٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {كِتَابٌ} خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب، أو خبر {المص} والمراد به السورة أو القرآن. {أَنزَلَ إِلَيْكَ} صفته. {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ} أي شك، فإن الشك حرج الصدر أو ضيق قلب من تبليغه مخافة أن تكذب فيه، أو تقصر في القيام بحقه، وتوجيه النهي فيه للمبالغة كقولهم: لا أرينك ها هنا. والفاء تحتمل العطف والجواب فكأنه قيل: إذا أنزل إليك لتنذر به فلا يحرج صدرك. {لِتُنذِرَ بِهِ} متعلق بأنزل أو بلا يكن لأنه إذا أيقن أنه من عند الله جسر على الإنذار، وكذا إذا لم يخفهم أو علم أنه موفق للقيام بتبليغه. {وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} يحتمل النصب بإضمار فعلها أي: لتنذر وتذكر ذكرى فإنها بمعنى التذكير، والجر عطفاً على محل تنذر والرفع عطفاً على كِتَابٌ أو خبراً لمحذوف. {ٱتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ} يعم القرآن والسنة لقوله سبحانه وتعالى: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَىٰ }تفسير : [النجم: 3-4] {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} يضلونكم من الجن والإِنس. وقيل الضمير في {مِن دُونِهِ} لـ {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ} أي: ولا تتبعوا من دون دين الله دين أولياء. وقرىء «ولا تبتغوا». {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} أي تذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً تذكرون حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره، و«ما» مزيدة لتأكيد القلة وإن جعلت مصدرية لم ينتصب {قَلِيلاً} بـ {تَذَكَّرُونَ}. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {تَذَكَّرُونَ} بحذف التاء، وابن عامر «يتذكرون» على أن الخطاب بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : هذا {كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ } ضِيق {مِنْهُ } أن تبلغه مخافة أن تكذَّب {لّتُنذِرَ } متعلق بـ(أُنزل): أي للإِنذار {بِهِ وَذِكْرَىٰ } تذكرة {لِلْمُؤْمِنِينَ } به.
ابن عبد السلام
تفسير : {حَرَجٌ} ضيق، أو شك، أو لا يضيق صدرك بتكذيبهم.
الخازن
تفسير : وقوله تعالى {كتاب أنزل إليك} يعني هذا كتاب أنزله الله إليك يا محمد وهو القرآن {فلا يكن في صدرك حرج منه} يعني: فلا يضيق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به إلى الناس {لتنذر به} يعني: أنزلت إليك الكتاب يا محمد لتنذر به من أمرتك بإنذاره {وذكرى للمؤمنين} يعني: ولتذكر وتعظ به المؤمنين وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم، تقديره: كتاب أنزلناه إليك لتنذر به وذكر للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه. قال ابن عباس: فلا تكن في شك منه لأن الشك لا يكون إلا من ضيق الصدر وقلة الاتساع لتوجيه ما حصل له. قوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} أي: قل يا محمد لقومك اتبعوا أيها الناس ما أنزل إليكم من ربكم يعني من القرآن الذي فيه الهدى والنور والبيان. قال الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيما أنزلت وما معناها، وبنحو هذا قال الزجاج: أي اتبعوا القرآن وما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم فإنه مما أنزل لقوله تعالى: {أية : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}تفسير : [الحشر: 7] ومعنى الآية أن الله تعالى لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإنذار في قوله لتنذر به كان معنى الكلام أنذر القوم{أية : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم}تفسير : [الأَعراف: 3] واتركوا ما أنتم عليه من الكفر والشرك، وقيل: معناه لتنذر به وتذكر به المؤمنين فتقول لهم {أية : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم}تفسير : [الأَعراف:]، وقيل: هو خطاب للكفار أي اتبعوا أيها المشركون ما أنزل إليكم من ربكم واتركوا ما أنتم عليه من الكفر والشرك ويدل عليه قوله تعالى: {ولا تتبعوا من دونه أولياء} يعني ولا تتخذوا الذين يدعونكم إلى الكفر والشرك فتتبعوهم. والمعنى: ولا تتولوا من دونه شياطين الإنس والجن فيأمروكم بعبادة الأصنام واتباع البدع والأهواء الفاسدة {قليلاً ما تذكرون} يعني ما تتعظون إلا قليلاً. قوله تعالى: {وكم من قرية أهلكناها} لما أمر الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإنذار والإبلاغ، وأمر أمته باتباع ما أنزله إليهم حذرهم نقمته وبأسه إن لم يتبعوا ما أمروا به فذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة والإعراض عن أمره من الوعيد فقال تعالى: {وكم من قرية أهلكناها}، قيل: فيه حذف تقديره وكم من أهل قرية لأن المقصود بالإهلاك أهل القرية لا القرية، وقيل: ليس فيه حذف لأن إهلاك القرية إهلاك لأهلها {فجاءها بأسنا} يعني عذابنا. فإن قلت مجيء البأس وهو العذاب إنما يكون قبل الإهلاك فكيف قال أهلكناها فجاءها بأسنا؟ قلت: معناه وكم من قرية حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا. وقال الفراء: الهلاك والبأس قد يقعان معاً كما يقال أعطيتني فأحسنت إليّ فلم يكن الإحسان قبل الإعطاء ولا بعده وإنما وقعا معاً. وقال غيره: لا فرق بين قولك أعطيتني فأحسنت إليّ أو أحسنت إليّ فأعطيتني فيكون أحدهما بدلاً من الآخر {بياتاً} يعني فجاءها عذابنا ليلاً قبل أن يصبحوا {أو هم قائلون} من القيلولة وهي نوم نصف النهار أو استراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم والمعنى فجاءها بأسنا غفلة وهم غير متوقعين له ليلاً وهم نائمون أو نهاراً وهم قائلون وقت الظهيرة وكل ذلك وقت الغفلة. ومقصود الآية أنه جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من غير تقدم أمارة تدلهم على وقت نزول العذاب وفيه وعيد وتخويف للكفار كأنه قيل لهم لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة فإن عذاب الله إذا نزل نزل دفعة واحدة {فما كان دعواهم} يعني فما كان دعاء أهل القرية التي جاءها بأسنا والدعوى تكون بمعنى الادعاء وبمعنى الدعاء، قال سيبويه: تقول العرب اللهم أشركنا في صالح دعوى المؤمنين ومنه قوله تعالى: {أية : دعواهم فيها سبحانك اللهم}تفسير : [يونس: 10] {إذ جاءهم بأسنا} يعني عذابنا {إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} يعني أنهم لم يقدروا على رد العذاب عنهم وكان حاصل أمرهم الاعتراف بالجناية وذلك حين لا ينفع الاعتراف {فلنسألن الذين أرسل إليهم} يعني: نسأل الأمم الذين أرسلنا إليهم الرسل ماذا عملتم فيما جاءتكم به الرسل {ولنسألن المرسلين} يعني ولنسألن الرسل الذين أرسلناهم إلى الأمم هل بلغتم رسالاتنا وأديتم إلى الأمم ما أُمرتم بتأديته إليهم أم قصرتم في ذلك. قال ابن عباس رضي الله عنهما في معنى هذه الآية: يسأل الله تعالى الناس عما أجابوا به المرسلين ويسأل المرسلين عما بلغوا وعنه أنه قال يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون. وقال السدي: يسأل الأمم ماذا عملوا فما جاءت به الرسل ويسأل الرسل هل بلَّغوا ما أرسلوا به. فإن قلت: قد أخبر عنهم في الآية الأولى بأنهم اعترفوا على أنفسهم بالظلم في قوله إنا كنا ظالمين فما فائدة هذا السؤال مع اعترافهم على أنفسهم بذلك؟ قلت: لما اعترفوا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب هذا الظلم والتقصير والمقصود من هذا التقريع والتوبيخ للكفار. فإن قلت: فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنهم قد بلغوا رسالات ربهم إلى من أرسلنا إليهم من الأمم؟ قلت: إذا كان يوم القيامة أنكر الكفار تبليغ الرسالة من الرسل فقالوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فكان مسألة الرسل على وجه الاستشهاد بهم على من أرسلوا إليهم من الأمم أنهم قد بلغوا رسالات ربهم إلى من أرسلوا إليه من الأمم فتكون هذه المسألة كالتقريع والتوبيخ للكفار أيضاً لأنهم أنكروا تبليغ الرسل فيزداد بذلك خزيهم وهوانهم وعذابهم.
