Verse. 948 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ فَرَّقُوْا دِيْنَہُمْ وَكَانُوْا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْہُمْ فِيْ شَيْءٍ۝۰ۭ اِنَّمَاۗ اَمْرُہُمْ اِلَى اللہِ ثُمَّ يُنَبِّئُہُمْ بِمَا كَانُوْا يَفْعَلُوْنَ۝۱۵۹
Inna allatheena farraqoo deenahum wakanoo shiyaAAan lasta minhum fee shayin innama amruhum ila Allahi thumma yunabbiohum bima kanoo yafAAaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين فرَّقوا دينهم» باختلافهم فيه فأخذوا بعضه وتركوا بعضه «وكانوا شيعا» فرقا في ذلك، وفي قراءة فارقوا أي تركوا دينهم الذي أمروا به وهم اليهود والنصارى «لست منهم في شيء» أي فلا تتعرض لهم «إنما أمرهم إلى الله» يتولاه «ثم ينبِّئهم» في الآخرة «بما كانوا يفعلون» فيجازيهم به وهذا منسوخ بآيه السيف.

159

Tafseer

الرازي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي {فارقوا} بالألف والباقون {فَرَّقُواْ } ومعنى القراءتين عند التحقيق واحد لأن الذي فرق دينه بمعنى أنه أقر ببعض وأنكر بعضاً، فقد فارقه في الحقيقة، وفي الآية أقوال: القول الأول: المراد سائر الملل. قال ابن عباس: يريد المشركين بعضهم يعبدون الملائكة ويزعمون أنهم بنات الله، وبعضهم يعبدون الأصنام، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فهذا معنى فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، أي فرقاً وأحزاباً في الضلالة. وقال مجاهد وقتادة: هم اليهود والنصارى، وذلك لأن النصارى تفرقوا فرقاً، وكفر بعضهم بعضاً، وكذلك اليهود، وهم أهل كتاب واحد، واليهود تكفر النصارى. والقول الثاني: أن المراد من الآية أخذوا ببعض وتركوا بعضاً، كما قال تعالى: {أية : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } تفسير : [البقرة: 85] وقال أيضاً: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ}تفسير : [النساء: 150]. والقول الثالث: قال مجاهد: إن الذين فرقوا دينهم من هذه الأمة، هم أهل البدع والشبهات واعلم أن المراد من الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة، وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع وقوله: {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء } فيه قولان: الأول: أنت منهم بريء وهم منك برآء وتأويله: إنك بعيد عن أقوالهم ومذاهبهم، والعقاب اللازم على تلك الأباطيل مقصور عليهم ولا يتعداهم. والثاني: لست من قتالهم في شيء. قال السدي: يقولون لم يؤمر بقتالهم، فلما أمر بقتالهم نسخ، وهذا بعيد، لأن المعنى لست من قتالهم في هذا الوقت في شيء، فورد الأمر بالقتال في وقت آخر لا يوجب النسخ. ثم قال: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ } أي فيما يتصل بالإمهال والإنظار، والاستئصال والإهلاك {ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } والمراد الوعيد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} قرأه حمزة والكِسائي فارقوا بالألف، وهي قراءة عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه؛ من المفارقة والفراق. على معنى أنهم تركوا دينهم وخرجوا عنه. وكان عليّ يقول: واللَّهِ ما فرّقوه ولكن فارقوه. وقرأ الباقون بالتشديد؛ إلاَّ النَّخَعِيّ فإنه قرأ «فَرَقوا» مُخَفَّفاً؛ أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض. والمراد اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسُّدِّي والضّحاك. وقد وصفُوا بالتفرق؛ قال الله تعالىٰ: {أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ}تفسير : [البينة: 4]. وقال: {أية : وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ}تفسير : [النساء: 150]. وقيل: عنى المشركين، عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة. وقيل: الآية عامّة في جميع الكفار. وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر الله عزّ وجل به فقد فرّق دينه. وروى أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} هم أهل البدع والشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأُمة. وروى بَقِيّة بن الوليد حدّثنا شعبة بن الحجاج حدّثنا مُجالد عن الشَّعْبِيّ عن شُريح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «حديث : إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شِيعاً إنما هم أصحابُ البِدَع وأصحابُ الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأُمة، يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة وأنا بريء منهم وهم منا برآء»تفسير : . وروى ليث بن أبي سليم عن طاوس عن أبي هريرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ «إنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ». ومعنى {شِيَعاً} فِرقاً وأحزاباً. وكل قوم أمْرُهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شِيع. {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} فأوجب براءته منهم؛ وهو كقوله عليه السَّلام: «حديث : مَن غَشّنا فليس منا» تفسير : أي نحن برآء منه. وقال الشاعر:شعر : إذا حاولتَ في أَسَد فُجوراً فإني لستُ منك ولستَ مِنّي تفسير : أي أنا أبرأ منك. وموضع «فِي شَيْءٍ» نصب على الحال من المضمر الذي في الخبر؛ قاله أبو عليّ. وقال الفراء: هو على حذف مضاف، المعنى لست من عقابهم في شيء، وإنما عليك الإنذار. {إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ} تعزية للنبيّ صلى الله عليه وسلم.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} بددوه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، أو افترقوا فيه قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إفترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة»تفسير : وقرأ حمزة والكسائي «فارقوا» أي باينوا. {وَكَانُواْ شِيَعاً } فرقاً تشيع كل فرقة إماماً. {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء} أي من السؤال عنهم وعن تفرقهم، أو من عقابهم، أو أنت بريء منهم. وقيل هو نهي عن التعرض لهم وهو منسوخ بآية السيف. {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ} يتولى جزاءهم. {ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} بالعقاب.

ابن كثير

تفسير : قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا}: وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فتفرقوا، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ} الآية، وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمر السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، كتب إلي عباد بن كثير، حدثنا ليث عن طاوس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ} وليسوا منك، هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة. لكن هذا إسناد لا يصح؛ فإن عباد بن كثير متروك الحديث، ولم يختلق هذا الحديث، ولكنه وهم في رفعه؛ فإنه رواه سفيان الثوري عن ليث، وهو ابن أبي سليم، عن طاوس عن أبي هريرة في الآية أنه قال: نزلت في هذه الأمة. وقال أبو غالب عن أبي أمامة في قوله: {وَكَانُواْ شِيَعًا} قال: هم الخوارج، وروي عنه مرفوعاً، ولا يصح. وقال شعبة عن مجالد، عن الشعبي، عن شريح، عن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: «حديث : {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا} - قال: -هم أصحاب البدع» تفسير : وهذا رواه ابن مردويه، وهو غريب أيضاً، ولا يصح رفعه، والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله، وكان مخالفاً له؛ فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه، {وَكَانُواْ شِيَعًا} أي: فرقاً؛ كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى قد برأ رسول الله صلى الله عليه وسلم مما هم فيه، وهذه الآية كقوله تعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلِدِينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِىۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا} تفسير : [الشورى: 13] الآية. وفي الحديث: «حديث : نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد» تفسير : فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل؛ من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك، فضلالات وجهالات وآراء وأهواء، والرسل برآء منها؛ كما قال الله تعالى: {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ}. وقوله تعالى: {إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّـٰبِئِينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ} تفسير : [الحج: 17] الآية. ثم بين لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة فقال تعالى:

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } باختلافهم فيه فأخذوا بعضه وتركوا بعضه {وَكَانُواْ شِيَعاً } فرقاً في ذلك. وفي قراءة «فارقوا» أي تركوا دينهم الذي أمروا به وهم اليهود والنصارى {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ } أي فلا تتعرّض لهم {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ } يتولاه {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم } في الآخرة {بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } فيجازيهم به، وهذا منسوخ بآية السيف[5:9].

الشوكاني

تفسير : قرأ حمزة والكسائي «فارقوا دينهم» وهي قراءة عليّ بن أبي طالب أي تركوا دينهم وخرجوا عنه. وقرأ الباقون {فرّقوا} بالتشديد إلا النخعي فإنه بالتخفيف. والمعنى: أنهم جعلوا دينهم متفرّقاً فأخذوا ببعضه، وتركوا بعضه. قيل المراد بهم: اليهود والنصارى. وقد رود في معنى هذا في اليهود قوله تعالى: {أية : وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيّنَةُ } تفسير : [البينة: 4]. وقيل المراد بهم: المشركون، عبد بعضهم الصنم، وبعضهم الملائكة. وقيل الآية عامة في جميع الكفار، وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر به الله، وهذا هو الصواب، لأن اللفظ يفيد العموم، فيدخل فيه طوائف أهل الكتاب، طوائف المشركين، وغيرهم ممن ابتدع من أهل الإسلام، ومعنى {شيعاً} فرقاً وأحزاباً، فتصدق على كل قوم كان أمرهم في الدين واحداً مجتمعاً، ثم اتبع كل جماعة منهم رأى كبير من كبرائهم، يخالف الصواب ويباين الحق {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء } أي لست من تفرّقهم، أو من السؤال عن سبب تفرّقهم والبحث عن موجب تحزبهم في شيء من الأشياء، فلا يلزمك من ذلك شيء، ولا تخاطب به، إنما عليك البلاغ، وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من غشنا فليس منا» تفسير : أي نحن برآء منه، وموضع: {فِي شَىْء } نصب على الحال. قال الفراء: هو على حذف مضاف، أي لست من عقابهم في شيء، وإنما عليك الإنذار، ثم سلاه الله تعالى بقوله: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ } فهو مجاز لهم بما تقتضيه مشيئته والحصر، بإنما هو في حكم التعليل لما قبله، والتأكيد له "ثُمَّ" هو يوم القيامة {يُنَبّئُهُمُ } أي يخبرهم بما ينزله بهم من المجازاة {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الأعمال التي تخالف ما شرعه الله لهم، وأوجبه عليهم، وهذه الآية من جملة ما هو منسوخ بآية السيف. قوله: {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } لما توعد سبحانه المخالفين له بما توعد، بين عقب ذلك مقدار جزاء العاملين بما أمرهم به الممتثلين لما شرعه لهم، بأن من جاء بحسنة واحدة من الحسنات فله من الجزاء عشر حسنات، والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها، فأقيمت الصفة مقام الموصوف. قال أبو علي الفارسي: حسن التأنيث في عشر أمثالها، لما كان الأمثال مضافاً إلى مؤنث، نحو ذهبت بعض أصابعه. وقرأ الحسن وسعيد بن جبير والأعمش "فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا" برفعهما. وقد ثبت هذا التضعيف في السنة بأحاديث كثيرة، وهذا التضعيف هو أقلّ ما يستحقه عامل الحسنة. وقد وردت الزيادة على هذا عموماً وخصوصاً، ففي القرآن كقوله: {أية : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ } تفسير : [البقرة: 261]. وورد في بعض الحسنات، أن فاعلها يجازى عليها بغير حساب، وورد في السنة المطهرة تضعيف الجزاء إلى ألوف مؤلفة. وقد قدمنا تحقيق هذا في موضعين من هذا التفسير، فليرجع إليهما. {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ } من الأعمال السيئة {فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَهَا } من دون زيادة عليها على قدرها في الخفة والعظم، فالمشرك يجازى على سيئة الشرك بخلوده في النار، وفاعل المعصية من المسلمين يجازى عليها بمثلها، مما ورد تقديره من العقوبات، كما ورد بذلك كثير من الأحاديث المصرّحة بأن من عمل كذا فعليه كذا، وما لم يرد لعقوبته تقدير من الذنوب، فعلينا أن نقول يجازيه الله بمثله، وإن لم نقف على حقيقة ما يجازى به، وهذا إن لم يتب، أما إذا تاب و غلبت حسناته سيئاته، أو تغمده الله برحمته، وتفضل عليه بمغفرته، فلا مجازاة، وأدلة الكتاب والسنة مصرّحة بهذا تصريحاً لا يبقى بعده ريب لمرتاب، {وَهُمْ } أي من جاء بالحسنة ومن جاء بالسيئة {لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص ثواب حسنات المحسنين، ولا بزيادة عقوبات المسيئين. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: اختلفت اليهود والنصارى قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم فتفرقوا، فلما بعث محمد أنزل عليه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } الآية. وأخرج النحاس، عنه في ناسخه {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } قال: اليهود والنصارى، تركوا الإسلام والدين الذي أمروا به {وَكَانُواْ شِيَعاً } فرقاً أحزاباً مختلفة {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء } نزلت بمكة ثم نسخها {أية : وَقاتلوا ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 36]. وأخرج أبو الشيخ عنه {وَكَانُواْ شِيَعاً } قال: مللاً شتى. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي هريرة، في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } الآية قال: هم في هذه الأمة. وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير، والطبراني، والشيرازي في الألقاب، وابن مردويه، عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال: "حديث : هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة"تفسير : ، وفي إسناده عبد بن كثير، وهو متروك الحديث، ولم يرفعه غيره، ومن عداه وقفوه على أبي هريرة. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي أمامة في الآية قال: هم الحرورية، وقد رواه ابن أبي حاتم، والنحاس، وابن مردويه، عن أبي غالب عن أبي أمامة مرفوعاً ولا يصح رفعه. وأخرج الحكيم الترمذي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن شاهين، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، وأبو نصر السجزي في الإبانة، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: «حديث : يا عائشة {إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً} هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ليست لهم توبة، يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة وهم مني برآء»تفسير : . قال ابن كثير: هو غريب ولا يصح رفعه. وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } قال رجل من المسلمين: يا رسول الله، لا إله إلا الله حسنة؟ قال: "حديث : نعم، أفضل الحسنات"تفسير : ، وهذا مرسل ولا ندري كيف إسناده إلى سعيد؟ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم، في الحلية، عن ابن مسعود {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ }. قال: لا إله إلا الله. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، مثله. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة، مثله أيضاً. وقد قدّمنا الإشارة إلى أنها قد ثبتت الأحاديث الصحيحة بمضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها، فلا نطيل بذكرها، ووردت أحاديث كثيرة في الزيادة على هذا المقدار، وفضل الله واسع، وعطاؤه جمّ.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمُ وَكَانُواْ شِيَعاً} فيهم أربعة أقاويل: أحدها: أنهم اليهود خاصة، قاله مجاهد. والثاني: اليهود والنصارى، قاله قتادة. والثالث: أنهم جميع المشركين، قاله الحسن. والرابع: أهل الضلالة من هذه الأمة، قاله أبو هريرة. وفي تفريقهم الذي فرقوه قولان: أحدهما: أنه الدين الذي أمر الله به، فرقوه لاختلافهم فيه باتباع الشبهات. والثاني: أنه الكفر الذي كانوا يعتقدونه ديناً لهم. ومعنى قوله: {وَكَانُواْ شيَعاً} يعني فرقاً. ويحتمل وجهاً آخر: أن يكون الشيع المتفقين على مشايعة بعضهم لبعض، وهو الأشبه، لأنهم يتمالأون على أمر واحد مع اختلافهم في غيره. وفي أصله وجهان: أحدهما: أصله الظهور، من قولهم شاع الخبر إذا ظهر. والثاني: أصله الاتباع، من قولهم شايعه على الأمر إذا اتبعه، قاله الزجاج. ثم قال تعالى: {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} فيه قولان: أحدهما: لست من قتالهم في شيء، ثم نسخها بسورة التوبة، قاله الكلبي. والثاني: لست من مخالطتهم في شيء، نَهْيٌ لنبيه صلى الله عليه وسلم عن مقاربتهم، وأمر له بمباعدتهم، قاله قتادة، كما قال النابغة: شعر : إذا حاولت في أسد فجوراً فإني لست منك ولست مني.

