كاليهود والنصارى، ومن يبتدع من هذه الأمة بدعاً فيتابع عليها فيصبحون فرقاً وجماعات ومذاهب مختلفة متطاحنة متحاربة هؤلاء {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} أي أنت بريء منهم، وهم منك بريئون، وإنما أمرهم إلى الله تعالى هو الذي يتولى جزاءهم فإنه سيجمعهم يوم القيامة ثم ينبئهم بما كانوا يعملون من الشر والخير {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} من قبلنا فلا ننقص المحسن منهم حسنة من حسناته، ولا نضيف إلى سيئآته سيئة ما عملها، هذا حكم الله فيهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- إثبات صفة الإِتيان في عرصات القيامة للرب تبارك وتعالى لفصل القضاء. 2- تقرير أشراط الساعة وإن طلوع الشمس منها وأنها متى ظهرت أغلق باب التوبة. 3- حرمة الفرقة في الدين وأن اليهود والنصارى فرقوا دينهم وأن أمة الإِسلام أصابتها الفرقة كذلك بل وهي أكثر لحديث وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة. 4- براءة الرسول صلى الله عليه وسلم ممن فرقوا دينهم وترك الأمر لله يحكم بينهم بحكمة العادل. 5- مضاعفة الحسنات، وعدم مضاعفة السيئات عدل مِن الله ورحمة.
القطان
تفسير : بعد أن بين الله تعالى انه انما انزل الكتاب ازالةً للعذر، وهدى ورحمة للناس، بيّن هنا انه لا أمل في إيمان هؤلاء المعانِدين. ماذا ينتظرون؟ لقد قامت الحُجَّة على وجوب الايمان ولم يفعلوا! فماذا ينتظرون!! هل ينتظرون ان تأتيهم الملائكة رُسلاً بدل البشَر؟ او ينتظرون شاهدين على صدقك؟ او ان يأتيهم ربك ليروه عيانا، او يشهد بصدقك؟ او ان تأتيهم بعض علامات ربك لنفس الغرض؟ ثم يشير الى تماديهم في تكذيب آيات الله، وعدم اعتدادهم بها،وانه لا امل في ايمانهم البتة. {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً..}. وعندما تأتي علامات ربك ما تُلجئهم الى الايمان لن ينفعهم إيمانهم حينئذٍ، اذ يكون قد فات الأوان، وانتهت مرحلة التكليف، فلا ينفع العاصي ان يتوب. قل لهؤلاء المعرضين المكذبين: انتظروا احد هذه الامور الثلاثة، واستمروا على تكذيبكم، انا منتظرون حكم الله فيكم. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "يأتيهم الملائكة" بالياء والباقون "تأتيهم" بالتاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمَلاۤئِكَةُ} {آيَاتِ} {إِيمَانُهَا} {آمَنَتْ} (158) - يَتَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى الكَافِرِينَ بِهِ، وَالمُخَالِفِينَ لِرُسُلِهِ، وَالمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِهِ، وَالصَّادِّينَ عَنْ سَبِيلِهِ، فَيَقُولُ: مَاذَا يَنْتَظِرُ هَؤُلاَءِ لِيُؤْمِنُوا؟ هَلْ يَنْتَظِرُونَ مَلاَئِكَةَ المَوْتِ لِتَأْتِيَهُمْ لِقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ؟ أَوْ هَلْ يَنْتَظِرُونَ قِيَامَ السَّاعَةِ حِينَ يَأْتِي اللهُ وَالمَلاَئِكَةُ، أَوْ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَعْضُ آيَاتِ اللهِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَهِيَ الآيَاتُ المُوجِبَةُ للإِيْمَانِ الاضْطِرارِيِّ، حِينَ يَرَوْنَ شَيئاً مِن أَشْراطِ السَّاعَةِ. (وَفِي الحَدِيثِ: "حديث : لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطُلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيها"تفسير : - أَيْ مَنْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنَ البَشَرِ). (رَوَاهُ البُخَارِي). وَيَقُولُ تَعَالَى: إنَّهُ فِي ذَلِكَ الحِينَ لاَ يَنْفَعُ النَّفْسَ إِيمَانُهَا، إذَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، فَإِذا آمَنَ الكَافِرُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ فَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُ إِيمَانُهُ، أَمَّا مَنْ آمَنَ مِنْ قَبْلُ، فَإِنْ كَانَ مُصْلِحاً فِي عَمَلِهِ فَهُوَ بِخَيرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصْلِحاً، فَأَحْدَثَ تَوْبَةً حِينَئِذٍ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ تَوْبَتُهُ. وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى مَنْ يُسَوِّفُ إِيمَانَهُ وَتَوْبَتَهُ إِلَى وَقْتٍ لاَ يَنْفَعُهُ فِيهِ ذَلِكَ فَيَقُولُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: انْتَظِرُوا إِنّي مُنْتَظِرٌ مَعَكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فهل ينتظرون من عطاءات الوجود المحيط بهم إلا أن تأتيهم الملائكة التي تقبض الروح؟ والملائكة تأتي هنا مجملة. وفي آيات أخرى يقول: {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ...} تفسير : [النحل: 28] ولن يتأبى أحد على الملائكة؛ لذلك يلقون لهم السلم وتنتهي المسألة. ويتابع سبحانه: {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} [الأنعام: 158] ووقف العلماء عند هذا القول الكريم لأنهم أرادوا أن يفسروا الإتيان من الرب على ضوء الأتيان منا، والأتيان منا يقتضي انخلاعاً من مكان كان الإنسان فيه إلى مكان يكون فيه، وهذا الأمر لا يصلح مع الله, ونقول: أفسرت كل مجيء على ضوء المجيء بالنسبة لك؟ بالله قل لي: ما رأيك في قوله تعالى: {أية : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ...} تفسير : [ق: 19] كيف جاءت سكرة الموت وهي المخلوقة لله؟ إننا لا نعرف كيف يجيء الموت وهو مخلوق؟ فكيف تريدون أن نعرف كيف يجيء الله؟. عليكم أن تفسروا كل شيء بالنسبة لله بما يليق بذات الله في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ولنتأذب ونعط العقول مقدارها من الفهم، ولنجعل كل شيء منسوباً لله بما يناسب ذات الله؛ لأن المجيء يختلف بأقدار الجائين، فمجيء الطفل غير مجيء الشاب، غير مجيء الرجل العجوز، غير مجيء الفارس، فما بالنا بمجيء الله سبحانه؟!! إياك - إذن - أن تفهم المجيء على ضوء مجيء البشر. وأكررها دائماً: عليك أن تأخذ كل شيء بالنسبة له سبحانه لا بقانونك أنت، ولكن بقانون الذات الأعلى، واجعل كل ما يخصه في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، ولذلك قل: له سمْع ليس كسمعنا، وبصر ليس كبصرنا، ويد ليست كايدينا، في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. وإياكم أن تسمعوا مناقشة في قوله: {يَأْتِيَ رَبُّكَ}. وقل إن إتيان الله ومجيئه ليس كفعل البشر، بل سبحانه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}. و {بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}، هي العلامات، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بَادِرُوا بالأعمال سِتًّا: طلوعَ الشمس من مغربها، والدُّخَان، ودابَّةَ الأرض، والدَّجَّالَ، وخُوَيْصَةً أحَدِكُمْ وأمْرَ العامّة ". تفسير : و "خُويْصَةُ أحدكم" تصغير: خاصة، والمراد حادثة الموت التي تخص الإنسان، وصغّرت لاستصغارها في جنب سائر العظائم من بعث وحساب وغيرهما وقيل: هي ما يخص الإِنسان من الشواغل المقلقة من نفسه وماله وما يهتم به. و "أمر العامّة": أي القيامة؛ لأنها تعم الخلائق، أو الفتنة التي تعمي وتصم، أو الأمر الذي يستبد به العوام ويكون من قبلهم دون الخواص. {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ} [الأنعام: 158] لأن الإيمان لا يكون إلا بأمر غيبي؛ فكل أمر مشهدي مدرك بالحواس لا يسمى إيماناً؛ فأنت لا تقول: انا أؤمن بأني أقرأ الآن في كتاب خواطر الشيخ الشعراوي حول آيات القرآن الكريم؛ لأنك بالفعل تقرأ هذه الخواطر الآن. وأنت لا تقول: أنا أؤمن بأن النور يضيء الحجرة؛ لأن هذا أمر مشهدي، وليس أمراً غيبيًّا. والإِيمان يكون دائماً بأمر غيبي، ولكن إذا جاءت الآيات فإننا ننتقل من الإِيمان بالأمر الغيبي إلى الإِيمان بالأمر الحسي، وحينئذ لا ينفع الإِيمان من الكافر، ولا تقبل الطاعة من صدقة أو غيرها من أنواع البر والخير بعد أن تبلغ الروح الحلقوم وتقول: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان. هذا لا ينفع؛ لأن المال لم يعد مَالَك، بل صار مال الورثة، كذلك الذي لم يؤمن وبعد ذلك رأى الآيات الستة التي قال الشارع عنها: إنها ستحدث بين يدي الساعة أو قبل مجيء الساعة. وساعة ترى هذه الآيات لن يُقبل منك أن تقول: آمنت؛ لأن الإِيمان إنما يكون بالأمر الغيبي، وظهور الآيات هو أمر مشهدي فلن يُقبل بعده إعلان الإِيمان. والحق هو القائل: {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً} [الأنعام: 158] أي أن الإِيمان يجب أن يكون سابقاً لظهور هذه الآيات، وألا يكون المانع له من العمل القصور، كأن يكون الإِنسان- والعياذ بالله- مجنوناً ولم يفق إلا بعد مجيء العلامة، أو لم يَبْلُغ إلا بعد وجود العلامة فهذا هو من ينفعه الإِيمان. وقد عرض الحق لنا من هذه الصور ما حدث في التاريخ السابق، فهو القائل: {أية : وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [يونس: 90] وماذا كان رد الله عليه؟ لقد قال سبحانه: {أية : آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ...} تفسير : [يونس: 91] إذن: إذا بلغت الروح الحلقوم، وهذه مقدمات الموت فلا ينفع حينئذ إعلانك الإيمان. ويذيل الحق الآية بقوله: {...ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ} [الأنعام: 158] هم منتظرون الخيبة ونحن منتظرون الفلاح. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} معناهُ تَنتَظرُونَ. قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} قالَ: المَوتُ: {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} قال: القِيامةُ {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} قالَ: هُوَ طُلُوعُ الشَّمسِ مِن مَغْرِبِهَا.
الجيلاني
تفسير : {هَلْ يَنظُرُونَ} أي: ما ينتظرون ويسوفون أمر الإيمان {إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} أي: ملائكة العذاب كما أتوا الأمم الماضية فتلجئهم إلأيه {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} أي: يطلبون إيتان ربك عناداً كما طلب اليهود حين قالوا: {أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153] {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} الدالة على انقضاء النشأة الأولى المسمى بأشراط الساعة، وبالجملة: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا} لكونها ملجئة إليه حين اضطرارها، ولا عبرة للإيمان حين البأس والإلجاء؛ إذ الإيمان تعبدي برهاني اختياري {لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ} أي: نفساً لم تكن آمنت قبل ظهور المجلئ {أَوْ} لم تكن {كَسَبَتْ} وإن آمنت {فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً} مقبولاً عند الله {قُلِ} للمنتظرين استهزاءاً: {ٱنتَظِرُوۤاْ} إلى ما تخيلتم وتوهمتم {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} [الأنعام: 158] أيضاً إلى حلول الوقت المعلوم ونزول العذاب فيه عليكم بكفركم وشرككم. ثم قال سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} الذي يوصلهم إلى التوحيد الإلهي بلا منازعة ومخالفة {وَكَانُواْ شِيَعاً} أي: صاروا فرقاً مختلفة متحزبة متعصبة ما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية، وافترقت النصارى إلى اثنين واسبعين فرقة كلها في الهاوية إلى واحدة وهي الناجية، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلى واحدة ". تفسير : {لَّسْتَ} يا أكمل الرسل {مِنْهُمْ} أي: من شأنهم وإصلاحهم {فِي شَيْءٍ} بل {إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ} حين عركضوا وحشروا نحوه {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم} ويخبرهم {بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159] في النشأة الأولى التي هي دار الابتلاء. وبالجملة: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ} فيها {فَلَهُ} على مقتضى الفضل الإلهي {عَشْرُ أَمْثَالِهَا} امتناناً عليه وجزاء له {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} فيها {فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا} على مقتضى العدل الإلهي {وَهُمْ} في جزاء السيئة {لاَ يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160] بالزيادة؛ إذ لا ظلم في ذلك اليوم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: هل ينظر هؤلاء الذين استمر ظلمهم وعنادهم، { إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ } مقدمات العذاب، ومقدمات الآخرة بأن تأتيهم { الْمَلائِكَة } لقبض أرواحهم، فإنهم إذا وصلوا إلى تلك الحال، لم ينفعهم الإيمان ولا صالح الأعمال. { أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ } لفصل القضاء بين العباد، ومجازاة المحسنين والمسيئين. { أَوْ يَأْتِي َبَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } الدالة على قرب الساعة. { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } الخارقة للعادة، التي يعلم بها أن الساعة قد دنت، وأن القيامة قد اقتربت. { لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا } أي: إذا وجد بعض آيات الله لم ينفع الكافر إيمانه أن آمن، ولا المؤمنَ المقصر أن يزداد خيرُه بعد ذلك، بل ينفعه ما كان معه من الإيمان قبل ذلك، وما كان له من الخير المرجوِّ قبل أن يأتي بعض الآيات. والحكمة في هذا ظاهرة، فإنه إنما كان الإيمان ينفع إذا كان إيمانا بالغيب، وكان اختيارا من العبد، فأما إذا وجدت الآيات صار الأمر شهادة، ولم يبق للإيمان فائدة، لأنه يشبه