Verse. 953 (AR)

٦ - ٱلْأَنْعَام

6 - Al-An'am (AR)

قُلْ اَغَيْرَ اللہِ اَبْغِيْ رَبًّا وَّہُوَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ۝۰ۭ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ اِلَّا عَلَيْہَا۝۰ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَۃٌ وِّزْرَ اُخْرٰي۝۰ۚ ثُمَّ اِلٰي رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيْہِ تَخْتَلِفُوْنَ۝۱۶۴
Qul aghayra Allahi abghee rabban wahuwa rabbu kulli shayin wala taksibu kullu nafsin illa AAalayha wala taziru waziratun wizra okhra thumma ila rabbikum marjiAAukum fayunabbiokum bima kuntum feehi takhtalifoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل أغير الله أبغي ربّا» إلها أي لا أطلب غيره «وهو ربُّ» مالك «كل شيء ولا تكسب كل نفس» ذنبا «إلا عليها ولا تزر» تحمل نفس «وازرة» آثمة «وزر» نفس «أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون».

164

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوحيد المحض، وهو أن يقول: {إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى } إلى قوله: {لاَ شَرِيكَ لَهُ } أمره بأن يذكر ما يجري مجرى الدليل على صحة هذا التوحيد، وتقريره من وجهين: الأول: أن أصناف المشركين أربعة، لأن عبدة الأصنام أشركوا بالله، وعبدة الكواكب أشركوا بالله والقائلون: بيزدان، وأهرمن وهم الذين قال الله في حقهم: {أية : وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء ٱلْجِنَّ }تفسير : [الأنعام: 100] أشركوا بالله والقائلون: بأن المسيح ابن الله والملائكة بناته، أشركوا أيضاً بالله، فهؤلاء هم فرق المشركين، وكلهم معترفون أن الله خالق الكل، وذلك لأن عبدة الأصنام معترفون بأن الله سبحانه هو الخالق للسموات والأرض، ولكل ما في العالم من الموجودات، وهو الخالق للأصنام والأوثان بأسرها. وأما عبدة الكواكب فهم معترفون بأن الله خالقها وموجدها. وأما القائلون بيزدان، وهرمن فهم أيضاً معترفون بأن الشيطان محدث، وأن محدثه هو الله سبحانه. وأما القائلون بالمسيح والملائكة فهم معترفون بأن الله خالق الكل، فثبت بما ذكرنا أن طوائف المشركين أطبقوا واتفقوا على أن الله خالق هؤلاء الشركاء. إذا عرفت هذا فالله سبحانه قال له يا محمد: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبّا } مع أن هؤلاء الذين اتخذوا رباً غير الله تعالى أقروا بأن الله خالق تلك الأشياء، وهل يدخل في العقل جعل المربوب شريكاً للرب وجعل العبد شريكاً للمولى، وجعل المخلوق شريكاً للخالق؟ ولما كان الأمر كذلك، ثبت بهذا الدليل أن اتخاذ رب غير الله تعالى قول فاسد، ودين باطل. الوجه الثاني: في تقرير هذا الكلام أن الموجود، إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته وثبت أن الواجب لذاته واحد، فثبت أن ما سواه ممكن لذاته، وثبت أن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى رباً لكل شيء. وإذا ثبت هذا فنقول: صريح العقل يشهد بأنه لا يجوز جعل المربوب شريكاً للرب وجعل المخلوق شريكاً للخالق فهذا هو المراد من قوله: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبّا وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء } ثم إنه تعالى لما بين بهذا الدليل القاهر القاطع هذا التوحيد بين أنه لا يرجع إليه من كفرهم وشركهم ذم ولا عقاب، فقال: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } ومعناه أن إثم الجاني عليه، لا على غيره {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى، ثم بين تعالى أن رجوع هؤلاء المشركين إلى موضع لا حاكم فيه ولا آمر إلا الله تعالى، فهو قوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} أي مالكه. روي أن الكفار قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ٱرجع يا محمد إلى ديننا، وٱعبد آلهتنا، وٱترك ما أنت عليه، ونحن نتكفّل لك بكل تِباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك؛ فنزلت الآية. وهي استفهام يقتضي التقرير والتوبيخ. و«غير» نصب بـ«ـأبْغِي» و«رَبًّا» تمييز. قوله تعالى: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} أي لا ينفعني في ابتغاء ربٍّ غير الله كونكم على ذلك؛ إذْ لا تكسب كل نفسٍ إلا عليها؛ أي لا يؤخذ بما أتت من المعصية، وركبت من الخطيئة سواها. الثانية: وقد استدلّ بعض العلماء من المخالفين بهذه الآية على أن بيع الفُضُوليّ لا يصح، وهو قول الشافعيّ. وقال علماؤنا: المراد من الآية تحمل الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا؛ بدليل قوله تعالى:{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} على ما يأتي. وبيع الفُضُولِيّ عندنا موقوف على إجازة المالك، فإن أجازه جاز. هذا عُرْوة البارِقيّ قد باع للنبيّ صلى الله عليه وسلم واشترى وتصرّف بغير أمره، فأجازه النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ وبه قال أبو حنيفة. وروى البُخارِيّ والدَّارَقُطْنِيّ حديث : عن عُروة بن أبي الجَعْد قال: عرض للنبيّ صلى الله عليه وسلم جَلَب فأعطاني ديناراً وقال: «أيْ عُرْوة ٱيت الجَلَب فاشتر لنا شاة بهذا الدينار» فأتيتُ الجَلَب فساومْتُ فٱشتريت شاتين بدينار، فجئت أسوقهما ـ أو قال أقودهما ـ فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعته إحدى الشاتين بدينار، وجئت بالشاة الأخرى وبدينار، فقلت: يا رسول الله، هذه الشاة وهذا ديناركم. قال: «كيف صنعت»؟ فحدّثته الحديث. قال: «اللَّهُمّ بارك له في صفقة يمينه». قال: فلقد رأيتُني أقف في كُناسة الكوفة فأربح أربعين ألفاً قبل أن أصِل إلى أهليتفسير : . لفظ الدَّارَقُطْنِيّ. قال أبو عمر: وهو حديث جيّد، وفيه صحة ثبوت النبيّ صلى الله عليه وسلم للشاتين، ولولا ذلك ما أخذ منه الدينار ولا أمضى له البيع. وفيه دليل على جواز الوكالة، ولا خلاف فيها بين العلماء. فإذا قال الموكل لوكيله: ٱشتر كذا؛ فاشترى زيادةً على ما وُكّل به فهل يلزم ذلك الأمر أم لا؟. كرجل قال لرجل: ٱشتر بهذا الدّرهِم رِطل لحم، صفته كذا؛ فاشترى له أربعة أرطال من تلك الصفة بذلك الدرهم. فالذي عليه مالك وأصحابه أن الجميع يلزمه إذا وافق الصفة ومن جنسها؛ لأنه مُحْسِن. وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة: الزيادة للمشتري. وهذا الحديث حُجّة عليه. قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} أي لا تحمل حاملةٌ ثِقْل أخرى، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بِجُرْمها ومعاقبة بإثمها. وأصل الوِزْر الثِّقْل؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ}تفسير : [الإسراء: 2]. وهو هنا الذنب؛ كما قال تعالى: {أية : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ}تفسير : [الأنعام: 31]. وقد تقدّم. قال الأخفش: يقال وَزِر يَوْزَر، وَوَزَرَ يَزر، وَوُزِرَ يُوزَر وَزَراً. ويجوز إزْراً، كما يقال: إسادة. والآية نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يقول: ٱتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم؛ ذكره ابن عباس. وقيل: إنها نزلت رَدًّا على العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بأبيه وبٱبنه وبجَرِيرة حَلِيفه. قلت: ويحتمل أن يكون المراد بهذه الآية في الآخرة، وكذلك التي قبلها؛ فأما التي في الدنيا فقد يؤاخذ فيها بعضهم بجُرْم بعض، لا سِيَّمَا إذا لم يَنْه الطائعون العاصين، كما تقدّم في حديث أبي بكر في قوله: {أية : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [المائدة: 105]. وقال تعالى:{أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} تفسير : [الأنفال: 25]. {أية : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}تفسير : [الرعد: 11]. وقالت زينب بنت جَحْش: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:«حديث : نعم إذا كَثُرَ الخَبَث»تفسير : . قال العلماء: معناه أولاد الزنى. والخَبَث (بفتح الباء) اسم للزنى. فأوجب الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم دِيَة الخطأ على العاقلة حتى لا يُطَلّ دَمُ الْحُرّ المسلم تعظيماً للدّماء. وأجمع أهل العلم على ذلك من غير خلاف بينهم في ذلك؛ فدلّ على ما قلناه. وقد يحتمل أن يكون هذا في الدنيا، في ألاّ يؤاخذ زيد بفعل عمرو، وأن كل مباشر لجريمة فعليه مَغَبَّتُها. وروى أبو داود حديث : عن أبي رِمْثة قال: انطلقت مع أبي نحو النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم إن النبيّ قال لأبي: «ابنك هذا»؟ قال: إيْ وَرَبِّ الكعبة. قال: «حقا». قال: أَشْهدُ به. قال: فتبسّم النبيّ صلى الله عليه وسلم ضاحكاً من ثبت شَبَهِي في أبِي، ومن حَلِف أبي عليّ. ثم قال: «أمَا إنه لا يَجْنِي عليك ولا تَجْنِي عليه»تفسير : . وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}. ولا يُعارض ما قلناه أوّلاً بقوله: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13]؛ فإن هذا مبيَّن في الآية الأخرى قولِه: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}تفسير : [النحل: 25]. فمن كان إماماً في الضلالة ودَعَا إليها وٱتُّبع عليها فإنه يحمل وزْر من أضلّه من غير أن ينقص من وزر المُضَل شيء، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبّا} فأشركه في عبادتي وهو جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم. {وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء} حال في موضع العلة للإنكار والدليل له أي وكل ما سواه مربوب مثلي لا يصلح للربوبية. {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } فلا ينفعني في ابتغاء رب غيره ما أنتم عليه من ذلك. {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } جواب عن قولهم: {أية : ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ }تفسير : [العنكبوت: 12] {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ} يوم القيامة. {فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} بتبيين الرشد من الغي وتمييز المحق من المبطل.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه: {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا} أي: أطلب رباً سواه، {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ} يربيني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه، وله الخلق والأمر. ففي هذه الآية الأمر بإخلاص التوكل؛ كما تضمنت التي قبلها إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيراً في القرآن؛ كقوله تعالى مرشداً لعباده أن يقولوا له: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تفسير : [الفاتحة: 5]، وقوله: {أية : فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} تفسير : [هود: 123] وقوله: {أية : قُلْ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ءَامَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} تفسير : [الملك: 29] وقوله: {أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً} تفسير : [المزمل: 9]، وأشباه ذلك من الآيات. وقوله تعالى: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}، إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله، أن النفوس إنما تجازى بأعمالها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد، وهذا من عدله تعالى؛ كما قال: {أية : وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ} تفسير : [فاطر: 18] وقوله تعالى: {أية : فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً} تفسير : [طه: 112] قال علماء التفسير: أي: فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره، ولا يهضم بأن ينقص من حسناته، وقال تعالى: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْيَمِينِ } تفسير : [المدثر: 38-39] معناه: كل نفس مرتهنة بعملها السيىء، إلا أصحاب اليمين؛ فإنه قد يعود بركة أعمالهم الصالحة على ذرياتهم وقراباتهم؛ كما قال في سورة الطور: {أية : وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَـٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الطور: 21]، أي: ألحقنا بهم ذريتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة، وإن لم يكونوا قد شاركوهم في الأعمال، بل في أصل الإيمان، وما ألتناهم، أي: أنقصنا أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئاً، حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منزلة الآباء ببركة أعمالهم بفضله ومنته، ثم قال: {أية : كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ} تفسير : [الطور: 21] أي: من شر، وقوله: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي: اعملوا على مكانتكم إنا عاملون على ما نحن عليه، فستعرضون ونعرض عليه، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم، وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا؛ كقوله: {أية : قُل لاَّ تُسْـئَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْـئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ } تفسير : [سبأ:25-26].