ابن عطية

تفسير : قال ابن عباس والصحاب وقتادة: المراد اليهود والنصارى أي فرقوا دين إبراهيم الحنيفية، وأضيف الذين إليهم من حيث كان ينبغي أن يلتزموه، إذ هو دين الله الذي ألزمه العباد، فهو دين جميع الناس بهذا الوجه ووصفهم "بالشيع" إذ كل طائفة منهم لها فرق واختلافات، ففي الآية حض لأمة محمد على الائتلاف وقلة الاختلاف، وقال أبو الأحوص وأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: الآية في أهل البدع والأهواء والفتن ومن جرى مجراهم من أمة محمد، أي فرقوا دين الإسلام، وقرأ علي بن أبي طالب وحمزة والكسائي "فارقوا" ومعناه تركوا، ثم بيّن قوله {وكانوا شيعاً} أنهم فرقوه أيضاً، والشيع جمع شيعة وهي الفرقة على مقصد ما يتشايعون عليه، وقوله {لست منهم في شيء} أي لا تشفع لهم ولا لهم بك تعلق، وهذا على الإطلاق في الكفار وعلى جهة المبالغة في العصاة والمتنطعين في الشرع، لأنهم لهم حظ من تفريق الدين، وقوله {إنما أمرهم إلى الله} إلى آخر الآية وعيد محض، والقرينة المتقدمة تقتضي أن أمرهم إلى الله فيه وعيد، كما أن القرينة في قوله {أية : فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله} تفسير : [البقرة:275] تعطي أن في ذلك الأمر رجاء كأنه قال وأمره في إقبال وإلى خير، وقرأ النخعي والأعمش وأبو صالح "فرَقوا" بتخفيف الراء وقال السدي هذه آية لم يؤمر فيها بقتال وهي منسوخة بالقتال. قال القاضي أبو محمد: وهذا كلام غير متقن فإن الآية خبر لا يدخله نسخ ولكنها تضمنت بالمعنى أمراً بموادعة فيشبه أن يقال إن النسخ وقع في ذلك المعنى الذي تقرر في آيات أخر. وقوله تعالى: {من جاء بالحسنة} الآية. قال أبو سعيد الخدري وعبد الله بن عمر: هذه الآية نزلت في الأعراب الذين آمنوا بعد الهجرة فضاعف الله حسناتهم للحسنة عشر. وكان المهاجرون قد ضوعف لهم الحسنة سبعمائة. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل يحتاج إلى سند يقطع العذر، وقالت فرقة: هذه الآية لجميع الأمة، أي إن الله يضاعف الحسنة بعشرة ثم بعد هذا المضمون قد يزيد ما يشاء، وقد يزيد أيضاً على بعض الأعمال كنفقة الجهاد، وقال ابن مسعود ومجاهد والقاسم بن أبي بزة وغيرهم: "الحسنة" لا إله إلا الله "والسيئة" الكفر. قال القاضي أبو محمد: وهذه هي الغاية من الطرفين، وقالت فرقة: ذلك لفظ عام في جميع الحسنات والسيئات، وهذا هو الظاهر. وأنث لفظ "العشر" لأن الأمثال ها هنا بالمعنى حسنات، ويحتمل أن الأمثال أنث لما أضيفت إلى مؤنث، وهو الضمير كما قال الشاعر: [الطويل] شعر : مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِمَاحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيهَا مَرّ الرياح النواسم تفسير : فأنث وقرأ الحسن وسعيد بن جبير وعيسى بن عمر والأعمش ويعقوب "فله عشرٌ" بالتنوين "أمثالُها" بالرفع. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : الأعمال ست موجبة وموجبة ومضعفة ومضعفة ومثل ومثل، فلا إله إلا الله توجب الجنة. والشرك يوجب النار، ونفقة الجهاد تضعف سبعمائة ضعف، والنفقة على الأهل حسنتها بعشرة، والسيئة جزاؤها مثلها، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة مثلها تفسير : ، وقوله تعالى: {لا يظلمون} أي لا يوضع في جزائهم شيء في غير موضعه، وتقدير الآية من جاء بالحسنة فله ثواب عشر أمثالها، والمماثلة بين الحسنة والثواب مترتبة إذا تدبرت، وقال الطبري قوله {من جاء بالحسنة} الآية، يريد من الذين فرقوا دينهم أي من جاء مؤمناً فله الجنة. قال القاضي أبو محمد: والقصد بالآية إلى العموم في جميع العالم أليق باللفظ.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} اليهود، أو النصارى واليهود أو جميع المشركين، أو أهل الضلالة من هذه الأمة. {دِينَهُمْ} الذي أمروا به فرقوه بالاختلاف، أو الكفر الذي اعتقدوه ديناً. {شِيَعاً} فرقاً يتمالؤون على أمر واحد مع اختلافهم في غيره من الظهور، شاع الخبر: ظهر، أو من الاتباع، شايعه على الأمر: تابعه عليه. {لَّسْتَ مِنْهُمْ} من قتالهم ثم نسخ بآية السيف، أو لست من مخالطتهم، أمَرَه بالتباعد منهم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين فرقوا} وقرئ فارقوا {دينهم وكانوا شيعاً} عَنَى أحزاباً متفرقة في الضلالة ومعنى فرقوا دينهم أنهم لم يجتمعوا عليه وكانوا مختلفين فيه فمن قرأ وفرقوا دينهم يعني جعلوا دينهم وهو دين إبراهيم الحنيفية السهلة أدياناً مختلفة كاليهودية والنصرانية وعبادة الأصنام ونحو ذلك من الأديان المختلفة، ومن قرأ فارقوا دينهم قال: معناه باينوه وتركوه من المفارقة للشيء. وقيل: إن معنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد في الحقيقة وهو أن من فرق دينه فأمر ببعض وأنكر بعضاً فارق دينه في الحقيقة ثم اختلفوا في المعنى بهذه الآية، فقال الحسن: هم جميع المشركين لأن بعضهم عبدوا الأصنام وقالوا هؤلاء شفعاؤنا عند الله وبعضهم عبدوا الملائكة وقالوا إنهم بنات الله وبعضهم عبدوا الكواكب فكان هذا تفريق دينهم. وقال مجاهد: هم اليهود. وقال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك: هم اليهود والنصارى لأنهم فرقوا فكانوا فرقاً مختلفة. وقال أبو هريرة في هذه الآية هم أهل الضلالة من هذه الأمة وروى ذلك مراوعاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء وليسوا منك هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة"تفسير : أسنده الطبري، فعلى هذا يكون المراد من هذه الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع المضلة. وروي عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة:"حديث : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً هم أصحاب البدع والأهواء من هذه الأمة"تفسير : ذكره البغوي بغير سند حديث : عن العرباض بن سارية قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم أقبل بوجهه علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودِّع فما تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليك عبد حبشي فإنه من يعيش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"تفسير : أخرجه أبو داود والترمذي حديث : عن معاوية قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة"تفسير : وهي الجماعة "زاد في رواية" "حديث : وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله"تفسير : أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة قالوا من هي يا رسول الله قال من كان على ما أنا عليه وأصحابي"تفسير : أخرجه الترمذي. قال الخطابي في هذا الحديث دلالة على أن هذه الفرق غير خارجة من الملة والدين إذ جعلهم من أمته. وقوله تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، التجاري تفاعل من الجري وهو الوقوع في الأهواء الفاسدة والبدع المضلة تشبيهاً بجري الفرس والكلب. قال ابن مسعود "إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها" ورواه جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً. وقوله تعالى: {لست منهم في شيء} يعني: في قتال الكفار فعلى هذا تكون الآية منسوخة بآية القتال وهذا على قول من يقول إن المراد من الآية اليهود والنصارى والكفار، ومن قال: المراد من الآية أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة قال: معناه لست منهم في شيء أي أنت منهم بريء وهم منك برآء. تقول العرب إن فعلت كذا فلست منك ولست مني أي كل واحد منا بريء من صاحبه {إنما أمرهم إلى الله} يعني في الجزاء والمكافأة {ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} يعني إذا وردوا القيامة

