٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
160
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم: الحسنة قول لا إله إلا الله، والسيئة هي الشرك، وهذا بعيد بل يجب أن يكون محمولاً على العموم إما تمسكاً باللفظ وإما لأجل أنه حكم مرتب على صف مناسب له فيقتضي كون الحكم معللاً بذلك الوصف فوجب أن يعم لعموم العلة. المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: حذفت الهاء من عشر والأمثال جمع مثل، والمثل مذكر لأنه أريد عشر حسنات أمثالها، ثم حذفت الحسنات وأقيمت الأمثال التي هي صفتها مقامها وحذف الموصوف كثير في الكلام، ويقوي هذا قراءة من قرأ عشر أمثالها بالرفع والتنوين. المسألة الثالثة: مذهبنا أن الثواب تفضل من الله تعالى في الحقيقة، وعلى هذا التقدير فلا إشكال في الآية، أما المعتزلة فهم فرقوا بين الثواب والتفضل بأن الثواب هو المنفعة المستحقة والتفضل هو المنفعة التي لا تكون مستحقة ثم إنهم على تقريع مذاهبهم اختلفوا. فقال بعضهم: هذه العشرة تفضل والثواب غيرها وهو قول الجبائي قال: لأنه لو كان الواحد ثواباً وكانت التسعة تفضلاً لزم أن يكون الثواب دون التفضل، وذلك لا يجوز، لأنه لو جاز أن يكون التفضل مساوياً للثواب في الكثرة والشرف، لم يبق في التكليف فائدة أصلاً فيصير عبثاً وقبيحاً، ولما بطل ذلك علمنا أن الثواب يجب أن يكون أعظم في القدر وفي التعظيم من التفضل. وقال آخرون: لا يبعد أن يكون الواحد من هذه التسعة ثواباً، وتكون التسعة الباقية تفضلاً، إلا أن ذلك الواحد يكون أوفر وأعظم وأعلى شأناً من التسعة الباقية. المسألة الرابعة: قال بعضهم: التقدير بالعشرة ليس المراد منه التحديد، بل أراد الإضعاف مطلقاً، كقول القائل لئن أسديت إلي معروفاً لأكافئنك بعشر أمثاله، وفي الوعيد يقال: لئن كلمتني واحدة لأكلمنك عشراً، ولا يريد التحديد فكذا ههنا. والدليل على أنه لا يمكن حمله على التحديد قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لمن يشاء} تفسير : [البقرة: 261]. ثم قال تعالى: {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } أي الأجزاء يساويها ويوازيها. روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تعالى قال الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو عفو فالويل لمن غلب آحاده أعشاره»تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة وإن لم يعملها فإن عملها فعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلا تكتبوها وإن عملها فسيئة واحدة» تفسير : وقوله: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي لا ينقص من ثواب طاعتهم، ولا يزاد على عقاب سيئاتهم في الآية سؤالان: السؤال الأول: كفر ساعة كيف يوجب عقاب الأبد على نهاية التغليظ. جوابه: أنه كان الكافر على عزم أنه لو عاش أبداً لبقي على ذلك الاعتقاد أبداً، فلما كان ذلك العزم مؤبداً عوقب بعقاب الأبد خلاف المسلم المذنب، فإنه يكون على عزم الإقلاع عن ذلك الذنب، فلا جرم كانت عقوبته منقطعة. السؤال الثاني: إعتاق الرقبة الواحدة تارة جعل بدلاً عن صيام ستين يوماً، وهو في كفارة الظهار، وتارة جعل بدلاً عن صيام أيام قلائل، وذلك يدل على أن المساواة غير معتبرة. جوابه: إن المساواة إنما تحصل بوضع الشرع وحكمه. السؤال الثالث: إذا أحدث في رأس إنسان موضحتين: وجب فيه إرشان، فإن رفع الحاجز بينهما صار الواجب أرش موضحة واحدة، فههنا ازدادت الجناية وقل العقاب، فالمساواة غير معتبرة. وجوابه: إن ذلك من تعبدات الشرع وتحكماته. السؤال الرابع: إنه يجب في مقابلة تفويت أكثر كل واحد من الأعضاء دية كاملة، ثم إذا قتله وفوت كل الأعضاء، وجبت دية واحدة، وذلك يمتنع القول من رعاية المماثلة. جوابه: أنه من باب تحكمات الشريعة. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ} ابتداء، وهو شرط، والجواب {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} أي فله عشر حسنات أمثالها؛ فحذفت الحسنات وأُقيمت الأمثال التي هي صفتها مقامها؛ جمع مِثْل. وحكى سيبويه: عندي عشرة نسّابات، أي عندي عشرة رجال نسّابات. وقال أبو عليّ: حَسُن التأنيث في «عَشْرُ أَمْثَالِهَا» لما كان الأمثال مضافاً إلى مؤنّث، والإضافة إلى المؤنث إذا كان إياه في المعنى يحسن فيه ذلك؛ نحو «تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ». وذهبت بعض أصابعه. وقرأ الحسن وسعيد بن جُبير والأعمش «فله عَشْرٌ أمثالها». والتقدير: فله عشر حسنات أمثالها، أي له من الجزاء عشرة أضعاف مما يجب له. ويجوز أن يكون له مثل، ويضاعف المِثل فيصير عشرة. والحسنة هنا: الإيمان. أي من جاء بشهادة أن لا إله إلاَّ الله فله بكل عملٍ عمِله في الدنيا من الخير عشرة أمثاله من الثواب. {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ} يعني الشرك {فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا} وهو الخلود في النار؛ لأن الشرك أعظم الذنوب، والنار أعظم العقوبة؛ فذلك قوله تعالىٰ: {أية : جَزَآءً وِفَاقاً}تفسير : [النبأ: 26] يعني جزاء وافق العمل. وأما الحسنة فبخلاف ذلك؛ لنص الله تعالىٰ على ذلك. وفي الخبر: «حديث : الحسنة بعشر أمثالها وأَزِيد والسيئة واحدة وأغفر فالويل لمن غلبت آحادُه أعشارَه»تفسير : . وروى الأعمش عن أبي صالح قال: الحسنة لا إلٰه إلاَّ الله والسيئة الشرك. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي لا ينقص ثواب أعمالهم. وقد مضى في «البقرة» بيان هذه الآية. وأنها مخالفة للإنفاق في سبيل الله؛ ولهذا قال بعض العلماء: العشر لسائر الحسنات؛ والسبعمائة للنفقة في سبيل الله، والخاص والعام فيه سواء. وقال بعضهم: يكون للعوامّ عشرة وللخواص سبعمائة وأكثر إلى ما لا يحصى؛ وهذا يحتاج إلى توقيف. والأوّل أصح؛ لحديث خُريم بن فاتك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيه: «حديث : وأما حسنة بعشر فمن عَمِل حسنة فله عشر أمثالها وأما حسنة بسبعمائة فالنفقة في سبيل الله».
البيضاوي
تفسير : {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} أي عشر حسنات أمثالها فضلاً من الله. وقرأ يعقوب «عشرة» بالتنوين وأمثالها بالرفع على الوصف. وهذا أقل ما وعد من الأضعاف وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة وبغيرِ حساب ولذلك قيل: المراد بالعشر الكثرة دون العدد. {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} قضية للعدل. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقص الثواب وزيادة العقاب.
ابن كثير
تفسير : وهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل في الآية الأخرى، وهي قوله: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية؛ كما قال الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله: حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجعد أبو عثمان، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: «حديث : إن ربكم عز وجل رحيم، من هم بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة. ومن هم بسيئة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها، كتبت له واحدة، أو يمحوها الله عز وجل، ولا يهلك على الله إلا هالك» تفسير : ورواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث الجعد أبي عثمان به. وقال أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يقول الله عز جل: من عمل حسنة، فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة، فجزاؤها مثلها أو أغفر، ومن عمل قراب الأرض خطيئة، ثم لقيني لا يشرك بي شيئاً، جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبراً، اقتربت إليه ذراعاً، ومن اقترب إلي ذراعاً، اقتربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة» تفسير : ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن الأعمش به، ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به، وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من هم بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها، كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة فلم يعملها، لم يكتب عليه شيء، فإن عملها، كتبت عليه سيئة واحدة» تفسير : واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام: تارة يتركها لله، فهذا تكتب له حسنة على كفه عنها لله تعالى، وهذا عمل ونية، ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة؛ كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح: «حديث : فإنما تركها من جرائي» تفسير : أي: من أجلي، وتارة يتركها نسياناً وذهولاً عنها، فهذا لا له ولا عليه؛ لأنه لم ينو خيراً، ولا فعل شراً، وتارة يتركها عجزاً وكسلاً عنها بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا بمنزلة فاعلها؛ كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار»تفسير : قالوا: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «حديث : إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»تفسير : وقال الإمام أبو يعلى الموصلي: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا علي، وحدثنا الحسن بن الصباح وابن خيثمة، قالا: حدثنا إسحاق بن سليمان، كلاهما عن موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، عن جده أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من هم بحسنة، كتب الله له حسنة، فإن عملها، كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة، لم تكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها، كتبت عليه سيئة، فإن تركها، كتبت له حسنة، يقول الله تعالى: إنما تركها من مخافتي»تفسير : ، هذا لفظ حديث مجاهد، يعني: ابن موسى، وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الركين بن الربيع عن أبيه عن عمه فلان بن عميلة، عن خريم بن فاتك الأسدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الناس أربعة، والأعمال ستة، فالناس موسع له في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمال موجبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف، فالموجبتان، من مات مسلماً مؤمناً لا يشرك بالله شيئاً وجبت له الجنة، ومن مات كافراً وجبت له النار، ومن هم بحسنة فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحرص عليها، كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة، لم تكتب عليه، ومن عملها، كتبت واحدة، ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة، كانت عليه بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله عز وجل، كانت بسبعمائة ضعف» تفسير : ورواه الترمذي والنسائي من حديث الركين بن الربيع عن أبيه عن بشير بن عميلة عن خريم بن فاتك به ببعضه، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب بن المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها بلغو، فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء، فهو رجل دعا الله، فإن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحداً، فهي كفارة له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام»تفسير : ، وذلك لأن الله عز وجل يقول: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله تعالى قال: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}» تفسير : وعن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من صام ثلاثة أيام من كل شهر، فقد صام الدهر كله» تفسير : رواه الإمام أحمد، وهذا لفظه، والنسائي وابن ماجه والترمذي، وزاد: "حديث : فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} اليوم بعشرة أيام"تفسير : . ثم قال: هذا حديث حسن. وقال ابن مسعود: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}: من جاء بلا إله إلا الله، {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ}، يقول: بالشرك، وهكذا جاء عن جماعة من السلف رضي الله عنهم أجمعين، وقد ورد فيه حديث مرفوع الله أعلم بصحته، لكني لم أروه من وجه يثبت، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جداً وفيما ذكر كفاية إن شاء الله، وبه الثقة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَن جَاءَ بِٱلْحَسَنَةِ } أي لا إله إلا الله {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } أي جزاء عشر حسنات {وَمَن جَاءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا } أي جزاؤه {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } ينقصون من جزائهم شيئاً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} في الحسنة والسيئة هنا قولان: أحدهما: أن الحسنة الإيمان، والسيئة الكفر، قاله أبو صالح. والثاني: أنه على العموم في الحسنات والسيئات أن جعل جزاء الحسنة عشر أمثالها تفضلاً، وجعل جزاء السيئة مثلها عدلاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَبْعَدَ اللَّهُ مَنْ غَلَبَتْ وَاحِدَتُهُ عَشْراً ". تفسير : ثم في ذلك قولان: أحدهما: أنه عام في جميع الناس. والثاني: أنه خاص في الأعراب إذا جاء أحدهم بحسنة فله عشر أمثالها، فأما غيرهم من المهاجرين فلمن جاء منهم بحسنة سبعمائة، قاله ابن عمر، وأبو سعيد الخدري. فأما مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها فلأن الله فرض عُشْر أموالهم، وكانوا يصومون في كل شهر ثلاثة أيام وهي البيض منه، فكان آخر العُشْر من المال آخر جميع المال، وآخر الثلاثة الأيام آخر جميع الشهر. وأما مضاعفة ذلك بسبعمائة ضعف فلقوله تعالى: {أية : مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلِةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لَمَنْ يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 261]، فضاعف الله الحسنة بسبعمائة ضعف، وكان الحسن البصري يقرأ: {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالُهَا} بالتنوين، وَوَجْهُهُ في العربية صحيح. وحكى ابن بحر في الآية تأويلاً يخرج عن عموم الظاهر، وهو أن الحسنة اسم عام يطلق على كل نوع من الإيمان وينطلق على عمومه، فإن انطلقت الحسنة على نوع واحد منه، فليس له عليها من الثواب إلا مثل واحد، وإن انطلقت على حسنة تشتمل على نوعين، كان الثواب عليها مثلين كقوله: {أية : اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُم كفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} تفسير : [الحديد: 28]، والكفل: النصيب كالمثل، فجعل لمن اتقى وآمن بالرسول نصيبين، نصيباً لتقوى الله، ونصيباً لإيمانه برسوله، فدل على أن الحسنة التي جعلت لها عشر أمثالها هي التي جمعت عشرة أنواع من الحسنات، وهو الإيمان الذي جمع الله في صفته عشرة أنواع بقوله: {أية : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : إلى قوله: {أية : وَأَجْراً عَظِيماً} تفسير : [الاحزاب: 35]، فكانت هذه الأنواع العشرة التي ثوابها عشرة أمثالها، فيكون لكل نوع منها مثل، وهذا تأويل فاسد، لخروجه عن عموم الظاهر، لما لا يحتمله تخصيص العموم، لأن ما جمع عشرة أنواع فهو عشر حسنات، فليس يجزي عن حسنة إلا مثلها، وبطل أن يكون جزاء الحسنة عشر أمثالها. وذكر بعض المفسرين تأويلاً ثالثاً: أن له عشر أمثالها في النعيم والزيادة لا في عظيم المنزلة، لأن منزلة التعظيم لا تنال إلا بالطاعة، وهذه مضاعفة تفضيل كما قال: {أية : لِيُوَفِّيهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} تفسير : [فاطر: 30].
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْحَسَنَةِ} بالإيمان، والسيئة: الكفر، أو عامة في الحسنات والسيئات. {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} عام في جميع الناس، أو خاص بالأعراب لهم عشر ولغيرهم من المهاجرين سبعمائة، قاله ابن عمر، وأبو سعيد الخدري ـ رضي الله تعالى عنهما ـ، ولما فرض عشر أموالهم، وكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر كان العشر كأخذ جميع المال، والثلاثة كصوم الشهر، والسبعمائة من سنبلة أنبتت سبع سنابل.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} يعني مثلها في مقابلتها واختلفوا في هذه الحسنة والسيئة على قولين: أحدهما: أن الحسنة قول لا إله إلا الله والسيئة هي الشرك بالله، وأورد على هذا القول: إن كلمة التوحيد لا مثل لها حتى يجعل جزاء قائلها عشر أمثالها وأجيب عنه بأن جزاء الحسنة قدر معلوم عند الله فهل يجازى على قدر إيمان المؤمن بما يشاء من الجزاء وإنما قال عشر أمثالها للترغيب في الإيمان لا للتحديد وكذلك جزاء السيئة بمثلها من جنسها. والقول الثاني: إن اللفظ عام في كل حسنة يعملها العبد أو سيئة، وهذا أولى. لأن حمل اللفظ على العموم أولى قال بعضهم: التقدير بالعشرة ليس التحديد لأن الله يضاعف لمن يشاء في حسناته إلى سبعمائة ويعطي من يشاء بغير حساب وإعطاء الثواب لعامل الحسنة فضل من الله تعالى هذا مذهب أهل السنة وجزاء السيئة بمثلها عدل منه سبحانه وتعالى وهو قوله تعالى: {وهم لا يظلمون} يعني لا ينقص من ثواب الطائع ولا يزاد على عذاب العاصي (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله تعالى"تفسير : (م) عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله تبارك وتعالى من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد من جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها أو أغفر ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة بعد أن لا يشرك بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة"تفسير : (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يقول الله تبارك وتعالى وإذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها وإن ترك من أجلي فاكتبوها له حسنة وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة"تفسير : لفظ البخاري وفي لفظ مسلم عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : قال الله تبارك وتعالى إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها وإذا تحدث عبدي بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها"تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها وإن تركها فاكتبوها له حسنة فإنما تركها من أجلي"تفسير : زاد الترمذي: من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها. قوله عز وجل: {قل} يعني: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك {إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} يعني: قل لهم إنني أرشدني ربي إلى الطريق القويم وهو دين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين {ديناً قيماً} يعني هداني صراطاً مستقيماً ديناً قيماً، وقيل: يحتمل أن يكون محمولاً على المعنى تقديره: وعرفني ديناً قيماً يعني ديناً مستقيماً لا اعوجاج فيه ولا زيغ، وقيل: قيماً ثابتاً مقوماً لأمور معاشي ومعادي، وقيل: هو من قام وهو أبلغ من القائم {ملة إبراهيم} والمِلة بالكسر الدين والشريعة. يعني هداني وعرفني دين إبراهيم وشريعته {حنيفاً} الأصل في الحنيف الميل وهو ميل عن الضلالة إلى الاستقامة والعرب تسمي كل من اختتن أو حج حنيفاً تنبيهاً على أنه دين إبراهيم عليه السلام {وما كان من المشركين} يعني إبراهيم عليه السلام وفيه رد على كفار قريش لأنهم يزعمون أنهم على دين إبراهيم فأخبر الله تعالى أن إبراهيم لم يكن من المشركين وممن يعبد الأصنام {قل إن صلاتي} أي: قل يا محمد إن صلاتي {ونسكي} قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والسدي: أراد بالنسك في هذا الموضع الذبيحة في الحج والعمرة، وقيل: النسك العبادة والناسك العابد. وقيل: المناسك أعمال الحج. وقيل: النسك كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة وحج وذبح وعبادة. ونقل الواحدي عن أبي الأعرابي قال: النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة وقيل للمتعبد ناسك لأنه خلص نفسه من دنس الآثام وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث. وفي قوله إن صلاتي ونسكي دليل على أن جميع العبادات يؤديها العبد على الإخلاص لله ويؤكد هذا قوله لله رب العالمين لا شريك له وفيه دليل على أن جميع العبادات لا تؤدى إلا على وجه التمام والكمال لأن ما كان لله لا ينبغي أن يكون إلا كاملاً تاماً مع إخلاص العبادة له فما كان بهذه الصفة من العبادات كان مقبولاً {ومحياي ومماتي} أي حياتي وموتي بخلق الله وقضائه وقدره أي هو يحييني ويميتني وقيل معناه إن محياي بالعمل الصالح ومماتي إذا مت على الإيمان لله، وقيل: معناه إن طاعتي في حياتي لله وجزائي بعد مماتي من الله وحاصل هذا الكلام له أن الله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين أن صلاته ونسكه وسائر عباداته وحياته وموته كلها واقعة بخلق الله وقضائه وقدره وهو المراد بقوله {لله رب العالمين لا شريك له} يعني في العبادة والخلق والقضاء والقدر وسائر أفعاله لا يشاركه فيها أحد من خلقه {وبذلك أمرت} يعني: قل يا محمد وبهذا التوحيد أمرت {وأنا أول المسلمين} قال قتادة: يعني من هذه الأمة وقيل معناه وأنا أول المستسلمين لقضائه وقدره.
