Verse. 958 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَكَمْ مِّنْ قَرْيَۃٍ اَہْلَكْنٰہَا فَجَاۗءَہَا بَاْسُـنَا بَيَاتًا اَوْ ہُمْ قَاۗىِٕلُوْنَ۝۴
Wakam min qaryatin ahlaknaha fajaaha basuna bayatan aw hum qailoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وكم» خبرية مفعول «من قرية» أريد أهلها «أهلكناها» أردنا إهلاكها «فجاءها بأسنا» عذابا «بياتا» ليلا «أو هم قائلون» نائمون بالظهيرة والقيلولة استراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم أي مرة جاءها ليلا ومرَّة جاءها نهارا.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بالإنذار والتبليغ، وأمر القوم بالقبول والمتابعة ذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة والإعراض عنها من الوعيد، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: موضع كم رفع بالابتداء وخبره أهلكناها. قال: وهو أحسن من أن يكون في موضع نصب لأن قولك زيد ضربته أجود من قولك زيداً ضربته، والنصب جيد عربي أيضاً كقوله تعالى: {أية : إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ } تفسير : [القمر: 49]. المسألة الثانية: قيل: في الآية محذوف والتقدير: وكم من أهل قرية ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله: {فَجَاءهَا بَأْسُنَا } والبأس لا يليق إلا بالأهل. وثانيها: قوله: {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } فعاد الضمير إلى أهل القرية. وثالثها: أن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بإهلاكهم. ورابعها: أن معنى البيات والقائلة لا يصح إلا فيهم. فإن قيل: فلماذا قال أهلكناها؟ أجابوا بأنه تعالى رد الكلام على اللفظ دون المعنى كقوله تعالى: {أية : وَكَأِيّن مّن قَرْيَةٍ عَتَتْ } تفسير : [الطلاق: 8] فرده على اللفظ. ثم قال: {أية : أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ } تفسير : [الطلاق: 10] فرده على المعنى دون اللفظ، ولهذا السبب قال الزجاج: ولو قال فجاءهم بأسنا لكان صواباً، وقال بعضهم: لا محذوف في الآية والمراد إهلاك نفس القرية لأن في إهلاكها بهدم أو خسف أو غيرهما إهلاك من فيها، ولأن على هذا التقدير يكون قوله: {فَجَاءهَا بَأْسُنَا } محمولاً على ظاهره ولا حاجة فيه إلى التأويل. المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: قوله: {وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا } يقتضي أن يكون الإهلاك متقدماً على مجيء البأس وليس الأمر كذلك، فإنّ مجيء البأس مقدم على الإهلاك والعلماء أجابوا عن هذا السؤال من وجوه: الأول: المراد بقوله: {أَهْلَكْنَـٰهَا } أي حكمنا بهلاكها فجاءها بأسنا. وثانيها: كم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كقوله تعالى: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فغسلوا وجوهكم }تفسير : [المائدة: 6] وثالثها: أنه لو قال وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا لم يكن السؤال وارداً فكذا ههنا لأنه تعالى عبر عن ذلك الإهلاك بلفظ البأس. فإن قالوا: السؤال باق، لأن الفاء في قوله: {فَجَاءهَا بَأْسُنَا } فاء التعقيب، وهو يوجب المغايرة. فنقول: الفاء قد تجيء بمعنى التفسير كقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه» تفسير : فالفاء في قوله فيغسل للتفسير، لأن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه. فكذلك ههنا البأس جار مجرى التفسير، لذلك الإهلاك، لأن الإهلاك، قد يكون بالموت المعتاد، وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم، فكان ذكر البأس تفسيراً لذلك الإهلاك. الرابع: قال الفراء: لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معاً كما يقال: أعطيتني فأحسنت، وما كان الإحسان بعد الإعطاء / ولا قبله، وإنما وقعا معاً فكذا ههنا، وقوله: {بَيَاتًا } قال الفراء يقال: بات الرجل يبيت بيتاً، وربما قالوا بياتاً قالوا: وسمي البيت لأنه يبات فيه. قال صاحب «الكشاف»: قوله: {بَيَاتًا } مصدر واقع موقع الحال بمعنى بائتين وقوله: {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } فيه بحثان: البحث الأول: أنه حال معطوفة على قوله: {بَيَاتًا } كأنه قيل: فجاءها بأسنا بائتين أو قائلين. قال الفراء: وفيه واو مضمرة، والمعنى: أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أو وهم قائلون، إلا أنهم استثقلوا الجمع بين حرفي العطف، ولو قيل: كان صواباً، وقال الزجاج: أنه ليس بصواب لأن واو الحال قريبة من واو العطف، فالجمع بينهما يوجب الجمع بين المثلين وأنه لا يجوز، ولو قلت: جاءني زيد راجلاً وهو فارس لم يحتج فيه إلى واو العطف. البحث الثاني: كلمة «أو» دخلت ههنا بمعنى أنهم جاءهم بأسنا مرة ليلاً ومرة نهاراً، وفي القيلولة قولان: قال الليث: القيلولة نومة نصف النهار. وقال الأزهري: القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن مع ذلك نوم، والدليل عليه: أن الجنة لا نوم فيها والله تعالى يقول: {أية : أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } تفسير : [الفرقان: 24] ومعنى الآية أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له، إما ليلاً وهم نائمون، أو نهاراً وهم قائلون، والمقصود: أنهم جاءهم العذاب على حين غفلة منهم من غير تقدم أمارة تدلهم على نزول ذلك العذاب، فكأنه قيل: للكفار لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة والفراغ، فإن عذاب الله إذا وقع، وقع دفعة من غير سبق أمارة فلا تغتروا بأحوالكم. ثم قال تعالى: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ } قال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الادعاء، ومقام الدعاء. حكى سيبويه: اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين، ودعوى المسلمين. قال ابن عباس: فما كان تضرعهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين فأقروا على أنفسهم بالشرك. قال ابن الأنباري: فما كان قولهم إذ جاءهم بأسنا إلا الاعتراف بالظلم والإقرار بالإساءة وقوله: {إِلاَّ أَن قَالُواْ } الاختيار عند النحويين أن يكون موضع أن رفعاً بكان ويكون قوله: {دَعْوَاهُمْ } نصباً كقوله: {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ } تفسير : [النمل: 56] وقوله: {أية : فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ } تفسير : [الحشر: 17] وقوله: {أية : مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن } تفسير : [الجاثية: 25] قال ويجوز أن يكون أيضاً على الضد من هذا بأن يكون الدعوى رفعاً، و{أن قالوا} نصباً كقوله تعالى: {أية : لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ } تفسير : [البقرة: 177] على قراءة من رفع البر، والأصل في هذا الباب أنه إذا حصل بعد كلمة كان معرفتان فأنت بالخيار في رفع أيهما شئت، وفي نصب الآخر كقولك كان زيد أخاك وإن شئت كان زيداً أخوك. قال الزجاج: إلا أن الاختيار إذا جعلنا قوله: {دَعْوَاهُمْ } في موضع رفع أن يقول: {فَمَا كَانْ دَعْوَاهُمْ } فلما قال: كان دل على أن الدعوى في موضع نصب، ويمكن أن يجاب عنه بأنه يجوز تذكير الدعوى، وإن كانت رفعاً فتقول: كان دعواه باطلاً، وباطلة، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} «كم» للتكثير؛ كما أن «رُبَّ» للتقليل. وهي في موضع رفع بالابتداء، و«أهلكنا» الخبر. أي وكثير من القرى ـ وهي مواضع اجتماع الناس ـ أهلكناها. ويجوز النصب بإضمار فعل بعدها، ولا يقدّر قبلها؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. ويقوّي الأوّل قوله: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ}تفسير : [الإسراء: 17]. ولولا اشتغال «أَهْلَكْنَا» بالضمير لانتصب به موضع «كم». ويجوز أن يكون «أَهْلَكْنَا» صفة للقرية، و«كم» في المعنى هي القرية؛ فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت كم. يدل على ذلك قوله تعالى: {أية : وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً}تفسير : [النجم: 26] فعاد الضمير على «كم» على المعنى؛ إذ كانت الملائكة في المعنى. فلا يصح على هذا التقدير أن يكون «كم» في موضع نصب بإضمار فعل بعدها. {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا} فيه إشكال للعطف بالفاء. فقال الفرّاء: الفاء بمعنى الواو، فلا يلزم الترتيب. وقيل: أي وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا؛ كقوله: {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ}تفسير : . [النحل: 98]. وقيل: إن الهلاك واقع ببعض القوم؛ فيكون التقدير: وكم من قرية أهلكنا بعضها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع. وقيل: المعنى وكم من قرية أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا. وقيل: أهلكناها بإرسالنا ملائكة العذاب إليها، فجاءها بأسنا وهو الاستئصال. والبأس: العذاب الآتي على النفس. وقيل: المعنى أهلكناها فكان إهلاكنا إياهم في وقت كذا؛ فمجيء البأس على هذا هو الإهلاك. وقيل: البأس غير الإهلاك؛ كما ذكرنا. وحكى الفرّاء أيضاً أنه إذا كان معنى الفعلين واحداً أو كالواحد قدّمت أيهما شئت؛ فيكون المعنى وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها؛ مثل دَنَا فقَرُب، وقَرُب فدنا، وشتمني فأساء، وأساء فشتمني؛ لأن الإساءة والشتم شيء واحد. وكذلك قوله: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ}تفسير : [القمر: 1]. المعنى ـ والله أعلم ـ ٱنشق القمر فاقتربت الساعة. والمعنى واحد. {بَيَاتاً} أي ليلاً؛ ومنه البيت، لأنه يبات فيه. يقال: بات يبِيت بيتاً وبياتاً. {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} أي أو وهم قائلون، فاستثقلوا فحذفوا الواو؛ قاله الفرّاء. وقال الزجاج: هذا خطأ، إذا عاد الذكرُ ٱستُغْنِي عن الواو، تقول: جاءني زيد راكباً أو هو ماش، ولا يحتاج إلى الواو. قال المهدويّ: ولم يقل بياتاً أو وهم قائلون لأن في الجملة ضميراً يرجع إلى الأوّل فٱستغنى عن الواو. وهو معنى قول الزجاج سواء، وليس أو للشك بل للتفصيل؛ كقولك: لأكرِمنّك منصفاً لي أو ظالماً. وهذه الواو تسمى عند النحويين واو الوقت. و«قَائِلُونَ» من القائلة وهي القيْلُولة؛ وهي نوم نصف النهار. وقيل: الاستراحة نصفَ النهار إذا اشتدّ الحرّ وإن لم يكن معها نوم. والمعنى: جاءهم عذابنا وهم غافلون إمّا ليلاً وإمّا نهاراً. والدعوى الدعاء؛ ومنه قوله: {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ} تفسير : [يونس: 10]. وحكى النحويون: اللهم أشركنا في صالح دعوى من دعاك. وقد تكون الدّعوى بمعنى الادّعاء. والمعنى: أنهم لم يخلصوا عند الإهلاك إلا على الإقرار بأنهم كانوا ظالمين. و{دَعْوَاهُمْ} في موضع نصب خبر كان، وٱسمها {إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ}. نظيره {أية : فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ}تفسير : [العنكبوت: 29] ويجوز أن تكون الدعوى رفعاً، و«أَنْ قَالُوا» نصباً؛ كقوله تعالى: {أية : لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ}تفسير : [البقرة: 177] برفع «البر» وقوله: {أية : ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ}تفسير : [البقرة: 10] برفع «عاقبة».