ابن عادل
تفسير : قال مُجَاهِدٌ: "شكٌّ، والخِطَابُ للرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم والمرادُ به الأمة، ويُسَمَّى الشكُّ حَرَجاً؛ لأن الشَّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ كما أن المتيقن منشرح القَلْبِ". وقال أبُو العالية رحمة الله عليه، حَرَجٌ: ضِيقٌ، والمعنى: لا يَضِيقُ صدركَ بسبب أن يكذِّبُوكَ في التَّبْلِيعِ. قال الكيا: فظاهرُهُ النَّهْي ومعناه: نَفْيُ الحَرَج عنه صلى الله عليه وسلم أي: لا يضيقُ صَدْرُكَ ألاَّ يؤمنوا به فإنَّمَا عليك منه البلاغ وليس عليك سوى الإنْذَارِ به، ومثله قوله عزَّ وجلَّ: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [الشعراء: 3]. قوله: "مِنْهُ" متعلق بـ"حَرَجٌ". و "مِنْ" سببيَّةٌ أي حرج بسببه تقول: حَرِجْتُ منه أي: ضقْتُ بسببه، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوف على أنَّهُ صفةٌ له أي: حَرَجٌ كَائِنٌ وصادر منه، والضَّمِيرُ في "مِنْهُ" يجوز أن يعود على الكِتابِ وهو الظَّاهِرُ، ويجوزُ أن يعود على الإنزالِ المدلول عليه بـ "أُنْزِلَ"، أو عَلى الإنذارِ، أو على التَّبْليغِ المدلُولِ عليهما بسياق الكلامِ، أو على التَّكْذِيبِ الَّذِي تضمنه المعنى، والنهي في الصُّورةِ للحَرَج، والمرادُ الصَّادِرُ منه مبالغةً في النَّهْيِ عن ذلك كأنَّهُ قيل: لا تتعاطى أسباباً ينشأ عنها حرج، وهو من باب "لا أرَيَنَّك ههنا"، النهي متوجه على المتكلم والمراد به المخاطب كأنه قال: لا تكن بحضرتي فأراك ومثله: {أية : فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا}تفسير : [طه: 16]. قوله: "لتُنْذِرَ بِهِ" في متعلق هذه "اللاَّم" ثلاثة أوجه. أحدها: أنَّها متعلِّقة بـ "أنْزِلَ" أي: أنْزِلَ إليك للإنذار، وهذا قول الفرَّاء قال: اللاَّم في "لِتُنْذِرَ" منظومٌ بقوله: "أُنْزِلَ" على التَّقْديمِ والتَّأخِير، على تقدير: كتاب "أُنْزِلَ إليك لِتُنْذِرَ بِهِ فلا يَكُنْ". وتبعه الزَّمَخْشَرِيُّ والحُوفِيُّ، وأبُو البقاءِ على ذلك، وعلى هذا تَكُونُ جُمْلَةُ النَّهْي معترِضَةً بَيْنَ العِلَّة ومعلولها، وهو الذي عناه الفرَّاءُ بقوله: "على التَّقْدِيم والتَّأخير". والثاني: أنَّ اللامَ متعلِّقةٌ بما تعلَّقَ به خَبَرُ "الكَوْنِ" إذ التقدير: فلا يكن حَرَجٌ مستقراً في صَدْرِكَ لأجْلِ الإنْذَارِ. كذا قاله أبو حيَّان عن الأنْبَارِيِّ، فإنَّهُ قال: "وقال ابْنُ الأنْبَارِيّ: التقدير: فلا يكن في صدرك حرجٌ منه كي تُنْذِرَ بِهِ فجعله متعلقاً بما تعلَّق به "في صَدْرِكَ"، وكذا علَّقه به صاحبُ "النَّظْمِ"، فعلى هذا لا تكون الحملة معترضة". قال شهابُ الدِّين: الذي نقله الواحديُّ عن نصِّ ابْنِ الأنباريِّ في ذلك أن "اللاَّمَ" متعلِّقةٌ بـ "الكون"، وعن صاحب "النَّظْمِ" أنَّ اللاَّمَ بمعنى "أنْ" وسنأتي بنصَّيْهما إن شاء الله تعالى، فيجوز أن يكون لهما كلامان. الثالث: أنَّها متعلِّقةٌ بنفسِ الكَوْنِ، وهو مَذْهَبُ ابن الأنْبَارِيِّ والزَّمَخْشَرِيِّ، وصاحب "النَّظْمِ" على ما نقله أبُو حيَّان. قال أبُو بَكْرِ بْن الأنْبَارِيِّ: ويجوزُ أن تكون اللاَّمُ صلةً للكون على معنى: "فلا يَكُن في صَدْرِكَ شيء لتنذر، كما يقول الرجُلُ للرَّجُل لا تكن ظالماً لتقضي صاحبك دينه فتحمل لام كي على الكون". وقال الزَّمَخْشَريُّ: فإن قُلْتَ: بِمَ تعلَّق به "لِتُنْذِرَ"؟ قُلْتُ: بـ "أُنزل" أي: أنزل لإنذارك به، أو بالنَّهي؛ لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم، وكذا إذا علم أنَّهُ من عند الله شجعه اليقين على الإنْذَارِ. قال أبُو حيَّان: "فقوله: بالنَّهْيِ ظاهره أنَّهُ يتعلَّقُ بفعل النهي فيكونُ متعلقاً بقوله: "فَلاَ يَكُنْ"، وكان في تعليق المجرور والعمل في الظَّرْفِ فيه خلاف، وَمَبْنَاهُ على أنَّ "كان" النَّاقِصَة هل تدل على حدثٍ أم لا؟ فمن قال: إنَّهَا تدلُّ على الحدثِ جوَّزَ ذلك، ومن قال: لا تَدُلُّ عليه منعه". قال شهابُ الدِّين: الزَّمَخْشَرِيُّ مسبوق إلى هذا الوجه، بل ليس في عبارته ما يدلُّ على أنَّهُ متعلق بـ "يَكُونُ" بل قال "بالنَّهْيِ" فقد يريدُ بما تضمَّنه من المعنى، وعلى تقدير ذلك فالصَّحيحُ أنَّ الأفعالَ النَّاقِصَةَ كلَّهَا لها دلالةٌ على الحدثِ إلاَّ "لَيْسَ"، وقد أقمت على ذلك أدلَّةً وأتيتُ من أقوالِ النَّاسِ بما يَشْهَدُ لصحَّةِ ذلك كقولِ سيبويه، وغيره في غير هذا المَوْضُوعِ. وقال صاحبُ "النَّظْمِ": وفيه وجهٌ آخرُ، وهو أن تكون اللاَّمُ بمعنى أنْ والمعنى: لا يضيقُ صَدْرُكَ ولا يَضْعُفُ [عن] أن تُنْذِرَ به، والعربُ تضعُ هذه اللام في موضع "أنْ" كقوله تعالى: {أية : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 32] وفي موضع آخر: {أية : لِيُطْفِئُواْ}تفسير : [الصف: 8] فهما بمعنى واحد. قال شهابُ الدِّين: هذا قولٌ ساقطٌ جدّاً، كيف يكون حرفُ مختص بالأفعال يقع موضع آخر مختص بالأسماء؟ قوله: "وَذِكْرَى" يجوزُ أن يكون في محلِّ رَفْعٍ، أو نَصْبٍ، أو جَرٍّ. فالرَّفْعُ من وجهين، أحدهما: أنها عطف على "كِتَابٌ" أي: كتابٌ وذكرى أي: تَذْكِيرٌ، فهي اسم مَصْدَرٍ وهذا قول الفرَّاءِ. والثاني من وجهي الرَّفْع: أنَّهَا خبر مُبتدأ مُضْمرٍ أي: هو ذكرى، وهذا قولُ الزَّجَّاج. والنَّصْبُ من ثلاثة أوْجُهٍ: أحدها: أنَّهُ منصوبٌ على المصدر بفعل من لَفْظِهِ تَقْديرُهُ: وتذكر ذكرى أي تَذْكِيراً. الثاني: [أنها] في محلِّ نَصْبٍ نَسَقاً على مَوْضِع "لِتُنْذِرَ" فإن موضعه نصب، فيكونُ إذْ ذاكَ معطُوفاً على المَعْنَى، وهذا كما تعطفُ الحال الصريحة على الحالِ المؤوَّلةِ كقوله تعالى: {أية : دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً}تفسير : [يونس: 12]، ويكونُ حينئذٍ مفعولاً من أجْلِهِ كما نقُولُ: "جِئْتُكَ لِتُكْرمَنِي وإحْسَاناً إليَّ". الثالث: قال أبُو البقاء: - وبه بَدَأ -: "إنَّها حال من الضمير في "أنزل" وما بينهما مُعْتَرِضٌ". وهذا سَهْوٌ فإنَّ "الواو" مانعة من ذلك، وكيف تَدْخُلُ الواوُ على حالٍ صريحةٍ؟ والجرُّ من وجهين أيضاً. أحدهما: العطفُ على المَصْدَرِ [المُنْسَبِك من "أنْ" المقدَّرة بعد لام كي، والفعل، والتَّقديرُ: للإنْذَارِ والتَّذْكِيرِ. والثاني: العطفُ] على الضَّميرِ في "بِهِ"، وهذا قول الكُوفيِّين، والذي حسَّنَهُ كون "ذِكْرَى" في تقدير حرفٍ مصدريٍّ - وهو "أنْ" - والفعل ولو صرح بـ "أنْ" لحسُنَ معها حذفُ حرفِ الجرِّ، فهو أحْسَنُ من "مررتُ بِكَ وَزَيْدٍ" إذ التَّقْديرُ: لأن تنذر به وبأن تُذَكِّرَ. وقوله: "لِلمُؤمِنِيْنَ" يجوز أن تكون "اللاَّمُ" مزيدةً في المفعولِ به تقويةً له؛ لأنَّ العاملَ فَرْعٌ، والتقديرُ: وتذكِّرَ المُؤمنينَ. ويجوزُ أنْ يتعلَّقَ بمحذُوفٍ؛ لأنَّهُ صِفَةٌ لـ "ذِكْرَى". فصل في معنى الآية قال ابْنُ عبَّاسٍ - رضي الله عنهما - يريدُ مَوْعِظَةً للمصدِّقين. فإن قيل: لم قيَّد هذه الذِّكْرَى بالمؤمنين؟ فالجوابُ: هو نَظِيرُ قوله: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 2]. قال ابْنُ الخَطيب: والبَحْثُ العقلِيُّ فيه أنَّ النُّفُوس البشريَّةَ على قِسْمَيْنِ: بَلِيدةٌ جَاهِلَةٌ بعِيدَةٌ عن عَالمِ الغَيْبِ غَريقَةٌ في طلب اللَّذَّاتِ الجُسْمَانِيَّةِ، ونفوسٌ شريقةٌ مشرقةٌ بأنوار الإلهيَّةِ، فبعثة الأنبياء في حق القسم الأول للإنْذَارِ والتَّخْوِيفِ فإنَّهُم لمَّا غرقوا في نومِ الغَفْلَةِ ورَقْدَةِ الجَهالةِ احْتَاجُوا إلى مُوقِظٍ يُوقِظُهُمْ. وأمَّا في حقِّ القسم الثَّانِي فتذكير وتنبيه؛ لأنه ربما غَشِيَهَا من غَوَاشِي عالم الجِسْمِ فيعرضُ لها نوعُ ذُهُولٍ وَغَفْلَةٍ، فإذا سَمِعَتْ دعوةَ الأنبياءِ واتَّصل لها أنوارُ أرواحِ رُسُلِ اللَّهِ؛ تَذكَّرَتْ مركزَهَا؛ فثبت أنَّهُ تعالى إنَّمَا أنزلَ هذا الكتاب على رَسُولِهِ؛ ليكونَ إنذاراً في حقِّ طائفةٍ، وذكرى في حقِّ طائفة أخْرَى.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس {فلا يكن في صدرك حرج منه} قال: الشك. وقال لأعرابي: ما الحرج فيكم؟ قال: الشك اللنهس . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {فلا يكن في صدرك حرج منه} قال: شك . وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك {فلا يكن في صدرك حرج منه} قال: ضيق . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} أي هذا القرآن.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} [الآية: 2]. قال ابن عطاء: عهد خصصت به من بين الأنبياء أنك خاتم الرسل، وعهدك ختم العهود للشرح به صدرًا وتقر به عينًا. قوله تعالى: {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ}. قال الجنيد رحمة الله عليه: لا يضيقن قلبك بحمله وثقله فإن حمل الصفات ثقيلة إلا على من يؤيد بقبول المشاهدة. وقال النورى: إن أنوار الحقائق إذا وردت على السر ضاق عن حملها كالشمس يمنع شعاعها عن إدراك نهايتها. وقال القرشى: لما قص الله فى هذه السورة قصة الكليم، عَلِم أن قلب النبى صلى الله عليه وسلم يتحرك لذلك فقال: {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} لأنه كُلِّمَ على الطور وكُلِّمتَ وراء الستور ومنع المشاهدة ورُزقتها.
القشيري
تفسير : كتاب الأحباب تحفة الوقت، وشفاءٌ لمقاساة ألم البعد، وهو لداء الضنى مُزِيل، ولشفاء الشكِّ مُقِيل، وقال تعالى: {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} ولم يقل: في قلبك؛ فإن قلبه - عليه السلام - في محل الشهود، ولذلك قال {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}تفسير : [الحجر: 97] وكذلك قال موسى عليه السلام: {أية : رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي} تفسير : [طه: 25]. وقال للمصطفى صلوات الله عليه: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}تفسير : [الشرح: 1]. فإن القلب في محل الشهود، وهو أبداً بدوام أُنْس القرب، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تنام عيني ولا ينام قلبي"تفسير : وقال: "حديث : أسألك لذة النظر" تفسير : وصاحب اللذة لا يكون له حرج.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} ذكرت ان حروف الاسرار كتاب وتصديق لك قوله تعالى بعد قوله المص كتا انزل اليك اى هذه الحروف المص كتاب الاسرار انزل اليك {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} اى لا يكون فى صدرك حرج نكرتها او قلة ادركها اى فلا تخف انك لا تعرف اشارتنا فهيها فانك مخصوص بعلم لطائفها وحقائقها وصدرك محل البسط بفسخه نور تجلى جمال فى يكون فيه حرج القبض وتصديق ذلك قوله انزل اليك اى هذه الاسرار لا يحتمل غيرك انها لك وان لك استعداد فهما فلا يكن فى صدرك هم لاجلها فانها تسهل فهمهما عليك قال ابن عطا فى قوله كتاب انزل اليك عهد خصصت به من بين الانبياء انك خاتم الرسل وعهدك خاتم العهود لتشرح به صدرك وتقربه عينا وقال الجنيد فلا يكن فى صدرك حرد منه لايضيقن قلبك بحمله وثقله فان حمل الصفات ثقيلة الا على من يؤيد بقبول المشاهدة وقال النورى ان انور الحقائق اذا وردت على السر ضاق عن حملها كالشمس يمنع شعاعها عن ادراك نهايتها قال القرشى لما قص الله فى هذه السورة قصة الكليم علم ان قلب النبى صلى الله عليه وأله وسلم يتحرك لذلك قال فلا يكن فى صدرك حرج منه لانه كلم على الطور وكلمت وراء الصور ومنع المشاهدة وزرقتها وقال الاستاد كتاب الاحباب تحفة الوقت وشفاء عما يقاسيه من الم البعدوقال فى قوله فلا يكن فى صردك حرج منه اشارة الى حفظ قلبه عن كل قبض وقال فلا يكن فى صدرك حرج منه ولم يقل قلبك فان قلبه عليه السلام فى تجلى الشهود ولذلك قال ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون ولم يقل قلبك ولذلك قال موسى رب اشرح لى صدرى وقال له الم نشرح لك صدرك فان القلب فى محل الشهود وهو ابدا بدوم الانس والقرب قال عليه السلام تنام عيناى ولا ينام قلبى وقال سألك لذة النظر وصاحب الذرة لا يكون له حرج.
اسماعيل حقي
تفسير : {كتاب} اى هذا كتاب {أنزل اليك} اى من جهته تعالى {فلا يكن فى صدرك حرج منه} اى شك ما فى حقيته كما فى قوله تعالى {أية : فان كنت فى شك مما أنزلنا إليك} تفسير : [يونس: 94]. خلا انه عبر عنه بما يلازمه من الحرج فان الشاك يعتريه ضيق الصدر كما ان المتيقن يعتريه انشراحه خاطب به النبى عليه السلام والمراد الامة اى لا ترتابوا ولا تشكوا. قوله منه متعلق بحرج يقال حرج منه اى ضاق به صدره ويجوز ان يكون الحرج على حقيقته اى لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغه مخافة ان يكذبوك فانه عليه السلام كان يخاف تكذيب قومه واعراضهم عنه فكان يضيق صدره من الاداء ولا ينبسط له فامنه الله تعالى ونهاه عن المبالاة بهم {لتنذر به} اى بالكتاب المنزل متعلق بانزل {وذكرى للمؤمنين} اى ولتذكر المؤمنين تذكيرا.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {كتاب}: خبر، أي: هذا كتاب، و {أُنزل}: صفته، والحرج: الضيق، و {لتنذر}: متعلق بأُنزل، أو بلا يكن، لأنه إذا أيقن أنه من عند الله جسر على الإنذار، وكذا إذا لم يخفهم، و {ذكرى}: يحتمل النصب بإضمار فعل، أي: لتُنذر ولتذكر ذكرى، والجر عطف على {لتنذر}، أي: للإنذار والتذكير، والرفع عطف على {كتاب}. يقول الحقّ جلّ جلاله: هذا {كتابٌ أُنزل إليك} من ربك، {فلا يكن في صدرك حرجٌ منه} أي: ضيق وثقل من أجل تبليغه لمن يُكذب به، مخافة أن تكذّب فيه، أو مخافة أن تقصر على القيام بتبليغه، أو بحقوقه، وتوجيه النهي إلى الحرج للمبالغة، كقولك: لا أرينك ها هنا، كأنه قال: فلا يحرج صدرك منه، وإنما أنزلناه إليك لتُنذر به من بلغه، {وذكرى للمؤمنين} أي: وتذكيرًا وموعظة للمؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بمواعظة. الإشارة: تذكير أهل الإنكار ووعظهم يحتاج إلى سياسة كبيرة وحلم كبير وصبر عظيم، لا يطيقه إلا الأكابر من أهل العلم بالله؛ كالأنبياء والصديقين، لسعة معرفتهم، واتساع صدورهم لحمل الجفاء وتحمل الأذى، ونهيه تعالى لنبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ عن ضيق صدره: تشريع لورثته من بعده؛ الداعون إلى الله ـ عز وجل ـ وإلاَّ فهو صلى الله عليه وسلم بحر واسع، لا تكدره الدِّلاءُ، كما قال البوصيري. شعر : فَهو البَحرُ والأَنَامُ إِضاء تفسير : والله تعالى أعلم. ثم حضَّ على الإتباع، فقال: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ}.
