٦ - ٱلْأَنْعَام
6 - Al-An'am (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
165
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في قوله: {جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأَرْضِ } وجوهاً: أحدها: جعلهم خلائف الأرض لأن محمداً عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين، فخلفت أمته سائر الأمم. وثانيها: جعلهم يخلف بعضهم بعضاً. وثالثها: أنهم خلفاء الله في أرضه يملكونها ويتصرفون فيها. ثم قال: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ } في الشرف والعقل، والمال، والجاه، والرزق، وإظهار هذا التفاوت ليس لأجل العجز والجهل والبخل، فإنه تعالى متعال عن هذه الصفات، وإنما هو لأجل الابتلاء والامتحان وهو المراد من قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا أتَـٰكُمُ } وقد ذكرنا أن حقيقة الابتلاء والامتحان على الله محال، إلا أن المراد هو التكليف وهو عمل لو صدر من الواحد منا لكان ذلك شبيهاً بالابتلاء والامتحان، فسمى لهذا الاسم لأجل هذه المشابهة، ثم إن هذا المكلف إما أن يكون مقصراً فيما كلف به، وإما أن يكون موفراً فيه، فإن كان الأول كان نصيبه من التخويف والترهيب، وهو قوله: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ } ووصف العقاب بالسرعة، لأن ما هو آت قريب، وإن كان الثاني، وهو أن يكون موفراً في تلك الطاعات كان نصيبه من التشريف والترغيب هو قوله: {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي يغفر الذنوب ويستر العيوب في الدنيا بستر فضله وكرمه ورحمته، وفي الآخرة بأن يفيض عليه أنواع نعمه، وهذا الكلام بلغ في شرح الأعذار والإنذار والترغيب والترهيب إلى حيث لا يمكن الزيادة عليه، وهذا آخر الكلام في تفسير سورة الأنعام، والحمد لله الملك العلام.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ} «خلائف» جمع خليفة، ككرائم جمع كريمة. وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة. أي جعلكم خَلَفاً للأمم الماضية والقرون السالفة. قال الشمّاخ:شعر : تصيبُهُم وتخطِئني المنايا وأخلُف في رُبوع عن رُبوعِ تفسير : {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} في الخلق والرزق والقوّة والبَسْطة والفضل والعلم. {دَرَجَاتٍ} نصب بإسقاط الخافض، أي إلى درجات. {لِّيَبْلُوَكُمْ} نصب بلام كَيْ. والابتلاء الاختبار؛ أي ليظهر منكم ما يكون غايته الثواب والعقاب. ولم يزل بعلمه غنِيًّا؛ فٱبتلى الموسِر بالغنى وطلب منه الشكر، وٱبتلى المعسر بالفقر وطلب منه الصبر. ويقال: «ليبلوكم» أي بعضكم ببعض. كما قال: {أية : وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} تفسير : [الفرقان: 20] على ما يأتي بيانه. ثم خوّفهم فقال: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} لمن عصاه. {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن أطاعه. وقال: «سَرِيعُ الْعِقَابِ» مع وصفه سبحانه بالإمهال، ومع أنّ عقاب النار في الآخرة؛ لأن كل آت قريب؛ فهو سريع على هذا. كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ}تفسير : [النحل: 77]. وقال: {أية : يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً}تفسير : [المعارج: 6 و7]. ويكون أيضاً سريع العقاب لمن استحقه في دار الدنيا؛ فيكون تحذيراً لمُواقِع الخطيئة على هذه الجهة. والله أعلم. تمت سورة الأنعام بحمد الله تعالى وصلواته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
البيضاوي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأَرْضِ} يخلف بعضكم بعضاً، أو خلفاء الله في أرضه تتصرفون فيها على أن الخطاب عام، أو خلفاء الأمم السالفة على أن الخطاب للمؤمنين. {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ} في الشرف والغنى. {لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتَـٰكُمُ} من الجاه والمال. {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} لأن ما هو آت قريب أو لأنه يسرع إذا أراده. {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } وصف العقاب ولم يضفه إلى نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة تنبيهاً على أنه تعالى غفور بالذات معاقب بالعرض كثير الرحمة مبالغ فيها كثير العقوبة مسامح فيها. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنزلت عليَّ سورة الأنعام جملة واحدة، يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فمن قرأ الأنعام صلى عليه واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يوماً وليلة».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأَرْضِ} أي: جعلكم تعمرونها جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن، وخلفاً بعد سلف. قاله ابن زيد وغيره؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَـٰئِكَةً فِى ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ } تفسير : [الزخرف: 60] وكقوله تعالى: {أية : حُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [النمل: 62] وقوله: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة: 3] وقوله: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 129] وقوله: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ} أي: فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوىء، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك؛ كقوله تعالى: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} تفسير : [الزخرف: 32] وقوله: {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء: 21]. وقوله تعالى: {لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَـٰكُم} أي: ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به؛ ليختبر الغني في غناه، ويسأله عن شكره، والفقير في فقره، ويسأله عن صبره. وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء»تفسير : . وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} ترهيب وترغيب أن حسابه وعقابه سريع؛ فيمن عصاه وخالف رسله، {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن والاه، واتبع رسله فيما جاؤوا به من خبر وطلب. وقال محمد بن إسحاق: ليرحم العباد على ما فيهم، رواه ابن أبي حاتم، وكثيراً ما يقرن الله تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين؛ كقوله: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تفسير : [الرعد: 6] وقوله: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ } تفسير : [الحجر: 49-50] إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهما؛ لينجع في كل بحسبه، جعلنا الله ممن أطاعوا فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب سميع الدعاء جواد كريم وهاب. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زهير عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط أحد من الجنة، خلق الله مائة رحمة، فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها، وعند الله تسعة وتسعون» تفسير : ورواه الترمذي عن قتيبة عن عبد العزيز الدراوردي عن العلاء به، وقال: حسن، ورواه مسلم، عن يحيى بن يحيى وقتيبة وعلي بن حجر، ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، وعنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما خلق الله الخلق، كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي» تفسير : وعنه أيضاً قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» تفسير : رواه مسلم - آخر تفسير سورة الأنعام، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَٰئِفَ ٱلأَرْضِ } جمع خليفة: أي يخلف بعضكم بعضاً فيها {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَٰتٍ } بالمال والجاه وغير ذلك {لِيَبْلُوَكُمْ } ليختبركم {فِي مَآ ءَاتَٰكُمْ } أعطاكم إياه ليظهر المطيع منكم والعاصي {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ } لمن عصاه {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ } للمؤمنين {رَّحِيمٌ } بهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلآئِفَ الأَرْضِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه جعلهم خلفاً من الجان سكاناً للأرض، قاله ابن عباس. والثاني: أن أهل كل عصر يخلف أهل العصر الذي قبله، كلما مضى أهل عصر خلفه أهل عصر بعده على انتظام، حتى تقوم الساعة على العصر الأخير فلا يخلق عصر، فصارت هذه الأمة خلفاً للأمم الماضية. والثالث: جعل بعضهم خليفة لبعض ليتآلفوا بالتعاون. والرابع: لأنهم آخر الأمم وكانوا خلفاً لمن تقدمهم، قال الشماخ: شعر : تصيبكم وتخطئني المنايا وأخلق في ربوع عن ربوع تفسير : {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} يعني ما خالف بينهم في الغنى بالمال وشرف الآباء وقوة الأجسام، وهذا، وإن ابتدأه تفضلاً من غير جزاء ولا استحقاق، لحكمة منه تضمنت ترغيباً في الأعلى وترهيباً من الأدنى، لتدم له الرغبة والرهبة. وقد نبه على ذلك بقوله: {لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءَاتَاكُمْ} يعني من الغنى والقوة وفيه وجهان: أحدهما: ليختبركم بالاعتراف. {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ} فإن قيل: فكيف جعله سريعاً وهو في الآخرة؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن كل آت قريب، كقوله: {أية : وَمَا أَمْرُ الْسَّاعِةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} تفسير : [النحل: 77]. والثاني: إن ربك سريع العقاب في الدنيا لمن استحق منه تعجيل العقاب فيها. والثالث: أنه إذا شاء عاقب، فصار عقابه سريعاً لأنه يقترن بمشيئته، وهذ قول ابن بحر. {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} جمعاً منه بين ما يقتضي الرهبة من سرعة العقاب وبين ما يقتضي الرغبة من الغفران والرحمة، لأن الجمع بين الرغبة والرهبة أبلغ في الانقياد إلى الطاعة والإقلاع عن المعصية، والله عز وجل أعلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {خَلآئِفَ الأَرْضِ} أهل كل عصر يخلفون من تقدمهم {وَرَفعَ بَعْضَكُمْ} بالغنى والشرف في النسب وقوّة الأجساد. {سَرِيعُ الْعِقَابِ} كل آتٍ قريب، أو لمن استحقّ تعجيل العقاب في الدنيا.
