Verse. 957 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

اِتَّبِعُوْا مَاۗ اُنْزِلَ اِلَيْكُمْ مِّنْ رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوْا مِنْ دُوْنِہٖۗ اَوْلِيَاۗءَ۝۰ۭ قَلِيْلًا مَّا تَذَكَّرُوْنَ۝۳
IttabiAAoo ma onzila ilaykum min rabbikum wala tattabiAAoo min doonihi awliyaa qaleelan ma tathakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قل لهم «أتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم» أي القرآن «ولا تتبعوا» تتخذوا «من دونه» أي الله أي غيره «أولياء» تطيعونهم من معصيته تعالى «قليلا ما تَذَّكَّرون» بالتاء والياء تتعظون وفيه إدغام التاء في الأصل في الذال، وفي قراءة بسكونها وما زائدة لتأكيد القلة.

3

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن أمر الرسالة إنما يتم بالمرسل وهو الله سبحانه وتعالى والمرسل وهو الرسول، والمرسل إليه، وهو الأمة، فلما أمر في الآية الأولى الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي، وعزم صحيح أمر المرسل إليه. وهم الأمة بمتابعة الرسول. فقال: {ٱتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الحسن: يا ابن آدم، أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله. واعلم أن قوله: {ٱتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } يتناول القرآن والسنة. فإن قيل: لماذا قال: {أُنزِلَ إِلَيْكُمُ } وإنما أنزل على الرسول. قلنا: إنه منزل على الكل بمعنى أنه خطاب للكل. إذا عرفت هذا فنقول: هذه الآية تدل على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس لا يجوز لأن عموم القرآن منزل من عند الله تعالى. والله تعالى أوجب متابعته، فوجب العمل بعموم القرآن ولما وجب العمل به امتنع العمل بالقياس، وإلا لزم التناقض. فإن قالوا: لما ورد الأمر بالقياس في القرآن. وهو قوله: {أية : فَٱعْتَبِرُواْ } تفسير : [الحشر: 2] كان العمل بالقياس عملاً بما أنزل الله. قلنا: هب أنه كذلك إلا أنا نقول: الآية الدالة على وجوب العمل بالقياس إنما تدل على الحكم المثبت بالقياس، لا ابتداء بل بواسطة ذلك القياس. وأما عموم القرآن، فإنه يدل على ثبوت ذلك الحكم ابتداء لا بواسطة، ولما وقع التعارض كان الذي دل عليه ما أنزله الله ابتداء أولى بالرعاية من الحكم الذي دل عليه ما أنزله الله بواسطة شيء آخر، فكان الترجيح من جانبنا. والله أعلم. المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } قالوا معناه ولا تتولوا من دونه أولياء من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع. ولقائل أن يقول: الآية تدل على أن المتبوع إما أن يكون هو الشيء الذي أنزله الله تعالى أو غيره. أما الأول: فهو الذي أمر الله باتباعه. وأما الثاني: فهو الذي نهى الله عن اتباعه، فكان المعنى أن كل ما يغاير الحكم الذي أنزله الله تعالى فإنه لا يجوز إتباعه. إذا ثبت هذا فنقول: إن نفاة القياس تمسكوا به في نفي القياس. فقالوا الآية تدل على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله تعالى والعمل بالقياس متابعة لغير ما أنزله الله تعالى، فوجب أن لا يجوز. فإن قالوا: لما دل قوله فاعتبروا على العمل بالقياس كان العمل بالقياس عملاً بما أنزله الله تعالى أجيب عنه بأن العمل بالقياس، لو كان عملاً بما أنزله الله تعالى، لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله تعالى: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ } تفسير : [المائدة: 44] وحيث أجمعت الأمة على عدم التكفير علمنا أن العمل بحكم القياس ليس عملاً بما أنزله الله تعالى، وحينئذ يتم الدليل. وأجاب عنه مثبتو القياس: بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وما ذكرتموه تمسك بظاهر العموم، وهو دليل مظنون والقاطع أولى من المظنون. وأجاب: الأولون بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله:{أية : وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [النساء: 115] وعموم قوله: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا }تفسير : [البقرة: 143] وعموم قوله: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ } تفسير : [آل عمران: 110] وبعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا تجتمع أمتي على الضلالة» تفسير : وعلى هذا فإثبات كون الإجماع حجة، فرع عن التمسك بالعمومات، والفرع لا يكون أقوى من الأصل. فأجاب مثبتو القياس: بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في أثبات القياس قويت القوة وحصل الترجيح. والله أعلم. المسألة الثالثة: الحشوية الذين ينكرون النظر العقلي والبراهين العقلية، تمسكوا بهذه الآية وهو بعيد لأن العلم بكون القرآن حجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية، فلو جعلنا القرآن طاعناً في صحة الدلائل العقلية لزم التناقض وهو باطل. المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر {أية : قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [النمل: 62] بالياء تارة والتاء أخرى. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء وتخفيف الذال، والباقون بالتاء وتشديد الذال. قال الواحدي رحمه الله: تذكرون أصله تتذكرون فأدغم تاء تفعل في الذال لأن التاء مهموسة، والذال مجهورة والمجهور أزيد صوتاً من المهموس، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد، وما موصولة بالفعل وهي معه بمنزلة المصدر. فالمعنى: قليلاً تذكركم، وأما قراءة ابن عامر {يَتَذَكَّرُونَ } بياء وتاء فوجهها أن هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي قليلاً ما يتذكر هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب، وأما قراءة حمزة والكسائي وحفص، خفيفة الذال شديدة الكاف، فقد حذفوا التاء التي أدغمها الأولون، وذلك حسن لاجتماع ثلاثة أحرف متقاربة والله أعلم. قال صاحب «الكشاف»: وقرأ مالك بن دينار ولا تبتغوا من الابتغاء من قوله تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا } تفسير : [آل عمران: 85].

القرطبي

تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} يعني الكتاب والسنة. قال الله تعالى: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]. وقالت فرقة: هذا أمر يعمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وأمّته. والظاهر أنه أمرٌ لجميع الناس دونَه. أي ٱتبعوا ملَّة الإسلام والقرآن، وأحِلوا حلالَه وحرِّموا حرامه، وٱمتثلوا أمره، وٱجتنبوا نهيه. ودلّت الآية على ترك ٱتباع الآراء مع وجود النصِّ. الثانية: قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} «مِنْ دُونِهِ» من غيره. والهاء تعود على الرب سبحانه، والمعنى: لا تعبدوا معه غيره، ولا تتخذوا مَن عدلَ عن دين الله ولِياً. وكل من رضي مذهباً فأهل ذلك المذهب أولياؤه. وروي عن مالك ابن دِينار أنه قرأ {وَلاَ تَبْتَغُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي ولا تطلبوا. ولم ينصرف «أولياء» لأن فيه ألف التأنيث. وقيل: تعود على «ما» من قوله: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ}. {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} «ما» زائدة. وقيل: تكون مع الفعل مصدراً.

المحلي و السيوطي

تفسير : قل لهم {ٱتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبِّكُمْ } أي القرآن {وَلاَ تَتَّبِعُواْ } تتخذوا {مِن دُونِهِ } أي الله: أي غيره {أَوْلِيَآءَ } تطيعونهم في معصيته تعالى {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } بالتاء والياء، تتعظون، وفيه إدغام التاء في الأصل في الذال وفي قراءة بسكونها، و «ما» زائدة لتأكيد القلة.

