Verse. 955 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

الۗمّۗصۗ۝۱ۚ
Aliflammeemsad

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«المص» الله أعلم بمراده بذلك.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : في الأية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: {المص } أنا الله أفصل، وعنه أيضاً: أنا الله أعلم وأفصل، قال الواحديّ: وعلى هذا التفسير فهذه الحروف واقعة في موضع جمل، والجمل إذا كانت ابتداء وخبراً فقط لا موضع لها من الإعراب، فقوله: أنا الله أعلم، لا موضع لها من الأعراب، فقوله: «أنا» مبتدأ وخبره قوله: «الله» وقوله: «أعلم» خبر بعد خبر، وإذا كان المعنى {المص } أنا الله أعلم كان إعرابها كإعراب الشيء الذي هو تأويل لها، وقال السُّدّيّ: {المص } على هجاء قولنا في أسماء الله تعالى أنه المصور. قال القاضي: ليس هذا اللفظ على قولنا: أنا الله أفصل، أولى من حمله على قوله: أنا الله أصلح، أنا الله أمتحن، أنا الله الملك، لأنه إن كانت العبرة بحرف الصاد فهو موجود في قولنا أنا الله أصلح، وإن كانت العبرة بحرف الميم، فكما أنه موجود في العلم فهو أيضاً موجود في الملك والامتحان، فكان حمل قولنا: {المص } على ذلك المعنى بعينه محض التحكم، وأيضاً فإن جاء تفسير الألفاظ بناء على ما فيها من الحروف، من غير أن تكون تلك اللفظة موضوعة في اللغة لذلك المعنى، انفتحت طريقة الباطنية في تفسير سائر ألفاظ القرآن بما يشاكل هذا الطريق. وأما قول بعضهم: إنه من أسماء الله تعالى فأبعد، لأنه ليس جعله إسماً لله تعالى، أولى من جعله اسماً لبعض رسله من الملائكة، أو الأنبياء، لأن الاسم إنما يصير اسماً للمسمى بواسطة الوضع والاصطلاح، وذلك مفقود ههنا، بل الحق أن قوله: {المص } اسم لقب لهذه السورة، وأسماء الألقاب لا تفيد فائدة في المسميات، بل هي قائمة مقام الإشارات، ولله تعالى أن يُسَميّ هذه السورة بقوله: {المص } كما أن الواحد منا إذا حَدَثَ له ولد فإنه يسميه بمحمد. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {المص } مبتدأ، وقوله: {كِتَابٌ } خبره، وقوله: {أَنزِلَ إِلَيْكَ } صفة لذلك الخبر. أي السورة المسماة بقولنا: {المص كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ }. فإن قيل: الدليل الذي دل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هوأن الله تعالى خصه بإنزال هذا القرآن عليه، فما لم نعرف هذا المعنى لا يمكننا أن نعرف نبوته، وما لم نعرف نبوته، لا يمكننا أن نحتج بقوله، فلو أثبتنا كون هذه السورة نازلة عليه من عند الله بقوله: لزم الدور. قلنا: نحن بمحض العقل نعلم أن هذه السورة كتاب أنزل إليه من عند الله. والدليل عليه أنه عليه الصلاة والسلام ما تلمذ لأستاذ، ولا تعلم من معلم، ولا طالع كتاباً ولم يخالط العلماء والشعراء وأهل الأخبار، وانقضى من عمره أربعون سنة، ولم يتفق له شيء من هذه الأحوال، ثم بعد انقضاء الأربعين ظهر عليه هذا الكتاب العزيز المشتمل على علوم الأولين والآخرين، وصريح العقل يشهد بأن هذا لا يكون إلا بطريق الوحي من عند الله تعالى. فثبت بهذا الدليل العقلي أن {المص } كتاب أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه وإلهه. المسألة الثانية: احتج القائلون بخلق القرآن بقوله: {كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ } قالوا إنه تعالى وصفه بكونه منزلاً، والإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال، وذلك لا يليق بالقديم، فدل على أنه مُحْدَث. وجوابه: أن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو هذه الحروف، ولا نزاعَ في كونها مُحْدَثة مخلوقة، والله أعلم. فإن قيل: فهب أن المراد منه الحروف، إلا أن الحروف أعراض غير باقية، بدليل أنها متوالية، وكونها متوالية يشعر بعدم بقائها، وإذا كان كذلك، فالعَرَض الذي لا يبقى زمانين، كيف يعقل وصفه بالنزول؟ والجواب: أنه تعالى أحدث هذه الرقوم والنقوش في اللوح المحفوظ، ثم إن الملك يطالع تلك النقوش، وينزل من السماء إلى الأرض، ويعلم محمداً تلك الحروف والكلمات، فكان المراد بكون تلك الحروف نازلة، هو أن مبلغها نزل من السماء إلى الأرض بها. المسألة الثالثة: الذين أثبتوا لله مكاناً تمسكوا بهذه الآية فقالوا: إنّ كلمة «من» لابتداء الغاية. وكلمة «إلى» لانتهاء الغاية. فقوله: {أُنزِلَ إِلَيْكَ } يقتضي حُصول مَسافة مبدؤها هو الله تعالى وغايتها محمد، وذلك يدل على أنه - تعالى- مختص بجهة فوق، لأن النزول هو الانتقال من فوق إلى أسفل. وجوابه: لما ثبت بالدلائل القاهرة أن المكان والجِهة على الله تعالى محال وجب حمله على التأويل الذي ذكرناه، وهو أن الملك انتقل به من العلو إلى أسفل. ثم قال تعالى: {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } وفي تفسير الحرج قولان: الأول: الحرج الضيق، والمعنى: لا يضيق صدرك بسبب أن يكذبوك في التبليغ. والثاني: {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } أي شك منه، كقوله تعالى: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ }تفسير : [يونس: 94] وسمي الشك حرجاً، لأن الشاك ضيق الصدر حرج الصدر، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسح القلب. ثم قال تعالى: {لِتُنذِرَ بِهِ } هذه «اللام» بماذا تتعلق؟ فيه أقوال: الأول: قال الفراء: إنه متعلق بقوله: {أَنزِلَ إِلَيْكَ } على التقديم والتأخير، والتقدير: كتاب أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه. فإن قيل: فما فائدة هذا التقديم والتأخير؟ قلنا: لأن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر، فلهذا السبب أمره الله تعالى بإزالة الحرج عن الصدر، ثم أمره بعد ذلك بالإنذار والتبليغ. الثاني: قال ابن الأنباري: اللام ههنا بمعنى: كي. والتقدير: فلا يكن في صدرك شك كي تنذر غيرك. الثالث: قال صاحب «النظم»: اللام ههنا: بمعنى: أن. والتقدير: لا يضق صدرك ولا يضعف عن أن تنذر به، والعرب تضع هذه اللام في موضع «أن» قال تعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوٰهِهِمْ } تفسير : [التوبة: 32] وفي موضع أخر {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ } تفسير : [الصف: 8] وهما بمعنى واحد. والرابع: تقدير الكلام: أن هذا الكتاب أنزله الله عليك، وإذا علمت أنه تنزيل الله تعالى، فاعلم أن عناية الله معك، وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج، لأن من كان الله حافظاً له وناصراً، لم يخف أحداً، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب، فاشتغل بالإنذار والتبليغ والتذكير اشتغال الرجال الأبطال، ولا تبال بأحد من أهل الزيغ والضلال والإبطال. ثم قال: {وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين. قال الزجاج: وهو اسم في موضع المصدر. قال الليث: ٱلذّكْرَىٰ اسم للتذكرة، وفي محل ذكرى من الإعراب وجوه قال الفراء: يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: لتنذر به ولتذكر، ويجوز أن يكون رفعاً بالرد على قوله: {كِتَابٌ } والتقدير: كتاب حق وذكرى، ويجوز أيضاً أن يكون التقدير، وهو ذكرى، ويجوز أن يكون خفضاً، لأن معنى لتنذر به، لأن تنذر به فهو في موضع خفض، لأن المعنى للإنذار والذكرى. فإن قيل: لم قيد هذه الذكرى بالمؤمنين؟ قلنا: هو نظير قوله تعالى: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] والبحث العقلي فيه أن النفوس البشرية على قسمين: نفوس بليدة جاهلة، بعيدة عن عالم الغيب، غريقة في طلب اللذات الجِسْمانية، والشهوات الجسدانية ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة بالحوادث الروحانية، فبعثة الأنبياء والرسل في حق القسم الأول، إنذار وتخويف، فإنهم لما غرقوا في نوم الغفلة ورقدة الجهالة، احتاجوا إلى موقظ يوقظهم، وإلى منبه ينبههم. وأما في حق القسم الثاني فتذكير وتنبيه، وذلك لأن هذه النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية مستعدة للانجذاب إلى عالم القدس والاتصال بالحضرة الصَّمدية، إلا أنه ربما غشيها غواش من عالم الجسم، فيعرض لها نوع ذهول وغفلة، فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تعالى، تذكرت مركزها وأبصرت منشأها، واشتاقت إلى ما حصل هنالك من الروح والراحة والريحان، فثبت أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذاراً في حق طائفة، وذكرى في حق طائفة أخرى، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {الۤمۤصۤ } تقدّم في أوّل «البقرة» وموضعه رفع بالابتداء. و{كِتَابٌ} خبره. كأنه قال: «المص» حروف {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ}. وقال الكسائيّ: أي هذا كتاب. قوله تعالى: {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {حَرَجٌ} أي ضِيق؛ أي لا يضيق صدرك بالإبلاغ؛ لأنه رُوي عنه عليه السلام أنه قال: «إني أخاف أن يَثْلغُو رأسي فيدعوه خبزَة» الحديث. خرّجه مسلم. قال الكِيا: فظاهره النهي، ومعناه نفي الحرج عنه؛ أي لا يضيق صدرك ألاّ يؤمنوا به، فإنما عليك البلاغ، وليس عليك سوى الإنذار به من شيء من إيمانهم أو كفرهم، ومثله قوله تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} تفسير : [الكهف: 6] الآية. وقال: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 3]. ومذهب مجاهد وقتادة أن الحرَج هنا الشك، وليس هذا شك الكفر إنما هو شك الضيق. وكذلك قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}تفسير : [الحجر: 97]. وقيل: الخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمّته. وفيه بعدٌ. والهاء في «مِنْهُ» للقرآن. وقيل للإنذار؛ أي أنزل إليك الكتاب لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه. فالكلام فيه تقديم وتأخير. وقيل للتكذيب الذي يعطيه قوّة الكلام. أي فلا يكن في صدرك ضيق من تكذيب المكذبين له. الثانية: قوله تعالى: {وَذِكْرَىٰ} يجوز أن يكون في موضع رفع ونصب وخفض. فالرفع من وجهين؛ قال البصريون: هي رفع على إضمار مبتدأ. وقال الكسائيّ: عطف على «كتاب». والنصب من وجهين؛ على المصدر، أي وذكِّر به ذكرى؛ قاله البصريون. وقال الكسائي: عطف على الهاء في «أنزلناه». والخفض حملاً على موضع «لِتُنْذِرَ بِهِ». والإنذار للكافرين، والذكرى للمؤمنين؛ لأنهم المنتفعون به.

البيضاوي

تفسير : {المص} سبق الكلام في مثله.

ابن كثير

تفسير : قد تقدم الكلام في أول سورة البقرة على ما يتعلق بالحروف وبسطه واختلاف الناس فيه، قال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبي عن شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس: { الۤمۤصۤ}: أنا الله أفصل، وكذا قال سعيد بن جبير {كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي: هذا كتاب أنزل إليك، أي: من ربك {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} قال مجاهد وقتادة والسدي: شك منه. وقيل: لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به، {أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [الأحقاف: 35] ولهذا قال: {لِتُنذِرَ بِهِ} أي: أنزلناه إليك لتنذر به الكافرين {وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}. ثم قال تعالى مخاطباً للعالم: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل شيء ومليكه، {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره، {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} كقوله: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103] وقوله: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية، وقوله: {أية : وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} تفسير : [يوسف: 106].

المحلي و السيوطي

تفسير : {المص } الله أعلم بمراده بذلك.

الشوكاني

تفسير : قوله: {المص } قد تقدّم في فاتحة سورة البقرة ما يغني عن الإعادة، وهو إما مبتدأ وخبره {كتاب}، أي {المص} حروف {كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ } أو هو خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا «المص» أي المسمى به، وأما إذا كانت هذه الفواتح مسرودة على نمط التعديد فلا محل له، و{كتاب} خبر المبتدأ على الوجه الأوّل، أو خبر مبتدأ محذوف على الثاني، أي هو كتاب. قال الكسائي: أي هذا كتاب، و{أنزل إليك} صفة له. {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } الحرج: الضيق، أي لا يكن في صدرك ضيق منه، من إبلاغه إلى الناس مخافة أن يكذبوك ويؤذوك، فإن الله حافظك وناصرك. وقيل: المراد لا يضق صدرك حيث لم يؤمنوا به ولم يستجيبوا لك {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ }، وقال مجاهد وقتادة: الحرج هنا الشك، لأن الشاك ضيق الصدر، أي لا تشك في أنه منزل من عند الله، وعلى هذا يكون النهي له صلى الله عليه وسلم من باب التعريض، والمراد أمته، أي لا يشك أحد منهم في ذلك، والضمير في {منه} راجع إلى الكتاب، فعلى الوجه الأوّل: يكون على تقدير مضاف، أي من إبلاغه، وعلى الثاني: يكون التقدير من إنزاله، والضمير في {لِتُنذِرَ بِهِ } راجع إلى الكتاب، أي لتنذر الناس بالكتاب الذي أنزلناه إليك، وهو متعلق بأنزل، أي أنزل إليك لإنذارك للناس به، أو متعلق بالنهي، لأن انتفاء الشك في كونه منزلاً من عند الله، أو انتفاء الخوف من قومه يقوّيه على الانذار ويشجعه، لأن المتيقن يقدم على بصيرة، ويباشر بقوّة نفس. قوله: {وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } الذكرى التذكير. قال البصريون: الذكرى في محل رفع على إضمار مبتدأ. وقال الكسائي: هي في محل رفع عطفاً على كتاب، ويجوز النصب على المصدر، أي وذكر به ذكرى قاله البصريون. ويجوز الجر حملاً على موضع {لتنذر} أي للإنذار والذكرى، وتخصيص الذكرى بالمؤمنين، لأنهم الذين ينجع فيهم ذلك، وفيه إشارة إلى تخصيص الإنذار بالكافرين. قوله: {ٱتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } يعني: الكتاب، ومثله السنة لقوله: {أية : وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ } تفسير : [الحشر: 7] ونحوها من الآيات، وهو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته. وقيل: هو أمر للأمة بعد أمره صلى الله عليه وسلم بالتبليغ، وهو منزل إليهم بواسطة إنزاله إلى النبي صلى الله عليه وسلم {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } نهي للأمة عن أن يتبعوا أولياء من دون الله يعبدونهم ويجعلونهم شركاء لله، فالضمير على هذا في {مِن دُونِهِ } يرجع إلى ربّ، ويجوز أن يرجع إلى «ما» في {ما أنزل إليكم} أي لا تتبعوا من دون كتاب الله أولياء تقلدونهم في دينكم، كما كان يفعله أهل الجاهلية من طاعة الرؤساء فيما يحللونه لهم ويحرمونه عليهم. قوله: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } انتصاب {قليلاً} على أنه صفة لمصدر محذوف للفعل المتأخر، أي تذكراً قليلاً، و"ما" مزيدة للتوكيد أو هو منتصب على الحال من فاعل {لا تتبعوا}، و"ما" مصدرية، أي لا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً تذكرهم، قرىء "تَذَكرُونَ" بالتخفيف بحذف إحدى التاءين، وقرىء بالتشديد على الإدغام. قوله: {وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا } "كم" هي الخبرية المفيدة للتكثير، وهي في موضع رفع على الابتداء و{أَهْلَكْنَـٰهَا } الخبر، {من} قرية تمييز، ويجوز أن تكون في محل نصب بإضمار فعل بعدها لا قبلها، لأن لها صدر الكلام، ولولا اشتغال {أهلكناها} بالضمير لجاز انتصاب "كم" به، والقرية موضع اجتماع الناس، أي كم من قرية من القرى الكبيرة أهلكناها نفسها بإهلاك أهلها، أو أهلكنا أهلها، والمراد أردنا إهلاكها. قوله: {فَجَاءهَا بَأْسُنَا } معطوف على أهلكنا بتقدير الإرادة كما مرّ؛ لأن ترتيب مجيء البأس على الإهلاك لا يصح إلا بهذا التقدير، إذ الإهلاك هو نفس مجيء البأس. وقال الفراء: إن الفاء بمعنى الواو فلا يلزم التقدير، والمعنى: أهلكناها وجاءها بأسنا، والواو لمطلق الجمع لا ترتيب فيها. وقيل: إن الإهلاك واقع لبعض أهل القرية؛ فيكون المعنى: وكم من قرية أهلكنا بعض أهلها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع. وقيل المعنى: وكم من قرية حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا. وقيل: أهلكناها بإرسال ملائكة العذاب إليها فجاءها بأسنا، والبأس: هو العذاب. وحكي عن الفراء أنه إذا كان معنى الفعلين واحداً أو كالواحد قدمت أيهما شئت فيكون المعنى: وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها، مثل دنا فقرب، وقرب فدنا. {بَيَاتًا } أي ليلاً، لأنه يبات فيه، يقال بات يبيت بيتاً وبياتاً، وهو مصدر واقع موقع الحال، أي بائتين. قوله: {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } معطوف على {بياتاً} أي بائتين أو قائلين، وجاءت الجملة الحالية بدون واو استثقالاً لاجتماع الواوين واو العطف وواو الحال، هكذا قال الفراء. واعترضه الزجاج فقال: هذا خطأ بل لا يحتاج إلى الواو، تقول: جاءني زيد راكباً، أو هو ماش، لأن في الجملة ضميراً قد عاد إلى الأوّل، و"أو" في هذا الموضع للتفصيل لا للشك. والقيلولة هي نوم نصف النهار. وقيل: هي مجرد الاستراحة في ذلك الوقت لشدّة الحرّ من دون نوم، وخص الوقتين لأنهما وقت السكون والدعة، فمجيء العذاب فيهما أشدّ وأفظع. قوله: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا إِلا أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } الدعوى: الدعاء، أي فما كان دعاؤهم ربهم عند نزول العذاب، إلا اعترافهم بالظلم على أنفسهم، ومثله {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ }تفسير : [يونس: 10] أي آخر دعائهم. وقيل: الدعوى هنا بمعنى الادّعاء، والمعنى: ما كان ما يدّعونه لدينهم وينتحلونه إلا اعترافهم ببطلانه وفساده، واسم كان {إِلاَّ أَن قَالُواْ } وخبرها (دعواهم) ويجوز العكس، والمعنى: ما كان دعواهم إلا قولهم إنا كنا ظالمين. قوله: {فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } هذا وعيد شديد، والسؤال للقوم الذين أرسل الله إليهم الرسل من الأمم السالفة للتقريع والتوبيخ، واللام لام القسم، أي لنسألنهم عما أجابوا به رسلهم عند دعوتهم، والفاء لترتيب الأحوال الأخروية على الأحوال الدنيوية {وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي الأنبياء الذين بعثهم الله، أي نسألهم عما أجاب به أممهم عليهم، ومن أطاع منهم ومن عصى. وقيل المعنى: فلنسألن الذين أرسل إليهم، يعني الأنبياء، ولنسألن المرسلين، يعني الملائكة، ولا يعارض هذا قول الله سبحانه: {أية : وَلاَ يسأَل عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ } تفسير : [القصص: 78] لما قدّمنا غير مرة أن الآخرة مواطن، ففي موطن يسألون، وفي موطن لا يسألون، وهكذا سائر ما ورد مما ظاهره التعارض بأن أثبت تارة ونفى أخرى، بالنسبة إلى يوم القيامة، فإنه محمول على تعدّد المواقف مع طول ذلك اليوم طولاً عظيماً {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ } أي على الرسل والمرسل إليهم، ما وقع بينهم عند الدعوة منهم بعلم لا بجهل، أي عالمين بما يسرون وما يعلنون {وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } عنهم في حال من الأحوال حتى يخفى علينا شيء مما وقع بينهم. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، وابن النجار في تاريخه، عن ابن عباس، في قوله: {المص } قال: أنا الله أفصل. وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن جبير، مثله. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، أن هذا ونحوه من فواتح السور قسم أقسم الله به، وهي من أسماء الله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {المص } قال: هو المصوّر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب القرظي في قوله: {المص } قال: الألف من الله والميم من الرحمن والصاد من الصمد. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، قال معناه: أنا الله الصادق، ولا يخفى عليك أن هذا كله قول بالظن، وتفسير بالحدس، ولا حجة في شيء من ذلك، والحق ما قدّمنا في فاتحة سورة البقرة. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس: {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } قال: الشك، وقال الأعرابيّ: ما الحرج فيكم؟ قال: اللبس. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد، نحوه. وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، قال: ضيق. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود: ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم، ثم قرأ {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ } الآية. وأخرجه ابن جرير عنه مرفوعاً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس {فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } قال: نسأل الناس عما أجابوا المرسلين، ونسأل المرسلين عما بلغوا، {فلنقصنّ عليهم بعلم}، قال: بوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون. وأخرج عبد بن حميد، عن فرقد، في الآية قال: أحدهما الأنبياء، وأحدهما الملائكة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد، في الآية قال: نسأل الناس عن قول لا إله إلا الله، ونسأل جبريل.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {المص} فيه لأهل التأويل تسعة أقاويل: أحدها: معناه: أنا الله أُفَضِّل، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. والثاني: أنه [حرف] هجاء [من] المصور، قاله السدي. والثالث: أنه اسم السورة من أسماء القرآن، قاله قتادة. والرابع: أنه اسم السورة مفتاح لها، قاله الحسن. والخامس: أنه اختصار من كلام يفهمه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً. والسادس: هي حروف هجاء مقطعة نبه بها على إعجاز القرآن. والسابع: هي من حساب الجمل المعدود استأثر الله بعلمه. والثامن: هي حروف تحوي معاني كثيرة دل الله تعالى خلقه بها على مراده من كل ذلك. والتاسع: هي حروف اسم الله الأعظم. ويحتمل عندي قولاً عاشراً: أن يكون المراد به: المصير إلى كتاب أنزل إليك من ربك، فحذف باقي الكلمة ترخيماً وعبر عنه بحروف الهجاء لأنها تذهب بالسامع كل مذهب، وللعرب في الاقتصار على الحروف مذهب كما قال الشاعر: شعر : قلت لها قفي فقالت قاف ..................................................... تفسير : أي وقفت. قوله عز وجل {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} يعني القرآن. {فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} وفي الحرج ها هنا ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه الضيق، قاله الحسن، وهو أصله. قال الشماخ بن ضرار: شعر : ولو ردت المعروف عندي رددتها لحاجة لا العالي ولا المتحرج تفسير : ويكون معناه: فلا يضيق صدرك خوفاً ألا تقوم بحقه. والثاني: أن الحرج هنا الشك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي. قال الراجز: شعر : آليت لولا حرج يعروني ما جئت أغزوك ولا تغزوني تفسير : ومعناه: فلا تشك فيما يلزمك فيه فإنما أنزل إليك لتنذر به. والثالث: فلا يضيق صدرك بأن يكذبوك، قاله الفراء. ثم قال: {لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} فجعله إنذاراً للكافرين وذكرى للمؤمنين ليعود نفعه على الفريقين.

ابن عطية

تفسير : تقدم القول في تفسير الحروف المقطعة التي في أوائل السورة وذكر اختلاف المتأولين فيها، ويختص هذا الموضع زائداً على تلك الأقوال بما قاله السدي: إن {آلمص} هجاء اسم الله هو المصور، وبقول زيد بن علي إن معناه أنا الله الفاضل. وقوله تعالى: {كتاب أنزل إليك} الآية، قال الفراء وغيره {كتاب} رفع على الخبر للحروف، كأنه قال هذه الحروف كتاب أنزل إليك، ورد الزجّاج على هذا القول بما لا طائل فيه، وقال غيره: {كتاب} رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذا كتاب و {أنزل إليك} في موضع الصفة لـ {كتاب}، ثم نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبرم أو يستصحب من هذا الكتاب أو بسبب من أسبابه حرجاً، ولفظ النهي هو للحرج ومعناه للنبي عليه السلام، وأصل الحرج الضيق، ومنه الحرجة الشجر الملتف الذي قد تضايق، و "الحرج" ها هنا يعم الشك والخوف والهم وكل ما يضيق الصدر، وبحسب سبب الحرج يفسر الحرج ها هنا، وتفسيره بالشك قلق، والضمير في {منه} عائد على الكتاب أي بسبب من أسبابه، و"من" ها هنا لابتداء الغاية، وقيل يعود على التبليغ الذي يتضمنه معنى الآية، وقيل على الابتداء. قال القاضي أبو محمد: وهذا التخصيص كله لا وجه له إذ اللفظ يعم الجهات التي هي من سبب الكتاب ولأجله وذلك يستغرق التبليغ والإنذار وتعرض المشركين وتكذيب المكذبين وغير ذلك. وقوله تعالى: {فلا يكن في صدرك حرج منه} اعتراض في أثناء الكلام، ولذلك قال بعض الناس إن فيه تقديماً وتأخيراً، وقوله {لتنذر} اللام متعلقة بـ {أنزل}. وقوله {وذكرى} معناه تذكرة وإرشاد، و {ذكرى} في موضع رفع عطفاً على قوله {كتاب}. فالتقدير هذه الحروف كتاب وذكرى، وقيل رفعه على جهة العطف على صفة الكتاب فالتقدير هذه الحروف كتاب منزل إليك وذكرى، فهي عطف على منزل داخلة في صفة الكتاب، وقيل {ذكرى} في موضع نصب بفعل مضمر تقديره لتنذر به وتذكر ذكرى للمؤمنين، وقيل نصبها على المصدر وقيل {ذكرى} في موضع خفض عطفاً على قوله {لتنذر} أي لإنذارك وذكرى. وقوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} الآية، قال الطبري وحكاه: التقدير قل اتبعوا فحذف القول لدلالة الإنذار المتقدم الذكر عليه، وقالت قوله اتبعوا أمر يعم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته. قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن يكون أمراً لجميع الناس أي اتبعوا ملة الإسلام والقرآن، وقرأ الجحدري "ابتغوا ما أنزل"، من الابتغاء، وقرأ مجاهد "ولا تبتغوا" من الابتغاء أيضاً، وقوله {أولياء} يريد كل ما عبد واتبع من دون الله كالأصنام والأحبار والكهان والنار والكواكب وغير ذلك، والضمير في قوله {من دونه} راجع على {ربكم} ، هذا أظهر وجوهه وأبينها، وقيل يعود على قوله {اتبعوا ما} ، وقيل يعود على الكتاب المتقدم الذكر، و {قليلاً} نعت لمصدر نصب بفعل مضمر، وقال مكي هو منصوب بالفعل الذي بعده، قال الفارسي و {ما} في قوله {ما تذكرون} موصولة بالفعل وهي مصدرية، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر "تذّكّرون" بتشديد الذال والكاف، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص "تَذّكرون" بتخفيف الذال وتشديد الكاف، وقرأ ابن عامر "يتذكرون" بالياء كناية عن غيب، وروي عنه أنه قرأ "تتذكرون" بتاءين على مخاطبة حاضرين.