ابن عادل
تفسير : فيه وُجُوه: أحدها: أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النَّبِيِّين، فَخَلَفَتْ أمَّتْه سَائِرَ الأمَم، والخلائف: جَمْع خليفة؛ كالوَصَائف جَمْع وَصِيفَة، وكُلُّ من جَاءَ تبعاً له، فهو خَلِيفةَ؛ لأنه يَخْلُفُه، أي: أهْلَك القُرُون المَاضِيَة، وجَعَلَكُم يا مُحمَّد صلى الله عليه وسلم خُلَفَاء مِنْهُم، تَخْلُفونهم في الأرْضِ وتَعْمرُونها بعدهم. وثانيها: جعلهُم يَخلُف بعضُهم بعضاً. وثالثها: أنَّهُم خُلَفَاء اللَّه في أرْضِه، يَمْلِكُونها ويتَصَّرفُون فيها. قوله: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ}: في الشَّرف، والعَقْل والمال، والجاه، والرِّزْقِ، {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ} ليختبركُمْ فيما رَزَقَكُم، يَعْنِي: يَبْتَلِي الغَنِيَّ، والفَقِيرَ، والشَّريف، والوَضِيعَ، والحُر، والعَبْدَ، ليُظْهِر مِنْكُم ما يكُون عليه الثَّواب والعِقَاب، ثمَّ قال - تعالى -: {أية : إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} تفسير : [الأعراف:167] لأنَّ ما هُو آتٍ هو سريعٌ قريب. وقيل: هو الهلاك في الدنيا {وإنَّه لغَفُورٌ رَحِيمٌ}. قال عطاء: سَريع العقاب لأعْدَائه، غَفُور رحيمٌ لأوْلِيائه رحيم بهم، وأكد قوله: "لَغَفُورٌ" [باللام] دلالَة على سِعَة رَحْمَتِه، ولمْ يؤكد سُرْعة العِقَاب بذلك هُنَا، وإن كان قد أكَّد ذلك في سُورَة الأعْراف؛ لأنَّ هناك المقام مقام تَخْويفٍ وتهديد، وبعد ذِكْر قصَّة المُعْتَدين في السَّبْت وغيره، فَنَاسب تَأكِيد العِقَاب هُنَاك, وأتى بِصِيغَتَي الغُفْرَان والرَّحْمة، لا بصيغَةٍ واحِدَة؛ دلالة على حِلْمِه، وسِعَة مغفرته، ورَحْمَتِه. روى جابر بْن عبد الله - رضي الله عنه - عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: حديث : مَنْ قَرأ ثلاث آيات في أوَّل سُورة الأنعام إلى قوله: {وَيْعَلَم ما تَكْسِبون} وكل اللَّه به أرْبَعين ألْف ملكٍ، يَكْتُبُون لَهُ مِثْل أعمالهم إلى يوم القيامة، ويَنْزِلُ ملكٌ من السَّماء السَّابِعَة، ومعهُ مَرْزبة من حَديد، فإن أرادَ الشَّيْطان أن يُوسوسَ أو يُوحِي إلى قَلْبه، ضربه بها ضرباً، فكان بَيْنَه وبَيْنَه سبْعُون حِجَاباً، فإذا كان يَوْم القيامة يَقُول الرَّبُّ - سبحانه وتعالى - امْش في ظِلِّي، وكُل من ثِمَار جَنَّتي، واشرب من مَاءِ الكَوْثَرِ، واغْتَسِل من مَاء السَّلْسَبيل، وأنْتَ عَبْدِي وأنَا ربُّك .
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} قال: أهلك القرون واستخلفنا فيها من بعدهم {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} قال: في الرزق . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله {جعلكم خلائف الأرض} قال: يستخلف في الأرض قوماً بعد قوم وقوماً بعد قوم . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} يعني في الفضل والغنى {ليبلوكم فيما آتاكم} يقول ليبتليكم فيما أعطاكم، ليبلوا الغني والفقير، والشريف والوضيع، والحر والعبد.
ابو السعود
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأَرْضِ} حيث خلفتم الأممَ السالفة أو يخلُف بعضُكم بعضاً أو جعلكم خلفاءَ الله تعالى في أرضه تتصرفون فيها على أن الخطابَ عام {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ} في الشرف والغنى {فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ} كثيرةٍ متفاوتة {لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتَـٰكُمُ} من المال والجاهِ أي ليعامِلَكم معاملةَ من يبتليكم لينظُرَ ماذا تعملون من الشكر وضدَّه {إِنَّ رَبَّكَ} تجريدُ الخطابِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع إضافة اسم الربِّ إلى ضميره عليه الصلاة والسلام لإبراز مزيدِ اللطفِ به عليه السلام {سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} أي عقابُه سريعُ الإتيان لمن لم يُراعِ حقوقَ ما آتاه الله تعالى ولم يشكُرْه لأن كلَّ آتٍ قريبٌ أو سريعُ التمامِ عند إرادتِه لتعاليه عن استعمال المبادي والآلات {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن راعاها كما ينبغي وفي جعل خبرِ هذه الجملةِ من الصفات الذاتيةِ الواردةِ على بناء المبالغةِ مؤكداً باللام مع جعل خبرِ الأولى صفةً جاريةً على غير مَنْ هي له من التنبـيه على أنه تعالى غفور رحيم بالذات مبالغٌ فيهما فاعلٌ للعقوبة بالعَرَض مسامحٌ فيها ما لا يخفي والله أعلم. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنزلت عليَّ سورةُ الأنعام جملةً واحدةً يشيِّعها سبعونَ ألفَ ملكٍ لهم زَجَلٌ بالتسبـيح والتحميد فمن قرأ الأنعامَ صلى عليه واستغفر له أولئك السبعونَ ألفَ ملك بعد كل آية من سورة الأنعام يوماً وليلة»تفسير : والله تعالى أعلم.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}[165] قال: يعني عقوبة القلب وهو الستر والحجاب، حتى يميل إلى من سواه، وما من عبد يطلع الله على قلبه فيرى في قلبه غيره إلاَّ سلط عليه عدوه، وإنه لغفور لمن تاب منه. قال: ولا يقال لشيء من المضار عقوبة، فإنها طهارة وكفّارة، إلاَّ قسوة القلب فإنها عقوبة، وعقوبات العلانية العذاب، وعقوبات القلب درجات، فالقلب للنفس فيه حظ ومراد.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الآية: 165]. قال بعضهم: يخلف الولى وليًا والصديق صديقًا، ويرفع درجات البعض على البعض، ودرجات البعض بالبعض لئلا تخلو الأرض من حجة الله وأمانه. وقال بعضهم: ورفع بعضكم فوق بعض درجات، ليقتدى الأدنى بالأعلى، ويتبع المريد درجة المراد ليصل إليه.