البيضاوي

تفسير : {وَكَم مّن قَرْيَةٍ} وكثيراً من القرى. {أَهْلَكْنَـٰهَا} أردنا إهلاك أهلها، أو أهلكناها بالخذلان. {فَجَاءهَا} فجاء أهلها. {بَأْسُنَا} عذابنا. {بَيَاتًا} بائتين كقوم لوط، مصدر وقع موقع الحال. {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} عطف عليه أي: قائلين نصف النهار كقوم شعيب، وإنما حذفت واو الحال استثقالاً لاجتماع حرفي العطف، فإنها واو عطف استعيرت للوصل لا اكتفاء بالضمير فإنه غير فصيح. وفي التعبيرين مبالغة في غفلتهم وأمنهم من العذاب، ولذلك خص الوقتين ولأنهما وقت دعة واستراحة فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا} أي: بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خزي الدنيا موصولاً بذل الآخرة؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} تفسير : [الأنعام: 10]، وكقوله: {أية : فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} تفسير : [الحج: 45]، وقال تعالى: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَـٰكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَٰرِثِينَ } تفسير : [القصص: 58]، وقوله: {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} أي: فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته بياتاً، أي: ليلاً، أو هم قائلون؛ من القيلولة، وهي الاستراحة وسط النهار، وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو، كما قال: {أية : أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ } تفسير : [الأعراف: 97-98] وقال: {أية : أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [النحل: 45-47]. وقوله: { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلاَ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} أي: فما كان قولهم عند مجيء العذاب، إلا أن اعترفوا بذنوبهم، وأنهم حقيقون بهذا؛ كقوله تعالى: {أية : وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَـٰلِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَـٰكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيداً خَـٰمِدِينَ } تفسير : [الأنبياء: 11-15] قال ابن جرير: في هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: «حديث : ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم»تفسير : ، حدثنا بذلك ابن حميد، حدثنا جرير عن أبي سنان، عن عبد الملك بن ميسرة الزراد، قال: قال عبد الله بن مسعود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم»تفسير : ، قال: قلت لعبد الملك: كيف يكون ذاك؟ قال: فقرأ هذه الآية: { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلاَ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ}. وقوله: {فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} الآية؛ كقوله: {أية : وَيَوْمَ يُنَـٰدِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [القصص: 65] وقوله: {أية : يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [المائدة: 109] فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضاً عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: { فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} قال: يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسلين عما بلغوا. وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا أبو سعيد الكندي، حدثنا المحاربي عن ليث عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام يسأل عن رعيته، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده» تفسير : قال الليث: وحدثني ابن طاوس مثله، ثم قرأ: {فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ} وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة، وقال ابن عباس في قوله: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} يوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما كانوا يعملون، {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} يعني: أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا، وبما عملوا؛ من قليل وكثير، وجليل وحقير؛ لأنه تعالى الشهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يغفل عن شيء، بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 95].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَكَمْ } خبرية مفعول {مِّن قَرْيَةٍ } أُرِيد أهلها {أَهْلَكْنَٰهَا } أردنا إهلاكها {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا } عذابنا {بـَٰيَاتًا } ليلاً {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } نائمون بالظهيرة، و(القيلولة): استراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم، أي مرّة جاءها ليلاً، ومرَّة نهاراً.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} الآية، هذا إخبار من الله تعالى عن حال من أهلكه بكفر تحذيراً للمخاطبين به عن مثله، وقوله: {وَكَم} هي كلمة توضع للتكثير، "ورُب" موضوعة للتقليل، وذلك هو الفرق بين كم ورب. قال الفرزدق: شعر : كم عمة لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت على عشاري تفسير : فدل ذلك على تكثير العمات والخالات: وفي قوله: {أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتَاً} وإنما الهلاك بعد مجيء البأس أربعة أوجه: أحدها: معناه أهلكناها حكماً فجاءها بأسنا فعلاً. والثاني: أهلكناها بإرسال الملائكة إليها بالعذاب فجاءها بأسنا بوقوع العذاب لهم. والثالث: أهلكناها بخذلاننا لها عن الطاعة فجاءها بأسنا عقوبة على المعصية. والرابع: أن البأس والهلاك وقعا معاً في حال واحدة، لأن الهلاك كان بوقوع البأس فلم يفترقا، وليس دخول الفاء بينهما موجبة لافتراقهما بل قد تكون بمعنى الواو كما يقال أعطيت وأحسنت، فكان الإحسان بالعطاء ولم يكن بعد العطاء، قاله الفراء. وقوله: {بَيَانَاً} يعني في نوم الليل. {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} يعني في نوم النهار وقت القائلة. فإن قيل: فلم جاءهم بالعذاب في وقت النوم دون اليقظة؟ قيل: لأمرين: أحدهما: لأن العذاب في وقت الراحة أشد وأغلظ. والثاني: لئلا يتحرزوا منه ويهربوا عنه، لاستسلام النائم وتحرز المستيقظ، والبأس: شدة العذاب، والبؤس: شدة الفقر. قوله عز وجل: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْْأَلَنَّ الْمُرسَلِينَ} فيه وجهان: أحدهما: لنسألن الذين أرسل إليهم عن قبول الرسالة والقيام بشروطها، ولنسألن المرسلين عن أداء الرسالة والأمانة فيها. والثاني: لنسألن الذين أرسل إليهم عن حفظ حرمان الرسل، ولنسألن المرسلين عن الشفقة على الأمم.