ابن عبد السلام

تفسير : {الۤمۤصۤ} أنا الله أفصل، أو هجاء "المصور"، أو اسم القرآن، أو للسورة، أو اختصار كلام يفهمه الرسول صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ، أو حروف الاسم الأعظم، أو حروف هجاء مقطعة، أو من حساب الجُمَّل، أو حروف تحوي معاني كثيرة دلّ الله ـ تعالى ـ خلقه بها على مراده من كل ذلك.

النسفي

تفسير : {المص } قال الزجاج: المختار في تفسيره ما قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا الله أعلم وأفصل {كِتَابٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب {أُنزِلَ إِلَيْكَ } صفته والمراد بالكتاب السورة {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } شك فيه، وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرجه كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه أي لا شك في أنه منزل من الله أو حرج منه بتبليغه لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم، فكان يضيق صدره من الأذى ولا ينشط له فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم، والنهي متوجه إلى الحرج وفيه من المبالغة ما فيه، والفاء للعطف أي هذا الكتاب أنزلناه إليك فلا يكن بعد إنزاله حرج في صدرك. واللام في {لِتُنذِرَ بِهِ } متعلق بـ {أُنزِلَ} أي أنزل إليك لإنذارك به، أو بالنهي ولأنه إذا لم يخفهم أنذرهم، وكذا إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور متوكل على ربه {وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } في محل النصب بإضمار فعلها أي لتنذر به وتذكر تذكيراً، فالذكرى اسم بمعنى التذكير، أو الرفع بالعطف على {كِتَابٌ } أي هو كتاب وذكرى للمؤمنين، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف، أو الجر بالعطف على محل {لّتُنذِرَ } أي للإنذار وللذكرى {ٱتَّبَعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ } أي القرآن والسنة {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ } من دون الله {أَوْلِيَاء } أي ولا تتولوا من دونه من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره و{قَلِيلاً } نصب بـ {تَذَكَّرُونَ } أي تذكرون تذكراً قليلاً. و «ما» مزيدة لتوكيد القلة {تَتَذَكَّرُونَ } شامي. {وَكَمْ } مبتدأ {مِن قَرْيَةٍ } تبيين والخبر {أَهْلَكْنَـٰهَا } أي أردنا إهلاكها كقوله {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ}تفسير : [المائدة: 6] {فَجَاءهَا } جاء أهلها {بَأْسَنَا } عذابنا {بَيَاتًا } مصدر واقع موقع الحال بمعنى بائتين، يقال بات بياتاً حسناً {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } حال معطوفة على {بَيَاتًا } كأنه قيل: فجاءهم بأسنا بائتين أو قائلين. وإنما قيل {هُمْ قَائِلُونَ } بلا «واو» ولا يقال «جاءني زيد هو فارس» بغير واو، لأنه لما عطف على حال قبلها حذفت الواو استثقالاً لاجتماع حرفي عطف، لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل. وخص هذان الوقتان لأنهما وقتا الغفلة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع. وقوم لوط عليه السلام أهلكوا بالليل وقت السحر، وقوم شعيب عليه السلام وقت القيلولة. وقيل {بَيَاتًا } ليلاً أي ليلاً وهم نائمون أو نهاراً وهم قائلون {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ } دعاؤهم وتضرعهم {إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا } لما جاءهم أوائل العذاب {إِلا أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ } اعترفوا بالظلم على أنفسهم والشرك حين لم ينفعهم ذلك. و {دَعْوَاهُمْ } اسم «كان» و {أَن قَالُواْ } الخبر ويجوز العكس {فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } أرسل مسند إلى إليهم أي فلنسألن المرسل إليهم وهم الأمم عما أجابوا به رسلهم {وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ } عما أجيبوا به {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم } على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم {بِعِلْمِ } عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم {وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } عنهم وعما وجد منهم ومعنى السؤال التوبيخ والتقريع والتقرير إذا فاهوا به بألسنتهم وشهد عليهم أنبياؤهم {وَٱلْوَزْنُ } أي وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها وهو مبتدأ وخبره {يَوْمَئِذٍ } أي يوم يسأل الله الأمم ورسلهم فحذفت الجملة وعوض عنها التنوين {ٱلْحَقّ } أي العدل صفته ثم قيل توزن صحف الأعمال بميزان له لسان وكفتان إظهاراً للنصفة وقطعاً للمعذرة. وقيل: هو عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل، والله أعلم بكيفيته {فَمَن ثَقُلَتْ مَوٰزِينُهُ } جمع ميزان أو موزون أي فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزن وقدر وهي الحسنات أو ما توزن به حسناتهم {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } الفائزون {وَمَنْ خَفَّتْ مَوٰزِينُهُ } هم الكفار فإنه لا إيمان لهم ليعتبر معه عمل فلا يكون في ميزانهم خير فتخف موازينهم {فَأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ } يجحدون فالآيات الحجج والظلم بها وضعها في غير موضعها أي جحودها وترك الانقياد لها.

الخازن

تفسير : بسِمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ قوله عز وجل {المص} قال ابن عباس: معناه أنا الله أفصل وعنه أنا الله أعلم وأفصل وعنه أن المص قسم أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله تعالى، وقال قتادة: المص اسم من أسماء القرآن، وقال الحسن: هو اسم للسورة، وقال السدي: هو بعض اسمه تعالى المصور، وقال أبو العالية: الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد والصاد مفتاح اسمه صادق وصبور. وقيل: هي حروف مقطعة استأثر الله تعالى بعلمها وهي سره في كتابه العزيز، وقيل: هي حروف اسمه الأعظم وقيل هي حروف تحتوي معاني دل الله بها خلقه على مراده وقد تقدم بسط الكلام على معاني الحروف المقطعة أوائل السور في أول سورة البقرة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يتذكرون} بياء الغيبة ثم تاء التفعل: ابن عامر. والباقون كما مر في آخر الأنعام. الوقوف: {المص} ه كوفي {للمؤمنين} ه {أولياء} ط {تذكرون} ه {قائلون} ه {ظالمين} ه {المرسلين} ه لا للعطف {غائبين} ه {الحق} ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب {المفلحون} ه {يظلمون} ه {معايش} ط {تشكرون} ه. التفسير: قد تقدم في أول الكتاب مباحث هذه المقطعة على سبيل العموم. وعن ابن عباس معنى المص أنا الله أعلم وأفصل. وقال السدي: معناه أنا المصوّر. وقيل: معناه ألم نشرح لك صدرك بدليل {فلا يكن في صدرك حرج منه} كما زاد في الرعد راء لقوله بعده {أية : رفع السموات} تفسير : [الآية: 2] ثم إن جعلنا هذه الحروف بدل جملة فلا محل لها من الإعراب، وإن كانت اسماً للسورة جاز أن يكون {المص} مبتدأ و{ كتاب} يعني به السورة خبره والجملة بعده صفة له، وجاز أن يكون {المص} خبر مبتدأ محذوف وكذا {كتاب} أي هذه المص هو كتاب أنزل إليك. والدليل على أنه منزل من الله تعالى هو أنه ما تلمذ لأستاذ ولا تعلم من معلم ولا طالع كتاباً ولم يخالط أهل الأخبار والأشعار وقد مضى على ذلك أربعون سنة ثم ظهر عليه هذا الكتاب المشتمل على علوم الأولين والآخرين فلن تبقى شبهة في أنه مستفاد بطريق الوحي. القائلون بخلق القرآن زعموا أن الإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال وهذا من سمات المحدثات. وأجيب بأن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو الحروف والألفاظ ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة. فإن قيل: الحروف أعراض غير باقية بدليل أنه لا يمكن الإتيان بها إلا على سبيل التوالي وعدم الاستقرار فكيف يعقل وصفها بالنزول؟ أجيب بأنه تعالى أحدث هذه الرقوم في اللوح المحفوظ ثم إن الملك طالع تلك النقوش وحفظها ونزل فعلمها محمداً صلى الله عليه وآله. ثم قال: {فلا يكن في صدرك حرج} أي شك. وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرج كما أن المتيقن منفسح الصدر منشرح، ومعنى {منه} أي من شأن الكتاب أي لا تشك في أنه منزل من عند الله أو من تبليغه أي لا يضق صدرك من الأداء وتوجه النهي إلى الحرج كقولهم لا أرينك ههنا والمراد نهيه عن الكون بحضرته فإن ذلك سبب رؤيته ومثله قوله تعالى {أية : وليجدوا فيكم غلظة}تفسير : [التوبة: 123] ظاهره أمر للمشركين وإنه في الحقيقة أمر للمؤمنين بأن يغلظوا على المشركين. وفي متعلق قوله {لتنذر} أقوال. قال الفراء: إنه متعلق بـ {أنزل} وفي الكلام تقديم وتأخير أي أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج. وفائدة التقديم والتأخير أن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر. وقال ابن الأنباري: إنه متعلق بالنهي واللام بمعنى كي والتقدير: فلا يكن في صدرك شك كي تقدر على إنذار غيرك لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور لتوكله على ربه وثقته بعصمته. وقال صاحب النظم: اللام بمعنى "أن" كقوله: {أية : يريدون أن يطفئوا}تفسير : [التوبة: 32] وفي موضع آخر {أية : ليطفؤا}تفسير : [الصف: 8] والتقدير لا يضق صدرك ولا تضعف عن أن تنذر به. وقيل: إن تقدير الكلام هذا الكتاب أنزله الله عليك وإذا علمت أنه تنزيل الله تعالى فاعلم أن عناية الله معك وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج لأن من كان الله له حافظاً وناصراً لم يخف أحداً، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب فاشتغل بالإبلاغ والإنذار اشتغال الرجال الأبطال ولا تبال بأحد من أهل الضلال والإبطال. ثم قال: {وذكرى للمؤمنين} قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين. وقال الزجاج: هو اسم في موضع المصدر. قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة. وقال صاحب الكشاف: محل ذكرى يحتمل النصب بإضمار فعلها كأنه قيل لتنذر به وتذكر تذكيراً، والرفع عطفاً على كتاب، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف والجر للعطف على محل {أن تنذر} أي للإنذار وللذكرى. وإنما لم نقل على محل لتنذر لأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحداً ولو صح ذلك لكان محله النصب لا الجر. وخص الذكرى بالمؤمنين كقوله: {أية : هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2] والتحقيق فيه أن النفوس البشرية منها بليدة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في بحر اللذات الجسمانية فتحتاج إلى زاجر قويّ، ومنها مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة للإنجذاب إلى عالم القدس إلا أنها غشيتها غواش من عالم الجسم فعرض لها نوع ذهول وغفلة، فالصنف الأول يحتاج إلى إنذار وتخويف وأما الصنف الثاني فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تعالى تذكرت معدنها وأبصرت مركزها واشتاقت إلى ما هنالك من الروح والراحة والريحان فلم تحتج إلا إلى تذكرة وتنبيه، فثبت أنه سبحانه أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذاراً في حق طائفة وذكرى في شأن طائفة. ثم كما أمر الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي وعزم صحيح أمر المرسل إليهم وهم الأمة بالمتابعة فقال: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} ومعنى كونه منزلاً إليهم أنهم مخاطبون بذلك مكلفون به وإلا فهو بالحقيقة منزل على الرسول، قالت العلماء: المنزل متناول للقرآن والسنة جميعاً. عن الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله. وفي الآية دلالة على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس غير جائز لأن متابعة المنزل واجبة فلو عمل بالقياس لزم التناقض. فإن قيل: العمل بالقياس لكونه مستفاداً من القرآن وهو قوله:{أية : فاعتبروا}تفسير : [الحشر: 2] عمل بالقرآن أيضاً. قلنا: بعد التسليم إن الترجيح معنا لأن العمل بالمنزل ابتداء أولى من العمل بالمنزل بواسطة، ثم أكد الأمر المذكور بقوله: {ولا تتبعوا من دونه} أي لا تتخذوا من دون الله {أولياء} من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع. ويجوز أن يكون الضمير في {من دونه} لما أنزل أي لا تتبعوا من دون دين الله أولياء. احتج نفاة القياس بأن الآية دلت على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله تعالى والعمل بالقياس. متابعة غير ما أنزل فلا يجوز. لا يقال العمل بالقياس عمل بالمنزل لقوله:{أية : فاعتبروا}تفسير : [الحشر: 2] لأنا نقول: لو كان الأمر كذلك لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله:{أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}تفسير : [المائدة: 44] وقد أجمعت الأمة على عدم تكفيره. أجاب مثبتو القياس بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وظاهر العموم دليل مظنون فلا يعارض القاطع. وزيف بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله{أية : ويتبع غير سبيل المؤمنين}تفسير : [النساء: 115] {أية : تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}تفسير : [آل عمران: 110] وبعموم قوله صلى الله عليه وآله"حديث : لا تجتمع أمتي على الضلالة"تفسير : والفرع لا يكون أقوى من الأصل. أجاب المثبتون بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في إثبات القياس قوي الظن وحصل الترجيح. ومن الحشوية من أنكر النظر في البراهين العقلية تمسكاً بالآية. وأجيب بأن العلم بكون القرآن لحجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية فكيف تنكر. ثم ختم المخاطبة بنوع معاتبة فقال: {قليلاً ما تذكرون} أي تذكرون تذكراً قليلا. و"ما" مزيدة لتوكيد القلة. ثم ذكر ما في ترك المتابعة من الوعيد فقال: {وكم من قرية} فموضع "كم" رفع بالابتداء و"من" مزيدة للتأكيد والبيان أي كثير من القرى {أهلكناها} مثل زيد ضربته وتقدم النصب أيضاً عربي جيد وفي الآية حذف لا لقرينة الإهلاك فقط فإن القرية تهلك بالهدم والخسف كما يهلك أهلها ولكنه يقال التقدير: وكم من أهل قرية لقوله {فجاءها بأسنا} والبأس بالأهل أنسب ولقوله: {أوهم قائلون} ولأن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بهلاكهم ولأن معنى البيات والقيلولة لا يصح إلا فيهم. وإنما قال: {فجاءها} رداً بالكلام على اللفظ أو كما يقال الرجال فعلت. وهنا سؤال وهو أن قوله: {فجاءها بأسنا} يقتضي أن يكون الهلاك مقدماً على مجيء البأس ولكن الأمر بالعكس. والعلماء أجابوا بوجوه منها: أن المراد حكمنا بهلاكها أو أردنا أهلاكها فجاءها كقوله:{أية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا}تفسير : [المائدة: 6] ومنها أن معنى الإهلاك ومعنى مجيء البأس واحد فكأنه قيل: وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا وهذا كلام صحيح. فإن قيل: كيف يصح والعطف يوجب المغايرة؟ فالجواب أن الفاء قد تجيء للتفسير كقوله صلى الله عليه وآله "حديث : لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه" تفسير : فإن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه فكذا ههنا مجيء البأس جار مجرى التفسير للإهلاك لأن الإهلاك قد يكون بالموت المعتاد وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم وقريب منه قول الفراء: لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معاً كما يقال: أعطيتني فأحسنت. وما كان الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله وإنما وقعا معاً. ومنها أن ذلك محمول على حذف المعطوف والتقدير: أهلكناهم فحكم بمجيء البأس لأن الإهلاك أمارة للحكم بوصول مجيء البأس. ومنها أنه من باب القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس كقوله: عرضت الناقة على الحوض. وقوله {بياتاً} قال الجوهري: بيت العدوّ أي أوقع بهم ليلاً والاسم البيات. وفي الكشاف أنه مصدر بات الرجل بياتاً حسناً. وعلى القولين فإنه وقع موقع الحال بمعنى بائتين أو مبيتين. ثم قال: {أوهم قائلون} والجملة حال معطوفة على {بياتاً} كأنه قيل: فجاءها بأسنا مبيتين أو بائتين أو قائلين. وإنما حسن ترك الواو ههنا من الجملة الاسمية الواقعة حالاً لأن واو الحال قريب من واو العطف لأنها استعيرت منها للوصل فالجمع بين حرف العطف وبينه جمع بين المثلين وذلك مستثقل. فقولك: جائني زيد راجلاً أو هو فارس. كلام فصيح، ولو قلت: جاءني زيد هو فارس كان ضعيفاً. وقال بعض النحويين: الواو محذوفة مقدرة ورده الزجاج لما قلنا. أما معنى القيلولة فالمشهور أنها نومة الظهيرة. وقال الأزهري: هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن نوم لقوله تعالى:{أية : أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً}تفسير : [الفرقان: 24] والجنة لا نوم فيها وإنما خص وقتا البيات والقيلولة لأنهما وقتا الغفلة والدعة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع. وكأنه قيل للكفار لا تغتروا بالفراغ والرفاه والأمن والسكون فإن عذاب الله إنما يجيء دفعة من غير سبق أمارة. شعر : أيا راقد الليل مسوراً بأوّله إن الحوادث قد يطرقن أسحارا تفسير : فقوم لوط أهلكوا وقت السحر، وقوم شعيب وقت القيلولة. ثم قرر حالهم عند مجيء البأس فقال: {فما كان دعواهم} أي ما كانوا يدعونه من قبل دينهم وينتحلونه من مذهبهم إلا اعترافهم ببطلانه وفساده والإقرار بالإساءة والظلم على أنفسهم. وقال ابن عباس: فما كان تضرعهم واستغاثتهم إلا قولهم هذا وذلك إقرار منهم على أنفسهم بالشرك. وقال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الدعاء. حكى سيبويه اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعوى المسلمين أي فما كان دعاؤهم ربهم إلا اعترافهم بعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم فلا يزيدون على ذم أنفسهم وتحسرهم على ما فرط منهم وفرطوا فيه. ومحل {دعواهم} وعلى عكسه محل {إن قالوا} يجوز أن يكون نصباً أو رفعاً كما سبق في إعراب قوله: {أية : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا}تفسير : [الأنعام: 23] ثم ذكر على ترك القبول والمتابعة وعيداً آجلاً فقال: {فلنسئلن الذين أرسل إليهم} نسأل المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم كقوله:{أية : ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين}تفسير : [القصص: 65] {ولنسئلن المرسلين} {فلنقصن عليهم} أي على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم {بعلم} عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم {وما كنا غائبين} عنهم وعما وجد منهم. فإن قيل: ما الفائدة في سؤال المرسل إليهم بعدما أخبر عنهم أنهم اعترفوا بذنوبهم؟ فالجواب أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب الظلم أو التقصير تقريعاً وتوبيخاً. فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟ قلنا: ليلتحق كل التقصير بالأمة فيتضاعف إكرام الله تعالى في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع مواجب التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار. فإن قلت: كيف الجمع بين قوله: {فلنسئلن} وبين قوله:{أية : فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} تفسير : [الرحمن: 39] فالجواب بعد تسليم اتحاد الزمان والمكان أن القوم لعلهم لا يسألون عن الأعمال لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إليها وعن الصوارف التي صرفتهم عنها. أو المراد نفي سؤال الاستفادة والاسترشاد وإثبات سؤال التوبيخ والإهانة فلا تناقض. وفي الآية إبطال قول من زعم أنه لا حساب على الأنبياء ولا على الكفار، وفيها أنه سبحانه عالم بالكليات وبالجزئيات ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السموات، فالإلهية لا تكمل إلا بذلك. وفيها أنه غير مختص بشيء من الأحياز والجهات وإلا كان غائباً من غيره. ثم بيّن أن من جملة أحوال يوم القيامة وزن الأعمال فقال: {والوزن} وهو مبتدأ خبره {يومئذ} وقوله {الحق} صفة المبتدأ أي الوزن العدل يوم يسأل الله الأمم ورسلهم. وقيل: لا يجوز الإخبار عن شيء وقد بقيت منه بقية فيجب على هذا أن يكون {الحق} خبراً و {يومئذٍ} ظرفاً للوزن ومعنى الحق أنه كائن لا محالة. وفي كيفية الميزان قولان: الأول ما جاء في الخبر"حديث : إنه تعالى ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها"تفسير : . وكيف توزن فيه وجهان: أحدهما أن المؤمن تتصوّر أعماله بصور حسنة وأعمال الكافر بصور قبيحة فتوزن تلك الصور ذكره ابن عباس. وثانيهما أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد. حديث : يروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عما يوزن يوم القيامة فقال: الصحفتفسير : . وعن عبد الله بن سلام أن ميزان العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة والأخرى على جهنم ولو وضعت السموات والأرض في إحدهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ناظر إلى لسانه، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله فيوضع في الآخرة فترجح" تفسير : قال القاضي: يجب أن يحمل هذا على أنه يأتي بالشهادتين بحقهما من العبادات وإلا كان إغراء على المعصية. ورد بأنه خلاف الظاهر وبأنه لا يبعد أن يكون ثواب كلمة الشهادة أوفى وأوفر من سائر الأعمال لأن معرفة الله تعالى أشرف العقائد والأعمال. وروى الواحدي في البسيط أنه إذا خف حسنات المؤمن أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجزته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم: بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وخلقك فمن أنت؟ فيقول: أنا نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصليها عليّ قد وافتك أحوج ما تكون إليها القول الثاني قول مجاهد والضحاك والأعمش وكثير من المتأخرين أن المراد من الميزان العدل لأن العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر إلا بالوزن والكيل فلا يبعد جعل الوزن مجازاً عن العدل. ومما يؤكد ذلك أن أعمال العباد أعراض وأنها قد فنيت وعدمت ووزن المعدوم محال وكذا لو قدر بقاؤها. وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال فنقول: المكلف يوم القيامة إما أن يكون مقراً بأنه تعالى عادل حكيم وحينئذٍ يكفيه حكم الله تعالى بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب، وإما أن لا يكون مقراً فلا نعرف من رجحات الحسنات على السيئات وبالعكس حقية الرجحان. أجاب الأولون بأن جميع المكلفين يعترفون يوم القيامة أنه تعالى منزه عن الظلم والجور لكن الفائدة في وضع الميزان ظهور الرجحان لأهل الموقف وازدياد الفرح والسرور للمؤمن وبالضدّ للكافر. واختلف العلماء أيضاً في كيفية الرجحان فقال بعضهم: يظهر هناك نور في رجحان الحسنات وظلمة في رجحان السيئات. وقال آخرون: بل يظهر الرجحان في الكفة. واختلف أيضاً في الموازين فقيل: إنها جمع موزون وأراد الأعمال الموزونة والميزان المنصوب واحد. ولئن سلم أنها جمع الميزان فالعرب قد توقع لفظاً لجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الأفراس والبغال. قاله الزجاج. وقال الأكثرون: كما لا يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل قال عز من قائل:{أية : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة}تفسير : [الأنبياء: 47] وأيضاً لا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان ولأفعال الجوارح ميزان ولما يتعلق بالقول ميزان آخر. ثم إن المرجئة الذين يقولون المعصية لا تضر مع الإيمان قالوا: إن الله حصر أهل الموقف في قسمين منهم من تزيد حسناته على سيئاته ومنهم على العكس ولا ريب أن هذا القسم أهل الكفر لأنه حكم عليهم بأنهم الذين خسروا أنفسهم بسبب الظلم بآيات الله أي التكذيب بها وهذا لا يليق إلا بالكافر. ولئن سلم أن العاصي معاقب لكنه يعاقب أياماً ثم يعفى عنه ويتخلص إلى رحمة الله تعالى فهو بالحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال ولا انقطاع. قيل: في الآية دلالة على أن الذي تكون حسنات وسيئاته متعادلتين متساويتين غير موجود والله أعلم. ثم لما فرغ من التخويف بالعذاب الآجل رغب الخلائق في قبول دعوة الأنبياء بطريق آخر وهو تذكير النعم فإن ذلك يوجب الطاعة فقال: {ولقد مكناكم في الأرض} أقدرناكم على التصرف فيها {وجعلنا لكم فيها معايش} هي جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها، أو ما يتوصل به إلى ذلك وبالجملة وجوه المنافع التي تحصل بتخليق الله تعالى ابتداء كالأثمار، أو بواسطة كالاكتساب والوجه في معايش تصريح الياء لأنها أصلية لا زائدة كصحائف بالهمز في صحيفة. وعن ابن عامر أو نافع في بعض الروايات الهمز تشبيهاً بصحائف واستبعده النحويون البصريون. ثم عاتب المكلفين بأنهم لا يقومون بشكر نعمه كما ينبغي فقال: {قليلاً ما تشكرون} وفيه إشارة إلى أنهم قد يشكرون {أية : وقليل من عبادي الشكور}تفسير : [سبأ: 13]. التأويل: {المص} هو إله من لطفه أفرد عباده للمحبة وللمعرفة وأنعم عليهم بالصدق والصبر لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة {كتاب أنزل على قلبك} فانفسح له صدرك وانشرح فلم يبق فيه ضيق وحرج بخلاف ما أنزل من الكتب في الألواح والصحف فقد عرض لبعضهم ضيق عطن فألقى الألواح. وكما شرف نبيه بالكتاب المنزل على قلبه حتى صار خلقه القرآن شرف أمته بأن أمرهم باتباع ما أنزل إليهم ليتخلقوا بأخلاق الله. {وكم من قرية} قبل أفسدنا استعدادها {فجاءها بأسنا} أي إزاغة قلوبهم بإصبع القهارية وأهلها نائمون على فراش الحسبان {قائلون} في نهار الخذلان فما كان ادّعاؤهم إلا أن قالوا من قصر نظرهم لا من طريق الأدب {إنا كنا ظالمين} فنسبوا التصرف إلى أنفسهم ولم يعلموا أن الله تعالى مقلب أفئدتهم وأبصارهم {فلنسئلن الذين أرسل إليهم} وهم عامة الخلائق هل قبلتم الدعوة وعملتم بما أمرتم أم لا فيكون السؤال سؤال تعنيف وتعذيب أو هم الذين قبلوا الدعوة فيكون السؤال سؤال تشريف وتقريب {ولنسئلن المرسلين} سؤال إنعام وإكرام هل بلغتم وهل وجدتم أمماً قابِلِي الدعوة {فلنقصن عليهم بعلم} فليعلمن أنا ما أرسلنا الرسل إليهم عبثاً وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وخطب جسيم {وما كنا غائبين} عن الرسل بالنصر والمعونة وعن المرسل إليهم بالتوفيق والعناية {والوزن يومئذ} لأهل الحق لا الباطل لا نقيم لهم يوم القيامة وزناً. روي أنه يوم القيامة يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة. {فمن ثقلت موازينه} بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأحوال الكاملة {فأولئك هم المفلحون} من شر أنانيتهم وإنما جمع الموازين لأن لبدن كل مكلفٍ ميزاناً يوزن به أعماله ولنفسه ميزاناً يوزن به صفاتها ولقلبه ميزاناً يوزن به أوصافه ولروحه ميزاناً يوزن به نعوته ولسره ميزاناً يوزن به أحواله ولخفيه ميزاناً يوزن به أخلاقه. والخفي لطيفة روحانيّة قابلة لفيض الأخلاق الربانية ولهذا قال صلى الله عليه وآله:"حديث : ما وضع في الميزان شيء أقل من حسن الخلق"تفسير : وذلك أنه ليس من نعوت المخلوقين وإنما هو خلق رب العالمين والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه {خسروا أنفسهم} أفسدوا استعدادها {ولقد مكناكم} هيأنا لكم خلافة الأرض دون غيركم من الحيوانات والملك {وجعلنا لكم} خاصة {معايش} ولكل صنف من الملك والحيوانات معيشة واحدة وذلك أن الإنسان مجموع من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية. فمعيشة الملك هي معيشة روحه، ومعيشة الحيوان هي معيشة بدنه، ومعيشة الشيطان هي معيشة نفسه الأمارة بالسوء، وقد حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية وإنها لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي الشهود، ومعيشة سره هي الكشوف، ومعيشة خفيه هي الوصال والوصول.