الجنابذي
تفسير : {كِتَابٌ} قد عرفت الفرق بين الكتاب والكلام وانّ العالم بوجهٍ كتابه وبوجهٍ كلامه تعالى، وانّ الانسان مختصر من هذا الكتاب، والقرآن ظهوره بصورة الحروف والاصوات ونزوله فى لباس النّقوش والكتاب ترحّماً على العباد، فانّ الانسان لمّا تنزّل الى مقام التّجسّم واحتاج فى ادراكه الى مدارك الحيوان انعم الله عليه بتنزيل تلك الحقائق فى صورة الحروف والعبارة، او النّقوش والكتابة لتناسب مداركه النّازلة ونعم ما قيل: شعر : جون نهاد آن آب وكل برسر كلاه كشت آن اسماء جانى ورسياه كه نقاب حرف دم درخود كشيد تا شود برآب وكل معنى يديد تفسير : وانّ الرّسالة والنّبوّة ليست الاّ التّحقّق بحقائق العالم فهما ايضاً مراتب العالم وقد عرفت ايضاً انّ الكلّ ظهور الولاية الّتى هى فعل الحقّ وتجلّيه الفعلىّ وانّها مبدء الكلّ وصورته وغايته، فان كانت فواتح السّور عبارة عن مراتب العالم الصّغير او مراتب النّبوّة او الرّسالة او الولاية او مراتب وجوده (ص) كما ورد، انّها اسماء للنّبىّ (ص) او كان المراد بها القرآن او السّور المفتتحة بها، كما فصّل ذلك فى اوّل البقرة فلفظ كتاب خبر عن المص او خبر مبتدءٍ محذوفٍ، او مبتدء خبرٍ محذوفٍ، او مبتدء موصوف متضمّن لمعنى الشّرط وخبره قوله فلا يكن او لتنذر ويجرى فيه وجوه اخر كما سبق {أُنزِلَ إِلَيْكَ} صفة لكتاب، او خبر بعد خبر، او استيناف لبيان الغرض منه ولمّا كان المقصود ترتّب النّهى عن وجود الحرج على نزول الكتاب المعلوم الّذى هو اصل كلّ النّعم وحقيقتها قال تعالى {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} قبل تمام الكلام بذكر الغاية ولو اخّره لاوهم ترتّبه على غايته وهى الانذار {لِتُنذِرَ بِهِ} المنحرفين والكفّار بالله او بالولاية او بما فى الكتاب {وَذِكْرَىٰ} لتذكّر تذكيراً فانّه اسم للتّذكير وقائم مقام الفعل وعطف على لتنذر او على تنذر او هو بنفسه عطف على تنذر لانّه بتأويل الانذار او على كتاب او على انزل بتأويل معنى الوصف، او خبر مبتدءٍ محذوفٍ {لِلْمُؤْمِنِينَ} بالله بالايمان العامّ الّذى هو البيعة على يدك وهو الايمان بك، او بالايمان الخاصّ الّّذى هو البيعة الولويّة وهو الايمان بالولاية، ثمّ صرف الخطاب عنه (ص) الى قومه (ص) فقال {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ}.
اطفيش
تفسير : {كِتابْ} مبتدأ ونكر للتعظيم، وصح الابتداء بالنكرة للتعظيم. {أنزلَ إليكَ} خبر وجملة المبتدأ والخبر جواب القسم، إذا جعلنا المص اسما لله أو للسورة أو للقرآن وجعلنا قسما، ويجوز جعله مبتدأ إذا كان اسما للقرآن وللسورة خبره كتاب، وعليه فأنزل إليك نعت لكتاب، والمراد بالكتاب القرآن، وإن قلت: فكيف يخبر به عن السورة؟ قلت: على جهة المجاز، فإنها بعضه، فكأنه قيل: بعض كتاب أو على المبالغة أو على إرادة أنها كلام مكتوب فى اللوح المحفوظ، وقيل: كتاب خبر لمحذوف، أى أو هو هذا كتاب، وأنزل إليك صفة. {فَلا يَكُن فى صَدْرك حَرجٌ} أى ضيق {مِنهُ} أى من تبليغه مخافة أن تكذب فيه، أو من القيام بحقه مخافة التقصير فيه، فإنه برهان لا يكذبه أحد إلا عناداً وجحوداً، وأنا موفقك على القيام به، أو الحرج الشك، فإن الشاك حرج الصدر، والضيق لازم الشك، وعلى هذا فالنهى عن الشك تأكيداً أى دم على ما أنت عليه غير شاك، ومراد به غيره صلى الله عليه وسلم، وإلا فهو بمعزل عن الشك، فإنه موقن أنه من الله تعالى، والفاء للاستئناف، فإن الجملة المعترضة مستأنفة أو لعطف الطلب الفعلى على الإخبار الاسمى، إذا جعلنا العطف على الجملة الاسمية، أو على الإخبار الفعلى إذا جعلنا العطف على أنزل إليك، أو لربط جواب شرط محذوف، أى إذا أنزل إليك فلا يكن فى صدرك حرج منه، واعلم أن الأصل توجيه النهى إلى النبى صلى الله عليه وسلم مثلا بأن يقال: لا تحرج منه، ولكن وجه إلى الحرج تأكيدا كقولهم: لا أرينك هاهنا، الأصل لا تكن هاهنا. {لتُنْذر بهِ} اللام متعلق بأنزل، فالجملة معترضة، والأصل أنزل إليك لتنذر به {وذِكْرى للمؤمنِينَ} فلا يكن فى صدرك حرج منه، وإذا جعلت جملة فلا يكن فى صدرك حرج منه جوابا لمحذوف، فجموع أداة الشرط والشرط والجزاء معترضة أيضا، أو متعلق بلا الناهية لا بهاء بمعنى الترك والانتفاء، فإنه إذا لم يخف تكذيبهم، أو علم أنه موفق للقيام به تبليغه، أو أيقن أنه من الله شجعه ذلك على الإنذار، ولا سيما اليقين، فإن صاحبه جسور متوكل على ربه، وذكرى بمعنى التذكير معطوف على مصدر تنذر، فهو مجرور بفتحة مقدرة على الألف وهى ألف مقصورة، ومفعول مطلق لمحذوف، أى ولتذكر به ذكرى، أو معطوف على كتاب مبالغة حيث جعل القرآن نفس تذكير أو خبر لمحذوف مبالغة أيضا، أى هو ذكرى، وعلى هذا الأخير يصح كون الجملة معطوفة أو حالا، فجملة فلا يكن فى صدرك الخ معترضة على ما مر، وكونها مستأنفة فجملة فلا يكن الخ غير معترضة بالنسبة إليها، فإن محلها على هذا بين قوله: {لتنذر به} وبين قوله: {وذكرى} وللمؤمنين نعت لذكرى. وإن جعلت ذكرى مفعولا مطلقا صح أن يكون نعتا لذكرى، بقطع النظر عن العامل المقدر، وأن يكون مفعولا لذكرى لنيابته عن العامل المقدر، وأن يكون مفعولا للعامل المقدر، واللام زائدة على هذين الوجهين مقوية، وإن قلت: تقويتها بالنظر إلى المفعولية لذكرى واضحة، لأنه ليس فعلا، فما وجه تقويتها بالنظر إلى المفعولية للعامل المقدر؟ قلت: وجهها أن العامل المقدر قد لحقه ضعف بالحذف، والاكتفاء عنه بذكرى، ومفعول تنذر محذوف للتعميم، أو تقديره أى لتنذر به المشركين والمنافقين، فالإنذار لهم والتذكير للمؤمنين، فإنه بعد نزول بعضه قد وجد المؤمن والمشرك والمنافق، فما نزل بعد ذلك فإنذار لهما وتذكير للمؤمن، لكن النفاق لم يوجد إلا بعد الهجرة، أو تقديره لتنذر به المؤمنين، وخصوا به لأنهم المنتفعون على حد {أية : لينذر من كان حياً}.