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبّاً } إلٰها: أي لا أطلب غيره {وَهُوَ رَبُّ } مالك {كُلِّ شَىْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } ذنباً {إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ } تحمل نفس {وٰزِرَةٌ } آثمة {وِزْرَ } نفس {أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }.

الشوكاني

. تفسير : الاستفهام في {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبّا } للإنكار، وهو جواب على المشركين لما دعوه إلى عبادة غير الله، أي كيف أبغي غير الله رباً مستقلاً وأترك عبادة الله، أو شريكاً لله فأعبدهما معاً، والحال أنه ربّ كل شيء، والذي تدعونني إلى عبادته هو من جملة من هو مربوب له، مخلوق مثلي لا يقدر على نفع ولا ضرّ، وفي هذا الكلام من التقريع والتوبيخ لهم ما لا يقادر قدره، و{غير} منصوب بالفعل الذي بعده، و{ربا} تمييز أو مفعول ثان على جعل الفعل ناصباً لمفعولين. قوله: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } أي لا يؤاخذ مما أتت من الذنب وارتكبت من المعصية سواها، فكل كسبها للشرّ عليها لا يتعداها إلى غيرها، وهو مثل قوله تعالى: {أية : لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ } تفسير : [البقرة: 286] وقوله: {أية : لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ }تفسير : [طه: 15]. قوله: {وَلاَ تَزِرُ وٰزِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } أصل الوزر الثقل، ومنه قوله تعالى: {أية : وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ }تفسير : [الشرح: 2] وهو هنا الذنب {أية : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ }تفسير : [الأنعام: 31] قال الأخفش، يقال وزر يَوزر، ووزر يزر وزراً، ويجوز إزراً، وفيه ردّ لما كانت عليه الجاهلية من مؤاخذة القريب بذنب قريبه، والواحد من القبيلة بذنب الآخر. وقد قيل: إن المراد بهذه الآية في الآخرة، وكذلك التي قبلها لقوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } تفسير : [الأنفال: 25]، ومثله قول زينب بنت جحش: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "حديث : نعم إذا كثر الخبث"تفسير : ، والأولى حمل الآية على ظاهرها: أعني العموم، وما ورد من المؤاخذة بذنب الغير كالدية التي تحملها العاقلة ونحو ذلك، فيكون في حكم المخصص بهذا العموم، ويقرّ في موضعه ولا يعارض هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } تفسير : [العنكبوت: 13] فإن المراد بالأثقال التي مع أثقالهم هي: أثقال الذين يضلونهم كما في الآية الأخرى: {أية : لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } تفسير : [النحل: 25] {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ } يوم القيامة {فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } في الدنيا، وعند ذلك يظهر حق المحقين وباطل المبطلين. قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأرْضِ } خلائف جمع خليفة: أي جعلكم خلفاء الأمم الماضية والقرون السالفة، قال الشماخ:شعر : أصيبهم وتخطئني المنايا وأخلف في ربوع عن ربوع تفسير : أو المراد أنه يخلف بعضهم بعضاً، أو أن هذا النوع الإنساني خلفاء الله في أرضه: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ } في الخلق، والرزق، والقوة، والفضل، والعلم، و{درجات} منصوب بنزع الخافض، أي إلى درجات {لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتَـٰكُمُ } أي ليختبركم فيما آتاكم من تلك الأمور، أو ليبتلي بعضكم ببعض كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } تفسير : [الفرقان: 20] ثم خوّفهم فقال: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ } فإنه وإن كان في الآخرة فكل آت قريب كما قال: {أية : وَمَا أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } تفسير : [النحل: 77] ثم رغب من يستحق الترغيب من المسلمين، فقال: {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي كثير الغفران والرحمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ } قال: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأرْضِ } قال: أهلك القرون الأولى، فاستخلفنا فيها بعدهم {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ } قال: في الرزق.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} وسبب [نزول] ذلك أن كفار قريش دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائه في عبادة اللات والعزى، وقالوا: يا محمد إن كان وزراً فهو علينا دونك، فنزلت هذه الآية عليه. {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} يعني إلا عليها عقاب معصيتها ولها ثواب طاعتها. {َوَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي لا يتحمل أحد ذنب غيره فيأثم به ويعاقب عليه، ولا يحمل ذنبه غيره، فيبرأ منه ويسلم من عقابه. وفي أصل الوزر وجهان: أحدهما: أصله الثقل، من قوله: {أية : وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ} تفسير : [الشرح: 2-3] ومنه سمي وزير الملك لتحمله القل عنه. والثاني: أن أصله الملجأ من قوله: {أية : كَلاَّ لاَ وَزَرَ} تفسير : [القيامة: 11] ومنه سُمِّي وزير المَلِكِ لأنه يلجأ إليه في الأمور.