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}، قال ابن عباس وغيره: المراد بـ «الذين» اليهود والنصارَىٰ، أي: فَرَّقوا دين إبراهيم، ووَصَفَهم بـ «الشِّيَعِ»؛ إذ كل طائفة منهم لها فرق وٱختلافاتٌ، ففي الآية حضٌّ للمؤمنين على الائتلاف وتركِ الاختلافِ، وقال أبو الأحْوَص وأم سلمة زوجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: الآية في أهْل البدع والأهواء والفتنِ، ومَنْ جرَىٰ مَجْراهم من أمة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، أي: فَرَّقوا دين الإسلام، وقرأ حمزة والكسائيُّ: «فارَقُوا»، ومعناه: تركوا. وقوله تعالى: {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}: أي: لا تشفع لهم، ولا لهم بك تعلُّق، وهذا على الإطلاق في الكفَّار، وعلى جهة المبالغة في العُصَاة. وقوله سبحانه: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ...} الآية: وعيدٌ محضٌ، وقال السدي: هذه آية لم يؤمر فيها بقتالٍ، فهي منسوخة بالقتال. قال * ع *: الآية خبر لا يدخله نسخٌ، ولكنها تضمَّنت بالمعنَىٰ أمراً بموادعةٍ، فيشبه أنْ يقال: إن النسخ وقع في ذلك المعنَى الذي قد تقرَّر نسخه في آيات أخرَىٰ. وقوله سبحانه: {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا...} الآية: قال ابن مسعود وغيره: {ٱلْحَسَنَةَ} هنا: «لا إله إلا اللَّه»، و {ٱلسَّيِّئَةُ}: الكفر. قال: * ع *: وهذه هي الغاية من الطرفَيْنِ، وقالت فرقة: ذلك لفظٌ عامٌّ في جميع الحسناتِ والسيئاتِ، وهذا هو الظاهر، وتقديرُ الآية: مَنْ جاء بالحسنة، فله ثوابُ عَشْرِ أمثالها، وقرأ يعقوبُ وغيره: «فَلَهُ عَشْرٌ» ـــ بالتنوين ـــ «أَمْثَالُهَا» ـــ بالرفع ـــ. وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ...} الآية: في غاية الوضوحِ والبيانِ، و {قِيَماً}: نعت للدِّين، ومعناه: مستقيماً، و {مِلَّةَ}: بدلٌ من الدِّين.

ابن عادل

تفسير : وقرأ الأخوان: "فَارَقُوا" من المُفَارَقة. قال القرطبي - رحمة الله عليه -: "وهي قِرَاءة عليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - من المُفَارقة والفِرَاق، على مَعْنَى: أنَّهُم تركوا دينَهُم وخَرَجُوا عنه، وكان عَلِيٌّ - كرم الله وجهه - يقول: والله ما فَرَّقُوه، ولكن فَارَقُوه". وقال شهاب الدِّين: فيها وجهان: أحدهما: أن "فَاعَل" بمعنى: فعَّل، نحو ضاعَفْتُ الحساب، وضعَّفته. وقيل: هي من المُفَارَقَة، وهي التَّرْك، والتَّخْلِية، ومن فرَّق دينَهُ؛ فآمن بِبَعْض وكفر ببعض، فقد فَارَقَ الدِّين القيم. وقرأ الباقون:"فرَّقوا" بالتَّشْديد، وقرأ الأعمش، وأبو صالح، وإبراهيم،: "فرَقُوا" مخفف الراء. قال أبو البقاء: "وهو بمعنى المُشَدَّد، ويجُوز أن يكُون بمعنى: فَصَلُوه عن الدِّين الحقِّ" وقد تقدَّم معنى الشِّيع، أي: صَارُوا فِرقاً مختلفة. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: يريد: المُشْركين، بعضهُم يَعْبُدون الملائكة، ويَزْعُمون أنَّهم بنات اللَّه، وبعضُهم يَعْبدون الأصْنَام، ويقولون: "هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ الله" و "كانوا شِيَعاً" أي: فِرَقاً وأحزاباً في الضَّلالة. وقال مُجاهدٌ، وقتادة: هم اليَهُود والنَّصَارى؛ لأن النَّصَارى تفرَّقوا فِرَقاً، ويُكَفِّر بعضهم بعضاً، واليهُود أخَذُوا ببعض الكتاب، وتركوا بعضه. وقيل: هم أهْل البِدَع والشُّبُهَات من هذه الأمَّة وروى عُمَر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - أنَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة - رضي الله عنها -: "حديث : يا عائشةُ! إنَّ الذينَ فَرَّقُوا دينَهُم وكانُوا شِيعَاً هُمْ أصْحَابُ البدعِ وأصْحَابُ الأهْوَاءِ من هذه الأمَّةِ ". تفسير : وروى عبد الله بن عمر- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تفرَّقَتْ على اثْنَيْنِ وسَبْعِين ملَّة، وتفرَّفَت أُمَّتِي على ثلاثٍ وسبْعين ملَّة كُلُّها في النَّارِ إلاَّ واحِدة"، قال: من هِيَ يا رسُول الله؟ قال: "ما أنا عَلَيه وأصْحَابي" ". تفسير : قوله: {لَسْتَ مِنْهُم فِي شَيْءٍ}. "لَسْت": في محلِّ رفع خبراً لـ "إنّ"، و "مِنْهُم": هو خبر "لَيْسَ" إذ بِه تتم الفَائِدة؛ كقول النابغة: [الوافر] شعر : 2394- إذا حَاوَلْتَ فِي أسَدٍ فُجُوراً فإنِّي لَسْتُ مِنْكَ ولَسْتَ مِنِّي تفسير : ونظيرُه [في الإثْبَات]: " {أية : فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} تفسير : [إبراهيم:36]. وعلى هذا، فيكُون "فِي شَيْءٍ" متعلِّقاً بالاسْتِقْرَار الذي تعلَّق به مِنْهُم، أي: لست مُسْتَقِرّاً منهم في شيء، أي مِنْ تَفْرِيقهم. [ويجُوز أن يَكُون "فِي شيءٍ": الخبر، "ومِنْهُم": حال مُقدِّمة عليه، وذلك على حَذْفِ مُضافٍ، أي: لَسْت في شيءٍ كَائِن من تَفْرِيقهم]، فلمَّا قُدِّمت الصِّفَة نصبت حالاً. فصل في المراد بالآية في المَعْنَى قولان: الأول: إذا أُريد أهل الأهْوَاء، فالمَعْنَى: أنت بَرِيءٌ منهم، وهم مِنْكَ بَرَاءُ، أي: إنَّك بعيد عن أهْوَائِهِم ومَذاهِبِهم، والعِقَابُ اللاَّزم على تِلْك الأبَاطيل مَقْصُور عَلَيْهم لا يتعدَّاهم. وإن أُريد اليَهُود والنَّصَارى. قال السُّدِّيُّ: "معناه: يقولون يُؤمَر بِقتَالِهم؛ فلما أمر بِقِتَالِهِم نُسِخ" وهذا بعيد؛ لأن المعنى: لَسْت من قِتَالِهِم في هذا الوَقْتِ في شَيْءٍ؛ فوُرُود الأمْر بالقِتَال في وَقْتٍ آخَر، لا يُوجِب النَّسْخ. ثم قال: {إنَّما أمْرُهُم إلى اللَّه} يعني: في الجَزَاء، والمُكَافأة، والإمْهَال، {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} والمراد: الوعيد.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اختلفت اليهود والنصارى قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم فتفرقوا، فلما بعث محمد أنزل عليه {إن الذين فرقوا دينهم...} الآية . وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله {إن الذين فرقوا دينهم} قال: اليهود والنصارى، تركوا الإِسلام والدين الذين أمروا به، وكانوا {شيعاً} فرقاً. أحزاباً: مختلفة {لست منهم في شيء} نزلت بمكة، ثم نسخها {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} تفسير : [النساء: 40] الآية. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس وكانوا شيعاً قال: مللاً شتى. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة في قوله {إن الذين فرقوا دينهم...} الآية. قال هم في هذه الأمة. وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير والطبراني والشيرازي في الألقاب وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً} قال: هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أمامة {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً} قال: هم الحرورية . وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه عن أبي غالب " أنه سئل عن هذه الآية {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً} فقال: حدثني أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم الخوارج" . وأخرج الحكيم الترمذي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه وأبو نصر السجزي في الابانة والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: يا عائشة {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً} هم أصحاب البدع، وأصحاب الأهواء، وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ليست لهم توبة، يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة، أنا منهم بريء وهم منى براء " . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وعن ابن مسعود. أنه كان يقرأ {إن الذين فرقوا} بغير ألف. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب أنه قرأها {إن الذين فارقوا دينهم} بالألف . وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ {فارقوا دينهم}" . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {إن الذين فرقوا دينهم} قال: هم اليهود والنصارى . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله {إن الذين فرقوا دينهم} قال: يهود. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {إن الذين فرقوا دينهم} قال: تركوا دينهم، وهم اليهود والنصارى {وكانوا شيعاً} قال: فرقاً {لست منهم في شيء} قال: لم تؤمر بقتالهم، ثم نسخت فأمر بقتالهم في سورة براءة . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي الأحوص في قوله {لست منهم في شيء} قال: برىء منهم نبيكم صلى الله عليه وسلم . وأخرج ابن أبي حاتم عن مرة الطيب قال: ليس أمري أن لا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء، ثم قرأ هذه الآية {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء} . وأخرج ابن منيع في مسنده وأبو الشيخ عن أم سلمة قالت: ليتقين امرؤ أن لا يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء، ثم قرأت هذه الآية {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء ...} الآية. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: رأيت يوم قتل عثمان ذراع أمراة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قد أخرجت من بين الحائط والستر، وهي تنادي: ألا إن الله ورسوله بريئان من الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعاً. وأخرج الحكيم الترمذي عن أفلح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله صلى عليه وسلم أنه قال "حديث : أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: ضلالة الأهواء، واتباع الشهوات في البطن والفرج، والعجب " .

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} استئنافٌ لبـيان أحوالِ أهلِ الكتابـين إثرَ بـيانِ حالِ المشركين أي بدّدوه وبعّضوه فتمسك بكل بعضٍ منه فِرقةٌ منهم، وقرىء فارقوا أي باينوا، فإن تركَ بعضِه وإن كان بأخذ بعضٍ آخرَ منه تركٌ للكل ومفارقةٌ له {وَكَانُواْ شِيَعاً} أي فِرقاً تشيّع كلُّ فِرقةٍ إماماً لها قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : افترقت اليهودُ والنصارى على إحدى وسبعين فرقةً كلهم في الهاوية إلا واحدة» تفسير : واستثناء الواحدة من فِرَق كلٍّ من أهل الكتابـين إنما هو بالنظر إلى العصر الماضي قبل النسخِ وأما بعده فالكلُّ في الهاوية وإن اختلفت أسبابُ دخولِهم فمعنى قوله تعالى: {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء} لست من البحث عن تفرقهم والتعرّضِ لمن يناصرك منهم بالمناقشة والمؤاخذة، وقيل: من قتالهم في شيء سوى تبليغِ الرسالةِ وإظهارِ شعائرِ الدين الحقِّ الذي أُمرت بالدعوة إليه فيكون منسوخاً بآية السيف، وقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ} تعليلٌ للنفي المذكورِ أي هو يتولى وحده أمر أولاهم وأخراهم ويدبره كيف يشاء حسبما تقتضيه الحكمة يؤاخذهم في الدنيا التي شاء ويأمر بقتالهم إذا أراد وقيل: المفرقون أهل البدع والأهواء الزائغة من هذه الأمة ويرده أنه عليه الصلاة والسلام مأمور بمؤاخذتهم والاعتذار بأن معنى لست منهم في شيء حينئذ أنت بريء منهم ومن مذهبهم وهم برآء منك يأباه التعليل المذكور {ثُمَّ يُنَبّئُهُم} أي يوم القيامة {بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} عبر عن إظهاره بالتنبئة لما بـينهما من الملابسة في أنهما سببان للعلم تنبـيهاً على أنهم كانوا جاهلين بحال ما ارتكبوه غافلين عن سوء عاقبته أي يظهر لهم على رؤوس الأشهاد ويعلمهم أي شيء شنيع كانوا يفعلونه في الدنيا على الاستمرار ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً}[159] قال: المحجوب الذي يسلط الله عليه عدوه، لا يجول قلبه في الملكوت، ولا تظهر له القدرة، ولا يشاهد الله، والقلب القاسي أن يكله الله إلى تدبيره وأسبابه، وإنما مثل ميل القلب اللسان إذا تكلم اللسان بشيء لم يتكلم بغيره؛ كذلك القلب؛ إذا هم بشيء لم يكن معه غيره، والله سبحانه وتعالى أعلم.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً} [الآية: 159]. قال فارس: لم يستقيموا لله على وتيرة واحدة.