الثعالبي

تفسير : قوله جَلَّتْ عظمتُهُ: {الۤمۤصۤ كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} تقدم القول في تَفْسِيرِ الحروف المقطعة في أوائل السور، والحَرَجُ: الضيقُ ومنه: الحَرِجَةُ؛ الشجر الملتف الذي قد تَضَايَقَ، والحرج هاهنا يعم الشَّك، والخوف، والهم، وكل ما يَضِيقُ الصدر، والضمير في «منه» عائد على الكتاب، أي: بسبب من أسبابه. وقوله سبحانه: {فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} اعتراض في أثناء الكلام، ولذلك قال بعض الناس: إن فيه تَقْدِيماً وتأخيراً. وقوله: {وَذِكْرَىٰ} معناه تَذْكرة وإِرشاد. وقوله سبحانه: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ} أَمْرٌ يعمُّ جَمِيعَ الناس، {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ}، أي: من دون ربكُمُ {أَوْلِيَاءَ} يريد: كل مَنْ عُبِدَ، واتبعَ من دون اللَّه، {وقليلاً}: نعت لمصدر نصب بفعل مُضْمَر. وقال مكي: هو منصوب بالفِعْلِ الذي بَعْدَهُ، و«ما» في قوله: {مَّا تَذَكَّرُونَ} مصدرية.

ابن عادل

تفسير : قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "آلمص: أنا اللَّهُ أَفَصِّلُ"، وعنه "أنا اللَّهُ أعلمُ وأفَصِّلُ". وقد تقدَّم الكلامُ على الأحْرُفِ المقطَّعَة في أوَّلِ الكتابِ. وقال السُّدِّيُّ - رضي الله عنه -: "آلمص" على هجاءِ قولنا في أسماءِ اللَّه "سبحانه المصورُ". قال القَاضِي - رحمه الله -: ليس حَمْلُ هذا اللَّفْظِ على قولنا: أنا الله أفصل أولى من [حمله] على قوله: "أنَّا اللَّهُ أصْلِحُ"، [أنا الله أمتحن، أنا الله أملك؛ لأنَّهُ إن كانت العبرةُ بحرفِ الصَّادِ فهو موجودٌ في قوله: أنَا اللَّهُ أصْلِحُ،] وإن كانت العبرةُ بحرف الميم فكما أنَّهُ موجودٌ في العلم فهو أيضاً موجود في الملك، والامتحان، فكان حَمْلُ قولنا "آلمص" على هذا المعنى بِعَيْنِهِ محضُ التَّحَكُّم، وأيضاً فإنْ جاء تفسيرُ الألفاظِ بناءً على ما فيها من الحروفِ من غير أنْ تكون تِلْكَ اللفظَةُ موضوعة في اللُّغَةِ لذلِكَ المَعْنَى؛ انْفَتَحَتْ طريقةُ البَاطنيّة في تفسير سائرِ [ألفاظ] القرآنِ الكريمِ بما يُشَاكِلُ هذا الطريق. وأمَّا قولُ بعضهم: إنَّهُ من أسماء اللَّهِ - تبارك وتعالى - فأبعدُ؛ لأنه ليس جعله اسْماً للَّه أولى من جعله اسماً لبعض رُسُلِهِ من الملائِكَةِ، أو الأنبياءِ - عليهم، وعلى نبيِّنَا أفضلُ الصَّلاة والسَّلام -، ولأن الاسمَ إنَّمَا يَصيرُ للمسمَّى بواسِطَةِ الوَضْعِ والاصطلاح وذلك مفقودٌ هُنَا، بل الحقُّ أنَّ قول: "آلمص" اسم لقب لهذه السُّورة الكريمة، وأسماءُ الألقابِ لا تفيد ههنا فائدة في المسمَّيات، بل هي قائِمَةٌ مقامَ الإرشاداتِ، وللَّهِ - تبارك وتعالى - سبحانهُ أن يسمِّي هذه السورةَ بقوله: "آلمص" كما أنَّ الواحد مِنَّا إذا حدث له ولدٌ فإنَّهُ يسمِّيه بمحمَّدٍ. قوله: "كِتَابٌ": يجوز أن يكون خبراً عن الأحْرُف قَبْلَهُ، وأن يكون خبراً لمبتدأ مُضْمَرٍ، أي: هو كتابٌ، كذا قدَّرهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. ويجوز أن يكون كتابٌ مبتدأ و "أنْزِلَ" صفتُهُ و "فَلاَ تَكُنْ" خبره، والفاءُ زائدةٌ على رأي الأخْفَشَ أي: كتابٌ موصوفٌ بالإنزالِ إليكَ، لا يكنْ في صدرك حرجٌ منهُ، وهو بعيدٌ جدّاً. والقائمُ مقام الفاعل في "أنْزِلَ" ضميرٌ عائد على الكتابِ، ولا يجوز أن يكون الجارَّ؛ لئلا تخلو الصفةُ من عائدٍ. والمرادُ بالكتابِ القرآن الكريم. فإن قيل: الدَّلِيلُ الذي دَلَّ على صِحَّةِ نُبُوَّةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم هو أن اللَّه - تبارك وتعالى - جَدُّهُ لا إله إلاَّ هو - خصَّهُ بإنزالِ هذا القرآن عليه فما لم نعرف هذا المعنى لا يمكننا أن نعرف نبوته، وما لم نَعْرِف نبوته لا يمكننا أن نحتج بقوله فلو أثبتنا كَوْنَ هذه السورة نازلةً من عند الله - تبارك وتعالى - بقولِهِ لَزِمَ الدَّوْرُ؟ فالجوابُ: نَحْنُ نعلم بمحضِ العَقْلِ أنَّ هذه السورة الكريمة كِتَابٌ أنْزِلَ إليه من عِنْدِ اللَّهِ؛ لأنه عليه أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلام ما تَتَلْمَذَ لأسْتَاذٍ، ولا تعلم من مُعَلِّمٍ، ولا طَالَعَ كِتَاباً، ولم يخالطِ العلماء والشُّعراءَ وَأهلَ الأخْبَارِ، وانقضى من عمره صلى الله عليه وسلم أرْبَعُونَ سَنَةً ولم يتفق له شيءٌ من هذه الأحوالِ، ثم بعد الأربعينَ ظهر له هذا الكتابُ العزيزُ المشتملُ على علوم الأولينَ والأخرينَ، والعقلُ يشهدُ بأنَّ هذا لا يحصل إلا بطريقِ الوَحْيِ من عند اللَّه - تبارَك وتعالى -؛ فثبت بهذا الدَّليل العقلي أن هذا الكتاب أنزل على مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم من عند ربه وإلهه عز وجل. فصل في دحض شبهة خلق القرآن احتج القائلون بخلق القرآن الكريم بقوله: {أية : كِتَابُ أنزِلَ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 2]، فوصف بكونه منزلاً والإنْزَالُ يقتضي الانتقال من حالٍ إلى حالٍ، وذلك لا يليقُ بالقَدِيم فَدَل على أنَّهُ محدث. والجوابُ أن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز [هو] هذه الحروف ولا نزاع في كونها محدثةً مخلوقةً. فإن قيل: هَبْ أنَّ المرادَ منه الحروف إلاَّ أنَّه الحروفَ أعْرَاضٌ غير باقية بدليل أنّها متوالية وكونها متوالِيةً يُشْعِرُ بعدمِ بقائِهَا، وإذا كان كذلك فالعَرَضُ الذي لا يَبْقَى زَمَانَيْنِ كيف يعقل وصفه بالنزول؟ فالجوابُ: أنَّهُ سبحانه وتعالى أحْدَثَ هذه الرُّقُومَ والنُّقُوشَ في اللَّوْحِ [المَحْفُوظِ]، ثم أنَّ الملك يطالعُ تلك النُّقوش، وينزِّل من السَّماءِ إلى الأرض ويعلِّم محمداً - صلوات اللَّهِ وسلامه عليه - تلك الحروفَ والكلماتِ، فكان المرادُ بكَوْنِ تلك الحروفِ نازلةً هو: أنَّ مبلغها نزل من السَّمَاءِ إلى الأرْضِ. فصل في تأويل المكانية الَّذين أثبتوا للَّه مَكَاناً تمسَّكُوا بهذه الآيةِ فقالوا: إنَّ كلمة "مِنْ" لابتداءِ الغَايَةِ، وكلمة "إلَى" لانتهاء الغاية، فقوله: "أنزِلَ إليْكَ" يقتضي حصول مسافةٍ مبدؤهَا هو اللَّهُ - تبارك وتعالى - وغايتها هو مُحَمَّد - عليه أفضل الصلاة والسلام -، وذلك يَدُلُّ على أنَّهُ تبارك وتعالى مختص بجهة فوق؛ لأن النُّزُولَ هو الانتقالُ من فوق إلى أسفل. والجوابُ: لمَّا ثبت بالدَّلائل القاطِعَةِ أن المكان والجهة على اللَّهِ سُبْحَانَهُ وتعالى محال وجب حملُهُ على التَّأويلِ وهو أنَّ الملك انتقل من العلو إلى أسفل.

البقاعي

تفسير : لما ذكر سبحانه في آخر التي قبلها أنه أنزل إليهم كتاباً مباركاً، وأمر باتباعه وعلل إنزاله وذكر ما استتبعه ذلك مما لا بد منه في منهاج البلاغة وميدان البراعة، وكان من جملته أن أمر المدعوين به ليس إلا إليه، إن شاء هداهم وإن شاء أضلهم واستمر فيها لا بد منه في تتميم ذلك إلى أن ختم السورة بما انعطف على ما افتتحت به، فاشتد اعتناقه له حتى صارا كشيء واحد؛ أخذ يستدل على ما ختم به تلك من سرعة العقاب وعموم البر والثواب وما تقدمه، فقال مخبراً عن مبتدإ تقديره: هو {كتاب} أي عظيم أوضح الطريق المستقيم فلم يدع بها لبساً ولم يذر خيراً إلا أمر به ولا شراً إلا نهى عنه، فإنزاله من عظيم رحمته؛ ثم وصفه بما أكد ما أشار إليه من رحمته بقوله: {أنزل إليك} أي وأنت أكرم الناس نفساً وأوسعهم صدراً وأجملهم قلباً وأعرقهم إصالة وأعرفهم باستعطاف المباعد واستجلاب المنافر المباغض، وهذا شيء قد خصك به فرفعك على جميع الخلق درجات لا تحصى ومراتب لا حد لها فتستصى. ولما كان المقصود من البعثة أولاً النذارة للرد عما هم عليه من الضلال، وكانت مواجهة الناس بالإنذار شديدة على النفوس، وكان الإقدام عليها من الصعوبة بمكان عظيم؛ قدم قوله مسبباً عن تخصيصه بهذه الرحمة: {فلا يكن} وعبر عن القلب بمسكنه الذي هو أوسع منه مبالغة في الأمر فقال: {في صدرك حرج} أي شيء من ضيق بهم أو خوف أو نحو ذلك {منه} على ما تعلق بـ" أنزل" من قوله: {لتنذر به} أي نذري لكل من بلغه أو للمخالفين من سرعة العقاب على نحو ما أوقع سبحانه بالقرون الماضية والأمم السابقة - كما أشار إليه آخر الأنعام، وسيقص من أخبارهم من هذه السورة {و} لتنذر به {ذكرى} أي عظيمة {للمؤمنين*} أي بالبشر والمواعظ والغفران والرحمة على ما أشار إليه ختام الأنعام، وحذف المفعول يدل على عموم الرسالة لكل من أمكن إنذاره وتذكيره من العقلاء، ويجوز أن تتعلق لام "لتنذر" بمعنى النهي، أي انف الحرج لكذا، فإن من كان منشرح الصدر أقدم على ما يريد أو يحرج، أي لا يكن الحرج الواقع لأجل أن تنذر، أي لأجل إنذارك به، والنهي للنبي صلى الله عليه وسلم، حُوّل إلى الحرج مبالغة وأدباً، ويجوز أن يكون التقدير: لتنذر به وتذكر به، فإنه نذرى للكافرين وذكرى للمؤمنين، والآية على كل تقدير من الاحتباك: إثباته "لتنذر" أولاً، دال على حذف "لتذكر" ثانياً، وإثبات المؤمنين ثانياً دال على حذف المخالفين أولاً، فإن النفوس على قسمين: نفوس بليدة جاهلة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في طلب اللذات الجسمانية والشهوات الحيوانية فبعثة الرسل في حقهم إنذار وتخويف، ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلٰهية فبعثة الرسل في حقهم تذكير لأن هذه النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية وجبلتها الخلقية مستعدة للانجذاب إلى عالم القدس إلا أنه ربما غشيها غواش من عالم الأجساد فيعرض لها نوع ذهول وغفلة، فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصلت بها أنوار أرواح رسل الله تذكرت مركزها وأبصرت منشأها، فاشتاقت إلى ما حصل هناك من الروح والريحان فطارت نحوهم كل مطار فتمحضت لديها تلك الأنوار؛ وقال أبو حيان: واعتلاق هذه السورة بما قبلها هو أنه لما ذكر تعالى قوله:{أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه}تفسير : [الأنعام: 155] واستطرد ممنه لما بعده إلى قوله في آخر السورة{أية : وهو الذي جعلكم خلائف الأرض}تفسير : [الأنعام: 165] وذكر ابتلاءهم فيما آتاهم، وذلك لا يكون إلا بالتكاليف الشرعية، ذكر ما يكون به التكاليف، وهو الكتاب الإلهي، وذكر الأمر باتباعه كما أمر في قوله{أية : وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه}تفسير : [الأنعام: 155] - انتهى. وقال شيخه الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما قال تعالى ابتداء بالاعتبار{أية : ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرينتفسير : [الأنعام: 6] ثم قال تعالى{أية : ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون}تفسير : [الأنعام:10] ثم قال تعالى:{ أية : قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين}تفسير : [الأنعام: 11] ثم قال تعالى{أية : ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا } تفسير : [الأنعام: 34] وقال تعالى{أية : ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء}تفسير : [الأنعام:42]، وقال تعالى {أية : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي}تفسير : [الانعام: 13] فوقعت الإحالة في هذه الآي على الاعتبار بالأمم السالفة وما كان منهم حين حين كذبوا أنبياءهم وهلاك تلك القرون بتكذيبهم وعتوهم وتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم بجريان ما جرى له بمن تقدمه مت الرسل{أية : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون }تفسير : [الأنعام: 33] فاستدعت الإحالة والتسلية بسط أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية، والإعلام بصبر الرسل - عليهم السلام - عليهم وتلطفهم في دعائهم، ولم يقع في السور الأربع قبل سورة الأنعام مثل هذه الإحالة والتسلية وقد تكررت في سورة الأنعام كما تبين بعد انقضاء ما قصد من بيان طريق المتقين أخذاً وتركاً وحال من حاد عن سننهم ممن رامه أو قصده فلم يوفق له ولا أتم له أمله من الفرقتين: المستندة للسمع والمعتمدة للنظر، فحاد الأولون بطارىء التغيير والتبديل، وتنكب الآخرون بسوء التناول وقصور الأفهام وعلة حيد الفريقين السابقة الأزلية؛ فلما انقضى أمر هؤلاء وصرف الخطاب إلى تسليته عليه السلام وتثبيت فؤاده بذكر أحوال الأنبياء مع أممهم وأمر الخلق بالاعتبار بالأمم السالفة، وقد كان قدّم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكر الأنبياء{أية : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}تفسير : [الأنعام: 90] بسط تعالى حال من وقعت الإحالة عليه، واستوفى الكثير من قصصهم إلى آخر سورة هود إلى قوله سبحانه {أية : وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك}تفسير : [هود:120] فتأمل بما افتتحت به السورة المقصودة بها قصص الأمم وبما اختتمت يَلُح لك ما أشرت إليه - والله أعلم بمراده، وتأمل افتتاح سورة الأعراف بقوله{أية : فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين}تفسير : [الأعراف: 7] وختم القصص فيها بقوله: {أية : فاقصص القصص لعلهم يتفكرون}تفسير : [الأعراف: 176] بعد تعقيب قصص بني إسرائيل بقصة بلعام {أية : واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا}تفسير : [الأعراف:175]، ثم قال: {أية : ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا}تفسير : [الأعراف: 176] فتأمل هذا الإيماء بعد ذكر القصص، وكيف ألحق مَنْ كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب وغيرهم بمن قص ذكره من المكذبين، وتأمل افتتاح ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام وكلاهما ممن كفر على علم، وفي ذلك أعظم موعظة، قال الله تعالى إثر ذلك {أية : من يهد الله فهو المهتدي}تفسير : [الأعراف: 178]، فبدأ الاستجابة بنبيه صلى الله عليه وسلم بذكر ما أنعم عليه وعلى من استجاب له فقال تعالى: {الۤمۤصۤ كتاب أنزل إليك} [الأعراف: 1-2] فأشار إلى نعمته بإنزال الكتاب الذي جعله هدى للمتقين، وأشار هنا ما يحمله عليه من التسلية وشرح الصدور بما جرى من العجائب والقصص مع كونه هدى ونوراً، فقال {فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف: 2] أي أنه قد تضمن مما أحلناك عليه ما يرفع الحرج ويسلي النفوس لتنذر به كما أنذر من قبلك ممن نقص خبره من الرسل، ولتستن في إنذارك ودعائك وصبرك سننهم، وليتذكر المؤمنون؛ ثم أمر عباده بالاتباع لما أنزله فقال: {أية : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم}تفسير : [الأعراف: 3] فإنة هلاك من نقص عليكم خبره من الأمم إنما كان لعدم الاتباع والركون إلى أوليائهم من شياطين الجن والإنس، ثم أتبع ذلك بقصة آدم عليه السلام ليبين لعباده ما جرت سنته فيهم من تسلط الشياطين وكيده وأنه عدو لهم {أية : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة}تفسير : [الأعراف: 27] ووقع في قصة آدم هنا ما لم يقع في قصة البقرة من بسط ما أجمل هناك كتصريح اللعين بالحسد وتصور خيريته بخلقه من النار وطلبة الإنظار والتسلط على ذرية آدم والإذن له في ذلك ووعيده ووعيد متبعيه ثم أخذ في الوسوسة إلى آدم عليه السلام وحلفه له {أية : وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين}تفسير : [الأعراف: 21] وكل هذا مما أجمل في سورة البقرة ولم تتكرر قصة إلا وهذا شأنها، أعني أنها تفيد مهما تكررت ما لم يكن حصل منها أولاً؛ ثم انجزت الآي إلى ابتداء قصة نوح عليه السلام واستمرت القصص إلى قصص بني إسرائيل، فبسط هنا من حالهم وأخبارهم شبيه ما بسط في قصة آدم وما جرى من محنة إبليس، وفصل هنا الكثير وذكر ما لم يذكر في البقرة حتى لم يتكرر بالحقيقة ولا التعرض لقصص طائفة معينة فقط، ومن عجيب الحكمة أن الواقع في السورتين من كلتا القصتين مستقل شاف، وإذا ضم بعض ذلك إلى بعض ارتفع إجماله ووضح كماله، فتبارك من هذا كلامه ومن جعله حجة قاطعة وآية باهرة. ولما أعقب تعالى قصصهم في البقرة بأمره نبيه والمؤمنين بالعفو والصفح فقال تعالى{أية : فاعفوا واصفحوا}تفسير : [البقرة: 109] أعقب تعالى أيضاً هنا بقوله لنبيه عليه الصلاة والسلام {أية : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}تفسير : [الأعراف: 199] وقد خرجنا عن المقصود فلنخرج إليه - انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {آلمص} قال: أنا الله أفصل . وأخرج ابن جرير عن سعيد في قوله {آلمص} قال: أنا الله أفصل . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن ابن عباس في قوله {آلمص} وطه، وطسم، ويس، وص، وحم، وحم عسق، وق، ون، وأشباه هذا فإنه قسم أقسم الله به، وهي من أسماء الله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {آلمص} قال: هو المصوّر. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي في قوله {آلمص} قال: الالف من الله، والميم من الرحمن، والصاد من الصمد. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك {آلمص} قال: أنا الله الصادق .