اطفيش
تفسير : {كِتَابٌ} هذا كتاب {أُنْزِلَ إِلَيْكَ} من الله يا محمد، والمضى لتحقق الوقوع، والبناء للمفعول للعلم بالفاعل وللبناء على تحقق أَنه من الله ولو كذبوه، والمراد ما نزل كله، أَو القرآن كله، لأَن نزول بعضه شروع في نزوله فهو كالشيء المدلى وصل بعضه ويصل باقيه بعد، كما أَنه إِذا جعلناه اسماً للسورة فقد وصفها بالنزول وما نزل إِلا أَولها، وجملة أُنزل نعت كتاب، وإِذا جعل اسماً للسورة أَو للقرآن فهو مبتدأ خبره كتاب، أَو هو حروف مراد بها التنبيه على تلقي ما يوحى إِليه من جنس الحروف، أَو هذا المحتوى به مؤلف من جنس هذه الحروف، أَو المؤلف على جنس هذه الحروف كذا، وكتاب على هذا خبر لمحذوف، أَي وهذا المؤلف كتاب أنزل {فَلاَ يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ} شك {مِنْهُ} أَي بسببه، نعت حرج أو متعلق به، والحرج الضيق، وعبر به هنا عن ملزومه وسببه، فإِن الضيق يلزم الشك، فالشك ملزومه ويتسبب عن الشك فالشك سببه، وذلك أَن قلبه صلى الله عليه وسلم لا يضيق بإِنزال الكتاب وبنفس الكتاب أَو بكونه من الله لأَنه مصدق بذلك مذعن له منشرح له. وإِنما ضاق بخوف أَن لا يقبله الناس، وخوف اَن لا يقوم بحقه، "أية : فلعلك تارك بعض ما يوحى إِليك وضائق به صدرك أَن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أَو جاءَ معه ملك" تفسير : [هود: 12] أو جرت الآية مجرى قوله تعالى: "أية : فَلاَ تَكُونَنَّ من الممترين" تفسير : [يونس: 94] والمنهى الحرج لأَنه فاعل يكن أَو اسمه، ويكن دخل عليه النهى فهو من نهى الغائب، ولو قيل لا تحرج لكان نهياً للمخاطب، والمراد: دم على عدم الحرج، أَو ازدد من منافاة الحرج، أَو اللفظ له والمراد أمته، وفي النهي عن الحرج مبالغة بالتعبير عن عدم كونه في حرج بعدم الحرج في قلبه فذلك نهى عما يورث الاتصاف بأَنه صلى الله عليه وسلم حرج، نهى عن المسبب فالنهى عن السبب بطريق البرهان. وإيضاح ذلك أَن عدم كون الحرج في صدره من لوازم عدم كونه متعرضاً للحرج، فذكر اللازم وأريد به اللزوم وهو معنى الكناية وهي أَبلغ من الحقيقة لأَن فيها إِثبات الشيء ببينة. وفي ذلك كناية أُخرى وهي أَنه توسل بالنهي عن الحرج إلى النهي عن الشك، لأَن الشاك ضيق الصدر فالحرج من لوازم الشك فذكر اللازم وأُريد اللزوم، وكذا الأمة، إِلا أَن حرجهم الشك في أَنه من الله عز وجل وعطف لا يكن إِلخ، وهو طلب على قوله أنزل إِليك وهو إِخبار لأَن معنى أنزل إِليك تيقن بإِنزاله فهو أَمر معنى، أَو معنى لا يكن إِلخ، لا ينبغي أَن يكون حرج فهو إِخبار معنى، أَو يقدر: إِذا رسخ في قلبك فضل رسوخ نزوله إِليك فلا يكن في صدرك حرج منه، ويجوز تقدير مبلغه فلا يكن إِلخ، وقدم فلا يكن في صدرك حرج منه على قوله {لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى} أَى تذكير {لِلْمُؤْمِنِينَ} مع أَن لتنذر به إِلخ علة لأنزل متعلق به تنبيها على أَن الأَليق إِزالة الحرج عن الإنذار والإِعراض عن تكذيبهم إِياه لأَنه من الله فالله ناصره فكيف يخاف. وقيل متعلقة بمتعلق الخبر، هكذا إِلا يكن الحرج مستقراً في صدرك لأَجل الإِنذار، وكأَنه قيل لا يكن لأَجل الإِنذار في صدرك حرج. ومعناه صحيح لا فاسد كما قيل، وقيل متعلقة بحرج كأَنه قيل حرج صدرك للإِنذار لا يجوز، وذكرى معطوف على كتاب والأَول أَولى ولا حاجة إِلى تقدير هو ذكرى. والمعنى لتنذر به من يتأهل للإِنذار وهم المكلفون، وللتذكير لمن تقدم إِيمانه أَو لتذكر تذكيراً، أَو المراد {المص كتاب أُنزل إِليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى} [الأعراف: 1 - 2] ولما أَمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالتبليغ أَمر أمته بالإِذعان والقبول فقال: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِن رَبِّكُمْ} وهو القرآن وسائر الوحي، وسنته القولية والفعلية والتقريرية، واجتهاده إن قلنا به لأَن الله يصدقه فيه ويجعله حجة، وما لم يرضه بينه له فيتركه. والإِنزال إِلى السورة والقرآن، وأَسنده إِلى المكلفين مطلقاً لأنهم كلفوا به، وفي إِسناده إِليهم توكيد للاتباع ووجوبه، وأَسند سابقاً إِليه صلى الله عليه وسلم على الأَصل إِذ تلقى النزول ولتأكيد الإِنذار وترك الضيق، وإِن أَوقعناها على الكتاب فقط فذلك وضع للظاهر موضع المضمر {وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ} حال من أَولياء أَو متعلق بتتبعوا أَي من دون ربكم، وهذا أَنسب بقوله {أَوْلِيَاءَ} من الجن والإِنس باتباعهم في المعصية، ويجوز عود الهاء إِلى ما أَنزل، أَي ولا تتبعوا من دون دين الله دين أَولياءَ، ويضعف عوده إِلى الاتباع أَي ولا تتبعوا أَولِيَاءَ اتباعا كائنا من دون اتباع ما أنزل {قَلِيلاً مَا تَذَكرُونَ} ما صلة لتأكيد القلة، أَي تذكرون زمانا قليلا فقط، أَو تذكرا قليلا فقط، وذلك حصر بالتقديم. أَو مصدرية والمصدر مبتدأ وقليلاً ظرف زمان خبر قدم للحصر أَي في زمان قليل تذكركم، ويضعف كون ما نافية، أَي ما تذكرون زماناَ قليلاً أَو تذكراً قليلاً فكيف التذكر الكثير والزمان الكثير، وأَوعدهم على ترك الاتباع بقوله: {وَكَمْ مِّنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فِجَاءَهَا بَأْسُنَا} أَي كثيرٌ همْ أَهل قرية أَهلكناهم فجاءَهم بأْسنا، حذف المضاف فعاد الضمير للقرية، أَو القرية مجاز عن أَهلها للحلول، أَو موضوع لهم أيضاً كما وضع لها، والمراد أَردنا إِهلاكها، والإِرادة التنجيزية هنا القصد وإِلا فمجئ البأس مقارن لها لا متعقب لها ولا بعدها. وليس المراد الإِرادة الأَزلية وإِلا لزم قدم شئ غيره تعالى وهو البأس المتعقب لها، وإِن تأَخر كان العطف بثم لا بالفاء والمجئ بعد الإِرادة التنجيزية وبعد الخذلان، والعطف في قوله وكم إِلخ عطف اسمية على فعلية إِن جعلنا أَهلكنا خبرا لِكَمْ وإِن نصبنا كَمْ على الاشتغال على أَن ضمير النصب عائد إِلى كَمْ لأَنها بمعنى القرى ففعلية على فعلية والفاء لترتيب الذكر. أَو بمعنى الواو أَو لتفصيل المجمل أَو أُريد بإِهلاك القرية إِخرابها فلا حذف. والبأس العذاب. وعبارة بعض: الفاء تفسيرية نحو توضأَ فغسل وجهه إِن لم يؤول بنحو الإِرادة. وقيل حكمنا بإِهلاكها فجاءَها بأْسنا، وقيل أَهلكناها بدون استئصال فجاءَها بأْسنا باستئصال. وقيل مجئ البأس ظهوره، وقيل خذلناها لجاءَها بأْسنا، والمراد بالخذلان خلق الفسق فيها، أَو يقدر خلق الفسق فيها فجاءَها، والإِهلاك بمعنى الخذلان استعارة أَو من مجاز التسبب أَو اللزوم {بَيَاتًا} مصدر بمعنى بائتين أَو ذوى بيات، وهو حال أَو مفعول مطلق لحال محذوف أَى بائتين بياتاً {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} عطف الحال التي هي جملة على حال مفردة بأَو المعطوف على الحال حال بلا واو حال كما تقول جاءَ زيد فرحا ومنصوراً، فكأَنه قد ربطت بواو الحال كما هو الغالب في الجملة أَن تكون بواو الحال أو مع الضمير لا الضمير، فلا حاجة إِلى دعوى أَن الأَصل أَو وهم قائلون حذفت واو الحال لئلا يجتمع واوان أَو صورتا عاطفين أَو واو الحال إِذ أَصل العطف وكأنه قيل جاءها بأسنا بائيتن ليلا كقوم لوط أَو قائلين كقوم شعيب نائمين أَو مستريحين فيه بلا نوم، وخص الوقتين لأَنهما وقت أَمن وراحة فالعذاب فيهما أَفظع لفعلتهم.