ابن عادل

تفسير : لمَّا أُمر الرَّسولُ بالتَّبليغ، والإنذارِ؛ أمر الأمة بمتابعة الرسول. قوله: "مِنْ ربِّكُمْ" يجوزُ فيه وجهان: أحدهما: أنه يتعلَّقُ بـ "أنزل" وتكون "مِنْ" لابتداء الغايةِ المجازية. الثاني: أنْ يتعلَّقُ بـ "أنزل" وتكون "مِنْ" لابتداء الغايةِ المجازية. الثاني: أنْ يتعلَّق بمحذوف على أنَّهُ حالٌ: إمّا من الموصول، وإمَّا من عائده القائم مقام الفاعل. فصل في دحض شبهة لنفاة القياس استدلَّ نُفَاةُ القياسِ بقوله: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} والمرادُ به، القرآنُ والسَّنُة، واستدلُّوا أيضاً بها على أن تخصيصَ عموم القرآن القياسِ لا يُجوزُ، لأنَّ عُمُومَ القُرْآنِ منزَّلٌ من عند الله، والله - تعالى - أوجبَ متابعتَهُ فوجب العمل بِعُمُومِ القرآن، ولمَّا وجب العمل به؛ امتنع العملُ بالقِيَاسِ، وإلاَّ لَزِمَ التَّنَاقُضُ. وأجيبوا بأن قوله تعالى {أية : فَٱعْتَبِرُواْ}تفسير : [الحشر: 2] يدلُّ على وجوب العمل بالقياس، فكان العمل بالقياس عملاً بإنزال. فإن قيل: لو كان العمل بالقِيَاس عملاً بما أنزله اللَّهُ لكان تارك العمل بلا قياس كافراً؛ لقوله: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ}تفسير : [المائدة: 44] وحيث اجتمعت الأمَّةُ على عدمِ التَّكْفير؛ علمنا أنَّ العمل بالقياس ليس عملاً بما أنْزَلَ اللَّهُ. وأجيبوا بأنَّ كون القياس حجَّةً ثبت بإجماع الصَّحابة والإجماع دليل قَاطِعٌ، وما ذكرتمُوهُ تمسُّكٌ بالعُمُومِ، وهو دليل مَظْنُونٌ والقَاطِعُ أولى من المَظْنُونِ. وأجَابَ نفاةُ القياسِ بأن كون الإجماع حجَّةً قاطِعَةً إنَّما ثبت بِعُمُومَاتِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، والفرع لا يكون أقْوَى من الأصْلِ، وأجِيبُوا بأنَّ الآيَاتِ والأحاديث لما تعاضدت قويت. قوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي: لا تَتَّخِذُوا غيره أوْلِيَاءَ تطيعونَهُم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. قوله: "مِنْ دُونِهِ" يجُوزُ أن يتعلق بالفعل قَبْلَهُ، والمعنى: لا تَعْدِلُوا عَنْهُ إلى غيره من الشَّيَاطِينِ والكُهَّانِ. والثاني: أن يتعلق بِمَحْذُوفٍ؛ لأنه كان في الأصْلِ صفة لـ "أولياء" فلمَّا تقدَّم نُصِبَ حالاً، وإليه يميل تَفْسِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ، فإنَّهُ قال: "أي لا تتولَّوْا من دونه من شياطين الإنس والجن؛ فيحملوكم على الأهواء والبدع". والضَّمِيرُ في "دونه" يعود على "ربِّكُمْ" ولذلك قال الزَّمَخشريُّ "مِنْ دُونِ اللَّهِ"، ويجُوزُ أن يعود على "مَا" الموصُولةِ، وأن يعود على الكتابِ المُنَزَّل، والمعنى: لا تَعْدِلُوا عنه إلى الكُتُبِ المَنْسُوخَةِ. وقرأ الجَحْدَرِيُّ: "ابْتَغُوا" بالغين المعجمة من الابتغاء. ومالك بن دينار ومجاهد: "ولا تَبْتَغُوا" من الابتغاء أيضاً من قوله: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً}تفسير : آل عمران: 85]. قوله: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَرُونَ} قد تقدَّم نظيرُهُ في قوله: {أية : فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ}تفسير : [البقرة: 88] وهو أنَّ "قَلِيلاً" نعت مصدر محذوف أي: تذكُّراً قليلاً تذكرون، أوْ نعت ظرف زمانٍ مَحْذُوفٍ أيضاً أي: زماناً قَلِيلاً تذكَّرون، فالمصدرُ أو الظَّرْفُ منصوب بالفعل بعدهُ، و "مَا" مزيدةٌ للتَّوكيد، وهذا إعْرابٌ جليٌّ. وقد أجَازَ الحُوفِيُّ أن تكون نَعْتَ مصدرٍ محذوف لقوله: "ولا تَتَّبِعُوا" أي: ولا تَتَّبِعُوا من دونه أوْلِيَاءَ اتِّبَاعاً قليلاً، وهو ضعيف؛ لأنه يصيرُ مَفْهُومُهُ أنَّهم غير مَنْهيِّين عن اتِّبَاعِ الكَثيرِ، ولكِنَّهُ مَعْلُومٌ من جهة المَعْنَى، فلا مَفْهُوم لَهُ. وحكى ابْنُ عطيَّة عن أبِي عَلِيٍّ أنَّ "مَا" مصدرية موصولة بالفِعْلِ بَعْدَهَا، واقْتَصَرَ على هذا القَدْر، ولا بُدَّ لَهُ من تَتِمَّة، فقال بعض الناس: ويكون "قَلِيلاً" نعت زمان محذوف، وذلك الزَّمَانُ المحذوف في محلِّ رفع خبر مقدّماً و "مَا" المصدريَّةُ، وما بَعْدَها بتأويل مصدر مبتدأ مؤخراً، والتَّقدِيرُ: زمناً قليلاً تذكُّرُكم أي: أنَّهُم لا يقع تذكرهم إلا في بعض الأحْيَانِ ونظيره: "زمناً قليلاً قيامك". وقد قِيلَ: إنَّ "ما" هذه نَافِيَةٌ، وهو بعيد؛ لأن "ما" لا يَعْمَلُ ما بَعْدَهَا فيما قبلها عند البصريين، وعلى تقدير تَسْلِيم ذلك فيصيرُ المعنى: ما تذكرون قليلاً، وليس بِطَائِلٍ، وهذا كما سيأتي في قوله تعالى: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}تفسير : [الذاريات: 17] عند من جعلها نافية. وهناك وَجْهٌ لا يمكن أن يأتي ههنا وهو أن تكون "مَا" مصدريَّةٌ، وهي وما بعدها في محل رفع بالفاعلية بـ "قَلِيلاً" الذي هو خبر كان، والتقدير: كانُوا قليلاً هُجُوعُهُم، وأمَّا هنا فلا يمكن ذلك لعدم صحَّةِ نصب " قليلاً" بقوله: "وَلاَ تَتَّبِعُوا" حتى يجعل "ما تَذَكَّرُون" مرفوعاً به. ولا يجوز أَن يكون "قَلِيلاً" حالاً من فاعل "تَتَّبِعُوا" و "ما تَذَكَّرُونَ" مرفوعاً به، إذْ يصيرُ المعنى: أنَّهُم نُهُوا عن الاتِّباعِ في حال قلَّة تذكرهم، وليس ذلك بمُرَادٍ. وقرأ ابن عامر: {قَلِيلاً ما تَذكرُونَ} باليَاءِ تَارةً والتَّاءِ أخرى، وقرأ حَمْزَةُ والكِسَائِي وحفص عن عاصم بتاء واحدة وتخفيف الذال، والباقون بتاء وتشديد الذَّالِ. قال الواحِديُّ: "تذكَّرُون" أصله "تتذَكَّرُونَ" فأدغمت تاء تفعل في الذَّال؛ لأنَّ التَّاء مهموسة والذَّال مجهورة، والمجهور أزيد صوتاً من المَهْمُوسِ، فحسن إدغام الأنقص في الأزيد، و "مَا" موصولة بالفِعْلِ، وهي معه بِمَنْزلَةِ المصْدَرِ فالمعنى: قَلِيلاً تَذَكُّرُكُمْ. وأمَّا قراءةُ ابْنِ عامر "يَتَذكَّرُونَ" بياء وتاء فوجهها أنَّ هذا خطابٌ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أي: قَلِيلاً ما يتذكرون هؤلاء الَّذِينَ ذُكِّرُوا بهذا الخِطَابِ. وأمَّا قراءةُ الأخَوَيْنِ، وحفص خفيفة الذَّالِ شدِيدَة الكَافِ، فقد حَذَفُوا التي أدْغَمَهَا الأوَّلُون، وتقدَّم الكلامُ على ذلك في الأنعام.