ابو السعود

تفسير : (مكية غير ثماني آيات من قوله {واسألهم} إلى قوله {وإذ نتقنا الجبل} وآيها مائتان وخمس) {المص} إما مسرودٌ على نمط التعديدِ بأحد الوجهين المذكورين في فاتحة سورةِ البقرة فلا محلَّ له من الإعراب، وإما اسمٌ للسورة فمحلُّه الرفعُ على أنه خبرُ مبتدإٍ محذوفٍ، والتقديرُ هذا ألمص أي مسمّىً به، وتذكيرُ اسمِ الإشارة مع تأنيث المسمَّى لما أن الإشارةَ إليه من حيث إنه مسمّىً بالاسم المذكور لا من حيث إنه مسمّىً بالسورة وإنما صحت الإشارةُ إليه مع عدم سبقِ ذكرِه لما أنه باعتبار كونِه بصدد الذكرِ صار في حكم الحاضِر المشاهَد وقوله عز وجل: {كِتَابٌ} على الوجه الأولِ خبرُ مبتدإ محذوفٍ وهو ما ينبىء عنه تعديدُ الحروفِ كأنه قيل: المؤلَّفُ من جنس هذه الحروفِ مراداً به السورةُ كتابٌ الخ، أو اسمُ إشارةٍ أشير به إليه تنزيلاً لحضور المؤلَّفِ منه منزلةَ حضورِ نفسِ المؤلّف، أي هذا كتابٌ الخ، وعلى الوجه الثاني خبرٌ بعد خبرٍ جيء به إثرَ بـيانِ كونه مترجماً له باسمٍ بديع مُنبىءٍ عن غرابته في نفسه إبانةً لجلالة محلِّه ببـيان كونِه فرداً من أفراد الكتبِ الإلٰهيةِ حائزاً للكمالات المختصَّة بها وقد جُوّز كونُه خبراً، وألمص مبتدأٌ أي المسمّى بألمص كتابٌ وقد عرفتَ ما فيه من أن ما يجعل عنواناً للموضوع حقُّه أن يكون قبل ذلك معلومَ الانتسابِ إليه عند المخاطَب، وإذْ لا عهدَ بالتسمية قبلُ فحقُّها الإخبارُ بها {أَنزَلَ إِلَيْكَ} أي من جهته تعالى بُني الفعلُ للمفعول جرياً على سَنن الكبرياءِ وإيذاناً بالاستغناء عن التصريح بالفاعل لغاية ظهورِ تعيُّنِه وهو السرُّ في ترك ذكرِ مبدأ الإنزال كما في قوله جل ذكره: {أية : بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } تفسير : [المائدة، الآية 67] ونظائرِه والجملةُ صفةٌ لكتابٌ مشرِّفةٌ له ولمن أُنزل إليه وجعلُه خبراً له على معنى: كتابٌ عظيمُ الشأنِ أُنزل إليك خلاف الأصل {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ} أي شك كما في قوله تعالى: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } تفسير : [يونس، الآية 94] خلا أنه عبّر عنه بما يلازمه من الحَرَج فإن الشاكَّ يعتريه ضيقُ الصدرِ كما أن المتيقِّنَ يعتريه انشراحُه وانفساخُه مبالغةً في تنزيه ساحتِه عليه الصلاة والسلام، وما قد يقع من نسبته إليه في ضمن النهي فعلى طريقةِ التهيجِ والإلهاب والمبالغة في التنفير والتحذيرِ بإيهام أن ذلك من القبح والشرِّية بحيث ينهىٰ عنه من لا يمكنُ صدورُه عنه أصلاً فكيف بمن يُمكن ذلك منه، والتنوينُ للتحقير والجرُّ في قوله تعالى: {مِنْهُ} متعلقٌ بحرَجٌ يقال: حرِج منه أي ضاق به صدرُه أو بمحذوف وقع صفةً به أي حرجٌ كائنٌ منه أي لا يكن فيك ما في حقِّيته أو في كونه كتاباً منزلاً إليك من عنده تعالى، فالفاءُ على الأول لترتيب النهي أو الانتهاء على مضمون الجملةِ فإنه مما يوجب انتفاءَ الشكِّ فيما ذُكر بالكلية وحصولَ اليقينِ به قطعاً، وأما على الثاني فهي لترتيب ما ذُكر على الإخبار بذلك لا على نفسه فتدبر. وتوجيه النهي إلى الحرَج مع أن المرادَ نهيُه عليه الصلاة والسلام عنه إما لما مر من المبالغة في تنزيهه عليه الصلاة والسلام عن الشك فيما ذُكر فإن النهيَ عن الشيء مما يوهم إمكانَ صدورَ المنهيِّ عنه عن المنْهيّ، وإما للمبالغة في النهي فإن وقوعَ الشكِّ في صدره عليه الصلاة والسلام سببٌ لاتصافه عليه الصلاة والسلام به، والنهيُ عن السبب نهيٌ عن المسبَّب بالطريق البرهاني ونفيٌ له من أصله بالمرة كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ }تفسير : [المائدة، الآية 2]، وليس هذا من قبـيل لا أُرَيَنّك هٰهنا فإن النهيَ هناك واردٌ على المسبب مرادٌ به النهيُ عن السبب فيكونُ المآلُ نهيَه عليه الصلاة والسلام عن تعاطي ما يُورِثُ الحرَجَ فتأملْ. وقيل: الحرجُ على حقيقته أي لا يكنْ فيك ضيقُ صدرٍ من تبليغه مخافةَ أن يكذّبوك وأن تُقصِّر في القيام بحقه فإنه عليه الصلاة والسلام كان يخاف تكذيبَ قومِه له وإعراضَهم عنه فكان يضيق صدرُه من الأداء ولا ينبسِطُ له فآمنه الله تعالى ونهاه عن المبالاة بهم، فالفاءُ حينئذ للترتيب على مضمون الجملةِ أو على الإخبار به فإن كلاًّ منهما موجبٌ للإقدام على التبليغ وزوالِ الخوفِ قطعاً وإن كان إيجابُه الثاني بواسطة الأول، وقولُه تعالى: {لِتُنذِرَ بِهِ} أي بالكتاب المنزل متعلقٌ بأُنزل وما بـينهما اعتراضٌ توسّط بـينهما تقريراً لما قبله وتمهيداً لما بعده وحسماً لتوهم أو موردَ الشكِّ هو الإنزالُ للإنذار وقيل: متعلقٌ بالنهي فإن انتفاءَ الشكِّ في كونه منزلاً من عنده تعالى موجبٌ للإنذار به قطعاً وكذا انتفاءُ الخوفِ منهم أو العلمُ بأنه موفقٌ للقيام بحقه موجبٌ للتجاسر على ذلك. وأنت خبـيرٌ بأنه لا يتأتى على التفسير الأولِ لأن تعليلَ النهي عن الشك بما ذكر من الإنذار والتذكيرِ ـ مع إيهامه لإمكان صدورِه عنه عليه الصلاة والسلام ـ مُشعرٌ بأن المنهيَّ عنه ليس محذوراً لذاته بل لإفضائه إلى فوات الإنذارِ والتذكير لا أقل من الإيذان بأن ذلك معظمُ غائلتِه ولا ريب في فساده، وأما على التفسير الثاني فإنما يتأتى التعليلُ بالإنذار لا بتذكير المؤمنين إذ ليس فيه شائبةُ خوفٍ حتى يُجعل غايةً لانتفائه، وقوله تعالى: {وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} في حيز النصبِ بإضمار فعلِه معطوفاً على تنذرَ أي وتذكّرَ المؤمنين تذكيراً، أو الجرِّ عطفاً على محل أن تنذرَ أي للإنذار والتذكير، وقيل: مرفوعٌ عطفاً على كتابٌ أو خبرٌ لمبتدإ محذوفٍ، وتخصيصُ التذكيرِ بالمؤمنين للإيذان باختصاص الإنذارِ بالكفرة أي لتنذرَ به المشركين وتذكرَ المؤمنين، وتقديمُ الإنذار لأنه أهمُّ بحسب المقام.

التستري

تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: {الۤمۤصۤ}[1] يعني أنا الله أقضي بين الخلق بالحق، ومن هذه الحروف اسم الله تعالى وهو الصمد.

السلمي

تفسير : حكى محمد بن عيسى الهاشمى عن ابن عطاء أنه قال: لما أظهر الله صورة الأحرف جعل لها سرًا، فلما خلق آدم بث فيه ذلك السر ولم يبثه فى الملائكة، فجرت الأحرف على لسان آدم بفنون الجريان وفنون اللغات، فجعلنا الله صورة لها. وقال الحسين: الألف ألف المألوف واللام لام الآلاء، والميم ميم الملك، والصاد صاد الصدق. وقال: فى القرآن علم كل شىء وعلم القرآن فى الأحرف الست فى أوائل السور، وعلم الحروف فى لام الألف، وعلم لام الألف فى الألف، وعلم الألف فى النقطة، وعلم النقطة فى المعرفة الأصلية، وعلم المعرفة الأصلية فى الأقوال، وعلم الأول فى المشيئة، وعلم المشيئة فى غيب الهو، وغيب الهو ليس كمثله شىء. وقيل فى قوله: {الۤمۤصۤ}. قال: أنا الله أفضل. وقال أبو محمد الجريرى: إن لكل حرف ولفظ من الحروف مشربًا وفهمًا غير الآخر، ومن شرح ذلك حين سمعه يقول: {الۤمۤصۤ} الألف عندهم للفهم فى محضرهم استماع إلى حسن مخرج، وطعم عذب موجود ونظر إلى المتكلم وكذلك اللام حسن استماع من مخرج غير الألف، وطعم فهم موجود وكذلك الميم حسن استماع من مخرج غير اللام، وطعم فهو موجود، والصاد حسن استماع إلى حسن مخرج، وطعم فهم موجود غير الميم فممزوج ذلك كله بملاحظة متكلمه. وقال الحسين فى قوله: {الۤمۤصۤ} الألف ألف الأزل واللام لام الأبد والميم بينهما والصاد اتصال من اتصل به وانفصال من انفصل عنه، وفى الحقيقة الاتصال والانفصال وهى ألفاظ تجرى على حسن العبارات، ومعادن الحق مصونة عن الألفاظ والعبارات.

القشيري

تفسير : هذه الحروف من المتشابه في القرآن على طريقة قوم من السَلَف، والحق - سبحانه - مستأثر بعلمها دون خلقه. وعلى طريقة قوم فلها معانٍ تُعْرَف، وفيها إشارات إلى أشياء توصَف: فالألِف تشير إلى أُلفة الأرواح العطرة أصابت الشكلية مع بعض الأرواح العطرة، فهي - في التحقيق - في ذلك المعنى كالمتحدة؛ فمنه تقع الألفة بين المتشاكين، ولأجل اتحاد المقصود يتفق القاصدون. ويقال أَلِفَ القلبُ حديثَه فلم يحتشم من بَذْل روحه. ويقال الألف تجرُّد مَنْ قَصَدَه عن كل غَيْرٍ فلم يتصل بشيء، وحين استغنى عن كل شيء اتصل به كل شيء على جهة الاحتياج إليه. ويقال صورة اللام كصورة الألف ولكن لما اتصلت بالحروف تعاقبتها الحركات كسائر الحروف؛ فمرةً أصبحت مفتوحة، ومرةً مسكونة، ومرة مرفوعة، وأمّا الألف التي هي بعيدة عن الاتصال بالعلاقات فباقية على وصف التجرد عن تعاقب الحركات عليها فهي على سكونها الأصلي. وأمّا الصاد فتشير إلى صدق أحوال المشتاقين في القصد، وصدق أحوال العارفين في الوجد، وتشير إلى صدق قلوب المريدين وأرباب الطلب، إذ العطش نعت كلِّ قاصد، كما أن الدهشة وصف كل واحد. ويقال الصاد تبدي محبةً للصدورِ وهو بلاء الأحباب. ويقال الصاد تطالبك بالصدق في الود، وأمارة الصدق في الود بلوغ النهاية والكمال، حتى لا يزيد بالبر، ولا ينقص بالمنع.

البقلي

تفسير : {الۤمۤصۤ} كان الله سبحانه اذا اراد ان يتلكم مع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بقصص الانبياء وما جرى عليهم ---- والا عصار وشانه معهم فى الاسررا والحقائق والشرايع وراد ان يخصه عليه لاسلام بشريعته ----من طريقته الخاصة الى حضرته وتحيره مما كان وما يكون اشارة الى هذه الاشياء له بحروف التهجى وما على ---- محض الاشارة ولطيف الخطاب وعلم تعالى انه عليه الصلاة السلام يعرف بتلك الاشارة --- من علم سباق ونبأ طارق ولعم تعالى ان عموم امته لا يعرف تلك الاشارة فعبر عنها بسورة طويلة من القرأن --- مراده سبحانه من خطابه وخواص امته ربما يطلع على سر بعضها كالصحابة والتابعين والمتقدمين من الاولياء العلماء وكان حروف المقطاعات رموز معانى سور القرأن لا يعرف تلك الرموز الا الرباينون والابحار من الصديقين فههنا الالف اشارة الى أدم الا ترى ان اول اسم أدم الف اشارة الالف الى حاله وقصته وبدو امره وخلقته وعرضه على الملائكة ودخوله الجنة وخروجه منها وكان هو اصل الفطرة ومن تشعب منه فهو تابع له فى الذكر واشارة الالف الى علم الاسماء بقوله وعلم أدم اسماء التى فيها انباء جميع الذات والصفات والنعوت والافعال وعلم ما كان وما سيكون عرف نبيه محمد صلى الله عليه وأله وسلم ما عرف أدم بجميع الاسماء بحرف الالف لانه كان عليه الصلاة والسلام والطف الاولين والأخرين واكرمهم على الله وعلى قدر قربه اشارة الطلف واخفى واخبر باللام ههنا تعالى حبيبه قصة تجلاه لموسى والجبل وعرف بها تلك الاحوال الماضية الا ترى الى حرف اللام فى التجلى وعرف بحرف الميم شان موسى وقصته من والدا الى أخره الا ترى الى حرف الميم مراسم موسى وعرف بحرف صاد ههنا قصص نوح وهود وصالح وشغيب ولوط وجميع ما جرى عليهم من دبوهم الى أخر اعمارهم واخبر بحرف صد صبرهم وتحملهم فى بلائه وصدق مبحتهم بالوفاء والصدق بالاعمال والاقوال وتصديق ذلك وهو ان تحت الحروف جميع الكتب مندرجة ما روى فى الحديث عن قول النبى صلى الله عليه وأله وسلم ان الله سبحانه اعطى أدم حروف التهجى وكان كل حروف كتبا من الله تعالى اليه وايضا ابخر سبحانه بحرف الالف نبيه عليه السلام عن عين القدم ووحدانية نفسه المنزه عن الاجتماع والافتراق واصدر جميع المخلوقات مه لانه تعالى مصدر جيمع الوجود كما ان الالف مصدر جميع الحروف واخبر باللاف سر الاسرار وصرف الانوار وما كان فى جميع الحروف من علم الاولين والأخرين وهذا ادق اشاراته الى نبيه عليه السلام ثم زاد وضوحه بحرف اللام لترفيه حل طره وزيادة ادراكه ثم صرح الخطاب بحرف الميم وبين له بحرف الصاد وما كان فى الاحرف الخاص لان بحرف الصاد صفا جميع علومها له ثم علم العبارة للخلق بالسورة لقلة ادراكهم لعز الاسرار ولطائف مائر الاضمار وايضا اخبر بلام الف سر اوليته وما فى بحار ازليته لا ترى كيف شق الالف من اللام لاخفاء الاشارة حتى لم يبق حديث العد فى القدم وكيف يكون لامن من لام والف ومعناها العدم فشق احدهما عن الاخر حتى لا يكون حديث النفى لان النفى علة يقع على الحدثان وليس ذكر الحدثان فى القدم اخبر بالالف عن احدية الاولية وبالام عن الازلية السرمدية وبالميم عن محبته القدمية وبالصاد عن صافته القائمة بذاته الابدى اخبر بالالف عن الذات لانها عين الواحد ثم اخبر اللام والميم والصاد عن شمول صفاته القديمة الالف من الذات واللام من صفة الازل والميم من صفة المحبة والصاد خبر جميع الصفات قال محمد بن عيسى الهاشميى سمعت من ابن عطا انه قال لما خلق الله الارحف جعل لها سر فلما خلق أدم بث فيه ذلك السر ولم يبثة فى الملائكة فجرت الاحرف على لسان أدم بفنون الجريان وفنون اللغات جعله الله صورة لها قوال السين الالف الف المالوف واللام لام الالاء والميم ميم الملك الصاد صاد الصدق وقال فى القرأن علم كل شئ وعلم القرأن فى الاحرف التى فى اوائل السور وعلم الحروف فى لام الف وعلم لام الف فى الالف وعلم الالف فى النقطة وعلم النقطة فى المعرفة الاصلية وعلما لمعرفة الاصلية فى الازل ووعلم الازل فى المشية وعلم المشير فى غيب الهوى وغيب الهو ليس كمثله شئ وقال ابو محمد الجريرى ان لكل لفظ وحرف من الحروف ومشرب فهم غير الاخر ومن شراح ذلك حين سمعه يقول --- للالف عندهم فهم وللفهم فى محضرهم استماع الى احسن مخرج وطعم عذب موجود نظر الى المتكلم وكذلك اللام حسن استماع ومخرج غير الالف وطعم فهم موجود وكذلك للميم حسن استماع من مخرد غير اللام وطعم فهم موجود والصاد حسن استماع الى حسن مخرج وطعم فهم موجود غير الميم فمزوج ذلك كله بالملاحظة للمتكلم وقال الحسين الالف الف الازل واللام لام الابد والميم ما بنيهما والصاد اتصال من اتصل به وانفصال من انفصل عنه وفى الحقيقة الاتصال والانفصال وهذه الفاظ ترجى على حسب العبارات ومعادن الحق مصونه عن الالفاظ والعبارات.

اسماعيل حقي

تفسير : {المص} (ا) اشارة الى الذات الاحدية (ل) الى الذات مع صفة العلم (م) الى معنى محمد صلى الله عليه وسلم اى نفسه وحقيقته (ص) الى الصورة المحمدية وهى جسده وظاهره. وعن ابن عباس رضى الله عنهما (ص) جبل بمكة كان عليه عرش الرحمن حين لا ليل ولا نهار اشارة بالجبل الى جسد محمد صلى الله عليه وسلم. وبعرش الرحمن الى قلبه كما ورود فى الحديث "حديث : قلب المؤمن عرش الله ".تفسير : وقوله حين لا ليل ولا نهار اشارة الى الوحدة لان القلب اذا وقع فى ظل ارض النفس واحتجب بظلمة صفاتها كان فى الليل واذا طلع عليه نور شمس الروح واستضاء بضوئه كان فى النهار واذا وصل الى الوحدة الحقيقية بالمعرفة والشهور الذاتى واستوى عنده النور والظلمة لفناء الكل فيه كان وقته لا ليل ولا نهار ولا يكون عرش الرحمن الا فى هذا الوقت. فمعنى الآية ان وجود الكل من اوله الى آخره كتاب انزل اليك عمله كذا فى التأويلات القاشانية. وقال الشيخ نجم الدين انه تعالى بعد ذكر ذاته وصفاته بقوله {بسم الله الرحمن الرحيم} عرف نفسه بقوله {المص} يعنى الله اله من لطفه فرد عبده للمحبة والمعرفة وانعم عليه بالصبر والصدق لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة كتاب انزل اليك انتهى. وقال فى تفسير الفارسى [المص: نام قرآنست. يا اسم اين سوره. ياهر حرفى اشارتست باسمى ار اسماى الهى جون اله ولطيف وملك وصبور. ياهر حرفى كنايتست ارصفتى جون اكرام ولطف ومجد وصدق. يا ايمايست باسم المصور. يا بعض حروف دلالت براسمادارد بعض برافعال وتقدير جنان بودكه انا الله اعلم وافضل منم خداى كه ميدانم وبيان ميكنم يا ازهمه داناترم وحق از باطل جدا ميكردانم. در حقايق سلمى كويدكه. الف ازلست. ولام ابد. وميم ما بين ازل وابد. وصاد اشارتست باتصال هر متصلى وانفصال هر منفصلى وفى الحقيقه نه اتصال را مجال كنجايش ونه انفصال را محل نمايش] شعر : اين جه راهست اين برون ازفصل ووصل كاندرونى فرع مى كنجد نه اصل نى معانى نى عبارت نى عيان نى حقائق نى اشارت نى بيان بر ترست ازمدركات عقل ووهم لا جرم كم كشت دروى فكر وفهم جون بكلى روى كفت وكوى نيست هيجكس راجز خموشى روى نيست تفسير : يقول الفقير غفر الله ذنوبه ان الحروف المقطعة من المتشابهات القرآنية التى غاب علمها عن العقول وانما اعطى فهمها لاهل الوصول وكل ما قيل فيها فهو من لوازم معانيها وحقائقها فلنا ان نقول ان فيها اشارة الى هذا التركيب الصفاتى والفعلى الواحدى الابدى كان افرادا فى مرتبة الوحدة الذاتية الازلية فبالتجلى الالهى صار المفرد مركبا والمقطع موصلا والقوة فعلا والجمع فرقا وتعين النسب والاضافات كما ان اصل المركبات الكلامية هو حروف التهجى ثم بالتركيب يحصل اب ثم ابجد ثم الحمد لله وكما ان اصل الانسان بالنسبة الى تعين الجسم هو النطفة ثم بالتصوير يحصل التركيب الجسمى والله اعلم.

ابن عجيبة

تفسير : إما أن تكون مختصرة من المصطفى، على عادة العشاق؛ يرمزون إلى ذكر بعض حروف المحبوب، اتقاء الرقباء، أي: يا أيها المصطفى المختار لرسالتنا؛ هذا كتاب أنزل إليك، وإما أن تشير إلى العوالم الثلاثة: الجبروت والملكوت والملك. وزاد هنا الصاد، إشارة إلى صدقه فيما يُخبر به من علم الغيوب، ولذلك ذكر هنا جملة من القصص والأخبار. وقال الورتجبي: كان الله ـ تبارك وتعالى ـ إذا أراد أن يتكلم مع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بقصص الأنبياء، وما جرى عليهم في الدهور والأعصار، وشأنه معهم في الأسرار والحقائق والشرائع، وأراد أن يخصه صلى الله عليه وسلم بشريعته، وما يكون من طريقته الخاصة إلى حضرته، ويخبره بما كان وما يكون، أشار إلى هذه الأشياء بحروف التهجي، واعلمه سر ذلك بخفي الإشارة ولطيف الخطاب، وعلم تعالى أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ يعرف بتلك الإشارة مراده من علم سابق، ونبأٍ صادق، وعلم تعالى أن عموم أمته لا تعرف تلك الإشارة، فعبَّر عنها بسورة طويلة من القرآن؛ ليعرفوا مراده سبحانه من خطابه، وخواص أمته ربما تطلع على سر بعضها، كالصحابة والتابعين والمتقدمين من العلماء والأولياء، كأنَّ حروف المقطعات رموز ومعاني سور القرآن، لا يعرف تلك الرموز إلا الربانيون والأحبار من الصديقين. هـ. ثم ذكر حكمة إنزال الكتاب، فقال: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ}.

الطوسي

تفسير : قد بينا في أول سورة البقرة اختلاف المفسرين في أوائل السور بالحروف المقطعة، وقلنا: ان الاقوى من ذلك قول من قال: انها أسماء للسور، وهو قول الحسن والبلخي والجبائي، واكثر المحصلين. وروي عن ابن عباس أنه قال: هي اختصار من كلام لا يفهمه الا النبي (صلى الله عليه وسلم) قال الشاعر: شعر : فادوهم أن الجموا ألا تا قالوا جميعا كلهم ألافا تفسير : يريد ألا تركبون قالوا فاركبوا. وبني قوله {المص} على السكون في الوصل مع ان قبله ساكنا، لان حروف الهجاء توصل على نية الوقف، لانه يجزي على تفصيل الحروف، للفرق بينها وبين ما وصل للمعاني، وكأن مجموع الحروف يدل على معنى واحد، ومتى سميت رجلا بـ (المص)، وجبت الحكاية. فان سميته بـ (صاد) أو (قاف) لم يجب ذلك، لان صاد، وقاف، لهما نظير في الاسماء المفردة، مثل، باب، وناب، ونار. وليس كذلك (المص) لانه بمنزلة الجملة، وليس له نظير في المفرد. وانما عد الكوفيون {المص} آية، ولم يعدوا (ص) لان {المص} بمنزلة الجملة مع ان آخره على ثلاثة أحرف بمنزلة المردف، فلما اجتمع هذان السببان، وكل واحد منهما يقتضي عدَّه عدوه. ولم يعدوا (المر) لان آخره لا يشبه المردف. ولم يعدوا (ص) لانه بمنزلة اسم مفرد، وكذلك (ق) و (ن). وانما سميت السورة بالحروف المعجمة، ولم تسم بالاسماء المنقولة لتضمنها معاني أخرى مضافة الى التسمية، وهو أنها فاتحة لما هو منها، وأنها فاصلة بينها وبين ما قبلها، ولانه يأتي من التأليف بعدها ما هو معجز مع انه تأليف كتأليفها، فهذه المعاني من أسرارها. وقيل في موضع (المص) من الاعراب قولان: اولهما - انه رفع بالابتداء وخبره كتاب، او ان يكون على هذه (المص) في قول الفراء. الثاني - لا موضع له، لانه في موضع جملة على قول ابن عباس، كأنه قال: أنا الله أعلم وافصل - اختاره الزجاج. وقوله {كتاب أنزل إليك} قيل في العامل في قوله {كتاب} ثلاثة أقوال: أحدها - هذا كتاب، فحذف لانها حال اشارة وتنبيه. الثاني - {المص كتاب} على أنه اسم للسورة وكتاب خبره. وقال الفراء: رفعه بحروف الهجاء، لانها قبله، كأنك قلت الالف واللام والميم والصاد، من الحروف المقطعة كتاب أنزل اليك مجموعا، فنابت (المص) عن جميع حروف المعجم، كما تقول: أ، ب، ت، ث ثمانية وعشرون حرفا. وكذلك تقول قرأت الحمد، فصار اسما لفاتحة الكتاب. وقوله {فلا يكن في صدرك حرج} يحتمل دخول الفاء وجهين: احدهما - أن يكون عطفا وتقديره اذا كان أنزل اليك لتنذر به، فلا يكن في صدرك حرج منه، فيكون محمولا على معنى اذا. والثاني - ان النهي وان كان متناولا للحرج، فالمعني به المخاطب، نهي عن التعرض للحرج، وجاز ذلك لظهور المعنى ان الحرج لا ينهى، وكان مخرج له برده الى نهي المخاطب ابلغ، لما فيه من أن الحرج لو كان مما ينهي له لنهيناه عنك، فأنته انت عنه بترك التعرض له. وقيل في معنى الحرج في الآية ثلاثة أقوال: قال الحسن: معناه الضيق أي لا يضيق صدرك لتشعب الفكر بك خوفا ألا تقوم، بحقه، وانما أنزل اليك لتنذر به. الثاني - قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: ان معناه الشك ها هنا والمعنى لا تشك فيما يلزمك له فانما أنزل اليك لتنذر به. الثالث - قال الفراء: لا يضيق صدرك بأن يكذبوك، كما قال - عزَّ وجلَّ - {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا}. وقوله {لتنذر به} يعني لتخوف بالقرآن. وقال الفراء والزجاج واكثر أهل العلم: هو على التقديم والتأخير، وتقديره أنزل اليك لتنذر به وذكرى للمؤمنين، والذكرى مصدر ذكر يذكر تذكيرا، فالذكرى اسم للتذكير وفيه مبالغة، ومثله الرجعى، وقيل في موضعه ثلاثة أقوال: أولها - النصب على أنزل، للانذار وذكرى، كما تقول جئتك للاحسان وشوقا اليك. الثاني - الرفع بتقدير وهو ذكرى. الثالث - قال الزجاج: يجوز فيه الجر، لان المعنى، لان تنذر وذكرى. قال الرماني: هذا ضعيف، لانه لا يجوز ان يحمل الجر على التأويل، كما لا يجوز مررت به وزيد.