الالوسي
تفسير : / وقوله سبحانه: {كِتَابٌ } على بعض الاحتمالات خبر لمبتدأ محذوف أي هو أو ذلك كتاب، وقوله سبحانه: {أُنزَلَ إِلَيْكَ } أي من عنده تعالى صفة له مشرفة لقدره وقدر من أنزل إليه صلى الله عليه وسلم. وبني الفعل للمفعول جرياً على سنن الكبرياء وإيذاناً بالاستغناء عن التصريح بالفاعل لغاية ظهور تعينه وهو السر في ترك ذكر مبدأ الإنزال، والتوصيف بالماضي إن كان الكتاب عبارة، كالقرآن ـ عن القدر المشترك بين الكل والجزء ظاهر، وإن كان المجموع فلتحققه جعل كالماضي. واختار الزمخشري ومن وافقه أن المراد بالكتاب هنا السورة وفيه من المبالغة ما لا يخفى إن قلنا: إنه لم يطلق على البعض وإذا قلنا بإطلاقه على ذلك كما في قولهم: ثبت هذا الحكم بالكتاب فالأمر واضح. ومن الناس من جوز جعل {كِتَابٌ } مبتدأ والجملة بعده خبره على معنى كتاب أي كتاب أنزل إليك. ولا يخفى أن الأول أولى لأن هذا خلاف الأصل. وحذف المبتدأ أكثر من أن يحصى. {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } أي شك كما قال ابن عباس وغيره. وأصله الضيق واستعماله في ذلك مجاز ـ كما في «الأساس» ـ علاقته اللزوم فإن الشاك يعتريه ضيق الصدر كما أن المتيقن يعتريه انشراحه وانفساحه. والقرينة المانعة هو امتناع حقيقة الحرج والضيق من الكتاب وإن جوزتها فهو كناية. وعلى التقديرين هو قد صار حقيقة عرفية في ذلك كما قاله بعض المحققين. وجوز أن يكون باقياً على حقيقته لكن في الكلام مضاف مقدر كخوف عدم القبول والتكذيب فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخاف قومه وتكذيبهم وإعراضهم عنه وأذاهم له. ويشهد لهذا التأويل قوله تعالى: { أية : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ } تفسير : [هود: 12] الآية. وللأول قوله تعالى: { أية : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } تفسير : [يونس: 94] وقد يقال: إنه كناية عن الخوف والخوف كما يقع على المكروه يقع على سببه. «وتوجيه النهي إلى الحرج بمعنى الشك مع أن المراد نهيه عليه الصلاة والسلام عن ذلك قيل: إما للمبالغة في تنزيه ساحة الرسول صلى الله عليه وسلم عن الشك فإن النهي عن الشيء مما يوهم إمكان صدور المنهي عنه عن المنهي وإما للمبالغة في النهي فإن وقوع الشك في صدره عليه الصلاة والسلام سبب لاتصافه وحاشاه به والنهي عن السبب نهي عن المسبب بالطريق البرهاني ونفى له بالمرة كما في قوله سبحانه: { أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنئَانُ قَوْمٍ } تفسير : [المائدة: 8] وليس هذا من.قبيل ـ لا أرينك هٰهنا ـ فإن النهي هناك وارد على المسبب مراداً به النهي عن السبب فيكون المآل نهيه عليه الصلاة والسلام عن تعاطي ما يورث الحرج فتأمل» انتهى. والذي ذهب إليه بعض المحققين أن المراد نهي المخاطب عن التعرض للحرج بطريق الكناية وأنه من قبيل ـ لا أرينك هٰهنا ـ في ذلك لما أن عدم كون الحرج في صدره من لوازم عدم كونه متعرضاً للحرج كما أن عدم الرؤية من لوازم عدم الكون هٰهنا فالنافي لكونه من قبيل ذلك إن أراد الفرق بينهما باعتبار أن المراد في أحدهما النهي عن السبب والمراد المسبب وفي الآخر بالعكس فلا ضير فيه، ولهذا عبر البعض باللزوم دون السببية. وإن أراد أنه ليس من الكناية أصلاً فباطل. نعم جوز أن يكون من المجاز. والمشهور أن الداعي لهذا التأويل أن الظاهر يستدعي نهي الحرج عن الكون في الصدر والحرج مما لا ينهى وله وجه وجيه فليفهم. والجملة على تقدير كون الحرج حقيقة ـ كما يفهمه كلام «الكشاف» ـ كناية عن عدم المبالات بالأعداء. وأياً ما كان فالتنوين في {حَرَجٌ } للتحقير، و(من) متعلقة بما عندها أو بمحذوف وقع صفة له أي حرج ما كائن منه. والفاء / تحتمل العطف إما على مقدر أي بلغه فلا يكن في صدرك الخ وإما على ما قبله بتأويل الخبر بالإنشاء أو عكسه أي تحقق إنزاله من الله تعالى إليك أو لا ينبغي لك الحرج وتحتمل الجواب كأنه قيل: إذا أنزل إليك فلا يكن الخ. وقال الفراء إنها اعتراضية، وقال بعض المشايخ هي لترتيب النهي أو الانتهاء على مضمون الجملة إن كان المراد لا يكن في صدرك شك ما في حقيته فإنه مما يوجب انتفاء الشك فيما ذكر بالكلية وحصول اليقين به قطعاً، ولترتيب ما ذكر على الإخبار بذلك لا على نفسه إن كان المراد لا يكن فيه شك في كونه كتاباً منزلاً إليك. وللترتيب على مضمون الجملة أو على الإخبار به إذا كان المراد لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغه مخافة أن يكذبوك أو أن تقصر في القيام بحقه فإن كلاً منهما موجب للإقدام على التبليغ وزوال الخوف قطعاً وإن كان إيجاب الثاني بواسطة الأول. ولا يخفى ما في أوسط هذه الشقوق من النظر فتدبر. {لِتُنذِرَ بِهِ } أي بالكتاب المنزل. والفعل قيل إما منزل منزلة اللازم أو أنه حذف مفعوله لإفادة العموم، وقد يقال: إنه حذف المفعول لدلالة ما سيأتي عليه. واللام متعلقة بأنزل عند الفراء وجملة النهي معترضة بين العلة ومعلولها وهو المعنى بما نقل عنه أنه على التقديم والتأخير. قيل: وهذا مما ينبغي التنبيه له فإن المتقدمين يجعلون الاعتراض على التقديم والتأخير لتخلله بين أجزاء كلام واحد وليس مرادهم أن في الكلام قلباً. ووجه التوسيط إما أن الترتيب على نفس الإنزال لا على الإنزال للإنذار وإما رعاية الاهتمام مع ما في ذلك ـ على ما قيل ـ من الإشارة إلى كفاية كل من الإنزال والإنذار في نفي الحرج. أما كفاية الثاني فظاهرة لأن المخوف لا ينبغي أن يخاف من يخوفه ليتمكن من الإنذار على ما يجب. وأما كفاية الأول فلأن كون الكتاب البالغ غاية الكمال منزلاً عليه عليه الصلاة والسلام خاصة من بين سائر إخوانه الأنبياء عليهم السلام يقتضي كونه رحيب الصدر غير مبال بالباطل وأهله، وعن ابن الأنباري أن اللام متعلقة بمتعلق الخبر أي لا يكن الحرج مستقراً في صدرك لأجل الإنذار، وقيل: إنها متعلقة بفعل النهي وهو الكون بناءً على جواز تعلق الجار بكان الناقصة لدلالتها على الحدث على الصحيح، وقيل: يجوز أن يتعلق بحرج على معنى أن الحرج للإنذار والضيق له لا ينبغي أن يكون. وقال العلامة الثاني: إنه معمول للطلب أو المطلوب أعني انتفاء الحرج وهذا أظهر لا للمنهي أي الفعل الداخل عليه النهي ـ كما قيل ـ لفساد المعنى. وأطلق الزمخشري تعلقه بالنهي، واعترض بأنه لا يتأتى على التفسير الأول للحرج لأن تعليل النهي عن الشك بما ذكر من الإنذار والتذكير مع إيهامه لإمكان صدوره عنه صلى الله عليه وسلم مشعر بأن المنهي عنه ليس بمحذور لذاته بل لإفضائه إلى فوات الإنذار والتذكير لا أقل من الإيذان بأن ذلك معظم غائلته ولا ريب في فساده، وأما على التفسير الثاني فإنما يتأتى التعليل بالإنذار لا بتذكير المؤمنين إذ ليس فيه شائبة خوف حتى يجعل غاية لانتفائه؛ وأنت خبير بأن كون المنهى عنه محذوراً لذاته ظاهر ظهور نار القرى ليلاً على علم فلا يكاد يتوهم نقيضه. والقول بأنه لا أقل من الإيذان بأن ذلك معظم غائلته لا فساد فيه بناءً على ما يقتضيه المقام وإن كان بعض غوائله في نفس الأمر أعظم من ذلك وأن الآية ليست نصاً في تعليل النهي بالإنذار والتذكير كما سيتضح لك قريباً إن شاء الله تعالى حتى يتأتى الاعتراض نظراً للتفسير الثاني، سلمنا أنها نص لكنا نقول: لم لا يجوز أن يكون ذلك من قبيل قوله تعالى: { أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } تفسير : [الفتح: 1-2] الآية. {وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } / نصب بإضمار فعله عطفاً على (تنذر) أي وتذكر المؤمنين تذكيراً. ومنع الزمخشري فيما نقل عنه العطف بالنصب على محل {لّتُنذِرَ } معللاً بأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل المعلل واحداً حتى يجوز حذف اللام منه. ويمكن ـ كما في «الكشف» ـ أن يقال: لا منع من أن يكون التذكير فعل المنزل الحق تعالى إلا أنه يفوت التقابل بين الإنذار والتذكير. نعم يحتمل الجر بالعطف على المحل أي للإنذار والتذكير. ويحتمل الرفع على أنه معطوف على {كِتَابٌ } أو خبر مبتدأ محذوف أي هو ذكرى، والفرق بين الوجهين ـ على ما في «الكشف» ـ أن الأول معناه أن هذا جامع بين الأمرين كونه كتاباً كاملاً في شأنه بالغاً حد الإعجاز في حسن بيانه وكونه ذكرى للمؤمنين يذكرهم المبدأ والمعاد. والثاني يفيد أن هذا المقيد بكونه كتاباً من شأنه كيت وكيت هو ذكرى للمؤمنين ويكون من عطف الجملة على الجملة فيفيد استقلاله بكل من الأمرين وهذا أولى، لفظاً ومعنى وتخصيص التذكير بالمؤمنين لأنهم المنتفعون به أو للإيذان باختصاص الإنذار بالكافرين وتقديم الإنذار لأنه أهم بحسب المقام.
