٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
162
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى كما عرفه الدين المستقيم عرفه كيف يقوم به ويؤديه فقوله: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } يدل على أنه يؤديه مع الأخلاص وأكده بقوله: {لاَ شَرِيكَ لَهُ } وهذا يدل على أنه لا يكفي في العبادات أن يؤتى بها كيف كانت بل يجب أن يؤتى بها مع تمام الإخلاص وهذا من أقوى الدلائل على أن شرط صحة الصلاة أن يؤتى بها مقرونة بالأخلاص. أما قوله: {وَنُسُكِى } فقيل المراد بالنسك الذبيحة بعينها، يقول: من فعل كذا فعليه نسك أي دم يهريقه، وجمع بين الصلاة والذبح، كما في قوله: {أية : فَصَلّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ } تفسير : [الكوثر: 2] وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: النسك سبائك الفضة، كل سبيكة منها نسيكة، وقيل: للمتعبد ناسك، لأنه خلص نفسه من دنس الآثام، وصفاها كالسبيكة المخلصة من الخبث، وعلى هذا التأويل، فالنسك كل ما تقربت به إلى الله تعالى إلا أن الغالب عليه في العرف الذبح وقوله: {وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى } أي حياتي وموتي لله. واعلم أنه تعالى قال: {إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فأثبت كون الكل لله، والمحيا والممات ليسا لله بمعنى أنه يؤتى بهما لطاعة الله تعالى، فإن ذلك محال، بل معنى كونهما لله أنهما حاصلان بخلق الله تعالى، فكذلك أن يكون كون الصلاة والنسك لله مفسراً بكونهما واقعين بخلق الله، وذلك من أدل الدلائل على أن طاعات العبد مخلوقة لله تعالى. وقرأ نافع {محياي} ساكنة الياء ونصبها في مماتي، وإسكان الياء في محياي شاذ غير مستعمل، لأن فيه جمعاً بين ساكنين لا يلتقيان على هذا الحد في نثر ولا نظم، ومنهم من قال: إنه لغة لبعضهم، وحاصل الكلام، أنه تعالى أمر رسوله أن يبين أن صلاته وسائر عباداته وحياته ومماته كلها واقعة بخلق الله تعالى، وتقديره وقضاءه وحكمه، ثم نص على أنه لا شريك له في الخلق، والتقدير: ثم يقول وبذلك أمرت أي وبهذا التوحيد أمرت. ثم يقول: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ } أي المستسلمين لقضاء الله وقدره، ومعلوم أنه ليس أولاً لكل مسلم، فيجب أن يكون المراد كونه أولاً لمسلمي زمانه.
البيضاوي
تفسير : {قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى} عبادتي كلها، أو قرباني أو حجي. {وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى} وما أنا عليه في حياتي وأموت عليه من الإِيمان والطاعة، أو طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير، أو الحياة والممات أنفسهما. وقرأ نافع {محياي} بإسكان الياء إجراء للوصل مجرى الوقف. {للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ} خالصة له لا أشرك فيها غيراً. {وَبِذٰلِكَ} القول أو الإِخلاص. {أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى } عبادتي من حجّ وغيره {وَمَحْيَاىَ } حياتي {وَمَمَاتِى } موتي {لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {صَلاتِى} ذات الركوع لله ـ تعالى ـ دون غيره من وثن أو بشر. {وَنُسُكِى} ذبح الحج والعمرة، أو ديني، أو عبادتي، والناسك: العابد.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي...} الآية: أمْر من اللَّه عز وجل لنبيِّه ـــ عليه السلام ـــ أنْ يعلن بأنَّ مقصده في صلاته، وطاعتِهِ من ذبيحة وغيرها، وتصرفَهُ مدَّةَ حياتِهِ، وحالهُ من إخلاصٍ وإيمانٍ عند مماته ـــ إنما هو للَّه عزَّ وجلَّ، وإرادةِ وجهه، وطَلَبِ رضاه، وفي إعلان النبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذه المقالة ما يلزمُ المؤمنين التأسِّي به؛ حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قَصْدَ وجه اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يريد بهذه المقالة؛ أنَّ صلاته ونسكه وحياته ومماته بِيَدِ اللَّه عزَّ وجلَّ، واللَّه يصرفه في جميع ذلك كَيْفَ شاء سبحانه، ويكون قوله: {وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ}؛ على هذا التأويل ـــ راجعاً إلى قوله: {لاَ شَرِيكَ لَهُ} فقطْ، أو راجعاً إلى القول؛ وعلى التأويل الأول، يرجع إلى جميع ما ذُكِرَ من صلاة وغيرها، وقالتْ فرقة: النُّسُكُ؛ في هذه الآية: الذبائح. قال * ع *: ويُحَسِّن تخصيصَ الذبيحة بالذِّكْر في هذه الآية؛ أنها نازلةٌ قد تقدَّم ذكرها، والجَدَل فيها في السُّورة، وقالتْ فرقة: النسك؛ في هذه الآية: جميع أعمال الطاعاتِ؛ مِنْ قولك: نَسَكَ فُلاَنٌ، فَهُوَ نَاسِكٌ؛ إذا تعبَّد، وقرأ السبعة سوى نافع: «وَمَحْيَايَ» ـــ بفتح الياء ـــ، وقرأ نافع وحده: «وَمَحْيَايْ» ـــ بسكون الياء ـــ، قال أبو حَيَّان: وفيه جمع بين ساكنَيْنِ، وسوَّغ ذلك ما في الألفِ من المَدِّ القائمِ مَقَام الحركَة. انتهى، وقوله: «وأنا أول المسلمين»، أي: من هذه الأمة. وقوله سبحانه: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ...} الآية: حكى النَّقَّاش أنه روي أنَّ الكُفَّار قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: ٱرْجِعْ يا محمَّد إلَىٰ ديننا، وٱعبد آلهتنا، وٱتْرُكْ ما أنت عليه، ونحن نتكفَّل لك بكلِّ تباعة تتوقَّعها في دُنْيَاك وآخرتك، فنزلَتْ هذه الآية، وهي ٱستفهامٌ يقتضي التوبيخَ لهم، و {أَبْغِي}: معناه أَطْلُبْ؛ فكأنه قال: أفَيَحْسُنُ عندكم أن أَطْلُبَ إلهاً غير اللَّه الذي هو رَبُّ كلِّ شيء، وما ذكَرْتُم من كَفَالَتِكُمْ باطلٌ ليس الأمرُ كما تظُنُّون، فلا تَكْسِبُ كلُّ نفس من الشَّرِّ والإثم إلا عليها وحْدها، {وَلاَ تَزِرُ}، أي: تحملُ {وٰزِرَةٌ}، أي: حاملةٌ حمل أخرَىٰ وثقلها، و «الوِزْر»: أصله الثقل، ثم ٱستعمل في الإثم؛ تجوُّزاً وٱستعارةً، {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ}: تهديد ووعيد، وقوله: {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}، أي: في أمري في قول بعضكم: هو سَاحِرٌ، وبعضكم: هو شاعرٌ، إلى غير ذلك؛ قاله بعض المتأوِّلين، وهذا التأويلُ يَحْسُنُ في هذا الموضع، وإن كان اللفظ يعمُّ جميع أنواع الاختلافاتِ بَيْن الأديان والمِلَلِ والمَذَاهِب وغَيْرِ ذلك، و {خَلَـٰئِفَ}: جمع خَلِيفَةِ، أي: يخلف بعضُكم بعضاً؛ لأن مَنْ أتَىٰ خليفةٌ لِمَنْ مَضَىٰ، وهذا يتصوَّر في جميع الأممِ وسائرِ أصنافِ الناسِ، ولكنه يحْسُنُ في أمة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يسمى أهلها بجملتهم خلائِف للأمم، وليس لهم من يخلفهم؛ إذ هم آخر الأمم، وعليهم تقومُ الساعة، وروى الحَسَنُ بْنُ أبي الحسن؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : تُوفونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»تفسير : ، ويروَىٰ: «حديث : أَنْتُمْ آخِرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ».تفسير : وقوله: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ}: لفظٌ عامٌّ في المالِ، والقوةِ، والجاهِ، وجودةِ النفُوسِ والأذهانِ، وغير ذلك، وكل ذلك إنما هو ليختبر اللَّه سبحانه الخلْقَ، فيَرَى المحْسِنَ من المُسيء، ولما أخبر اللَّه عزَّ وجلَّ بهذا، ففسح للنَّاس مَيْدَانَ العَمَل، وحضَّهم سبحانه على الاستباقِ إلى الخيراتِ، توعَّد ووَعَد؛ تخويفاً منه وترجيةً، فقال: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} إما بأخَذَاته في الدنيا، وإما بعقاب الآخرة، وحَسُنَ أنْ يوصف عقابُ الآخرة بـ «سريع»؛ لما كان متحقّقاً مضمون الإتيانِ والوقوعِ، وكلُّ آت قريبٌ، {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}: ترجيةٌ لمن أذنب وأراد التوبة، وهذا في كتاب اللَّه كثيرٌ، وهو ٱقترانُ الوعيد بالوعدِ؛ لطفاً من اللَّه سبحانه بعبادِهِ، اللَّهم ٱجعلنا مِمَّنْ شملته رحْمَتُكَ وغُفْرانُكَ، بجُودِكَ وإحسانِكَ، ومِنْ كلام الشيخ الوليِّ العارفِ أبي الحسن الشَّاذِلِيِّ (رحمه اللَّه) قَالَ: من أراد ألاَّ يضره ذنْبٌ، فليقل: ربِّ أعوذ بك من عذابِكَ يَوْمَ تبعث عبادَكَ، وأعوذ بك مِنْ عاجل العذابِ، ومِنْ سوء الحسابِ، فإنك لسريعُ الحِسَاب، وإنك لغفور رحيم، رَبِّ إني ظلمت نفسي ظُلْماً كثيراً، فٱغفرْ لي وتُبْ عليَّ لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنْتُ من الظالمين. انتهى، نسأل اللَّه أنْ ينفع به ناظِرَهُ وأنْ يجعله لنا ذخراً ونوراً يسعَىٰ بين أيدينا يوم لقائه، والحمدُ للَّه الَّذي بنعمته تتمُّ الصالحاتُ، وصلى اللَّه علَىٰ سيدنا محمَّد وآله وصَحْبه وسلَّم تسليماً.
ابن عادل
تفسير : لمَّا عرّفه الدِّين المُستقِيم, عرَّفه كيف يقُوم به ويؤدِّيه، وهذ الآية الكريمة تدلُ على أنَّه - عليه الصَّلاة والسَّلام - مؤدِّي العِبَادة مع الإخْلاص، وأكده بقوله - تبارك وتعالى -: {لاَ شَرِيكَ لَه} وهذا من أقْوَى الدَّلائل على أنَّ شَرْط صحة الصَّلاة: أن يُؤتَى بها مَقْرُونةً بالإخْلاصِ. واخْتَلَفُوا في المُرَاد بالنُّسُك: فقيل: المُرَاد به: الذَّبِيحَة بعينها، وجمع بين الصَّلاة وبين النَّحر؛ كما في قوله - تبارك وتعالى -: {أية : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} تفسير : [الكوثر:2] فقيل: المراد بالصلاة هاهنا صلاة النَّحْر، وقيل: صلاةُ اللَّيْل. وروى ثَعْلَب عن ابن الأعْرَابيِّ أنه قال: النُّسُك: سَبَائِك الفِضَّة، كل نَسِيكة منها سَبيكة، وقيل للمُتعَبِّد: نَاسِكٌ، لأنه خلَّص نَفْسَه من دَنَائِس الآثَام وصفَّاها، كالسَّبيكة المُخَلَّصَة من الخَبَث، وعلى هذا التَّأويل فالنُّسُك: كل ما يُتَقرَّبُ به إلى اللَّه - تبارك وتعالى -، إلاَّ أن الغَالِب عليه في العُرْف: الذَّبْح. قوله: {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ}. قرأ نافع: "ومَحْيايْ" بسكون ياء المُتكلِّم، وفيها الجَّمع بين سَاكِنَيْن. قال الفارسي: كقوله: "التَقَتْ حَلْقَتَا البطَانِ" و "لِفُلانٍ ثُلُثَا المَالِ" بثبوت الألفين. وقد طَعَن بَعْضُ النَّاس على هذه القراءة بما ذَكَرْت من الجَمْع بَيْن السَّاكِنين، وتعجَّبْت من كَوْن هذا القَارئ يُحَرك ياء "مُمَاتِيَ" ويُسَكِّن ياء "مَحْيَايْ" وقد نقل بَعضُهُم عن نافع الرُّجوع عن ذلك. قال أبُو شامة - رحمة الله عليه -:"فَيَنْبَغِي ألاَّ يَحِلَّ نَقْلُ تسْكِين ياء "مَحْيَايَ" عنه". وقرأ نافع في رواية: "مَحْيَايِ" بكسر الياءِ، وهي تشبه قراءة حَمْزَة في {أية : بِمُصْرِخِيَّ} تفسير : [إبراهيم:22]، وستأتي - إن شاء الله تعالى -. وقرأ ابنُ أبي إسحاق، وعيسى الجَحْدَرِيُّ: "ومَحْيَيَّ" بإبْدال "الألف" "ياء"، وإدغَامِها في ياء المُتَكلِّم، وهي لُغة هُذَيْل، أنشد عليها قول أبي ذُؤيْب: [الكامل] شعر : 2401- سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَوَاهُمُ فَتُخُرِّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ تفسير : اعلم: أن المَحيْا والممَاتِ للَّه لَيْس بمعنى أنَّهُما يُؤتَى بِهِمَا لطاعة الله - عزَّ وجلَّ -، فإن ذلك مُحَال، بَلْ معنى كوْنِهِما للَّه أنَّهُمَا حَاصِلان بِخَلْقِ اللَّه، وذلك مِنْ أدلِّ الدِّلائل على أنَّ طاعة العَبْد مَخْلُوقة منه - تعالى -. وقال بَعْضُ المفسِّرين: "مَحْيَايَ: بالعمل