القشيري
تفسير : صير التوبة إليكم، وقَصَرَ حكم عصركم عليكم، فأنتم المقصودون اليوم دون من هو سواكم. ثم إنه جعلكم أصنافاً، وخلقكم أخْيافاً فمنْ مُسَخَّرٍ له، مُرَفَّهٍ، مُرَوَّحٍ، يتعب لأَجْله كثيرٌ. ومن مُعَنَّيّ، وذي مشقةٍ أُدِير عليه رأسهُ. وجاء البلاءُ ليختبركم فيما آتاكم، ويمتحنكم فيما أعطاكم. إنَّ حسابه لكم لاحِقٌ، وحكمه فيكم سابق. والله أعلم.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ} اى جعلتكم خزائن جودى من المعرفة والمحبة والولاية خلفاء العالم بعد مضى دهر الدهار وتقلب الفلك الداوار والقرون الماضية ممن قسم له الرسالة والنبوة والملك الشرف وما كان لهم فى السبق السباق واول الاول يكون لكم يا خلفاء الانبياء والصديقين هو الذى جعلكم خلفاءه فى ارضه كأدم ونوح وابراهيم وموسى وزاد شرفكم بشرف نبيكم على الجمهور قال عليه السلام نحن الأخرون السابقون وبين تعالى هذه الأية النجباء والاولياء والاصفياء والاتقياء والاخيرا والاوتاد والخلفاء يختلف بعضهم بعضا كما وصف عليه السلام الابدال والاولياء فى حديث مروى بقوله اذا مات واحد منهم ابدل الله مكانه واحدا وصرح بخطابه ان درجاتهم متفاوته بقوله {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} لافتداء العبض بالبعض وبقية امانته وامانة وحجته وبرهانه فى العالمين درجة بعضهم المعاملات ودرجة بعضهم الحالات ودرجة بعضهم المقامات ودرجة بعضهم المكاشفات ودرجة بعضهم المشاهدات ودرجة بعضهم الفراسات ودرجة بعضهم الكرامات ودرجة بعهضم المواجيد والواردات ودرجة بعضهم الحكميات ودرجة بعضهم الدنيات ودرجة بعضهم المعرفة ودرجة بعضهم التوحيد ودرجة بعضهم التلوين ودرجة بعضهم التمكين ودرجة بعضهم اليقين ودرجة بعضهم الفناء ودرجة بعضهم البقاء ودرجة بعضهم الحيرة ودرجة بعضهم الوله والغيبة ودرجة بعضهم السكر ودرجة بعضهم الصحو ودرجة بعضهم الاتصاف ودرجة بعضهم الاتحاد ودرجة بعضهم الربوبية ودرجة بعضهم المعبودية وعلم العام وعلم الخاص وعلم العلم ومعرفة العلم والسر ومعرفة السر والخير ومعرفة الخير والعلم المجهول وما فوق ذلك الا رسوم من رسم وطرق منطمسة لان هناك ظهور ركنه القدم ولا يبقى مع القدم الا القدم ابتلاهم بهذه المقامات لفناء علة الحدث فى القدم ومن خرج بنعوت الربوبية منها ويدعى بها يضرب ويصلب ويقتل ويحرق كما فعل بحسين بن منصور قدس الله روحه ومن خرج منها بنعت العبودية وبقى بنعت الاستقامة كالنبى صلى الله عليه وأله وسلم حيث قال انا العبد لا اله الا الله عصم من فوزة السكر وغفر له خطارتها فى اثناء الطريق وهو قوله تعالى {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} قال بعضهم مخلف الولى ولى والصديق صديق ويرفع جرجات البعض على ودرجات البعض بالبعض لئلا تخلوا الارض من حجة الله وامان قال بعضهم رفع بعضهم فوق بعض درجات ليقتدى الادنى بالاعلى ويبتع المزيد درجة المراد ليصل اليه والله اعلم.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو} اى الله تعالى {الذى جعلكم} ايها الناس {خلائف الارض} من بعد بنى الجان او خلائف الامم السابقة البشرية او خلفاء الله فى ارضه تنصرفون فيها. والخلائف جمع الخليفة كالوصائف جمع الوصيفة وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفته لانه يخلفه. قال فى التأويلات النجيمة هو جعل كل واحد من بنى آدم آدم وقته وخليفة ربه فى الارض وسر الخلافة انه صوره على صورة صفات نفسه حيا قيوما سميعا بصيرا عالما قادرا متكلما مريدا شعر : آدمى جيست بررخ جامع صورت خلق وحق درو واقع متصل بادقائق جبروت مشتمل برحقائق ملكوت تفسير : {ورفع بعضكم} فى الشرف والغنى {فوق بعض} الى {درجات} كثيرة متفاوتة {ليبلوكم فيما آتاكم} من المال والجاه اى ليعاملكم معاملة من يبتليكم ويمتحنكم لينظر ماذا تعملون من الشكر وضده ـ حكى ـ ان جنيدا كان يلعب مع الصبيان فى صباوته فمر به السرى السقطى فقال ما تقول فى حق الشكر يا غلام قال الشكر ان لا تستعين بنعمه على معاصيه {ان ربك} يا محمد {سريع العقاب} اى عقابه سريع الاتيان لمن لم يراع حقوق ما آتاه الله ولم يشكره وانما قال سريع العقاب مع انه موصوف بالحلم والامهال لان كل ما هو آت قريب: قال الحافظ شعر : بمهلتى كه سبهرت دهد زراه مرو تراكه كفت كه اين زال ترك دستان كرد تفسير : {وانه لغفور رحيم} لمن راعاها كما ينبغى وفى الحديث "حديث : يؤتى بالرجل يوم القيامة وقد جمع مالا من حرام وانفقه فى حرام فيقال اذهبوا به الى النار ويؤتى بالرجل قد جمع مالا من حلال وانفقه فى حلال فيقال له قف لعلك فرطت فى هذا فى شئ مما فرض عليك من صلاة لم تصلها لوقتها او فرطت فى ركوعها وسجودها ووضوئها فيقول لا يارب كسبت من حلال وانفقت فى حلال ولم اضيع شيئاً مما فرضت فيقال لعلك اختلت فى هذا المال فى شئ من مركب او ثوب باهيت به فقال لا يا رب لم اختل ولم اباه فى شئ فيقال لعلك منعت حق احد امرتك ان تعطيه من ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فيقول لا يارب كسبت من حلال وانفقت فى حلال ولم اضيع شيئاً مما فرضت علىّ ولم اختل ولم ا باه ولم اضيع حق احد امرتنى ان اعطيه قال فجيئ باولئك فيخاصمونه فيقولون يا رب اعطيته وجعلته بين اظهرنا وامرته ان يعطينا فانه اعطانا وما ضيع شيئاً من الفرائض ولم يختل فى شئ فيقال قف الآن هات شكر نعمة انعمتها عليك فى اكلة او شربة او لذة فلا يزال يسأل " . تفسير : واعلم ان الله تعالى كما اعطى المال والجاه ليتميز من هو على الشكر ومن هو على الكفران كذلك اعطى الحال اى استعداد الخلافه ليظهر من المتخلق باخلاق الله القائم باوامره فى العباد والبلاد ومن الذى رجع القهقرى الى صفات البهائم والانعام فمن اضاع صفات الحق بتبديلها بصفات الحيوانات عوقب بالختم على قلبه وسمعه وبصره فهو لا يرجع الى مكان الغيب الذى خرج منه بل حبس فى اسفل سافلين الطبيعة ومن تاب عن متابعة النفس والهوى ومخالفة الحق والهدى وآمن وعمل عملا صالحا للخلافة فقد اهتدى ولم يرجع القهقرى ـ حكى ـ عن ابراهيم بن ادهم انه حج الى بيت الله الحرام فبينما هو فى الطواف اذ بشاب حسن الوجه قد اعجب الناس حسنه وجماله فصار ابراهيم ينظر اليه ويبكى فقال بعض اصحابه انا لله وانا اليه راجعون غفلة دخلت على الشيخ بلا شك ثم قال يا سيدى ما هذا النظر الذى يخالطه البكاء فقال له ابراهيم يا اخى انى عقدت مع الله تعالى عقدا لا اقدر على فسخه والا كنت ادنى هذا الفتى واسلم عليه فانه ولدى وقرة عينى تركته صغيرا وخرجت فارا الى الله تعالى وها هو قد كبر كما ترى وانى لاستحيى من الله سبحانه ان اعود لشئ خرجت عنه قال ثم قال لى امض وسلم عليه لعلى اتسلى بسلامك عليه وابرد نارا على كبدى قال فاتيت الفتى فقلت له بارك الله لأبيك فيك فقال يا عم واين ابى ان ابى خرج فارا الى الله تعالى ليتنى اراه ولو مرة واحدة وتخرج نفسى عند ذلك هيهات وخنقته العبرة وقال والله اود انى رأيته واموت فى مكانى قال ثم رجعت الى ابراهيم وهو ساجد فى المقام وقد بل الحصى بدموعه وهو يتضرع الى الله تعالى ويقول شعر : هجرت الخلق طرا فى هواك وايتمت العيال لكى اراك فلو قطعتنى فى الحب اربا لما سكن الفؤاد الى سواك تفسير : قال فقلت له ادع له فقال حجبه الله عن معاصيه واعانه على ما يرضيه انتهى فانظر الى حال من ترك السلطنة واختار الفقر والقناعة وانت تؤثر الغنى والمقال على الفقر والحال وفى الحديث "حديث : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا " .تفسير : اى قدر ما يمسك الرمق وقيل القوت هو الكفاية من غير اسراف وفيه بيان ان الكفاف افضل من الغنى لان النبى عليه السلام انما يدعو لنفسه بافضل الاحوال: قال الحافظ شعر : درين بازار كر سوديست يادورويش خرسندست الهى منعمم كردان بدرويشى وخرسندى تفسير : جعلنا الله واياكم من المقتفين لآثار سنة سيد المرسلين وحقق آمالنا من الوصول الى مقام التوكل واليقين انه لا يخيب رجاء سائله وداعيه ولا يقطع اجر عبده فى كل مساعيه.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} أي: يخلف بعضكم بعضًا، أو خلفاء الله في أرضه؛ تتصرفون فيها بإذنه، على أن الخطاب عام، أو خلفاء الأمم السابقة، على أن الخطاب للمسلمين، {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} في الشرف والغناء والقوة والجاه، وفي العلوم والأعمال والأحوال والإخلاص والمعارف، وغير ذلك مما يقع به التفاضل بين العباد، {ليبلوكم فيما آتاكم} أي: ليختبر شكركم على ما أعطاكم، وأعمالَكم فيما مكنكم فيه من الخلافة. {إن ربك سريع العقاب} لمن كفر نعمه، إما في الدنيا لمن عجل أخذه؛ لأن كل آت قريب، {وإنه لغفور رحيم} لمن شكر نعمه وآمن وعمل بطاعته، جمع بين التخويف والترجيه ليكون العبد بينهما. وبالله التوفيق. الإشارة: من شرف هذا الآدمي أن جعله خليفة عنه، في ملكه، يتصرف فيه بنيابته عنه، ثم إن هذا التصرف يتفاوت على قدر الهمم، فبقدر ما ترتفع الهمة عن هذا العالم يقع للروح التصرف في هذا الوجود، فالعوام إنما يتصرفون فيما ملَّكهم الله من الأملاك الحسية. والخواص يتصرفون بالهمة في الوجود بأسره، وخواص الخواص يتصرفُون بالله، أمرُهم بأمر الله، إن قالوا لشيء: كن ـ يكون بإذن الله، مع إرادة الله وسابق علمه وقدره، وإلا فالهمم لا تخرق أسوار الأقدار، والحاصل: أن من بقي مع الأكوان شهودًا وافتقارًا، كان محبوسًا معها، ومن كان مع المكون كانت الأكوان معه، يتصرف فيها بإذن الله، خليفة عنه فيها، وهم متفاوتون في ذلك كما تقدم. وقال تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} أي: خلفاء عنه تتصرفون في الوجود بأسره بأرواحكم، وأنتم في الأرض بأشباحكم، {ورفع بعضكم فوق بعض درجات}؛ من أقطاب وأوتاد ونجباء ونقباء وغير ذلك، مما هو مذكور في محله. خرطنا الله في سلكهم ومنحنا ما منحهم، بمنَّه وكرمه، وبسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حبيبه ونبيه. آمين ـ والحمد لله رب العالمين.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى انه الذي جعل الخلق خلائف الارض، ومعناه ان كل اهل عصر يخلفون اهل العصر الذي قبله كلما مضى واحد خلفه آخر على انتظام واتساق وذلك يدل على مدبر أجراه على هذه الصفة قال الشماخ: شعر : تصيبهم وتخطيني المنايا وأخلف في ربوع عن ربوع تفسير : وواحد الخلائف خليفة، مثل صحيفة وصحائف، وسفينة وسفائن، ووصيفة ووصائف، هذا قول الحسن والسدي. وقال قوم: معناه انه جعلهم خلفاء الجانِّ قبل آدم. وقال آخرون معناه والمراد به امة نبينا (صلى الله عليه وسلم) لان الله جعلهم خلفاء سائر الامم. وقوله {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} وجه الحكمة في ذلك مع انه يخلقهم كذلك ابتداء من غير استحقاق بعمل يوجب التفاضل بينهم ما فيه من الالطاف الداعية الى الواجبات والصارفة عن القبائح، لان من كان غنيا في ماله شريفا في نسبه قويا في جسمه ربما دعاه ذلك الى طاعة من يملكها رغبة فيها. والحال في أضدادها ربما كان دعته الى طاعته رهبة منها ومن أمثالها ورجاء أن ينقل عنها الى حال جليلة يغتبط عليها. وقال السدي: رفع بعضهم فوق بعض في الرزق وقوة الاجسام وحسن الصورة، وشرف الانسان. وغير ذلك بحسب ما علم من مصالحهم. وقوله {درجات} يحتمل نصبه ثلاثة أشياء: احدها - ان يقع موقع المصدر كأنه قال رفعة فوق رفعة. الثاني - الى درجات، فحذفت (الى) كما في قولهم: دخلت البيت، وتقديره دخلت الى البيت. الثالث - أن يكون مفعولا من قولك: ارتفع درجة ورفعته درجة مثل اكتسى ثوباً وكسوته ثوباً. وقوله {ليبلوكم فيما آتاكم} معناه فعل بكم ذلك ليجزيكم فيما أعطاكم. والقديم تعالى لا يبتلي خلقه ليعلم ما لم يكن عالما به، لانه تعالى عالم بالاشياء قبل كونها. وانما قال ذلك، لانه يعامل معاملة الذي يبلو، مظاهرة في العدل. وانتفاء من الظلم. وقوله {إن ربك سريع العقاب} انما وصف نفسه بأنه سريع العقاب مع وصفه تعالى بالامهال ومع ان عقابه في الآخرة من حيث كان كل آت قريبا، فهو اذاً سريع، كما قال {أية : وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} تفسير : وقد يكون سريع العقاب بمن استحقه في دار الدنيا، فيكون تحذير الواقع في الخطيئة على هذه الجهة. وقيل معناه انه قادر على تعجيل العقاب، فاحذروا معاجلته. وانما قابل بين العقاب والغفران ولم يقابل بالثواب، لان ذلك ادعى الى الاقلاع عما يوجب العقاب، لانه لو ذكر الثواب لجاز ان يتوهم انه لمن لم يكن فيه عصيان.
الجنابذي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ} عطف على قوله هو ربّ كلّ شيءٍ او حال معمول لواحدةٍ من الجمل السّابقة وتعليل آخر لانكار ابتغاء غيره ربّاً وبيان لكيفيّة ربوبيّته بما فيه غاية الانعام على طريق الحصر، يعنى هو الّذى جعلكم خلائف الارض لا غيره الّذى هو مربوب والمقصود انّه جعلكم خلائفه فى ارض العالم الكبير بان اعطاكم قوّة التّميز والتّصرّف فيها باىّ نحوٍ شئتم واباح لكم التّصرّف فيها، وفى ارض العالم الصّغير بان مكّنكم فيها وجعل لكم فيها كلّ ما جعل لنفسه من الجنود والحشم وسخّرها لكم مثل تسخّرها لنفسه، وهذه هى غاية الانعام حيث خلقكم على مثاله {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ} ايّها المرفوعون {فِي مَآ آتَاكُمْ} من جاهكم ومالكم وقواكم وبسطكم واحتياج غير المرفوعين اليكم كيف تعاملون مع انفسكم ومع الله باداء الشّكر وصرف النّعمة فى وجهها ومع المحتاجين بايصال حقوقهم اليهم، فعلى هذا كان الخطاب للمرفوعين، او يكون الخطاب للمرفوعين وغيرهم جميعاً، فانّ المحتاج مبتلىً بحاجته كما انّ المرفوع مبتلىً بالمحتاج {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} استيناف من الله وخطاب لمحمّدٍ (ص) او خطاب عامّ وجواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما يريد بالابتلاء؟ - فقال: يريد عقوبة المسيء ورحمة المحسن منهم لانّ ربّك سريع العقاب، وتقديم العقاب لقصد ختم السّورة بالرّحمة رحمةً بهم {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} عن الصّادق (ع) انّ سورة الانعام نزلت جملةً واحدةً شيّعها سبعون الف ملك حتّى نزلت على محمّد (ص) فعظّموها وبجّلوها فانّ اسم الله فيها فى سبعين موضعاً، ولو يعلم النّاس ما فى قراءتها ما تركوها وكفى به فضلاً.