البقاعي

تفسير : ولما تقدم سبحانه إليه صلى الله عليه وسلم في أمر الإنذار والإذكار بالكتاب تقدم إلى اتباعه فأمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع أهل الضلال وما يوحي إليهم أولياؤهم من زخارفهم بعد أن أخبر بكونه ذكرى أنه سبب لعلو شأنهم وعز سلطانهم، فقال ملتفتاً إليهم مقبلاً بعز جلاله عليهم {اتبعوا} أي حملوا أنفسكم حملاً عظيماً بجد ونشاط على اتباع {ما أنزل إليكم} أي قد خصصتم به دون غيركم فاشكروا هذه النعمة {من ربكم} أي الذي لم يزل محسناً إليكم {ولاتتبعوا} ولعله عبر بالافتعال إيماء إلى أن ما كان دون علاج - بل هفوة وبنوع غفلة - في محل العفو {من دونه} أي دون ربكم {أولياء} أي من الذين نهيناكم عنهم في الأنعام وبينا ضررهم لكم من شياطين الإنس والجن وعدم إغنائهم وأن الأمر كله لربكم. ولما كانوا قد خالفوا في اتباعهم صريح العقل وسليم الطبع، وعندهم أمثلة ذلك لو تذكروا، قال منبهاً لهم على تذكر ما يعرفون من تصرفاتهم: {قليلاً} وأكد التقليل بـ"ما" النافي وبإدغام تاء التفعيل فقال: {ما تذكرون*} أي تعالجون أنفسكم على ذكر ما هو مركوز في فطركم الأولى فإنكم مقرون بأن ربكم رب كل شيء، فكل من تدعون من دونه مربوب، وأنتم لا تجدون في عقولكم ولا طباعكم ولا استعمالاتكم ما يدل بنوع دلالة على أن مربوباً يكون شريكاً لربه. ولما كان من أعظم ما يتذكر سار النعم وضار النقم للإقبال على الله والإعراض عما سواه وعدم الأغترار باسباب الأمن والراحة، قال: {وكم} أي قلّ تذكركم وخوفكم من سطواتنا والحال أنه كم {من قرية} وإن جلت؛ ولما كان المراد المبالغة في الإهلاك، أسنده إلى القرية والمراد أهلها فقال: {أهلكناها} أي بما لنا من العظمة لظلمها باتباع من دون الله، فلا تغتروا بأوليائكم من دونه وأنتم عالمون بأنهم لم ينفعوا من ضل من الأمم السالفة وقت إنزالنا بهم السطوة وإحلالنا بهم النقمة وتحقق المهلكون إذ ذاك - مع أنهم كانوا أشد بطشاً واكثر عدداً وأمتن كيداً - عدم إغنائهم فلم يوجهوا آمالهم نحوهم. ولما كان المعنى: أردنا إهلاكها وحكمنا به، سبب عنه قوله: {فجاءها بأسنا} أي عذابنا بما لنا من القوة والعظمة، أو الإهلاك على حقيقته وهذا تفصيل له وتفسير؛ ولما كان لا فرق في إتيان عذابه سبحانه بين كونه ليلاً أو نهاراً، وكان أفحش البأس وأشده ما كان في وقت الراحة والدعة والغفلة قال: {بياتاً} أي وقت الاستكنان في البيوت ليلاً كما أهلك قوم لوط عليه السلام وقت السحر. ولما كان المراد بالقرية اهلها، بينه بقوله لأنه إذا حذف المضاف جاز فيه اعتباران بحسب ما يحسن من المعنى: أن لا يلتفت إليه - كما في اول الآية، وإن يلتفت إليه - كما في هذا الأخير لبيان أن الأهل هم المقصودون بالذات لأنه موضع التهديد: {أو هم قائلون*} أي نائمون وقت القائلة أو مستريحون من غير نوم كما أهلك قوم شعيب عليه السلام، يعني أنهم كانوا في كل من الوقتين غافلين بسبب أنهم كانوا آمنين، لم يظنوا أن شيئاً من أعمالهم موجب للعذاب ولا كانوا مترقبين لشيء منه، فالتقدير: بياتاً هم فيه بائتون أي نائمون، أو قائلة هم فيها قائلون أي نائمون، فالآية من الاحتباك: دل إثبات "بياتاً" أولاً على حذف "قائلة" ثانياً، وإثبات "هم قائلون" ثانياً على حذف "هم نائمون" أولاً، والذي أرشدنا إلى هذا المعنى الحسن سوق "هم" من غير واو، وهذا قريب من قوله تعالى فيما يأتي {أية : أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون}تفسير : [الأعراف: 97] فالأقرب أن يكون المحذوف أولاً نائمون، وثانياً نهاراً، فيكون التقدير: بياتاً هم فيه نائمون، أو نهاراً هم فيه قائلون، وبين عظمة ما جاءهم وهوله بأنهم في كل من الوقتين لم يقع في فكر أحد منهم التصويب إلى مدافعته بما سبب عن ذلك من قوله: { فما كان دعواهم} أي قولهم الذي استدعوه {إذ جاءهم بأسنا} أي بما لنا من العظمة {إلا أن قالوا} أي إلا قولهم {إنا كنا} أي بما لنا من الجبلة {ظالمين*} أي في أنا لم نتبع من أنزل إلينا من ربنا، فلم يفدهم ذلك شيئاً غير شدة التحسر؛ ثم سبب عما مضى من أمر الرسول والأمم قوله دفعاً لوهم من يظن أن الأمر انقضى بما عذبوا به في الدنيا: {فلنسئلن} أي بما لنا من العظمة على جهة التوبيخ والتقريع للعصاة والتشريف والتعظيم للمطيعين، وأظهر موضع الإضمار تعميماً فقال: {الذين}. ولما كانت الملامة على تكذيب الرسول لا بقيد كونه معيناً بنى للمفعول قوله: {أرسل إليهم} أي وهم الأمم، هل امتثلوا أوامرنا وأحجموا عند زواجرنا كما أمرتهم الرسل أم لا {ولنسئلن} أي بعظمتنا {المرسلين*} أي هل كان في صدورهم حرج مما أرسلناهم به وهل بلغوه أم لا يوم تكونون شهداء على الناس بما علمتم من شهادتي في هذا القرآن ويكون الرسول عليكم شهيداً فإنا لا بد أن نحييكم بعد الموت ثم نسألكم في يوم تظهر فيه السرائر وتنكشف - وإن اشتد خفاؤها - الضمائر، ولنرين الأفعال والأقوال، ولا نترك شيئاً من الأحوال. ولما كان السؤال يفهم خفاء المسؤول عنه على السائل، سبب عن ذلك ما يزيل هذا الوهم بقوله مؤذناً بأنه أعلم من المسؤولين عما سألهم عن: {فلنقصن} أي بما لنا من صفات العظمة المستلزمة لكل كمال {عليهم} أي المسؤولين من الرسل وأممهم، جميع أحوالهم وما يستحقون من جزائها {بعلم} أي مقطوع به لا مظنون، فقد كنا معهم في جميع تقلباتهم {وما كنا} أي في وقت من الأوقات كما هو مقتضى ما لنا من العظمة {غائبين*} أي مطلقاً ولا عن أحد من الخلق بل علمنا شامل لجميع الكليات والجزئيات لأن ذلك مقتضى العظمة ما لنا من صفات الكمال، ومن لم يكن محيط العلم بأن يميز المطيع من العاصي لا يصح أن يكون إلهاً.