ابن عطية

تفسير : حكى النقاش أنه روي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع يا محمد إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك، فنزلت هذه الآية، وهي استفهام يقتضي التقرير والتوقيف والتوبيخ، و {أبغي} معناه أطلب، فكأنه قال: أفيحسن عندكم أن أطلب إلهاً غير الله الذي هو رب كل شيء؟ وما ذكرتم من كفالتكم لا يتم لأن الأمر ليس كما تظنونه، وإنما كسب كل نفس من الشر والإثم عليها وحدها {ولا تزر} أي لا تحمل وازرة أي حاملة حمل أخرى وثقلها، والوزر أصله الثقل، ثم استعمل في الإثم لأنه ينقض الظهر تجوزاً واستعارة، يقال منه: وزر الرجل يزر فهو وازر ووزر يوزر فهو موزور، وقوله {ثم إلى ربكم مرجعكم} تهديد ووعيد {فينبئكم} أي فيعلمكم أن العقاب على الاعوجاج تبيين لموضع لحق، وقوله {بما كنتم فيه تختلفون} يريد على ما حكى بعض المتأولين من أمري في قول بعضكم هو ساحر وبعضكم هو شاعر. وبعضكم افتراه، وبعضكم اكتتبه ونحو هذا. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يحسن في هذا الموضع وإن كان اللفظ يعم جميع أنواع الاختلافات من الأديان والملل والمذاهب وغير ذلك، و {خلائف} جمع خليفة أي يخلف بعضكم بعضاً. قال القاضي أبو محمد: وهذا يتصور في جميع الأمم وسائر أصناف الناس، لأن من أتى خليفة لمن مضى ولكنه يحسن في أمة محمد عليه السلام أن يسمى أهلها بجملتهم خلائف للأمم، وليس لهم من يخلفهم إذ هم آخر الأمم وعليهم قيام الساعة. وروى الحسن بن أبي الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تفسير : ، ويروى أنتم آخرها وأكرمها على الله: وقوله {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} لفظ عام في المال والقوة والجاه وجودة النفوس والأذهان وغير ذلك، وكل ذلك إنما هو ليختبر الله تعالى الخلق فيرى المحسن من المسيء، ولما أخبر عز وجل بهذا ففسح للناس ميدان العمل وحضهم على الاستباق إلى الخير توعّد ووعد تخويفاً منه وترجية، فقال {إن ربك سريع العقاب} وسرعة عقابه إما بأخذاته في الدنيا، وإما بعقاب الآخرة، وحسن أن يوصف عقاب الآخرة بـ {سريع} لما كان متحققاً مضمون الإتيان والوقوع، فكل آت يحكم عليه بالقرب ويوصف به {وإنه لغفور رحيم} ترجية لمن أذنب وأراد التوبة، وهذا في كتاب الله كثير اقتران الوعيد بالوعد لطفاً من الله تعالى بعباده.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ} لا يحمل أحد ذنب غيره، أخذ الوزر من الثقل، وزير الملك يتحمل الثقل عنه، أو من الملجأ {أية : كَلاَّ لاَ وَزَرَ}تفسير : [القيامة: 11]، وزير الملك لإلجاء أموره إليه.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قل أغير الله أبغي رباً} أي: قل يا محمد لهؤلاء الكفار من قومك أغير الله أطلب سيداً أو إلهاً {وهو رب كل شيء} يعني وهو سيد كل شيء ومالكه لا يشاركه فيه أحد وذلك أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ارجع إلى ديننا. قال ابن عباس: كان الوليد بن المغيرة يقول اتبعوا سبيلي أحمل عنكم أوزاركم فقال الله عز وجل رداً عليه {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} يعني أن إثم الجاني عليه لا على غيره {ولا تزر وازرة وزر أخرى} يعني لا تؤاخَذ نفس آثمة بإثم أخرى ولا تحمل نفس حاملة حمل أخرى ولا يؤاخذ أحد بذنب آخر {ثم إلى ربكم مرجعكم} يعني يوم القيامة {فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} يعني في الدنيا من الأديان والملل. قوله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} يعني: والله الذي جعلكم يا أمة محمد خلائف في الأرض فإن الله أهلك من كان قبلكم من الأمم الخالية واستخلفكم فجعلكم خلائف منهم في الأرض تخلفونهم فيها وتعمرونها بعدهم وذلك لأن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وهو آخرهم وأمته آخر الأمم {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} يعني أنه تعالى خالف بين أحوال عباده فجعل بعضهم فوق بعض في الخلق والرزق والشرف والعقل والقوة والفضل فجعل منهم الحسن والقبيح والغني والفقير والشريف والوضيع والعالم والجاهل والقوي والضعيف وهذا التفاوت بين الخلق في الدرجات ليس لأجل العجز أو الجهل أو البخل فإن الله سبحانه وتعالى منزه عن صفات النقص وإنما هو لأجل الابتلاء والامتحان وهو قوله تعالى: {ليبلوكم في ما آتاكم} يعني يعاملكم معاملة المبتلي والمختبر وهو أعلم بأحوال عباده. والمعنى: يبتلي الغني بغناه والفقير بفقره والشريف بشرفه والوضيع بدناءته والعبد والحر وغيرهم من جميع أصناف خلقه ليظهر منكم ما يكون عليه الثواب والعقاب، لأن العبد إما أن يكون مقصراً فيما كلف به وإما أن يكون موفياً ما أمره به فإن كان مقصراً كان نصيبه التخويف والترغيب وهو قوله تعالى: {إن ربك سريع العقاب} يعني لأعدائه بإهلاكهم في الدنيا وإنما وصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت فهو قريب إن كان العبد موفياً حقوق الله تعالى فيما أمره به أو نهاه عنه كان نصيبه الترغيب والتشريف والتكريم وهو قوله تعالى: {وإنه لغفور} يعني لذنوب أوليائه وأهل طاعته {رحيم} يعني بجميع خلقه والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.