ابن عادل
تفسير : إنما ذكّر العدد والمَعْدُود مذكَّر، لأوجه: منها: أن الإضافة لها تَأثِير كما تقدَّم غيْر مرَّة؛ فاكتسب المُذَكَّر من المؤنَّث التَّأنيث، فأعْطِي حُكْم المؤنَّث من سُقُوط التَّاء من عَدَدِه؛ ولذلك يُؤنَّث فعله حالة إضافته لِمُؤنَّثٍ نحو: {تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} [يوسف:10]. وقوله: [الطويل] شعر : 2395-.................... كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنْ الدَّمِ تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 2396-.................... تَسَفًّهَتْ أعَالِيهَا مَرُّ الرِّبيعِ النَّواسِمِ تفسير : إلى غير ذلك مما تقدَّم تَحْقِيقه. ومنها: أنَّ المذكر عِبَارة عن مُؤنَّثٍ، فرُوعِي المُرَاد دُونَ اللَّفْظ، وعليه قوله: [الطويل] شعر : 2397- وإنَّ كِلاَباً هذه عَشْرُ أبْطُنٍ وأنْتَ بَرِيءٌ مِنْ قِبَائِلِهَا العَشْرِ تفسير : لم يُلْحِق التَّاء في عدد أبطن، وهي مُذَكَّرة؛ لأنَّها عِبَارة عن مُؤنَّث، وهي القبائل، فكأنَّه قيل: وإن كِلاَباً هذه عَشْر قَبَائِل؛ ومثله قول عُمَر بن أبي ربيعة: [الطويل] شعر : 2398- وَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْتُ أتَّقِي ثلاثُ شُخُوصٍ كاعِبَانِ ومُعْصِرُ تفسير : لم تَلْحَق التاءُ في عدد "شخوص" وهي مُذَكَّرة؛ لمَّا كانت عِبَارة عن النِّسْوَة، وهذا أحْسَن ممَّا قَبْلَه؛ للتَّصْريح بالمُؤنَثِ في قوله: "كاعبانِ" و "مُعْصِرُ"، وهذا كما أنَّه إذا أُرِيد بلَفْظٍ مؤنَّثٍ معنًى مُذَكَّر؛ فإنَّهم يَنْظُرُون إلى المُراد دُونه اللَّفْظ، فَيُلْحِقُون التَّاء في عددِ المُؤنَّث، ومنه قوله الشاعر: [الوافر] شعر : 2399- ثَلاَثَةُ أنْفُسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ على عِيَاليِ تفسير : فألحَق التَّاء في عدد "أنْفُس" وهي مُؤنَّثةٌ؛ لأنَّها يراد بها ذُكُور، ومثله: {أية : ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً} تفسير : [الأعراف:160] في أحد الوَجْهَين، وسيأتي إن شاء الله في موضعه. ومنها: أنَّه راعى الموصُوف المَحْذُوف، والتقدير: فله عَشْر حسنات أمْثَالها، ثم حذف الموصُوف: وأقَامَ صِفَتَهُ مُقامه تاركاً العدد على حاله، ومثله: "مَرَرْت بِثَلاثة نَسَّاباتٍ" ألْحِقَت التَّاء في عدد المؤنَّث مُرَاعاةً للموصوف المَحْذُوف، إذ الأصْل: بثلاثة رجالٍ نسَّاباتٍ، ويؤيِّد هذا: قراءة يَعْقُوب، والحسن، وسعيد بن جُبَيْر، والأعْمش، وعيسى بن عُمَر: "عَشْرٌ" بالتَّنوين "أمثَالُها" بالرَّفْع صفة لـ "عَشْر" أي: فله عشر حسناتٍ أمْثَالِ تِلْك الحسنة، وهذه القراءة سَالِمَةٌ من تلك التَّآويل المَذْكُورة في القِرَاءة المَشْهُورة. وقال أبو عليَّ: اجْتَمَع هاهُنَا أمْرَان، كلٌّ مِنْها يُوجِب التَّأنيث، فلما اجْتَمَعا، قوي التَّأنيث: أحدهما: أن الأمْثَال في المعنى: "حَسَنات" فجاز التأنيث كقوله: [الطويل] شعر : 2400-.................. ثلاثُ شُخُوصٍ كاعِبَانِ ومُعْصِرُ تفسير : أراد بالشُّخُوص: النِّسَاء. والآخر: أنَّ المُضاف إلى المؤنَّثِ قد يُؤنَّث وإن كان مُذَكَّراً؛ كقول من قال: "قَطَعْت بَعْضَ أصابِعه"، {تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ} [يوسف:10]. فصل في هل المراد في العدد التحديد قال بعضهم: التقدير بالعَشْرَة ليس المراد منه: التَّحْديدُ، بل المُرَادُ منه: الإضْعَاف مُطْلقاً؛ كقول القائل: "إذا أسديت إليَّ معروفاً لأكافِئَنَّكَ بعشر أمْثَالِهِ" وفي الوَعِيد: "لئن كَلَّمْتَنِي [كلمة] واحِدَة، لأكَلِّمنَّك عَشْراً" ولا يريدُ التَّحْديد، فكذلك هُنا، ويدُلُّ على أنَّه ليس المراد التَّحْديد، قوله - سبحانه وتعالى -: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة:261]. وقال ابن عُمَر - رضي الله عنه -: "الآية في غير الصِّدَقَات". قوله: {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا} أي: إلاّ جَزَاء يُسَاويِها. روى أبو ذرٍّ - رضي الله تعالى عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم وشرّف وكرَّم وبجّل ومَجّد وعظَّم قال: قال الله - تبارك وتعالى -: "الحسنة عشرة أو أزيد، والسيئة واحدة، أو عفو، فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره". وقال - عليه أفضل الصلاة والسلام - وأتم حكاية عن الله - تبارك وتعالى سبحانه -: "حديث : إذا هَمّ عَبْدِي بِحسنَةٍ، فاكتُبُوهَا وإنْ لَم يَعْمَلْها، فإن عَمِلها، فعَشرْ أمْثَالها, وإن هَمّ بسَيِّئَة، فلا تَكْتُبُوها، فإن عَمِلَها، فَسَيِّئَة وَاحِدة" . تفسير : وروى أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أحْسَن أحدُكُم إسلامه، فكُلُّ حَسَنَة يَعْمَلُها تُكْتَبُ بعْشر أمْثَالها إلى سبعمائة، وكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُها، تكْتَبُ بِمثْلِها، حتَّى يَلْقى اللَّه - عزَّ وجلَّ - ". تفسير : ثم قال - تبارك وتعالى -: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. أي: لا يَنْتَقِصُ من ثواب طاعتهم، ولا يُزَاد على عِقاب سيِّئاتهم، وهاهُنا سؤالان: السؤال الأول: كُفْر ساعة كَيْف يُوجِبُ عقاب الأبد على نهاية التَّغْلِيظ فما وجه المُمَاثَلَة؟ فالجواب: أن الكافر كان على عَزْم أنَّه لو عاش أبداً لبقي على ذلك الاعْتِقَاد فلما كان ذلك العَزْم مؤبَّداً عُوقِب بعقابِ الأبد؛ بخلاف المُسْلِم المُذْنِب؛ فإنَّه يكُون على عَزْمِ الإقْلاع من ذلك الذَّنْب، فلا جَرَم كانت عُقُوبتُه مُنْقطعة. السؤال الثَّاني: اعتاق الرَّقبة الواحدة تارةً جعلها بدلاً عن صِيَام سِتِّين يَوْماً في كفَّارة الظِّهَار، والجِمَاع في نهارِ رمضان، وتارة جعلها بدلاً من صيام ثلاثة أيَّام، فدلَّ على أنَّ المُساوَاة غير مُعْتَبَرة؟. وجوابُه: أنَّ المُساوَاة إنَّما تَحْصُل بوَضع الشِّرْع وحُكْمه. السؤال الثالث: إذا أوْضَح الإنْسان مُوَضِّحَتَيْن، وجب فيهما أرشان فإن رُفِعَ الحاجزُ بينهُمَا، صار الواجب أرْشَ مُوضِّحة واحدة؛ فههُنا ازْدَادَت الجِنايَة وقل العقاب، فالمُسَاوَاة غير مُعْتَبَرة. وجوابُه أنَّ ذلك من قَصْد الشَّرْع وتحكُّمَاتِه. السؤال الرابع: أنه يَجِب في مُقابَلة تفويت أكثر كُلِّ واحدٍ من الأعضاء دية كاملة ثم إذا قتله وفوّت كل الأعضاء وجب دِيَة واحِدَة، وذلك يَمْنع القول من رِعَايَة المُمَاثلة. وجوابُه: أن ذلك من باب تحكُّمَاتِ الشَّريعة.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر أن أمرهم ليس إلا إليه، كان كأنه قيل: فماذا يفعل بهم حينئذ؟ فأجيب بقوله: {من جاء} أي منهم أو من غيرهم {بالحسنة} أي الكاملة بكونها على أساس الإيمان {فله} من الحسنات {عشر أمثالها} كرماً وإحساناً وجوداً وامتناناً، يجازيه بذلك في الدنيا أو في الآخرة، وهذا المحقق لكل أحد ويزداد البعض وضوحاً بحسب النيات، وذكر العشر، لأنه بمعنى الحسنة، وهو مضاف إلى ضميرها. ولما تضمن قوله {أية : وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} تفسير : [الأنعام: 153] مع تعقيبه بقوله {أية : لا نكلف نفساً إلاّ وسعها} تفسير : [الأنعام: 152] الإشارة إلى أن المساواة في الجزاء مما ينقطع دونه أعناق الخلق، أخبر أن ذلك عليه هين لأن عمله شامل وقدرته كاملة بقوله: {ومن جاء بالسيئة} أي أيّ شيء كان من هذا الجنس {فلا يجزى} أي في الدارين {إلا مثلها} إذا جوزي، ويعفو عن كثير. ولما كانت المماثلة لا يلزم كونها من كل وجه وإن كانت ظاهرة في ذلك لا سيما في هذه العبارة، صرح بما هو ظاهره لأنه أطيب للنفس وأسكن للروع فقال: {وهم لا يظلمون *} أي بكونها مثلها في الوحدة وإن كانت أكبر أو من جنس أشد من جنسها ونحو ذلك، بل المماثلة موجودة في الكم والكيف، فلا ينقص أحد في ثواب ولا يزاد في عقاب. ولما تضمن ما مضى تصحيح التوحيد بالأدلة القاطعة وتحقيق أمر القضاء والقدرة وإبطال جميع أديان الضلال ووصفها بتفرق أهلها الدال على بطلانها واعوجاجها، وختم بهذا التحذير الذي لا شيء أقوم منه ولا أعدل، أمره صلى الله عليه وسلم بالإعلان بأمره وأن يصف دينه الذي شرعه له وهداه إليه بما فيه من المحاسن تحبيباً فيه وحثاً عليه ولأن ذلك من نتيجة هذه السورة فقال: {قل} وأكد بالإتيان بالنونين فقال: {إنني هداني} أي بياناً وتوفيقاً {ربي} أي المحسن إليّ بكل خير لا سيما هذا الذي أوحاه إليّ وأنزله عليّ {إلى صراط مستقيم *} أي طريق واسع بين، ثم مدحه بقوله: {ديناً قيماً} أي بالغ الاعتدال والاستقامة ثابتها، هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو بفتح القاف وتشديد الياء المكسورة، وهو في قراءة الباقين بكسر القاف وفتح الياء الخفيفة مصدر بمعنى القيام وصف به للمبالغة، وزاده مدحاً بقوله مذكراً لهم - لتقليدهم الآباء - بأنه دين أبيهم الأعظم: {ملة إبراهيم} والملة ما أظهره نور العقل من الهدى في ظُلَم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا - أفاده الحرالي. ولذلك قال: {حنيفاً} أي ليناً هيناً سهلاً قابلاً للاستقامة لكونه ميالاً مع الدليل غير جاف ولا كز واقف مع التقليد عمى عن نور الدليل - كما تقدم ذلك في البقرة، وهو معنى قوله: {وما} أي والحال أنه ما {كان من المشركين *} أي الجامدين مع أوهامهم في ادعاء شريك لله مع رؤيتهم له في كونه لا يضر ولا ينفع ولا يصلح لشركة آدمي فضلاً عن غيره بوجه، لا ينقادون لدليل ولا يصغون إلى قيل، فكان هذا مدحاً لهذا الدين الذي هدى إليه صلى الله عليه وسلم وبياناً لأنه الذي اختاره سبحانه لخليله إبراهيم عليه السلام رجوعاً إلى {أية : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر}تفسير : [الأنعام: 74] الذي بنيت السورة في الحقيقة عليه، وألقيت أزمة أطرافها إليه، وترغيباً في هذا الدين لأن جميع المخالفين يتشبثون بأذيال إبراهيم عليه السلام: العرب وأهل الكتابين بنسبة الأبوة، والمجوس بنسبة البلد والأخوة، وأشار بذلك إلى أن محمداً صلى الله عليه وسلم فهم ما حاج به أبوه إبراهيم عليه السلام قومه وقبله، فلم ينسب كغيره إلى جمود ولا عناد. ولما كان كأن سائلاً قال: وما هذه الملة التي تكرر مدحها والدعاء إليها؟ أجاب بقوله ليتأسى به أهل الإيمان، فليلتزموا جميع ما يدعو إليه على وجه الإخلاص: {قل إن صلاتي} أي التي هي لباب الدين وصفاوته {ونسكي} أي جميع عبادتي من الذبائح وغيرها {ومحياي} أي حياتي وكل ما تجمعه من زمان ومكان وفعل {ومماتي لله} أي الملك الأعظم الذي لا يخرج شيء عن أمره؛ ولما علم بالاسم الأعظم أنه يستحق ذلك لذاته، أعلم أنه يستحقه من كل أحد لإحسانه إليه وإنعامه عليه فقال: {رب العالمين *} الموجد والمدبر والموعي لهم.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: حديث : لما نزلت {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} قال رجل من المسلمين: يا رسول الله لا إله إلا الله حسنة؟ قال "نعم، أفضل الحسنات" . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود {من جاء بالحسنة} قال: لا إله إلا الله . وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {من جاء بالحسنة} قال: لا إله إلا الله. وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة أراه رفعه {من جاء بالحسنة} قال: لا إله إلا الله. وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: نزلت هذه الآية {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} وهم يصومون ثلاثة أيام من الشهر ويؤدون عشر أموالهم، ثم نزلت الفرائض بعد ذلك صوم رمضان والزكاة. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن حبان عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال " حديث : أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت. فقلت له: قد قلته يا رسول الله. قال: فإنك لا تستطيع ذلك، صم وافطر، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك كصيام الدهر " . تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : من صام ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صيام الدهر، فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} اليوم بعشرة أيام " . تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه حديث : عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله علمني عملاً يقربني من الجنة ويباعدني من النار قال: إذا عملت سيئة فاعمل حسنة، فإنها عشر أمثالها. قلت: يا رسول الله لا إله إلا الله من الحسنات؟ قال: هي أحسن الحسنات " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنه قال: ما تقولون من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها لمن هي؟ قلنا للمسلمين. قال: لا والله ما هي إلا للأعراب خاصة، فاما المهاجرون فسبعمائة . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} قال: إنما هي للأعراب، ومضعفة للمهاجرين بسبعمائة ضعف . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في الاعراب {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} والاضعاف للمهاجرين. وفي لفظ: فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن ما للمهاجرين؟ قال: ما هو أفضل من ذلك {أية : إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويُؤْتِ من لدنه أجراً عظيماً} تفسير : [النساء: 41] وإذا قال الله لشيء عظيم فهو عظيم. وأخرج أحمد عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من اغتسل يوم الجمعة، واستاك، ومس من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد ولم يتخط رقاب الناس، ثم رجع ما شاء الله أن يركع، ثم أنصت إذا الإِمام فلم يتكلم حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها، وكان أبو هريرة يقول: ثلاثة أيام زيادة، إن الله جعل الحسنة بعشر أمثالها " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ومن جاء بالحسنة...} الآية. قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول " حديث : إذا هم العبد بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وإذا هم بسيئة ثم عملها كتبت له سيئة " . تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه "حديث : من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك . تفسير : وأخرج أحمد ومسلم وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يقول الله عز وجل: من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو اغفر، ومن عمل قراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئاً جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إليَّ شبراً اقتربت إليه ذراعاً، ومن اقترب إلى ذراعاً اقتربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة " . تفسير : وأخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى وقوله الحق: إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، وإذا عملها فاكتبوها بعشر أمثالها، وإذا هم بسيئة فلا تكتبوها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، فإن تركها فاكتبوها له حسنة، ثم قرأ {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} ". تفسير : وأخرج أبو يعلى عن أنس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء، فإن عملها كتبت عليه سيئة " . تفسير : وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله تعالى قال: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو فهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو فإن شاء الله أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بانصات وسكوت، ولم يتخُط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحداً، فهي كفارة له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله يقول {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان يجده، ثم أتى المسجد فلم يؤذ أحداً، ولم يتخط أحداً، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الثانية وزيادة ثلاثة أيام، لأن الله تعالى يقول "الحسنة بعشر أمثالها" ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عثمان بن أبي العاصي قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الحسنة بعشر أمثالها" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام الدهر ثلاثة أيام من كل شهر، فإن الحسنه بعشر أمثالها" . وأخرج ابن مردويه عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر كله، يوم بعشرة أيام {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} وأخرجه الخطيب عن علي موقوفاً" . وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله جعل حسنة ابن آدم عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم، والصوم لي وأنا أجزي به " . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن حبان عن ابن عمرو " حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خصلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة هما يسير، ومن يعمل بهما قليل، يسبح الله دبر كل صلاة عشراً، ويحمد عشراً، ويكبر عشراً، فذلك خمسون ومائة باللسان وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر أربعاً وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويحمد ثلاثاً وثلاثين، ويسبح ثلاثاً وثلاثين، فذلك مائة باللسان وألف في الميزان، وأيّكم يعمل في اليوم ألفين وخمسمائة سيئة؟ ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : من عاد مريضاً، أو أماط أذى عن طريق، فحسنة بعشر أمثالها " . تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: تعلموا القرآن واتلوه فإنكم تؤجرون به بكل حرف منه عشر حسنات، أما أني لا أقول آلم عشر ولكن ألف ولام وميم ثلاثون حسنة، ذلك بأن الله عز وجل يقول {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} . وأخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن خريم بن فاتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " حديث : الناس أربعة والأعمال ستة. فموجبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف، فمن مات كافراً وجبت له النار، ومن مات مؤمناً وجبت له الجنة، والعبد يعمل بالسيئة فلا يجزى إلا بمثلها، والعبد يهم بالحسنة فيكتب له حسنة، والعبد يعمل بالحسنة فتكتب له عشراً، والعبد ينفق النفقة في سبيل الله فيضاعف له سبعمائة ضعف، والناس أربعة: فموسع عليه في الدنيا وموسع عليه في الآخرة، وموسع عليه في الدنيا ومقتر عليه في الآخرة، ومقتر عليه في الدنيا وموسع عليه في الآخرة، ومقتر عليه في الدنيا والآخرة " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : كل حسنة يعملها العبد المسلم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له بعشر أمثالها إلى سبعمائة وسبع أمثالها ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله ليعطي بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، ثم قرأ {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} " . تفسير : وأخرج أبو داود الطيالسي وابن حبان والبيهقي في الشعب عن أبي عثمان قال: كنا مع أبي هريرة في سفر، فحضر الطعام فبعثنا إلى أبي هريرة ، فجاء الرسول فذكر أنه صائم، فوضع الطعام ليؤكل، فجاء أبو هريرة فجعل يأكل، فنظروا إلى الرجل الذي أرسلوه فقال: ما تنظرون إلي، قد ــ والله ــ أخبرني أنه صائم؟! قال: صدق ثم قال أبو هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " حديث : صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من الشهر صوم الدهر، فانا صائم في تضعيف الله ومفطر في تخفيفه، ولفظ ابن حبان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الشهر وقد صمت ثلاثة أيام من كل شهر كله وإني الشهر كله صائم، ووجدت تصديق ذلك في كتاب الله {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} ". تفسير : وأخرج الطيالسي وأحمد والبيهقي في الشعب عن الأزرق بن قيس عن رجل من بني تميم قال: كنا على باب معاوية ومعنا أبو ذر فذكر أنا صائم، فلما دخلنا ووضعت الموائد جهل أبو ذر يأكل، فنظرت إليه فقال: ما لك؟! قلت: ألم تخبر أنك صائم؟ قال: بلى أقرأت القرآن؟ قلت: نعم. قال: لعلك قرأت المفرد منه ولم تقرأ المضعف {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر حسنة"تفسير : قال: صوم الدهر يذهب مغلة الصدر. قلت: وما مغلة الصدر؟ قال: رجز الشيطان. وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي أيوب الأنصاري "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال فذاك صيام الدهر " . تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي عن جابر بن عبد الله " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان وستة أيام من شوال فكأنما صام السنة كلها " . تفسير : وأخرج البزار والبيهقي عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : صيام شهر بعشرة أشهر، وستة أيام بعده بشهرين، فذلك تمام السنة، يعني رمضان وستة أيام بعده " . تفسير : وأخرج ابن ماجة عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} ". تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كانت أولى خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة "حديث : أنه قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد أيها الناس فقدموا لأنفسكم تعلمن والله ليضعفن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي فبلغك وآتيتك مالاً وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك؟ فينظر يميناً وشمالاً فلا يرى شيئاً، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها يُجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام على رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الحمد لله أحمده وأستعينه نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ان أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإِسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس أنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله تعالى وذكره، ولا تقسوا عنه قلوبكم فإنه من كل يختار الله ويصطفي فقد سماه خيرته من الأعمال، ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما أتى الناس من الحلال والحرام، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، واتقوا الله حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .
ابو السعود
تفسير : وقوله تعالى: {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} استئناف مبـين لمقادير أجزية العاملين وقد صدر ببـيان أجزية المحسنين المدلول عليهم بذكر أضدادهم. قال عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم: (يريد من عمل من المصدقين حسنة كتبت له عشر حسنات) أي من جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة من المؤمنين إذ لا حسنة بغير إيمان فله عشر حسنات أمثالها تفضلاً من الله عز وجل وقرىء عشر بالتنوين وأمثالها بالرفع على الوصف وهذا أقل ما وعد من الأضعاف وقد جاء الوعد بسبعين وبسبعمائة وبغير حساب ولذلك قيل: المراد بذكر العشر بـيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ} أي بالأعمال السيئة كائناً من كان من العاملين {فَلا يَجْزِى إِلاَّ مِثْلَهَا} بحكم الوعد واحدة بواحدة {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقص الثواب وزيادة العقاب {قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى} أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يبـين لهم ما هو عليه من الدين الحق الذي يدعون أنهم عليه وقد فارقوه بالكلية وتصدير الجملة بحرف التحقيق لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها والتعرض لعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لمزيد تشريفه أي قل لأولئك المفرقين: أرشدني ربـي بالوحي وبما نصب في الآفاق والأنفسِ من الآيات التكوينية {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} موصلٍ إلى الحق وقوله تعالى: {دِينًا} بدلٌ من إلى صراط فإن محله النصبُ كما في قوله تعالى: {أية : وَيَهْدِيَكَ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً} تفسير : [الفتح، الآية 2] أو مفعولٌ لفعل مضمرٍ يدل عليه المذكورُ {قَيِّماً} مصدرٌ نُعت به مبالغةً والقياسُ قِوَماً كعِوَض فاعل لإعلال فعلِه كالقيام وقرىء قيّماً وهو فيْعلٌ من قام كسيّد من ساد وهو أبلغُ من المستقيم باعتبار الزنة وإن كان هو أبلغَ منه باعتبار الصيغة {مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ} عطفُ بـيانٍ لديناً {حَنِيفاً} حالٌ من إبراهيمَ أي مائلاً عن الأديان الباطلةِ، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} اعتراضٌ مقرِّرٌ لنزاهته عليه السلام عما عليه المفرِّقون لدينه من عقْد وعَمَل أي ما كان منهم في أمر من أمور دينِهم أصلاً وفرعاً، صرّح بذلك رداً على الذين يدّعون أنهم على ملته عليه السلام من أهل مكةَ واليهودِ المشركين بقولهم: عزيرٌ ابنُ الله والنصارى المشركين بقولهم: المسيحُ ابنُ الله.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الآية: 160]. ومن لاحظها من مواصلة الحق فهو الذى يصلى عليك وملائكته والله يضاعف لمن يشاء.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}. هذه الحسنات للظاهر: وأمَّا حسنات القلوب فللواحد مائة إلى أضعاف مضاعفة. ويقال الحسنة من فضله تعالى تَصْدُر، وبلطفه تحصل، فهو يُجْرِي، ثم يَقْبَلُ ويثني، ثم يجازي ويُعطي. ويقال إحسانه - الذي هو التوفيق - يوجِبُ إحسانك الذي هو الوفاق، وإحسانه - الذي هو خَلق الطاعة - يوجِبُ لك نعت الإحسان الذي هو الطاعة؛ فالعناءُ منك فِعْلُه والجزاءُ لكَ فَضْلُه. ويقال إحسان النفوس تَوْفِيَة الخدمة، وإحسان القلوب حفظ الحرمة، وإحسان الأرواح مراعاة آداب الحشمة. ويقال إحسان الظاهر يوجب إحسانه في السرائر فالذي منك مجاهدتُك، والذي إليك مشاهدتك. ويقال إحسان الزاهدين ترك الدنيا، وإحسان المريدين رفض الهوى، وإحسان العارفين قطع المنى، وإحسان الموحدين التخلِّي عن الدنيا والعقبى، والاكتفاء بوجود المولى. ويقال إحسان المبتدئين الصدق في الطلب، وإحسان أصحاب النهاية حفظ الأدب، فشرطُ الطلبِ ألا يبقى ميسورٌ إلاَّ بَذَلْتَه، وشرط الأدب ألا تسمو لك هِمَّةٌ إلى شيءٍ إلا قطعتَه وتركته. ويقال للزهاد والعبَّاد، وأصحاب الأوراد وأرباب الاجتهاد جزاءٌ محصور معدود ولأهل المواجيد لقاء غير مقطوع ولا ممنوع. قوله جلّ ذكره: {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. يعني (يُكالُ) عليه بالكيل الذي يكيل، ويُوقَفُ حيث يرضى لنفسه بأن يكون له موقفاً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} من بقى على رؤية الاعمال فاجره بحساب لان اجره من عالم الحدثان من نعيم الجنان ومن رفع بصره عن اعماله بنعت الخجل عند رؤية الرحمن اجره بغير حسبا لانه لطائف العرفان وموايد الايقان واصل الحسنة اخلاص العبودية عند ظهور الربويبة لذلك قال عليه الصلاة والسلام الاحسان ان تعبد الله كانك تراه هذا احسان العارفين الذين اجرهم مشاهدة الله بلا نهاية قال بعضهم من لاحظها من نفسه فعشرا مثلاها ومن لاحظها من مواصلة الحق فهو الذى يصلى عليكم وملائكته والله يضاعف لمن يشاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {من جاء بالحسنة} اى من جاء يوم القيامة بالاعمال الحسنة من المؤمنين اذ لا حسنة بغير ايمان. قال القاضى عياض انعقد الاجماع على ان الكفار لا تنفعهم اعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم يكون اشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم انتهى نعم اذا اسلموا يثابون على الخيرات المتقدمة لما ورد فى الحديث "حديث : حسنات الكفار مقبولة بعد اسلامهم ". تفسير : وفى تفسير الكاشفى [هركه بيايد دردنيا بنكوبى] {فله عشر امثالها} اى فله عشر حسنات امثالها فضلا من الله تعالى فالامثال ليس مميزا للعشر بل مميزها هو الحسنات والامثال صفة لمميزها ولذا لم يذكر التاء للعشر. وقيل انما انث عشر وان كان مضافا الى ما مفرده مذكر لاضافة الامثال الى مؤنث هو ضمير الحسنة كقوله تعالى {أية : يلتقطه بعض السيارة} تفسير : [يوسف: 10]. {ومن جاء بالسيئة} اى بالاعمال السيئة كائنا من كان من العاملين {فلا يجزى الا مثلها} بحكم الوعد واحدة بواحدة. فان قيل كفر ساعة يوجب عقاب الابد على نهاية التغليظ فما وجه المماثلة. واجيب بان الكافر على عزم انه لو عاش ابدا لبقى على ذلك الاعتقاد فلما كان العزم مؤبدا عوقب بعقاب الابد بخلاف المسلم المذنب فانه يكون على عزم الاقلاع عن ذلك الذنب فلا جرم كانت عقوبته منقطعة {وهم لا يظلمون} بنقص الثواب وزيادة العقاب. قال الحدادى وانما قال ذلك لان التفضل بالنعم جائز والابتداء بالعقاب لا يجوز انتهى. واعلم ان الحسنات العشر اقل ما وعد من الاضعاف: قال السعدى قدس سره شعر : نكوى كارى از مردم نيك راى يكى را يده مينويسد خداى تونيز اى بسر هر كرايك هنر به بينى زده عيبش اندر كذر تفسير : وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة وبغير حساب ولذلك قيل المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر فى العدد الخاص كما يقول القائل لئن اسديت الىّ معروفا لاكافئنك بعشر امثاله وحكمة التضعيف لئلا يفلس العبد اذا اجتمع الخصماء فى طاعته فيدفع اليهم واحدة ويبقى له تسع فمظالم العباد توفى من التضعيفات لا من اصل حسناته لان التضعيف فضل من الله تعالى واصل الحسنة الواحدة عدل منه واحدة بواحدة وفى الحديث "حديث : ويل لمن غلب آحاده على اعشاره " .تفسير : اى سيآته على حسناته وفى الحديث "حديث : الاعمال ستة موجبتان ومثل بمثل وحسنة بحسنة وحسنة بعشر وحسنة بسبعمائة فاما الموجبتان فهو من مات ولا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة ومن مات وهو مشرك بالله دخل النار واما مثل بمثل فمن عمل سيئة فجزاء سيئة مثلها واما حسنة بحسنة فمن هم بحسنة حتى تشعر بها نفسه ويعلمها الله من قلبه كتبت له حسنة واما حسنة بعشر فمن عمل حسنة فله عشر امثالها واما حسنة بسبعمائة فالنفقة فى سبيل الله". شعر : كنون بركف دست نه هرجه هست كه فردا بدندان كزى بشت دست تفسير : قال فى اسئلة الحكم اعلم ان الشارع قد يرتب الثواب للعمل لئلا يترك بل يرغب فيه فلا يكون ذلك العمل افضل من العمل المؤكد عليه الذى لم يترتب عليه ذلك الثواب فمن ذلك قوله عليه السلام "حديث : من صلى الضحى اثنتى عشرة ركعة بنى الله له بيتاً فى الجنة من ذهب " .تفسير : مع ان السنة الراتبة لفرض الظهر افضل من الضحى ومن ذلك قوله عليه السلام "حديث : من صلى ست ركعات بين المغرب والعشاء كتب الله له عبادة اثنتى عشرة سنة ".تفسير : مع ان سنة المغرب افضل من ذلك وانما رتب الثواب على ذلك لكثرة الغفلة فيه وامثال ذلك كثيرة فى الاخبار فلا يفضل على الراتب المؤكد وان لم يعين اجره غير الراتب من النوافل وان رتب اجره وقد اتفق اهل العلم انه لا يبلغ حد الفرض واجب وسنة راتبة او غير راتبة فى الاجر والفضيلة فى عمل او حكم ولا يبلغ مرتبة الراتبة نقل من الاحكام وان لم يتعين قدر اجرها فان السنن شرعت لتتميم نقائض الفرائض والنوافل الغير الراتبة لتتميم نقائص السنن الراتبة فلا ينوب نفل مناب فرض يجب قضاؤه فرض لا يسقط بالنوافل كما يزعم بعض العوام يترك الفرائض ويرغب فى النوافل مما ورد كثرة الاجر عليه كالصلاة بعد المغرب بزعم سقوط الفرائض بها وتنوب مناب القضاء وذلك غير مشروع اصلا وترتيب اجور الاعمال والاذكار موقوف على الوحى والالهام لا قدم فيه لتخمين العقول. والاشارة فى الآية ان الله تعالى من كمال احسانه مع العبد احسن اليه بعشر حسنات قبل ان يعمل العبد حسنة واحدة فقال تعالى {من جاء بالحسنة فله عشر امثالها} يعنى قبل ان يجئ بحسنة احسن اليه بعشر حسنات حتى يقدر ان يجيء بالحسنة وهى حسنة الايجاد من العدم وحسنة الاستعداد بان خلقه فى احسن تقويم مستعدا للاحسان وحسنة التربية وحسنة الرزق بعثة الرسل وحسنة انزال الكتب وحسنة تبيين الحسنات والسيآت وحسنة التوفيق وحسنة الاخلاص فى الاحسان وحسنة قبول الحسنات {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الا مثلها} والسر فيه ان السيئة بذر يزرع فى ارض النفس والنفس خبيثة لانها امارة بالسوء والحسنة بذر يزرع فى ارض القلب والقلب طيب لان بذكر الله تطمئن القلوب وقد قال تعالى {أية : والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه والذى خبث لا يخرج الا نكدا} تفسير : [الأعراف: 58]. واما ما جاء فى القرآن والحديث من تفاوت الجزاء للحسنات. فاعلم انه كما ان للاعداد اربع مراتب آحاد وعشرات ومآت والوف والواحد فى مرتبة الآحاد واحد بعينه وفى مرتبة العشرات عشرة وفى مرتبة المآت مائة وفى مرتبة الالوف الف فكذلك للانسان مراتب اربع النفس والقلب والروح والسر فالعمل الواحد فى مرتبة النفس اى اذا صدر منها يكون واحدا بعينه كما قال {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها} تفسير : [الشورى: 40]. إذا هى فى مرتبة الاحاد وفى مرتبة القلب يكون بعشر امثالها لانه بمرتبة العشرات وفى مرتبة الروح يكون بمائة لانه بمرتبة المآت وفى مرتبة السر يكون بالف الى اضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية الى ما يتناهى لانه بمنزلة الالوف والله اعلم {وهم لا يظلمون} المعنى ان الله تعالى قد احسن اليهم قبل ان يحسنوا بعشر حسنات شاملات للحسنات الكثيرة فلا يظلمهم بعد ان احسنوا بل يضاعف حسناتهم يدل عليه قوله تعالى {أية : ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه اجرا عظيما} تفسير : [النساء: 40]. كذا فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {من جاء بالحسنة} قولية أو فعلية أو قلبية، {فله عشر أمثالها} من الحسنات، فضلاً من الله، وهذا أقل ما وعد من الأضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة، وبغير حساب، ولذلك قيل: المراد بالعشر: الكثرة دون العدد، {ومن جاء بالسيئة فلا يُجزى إلا مثلها}؛ قضية للعدل، {وهم لا يظلمون} بنفس الثواب وزيادة العقاب. الإشارة: إنما تضاعف أعمال الجوارح وما كان من قبل النيات، وأما أعمال القلوب فأجرها بغير حساب، قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ } تفسير : [الزُّمَر:10]، وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : تفكر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة "تفسير : . وقا الشاعر: شعر : كُلُّ وَقْتٍ مِنْ حَبِيبي قَدْرُه كَأَلْفِ حِجَّهْ تفسير : وقد تقدم هذا في سورة البقرة. ثم إن تضعيف الحسنات إنما يكون لمن تمسك بالدين القيم، وهو الذي أشار إليه بقوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.