ابو السعود

تفسير : . {ٱتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم} كلامٌ مستأنفٌ خوطب به كافةُ المكلفين بطريق التلوينِ وأُمروا باتباع ما أمر النبـي صلى الله عليه وسلم قبل تبليغِه بطريق الإنذار والتذكيرِ، وجعلُه منزلاً إليهم بواسطة إنزالِه إليه عليه الصلاة والسلام إثرَ ذلك ما يصححه من الإنذار والتذكير ـ لتأكيد وجوبِ اتباعه، وقولُه تعالى: {مّن رَّبّكُمْ} متعلقٌ بأُنزل على أن (من) لابتداء الغايةِ مجازاً أو بمحذوف وقع حالاً من الموصول أو من ضميره في الصلة، وفي التعرُّض لوصف الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبـين مزيدُ لطفٍ بهم وترغيبٌ لهم في الامتثال بما أُمروا به وتأكيدٌ لوجوبه، وجعلُ ما أنزل هٰهنا عاماً للسنة القولية والفعلية بعيدٌ. نعم يعمُّهما حكمُه بطريق الدِلالةِ لا بطريق العبادةِ ولما كان اتباعُ ما أنزله الله تعالى اتباعاً له تعالى عُقّب الأمرُ بذلك بالنهي عن اتباع غيرِه تعالى فقيل: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ} أي من دون ربكم الذي أنزل إليكم ما يهديكم إلى الحق، ومحلُّه النصبُ على أنه حالٌ من فاعل فعلِ النهي أي لا تتبعوا متجاوزين الله تعالى {أَوْلِيَاء} من الجن والإنسِ بأن تقبلوا منهم ما يُلْقونه إليكم بطريق الوسوسةِ والإغواءِ من الأباطيل ليضلّوكم عن الحق ويَحمِلوكم على البدع والأهواءِ الزائغةِ أو مِنْ أولياءَ قُدّم عليه لكونه نكرةً إذ لو أُخر عنه لكان صفةً له أي أولياءَ كائنةً غيرَه تعالى، وقيل: الضميرُ للموصول على حذف المضافِ في أولياء ولا تتبعوا من دون ما أَنزل أباطيلَ أولياءَ كأنه قيل: ولا تتبعوا من دون دينِ ربِّكم دينَ أولياءَ وقرىء ولا تبتغوا كما في قوله تعالى: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا} تفسير : [آل عمران، الآية 85] وقولُه تعالى: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} بحذف إحدى التاءين وتخفيفِ الذال، وقرىء بتشديدها على إدغام التاء المهموسةِ في الذال المجهورة، وقرىء يتذكرون على صيغة الغَيبة، وقليلاً نُصب إما بما بعده على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ مقدَّمٍ للقصر، أو لزمانٍ كذلك محذوفٍ و(ما) مزيدةٌ لتأكيد القِلة، أي تذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً تذكرون لا كثيراً حيث لا تتأثرون بذلك ولا تعملون بموجبه وتتركون دينَ الله تعالى وتتبعون غيرَه، ويجوز أن يُراد بالقلة العدمُ كما قيل في قوله تعالى: {أية : فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } تفسير : [البقرة، 88] والجملة اعتراضٌ تذيـيليٌّ مسوقٌ لتقبـيح حالِ المخاطَبـين، والالتفاتُ على القراءة الأخيرةِ للإيذان باقتضاء سوءِ حالِهم في عدم الامتثالِ بالأمر والنهي على صرفِ الخطابِ عنهم وحكايةِ جناياتِهم لغيرهم بطريق المباثّة، وإما نُصبَ على أنه حالٌ من فاعل لا تتبعوا وما مصدريةٌ مرتفعةٌ به أي لا تتبعوا من دونه أولياءَ قليلاً تذكّرُكم لكن لا على توجيه النهي إلى المقيد فقط كما في قوله تعالى: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ }تفسير : [النساء، الآية 43] بل إلى المقيد والقيدِ جميعاً، وتخصيصُه بالذكر لمزيد تقبـيحِ حالِهم بجمعهم بـين المنكرين.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} [الآية: 3]. قال بعضهم: من يتبع غير ما أنزل إليه من ربه فهو بعيد من عين الحق، ومن له نصيب فى الدارين لا يمكن أن يتبع ما أنزل إليه من ربه، والمتبعون هم أقل من القليل.

القشيري

تفسير : اسْتَسْلِموا لمطالبات التقدير، قِفُوا حيثما وقفتم، وتحققوا بما عرفتم، وطالعوا بما كوشفتم، ولا تلاحظوا غيراً، ولا تركنوا إلى عِلَّةٍ، ولا تظنوا أن لكم من دونه وسيلة.