ابن عادل

تفسير : لما أمَرَهُ - عليه الصَّلاة والسَّلام - بالتَّوْحِيد المَحْضِ، أمَره أن يَذْكر ما يَجْرِي مُجْرى الدَّليل على صِحَّة هذا التَّوحِيد، وتقريره من وجهين: الأول: أنَّ أصناف المُشْرِكين أربعة؛ لأنَّ عبدة الأصنام أشْرَكُوا باللَّه، وعبدة الكواكِب أشْرَكُوا باللَّه، والقَائِلون بيزدان وأهرمن أشركوا، والقَائِلُون بأنَّ المسيح ابنُ اللَّه والملائكة بنات الله أشْرَكُوا، فهولاء هم فِرَقُ المُشْرِكين، وكلُّهم يَعْتَرفُون بأن اللَّه - سبحانه وتعالى - هو الخَالِق لِلكُلِّ؛ لأن عبدة الأصنام معترِفُون بان اللَّه - تعالى - خالقُ السَّمواتِ والأرْضِ وكلِّ ما في العالم من الموْجُوداتِ وهُو الخالقُ للأصْنامِ والأكوان بأسْرِها. وأما القَائِلُون بيزدان وأهرمن فهُم أيضاً معترِفُون بأنَّ الشَّيْطَان مُحْدَث، وأنَّ مُحْدِثَهُ هو اللَّه - تبارك وتعالى -. وأمَّا القَائِلُون بالمسيح والملائكة، فهُم أيضاً معتَرِفُون بأنَّ اللَّه - سبحانه وتعالى - خَلَق الكُلَّ؛ فثبت أنَّ طوائِف المُشْرِكين أطْبَقُوا على أنَّ الله - تبارك وتعالى - خلق هؤلاء الشُّرَكَاء. وإذا عُرِف هذا، فاللَّه - سبحانه وتعالى - قال لرسُوله صلى الله عليه وسلم: قل يا مُحَمَّد أغير اللَّه أبْغِي ربّاً، مع أنَّ هؤلاء الذين اتِّخَذُوا رَبَّاً غير اللَّه، أقَرُّوا بأن اللَّه تبارك وتعالى خالق تلك الأشْيَاء. وهل يَدْخُل في العَقْل جعل المرْبُوب شَريكاً للرَّبِّ، وجعل العَبْد شَرِيكاً للمَوْلَى، وجَعْل المَخْلُوق شَريكاً للخَالِق؟ ولمَّا كان الأمْر كذلك، ثبت أنَّ إتَّخَاذّهُم رَباً غيْر اللَّه [قول] فاسدٌ ودينٌ بَاطِلٌ. الثاني: أن الموجود إمَّا واجبٌ لِذَاته وإمَّا ممكن لِذَاته، وثبت أن واجِبَ الوُجُود واحدٌ، وثبت أنَّ ما سِوَاه مُمْكِنٌ لذاته، وثَبَت أن المُمْكِن لذاته لا يُوجد إلاَّ بإيجَادِ الواجبِ لذَاتِهِ، وإن كان الأمْر كذلك، كان اللَّه - تعالى - ربّاً بِكُلِّ ش‍َيْء. وإذا ثبت هذا، فَنقُول: صَرِيحُ العَقْل يَشْهَدُ بأنَّه لا يَجُوز جَعْلُ المرْبُوب شَريكاً للرَّبِّ، وجَعْل المَخْلُوق شريكاً للخَالِق, وهذا هو المُرَاد من قوله - تعالى -: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}. قال ابن عبَّاس - رضي الله عنه - معنى ربّاً: أي سيِّداً وهُو رب كُلِّ شيء، وذلك أنَّ الكُفَّار كانوا يقُولون للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ارْجع إلى ديننا. قال ابن عبَّاسٍ، قال الوليدُ بن المُغيرَة: اتبعُوا سبيلي، أحْمِل عَنْكُم أوْزَاركم، فقال اللَّه - تبارك وتعالى -: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} ومعناه: أنَّ إثْمَ الجانِي عليه، لا على غيره "ولا تَزِرُ وَازرةٌ وزْرَ أخرَى" أي: لا يُؤاخَذُ أحدٌ بذَنْب غيره. قال القُرْطُبيُّ - رحمه الله -: وأصْل الوِزْر: الثِّقَل، ومنه قوله - تعالى -: {أية : وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ} تفسير : [الشرح:2، 3] وهو هنا: الذنب؛ كما قال - تعالى -: {أية : يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ} تفسير : [الأنعام:31] وقد تقدَّم قول الأخْفَش: يُقَال: وَزِر يَوْزَر، وَوَزَرَ يزر، وَوُزِرَ يُوزَر وِزْراً. قيل: نَزلَتْ رداً على العرب في الجاهليَّة من مُؤاخَذَة الرَّجُل بِأبيه، وابْنِه، وابْنِه، وبجريرة حَلِيفِهِ. قال القُرْطُبِي: يحتمل أنْ يكُون المُراد بِهَذَه الآية في الآخرة، وكذلك الَّتِي قَبْلَها، فأمَّا في الدنيا: فقد يُؤاخَذُ بعضُهم بِجُرْم بعضٍ، ولا سيَّما إذا لم يَنْه الطَّائِع العَاصِيَ، كما تقدّم في حديث أبي بكر - رضي الله عنه -: {أية : عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [المائدة:105] وقال - تعالى -: {أية : وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً} تفسير : [الأنفال:25] {أية : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الرعد:11]. وقالت زَيْنَب بِنْت جَحْش: حديث : يا رسُول الله، أنَهْلَكُ وفينا الصَّالِحُون؟ قال: نعم، إذا كَثُر الخَبَث . تفسير : قال العلماء: معناه: أوْلاد الزِّنَا، والخبيث بفتح البَاء: اسمٌ للزِّنَا، وأوْجَب اللَّه - تعالى - على لسان رسُوله - عليه الصَّلاة والسَّلام - ديَة الخطأ على العَاقِلة، حتى لا يُطل دمُ المُسْلِمِ وذلك بالإجْمَاع؛ فَدَلَّ ذلك على ما قُلْنَاه. ثم بيَّن - تعالى - أنَّ رُجُوع هؤلاء المشركين إلى مَوْضِع لا حَاكِم ولا آمِر إلا اللَّه، وهو قوله - تعالى -: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ولا ترز وازرة وزر أخرى} قال: لا يؤخذ أحد بذنب غيره . وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : ليس على ولد الزنا من وزر أبويه شيء، لا تزر وازرة وزر أخرى " . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مليكة قال: توفيت أم عمرو بنت أبان بن عثمان فحضرت الجنازة، فسمع ابن عمر بكاء فقال: ألا تنهي هؤلاء عن البكاء، فإن رسول الله صلى عليه وسلم قال "حديث : إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه"تفسير : فأتيت عائشة فذكرت ذلك لها، فقالت: والله إنك لتخبرني عن غير كاذب ولأمتهم ولكن السمع يخطىء، وفي القرآن ما يكفيكم {ولا تزر وازرة وزر أخرى} . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن عروة قال: سئلت عائشة عن ولد الزنا فقالت: ليس عليه من خطيئة أبويه شيء، وقرأت {ولا تزر وازرة وزر أخرى} . وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: ولد الزنا خير الثلاثة، إنما هذا شيء قاله كعب هو شر الثلاثة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ولا تزر وازرة وزر أخرى} قال: لا يحمل الله على عبد ذنب غيره، ولا يؤاخذه إلا بعمله.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً} [الآية: 164]. قال الجوزجانى: أَسِوَاه أطلب حافظًا وراعيًا ووكيلاً، وهو الذى كفانى المهم وألهمنى الرشد. قوله تعالى: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا}. قال بعضهم: لا تكسب من خير وشر كل نفس إلا عليها أما الشر فمأخوذ به، وأما الخير فمطلوب منه صحة قصده وخلوه من الرياء والعجب والرؤية من نفسه والتزين به والافتخار به والاعتماد عليه والإحسان فيه فإذا حصلته وجدته عليه لا له، إلا أن يعفو الله جل وعز.

القشيري

تفسير : كيف أوثِر عليه بَدَلاً وإني لا أجد عن حكمه حِوَلا، وكيف أقول بغيرٍ أو ضدٍ أو شريك؟ أو أقول بدونه معبود أو مقصود؟ وإنْ لاحظتُ يمنةً ما شاهدتُ إلا مُلْكَه، وإنْ طالعتُ يَسْرةً ما عايَنْتُ إلا مُلكَه! بل إني إنْ نظرتُ يمنةً شهدت يُمْنَه، وإنْ نظرتُ يَسْرةً وجدتُ نحوي يُسْرَه!.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد لمن يقول من الكفار ارجع الى ديننا {أغير الله ابغى} اطلب حال كونه {ربا} آخر فاشركه فى عبادته {وهو رب كل شئ} اى والحال ان ما سواه مربوب له مثلى فكيف يتصور ان يكون شريكا له فى العبودية {ولا تكسب كل نفس الا عليها} كانوا يقولون للمسلمين اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم اما بمعنى ليكتب علينا ما علمتم من الخطايا لا عليكم واما بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا لا عليكم واما بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا فهذا رد له بالمعنى الاول اى لا تكون جناية نفس من النفوس الا عليها ومحال ان يكون صدورها عن شخص وقرارها على شخص آخر حتى يتأتى ما ذكرتم وقوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر اخرى} رد له بالمعنى الثانى اى لا تحمل يومئذ نفس حامله حمل نفس اخرى حتى يصح قولكم ولنحمل خطاياكم. والوزر فى اللغة هو الثقل {ثم الى ربكم مرجعكم} اى الى مالك امركم رجوعكم يوم القيامة {فينبئكم} يومئذ {بما كنتم فيه تختلفون} اى يبين الرشد من الغىّ ويميز المحق من المبطل. وفى الآية امور. الاول ان غاية المبتغى ونهاية المرام هو الله الملك العلام فمن وجده فقد وجد الكل ومن فقده فقد فقد الكل والعاقل العاشق لا يطلب غير الله لانه الحبيب والمحب لا يتسلى بغير المحبوب: قال الحافظ: شعر : دردمرا طبيب نداند دواكه من بى دوست خسته خاطر وبادرد خوشترم تفسير : والثانى ان كل ما تكسب النفس من خير او شر فهو عليها اما الشر فهى مأخوذة به واما الخير فمطلوب منها صحة القصد والخلو من الرياء والعجب والافتخار به: قال السعدى قدس سره شعر : جه قدر آورد بنده بدرديس كه زير قبادارد اندام بيس تفسير : والنفس امارة بالسوء فلا تكسب الاسوأ والسوء عليها لا لها وهذا دأب النفس ما وكلت الى نفسها الا ان رحمها ربها كما قال {أية : إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى} تفسير : [يوسف: 53]. ولهذا كان من دعائه عليه السلام "حديث : رب لا تكلنى الى نفسى طرفة عين ولا اقل من ذلك " . تفسير : وهى اى النفس مأمور بالسير الى الله بقدم العبودية والاعمال الصالحة. قال الشيخ ابو عبدالله محمد بن الفضل العجب ممن يقطع الاودية والمفاوز والقفاز ليصل الى بيته وحرمه لان فيه آثار انبيائه كيف لا يقطع بالله نفسه وهواه حتى يصل الى قلبه فان فيه آثار مولاه. والثالث ان كل نفس مؤاخذ بذنبه لا بذنب غيره فان قلت قوله عليه السلام "حديث : من كانت عنده مظلمة لاخيه من عرض او شئ فليستحلل منه اليوم قبل ان لا يكون دينار ولا درهم الا ان كان له عمل صالح اخذ منه بقدر مظلمته وان لم يكن له حسنات اخذ من سيآت صاحبه فحمل عليه " . تفسير : يدل على خلاف ذلك وكيف يجوز فى حكم الله وعدله ان يضع سيآت من اكتسبها على من لم يكتسبها وتؤخذ حسنات من عملها فتعطى من لم يعملها. فالجواب على ما قال الامام القرطبى فى تذكرته ان هذا لمصلحة وحكمة لا نطلع عليها وان الله تعالى لم يبن امور الدين على عقول العباد ولو كان كل ما لا تدركه العقول مردودا لكان اكثر الشرائع مستحيلا على موضوع عقول العباد انتهى. يقول الفقيران الذنب ذنبان ذنب لازم وذنب متعد. فالذنب اللازم كشرب الخمر مثلا يؤخذ به صاحبه دون غيره فهذا الذنب له جهة واحدة فقط. والذنب المتعدى كقتل النفس مثلا فهذا وان كان يؤخذ به صاحبه ايضا لكن له جهتان جهة التجاوز عن حد الشرع وجهة وقوع الجناية على العبد فحمل سيآته وطرح حسناته عليه حمل سيآت نفسه فى الحقيقة وما طرح حسنات غيره فى نفس الامر ولا ظلمة اصلا فالآية والحديث متحدان فى المآل والله اعلم بحقيقة الحال. والرابع كما ان الاختلاف واقع بين اهل الكفر والايمان كذلك بين اهل الاخلاص والرياء والشرع وان كان محكا يميز بين المحقق والمبطل الا ان انكشاف حقيقة الحال وظهور باطن الاقوال والافعال انما يكون يوم تبلى السرائر وتبدى الضمائر: وفى المثنوى شعر : جون كند جان بازكونه بوستين جند واويلا برآيد زاهل دين بردكانهر زرنما خندان شده است زانكه سنك امتحان بنهان شده است قلب بهلومى زند بازر بشب انتظار روز مى دارد ذهب باز زبان حال زر كويدكه باش اى مزور تا برآيد روز فاش تفسير : وفى الحديث"حديث : يخرج فى آخر الزمان اقوام يجتلبون الدنيا بالدين ". تفسير : يعنى يأخذونها ويلبسون لباس جلود الضأن من اللين "حديث : ألسنتهم احلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب فيقول الله تعالى ابى تقترفون ام على تجترئون فبى حلفت لأبعثن على اولئك فتنة تدع الحليم فيها حيران " . تفسير : فعلى المؤمن ان يصحح الظاهر والباطن ويرفع الاختلاف فان الحق واحد فماذا بعد الحق الا الضلال. واما اختلاف الائمة فرحمة لعامة الناس وليس ذلك من قبيل الاختلاف بحسب المراء والجدال بل بحسب اختلاف الاشخاص والاحوال فالحق احق ان يتبع عصمنا الله واياكم من الاختلاف المفسد للدين والجدل المزيل لاصل اليقين وجعلنا من اهل التوفيق للصواب انه الكريم المفيض الوهاب.