الجنابذي

تفسير : قد مضى فى اوّل البقرة، انّه فى حال المحو والغشى وانقلاب الدّنيا الى الآخرة يرى الانسان ويشاهد من الحقائق فيعبّر له عمّا يشاهده بالحروف المقطّعة ويفهم من تلك ما يشاهد من الحقائق، ثمّ بعد الافاقة لا يمكنه القاء تلك الحقائق على الغير وافهامها ايّاه فضلاً عن التعبير عنها بتلك الحروف وافهامها بها، واذا القى تلك الحروف على غيره مشيراً الى تلك الحقائق لا يمكن له تفسيرها الاّ بما يناسبها كالمنامات وتعبيراتها، فانّ المناسبات الّتى تذكر للغير كالمناسبات الّتى يراها النّائم من الحقائق فى المنام، فانّ حال الخلق بالنّسبة الى الحقائق كالحال النّائم بالنّسبة اليها من غير فرقٍ، لانّ الخلق نائمون عن الحقائق ولذلك اختلف الاخبار فى تفاسيرها وتحيّر الخلق فى فهمها والتّعبير عنها وقد ذكر فى تفسيرها وجوه عديدة متخالفة متناسبة فى الاخبار والتّفاسير؛ والكلّ راجع الى ما ذكرنا من التّعبير عن تلك الحقائق بما يناسبها وتفسيرها بحسب صورة تلك الحروف من حيث الخواصّ والاعداد والفوائد المترتّبة عليها والاشارات المستنبطة منها، كقيام قائم من ولد هاشم عند انقضاء مدّة مقطعّات اوّل كلّ سورة منها، وانقضاء ملك بنى اميّة عند انقضاء المص كما ورد فى الاخبار لا ينافى ما ذكرنا، فانّها ممّا يستنبط من اعتبار حروفها ولا ينافى ذلك اعتبار حقائقها.

الأعقم

تفسير : {المص} قيل: إسم السورة، وقيل: هو كناية عن حروف الهجاء اشارة إلى ان القرآن مركب من هذه الحروف، وقيل: هو إسم لله تعالى {فلا يكن في صدرك حرج منه} قيل: ضيق، وقيل: شك، وسُمِّي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر، وقيل: معناه لا يضيق صدرك بانذار من أرسلتك بانذاره وإبلاغ من أمرتك بإبلاغه {وذكرى للمؤمنين} أي موعظة {إتبعوا ما أُنزل إليكم من ربكم} يعني من القرآن والسنة {ولا تتبعوا من دونه} أي من دون الله تعالى أي لا تتبعوا من دونه من شياطين الانس والجن فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع وترك ما أنزل اليكم وأمركم باتباعه، وعن الحسن يابن آدم أمرت بإتباع كتاب الله تعالى وسنة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والله ما أنزلت من آية إلاَّ وهو يحب ان يَعلم فيمن أنزلت وما معناها {وكم من قرية} أي من أهل قرية {أهلكناها} بالعذاب، قوله تعالى: {فجاءها بأسنا} قيل: عذاب الله، وقيل: اهلكناها بإرسال الملائكة فجاءها العذاب {بياتا} أي ليلاً {او هم قائلون} أي وقت القائلة وهو نصف النهار وإنما خصّ الوقتين لأنهما وقت راحة، قال: أخذ بالشدة فيه أعظم في العقوبة {فما كان دعواهم} أي قولهم ودعاءهم {إلاَّ ان قالوا إنا كنا ظالمين} وعن إبن مسعود عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "حديث : ما هلك قوم حتى تعذروا من أنفسهم" قلت: كيف يكون ذلك؟ فتلا هذه الآية" تفسير : رواه في الثعلبي {فلنسألن الَّذين أرسل إليهم} يعني الأمم عن إجابتهم الرسل {ولنسألن المرسلين} الأنبياء عن تبليغهم الأمم قيل: نسأل الأمم ما أجبتم المرسلين؟ وما فعلتم في إجابة الرسل؟ وقيل: نسأل الأمم عن الإجابة والرسل عن التبليغ، وقيل: سؤال الأمم سؤال توبيخ وسؤال الرسل سؤال شهادة على الخلق {فلنقصن عليهم} على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم {وما كنا غائبين} عنهم وما وجد منهم.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الأَعْرَافِ وهي مكية كلها إلا آية واحدة {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الۤمۤصۤ} كان الحسن يقول: لا أدري ما تفسير {الۤمۤصۤ} و {الۤمۤ} و {الۤر} غير أن قوماً من السلف كانوا يقولون: أسماء السور ومفاتيحها. وقد فسّرنا ما بلغنا في هذا في غير هذا الموضع. قوله: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي القرآن: {فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} أي: شك منه بأنه من عند الله، في تفسير الحسن ومجاهد وغيرهما. {لِتُنذِرَ بِهِ} أي من النار {وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} يذكرون به الآخرة. قوله: {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} أي القرآن {وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} يعني الأوثان. {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي أقلُّكُم المتذكّر. كقوله: (أية : وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) تفسير : [يوسف:103]. قوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} يعني ما أهلك من الأمم السالفة حين كذّبوا رسلهم. {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} أي عذابنا {بَيَاتاً} أي ليلاً {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} أي عند القائلة بالنهار. وهو كقوله: (أية : قُلْ أرَءَيْتُمْ إِنْ أتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً) تفسير : [يونس:50].

اطفيش

تفسير : {المص} كان الحسن يقول: لا أدرى ما تفسير المص والمر، والر ونحو ذلك، وعنه: معناه أنا الله أفضل، وكذا عن زيد ابن على، وقال ابن عباس: معناه أنا الله أعلم وأفصل. وقال السدى: بعض اسمه المصور، وعن قتادة: اسم من أسماء القرآن، وفى رواية عن الحسن: اسم السورة، وفى رواية عن ابن عباس: اسم من أسمائه تعالى أقسم به، وقال أبو العالية: الهمزة من الله، واللام من لطيف، والميم من مجيد، والصاد من صادق، وقيل: حروف اسمه الأعظم. وقوله سبحانه: {المص} إلى {أية : قليلا ما تذكرون} تفسير : لولاة الأمور وأصحاب الأتباع ومن له رغبة في القضاء بنقش فى صفيحة من فضة خالصة، وتجعل تحت فص خاتم، فمن لبس هذا الخاتم وفق للصواب، وحسنت سيرته، ووفق فى أقواله وأفعاله، وتجرى مصالح الناس على يديه، ومن كتبه فى ذهب مربع أو نحاس مربع أحمر، أو مربع من ذهب ونحاس أحمر، وهو أولى، والطالع برج الحمل والشمس فى درجة شرفها، وبخره بالزعفران والمقل الأزرق، ولفه فى خرقة حرير أصفر نظيفة، وحمله نال عزاً ورفعة وشرفا وجاها، وولاية ضخمة وسخر له الأشراف والملوك، ولا يراه أحد إلا عظمه وقضى حاجته وتيسر له كل عسير.

اطفيش

تفسير : من الحروف المقطعة أَوَائل السور استأْثر الله عزّ وجلّ بعلمها، أَو اسم السورة، أَو حروف من أَسماء الله، وعن ابن عباس: أَنا الله أَفضل، وعنه: أَنا الله أَعْلَم.

الالوسي

تفسير : بسْم الله الرَّحْمَـٰن الرَّحيم. {المص } سبق الكلام في مثله وبيان ما فيه فلا حاجة إلى الإعادة خلا أنه قيل هنا: إن معنى ذلك المصور وروي ذلك عن السدي، وأخرج البيهقي وغيره عن ابن عباس أن المعنى أنا الله أعلم وأفصل، واختاره الزجاج وروي عن ابن جبير، وفي رواية أخرى عن الحبر أنه وكذا نظائره قسم أقسم الله تعالى به وهو من أسمائه سبحانه. وعن الضحاك أن معناه أنا الله الصادق، وعن محمد بن كعب القرظي أن الألف واللام من الله والميم من الرحمن والصاد من الصمد؛ وقيل: المراد به ألم نشرح لك صدرك. وذكر بعضهم أنه ما من سورة افتتحت ـ بألم ـ إلا وهي مشتملة على ثلاثة أمور بدء الخلق والنهاية التي هي المعاد والوسط الذي هو المعاش وإليها الإشارة بالاشتمال على المخارج الثلاثة الحلق واللسان والشفتين، وزيد في هذه السورة على ذلك الصاد لما فيها مع ما ذكر من شرح القصص وهو كما ترى والله تعالى أعلم بمراده.

سيد قطب

تفسير : {الۤمۤصۤ}.. ألف. لام. ميم. صاد.. هذا المطلع من الحروف المقطعة سبق الكلام عن نظائره في أول سورة البقرة وفي أول سورة آل عمران. وقد اخترنا في تفسيرها الرأي القائل، بأنها حروف مقطعة يشير بها إلى أن هذا القرآن مؤلف من جنس هذه الأحرف العربية التي يستخدمها البشر، ثم يعجزهم أن يؤلفوا منها كلاماً كهذا القرآن، وأن هذا بذاته برهان أن هذا القرآن ليس من صنع البشر، فقد كانت أمامهم الأحرف والكلمات التي صيغ منها، فلم يستطيعوا أن يصوغوا منها قرآنا مثله. فلا بد من سر آخر وراء الأحرف والكلمات.. وهو رأي نختاره على وجه الترجيح لا الجزم. والله أعلم بمراده. وعلى ذلك يصح القول بأن {المص} مبتدأ خبره: {كتاب أنزل إليك}.. بمعنى أن هذه الأحرف وما تألف منها هي الكتاب.. كما يصح القول بأن {المص} مجرد إشارة للتنبيه على ذلك المعنى الذي رجحناه. و {كتاب} خبر مبتدأ محذوف تقديره: هو كتاب: أو هذا كتاب.. {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به، وذكرى للمؤمنين}.. كتاب أنزل إليك للإنذار به والتذكير.. كتاب للصدع بما فيه من الحق ولمواجهة الناس بما لا يحبون؛ ولمجابهة عقائد وتقاليد وارتباطات؛ ولمعارضة نظم وأوضاع ومجتمعات. فالحرج في طريقه كثير، والمشقة في الإنذار به قائمة.. لا يدرك ذلك - كما قلنا في التعريف بالسورة - إلا من يقف بهذا الكتاب هذا الموقف؛ وإلا من يعاني من الصدع به هذه المعاناة؛ وإلا من يستهدف من التغيير الكامل الشامل في قواعد الحياة البشرية وجذورها، وفي مظاهرها وفروعها، ما كان يستهدفه حامل هذا الكتاب أول مرة - صلى الله عليه وسلم - ليواجه به الجاهلية الطاغية في الجزيرة العربية وفي الأرض كلها.. وهذا الموقف ليس مقصوراً على ما كان في الجزيرة العربية يومذاك، وما كان في الأرض من حولها.. إن الإسلام ليس حادثاً تاريخياً، وقع مرة، ثم مضى التاريخ وخلفه وراءه!.. إن الإسلام مواجهة دائمة لهذه البشرية إلى يوم القيامة.. وهو يواجهها كما واجهها أول مرة، كلما انحرفت هي وارتدت إلى مثل ما كانت فيه أول مرة!.. إن البشرية تنتكس بين فترة وأخرى وترجع إلى جاهليتها - وهذه هي "الرجعية" البائسة المرذولة - وعندئذ يتقدم الإسلام مرة أخرى ليؤدي دوره في انتشالها من هذه "الرجعية" مرة أخرى كذلك؛ والأخذ بيدها في طريق التقدم والحضارة؛ ويتعرض حامل دعوته والمنذر بكتابه للحرج الذي تعرض له الداعية الأولى - صلى الله عليه وسلم - وهو يواجه البشرية بغير ما استكانت إليه من الارتكاس في وحل الجاهلية؛ والغيبوبة في ظلامها الطاغي! ظلام التصورات.وظلام الشهوات. وظلام الطغيان والذل. وظلام العبودية للهوى الذاتي ولأهواء العبيد أيضاً! ويتذوق من يتعرض لمثل هذا الحرج، وهو يتحرك لاستنقاذ البشرية من مستنقع الجاهلية، طعم هذا التوجيه الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم: {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين}.. ويعلم - من طبيعة الواقع - من هم المؤمنون الذين لهم الذكرى، ومن هم غير المؤمنين الذين لهم الإنذار. ويعود هذا القرآن عنده كتابا حيا يتنزل اللحظة، في مواجهة واقع يجاهده هو بهذا القرآن جهاداً كبيراً.. والبشرية اليوم في موقف كهذا الذي كانت فيه يوم جاءها محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الكتاب، مأموراً من ربه أن ينذر به ويذكر؛ وألا يكون في صدره حرج منه، وهو يواجه الجاهلية، ويستهدف تغييرها من الجذور والأعماق.. لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاءها هذا الدين، وانتكست البشرية إلى جاهلية كاملة شاملة للأصول والفروع والبواطن والظواهر، والسطوح والأعماق!. انتكست البشرية في تصوراتها الاعتقادية ابتداء - حتى الذين كان آباؤهم وأجدادهم من المؤمنين بهذا الدين، المسلمين لله المخلصين له الدين - فإن صورة العقيدة قد مسخت في تصورهم ومفهومهم لها في الأعماق.. لقد جاء هذا الدين ليغير وجه العالم، وليقيم عالماً آخر، يقر فيه سلطان الله وحده، ويبطل سلطان الطواغيت. عالماً يعبد فيه الله وحده - بمعنى "العبادة" الشامل - ولا يعبد معه أحد من العبيد. عالماً يخرج الله فيه - من شاء - من عبادة العباد إلى عبادةِ الله وحده. عالماً يولد فيه "الإنسان" الحر الكريم النظيف.. المتحرر من شهوته وهواه، تحرره من العبودية لغير الله. جاء هذا الدين ليقيم قاعدة: "أشهد أن لا إله إلا الله" التي جاء بها كل نبي إلى قومه على مدار التاريخ البشري - كما تقرر هذه السورة وغيرها من سور القرآن الكريم - وشهادة أن لا إله إلا الله ليس لها مدلول إلا أن تكون الحاكمية العليا لله في حياة البشر، كما أن له الحاكمية العليا في نظام الكون سواء. فهو المتحكم في الكون والعباد بقضائه وقدره، وهو المتحكم في حياة العباد بمنهجه وشريعته.. وبناء على هذه القاعدة لا يعتقد المسلم أن لله شريكاً في خلق الكون وتدبيره وتصريفه؛ ولا يتقدم المسلم بالشعائر التعبدية إلاّ لله وحده. ولا يتلقى الشرائع والقوانين، والقيم والموازين، والعقائد والتصورات إلا من الله، ولا يسمح لطاغوت من العبيد أن يدعي حق الحاكمية في شيء من هذا كله مع الله. هذه هي قاعدة هذا الدين من ناحية الاعتقاد.. فأين منها البشرية كلها اليوم؟ إن البشرية تنقسم شيعاً كلها جاهلية. شيعة ملحدة تنكر وجود الله أصلاً وهم الملحدون.. فأمرهم ظاهر لا يحتاج إلى بيان! وشيعة وثنية تعترف بوجود إله، ولكنها تشرك من دونه آلهة أخرى وأرباباً كثيرة. كما في الهند، وفي أواساط إفريقية، وفي أجزاء متفرقة من العالم. وشيعة "أهل كتاب" من اليهود والنصارى. وهؤلاء أشركوا قديماً بنسبة الولد إلى الله. كما أشركوا باتخاذ أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله - لأنهم قبلوا منهم ادعاء حق الحاكمية وقبلوا منهم الشرائع. وإن كانوا لم يصلوا لهم ولم يسجدوا ولم يركعوا أصلاً!.. ثم هم اليوم يقصون حاكمية الله بجملتها من حياتهم ويقيمون لأنفسهم أنظمة يسمونها "الرأسمالية" و "الاشتراكية".. وما إليها. ويقيمون لأنفسهم أوضاعاً للحكم يسمونها "الديمقراطية" و "الديكتاتورية"... وما إليها. ويخرجون بذلك عن قاعدة دين الله كله، إلى مثل جاهلية الإغريق والرومان وغيرهم، في اصطناع أنظمة وأوضاع للحياة من عند أنفسهم. وشيعة تسمي نفسها "مسلمة"! وهي تتبع مناهج أهل الكتاب هذه - حذوك النعل بالنعل! - خارجة من دين الله إلى دين العباد. فدين الله هو منهجه وشرعه ونظامه الذي يضعه للحياة وقانونه. ودين العباد هو منهجهم للحياة وشرعهم ونظامهم الذي يضعونه للحياة وقوانينهم! لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين للبشرية؛ وانتكست البشرية بجملتها إلى الجاهلية.. شيعها جميعاً لا تتبع دين الله أصلاً.. وعاد هذا القرآن يواجه البشرية كما واجهها أول مرة، يستهدف منها نفس ما استهدفه في المرة الأولى من إدخالها في الإسلام ابتداء من ناحية العقيدة والتصور. ثم إدخالها في دين الله بعد ذلك من ناحية النظام والواقع.. وعاد حامل هذا الكتاب يواجه الحرج الذي كان يواجهه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يواجه البشرية الغارقة في مستنقع الجاهلية، المستنيمة للمستنقع الآسن، الضالة في تيه الجاهلية، المستسلمة لاستهواء الشيطان في التيه!.. وهو يستهدف ابتداء إنشاء عقيدة وتصور في قلوب الناس وعقولهم تقوم على قاعدة: أشهد أن لا إله إلا الله. وإنشاء واقع في الأرض آخر يعبد فيه الله وحده، ولا يعبد معه سواه. وتحقيق ميلاد للإنسان جديد. يتحرر فيه الإنسان من عبادة العبيد، ومن عبادة هواه! إن الإسلام ليس حادثاً تاريخياً، وقع مرة، ثم مضى التاريخ وخلفه وراءه.. إنه اليوم مدعو لأداء دوره الذي أداه مرة، في مثل الظروف والملابسات والأوضاع والأنظمة والتصورات والعقائد والقيم والموازين والتقاليد... التي واجهها أول مرة. إن الجاهلية حالة ووضع؛ وليست فترة تاريخية زمنية.. والجاهلية اليوم ضاربة أطنابها في كل أرجاء الأرض، وفي كل شيع المعتقدات والمذاهب والأنظمة والأوضاع.. إنها تقوم ابتداء على قاعدة: "حاكمية العباد للعباد"، ورفض حاكمية الله المطلقة للعباد. تقوم على أساس أن يكون "هوى الإنسان" في أية صورة من صوره هو الإله المتحكم، ورفض أن تكون "شريعة الله" هي القانون المحكم.. ثم تختلف أشكالها ومظاهرها، وراياتها وشاراتها، وأسماؤها وأوصافها، وشيعها ومذاهبها.. غير أنها كلها تعود إلى هذه القاعدة المميزة المحددة لطبيعتها وحقيقتها.. وبهذا المقياس الأساسي يتضح أن وجه الأرض اليوم تغمره الجاهلية. وأن حياة البشرية اليوم تحكمها الجاهلية. وأن الإسلام اليوم متوقف عن "الوجود" مجرد الوجود! وأن الدعاة إليه اليوم يستهدفون ما كان يستهدفه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تماماً؛ ويواجهون ما كان يواجهه - صلى الله عليه وسلم - تماماً، وأنهم مدعوون إلى التأسي به في قول الله - سبحانه - له: {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين}.. ولتوكيد هذه الحقيقة وجلائها نستطرد إلى شيء قليل من التفصيل: إن المجتمعات البشرية اليوم - بجملتها - مجتمعات جاهلية. وهي من ثم مجتمعات "متخلفة" أو "رجعية"! بمعنى أنها "رجعت" إلى الجاهلية، بعد أَن أخذ الإسلام بيدها فاستنقذها منها. والإسلام اليوم مدعو لاستنقاذها من التخلف والرجعية الجاهلية، وقيادتها في طريق التقدم و"الحضارة" بقيمها وموازينها الربانية. إنه حين تكون الحاكمية العليا لله وحده في مجتمع - متمثلة في سيادة شريعته الربانية - تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً حقيقياً كاملاً من العبودية للهوى البشري ومن العبودية للعبيد. وتكون هذه هي الصورة الوحيدة للإسلام أو للحضارة - كما هي في ميزان الله - لأن الحضارة التي يريدها الله للناس تقوم على قاعدة أساسية من الكرامة والتحرر لكل فرد. ولا كرامة ولا تحرر مع العبودية لعبد.. لا كرامة ولا تحرر في مجتمع بعضه أرباب يشرعون ويزاولون حق الحاكمية العليا؛ وبعضهم عبيد يخضعون ويتبعون هؤلاء الأرباب! والتشريع لا ينحصر في الأحكام القانونية. فالقيم والموازين والأخلاق والتقاليد.. كلها تشريع يخضع الأفراد لضغطه شاعرين أو غير شاعرين!.. ومجتمع هذه صفته هو مجتمع رجعي متخلف.. أو بالاصطلاح الإسلامي: "مجتمع جاهلي مشرك"! وحين تكون آصرة التجمع في مجتمع هي العقيدة والتصور والفكر ومنهج الحياة. ويكون هذا كله صادراً من الله، لا من هوى فرد، ولا من إرادة عبد. فإن هذا المجتمع يكون مجتمعاً متحضراً متقدماً. أَو بالاصطلاح الإسلامي: مجتمعاً ربانياً مسلماً.. لأن التجمع حينئذ يكون ممثلاً لأعلى ما في "الإنسان" من خصائص - خصائص الروح والفكر - فأما حين تكون آصرة التجمع هي الجنس واللون والقوم والأرض.. وما إلى ذلك من الروابط.. فإنه يكون مجتمعاً رجعيا متخلفا.. أو بالاصطلاح الإسلامي: مجتمعاً جاهلياً مشركاً.. ذلك أن الجنس واللون والقوم والأرض.. وما إلى ذلك من الروابط لا تمثل الحقيقة العليا في "الإنسان". فالإنسان يبقى إنساناً بعد الجنس واللون والقوم والأرض. ولكنه لا يبقى إنساناً بعد الروح والفكر! ثم هو يملك بإرادته الإنسانية الحرة - وهي أسمى ما أكرمه الله به - أن يغير عقيدته وتصوره وفكره ومنهج حياته من ضلال إلى هدى عن طريق الإدراك والفهم والاقتناع والاتجاه. ولكنه لا يملك أبداً أن يغير جنسه، ولا لونه، ولا قومه. لا يملك أن يحدد سلفاً مولده في جنس ولا لون؛ كما لا يمكنه أن يحدد سلفا مولده في قوم أو أرض.. فالمجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر يتعلق بإرادتهم الحرة هو بدون شك أرقى وأمثل وأقوم من المجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمور خارجة عن إرادتهم ولا يد لهم فيها! وحين تكون "إنسانية الإنسان" هي القيمة العليا في مجتمع؛ وتكون "الخصائص الإنسانية" فيه موضع التكريم والرعاية، يكون هذا المجتمع متحضراً متقدما.. أو بالاصطلاح الإسلامي: ربانياً مسلماً.. فأما حين تكون "المادة" - في أية صورة من صورها - هي القيمة العليا.. سواء في صورة "النظرية" كما في الماركسية، أو في صورة "الإنتاج المادي" كما في أمريكا وأوربا وسائر المجتمعات التي تعتبر الإنتاج المادي هو القيمة العليا، التي تهدر في سبيلها كل القيم والخصائص الإنسانية - وفي أولها القيم الأخلاقية - فإن هذا المجتمع يكون مجتمعاً رجعياً متخلفاً.. أو بالاصطلاح الإسلامي: مجتمعاً جاهلياً مشركاً.. .. إن المجتمع الرباني المسلم لا يحتقر المادة؛ لا في صورة "النظرية" باعتبار المادة هي التي تؤلف كيان هذا الكون الذي نعيش فيه؛ ولا في صورة "الإنتاج المادي" والاستمتاع به. فالإنتاج المادي من مقومات خلافة الإنسان في الأرض بعهد الله وشرطه؛ والاستمتاع بالطيبات منها حلال يدعو الإسلام إليه - كما سنرى في سياق هذه السورة - ولكنه لا يعتبرها هي القيمة العليا التي تهدر في سبيلها خصائص "الإنسان" ومقوماته! كما تعتبرها المجتمعات الجاهلية.. الملحدة أو المشركة.. وحين تكون القيم "الإنسانية" والأخلاق "الإنسانية" - كما هي في ميزان الله - هي السائدة في مجتمع، فإن هذا المجتمع يكون متحضراً متقدماً.. أو بالاصطلاح الإسلامي.. ربانياً مسلماً.. والقيم "الإنسانية" والأخلاق "الإنسانية" ليست مسألة غامضة ولا مائعة؛ وليست كذلك قيماً وأخلاقاً متغيرة لا تستقر على حال - كما يزعم الذين يريدون أن يشيعوا الفوضى في الموازين، فلا يبقى هنالك أصل ثابت يرجع إليه في وزن ولا تقييم.. إنها القيم والأخلاق التي تنمي في الإنسان "خصائص الإنسان" التي ينفرد بها دون الحيوان. وتُغلب فيه هذا الجانب الذي يميزه ويجعل منه إنساناً. وليست هي القيم والأخلاق التي تنمي فيه الجوانب المشتركة بينه وبين الحيوان.. وحين توضع المسألة هذا الوضع يبرز فيها خط فاصل وحاسم وثابت، لا يقبل عملية التمييع المستمرة التي يحاولها "التطوريون"! عندئذ لا تكون هناك أخلاق زراعية وأخرى صناعية. ولا أخلاق رأسمالية وأخرى اشتراكية. ولا أخلاق صعلوكية وأخرى برجوازية! لا تكون هناك أخلاق من صنع البيئة ومن مستوى المعيشة، على اعتبار أن هذه العوامل مستقلة في صنع القيم والأخلاق والاصطلاح عليها، وحتمية في نشأتها وتقريرها. إنما تكون هناك فقط "قيم وأخلاق إنسانية" يصطلح عليها المسلمون في المجتمع المتحضر. "وقيم وأخلاق حيوانية" - إذا صح هذا التعبير - يصطلح عليها الناس في المجتمع المتخلف.. أو بالاصطلاح الإسلامي تكون هناك قيم وأخلاق ربانية إسلامية؛ وقيم وأخلاق رجعية جاهلية! إن المجتمعات التي تسود فيها القيم والأخلاق والنزعات الحيوانية، لا يمكن أن تكون مجتمعات متحضرة، مهما تبلغ من التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي! إن هذا المقياس لا يخطئ في قياس مدى التقدم في الإنسان ذاته. وفي المجتمعات الجاهلية الحديثة ينحسر المفهوم الأخلاقي بحيث يتخلى عن كل ما له علاقة بالتميز الإنساني عن الحيوان. ففي هذه المجتمعات لا تعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية - ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة - رذيلة أخلاقية! إن المفهوم "الأخلاقي" ينحصر في المعاملات الشخصية والاقتصادية والسياسية - أحيانا في حدود مصلحة الدولة! - والكتّاب والصحفيون والروائيون وكل أجهزة التوجيه والإعلام في هذه المجتمعات الجاهلية تقولها صريحة للفتيات والزوجات والفتيان والشبان: إن الاتصالات الجنسية الحرة ليست رذائل أخلاقية! مثل هذه المجتمعات مجتمعات متخلفة غير متحضرة - من وجهة النظر "الإنسانية". وبمقياس خط التقدم الإنساني.. وهي كذلك غير إسلامية.. لأن خط الإسلام هو خط تحرير الإنسان من شهواته، وتنمية خصائصه الإنسانية، وتغلبها على نزعاته الحيوانية.. ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في وصف المجتمعات البشرية الحاضرة، وإغراقها في الجاهلية.. من العقيدة إلى الخلق. ومن التصور إلى أوضاع الحياة.. ونحسب أن هذه الإشارة المجملة تكفي لتقرير ملامح الجاهلية في المجتمعات البشرية الحاضرة. ولتقرير حقيقة ما تستهدفه الدعوة الإسلامية اليوم وما يستهدفه الدعاة إلى دين الله.. إنها دعوة البشرية من جديد إلى الدخول في الإسلام: عقيدة وخلقاً ونظاماً.. إنها ذات المحاولة التي كان يتصدى لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنها ذات النقطة التي بدأ منها دعوته أول مرة. وإنه ذات الموقف الذي وقفه بهذا الكتاب الذي أنزل إليه؛ وربه - سبحانه - يخاطبه: {كتاب أنزل إليك، فلا يكن في صدرك حرج منه، لتنذر به وذكرى للمؤمنين}.. وفي الوقت الذي وجه الله - سبحانه - هذا التكليف إلى رسوله، وجه إلى قومه المخاطبين بهذا القرآن أول مرة - وإلى كل قوم يواجههم الإسلام ليخرجهم من الجاهلية - الأمر باتباع ما أنزل في هذا الكتاب، والنهي عن اتباع الأولياء من دون الله. ذلك أن القضية في صميمها هي قضية "الاتباع".. من يتبع البشر في حياتهم؟ يتبعون أمر الله فهم مسلمون. أم يتبعون أمر غيره فهم مشركون؟ إنهما موقفان مختلفان لا يجتمعان: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، ولا تتبعوا من دونه أولياء. قليلاً ما تذكرون}. هذه هي قضية هذا الدين الأساسية.. إنه إما اتباع لما أنزل الله فهو الإسلام لله، والاعتراف له بالربوبية، وإفراده بالحاكمية التي تأمر فتطاع، ويتبع أمرها ونهيها دون سواه.. وإما اتباع للأولياء من دونه فهو الشرك، وهو رفض الاعتراف لله بالربوبية الخالصة.. وكيف والحاكمية ليست خالصة له سبحانه؟! وفي الخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - كان الكتاب منزلاً إليه بشخصه: {كتاب أنزل إليك}.. وفي الخطاب للبشر كان الكتاب كذلك منزلاً إليهم من ربهم: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم}. فأما الرسول - صلى الله عليه وسلم - فالكتاب منزل إليه ليؤمن به ولينذر ويذكر. وأما البشر فالكتاب منزل إليهم من ربهم ليؤمنوا به ويتبعوه، ولا يتبعوا أمر أحد غيره.. والإسناد في كلتا الحالتين للاختصاص والتكريم والتحضيض والاستجاشة. فالذي ينزل له ربه كتاباً، ويختاره لهذا الأمر، ويتفضل عليه بهذا الخير، جدير بأن يتذكر وأن يشكر؛ وأن يأخذ الأمر بقوة ولا يستحسر. ولأن المحاولة ضخمة.. وهي تعني التغيير الأساسي الكامل الشامل للجاهلية: تصوراتها وأفكارها، وقيمها وأخلاقها، وعاداتها وتقاليدها، ونظمها، وأوضاعها، واجتماعها واقتصادها، وروابطها بالله، وبالكون، وبالناس.. لأن المحاولة ضخمة على هذا النحو؛ يمضي السياق فيهز الضمائر هزاً عنيفاً؛ ويوقظ الأعصاب إيقاظاً شديداً؛ ويرج الجبلات السادرة في الجاهلية، المستغرقة في تصوراتها وأوضاعها رجاً ويدفعها دفعاً.. وذلك بأن يعرض عليها مصارع الغابرين من المكذبين في الدنيا، ومصائرهم كذلك في الآخرة: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو هم قائلون. فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا: إنا كنا ظالمين.. فلنسألن الذين أرسل إليهم، ولنسألن المرسلين. فلنقصن عليهم بعلم، وما كنا غائبين. والوزن يومئذ الحق، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون}.. إن مصارع الغابرين خير مذكر، وخير منذر.. والقرآن يستصحب هذه الحقائق، فيجعلها مؤثرات موحية، ومطارق موقظة، للقلوب البشرية الغافلة. إنها كثيرة تلك القرى التي أهلكت بسبب تكذيبها. أهلكت وهي غارة غافلة. في الليل وفي ساعة القيلولة، حيث يسترخي الناس للنوم، ويستسلمون للأمن: {وكم من قرية أهلكناها، فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون}. وكلتاهما.. البيات والقيلولة.. ساعة غرّة واسترخاء وأمان! والأخذ فيهما أشد ترويعا وأعنف وقعا. وأدعى كذلك إلى التذكر والحذر والتوقي والاحتياط‍‍! ثم ما الذي حدث؟ إنه لم يكن لهؤلاء المأخوذين في غرتهم إلا الاعتراف! ولم يكن لهم دعوى يدعونها إلا الإقرار! {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا: إنا كنا ظالمين}.. والإنسان يدعي كل شيء إلا الاعتراف والإقرار! ولكنهم في موقف لا يملكون أن يدعوا إلا هذه الدعوى! {إنا كنا ظالمين}.. فيا له من موقف مذهل رعيب مخيف، ذلك الذي يكون أقصى المحاولة فيه هو الاعتراف بالذنب والإقرار بالشرك! إن الظلم الذي يعنونه هنا هو الشرك. فهذا هو المدلول الغالب على هذا التعبير في القرآن.. فالشرك هو الظلم. والظلم هو الشرك. وهل أظلم ممن يشرك بربه وهو خلقه؟! وبينما المشهد معروض في الدنيا، وقد أخذ الله المكذبين ببأسه، فاعترفوا وهم يعاينون بأس الله أنهم كانوا ظالمين؛ وتكشف لهم الحق فعرفوه، ولكن حيث لا تجدي معرفة ولا اعتراف، ولا يكف بأس الله عنهم ندم ولا توبة. فإن الندم قد فات موعده، والتوبة قد انقطعت طريقها بحلول العذاب.. بينما المشهد هكذا معروضاً في الدنيا إذا السياق ينتقل، وينقل معه السامعين من فوره إلى ساحة الآخرة. بلا توقف ولا فاصل. فالشريط المعروض موصول المشاهد، والنقلة تتخطى الزمان والمكان، وتصل الدنيا بالآخرة، وتلحق عذاب الدنيا بعذاب الآخرة؛ وإذا الموقف هناك في لمحة خاطفة: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين. فلنقصن عليهم بعلم، وما كنا غائبين. والوزن يومئذ الحق. فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون}.. إن التعبير على هذا النحو المصور الموحي، خاصية من خواص القرآن.. إن الرحلة في الأرض كلها تطوى في لمحة. وفي سطر من كتاب. لتلتحم الدنيا بالآخرة؛ ويتصل البدء بالختام! فإذا وقف هؤلاء الذين تعرضوا لبأس الله في هذه الأرض وقفتهم هناك للسؤال والحساب والجزاء، فإنه لا يكتفى باعترافهم ذاك حين واجهوا بأس الله الذي أخذهم وهم غارون: {إنا كنا ظالمين}.. ولكنه السؤال الجديد، والتشهير بهم على الملأ الحاشد في ذلك اليوم المشهود: {فلنسألن الذين أرسل إليهم، ولنسألن المرسلين. فلنقصن عليهم بعلم - وما كنا غائبين}. فهو السؤال الدقيق الوافي، يشمل المرسل إليهم ويشمل المرسلين.. وتعرض فيه القصة كلها على الملأ الحاشد؛ وتفصل فيه الخفايا والدقائق!.. يسأل الذين جاءهم الرسل فيعترفون. ويسأل الرسل فيجيبون. ثم يقص عليهم العليم الخبير كل شيء أحصاه الله ونسوه! يقصه عليهم - سبحانه - بعلم فقد كان حاضراً كل شيء. وما كان - سبحانه - غائباً عن شيء.. وهي لمسة عميقة التأثير والتذكير والتحذير! {والوزن يومئذ الحق}.. إنه لا مجال هنا للمغالطة في الوزن؛ ولا التلبيس في الحكم؛ ولا الجدل الذي يذهب بصحة الأحكام والموازين.. {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون}.. فقد ثقلت في ميزان الله الذي يزن بالحق. وجزاؤها إذن هو الفلاح.. وأي فلاح بعد النجاة من النار، والعودة إلى الجنة، في نهاية الرحلة المديدة، وفي ختام المطاف الطويل؟ {ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون}.. فقد خفت في ميزان الله الذي لا يظلم ولا يخطئ. وقد خسروا أنفسهم. فماذا يكسبون بعد؟ إن المرء ليحاول أن يجمع لنفسه. فإذا خسر ذات نفسه فما الذي يبقى له؟ لقد خسروا أنفسهم بكفرهم بآيات الله: {بما كانوا بآياتنا يظلمون} والظلم - كما أسلفنا - يطلق في التعبير القرآني ويراد به الشرك أو الكفر: {أية : إن الشرك لظلم عظيم }. تفسير : ولا ندخل هنا في طبيعة الوزن وحقيقة الميزان - كما دخل فيه المتجادلون بعقلية غير إسلامية في تاريخ الفكر "الإسلامي"!.. فكيفيات أفعال الله كلها خارجة عن الشبيه والمثيل. مذ كان الله سبحانه ليس كمثله شيء.. وحسبنا تقرير الحقيقة التي يقصد إليها السياق.. من أن الحساب يومئذ بالحق، وأنه لا يظلم أحد مثقال ذرة، وأن عملاً لا يبخس ولا يغفل ولا يضيع.