اسماعيل حقي

تفسير : {اتبعوا} ايها المكلفون {ما انزل اليكم من ربكم} يعنى القرآن {ولا تتبعوا من دونه} اى من دون ربكم الذى انزل اليكم ما يهديكم الى الحق وهو حال من الفاعل اى لا تتبعوا متجاوزين الله تعالى {اولياء} من الجن والانس باطاعتهم فى معصية الله {قليلا ما تذكرون} بحذف احدى التاءين وما مزيد لتأكيد العلة اى تذكرا قليلا او زمانا قليلا تذكرون لا كثيرا حيث لا تتأثرون بذلك ولا تعملون بموجبه وتتركون دين الله تعالى وتتبعون غيره. ثم شرع فى التهديد ان لم يتعظوا بما جرى على الامم الماضية بسبب اصرارهم عى اتباع دين اوليائهم فقال.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {قليلاً}: صفة لمصدرٍ، أو زمانٍ محذوف، أي: تتذكرون تذكرًا قليلاً، أو زمانًا قليلاً، والعامل فيه: تذكرون، و {ما}: زائدة لتأكيد القلة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {اتَّبِعُوا} أيها الناس {ما أُنزل إليكم من ربكم} من أحكام القرآن والسنة؛ إذ كله وحي يوحى، {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ }تفسير : [النّجْم:3]، {ولا تتبعوا من دونه} أي: الله، {أولياءَ} من الجن والإنس يضلونكم عن دينه، أو: ولا تتبعوا من دون ما أنزل إليكم أولياء، تتبعونهم فيما يأمرونكم به وينهونكم، وتتركون ما أنزل إليكم من ربكم، {قليلاً ما تذكَّرون}: تتعظون حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره، بعد كمال إنذاره ووضوح تذكاره، وذلك لانطماس البصيرة وعمي القلوب، والعياذ بالله. الإشارة: اتباع الحبيب في أمره ونهيه يدل على صحة دعوى المحبة، ومخالفته يدل على بطلانها. شعر : تَعصِي الإله وأنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ هذَا محَالٌ في القِيَاسِ بَدِيعُ لَو كانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأطَعتَهُ إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ تفسير : وجمع المحبة في محبوب واحد يدل على كمالها، وتفرق المحبة يدل على ضعفها، ولذلك قال الشاعر: شعر : كَانَت لَقلبِي أهواءٌ مُفرَّقةٌ فَاستَجمَعَتْ مُذ رَأتكَ العَيْنُ أهوائي تفسير : فلا تجتمع المحبة في محبوب واحد إلا بعد كمال معرفة المحبوب، وشهود أنوار جماله وكمال أسراره. والله تعالى أعلم. ثم ذكر وبال من لم يتبع، فقال: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَ}.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة، والكسائي وحفص {تذكرون} بتخفيف الذال بتاء واحدة. الباقون بالتشديد الا ابن عامر، فانه قرأ يتذكرون بياء وتاء، قال الزجاج: التخفيف على حذف التاء الثانية كراهة اجتماع ثلاثة أحرف متقاربة، كما قالوا استطاع يستطيع، فحذفوا أحدى الثلاثة المتقاربة دون الاول، لان الاول بمعنى الاستقبال، لا يجوز حذفها، والثانية يدل عليها تشديد العين. ومن قرأ بتشديد الذال، فأصله تتذكرون فأدغم التاء في الذال لقرب مخرجهما، لان التاء مهموسة والذال مجهورة. والمجهورة أزيد صوتا وأقوى من المهموس فحسن ادغام الانقص في الازيد. ولا يسوغ ادغام الا زيد في الانقص، ألا ترى ان الصاد وأختيها لم يدغمن في مقاربهنَّ لما فيهنَّ من زيادة الصفير. وقراءة ابن عامر بالياء والتاء: انه مخاطبة للنبي (صلى الله عليه وسلم) أي قليلا ما يتذكرون هؤلاء الذين ذكروا بهذا الخطاب. قوله {اتبعوا} خطاب من الله للمكلفين وأمر منه بأن يتبعوا ما أنزل عليهم من القرآن. ويحتمل ان يكون المراد قل لهم يا محمد: اتبعوا ما أنزل اليكم، لانه قال قبل ذلك {لتنذر به} وكان الخطاب متوجهاً اليه. والاتباع تصرف الثاني بتصريف الاول وتدبيره، فالاول امام والثاني مؤتم. والفرق بين الإِتبَّاع والاتباع ان احدهما يتعدى الى مفعول، والثاني يتعدى الى مفعولين، تقول: اتبعت زيدا وأتبعت زيدا عمرا. ووجوب الإِتِّباع فيما أنزل الله يدخل فيه الواجب والندب والمباح، لانه يجب ان يعتقد في كل جنس ما أمر الله به، كما يجب ان يعتقد في الحرام وجوب اجتنابه. وقوله {ولا تتبعوا من دونه أولياء} نهي من الله ان يتبعوا من دون الله ويتخذوا أولياء. وأولياء جمع وليَّ وهو ضد العدو، وهو يفيد الاولى ويفيد الناصر وغير ذلك مما بيناه فيما مضى. وقوله {قليلا ما تذكرون} معناه الاستبطاء في التذكر، وخرج مخرج الخبر وفيه معنى الامر، ومعناه تذكروا كثيرا مما يلزمكم من أمر دينكم، وما أوجبه الله عليكم. واخبر انهم قليلا ما يتذكرون و (ما) زائدة، وتذكر معناه أخذ في التذكر شيئا بعد شيء مثل تفقه وتعلم، ويقال: تقيَّس اذا انتمى الى قيس، ولم يكن منهم، لانه يدخل نفسه فيهم شيئا بعد شيء.

الجنابذي

تفسير : {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} من الكتاب الّذى هو صورة الولاية الّتى كانت متّحدة مع علىّ (ع) بقرينة قوله {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ} اى من دون ما انزل فانّه ظاهر اللّفظ {أَوْلِيَآءَ} من شياطين الانس الّذين ما نزل اليكم من ربّكم فيهم شيءٌ {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} تحسّر عليهم لقلّة تذكّرهم.

اطفيش

تفسير : {اتَّبِعوا ما أنزِلَ إليْكُم مِن ربِّكم} هو القرآن والسنة، بناء على أنها وحى نزل {أية : وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى} تفسير : والخطاب من الله سبحانه، وقيل: من النبى صلى الله عليه وسلم على تقدير القول، أى قل لهم اتبعوا كما ذكره الطبرى، أو لتنذر به فتقول اتبعوا، أو مفعول لتنذر، أو ذكرى لتضمن ذلك معنى القول، والخطاب لجميع الناس عند الحسن والزجاج، قال الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله، وسنة محمد صلى الله عليه وسلم، والله ما نزلت آية إلا وجب أن تعلم فيما أنزلت وما معناها، وقالت فرقة: الخطاب للنبى والمؤمنين وقيل: للمشركين، وقرأ الجحدرى: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم بتقديم الموحدة وإسكانها وبالغين المعجمة. {ولا تتَّبعُوا} وقرأ مالك بن دينار رحمه الله ومجاهد: ولا تبتغوا بتوسيط الوحدة بين المثناتين وبالغين المعجمة {مِنْ دُونه} أى من دون ربكم {أولياءَ} شياطين الجن والإنس فيحملوكم على التكذيب، وعبادة الأوثان، وقيل: المراد بالأولياء كلما عبد من دون الله، كالأصنام والأحبار، والكهان والنار والكواكب، وقيل: الهاء فيمن دونه عائدة إلى ما، واختاره بعض، وقيل: إلى الكتاب، وما ذكرته أظهر. {قليلا} أى تذكيراً قليلا، أو زماناً قليلا، فإنه إذا قل التذكر الزمان الواقع فيه التذكير قليلا، وعلى كل حال فناصبه تذكرون ما صلة لتأكيد القلة، ويجوز كون قليلا ظرفا أى زمانا قليلا منصوب على الاستقرار الخبرى، وما مصدرية، وعليه فالمصدر من قوله: {تذكَّرُون} مبتدأ أى تذكركم ثابت فى زمان قليلا، وأصل تذكرون تتذكرون، أبدلت التاء الثانية ذالا وأدغمت الذال فى الذال، وذلك قراءة نافع، وقرأ ابن عامر فى رواية: تتذكرون بتائين دون إدغام، وعنه: يتذكرون وهو مشهور عنه بياء فتاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم فى رواية حفص: تذكرون بتخفيف الذال وتشديد الكاف، على أن الأصل تتذكرون، حذفت إحدى التائين، وقيل: المشهور عن ابن عامر يذكرون بياء فذال مشددة كالكاف، والأصل يتذكرون، أبدلت التاء ذالا وأدغمت فى الذال، وهذا على أن هذا كلام منه صلى الله عليه وسلم أو مستأنف من الله، والمراد بالتذكر تذكير دين الله.