الطوسي

تفسير : امر الله تعالى نبيه ان يخاطب هؤلاء الكفار، ويقول على وجه الانكار لفعلهم {أغير الله أبغي} أي أتخذ {ربَّاً} معبوداً؟! فالكلام خرج مخرج الاستفهام، والمراد به الانكار، لانه لا جواب لصاحبه الا بما هو قبيح، لان تقديره ايجوز أن اطلب الضر والنفع بعبادتي ممن هو مربوب مثلي؟! عادلا بذلك عن رب كل شيء وليس بمربوب؟! أم هذا قبيح في العقول؟ وهو لازم لكم على عبادة الاوثان. والرب اذا أطلق افاد المالك لتصريف الشيء بأتم التصريف واذا أضيف فقيل رب الدار، ورب الضيعة، فمعناه المالك لتصريفه بأتم تصريف العباد واصله التربية وهي تنشئة الشيء حالا بعد حال حتى يصير الى الكمال. ثم صرف الى معنى الملك لهذه الاحوال من الشيء وما جرى مجراها. والفرق بين الرب والسيد، أن السيد هو المالك لتدبير السواد الاعظم، والرب المالك لتدبير الشيء حتى يصير الى الكمال مع اجرائه على تلك الحال. وقوله {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} معناه لا يكون جزاء عمل كل نفس الا عليها. ووجه اتصاله بما قبله أنه لا ينفعني في ابتغاء رب غيره ما أنتم عليه من ذلك، لانه ليس بعذر لي في اكتساب غيري له، لانه {لا تزر وازرة وزر أخرى} وقيل: ان الكفار قالوا للنبي (صلى الله عليه وسلم) اتبعنا، وعلينا وزرك ان كان خطأ، فأنزل الله الآية. وفيها دلالة على فساد قول المجبرة من وجهين: احدهما - ان قوله {ولا تزر وازرة وزر أخرى} يدل على انه لا يعذب الطفل بكفر أبيه. والثاني - أنه لا يعذب احدا بغير ذنب كان منه، لانهما سواء في أن كل منهما مستحق. وتقول: وَزِر يزِر وِزرا، ووُزر، يوزر، فهو موزور، وكله بمعنى الاثم. والوزر الملجأ. ومنه قوله {أية : كلا لا وزر} تفسير : فحال الموزور كحال الملتجىء من غير ملجأ. ومنه الوزير لان الملك يلتجيء اليه في الامور. وقيل: أصله الثقل، ومنه قوله {أية : ووضعنا عنك وزرك} تفسير : وكلاهما محتمل {ثم إلى ربكم مرجعكم} يعني مالككم ومصيركم الى الله في يوم لا يملك فيه الامر غيره تعالى. وقوله {فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} معناه انه يخبركم بالحق فيما اختلفتم فيه من الباطل، فيظهر المحسن من المسيء بما يزول معه الشك، والارتياب ويقع معه الندامة في وقت قد فات فيه استدراك الخطيئة، فمعنى الآية الحجة على ان كل شيء سوى الله فالله ربه من كل وجه يصح منه الربوبية، وفيها دلالة على فساد قول المجبرة: ان الله يعذب على غير ذنب.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} لهم انكاراً لابتغاء غير الله ربّاً مع اقامة الدّليل على ذلك الانكار بانّ غيره مربوب تعريضاً بمن اخذ غيره ربّاً {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} وغيره مربوب فما حالكم اذا انحرفتم عن الرّبّ وجعلتم المربوب ربّاً {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} هذا ممّا استعمل فيه سلب الايجاب الكلّىّ فى السّلب الكلّىّ ومثله كثير فى الآيات والاخبار واستعمال العرب، والمقصود انّ ابتغاء غير الله ربّاً مع كونه مربوباً وبال لا محالة ولا يمكننى طرح هذا الوبال على غيرى، لأنّه لا تكسب كلٌ نفس ما تكسب ممّا هو وبال الاّ عليها يعنى كسبكم الوبال باتّخاذ غير الرّبّ ربّاً وبال عليكم {وَ} لا يمكن غيرى ان يحمل وبالى عنّى لانّه {لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} هذه مجادلة بالّتى هى أحسن بحيث لا يورث شغباً ولجاجاً للخصم حيث نسب ابتغاء غير الله ربّاً الى نفسه وذكر مفاسده وعرّض بهم {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ} يوم القيامة نسب الرّجوع اليهم دون نفسه تنبيهاً على التّعريض بحيث لا يمكنهم ردّه {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} وهو الدّين الّذى فرّقتموه على اهويتكم او اختلفتم فى بطلانه وحقّيّته، وفيه تعريض بالامّة كأنّه قال فتنبّهوا يا امّة محمّدٍ (ص) فلا تختلفوا بعده فى الدّين الّذى أتمّه بولاية علىٍّ (ع).