الطوسي
تفسير : يجوز في قوله {فله عشر أمثالها} ثلاثة أوجه: الجر بالاضافة، وعليه جميع القراء الا يعقوب. ورفع {أمثالها} مع التنوين على الصفة، وبه قرأ الحسن ويعقوب. ونصبه على التمييز، كما تقول عندي خمسة أترابا ذكر ذلك الزجاج، والفراء. ومعنى القراءة الاولى، فله عشر حسنات أمثالها، ويجوز في العربية فله عشر مثلها، فيكون المثل في لفظ الواحد وفى معنى الجمع، كما قال {أية : إنكم إذا مثلهم}.تفسير : ومن قال: أمثالها فهو كقوله {أية : لا يكونوا أمثالكم} تفسير : وانما جاز في (مثل) التوحيد في معنى الجمع، لانه على قدر ما يشبه به، تقول: مررت بقوم مثلكم وبقوم أمثالكم. وقال الرماني: كلما لم يتميز بالصورة فان جمعه يدل على الاختلاف، كقولك: رمال ومياه، فأما (رجال) فلا يدل على الاختلاف، لانه يتميز بالصورة، ويجوز ان يكون (المثل) في موضع الجمع ولا يجوز مثل ذلك في (العدل) لان (المثل) لا يضاف الى الجماعة الا على معنى انه مثل لكل واحد منهم. وليس كذلك (العدل) لانه يكون لجماعتهم دون كل واحد منهم. وقال اكثر اهل العدل ان الواحد من العشرة مستحق وتسعة تفضل. وقال بعضهم: المعنى فله من الثواب ثواب عشر حسنات أمثالها، وهذا لا يجوز، لانه يقبح ان يعطي غير العامل مثل ثواب العامل كما يقبح ان يعطي الاطفال مثل ثواب الانبياء ومثل اجلالهم واكرامهم وان يرفع منزلتهم عليهم. وانما لم يتوعد على السيئة الا بمثلها، لان الزائد على ذلك ظلم. والله يتعالى عن ذلك، وزيادة الثواب على الجزاء تفضل واحسان فجاز ان يزيد عليه. قال الرماني: ولا يجوز على قياس عشرة أمثالها عشر صالحات بالاضافة لان المعنى ظاهر في ان المراد عشر حسنات امثالها، وقال غيره لان الصالحات لا تعد، لانها اسماء مشتقة. وانما تعد الاسماء. و (المثل) اسم فلذلك جاز العدد به، وقال الرماني: دخول الهاء في قوله (الحسنة) يدل على ان تلك الحسنة ما هو مباح لا يستحق عليه المدح والثواب. ولو قيل: دخول الالف واللام فيها يدل على ان الحسنة هي المأمور بها، ودخلا للعهد، والله لا يأمر بالمباح، لكان اقوى مما قاله، ويجوز أن يكون التفضل مثل الثواب في العدد والكثرة، ويتميز منه الثواب بمقارنة التعظيم والتبجيل اللذين لولاهما لما حسن التكليف. وانما قلنا: يجوز ذلك لان وجه حسن ذلك: الاحسان والتفضل، وذلك حاصل في كل قدر زائد. وفي الناس من منع من ان يساوي التفضل الثواب في باب الكثرة. والصحيح ما قلناه اولا. فان قيل: كيف تجمعون بين قوله {فله عشر أمثالها} وبين قوله {أية : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة}تفسير : وقوله{أية : من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة}تفسير : ولان المجازاة بدخول الجنة مثابا فيها على وجه التأبيد، لا نهاية له، فكيف يكون ذلك عشر أمثالها، وهل هذا الا ظاهر التناقض؟! قلنا: الجواب عن ذلك ما ذكره الزجاج وغيره: ان المعنى في ذلك ان جزاء الله على الحسنات على التضعيف للمثل الواحد الذي هو النهاية في التقيد في النفوس، ويضاعف الله عن ذلك بما بين عشرة اضعاف الى سبعمائة ضعف الى أضعاف كثيرة، ففائدة ذلك انه لا ينقص من الحسنة عن عشر أمثالها، وفيما زاد على ذلك يزيد من يشاء من فضله واحسانه. وقال قوم: المعنى من جاء بالحسنة فله عشر أمثال المستحق عليها، والمستحق مقداره لا يعلمه الا الله وليس يريد بذلك عشر أمثالها في العدد، كما يقول القائل للعامل الذي يعمل معه: لك من الاجر مثل ما عملت اي مثل ما تستحقه بعملك. وقال آخرون: المعنى في ذلك ان الحسنة لها مقدار من الثواب معلوم لله تعالى فأخبر الله تعالى انه لا يقتصر بعباده على ذلك بل يضاعف لهم الثواب حتى تبلغ ذلك ما أراد وعلم أنه أصلح لهم، ولم يرد العشرة بعينها لكن اراد الاضعاف كما يقول القائل: لئن اسديت اليَّ معروفا لأكافينَّك بعشرة أمثاله، وعشرة اضعافه. وفي الوعيد لئن كلمتني واحدة لاكلمنك عشرة، وليس يريدون بذلك العدد المعين لا اكثر منها، وانما يريدون ما ذكرناه. وقال قوم: عني بهذه الآية الاعراب، واما المهاجرون فحسناتهم سبع مئة، ذهب اليه ابو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر. وقال قوم: معنى {عشر أمثالها} لانه كان يؤخذ منهم العشر في الزكاة، وكانوا يصومون في كل شهر ثلاثة ايام والباقي لهم. وقال قوم {من جاء بالحسنة} يعني الايمان، فله يعني للايمان عشر أمثالها، وهو ما ذكره في قوله {أية : إن المسلمين والمسلمات..}تفسير : الى آخر الآية. وهذان الوجهان قريبان، والمعتمد ما قدمناه من الوجوه. وقال اكثر المفسرين: ان السيئة المذكورة في الآية هي الشرك، والحسنة المذكورة فيها هي التوحيد واظهار الشهادتين. فان قيل كيف يجوز الزيادة في نعم المثابين مع ان الثواب قد استغرق جميع مناهم وما يحتملونه؟ قلنا عنه جوابان: احدهما - انه ليس للمنية نهاية مما يحتمله من اللذات. والثاني - ان يزاد في البنية والقوة مثل أن يزاد في قوة البصر حتى يرى الجزء الذي لا يتجزَّء وان لم يزد في اخفاء الانسان.
الجنابذي
تفسير : {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} الحسنة وصف من الحسن والتّاء فيه للنّقل من الوصفيّة الى الاسميّة، فانّها صارت اسماً لاشياء مخصوصة ورد عن الشّريعة حسنها او للتّأنيث فى الاصل بتقدير الخصلة الحسنة، وحقيقة الحسن هى الولاية المطلقة وهى علىّ (ع) بعلويّته والنّبوّات واحكامها القالبيّة والولايات الجزئيّة واحكامها القلبيّة اظلال الولاية المطلقة وقبول النّبوّات والولايات ايضاً ظلّها، وكلّ فعل وقول وخلق كان من جهة الولاية كان حسناً بحسنها لكونه ظلّها ايضاً، ويعلم السّيّئة بالمقايسة الى الحسنة فاصل السّيّئة اتّباع النّفس المعبّر عنه بولاية اعداء آل محمّد ومخالفيهم. واعلم، انّ الانسان مفطور على السّير الى الآخرة ودار النّعيم وحيازة درجاتها، فاذا فرض عمل يعينه على سيره وعمل آخر مثل هذا العمل يقسره على الحركة الى الجحيم والى خلاف فطرته، فاذا كان تحريك العمل الى جهة خلاف الفطرة درجة مثلاً كان تحريك العمل الموافق للفطرة ازيد من تحريك العمل المخالف للفطرة بمراتب عديدة، واقلّها عشر درجات واكثرها لا حدّ لها بتفاوت استعداد الاشخاص وهذا نظير تحريك الحجر هابطاً وصاعداً بقوّةٍ واحدةٍ، فانّ الهابط يكون اسرع حركة من الصّاعد {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ} اى المحسنون والمسيئون {لاَ يُظْلَمُونَ} بنقص الجزاء وتضعيف العقاب.
فرات الكوفي
تفسير : {مَنْ جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها وَمَنْ جاءَ بالسَيّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها160} فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن إسحاق بن عمار الصيرفي قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام [في. أ] قول الله [تعالى. ر]: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلاّ مثلها} فما الحسنة و [ما. ب] السيئة؟ قال: قلت: أخبرني يا ابن رسول الله. قال: "الحسنة الستر والسيئة إذاعة حديثنا". فرات قال: حدثني محمد بن القاسم بن عبيد معنعناً: عن أبي عبد الله عليه السلام [أنه. ب] قرأ {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} فإذا! جاء بها مع الولاية فله عشر أمثالها، {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} جهنم! لا يخرج منها ولا يخفف عنهم [أ، ر: عنها] العذاب {ومن جاء بالسيئة} من غيرهم لا يجازى [أ، ر: يجاز] إلاّ مثلها. [وسألته عن] قوله: {من جاء بالحسنة [فله خير منها وهم من فزعٍ يومئذٍ آمنون} ما هي الحسنة التي من جاء بها] أمن من فزع يوم القيامة؟ قال: الحسنة ولايتنا وحبنا {أية : ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار} تفسير : [90/ النمل] ولم يقبل لهم عملاً ولا صرفاً ولا عدلاً فهو بغضنا أهل البيت هل يجزون إلا ما كانوا يعملون. فرات قال: حدثني الحسين [بن سعيد] معنعناً: عن أبي حنيفة سائق [ر: سابق] الحاج قال: سمعت عبد الله بن الحسن [أ، ر: الحسين] يقول: {وأحاطت به خطيئته} [قال: الإذاعة علينا حديثنا] {ومن جاء بالحسنة} حبنا أهل البيت والسيئة بغضنا أهل البيت.
اطفيش
تفسير : {مَنْ جاء بالحَسَنة فله عَشْر أمثَالها ومَنْ جاء بالسَّيئةِ فلا يُجْزى إلا مِثلَها} أى من جاء إلى الله بالحسنة لم يفسدها فى الدنيا فله عشر حسنات أمثالها، أى جزاء عشر حسنات أمثالها، كأنه عمل عشرا بلا تضعيف، كتب الله ذلك رحمة منه، كما سامح الفقير، فضرب له مالا عظيما على شئ من العمل لا يسوى شيئا من ذلك المال رحمة له وشفقة، ثم إنه لا يسمى ذلك إلا أجرة له، ولا يسمى الفضل إلا ما لم يجعله فى مقابلة ذلك العمل، بل رحمة الله أعظم، لأنه أيضا الخالق لعمل العبد الموفق له، وذكر الله العشر لأنه لا بد منها فى قضائه لكل من جاء بالحسنة، وعلى هذا الذى لا بد منه. جاء أيضا عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويل لمن غلبت آحاده عشراته" تفسير : وذلك إذا جاء يفعلها وأما إن نواها وعلم الله منه الصدق، فإنه يكتبها له بلا تضعيف، وأجرة الله لنا لا تقصر على العشر، وقد يأجرنا بعشرين وخمس وعشرين وبسبعين وبمائة وسبعمائة وبألف، وأقل من ذلك فوق العشرة وأكثر من ذلك، وبلا حساب، ولذلك قيل: العشر فى الآية التمثيل للكثرة مهما دق العدد، وقد نظر لأنه تذكر فى الأحاديث أعداد بعد عشر ودون التمثيل، فى الكل تكليف، ولله عطاء لم يجعله فى مقابلة عمل يسميه فضلا، لكن يبين على الوفاء بالدين والكل أيضا فضل، وسقطت التاء من عشر مع أنه أضيف المذكر وهى أمثال، لأنه اعتبر موصوف أمثال وموصوفه مؤنث، أى عشر حسنات أمثالها، وقرأ يعقوب بتنوين عشر ورفع أمثال، على أنه نعت عشر، وأضاف عشر إلى حسنات محذوف، ومن جاء بالسيئة لم يمحها بالتوبة جوزى بواحدة. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله تعالى" تفسير : وهذا الحديث يدل على أنه تجمع الحسنات والسيئات، فيحكم بالأكثر وقيل: كلما عمل حسنة محيت سيئة إذا لم يصر، وكلما تاب محيت السيئة التى تاب عنها بشروط التوبة، وإن مات مصراً على سيئة واحدة محت حسناتها كلها، وهذا مذهبنا. وجاء فى الحديث: "حديث : أنه من هم بسيئة فعملها كتبت له بواحدة أو أحقر، وإن لم يعملها لم تكتب عليه وإن هم وعزم عليها كتب عزمه وهو ذنب أقل منها، وإن تركها من أجل الله كتب له حسنة" تفسير : والخلود فى الجنة والنار بالنيات، لأن المؤمن ينوى الطاعة أبداً، والمشرك وسائر المصرين ينوون المعصية أبداً، قال ابن مسعود: الحسنة لا إله إلا الله، والسيئة الشرك، والصحيح العموم. {وهُم لا يُظْلمون} الضمير عائد إلى الجائين بالحسنات والجائين بالسيئات، لأن من فى الموضعين للعموم، ومعنى لا يظلمون لا ينقص من ثواب الجائين بالحسنات، ولا يزاد فى عقاب الجائين بالسيئات، ولا تكتب السيئة حتى تعمل.
الالوسي
تفسير : {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ} استئناف مبين لمقادير أجزية العاملين وقد صدر ببيان / أجزية المحسنين المدلول عليهم بذكر أضدادهم أي من جاء من المؤمنين بالخصلة الواحدة من خصال الطاعة أي خصلة كانت، وقيل: التوحيد ونسب إلى الحسن وليس بالحسن {فَلَهُ عَشْرُ } حسنات {أَمْثَـٰلهَا } فضلاً من الله تعالى. وقرأ يعقوب {عشر} بالتنوين {أَمْثَـٰلُهَا } بالرفع على الوصف، وهذا أقل ما وعد من الأضعاف، وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة وبغير حساب، ولذلك قيل: المراد بالعشر الكثرة لا الحصر في العدد الخاص. وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي هريرة وأبو الشيخ عن ابن عباس وعبد بن حميد وغيره عن ابن عمر أن الآية نزلت في الأعراب خاصة، وأما المهاجرون فالحسنة مضاعفة لهم بسبعمائة ضعف، والظاهر العموم. وتجريد {عَشَرَ } من التاء لكون المعدود مؤنثاً كما أشرنا إليه لكنه حذف وأقيمت صفته مقامه، وقيل: إنه المذكور إلا أنه اكتسب التأنيث من المضاف إليه. {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ} كائناً من كان من العالمين {فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا } بحكم الوعد واحدة بواحدة، وإيجاب كفر ساعة عقاب الأبد لأن الكافر على عزم أنه لو عاش أبداً لبقي على ذلك الاعتقاد أبداً {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص الثواب وزيادة العقاب. فإن ذلك منه تعالى لا يعد ظلماً إذ له سبحانه أن يعذب المطيع ويثيب العاصي، وقيل: المعنى لا ينقصون في الحسنات من عشر أمثالها وفي السيئة من مثلها في مقام الجزاء. ومن المعتزلة من استدل بهذه الآية على إثبات الحسن والقبح العقليين، واختلف في تقريره فقيل: إنهم لما رأوا أن أحد أدلة الأشاعرة على النفي أن العبد غير مستبد في إيجاد فعله كما بين في محله فلا يحكم العقل بالاستقلال على ترتب الثواب والعقاب عليه قالوا: إن قوله سبحانه: {مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ} الخ صريح في أن العبد مستبد مختار في فعله الحسن والقبيح، وإذا ثبت ذلك يثبت الحسن والقبح العقليان. وأجيب عنه بأن الآية لا تدل على استبداد العبد، غاية ما فيها أنها تدل على المباشرة وهم لا ينكرونها، وقيل: إن الآية دلت على أن لله تعالى فعلاً حسناً ولو كان حسن الأفعال لكونها مأمورة أو مأذوناً فيها لما كان فعل الله تعالى حسناً إذ هو غير مأمور ولا مأذون، وأيضاً لو توقف معرفة الحسن والقبح على ورود الشرع لما كانت أفعاله تعالى حسنة قبل الورود وهو خروج عن الدين. وأجيب أما عن الأول: فبأنا لا ندعي أنه لا حسن إلا ما أمر به أو أذن في فعله حتى يقال: يلزم أن تكون أفعال الله تعالى غير حسنة إذ يستحيل أن يكون مأموراً بها أو مأذوناً فيها بل ما أمر الشارع بفعله أو أذن فيه فهو حسن ولا ينعكس كنفسه بل قد يكون الفعل حسناً باعتبار موافقة الغرض أو باعتبار أنه مأمور بالثناء على فاعله، وبهذا الاعتبار كان فعل الله تعالى حسناً سواء وافق الغرض أو خالف، وأما عن الثاني: فبأن الحسن والقبح وإن فسرا بورود الشرع بالمنع والإطلاق لكن لا نسلم أنه لا حسن ولا قبح إلا بالشرع حتى يلزمنا ذلك بل الحسن والقبح أعم مما ذكر كما عرف في موضعه، ولا يلزم من تحقق معنى الحسن والقبح بغير ورود الشرع بالمنع والإطلاق أن يكون داتياً للأفعال، ولا يخفى على المطلع أن قولهم: لو كان حسن الأفعال الخ وقولهم: لو توقف معرفة الحسن والقبح الخ شبهتان مستقلتان من شبه عشر إلزامية ذكرها الآمدي في «أبكار الأفكار»/ وأن كلاً من التقريرين السابقين لا يخلو بعد عن نظر فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : من عادة القرآن أنَّه إذا أنذر أعقب الإنذار ببشارة لمن لا يحقّ عليه ذلك الإنذار، وإذا بَشَّر أعقب البشارة بنذارة لمن يتَّصف بضدّ ما بشر عليه، وقد جرى على ذلك ههنا: فإنَّه لمّا أنذر المؤمنين وحذرهم من التريُّثثِ في اكتساب الخير، قبل أن يأتي بعض آياتتِ الله القاهرة، بقوله: { أية : لاَ يَنْفَع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً } تفسير : [الأنعام: 158] فحَدّ لَهم بذلك حدّاً هو من مظهر عدله، أعقب ذلك ببشرى من مظاهر فضله وعَدله. وهي الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها والجزاء على السيّئة بمثلها، فقوله: {من جاء بالحسنة} إلى آخره استئناف ابتدائي جرى على عرف القرآن في الانتقال بين الأغراض. فالكلام تذييل جامع لأحوال الفريقين اللذين اقتضاهما قوله: { أية : لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً } تفسير : [الأنعام: 158]. وهذا بيان لبعض الإجمال الذي في قوله: {لا ينفع نفساً إيمانها} الآية، كما تقدّم آنفاً. و{جاء بالحسنة} معناه عمل الحسنة: شبه عمله الحسنة بحال المكتسب، إذ يخرج يطلب رزقاً من وجوهه أو احتطاب أو صيد فيجيء أهله بشيء. وهذا كما استعير له اسم التِّجارة في قوله تعالى: { أية : فما ربحت تجارتهم} تفسير : [البقرة: 16]. فالباء للمصاحبة، والكلام تمثيل، ويجوز حمل المجيء على حقيقته، أي مجيء إلى الحساب على أن يكون المراد بالحسنة أن يجيء بكتابتها في صحيفة أعماله. وأمْثال الحسنة ثواب أمثالها، فالكلام على حذف مضاف بقرينة قوله: {فلا يجزي إلا مثلها}، أو معناه تحسب له عشرُ حسنات مثل التي جاء بها كما في الحديث: « حديث : كتبها الله عنده عشر حسنات » تفسير : ويعرف من ذلك أنّ الثّواب على نحو ذلك الحساب كما دلّ عليه قوله: {فلا يجزي إلا مثلها}. والأمثال: جمع مِثْل وهو المماثل المساوي، وجيء له باسم عدد المؤنّث وهو عشر اعتباراً بأنّ الأمثال صفة لموصوف محذوف دلّ عليه الحسنة أي فله عشر حسنات أمثالها، فروعي في اسم العدد معنى مميّزه دون لفظه وهو أمثال. والجزاء على الحسنة بعشرة أضعاف فضلٌ من الله، وهو جزاء غالب الحسنات، وقد زاد الله في بعض الحسنات أن ضاعفها سبعمائة ضِعْف كما في قوله تعالى: { أية : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة } تفسير : [البقرة: 261] فذلك خاصّ بالإنفاق في الجهاد. وفي الحديث: « حديث : من هَمّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة » تفسير : . وقرأ الجمهور: {عَشرُ أمثالِها} بإضافة {عشر} إلى {أمثالها}. وهو من إضافة الصّفة إلى الموصوف، وقرأه يعقوب ــــ بتنوين {عشر} ورفع {أمثالها}، على أنّه صفة لــــ {عشر}، أي فله عشر حسنات مماثلة للحسنة التي جاء بها. ومماثلة الجزاء للحسنة موكول إلى علم الله تعالى وفضله. وإنَّما قال في جانب السيّئة فلا يُجزى إلاّ مثلها بصيغة الحصر لأجل ما في صيغته من تقديم جانب النّفي، اهتماماً به، لإظهار العدل الإلهي، فالحصر حقيقي، وليس في الحصر الحقيقي ردّ اعتقاد بل هو إخبار عمّا في نفس الأمر، ولذلك كان يساويه أن يقال: ومن جاء بالسيّئة فيُجزى مثلها، لولا الاهتمام بجانب نفي الزّيادة على المماثلة. حديث : ونظيره قول النّبيء صلى الله عليه وسلم حين سألتْه هند بنت عتبة فقالت: إنّ أبا سفيان رجل مِسِّيك فهل عليّ حرج أن أُطعم من الذي له عيالَنا، فقال لها: «لا إلاّ بالمعروف» تفسير : ولم يقل لها: أطعميهم بالمعروف. وقد جاء على هذا المعنى قول النّبيء صلى الله عليه وسلم «ومن همّ بسيّئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيّئة واحدة»؛ فأكَّدها بواحدة تحقيقاً لعدم الزّيادة في جزاء السيّئة. ولذلك أعقبه بقوله: {وهم لا يظلمون} والضّمير يعود إلى {من جاء بالسيّئة}، إظهار للعدل، فلذلك سجل الله عليهم بأنّ هذا لا ظلم فيه ليُنصِفوا من أنفسهم. وأمَّا عدّ عود الضّميرين إلى الفريقين فلا يناسب فريق أصحاب الحسنات، لأنَّه لا يحسن أن يقال للذي أُكرم وأفيض عليه الخير إنَّه غير مظلوم.
القطان
تفسير : بعد ان بين الله في هذه السورة العظيمة أصول الايمان، وأقام عليها البراهين، وفنّد ما يورده الكفار من الشبهات، ثم ذكر في الوصايا العشر اصول الفضائل والآداب التي يأمر بها الاسلام وما يقابلها من الرذائل والفواحش - انتقل هنا ليبيّن الجزاء العام على الحسنات: كيف يزيد الله لمن يعملها اضعافا، فيما يجزي من يعمل السيئة سيئة مثلها فقط. وهذا فضل عظيم من رب رحيم. من عملَ صالحاً يضاعَف له عند ثوابه الى عشرة أمثاله فضلاً وكرما. وقد جاء في بعض الآيات {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً}. ووعد في بعضها بالمضاعفة الى سبعمائة ضعف كما في قوله تعالى: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} والعشرة تُعطى لمن أتى بالحسنَة، أما المضاعفة فوق ذلك فتختلف بحسب ما يكون البذْلُ والعطاء والمنفعة والمصلحة. أما من عملَ عملاً سيئا فإنه سوف يعاقب بمقدار عصيانه فقط، ذلك عدلٌ من الله، وليس هناك ظلمٌ بنقصِ ثواب، ولا زيادة عقاب. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "حديث : ان الله تعالى كتَبَ الحسنات والسيئات، فمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشرَ حسناتٍ الى سبعمائة ضعف إلى اضعاف كثيرة. ومن همّ بسيئةٍ فلم يعملْها كتبها الله حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعملَها كتبها الله سيئةً واحدة ". تفسير : قراءات: قرأ يعقوب "عشرةٌ امثالها" برفع عشرة منونة، وامثالها ايضا مرفوعة، والباقون "عشر امثالها".
د. أسعد حومد
تفسير : (160) - مَنْ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ حَسَنَةٍ، مِنْ خِصَالِ الطَّاعَاتِ، جَزَاهُ اللهُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا، مِنْ عَطَاءِ اللهِ غَيْرِ المَحْدُودِ. وَمَنْ جَاءَ بِسَيِّئَةٍ، فَلا يُجَازَى إلاَّ بِعُقُوبَةٍ سَيِّئَةٍ، مِثْلِهَا، وَاللهُ لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ عَمَلاً عَمِلَهُ، فَلاَ يَزِيدُ فِي ذَنْبِ المُسِيءِ، وَلاَ يَبْخَسُهُ شَيْئاً مِنْ أَعْمَالِهِ الحَسَنَةِ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: "حديث : مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشراً. وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيءٌ، فَإِنْ عَمِلَها كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ"تفسير : ). (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هناك "حسن"، و "حسنة" ولا تقل: إن حسنة هي مؤنث حسن، لأن فيها تاء. كأنها تاء التأنيث، ولكن اسمها "تاء المبالغة" تأتي على اللفظ الذي للذكر، مثلما تقول: "فلان علاّمة"، "فلان راوية للشعر" وفلان نسَّابة. هذه هي تاء المبالغة. والحسنة هي الخير الذي يورث ثواباً، وكلما كان الثواب أخلد وأعمق كانت الحسنة كذلك. وإذا قال الحق سبحانه وتعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}. فـ "أمثالها" جمع "مثل"، والمثل مذكر، والقاعدة تقول: حين يكون المعدود مذكراً نأتي له بالتاء، وحين يكون مؤنثاً نحذف التاء لأن أصل الأعداد مبني على التاء، لأنك عندما تعد تقول واحد، اثنان ثلاثة إلى عشرة فأصل الأعداد مبنيٌّ على التاء، وإذا استعملته مع المؤنث تخالف بحذف التاء فيه، وإن استعملت العدد مع الأصل وهو المذكر، تستعمله على طبيعته فتقول: "ثلاثة رجال". وإذا أردت أن تتكلم عن الأنثى، تقول: "ثلاثة نسوة"، والحق هنا يقول: {فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}، و"مثل" - كما قلنا - مذكر. والحق لم يجعل الأصل في العطاء هو "المثل"، بل جعل الأصل هو الحسنة: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا...} [الأنعام: 160] وهذا هو مطلق الرحمة والفضل، ولذلك ورد الحديث القدسي. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى- "حديث : إن ربكم عز وجل رحيم. من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة او يمحوها الله عز وجل ولا يهلك على الله إلا هالك ". تفسير : ونعرف أن الحق يجزي الحسنة بعشر أمثالها ويضاعف ذلك إلى سبعمائة ضعف، لأن كل فعل تلازمه طاقة من الإِخلاص في نفاذه، فكأن الحق قد وضع نظاماً بأن الحسنة بعشر أمثالها، ثم بالنية المخلصة تبلغ الأضعاف إلى ما شاء الله. وقد وضع الحق هذا النظام؛ لأنه جل وعلا يريد للحسنة أن تُفعل، وينتفع الغير بها، فإن كان فاعلها حريصاً على الأجر الزائد فهو يقدمها بنية مخلصة، ويقول الحق لنا: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} تفسير : [الحديد: 11] ويقول أيضاً: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ...} تفسير : [البقرة: 245] ويحدد هنا جزاء الحسنة بأن ثوابها عشر أمثالها، ونية معطي الحسنة هي التي يمكنها أن تضاعفها إلى سبعمائة أو أزيد. والحق سبحانه وتعالى يعطي مثلاً لذلك في قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ...} تفسير : [البقرة:261] وإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعطيها أنت حبة فتعطيك سبعمائة فماذا يعطي خالق الأرض؟ إن عطاءه غير محدود ولا ينفد، ولذلك يقول سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 261] ويتابع الحق سبحانه: {...وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160] مادام لا يجزي إلا مثلها فهم لا يظلمون أبداً. ويقول الحق بعد ذلك: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ...}
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [160] 201- أنا قتيبة بن سعيد، نا سفيان، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة/ ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الله تعالى: إذا همَّ عبدي بحسنة، فاكتبوها له، فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها، وإذا همَّ بسيئة فلا تكتبوها، فإن عملها، فاكتبوها واحدة، وإن تركها، فاكتبوها حسنة ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):