الالوسي

تفسير : {ٱتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ } خطاب لكافة المكلفين، والمراد بالموصول الكتاب المنزل إليه صلى الله عليه وسلم كما روي عن قتادة إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر وجعل منزلاً إليهم لتأكيد وجوب الاتباع؛ وقيل: المراد به ما يعم الكتاب والسنة فليس من وضع المظهر موضع المضمر. وإيثاره لفائدة التعميم وتشميم من أسلوب قول الأنمارية هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها وتتميم لشرح الصدر فإنه لما شجع أمر الجميع باتباع جميع ما يرسمه ليكون أدعى لانشراح صدره عليه الصلاة والسلام ورحب ذراعه. ولا يخفى أن هذا الحمل بعيد. نعم يعم السنة بأقسامها الحكم بطريق الدلالة لا بطريق العبارة، و {من} متعلقة بأنزل على أنها لابتداء الغاية مجازاً أو بمحذوف وقع حالاً من الموصول أو من ضميره في الصلة، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين مزيد لطف بهم وترغيب لهم في الامتثال بما أمروا به وتأكيد لوجوبه إثر تأكيد. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } الضمير المجرور عائد إلى {رَبِّكُـمْ } والجار متعلق بمحذوف وقع حالاً من فاعل فعل النهي أي ولا تتبعوا متجاوزين ربكم الذي أنزل إليكم ما يهديكم إلى الحق أولياء من الشياطين والكهان بأن تقبلوا منهم ما يلقونه إليكم من الأباطيل ليضلوكم عن الحق بعد إذ جاءكم ويحملوكم على البدع والأهواء الزائغة. ويجوز أن يكون الجار متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من {أَوْلِيَاءَ } قدم عليه لكونه نكرة أي أولياء كائنة غيره تعالى، وأن يكون متعلقاً بالفعل قبله أي تعدلوا عنه سبحانه إلى غيره. ولما كان اتباع ما أنزله سبحانه جل وعلا اتباعاً له عز شأنه عقب الأمر السابق بهذا النهي، وقيل: الضمير لما أنزل على حذف مضاف في {أَوْلِيَاءَ } أي لا تتبعوا من دون ما أنزل أباطيل أولياء، وكأنه قيل: ولا تتبعوا من دون دين ربكم دين أولياء، وذلك التقدير لأنه لا يحسن وصف المنزل بكونه دونهم، وجوز كون الضمير للمصدر أي لا تتبعوا أولياء اتباعاً من دون اتباعكم ما أنزل إليكم وفيه بعد. وقرأ مجاهد {تَبْتَغُواْ } بالغين المعجمة من الابتغاء. {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أي تذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً تذكرون لا كثيراً حيث لا تتأثرون بذلك ولا تعملون بموجبه وتتركون الحق وتتبعون غيره، فقليلاً / نعت مصدر أو زمان محذوف أقيم مقامه ونصبه بالفعل بعده وقدم عليه للقصر، و {مَّا } مزيد لتأكيد القلة لأنها تفيدها في نحو أكلت أكلاً ما فهي هٰهنا قلة على قلة، والظاهر من القلة معناها، وجوز أن يراد بها العدم كما في قوله تعالى: { أية : فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } تفسير : [البقرة: 88] وأجيز أن يكون {قَلِيلاً } نعت مصدر لتتبعوا أي اتباعاً قليلاً، قيل: ويضعفه أنه لا معنى حينئذٍ لقوله سبحانه: {تَذَكَّرُونَ } وأما النهي عن الاتباع القليل فلا يضر لأنه يفهم منه غيره بالطريق البرهاني، وأن يكون حالاً من فاعل {لاَ تَتَّبِعُواْ } و (ما) مصدرية أو موصولة فاعل له كما قيل ذلك في قوله تعالى: { أية : كَانُواْ قَلِيلاً مّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } تفسير : [الذاريات: 17] والنهي متوجه إلى القيد والمقيد جميعاً واعترض بأنه لا طائل تحت معناه وأن وجه بما وجه، وأن يكون (ما) مصدرية أو موصولة مبتدأ، و {قَلِيلاً } على معنى زماناً قليلاً خبره، وقيل: إن (ما) نافية و {قَلِيلاً } معمول لما بعده، والكوفيون يجوزون عمل ما بعد (ما) النافية فيما قبلها، والمعنى ما تذكرون قليلاً فكيف تذكرون كثيراً وليس بشيء. وقرأ حمزة والكسائي وحفص {تَذَكَّرُونَ } بحذف إحدى التاءين وذال مخففة. وقرأ ابن عامر {يَتَذَكَّرُونَ } بياء تحتية ومثناة فوقية وذال مخففة، وفي طريق شاذة عنه بتاءين فوقيتين. وقرأ الباقون بتاء فوقية وذال مشددة على إدغام التاء المهموسة في الذال المجهورة، والجملة ـ على ما قاله غير واحد ـ اعتراض تذييلي مسوق لتقبيح حال المخاطبين، والالتفات على القراءة المشهورة عن ابن عامر للإيذان باقتضاء سوء حالهم في عدم الامتثال بالأمر والنهي صرف الخطاب عنهم، وحكاية جناياتهم لغيرهم بطريق المباتة ولا حجة في الآية لنفاة القياس كما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : بيان لجملة: {أية : لتنذر به} تفسير : [الأعراف: 2] بقرينة تذييلها بقوله: قليلاً ما تذكرون. فالخطاب موجّه للمشركين ويندرج فيه المسلمون بالأولى، فبعد أن نوّه الله بالكتاب المنزّل إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم وبيّن أن حكمة إنزاله للإنذار والذّكرى، أمر النّاس أن يتّبعوا ما أنزل إليهم، كلٌ يتبع ما هو به أعلق، والمشركون أنزل إليهم الزّجر عن الشّرك والاحتجاج على ضلالهم، والمسلمون أنزل إليهم الأمر والنّهي والتّكليف، فكلٌ مأمور باتّباع ما أنزل إليه، والمقصود الأجْدَر هم المشركون تعريضاً بأنّهم كفروا بنعمة ربّهم، فوصْفُ (الرب) هنا دون اسم الجلالة: للتّذكير بوجوب اتّباع أمره، لأنّ وصف الربوبيّة يقتضي الامتثال لأوامره، ونهاهم عن اتّباع أوليائهم الذين جعلوهم آلهة دونه، والموجه إليهم النّهي هم المشركون بقرينة قوله: {قليلاً ما تذكرون}. والاتِّباع حقيقته المشي وراء ماششٍ، فمعناه يقتضي ذاتين: تابعاً ومتوبعاً، يقال: اتَّبع وتَبِع، ويستعار للعمل بأمر الآمر نحو: {أية : ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني أفعصيت أمري} تفسير : [طه: 92، 93] وهو استعارة تمثيليّة مبنيّة على تشبيه حالتين، ويستعار للاقتداء بسيرة أو قَوْل نحو: {أية : ولا تَتّبعوا خطوات الشيطان} تفسير : [البقرة: 168] وهو استعارة مصرّحة تنبني على تشبيه المحسوس بالمعقول مثل قوله تعالى: {أية : إن أتَّبِع إلاّ مَا يُوحى إليّ} تفسير : [الأنعام: 50]، ومنه قوله هنا: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم}. والمراد بما أنزل هو الكتاب المذكور بقوله: {أية : كتاب أنزل إليك} تفسير : [الأعراف: 2]. وقوله: {ولا تتبعوا من دونه أولياء} تصريح بما تضمّنه: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} لأنّ فيما أنزل إليهم من ربّهم أنّ الله إلهٌ واحد لا شريك له، وأنّه الولي، وأنّ الذين اتَّخذوا من دونه أولياء اللَّهُ حفيظ عليهم، أي مجازيهم لا يخفى عليه فعلَهم، وغيرَ ذلك من آي القرآن؛ والمقصود من هذا النّهي تأكيد مقتضى الأمر باتّباع ما أنزل إليهم اهتماماً بهذا الجانب ممّا أنزل إليهم، وتسجيلاً على المشركين، وقطعاً لمعاذيرهم أن يقولوا إنّنا اتَّبعنا ما أنزل إلينا، وما نرى أولياءنا إلاّ شفعاءَ لنا عند الله