ابن عاشور

تفسير : هذه الحروف الأربعة المقطّعة التي افتتحت بها هاته السّورة، يُنطَق بأسمائها (ألِفْ ــــ لاَمْ ــــ مِيمْ ــــ صَادْ) كما يَنْطِق بالحروف ملقِّن المتعلّمين للهجاء في المكتب، لأنّ المقصود بها أسماء الحروف لا مسميّاتها وأشكالها، كما أنّك إذا أخبرت عن أحد بخبر تذكر اسم المخبر عنه دون أن تَعْرِض صورته أو ذاته، فتقولُ مثلاً: لقيت زيداً، ولا تقول: لقيت هذه الصورة، ولا لقيتُ هذه الذات. فالنّطق بأسماء الحروف هو مقتضَى وقوعها في أوائل السّور التي افتتحت بها، لقصد التّعريض بتعجيز الذين أنكروا نزول القرآن من عند الله تعالى، أي تعجيزِ بلغائهم عن معارضته بمثله كما تقدّم في سورة البقرة. وإنّما رسموها في المصاحف بصور الحروف دون أسمائها، أي بمسمّيات الحروف التي يُنطق بأسمائها ولم يرسموها بما تُقْرأ به أسماؤُها، مراعاة لحالة التّهجي (فيما أحسب)، أنّهم لو رسموها بالحروف التي يُنطق بها عند ذكر أسمائها خَشُوا أن يلتبس مجموعُ حروف الأسماءِ بكلمات مثل (يَاسين)، لو رسمت بأسماء حروفها أن تلتبس بنداء من اسمه سين. فعدلوا إلى رسم الحروف علماً بأنّ القارىء في المصحف إذا وجد صورة الحرف نَطق باسم تلك الصّورة. على معتادهم في التّهجي طرداً للرسم على وتيرة واحدة. على أنّ رسم المصحف سنّة سنّها كُتاب المصاحف فأقِرّت. وإنّما العمدة في النّطق بالقرآن على الرّواية والتّلقي، وما جُعلت كتابة المصحف إلاّ تذكرة وعوناً للمتلقّي. وتقدّم هذا في أوّل سورة البقرة وفيما هنا زيادة عليه.

الواحدي

تفسير : {المص} أنا الله أعلم وأُفصِّل. {كتاب} أَيْ: هذا كتابٌ {أنزل إليك} من ربَّك {فلا يكن في صدرك حرج منه} فلا يضيقنَّ صدرك بإبلاغ ما أرسلت به {لتنذر به} أَيْ: أُنزل لتنذر به النَّاس {وذكرى للمؤمنين} مواعظ للمصدِّقين. {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} يعني: القرآن {ولا تتبعوا من دونه أولياء} لا تتخذوا غير الله أولياء {قليلاً ما تذكرون} قليلاً يا معشر المشركين اتَّعاظكم. {وكم من قرية أهلكناها} يعني: أهلها {فجاءها بأسنا} عذابنا {بياتاً} ليلاً {أو هم قائلون} نائمون نهاراً. يعني: جاءهم بأسنا وهم غير متوقِّعين له.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- المص، هذه الحروف الصوتية تذكر فى أوائل بعض السور المكية، لتنبيه المشركين إلى أن القرآن الكريم مكون من الحروف التى ينطقون بها، ومع ذلك يعجزون عن الإتيان بمثله، كما أن فى هذه الحروف إذا تليت حملا لهم على السماع إذا تواصوا بألا يسمعوا القرآن. 2- أنزل إليك القرآن لتنذر به المكذبين ليؤمنوا، وتذكِّر به المؤمنين ليزدادوا إيماناً، فلا يكن فى صدرك ضيق عند تبليغه خوفاً من التكذيب.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: المص: هذه أحد الحروف المقطعة ويقرأ هكذا: ألف لآم ميم صَادْ، والله أعلم بمراده بها. كتاب: أي هذا كتاب. حرج: ضيق. وذكرى: تذكرة بها يذكرون الله وما عنده وما لديه فيقبلون على طاعته. أولياء: رؤساؤهم في الشرك. وما تذكرون: أي تتعظون فترجعون إلى الحق. وكم من قرية: أي كثيراً من القرى. بأسنا بياتا: عذابنا ليلاً وهم نائمون. أو هم قائلون: أي نائمون بالقيلولة وهم مستريحون. فما كان دعواهم: أي دعاؤهم، إلا قولهم إنا كنا ظالمين. معنى الآيات: {الۤمۤصۤ} في هذه الحروف إشارة إلى أن هذا القرآن تألف من مثل هذه الحروف المقطعة وقد عجزتم عن تأليف مثله فظهر بذلك أنه كلام الله ووحيه إلى رسوله فآمنوا به وقوله {كِتَابٌ} أي هذا كتاب {أُنزِلَ إِلَيْكَ} يا رسولنا {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} أي ضيق منه {لِتُنذِرَ بِهِ} قومك عواقب شركهم وضلالهم، وتذكر به المؤمنين منهم ذكرى وقل لهم {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} من الهدى والنور، {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ} أي من غيره {أَوْلِيَآءَ} لا يأمرونكم إلا بالشرك والشر والفساد، وهم رؤساء الضلال في قريش {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي تتعظون فترجعون إلى الحق الذي جانبتموه {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ} أي وكثيرا من القرى أهلكنا أهلها لما جانبوا الحق ولازموا الباطل {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا} أي عذابنا الشديد {بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} أي ليلاً أو نهاراً، فما كان دعاءهم يومئذ إلا قولهم: يا ويلنا إنا كنا ظالمين فاعترفوا بذنبهم، ولكن هيهات أن ينفعهم الاعترف بعد معاينة العذاب. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- القرآن الكريم هو مصدر نذارة الرسول صلى الله عليه وسلم وبشارته بما حواه من الوعد والوعيد، والذكرى والبشرى. 2- وجوب اتباع الوحي، وحرمة اتباع ما يدعو إليه أصحابه الأهواء وَالمبتدعة. 3- الاعتبار بما حل بالأمم الظالمة من خراب ودمار. 4- لا تنفع التوبة عن معاينة الموت أو العذاب.

القطان

تفسير : المص: هذه حروف تكتب بصورة كلمة واحدة، ولكن نقرؤها باسماء حروفها، فنقول: الف. لام. ميم. صاد. هكذا. وحكمته افتتاح هذه السورة وامثالها باسماء الحروف التي ليس لها معنى مفهومٌ غير مسمّاها الذي تدل عليه، هي تنبيهُ السامع الى ما سيُلقى إليه بعد هذا الصوت من الكلام، حتى يفوتَه منه شيء. فكأنه أداةُ استفتاحٍ يمنزلة ألا، وهاء التنبيه. والسوَر التي بدئت بالأحرف وبذكر الكتاب، هي التي نزلت بمكة لدعوة المشركين الى الإسلام، واثبات النبوة والوحي. أما ما نزل منها بالمدينة كالبقرة وآل عمران، فالدعوة فيه موجَّهة الى اهل الكتاب. وهكذا الحال في سورة مريم والعنكبوت والروم، و (ص)، و (ن) فإن ما فيها يتعلق بإثبات النبوّة والكتاب كالفتنة في الدين بإيذاء الضعفاء لإرجاعهم عن دينهم بالقوة القاهرة، وكالإنباء بقصص فارسَ والرومِ ونصرِ الله للمؤمنين على المشركين وكان هذا من اظهر المعجزات الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم. الحرج: الضيق من عاقبة المخالفة الذكرى: التذكر النافع والموعظة المؤثرة. ولاية الله لعباده: تولّي أمروهم ونصرهم على اعدائهم. تذكّرون: اصله تتذكرون. لقد أُنزلَ إليك القرآن من عند ربِّك لتنذِر به المكذبين ليؤمنوا، وتذكِّر به المؤمنين ليزدادوا إيماناً، فلا يكن في صدرك ايها النبيّ ضيق من الإنذار به وابلاغه إلى من أُمرتَ بالإبلاغه اليهم. ولا تخشَ تكذيبَهم، واصبِر كما صبر أولو العزمِ من الرسل. أما انتم يا أصحاب الرسول فاتّبعوا ما اوحاه ربكم ولا تتّبعوا من دون الله أولياءَ تولُّونهم أمورَكم وتستجِيبون لهم وتستعينون بهم، فالله وحدَه هو الذي يتولّى أمر العباد بالتدبير والخلق والتشريع، وبيده النفع والضرر. {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}. ما تتَّعظون إلا قليلا، حيث تتركون دينه تعالى وتتّبعون غيره. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وحفص: "تذكرون" بفتح التاء والذال المخففة، وابن عامر: "يتذكرون" بالياء والتاء. وقرأ الباقون "تذكرون" بتشديد الذال والكاف.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَلِفْ. لاَمْ. مِيمْ. صَادْْ} (1) - وَتُقْرَاُ مُقَطَّعَةً، كُلُّ حَرْفٍ عَلَى حِدَةٍ. اللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ مَعْنَاهَا: أَنَا اللهُ أُفصلُ.