اطفيش
تفسير : {وهُو الَّذِى جَعًلكم خَلائفَ الأرْض} الخطاب لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أمة الإجابة، أعنى أمة التوحيد، وإنما يتقبل الله من المتقين، جعلهم الله خلائف فى الخير عن الأمم الماضية، قال الحسن: إن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل" تفسير : ويروى: "حديث : أنتم آخرها وأكرمها على الله عز وجل" تفسير : أو الخطاب لحضور المتقين من هذه الأمة، وقيل: الخطاب للمؤمنين والمشركين الذين فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعده سماهم خلائف، لأنهم آخر الأمم، وعليهم تقوم الساعة، وقيل: الخطاب لمن فى زمانه، بمعنى أنهم خلف من مات قبلهم، وكذلك يموتون ويخلفهم غيرهم. {ورَفَع بعْضَكم فَوقَ بعْضٍ درجاتٍ} بالعلم والورع، والشرف والجاه، والشجاعة والغنى والعز والحسن والقوة، تفاوتوا فى ذلك، وتفاوتوا به وبأضدادها {ليبْلُوكم} يعاملكم معاملة المختبر وهو عالم {فِيما آتاكُم} من تلك الخيرات، هل تشكرون الله عليها وترجمون من دونكم فتربحوا نعم الدارين أولا فتعاقبوا، عافانا الله {إنَّ ربَّك سَريعُ العقابِ} لمن يكفر نعمته، ومعنى سرعة العقاب قربه حتى كأنه حاضر أو أنه إذا أراده لم يتأخر {وإنه لغفُورٌ} للتائبين {رَحيمٌ} لهم بالجنة ولهم ولغيرهم بنعم الدنيا، والآية ترهيب وتودد، قال الشاذلى: من أراد أن لا يضره ذنب قال: رب أعوذ بك من عذابك يوم تبعث عبادك، وأعوذ بك من عاجل العذاب، ومن سوء الحساب، فإنك لسريع الحساب، وإنك لغفور رحيم. ربِّ إنى ظلمت نفسى ظلما كثيراً فاغفر لى، وتب علىَّ، لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين. اللهم ببركة هذه السورة، وبركة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم اخْزى النصارى والمشركين كلهم، وغلِّب المسلمين والموحدين عليهم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ} جمع خليفة، والخليفة إِذا كان لمؤنث يؤنث وإِذا كان لمذكر يذكر ولا يؤنث فتقول: جاءَ الخليفة وهذا الخليفة، ولا تقول جاءَت أَو هذه، وشذ قوله: أََبوك خليفة ولدته أخرى، وظاهر قول بعض إِن منهم من يقول خليفة أُخرى، أَن التأنيث لغة، ومعنى جعلهم خلائف أَنهم يخلفون من قبلهم أَو أَن بعضا يخلف بعضا، أَو جعلكم خلفاءَ لله فى أَرضه فوحدوه واعبدوه ولا تجوروا فىتصرفاتكم فيها، أَو الخطاب للمؤمنين جعلهم خلفاءَ الأُمم السابقة {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} بالمال والجاه والشرف والقوة والحسن والغنى والعلم والجود وكرم الأَخلاق {لِيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ} أَيكم يشكر الخير ويصبر على السوءِ {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ} للعصاة، والسرعة عبارة عن القرب، لأَنها سبب للقرب وملزوم له فى الجملة، وكل ما هو آت قريب أَو سريع التمام إِذا جاءَ لا يؤخر عن وقته {وإِنه لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} بالغ فى الغفران والرحمة بصيغتى المبالغة ولام التأكيد وإِسنادهما إِلى نفسه بخلاف العقاب فلا صيغة مبالغة فيه ولا معه لأَن سريع صفة مشبهة لا صيغة مبالغة، ولا أَسند السرعة إِلى نفسه ولا أَسند العقاب إِلى نفسه، إِذ لم يقل إِنى سريع فى العقاب ولا إِنى معاقب سريعا، وذلك تلويح بأَنه غفور رحيم بالذات وكثير الغفران والرحمة ومعاقب بالعرض قليل العقاب، وذلك ترجيح للمغفرة والرحمة، ومعنى قولنا بالذات بالأَصالة والرجحان وسبق الرحمة للغضب لا ما قيل إِن معنى بالذات أَن غفرانه ورحمته لا يتوقفان على شئ، ومعنى بالعرض أَن العقاب يتوقف على الذنب، لأَنا نقول المغفرة والرحمة تتوقفان على العمل الصالح والتوبة فإِن عدم توقفهما على ذلك مذهب المرجئة ومن اعترف منهم، قال بعض: شعر : أَنا مذنب أَنا مخئ أَنا عاصى هو غافر هو راحم هو عافى قابلتهن ثلاثـــة بثلاثــــــة ولتغلبن أَوصافه أَوصافـــى تفسير : وقال الشافعى: شعر : ولما قسا قلبى وضاقت مذاهبى جعلت الرجا ربى لعفوك سلما تعاظمنى ذنبى فلما قرنتـــــه بعفوك ربى كان عفوك أَعظما تفسير : قال أَبو نواس: شعر : يا رب إِن عظمت ذنوبى كثرة فلقد علمت بأَن عفوك أَعظم إِن كان لا يرجوك إِلا محســــن فمن يلوذ فيستجير المجـــرم تفسير : وفى الأَعراف اللام فى الموضعين لأَن ما فيها بعد "أية : وأَخذنا الذين ظلموا" تفسير : [الأعراف: 165] وبعد "أية : كونوا قردة" تفسير : [الأعراف: 166] فناسب اللام فى سريع لذلك، ولأَنه مقطوع بالعذاب فيها، وهنا فى وعظ لمن يزدجر وبعد قوله: من جاءَ، وقوله: وهو الذى، وكانت اللام فى الثانية فى الأَعراف تبعا للأُولى فيها ولتأكيد الغفران فى الجملة لا فى للمقطوع عليهم بالشر المذكورين قبلها. والله أَعلم ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلى العظيم.
الالوسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأَرْضِ} أي يخلف بعضكم بعضاً كلما مضى قرن جاء قرن حتى تقوم الساعة ولا يكون ذلك إلا من عالم مدبر، وإلى هذا ذهب الحسن، أو جعلكم خلفاء الله تعالى في أرضه تتصرفون / فيها ـ كما قيل ـ والخطاب عليهما عام، وقيل: الخطاب لهذه الأمة، وروي ذلك عن السدي أي جعلكم خلفاء الأمم السالفة {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ } في الفضل والغنى كما روي عن مقاتل {دَرَجَـٰتٍ} كثيرة متفاوتة {لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَـٰكُمُ} أي ليعاملكم معاملة من يبتليكم لينظر ماذا تعملون مما يرضيه وما لا يرضيه. {إِنَّ رَبَّكَ } تجريد الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع إضافة اسم الرب إليه عليه الصلاة والسلام لإبراز مزيد اللطف به صلى الله عليه وسلم {سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} أي عقابه سبحانه الأخروي سريع الإتيان لمن لم يراع حقوق ما آتاه لأن كل آت قريب أو سريع التمام عند إرادته لتعاليه سبحانه عن استعمال المبادىء والآلات. وجوز أن يراد بالعقاب عقاب الدنيا كالذي يعقب التقصير من البعد عن الفطرة وقساوة القلب وغشاوة الأبصار وصم الأسماع ونحو ذلك {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن راعى حقوق ما آتاه الله تعالى كما ينبغي. وفي جعل خبر هذه الجملة هذين الوصفين الواردين على بناء المبالغة مع التأكيد باللام مع جعل خبر الأولى صفة جارية على غير من هي له ما لا يخفى من التنبيه على أنه سبحانه غفور رحيم بالذات لا تتوقف مغفرته ورحمته على شيء كما يشير إليه قوله سبحانه في الحديث القدسي « حديث : سبقت رحمتي غضبـي » تفسير : مبالغ في ذلك فاعل للعقوبة بالعرض وبعد صدور ذنب من العبد يستحق به ذلك، وما ألطف افتتاح هذه السورة بالحمد وختمها بالمغفرة والرحمة نسأل الله تعالى أن يجعل لنا الحظ الأوفر منهما إنه ولي الإنعام وله الحمد في كل ابتداء وختام. ومن باب الإشارة في الآيات: {سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } بالله تعالى وأثبتوا وجوداً غير وجوده {لَوْ شَاءَ ٱللَّهُ} تعالى {مَا أَشْرَكْنَا } به سبحانه شيئاً {وَلاَ } أشرك {آبَاؤُنَا } من قبلنا {وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْء } قالوا ذلك تكذيباً للرسل عليهم السلام {كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } وقالوا مثل قولهم {حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا } الذي حل بهم لتكذيبهم وهو الحجاب {قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } بالبيان { أية : إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ } تفسير : [الأنعام: 148] لأنكم محجوبون في مقام النفس {قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ } أي إن كان الأمر كما قلتم فليس لكم حجة بل لله تعالى الحجة عليكم لأنه تعالى لا يشاء إلا ما يعلمه في الأزل ولا يعلم الشيء إلا على ما هو عليه في نفسه فلو لم تكونوا في أنفسكم مشركين سيئي الاستعداد لما شاء الله تعالى ذلك منكم { أية : فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الأنعام: 149] لكنه لم يشأ إذ ليس في استعدادكم الأزلي ذلك. وتحتمل الآية وجوهاً أخر لعلها غير خفية {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } فإن إثبات موجود غير الله تعالى ظلم عظيم {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ } أي الروح والقلب أحسنوا {إِحْسَـٰناً } برعاية حقوقهما {وَلاَ تَقْتُلُواْ } أي تهلكوا {أَوْلَـٰدَكُمْ } قواكم باستعمالها في غير ما هي له {مّنْ إمْلَـٰقٍ } أي من أجل فقركم من الفيض الأقدس {نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } بأن نفيض عليكم وعليهم ما تتغذون به من المعارف بمقدار إذا توجهتم إلينا {وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوٰحِشَ } الأعمال الشنيعة {مَا ظَهَرَ مِنْهَا } كأفعال الجوارح {وَمَا بَطَنَ } كأفعال القلب {وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ } تعالى قتلها { أية : إِلاَّ بِٱلْحَقّ } تفسير : [الأنعام: 151] أي إلا بسببه بأن تريدوا توجهها إليه أو إلا قتلاً متلبساً به، وهو قتلها إذا مالت إلى السوى {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ } أي ما أعد ليتيم القلب المنقطع عن علائق الدنيا والآخرة من المعارف التي هي وراء طور العقل {إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ} وهي التصديق بذلك إجمالاً وعدم / إنكاره {حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} فيقوى على قبول أنواع التجليات، وحينئذٍ يصح لكم أن تقربوا ما أعد الله تعالى له من هاتيك المعارف لقوة قلوبكم وتقدس أرواحكم. ومن الناس من جعل اليتيم إشارة إلى حضرة الرسالة عليه الصلاة والسلام وهو كما ترى {وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ } أي كيل الشرع بمراعاة الحقوق الظاهرة {وَٱلْمِيزَانَ } أي ميزان الحقيقة بمراعاة الحقوق الباطنة {بِٱلْقِسْطِ} بالعدل {وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ } أي لا تقولوا إلا الحق { أية : وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ } تفسير : [الأنعام: 152] وهو التوحيد {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرٰطِي مُسْتَقِيمًا } غير مائل إلى اليمين والشمال {فَٱتَّبَعُوهُ } لتصلوا إلى الله تعالى {وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ } التي وصفها أهل الاحتجاب { أية : فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } تفسير : [الأنعام: 153] فتضلوا ولا تصلوا إليه سبحانه. {هَلْ يَنظُرُونَ إِلا أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ } لتوفي أرواحهم {أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } بالتجلي الصوري يوم القيامة كما صح في ذلك الحديث {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} وهو الكشف عن ساق {يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَـٰتِ رَبِّكَ} وهو الكشف المذكور { أية : لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } تفسير : [الأنعام: 158] حينئذٍ لانقطاع التكليف. {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } أي جعلوا دينهم أهواء متفرقة كالذين غلبت عليهم صفات النفس {وَكَانُواْ شِيَعاً } فرقاً مختلفة بحسب غلبة تلك الأهواء {لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَيْءٍ} إذ هم أهل التفرقة والاحتجاب بالكثرة فلا تجتمع هممهم ولا تتحد مقاصدهم {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ} في جزاء تفرقهم {ثُمَّ يُنَبّئُهُم} عند ظهور هيئات أهوائهم المختلفة المتفرقة { أية : بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } تفسير : [الأنعام: 159] من السيئات واتباع الهوى { أية : مَن جَاءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } تفسير : [الأنعام: 160] وذلك لأن السيئة من مقام النفس وهي مرتبة الآحاد والحسنة أول مقاماتها مقام القلب وهي مرتبة العشرات وأقل مراتبها عشرة، وقد يضاعف الحسنة بأكثر من ذلك إذا كانت من مقام الروح أو مقام السر وهذا هو السر في تفاوت جزاء الحسنات التي تشير إليه النصوص {قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } هو طريق التوحيد الذاتي {دِينًا قِيَمًا } ثابتاً لا تنسخه الملل والنحل {مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ } التي أعرض بها عن السوي { أية : حَنِيفاً } تفسير : [الأنعام: 161] مائلاً عن كل دين فيه شرك {قُلْ إِنَّ صَلاَتِى } حضوري وشهودي بالروح {وَنُسُكِى } تقربـي بالقلب {وَمَحْيَاىَ } بالحق {وَمَمَاتِىَ} بالنفس { أية : للَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنعام: 162] لا نصيب لأحد مني في ذلك {لاَ شَرِيكَ لَهُ } في شيء أصلاً إذ لا وجود سواه {وَبِذٰلِكَ} الإخلاص وعدم رؤية الغير { أية : أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ } تفسير : [الأنعام: 163] المنقادين للفناء فيه سبحانه. {قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبّاً} فأطلب مستحيلاً {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ} أي وما سواه باعتبار تفاصيل صفاته سبحانه مربوب {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} إذ كسب النفس شرك في أفعاله تعالى وكل من أشرك فوباله عليه. { أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الأنعام: 164] لعدم تجاوز الملائكة إلى غير صاحبها {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأَرْضِ} بأن جعلكم له مظهر أسمائه {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ} في تلك المظهرية لأنها حسب الاستعداد وهو متفاوت {لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَـٰكُمُ} ويظهر علمه بمن يقوم برعاية ما آتاه وبمن لا يقوم {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ} لمن لم يراع { أية : وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [الأنعام: 165] لمن يراعي ذلك، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لمراضيه ويجعل مستقبل حالنا خيراً من ماضيه.
ابن عاشور