فما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى، فإنّهم كانوا يموهون بمثل ذلك، ألا ترى أنّهم كانوا يقولون في تلبيتهم: «لبّيك لا شريك لك إلاّ شريكاً هو لك تملكه وما ملك» فموقع قوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم} موقع الفَصل الجامع من الحد، وموقع {ولا تتبعوا} موقع الفصل المانع في الحَدّ. والأولياء جمع ولي، وهو المُوالي، أي الملازم والمعاون، فيطلق على النّاصر، والحليف، والصاحب الصّادق المودّة، واستعير هنا للمعبود وللإله: لأنّ العبادة أقوى أحوال الموالاة، قال تعالى: {أية : أم اتّخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي} تفسير : [الشورى: 9] وقد تقدّم عند قوله تعالى: {أية : قل أغير الله أتّخذ ولياً} تفسير : في سورة الأنعام (14)، وهذا هو المراد هنا. والاتّباع في قوله: {ولا تتبعوا من دونه أولياء} يجوز أن يكون مستعملاً في المعنى الذي استعمل فيه الاتّباع في قوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} وذلك على تقدير: لا تتّبعوا ما يأتيكم من أولياء دون الله، فإن المشركين ينسبون ما هم عليه من الدّيانة الضّالة إلى الآلهة الباطلة، أو إلى سدنة الآلهة وكُهّانها، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : وكذلك زَيّن لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤهم} تفسير : [الأنعام: 137]، وقوله: {أية : فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا} تفسير : كما في سورة الأنعام (136)، وعلى تلك الاعتبارات يجري التّقدير في قوله: {أولياء} أي لا تمتثلوا للأولياء أو أمرهم أو لدعاة الأولياء وسدنتهم. ويجوز أن يكون الاتّباع مستعاراً للطّلب والاتّخاذ، أي ولا تتّخذوا أولياء غيره نحو قولهم: هو يتّبع زلة فلان. وفي الحديث: «حديث : يتّبع بها شَعَف الجبال ومواقعَ القطر» تفسير : أي يتطلبها. و(مِنْ) في قوله: {من دونه} ابتدائيّة، و(دون) ظرف للمكان المجاوز المنفصل، وقد جرّ بمن الجارة للظروف، وهو استعارة للترك والإعراض. والمجرور في موضع الحال من فاعل {تتّبعوا}، أي لا تتّبعوا أولياء متّخذينَها دونه، فإنّ المشركين وإن كانوا قد اعترفوا لله بالإلهيّة واتبعوا أمره بزعمهم في كثير من أعمالهم: كالحج ومناسكه، والحَلِف باسمه، فهم أيضاً اتّبعوا الأصنام بعبادتها أو نسبةِ الدّين إليها، فكلّ عمل تقرّبوا به إلى الأصنام، وكلّ عمل عملوه امتثالا لأمر ينسب إلى الأصنام، فهم عند عمله يكونون متّبعين اتِّباعاً فيه اعراض عن الله وترك للتّقرب إليه، فيكون اتّباعاً من دون الله، فيدخل في النّهي، وبهذا النّهي قد سُدت عليهم أبواب الشّرك وتأويلاته كقولهم: {أية : ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى} تفسير : [الزمر: 3] فقد جاء قوله: {ولا تتبعوا من دونه أولياء} في أعلى درجة من الايجاز واستيعاب المقصود. وأفاد مجموع قوله: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء} مفاد صيغة قصر، كأنّه قال: لا تتّبعوا إلاّ ما أمر به ربّكم، أي دون ما يأمركم به أولياؤكم، فعُدل عن طريق القصر لتكون جملة: {ولا تتبعوا من دونه أولياء} مستقلّة صريحة الدّلالة اهتماماً بمضمونها على نحو قول السَّمَوْأل أوْ الحَارثي:شعر : تَسيِلُ على حد الظُّبات نفوسنا وليست على غير الظبَات تسيل تفسير : وجملة: {قليلاً ما تذكرون} هي في موضع الحال من {لا تَتَّبعوا}، وهي حال سببيّة وكاشفة لصاحبها، وليست مقيِّدَة للنّهي: لظهور أنّ المتّبعين أولياءَ من دون الله ليسوا إلاّ قليلي التذكر. ويجوز جعل الجملة اعتراضاً تذييلياً. ولفظ (قليلاً) يجوز أن يحمل على حقيقته لأنّهم قد يتذكّرون ثمّ يعرضون عن التّذكّر في أكثر أحوالهم فهم في غفلة معرضون، ويجوز أن يكون (قليلاً) مستعاراً لمعنى النّفي والعدم على وجه التّلميح كقوله تعالى: {أية : فقليلاً ما يؤمنون} تفسير : [البقرة: 88] (فإنّ الإيمان لا يوصف بالقلّة والكثرة). والتّذكّر مصدر الذّكر ــــ بضمّ الذال ــــ وهو حضور الصورة في الذّهن. وقليل مستعمل في العدم على طريقة التّهكّم بالمضيع للأمر النّافع يقال له: إنّك قليل الإتيان بالأمر النّافع، تنبيهاً له على خطئه، وإنّه إن كان في ذلك تفريط فلا ينبغي أن يتجاوز حدّ التّقليل دون التّضييع له كلّه. و(ما) مصدريّة والتّقدير: قليلاً تَذَكُّركم، ويجوز أن يكون {قليلاً} صفة مصدر محذوف دلّ عليه {تذكرون} و(ما) مزيدة لتوكيد القلّة، أي نوع قلّة ضعيف، نحو قوله تعالى: {أية : أنْ يضرِبَ مثلا مَّا} تفسير : [البقرة: 26]. وتقدّم القول في نظيره عند قوله تعالى: {أية : فقليلاً ما يؤمنون} تفسير : في سورة البقرة (88). والمعنى: لو تذكّرتم لما اتّبعتم من دونه أولياء ولما احتجتم إلى النّهي عن أن تتّبعوا من دونه أولياء، وهذا نداء على إضاعتهم النّظر والاستدلال في صفات الله وفي نقائص أوليائهم المزعومين. وقرأ الجمهور: {ما تذّكرون} ــــ بفوقية واحدة وتشديد الذال ــــ على أنّ أصله تَتَذكّرون بتاءين فوقيتين فقلبت ثانيتُهما ذالاً لتقارب مخرجيهما ليتأتى تخفيفه بالإدغام. وقرأه حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف ــــ بتخفيف الذال ــــ على حذف إحدى التاءين اختصاراً. وقرأه ابن عامر: {يتذكّرون} ــــ بتحتيّة في أوّله ثمّ فوقيّة ــــ، والضّمير عائد إلى المشركين على طريقة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، أعرض عنهم ووجَّه الكلام على غيرهم من السّامعين: إلى النّبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 3- اتبعوا ما أوحاه إليكم ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء تستجيبون لهم وتستعينون بهم. إنكم قلما تتعظون حين تتركون دين الله وتتبعون غيره مع أن العبر فى ذلك كثيرة. 4- فقد أهلكنا قرى عدة، بسبب عبادة أهلها غير الله وسلوكهم غير طريقه، بأن جاءهم عذابنا فى وقت غفلتهم واطمئنانهم ليلا وهم نائمون، كما حدث لقوم لوط، أو نهاراً وهم مستريحون وقت القيلولة كقوم شعيب. 5- فاعترفوا بذنبهم الذى كان سبب نكبتهم فما كان منهم عندما رأوا عذابنا إلا أن قالوا - حيث لا ينفعهم ذلك - إنا كنا ظالمين لأنفسنا بالمعصية ولم يظلمنا الله بعذابه. 6- وسيكون حساب الله يوم القيامة دقيقاً عادلاً، فلنسألن الناس الذين أرسلت إليهم الرسل: هل بلغتهم الرسالة؟ وبماذا أجابوا المرسلين؟ ولنسألن الرسل أيضاً: هل بلغتم ما أنزل إليكم من ربكم؟ وبماذا أجابكم أقوامكم؟ 7- ولنخبرن الجميع إخباراً صادقاً بجميع ما كان منهم؛ لأننا أحصينا عليهم كل شئ فما كنا غائبين عنهم، ولا جاهلين لما كانوا يعملون. 8- ويوم نسألهم ونخبرهم، سيكون تقدير الأعمال للجزاء عليها تقديراً عادلاً، فالذين كثرت حسناتهم ورجحت على سيئاتهم هم الفائزون الذين نصونهم عن النار ويدخلون الجنة.