الثعلبي

تفسير : {الۤمۤصۤ} روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: {الۤمۤصۤ} قسم أقسم الله عزّ وجلّ، وقال عطاء بن أبي رباح: هو من ثناء الله سبحانه على نفسه، أبو صالح عن ابن عباس: اسم من أسماء الله تعالى، أبو الضحى عن ابن عباس: أنا الله أفصل وقال وهي هجاء موضوع، قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقيل: اسم السورة، مجاهد: فواتح افتتح الله بها كتابه، الشعبي: فواتح السور من أسماء الله تعالى إذا وصلها كانت اسماً. وقال أبو روق: أنا الله الصادق، سعيد بن جبير: أنا الله أصدق، محمد بن كعب: إلاّ أن افتتاح اسمه أحد أول آخر، واللام افتتاح اسمه لطيف، والميم افتتاح اسمه مجيد وملك، والصاد افتتاح اسمه صمد وصادق أحد وصانع المصنوعات. ورأيت في بعض التفاسير معنى {الۤمۤصۤ}: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الإنشراح: 1] وقيل: هي حروف هجاء مقطّعة، وقيل: هي حساب الجمل، وقيل: هي حروف اسم الله الأعظم، وقيل: هي حروف تحوي معاني كثيرة، وقيل: الله بها خلقه على مراده كلّه من ذلك، وموضعه رفع بالأبتداء وكتاب خبره كأنّه قال: (المص) حروف {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ}، وقيل: كتاب خبر ابتدأ في هذا كتاب. وقيل رفع على التقديم والتأخير، يعني أُنزل كتاب إليك وهو القرآن {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} قال أبو العالية: ضيق، وقال مجاهد: تَنك، وقال الضحاك: إثمّ، وقال مقاتل: فلا يكن في قلبك شك في القرآن. إنّه من الله، وقيل: معناه لا اطبق قلبك بإنذار من أرسلتك بإنذاره وإبلاغ من أمرتك بإبلاغه إياه {وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي عظة لهم وموعظة، وموضعه رفع مردود على الكتاب. وقيل: هو نصب على المصدر تقديره ويذكر ذكرى. ويجوز أن يكون في موضع الخفض على معنى لتنذر في موضع خفض، والمعنى الإنذار والذكرى، وأمّا ذكرى فمصدر فيه ألف التأنيث [بمنزلة] دعوت دعوى ورجعت رجعى إلاّ أنّه اسم في موضع المصدر. {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} أي قل لهم: اتبعوا ولا تتبعوا من دونه أولياء. قرأ العامّة بالعين من الاتباع، وروى عاصم الجحدري عن أبي [الشيخ] ومالك بن دينار "ولا تبتغوا" بالغين المعجمة أي لا تطلبوا {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} بالعذاب وموضع (كم) الرفع بالابتداء وخبره في (أهكلناها) وإن شئت نصبته برجوع الهاء، {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا} عذابنا {بَيَاتاً} ليلا [كما يأتِ بالعساكر] {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} يعني نهاراً في وقت [القائلة] وقائلون نائمون ظهيرة، ومعنى الآية: (أو هم قائلون) يعني: إن من هذه القرى ما أُهلكت ليلا ومنها ما أُهلكت نهاراً وإنّما حذفوها [لاستثقالهم] نسقاً على نسق، هذا قول الفراء، وجعل [الزجاج] بمعنى أو [التحيّر] والإباحة تقديره: جاءهم بأسنا مرّة ليلا ومرّة نهاراً {فَمَا كَانَ دَعْوَ اهُمْ} أي قولهم ودعاؤهم مثل قوله تعالى {فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ} قال الشاعر: شعر : وإن مذلت رجلي دعوتك أشتفي بدعواك من مذل بها فتهون تفسير : مذل رجله إذا خدرت {إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ} عذابنا إلاّ أن قالوا {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} مسيئين آثمين ولأمره مخالفين أقرّوا على أنفسهم. روى ابن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما هلك قوم حتّى يعذروا من أنفسهم. قال: قلت: كيف يكون ذلك؟ فقرأ هذه الآية: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ} الآية . تفسير : {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} يعني الأُمم عن إجابتهم الرسل {وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} عن تبليغ الأُمم {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} قال ابن عباس: ينطق لهم كتاب أعمالهم يدلّ عليه قوله {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الجاثية: 29] الآية. {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} عن الرسل فيما يُلقون وعن الأُمم فيما أجابوا {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ} يعني [السؤال] {ٱلْحَقُّ} قال مجاهد: والقضاء يومئذ العدل، وقال آخرون: أراد به دون [وزن الأعمال] وذلك أن الله عزّ وجلّ ينصب الميزان له [يدان وكفّان] يوم القيامة يوزن أعمال العباد خيرها وشرها فيثقل مرّة ميزان الحسنات لنجاة مَنْ يريد نجاته. ويخفّف مرّة ميزان الحسنات علامة هلاك مَنْ يُريد هلاكه. فإن قيل: ما الحكمة في وزن أعمال العباد والله هو العالم بمقدار كلّ شيء قبل خلقه إياه وبعده قلنا أربعة أشياء: أحدهما: امتحان الله تعالى عباده بالإيمان به في الدنيا، والثاني: جعل ذلك علامة لأهل السعادة والشقاوة في العقبى. والثالث: تعريف الله عزّ وجلّ للعباد ما عند الله من جزاء على خير وشر، والرابع: إلقائه الحجّة عليه. ونظيره قوله {أية : هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الجاثية: 29] الآية فأخبر ما تأتي الأعمال ونسخها مع علمه بها ما ذكرناه من المعاني والله أعلم. {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} قال مجاهد: حسناته {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} إلى قوله تعالى {يِظْلِمُونَ} يجحدون قال حذيفة: صاحب الموازين يوم القيامة جبرائيل يقول الله تعالى "حديث : يا جبرائيل زن بينهم فردَّ بعضهم على بعض" تفسير : قال: وليس ثمّ ذهب ولا فضّة وإن كان للظالم حسنات أخذ من حسناته فيرد على المظلوم وإن لم يكن له حسنات يحمل عليه من سيئات صاحبه، يرجع الرجل وعليه مثل الجبال. قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان لسان وكفتان فأمّا المؤمن فيؤتي بعمله في أحسن صورة فيرتفع في كفّة الميزان وهو الحق فينقل حسناته على سيئاته فيوضع عمله في الجنّة يعرفها بعمله فذلك قوله: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} الناجون ولهم غرف بمنازلهم في الجنّة إذا أنصرفوا إليها من أهل [الجنّة] إذا أنصرفوا إلى منازلهم. وأمّا الكفّار فيؤتى بأعمالهم في أقبح صورة فيوضع في كفّة الميزان وهي الباطل فيخفّ وزنه حتّى يقع في النار ثمّ يقال للكافر: إلحق بعملك. فإن قيل: كيف تصح وزن الأعمال وهي غراض وليست بأجسام فيجوز وزنها ووصفها بالثقل والخفة وإنما توزن الاعمال التي فيها أعمال العباد مكتوبة. يدلّ عليه حديث عبد الله بن عمر، وقال: يؤتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان ثمّ خرج له تسعة وتسعون سجلاًّ كلّ سجل منها مثل مدى البصر فيها خطاياه وذنوبه فيوضع في الكفّة ثمّ يُخرج له كتاب مثل الأنملة فيها شهادت أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم يوضع في الكفّة الأُخرى فيرجّح خطاياه وذنوبه، ونظير هذه الآية قوله {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [الأنبياء: 47]. فإنّ قيل: لِما جمعه وهو ميزان واحد. قيل: يجوز أن يكون [أعظم] جميعاً ومعناه واحد كقوله {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ} تفسير : [آل عمران: 173] {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ} تفسير : [المؤمنون: 51] وقال الأعشي: شعر : ووجه نقي اللون صاف يزيّنه مع الجيد لبّات لها ومعاصم تفسير : أراد لبّة ومعصماً. وقيل: أراد به الأعمال الموزونة. وقيل: الأصل ميزان عظيم ولكل عبد فيه ميزان معلّق به. وقيل: جمعه لأن الميزان ما اشتمل على الكفتين والشاهدين واللسان ولا يحصل الوزن إلاّ باجتماعهما. وقيل: الموازين أصله: ميزان يفرق به بين الحق والباطل وهو العقل، وميزان يفرّق بين الحلال والحرام وهو العلم، وميزان يفرّق به بين السعادة والشقاوة هو عدم سهو الإرادة، وبالله التوفيق. {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} ملّكناكم في الأرض ووطّأنا لكم وجعلنّاها لكم قراراً {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} يعيشون بها أيام حياتكم من المأكل والمشرب والمعايش جمع المعيشة الياء من الأصل فلذلك لا تهمز {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} فيما صنعت إليكم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قبل أن نبدأ خواطرنا في سورة الأعراف لابد أن نلاحظ ملاحظة دقيقة في كتاب الله، الله يقول: {أية : إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الانعام: 165] ونقرأ الكلمة الأخيرة في سورة الأنعام {رَّحيِمٌ}، ونجدها مبنية على الوصل؛ لأن آيات القرآن كلها موصولة، وإن كانت توجد فواصل آيات، إلا أنها مبنية على الوصل، ولذلك تجد {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وعليها الضمة وبجوارها ميم صغيرة؛ لأن التنوين إذا جاء بعده باء، يقلب التنوين ميماً، فالميم الصغيرة موجودة على رحيم، قبل أن تقرأ {بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}، وتصبح القراءة: "غفور رحيم" "بسم الله". وكل آيات القرآن تجدها مبنية على الوصل، فكأن القرآن ليس أبعاضاً. وكان من الممكن أن يجعلها سكوناً، وأن يجعل كل آية لها وقف، لا، إنّه سبحانه أراد القرآن موصولاً، وإن كان في بعض الآيات إقلاب، وفي بعضها إدغام، وهذا بغُنَّة، وهذا بغير غُنَّة، ويقول الحق: بسم ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ {الۤمۤصۤ} وفي هذه الآية فصل بين كل حرف، فنقرأها: "ألف" ثم نسكت لنقرأ "لام" ثم نسكت لنقرأ "ميم" ثم نسكت لنقرأ "صاد". وهنا حروف خرقت القاعدة لحكمة؛ لأن هذه حروف مقطعة، مثل "الم، حم، طه، يس، ص، ق، وكلها مبنية على السكون مما يدل على أن هذه الحروف وإن الحروف وإن خيل لك أنها كلمة واحدة، لكن لكل حرف منها معنى مستقل عند الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن أَلِفٌ حرف، ولامٌ حرف، وَمِيمٌ حرف ". تفسير : والرسول صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن هذه الحروف بها أمور استقلالية، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت لها فائدة يحسن السكوت والوقوف عليها، فهمها من فهمها، وتعبد بها من تعبد بها، وكل قارئ للقرآن يأخذ ثوابه بكل حرف، فلو أن قارئاً قال: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ونطق بعد ذلك بحرف أو بأكثر، فهو قد أخذ بكل حرف حسنة، وحين نقرأ بعضاً من فواتح السور، نجد أن سورة البقرة تبدأ بقوله الحق: {أية : الۤمۤ} تفسير : [البقرة: 1] ونقرأ هنا في أول سورة الأعراف: {الۤمۤصۤ} [الأعراف: 1] وهي حروف مقطعة. نطقت بالإِسكان، وبالفصل بين كل حرف وحرف. ويلاحظ فيها أيضاً أنها لم تقرأ مسميات، وإنما قُرئت أسماء، ما معنى مسميات؟ وما معنى أسماء؟. أنت حين تقول: كتب، لا تقول "كاف" "تاء" "باء"، بل تنطق مسمى الكاف كَ، واسمها كاف مفتوحة، أما مسماها فهو "كَ". إذن فكل حرف له مسمى، أي الصوت الذي يقوله الإِنسان، وله اسم، والأمي ينطق المسميات، وإن لم يعرف أسماءها. أما المتعلم فهو وحده الذي يفهم أنه حين يقول: "كتب" أنها مكونة من كاف مفتوحة، وتاء مفتوحة، وباء مفتوحة، أما الأمي فهو لا يعرف هذا التفصيل. وإذا كان رسول الله قد تلقى ذلك وقال: ألف لام ميم، وهو أمي لم يتعلم. فمن قال له انطق مسميات الحروف بهذه الأسماء؟. لابد أنه قد عُلَّمَهَا وتلقاها، والحق هو القائل: {أية : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ} تفسير : [القيامة: 18] فالذي سوف تسمعه يا محمد ستقرأه، ولذلك تجد عجائب؛ فأنت تجد "ألم" في أول البقرة، وفي أول سورة آل عمران، ولكنك تقرأ الآية الأولى من سورة الفيل: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1] ما الفرق بين الألف واللام والميم في أول سورة البقرة، وسورة آل عمران وغيرهما، والحروف نفسها في أول سورة الفيل وغيرها كسورة الشَّرْح؟ أنت تقرأها في أول سورة البقرة وآل عمران أسماء. وتقرأها في أول سورة الفيل مسميات. والذي جعلك تفرق بين هذه وتلك أنك سمعتها تقرأ في أول البقرة وآل عمران هكذا، وسمعتها تقرأ في أول سورة الفيل هكذا. إذن فالقراءة توقيف، وليس لأحد أن يجترئ ليقرأ القرآن دون سماع من معلم. لا، لابد أن يسمعه أولاً حتى يعرف كيف يقرأ. ونقرأ {الۤمۤصۤ} في أول سورة الأعراف، وهي حروف مقطعة، ونعرف أن الحروف المقطعة ثمانية وعشرون حرفاً، ونجد نصفها أربعة عشر حرفاً في فواتح السور، وقد يوجد منها في أول السورة حرف واحد مثل: {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ} تفسير : [ق: 1] وكذلك قوله الحق: {أية : صۤ وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ} تفسير : [ص: 1] وكذلك قوله الحق: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} تفسير : [القلم: 1] ومرة يأتي من الحروف المقطعة اثنان، مثل قوله الحق: {أية : حـمۤ} تفسير : [الأحقاف: 1] ومرة تأتي ثلاثة حروف مقطعة مثل: {أية : الۤمۤ} تفسير : [البقرة: 1] ومرة يأتي الحق بأربعة حروف مقطعة مثل قوله الحق: {الۤمۤصۤ} [الأعراف: 1] ومرة يأتي بخمسة حروف مقطعة مثل قوله الحق: {أية : كۤهيعۤصۤ} تفسير : [مريم: 1] وإذا نظرت إلى الأربعة عشر حرفاً وجدتها تمثل نصف الحروف الأبجدية، وهذا النصف فيه نصف أحكام الحروف، فبعضها منشور، أو مهموس، أو مخفي، أو مستعلٍ، ومن كل نوع تجد النصف، مما يدل على أنها موضوعة بحساب دقيق، ومع أن توصيف الحروف، من مستعل، أو مفخم، أو مرقق، أو منشور، أو مهموس، هذا التوصيف جاء متأخراً عن نزول القرآن، ولكن الذي قاله يعلم ما ينتهي إليه خلقه في هذه الحروف المقطعة وله في ذلك حكمة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أميَّا، ولم يجلس إلى معلم، فكيف نطق بأسماء الحروف، وأسماء الحروف لا يعرفها إلا من تعلم؟! فهو إذن قد تلقنها، وإننا نعلم أن القرآن جاء متحديَّا العرب؛ ليكون معجزة لسيد الخلق، ولا يُتَحَدَّى إلا من كان بارعاً في هذه الصنعة. وكان العرب مشهورين بالبلاغة، والخطابة والشعر، والسجع وبالأمثال؛ فهم أمة كلام، وفصاحة، وبلاغة، فجاء لهم القرآن من جنس نبوغهم، وحين يتحدى الله العرب بأنه أرسل قرآناً لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، فالمادة الخام- وهي اللغة- واحدة، ومن حروف اللغة نفسها التي برع العرب فيها. وبالكلمات نفسها التي يستعملونها، لكنهم عجزوا أن يأتوا بمثله؛ لأنه جاء من رب قادر، وكلام العرب وبلاغتهم هي من صنعة الإنسان المخلوق العاجز. وهكذا نعلم سر الحروف المقطعة التي جاءت لتثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى القرآن من الملأ الأعلى لأنه أمي لم يتعلم شيئاً، لكنه عرف أسماء الحروف، ومعرفة أسماء الحروف لا يعرفها - كما قلت - إلا المتعلم، وقد علمه الذي علم بالقلم وعلم الإنسان ما لم يعلم، ويمكن للعقل البشري أن يحوم حول هذه الآيات، وفي هذه الحروف معان كثيرة، ونجد أن الكثير من المفكرين والمتدبرين لكلام الله وجدوا في مجال جلال وجمال القرآن الكثير، فتجد متصوفاً يقول إن "المص" جاءت هنا لحكمة، فأنت تنطق أو كلمة ألف وهي الهمزة من الحلق، واللام تنطقها من اللسان، والميم تنطقها من الشفة، وبذلك تستوعب مخارج الحروف من الحلق واللسان والشفة. قال المتصوف ذلك ليدلك على أن هذه السورة تتكلم في أمور الحياة بدءاً للخلق من آدم. إشارة إلى أولية خلق الإنسان، ووسطاً وهو المعاش، ونهاية وهو الموت والحساب ثم الحياة في الدار الأخرة، وجاءت "الصاد" لأن في هذه السورة قصص أغلب الأنبياء. هكذا جال هذا المتصوف جولة وطلع بها، أنردها عليه؟ لا نردها بطبيعة الحال، ولكن نقول له: أذلك هو كل علم الله فيها؟. لا؛ لأن علينا أن نتعرف على المعاني التي فيها وأن نأخذها على قدر بشريتنا، ولكن إذا قرأناها على قدر مراد الله فيها فلن نستوعب كل آفاق مرادات الله؛ لأن أفهامنا قاصرة. ونحن البشر نضع كلمات لا معنى لها لكي تدل على أشياء تخدم الحياة، فمثلا نجد في الجيوش من يضع "كلمة سر" لكل معسكر فلا يدخل إلا من يعرف الكلمة. من يعرف "كلمة السر" يمكنه أن يدخل. وكل كلمة سر لها معنى عند واضعها، وقد يكون ثمنها الحياة عند من يقترب من معسكر الجيش ولا يعرفها. {الۤمۤصۤ} [الأعراف: 1] ونجد بعد هذه الحروف المقطعة حديثاً عن الكتاب، فيقول سبحانه: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ...}

الصابوني

تفسير : اللغَة: {حَرَجٌ} ضيق يقال: حَرج المكانُ أو الصدرُ إِذا ضاق {بَيَاتاً} قال الراغب: البَيَاتُ والتبيتُ: قصدُ العدوّ ليلاً {قَآئِلُونَ} من القيلولة وهي النوم وسط النهار، والقائلة: الظهيرة {مَذْءُوماً} مذموماً يقال ذأمه أي ذمّه وحقَّره {مَّدْحُوراً} مطروداً يقال دحره أي طرده وأبعده {سَوْءَاتِهِمَآ} السوأة: العورة سميت بذلك لأن الإِنسان يسوءه ظهورها {طَفِقَا} شرعا وأخذا يقال: طفِق يطفق إِذا ابتدأ وأخذ {يَخْصِفَانِ} يرقعان ويلزقان {رِيشاً} لباساً تتجملون به وأصل الريش: المالُ والجمال ومنه ريش الطير لأنه زينةٌ له وجمال {قَبِيلُهُ} جنوده وأصل القبيل: الجماعةُ سواءً كانوا من أصلٍ أو أصول شتى {فَاحِشَةً} الفاحشة هي الشيء الذي تناهى قبحه والمراد بها هنا الطوافُ حول البيت عراةً وكل أمرٍ قبيح يسمى فاحشة، والفحشاء ما اشتد قبحه من الذنوب كالفاحشة. التفسِير: {الۤمۤصۤ} تقدم في أول سورة البقرة الكلام عن الحروف المقطّعة وأن الحكمة في ذكرها بيان "إِعجاز القرآن" بالإِشارة إِلى أنه مركب من أمثال هذه الحروف ومع ذلك فقد عجز بلغاؤهم وفصحاؤهم وعباقرتهم عن الإِتيان بمثله وروي عن ابن عباس معناه: أنا الله أعلم وأَفْصِل، وقال أبو العالية: الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد والصاد مفتاح اسمه صادق {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} أي هذا كتاب أنزله الله إِليك يا محمد وهو القرآن {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} أي لا يضقْ صدرك من تبليغه خوفاً من تكذيب قومك {لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي لتنذر بالقرآن من يخاف الرحمن، ولتذكّر وتعظ به المؤمنين لأنهم المنتفعون به {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} أي اتبعوا أيها الناس القرآن الذي فيه الهدى والنور والبيان المنزّل إِليكم من ربكم {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي ولا تتخذوا أولياء من دون الله كالأوثان والرهبان والكُهّان تولونهم أموركم وتطيعونهم فيما يشرعون لكم {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي تتذكّرون تذكراً قليلاً قال الخازن: أي ما تتعظون إِلا قليلاً {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} أي وكثير من القرى أهلكناها والمراد بالقرية أهلُها {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً} أي جاءها عذابنا ليلاً {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} أي جاءهم العذاب في وقت القيلولة وهي النوم في وسط النهار قال أبو حيان: وخصّ مجيء البأس بهذين الوقتين لأنهما وقتان للسكون والدعة والاستراحة فمجيء العذاب فيهما أشق وأفظع لأنه يكون على غفلةٍ من المهلكين {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ} أي ما كان دعاؤهم واستغاثتهم حين شاهدوا العذاب ورأوا أماراته {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} أي إِلا اعترافهم بظلمهم تحسراً وندامة، وهيهات أن ينفع الندم {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} أي لنسألن الأمم قاطبة هل بلّغكم الرسل وماذا أجبتم؟ والمقصودُ من هذا السؤال التقريع والتوبيخ للكفار {وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} أي ولنسألنَّ الرسل أيضاً هل بلّغوا الرسالة وأدوا الأمانة؟ قال في البحر: وسؤال الأمم تقريرٌ وتوبيخ يعقب الكفار والعصاة نكالاً وعذاباً، وسؤال الرسل تأنيسٌ يعقب الأنبياء كرامة وثواباً {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} أي فلنخبرنهم بما فعلوا عن علمٍ منا قال ابن عباس: يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} أي ما كنا غائبين عنهم حتى يخفى علينا شيء من أحوالهم قال ابن كثير: يخبر تعالى عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا من قليل وكثير، وجليل وحقير، لأنه تعالى الشهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ} أي والوزن للأعمال يوم القيامة كائن بالعدل ولا يظلم ربك أحداً {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} أي فمن رجحت موازين أعماله بالإِيمان وكثرة الحسنات {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي الناجون غداً من العذاب الفائزون بجزيل الثواب {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ} أي ومن خفت موازين أعماله بسبب الكفر واجتراح السيئات {فَأُوْلَـۤئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُم} أي خسروا أنفسهم وسعادتهم {بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ} أي بسبب كفرهم وجحودهم بآيات الله، قال ابن كثير: والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال وإِن كانت أعراضاً إِلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجساماً يروى هذا عن ابن عباس، وقيل: يوزن كتاب الأعمال كما جاء في حديث البطاقة، وقيل: يوزن صاحب العمل كما في الحديث "حديث : يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة" تفسير : والكل صحيح فتارةً توزن الأعمال، وتارةً محالها، وتارة يوزن فاعلها والله أعلم أقول: لا غرابة في وزن الأعمال ووزن الحسنات والسيئات بالذات، فإِذا كان العلم الحديث قد كشف لنا عن موازين للحر والبرد، واتجاه الرياح والأمطار، أفيعجز القادر على كل شيء عن وضع موازين لأعمال البشر؟ {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي جعلنا لكم أيها الناس في الأرض مكاناً وقراراً قال البيضاوي: أي مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} أي ما تعيشون به وتحيون من المطاعم والمشارب وسائر ما تكون به الحياة {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي ومع هذا الفضل والإِنعام قليل منكم من يشكر ربه كقوله {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ: 13] {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} أي خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوَّر ثم صورناه أبدع تصوير وأحسن تقويم، وإِنما ذكر بلفظ الجمع تعظيماً له لأنه أبو البشر {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} أي ثم أمرنا الملائكة بالسجود لآدم تكريماً له ولذريته {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} أي سجد الملائكة كلهم أجمعون إِلا إِبليس امتنع من السجود تكبراً وعناداً، والاستثناء منقطع لأنه استثناء من غير الجنس وقد تقدم قول الحسن البصري: لم يكن إِبليسُ من الملائكة طرفة عين {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} أي قال تعالى لإِبليس أيُّ شيء منعك أن تدع السجود لآدم؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} أي قال إِبليس اللعين أنا أفضل من آدم وأشرف منه فكيف يسجد الفاضل للمفضول؟ ثم ذكر العلة في الامتناع فقال {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} أي أنا أشرف منه لشرف عنصري على عنصره، لأنني مخلوق من نار والنار أشرف من الطين، ولم ينظر المسكين لأمر من أمره بالسجود وهو الله تعالى قال ابن كثير: نظر اللعين إِلى أصل العنصر ولم ينظر إِلى التشريف والتعظيم وهو أن الله خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياساً فاسداً فأخطأ قبّحه الله في قياسه في دعواه أن النار أشرف من الطين، فإِن الطين من شأنه الرزانة والحلم، والنار من شأنها الإِحراق والطيش، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإِصلاح والنار محل العذاب ولهذا خان إِبليس عنصره فأورثه الهلاك والشقاء والدمار قال ابن سيرين: أول من قاس إِبليس فأخطأ فمن قاس الدين برأيه قرنه الله مع إِبليس {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} أي اهبط من الجنة فما يصح ولا يستقيم ولا ينبغي أن تستكبر عن طاعتي وأمري وتسكن دار قدسي {فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} أي الذليلين الحقيرين قال الزمخشري: وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبسه الله الذل والصغار فمن تواضع لله رفعه ومن تكبّر على الله وضعه {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} استدرك اللعين فطلب من الله الإِمهال إِلى يوم البعث لينجو من الموت لأن يوم البعث لا موت بعده فأجابه تعالى بقوله {قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} قال ابن عباس: أنظره إِلى النفخة الأولى حيث يموت الخلق كلهم وكان طلب الإِنظار إِلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين فأبى الله ذلك عليه ويؤيده الآية الأخرى {أية : قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} تفسير : [الحجر: 37 - 38] {قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} أي فبسبب إِغوائك وإِضلالك لي لأقعدنَّ لآدم وذريته على طريق الحق وسبيل النجاة الموصل للجنة كما يقعد القُطّاع للسابلة {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} أي آتي عبادك من كل جهة من الجهات الأربع لأصدّهم عن دينك قال الطبري: معناه لآتينهم من جميع وجوه الحق والباطل، فأصدهم عن الحق وأحسّن لهم الباطل قال ابن عباس: ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم لئلا يحول بين العبد وبين رحمة الله تعالى {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} أي مؤمنين مطيعين شاكرين لنعمك {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} أي اخرج من الجنة مذموماً معيباً مطروداً من رحمتي {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} اللام موطئة للقسم أي لمن أطاعك من الإِنس والجن لأملأنَّ جهنم من الأتباع الغاوين أجمعين، وهو وعيد بالعذاب لكل من انقاد للشيطان وترك أمر الرحمن {وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} أي وقلنا يا آدم اسكن مع زوجك حواء الجنة بعد أن أُهبط منها إِبليس وأخرج وطرد {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} أي كلا من ثمارها من أي مكان شئتما {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} أباح لهما الأكل من جميع ثمارها إِلا شجرة واحدة عيّنها لهما ونهاهما عن الأكل منها ابتلاءً وامتحاناً فعند ذلك حسدهما الشيطان وسعى في الوسوسة والمكر والخديعة {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} أي ألقى لهما بصوتٍ خفي لإِغرائهما بالأكل من الشجرة {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} أي ليظهر لهما ما كان مستوراً من العورات التي يقبح كشفها {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} وهذا توضيح لوسوسة اللعين أي قال في وسوسته لهما: ما نهاكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة إِلا كراهية أن تكونا مَلكَين أو تصبحا من المخلّدين في الجنة {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} أي حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما وقد يُخْدع المؤمن بالله قال الألوسي: وإِنما عبّر بصيغة المفاعلة للمبالغة لأن من يباري أحداً في فعلٍ يجدُّ فيه {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} أي خدعهما بما غرهما به من القسم بالله قال ابن عباس: غرهما باليمين وكان آدم يظن أنه لا يحلف أحدٌ بالله كاذباً فغرهما بوسوسته وقسمه لهما {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} أي فلما أكلا من الشجرة ظهرت عوراتهما قال الكلبي: تهافت عنهما لباسهما فأبصر كلٌ منهما عورة صاحبه فاستحيا {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} أي أخذا وشرعا يلصقان ورقة على ورقة ليستترا به بعد أن كانت كسوتهما من حلل الجنة قال القرطبي: أي جعلا يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به ومنه خصف النعل وعن وهب ابن منبه قال: كان لباس آدم وحواء نوراً على فروجهما لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا فلما أصابا الخطيئة بدت لهما سوآتهما {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} أي ناداهما الله بطريق العتاب والتوبيخ قائلاً: أَلم أحذركما من الأكل من هذه الشجرة وأخبركما بعداوة الشيطان اللعين؟ روى أنه تعالى قال لآدم: ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحةٌ عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى وعزتك ولكنْ ما ظننتُ أن أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً قال: فوعزتي لأهبطنَّك إِلى الأرض ثم لا تنال العيش إِلا كدّاً {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} اعترفا بالخطيئة وتابا من الذنب وطلبا من الله المغفرة والرحمة قال الطبري: وهذه الآية هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه {قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} الخطاب لآدم وحواء وإِبليس ولهذا جاء بصيغة الجمع أي اهبطوا من سماء القدس إِلى الأرض حال كون بعضكم عدواً لبعض، فالشيطان عدوٌ للإِنسان، والإِنسان عدوٌ للشيطان كقوله {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} تفسير : [فاطر: 6] {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} أي لكم في الأرض موضع استقرار وتمتع وانتفاع إلى حين انقضاء آجالكم {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} أي في الأرض تعيشون وفيها تُقبرون ومنها تُخرجون للجزاء كقوله {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 55] ثم ذكر تعالى ما امتنَّ به على ذرية آدم من اللباس والرياش والمتاع فقال {يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً} أي أنزلنا عليكم لباسين: لباساً يستر عوراتكم، ولباساً يزينكم وتتجملون به قال الزمخشري: الريش لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} أي ولباس الورع والخشية من الله تعالى خير ما يتزين به المرء فإِن طهارة الباطن أهم من جمال الظاهر قال الشاعر: شعر : وخيرُ لباس المرء طاعةُ ربه ولا خير فيمن كان لله عاصياً تفسير : {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} أي إِنزال اللباس من الآيات العظيمة الدالة على فضل الله ورحمته على عباده {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي لعلهم يذكرون هذه النعم فيشكرون الله عليها {يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} أي لا يغوينكم الشيطان بإِضلاله وفتنته {كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ} أي كما أغوى أبويكم بالأكل من الشجرة حتى أخرجهما من الجنة {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ} أي ينزع عنهما اللباس لتظهر العورات، ونسب النزع إِليه لأنه المتسبب، وهذا هدف اللعين أن يهتك الستر عن الإِنسان ويعريه من جميع الفضائل الحسّية والمعنوية {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} أي إن الشيطان يبصركم هو وجنوده من الجهة التي لا تبصرونه منها، فهو لكم بالمرصاد فاحذروا كيده ومكره لأن العدو إِذا أتى من حيث لا يُرى كان أشدَّ وأخوف {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي جعلنا الشياطين أعواناً وقرناء للكافرين {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} أي وإِذا فعل المشركون فاحشة وهي الفعلة المتناهية في القبح كالطواف حول البيت عراة {قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا} أي اعتذروا عن ذلك الفعل القبيح بتقليد الآباء {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} أي أمرنا بالتجرد من الثياب إِذ كيف نطوف في ثيابٍ عصينا فيها الله! وهذا افتراء على ذي الجلال قال البيضاوي: احتجوا بأمرين: تقليد الآباء، والافتراء على الله سبحانه، فأعرض عن الأول لظهور فساده، وردَّ الثاني بقوله {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} أي قل لهم يا محمد: الله منزّه عن النقص لا يأمر عباده بقبائح الأفعال ومساوئ الخصال {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} الاستفهام للإِنكار والتوبيخ أي أتكذبون على الله وتنسبون إِليه القبيح دون علمٍ ونظرٍ صحيح؟ {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} أي بالعدل والاستقامة {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} أي توجهوا بكليتكم إِليه عند كل سجود {وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} أي واعبدوه مخلصين له العبادة والطاعة قال ابن كثير: أي أمركم بالاستقامة في عبادته وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات وبالإِخلاص لله في العبادة فإِن الله تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين: أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} أي كما بدأكم من الأرض تعودون إِليها {فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ} أي هدى فريقاً منكم وأضلَّ فريقاً منكم وهو الفعال لما يريد لا يُسأل عما يفعل {إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} هذا تعليل للفريق الذين حقت عليهم الضلالة أي اتخذوا الشياطين نصراء من دون الله {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} أي يظنون أنهم على بصيرة وهداية. البَلاَغَة: 1- {حَرَجٌ مِّنْهُ} أي ضيق من تبليغه فهو على حذف مضاف مثل {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]. 2- {مِّن رَّبِّكُمْ} التعرض لوصف الربوبية مع الإِضافة لضمير المخاطبين لمزيد اللطف بهم وترغيبهم في امتثال الأوامر. 3- {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} بين {ثَقُلَتْ} و {خَفَّتْ} طباقٌ وكذلك بين {بَيَاتاً} و {قَآئِلُونَ} لأن البيات معناه ليلاً و {قَآئِلُونَ} معناه نهاراً وقت الظهيرة. 4- {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} هو على حذف مضاف أي خلقنا أباكم وصورنا أباكم. 5- {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} استعار الصراط المستقيم لطريق الهداية الموصل إلى جنان النعيم. 6- {وَيَآءَادَمُ} فيه إيجاز بالحذف أي وقلنا يا آدم. 7- {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} عبَّر عن الأكل بالقرب مبالغة في النهي عن الأكل منها. 8- {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا} أكد الخبر بالقسم وبإنَّ واللام لدفع شبهة الكذب وهو من الضرب الذي يسمى "إنكارياً" لأن السامع متردّد. 9- {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ} بين الجملتين طباقٌ وهو من المحسنات البديعية. تنبيهْ: سميت العورة سوأة لأن كشفها يسوء صاحبها قال العلماء: في الآية دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور وأنه مستهجنٌ في الطباع ولذلك سميت سوأة أقول: إن الآية قد أَوضحت هدف إبليس اللعين {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ} فمن دعا إلى تعري المرأة وشجَّع على ذلك كما هو حال من يزعم التقدمية ويدعو المرأة الى نزع الحجاب بدعوى الحرية والمساواة فإنما هو عدوٌ للمرأة ومن أنصار وأعوان إبليس لأن الهدف واحد، وهي دعوة مكشوفة غايتها التفسخُ والانحلال الخلقي، وليست التقدمية بالتكشف والتعري وإنما هي بصيانة الشرف والعفاف ولله در القائل: شعر : يا ابنتي إن أردتِ آيةَ حسنٍ وجمالاً يزينُ جسماً وعقلاً فانبذي عادة التبرج نبذاً فجمالُ النفوسِ أسمى وأَعْلى يصنع الصَّانعون ورداً ولكنْ وردةُ الروضِ لا تُضارع شكلاً