تفسير : يَظهر أنّ هذا دليل على إمكان البعث، وعلى وقوعه، لأنّ الذي جعل بعض الأجيال خلائف لما سبَقَها، فعمَروا الأرض جيلاً بعد جيل، لا يُعجزه أن يحشرها جميعاً بعد انقضاء عالم حياتها الأولى. ثمّ إنّ الذي دبَّر ذلك وأتقنه لا يليق به أن لا يقيم بينهم ميزان الجزاء على ما صنعوا في الحياة الأولى لئلا يذهب المعتدون والظّالمون فائزين بما جنوا، وإذا كان يقيم ميزان الجزاء على الظّالمين فكيف يترك إثابة المحسنين، وقد أشار إلى الشقّ الأول قوله: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض}، وأشار إلى الشقّ الثّاني قوله: {ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلونكم في ما آتاكم}. ولذلك أعقبه بتذييله: {إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم}. فالخطابُ موجَّه إلى المشركين الذين أمِر الرّسولُ عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم: { أية : أغير الله أبغي رباً } تفسير : [ الأنعام: 164]؛ وذلك يذكّر بأنَّهم سيصيرون إلى ما صار إليه أولئك. فموقع هذه عقب قوله: { أية : ثم إلى ربكم مرجعكم } تفسير : [الأنعام: 164] تذكير بالنّعمة، بعد الإنذار بسلبها، وتحريض على تدارك ما فات، وهو يفتح أعينهم للنّظر في عواقب الأمم وانقراضها وبقائها. ويجوز أن يكون الخطاب للرّسول عليه الصّلاة والسّلام والأمّة الإسلاميّة، وتكون الإضافة على معنى اللام، أي جعلكم خلائف الأمم التي ملكتْ الأرض فأنتم خلائفُ للأرض، فتكون بشارة للأمّة بأنَّها آخر الأمم المجعولة من الله لتعمير الأرض. والمراد: الأمم ذوات الشّرائع الإلهيّة وأياً ما كان فهو تذكير بعظيم صنع الله ومنّته لاستدعاء الشّكر والتّحذير من الكفر. والخلائف: جمع خليفة، والخليفة: اسم لما يُخلف به شيء، أي يجعل خلفاً عنه، أي عوضَه، يقال: خليفة وخِلْفة، فهو فَعيل بمعنى مفعول، وظهرت فيه التّاء لأنَّهم لما صيّروه اسماً قطعوه عن موصوفه. وإضافته إلى الأرض على معنى (في) على لوجه الأوّل، وهو كون الخَطاب للمشركين، أي خلائف فيها، أي خلف بكم أمماً مضت قبلكم كما قال تعالى حكاية عن الرّسل في مخاطبة أقوامهم: { أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح}تفسير : [الأعراف: 69] ــــ { أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } تفسير : [الأعراف: 74] ــــ { أية : عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون}تفسير : [الأعراف: 129]. والإضافة على معنى اللام على الوجه الثّاني وهو كون الخطاب للمسلمين. وفي هذا أيضاً تذكير بنعمة تتضمّن عبرة وموعظة: وذلك أنَّه لمّا جعلهم خلائف غيرهم فقد أنشأهم وأوجدهم على حين أعدم غيرهم، فهذه نعمة، لأنَّه لو قدّر بقاء الأمم التي قبلها لما وُجد هؤلاء. وعطْف قوله: {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} يجري على الاحتمالين في المخاطب بقوله: {جعلكم خلائف الأرض} فهو أيضاً عبرة وعِظة، لعدم الاغترار بالقوّة والرّفعة، ولجعل ذلك وسيلة لشكر تلك النّعمة والسّعي في زيادة الفضل لمن قصّر عنها والرّفق بالضّعيف وإنصاف المظلوم. ولذلك عقّبه بقوله: {ليبلونكم ما آتاكم} أي ليَخْبُركم فيما أنعم به عليكم من درجات النّعم حتّى يظهر للنّاس كيف يضع أهل النّعمة أنفسهم في مواضعها اللائقة بها وهي المعبّر عنها بالدّرجات. والدّرجات مستعارة لتفاوت النّعم. وهي استعارة مبنيّة على تشبيه المعقول بالمحسوس لتقريبه. والإيتاء مستعار لتكوين الرّفعة في أربابها تشبيهاً للتكوين بإعطاء المعطي شيئاً لغيره. والبلْو: الاختبار، وقد تقدّم عند قوله تعالى: { أية : ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع }تفسير : [البقرة: 155]. والمراد به ظهور موازين العقول في الانتفاع والنّفع بمواهب الله فيها وما يسرّه لها من الملائمات والمساعدات، فالله يعلم مراتب النّاس، ولكن سمّى ذلك بَلْوى لأنَّها لا تظهر للعيان إلاّ بعد العمل، أي ليعلمه الله علم الواقعات بعد أن كان يعلمه علم المقدرات، فهذا موقع لام التّعليل، وقريب منه قول إياس بن قبيصَة الطائي: شعر : وأقبلتُ والخطيّ يخطر بيننا لأعلم مَنْ جَبانها مِن شُجاعها تفسير : وجملة: {إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} تذييل للكلام وإيذان بأنّ المقصود منه العمل والامتثال فلذلك جمع هنا بين صفة {سريع العقاب} وصفة {لغفور} ليناسب جميع ما حوته هذه السّورة. واستعيرت السّرعة لعدم التردّد ولتمام المقدرة على العقاب، لأنّ شأن المتردّد أو العاجز أن يتريّث وأن يخشى غائلة المعاقَب، فالمراد سريع العقاب في يوم العقاب، وليس المراد سريعه من الآن حتّى يؤوّل بمعنى: كلّ آت قريب، إذ لا موقع له هنا. ومن لطائف القرآن الاقتصار في وصف (سريع العقاب) على موكِّد واحد، وتعزيز وصف (الغفور الرحيم) بمؤكدات ثلاثة وهي إنّ، ولام الابتداء، والتّوكيد اللّفظي؛ لأنّ (الرّحيم) يؤكِّد معنى (الغفور): ليُطمئِن أهل العمل الصّالح إلى مغفرة الله ورحمته، وليَسْتَدعي أهلَ الإعراض والصدوف، إلى الإقلاع عمّا هم فيه.
د. أسعد حومد
تفسير : {خَلاَئِفَ} {دَرَجَاتٍ} {آتَاكُمْ} (165) - وَاللهُ رَبُّكم وَرَبُّ كُلِّ شَيءٍ، هُوَ الذِي اسْتَخْلَفَكُمْ فِي الأَرْضِ، وَجَعَلَكُمْ تَعْمُرُونَهَا جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ، وَخَلَفاً بَعْدَ سَلَفٍ، وَقَدْ فَاوَتَ بَيْنَكُمْ فِي الأَرْزَاقِ وَالأَخْلاَقِ وَالمَحَاسِنِ وَالمَسَاوِئِ، وَالمَنَاظِرِ وَالأَشْكَالِ وَالأَلْوَانِ ... وَلَهُ الحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَكُمْ فِي الذِي أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، وَيَمْتَحِنَكُمْ بِهِ، فَيَخْتَبِرَ الغَنِيَّ فِي غِنَاهُ، وَيَسْأَلَهُ عَنْ شُكْرِهِ، وَالفَقِيرَ فِي فَقْرِهِ وَيَسْأَلَهُ عَنْ صَبْرِهِ. وَيُرهِّبُ اللهُ تَعَالَى العِبَادَ وَيُرَغِّبُهُمْ، فَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ حِسَابَهُ وَعِقَابَهُ لِمَنْ خَالَفَ رُسُلَهُ وَكَذَّبَ بِآيَاتِهِ، سَرِيعَانِ، وَإِنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَنْ وَالاَهُ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ فِيمَا جَاؤُوا بِهِ مِنَ الخَيْرِ، وَلِمَنْ تَابَ وَأَنَابَ وَأَحْسَنَ العَمَلَ. خَلاَئِفَ الأَرْضِ - يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فِي الأَرْضِ. لِيَبْلُوكُمْ - لِيَخْتَبِرَكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهناك قول كريم في آية أخرى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ...} تفسير : [فاطر: 39] وهنا يقول الحق: {جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ}. ومعنى "خليفة" أي الذي يخلف غيره؛ فإما أن يخلفه زماناً، وإما أن يخلفه مكاناً. وخلفه الزمان أن يأتي عصره بعد عصره، ويومه بعد يومه، وخلفة المكان أي أن يكون جالساً ثم يرحل ليأتي آخر ليستقر مكانه، وانظر إلى كل قواعد الحياة بالنسبة للإِنسان تجده في شبابه قويًّا، ثم يرحل عنه الشباب ليأخذه آخره، ويذهب إلى الشيخوخة. وكذلك نجد إنساناً يملك مكاناً ثم يتركه ويأتي واحد آخر يملكه. أو أن الحق سبحانه وتعالى أراد من الخلافة، لا خلافة بعضنا لبعض ولكن خلافة الإِنسان لرب الإِنسان في الأرض؛ لأن كل شيء منفعل لله قهراً، والحق سبحانه وتعالى منح بسعة عطائه؛ فجعل بعض الأشياء تنفعل لبعضها هبةً منه سبحانه، فإذا أوقدت النار- على سبيل المثال- تنفعل لك، وإذا حرثت في الأرض ووضعت فيها البذور تنفعل لك، وإذا شربت ترتوي، وإذا أكلت تشبع. من أين أخذت كل ذلك؟. إنك قد أخذته من أن الحق الذي سخّر لك ما في الكون، وجعل أسباباً ومسببات، فكأنك أنت خليفة إرادات؛ لكي يثبت لنا سبحانه أنه يفعل ما يريد، فعلينا أن نأخذ هذه القضية قضية مسلمة، وإن أردت أن تختبر ذلك فانظر إلى أي إنسان ولو كان كافراً ويريد أن يقوم من مكانه، وتنفعل له جوارحه فيقوم، فأي جارحة أمرها أن تفعل ذلك؟. إنه لا يعرف إلا أنه بمجرد أنه أراد أن يقوم قد قام. وحتى لا تفهم أنك أخذت كل ذلك بشطارتك فهو يجعل بعضاً من الأمور مشاعاً عالمياً، مثل الموت والحياة إنهما أمران، لا يختلف فيهما الإنجليزي عن الفرنسي، عن العربي، وكذلك الضحك والبكاء، وهل هناك فرق بين ضحكة إنجليزية، أو ضحكة شيوعية أو ضحكة رأسمالية؟. طبعاً لا، فكلها ضحك وهو لغة عالمية، ولذلك قال: {أية : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ} تفسير : [النجم: 43] وسبحانه جاء بأمر مشترك موجود في الناس كلها، فأنت تتكلم وتعمل على الصورة والكيفية التي تريدها، لكنك ساعة تضحك فهو سبحانه الذي يضحك. وأنت حين تود مجاملة أحد وتضحك له فتفاجأ بأن ضحكتك صناعية. والحق يوضح لك: إن زمام كوني في يدي، أجعل القوم مختارين في أشياء، وأجعلهم مرغمين ومتحدين على رغم أنوفهم في أشياء؛ فأنا الذي أضحك وأبكي. ولا يوجد بكاء إنجليزي أو بكاء فرنساوي أو بكاء ألماني، وكل البشر شركاء في مثل هذه الأمور. {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ...} [الأنعام: 165] إن إرادتك على أبعاضك، وعلى جوارحك- أيها الإنسان- موهوبة لك من الواهب الأعلى والمريد الأعلى، وسبحانه يسلب ذلك من بعض الأفراد، فيأمر المخ: إياك أن ترسل إشارة لتلك الجارحة لتنفعل. فيصاب هذا الإنسان بالشلل. ولو كان الأمر شطارة من الإنسان لقاوم ذلك. أنتم- إذن- خلائف الأرض؛ تنفعل لكم الأشياء بقدر ما أراد الله أن تنفعل لكم، فإذا سلب انفعلها عنكم فلكي يثبت أنكم لم تسخروها بقدراتكم، بل به هو، إن شاء أطلق الخلافة، وإن شاء قيد الخلافة، وإن شاء قيد الخلافة. {رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} كأن من الخلافة أننا لا نكون متماثلين متطابقين، بل أراد سبحانه أن نكون متكاملين في المواهب، وفي الكماليات؛ لأن الناس لو كانوا صورة مكررة في المواهب، لفسدت الحياة، فلابد أن تختلف مواهبنا، لأن مطلوبات الحياة متعددة، فلو أصبحنا كلنا أطباء فالأمر لا يصلح، ولو كنا قضاة لفسد الأمر، وكذلك لو كنا مهندسين أو فلاحين. إذن فلابد من أن تتحقق إرادة الله في قوله سبحانه: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ...} [الأنعام: 165] أي أن البعض قد رُفِعَ، والبعض الآخر رُفِعَ عليه، فمن هو البعض المرفوع؟ ومن هو البعض المرفوع عليه؟. إن كل واحد فيكم مرفوع في جهة مواهبه، ومرفوع عليه فيما لا مواهب له فيه؛ لأن الحق يريد أن يتكاتف المخلوقون، ولا ينشأ التكاتف تفضلاً، وإنما ينشأ لحاجة، فلابد أن تكون إدارة المصالح في الكون اضطراراً، وهذه هي هندسة المكون الأعلى سبحانه التي تتجلى في أنك وضعت خريطة لمن دخلوا معك في مرحلة التعليم الابتدائي. ومن ترك منهم الدراسة ومن استمر ليدخل الدراسة الإعدادية. إنك تجدهم أقل، ومن درس في المرحلة الثانوية أقل، ومن تعلم التعليم العالي أقل، ومن نال الدكتوراه أقل. وهكذا نجد أن البعض يتساقط من التعليم لأن هناك أكثر من مهمة في الكون لا تحتاج إلا إلى حامل الابتدائية فقط، أو حامل الإعدادية، أو إلى حامل شهادة إتمام الدراسة الثانوية، ولو ظل كل واحد منهم في التعليم العالي، فلن نجد لتلك المهام أحداً. لذلك جعل الله التكاتف في الكون احتياجاً لا تفضلاً. والحظوا جيداً: أن الإنسان إذا عضّه جوع بطنه أو جوع عياله فهو يقبل أي عمل، وإن رضي بقدر الله فيما وضعه فيه، ولم يحقد على سواه فسيتقن هذا العمل، وسيتفوق فيه وسيرزقه الله الرزق الحلال الطيب. ولذلك قال الإمام علي: قيمة كل امرئ ما يحسنه، فإن أحسن الإنسان عمله، فهو إنسان ناجح في الوجود. وهكذا أراد الحق سبحانه وتعالى ألا يجلنا أشخاصاً مكررين، ولكن جعلنا متفاضلين متفاوتين، فرفع بعضاً على بعض، وكل منا مرفوع فيما يجيد، ومرفوع عليه فيما لا يجيد، حتى يحتاج الإنسان منا إلى غيره ليؤدي له العمل الذي لا يجيده وبذلك يرتبط العالم ارتباط مصلحة وحاجة لا ارتباط تفضل. {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ...} [الأنعام: 165] كأن هذا الرفع هو اختبار للبشر فيما أعطاهم الله من الواهب. ليعلم علم الإلزام للعبد؛ فسبحانه يعلم أزلاً كل ما يصدر عن العبد، ولكنه يترك للعبد فرصة أن يؤدي العمل ليكون ملتزماً بم فعل. وتكون حجة على العبد. وحينما يقول الحق: {لِّيَبْلُوَكُمْ} فالمقصود ليختبركم اختبار إقرار على نفوسكم، لا إخباراً له. {... لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنعام: 165] وسبحانه "سريع العقاب"، وإياك أن تستبطئ الآخرة، فالثواب والعقاب سيأتي بعد أن ننتهي ونموت. وليس الموت سبب؛ فكل إنسان عرضة لأن يموت، وبذلك تكون قيامته قد قامت، وإن قامت قيامة الإنسان فلن يقوم بأي عمل آخر. إذن فسبحانه سريع العقاب. ولكن البعض من القوم يغريهم حلم الله ويستبطئون الآخرة. لذلك يقول أحد العارفين: اجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه. إذن فكل صفة من صفات الحق يتجلى ويظهر أثرها في المخلوق هبة من الله له، فأنت إذا أردت أن تقف، مثلاً، لا تعرف ما هي العضلات التي تحركها لتقف، ولكنك بمجرد إرادتك ان تقف تقف، وذلك مظهر لإرادة الله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. وما دمنا خلائف فلابد أن نتكامل ولا نتكرر، بمعنى أن كل واحد فيه موهبة تنقص من الآخر، وفي الأخر موهبة تنقص في غيره، ليضطر كل مخلوق في الأرض أن يتعاون مع آخر، ليأخذ ثمرة مواهب غيره، ويعطي هو ثمرة مواهبه. ولا يريد الحق منا أن نعطي ثمرات المواهب تفضلاً، وإنما يريد أن يجعلها حاجة. فأنت تحتاج إلى موهبة من لا موهبة لك فيه، إنك تحتاج إلى الغير، وهو كذلك أيضاً يحتاج إلى عملك. وحين يستخلفنا الله تبارك وتعالى بهذه الصورة فبعضنا في ظاهر الأمر يكون أعلى من بعض، لذلك يوضح سبحانه: أنا فضلت بعضكم على بعض، لكني لم أفضل طائفة لأجعل طائفة مفضولاً عليها، ولكن كلْ مفضل في شيء لأن له فيه مواهب، ويكون مفضلا عليه في شيء آخر لا مواهب له فيه، وهكذا يتساوى الناس جميعا. إننا جميعاً عيال الله، وليس أحد منا أولى بالله من أحد؛ لأنه سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً؛ ولذلك إن حاولنا إحصاء المواهب في البشر وتوزيعها على الخلق جميعاً لوجدنا أن مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان آخر، ولكن أنت تأخذ في موهبة ما تفوقاً، وفي الموهبة الأخرى لا تجد نفسك قادراً عليها، وفي موهبة ثالثة قد تقدر عليها لكنك لا تحبها، واجمع الدرجات كلها في جميع المواهب ستجد أن كل إنسان يساوي الآخر، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى. {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ...} [الأنعام: 165] إذن فكل واحد منا يقدر أن يقول: أنا مرفوع، ولكن عليه ألاّ يغتر؛ لأنه مرفوع عليه أيضاً. والتوازن يأتي من هذه الناحية، فلا غرور برفعتك في درجة، ولا مذلة بانخفاضك في درجة؛ لأن هذا مراد الله وذلك مراد له - سبحانه - والذي يحترم قدر الله في توزيع مواهبه على الخلق يعطيه الله خير موهبته، فلا يتميز ذو موهبة أخرى عليه أبداً. ولكن أينجح الناس جميعاً في هذا؟. لا، فهناك أناس يتساقطون، وهناك من يرى واحداً أغنى منه وهو فقير، فيبدأ في الغل والحقد والحسد، ونقول له: انظر إلى قوتك فقد تكون أقوى منه، وقد تكون أسعد منه في أمور كثيرة. خذ الموهبة التي أعطاها الله لك، والموهبة التي أعطاها لغيرك وستجد مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان، فالذي ينجح في هذه المعادلات التفاضلية يكون له من الله ثواب. فيتجاوز له سبحانه عن بعض سيئاته، ويغفر له. والذي لا يحترم قدر الله في خلق الله يعاقبه الله؛ لذلك أوضح سبحانه: أنا أبلوكم وأختبركم، فمن ينجح فله غفران ورحمة، ومن لا ينجح فله عقاب، ولا تظنوا أن عقابي بعيد؛ لأن ما بين الإنسان والعقاب أن يموت، وليس هناك سبب معروف للموت؛ فمن الممكن أن يموت الإنسان لوقته، فيبدأ عقابه. {... إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الانعام: 165] وبذلك ختمت سورة الأنعام، التي استهلها الله بقوله سبحانه: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ}. وختمها بقوله: {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}. فالحمد لله في الأولى. والحمد لله في الآخرة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):