الصالح, ومَمَاتِي: إذا مِتُّ على الإيمان من رب العَالمِين". واعلم: أنَّه - تبارك وتعالى - أمرَ رسُوله صلى الله عليه وسلم بأن يُبَيِّن أنَّ صلاته، وسَائِر عِباداتِه، وحياته، ومَمَاتِه كُلِّها واقعةٌ بخلق اللَّه - تبارك وتعالى - وبقدره، وقضَائه، وحُكْمِه. وقال القُرْطُبِيُّ - رحمة الله عليه -: قوله: "ومَحْيَايَ" أي: ما أعْمَله في حَيَاتِي، و "مَمَاتِي" أي: ما أوصِي به بَعْد وَفَاتِي "لِلَّهِ ربِّ العَالمِين" أي: أُفْرِدُهُ بالتَّقَرُّب بها إليه، ثمَّ نصَّ على أنَّه لا شَريكَ لَهُ في الخَلْق، والتقدير، ثم قال: "وبذلِك أمِرْتُ" وبهذا التَّوحيد أمِرْت، ثم يقول: "وأنا أول المُسْلِمين" أي: المُستَسْلِمين لِقضَاء اللَّه وقدَره، ومَعْلُوم أنَّه لَيْس أوَّلاً لكلِّ مُسْلِمٍ، فوجب أن يكُون المراد: كَوْنه أوّلاً لِمُسْلِمِي زَمَانه. فصل في استفتاح الصلاة بهذا الدعاء قال القرطبي - رحمه الله -: "ذكر الطبري، عن الشَّافعي - رحمه الله - أن في قوله - تعالى -: {أية : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الأنعام:161] إلى قوله {رَبِّ ٱلْعَالَمِين} ما يَدُلُّ على افْتِتَاح الصَّلاة بهذا الذِّكْر؛ فإن اللَّه - سبحانه وتعالى - أمر نبيِّه صلى الله عليه وسلم به، وأنْزَله في كِتَابه، ثم ذكر حديث عليٍّ - رضي الله عنه - كان إذا افْتِتَح الصلاة قال: وجَّهْت وَجْهِي للَّذِي فَطَر السَّموات والأرْضَ حَنِيفاً وما أنا من المُشْرِكِين، إنَّ صَلاَتي ونُسُكي ومَحْيَاي ومَمَاتِي للَّه ربِّ العالمين، لا شَرِيكَ لهُ وبذلك أمِرْت وأنا أوَّل المُسْلِمِين.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أن أبا موسى قال: وددت أن كل مسلم يقرأ هذه الآية مع ما يقرأ من كتاب الله {قل إن صلاتي ونسكي...} الآية . وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله {قل إن صلاتي} قال: صلاتي المفروضة {ونسكي} قال: يعني الحج . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير {إن صلاتي ونسكي} قال: ذبيحتي. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {إن صلاتي ونسكي} قال: حجي ومذبحي. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ونسكي} قال: ذبيحتي في الحج والعمرة . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ونسكي} قال ضحيتي. وفي قوله {وأنا أول المسلمين} قال: من هذه الأمة . وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة من دمها كل ذنب عملته، وقولي: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. : يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل ذلك أنتم أم للمسلمين عامة؟ قال: بل للمسلمين عامة " .
ابو السعود
تفسير : {قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى} أُعيد الأمرُ لِما أن المأثورَ به متعلِّقٌ بفروع الشرائعِ وما سبق بأصولها، أي عبادتي كلَّها وقيل: وذبحي، جُمع بـينه وبـين الصلاة كما في قوله تعالى:{أية : فَصَلّ لِرَبّكَ وَٱنْحَرْ } تفسير : [الكوثر، الآية 2] وقيل: صلاتي وحجّي {وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى} أي وما أنا عليه في حياتي وما أكونُ عليه عند موتي من الإيمان والطاعةِ أو طاعات الحياةِ والخيراتِ المضافة إلى الممات كالوصية والتدبـير، وقرىء محيايْ بسكون الياء إجراءً للوصل مُجرى الوقفِ {للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} {لاَ شَرِيكَ لَهُ} خالصةً له لا أُشرِك فيها غيرَه {وَبِذٰلِكَ} إشارةٌ إلى الإخلاص، وما فيه من معنى البُعد للإشعار بعلو رتبتِه وبُعدِ منزلتِه في الفضل أي بذلك الإخلاصِ {أُمِرْتُ} لا بشيء غيرِه وقوله تعالى: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} لبـيان مسارعتِه عليه السلام إلى الامتثال بما أُمر به وأن ما أُمر به ليس من خصائصه عليه السلام بل الكلُّ مأمورون به ويقتدي به عليه السلام مَنْ أسلم منهم. {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبّا} آخرَ فأُشرِكَه في العبادة {وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء} جملةٌ حالية مؤكدةٌ للإنكار أي والحالُ أن كل ما سواه مربوبٌ له مثلي فكيف يُتصوّر أن يكون شريكاً له في المعبودية {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} كانوا يقولون للمسلمين: اتبعوا سبـيلَنا ولنحمِلْ خطاياكم إما بمعنى لِيُكْتَبْ علينا ما عمِلتم من الخطايا لا عليكم وإما بمعنى لنحمِلْ يوم القيامة ما كُتب عليكم من الخطايا فهذا ردٌّ له بالمعنى الأول، أي لا تكونُ جنايةُ نفسٍ من النفوس إلا عليها ومُحالٌ أن يكون صدورُها عن شخص وقرارُها على شخص آخرَ حتى يتأتىٰ ما ذكرتم وقولُه تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} ردٌّ له بالمعنى الثاني أي لا تحمِلُ يومئذ نفسٌ حاملةٌ حِمْلَ نفسٍ أخرى حتى يصِحّ قولُكم {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى الكل لتأكيد الوعدِ وتشديدِ الوعيد إلى مالك أمورِكم ورجوعِكم يوم القيامة {فَيُنَبّئُكُمْ} يومئذ {بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} ببـيان الرُّشدِ من الغيِّ وتميـيزِ الحق من الباطل.
السلمي
تفسير : قال الواسطى رحمة الله عليه: بيان هذه الآية فى قوله {أية : مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [البقرة: 255] فمن لاحظها من نفسه قصمته، ومن تبرأ منها عصمته، كيف تجوز لموجود أن يلاحظ [فضلاً] {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} معنى قوله إنى أسلمت لتصاريف قدرته متبرئًا من حولى وقوتى مع أن التسليم فى الحقيقة علة.