اطفيش

تفسير : {قُلْ أغَير الله أبْغى} أطلب {ربًّا} إنكار لادعائهم إياهم إلى عبادة غير الله، إشراكه بالله تعالى فى العبادة، وتقدم إعراب مثله. {وهُو ربُّ كلِّ شَئٍ} الجملة حال تفيد تقليل الإنكار، أى لا يصح منى أن أعبد سواه، لأنه رب كل شئ، فكل ما سواه مربوب لا رب، قال ابن عباس رضى الله عنه: كان الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوا سبيلى أحمل عنكم أوزاركم، فنزلت سورة الأنعام وفيها جوابه والرد عليه بقوله تعالى: {ولا تَكْسِبُ كلُّ نفسٍ} ذنباً هذا كلية لا كل، وجميع لا مجموع، وعموم سلب لا سلب عموم، ولو تقدم النفى على كل، ومفعول تكسب محذوف، أى ولا تكسب نفس ما من النفوس ذنباً {إلا عَليْها} متعلق بتكسب، ولا ينفع عبادتكم غير الله، ولا يكون ضرها إلا عليكم. {ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزْر أخْرى} أى تذنب نفس مذنبة ذنب نفس أخرى، أى لا ينسب إليها إلا ذنبها فتنسب إليه، ومن ذنبها أن تسن ذنبا أو تدعو إليه، أو لا تحمل ثقل نفس أخرى نفس ثقيلة، والثقيل بالذنب، أو لا تتصف نفس ذات ذنب ذنب غيرها، فكل ما رأى من ذنب على نفسه فإنما هو ذنبها لا ذنب غيرها، ولا تذنب نفس ممكن أن تذنب ذنب نفس أخرى. وحاصل ذلك أنه لا تجازى بذنب غيرها، وقيل جواب الوليد قوله تعالى: {ولا تزرُ وازرةٌ وِزر أخرى} وعبادة النقاش أن الكفار قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم: ارجع يا محمد إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها فى دنياك وآخرتك، فتنزل: {قل أغير الله} الآية. {ثمَّ إلى ربِّكم مرجِعُكم} أى رجوعكم بالبعث بعد الموت للجزاء {فينبِّئكُم بما كُنتم فيهِ تختلفُون} من الحق والباطل، يميز لكم أن ما أنتم عليه باطل، وأن ما أنا عليه حق، أو يخبر بما كنتم تقولونه فى رسوله صلى الله عليه وسلم من أقوال مختلفة كقولهم: ساحر، وقولهم: مجنون، وقولهم: معلم، وقولهم: شاعر، وقولهم: مسحور وساحر يخبركم بذلك فيجازيكم عليه.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أَغَيْرَ الله ابْغِى رَبًّا} أَأَطلب غير الله حال كون غيره إِلها. لا يتصور ذلك لأَن غيره لا يكون إِلها، أَو أَأَطلب ربا حال كونه غير الله، أَو ربا تمييزاً أَو بيانا أَو بدلا من غير. يقول لا يتصور ذلك لأَن الرب لا يكون غير الله، سأَله المشركون أَن يصير إِلى دينهم ويعبد آلهتهم فأَمره الله عز وجل أَن يقول لهم لا أَعبد غير الله لا وحده ولا مع الله فإِن من عبدهما معا فليس عابدا لله سبحانه {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَئٍ} رب معبوداتكم وغيرها من سائر الخلق. وكيف أَجعل المربوب ربا، والجملة حال، وكانوا يقولون للمسلمين اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم أَى تكتب علينا لا عليكم وإِن كتبت عليكم حملنا عليكم عقابها إِن بعثنا فنزل ردا عليهم قوله تعالى {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ} سواء {إِلاَّ عَلَيْهَا} متعلق بتكسب. يقال كسب لنفسه خيرا وكسب على نفسه سواء. ولا حاجة إِلى دعوى أَنه حال وأَن التقدير إِلا حال كون ذنبها عليها مستعليا عليها بالعقاب، أَو حال كونه مكتوبا عليها لا على غيرها، وإِذا كان لا تكسب كل نفس إِلا عليها فكيف أَعبد غيره وهو لا يحمل عنى عند الله شيئا، وكان الوليد ابن المغيرة يقول للمؤمنين: اتبعوا سبيلى أَحمل عنكم أَوزاركم أَى ذنوبكم الشبيهة عندكم بالحمل الثقيل المسمى وزرا، أَو التى صارت فى قلوبكم كالشئ الثقيل تحرجا عنها فنزل قوله تعالى {وَلاَ تَزِرُ وَازرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} لا تذنب نفس مذنبة ذنب أُخرى، ومعنى وازرة ممكنة لأَن تذنب أَو قابلة لأَن يكون ذنب غيرها ذنبا لها أَو كل نفس أَذْنبت فذنبها فعل لها لا فعل لغيرها وذلك فى عين الفعل لا ما يتولد عنه فانه من دعا غيره إِلى معصية أَودل عليها أَو بدع بدعة محرمة يكتب عليه وزر كوزر من عمل بها، وذلك كعمله وليس إِسقاطا للذنب عمن عمله تبعا له، وذكر المحدثون أَنه إِذا لم يبق من حسنات الظالم شئ تحمل من سيئات المظلوم ما يقابل ما بقى من التباعه، وكذا قالوا فى المديون، ولم يثبت عند جمهور أصحابنا تحمل الظالم من سيئات المظلوم وكذا الميدون، وأَما التسبب فقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدال على الخير كفاعله"تفسير : ، فكذا الدال على الشر كفاعله. وقال: حديث : من عمل سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إِلى يوم القيامةتفسير : ، وقال الله تعالى "أية : وليحملن أَثقالهم وأَثقالا مع أَثقالهم"تفسير : [العنكبوت: 13] وقال "أية : ليحملوا أَوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أَوزار الذين يضلونهم بغير علم"تفسير : [النحل: 25] {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ} رجوعكم يوم القيامة {فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} يخبركم به فيعاقبكم بعد الإِخبار، أَو ذلك كناية عن العقاب، والمراد تختلفون مع النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، أَو بمعنى تخالفون النبى وأَصحابه، لكن لا يتعدى كما يتعدى تخالفون كاجتوروا بمعنى تجاوروا لكن بعض بعضا بخلاف الآية فانهم اجتمعوا على خلاف الرسول صلى الله عليه وسلم، فيميز الله لهم أَن الحق ما عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأَن الباطل ما أَنتم عليه. وتختلفون فيما بينكم، فبعض يقول سحر وبعض كهانة وبعض أَساطير الأَولين وبعض شاعر وغير ذلك. فيميز الله تعالى أَن أَقوالهم كلها باطلة. أَو تختلفون فيه من الأَديان فيميز الله لكم أَنها كلها باطلة.

الالوسي

تفسير : {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبّاً} إنكار لبغية غيره تعالى رباً لا لبغية الرب ولهذا قدم المفعول، وليس التقديم للاختصاص إذ المقصود أغير الله أطلب رباً وأجعله شريكاً له، وعلى تقدير الاختصاص لا يكون إشراكاً للغير بل توحيد، وقال بعض المحققين: لا يبعد أن يقال التقديم للاختصاص. وذكر في رد دعوته إلى الغير رد الاختصاص تنبيهاً على أن إشراك الغير بغية غير الله تعالى إذ لا بغية له سبحانه إلا بتوحيده عز وجل، وما في النظم الكريم أبلغ من أغير الله أعبد ونحوه كما لا يخفى {وَهُوَ } سبحانه {رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} جملة حالية مؤكدة للإنكار أي والحال أن كل ما سواه مربوب [له مثلي] فكيف يتصور أن يكون شريكاً له [في المعبودية]. {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} يروى أنهم كانوا يقولون للمسلمين: «اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم» فرد عليهم بما ذكر أي أن ما كسبته كل نفس من الخطايا محمول عليها لا على غيرها حتى يصح قولكم، وعلى هذا يكون قوله سبحانه: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ} أي نفس آثمة {وِزْرَ أُخْرَىٰ} تأكيداً لما قبله، وقيل: إن قولهم ذلك يحتمل معنيين. الأول: اتبعوا سبيلنا وليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم. والثاني: اتبعوا لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا. وقوله تعالى: {وَلاَ تَكْسِبُ } الخ رد له بالمعنى الأول؛ وقوله سبحانه: {وَلاَ تَزِرُ} الخ رد له بالمعنى الثاني، وقيل: إن جواب قولهم هو الثاني، وأن الأول من جملة الجواب عن دعواهم إلى عبادة آلهتهم يعني لو أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه لم أكن معذوراً بأنكم سبقتموني إليه وقد فعلته متابعة لكم ومطاوعة فلا يفيدني ذلك شيئاً ولا ينجيني من الله تعالى لأن كسب كل أحد وعمله عائد عليه، ورجحه بعضهم على الأول بأن التأسيس خير من التأكيد {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ} تلوين للخطاب وتوجيه له إلى الكل لتأكيد الوعد وتشديد الوعيد أي إلى مالك (أموركم و) رجوعكم يوم القيامة {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} ببيان الرشد من الغي وتمييز الحي من اللي.