ابن عاشور
تفسير : ذكرنا في طالعة سورة البقرة أنّ الحروف المقطّعة في أوائل السّور أعقبت بذكر القرآن أو الوحي أو ما في معنى ذلك، وذلك يرجح أن المقصود من هذه الحروف التّهجي، إبلاغاً في التّحدي للعرب بالعجز عن الإتيان بمثل القرآن وتخفيفاً للعبء عن النّبيء صلى الله عليه وسلم فتلك جملة مستقلّة وهي هنا معدودة آية ولم تعدّ في بعض السّور. فقوله: {كتاب} مبتدأ ووقع الابتداء، بالنّكرة إمّا لأنّها أريد بها النّوع لا الفرد فلم يكن في الحكم عليها إبهام وذلك كقولهم: رجلٌ جاءني، أي لا امرأة، وتمرة خيرٌ من جرادة، وفائدة إرادة النّوع الردّ على المشركين إنكارهم أن يكون القرآن من عند الله، واستبعادهم ذلك، فذكّرهم الله بأنّه كتاب من نوع الكُتب المنزّلة على الأنبياء، فكما نزلت صحف إبراهيم وكتاب موسى كذلك نَزَل هذا القرآن، فيكون تنكير النّوعية لدفع الاستبعاد، ونظيره قوله تعالى: {أية : قالوا لا تخف خَصْمَان بغى بعضنا على بعض}تفسير : [ص: 22] فالتّنكير للنّوعيّة. وإما لأن التّنكير أريد به التّعظيم كقولهم: «شرّ أهَرّ ذَا نَاب» أي شرٌ عظيم. وقول عُوَيْف القوافي:شعر : خَبَرٌ أتَانِي عن عُيَيْنَةَ موجِع كادَت عليه تَصَدعّ الأكْبَادُ تفسير : أي هو كتاب عظيم تنويهاً بشأنه فصار التنكير في معنى التوصيف. وإمّا لأنّه أريد بالتّنكير التعجيب من شأن هذا الكتاب في جميع ما حفّ به من البلاغة والفصاحة والإعجاز والإرشاد، وكونه نازلاً على رجل أمّيّ. وقوله: {أنزل إليك} يجوز أن يكون صفة لــــ {كتاب} فيكون مسوغاً ثانياً للابتداء بالنّكرة ويجوز أن يكون هو الخبر فيجُوز أن يكون المقصود من الأخبار تذكير المنكرين والمكابرين، لأنّ النّبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يعلمون أنّه أنزل من عند الله، فلا يحتاجون إلى الإخبار به، فالخبر مستعمل في التّعريض بتغليط المشركين والمكابرين والقاصدين إغاظة الرّسول عليه الصّلاة والسّلام بالإعراض، ويجوز أن يكون المقصود من الخبر الامتنان والتّذكير بالنّعمة، فيكون الخبر مستعملاً في الامتنان على طريقة المجاز المرسل المركب. ويجوز أن يجعل الخبر هو قوله: {أنزل إليك} مع ما انضمّ إليه من التّفريع والتّعليل، أي هو كتاب أنزل إليك فكن منشرح الصّدر به، فإنّه أنزل إليك لتنذر به الكافرين وتذكِّر المؤمنين، والمقصود: تسكين نفس النّبي صلى الله عليه وسلم وإغاظة الكافرين، وتأنيس المؤمنين، أي: هو كتاب أنزل لفائدة، وقد حصلت الفائدة فلا يكن في صرك حرج إن كذّبوا. وبهذه الاعتبارات وبعدم منافاة بعضها لبعض يحمل الكلام على إرادة جميعها وذلك من مطالع السّور العجيبة البيان. ومن المفسّرين من قدّروا مبتدأ محذوفاً، وجعلوا {كتب} خبراً عنه، أي هذا كتاب، أي أنّ المشار إليه القرآن الحاضر في الذّهن، أو المشار إليه السّورة أطلق عليها كتاب، ومنهم من جعل {كِتَـٰبٌ} خبراً عن كلمة {أية : آلمص}تفسير : [الأعراف: 1] وكلّ ذلك بمعزل عن متانة المعنى. وصِيغ فعل: {أنزل} بصيغة النائب عن الفاعل اختصاراً، للعِلم بفاعل الإنزال، لأنّ الذي يُنزل الكتب على الرّسل هو الله تعالى، ولما في مادة الإنزال من الإشعار بأنّه من الوحي لملائكة العوالم السّماوية. والفاء في قوله: {فلا يكن في صدرك} اعتراضية إذ الجملة معترضة بين فعل {أنزل} ومتعلّقة وهو {لتنذر به}، فإنّ الاعتراض يكون مقترناً بالفاء كما يكون مقترناً بالواو كما في قوله تعالى: {أية : هذا فليذوقوه حميم وغساق}تفسير : [ص: 57] وقوله: {أية : إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتّبعوا الهوى} تفسير : [النساء: 135]. وقول الشّاعر وهو من الشّواهد:شعر : اعْلَمْ فعِلْمُ المرء يَنْفَعُه أنْ سَوف يأتي كُلّ ما قُدّرا تفسير : وقول بشّار بن برد:شعر : كقائلة إنّ الحمار فَنَحِّه عن القتّ أهلُ السّمسم المُتهذّبِ تفسير : وليست الفاء زائدة للاعتراض ولكنّها ترجع إلى معنى التّسبّب، وإنّما الاعتراض حصل بتقديم جملتها بين شيئين متّصلين مبادرة من المتكلّم بإفادته لأهمّيته، وأصل ترتيب الكلام هنا: كتاب أنزل إليك لتنذر به وذِكْرَى للمؤمنين فلا يكن في صدرك حرج منه، وقد ذكَر في «مغني اللّبيب» دخول الفاء في الجملة المعترضة ولم يذكر ذلك في معاني الفاء فتوهّم متوهّمون أنّ الفاء لا تقع في الجملة المعترضة. والمعنى أنّ الله أنزله إليك لا ليكون في صدرك حرج، بل لينشرح صدرك به. ولذلك جاء في نفي الحرج بصيغة نَهْي الحرج عن أن يحصل في صدر النّبيء صلى الله عليه وسلم ليكون النّهي نهي تكوين، بمعنى تكوين النّفي، عكس أمر التّكوين الذي هو بمعنى تكوين الإثبات. مُثِّلَ تكوين نفي الحرج عن صدره بحالة نهي العاقل المدرِك للخطاب، عن الحصول في المكان. وجَعَل صاحب «الكشاف» النّهي متوجّهاً في الحقيقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي نهيه عن المبالاة بالمكذّبين بالقرآن، والغمّ من صنيعهم، وجعل النّهي في ظاهر اللّفظ متوجّهاً إلى الحرج للمبالغة في التّكليف، باقتلاعه من أصله على طريقة قول العرب: «لاَ أرَيَنَّكَ ههنا» أي لا تحضر فأراك، وقولهم: «لا أعْرِفَنَّك تفعل كذا» أي لا تفعلْه فأعرّفَك به، نهياً بطريق الكناية، وأيّاً ما كان فالتّفريع مناسب لمعاني التّنكير المفروض في قوله: {كتاب}، أي فلا يكن في صدرك حرج منه من جهة ما جَرّه نزوله إليك من تكذيب قومك وإنكارهم نزوله، فلا يكن في صدرك حرج منه من عظم أمره وجلالتِه، ولا يكن في صدرك حرج منه فإنّه سبب شرح صدرك بمعانيه وبلاغته. و(مِنْ) ابتدائيّة، أي حرج ينشأ ويسري من جرّاء المذكور، أي من تكذيب المكذّبين به، فلمّا كان التّكذيب به من جملة شؤونه، وهو سبب الحرج، صح أن يجعل الحرج مسبّباً عن الكتاب بواسطة. والمعنى على تقدير مضاف أي حرج من إنكاره أي إنكار إنزاله من الله. والحرج حقيقته المكان الضيّق من الغَابات الكثيرة الأشجار، بحيث يعسر السلوك فيه، ويستعار لِحالة النّفس عند الحزن والغضب والأسف، لأنّهم تخيّلوا للغاضب والآسِف ضيقاً في صدره لما وجدوه يعسر منه التّنفّس من انقباض أعْصاب مجاري النفَس، وفي معنى الآية قوله تعالى: {أية : فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير} تفسير : [هود: 12]. و{لتنذر} متعلّق بــــ {أنزل} على معنى المفعول لأجله، واقترانه بلام التعليل دون الإتيان بمصدر منصوب لاختلاف فاعل العامل وفاعِل الإنذار. وجعل الإنذار به مقدّماً في التّعليل لأنّه الغرض الأهم لإبطال ما عليه المشركون من الباطل وما يخلفونه في النّاس من العوائد الباطلة التي تُعاني أزالتها من النّاس بعدَ إسلامهم. {وذكرى} يجوز أن يكون معطوفاً على {لتنذر به}، باعتبار انسباكه بمصدر فيكون في محلّ جرّ، ويجوز أن يكون العطف عطف جملة، ويكون {ذكرى} مصدراً بدلاً من فعله، والتّقدير: وذَكِّرْ ذكرى للمؤمنين، فيكون في محلّ نصب فيكون اعتراضاً. وحذف متعلّق {تنذر}، وصرح بمتعلّق {ذكرى} لظهور تقدير المحذوف من ذكر مقابله المذكور، والتّقدير: لتنذر به الكافرين، وصرح بمتعلّق الذّكرى دون متعلّق {تنذر} تنويها بشأن المؤمنين وتعريضاً بتحقِير الكافرين تجاه ذكر المؤمنين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} الآية. قال مجاهد، وقتادة، والسدي: {حرج} أي شك. أي لا يكن في صدرك شك في كون هذا القرآن حقاً، وعلى هذا القول فالآية، كقوله تعالى: {أية : ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} تفسير : [البقرة: 147] وقوله: {أية : ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ} تفسير : [آل عمران: 60]، وقوله: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} تفسير : [يونس: 94]. والممتري: هو الشاك. لأنه مفتعل من المرية وهي الشك، وعلى هذا القول فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والمراد نهى غيره عن الشك في القرآن، كقول الراجز: شعر : إياك أعني واسمعي يا جارة تفسير : وكقوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} تفسير : [الإنسان: 24]، وقوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65]، وقوله: {أية : وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ} تفسير : [البقرة: 120] الآية. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يفعل شيئاً من ذلك، ولكن الله يخاطبه ليوجه الخطاب إلى غيره في ضمن خطابه صلى الله عليه وسلم. وجمهور العلماء: على أن المراد بالحرج في الآية الضيق. أي لا يكن في صدرك ضيق عن تبليغ ما أمرت به لشدة تكذيبهم لك، لأن تحمل عداوة الكفار، والتعرض لبطشهم مما يضيق به الصدر، وكذلك تكذيبهم له صلى الله عليه وسلم مع وضوح صدقه بالمعجزات الباهرات مما يضيق به الصدر. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة"تفسير : ، أخرجه مسلم. والثلغ: الشدخ وقيل ضرب الرطب باليابس حتى ينشدخ، وهذا البطش مما يضيق به الصدر. ويدل لهذا الوجه الأخير في الآية قوله تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ}تفسير : [هود: 12]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} تفسير : [الحجر: 97]، وقوله: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً} تفسير : [الكهف: 6] وقوله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 3]. ويؤيد الوجه الأخير في الآية أن الحرج في لغة العرب: الضيق. وذلك معروف في كلامهم، ومنه قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} تفسير : [النور: 61]، وقوله: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} تفسير : [الحج: 78]، وقوله: {أية : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} تفسير : [الأنعام: 125] أي شديد الضيق إلى غير ذلك من الآيات، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة، أو جميل: شعر : فخرجت خوف يمينها فتبسمت فعلمت أن يمينها لم تحرج تفسير : وقول العرجبي: شعر : عوجي علينا ربة الهودج إنك إلا تفعلي تحرجي تفسير : والمراد بالإحراج في البيتين: الإدخال في الحرج. بمعنى الضيق كما ذكرنا. قوله تعالى: {لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ}. لم يبين هنا المفعول به لقوله النذر، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: {أية : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} تفسير : [مريم: 97]، وقوله: {أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} تفسير : [يس: 6]، إلى غير ذلك من الآيات. كما أنه بين المفعول الثاني للإنذار في آيات أخر، كقوله {أية : لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ}تفسير : [الكهف: 2] الآية، وقوله: {أية : فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ} تفسير : [الليل: 14]، وقوله: {أية : إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً} تفسير : [النبأ: 40] الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد جمع تعالى في هذه الآية الكريمة بين الإنذار والذكرى في قوله: {لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} فالإنذار للكفار، والذكرى للمؤمنين، ويدل لذلك قوله تعالى: {أية : فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} تفسير : [مريم: 97]، وقوله: {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 55]، وقوله: {أية : فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} تفسير : [ق: 45]. ولا ينافي ما ذكرنا من أن الإنذار للكفار، والذكرى للمؤمنين. أنه قصر الإنذار على المؤمنين دون غيرهم في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} تفسير : [يس: 11]. لأنه لما كان الانتفاع بالإنذار مقصوراً عليهم، صار الإنذار كأنه مقصور عليهم، لأن ما لا نفع فيه فهو كالعدم. ومن أساليب اللغة العربية: التعبير عن قليل النفع بأنه لا شيء. وحاصل تحرير المقام في هذا المبحث: أن الإنذار يطلق في القرآن إطلاقين. أحدهما: عام لجميع الناس كقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ}تفسير : [المدثر: 1-2]، وقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1]. وهذا الإنذار العام: هو الذي قصر على المؤمنين قصراً إضافياً في قوله: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ} الآية. لأنهم هم المنتفعون به دون غيرهم. والثاني: إنذار خاص بالكفار لأنهم هم الواقعون فيما أنذروا به من النكال والعذاب، وهو الذي يذكر في القرآن مبيناً أنه خاص بالكفار دون المؤمنين كقوله: {لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً}، وقوله هنا: {لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} اهـ. والإنذار في اللغة العربية: الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذاراً.
د. أسعد حومد
تفسير : {كِتَابٌ} (2) - هَذَا القُرْآنُ كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْْكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ، فَلاَ يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ مِنَ الإِنْذَارِ بِهِ، وَإِبلاَغِهِ إِلَى مَنْ أُمِرتَ بِإِبْلاَغِهِ إِلَيْهِمْ، وَاصْبِرْ لأَِمْرِ رَبِّكَ فِيمَا حَمَّلَكَ مِنْ عِبْءِ النُّبُوَّةِ، كَمَا صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، فَإِنَّ اللهَ مَعَكَ، وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللهُ إِلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً، وَلِتُذَكِّرَ بِهِ مَنْ كَتَبَ اللهُ لَهُمُ الهِدَايَةَ وَالإِيمَانَ. حَرَجٌ مِنْهُ - ضِيقٌ مِنْ تَبْلِيغِهِ خَشْيَةَ التَّكْذِيبِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وساعة تسمع "أنزل" فافهم أنه جاء من جهة العلو أي أن التشريع من أعلى. وقال بعض العلماء: وهل يوجد في صدر رسول الله حرج؟. لننتبه أنه ساعة يأتي أمر من ربنا ويوضح فيه {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ}، فالنهي ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما النهي للحرج أو الضيق أن يدخل لرسول الله، وكأنه سبحانه يقول: يا حرج لا تنزل قلب محمد. لكن بعض العلماء قال: لقد جاء الحق بقوله سبحانه: {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ}؛ لأن الحق يعلم أم محمداً قد يضيق صدره ببشريته، ويحزن؛ لأنهم يقولون عليه ساحر، وكذاب، ومجنون, وإذا ما جاء خصمك وقال فيك أوصافاً أنت أعلم منه بعدم وجودها فيك فهو الكاذب؛ لأنك لم تكذب ولم تسحر، وتريد هداية القوم، وقوله سبحانه: {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ} قد جاء لأمر من اثنين: إما أن يكون الأمر للحرج ألا يسكن صدر رسول الله، وإما أن يكون الأمر للرسول طمأنة له وتسكينا، أي لا تتضايق لأنه أنزل إليك من إله، وهل ينزل الله عليك قرآناً ليصبح منهج خلقه وصراطاً مستقيماً لهم، ثم يسلمك إلى سفاهة هؤلاء؟ لا، لا يمكن، فاطمئن تماماً. {...فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 2] والإِنذار لا يكون إلا لمخالف؛ لأن الإِنذار يكون إخباراً بشر ينتظر من تخاطبه. وهو أيضاً تذكير للمؤمنين مثلما قال من قبل في سورة البقرة: {...هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} وهنا نلاحظ ان الرسالات تقتضي مُرْسِلاً أعلى وهو الله، ومُرَسَلاً وهو الرسول، ومُرْسَلاً إليه وهم الأمة، والمرسَل إليه إما أن يستمع ويهتدي وإما لا، وجاءت الآية لتقول: {كِتَابٌ أُنزِلَ} من الله وهو المرسِل، و"إليك" لأنك رسول والمرسَل إليهم هم الأمة، إما أن تنذرهم إن خالفوا وإما أن تذكرهم وتهديهم وتعينهم أو تبشرهم إن كانوا مؤمنين. ويقول الحق بعد ذلك: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: ثنا إِبراهيم بن الحسين ابن علي، قال: نا آدم بن أَبي اياس، قال: نا ورقاءُ بن عمر عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} [الآية: 2]. يعني: شكا منه.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} معناهُ ضِيقٌ ويقالُ: شكٌ.
همام الصنعاني
تفسير : 884- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} [الآية: 2]، قال: لا يكن في صدرك شك منه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):