القشيري
تفسير : مَنْ كوشِفَ بحقائق التوحيد شَهدَ أن القائم عليه والمجري عليه والممسك له والمُنَقَّل إياه من وصفٍ إلى وصف، و (...) عليه فنون الحدثان - واحدٌ لا يشاركه قسيم، وماجِدٌ لا يضارعه نديم. ويقال مَنْ عَلمَ أنه بالله علم أنه لله، فإذا علم لله لم يَبقَ فيه نصيب لغير الله؛ فهو مستسلمٌ لحكم الله، لا مُعْتَرِضٌ على تقدير الله، ولا معارِضٌ لاختيار الله، ولا مُعْرِضٌ عن اعتناق أمر الله.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} صلواته وسجوده قربه وشهوده مشاهدة وركوعه وجدو قيمامه حيرة لذلك قال قرة عينى فى الصلاة لان قربة عينه ظهور مشاهدة الله فى صلواته ولذلك ازه واردات تجلى الجلال والجمال حتى قيل كان يصلى ولحوقه ازير كازير المرجل الى هذه الصلاة لله لانها مقدسة من رؤية غير الله فيها ومن مثابتها كانت لله خاصة لخصوصية صاحبها وشرفها على جميع الخلائق ولان الصلاة وعبادة الجمهور وكانت بالعرض الا هذه الصلاة لانها كانت فناء الحدث فى القدم وقربان منهم روح الاول على باب الازل بسيف المحبة والعشق شوقا الى معدنه وهذا معنى قوله ونسكى فاذا جعل وجوده قربان الازل حى بحاية القدم ثم فنى فى ظهور سطوات العزة به كان حيواته ومماته ومثله هذه الحياة والممات والنسك والصلاة ان يكون لله رب العالمين لقدسها عن علة حظ الحدثان وخطرات علة النسيان قال الواسطى بيان هذه الأية فى قوله لله ما فى السموات وما فى الارض فمن لاحظها من نفسه قصمته ومن تيرأ منها عصمته كيف يجوز موجدان يلاحظ قيل من علم انه بالله علم انه لله فان علم نفسه لم يبق فيه نصيب لغير الله فهو مستسلم لحكم الله غير معترض على تقدير الله ولما كان عليه السلام يوصف ما ذكرنا حيث انفرد نفسه لله بحث لا يرى غير الله بقوله تعالى {لاَ شَرِيكَ لَهُ} اى لا رؤية للغير فى البين فى ظهور شمس جلاله من مطلع القلب وقوله تعالى {وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ} اى هو يستحق لافراد قدمه عن الحدوث ولا يستحق ذلك لغيره وما دام شانه ذلك خص الله جوهر باول الفطرة التى انقادت لعزته عند ظهور تجلى هيبته الازلية لها قال سبحانه عقيب قوله وبذلك امرت {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} اشارة الى تقدم روحه وجوهره على جميع الكون واهله فى الحضرة حين خاطبه بالرسالة والولاية المحبة والخلة فانقاد فى اول الأول الازلى الابدى تعالى الله عما يقولون الظالمون علوا كبير واشار الى ما ذكرنا قوله عليه السلام كنت نبيا وأدم بين الماء والطين وقوله عليه السلام وان ما خلق الله نووى وقيل فى قوله وانا اول المسلمين اى اسلمت لتصاريف قدرته متبرئا من حولى وقدوتى مع ان التسليم فى الحقيقة علة ولما كان سابقا على جميع الخلائف فى حضرة العزة بنعت الانقياد بعز ربوبيته ومعرفته بجلال ديموميته امره تعالى بان يعرف نفسه الشريفة المبرأ عن علة الحدثان لجميع الخلائق ليعرفه كل صادق ويطيعه كل محب موافق بقوله {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً} اى انا فى مشاهدة قدم الله ابغى ستاثر على مشاهدته سواه حاشا من عظم شانه ان يكون عصوا لجماله من العرش الى الثرى قال الجورجانى اسواه اطلب حافظ وراعيا ووكيلا وهوا لذى كفانى الهمم والهمنى الرشد قوله تعالى {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} اى ما عملت النفوس الا ما الزمت عليها فى الازل فاذا عملت ترجع اليها لان خالقها منزع عنها قال بعضهم لا تكسب من خير وشر وكل نفس الا عليها اما الشر فهو ماخوذ به واما الخير فهو مطلوب منه صحة قصده وحلوة من الريا والعجب ورويته من نفسه والتزين به والافتخار به والاعتماد عليه والاحسان فيه فاذا حصلته وجته عليه لا اله الا ان يعفو الله عز وجل.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} اعيد الامر لما ان المأمور به متعلق بفروع الشرائع وما سبق باصولها {ان صلاتى} يعنى الصلوات الخمس المفروضة {ونسكى} اى عبادتى كلها. واصل النسك كل ما تقربت به الى الله تعالى ومنه قولهم للعابد ناسك. ويقال اراد بالصلاة صلاة العيد وبالنسك الاضحية وعن انس رضى الله عنه "حديث : عن رسول الله انه قرب كبشا املح اقرن فقال (لا اله الا الله والله اكبر ان صلاتى ونسكى) الى قوله تعالى {وانا اول المسلمين} ثم ذبح فقال "شعره وصوفه فداء لشعرى من النار وجلده فداء لجلدى من النار ودمه فداء لدمى من النار ولحمه فداء للحمى من النار وعظمه فداء لعظمى من النار وعروقه فداء لعروقى من النار" فقالوا يا رسول الله هنيئا مريئا هذا لك خاصة قال "لا بل لامتى عامة الى ان تقوم الساعة اخبرنى به جبريل عليه السلام عن ربى عز وجل" ".تفسير : {ومحياى ومماتى} اى وما انا عليه فى حياتى واكون عليه عند موتى من الايمان والطاعة فالتقدير ذا محياى وذا مماتى فجعل ما يأتى به فى حياته وعند موته ذا حياته وذا موته كقولك ذا انائك تريد الطعام فاضافته بادنى ملابسة {لله رب العالمين لا شريك له} اى خالصة له تعالى لا اشرك فيها غيره {وبذلك} الاخلاص {امرت} لا بشئ غيره {وانا اول المسلمين} لان اسلام كل بنى متقدم على اسلام امته. وفيه بيان مسارعته عليه السلام الى الامتثال بما امر به وان ما امر به ليس من خصائصه عليه السلام بل الكل مأمورون به يقتدى به عليه السلام من اسلم منهم. والاشارة {ان صلاتى ونسكى} اى سيرى على منهاج الصلاة هو معراجى الى الله تعالى وذبيحة نفسى {ومحياى} حياة قلبى وروحى {ومماتى} اى موت نفسى {لله رب العالمين} لطلق الحق والوصول اليه {لا شريك له} فى الطلب من مطلوب سواه {وبذلك امرت} اى ليس هذا الطلب والقصد الى الله من نظرى وعقلى وطبعى انما هو من فضل الله ورحمته وهدايته وكمال عنايته اذ اوحى الى وقال {أية : وتبتل إليه تبتيلا} تفسير : [المزمل: 8] وقال {أية : قل الله ثم ذرهم} تفسير : [الأنعام: 91]. {وأنا أول المسلمين} يعنى اول من استسلم عند الايجاد لامركن وعند قبول فيض المحبة لقوله {أية : يحبهم ويحبونه} تفسير : [المائدة: 54]. والاستسلام للمحبة فى قوله يحبونه دل عليه قوله عليه السلام "حديث : اول ما خلق الله نورى " .