القشيري

تفسير : اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم، فكانوا مجتمعين جهراً بجهر؛ متفرقين - في التحقيق - سِرَّاً بِسِرٍّ. قوله: {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}. لا نجمعك وإياهم، يعني شِقُّكَ شقُّ الحقائق، وشِقُّهم شِقُّ الباطل، ولا اجتماعَ للضدين.

اسماعيل حقي

تفسير : {إن الذين} اى اليهود والنصارى {فرقوا دينهم} اى بدّدوه وبعضوه فتمسك بكل بعض منه فرقة منهم {وكانوا شيعا} جمع شيعة يقال شايعه على الامر اذا تبعه اى فرقا تشيع كل فرقة اماما لها قال عليه السلام "حديث : افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة كلهم فى الهاوية الا واحدة وافترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة كلهم فى الهاوية الا واحدة وستفترق امتى على ثلاث وسبعين فرقة كلهم فى الهاوية الا واحدة " .تفسير : واستثناء الواحدة من فرق كل من اهل الكتابين انما هو بالنظر الى العصر الماضى قبل النسخ واما بعده فالكل فى الهاوية {لست منهم فى شئ} لست من البحث عن تفرقهم والتعرض لمن يعاصرك بالمناقشة والمؤاخذة فى شئ {انما امرهم الى الله} تعليل للنفى المذكور اى هو يتولى وحده اولاهم واخراهم ويدبرهم كيف يشاء حسبما تقتضيه الحكمة {ثم ينبئهم} اى يوم القيامة {بما كانوا يفعلون} عبر عن اظهاره بالتنبئة لما بينهما من الملابسة فى انهما سببان للعلم تنبيها على انهم كانوا جاهلين بحال ما ارتكبوه من سوء عاقبته اى يظهر لهم على رؤوس الاشهاد ويعلمهم اى شئ شنيع كانوا يفعلونه فى الدنيا على الاستمرار ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء. واعلم ان كل فعل شنيع وعمل قبيح فى الدنيا يتصور بصورة قبيحة فى الآخرة وهو قد كان بصورة قبيحة فى الدنيا ايضاً لكنه برز لفاعله فى صورة مستحسنة امتحانا وابتلاء فصار كالشهد المختلط بالسم نعوذ بالله من سيآت الاعمال حفت الجنة بمكر وهاتنا وحفت النيران بشهواتنا يعنى جعلت الجنة محفوفة بالاشياء التى كانت مكروهة لنا وجعلت النار محاطة بالاشياء التى كانت محبوبة لنا يعنى ان نفوسنا تميل اليها وتحب ان تفعلها لكونها على وفق هواها فكما ان فى الآفاق فرقا مختلفة ينفى بعضهم الصانع وبعضهم صفاته وبعضهم يعتقد فى حقه تعالى ما لا يجوز اعتقاده وبعضهم يجرى على ما جرى عليه الانبياء والاولياء من حسن العقيدة وصالح العمل كذلك فى الانفس قوى مختلفة لا تتحد فى البنية ولا تجتمع على امر واحد فالطبيعة على التشهى والنفس على الهوى والروح على الاقبال الى المولى والدين الحقيقى الذى فيه كمالية الانسان انما يوجد بتوافق الظاهر والباطن فمن فارقه بقلبه وتمسك ببعض شعاره وبظاهره رياء وسمعة فهو من فرق اهل الدعوى من غير المعنى. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى مخاطبا لحضرة الهدائى قدس الله اسرارهما اشكر الله على عدم اقترانك بالملاحدة فان الالحاد كمرض الجذام بعيد عن الاصلاح قال واظن انهم لا يخرجون من النار لانهم فى دعوى المقال بدون الحال انتهى. ومن المدعين القلندرية وهم الذين يقصون لحاهم وشعورهم بل يحلقون شعر : قلندرى نه بريشست وموى ويا ابرو حساب راه قلندر بدانكه موى بموست كذشتن ازسر مو در قلندرى سهلست جو حافظ آنكه زسر بكذرد قلندر اوست تفسير : ومن الفرق المبتدعة الجوالقية وهم الذين يحلقون لحاهم ويلبسون الجوالق والكساء الغليظ وقد نهى النبى عليه السلام عن لباس الشهرة سواء كان من جنس الرقيق او الغليظ لانه اشتهار بذلك وامتياز به عن المسلمين وقد قال عليه السلام "حديث : كن كواحد من الناس " .تفسير : ولا ينفع الجوالق والكساء اذا كان المرء صاحب الرياء: قال السعدى قدس سره. شعر : بروى ريا خرقه سهلست دوخت كرش باخدا در توانى فروخت كر آوزاره خواهى رد اقليم فاش برون حله كن كودرون حشو باش تفسير : وقال شعر : درغزا كند مرد بايد بود مخنث سلاح جنك جه سود تفسير : وكان الشيخ قطف الدين حيدر مجذوبا صاحب حال جدّا حتى حكى انه اخذ حديدا حارا من كير حداد صار كقطعة نار والقاه على عنقه ساعة فلم يحترق فاخذ الحيدرية بذلك ولبسوا الحديد تقليدا ولبس الحديد اكثر اثما من لبس الذهب. فعلى العاقل ان يجتنب عن البدعة واهلها ـ وروى ـ ان ابن المبارك رؤى فى المنام فقيل له ما فعل ربك فقال عاتبنى واوقفنى ثلاثين سنة بسبب انى نظرت باللطف يوما الى مبتدع فقال انك لم تعاد عدوى فى الدين فكيف حال القاعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين. واعلم ان اهل الهوى والبدعة ليس مخصوصا بالبشر كما قال الاعمش تزوج الينا جنى فقلت له ما احب الطعام اليكم فقال الارز فقال فأتنا به فجعلت ارى اللقم ترفع ولا ارى احدا فقلت هل فيكم من هذه الاهواء التى فينا قال نعم قلت فما الرافضة فيكم قال شرنا والروافض هم الذين رفضوا زيد بن على بن الحسين بن على بن ابى طالب لعدم تبريه من ابى بكر وعمر رضى الله عنهما ولزم هذا اللقب كل من غلا فى مذهبه واستجاز الطعن فى الصحابة واصله ان زيدا خرج بالكوفة داعيا لنفسه فبايعه جماعة من اهلها واتاه طائفة من اهل الكوفة وقالوا تبرأ من ابى بكر وعمر نبايعك فابى فقالوا اذا نرفضك فمن ذلك سموا الروافض وقالت طائفة من اهل الكوفة نتولاهما ونتبرأ ممن تبرأ منهما وخرجوا مع زيد فسموا الزيدية وسبب بغضهم للاصحاب انه لما وقعت الهزيمة فى غزوة احد ونادى الشيطان ان قد مات محمد اعتقده الاصحاب غير على رضى الله عنه حتى وقع النزاع فقال كرم الله وجهه هل اقتلكم لو لم يكن واقعا قالوا نعم فلما ظهر خلافه عفا عنهم فمن ثم احبوا عليا وتركوا الباقى وابغضوه شعر : جون خدا خواهد كه برده كس درد ميلش اندر طعنه باكان برد تفسير : فعلى العاقل ان يحب الصالحين حبا شديدا كى ينال منهم شفاعة يوم القيامة فويل لمن كان شفعاؤه خصماءه اللهم اعصمنا ولا تزغ قلوبنا واهدنا وسددنا فمنك التوفيق لسلوك طريق التحقيق.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين فرقوا دينهم}؛ فآمنوا بالبعض وكفروا بالبعض، وهم اليهود والنصارى، وقيل: أهل الأهواء والبدع، فيكون إخبارًا بغيب، وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة" تفسير : قيل: يا رسول الله، وما تلك الواحدة؟ قال: "حديث : من كان على ما أنا عليه وأصحابي ". تفسير : وقرىء: "فارقوا" أي: تركوا دينهم، {وكانوا شيعًا}؛ جمع شيعة، أي: فرقًا متشيعة، كل فرقة تتشيع لمذهبها وتتشيع إمامها، أي: تنتسب إليه. {لستَ منهم في شيء} أي: أنت بريء منهم، فلست في شيء من السؤال عنهم وعن تصرفهم، أو عن عقابهم، وقيل: هو نهي عن التعرض لهم؛ فيكون منسوخًا بآية السيف، {إنما أمرهم إلى الله} يتولى جزاءهم، {ثم ينبئُهم بما كانوا يعملون} من التفرق فيعاقبهم عليه. الإشارة: الافتراق المذموم، إنما هو في الأصول؛ كالتوحيد وسائر العقائد، فقد افترقت المعتزلة وأهل السنة في مسائل منه، فخرج من المعتزلة اثنان وسبعون فرقة، وأهل السنة هي الفرقة الناجية، وأما الاختلاف في الفروع فلا بأس به، بل هو رحمة لقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: " حديث : خلاف أمتي رحمة "تفسير : ، كاختلاف القراء في الروايات، واختلاف الصوفية في كيفية التربية، فكل ذلك رحمة وتوسعه على الأمة المحمدية، إذ كل من أخذ بمذهب منها فهو سالم، ما لم يتبع الرخص. وقال بعضهم: ما دامت الصوفية بخير ما افترقوا، فإذا اصطلحوا فلا خير فيهم. ومعنى ذلك: إنما هو في التناصح والإرشاد والنهي بعضهم لبعض عما لا يليق في طريق السير، فإذا سكت بعضهم عن بعض؛ مداهنةً وحياءً فلا خير فيهم، وأما قلوبهم فلا بد أن تكون متفقة متوددة، لا بغض فيها ولا تحاسد، وإلا لم يكونوا صوفية. والله تعالى أعلم. ثم رغَّب في الخير قبل فوات إبانه، فقال: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي {فارقوا} بألف، وهو المروي عن علي (ع) الباقون {فرَّقوا} بلا الف مع تشديد الراء. والمعنيان متقاربان، لان القراءتين يؤلان الى شيء واحد، لان جميع ذلك مخالف لما يوجبه دينهم، فهم بتفريقه من جهة اكفار بعضهم بعضا على جهالة فيه مخالفون له، وهم بخروجهم عنه الى غيره مفارقون له مخالفون. وقيل في المعنيين بهذه الآية اربعة أقوال: احدها - قال مجاهد: هم اليهود، لانهم كانوا يمالؤن عبدة الاوثان على المسلمين. الثاني - قال قتادة: هم اليهود والنصارى، لان بعض النصارى يكفر بعضا وكذلك اليهود. الثالث - قال الحسن هم جميع المشركين، لانهم جميعا بهذه الصفة. الرابع - قال ابو جعفر (ع): هم اهل الضلالة والبدع من هذه الامة. وهو قول ابي هريرة والمروي عن عائشة. حذرهم الله تعالى من تفرق الكلمة ودعاهم الى الاجتماع على ما تقوم عليه الحجة. والدين الذي فارقوه: قيل فيه قولان: قال ابو علي وغيره: هو الدين الذي امر الله باتباعه وجعله دينا لهم. الثاني - الدين الذي هم عليه، لانكار بعضهم بعضا بجهالة فيه. ومعنى الشيع الفرق التي يمالىء بعضهم بعضا على امر واحد مع اختلافهم في غيره، وقيل اصله الظهور من قولهم: شاع الخبر يشيع اذا ظهر. وقال الزجاج: اصله الاتباع من قولك: شايعه على الامر اذا اتبعه. وقوله {لست منهم في شْيء} خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) واعلام له انه ليس منهم في شيء، وانه على المباعدة التامة من ان يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة، وليس كذلك بعضهم مع بعض، لانهم يجتمعون في معنى من الباطل وان افترقوا في غيره، فليس منهم في شيء، لانه برىء من جميعه وقال الفراء: معناه النهي عن قتالهم، ثم نسخ بقوله{أية : فاقتلوا الشركين} تفسير : وهو قول السدي. اخبر الله تعالى ان الذين فرقوا دينهم - وخالفوه وباينوه وصاروا فرقا يمالىء بعضهم بعضاً على أمر واحد مع أختلافهم في غيره - ليس النبي (صلى الله عليه وسلم) منهم في شيء وانه مباين لهم لفساد ما هم عليه. ثم قال {إنما أمرهم إلى الله. ثم ينبئهم بما كانوا يعملون} يعني ان الله تعالى هو الذي يخبرهم بأفعالهم ويجازيهم عليها دون غيره يعني يوم القيامة.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} الدّين يقال لكلّ سيرهٍ وسنّة، النّاس على دين ملوكهم، وعلى السّيرة الشّرعيّة الآلهيّة، اليوم اكملت لكم دينكم، وللجزاء مالك يوم الدّين، ويطلق على الاسلام والعادة والعبادة والطّاعة والّذلّ والحساب والقهر والاستعلاء والملك والحكم والتّدبير والتّوحيد وجميع ما يتعبّد الله به، والملّة والخدمة والاحسان وعلى غير ذلك من المعانى، والتّحقيق انّ حقيقة الدّين هى الطّريق من القلب الى الله والسّير الى ذلك الطّريق او عليه ويسمّى بالطّريقة وهما الولاية التّكوينيّة المعبّر عنها بالحبل من الله، والولاية التّكليفيّة المعبّر عنها بالحبل من النّاس وبالولاية التّكليفيّة ينفتح باب ذلك الطّريق وصاحب الولاية المطلقة هو علىّ (ع) وهو متّحد مع الولاية المطلقة، والولايات المقيّدة اظلال من هذه الولاية ولذلك صار علىّ (ع) خاتم الولاية وكلّ الانبياء (ع) والاولياء (ع) يكونون تحت لوائه، وكلّما يسمّى ديناً من الشّرائع الآلهيّة فانّما يسمّى ديناً لاتّصاله بالولاية وارتباطه بحقيقة الدّين، وتسمية السّيرة الغير الآلهية بالدّين من باب المشاكلة مع السّيرة الآلهيّة فعلى قراءة فرّقوا، فالمعنى انّ الّذين فرّقوا دينهم الّذى هو ما وصل اليهم من طريق القلب بالولاية التّكوينيّة من فيض العقل على الاهوية الفاسدة او ما وصل اليهم من هذا الطّريق بالولاية التّكليفيّة من الايمان الّذى دخل فى قلوبهم على الاغراض الكاسدة والمهامّ المتبدّدة، فانّ الانسان اذا صار مقبلاً على النّفس والدّنيا كان يفرّق كلّما يصل اليه من جهة الآخرة على جهات النّفس ونعم ما قيل: شعر : انصتوا يعنى كه آبت را بلاغ هين تلف كم كن كه لب خشك است باغ تفسير : او المعنى فرّقوا دينهم وبعّضوه بان آمنوا ببعض وكفروا ببعض، او المعنى افترقوا فى دينهم بان اختار كلّ منهم ديناً غير دين الآخر، كما ورد من افتراق الامّة على ثلاث وسبعين فرقة، وقرئ فارقوا دينهم اى فارقوا ولايتهم التّكوينيّة من الغفلة التامّة عن طريق القلب او فارقوا ولايتهم التّكليفيّة بالهجرة والغفلة عن ذكرهم الّذى دخل فى قلوبهم او فارقوا عليّاً (ع) كما علمت، وكما ورد فى الخبر انّ الآية فارقوا دينهم وانّ المراد المفارقة عن علىّ (ع) {وَكَانُواْ شِيَعاً} متفرّقة يشيع كلّ منهم هوى او غرضاً او اماماً باطلاً او يصير كلّ منهم مشايعاً لاهوية عديدة او اغراض عديدة او ائمّة عديدة بجعل كلّ واحد كأنّه فرق مختلفة كما قال تعالى: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ} تفسير : [الزمر:29] وكما قيل بالفارسية: "ترا يكدل دادم كه دران يك دلبر كيرى نه آنكه آن يكدل راصد باره كنى وهربارهء را دنبال مهمّى آواره" {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} اى لست متمكّناً منهم فى شيءٍ من التّمكّن فانّ تمكّنك امّا بتمكّن صورتك الملكوتيّة فى قلوبهم، او بتمكّن الّذكر الّذى اخذوا منك بالولاية التّكليفيّة فى قلوبهم، او بتمكّن الانقياد الّذى اخذوه منك بالبيعة العامّة فى صدورهم فانّ الكلّ من شؤنك ونازلتك، او لست من شفاعتهم فى شيءٍ، او لست من مسائلتهم ومحاسبتهم او عذابهم فى شيءٍ، او لست من مجانستهم فى شيءٍ ومرجع الكلّ الى تمكّنه (ص) فى قلوبهم باحد الوجوه المذكورة، ولفظة منهم خبر لست او حال مقدّم من شيءٍ، وكلمة من بيانيّة او ابتدائية او تبعيضيّة {إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ} لانّك لست ولىّ امرهم بانحرافهم عنك فامرهم وحكمهم مفوّض او راجع الى الله {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} فى تفرّقهم فيجازيهم على حسبه.