د. أسعد حومد

تفسير : (3) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ الذِينَ تُنْذِرُهُمْ: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، فَهُوَ وَحْدَهُ الذِي لَهُ الحَقُّ فِي شَرْعِ الدِّينِ لَكُمْ، وَفَرْضِ العِبَادَاتِ عَلَيْكُمْ وَتَحْلِيلِ مَا يَنْفَعُكُمْ، وَتَحْرِيمِ مَا يَضُرُّكُمْ، لأَِنَّهُ العَلِيمُ بِمَا فِيهِ الفَائِدَةُ أَوِ الضَّرَرُ لَكُمْ، وَلا تَتَّخِذُوا مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الشَّيَاطِينِ الذِينَ يُوَسْوِسُونَ إِلَيْكُمْ، أَوْلِيَاءَ تُوَلُّونَهُمْ أُمُورَكُمْ، وَتُطِيعُونَهُمْ فِيمَا يَرُومُونَ مِنْكُمْ مِنْ ضَلاَلِ التَّقَالِيدِ، وَالابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ. وَقَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ هُمُ الذِينَ يَتَذَكَّرُونَ وَيَتَّعِظُونَ (أَوْ قَلِيلاً مَا تَتَّعِظُونَ بِمَا تُوعَظُونَ بِهِ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وما دام العباد سينقسمون أمام صاحب الرسالة والكتاب الذي جاء به إلى من يقبل الهداية، ومن يحتاج إلى النذارة لذلك يقول لهم: {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: 3] وينهاهم عن الشرك وعدم الاستهداء أي طلب الهداية فيقول: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] وحينما يأتي الحق سبحانه في مثل هذه الآيات ويقول: "وذكرى". أو "وذكِّر" إنما يلفتنا إلى أن الفطرة المطبوع عليها الإِنسان مؤمنة، والرسالات كلها لم تأت لتنشئ إيماناً جديداً، وإنما جاءت لتذكر بالعهد الذي أخذ علينا أيام كنا في عالم الذر، وقبل أن يكون لنا شهوة اختيار: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ...} تفسير : [الأعراف: 172] هذا هو الإقرار في عالم الذر، إذن فحين يقول الحق: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} فنحن نلتفت إلى ما نسي الآباء أن يبلغوه للأبناء؛ فالآباء يعلمون الأبناء متطلبات حياتهم، وكان من الواجب أن يعلموهم مع ذلك قيم هذه الحياة التي تلقوها؛ لأن آدم وحواء ما نزلا إلى الأرض قال لهما الحق: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ...} تفسير : [طه: 123] وهكذا نعلم أن هناك "هدى" قد نزل على آدم، وكان من الواجب على آدم أن يعلمه للأبناء، ويعلمه الأبناء للأحفاد، وكان يجب أن يظل هذا "الهدى" منقولاً في سلسلة الحياة كما وصلت كل أقضية الحياة. ويأتي سبحانه لنا بحيثيات الاتباع. {ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ...} [الأعراف: 3] فالمنهج الذي يأتي من الرب الأعلى هو الذي يصلح الحياة، ولا غضاضة على أحد منكم في أن يتبع ما أنزل إليه من الإله المربي القادر. الذي ربّى، وخلق من عدم، وأمد من عدم، وهو المتولي للتربية، ولا يمكن أن يربي أجسادنا بالطعام والشراب والهواء ولا يربي قيمنا بالأخلاق. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ}. ومادام قد أوضح: اتبعوا ما أنزل إليكم من أعلى، فلا يصح أن تأتي لمن دونه وتأخذ منه، مثلما يفعل العالم الآن حين يأخذ قوانينه من دون الله ومن هوى البشر. فها يحب الرأسمالية فيفرضها بالسيف، وآخر يحب الاشتراكية فيفرضها البشر. بالسيف. وكل واحد يفرض بسيفه القوانين التي تلائمه. وكلها دون منهج الله لأنها أفكار بشر، وتتصادم بأفكار بشر، والأولى من هذا وذاك أن نأخذ مما لا نستنكف أن نكون عبيداً له. {...وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] وتذكر أيها المؤمن أن عزتك في اتباع منهج الله تتجلّى في أنك لا تخضع لمساوٍ لك، وهذه ميزة الدين الذي يجعل الإنسان يحيا في الكون وكرامته محفوظةً، وإن جاءته مسألة فوق أسبابه يقابلها بالمتاح له من الأسباب مؤمناً بأن رب الأسباب سيقدم له العون، ويقدم الحق له العون فعلاً فيسجد لله شاكراً، أما الذي ليس له رب فساعة أن تأتي له مسألة فوق أسبابه تضيق حياته عليه وقد ينتحر. ثم بعد ذلك يبين الحق أن موكب الرسالات سائر من لدن آدم، وكلما طرأت الغفلة على البشر أرسل الله رسولاً ينبههم. ويوقظ القيم والمناعة الدينية التي توجد في الذات، بحيث إذا مالت الذات إلى شيء انحرافي تنبه الذات نفسها وتقول: لماذا فعلت هكذا؟. وهذه هي النفس اللوامة. فإذا ما سكتت النفس اللوامة واستمرأ الإنسان الخطأ، وصارت نفسه أمارة بالسوء طوال الوقت؛ فالمجتمع الذي حوله يعدله. وهذه فائدة التواصي بالحق والصبر، فكل واحد يوصَّى في ظرف، ويوصِّي في ظرف آخر؛ فحين تضعف نفسه أمام شهوة يأتي شخص آخر لم يضعف في هذه الشهوة وينصح الإنسان، ويتبادل الإنسان النصح مع غيره، هذا هو معنى التواصي؛ فالوصية لا تأتي من جماعة تحترف توصية الناس، بل يكون كل إنسان موصياً فيما هو فيه قوي، ويوصي فيما هو فيه ضعيف، فإذا فسد المجتمع، تتدخل السماء برسول جديد ومعجزة جديدة، ومنهج جديد، لكن الله أمن أمة محمد على هذا الأمر فلم يجيء رسول بعده لأننا خير أمة أخرجت للناس. والخيرية تتجلى في أننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، فالتواصي باقٍ إلى أن تقوم الساعة. {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...} تفسير : [آل عمران: 110] وهذه خاصية لن تنتهي أبداً، فإن رأيت منكراً فلابد من خلية خير تنكره وتقول: لا، وإذا كان الحق قد جعل محمداً خاتم الرسل، فذلك شهادة لأمته أنها أصبحت مأمونة، وأن المناعة الذاتية فيها لا تمتنع وتنقطع، وكذلك لا تمتنع منها أبداً المناعة الاجتماعية فلن يأتي رسول بعد سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق بعد ذلك: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ...}