تفسير : كذا فى التأويلات النجمية. وفى الآية حث على التوحيد والاخلاص وعلامتهما التبرى من كل شئ سواه تعالى ظاهرا وباطنا ولو من نفسه والتحقق بحقائق المحبة الذاتية. وعن مالك بن دينار قال خرجت حاجا الى بيت الله الحرام واذا شاب يمشى فى الطريق بلا زاد ولا راحلة فسلمت عليه فرد على السلام فقلت ايها الشاب من اين قال من عنده قلت والى اين قال اليه قلت واين الزاد قال عليه قلت ان الطريق لا يقطع الا بالماء والزاد وهل معك شئ قال نعم تزودت عند خروجى بخمسة احرف قلت وما هذه الخمسة الاحرف قال قوله تعالى {أية : كهيعص} تفسير : [مريم: 1]. قلت وما معنى كهيعص قال اما قوله كاف فهو الكافى. واما الهاء فهو الهادى. واما الياء فهو المؤدى. واما العين فهو العالم. واما الصاد فهو الصادق ومن كان صاحبه كافيا وهاديا ومؤديا وعالما وصادقا لا يضيع ولا يخشى ولا يحتاج الى حمل الزاد والماء قال مالك فلما سمعت هذا الكلام نزعت قميصى على ان ألبسه اياه فابى ان يقبله وقال ايها الشيخ العرى خير من قميص دار الفناء حلالها حساب وحرامها عقاب وكان اذا جن الليل يرفع وجهه نحو السماء ويقول يا من تسره الطاعات ولا تضره المعاصى هب لى ما يسرك واغفر لى ما لا يضرك فلما احرم الناس ولبوا قلت لم لا تلبى فقال يا شيخ اخشى ان اقول لبيك فيقول لا لبيك ولا سعديك لا اسمع كلامك ولا انظر اليك ثم مضى فما رأيته الا بمنى وهو يقول اللهم ان الناس ذبحوا وتقربوا اليك بضحاياهم وهداياهم وليس لى شئ اتقرب به اليك سوى نفسى فتقبلها منى ثم شهق شهقة فخر ميتا واذا قائل يقول هذا حبيب الله هذا قتيل الله قتل بسيف الله فجهزته وواريته وبت تلك اليلة متفكرا فى امره ونمت فرأيته فى منامى فقلت ما فعل الله بك قال فعل بى كما فعل بشهداء بدر قتلوا بسيف الكفار وانا قتلت بسيف الجبار شعر : جان كه نه قربانئ جانان بود جيفه تن بهتر از آنان بود هركه نشد كثته شمشير دوست لاشه مردار به ازجان اوست تفسير : نسأل الله الكريم ان يجعلنا على الصراط المستقيم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (ربًّا): حال من (غير). يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} لهم يا محمد: {إن صلاتي ونسكي} أي: عبادتي كلها، وقرباتي أو حجي، {ومحياي ومماتي} أي: وعملي في حياتي، وعند موتي من الإيمان والطاعة، أو الحياة والممات أنفسهما، {لله رب العالمين لا شريك له} أي: هي خالصة لله لا أشرك فيها غيره، {وبذلك} أي: بذلك القول والإخلاص، أمرني ربي، {وأنا أول المسلمين}؛ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته. {قل} لهم: {أغير الله أبغي ربًا} فأشرك مع الله، {وهو ربُّ كل شيء}؛ لأن كل شيء مربوب لا يصلح للربوبية. وهو جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم. {ولا تَكسِبُ كلُّ نفس} من شرك أو غيره {إلا عليها} وزره، فلا ينفعني ضمانكم وكفالتكم من عقاب ربي، وهو رد على الكفار حيث قالوا له: اعبد آلهتنا ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وأخراك، ثم أوضح ذلك بقوله: {ولا تزر} أي: تحمل نفس {وازرة} أي: آثمة {وزر} نفس {أخرى} أي: لا يحمل أحد ذنوب أحد، {ثم إلى ربكم مرجعكم} بالبعث والحساب، {فينبئُكم}، أي: يُخبركم {بما كنتم فيه تختلفون} من أمر الدين؛ فيبين الرشد من الغي، والمحق من المبطل. الإشارة: الإخلاص سر من أسرار الله، يُودعه القلب من أحب من عباده، وهو أخلاص العبودية لله وحده، ولا يتحقق ذلك للعبد إلا بعد تحرره من رق الهوى وخروجه من سجن وجود نفسه، وهذا شيء عزيز. ولذلك قيل: وقال الشيخ أبو طالب المكي رضي الله عنه: الإخلاص عند المخلصين: إخراج الخلق من معاملة الخالق، وأول الخلق: النفس، والإخلاص عند المحبين: ألا يعمل عملاً لأجل النفس، وألاَّ يدخل عليه مطالعة العوض، أو تشوف إلى حظ طبع، والإخلاص عند الموحدين: خروج الخلق من النظر إليهم، أي: لا يرون مع الله غيره في الأفعال، وترك السكون إليهم، والاستراحة إليهم في الأحوال. هـ. وبالإخلاص تتفاوت الدرجات كما أبان ذلك بقوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ}.
الطوسي
تفسير : أسكن الياء من {محياي} أهل المدينة. قال ابو علي الفارسي: اسكان الياء من {محياي} شاذ خارج عن القياس والاستعمال، فشذوذه عن القياس ان فيه التقاء الساكنين، ولا يلتقيان على هذا الحد، وشذوذه عن الاستعمال انك لا تجده في نظم ولا نثر الا شاذا. ووجهه ما حكى بعض البغداديين انه سمع او حكي له: التقت حلقتا البطان باسكان الالف مع سكون لام المعرفة، وحكى غيره: له ثلثا المال وليس هذا مثل قوله {أية : حتى إذا أداركوا فيها} تفسير : لان هذا في المنفصل مثل دأبه في المتصل. ومثل ما أجاز يونس من قوله: اضربان زيدا، وسيبويه ينكر هذا من قول يونس. قال الرماني: ولو وصله على نية الوقف جاز. امره ان يقول لهؤلاء الكفار {إن صلاتي ونسكي} وقد فسرنا معنى الصلاة فيما مضى. وقيل في معنى و {نسكي} ثلاثة أقوال: احدها - قال سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك: ذبيحتي في الحج والعمرة. وقال الحسن {نسكي} ديني. وقال الزجاج والجبائي {نسكي} عبادتي. قال الزجاج: والاغلب عليه امر الذبح الذي يتقرب به الى الله. ويقولون: فلان ناسك بمعنى عابد. وانما ضم الصلاة الى اصل الواجبات من التوحيد والعدل لان فيها التعظيم لله عند التكبير، وفيها تلاوة القرآن التي تدعو الى كل بر، وقرر فيها الركوع والسجود وهما خضوع لله. وفيها التسبيح وهو تنزيه لله. وقوله {ومحياي ومماتي} يقولون حيي يحيا حياة ومحيا، ومات يموت موتا ومماتا. وانما جعل للفعل الواحد مصادر في الثلاثي لقوَّته، ولانه الاكثر الاغلب. وانما جمع بين صلاته وحياته، واحدهما من فعله، والآخر من فعل الله، لانهما جميعا بتدبير الله تعالى وان كان احدهما من حيث ايجاده واعدامه لما فيه من الصلاح. ووجه ضم الموت الى اصل الواجب الرغبة الى من يقدر على كشفه الى الحياة في النعيم الدائم بطاعته في اداء الواجبات. وقوله {لا شريك له} فالشركة هي تلك المساهمة، فلما كان عبدة الاوثان جعلوا العبادة على هذه الصفة كانوا مشركين في عبادة الله، فأمر الله ان ينفي عنه هذا الشرك ويقول {لا شريك له}. والمعنى لا يستحق العبادة سواه. ثم امره بأن يقول اني أمرت بذلك يعني بنفي الاشراك مع الله وتوجيه العبادة اليه تعالى وحده {وأنا أول المسلمين} قال الحسن: معناه اول المسلمين من هذه الامة. وبه قال قتادة وبيَّن ذلك لوجوب اتباعه (صلى الله عليه وسلم) ولبيان فضل الاسلام اذا كان اول مسارع اليه نبينا (صلى الله عليه وسلم) ومعنى الآية وجوب نفي الشرك عن الله ووجوب اعتقاد بطلانه واخلاص العبادة اليه تعالى.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ} بعد نفى الشّرك الصّورىّ عن نفسك نفياً للشّرك المعنوىّ تأكيداً لنفى الشّرك الصّورىّ {إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} تعميمٌ بعد تخصيص اهتماماً بالخاصّ فانّه عمود الدّين واصل كلّ نسك {وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي} يعنى انّ افعالى التّكليفيّة الاختياريّة واوصافى التّكوينيّة الالهيّة خالصة من شوب مداخلة النّفس والشّيطان {للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ} تعميم بعد تخصيص وتأكيدٌ لما يفهم التزاماً فانّه اذا لم يكن فى افعاله واوصافه شريكٌ لله لم يكن فى وجوده شريكٌ لله، واذا لم يكن فى وجوده شريكٌ لله لم ير فى العالم شريكاً لله، لانّ رؤية الشّريك فى العالم يقتضى السّنخيّة بين الرّائى والمرئىّ الّذى هو العالم الّذى فيه شريك، والسّنخيّة تقتضى الشّريك لله فى وجوده وكون الشّريك فى وجوده يقتضى الشّريك فى صفاته {وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ} تعريض بهم بانّ شركهم غير مبتنٍ على امرٍ {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ} لانّ كلّ من أخلص ذاته وصفاته وافعاله وجميع ماله لله تعالى، فهو مقدّم على الكلّ وخاتم سلسلة الصّعود واقرب الصّاعدين اليه، وهو اوّل من اقرّ فى الذّرّ بالوحدانيّة كما ورد فى الخبر ولانّه اوّل من اتّصف بدين الاسلام.
اطفيش
تفسير : {قُلْ إنَّ صَلاتِى ونُسُكى} عبادتى كلها أو قربانى أو حجى، قال الزجاج: النسك كلما يتقرب به إلى الله، إلا أن الغالب عليه فى العرف الحج أو الذبح، وأراد أن معناه هنا العبادة كلها، لكنه بين الغالب، قال جماعة: النسك العبادة أى عبادتى كلها، نسك فلان فهو ناسك إذا تعبد، وقال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والسدى: النسك فى الموضع الذبيحة فى الحج والعمرة، وكذا عن ابن عباس، وقال مقاتل: نسكى حجى، والنسك أيضا سبائك الفضة، فيمكن أن تشبه عبادة المخلص نسيكة تشبيها لها بنسيكة الفضة فى خلاصها وصفائها، وسواء فى ذلك قصد إلى العبادة كلها أو الحج أو الذبيحة، فإنه مع ما خلص من حج أو ذبيحة فهو كالسبيكة، والعابد ناسك أى متخلص من دنس الآثام. {ومَحْياىَ ومماتى} مصدران ميميان واسما زمان، أى وحياتى وموتى أو لزمانهما قرأه نافع بالإسكان للياء فى محياى، ولو التقى ساكنان لما فى الألف من المد القائم مقام الحركة، أو لإجراء الوصل مجرى الوقف، ولم يكن ميتا لعدم الكسرة، بل تقدمت الألف وتقدمت الفتحة قبلها، وقرأه الباقون بالفتح وهو رواية عن نافع أيضا وقرئ بكسرها. {للهِ ربِّ العَالمِينَ} أى صلاتى، وما كان منى من العبادة، وحياتى وموتى، أو كان من مدة حياة وموت ثابتان لله رب العالمين
اطفيش
تفسير : {قُلْ إِنَّ صَلاَتِى} أَعاد القول لأَن ما مر فى الأُصول وهى التوحيد وتوابعه وهذا فى الفروع وهى هنا ما عدا التوحيد وتوابعه، وهى المراد فى قولهم المشرك مخاطب بفروع الشريعة فيعذب عليها، ولو كان لا يصح بدون التوحيد وإِنما غفرت لهم إِن وحدوا مع أَنهم خوطبوا جلياً لهم إِلى الإِسلام بجعل التوحيد كفارة لها وكل ما عدا التوحيد ولواحقه هو من الفروع كالصلاة والحج والصوم، وأَما الفروع والأُصول فى علم الكلام، فما لا يجوز فيه الخلاف كنفى رؤية البارى، وككون صفاته هو، وكون الاستواء الملك والقول فيه مع واحد فهو الأُصول، وما يجوز فيه الاختلاف فالفروع كرفع اليدين عند التكبير وبول ما يؤكل لحمه وبعض تفاصيل نقض الصلاة والطهارات فنفس الصلوات والجمعة والحج والصوم من الأُصول، والاختلاف فى بعض مسائلها من الفروع {وَنُسُكِى} عبادتى حجا أَو عمرة أَو تضحية أَو صوما وتلاوة ذكر أَو زكاة وصدقة وغير ذلك. كأَنه قال: وكل ما صفيته وأَخلصته من العبادة كسبائك الفضة البيضاء المصفاة المسماة نسكا، وخص الصلاة مع دخولها فى النسك لأَنها أَعظم العبادات بعد التوحيد {وَمَحْيَاىَ} أَى حياتى، وسكن الياء باعتبار الفتح قبل الأَلف والتقى ساكنان إِجراء للوصل مجرى الوقف وعبارة بعض سكنها بنية الوقف {وَمَمَاتِى} أَى موتى {لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ} كل ذلك ثابت لله لا لغيره حقا وملكاً، أَى خلق صلاتى وعباداتى وحياتى وموتى، وكل ذلك ثابت لرب العالمين، الصلاة والنسك إِخلاصاً له والحياة والموت خلقا منه، وكل ما سواه يكون منه، وفى الآية أَن طاعة العبد خلقها الله وحياته وموته، والمبالغة بأَن الحياة والموت أَنفسهما خلقهما الله، وأَن الحياة والموت أَنفسهما لمرضاة الله عز وجل، واستلزم ذلك أَن الطاعة الواقعة فيهما هى لله بطريق برهانى. أَو المراد أَحوال الحياة والممات طاعة أَو مباحا لله خلقا وملكا، أَو طاعات الحياة والموت كلها لله كالوصية عند الموت والتدبير والواقع قبله أَو عنده، والإِيصاء بما هو خير قبله أَيضا، كَأنه قيل وما أَنا عليه فى حياتى وموتى، فيقدر وأَحوال حياتى وموتى أَو طاعة حياتى وموتى، وطاعة الموت ما يعمل من الطاعة عند الموت أَو يوصى بها لتنفذ عند الموت أَو بعده وهما مصدران ميميان أَو اسما زمان أَطلق زمان الحياة والممات أَو نفس الحياة والممات على ما يقع فيهما.
الالوسي
تفسير : {قُلْ إِنَّ صَلاَتِى} أي جنسها لتشمل المفروضة وغيرها. وأعيد الأمر لمزيد الاعتناء، وقيل: لأن المأمور به متعلق بفروع الشرائع وما سبق بأصولها {وَنُسُكِى } أي عبادتي كلها كما قال الزجاج والجبائي، وهو من عطف العام على الخاص. وعن سعيد بن جبير ومجاهد والسدي أن المراد به الذبيحة للحج والعمرة. وعن قتادة الأضحية، وجمع بينه وبين الصلاة كما في قوله تعالى: { أية : فَصَلّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ } تفسير : [الكوثر: 2] على المشهور. وقيل: المراد به الحج أي إن صلاتي وحجي {وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى } أي ما يقارن حياتي وموتي من الإيمان والعمل الصالح. وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالمحيا والممات ظاهرهما والأول هو المناسب لقوله تعالى: {للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} / إذا المراد به الخلوص بحسب الظاهر، وقيل: المراد به نظراً لهذا الاحتمال أن ذلك له تعالى ملكاً وقدرة.