الأعقم

تفسير : {ان الذين فرقوا دينهم} إختلفوا فيه كما اختلفت اليهود والنَّصارى، وفي الحديث اختلفت اليهود احدى وسبعين فرقة كلها في النار إلاَّ واحدة، وقيل: فرقوا دينهم فآمنوا ببعض وقرئ فارقوا دينهم وهي قراءة حمزة والكسائي أي تركوه {وكانوا شيعاً} أي فرقاً كل فرقة تشيع اماماً لها {لست منهم في شيء} قيل: عن السؤال عنهم، وقيل: عن تفريقهم، وقيل: عن عقابهم، وقيل: هي منسوخة بآية السيف، قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} وقد وعدنا سبحانه بالواحدة سبعمائة ومضاعفة الحسنات فضلٌ ومكافأة السيئات عدل {وهم لا يظلمون} لا ينقصون من ثوابهم ولا يزاد على عقابهم {قل} يا محمد {إنَّني هداني ربِّي إلى صراط مستقيم} قوله تعالى: {قل ان صلاتي ونسكي} ذبيحتي في الحج وإنما خص الذبيحة لأنهم كانوا يذبحون للأوثان، وقيل: نسكي ديني، وقيل: عبادتي {ومحياي} يعني حياتي {ومماتي} والمراد التسليم لأمر الله تعالى {لا شريك له} قوله: {وانا أول المسلمين} من هذه الأمة {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} لا تؤاخذ بما اتت من المعصيَّة، وركبت من الخطيئة سواها {ولا تزر وازرة وزر أخرى} يعني لا يجازى أحد بذنب غيره، قوله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} لأن محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) خاتم النبيين، فخلفت أُمته جميع الأُمم وجعلهم خلف بعضهم بعضاً، وقيل: لأنهم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون، وكل من جاء من بعد من مضى فهو خليفة {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} يعني وخالف بين احوالكم فجعل لبعضكم فوق بعض في القوة والرزق والبسطة والعلم والفضل والمعاش {ليبلوكم} أي ليختبركم فيما رزقكم من نعمة الجاه والمال كيف تشكرون تلك النعمة؟ وكيف يصنع الشريف بالوضيع والحر بالعبد والغني بالفقير {ان ربك سريع العقاب} لمن كفر نعمته، وقيل: لأن ما هو آت قريب غفور رحيم لمن قام بشكرها.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً} [أي أحزاباً]. قال مجاهد: هم أهل الكتاب اليهود والنصارى. وقال بعضهم: اليهود والنصارى والصابئون وغيرهم. قال: {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} قوله: {مَن جَآءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} هذه في المؤمنين. والحسنة هاهنا الأعمال الحسنة. وكان هذا قبل أن تنزل الآية التي في البقرة: (أية : مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ) تفسير : [البقرة:261]. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام، يقول الله: هو لي وأنا أجزي به، لا يذر طعامه ولا شرابه ولا شهوته إلا من أجلي، فأنا أجزيه به . تفسير : قوله: {وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ} وهذه في المنافقين {فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} وقال بعضهم: هي في أهل الشرك. وقال السيئة هاهنا الشرك. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من همَّ بحسنة فعملها كتبت عشراً ـ وهذا في المؤمنين ـ ومن همّ بسيئة وعملها كتبت له سيئة واحدة. ومن همَّ بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه شيء. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه يقول الله للملائكة: اكتبوها له حسنة، وإنما تركها من خشيتي .