ابن عاشور

تفسير : {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}. استئناف ثالث، مفتتح بالأمر بالقول، يتنزّل منزلة النّتيجة لما قبله، لأنَّه لمَّا عُلم أنّ الله هداه إلى صراط مستقيم، وأنقذه من الشّرك، وأمره بأن يمحّض عبادته وطاعته لربّه تعالى، شكراً على الهداية، أتبع ذلك بأن يُنكر أنْ يَعْبُد غير الله تعالى لأنّ واهب النّعم هو مستحقّ الشّكر، والعبادةُ جماع مراتب الشّكر، وفي هذا رجوع إلى بيان ضلالهم إذ عَبدوا غيره وإعادة الأمر بالقول تقدّم بيان وجهه. والاستفهام إنكار عليهم لأنَّهم يرغبون أن يعترف بربوبية أصنامهم، وقد حاولوا منه ذلك غير مرّة سواء كانوا حاولوا ذلك منه بقرب نزول هذه الآية أم لم يحاولوه، فهم دائمون على الرّغبة في موافقتهم على دينهم، حكى ابن عطيّة عن النقّاش أنّ الكفّار قالوا للنّبي صلى الله عليه وسلم « حديث : ارجِعْ إلى ديننا واعْبُدْ آلهتنا ونحن نتكفّل لك بكلّ تباعة تتوقَّعها في دنياك وآخرتك » تفسير : وأنّ هذه الآية نزلت في ذلك. وقدّم المفعول على فعله لأنَّه المقصود من الاستفهام الإنكاري، لأنّ محلّ الإنكار هو أن يكون غير الله يُبتغى له ربّاً، ولأنّ ذلك هو المقصود من الجواب إذا صحّ أنّ المشركين دعوا النّبي صلى الله عليه وسلم لعبادة آلهتهم فيكون تقديمه على الفعل للاهتمام لموجِب أو لموجِبَيْن، كما تقدّم في قوله تعالى: { أية : قل أغير الله أتخذ وليا } تفسير : في هذه السّورة (14). وجملة: {وهو رب كل شيء} في موضع الحال، وهو حال معلّل للإنكار، أي أنّ الله خالق كلّ شيء وذلك باعترافهم، لأنَّهم لا يدّعون أنّ الأصنام خالقة لشيء، كما قال تعالى: { أية : لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له } تفسير : [الحج: 73] فلمّا كان الله خالق كلّ شيء وربَّه فلا حقّ لغيره في أن يعبده الخلائق، وعبادة غيره ظلم عظيم، وكفر بنعمة الربوبيّة، وبقطع النَّظر عن كون الخلق نعمة، لأنّ الخلق إيجاد والوجود أفضل من العدم، فإنّ مجرد الخلق موجب للعبادة لأجل العبوديّة. وإنَّما قيل: {وهو رب كل شيء}، ولم يقل: وهو ربّي، لإثبات أنّه ربّه بطريق الاستدلال لكونه إثباتَ حكم عام يشمل المقصودَ الخاصّ، ولإفادة أنّ أربابهم غير حقيقة بالربوبيّة لأنَّها مربوبة أيضاً لله تعالى. وقوله: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} من القول بالمأمور به، مفيد متاركةً للمشركين ومَقتاً لهم بأنّ عنادهم لا يَضرّه، فإنّ ما اقترفوه من الشّرك لا يناله منه شيء فإنَّما كسب كلّ نفس عليها، وهم من جملة الأنفس فكسبهم عليهم لا يتجاوزهم إلى غيرهم. فالتّعميم في الحكم الواقع في قوله: {كل شيء} فائدته مثل فائدة التّعميم الواقع في قوله: {وهو رب كل شيء}. ودلّت كلمة (على) على أنّ مفعول الكسب المحذوف تقديره: شرّاً، أو إثماً، أو نحو ذلك، لأنّ شأن المخاطبين هو اكتساب الشرّ والإثم كقوله: { أية : ما عليك من حسابهم من شيء } تفسير : [الأنعام: 52] ولك أن تجعل في الكلام احتباكاً تقديره: ولا تكسب كلّ نفس إلاّ لها ولا تكتسب إلا عليها فحذف من الأول لدلالة الثّاني وبالعكس إذا جربت على أن (كسب) يغلب في تحصيل الخير، وأنّ (اكتسب) يغلب في تحصيل الشرّ، سواء اجتمع الفعلان أم لم يجتمعا. ولا أحسب بين الفعلين فرقا، وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } تفسير : [البقرة: 286]. والمعنى: أنّ ما يكتسبه المرء أو يكسبه لا يتعدى منه شيء إلى غيره. وقوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} تكملة لمعنى قوله: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} فكما أنّ ما تكسبه نفس لا يتعدّى منه شيء إلى غيرها، كذلك لا تحمل نفس عن نفس شيئاً، والمعنى: ولا أحمل أوزاركم. فقوله: {وازرة} صفة لموصوف محذوف تقديره: نفس، دلّ عليه قوله: {ولا تكسب كل مفس إلا عليها}، أي لا تحمل نفس حاملة حِمْل أخرى. والوزر: الحِمل، وهو ما يحمله المرء على ظهره، قال تعالى: { أية : ولكنّا حُمّلنا أوزاراً من زينة القوم } تفسير : [ طه: 87]، وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون } تفسير : [الأنعام: 31]. وأمَّا تسمية الإثم وزراً فلأنَّه يتخيّل ثقيلاً على نفس المؤمن. فمعنى {لا تزر وازرة} لا تحمل حاملة، أي لا تحمل نفس حين تحمل حمل أي نفس أخرى غيرها، فالمعنى لا تغني نفس عن نفس شيئاً تحمله عنها، أي كلّ نفس تزر وزر نفسها، فيفيد أنّ وزر كلّ أحد عليه وأنَّه لا يحمل غيرُه عنه شيئاً من وزره الذي وزَره وأنَّه لا تَبعة على أحد من وزر غيره من قريب أو صديق، فلا تغني نفس عن نفس شيئاً، ولا تُتَّبع نفس بإثم غيرها، فهي إن حَمَلت لا تحمل حِمل غيرها. وهذا إتمام لمعنى المتاركة. {ثمّ} للتّرتيب الرّتبي. وهذا الكلام يحتمل أن يكون من جملة القول المأمور به فيكون تعقيباً للمتاركة بما فيه تهديدهم ووعيدهم، فكان موقع {ثمّ} لأنّ هذا الخبر أهمّ. فالخطاب في قوله: {إلى ربكم مرجعكم} خطاب للمشركين وكذلك الضّميران في قوله: {بما كنتم فيه تختلفون} والمعنى: بما كنتم فيه تختلفون مع المسلمين، لأنّ الاختلاف واقع بينهم وبين المسلمين، وليس بين المشركين في أنفسهم اختلاف. فأدمج الوعيد بالوعيد. وقد جعلوا هذه الجملة مع التي قبلها آية واحدة في المصاحف. ويحتمل أن يكون المقول قد انتهى عند قوله: {وزر أخرى} فيكون قوله: {ثم إلى ربكم مرجعكم} استئناف كلام من الله تعالى خطاباً للنّبيء صلى الله عليه وسلم وللمعاندين له. و(ثُمّ) صالحة للاستئناف لأنّ الإستئناف ملائم للتّرتيب الرّتبي، والكلام وعيد ووعد أيضاً. ولا ينافي ذلك أن تكون مع التي قبلها آية واحدة. والتّنبئة: الإخبار، والمراد بها إظهار آثار الإيمان والكفر واضحة يوم الحساب، فيعلموا أنَّهم كانوا ضالّين، فشبّه ذلك العلم بأنّ الله أخبرهم بذلك يومئذ وإلاّ فإنّ الله نبأهم بما اختلفوا فيه من زمَن الحياة الدّنيا، أو المراد ينبّئكم مباشرة بدون واسطة الرّسل إنباء لا يستطيع الكافر أن يقول: هذا كذب على الله، كما ورد في حديث الحَشر: « حديث : فيُسمعهم الدّاعي ليس بينهم وبين الله حِجاب ».