ابن عطية

تفسير : {كم} في موضع رفع بالابتداء والخبر {أهلكناها}، ويصح أن يكون الخبر في قوله {فجاءها} و {أهلكناها} صفة، ويصح أن تكون في موضع نصب بفعل مقدر بعدها تقديره وكم أهلكنا من قرية أهلكناها، وقدر الفعل بعدها - وهي خبرية - تشبيهاً لها بالاستفهامية في أن لها في كل حال صدر الكلام، وقالت فرقة المراد وكم من أهل قرية وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقام المضاف، وقالت فرقة إنما عبر بالقرية لأنها أعظم في العقوبة إذا هلك البشر وقريتهم، وقد بين في آخر الآية بقوله {أوهم} أن البشر داخلون في الهلاك، فالآية على هذا التأويل تتضمن هلاك القرية وأهلها جميعاً، وعلى التأويل الأول تتضمن هلاك الأهل ولا معنى لذكر القرية، والمراد بالآية التكثير، وقرأ ابن أبي عبلة: "وكم من قرية أهلكناهم فجاءهم بأسنا". وقوله {فجاءها} يقتضي ظاهره أن المجيء بعد الإهلاك، وذلك مستحيل فلم يبق إلا أن يعدل على ظاهر هذا التعقيب فقيل الفاء قد تجيء بمنزلة الواو ولا تعطى رتبة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وقيل عبر عن إرادة الإهلاك بالإهلاك، قال مكي في المشكل: مثل قوله {أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ} تفسير : [النحل:98]. قال القاضي أبو محمد: وهذا يحتج به في تأويل من قال الفاء في هذه الآية لتعقيب القول، وقيل المعنى "أهلكناها" بالخذلان وقلة التوفيق فجاءها بأسنا بعد ذلك، وقال الفراء وحكاه الطبري أن الإهلاك هو مجيء البأس ومجيء البأس هو الإهلاك فلما تلازما لم يبال أيهما قدم في الرتبة، وقيل إن الفاء لترتيب القول فقط فكأنه أخبر عن قرى كثيرة أنه أهلكها ثم قال فكان من أمرها مجيء البأس. و {بياناً} نصب على المصدر في موضع الحال، و {قائلون} من القائلة، وإنما خص وقتي الدعة والسكون لأن مجيء العذاب فيهما أفظع وأهول لما فيه من البغت والفجأة، و {أو} في هذا الموضع كما تقول: الناس في فلان صنفان حامد أو ذام، فكأنه قال جاءهم بأسنا فرقتين بائتين أو قائلين، وهذا هو الذي يسمى اللف، وهو إجمال في اللفظ يفرقه ذهن المخاطب دون كلفة، والبأس: العذاب، وقيل: المراد أو وهم قائلون فكره اجتماع حرفي العطف فحذفت الواو وهذا تكلف لأن معنى اللف باق. وقوله تعالى: {فما كان دعواهم} الآية، تبين في هذه الآية غاية البيان أن المراد في الآية قبلها أهل القرى، والدعوى في كلام العرب لمعنيين، أحدهما الدعاء قال الخليل: تقول اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين ومنه قول عز وجل: {أية : فما زالت تلك دعواهم} تفسير : [الأنبياء:15]. ومنه قول الشاعر [الطويل] شعر : وإن مَذِلَتْ رجلي دعوتك أشتفي بدعواك من مذل بها فيهونُ تفسير : والثاني الادعاء، فقال الطبري: هي في هذا الموضع بمعنى الدعاء. قال القاضي أبو محمد: ويتوجه أن يكون أيضاً بمعنى الادعاء، لأن من ناله مكروه أو حزبه حادث فمن شأنه أن يدعو كما ذهب إليه المفسرون في فعل هؤلاء المذكورين في هذه الآية، ومن شأنه أيضاً أن يدعي معاذير وأشياء تحسن حاله وتقيم حجته في زعمه، فيتجه أن يكون هؤلاء بحال من يدعي معاذير ونحوها، فأخبر الله عنهم أنهم لم تكن لهم دعوى ثم استثنى من غير الأول، كأنه قال لم يكن دعاء أو ادعاء إلا الإقرار والاعتراف، أي هذا كان بدل الدعاء أو الادعاء، وتحتمل الآية أن يكون المعنى فما آلت دعواهم التي كانت في حال كفرهم إلا إلى اعتراف، ونحو من الآية قول الشاعر: [الفرزدق] شعر : وقد شهدت قيس فما كان نصرها قتيبة إلا عضها بالأباهم تفسير : واعترافهم وقولهم {إنا كنا ظالمين} هو في المدة بين ظهور العذاب إلى إتيانه على أنفسهم، وفي ذلك مهلة بحسب نوع العذاب تتسع لهذه المقالة وغيرها، وروى ابن مسعود عن النبي عليه السلام أنه قال "حديث : ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم"تفسير : . وفسر عبد الملك بن ميسرة هذا الحديث بهذه الآية. و {دعواهم} خبر كان، واسمها {إلا أن قالوا} وقيل بالعكس. وقوله تعالى: {فلنسئلن الذين أرسل إليهم} الآية وعيد من الله عز وجل لجميع العالم، أخبر أنه يسأل الأمم أجمع عما بلغ إليهم عنه وعن جميع أعمالهم ويسأل النبيين عما بلغوا. قال القاضي أبو محمد: وقد نفي السؤال في آيات وذلك هو سؤال الاستفهام الحقيقي وقد أثبت في آيات كهذه الآية وهذا هو سؤال التقرير، فإن الله قد أحاط علماً بكل ذلك قبل السؤال فأما الأنبياء والمؤمنون فيعقبهم جوابهم رحمة وكرامة، وأما الكفار ومن نفذ عليه الوعيد من العصاة فيعقبهم جوابهم عذاباً وتوبيخاً، فمن أنكر منهم قص عليه بعلم، وقرأ ابن مسعود ابن عباس "فلنسألن الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا ولنسألن المرسلين". وقوله تعالى: {فلنقصن} أي فلنسردن عليهم أعمالهم قصة قصة، {بعلم} أي بحقيقة ويقين، قال ابن عباس: يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون. قال القاضي أبو محمد: يشبه أن يكون الكلام هنا استعارة إذ كل شيء فيه مقيد، {وما كنا غائبين} أي ما كنا من لا يعلم جميع تصرفاتهم كالغائب عن الشيء الذي لا يعرف له حالاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَهْلَكْنَاهَا} حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا، أو أهلكناها بإرسال ملائكة العذاب إليها فجاءها بأسنا بوقوع العذاب بهم، أو أهلكناها بالخذلان عن الطاعة فجاءتهم العقوبة، أو وقوع الهلاك والبأس معاً فتكون الفاء بمعنى "الواو" كقوله: "أعطيت فأحسنت" وكان الإحسان مع العطاء لا بعده. البَأس: شدة العذاب، والبُؤْس: شدة الفقر. {بَيَاتاً} في نوم الليل. {قَآئِلُونَ} نوم النهار ووقت القائلة لأن وقوع العذاب في وقت الراحة أفظع.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} قالت فرقة: المراد وكم من أَهْلِ قرية. وقالت فرقة: اللفظ يَتَضَمَّنُ هَلاَكَ القرية وأهلها، وهو أعظم في العُقُوبَةِ، و«الفاء» في قوله سُبْحَانَهُ: {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا} لترتيب القَوْلِ فقط. وقيل: المعنى أَهْلَكْنَاهَا بالخذلان، وعدم التوفيق، فجاءها بَأْسُنَا بعد ذَلِكَ و{بَيَٰتاً}، نصب على المصدر في مَوْضِعٍ الحال، و{قَائِلُونَ} من القائلة، وإنما خَصَّ وَقْتَيِ الدَّعَةِ والسكون؛ لأن مجيء العَذَابِ فيهما أَفْظَعُ وأَهْوَلُ؛ لما فيه من البَغْتَةِ والفَجْأَةِ. قال أبو حيان: أو للتفصيل، أي: جاء بعضهم بَأْسُنَا لَيْلاً، وبعضهم نَهَارَاً انتهى. وقوله عز وجل: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} هذه الآية يَتَبَيَّنُ منها أن ٱلمرَادَ في الآية قبلها أهل القُرَى، والدعوى في كلام العَرَبِ تأتي لمعنيين: أحدهما: الدعاء، ومنه قوله عَزَّ وَجَلَّ: { أية : فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ } تفسير : [الأنبياء: 15]. والثاني: الادِّعاءُ، وهذه الآية تَحْتَمِلُ المعنيين، ثم استثنى سُبْحَانَهُ من غير الأول كأنه قال: لم يكن منهم دُعَاءٌ أو ادِّعَاءٌ إِلاَّ الإقرار، والاعتراف، أي: هذا كان بَدَلَ الدعاء، والادعاء، واعترافهم. وقولهم: {إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ} هو في المُدَّةِ التي ما بين ظُهُورِ العَذَابِ إلى إتيانه على أنفسهم، وفي ذلك مُهْلَةٌ بحسب نَوْعِ العذاب تَتَّسِعُ لهذه المَقَالَةِ، وغيرها. وروى ابن مَسْعُودٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ما هَلَكَ قَوْمٌ حتى يعذروا من أنفسهم".