ابن عاشور
تفسير : استئناف أيضاً، يتنزّل منزلة التّفريع عن الأوّل، إلاّ أنَّه استؤنف للإشارة إلى أنّه غرض مستقلّ مُهِمّ في ذاته، وإن كان متفرّعاً عن غيره، وحاصل ما تضمّنه هو الإخلاص لله في العبادة، وهو متفرّع عن التّوحيد، ولذلك قيل: الرياءُ الشّرك الأصغر. عُلّم الرّسول صلى الله عليه وسلم أن يقوله عقب ما عُلّمه بما ذكر قبله لأنّ المذكور هنا يتضمّن معنى الشّكر لله على نعمة الهداية إلى الصّراط المستقيم، فإنَّه هداه ثمّ ألهمه الشّكر على الهداية بأن يجعل جميع طاعته وعبادته لله تعالى. وأعيد الأمر بالقول لما علمتَ آنفاً. وافتتحت جملة المقول بحرف التّوكيد للاهتمام بالخبر ولتحقيقه، أو لأنّ المشركين كانوا يزعمون أنّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام كان يُرائي بصلاته، فقد قال بعض المشركين لمَّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي عند الكعبة: « حديث : ألاَ تنظرون إلى هذا المُرائي أيُّكم يقوم إلى جَزور بني فلان فيعمِد إلى فَرثها وسلاها فإذا سجد وضعه بين كتفيه » تفسير : . فتكون (إنّ) على هذا لردّ الشكّ. واللاّم في {لله} يجوز أن تكون للملك، أي هي بتيسير الله فيكون بياناً لقوله: { أية : إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم } تفسير : [الأنعام: 161]. ويجوز أن تكون اللام للتعليل أي لأجل الله. وجعل صلاته لله دون غيره تعريضاً بالمشركين إذ كانوا يسجدون للأصنام. ولذلك أردف بجملة {لا شريك له}. والنّسك حقيقته العبادة ومنه يسمى العابد الناسك. والمحْيَا والممات يستعملان مصدرين ميميين، ويستعملان اسمي زمان، من حيي ومات، والمعنيَان محتمَلان فإذا كان المراد من المحيا والممات المعنى المصدري كان المعنى على حذف مضاف تقديره: أعمال المحيَا وأعمال الممات، أي الأعمال التي من شأنها أن يتلبّس بها المرء مع حياته، ومع وقت مماته. وإذا كان المراد منهما المعنى الزمني كان المعنى ما يعتريه في الحياة وبعد الممات. ثمّ إنّ أعمال الحياة كثيرة وفيرة، وأمّا الأعمال عند الموت فهي ما كان عليه في مدّة الحياة وثباتُه عليه، لأنّ حالة الموت أو مدّته هي الحالة أو المدّة التي تنقلب فيها أحوال الجسم إلى صفة تؤذن بقرب انتهاء مدّة الحياة وتلك حالة الاحتضار، وتلك الحالة قد تؤثّر انقلاباً في الفكر أو استعجالاً بما لم يكن يستعجل به الحي، فربّما صدرت عن صاحبها أعمال لم يكن يصدرها في مدّة الصحّة، اتّقاءً أو حياءً أو جلباً لنفع، فيرى أنَّه قد يئس ممّا كان يُراعيه، فيفعل ما لم يكن يفعل، وأيضاً لتلك الحالة شؤون خاصّة تقع عندها في العادة مثل الوصيّة، وهذه كلّها من أحوال آخر الحياة، ولكنّها تضاف إلى الموت لوقوعها بقربه، وبهذا يكون ذكر الممات مقصوداً منه استيعاب جميع مدّة الحياة حتّى زمن الإشراف على الموت. ويجوز أن يكون المراد من الممات ما يحصل للرسول عليه الصّلاة والسّلام بعد وفاته من توجهاته الرّوحيّة نحو أمّته بالدّعاء لهم والتّسليم على من سلّم عليه منهم والظّهور لخاصّة أمَّته في المنام فإنّ للرّسول بعد مماته أحكام الحياة الرّوحيّة الكاملة كما ورد في الحديث: « حديث : إذا سلّم عليّ أحد من أمَّتي رَدّ الله عليّ روحِي فرددتُ عليه السّلام » تفسير : وكذلك أعماله في الحشر من الشّفاعة العامّة والسّجود لله في عرصات القيامة فتلك أعمال خاصة به صلى الله عليه وسلم وهي كلّها لله تعالى لأنَّها لنفع عبيده أو لنفع أتباع دينه الذي ارتضاه لهم، فيكون قوله: {ومماتي} هنا ناظراً إلى قوله في الحديث: « حديث : حياتي خير لكم ومماتي خير لكم » تفسير : . ويجوز أن يكون معنى مماته لله الشهادة في سبيل الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمّته اليهودية بخيبر في لحم شاة أطعموه إياه حصل بعض منه في إمعائه. ففي الحديث « حديث : ما زالت أكلة خيبر تعتادني كل عام حتى كان هذا أوان قطع أبْهَري »تفسير : . وبقوله: {ومحياي ومماتي لله رب العالمين} تحقّق معنى الإسلام الذي أصله الإلقاء بالنّفس إلى المُسْلَم له، وهو المعنى الذي اقتضاه قوله: { أية : فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } تفسير : كما تقدّم في سورة آل عمران (20)، وهو معنى الحنيفية الذي حكاه الله تعالى عن إبراهيم عليه السّلام في قوله: { أية : إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين } تفسير : كما في سورة البقرة (131). وقوله: {رب العالمين} صفة تشير إلى سبب استحقاقه أن يكون عمل مخلوقاته له لا لغيره، لأنّ غيره ليس له عليهم نعمة الإيجاد، كما أشار إليه قوله في أوّل السورة (1): { أية : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون }. تفسير : وجملة: {لا شريك له} حال من اسم الجلالة مصرّحة بما أفاده جمع التّوكيد مع لام الملك من إفادة القصر. والمقصود من الصّفة والحال الردّ على المشركين بأنَّهم ما أخلصوا عملهم للذي خلقهم، وبأنَّهم أشركوا معه غيره في الإلهيّة. وقَرأ نافع: {ومحياي} ــــ بسكون الياء الثّانية ــــ إجراء للوصل مُجرى الوقف وهو نادر في النّثر، والرّواية عن نافع أثبتته في هذه الآية، ومعلوم أنّ الندرة لا تُناكد الفصاحة ولا يريبك ما ذكره ابن عطيّة عن أبي عليّ الفارسي: «أنَّها شاذّة عن القياس لأنَّها جمعت بين ساكنين لأنّ سكون الألف قبل حرف ساكن ليس ممّا يثقل في النّطق نحو عصاي، ورؤياي، ووجه إجراء الوصل مجرى الوقف هنا إرادة التّخفيف لأنّ توالي يائين مفتوحتين فيه ثقل، والألف النّاشئة عن الفتحة الأولى لا تعدّ حاجزاً فعدل عن فتح الياء الثّانية إلى إسكانها». وقرأه البقيّة ــــ بفتح الياء ــــ وروي ذلك عن وَرش، وقال بعض أهل القراءة أنّ نافعاً رجع عن الإسكان إلى الفتح. وجملة: {وبذلك أمرت} عطف على جملة {إن صلاتي} إلخ. فهذا ممّا أمر بأن يقوله، وحرف العطف ليس من المقول. والإشارة في قوله: {وبذلك} إلى المذكور من قوله: {إن صلاتي ونسكي} إلخ، أي أنّ ذلك كان لله بهدي من الله وأمرٍ منه، فرجع إلى قوله: { أية : إنَّني هداني ربي إلى صراط مستقيم } تفسير : [الأنعام: 161] يعني أنَّه كما هداه أمره بما هو شكر على تلك الهداية، وإنَّما أعيد هنا لأنَّه لما أضاف الصّلاة وما عطف عليها لنفسه وجعلها لله تعالى أعقبها بأنّه هَدْي من الله تعالى، وهذا كقوله تعالى: { أية : قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين } تفسير : [الزمر: 11، 12]. وتقديم الجار والمجرور للاهتمام بالمشار إليه. وقوله: {وأنا أول المسلمين} مثل قوله: {وبذلك أمرت} خبر مستعمل في معناه الكنائي، وهو لازم معناه، يعني قبول الإسلام والثّبات عليه والاغتباط به، لأنّ من أحبّ شيئاً أسرع إليه فجاءه أوّل النّاس، وهذا بمنزلة فعل السبق إذ يطلق في كلامهم على التمكّن والترجّح، كما قال النّابغة: شعر : سَبَقْتَ الرّجالَ الباهشين إلى العلا كسَبْق الجواد اصطادَ قبل الطوارد تفسير : لا يريد أنّه كان في المعالي أقدم من غيره لأنّ في أهل المعالي من هو أكبر منه سِنّاً، ومن نال العلا قبل أن يولد الممدوح، ولكنّه أراد أنّه تمكّن من نوال العلا وأصبح الحائز له والثّابت عليه. وفي الحديث: « حديث : نحن الآخِرون السّابقون يوم القيامة »تفسير : . وهذا المعنى تأييس للمشركين من الطّمع في التّنازل لهم في دينهم ولو أقَلّ تنازلٍ. ومن استعمال (أوّل) في مثل هذا قوله تعالى: { أية : ولا تكونوا أول كافر به }، تفسير : كما تقدّم في سورة البقرة (41). وليس المراد معناه الصّريحَ لقلّة جدوى الخبر بذلك، لأنّ كلّ داع إلى شيء فهو أوّل أصحابه لا محالة، فماذا يفيد ذلك الأعداء والأتباعَ، فإن أريد بالمسلمين الذين اتَّبعوا حقيقة الإسلام بمعنى إسلام الوجه إلى الله تعالى لم يستقم، لأنّ إبراهيم عليه السّلام كان مسلماً وكان بنوه مسلمين، كما حكى الله عنهم إذ قال إبراهيم عليه السّلام: { أية : فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون } تفسير : [البقرة: 132] وكذلك أبناء يعقوب كانوا مسلمين إذ قالوا: { أية : ونحن له مسلمون } تفسير : [البقرة: 136]. وقرأ نافع وأبو جعفر ــــ بإثبات ألف «أنَا» إذا وقعت بعدها همزة ويجري مدّها على قاعدة المدّ، وحذفَها الباقون قبل الهمزة، واتَّفق الجميع على حذفها قبل غير الهمزة تخفيفاً جرى عليه العرب في الفصيح من كلامهم نحو: «أنا يُوسف» واختلفوا فيه قبل الهمزة نحو أنا أفعل، وأحسب أنّ الأفصح إثباتها مع الهمز للتّمكّن من المدّ.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي} الآية. قال بعض العلماء: المراد بالنسك هنا النحر، لأن الكفار كانوا يتقربون لأصنامهم بعبادة من أعظم العبادات: هي النحر. فأمر الله تعالى نبيه أن يقول إن صلاته ونحره كلاهما خالص لله تعالى، ويدل لهذا قوله تعالى: {أية : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ} تفسير : [الكوثر: 2]، وقال بعض العلماء: النسك جميع العبادات، ويدخل فيه النحر، وقال بعضهم: المراد بقوله: {وانحر} وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر في الصلاة - والله تعالى أعلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْعَالَمِينَ} (162) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْمُشْرِكِينَ، الذِينَ يَذْبَحُونَ الذَّبَائِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ: إِنَّكَ مُخَالِفٌ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ صَلاَتَكَ وَنُسْكَكَ وَمَحْيَاكَ عَلَى اسْمِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، خَالِصاً لِوَجْهِ اللهِ الذِي خَلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وَهُوَ رَبُّ العَالَمِينَ جَمِيعاً. النُّسْكُ - العِبَادَةُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و "صلاتي" مقصود بها العبادة والركن الثاني في الإِسلام الذي يتكرر كل يوم خمس مرات، وهي الركن الذي لا يسقط أبداً؛ لأن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله- كما قلنا سابقاً- يكفي أن تقولها مرة في العمر، وقد يسقط عنك الصوم إن كنت لا تستطيع، وقد لا تزكي لأنه ليس لك مال، وقد لا تستطيع الحج، وتبقى الصلاة التي لا تسقط أبداً عن العبد. وهي- كما نعلم- قد أخذت من التكليف حظها من الركينة. إن كل تكليف من التكاليف جاء بواسطة الوحي إلا الصلاة فإنها جاءت بالمباشرة، وتلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه دون واسطة. وحين يقول الحق: {إِنَّ صَلاَتِي}، فهو يذكر لنا عمدة الأركان والتي اشتملت على كل الأركان كما أوضحنا سابقاً. حتى إن الإِنسان إذا كان راقداً في مرض ولا يستطيع القيام فعليه أن يحرك رأسه بالصلاة أو يخطر أعمال الصلاة على قلبه. ويقول الحق {وَنُسُكِي}. و"النسك" يطلق ويراد به كل عبادة، والحق يقول: {أية : لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ...} تفسير : [الحج: 67] "النسك" إذن هو عبادة ويطلق بالأخص على أفعال كثيرة في الحج، مثل نسك الطواف ونسك السعي، ونسك الوقوف بعرفة، ونسك الرمي، ونسك الجمار، وكل هذه اسمها مناسك، والأصل فيها أنها مأخوذة من مادة "النسيكة" وهي السبيكة من الفضة التي تصهر صهراً يُخرج منها كل المعادن المختلطة بها حتى تصير غاية في النقاء. فسميت العبادة نسكاً لهذا، أي يجب أن تصفى العبادة لله كما تصفى سبيكة الفضة من كل المعادن التي تخالطها: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي}. وهنا أمران اختياريان، وأمران لا اختيار للإِِنسان فيهما، الصلاة والمناسك كلاهما داخل في قانون الاختيار، لكن المحيا والممات لا يدخل أي منهما في قانون الاختيار؛ إنهما في يد الله، والصلاة والنسك أيضاً لله، ولكن باختيارك، وأنت لا تصلي إلا لأنك آمنت بالآمر بالصلاة، أو أن الجوارح ما فعلت كذا إلا لله. إذن فأنت لم تفعل شيئاً من عندك أنت، بل وجهت الطاقات المخلوقة لله لتأدية المنهج الذي أنزله الله إذن إن أردت نسبة كل فعل فانسبه إلى الله. ولماذا جاء بالصلاة والنسك وكلاهما أمر اختياري؟؛ لأنه إن كان في ظاهر الأمر لكم اختيار، فكل هذا اختيار، فكل هذا الاختيار نابع من إيجاد الله لكم مختارين. وهو الذي وضع المنهج فجعلكم تصلون، أو: إن صلاتي لله ونسكي لله، أي أن تخلص فيها، ولا تشرك فيها، ولا تصلي مرائياً، ولا تصنع نسكاً مرائياً، ولا تذهب إلى الحج من أجل أن يقولوا لك:"الحاج فلان" أبداً، بل اجعلها كلها لله؛ لأنك إن جعلتها لغيره فليس لغيره من القدرة على الجزاء ما يجازيك الله به؛ إن جعلتها لغيره فقد اخترت الخيبة في الصفقة؛ لذلك اجعل الصلاة والنسك للذي يعطيك الأجر. {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] والحياة هبة الله، وإياك أن تصرف قدرة الحياة ومظاهر الحياة في غير ما يرضي الله. فينبغي أن يكون حياتك لله لا لشهوتك، ومماتك لله لا لورثتك، وتذكر جيداً لأن الحق يقول بعد ذلك: {لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ...}
همام الصنعاني
تفسير : 878- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن الشعبي قال: قالت عائشة: إذا خرجت أول الآيات طرحت الأقلام وُحسِبَت الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال. 879- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {وَنُسُكِي}: [الآية: 162]، قال: وذبيحتي. 880- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن إسماعيل، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {وَنُسُكِي} [الآية: 162] قال: ذبيحتي.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):