د. أسعد حومد

تفسير : (164) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ فِي عِبَادِةِ اللهِ غَيْرَهُ: أَأَطْلُبُ رَبّاً سِوَى اللهِ أُشْرِكُهُ مَعَهُ فِي عِبَادَتِي لَهُ؟ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيءٍ، خَلَقَنِي وَحَفِظَنِي وَدَبَّرَ أَمْرِي، فَأَنَا لاَ أَعْبُدُ إِلاّ إِيَّاهُ، وَلا أُنيبُ وَلا أُخْلِصُ إِلاّ إِلَيهِ. وَاللهُ تَعَالَى يُجَازِي كُلَّ نَفْسٍ يَوْمَ القِيَامَةِ، عَلَى مَا فَعَلَتْهُ وَكَسَبَتْهُ فِي الدُّنْيا، إِنْ خَيْراً فَخَيْراً، وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً، وَلاَ يَحْمِلُ أَحَدٌ مِنْ خَطِيئَةِ أَحَدٍ شَيْئاً، وَهذا مِنْ عَدْلِ اللهِ تَعَالَى. ثُمَّ تَرْجِعُونَ إِلَى اللهِ فَيُخْبِرُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ أَدْيَانِكُمْ المُخْتَلِفَةِ، وَيَتَولَّى جَزَاءَكُم عَلَيهِ وَحْدَهُ. إِلاَّ عَلَيها - إِلاَّ ذَنْباً مَحْمُولاً عَلَيْهَا عَقَابُهُ. لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ - لاَ تَحْمِلُ نَفْسٌ آثِمَةٌ إِثْمَ غَيْرِها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى الرب هو الذي تولى التربية، وله السيادة، وكل شيء في الوجود مربوب لله، فكيف أخذ شيئا من الأشياء التي هو ربها ليكون شريكا له؟!! إن ذلك لا يصح أبدآ. {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً...} وهذا إنكار يأتي في صورة استفهام من كل سامع. وكأن الحق يقول لكل منا: أعرض هذا على ذهنك عرضاً غير متحيّز، وأنا سأئتمنك على الجواب. ولا تقال ذلك إلا وقد تأكد أن الجواب يكون: لا، فلو كان الجواب يحتمل هذه أو تلك لما آمنك على الجواب. وكأنه يقول: إن أي عاقل يجيب على هذا السؤال سيوافقني في أنه لا ينبغي أن يتخذ غير الله ربًّا. {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا...} [الأنعام: 164] و"أبغى" أي أطلب، و "تكسب" مأخوذة من مادة "كسب" و"اكتسب"، و"كسب" دائماً تأتي في الخير- كما علمنا من قبل-، و"اكتسب" تأتي في الشر. لكنْ هناك أناس يعتادون على فعل السيئات ولم تعد تكلفهم شيئاً، فكأنها لسهولة ذلك عليهم تعتبر كسباً. ومن الحمق أن تقول هذا كسب، وهو عليك وليس لك؛ لأنك حين تنظر إلى التسمية نفسها تفهم أنها ليست رصيداً لك بل عليك. {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ...} [الأنعام: 164] والوزر هو الحمل الشاق، وإن اشتق منه شيء فإن المشقة والصعوبة تلازمه؛ ككلمة "وزير"، والحق هو القائل: {أية : وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي} تفسير : [طه: 29-31] كأن موسى عليه السلام عرف أن حمل الرسالة إلى اليهود عملية شاقة فقال لله: أعطني أخي يساعدني في هذه المشقة. والحق هو القائل: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1-3] وكان النبي عليه الصلاة والسلام في أول استقباله للوحي قد عانى من وقع هذه العملية وكان أمرها شاقاً عليه؛ لأن المسألة تقتضي التقاءات مَلَكية ببشرية، ولابد أن يحدث تفاعل، وهذا التفاعل الذي كان يظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحمر وجهه، ويتصبب منه العرق، وبعد ذلك يقول: زملوني زملوني ودثروني، وإن كان قاعداً وركبته على ركبة أحد بجانبه فيشعر جاره بالثقل، وإن كان على دابة تئط وتئن تعباً، لأن التقاء الوحي برسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى أمرين: إما أن يتحول الوحي وهو حامل الرسالة إلى بشرية مماثلة لبشرية الرسول، وإما أن الرسول ينتقل إلى ملائكية تتناسب مع استقباله للملك. وهكذا كان التقاؤه بالملكية يتطلب انفعالاً وتفاعلاً. لكن لما أنس صلى الله عليه وسلم بالوحي عرف حلاوة استقباله نسي المتاعب، ولذلك عندما فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتاق إليه. وكان الوحي من قبل ذلك يتعبه، ويجهده، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يبقى في نفسه حلاوة ما أوحي به إليه، وتهدأ نفسه وترتاح ويشتاق إلى الوحي، فإذا ما استقبل الوحي بشوق فلن يتذكر المتاعب. {...وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام: 164] إذن مادة الوزر هي الثقل بمشقة، أي لا يحمل إنسان مشقة ثقيلة عن آخر؛ فالمسئولية لا تتعدى إلا إذا تعدى الفعل، وعرفنا من قبل الفارق بين من ضل في ذاته، ومن أضل غيره ليحمل أوزاره مع أوزارهم لتعديه بإضلالهم. وسنعود جميعاً إلى ربنا لينبئنا بما كنا فيه نختلف. ويقول جل وعلا بعد ذلك: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن بقيته صلى الله عليه وسلم: إنه هو الله غير خلقته بقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164] الإشارة فيها: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان غاية منتهاه، ونهاية قصده الله رب العالمين، حتى قال الله عز وجل: {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164]، أي: كيف أطلب غير الله وهو حبيبي، والمحب لا يطلب إلا الحبيب، وكل شيء طلب دونه فهو رب ذلك الشيء ومالكه، فإذا كان هو لي يكون ما له لي، وإن قبلت غيره لم أجده، وكل خير وجدته [غيره] يكون عليَّ، كما قال تعالى: {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} [الأنعام: 164]، يعني: إن النفس إنما تكسب بأمر هواها، {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف: 53]، ولهذا كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك ". تفسير : واعلم أن النفس مأمورة بالسَّير إلى الله بقدم العبودية والأعمال الصالحات بقوله: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 27-28]، وإن اطمئنانها بالطبع إلى الدنيا وزخارفها مخالف لأمر الله تعالى وهو وزرها وسيرها إلى الدَّركات السفلى، فلا يمكن لغيرها أن يحمل قدرها، وإنَّ القلب إذا كان سليماً من كدورات صفات النفس باقياً على ما جبل عليه من حب الله تعالى وطلبه مزيناً بنور الإيمان وحبه لا يؤخذ بمعاملة النفس وزرها، كما قال تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام: 164]، والنفس مأخوذة بوزرها معاً معاقبة بما هي أهله ولا يتألم القلب بعذابها، وإن كان القلب منقلب الحال وأزاغه الحق تعالى بإصبع القهر إلى محاذاة النفس فينطبع مرآة القلب بصفات النفس وأخلاقها، فيتبع النفس وهواها فيزول بطبع الشهوات ولذاتها، ويكسب الإثم والوزر بترك ما هو مأمور به من؛ الطهارة والصفاء والسلامة والذكر والفكر والتوحيد لله تعالى والإيمان به والتوكل عليه والصدق والإخلاص في القلب والعبودية، وغير ذلك من أعمال القلب فيكون مأخوذاً بوزره لا بوزر غيره، كما قال تعالى: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [المطففين: 14]. ثم عرَّف الله تعالى نفسه الخلق بتعريفهم أنفسهم فقال: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ} [الأنعام: 165]، أي: جعل واحد من بني آدم ابن وقته وخليفة ربه في الأرض، وسر خلافته؛ أن صوره على صورة صفات نفسه حياً قيوماً سميعاً بصيراً عالماً قادراً مريداً متكلماً، {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الأنعام: 165]، في الخلافة واستعدادها، {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ} [الأنعام: 165]، من صفاته واستعداد الخلافة؛ ليظهر من تخلق بأخلاقه منكم القائم به وبأوامره في العباد والبلاد، ومن الذي رجع قهري إلى صفات البهائم والأنعام وأبطل الاستعداد للخلافة فيكون من زمرة أولئك، {أية : كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً}تفسير : [الفرقان: 44]. {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} [الأنعام: 165]، يعني: مربيك يا محمد الذي بلغك أقصى مراتب الخلافة سريع العقاب لمبطلي استعداد الخلافة ومضيعي صفات الحق بتبديلها بصفات الحيوانات، بأن، {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ}تفسير : [البقرة: 7]، وجعلهم، {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}تفسير : [البقرة: 18]، إلى مكان من الغيب الذين خرجوا منه، وهم محبوسون في سجن أسفل سافلين وفي حبس، {أية : كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ ٱلْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}تفسير : [المطففين: 7]. {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ} [الأنعام: 165]، لمن تاب عن متابعة النفس والهوى ومخالفة الحق والهدى وآمن وعمل صالحاً للخلافة، {رَّحِيمٌ} [الأنعام: 165]، بمن رحمه ووفقه لمرضاته ويرفع درجاته.