اطفيش

تفسير : {إنَّ الذينَ فرَّقُوا دِينَهم} أى الذين يجب أن يتبعوه فينسبوا إليه كلهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض، فكانوا فرقا بسبب تفريقهم الدِّين، أو المعنى اختلفوا فى دينهم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها فى الهاوية" تفسير : وروى "حديث : فى النار وكذا فيما بعد إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها فى الهاوية إلا واحدة، وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلها فى الهاوية إلا واحدة وهى التى على ما أنا وأصحابى عليه ". تفسير : ويروى "حديث : سيخرج من أمتى قوم تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله الهوى" تفسير : أى يجرى معهم الأهواء لتفارقهم كالكلب لا يفارق صاحبه، فالآية فى أهل الكتاب أو سائر المشركين وأهل البدع من هذه الأمة، وقال الحسن فى المشركين: بعضهم عبدوا الأصنام وقالوا: شفعاؤنا عند الله، وبعضهم عبدوا الملائكة وقالوا: إنهم بنات الله، وبعضهم عبدوا الكواكب، وقال مجاهد: اليهود، وقال ابن عباس وقتادة والسدى والضحاك: اليهود والنصارى، وقال أبو هريرة: هم أهل الضلالة من هذه الأمة رواه مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شئ، وليسوا منك، هم أهل البدع، وأهل الشبهات وأهل الضلال من هذه الأمة" تفسير : والآية حث للأئمة على أن تجتمع على كلمة الحق. وقال عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضى الله عنها: "حديث : إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع والأهواء من هذه الأمة" تفسير : وقرئ: فارقوا دينهم، لأن من ترك بعض دينه فقد فارقه كله إلا كل شئ ذاهب منه بعضه بيتين وهى قراءة حمزة والكسائى، وبمفارقته يكونون أيضا قد فرقوا. {وكانُوا شِيعاً} جمع شيعة كل شيعة تتبع إمامها أى تتبعه والشيعة الجماعة المتبعة لآخر {لسْتَ منْهُم فى شئٍ} أنت برئ منهم وهم براء منك، فكيف يتصل متبع الآباء والأهواء بمن يتبع البرهان من الله جل وعلا، ومنهم متعلق بمحذوف خبر ليس، وفى شئ يتعلق بذلك المحذوف أو يمنعهم لنيابته عنه، ولا تستبعد هذا، وقد عرفت أن الظروف ترفع الفاعل إذا تعمدت، وشئ نكرة فى سياق السلب، فهى تعم بالنص ولو لم تكن فيها من الاستغراقية أو بالمبادرة لعدم من فشى يعلم السؤال عنهم وعن تفرقهم وعن عقابهم والشفاعة للفسقة منهم، فالآية نص أو كالنص فى أن لا شفاعة لأهل الكبائر، أى أنت برئ منهم على كل وجه. وقد علمت فى رواية عمر وأبى هريرة أن الآية فى أهل البدع من هذه الأمة، وكذا قالت أم سلمة رضى الله عنها زوج النبى صلى الله عليه وسلم، وكذا إذا كانت فيهم وفيهن لا شفاعة لهم بالإجماع، وهم المشركون أهل الكتاب أو غيرهم، وإن قيل: هى فيمن لا شفاعة له بالإجماع، فاللفظ عام والعبرة بعمومه، والعلة التفرق فليدر معها الحكم، وقيل: المعنى لا تقاتلوا المشركين فننسخ بآية القتال وهو ضعيف. {إنَّما أمرُهم إلى الله} هو الذى يلى عقابهم، وليس المعنى أمرهم إليه إن شاء غفر لهم وإن شاء عاقبهم، بدليل قوله: {ثمَّ ينبئُهم بما كانُوا يفْعَلون} لأن مثل هذا إنما هو فى القرآن بمعنى أنه لم يخف عنه ما فعلوا، وأنه يخبرهم به فيعاقبهم ولا يفوتونه، وأما دعوى أن الآية فى الفسقة مبالغة لا تحقيق فلا دليل لها.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ} دين الله الواجب عليهم أَن يكونوا عليه فيضاف إِليهم، أَخذوا بعضه وتركوا بعضه وترك البعض نقض للكل فهو ترك للكل، وهذا فى أَهل الشرك وأَهل التوحيد، وذلك كعبادة الأَصنام والقول بأَن الملائكة بنات الله وبأَن عيسى ابن الله وأَنه إِله وأَن مريم إِله وأَن عزيراً ابن الله، وأَن علياً أَولى بالإِمامة، وأَن الإِمامة فى أَولاده إِلا الحسين بن علي بن الحسين بن على، لأَنه لم يبغض أَبا بكر وعمر، كذبت الشيعة فإِنه لم يبغضهما أَحد قبله أَيضاً من أَولاد على. والقول بأَن أَهل المعاصى والكبائر مشركون والتحكيم فيما فيه حكم أَمرنا الله به قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : افترقت المجوس على سبعين فرقة كلها هالكة، وافترقت اليهود على إِحدى وسبعين فرقة كلها فى النار إِلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها هالكة إِلا واحدة، وستفترق أُمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إِلا واحدة"تفسير : ، وسئل صلى الله عليه وسلم: من هى؟ فقال: "حديث : من كان على ما أَنا عليه وأَصحابى"تفسير : . وليس فى أَحاديث الإِسناد ذكر المجوس، وذكره الشيخ يوسف بن إِبراهيم فى بعض كتبه وذلك كما قال الله جل وعلا {وَكَانُوا شِيعاً} فرقاً تنسب كل فرقة إِلى إِمامها الذى تشايعه هى {لَسْتَ مِنْهُمْ فِى شَئٍ} منهم خبر ليس وفى شئ متعلق بمنهم أَو بمتعلقه أَو منهم حال من شئ بناء على جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف غير زائد. وفى شئ خبر ليس، أَى لست فى شئ من أَحوالهم الفاسدة أَو التفرق، والمعنى أَنك برئ منهم ومن معاصيهم ولا تعاقب عليهم، وبذلك ليسوا منك فى شئ من الحق لأَنك أَنت تتبع البراهين وهم يقلدون الآبَاءَ والأَهواءَ، كما يقال فى نفى الاتصال لست منى ولست منك، وفى إِثباته أَنت منى وأَنا منك، ويضعف أَن تختص الآية بالمشركين ويراد النهى عن القتال حتى ينسخ بآية القتال {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله} يتولاهم بمعرفة أَعمالهم ومقاديرها ومقادير جزائها، ولست منهم فى شئ خبر إِن، وإِنما أَمرهم إِلى الله مستأنف أَو خبر ثان أَو هو الخبر ولست إِلخ حال من الواو فى كانوا أَو فرقوا {ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} يعاقبهم أَو يخبرهم به وبأَنهم استحقوه إِذا جهلوا عاقبة أَفعالهم فيظهرها لهم على رءوس الأَشهاد، وفصل إِجمال المقادير بقوله: {مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ} إِلى يوم القيامة لم يفسدها فى حياته أَى حسنة كانت، كلمة الإِخلاص وما بنى عليها فعلية أَو تركية {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} أَى كَأنه عمل عشر حسنات يثاب عليهن أَو عشر إِثابات حسنة، فإِن الجزاءَ حسن كما أن العمل حسن. واقتصر على العشر لأَنه أَقل ما يكون إِلا أَنه إِن هم بحسنة ولم يفعلها فله واحدة ولا غاية للكثرة فإِنه خمس وعشرون وسبع وعشرون وسبعون ومائة وسبعمائة وأَلف وسبعون أَلفاً ومائة أَلف وأَكثر وبلا حساب. قال أَبو ذر عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحسنة عشر أَو أَزيد، والسيئة واحدة أَو أَحقر، فالويل لمن غلبت آحاده أَعشاره"تفسير : . وجاءَ: من اهتم بسيئة كتب عليه همه بها وإِنما لم يكن عشر بالتاء لأَن الأَمثال واقع على المؤنث وهو حسنات أَو لأَنه نعت لحسنات محذوفة أَو لأَنه أضيف لمؤنث. ولكثرة الثواب قيل: المراد بالعشر الكناية عن الكثرة لا خصوص العدد، وإِنما كان الخلود فى النار أَو الجنة لنيات الدوام على المعصية أَو الطاعة كما روى عن الحسن البصرى {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ} الشرك وما دونه، والمجئ بها الإِصرار عليها، ومن تاب فقد قطعها عن المحشر فلم يوافقه بها {فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} أَى إِلا جزاء يماثلها، أَى إِلا الجزاءَ المماثل لها، أَى المناسب، فامثل بمعنى الجزاء الذى هو مصدر أَو الجزاءَ الذى بمعنى ما يجزى به من العذاب، والمراد نفى الزيادة وذلك أَولى من أَن يقال مثل زائد لمشاكلة مثل قبله. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أَى لا يظلم الله الجائين بالحسنة والجائين بالسيئة، أَى لا ينقص من ثواب الحسنة ولا يزيد فى عقاب السيئة.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} استئناف لبيان أحوال أهل الكتابين إثر بيان حال المشركين بناء على ما روي عن ابن عباس وقتادة أن الآية نزلت في اليهود والنصارى أي بددوا دينهم وبعضوه فتمسك بكل بعض منه فرقة منهم. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وحمزة والكسائي {فارقوا} بالألف أي باينوا فإن ترك بعضه وإن كان بأخذ بعض آخر منه ترك للكل أو مفارقة له {وَكَانُواْ شِيَعاً} أي فرقاً تشيع كل فرقة إماماً وتتبعه أو تقويه وتظهر أمره. أخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه وابن حبان وصححه الحاكم عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة واقترفت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهم في الهاوية إلا واحدة » تفسير : واستثناء الواحدة من فرق كل من أهل الكتابين إنما هو بالنظر إلى العصر الماضي قبل النسخ وأما بعده فالكل في الهاوية وإن اختلفت أسباب دخولهم. ومن غريب ما وقع أن بعض متعصبـي الشيعة الإمامية من أهل زماننا واسمه حمد روى بدل «إلا واحدة» في هذا الخبر إلا فرقة وقال: إن فيه إشارة إلى نجاة الشيعة فإن عدد لفظ فرقة بالجمل وعدد لفظ شيعة سواء فكأنه قال عليه الصلاة والسلام: إلا شيعة، والمشهور بهذا العنوان هم الشيعة الإمامية فقلت له بعد عدة تزييفات لكلامه: يلزم هذا النوع من الإشارة أن تكون كلباً لأن عدد كلب وعدد حمد سواء فألقم الكلب حجراً. {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَيْءٍ} أي من السؤال عنهم والبحث عن تفرقهم أو من عقابهم أو أنت برىء منهم، وقيل: يحتمل أن يكون هذا وعداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالعصمة عنهم أي لست منهم في شيء من الضرر، وعن السدي أنه نهى عن التعرض لقتالهم ثم نسخ بما في سورة براءة، و {مِنْهُمْ} في موضع الحال لأنه صفة نكرة قدمت عليها. {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ} تعليل للنفي المذكور أي هو يتولى وحده أمر أولاهم وءاخرتهم ويدبره حسبما تقتضيه الحكمة، وقيل: المفرقون أهل البدع من هذه الأمة، فقد أخرج الحكيم الترمذي وابن جرير والطبراني والشيرازي في «الألقاب» وابن مردويه عن أبـي هريرة حديث : عن النبـي صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ} الخ "هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة" تفسير : . وأخرج الترمذي وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وأبو نعيم في «الحلية» والبيهقي في «الشعب». وغيرهم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله تعالى عنها: « حديث : يا عائش {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً } هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ليس لهم توبة يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء فإنهم ليس لهم توبة وأنا منهم بريء وهم مني برآء » تفسير : فيكون الكلام استئنافاً لبيان حال المبتدعين إثر بيان حال المشركين إشارة إلى أنهم ليسوا منهم ببعيد، ولعل جملة {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ } الخ على هذا ليست للتعليل وإنما هي للوعيد على ما فعلوا أي أن رجوعهم إليه سبحانه. {ثُمَّ يُنَبّئُهُم} يوم القيامة {بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } في الدنيا على الاستمرار بالعقاب عليه.