ابن عادل

تفسير : لمَا أُمر الرَّسولُ بالإنذار والتَّبليغ وأمر القَوْمُ بالقبُول والمتابعة ذكر في هذه الآية ما في ترك المتابعة والإعراض عنها من الوعيد. وفي "كَمْ" وجهان: أحدهما: أنَّهَا في موضعِ رفع بالابتداء، والخبرُ الجُمْلَة بعدها، و "مِنْ قَرْيَةٍ" تمييزٌ، والضمير في "أهْلَكْنَاهَا" عائد على معنى "كَمْ"، وهي هنا خبرية للتَّكْثيرِ، والتَّقدير: وكثير من القرى أهْلَكْنَاهَا. قال الزَّجَّاجُ: و "كَمْ" في موضع رَفْع بالابتداءِ أحسن من أن تكون في موضع نَصْبٍ؛ لأن قولك: "زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ" أجود من قولك: "زَيْداً ضربتُهُ" بالنَّصْب، والنَّصْبُ جيِّدٌ عربيٌّ أيضاً لقوله تعالى: {أية : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} تفسير : [القمر: 49]، ونقل أبُو البقاءِ عن بعضهم أنه جعل "أهْلَكْنَاهَا" صفة لـ "قرية"، والخبر قوله: "فَجَاءَها بَأسُنَا" قال: وهو سَهْوٌ؛ لأن "الفَاءَ" تمنع من ذلك. قال شهابُ الدِّين: ولو ادَّعى مدَّعٍ زيادَتَها على مذهب الأخفش لم تُقبل دَعْوَاهُ؛ لأن الأخفش إنَّمَا يَزِيدُهَا عند الاحتياج إلى زيادتها. الثاني: أنَّهَا في موضع نَصْبٍ على الاشتغال بإضمار فعل يفسِّره ما بعده، ويقدَّرُ الفِعْلُ متأخِّراً عن "كم"؛ لأن لها صدر الكلام، والتَّقديرُ: وكم من قريةٍ أهلكناها [أهلكناها]، وإنَّمَا كان لها صدر الكلامِ لوَجْهَيْنِ: أحدهما: مضارعتها لـ "كم" الاستفهامية. والثاني: أنَّهَا نقيضة "رُبَّ"؛ لأنها للتكثير و "رُبَّ" للتَّقْلِيلِ فحُمل النقيضُ على نَقِيضِهِ كما يحملون النظير على نظيره، ولا بد من حَذْفِ مُضافٍ في الكلام لقوله تعالى: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} فاضطرَرْنَا إلى تَقْدير محذوفٍ؛ لأن البَأسَ لا يليق بالأهْلِ، ولقوله: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} فعاد الضمير إلى أهل القرية، وأيضاً فلأن التَّحْذِيرَ لا يقع إلاَّ للمُكَلَّفينَ، وأيضاً والقَائِلَةُ لا تَلِيقُ إلاَّ بالأهْلِ. ثم منهم مَنْ قدَّره قبل قرية أي: كم من أهْلِ قَريةٍ، ومنهم مَنْ قدَّرَهُ قبل "ها" في أهلكنَاهَا أي: أهْلَكْنَا أهلها، وهذا ليس بِشَيءٍ؛ لأن التَّقاديرَ إنَّمَا تكُونُ لأجل الحَاجَةِ، والحاجةُ لا تَدْعُو إلى تَقْديرِ هذا المُضَافِ في هَذَيْنِ الموضِعَيْنِ المذكُوريْنِ؛ لأن إهلاكَ القرْيَة يمكنُ أن يقعَ عليها نَفْسِهَا، فإن القُرى قد تُهْلَكُ بالخَسْفِ والهَدْمِ والحريقِ والغَرَقِ ونحوه، وإنما يحتاج إلى ذلك عند قوله: "فَجَاءَهَا" لأجل عَوْدِ الضَّمير من قوله: "هُمْ قَائِلُونَ" عليه، فيقدَّرُ: وكم من قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءَ أهلها بأسنا. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: فإن قلت: هل يقدَّرُ المُضَافُ الذي هو الأهل قبل القَرْيَةِ، أو قَبْلَ الضَّمير في "أهلكْنَاهَا". قلتُ: إنَّمَا يُقدَّرُ المُضَافُ للحاجَةِ، ولا حَاجَةَ فإن القريَةَ تَهْلَكُ، كما يَهْلَكُ أهلها وإنَّما قَدَّرْنَاهُ قبل الضمير في "فَجَاءَهَا" لقوله: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} وَظَاهِر الآية: أنَّ مجيءَ البَأسِ بعد الإهلاكِ وعقيبه؛ لأنَّ الفاءَ تعطي ذلك لكن الواقعَ إنما هو مجيءُ البَأسِ، وبعدَهُ يقعُ الإهلاك. فمن النُّحَاةِ من قال: الفاء تأتي بمعنى "الوَاوِ" فلا ترتب، وجعل من ذلك هذه الآيةَ، وهو ضَعِيفٌ، والجمهور أجَابُوا عن ذلك بوجهين: أحدهما: أنَّهُ على حذف الإرادة أي: أرَدْنَا إهلاكها كقوله: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى &# 1649;لصَّلاةِ} تفسير : [المائدة:6]، {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [النحل: 98]، "إذَا دَخَل أحَدُكُمُ الخَلاء فَلْيُسَمِّ [اللَّهَ]"، وقيل: حكمنا بِهَلاكِهَا. الثاني: أنَّ معنى "أهْلَكْنَاهَا" أي: خذلناهُم ولم نوفقهم فنشأ عن ذلك هَلاَكُهُم، فعبر بالمسَّبب عن سَبَبِهِ وهو بابٌ واسع. وثَمَّ أجوبة ضعيفة؛ منها: أنَّ الفاء هاهنا تفسيرية نحو: "تَوَضَّأ فغسل وجهه ثم يديه" فليست للتعقيب ومنها أنَّها للتَّرتيب في القَوْلِ فقط كما أخبر عن قرى كثيرة أنَّها أهلكها [ثم] قال: فكان من أمرها مجيء البأس ومنها ما قاله الفرَّاءُ، وهو: أن الإهلاكَ هو مجيء البَأسِ، ومجيءُ البأسِ هو الإهلاكُ، فلما كانا مُتلازِمَيْنِ لم يبال بأيِّهما قدَّمت في الرتبة، كقولك: "شتمني فأساء"، وأساءَ فَشَتَمَنِي، فالإساءَةُ والشَّتْمْ شيءٌ واحدٌ، فهذه ستَّةُ أقوال. واعلم أنَّه إذا حُذِفَ مُضافٌ، وأقيم المضافُ إليه مقامَهُ جاز لك اعتباران: أحدهما: الالتفاتُ إلى ذَلِكَ المحذوفِ. والثاني - وهو الأكْثَرُ - عَدمُ الالتفاتِ إليه، وقد جُمع الأمرانِ هنا، فإنَّهُ لم يُراعِ المحذوفَ في قوله: "أهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا" وراعاهُ في قوله: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ}، هذا إذا قدَّرْنَا الحذفَ قبل "قَرْيَةٍ"، أمَّا إذا قَدَّرْنَا الحذف قبل ضمير "فَجَاءَهَا" فإنَّهُ لم يراعِ إلاَّ المحذوفَ فقط وهو غيرُ الأكْثَرِ. قوله: "بَيَاتاً" فيه ثلاثةُ أوْجُهٍ: أحدها: [أنَّهُ] منصوب على الحال وهو في الأصل مصدر، يقال: بَاتَ يَبِيتُ بيْتاً وبيتة وبَيَاتاً وبَيْتُوتَةً. قال اللَّيْثُ: "البَيْتُوتَةُ": "دخولُكَ في اللَّيْلِ" فقوله: "بَيَاتاً" أي: بَائِتينَ وجوَّزوا أن يكون مفعولاً لهُ، وأنْ يكونَ في حكم الظَّرْفِ. وقال الوَاحِديُّ: قوله: "بَيَاتاً" أي: ليلاً وظاهرُ هذه العِبَارة أنْ تكون ظَرْفاً، لولا أن يُقَالَ: أراد تَفْسِير المعنى. قال الفرَّاءُ: يقالُ: بات الرَّجُلُ يَبيتُ بَيْتاً، وربَّمَا قالوا: بَيَاتاً، وقالوا: سُمِّيَ البيتُ بَيْتاً؛ لأنَّهُ يُبَاتُ فيه. قوله: {أَوْ هُمْ قَآئِلُون} هذه الجملةُ في محلِّ نصب نَسَقاً على الحال، و "أو" هنا للتَّنْوِيع لا لِشَيءٍ آخر كأنَّهُ قيل: آتاهُ بأسُنَا تارةً لَيْلاً كقوم لوطٍ، وتَارَةً وَقْتَ القَيْلُولَةِ كقوم شُعَيْبٍ. وهل يحتَاجُ إلى تَقْديرِ واوِ حالٍ قَبْلَ هذه الجُمْلَةَ أم لا؟ خلافٌ بين النَّحْوِيِّينَ. قال الزمخشريُّ: "فإن قُلْتَ: لا يُقَالُ: جاءَ زيدٌ هو فارسٌ" بغيرِ واوٍ فما بالُ قوله تعالى: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ}؟ قلتُ: قدَّر بعض النَّحويين الواو محذوفَةً، وردَّهُ الزَّجَّاج وقال: لو قلتَ: جاءني زيدٌ رَاجِلاً، أو هو فارس، أو جاءني زيد هو فارس لم يحتج إلى "واو"؛ لأن الذِّكر قد عاد على الأوَّل. والصَّحِيحُ أنَّها إذا عُطفَتْ على حالٍ قبلها حذفت الواو استثقالاً؛ لاجتماع حرفي عطف؛ لأن واو الحال [هي] واو العطف استُعِيرَتُ للوصل، فقولك: "جاء زَيدٌ راجلاً أو هو فارس" كلامٌ فصيح وارد على حدِّه، وأمَّا "جاءني زَيْدٌ هو فارس" فخبيث. قال أبو حيَّان: أما [بعضُ النَّحويين الذي أبهمه] الزمخشريُّ فهو الفرَّاءُ، وأما قول الزَّجَّاج: كلا التمثيلين لم يحتج فيه إلى الواو؛ لأن الذِّكر قد عاد على الأوَّلِ ففيه إبْهَامٌ وتعيينه أنَّهُ يمتنعُ دخولها في المثالِ الأوَّلِ [ويجوز في المثال] الثاني؛ فليس انتفاءُ الاحتياجِ على حدٍّ سواء؛ لأنه في الأوَّل لامتناع الدُّخُولِ، وفي الثاني لكثرتِهِ لا لامتناعه. قال شهابُ الدِّين: أمَّ امتناعُهَا في المثالِ الأوَّلِ؛ فلأن النَّحْويين نَصُّوا على أنَّ الجملة الحاليَّة إذا دَخَلَ عليها حرفُ عطفٍ امتنع دخولُ واوِ الحالِ عليها، والعلَّةُ فيه المشَابَهَةُ اللَّفظيَّةُ؛ ولأن واو الحال في الأصل عاطفةٌ، ثم قال أبُو حيَّان. وأمَّا قولُ الزمخشريِّ فالصَّحيحُ إلى آخره، فتعليلُهُ ليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ واوَ الحال ليست بحرف عَطْفِ فيلزم من ذكرها اجتماعُ حَرْفَي عَطْفٍ؛ لأنَّها لو كانت حرف عطفٍ للزم أن يكونَ ما قَبْلَهَا حالاً، حتى يعطف حالاً على حالٍ، فمجيئها فيما لا يمكن أن يكُونَ حالاً دليل على أنَّهَا ليست واو عَطْفٍ، ولا لُحظ فيها معنى واوِ عَطْفٍ تقُولُ: "جاء زيدٌ، والشمسُ طالِعَةٌ" فجاءَ زَيْدٌ ليس بحالٍ فيعطف عليها جُمْلَة حالٍ، وإنَّمَا هذه الواوُ مغايرة لواو العَطْفِ بكل حالٍ، وهي قسمٌ من أقسام الواو كما تأتي للقسم، وليستْ فيه للعَطْفِ كما إذا قلت: "واللَّه لَيَخْرُجَنَّ". قال شهابُ الدِّين: أبُو القَاسِم لم يدَّعِ في واو الحال أنَّها عاطفة، بل يدَّعِي أنَّ أصلها العَطْفُ، ويدلُّ على ذلك قوله: استُعِيرَتْ للوصول، فلو كانت عَاطِفَةً على حالِهَا لما قَالَ: اسْتُعِيرَتْ فَدَلَّ قوله ذلك على أنَّها خرجت عن العطف، واسْتُعْمِلَتْ لمعنى آخر لكنها أعطيت حكم أصلها في امْتِنَاعِ مجامَعَتِهَا لعاطفٍ آخر. وأمَّا تسمِيَتُهَا حرف عطف، فباعْتِبَارِ أصْلِهَا ونَظِيرُ ذلك أيضاً واو "مع" فإنَّهم نَصُّوا على أنَّ أصلها واوُ عَطْفٍ، ثمَّ استعملتْ في المعيَّةِ، فكذلك واوُ الحَالِ، لامتناعِ أن يكُونَ أصْلُهَا واوَ العطف. ثم قال أبُو حيَّان: وأمّا قوله "فَخَبِيثٌ" فليس بِخَبِيثٍ؛ وذلك أنَّهُ بَنَاهُ على أنَّ الجملة الحالِيَّة إذا كانت اسميَّةً، وفيها ضميرُ ذي الحَالِ فحذفُ الواوِ منها [شاذٌّ] وتبع في ذلك الفرَّاء، وليس بِشَاذٍّ بل هو كثيرٌ في النَّظْمِ والنَّثْرِ. قال شهابُ الدِّين: قد سبق أبا القاسم في تسمية هذه الواو حرف عَطْفٍ الفرَّاءُ، وأبُو بَكْرٍ بْنُ الأنْبَارِيِّ. قال الفرَّاءُ: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} فيه واو مُضْمَرَةٌ، المعنى: أهلكناها فَجَاءَهَا بَأسُنَا بَيَاتاً أو هم قائلون فاستثقلوا نسقاً على أثَرِ نَسَقٍ، ولو قيل لكَانَ صواباً. قلتُ: قد تقدَّم أنَّ الشَّيخَ نقل أنَّ الواوَ ممتنعةٌ في هذا المثال، ولم يَحكِ خِلافاً، وهذا قَوْلُ الفرَّاءِ: "ولو قيل لكان صواباً" مُصَرِّحُ بالخلاف له. وقال أبُو بَكْرٍ: أضْمِرَتْ واوُ الحالِ لوُضُوحِ معناها كما تَقُولُ العرب: "لقيتُ عَبْدَ الله مُسْرعاً، أو هو يَرْكُضُ" فَيَحْذِفُونَ الواوَ لأمْنِهمُ اللَّبس، لأن الذِّكْرَ قد عَادَ على صاحب الحال، ومن أجل أنَّ "أو" حرف عطف والواوُ كَذلِكَ، فاسْتَثْقَلُوا جمعاً بين حرفين من حروفِ العَطْفِ، فَحَذَفُوا الثَّانِي. قال شهابُ الدِّين: فهذا تَصْرِيحٌ من هذين الإمَامَيْنِ بما ذكره أبُو القَاسِم، وإنما ذكرتُ نص هذين الإمَامَيْنِ؛ لأعلم اطلاعه على أقوال النَّاسِ، وأنَّهُ لا يأتي بغير مُصْطَلحِ أهْلِ العلم كما يرميه به غير مرَّةٍ. و "قَائِلُونَ" من القَيْلُولَةِ. يقال: قَالَ يَقِيلُ [قَيْلُولَةً] فهو قَائِلٌ كـ "بائع" والقيلُولَةُ: الرَّاحَةُ والدعَةُ في الحرِّ وسط النهار، وإن لم يكن معها نَوْمٌ. وقال اللَّيث: هي نَوْمَةُ نِصْفِ النَّهَارِ. قال الأزْهَرِيُّ: " القيلولة: الرَّاحَةُ، وإن لم يكن فيها نَوْمٌ بدليل قوله تعالى: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} تفسير : [الفرقان: 24]، والجنَّةُ لا نَوْمَ فيها". قال شهابُ الدِّينِ: "ولا دليلَ فيما ذَكَرَ؛ لأن المقيل هنا خرج عن موضعه الأصْلِيِّ إلى مُجَرَّدِ الإقامة بدليل أنَّهُ لا يراد أيضاً الاستراحة في نِصْفِ النَّهَارِ في الحر فقد خَرَجَ عن موضوعه عندنا وعندكم إلى ما ذكرنا، والقَيْلُولَةُ مصدرٌ ومثلها: القَائِلَةُ والقيلُ والمَقِيلُ". فصل في المراد بالآية معنى الآية أنهم جَاءَهُم بَأسُنَا، وهم غير متوقِّعين له، إمَّا ليلاً وهم نَائِمُونَ، أو نهاراً وهم قَائِلُون، والمُرَادُ أنَّهُم جاءهم العذابُ على حين غَفْلَةٍ منهم، من غير تقدُّم أمارة تدلُّهم على نزول ذلك العذاب مكانه، قيل لِلْكُفَّارِ: لا تغتروا بأسباب الأمْنِ والرَّاحةَ، فإنَّ عذاب الله إذا وقع وقع دفعة من غير سبق أمارة.

ابو السعود

تفسير : {وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا} شروعٌ في إنذارهم بما جرى على الأمم الماضيةِ بسبب إعراضِهم عن اتباع دينِ الله تعالى وإصرارِهم على اتباع دينِ أوليائِهم، وكم خبريةٌ للتكثير في موضع رفعٍ على الابتداء كما في قولك: زيد ضربته، والخبرُ هو الجملةُ بعدها ومن قرية تميـيزٌ والضميرُ في أهلكناها راجعٌ إلى معنى كم أي كثيرٌ من القرى أهلكناها أو في موضع نصب بأهلكناها كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَـٰهُ بِقَدَرٍ }تفسير : [القمر، الآية 49] والمرادُ بإهلاكها إرادةُ إهلاكِها كما في قوله تعالى: {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ}تفسير : [المائدة، الآية 6] أي أردنا إهلاكَها {فَجَاءهَا} أي فجاء أهلَها {بَأْسُنَا} أي عذابُنا {بَيَاتًا} مصدر بمعنى الفاعل واقعٌ موقعَ الحال أي بائتين كقوم لوطٍ {أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} عطفٌ عليه أي وقائلين من القيلولة نصفَ النهار كقوم شعيب وإنما حُذفت الواو من الحال المعطوفةِ على أختها استثقالاً لاجتماع العاطفَين فإن واو الحال حرفُ عطفٍ قد استعيرت للوصل لا اكتفاءً بالضمير كما في جاءني زيد هو فارس فإنه غيرُ فصيح، وتخصيصُ الحالتين بالعذاب لما أن نزولَ المكروهِ عند الغفلة والدعَةِ أفظعُ وحكايتَه للسامعين أزجرُ وأردَعُ عن الاغترار بأسباب الأمن والراحةِ، ووصفُ الكلِّ بوصفي البـياتِ والقيلولة مع أن بعضَ المُهلَكين بمعزل منهما لا سيما القيلولةِ للإيذان بكمال غفلتِهم وأمنِهم.

القشيري

تفسير : يعني كم من قرية ركنوا إلى الغفلة، واغتروا بطول المهلة؛ باتوا في (خَفْضِ) الدعة وأصبحوا وقد صادقتهم البلايا بغتة، وأدركتهم القضيةُ فجأة، فلا بلاء كُشِف عنهم، ولا دعاءَ سُمِع لهم، ولا فرار نَفَعَهم، ولا صريخ أنقذهم. فما زالوا يفزعون إلى الابتهال، ويصيحون: الويل! ويدعون إلى كشف الضر، ويبكون من مسِّ السوء؟! بادوا وكأنه لا عين ولا أثر، ولا لأحدٍ منهم (خبر). تلك سُنَّة الله في الذين خَلَوْا من الكافرين، وعادته في الماضين من الماردين.

اسماعيل حقي

تفسير : {وكم} للتكثير مبتدأ والخبر هو جملة ما بعدها {من قرية} تمييز {اهلكناها} الضمير راجع الى معنى اى كثير من القرى اردنا اهلاكها او كثيرا منها على ان يكون كم فى موضع نصب باهلكناها كما فى قوله تعالى {أية : إنا كل شئ خلقناه بقدر} تفسير : [القمر: 49]. {فجاءها} اى فجاء اهلها {بأسنا} اى عذابنا {بياتا} مصدر بمعنى الفاعل واقع موقع الحال اى بائتين كقوم لوط. قال الحدادى سمى الليل بياتا لانه يبات فيه والبيتوتة خلاف الظلول وهو ان يدركك الليل نمت او لم تنم وهى بالفارسية [شب كذا شتن] {او هم قائلون} عطف على بياتا اى قائلين من القيلولة نصف النهار كقوم شعيب اهلكهم الله فى نصف النهار وفى حر شديد وهم قائلون. قال فى التفسير الفارسى [تخصيص اين دووقت بجهت آنست كه زمان آسايش واستراحتند وتصور وتوقع عذاب دران نيست بس بليه غير منتظر صعبتر وسخت تراست جنانجه نعمت غير مترقب خوبتر ولذيذ ترست].