زيد بن علي

تفسير : أَخبرنا أَبو جعفر، قالَ: حدّثنا علي بن أحمد، قال: أخبرنا عطاء بن السائب عن أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي عليهما السلام في قولِه تعالى: {الۤمۤصۤ} معناه أنا الله أفصلُ و: {أية : الۤمۤ} تفسير : [البقرة: 1] [آل عمران: 1] أنا الله أعلمُ و: {أية : الۤر} تفسير : [يونس: 1] أنا الله أَرى.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * الۤمۤصۤ * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} الآية، هذه السورة مكية، قاله ابن عباس وجماعة. وقال مقاتل: إلا قوله واسألهم عن القرية إلى قوله: من ظهورهم ذرياتهم فإِن ذلك مدني. وروي هذا أيضاً عن ابن عباس وقيل: إلى قوله تعالى: {أية : وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ}تفسير : [الأعراف: 171] واعتلاق هذه السورة بما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر قوله: {أية : وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ} تفسير : [الأنعام: 155]. واستطرد منه لما بعده وإلى قوله آخر السورة: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 165] وذكر ابتلاءهم فيما آتاهم، وذلك لا يكون إلا بالتكاليف الشرعية، ذكر ما به تكون التكاليف وهو الكتاب الإِلهي وذكر الأمر باتباعه كما أمر في قوله: {أية : وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ} تفسير : [الأنعام: 155]. وتقدم الكلام على هذه الحروف المقطعة أوائل السور في أول البقرة وذكر ما حَدَسه الناس فيها، ولم يقم دليل واضح على شىء من تفسيرهم يتعيّن به ما قالوا. وزادوا هنا لأجل الصاد أقوالاً لا يقوم الدليل على صحة شىء منها ونهيه تعالى أن يكون في صدره حرج منه، أي من سببه لما تضمنه من أعباء الرسالة وتبليغها لمن لم يؤمن بكتاب ولا أعتقد صحة رسالة، وتكليف الناس أحكامها، وهذه أمور صعبة ومعانيها تشق عليه. وأسند النهي إلى الحرج، ومعناه نهي المخاطب عن التعرض للحرج وكان أبلغ من نهي المخاطب لما فيه من أن الحرج لو كان مما ينهى لنهيناه عنك، فانته أنت عنه بعدم التعرض له ولأن فيه تنزيهاً لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن ينهاه، فيأتي التركيب فلا تحرج منه لأن ما أنزله تعالى إليه يناسبان يسرّ به وينشرح لما فيه من تخصيصه بذلك وتشريفه حيث أهّله لإِنزاله عليه وجعله سفيراً بينه وبين خلقه. فلهذه الفوائد عدل عن أن ينهاه ونهى الحرج. كتاب: خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا الكتاب، وأنزل جملة في موضع الصفة للكتاب. والظاهر أن الضمير في منه عائد على الكتاب وذهب الفراء وتبعه الحوفي والزمخشري وابن عطية أنّ تنزل ومتعلق بقوله: انزل إليك. وقوله: أنزل ماضي الزمان. ولتنذر مستقبل الزمان فلذلك احتيج في جعله مفعولاً من أجله للام الجر لمّا اختلف زمانهما. والجملة من قوله: فلا يكن اعتراض بين أنزل وبين لتنذر. {وَذِكْرَىٰ} مصدر وهو مجرور عطفاً على المصدر المنسبك من أنْ. والفعل المنصوب بإِضمارها أي انْ في قوله: لتنذر، أي لإِنذارك ولذكرى ومعنى ذكرى هنا المراد به ولتذكير المؤمنين كقوله تعالى: {أية : وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ}تفسير : [المدثر: 31]، وحذف مفعول تنذر أي لتنذر الكافرين ويدل على حذفه نظيره في قوله: وذكرى للمؤمنين. {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ} يشمل القرآن والسنة لقوله تعالى: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ}تفسير : [النجم: 3-4]. والضمير في {مِن دُونِهِ} عائد على ربكم. {أَوْلِيَآءَ} من دون الله كالأصنام والرهبان والكهان والأحبار والنار والكواكب وغير ذلك. وانتصب: {قَلِيلاً} على أنه نعت لمصدر محذوف. وما: زائدة أي يتذكرون تذكراً قليلاً. {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} كم هنا خبرية التقدير وكثير من القرى أهلكناها وأعاد الضمير في أهلكناها على معنى كم، وهي في موضع رفع بالابتداء وأهلكناها جملة في موضع الخبر. وأجازوا أن تكون في موضع نصب بإِضمار فعل يفسره أهلنكاها تقديره وكم من قرية أهلكناها ولا بد في الآية من تقدير محذوف مضاف لقوله: أو هم قائلون فمنهم من قدره وكم من أهل قرية، ومنهم من قدره أهلكنا أهلها. وينبغي أن يقدر عند قوله: فجاءها بأسنا أي فجاء أهلها لمجيء الحال من أهلها بقوله: بياتاً، بدليل أو هم قائلون لأنه يمكن إهلاك القرى بالخسف والهدم وغير ذلك، فلا ضرورة تدعو إلى حذف المضاف قبل قوله: فجاءها، والضمير في أهلكناها المرفوع ضمير المتكلم المعظم وفيه التفات إذ فيه خروج من ضمير الغائب المفرد إلى ضمير المتكلم. {قَآئِلُونَ} يعني من نوع القيلولة نوَّع مجيء البأس إلى نوعين الاستراحة وهو بياتاً أي ليلاً إذ هو وقت سكون وراحة، وإلى زمان القيلوة وهو وقت الراحة أيضاً وأوَّ هنا للتفصيل. قال الزمخشري: فإن قلت: لا يقال: جاء زيد هو فارس بغير واو فما بال قوله تعالى: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} قلت: قدر بعض النحويين الواو محذوفة ورده الزجاج. وقال: لو قلت: جاءني زيد راجلاً أو هو فارس أو جاءني زيد هو فارس لم يحتج فيه إلى واو، لأن الذكر قد عاد إلى الأول. والصحيح أنها إذا عطفت على حال قبلها حذفت الواو استثقالاً لاجتماع حَرْفَيْ عطف لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل. فقولك: جاءني زيد راجلاً أو هو فارس كلام فصيح وارد على حدة. وأما جاءني زيد هو فارس فخبيث. "انتهى". فأما بعض النحويين الذي أبهمه الزمخشري فهو الفراء. وأما قول الزجاج في التمثيلين لم يحتج فيهما إلى الواو لأن الذكر قد عاد إلى الأول ففيه إبهام وتعيينه لم يجز دخولها في المثال الأول ويجوز دخولها في المثال الثاني فانتفاء الاحتياج ليس على حد سواء لأنه في الأول لامتناع الدخول، وفي الثاني لكثرة الدخول لا لإقناعه. وأما قول الزمخشري: والصحيح إلى آخره، فتعليله ليس بصحيح لأن واو الحال ليست حرف عطف فيلزم من ذكرها اجتماع حَرْفَيْ عطف لأنها لو كانت للعطف للزم أن يكون ما قبل الواو حالاً حتى يعطف حالاً على حال فمجيئها فيما لا يمكن أن يكون حالاً دليل على أنها ليست واو عطف ولا لَحُظ فيها معْنى واو العطف، تقول: جاءني زيد والشمس طالعة. فجاء زيد ليس بحال فتعطف عليه جملة حال وإنما هذه الواو مغايرة لواو العطف بكل حال، وهي قسم من أقسام الواو كما تأتي للقسم، وليست فيه للعطف إذا قلت: والله لتخرجن. وأما قوله: فخبيث فليس بخبيث وذلك أنه بناة على أن الجملة الاسمية إذ كان فيها ضمير ذي الحال فإِن حذف الواو منها شاذ. وتبع في ذلك الفراء وليس بشاذ بل هو كثير وقوعه في القرآن وفي كلام العرب نثرها ونظمها وهو أكثر من رمل بَيْرين ومها فلسطين. وقد رجع الزمخشري عن هذا المذهب إلى مذهب الجماعة. {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} قال ابن عباس: دعواهم تضرعهم إلا إقرارهم بالشرك. "انتهى". ودعواهم إسم كان. و{إِذْ} ظرف معمول لدعواهم وخبر كان. {أَن قَالُوۤاْ} أي إلا قولهم وإنا وما بعدها معمول للقول. {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ} أي نسأل الأمم المرسل إليهم عن أعمالهم وعما بلغه إليهم الرسل كقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [القصص: 65]، وتسأل الرسل عما أجاب به من أرسلوا إليه كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ}تفسير : [المائدة: 109] وسؤال الأمم تقرير وتوبيخ يعقب الكفار والعصاة عذاباً وسؤال الرسل تأنيس يعقب الأنبياء ثواباً وكرامة. {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم} أي نسرد عليهم أعمالهم قصةً قصةً. {بِعِلْمٍ} منا لذلك واطلاع عليه. {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} عن شىء منه وهذا من أعظم التوبيخ حيث يقرون بالظلم وتشهد عليهم أنبياؤهم ويقص الله عليهم أعمالهم.

الجيلاني

تفسير : {الۤمۤصۤ} [الأعراف: 1] أيها الإنسان الكامل اللائق لتكميل الخلائق المكرم المؤيد لإهدائهم إلى توحيد الذات والصفات والأفعال، الصادق الصفي في نفسه عن كدورات أهل الزيع والضلال، هذه الآثار والآيات اللطيفة اللائحة اللائقة لأن يسترشد منها ويستكشف عنها أرباب الذوق والكمال، المنزهه عن شوائب الشكوك وظلمات الأوهام الصافية عن تخليطات العقول وتخمينات الأحلام الصالحة لأن يستبصر بها ويستشهد منها إلى توحيد العليم العلام المقدس السلام. {كِتَابٌ} جامع لجميع فوائد الكتب المنزلة وأحكامها وإشاراتها، ناطق بجميع الأحوال الواقعة في النشأة الأولى والأخرى {أُنزِلَ إِلَيْكَ} يا هادي المضلين تقوية لك وترويجاً لما أمرت به {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ} ضيق وتعب حاصل {مِّنْهُ} أي: من نشره وتبيلغه مخافة الأعداء بل إنما أنزل إليك {لِتُنذِرَ بِهِ} أي: بإنذاراته وتخوفاته كم ضل عن طريق الحق، وأعرض عنه جهلاً وعناداً {وَ} تذكر بمواعيده وتبشيراته من وفق بتذكر الموطن الأصلي والمنزل الحقيقي؛ إذ هو {ذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 2] الموقنين بوحدة الحق المتوجهين نحوه بالعزيمة الصحيحة. {ٱتَّبِعُواْ} أيها المؤمنون المتوجهون نحو التوحيد {مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} على لسان نبيكم {وَلاَ تَتَّبِعُواْ} بعد بعثته ودعته {مِن دُونِهِ} سبحانه {أَوْلِيَآءَ} توالونهم وترجعون إليهم في أموركم من الجن الإنس؛ إذ هو خاتم النبوة فعليكم أن تتبعوه، وإن كان منكم {قَلِيلاً مَّا} شرذمة قليلة {تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] وتتعظون بتذكيره وعظته ليملكم إلى أهوية نفوسكم من الجاه والمال والرئاسة المستلزمة للتفوق على القرآن والأقران. {وَ} عليكم ألا تغتروا بها بل تذكروا {كَم} كثير {مِّن} أهل {قَرْيَةٍ} ذوي بطر ورفاهية {أَهْلَكْنَاهَا} بإنزال قهرنا إليها حتى استحقوا الهلاك بسبب كفرهم وظلمهم {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا} قهرنا {بَيَاتاً} حال كونهم راقدين رقود البطر والغفلة {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} [الأعراف: 4] مستريحون وقت الضحوة الكبرى تنعماً وحضوراً. {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} أي: دعاؤهم وتضرعهم {إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ} أي: حين ظهر عليهم قهرياً {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ} متضرعين مقربين معترفين: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 5] وبعدما اعترفوا بظلمهم ملجئين لا نبالي باعترافهم وإقرارهم. {فَلَنَسْأَلَنَّ} لنستكشفن ونظهرن في النشأة الأخرى أحوالهم التي كانوا عليها في النشأة الأولى أولاً من {ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} الرسل ما فعلوا بهم حين دعوهم إلى إطاعتنا وانقيادنا {وَ} بعدما ظهر منهم ما ظهر {لَنَسْأَلَنَّ} ثانياً عن أحوالهم من {ٱلْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6] المبلغين لهم أوامرنا ونواهينا عن قبولهم وتكذيبهم وتصديقهم، وبعدما ظهر أيضاً منهم ما ظهر.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {الۤمۤصۤ} [الأعراف: 1]، إلى قوله: {مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] والإشارة فيها: أنه تعالى بعد ذكره ذاته وصفاته بقوله: {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ}، عرَّف نفسه بقوله: {الۤمۤصۤ}؛ يعني: الله هو إله؛ من لطفه أفرد عباده للمحبة والمعرفة، وأنعم عليهم الله بالصدق والصبر؛ لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} [الأعراف: 2] بأن نزله على قلبك وشرح به صدرك، {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} [الأعراف: 2]؛ أي: مما فيه من كثرة الحقائق والمعاني والأسرار والأنوار والأفعال؛ إذ جعل خالقك معاني القرآن نور قلبك بأنواره وحقائقه، فاتسع به قلبك وانفتح له صدرك، فما بقي الضيق والحرج بخلاف الكتب المنزلة على الأنبياء من قبلك، فإنها كانت تنزل عليهم في الصحف والألواح، فكان من نزولها في صدر بعضهم نوع حرج حتى أن موسى عليه السلام ألقى الألواح من نوع ضيق وحرج أصابه مما فيه الألواح وخطاب الحق، فخصَّ نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم بتنزيل الكتاب على قلبه يشرح له صدره بأنواره فلا يكن في صدره حرج منه. {لِتُنذِرَ بِهِ} [الأعراف: 2] الأمة حين تتلوه عليهم وليكون {وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 2]؛ أي: يتعقلون به وينتفعون بحقائقه في متابعة نبيه صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: 3]، ومما نزل إليهم قوله: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7] فإن المؤمنين مأمورون بإتباع ما أنزل من ظاهر القرآن وباطنه؛ يعني: حقائقه وأسراره وحكمه، وبأن يأخذوه من النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ هو به مبعوث لقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ}تفسير : [الجمعة: 2]، فالكتاب: هو ظاهر القرآن والحكمة: هي باطنة وأسرار وحقائقه في قوله تعالى: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: 3]. إشارة أخرى تتضمن ألف بشارة وهي: إن الله تعالى كما شرف النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} [الأعراف: 2] جعل له دخلاً في اتباع القرآن والتخلق بأخلاقه ونيل كمالات تندرج فيه بقوله تعالى: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} ثم قال عز وجل: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ} [الأعراف: 3]؛ أي: من دون الله، {أَوْلِيَآءَ} [الأعراف: 3] أحباء [معاونين]، {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3]؛ أي قليلاً منكم يا بني آدم من يتعظ فلا يتخذ من دون الله أحداً. ثم أخبر عن الهالكين غير المتعظين بقوله تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأعراف: 4]؛ أي: أهلها، إلى قوله: {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} [الأعراف: 7]، والإشارة فيها: أن طول المهلة توجب الغفلة، وأن إكثار الغفلات توجب الإهلاكات، فكم {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} ركنوا إلى الغفلة، فاعتبروا بطول المهلة، فباتوا في حفظ الرعية، {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} [الأعراف: 4] فأصبحوا وقد صادفهم البلاء بغتة وأدركتهم سطوات قهرنا فجأة. {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} [الأعراف: 5]، والإشارة: فاعترفوا من الذنب بالاعتراف حين لا ينفعهم الاعتراف، فلا بلاء كشف عنهم، ولا دعاء سمع لهم، ولا إقرار نفعهم، ولا صريخ أنقذهم فما زالوا يقرعون إلى الابتهال، ويقرعون باب النوال، ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون السر حتى هادوا جميعاً وهلكوا سريعاً. وفيه إشارة أخرى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا}؛ أي: قرية قلب أفسدنا استعدادها، {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ}؛ أي: قبلنا وأزغناها بإصبع القهارية إظهاراً للجبارية، وأهلها نائمون على فراش الحسبان قائلون في نهار الخذلان: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} [الأعراف: 5]؛ أي: ادِّعاؤهم، {إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 5]؛ أي: ادعوا أن القدرة على تغليب الحال إنما كان لهم؛ وذلك من دناءة همتهم وركاكة عقلهم وقصر نظرهم حتى أحالوا القدرة والتصرف فيهم إلى أنفسهم وهم لاهون عن قوله تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ}تفسير : [الأنعام: 110]. {فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} [الأعراف: 6]، [سؤال] تعذيب وتعنيف تسألون عن القبول، هل قبلتم الرسالة وعملتم بما أمرتم أم لا؟ وفيه معنى آخر؛ أي: فلنسألن الذين كانوا مخصوصين بالرسالة إليهم من المؤمنين قابلي الدعوة بقوله: هل بلغ إليكم رسلنا رسالتنا ومواعيدنا، وهل بينوا لكم حقائق ما أنزل إليكم، ووصفوا لكم ما أوعدونا من المقامات والدرجات والكرامات لكم، وهل دعوكم إلى كمالات الدين وكشف الغطاء عن اليقين؟ وهذا سؤال تقريب وتشريف، {وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} [الأعراف: 6]، هل وجدتم في الأمم أقواماً قابلي الدعوة والرسالة من أهل المحبة والعناية؟ كما وعدناكم بإتيانهم بقوله: {أية : فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، وهذا سؤال إنعام وإكرام. {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} [الأعراف: 7]؛ أي: فنلبين لكل طائفة من الرسل والمرسل إليهم أن إرسالنا إليهم كان بعلم منا بقوله تعالى: {أية : ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}تفسير : [الأنعام: 124]، وما أرسلناهم عبثاً وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وشأن جسيم، {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} [الأعراف: 7] عن الرسل والمرسل إليهم؛ أن: كنَّا مع الرسل، بالعظمة والكفاية ومع المرسل إليهم بالتوفيق والتثبيت والهداية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم مبينا له عظمة القرآن: { كِتَابٌ أُنزلَ إِلَيْكَ } أي: كتاب جليل حوى كل ما يحتاج إليه العباد، وجميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية، محكما مفصلا { فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ } أي: ضيق وشك واشتباه، بل لتعلم أنه تنزيل من حكيم حميد {أية : لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } تفسير : وأنه أصدق الكلام فلينشرح له صدرك، ولتطمئن به نفسك، ولتصدع بأوامره ونواهيه، ولا تخش لائما ومعارضا. { لِتُنْذِرَ بِهِ } الخلق، فتعظهم وتذكرهم، فتقوم الحجة على المعاندين. { و } ليكون { َذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } كما قال تعالى: {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } تفسير : يتذكرون به الصراط المستقيم، وأعماله الظاهرة والباطنة، وما يحول بين العبد، وبين سلوكه. ثم خاطب اللّه العباد، وألفتهم إلى الكتاب فقال: { اتَّبِعُوا مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } أي: الكتاب الذي أريد إنزاله لأجلكم، وهو: { مِنْ رَبِّكُمْ } الذي يريد أن يتم تربيته لكم، فأنزل عليكم هذا الكتاب الذي، إن اتبعتموه، كملت تربيتكم، وتمت عليكم النعمة، وهديتم لأحسن الأعمال والأخلاق ومعاليها { وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } أي: تتولونهم، وتتبعون أهواءهم، وتتركون لأجلها الحق. { قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ } فلو تذكرتم وعرفتم المصلحة، لما آثرتم الضار على النافع، والعدو على الوليِّ. ثم حذرهم عقوباته للأمم الذين كذبوا ما جاءتهم به رسلهم، لئلا يشابهوهم (1) فقال: { وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا } أي: عذابنا الشديد { بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } أي: في حين غفلتهم، وعلى غرتهم غافلون، لم يخطر الهلاك على قلوبهم. فحين جاءهم العذاب لم يدفعوه عن أنفسهم، ولا أغنت عنهم آلهتهم التي كانوا يرجونهم، ولا أنكروا ما كانوا يفعلونه من الظلم والمعاصي. { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } كما قال تعالى: {أية : وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ }. تفسير : وقوله { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } أي لنسألن الأمم الذين أرسل اللّه إليهم المرسلين عما أجابوا به رسلهم {أية : وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ } تفسير : الآيات. { وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ } عن تبليغهم لرسالات ربهم وعما أجابتهم به أممهم. { فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ } أي على الخلق كلهم ما عملوا { بِعِلْمٍ } منه تعالى لأعمالهم { وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } في وقت من الأوقات كما قال تعالى {أية : أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ } تفسير : وقال تعالى {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ }.

همام الصنعاني

تفسير : 883- عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {الۤمۤصۤ}: [الآية: 1] قال: اسم من أسماء القرآن.