ابن عاشور

تفسير : استئناف جاء عقب الوعيد كالنّتيجة والفذلكة، لأنّ الله لما قال لرسوله صلى الله عليه وسلم { أية : قل انتظروا إنا منتظرون } تفسير : [الأنعام: 158] أعقب ذلك بأنّ الفريقين متباينان مُتجافيان في مدّة الانتظار. وجيء بالموصوليّة لتعريف المسند إليه لإفادة تحقّق معنى الصّلة فيهم، لأنَّها تناسب التّنفير من الاتّصال بهم، لأنّ شأن الدّين أن يكون عقيدة واحدة وأعمالاً واحدة، والتّفرّق في أصوله ينافي وحدته، ولذلك لم يزل علماء الإسلام يبْذلون وسعهم لاستنباط مراد الله من الأمّة، ويعلمون أنّ الحقّ واحدٌ وأنّ الله كلّف العلماء بإصابته وجعل للمصيب أجرين ولمن أخطأه مع استفراغ الوسع أجراً واحداً، وذلك أجر على بذل الوسع في طلبه فإنّ بذل الوسع في ذلك يوشك أن يُبلِّغ المقصود. فالمراد بــــ {الذين فرّقوا دينهم} قال ابن عبّاس: هم المشركون، لأنَّهم لم يَتّفقوا على صورة واحدة في الدين، فقد عبدت القبائل أصناماً مختلفة، وكان بعض العرب يعبدون الملائكة، وبعضهم يعبد الشّمس، وبعضهم يعبد القمر، وكانوا يجعلون لكلّ صنم عبادة تخالف عبادة غيره. ويجوز أن يراد: أنَّهم كانوا على الحنيفيّة، وهي دين التّوحيد لجميعهم، ففرّقوا وجعلوا آلهة عباداتها مختلفة الصّور. وأمّا كونهم كانوا شيعاً فلأنّ كلّ قبيلة كانت تنتصر لصنمها، وتزعم أنّه ينصرهم على عُبَّاد غيره كما قال ضِرار بن الخطّاب الفهري: شعر : وفَرّت ثقيفٌ إلى لاتها بمنقلَب الخائب الخاسر تفسير : ومعنى: {لست منهم في شيء} أنّك لا صلة بينك وبينهم. فحرف (مِن) اتّصالية. وأصلها (من) الابتدائيّة. و{شيء} اسم جنس بمعنى موجود فنفيه يفيد نفي جميع ما يوجد من الاتّصال، وتقدّم عند قوله تعالى: { أية : ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } تفسير : في سورة آل عمران (28)، وقوله: { أية : لستم على شيء } تفسير : في سورة المائدة (68). ولمّا دلّت على التبرّي منهم وعدم مخالطتهم، كان الكلام مثار سؤال سائل يقول: أعلى الرّسول أن يتولّى جَزاءهم على سُوء عملهم، فلذلك جاء الاستئناف بقوله: {إنما أمرهم إلى الله} فهو استئناف بياني، وصيغة القصر لقلب اعتقاد السائل المتردّد، أي إنَّما أمرهم إلى الله لا إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم ولا إلى غيره، وهذا إنذار شديد، والمراد بأمرهم: عملهم الذي استحقوا به الجزاء والعقوبة. و(إلى) مستعمل في الانتهاء المجازي: شبّه أمرهم بالضالّة التي تركها النّاس فسارت حتّى انتهت إلى مراحها، فإنّ الخلق كلّهم عبيد الله وإليه يرجعون، والله يمهلهم ثمّ يأخذهم بعذاب من عنده أو بأيدي المؤمنين حين يأذن لرسوله صلى الله عليه وسلم بقتالهم كما قال تعالى: { أية : فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ربَّنا اكشف عنا العذاب إنَّا مؤمنون أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلَّم مجنون إنَّا كاشفوا العذاب قليلاً إنّكم عائدون يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } تفسير : [الدخان: 10، 16]. والبطشة الكبرى هي بطشة يوم بدر. وقوله: {ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} (ثمّ) فيه للتّرتيب الرُّتبي مع إفادة المهلة، أي يبقى أمرهم إلى الله مدّة. وذلك هو الإمهال والإملاء لهم، ثمّ يعاقبهم، فأطلق الإنباء على العقاب، لأنَّه إن كان العقاب عقاب الآخرة فهو يتقدّمه الحساب، وفيه إنباء الجاني بجنايته وبأنَّه مأخوذ بها، فإطلاق الإنباء عليه حقيقة مراد معها لازمه على وجه الكناية، وإن كان العقاب عقاب الدّنيا فإطلاق الإنباء عليه مجاز، لأنّه إذا نزل بهم العذاب بعد الوعيد عَلموا أنَّه العقاب الموعود به، فكَانَ حصول ذلك العلم لهم عند وقوعه شَبيهاً بحصول العلم الحاصل عن الإخبار فأطلق عليه الإنباء، فيكون قوله: {ينبئهم} بمعنى يعاقبهم بما كانوا يفعلون. ووصف المشركين بأنَّهم فَرّقوا دينهم وكانوا شيعاً: يؤذن بأنَّه وصف شنيع، إذ ما وصفهم الله به إلاّ في سياق الذم، فيؤذن ذلك بأنّ الله يحذّر المسلمين من أن يكونوا في دينهم كما كان المشركون في دينهم، ولذلك قال تعالى: { أية : شَرَع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك} تفسير : [الشورى: 13] إلى قوله {أية : أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه } تفسير : [الشورى: 13]. وتفريق دين الإسلام هو تفريق أصوله بعد اجتماعها، كما فعل بعض العرب من منعهم الزّكاة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله عنه: لأقاتلنّ من فرّق بين الصّلاة والزّكاة. وأمّا تفريق الآراء في التّعليلات والتَّبيينات فلا بأس به، وهو من النّظر في الدّين: مثل الاختلاف في أدلّة الصّفات، وفي تحقيق معانيها، مع الاتّفاق على إثباتها. وكذلك تفريق الفُروع: كتفريق فروع الفقه بالخلاف بين الفقهاء، مع الإتّفاق على صفة العمل وعلى ما به صحة الأعمال وفسادها. كالاختلاف في حقيقة الفرض والواجب. والحاصلُ أنّ كلّ تفريق لا يُكفِّر به بعض الفرق بعضاً، ولا يفضي إلى تقاتل وفتن، فهو تفريق نظر واستدلال وتطلّب للحقّ بقدر الطّاقة وكلّ تفريق يفضي بأصحابه إلى تكفير بعضهم بعضاً، ومقاتلة بعضهم بعضاً في أمر الدّين، فهو ممّا حذّر الله منه، وأمّا ما كان بين المسلمين نزاعاً على المُلك والدّنيا فليس تفريقاً في الدّين، ولكنّه من الأحوال التي لا تسلم منها الجماعات. وقرأه الجمهور: {فَرّقوا} ــــ بتشديد الراء ــــ وقرأه حمزة، والكسائي: {فَارَقوا} ــــ بألف بعد الفاء ــــ أي تركوا دينهم، أي تركوا ما كان ديناً لهم، أي لجميع العرب، وهو الحنيفية فنبذوها وجعلوها عدّة نحل. ومآل القراءتين واحد.

القطان

تفسير : فرّقوا دينهم: غيروا فيه وجعلوه اديانا. شيعا: فِرقا واحزابا. بعد ان وصى الله تعالى هذه الأمة على لسان رسوله باتّباع صراطه المستقيم ونهى عن اتّباع غيره من السبُل الضالة، ثم ذكر شريعة التوراة الاصلية ووصاياها - جاء يذكّر رسوله الكريم بان هذه الأمم التي قبله بدّلوا وغيّروا وتفرقوا. أما هو وأُمته الإسلامية فليسوا منهم، والله سبحانه سيُعْلمهم يوم القيامة بكل ما فعلوا. لستَ يا محمد من الذين فرّقوا الدين الحق الواحد بالعقائد الزائفة والتشريعات الباطلة، ولا تؤاخذ بتفرقهم وعصيانهم، فأنت لا تملك هدايتهم. ما عليك الا البلاغ، والله وحده هو الذي يملك امرهم، ثم يخبرهم يوم القيامة بما كانوا يفعلونه في الدنيا. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: "فارقوا دينهم" والباقون "فرقوا دينهم" والمعنى واحد.

د. أسعد حومد

تفسير : (159) - (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اخْتَلَفُوا فِي دِينِهِمْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ فَتَفَرَّقُوا، وَأَصْبَحَ دِينُ كُلٍّ مِنْهُمُ أَدْياناً مُتَفَرِّقَةً، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ أَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). فَالذِينَ فَارَقُوا دِينَ اللهِ، وَخَالَفُوهُ، فَإنَّ اللهَ بَعَثَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. وَشَرْعُ اللهِ وَاحِدٌ، لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ وَلاَ افْتِرَاقَ. وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَهْلَ الكِتَابِ وَشَرْعَهُمْ، وَأَمَرَ مَنِ اسْتَجَابَ لِدَعْوَةِ الإِسْلاَمِ بِالوحْدَةِ وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ كَمَا تَفَرَّقَ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفُوا فِي الدِّينِ، وَصَارُوا شِيَعاً، كَأَهْلِ المِلَلِ وَالنِّحَلِ وَالأَهْوَاءِ وَالضَّلاَلاَتِ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ بَرَّأَ رَسُولَهُ مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَأَمْرُهُمْ إلى اللهِ، ثُمَّ يُنَبِئُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الآية تشرح الآية التي سبقت خواطرنا عنها، وهي قوله الحق: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [الأنعام: 153] والذين فرقوا دينهم نسوا أن الدين إنما جاء ليجمع لا ليفرق، والدين جاء ليوحد مصدر الأمر والنهي في الأفعال الأساسية فلا يحدث بيننا وبين بعضنا أي خلاف، بل الخلاف يكون في المباحات فقط؛ إن فعلتها فأهلاً وسهلاً، وإن لم تفعلها فأهلاً وسهلاً، ومالم يرد فيه أفعل ولا تفعل؛ فهو مباح. إذن الذين يفرقون في الدين إنما يناقضون منهج السماء الذي جاء ليجمع الناس على شيء واحد؛ لتتساند حركات الحياة في الناس ولا تتعاند، وإذا كان لك هوى، وهذا له هوى، وذلك له هوى فسوف تتعاند الطاقات، والمطلوب والمفروض أن الطاقات تتساند وتتعاضد. والشيع هم الجماعة التي تتبع أمراً، هذا الأمر يجمعهم ولو كان ضلالا. وهناك تشيع لمعنى نافع وخير، وهناك تشيع لعكس ذلك، والتشيع على إطلاقه هو أن تجنمع جماعة على أمر، سواء أكان هذا الأمر خيراً أم شرا. {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ...} [الأنعام: 159] إذن هم بعيدون عن منهجك يا محمد، ولا يصح أن ينسبوا إلى دينك؛ لأن الإسلام جاء لإثبات القيم للوجود مثل الماء لإثبات حياة الوجود. ونعرف أن الماء لا يأخذ لوناً ولا طعماً ولا رائحة، فإن أخذ لوناً أو طعماً أو رائحة فهو يفقد قيمته كماء صاف. وكذلك الإسلام إن أخذ لوناً، وصار المسلمون طوائف؛ فهذا أمر يضر الدين، وعلينا أن نعلم أن الإسلام لون واحد. {...إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159] إن شاء سبحانه عاجلهم بالهزيمة أو بالعذاب، وإن شاء آجلهم إلى يوم القيامة. ويقول الحق بعد ذلك: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ...}

الأندلسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} وقرىء: فارقوا وفرقوا دينهم. {وَكَانُواْ شِيَعاً} كاليهود افترقوا على قرابين وربانيين وسحرة، وكالنصارى افترقوا على ملكية ويعقوبية ونسطورية، وأهل الضلال من هذه الأمة وأصحاب البدع وأهل الأهواء منهم كالخوارج وهم طوائف. {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} هو إخبار عن المباينة التامة والمباعدة كقول النابغة: شعر : إذا حاولت في أسد فجورا فإِني لستُ منك ولستَ مني تفسير : {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ} الآية، روى أبو سعيد الخدري وابن عمر أنها نزلت في الاعراب، الذين آمنوا بعد الهجرة، ضوعفت لهم الحسنة بعشر وضوعفت للمهاجرين بسبعمائة. "انتهى". ولما ذكر حال من فارق دينه ورتب عليه أن الله ينبئه بما فعل وذكر المجازاة. والظاهر عموم من جاء وعموم الحسنة وحصر العدد فيما ذكر، فأيّ شخص مّا جاء بحسنة ما جوزي عليها بعشر أمثالها، ومن جاء بسيّئة جوزي بمثلها. وقرىء: عشر أمثالها على الإِضافة. وقرىء: عشر أمثالها. فأمثالها صفة لعشر والضمير في أمثالها عائد على الحسنة. {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ} الآية، أمره تعالى بالاعلان بالشريعة ونبذ ما سواها، ووضعها بأنه طريق مستقيم لا عوج فيها وهو إشارة إلى قوله تعالى: {أية : وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ} تفسير : [الأنعام: 153]. انتصب: {دِيناً قِيَماً} ديناً قيماً على إضمار فعل تقديره هداني ديناً قيماً، ودل على ذلك قوله: قبل هداني ربي، وتعدى هدى تارة بإِلى كقوله: إلى صراط، وتارة بنفسه إلى مفعول ثان كقوله تعالى: {أية : وَهَدَيْنَاهُمَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الصافات: 118]. وقرىء قيماً وتقدم توجيهه في أوائل سورة النساء. وقرىء: قيماً كسيد وفي كلتا القراءتين هو وصف لقوله: ديناً. و{مِّلَّةَ} بدل من قوله: ديناً. و{حَنِيفاً} حال. وتقدم نظير ذلك في البقرة. {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} نعي عليهم في اتخاذهم آلهة وإشراكهم مع الله تعالى. وإبراهيم عليه السلام بريء من ذلك كله، فكان يجب عليهم اتباع أبيهم إبراهيم إذ هو النبي المجمع وعلى تعظيمه من سائر الطوائف. {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي} ظاهره العموم من الصلاة المفروضة وغيرها. {وَنُسُكِي} قال ابن عباس: هي الذبائح التي تذبح لله تعالى وجمع بينهما كما جمع بينهما في قوله تعالى: {أية : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ}تفسير : [الكوثر: 2]. معنى: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ} أنه لا يملكهما إلا الله. {لاَ شَرِيكَ لَهُ} عام والإِشارة بذلك الظاهر أنه إلى قوله: قل انني هداني ربي، الآية. الألف واللام في المسلمين للعهد، ويعني به هذه الأمة، لأن إسلام كل نبي سابق على إسلام أمته لأنهم منه يأخذون شريعته. {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} حكى النقاش أنه روي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إرجع يا محمد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل ما تحتاج إليه في دنياك وآخرتك فنزلت هذه الآية. والهمزة: للإِستفهام، ومعناه الإِنكار والتوبيخ وهو رد عليهم إذ دعوه إلى آلهتهم، والمعنى أنه كيف يجتمع لي دعوة غير الله تعالى رباً وغيره مربوب له. {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} تقدم الكلام عليها في البقرة. {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ} والتنبئة عبارة عن الجزاء والذي اختلفوا فيه هو من الأديان والمذاهب يجازيكم بما ترتب عليه من الثواب والعقاب، وسياق هذه الجمل سياق الخبر، والمعنى على الوعيد والتهديد. {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ} أذكرهم تعالى بنعمة عليهم إذ كان النبي المبعوث، وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، فأمته خلفت سائر الأمم ولا تجيء بعدها أمة تخلفها إذ عليهم تقوم الساعة. ورفع الدرجات هو بالشرف في المراتب الدنيوية والعلم وسعة الرزق. و{لِّيَبْلُوَكُمْ} متعلق بقوله: ورفع. {فِي مَآ آتَاكُمْ} من ذلك جاهاً ومالاً وعلماً وكيف يكونون في ذلك. {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لما كان الابتلاء به يظهر المسيء والمحسن والطائع والعاصي ذكر هذين الوصفين وختم بهما، ولما كان الغالب على فواصل الآي قبلها هو التهديد بدأ بقوله: سريع العقاب، يعني لمن كفر ما أعطاه الله تعالى وسرعة عقابه إن كان في الدنيا فالسرعة ظاهرة وإن كان في الآخرة، فوصف بالسرعة لتحققه إذ كل ما هو آت آت ولما كانت جهة الرحمة أرجى أكد ذلك بدخول اللام في الخبر، ويكون الوصفين بنيا بناء المبالغة ولم يأت من جهة العقاب بوصفه بذلك، فلم يأت ان ربك معاقب وسريع العقاب من باب الصفة المشبهة. والله الموفق للصواب.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن مضار في الدين المتين بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ} [الأنعام: 159] والإشارة فيها: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ}، أي: دينهم الذي ارتضي لهم الله تبارك وتعالى هو الدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان، وتمامية نعمة الحق تعالى وهو الفوز العظيم بنور الله التام، كما قال تعالى: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ}تفسير : [الصف: 8] فارقوا بقلوبهم، وإن كانوا متمسكين ببعض سعادة بظواهرهم رياء وسمعة أو خوفاً وطمعاً، {وَكَانُواْ شِيَعاً} [الأنعام: 159]، أي: صاروا هؤلاء الفارقون المارقون فرقاً مختلفة، فرقة منهم أهل الأهواء والبدع من المذاهب المختلفة: كالمعتزلة والنجارية والمعطلة نافية الصفات والمشبهة والجسمية والمرجئة والجبرية والقدرية والروافض والخوارج وأمثالهم ممن يزعم أنه من أهل الإسلام، وفرقة منهم أهل الدعاوي من غير المعاني كبعض المتزهدين بالرياء، والمتصوفين بغير الصفاء، والعارفين الجاهلين المكذبين العادين عن المعرفة منهم: القلندرية والحوالقية وأكثر من يدَّعي الفقر وما شمَّ رائحته، وكبعض الغافلين البطالين والعلماء بالسوء الذين يأكلون الدنيا بالدين وهو [بأبدانهم] في طلب العلم وحرفة الجاه والقبول وجمع المال والمفاخرة والمباهاة والشهرة وأخذ المناصب للمكاسب، فإنهم يدَّعون من خواص أهل الإسلام ويظهرون شعائر الصالحين ويضمرون دثار الصالحين. ومنهم فرقة خلعوا من ربقة الإسلام بالكلية وخرقوا من الدين خروق السَّهم من الرمية، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم: كالمتفلسفة والدهرية والطبائعية والحشوية والزنادقة والإباحية والمباركية والإسماعيلية والأباضية والحرورية وطوائف، فإن فيهم كثرة وليس أحد منهم على دين الإسلام، ولكن يخرطون في مسلكهم، وكانوا يتملكوا بملكهم، فهؤلاء أقوام اتفقوا بأبدانهم وافترقوا بقلوبهم وأديانهم مجتمعين جهراً بجهر متفرقين شبراً بشبر. قال الله تعالى: {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159]، ولا يجمعك وإياهم معنى شقك شق الحقائق وشقهم شق البواطل، ولا اجتماع للضدين، {إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ} [الأنعام: 159]، أي: في بدء الأمر في الخلقة في قسم الاستعداد على ما شاء كما شاء، وفي الحال بالتوفيق والخذلان وفي المال بالمكافآت والمجازات، {ثُمَّ يُنَبِّئُهُم} [الأنعام: 159]، عند المكافآت يوم المجازات، {بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159]، في الدينا، إذا كانوا يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، ولا ينبئهم عما فعله في البداية من التدبير والتقدير. ثم أخبر عن مجازات الحسنات والسيئات بقوله تعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، والإشارة فيها: إن الله تبارك وتعالى من كمال إحسانه مع العبد أحسن إليه بعشر حسنات قبل أن يعمل العبد حسنة واحدة، فقال تعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160]، يعني: قبل أن يجئ بحسنة أحسنت إليه بعشر حسنات؛ حتى يقدر أن يجيء بالحسنة، وهي: حسنة الإيجاد من العدم، وحسنة الاستعداد بأن خلقه في أحسن تقويم مستعداً للإحسان، وحسنة التربية، وحسنة الرزق بعثة الرسل، وحسنة إنزال الكتب، وحسنة تبيين الحسنات والسيئات، وحسنة التوفيق، وحسنة الإخلاص في الإحسان، وحسنة قبول الحسنات. {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا} [الأنعام: 160]، والسر فيه: إن السيئة بذر يذرع في أرض النفس والنفس خبيثة؛ لأنها أمَّارة بالسوء، والحسنة بذر يذرع في أرض القلب والقلب طيِّب؛ لأنه يذكر الله {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد: 28]، وقد قال تعالى: {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} تفسير : [الأعراف: 58]، وأمَّا ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت الجزاء للحسنات فاعلم أنه كما للأعداد أربع مراتب: آحاد وعشرات ومئات وألوف، وفي مرتبة الألوف ألف، فكذلك للإنسان أربع مراتب: النفس، والقلب، والروح، والسر، فالعمل الواحد في مرتبة النفس يكون واحد بعينه، كما قال تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40]، إذ هي بمرتبة الآحاد، وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها؛ لأنه بمرتبة العشرات، وفي مرتبة الروح يكون بمائة؛ لأنه بمرتبة المئات، وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى؛ لأنه منزلة الألوف، والله اعلم. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160]، المعنى: إن الله تعالى قد أحسن إليهم قبل أن يحسنوا بعشر حسنات شاملات للحسنات الكثيرة، فلا يظلمهم بعد أن أحسنوا، بل يضاعف حسناتهم يدل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً}تفسير : [النساء: 40]. ثم أخبر عن الصراط المستقيم وأنه هو الدين القيم بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 161]، الإشارة فيها: إن الإنسان لمَّا فارق غيب الغيب، وإن شاءته القدرة في عالم الأرواح فقد الحق عند وجدان الوجود، فلما أراد إلى أسفل سافلين القالب ضل عن سواء السبيل إلى أن أدركته العناية وساقته الهداية بجذبة: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ} تفسير : [الفجر: 28]، فيهديه ربه من تيه الضلالة والغواية إلى صراط مستقيم الدين القويم، كما قال تعالى لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم: قل: يعني؛ أخبر الخلق أحوالك؛ ليعرفوك فيتبعوك عليه، أي؛ هداني بعد أن وجدني ضالاً عنه في تيه البشرية إلى صراط مستقيم إليه، دل عليه قوله تعالى: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}تفسير : [الضحى: 7]، واعني بالصراط المستقيم: {دِيناً قِيَماً} [الأنعام: 161]، مبنياً على قرآن عجب يهدي إلى الرشد عند التمسك بحبله يوصل العبد إلى ربه. {مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} [الأنعام: 161]، أي: ذاهب إلى الحق؛ لقوله تعالى: {أية : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الصافات: 99]، {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161]، الذين يطلبون مع الله شيئاً آخر ويطلبون منه غيره، {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162]، أي: سيرى على منهاج الصلاة؛ وهي معراج إلى الله وذبيحة نفسي لله، {وَمَحْيَايَ} [الأنعام: 162]، أي: حياة قلبي وروحي، {وَمَمَاتِي} [الأنعام: 162] أي: موت نفسي، {لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]، لطلب الحق تعالى والوصول إليه، {لاَ شَرِيكَ لَهُ } [الأنعام: 163]، في الطلب من مطلوب سواه، {وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ} [الأنعام: 163]، أي: ليس هذا الطلب والقصد إلى الله من نظري وعقلي وطبعي؛ إنما هو من فضل الله ورحمته وهدايته وكمال عنايته إذ أوحى إلي وقال: {أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً}تفسير : [المزمل: 8]، وقال: {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ}تفسير : [الأنعام: 91]. {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163]، يعني: أنا أوَّل من استسلم عند الإيجاد لأمركن، وعند قبول فيض المحبة بقوله: [يحبهم]، والاستسلام للمحبة في قوله: [يحبونه]، دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول ما خلق الله نوري ".

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يتوعد تعالى الذين فرقوا دينهم، أي: شتتوه وتفرقوا فيه، وكلٌّ أخذ لنفسه نصيبا من الأسماء التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئا، كاليهودية والنصرانية والمجوسية. أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئا ويجعله دينه، ويدع مثله، أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة من أهل البدع والضلال والمفرقين للأمة. ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أهل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية. وأمره أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم فقال: { لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } أي لست منهم وليسوا منك، لأنهم خالفوك وعاندوك. { إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ } يردون إليه فيجازيهم بأعمالهم { ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } . ثم ذكر صفة الجزاء فقال: { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ } القولية والفعلية، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله أو حق خلقه { فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } هذا أقل ما يكون من التضعيف. { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا } وهذا من تمام عدله تعالى وإحسانه، وأنه لا يظلم مثقال ذرة، ولهذا قال: { وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ }.

همام الصنعاني

تفسير : 876- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {فَرَّقُواْ دِينَهُمْ}: [الآية: 159]، قال: هم الْيَهُود والنَّصَارَى. 877- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن صفوان ابن عسال المرادي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن بالمغرب باباً مفتوحاً للتوبة مسيرته سعبون عاماً لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه ".