٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
161
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما علم رسوله أنواع دلائل التوحيد، والرد على القائلين بالشركاء والأنداد والأضداد وبالغ في تقرير إثبات التوحيد، والرد على القائلين بالشركاء والأنداد والأضداد، وبالغ في تقرير إثبات التوحيد والنافين للقضاء والقدر، ورد على أهل الجاهلية في أباطيلهم، أمره أن يختم الكلام بقوله: {إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وذلك يدل على أن الهداية لا تحصل إلا بالله وانتصب ديناً لوجهين: أحدهما: على البدل من محل صراط لأن معناه هداني ربي صراطاً مستقيماً كما قال: {أية : وَيَهْدِيَكَ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً }تفسير : [الفتح: 2] والثاني: أن يكون التقدير الزموا ديناً، وقوله: فيما قال صاحب «الكشاف» القيم فيعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من القائم، وقرأ أهل الكوفة قيماً مكسورة القاف خفيفة الياء قال الزجاج: هو مصدر بمعنى القيام كالصغر والكبر والحول والشبع، والتأويل ديناً ذا قيم ووصف الدين بهذا الوصف على سبيل المبالغة، وقوله: {مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفاً } فقوله: {مِلَّةَ } بدل من قوله: {دِينًا قِيَمًا } و{حنيفاً} منصوب على الحال من إبراهيم، والمعنى هداني ربي وعرفني ملة إبراهيم حال كونها موصوفة بالحنيفية، ثم قال في صفة إبراهيم: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } والمقصود منه الرد على المشركين.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لما بيّن تعالىٰ أن الكفار تفرّقوا بيّن أن الله هداه إلى الدِّين المستقيم وهو دين إبراهيم {دِيناً} نصب على الحال؛ عن قُطْرُب. وقيل: نصب بـ {هَدَانِى} عن الأخفش. قال غيره: انتصب حملاً على المعنى؛ لأن معنى هداني عرّفني ديناً. ويجوز أن يكون بدلاً من الصراط، أي هداني صراطاً مستقيماً ديناً. وقيل: منصوب بإضمار فعل؛ فكأنه قال: ٱتبعوا ديناً، وٱعرفوا ديناً. {قِيَماً} قرأه الكوفيون وابن عامر بكسر القاف والتخفيف وفتح الياء، مصدر كالشبع فوصف به. والباقون بفتح القاف وكسر الياء وشدّها، وهما لغتان. وأصل الياء والواو «قيوِم» ثم أدغمت الواو في الياء كميت. ومعناه ديناً مستقيماً لا عِوج فيه {مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} بدل {حَنِيفاً} قال الزجاج: هو حال من إبراهيم. وقال عليّ بن سليمان: هو نصب بإضمار أعني. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} قد تقدّم اشتقاق لفظ الصَّلاة. وقيل: المراد بها هنا صلاة الليل. وقيل: صلاة العِيد. والنّسك جمع نسِيكة، وهي الذّبيحة، وكذلك قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم. والمعنى: ذَبْحِي في الحج والعمرة. وقال الحسن: نسكي دِيني. وقال الزجاج: عبادتي؛ ومنه الناسك الذي يتقرّب إلى الله بالعبادة. وقال قوم: النسك في هذه الآية جميع أعمال البر والطاعات؛ من قولك نسك فلان فهو ناسك، إذا تعبّد. {وَمَحْيَايَ} أي ما أعمله في حياتي {وَمَمَاتِي} أي ما أوصي به بعد وفاتي. {للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي أفرده بالتقرُّب بها إليه. وقيل: «وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ» أي حياتي وموتي له. وقرأ الحسن: «نُسْكِي» بإسكان السين. وأهل المدينة «ومحياي» بسكون الياء في الإدراج. والعامة بفتحها؛ لأنه يجتمع ساكنان. قال النحاس: لم يُجِزه أحد من النحويين إلاَّ يونس، وإنما أجازه لأن قبله ألفاً، والألف المدّة التي فيها تقوم مقام الحركة. وأجاز يونس ٱضربانْ زيداً، وإنما منع النحويون هذا لأنه جمع بين ساكنين وليس في الثاني إدغام، ومن قرأ بقراءة أهل المدينة وأراد أن يَسْلَم من اللحن وقف على «محياي» فيكون غير لاحِنٍ عند جميع النحويين. وقرأ ٱبن أبي إسحاق وعيسى ابن عمر وعاصم الجَحْدرِيّ «وَمَحْييّ» بتشديد الياء الثانية من غير ألف، وهي لغة عُلْيَا مُضَر يقولون: قَفَيّ وَعَصَيّ. وأنشد أهل اللغة:شعر : سَبَقـوا هَويّ وأعْنَقُوا لهـواهم تفسير : وقد تقـدّم. الثالثة ـ قال الكيا الطبريّ: قوله تعالىٰ: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} إلى قوله {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} ٱستدلّ به الشافعيّ على افتتاح الصَّلاة بهذا الذكر؛ فإن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزله في كتابه، ثم ذكر حديث عليّ رضي الله عنه: حديث : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصَّلاة قال:«وَجّهتُ وَجْهِيَ للذي فَطَر السَّمٰواتِ والأرض حَنِيفاً وما أنا من المشركين. إنّ صلاتي ونُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ ربِّ العالمين ـ إلى قوله وأنا من المسلمين».تفسير : قلت: روى مسلم في صحيحه عن عليّ بن أبي طالب حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه كان إذا قام إلى الصَّلاة قال: «وجهت وجهِي للذي فطر السَّمٰواتِ والأرض حنِيفاً وما أنا من المشركين. إن صلاتِي ونُسُكِي ومحياي ومماتِي لِلَّهِ ربِّ العالمِين لا شريك له وبِذلِك أُمِرت وأنا أوّل المسلِمِين. اللَّهُمَّ أنت الملِك لا إله إلاَّ أنت، أنت ربّي وأنا عبدُك ظلمتُ نفسي واعترفتُ بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يغفر الذّنوب إلاَّ أنت وٱهدني لأحسنِ الأخلاق لا يَهْدِي لأحسنها إلاَّ أنت وٱصرف عنّي سيئَها لا يصرف عني سيئها إلاَّ أنت لبَّيك وسَعْدَيْكَ والخيرُ كلُّه في يديك والشر ليس إليك. تباركت وتعاليت. أستغفرك وأتوب إليك»تفسير : . الحديث. وأخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وقال في آخره: بَلَغَنَا عن النَّضْر بن شُميل وكان من العلماء باللغة وغيرها قال: معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : والشر ليس إليك» تفسير : الشر ليس مما يُتقرّب به إليك. قال مالك: ليس التوجيه في الصَّلاة بواجب على الناس، والواجب عليهم التكبير ثم القراءة. قال ابن القاسم: لم ير مالك هذا الذي يقوله الناس قبل القراءة: سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك. وفي مختصر ما ليس في المختصر: أن مالكاً كان يقوله في خاصة نفسه؛ لصحة الحديث به، وكان لا يراه للناس مخافة أن يعتقدوا وجوبه. قال أبو الفرج الجَوْزِيّ: وكنت أصلي وراء شيخِنا أبي بكر الدّيَنورِيّ الفقيه في زمان الصّبا، فرآني مرّة أفعل هذا فقال: يا بنيّ، إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام، ولم يختلفوا أن الافتتاح سُنّة، فاشتغل بالواجب ودَعِ السّنّن. والحجة لمالكٍ قولُه صلى الله عليه وسلم للأعرابيّ الذي علّمه الصَّلاة: «حديث : إذا قمت إلى الصلاة فكَبِّر ثم ٱقرأ»تفسير : ولم يقل له سبح كما يقول أبو حنيفة، ولا قل وجهت وجهي، كما يقول الشافعيّ. وقال لأبيّ: «كيف تقرأ إذا ٱفتتحت الصلاة»؟ قال: قلت الله أكبر، الحمد لله ربّ العالمين. فلم يذكر تَوْجِيهاً ولا تسبيحاً. فإن قيل: فإن علياً قد أخبر أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقوله. قلنا: يحتمل أن يكون قاله قبل التكبير ثم كَبّر، وذلك حَسَن عندنا. فإن قيل: فقد روى النَّسائيّ والدَّارَقُطْنِي حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا ٱفتتح الصلاة كبر ثم يقول: «إن صلاتي ونُسُكي» تفسير : الحديث قلنا: هذا نحمله على النافلة في صلاة الليل؛ كما جاء في كتاب النَّسائيّ عن أبي سعيد قال:حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ٱفتتح الصلاة بالليل قال: «سبحانك اللَّهُمّ وبحمدك تبارك ٱسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك»تفسير : . أو في النافلة مطلقاً؛ فإن النافلة أخفّ من الفرض؛ لأنه يجوز أن يُصلّيها قائماً وقاعداً وراكباً، وإلى القبلة وغيرها في السفر، فأمْرُها أيْسر. وقد روى النَّسائيّ عن محمد بن مَسْلَمةحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلّي تطوُّعاً قال: «الله أكبر وجَّهتُ وجْهِيَ للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونُسُكي ومَحْياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أوّل المسلمين. اللّهُمّ أنت الملِك لا إلٰه إلا أنت سبحانك وبحمدك»تفسير : . ثم يقرأ. وهذا نصٌّ في التطوع لا في الواجب. وإن صح أن ذلك كان في الفريضة بعد التكبير، فيحمل على الجواز والاستحباب، وأما المسنون فالقراءة بعد التكبير، والله بحقائق الأمور عليم. ثم إذا قاله فلا يقل: «حديث : وأنا أوّل المسلمين»تفسير : . وهي: الرابعة: إذ ليس أحدهم بأوّلهم إلا محمداً صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: أو ليس إبراهيم والنبيّون قبله؟ قلنا عنه ثلاثة أجوبة: الأوّل: أنه أوّل الخلق أجمع معنًى؛ كما في حديث أبي هريرة من قوله عليه السلام: «حديث : نحن الآخِرون الأوّلون يوم القيامة ونحن أوّل من يدخل الجنة»تفسير : . وفي حديث حُذيفة: «حديث : نحن الآخِرون من أهل الدنيا والأوّلون يوم القيامة المَقْضِيّ لهم قبل الخلائق»تفسير : . الثاني: أنه أوّلهم لكونه مقدّماً في الخلق عليهم؛ قال الله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ} تفسير : [الأحزاب: 7]. قال قتادة: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كنت أوّلَ الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث»تفسير : . فلذلك وقع ذكره هنا مقدّماً قبل نوح وغيره. الثالث: أوّل المسلمين من أهل مِلّته؛ قاله ابن العربِيّ، وهو قول قتادة وغيره. وقد اختلفت الروايات في «أوّل» ففي بعضها ثبوتُها وفي بعضها لا، على ما ذكرنا. حديث : وروى عِمران بن حُصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا فاطمة قومي فٱشهدي أضْحِيَتك فإنه يغفر لك في أوّل قَطْرة من دمها كلَّ ذنب عملتيه ثم قولي: «إن صلاتي ونُسُكي ومَحْيَاي ومماتي لله رب العالمين. لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أوّل المسلمين». قال عمران: يا رسول الله، هذا لك ولأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامّةً؟ قال: «بل للمسلمين عامّة».
البيضاوي
تفسير : {قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} بالوحي والإِرشاد إلى ما نصب من الحجج. {دِينًا} بدل من محل إلى صراط إذ المعنى، هداني صراطاً كقوله: {أية : وَيَهْدِيَكُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } تفسير : [الفتح: 20] أو مفعول فعل مضمر دل عليه الملفوظ. {قَيِّماً} فعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من المستقيم باعتبار الزنة والمستقيم باعتبار الصيغة. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي {قَيِّماً} على أنه مصدر نعت به وكان قياسه قوماً كعوض فاعل لإِعلال فعله كالقيام. {مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ } عطف بيان لدينا. {حَنِيفاً} حال من إبراهيم. {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} عطف عليه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين أن يخبر بما أنعم به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف: {دِينًا قِيَمًا} أي: قائماً ثابتاً {مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} كقوله: أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ} تفسير : [البقرة: 130] وقوله: {أية : وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَـٰدِهِ هُوَ ٱجْتَبَـٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ} تفسير : [الحج: 78] وقوله: {أية : إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَـٰنِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ ٱجْتَبَـٰهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَءَاتَيْنَـٰهُ فِى ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِى ٱلأَخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [النحل: 120-123] وليس يلزم من كونه صلى الله عليه وسلم أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية، أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها؛ لأنه عليه السلام قام بها قياماً عظيماً، وأكملت له إكمالاً تاماً لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال، ولهذا كان خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق، حتى الخليل عليه السلام. وقد قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص، حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، أنبأنا سلمة بن كهيل، سمعت ذر بن عبد الله الهمداني يحدث عن ابن أبزى عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال: «حديث : أصبحنا على ملة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين» تفسير : وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأديان أحب إلى الله تعالى؟ قال: «حديث : الحنيفية السمحة» تفسير : وقال أحمد أيضاً: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذقني على منكبه، لأنظر إلى زفن الحبشة، حتى كنت التي مللت، فانصرفت عنه. قال عبد الرحمن عن أبيه قال: قال لي عروة: إن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: «حديث : لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة»تفسير : ، أصل الحديث مخرج في الصحيحين، والزيادة لها شواهد من طرق عدة، وقد استقصيت طرقها في شرح البخاري، ولله الحمد والمنة، وقوله تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه، أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: {أية : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} تفسير : [الكوثر: 2] أي: أخلص له صلاتك وذبحك؛ فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام، ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى، قال مجاهد في قوله: {إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى} النسك: الذبح في الحج والعمرة، وقال الثوري عن السدي عن سعيد بن جبير: {وَنُسُكِى} قال: ذبحي، وكذا قال السدي والضحاك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد ابن عوف، حدثنا أحمد بن خالد الذهبي، حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله قال: ضحَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد النحر بكبشين، وقال حين ذبحهما: «حديث : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين»تفسير : ، وقوله عز وجل: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} قال قتادة: أي: من هذه الأمة، وهو كما قال فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له؛ كما قال: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25] وقد أخبرنا تعالى عن نوح أنه قال لقومه: {أية : فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [يونس: 72] وقال تعالى: {أية : وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة:130-132] وقال يوسف عليه السلام: {أية : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنتَ وَلِىِّ فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلأَخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ} تفسير : [يوسف: 101] وقال موسى: {أية : يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ فَقَالُواْ عَلَىٰ ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [يونس: 84-86] وقال تعالى: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ} تفسير : [المائدة:44] الآية، وقال تعالى: {أية : وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوۤاْ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} تفسير : [المائدة: 111] فأخبر تعالى أنه بعث رسله بالإسلام، ولكنهم متفاوتون فيه بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضاً، إلى أن نسخت بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال قائمة منصورة وأعلامها منشورة إلى قيام الساعة، ولهذا قال عليه السلام: «حديث : نحن معاشر الأنبياء أولاد علات، ديننا واحد» تفسير : فإن أولاد العلات هم الإخوة من أب واحد وأمهات شتى، فالدين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت الشرائع التي هي بمنزلة الأمهات، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا: بنو الأم الواحدة من آباء شتى، والإخوة الأعيان الأشقاء من أب واحد وأم واحدة. والله أعلم. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا كبر، استفتح، ثم قال: «حديث : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين» تفسير : إلى آخر الآية، «حديث : اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» تفسير : ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد، وقد رواه مسلم في صحيحه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ويبدل من محله {دِينًا قِيَمًا } مستقيما {مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ }.
الشوكاني
. تفسير : لما بيّن سبحانه أن الكفار تفرقوا فرقاً، وتحزبوا أحزاباً، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: {إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى } أي أرشدني بما أوحاه إليّ {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } وهو ملة إبراهيم عليه السلام، و{دِينًا } منتصب على الحال كما قال قطرب، أو على أنه مفعول {هداني} كما قال الأخفش. وقيل منتصب بفعل يدل عليه {هداني}؛ لأن معناه عرّفني، أي عرفني ديناً. وقيل: إنه بدل من محل {إلى صراط}، لأن معناه هداني صراطاً مستقيماً كقوله تعالى: {أية : وَيَهْدِيَكُمْ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } تفسير : [الفتح: 2] وقيل منصوب بإضمار فعل، كأنه قيل: اتبعوا ديناً. قوله {قَيِّماً } قرأه الكوفيون، وابن عامر بكسر القاف، والتخفيف وفتح الياء. وقرأه الباقون بفتح القاف وكسر الياء المشدّدة، وهما لغتان: ومعناه الدين المستقيم الذي لا عوج فيه، وهو صفة لـ {ديناً}، وصف به مع كونه مصدراً مبالغة، وانتصاب {مِلَّةِ إِبْرٰهِيمَ } على أنها عطف بيان لـ{دينا}، ويجوز نصبها بتقدير أعني، و{حَنِيفاً } منتصب على أنه حال من إبراهيم، قاله الزجاج. وقال علي بن سليمان: هو منصوب بإضمار أعني. والحنيف المائل إلى الحق، وقد تقدّم تحقيقه {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } في محل نصب معطوف على {حنيفاً}، أو جملة معترضة مقررة لما قبلها. قوله: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِى } أمره الله سبحانه أن يقول لهم بهذه المقالة، عقب أمره بأن يقول لهم بالمقالة السابقة. قيل: ووجه ذلك أن ما تضمنه القول الأوّل إشارة إلى أصول الدين، وهذا إلى فروعها. والمراد بالصلاة: جنسها، فيدخل فيه جميع أنواعها. وقيل المراد بها هنا: صلاة الليل، وقيل صلاة العيد. والنسك: جمع نسيكة، وهي الذبيحة كذا قال مجاهد والضحاك، وسعيد بن جبير، وغيرهم، أي ذبيحتي في الحج والعمرة. وقال الحسن: ديني. وقال الزجاج: عبادتي من قولهم: نسك فلان هو ناسك، إذا تعبد، وبه قال جماعة من أهل العلم {وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى } أي ما أعمله في حياتي، ومماتي من أعمال الخير، ومن أعمال الخير في الممات الوصية بالصدقات، وأنواع القربات. وقيل: نفس الحياة ونفس الموت {لِلَّهِ } قرأ الحسن "نُسْكي" بسكون السين. وقرأ الباقون بضمها. وقرأ أهل المدينة "محياي" بسكون الياء. وقرأ الباقون بفتحها لئلا يجتمع ساكنان قال النحاس: لم يجزه، أي السكون، أحد من النحويين إلا يونس، وإنما أجازه لأن المدّة التي في الألف تقوم مقام الحركة. وقرأ ابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمرو، عاصم الجحدري، "محيي"، من غير ألف وهي لغة عليا مضر، ومنه قول الشاعر:شعر : سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع تفسير : {للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي خالصاً له لا شريك له فيه، والإشارة {بِذٰلِكَ } إلى ما أفاده {للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ } من الإخلاص في الطاعة وجعلها لله وحده. قوله: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ } أي أوّل مسلمي أمته. وقيل: أوّل المسلمين أجمعين، لأنه وإن كان متأخراً في الرسالة، فهو أولهم في الخلق، ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ } تفسير : [الأحزاب: 7] الآية، والأوّل: أولى. قال ابن جرير الطبري: استدل بهذه الآية الشافعي على مشروعية افتتاح الصلاة بهذا الذكر، فإن الله أمر به نبيه وأنزله في كتابه، ثم ذكر حديثاً على، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال: {أية : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين}تفسير : [الأنعام:79] إلى قوله {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ } قلت هذا هو في صحيح مسلم مطوّلاً، وهو أحد التوجهات الواردة، ولكنه مفيد بصلاة الليل كما في الروايات الصحيحة، وأصح التوجهات الذي كان يلازمه النبي صلى الله عليه وسلم ويرشد إليه هو «حديث : اللهم باعد بيني وبين خطاياي» تفسير : إلى آخره، وقد أوضحنا هذا في شرحنا للمنتقى بما لا يحتاج إلى زيادة عليه هنا. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل، في قوله: {وإِنَّ صَلاَتِى } قال: يعني: المفروضة {وَنُسُكِى } يعني: الحج. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير {وَنُسُكِى } قال: ذبيحتي. وأخرجا أيضاً عن قتادة {إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى } قال: حجي وذبيحتي. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {وَنُسُكِى } قال: ذبيحتي في الحج والعمرة. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {وَنُسُكِى } قال: ضحيتي. وفي قوله: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ } قال: من هذه الأمة. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك، فإنه يغفر لك بأوّل قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملتيه، وقولي {إن صلاتي} إلى {وأنا أوّل المسلمين}"تفسير : ، قلت يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة، فأهل ذلك أنتم أم للمسلمين عامة؟ قال: "حديث : لا بل للمسلمين عامة».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هذا أمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر للناس حال عبادته ومن له الأمر في حياته ومماته. فقال {إِنَّ صَلاَتِي} وهي الصلاة المشروعة ذات الركوع والسجود المشتملة على التذلل والخضوع لله تعالى دون غيره من وثن أو بشر. ثم قال: {وَنُسُكِي} وفيه هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الذبيحة في الحج والعمرة، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك. والثاني: معناه ديني، قاله الحسن. والثالث: معناه عبادتي، قاله الزجاج، من قولهم فلان ناسك أي عابد، والفرق بين الدين والعبادة: أن الدين اعتقاد، والعبادة عمل. قوله تعالى: {وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن حياته ومماته بيد الله تعالى لا يملك غيره له حياة ولا موتاً، فلذلك كان له مصلياً وناسكاً. والثاني: أن حياته لله في اختصاصها بطاعته، ومماته له في رجوعه إلى مجازاته. ووجدت فيها وجهاً ثالثاً: أن عملي في حياتي ووصيتي عند مماتي لله. ثم قال: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} صفة الله تعالى أنه مالك العالم دون غيره، فلذلك كان أحق بالطاعة والتعبد من غيره. ثم قال تعالى: {لاَ شَرِيكَ لَهُ} يحتمل وجهين: أحدهما: لا شريك له في ملك العالمين. والثاني: لا شريك له في العبادة. {وَبِذَالِكَ أُمِرْتُ} يعني ما قدم ذكره. {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} يعني من هذه الأمة حثّاً على اتباعه والمسارعة بالإٍسلام.
ابن عطية
تفسير : هذا أمر من الله عز وجل نبيه عليه السلام بالإعلان بشريعته والانتباه من سواها من أضاليلهم، ووصف الشريعة بماهي عليه من الحسن والفضل والاستقامة، و {هداني} معناه أرشدني بخلق الهدى في قلبي. والرب المالك، ولفظه مصدر من قولك ربه يربه، وإنما هو مثل عدل ورضى في أنه مصدر وصف به. وأصله ذو الرب ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فقيل الرب. و "الصراط " الطريق و {ديناً} منصوب بـ {هداني} المقدر الذي يدل عليه {هداني} الأول، وهذا الضمير إنما يصل وحده دون أن يحتاج إلى إضمار إلى. إذ هدى يصل بنفسه إلى مفعوله الثاني وبحرف الجر، فهو فعل متردد وقيل نصب {ديناً} فعل مضمر تقديره عرفني ديناً. وقيل تقديره فاتبعوا ديناً فالزموا ديناً، وقيل نصب على البدل من {صراط} على الموضع، أن تقديره هداني ربي صراطاً مستقيماً، و {قيماً} نعت للدين، ومعناه مستقيماً معتدلاً. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "قَيِّماً" بفتح القاف وكسر الياء وشدها. وأصله قيوم عللت كتعليل سيد وميت، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "قِيَماً" بكسر القاف وفتح الياء على وزن فعل، وكأن الأصل أن يجيء فيه قوماً كعوض وحول إلا أنه شذ كشذوذ قولهم جياد في جمع جواد وثيرة في جمع ثور، و {ملة} بدل من الدين، والملة الشريعة و {حنيفاً} نصب على الحال من {إبراهيم} ، والحنف في كلام العرب الميل فقد يكون الميل إلى فساد كحنف الرجل. وكقوله {أية : فمن خاف من موص حنفاً} تفسير : [البقرة:182] على قراءة من قرأ بالحاء غير المنقوطة ونحو ذلك. وقد يكون الحنف إلى الصلاح كقوله عليه السلام: "الحنيفية السمحة" و "الدين الحنيف" ونحوه، وقال ابن قتيبة: الحنف الاستقامة وإنما سمي الأحنف في الرجل على جهة التفاؤل له. {وما كان من المشركين} نفي للنقيصة عنه صلى الله عليه وسلم، وقوله {قل إن صلاتي} الآية، أمر من الله عز وجل أن يعلن بأن مقصده في صلاته وطاعته من ذبيحة وغيرها وتصرفه مدة حياته وحاله من الإخلاص والإيمان عند مماته إنما هو لله عز وجل وإرادة وجهه طلب رضاه، وفي إعلان النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المقالة ما يلزم المؤمنين التأسي به حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه الله عز وجل، ويحتمل أن يريد بهذه المقالة أن صلاته ونسكه وحياته وموته بيد الله عز وجل, يصرفه في جميع ذلك كيف شاء, وأنه قد هداه من ذلك إلى صراط مستقيم، ويكون قوله {بذلك أمرت} على هذا التأويل راجعاً إلى قوله {لا شريك له} فقط أو راجعاً إلى القول الأول وعلى التأويل الأول يرجع على جميع ما ذكر من صلاة وغيرها، أي أمرت بأن أقصد وجه الله عز وجل في ذلك وأن التزم العمل، وقررأ جمهور الناس "ونسُكي" بضم السين، وقرأ أبو حيوة والحسن بإسكان السين، وقالت فرقة "النسك" في هذه الآية الذبائح. قال القاضي أبو محمد: ويحسن تخصيص الذبيحة بالذكر في هذه الآية أنها نازلة قد تقدم ذكرها والجدل فيها في السورة، وقالت فرقة: "النسك" في هذه الآية جميع أعمال الطاعات من قولك نسك فلان فهو ناسك إذا تعبد، وقرأ السبعة سوى نافع و "محيايَ ومماتي" بفتح الياء من "محياي" وسكونها من "مماتي" وقرأ نافع وحده و "محياي" بسكون الياء من "محياي"، قال أبو علي الفارسي وهي شاذة في القياس لأنها جمعت بين ساكنين، وشاذة في الاستعمال ووجهها أنه قد سمع من العرب التقت حلقتا البطان ولفلان ثلثا المال، وروى أبو خليد عن نافع و "محيايِ" بكسر الياء، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى والجحدري و "محيي"، وهذه لغة هذيل ومنه قول أبي ذؤيب: شعر : سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهم فتصرعوا ولكل جنب مصرع تفسير : وقرأ عيسى بن عمر "صلاتيَ ونسكيَ ومحيايَ ومماتيَ" بفتح الياء فيهن وروي ذلك عن عاصم. وقوله تعالى: {وأنا أول المسلمين} أي من هذه الأمة، وقال النقاش من أهل مكة. قال القاضي أبو محمد: والمعنى واحد بل الأول أعم وأحسن وقرأت فرقة " وأنا " بإشباع الألف وجمهور القراء على القراءة "وأنا" دون إشباع، وهذا كله في الوصل. قال القاضي أبو محمد: وترك الإشباع أحسن لأنها ألف وقف فإذا اتصل الكلام استغنى عنها لا سيما إذا وليتها همزة.
ابن عادل
تفسير : لما عَلِم رسُول الله صلى الله عليه وسلم وشرّف وكرّم وبجّل ومجّد وعظم دلائِلَ التَّوْحِيد, والردِّ على القَائِلِين بالشُّرَكَاء والأضْداد، وبالغ في تَقْرِير إثْبَات القَضَاءِ والقدر، ورد على أهل الجاهليَّة في أبَاطِيلهم أمَرَهُ - عليه الصلاة والسلام - أن يَخْتِم الكلام بقوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، وذلك يَدُلُّ على أنَّ الهِدَايةَ لا تَحْصُل إلاَّ باللَّه - تبارك وتعالى سبحانه -. وقال القُرطُبِيُّ - رحمه الله تعالى -: "لمّا بيَّن أنَّ الكُفَّار تفرَّقُوا، بيَّن أنَّه - تعالى - هَدَاهُ إلى الصِّراط المُسْتَقيم، وهو مِلَّة إبراهيم - عليه الصلاة وأتم التسليم -". قوله: "دِنياً": نَصْبُه من أوْجُه: أحدها: من نصب على الحال، قال قُطْرُب وقيل: إنَّه مصدر على المَعْنَى، أي: هَدَانِي هدايةَ دينٍ قيِّم، أو على إضْمَار: "عَرَّفَنِي ديناً" أو الْزَمُوا دِيناً. وقال أبُو البقاء - رحمة الله عليه -: إنه مفعُول ثانٍ لـ "هَدَاني" وهو غَلَطٌ؛ لأنَّ المَفْعُول الثَّاني هُنَا هو المَجْرُور بـ "إلى" فاكتُفِي بِهِ. وقال مكِّي - رحمة الله تعالى عليه -: "إنَّهُ منصُوبٌ على البدل من محلِّ إلى صِراطٍ مُسْتقيمٍ". وقيل: بـ "هَدَانِي" مقدِّرة لدلالة "هَدَانِي" الأوَّل عليها وهو كالذي قَبْلَه في المعنى. قوله: "قِيماً" قرأ الكُوفيُّون، وابن عامِر: بكسر القافِ وفتح الياء خفيفة، والباقون بفَتْحِها، وكَسْر اليَاء مشدَّدة، ومعناه: القَوِيم المُسْتَقِيم، وتقدَّم تَوْجِيه إحْدى القراءتَيْن في النِّسَاءِ والمَائِدة. قال الزَّمَخْشَري - رحمة الله عليه -: القيم: "فَيْعِل" من "قام" كسيِّد من سَادَ، وهو أبْلغُ من القَائِم. وأمَّا قِرَاءة أهْلِ الكُوفَة فقال الزَّجَّاج - رحمة الله عليه -: هو مَصدر بمعنى: القِيَام، كالصِّغَر والكِبر والجُوع والشبع، والتَّأويل: ديناً ذا قَِيَِم، ووصف الدِّين بهذا المَصْدر مُبالغة. قوله تعالى: "مِلَّة" بدلاً من "ديناً" أو مَنْصُوبٌ بإضْمار أعني، و "حنيفاً" قد ذكر في البقرة والنساء. والمعنى: هداني وعرَّفَنِي ملَّة إبراهيم حال كَوْنِها موصُوفة بالحنيفيَّة، ثم وصف إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بقوله: {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} والمقْصُود منه: الردُّ على المُشْرِكين.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {ديناً قيماً} بكسر القاف ونصب الياء مخففة . وأخرج أحمد وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن ابزى عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح قال "حديث : أصبحنا على فطرة الإِسلام، وكلمة الاخلاص، ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، وإذا أمسى قال ذلك " .
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً} [الآية: 161]. قال أبو عثمان: الصراط المستقيم الاقتداء والاتباع وترك الهوى والابتداع، ألا تراه يقول: { أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ } تفسير : [النجم: 3]. وقيل فى قوله: {دِيناً قِيَماً}: أى: سليمًا من الاعوجاج وهواجس الأنفس ووجود لذاذة المراد فيه. وقال ابن المبارك: هدانى ربى إلى صراط مستقيم قال: إلى أوقات أداء الفرائض من الصلاة والصوم والحج.
القشيري
تفسير : أرشده إلى الطريق الصحيح. ولا يكون الإرشاد إليه إلا بانسداد الطرق أجمع إلى سواه. ومَنْ وَجَدَ سبيلاً إلى مخلوق عرج في أوطان الحسبان لأن الأغيار ليس لها من الإبداع شظية، ومن سلك إلى مخلوق سبيلاً وأبرم فيهم تأميلاً أو قدَّم عليهم تعويلاً، فقد استشعر تسويلاً، وجُرِّعَ تضليلاً. و "الصراط المستقيم" ألاَّ ترى من دونه مثبتاً لذرةٍ ولا سنة. و "الدين القيم" ما لا تمثيلَ فيه ولا تعطيل، ولا نفي للفَرْقِ الذي يشير إلى العبودية، ولا رد للجمع الذي هو شهود الربوبية. والحنيف المائل إلى الحق، الزائغ عن الباطل، الحائل عن ضد الحقيقة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} الصراط المستقيم ههنا اغرب طريق فى المعارف والكواشف هداه به نبية الى نفسه لانه خاص بذلك من جيمع الخلائق الا ترى الى قوله قل اننى هدانى ربى كيف خص هداية نفسه بالرب وذلك وقوع الاسرار فى منازل الانوار وطريان روحه فى المكلوت والجبروت حين شاهد دنوا الدنو بوصف الروية الكبرى ومسامرات الا على بقوله دنا فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى فاوحى الى عبده ما اوحى ما كذب الفواد ما راى ما جاز عن سبيل القدم بعلة الحدث لانه كان محفوظا برعاية الازلية وعناية الابدية بلغ الى قلوم الطرق فى مشاعر الصفات ومشاعر الذات الا ترى الى قوله دينا قيما مستقيما له منزها عن اعوجاج البشرية وطوارق التلوين لانه بحجة المحبة وصراط الخلة التى سبلها جذبات الازل ومكاشفات الابد لقوله تعالى ملة إبراهيم يعنى طريق محبة ملة ابراهيم فى خلته وان كان هو مخصوصا باغرب طريق المعارف من جميع الخلائق وصفة بالحنيفية المايلة فى طريق المحبة من غير الحبيب من سلك سبيله وصل الى حبيبه لانه مقدس من شوك الشرك وغبرا القطيعة بقوله {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} طريق المحبة والخلة واحد فى نفس الاقتداء لان معدنها عين القدم المنزه عن كل علة قال ابو عثمان الصراط المسقيم الاقتداء والاتباع وترك الهوى والابتداع الا تراه بقوله وما ينطق عن الهى وقيل فى قوله دينا قيما اى سليما من الاعوجاج وهو اجس النفس ووجود لذة المراد فيه ولم اوصفه عليه السلام باهدائه الى جلاله وجماله ووصفه بتنزيه عن روية جميع الخلائق فى عبادة خالقه امره بتعريف حاله وقدس سنائه عن الاذاعة فى الحدثان.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} يا محمد لكفار مكة الذين يدعون انهم على الدين الحق وقد فارقوه بالكلية {اننى هدانى ربى} اى ارشدنى بالوحى وبما نصب فى الآفاق والانفس من الآيات التكوينية {الى صراط مستقيم} موصل الى الحق {دينا} بدل من محل الى صراط والمعنى هدانى صراطا {قيما} مصدر بمعنى القيام وصف به الدين مبالغة والقياس قوما كعوض فاعل لاعلال فعله كالقيام {ملة ابراهيم} عطف بيان لدينا والملة من امللت الكتاب اى امليته وما شرعه الله لعباده يسمى ملة من حيث انه يدّون ويملى ويكتب ويتدارس بين من اتبعه من المؤمنين ويسمى دينا باعتبار طاعتهم لمن شرعه وسنه اى جعله لهم سننا وطريقا {حنيفا} حال من ابراهيم اى مائلا عن الاديان الباطلة ميلا لا رجوع فيه {وما كان من المشركين} اى ما كان ابراهيم منهم فى امر من امور دينهم اصلا وفرعا وانما اضاف هذا الدين الى ابراهيم لان ابراهيم كان معظما فى عيون العرب وفى قلوب اهل سائر الاديان اذ اهل كل دين يزعمون انهم ينتحلون الى دين ابراهيم عليه السلام فرد الله تعالى بقوله {وما كان من المشركين} على الذين يدعون انهم على ملته عليه السلام عقدا وعملا من اهل مكة واليهود المشركين بقولهم{أية : عزير ابن الله} تفسير : [التوبة: 30]. والنصارى المشركين بقولهم {أية : المسيح ابن الله} تفسير : [التوبة: 30]. والمشرك فى الحقيقة هو الذى يطلب مع الله تعالى شيأ آخر ومن الله غير الله: قال السعدى قدس سره شعر : خلاف طريقت بود كاوليا تمنا كنند از خدا جز خدا
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {دينًا}: بدل من محل، "صراط"؛ لأن الأصل: هداني صراطًا مستقيمًا دينًا قيمًا، و {قَيَّمًا}: فيعل من القيام، فهو أبلغ من مستقيم، ومن قرأ بكسر القاف: فهو مصدر وصف به؛ للمبالغة، و {ملة إبراهيم}: عطف بيان الدين، {وحنيفًا}: حال من إبراهيم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم: {إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} بالوحي والإرشاد إلى ما نصب من الحجج والآيات، {دينًا قيمًا}؛ مستقيمًا يوصل من تمسك به إلى جوار الكريم، في حضرة النعيم، وهو {ملة إبراهيم} أي: دينه، حال كونه {حنيفًا}: مائلاً عما سوى الله، {وما كان من المشركين}، وهو تعريض لقريش، الذين يزعمون أنهم على دينه، وقد أشركوا بالله عبادة الأوثان. الإشارة: قد أخذ الصوفية من هذا الدين القيم، الذي هدى الله إليه نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ خلاصته ولبابه، فأخذوا من عقائد التوحيد: الشهود والعيان على طريق الذوق والوجدان؛ ولم يقنعوا بالدليل والبرهان، وأخذوا من الصلاة: صلاة القلوب، فهم على صلاتهم دائمون مع صلاة الجوارح، على نعت قوله: {أية : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} تفسير : [المؤمنون:2]، وأخذوا من الزكاة: زكاة نفوسهم بالرياضة والتأديب وإضافة الكل إليه. ( العبد وما كسب لسيده)، مع أداء الزكاة الشرعية لمن وجبت عليه. وكان الشيخ أبو العباس السبتي رضي الله عنه يعطي تسعة أعشار زرعه، ويمسك العشر لنفسه. وأخذوا من الصيام: صيام الجوارح كلها، مع صيام القلب عن شهود السِّوى. وأخذوا من الحج: حج القلوب إلى حضرة علام الغيوب، فالكعبة تشتاق إليهم وتطوف بهم، كما تقدم في آل عمران، ومن الجهاد: الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفوس، وهكذا مراسم الشريعة كلها عندهم صافية خالصة من الشوائب، بخلاف غيرهم، فلم يأخذ منها إلا قشرها الظاهر وعمل الأشباح، فهي صُور قائمة لا روح فيها؛ لعدم الإخلاص والحضور فيها. والله تعالى أعلم. ثم بيَّن مقام الإخلاص، فقال: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر واهل الكوفة {قيما} بكسر القاف وتخفيف الياء وفتحها. الباقون بفتح القاف مع تشديد الياء. من قرأ بتشديد الياء فحجته قوله {أية : وذلك دين القيمة}تفسير : كأنه قال دين الملة القيِّمة، ويكون وصفا للدين اذا كان نكرة، كما كان وصفا للملة، لان الملة هي الدين. قال ابو الحسن: قال اهل المدينة {دينا قيما} وهي حسنة، ولم اسمعها من العرب. قال ابو الحسن: وهو في معنى المستقيم. فأما من قرأ بالتخفيف، فانه اراد المصدر، مثل الشبع، ولم يصحح (عوض وحول). قال الزجاج: لانه جاء على (فَعل) معتل، وهو (قام) والاصل (قوم، اقوم قوما) قال ابو علي: وكان القياس يقتضى ان يصحح، لكنه شذَّ عن القياس، كما شذ (اشياء) ونحوه عن القياس نحو (ثيرة) في جمع (ثور) ونحو (جياد) في جمع (جواد) وكان القياس الواو، كما قالوا: طويل وطوال قال الاعشى: شعر : جيادك في الصيف في نعمة تصا ن الجلال وتعطى الشعيرا تفسير : وقوله {دينا قيما} يحتمل نصبه ثلاثة اوجه: احدها - انه قال {إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} واستغنى بجري ذكر الفعل عن ذكره، فقال {دينا قيما} كما قال {اهدنا الصراط المستقيم}. والثاني - نصبه على تقدير عرفني، لان هدايتهم اليه تعريف لهم فحمله على عرفني دينا قيما. وقال الزجاج: معناه عرفني دينا قيما. وان شئت حملته على الاتباع كما قال {أية : اتبعوا ما أنزل}تفسير : وقال الفراء: هو نصب على المصدر، كأنه قال هداني اهتداء، ووضع {دينا} موضعه. أمر الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وسلم) ان يقول للخلق وخاصة لهؤلاء الكفار {إنني هداني ربي} وقيل في معنى الهداية قولان: احدهما - قال ابو علي: اراد بالهداية الدلالة وأضافه الى نفسه دونهم، وان كان قد هداهم أيضا، لانه اهتدى دونهم. وقال غيره: اراد به لطف لي ربي في الاهتداء. و {إلى صراط مستقيم} قد فسرناه في غير موضع. وانه الطريق الموصل الى ثواب الله من غير اعوجاج، وانما قال {إلى صراط مستقيم} - ها هنا - وقال في موضع آخر {أية : ويهديك صراطا مستقيما}،تفسير : لانه اذا ضمن معنى النهاية دخلت (إلى) واذا لم تضمن لم تدخل (إلى) وصار بمعنى عرِّفني. والاول بمنزلة ارشدني، وانما كرر (مستقيم، وقيم) للمبالغة، كأنه قال: هو مستقيم على نهاية الاستقامة. وقوله "ملة ابراهيم فالملة الشريعة وهي مأخوذة من الاملاء" كأنه ما يأتي به السمع ويورده الرسول من الشرائع المتجددة فيمله على امته ليكتب او يحفظ. فأما التوحيد والعدل فواجبان بالعقل، ولا يكون فيهما اختلاف. والشرائع تختلف، ولهذا يجوز ان يقال ديني دين الملائكة. ولا يقال ملتي ملة الملائكة. والملة دين، وليس كل دين ملة. وانما وصف دين النبي (صلى الله عليه وسلم) بأنه ملة ابراهيم ترغيبا فيه للعرب لجلالة ابراهيم في نفوسهم وغيرهم من أهل الاديان. وقوله {حنيفا} معناه مخلصا لعبادة الله في قول الحسن. واصله الميل من قولهم: رجل احنف اذا كان مائل القدم باقبال كل واحدة منهما على الاخرى من خلقة لا من عارض. وقال الزجاج: الحنيف هو المائل الى الاسلام ميلا لازما لا رجوع معه. وقال ابو علي: اصله الاستقامة. وانما جاء (أحنف) على التفاؤل {وما كان من المشركين} يعني ابراهيم (ع) و {حنيفا} نصب على الحال من (إبراهيم) و {ملة أبيكم} نصب على المصدر - في قول الفراء - وقال الزجاج: هو بدل من قوله {دينا قيما}.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ} لهم موادعة وتعريضاً بنصحهم بابلغ وجه {إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ} فلا حاجة لى اليكم ولا تعرّض لى بكم فانتم وشأنكم {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} هو صراط القلب وهو الولاية التّكوينيّة وبالولاية التّكليفيّة الحاصلة بالبيعة الخاصّة الولويّة ينفتح صراط القلب، وهما ظهور الولاية المطلقة ونازلتها والولاية المطلقة متّحدة مع علىّ (ع) وعلويّته، فصحّ تفسير الصّراط بالولاية تارة وبعلىٍّ (ع) اخرى {دِيناً قِيَماً} الدّين قد مضى قبيل هذا تحقيقه، والقيّم الدّين الّذى لا اعوجاج له {مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} اظهارٌ لنصحهم بانّ دينه دين ابراهيم الّذى لا اختلاف لهم فى حقّيّته {حَنِيفاً} الحنيف المستقيم والصّحيح الميل الى الاسلام الثّابت عليه وكلّ من حجّ او كان على دين ابراهيم (ع) وهو حال من مفعول هدانى او صفة ديناً او حال منه او من المستتر فى قيماً او من ملّة ابراهيم (ع)، والتّذكير باعتبار معنى الملّة وهو الدّين او من ابراهيم على ضعف جعل الحال من المضاف اليه من دون كون المضاف عاملاً، او فى حكم السّقوط {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} عطف على حنيفاً او حالٌ من المستتر فيه او حالٌ بعد حالٍ بناءً على انّ حنيفاً حال من ابراهيم (ع) وهو تعريض بانّهم مخالفون لابراهيم (ع) فى شركهم فهم مبطلون لانّ ابراهيم (ع) كان محقّاً بالاتّفاق.
الهواري
تفسير : قوله: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} والحنيف المخلص في تفسير الحسن. وفي تفسير الكلبي: المسلم. قوله: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} قال بعضهم: (نُسُكِي): حجي وذبحي. قال: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} قال: {لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ} أي من هذه الأمة. قوله: {قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [وهذا جواب من الله للمشركين حيث دعوا النبي إلى أن يعبد ما كان يعبد آباؤهم] {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} أي على نفسها {وَلاَ تَزِرُ} أي: ولا تحمل {وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} والوزر: الذنب. أي لا يحمل أحد ذنب أحد. {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي ما اختلف فيه المؤمنون والمشركون فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل المشركين النار. قوله: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ}. قال بعضهم: خَلَفاً بعد خلف. وقال الحسن: خلائف بعد الهالكين. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أنتم توافون سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله . تفسير : قوله: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} فيما أعطاكم [من الفضائل في الدنيا] {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا ءَاتَاكُمْ} أي ليختبركم فيما أعطاكم {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقَابِ} أي إذا جاء الوقت الذي يريد أن يعذبهم فيه حين كذّبوا رسله {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} غفّار لمن تاب من شركه وآمن، ومن تاب في الإِيمان من ذنوبه رحيم لهم.
اطفيش
تفسير : {قل إنَّى هَدانى ربِّى إلى صِراطٍ مُسْتقيمٍ} دين صحيح وهو دين الإسلام، أو الحجج والتنكير للتعظيم {دِيناً} حال من صراط لنعته بمستقيم، وهو مؤكد ومفعول لمحذوف، أى هدانى ديناً كقوله: {أية : وهديناهما الصراط المستقيم} تفسير : وقوله: {أية : اهدنا الصراط المستقيم}تفسير : وقوله: {أية : ويهديك صراطاً مستقيما} تفسير : أو علمنى دينا قيما، أو بدل من صراط، لأنه فى نية النصب لصلوح إسقاط إلى ونصب فى الفصيح كما رأيت. {قِيماً} صفة مشبهة من قام يقوم، وزنه فيعل، أصله قيوم بإسكان الياء قلبت الواو وبعدها ياء وأدغمت الياء فى الياء، وقيل: فيعل بكسر العين، أصله قويم قدمت الياء على الواو، وقلبت وأدغمت الياء فى الياء، والحاصل أن فيه ما فى سيد من الخلاف، وقد ذكرته فى غير هذا، وعلى كل حال هو أبلغ من قائم مستقيم، لأنه لا يدل على الحدوث، وهما يدلان عليه، وقيل: قيم أبلغ من قائم لزيادة حروفه، ولا تلزم زيادة المعنى لزيادة الحروف فى كل موضع، وقيل: معناه تقوم به أمور معاشى ومعادى، وقراءة أبى عامر وعاصم وحمزة والسدى قيما بكسر القاف وفتح الياء غير مشدد على أنه مصدر نعت به، وهو أبلغ من قيما فى القراءة الأولى، لأنه كأنه نفس القيام فى هذه القراءة أو أول فى بالوصف، أو بتقدير مضاف، والقياس فى هذه القراءة بقاء الواو بلا قلب كعوض دخوله، لكن أعلت بالقلب ياء كما أعلت فى فعله الماضى بالقلب ألفا، وفى مضارعه بنقل حركته أو إسكانها، وبالقلب ياء فى القيام. {مِلَّة إبْراهيمَ} عطف بيان على دينا ولو اختلفا تعريفا وتبيينا، وصح أن يعطف بيانا مع أن الملة والدين بمعنى واحد، لأن مفهوم الملة الإملاء، أملاه جبريل على إبراهيم عليهما السلام، ومفهوم الدين الجزاء أو الطاعة أو الخضوع به لمن شرعه، ولو اتحدا ما صدقا، ولأن الملة قد أضيفت إلى إبراهيم ولم يضف إليه المعطوف عليه. {حَنيفاً} مائلا عن دين الضلال إلى دين الله، وهو حال من إبراهيم، ولو كان مضافا إليه، لأن المضاف يحجزه من إبراهيم، ولكن لا يظهر أن يقال هدانى الله إبراهيم، ويراد هدانى دينه ظهوراً مثل الظهور فى {أية : اتبع ملة إبراهيم}تفسير : لو قيل: اتبع إبراهيم لظهر ظهوراً بيناً أن المراد اتبع دينه، والعرب تسمى كل من حج أو اختتن حنيفا تنبيها على أنه مال كما مال إبراهيم. {وما كانَ مِنَ المشْركينَ} فمن أين يكون قريش واليهود والنصارى على دينه، وهم مشركون، ومعظم الرد هنا على قريش.
اطفيش
تفسير : {قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى} إِياى ولم يهدكم أَيها الكفرة من العرب واليهود والنصارى وسائر من لم يكن على دين الإِسلام، رد على من زعم أَنه على دين إِبراهيم {رَبِّى إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيمٍ} دلنى أَو وفقنى أَو هدانى عن الصراط المعوج وهو دين الكفر إِلى صراطه المستقيم المنجى من السوء المفضى إِلى الخيور وهو الآيات النازلة بالوحى والأَدلة العقلية المأْخوذة مما نصب من الدلائل دلائل، السموات والأَرض، والتنكير للتعظيم. {دِيناً} حال ولو جامداً لتأَويله بمشتق كمعتقد بفتح القاف ومعتاد ومجازى به، أَو مفعول مطلق أَى هداية دين قيم أَو يقدر عرفنى ديناً أَو أَلزموا ديناً قيماً، أَو بدل من محل صراط، وساغ لأَنه يظهر فى الفصيح لأَن هدى يتعدى إِلى المفعول بنفسه تارة وتارة بإِلى وتارة باللام كقوله تعالى "أية : ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً" تفسير : [النساء: 175] كأَنه قيل هدانى ربى صراطاً مستقيماً ديناً قيماً، ولو كان الأَصل أَن يعدى بإِلى ولا تعسف فى اشتراط جواز ظهور المحل فى الفصيح للعطف على المحل، فلو عطف على محل زيد بالنصب فى مررت بزيد، لم يجز لأَنه لا يقال فى الفصيح مررت زيداً {قِيَماً} فيعل من القيام أَو فعيل منه، وعلى الأَخير قدمت الياء على الواو والأصل قيوم بإِسكان الياء أَو قويم، قلبت الواو ياء، وأُدغمت فى الياء وهو صفة مشبهة وهو أَبلغ من مستقيم لأَنه صفة مشبه تدل على الثبوت ومستقيم اسم فاعل يدل على التجدد، وفى مستقيم بلاغة أَيضاً لأَن زيادة الحروف فى الغالب والأَصل تدل على زيادة المعنى فإِنه على صيغة المطلب، والنقل والمبالغة بقيماً أَقوى منها بمستقيم، ولذلك اختير القيم فى وصف الدين ومستقيماً فى وصف الصراط، ولو كان المراد بهما واحداً {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} بدل أَو بيان من دينا، ووجه البيان أَنه ليس فى قوله دينا قيما ذكر إِبراهيم وأَيضاً مفهوم الدين الجزاء أَو الاعتياد أَو الطاعة أَو نحو ذلك، ومفهوم الملة غير ذلك وهو أَنها تمل على سامعها ليكتبها أَو يدرسها فأَفاد لفظ ملة ما لم يفد لفظ ديناً. {حَنِيفاً} حال من إِبراهيم ووجه التقييد بالحال أَن المعنى أَنه تلقفها عن جبريل حال كونه مائلا عن الشرك والمعاصى والحنيف المائل {وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} تعريض بشرك اليهود والنصارى وهؤلاء العرب، أَى ليس إِبراهيم مشركاً كما أَنكم مشركون فكيف تزعمون أَنكم على دينه، والآية للدوام فى النفى لا لنفى الدوام.