الإيمان الضروري، كإيمان الغريق والحريق ونحوهما، ممن إذا رأى الموت، أقلع عما هو فيه كما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ } . تفسير : وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد ببعض آيات الله طلوع الشمس من مغربها وأن الناس إذا رأوها آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم ويُغلق حينئذ بابُ التوبة. ولما كان هذا وعيدا للمكذبين بالرسول صلى الله عليه وسلم منتظرا وهم ينتظرون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه قوارع الدهر ومصائب الأمورقال { قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ } فستعلمون أينا أحق بالأمن. وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى كالاستواء والنزول والإتيان لله تبارك وتعالى من غير تشبيه له بصفات المخلوقين. وفي الكتاب والسنة من هذا شيء كثير وفيه أن من جملة أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها وأن الله تعالى حكيم قد جرت عادته وسنته أن الإيمان إنما ينفع إذا كان اختياريا لا اضطراريا كما تقدم. وأن الإنسان يكتسب الخير بإيمانه فالطاعة والبر والتقوى إنما تنفع وتنمو إذا كان مع العبد الإيمان فإذا خلا القلب من الإيمان لم ينفعه شيء من ذلك.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 278 : 17 : 6 - سفين عن منصور عن أبي الضحى عن عبد الله {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ} قال، طلوع الشمس معها القمر كالبعيرين القرينين. [الآية 158].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ} [158] 196- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس بن عبيد، عن إبراهيم التيميِّ، عن أبيه، عن أبي ذر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟" قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "فإنها تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي فاطلعي من مغربك، فتطلع من مغربها" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ماذاكم؟ ذاك حين {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ} الآية ". تفسير : 197- أنا أحمد بن حرب، نا ابن فضيل، عن عمارة، عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم / يقول: "حديث : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمن من عليها فذاك حين {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ} ". تفسير : 198- نا محمد بن النضر بن مساور، نا حماد، عن عاصم، عن زِرٍّ قال: أتيت صفوان بن عسَّال المُرَاديَّ قلت: حديث : هل حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهوى حديثا؟ قال: نعم، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر - قد سماه عاصم - إذ ناداه رجل كان في أُخريات القوم بصوت له جهوري جِلْف جَافي، فقال: يا محمد، يا محمد، فقال له القوم: مَهْ إنك نهيت عن هذا، فأجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم على نحو من صوته: هاؤُمُ هاؤُمُ، فقال: الرجل يحب القوم، ولمَّا يلحق بهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرءُ مع من أحب ". تفسير : فما برح يحدثنا حتى حدثنا أن الله جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما للتوبة، لا يُغلق ما لم تطلع الشمس من قِبَله قال: "وذلك قول الله عز وجل {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً}". 199- أنا علي بن خَشْرَم، أنا عيسى، عن عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه ". تفسير : 200- أنا أبو صالح المكِّي، نا فضيل، عن الأعمش، عن عمرو بن مرَّة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تبارك وتعالى باسط يده لِمُسيء الليل ليتوب بالنهار، ولِمُسيء النهار ليتوب بالليل حتى تطلع الشمس من مغربها ".
همام الصنعاني
تفسير : 869- حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن الأَشْعَثِ بْنِ الشَّعْثَاءِ، عن أبيه، عن أبي مسعودٍ، في قوله تعالى: {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا ...}: [الآية: 158]، قال: لا تزال التوبة مبسوطة ما لم تطلع الشمس مِنْ مغربها. 875- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ}: [الآية: 158] قالأ: تأتيهم الملائكة بالموت أو يأتي ربك يوم القيامة، أو يأتي بعض آيات ربك. قال: آية موجبة طلوعَ الشمس من مغْرِبَها، أو ما شاء الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):