الالوسي
تفسير : {قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى} أمر له صلى الله عليه وسلم بأن يبين ما هو عليه من الدين الحق الذي يدعي المفرقون أنهم عليه وقد فارقوه بالكلية، وتصدير الجملة بحرف التحقيق لإظهار كمال العناية بمضمونها، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لما مر غير مرة أي قل يا محمد لهؤلاء المفرقين أو للناس كافة: أرشدني ربـي بالوحي وبما نصب في الآفاق والأنفس من الآيات {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } موصل إلى الحق. وقوله سبحانه: {دِينًا } بدل من محل {إِلَىٰ صِرٰطٍ} إذ المعنى فهداني صراطاً نظير قوله تعالى: { أية : وَيَهْدِيَكَ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } تفسير : [الفتح: 2] أو مفعول فعل مضمر دل عليه المذكور أي هداني أو أعطاني أو عرفني ديناً، وجوز أن يكون مفعولاً ثانياً للمذكور. وقوله سبحانه: {قَيِّماً } مصدر كالصغر والكبر نعت به مبالغة. وجوز أن يكون التقدير ذا قيم، والقياس قوماً كَعِوَض وحِوَل، فأُعِلَّ تبعاً لإعلال فعله أعني قام كالقيام. وقرأ كثير {قَيِّماً } وهو فيعل من قام أيضاً كسيد من ساد ـ وهو على ما قيل ـ أبلغ من المستقيم باعتبار الهيئة والمستقيم أبلغ منه باعتبار مجموع المادة والهيئة، وقيل: أبلغية المستقيم لأن السين للطلب فتفيد طلب القيام واقتضاءه، ولا فرق بين القيم والمستقيم في أصل المعنى عند الكثير، وفسروا القيم بالثابت المقوم لأمر المعاش والمعاد، وجعلوا المستقيم من استقام الأمر بمعنى ثبت وإلا لا يتأتى ما ذكر، وقيل: المستقيم مقابل المعوج والقيم الثابت الذي لا ينسخ. {مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } نصب بتقدير أعني أو عطف بيان لديناً بناء على جواز تخالف البيان والمبين تعريفاً وتنكيراً {حَنِيفاً } أي مائلاً عن الأديان الباطلة أو مخلصاً لله تعالى في العبادة وهو حال من إبراهيم، وقد أطبقوا على جواز مجيء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءاً منه أو بمنزلة الجزء حيث يصح قيامه مقامه. والعامل في هذه الحال هو العامل في المضاف. وقيل: معنى الإضافة لما فيه من معنى الفعل المشعر به حرف الجر، وقد تقوى هذا المعنى هنا بما بين المتضايفين من الجزئية أو شبهها. وجوز أن يكون مفعولاً لفعل مقدر أي أعني حنيفاً. {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ } اعتراض مقرر لنزاهته عليه الصلاة والسلام عما عليه المبطلون، وقيل: عطف على ما تقدم. وفيه رد على الذين يدعون أنهم على ملته عليه الصلاة والسلام من أهل مكة القائلين: الملائكة بنات الله واليهود القائلين: عزير ابن الله والنصارى القائلين: عيسى ابن الله.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي للانتقال من مجادلة المشركين، وما تخلّلها، إلى فذلكة ما أُمر به الرّسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشّأن، غَلقاً لباب المجادلة مع المعرضين، وإعلاناً بأنّه قد تقلّد لنفسه ما كان يجادلهم فيه ليتقلّدوه وأنَّه ثابت على ما جاءهم به، وأنّ إعراضهم لا يزلزله عن الحقّ. وفيه إيذان بانتهاء السّورة لأنّ الواعظ والمناظر إذا أشبع الكلام في غرضه، ثمّ أخذ يبين ما رَضِيه لِنفسه وما قَرّ عليه قَراره، علم السّامع أنَّه قد أخذ يطوي سجلّ المحاجّة، ولذلك غيّر الأسلوب. فأمر الرّسول صلى الله عليه وسلم بأن يقول أشياء يعلن بها أصول دينه، وتكرّر الأمر بالقول ثلاث مرّات تنويهاً بالمقول. وقوله: {إنني هداني ربي} متصل بقوله: { أية : وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه } تفسير : [الأنعام: 153] الذي بيّنه بقوله: { أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك } تفسير : [الأنعام: 92] فزاده بياناً بقوله هذا: {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم}، ليبيّن أنّ هذا الدّين إنَّما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم بهدي من الله، وأنَّه جعله ديناً قيّماً على قواعد ملّة إبراهيم عليه السّلام، إلاّ أنَّه زائد عليه بما تضمّنه من نعمة الله عليه إذ هداه إلى ذلك الصّراط الذي هو سبيل النّجاة. وافتُتح الخبر بحرف التّأكيد لأنّ الخطاب للمشركين المكذّبين. وتعريف المسند إليه بالإضافة للاعتزاز بمربوبية الرّسول صلى الله عليه وسلم للَّه تعالى، وتعريضاً بالمشركين الذين أضلّهم أربابهم، ولو وحّدوا الربّ الحقيق بالعبادة لهداهم. وقوله: {هداني ربي إلى صراط مستقيم} تمثيليّة: شبّهت هيئة الإرشاد إلى الحقّ المبلّغ إلى النّجاة بهيئة من يدلّ السّائر على الطّريق المبلّغة للمقصود. والمناسبة بين الهداية وبين الصّراط تامّة، لأنّ حقيقة الهداية التّعريف بالطّريق، يقال: هو هاد خِرّيت، وحقيقة الصّراط الطّريق الواسعة. وقد صحّ أن تستعار الهداية للإرشاد والتّعليم، والصّراطُ للدين القويم، فكان تشبيهاً مركّباً قابلاً للتفكيك وهو أكمل أحوال التّمثيليّة. ووُصف الصّراط بالمستقيم، أي الذي لا خطَأ فيه ولا فساد، وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه } تفسير : [الأنعام: 153]، والمقصود إتمام هيئة التّشبيه بأنَّه دين لا يتطرّق متّبعه شكّ في نفعه كما لا يتردّد سالك الطّريق الواسعة التي لا انعطاف فيها ولا يتحيَّر في أمره. وفي قوله: {ديناً} تجريد للاستعارة مؤذن بالمشبّه، وانتصب على الحال من: {صراط} لأنَّه نكرة موصوفة. والدّين تقدّم عند قوله تعالى: { أية : إن الدِّين عند الله الإسلام } تفسير : [آل عمران: 19] وهو السّيرة التي يتّبعها النّاس. والقَيِّم ــــ بفتح القاف وتشديد الياء ــــ كما قرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ويعقوب: وصف مبالغة قَائم بمعنى معتدل غير معوج، وإطلاق القيام على الاعتدال والاستقامة مجاز، لأنّ المرء إذا قام اعتدلت قامته، فيلزم الاعتدال القيام. والأحسن أن نجعل القيم للمبالغة في القيام بالأمر، وهو مرادف القيّوم، فيستعار القيام للكفاية بما يحتاج إليه والوفاء بما فيه صلاح المقوّم عليه، فالإسلام قيّم بالأمّة وحاجتها، يقال: فلان قيّم على كذا، بمعنى مدبّر له ومصلح، ومنه وصف الله تعالى بالقيُّوم، وهذا أحسن لأنّ فيه زيادة على مفاد مستقيم الذي أخذ جزءاً من التّمثيليّة، فلا تكون إعادة لبعض التّشبيه. وقرأ عاصم، وحمزة، وابن عامر، والكسائي، وخلف: {قيماً} ــــ بكسر القاف وفتح الياء مخفّفة ــــ وهو من صيغ مصادر قام، فهو وصف للدّين بمصدر القيام المقصودِ به كفاية المصلحة للمبالغة، وهذه زنة قليلة في المصادر، وقَلْبُ واوه ياء بعد الكسرة على غير الغالب: لأنّ الغالب فيه تصحيح لامِه لأنَّها مفتوحة، فسواء في خفّتِها وقوعها على الواو أو على الياء، مثل عِوَض وحِوَل، وهذَا كشذوذ جياد جمع جواد، وانتصب {قيماً} على الوصف لــــ {دينا}. وقوله: {ملة إبراهيم} حال من: {ديناً} أو من: {صراط مستقيم} أو عطفُ بيان على {ديناً}. والملّة، الدّين: فهي مرادفة الدين، فالتَّعبير بها هنا للتَّفنّن ألا ترى إلى قوله تعالى: { أية : ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين } تفسير : [البقرة: 132]. و{ملّة} فِعْلة بمعنى المفعول، أي المملول، من أمللت الكتاب إذا لقَّنت الكاتب ما يَكتب، وكان حقّها أن لا تقترن بهاء التّأنيث لأنّ زنة (فِعْل) بمعنى المفعول تلزم التّذكير، كالذِّبح، إلاّ أنَّهم قرنوها بهاء التّأنيث لما صيّروها اسماً للدّين، ولذلك قال الرّاغب: الملّة كالدّين، ثمّ قال: «والفرق بينها وبين الدّين أنّ الملّة لا تضاف إلاّ إلى النَّبيء الذي تسند إليه نحو ملّة إبراهيم، ملّة آبائي، ولا توجد مضافة إلى الله ولا إلى آحاد الأمّة، ولا تستعمل إلاّ في جملة الشّريعة دون آحادها لا يقال الصّلاة ملّة الله» أي ويقال: الصّلاةُ دين الله ذلك أنَّه يراعى في لفظ الملّة أنَّها مملول من الله فهي تضاف للّذي أُمِلَّت عليه. ومعنى كون الإسلام ملّةَ إبراهيم: أنَّه جاء بالأصول التي هي شريعة إبراهيم وهي: التّوحيد، ومسايرة الفطرة، والشّكر، والسّماحة، وإعلان الحقّ، وقد بيَّنتُ ذلك عند قوله تعالى: { أية : ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً } تفسير : في سورة آل عمران (67). والحنيف: المُجانب للباطل، فهو بمعنى المهتدي، وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : قل بل مِلَّة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } تفسير : في سورة البقرة (135). وهو منصوب على الحال. وجملة: {وما كان من المشركين} عطف على الحال من {إبراهيم} عليه السّلام المضاف إليه، لأنّ المضاف هنا كالجزاء من المضاف إليه، وقد تقدّم في آية سورة البقرة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قيماً: أي مستقيماً. ملة إبراهيم: أي دين إبراهيم وهو الإِسلام. حنيفاً: مائلاً عن الضلالة إلى الهدى. ونسكي: ذبحي تقرباً إلى الله تعالى. ومحياي: حياتي. أبغي رباً: أطلب رباً: إلهاً معبوداً أعبده. ولا تزر وازرة: أي لا تحمل نفس وازرة أي آثمة. وزر أخرى: أي إثم نفس أخرى. خلائف الأرض: أي يخلف بعضكم بعضاً جيل يموت وآخر يحيا إلى نهاية الحياة. ليبلوكم فيما آتاكم: أي ليختبركم فيما أعطاكم من الصحة والمرض والمال والفقر والعلم والجهل. معنى الآيات: في هذه الآيات وهي خاتمة هذه السورة التي بلغت آياتها بضعاً وستين ومائة آية وكانت كلها في الحجاج مع العادلين بربهم وبيان طريق الهدى لهم لعلهم يؤمنون فيوحدون ويسلمون. في هذه الآيات أمر الله رسوله أن يعلن عن مفاصلته لأولئك المشركين فقال له {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} أي ما أذبحه تقرباً إلى ربي، {وَمَحْيَايَ} أي ما آتيه في حياتي {وَمَمَاتِي} أي ما أموت عليه من الطاعات والصالحات {لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وحده {لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ} أي أمرني ربي سبحانه وتعالى، {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} لا يسبقني أحد أبداً، كما أمره أن ينكر على المشركين دعوتهم إليه صلى الله عليه وسلم لأن يعبد معهم آلهتهم، ليعبدوا معه إلهه وقال: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً} أي أطلب إلهاً، {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} أي ما من كائن في هذه الحياة إلا والله ربه أي خالقه ورازقه، وحافظه، وأعلمه لا تكسب نفس من خير إلا وهو لها، ولا تكسب من شر إلا عليها، وأنه {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي لا تحمل نفس مذنبة ذنب نفس مذنبة أخرى، وأن مرد الجميع إلى الله تعالى {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي ويقضي بينكم فينجو من ينجو ويهلك من يهلك، كما أخبره أن يقول: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ} أي يخلف بعضكم بعضاً هذا يموت فيورث، وهذا الوارث يموت فيورث، وقوله {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} أي هذا غني وهذا فقير، هذا صحيح وهذا ضرير هذا عالم وذاك جاهل، ثم علل تعالى لتدبيره فينا بقوله {لِّيَبْلُوَكُمْ} أي يختبركم فيما آتاكم ليرى الشاكر ويرى الكافر ولازم الابتلاء النجاح أو الخيبة فلذا قال {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيعذب الكافر ويغفر ويرحم الشاكر. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- ملة إبراهيم عليه السلام وهي الإِسلام. 2- مشروعية قول {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} في القيام للصلاة. 3- لا يصح طلب رب غير الله تعالى لأنه رب كل شيء. 4- عدالة الله تعالى تتجلى يوم القيامة. 5- عدالة الجزاء يوم القيامة. 6- تفاوت الناس في الغنى والفقر والصحة والمرض، والبر والفجور وفي كل شيء مظهر من مظاهر تدبير الله تعالى في خلقه. ينتفع به الذاكرون من غير أصحاب الغفلة والنسيان.
القطان
تفسير : دينا قيما: دين يقوم به امر الناس في معاشهم. وفي قراءة: "قيما" بفتح القاف وتشديد الياء: ومعناه ايضا: مستقيم، ومنه قوله تعالى: {وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ} يعني دين الامة المستقيمة. حنيفا: مخلصا لعبادة الله. نسكي: عبادتي محياي ومماتي: كل ما آتيه في حياتي، وما اموت عليه من الايمان والعمل الصالح. ابغي: اطلب. الوزر: الحمل الثقيل والاثم ومعنى "لا تزر وازرة وِزْرَ اخرى" لا يؤخذ أحدٌ بذنب غيره خلائف: خلفاء، مفرده خليفة ليبلوكم: ليختبركم. لما كانت هذه السورة أجمعَ السور لأصولِ الدين، مع اقامة الحجج عليها ودفع الشبهة عنها، وإبطال عقائد أهل الشرك وخرافاتهم - جاءت هذه الخاتمة بقول جامعٍ لجملة ما فُصّل فيها. وهو أن الدين القيّم والصراطَ المستقيم هم ملةُ إبراهيم دون ما يدّعيه المشركون، وما حرّفه أهلُ الكتاب. وان النبي عليه الصلاة والسلام مستمسكٌ به، معتصِمٌ بحَبْله، يدعو اليه قولاً وعملا وأنه هو الذي أكمل الدينَ بعد ان انحرفت الامم السابقة عنه. ثم بيّن الجزاء عند الله على الأعمال، لا يؤاخَذ أحدٌ بذنْب غيره، وأن المرجعَ إلى الله، فهو الذي يستخلف في الارض من يشاء ويختبر البشر بالنِعم والنِقَم، يتولّى عقاب المسيئين ورحمةَ المحسنين، فلا واسطة بينه وبين عباده. قل ايها النبي لقومك ولسائر البشر: إن ربّي أرشدَني الى طريق مستقيمٍ بلغ نهاية الكمال وكان هو الدينَ الذي اتّبعه ابراهيم مخلصاً في عبادة الله وحده، مائلاً عن العقائد الباطلة، فلم يعبد مع الله إلهاً آخر كما يزعم المشركون. ثم قل: إن صلاتي وجميع عبادتي، وما آتيه حالَ حياتي من الاعمال الصالحة، وما أموت عليه من الايمان - كله خالص لوجه الله، الذي لاينبغي ان تكون العبادة إلاَّ له، فهو رب العباد وخالقهم، فاستحقّ أن يُعبد وحده ويُطاع. إنه لا شريك له في الخلق، ولا في استحقاق العبادة، وقد أمرني بالإخلاص في التوحيد والعمل، وأنا اول المنقادين الى امتثال اوامره، وترك ما نهى عنه. قل يا محمد منكِراً على المشركين دعوتهم اياك لموافقتهم في شركهم: أأطلب بالعبادة ربّاً غير الله، مع انه خالقُ كل شيء؟ وقل لهم: لا تكسِب كلُّ نفسٍ إثماً الا كان عليها جزاؤه دون غيرها، ولا تؤاخذ نفس بأخطاء غيرها {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} ثم تُبعثون يوم الحشر إلى ربكم، فيخبركم بما كنتم تختلفون فيه من أمر أديانكم وعقائدكم ويجازيكم عليها. ليس للإنسان إلا ما عمل من عمل صالح، وفي الحديث الصحيح فيما رواه مسلم وأبو داود والنَّسائي عن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا مات الانسان انقطع عملُه إلا من ثلاث: صدّقةٍ جارية، اوعلم يُنتفع به، او ولدٍ صالحٍ يدعو له ". تفسير : إن ربكم، الذي هو رب كل شيء، هو الذي جعلكم خلفاء للأمم السابقة في عمارة الكون، ورفعَ بعضَكم فوق بعض درجات في الكمال المادّيّ والمعنويّ، ليختبركم فيما أعطاكم من النعم كيف تشكرونها، وفيما آتاكم من الشرائع كيف تعملون بها. لكنه سريع العقاب للمخالفين العاصين. وهو سبحانه على سرعة عقابه وشديد عذابه للمشركين المخالفين، غفورٌ للتّوابين رحيم بالمؤمنين المحسنين، فلقد سبقت رحمتُه غضبَه، ووسعتْ كل شيء. خلاصة ما اشتملت عليه وسورة الانعام من العقائد والاحكام: 1- العقائد وأدلتها، بأسلوب يجمع بين الاقناع والتأثير، كبيان صفات الله بذكر أفعاله وسُننه في الخلْق، وآياتِه في الانفس والآفاق، وتأثير العقائد في الأعمال، مع إيراد الحقائق بطريق الجدَل والمناظرة، او على طريق السؤال والجواب، وفي أثناءِ ذلك يأتي الردّ على شبهات المشركين. 2- الرسالة والوحي وتفنيد مكابرة المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم، والزمهم الحجة بآية الله الكبرى، وهي القرآن. 3- البعث والجزاء والوعد والوعيد، بذِكر ما يقع يوم القيامة من العذاب للمجرمين، والبشارة للمتقين بالفوز والنعميم. هذا مع ذكر عالم الغيب من الملائكة والجن والشياطين والجنة والنار. وقد كان العرب كغيرهم من الأمم يؤمنون بالملائكة وبوجود الجن، ويعتقدون أنهم يظهرون لهم أحياناً في صورة الغِيلان فيسمعون اصواتهم، وأنهم يُلقون الشعرَ في هواجس الشعراء. 4- اصول الدين ووصاياه الجامعة في الفضائل والآداب، والنهي عن الرذائل، وأن دينَ الله واحد، لكنه تم تفريقُه بالمذاهب والأهواء، وان سعادة الناس وشقاءهم من اعمالهم النفسيّة والبدنية، وان الجزاء على الاعمال يكون بحسب تأثيرها في الانفس، فالجزاء على السيئة سيئة مثلها، وعلى الحسنة عشرة امثالها، ولا يحمل أحد ذنْب غيره. ثم يأتي الترغيب في معرفة الكون والإرشاد الى معرفة سنُن الله فيه، وآياته الكثيرة الدالّة على علمه وقدرته، وان التوبة الصحيحة مع ما يلزمها من العمل الصالح موجبة لمغفرة الذنوب وابتلاء الناس بعضهم ببعض، ليتنافسوا في العلوم والاعمال النافعة، واعلاء كلمة الحق.
د. أسعد حومد
تفسير : {هَدَانِي} {صِرَاطٍ} {إِبْرَاهِيمَ} (161) - يَأَمُرُ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِمَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الهِدَايَةِ إِلى صِرَاطِ رَبِّهِ المُسْتَقِيمِ، الذِي لاَ اعْوِجَاجَ فِيهِ، وَلاَ انْحِرَافَ، وَهذا الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ هُوَ دِينُ اللهِ الذِي يَقُومُ بِهِ أَمْرُ النَّاسِ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، وَبِهِ يَصْلُحُونَ (دِيناً فِيَماً). وَهذا الدِّينُ القَيِّمُ هُوَ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ الذِي كَانَ حَنِيفاً مُخْلِصاً، مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ. دِيناً قيماً - دِيناً ثَابِتاً مُقَوِّماً لأُِمُورِ المَعَاشِ وَالمَعَادِ. حَنِيفاً - مُنْحَرِفاً عَنِ الشِّرْكِ وَالبَاطِلِ، مَائِلاً إِلَى الدِّينِ الحَقِّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"ديناً قيماً" أي تقوم عليه مسائل الحياة، وهو قائم بها، و "قيماً" مأخوذة من "القيمة" أو من "القيام" على الأمر، وقام على الأمر أي باشره مباشرة من يصلحه، كذلك جاء الدين ليصلح للناس حركة حياتهم بأن أعطاهم القيم، وهو قائم عليهم أيضاً: {دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}. وفي كل أمر مهم له خطره ومنزلته يأتي لنا الحق بلمحة من سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام، لأنه صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه فيه القدر المشترك الذي يجمع كفار مكة، وأهل الكتاب الذين يتمحكون فيه. فقالت اليهود: إبراهيم كان يهوديًّا، وقالت النصارى: إن إبراهيم كان نصرانيًّا، وربنا يقول لهم ولنا: {أية : مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً...} تفسير : [آل عمران: 67] واليهودية والنصرانية جاءتا من بعده. أما بالنسبة للجماعة الأخرى ففي بيئتهم، وكل حركات حياتهم، وتجاربهم ونفعهم من آثار إبراهيم عليه السلام ما هو ظاهر وواضح. يقول الحق: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ...} تفسير : [إبراهيم: 37] فسيدنا إبراهيم هو الذي رفع القواعد من البيت الحرام، وهو الذي عمل لهم مهابة جعلت تجاربهم تذهب إلى الشمال وإلى الجنوب ولا يتعرض لها أحد، وجاءت لهم بالرزق الوفير. وحين يقول الحق: {دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161] المقصود هو الدين الذي تعيشون في كنف خيرات آثاره، و"الحنف" هو اعوجاج في القدم. وبطبيعة الحال لم يكن دين إبراهيم مائلاً عن الحق والصواب بل هو مائل عن الانحراف دائم الاستقامة. ونعرف أن الرسل إنما يجيئون عند طغيان الانحراف، فإذا جاء إبراهيم مائلاً عن المنحرف؛ فهو معتدل. ويقول الحق بعد ذلك: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} معناهُ دِينَ إِبْرَاهيمَ.
الجيلاني
تفسير : {قُلْ} يا أكمل الرسل المبعوث إلى كافة البرايا: {إِنَّنِي} مع كوني بشراً مثلكم {هَدَانِي رَبِّيۤ} الذي رباني بأنواع اللطف والكرم {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} موصل إلى توحيده الذاتي، وآتاني من فضله {دِيناً قِيَماً} قومياً مستقيماً {مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} مائلاً عن الأديان الباطلة والآراء الفاسدة لذلك {وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161] في وقت من الأوقات. {قُلْ} يا أكمل الرسل المظهر للتوحيد الذاتي مفوضاً جميع أمورك وما جرى عليك وظهر منك إلى ربك: {إِنَّ صَلاَتِي} إي: ميلي بجميع أعضائي وجوارحي {وَ} سائر {نُسُكِي} وعبادتي التي هي سبب تقريبي وتوسلي نحو الحق {وَ} بالجملة: لوازم {مَحْيَايَ وَمَمَاتِي} خالصاً {لِلَّهِ} المتوحد المتصرف في ملكه وملوكته بما يشاء بالاستقلال والاختيار لكونه {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]. {لاَ شَرِيكَ لَهُ} ينازعه، ولا ضد له يكافئه ويماثله، لا وجود لغيره أصلاً {وَبِذٰلِكَ} التفويض والإخلاص {أُمِرْتُ} من عنده لتوحيده {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 163] الموحدين المظهرين الظاهرين بالتوحيد الذاتي. {قُلْ} يا أكمل الرسل مستوبخاً مستقرعاً لمن عاندك في طريق التوحيد، وجادلك بإثبات الشركاء له وتوقع موافقتك لشركه: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ} المتوحد في ذاته، المتفرد في ألوهيته {أَبْغِي} أتخذ وأطلب {رَبّاً} مربياً مولياً {وَ} الحال أنه {هُوَ} بذاته وأسمائه وأوصافه {رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} وخالقه وموجده من كتم العدم {وَ} إذا قلت لهم من كلمة الحق ما قلت دعمهم وشركهم؛ إذ {لاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} من الجرائم والآثام {إِلاَّ} تحمل {عَلَيْهَا} أصارها وأثقالها {وَلاَ تَزِرُ} تقترف تحمل نفس {وَازِرَةٌ} عاصية كافرة {وِزْرَ أُخْرَىٰ} بل كل منها رهينة بما كسبت، إن خيراً فخير وإن شراً فشر {ثُمَّ} بعد انقضاء النشأة الأولى {إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ} رجوع الظل إلى ذي الظل {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام: 164] أي: يميز لكم الحق من الباطل والهداية من الضلال والعناية من الوبال والنكال. {وَ} كيف ينكرون توحيد الحق وترتبيته إياكم مع أنه سبحانه {هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ} أي: خلفاء قابلين لمظهرية جميع أوصافه {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} في الاتصاف بأوصافه والتخلق بأخلاقه {لِّيَبْلُوَكُمْ} ويختبركم {فِي مَآ آتَاكُمْ} من استعداداتكم وقابليتكم هل تصرفها إلى ما خلقتم لأجله أم لا {إِنَّ رَبَّكَ} يا أكمل الرسل {سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} على صنيع استعداده الفطري فيما لا يعنيه {وَإِنَّهُ} أيضاً {لَغَفُورٌ} لمن تنبه استغفر {رَّحِيمٌ} [الأنعام: 165] لمن تاب واستهدى. خاتمة سورة الأنعام عليك أيها المتوجه نحو الحق القاصد سلوك طريق توحيده، أنجح الله أملك وأوصلك إلى مبتغاك أن تنخلع وتتجرد عن متقضيات القوى النفسانية من لذاتها وشهواتها الحسية والوهمية والخيالية، وتتوجه بما فيك من مبادئ القوى الروحانية إلى مبدئها، مقتفياً في توجهك أثر ما وصل إليك من آثار النبي صلى الله عليه وسلم المختار، الذي استخلفه الحق وأظهره على مقتضى جميع أوصافه وأسمائه، واجتباه من بين جميع رسله وأنبيائه، وأرسله مظهراً للتوحيد الذاتي وأنزل عليه كتاباً جامعاً محتوياً على جميع فوائد الكتب السالفة مع زيادات خلت عنها الجميع، مبيناً لطريق التوحيد على الوجه الأتم الأكمل إلى حيث لم يبقَ بعد بعثته احتياج إلى مبين آخر، لذلك قال سبحانه: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...}تفسير : [المائدة: 3]. وقال صلى الله عليه وسلم: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وبعد بعثته صلى الله عليه وسلم ونزول الكتاب لم يبقَ للمسترشد المستهدي نحو التوحيد الذاتي إلا الاتصاف والامتثال بما جاء به خاتم الرسالة، لذلك لم يكن الاجتهاد بعد بعثته إلا في جزيئات الأحكام دون المعتقدات الكلية؛ إذ خُتم أمر الرسالة والتشريع به صلى الله عليه وسلم. ولا بدَّ لك أن تربط قلبك بمرتبته صلى الله عليه وسلم وتجعلها قبلة مقصدك، وتقتفي أثر ما ورد عليه وجاء به صلى الله عليه وسلم بحيث لا يهمل منها شيء. ولا بدَّ أن يكون في متابعته صلى الله عليه وسلم على وثوق تام واطمئنان كامل، عارٍ عن جميع ما يشوشك من ظلمات الشكوك والأوهام، خالٍ عن جميع الرعونات العارضة من وساوس شياطين الأهواء الفاسدة مثل العجب والرياء والسمعة وغيرها. وبالجلمة: عليك أن تتوجه نحو التوحيد عن طريق الفناء والموت الأرادي؛ بحيث لا يصدر عنك شيء من أمارات الحياة الضرورية ومقتضيات القوى البشرية، حتى يتيسر لك التحقق بمقام الخلة، والتخلق بأخلاق الله، مع توفيق من قبل الحق وجذب من جانبه؛ إذ كل ميسر لما خلق له. ومتى صفيت سرك وسريرتك عن جميع ما يشغلك عن الله ويضلك عن سبيله، تحققت بمقام التوحيد، وفنيت عن مقتضيات أمارات التخمين والتقليد، وصرت على يقين من ربك وكشف وشهود لا تضمأ منه أصلاً ولا تروى أبداً، وحينئذٍ حق لك أن تقول حقاً: {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام: 162-163]. {أية : رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً}تفسير : [الكهف: 10].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن يقول ويعلن بما هو عليه من الهداية إلى الصراط المستقيم: الدين المعتدل المتضمن للعقائد النافعة، والأعمال الصالحة، والأمر بكل حسن، والنهي عن كل قبيح، الذي عليه الأنبياء والمرسلون، خصوصا إمام الحنفاء، ووالد من بعث من بعد موته من الأنبياء، خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وهو الدين الحنيف المائل عن كل دين غير مستقيم، من أديان أهل الانحراف، كاليهود والنصارى والمشركين. وهذا عموم، ثم خصص من ذلك أشرف العبادات فقال: { قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي } أي: ذبحي، وذلك لشرف هاتين العبادتين وفضلهما، ودلالتهما على محبة الله تعالى، وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب واللسان والجوارح، وبالذبح الذي هو بذل ما تحبه النفس من المال، لما هو أحب إليها وهو الله تعالى. ومن أخلص في صلاته ونسكه، استلزم ذلك إخلاصه لله في سائر أعماله. وقوله: { وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي } أي: ما آتيه في حياتي، وما يجريه الله عليَّ، وما يقدر عليَّ في مماتي، الجميع { لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } { لا شَرِيكَ لَهُ } في العبادة، كما أنه ليس له شريك في الملك والتدبير، وليس هذا الإخلاص لله ابتداعا مني، وبدعا أتيته من تلقاء نفسي، بل { بِذَلِكَ أُمِرْتُ } أمرا حتما، لا أخرج من التبعة إلا بامتثاله { وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } من هذه الأمة. { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ } من المخلوقين { أَبْغِي رَبًّا } أي: يحسن ذلك ويليق بي، أن أتخذ غيره، مربيا ومدبرا والله رب كل شيء، فالخلق كلهم داخلون تحت ربوبيته، منقادون لأمره؟". فتعين علي وعلى غيري، أن يتخذ الله ربا، ويرضى به، وألا يتعلق بأحد من المربوبين الفقراء العاجزين. ثم رغب ورهب بذكر الجزاء فقال: { وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } من خير وشر { إِلا عَلَيْهَا } كما قال تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا } . { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } بل كل عليه وزر نفسه، وإن كان أحد قد تسبب في ضلال غيره ووزره، فإن عليه وزر التسبب من غير أن ينقص من وزر المباشر شيء. { ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ } يوم القيامة { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من خير وشر، ويجازيكم على ذلك أوفى الجزاء. { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ } أي: يخلف بعضكم بعضا، واستخلفكم الله في الأرض، وسخَّر لكم جميع ما فيها، وابتلاكم، لينظر كيف تعملون. { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } في القوة والعافية، والرزق والخَلْق والخُلُق. { لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ } فتفاوتت أعمالكم. { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ } لمن عصاه وكذّب بآياته { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } لمن آمن به وعمل صالحا، وتاب من الموبقات. آخر تفسير سورة الأنعام، فلله الحمد والثناء وصلى الله وسلم على نبينا محمد. [وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين]. المجلد الثالث من تيسير الرحمن في تفسير القرآن لجامعه الفقير إلى الله: عبد الرحمن بن ناصر السعدي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):