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {كم}: خبرية، مفعول {أهلكنا}، وهو على حذف الإرادة، أي: في الحال أردنا إهلاكها، و {بياتًا أو هم قائلون}: حالان، أي: بائتين أو قائلين، وأغنى الضمير في {هم} عن واو الحال. يقول الحقّ جلّ جلاله: كثيرًا من القرى {أهلكناها} لما عصت أمرنا، وخالفت ما جاءت به رسلنا، {فجاءها بأسُنَا} أي: عذابنا {بياتًا} أي: ليلاً، كقوم لوط؛ قلبت مدينتهم، عاليها سافلها، وأرسلت عليهم الحجارة بالسَّحَر، {أو هم قائلون} نصف النهار، كقوم شعيب، نزلت عليهم نار فأحرقتهم، وهو عذاب يوم الظلمة، وإنما خص الوقتين؛ لأنهما وقت دعة واستراحة، فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع. {فما كان دعواهم} أي: دعاؤهم واستغاثتهم حين جاءهم بأسنا، {إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين} أي: إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وبطلانه، تحسرًا، أو: ما كان دعاؤهم إلا قولهم: {أية : يَا وَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىَ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ } تفسير : [الأنبياء: 14ـ15]: ميتين، فإذا أحييناهم وبعثناهم من قبورهم، فوالله {لنسألن الذين أُرسل إليهم} عن قبول الرسالة وإجابة الرسل، {ولنسألن المرسلين} عما أُجيبوا به، والمراد بهذا السؤال: توبيخ الكفرة وتقريعهم، وأما قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُسأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ }تفسير : [القَصَص:78]، فالمنفي: سؤال استعلام؛ لأن الله أحاط بهم علمًا، أو الأول في موقف الحساب، وهذا عند حصول العقاب. {فلَنقصَّنَّ عليهم} أي: على الرسل والأمم، فنقص على الرسل ما قُوبلوا به من تصديق أو تكذيب، وعلى الأمم ما قابلوا به الرسل من تعظيم أو إنكار، أو فلنقص على الرسل ما علمنا من قومهم حين يقولون: {أية : لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ }تفسير : [المَائدة:109]. نقص ذلك عليهم {بعلْمٍ} وتحقيق؛ لاطلاعنا على أحوالهم، وإحاطة علمنا بسرهم وعلانيتهم. {وما كنا غائبين} عنهم، فيخفى علينا شيء من أحوالهم، بل كنا حاضرين لديهم، محيطين بسرهم وعلانيتهم. الإشارة: ما أهلك الله قومًا وعذبهم إلا بتضييع الشرائع أو إنكار الحقائق، فمن قام بهما معًا كان مصحوبًا بالسلامة، موصوفًا بالكرامة في الدارين، ومن ضيعهما أو أحدهما لحقه الوبال في الدارين، فإذا لحقه إهلاك لم يسعه إلا الإقرار بالظلم والتقصير، حيث فاته الحزم والتشمير، فإذا ندم لم ينفعه الندم، حيث زلت به القدم، فالبدارَ البدارَ إلى التوبة والانكسار، والتمسك بشريعة النبي المختار، والتحقق بمعرفة الواحد القهار، وصحبة الصالحين الإبرار، والعارفين الكبار، قبل أن تصير إلى قبرك فتجده إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار. وكما أن الحق تعالى يسأل الرسل عما أُجيبوا به، يسأل خلفاءهم ـ وهم الأولياء والعارفون ـ عما إذا قُوبلوا من تعظيم أو إنكار، فيرفع من عظمهم في أعلى عليين، ويحط من أنكرهم في محل أهل اليمين. وبالله التوفيق. ثم ذكر مقادير الأعمال ووزنها، فقال: {وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ}.

الطوسي

تفسير : (كم) لفظة موضوعة للتكثير و (رب) للتقليل. وانما كان كذلك، لان (رب) حرف، و (كم) اسم. والتقليل ضرب من النفي و (كم) تدخل في الخبر بمعنى التكثير. فأما في الاستفهام، فلا، لان الاستفهام موكول الى بيان المجيب والخبر الى بيان المخبر، وانما دخلها التكثير، لان استبهام العدد ان يظهر او يضبط انما يكون لكثرته في غالب الامر، فـ (كم) مبهمة قال الفرزدق: شعر : كم عمة لك يا جرير وخالة فدعاء قد حلبت عليَّ عشاري تفسير : فدل بـ (كم) على كثرة العمات، وموضع (كم) في الآية رفع بالابتداء وخبرها (أهلكناها) ولو جعلت في موضع نصب جاز، كقوله {أية : إنا كل شيء خلقناه بقدر}،تفسير : والاول أجود. اخبر الله تعالى - على وجه الترهيب للكفار والايعاد لهم - أنه اهلك كثيرا من القرى، يعني أهلها بما ارتكبوه من معاصيه، والكفر به، وانه أنزل عليهم بأسه، يعني عذابه {بيانا} يعني في الليل {أو هم قائلون} يعني في وقت القيلولة، وهو نصف النهار. وأصله الراحة، فمعنى أقلته البيع أرحته منه باعفائي اياه من عقده، وقلت اذا استرحت الى النوم، في وسط النهار: القائلة. والاخذ بالشدة في وقت الراحة أعظم في العقوبة فلذلك خص الوقتين بالذكر. وقيل في دخول الفاء في قوله {فجاءها بأسنا بياتا} ثلاثة أقوال: أحدها - أهلكناها في حكمنا {فجاءها بأسنا} وقد قيل: هو مثل زرني واكرمني فان نفس الاكرام هي الزيارة، قال الرماني: وليس هذا مثل ذلك، لان هذا انما جاز لانه قصد الزيارة. ثم الاكرام بها. والثاني - قال قوم {أهلكناها فجاءها بأسنا} أي فكان صفة اهلاكنا أن جاءهم بأسنا. والثالث - أهلكناها فصح انه جاءها بأسنا. وقال الفراء الفاء بمعنى الواو، وقال الرماني: هذا لا يجوز، لانه نقل للحرف عن معناه بغير دليل. وقال بعضهم: ان المعنى أهلكناها بخذلاننا لها عن الطاعة فجاءها بأسنا عقوبة على المعصية، وهذا لا يجوز لانه ليس من صفة الحكيم ان يمنع من طاعته حتى تقع المعصية، ثم يعاقب عليها. وقوله {أو هم قائلون} قال الفراء: واو الحال مقدرة فيه، وتقديره أو {وهم قائلون} وانما حذفت استخفافا. وقال الزجاج وجميع البصريين لا يحتاج الى ذلك، لانه يستغني برجوع الذكر عن الواو، كما يقال: جاءني زيد راجلا او هو فارس، او جاءني زيد هو فارس لم يحتج الى واو، لان الذكر قد عاد على الاول. فمعنى الآية ان الله اهلك اهل قريات كثيرة بتمردهم في المعاصي، وحذر من ان يعمل مثل عملهم فينزل بالعامل مثل ما نزل بهم.

الجنابذي

تفسير : {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا} من قبيل عطف التّفصيل على الاجمال او بتقدير اردنا اهلاكها {بَيَاتاً} وقت غفلة وراحة {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} فى النّهار وهو ايضاً وقت دعة وراحة.

اطفيش

تفسير : {وكَم} خبرية بمعنى كثير وهى مبتدأ أو مفعول على الاشتغال، ويؤيده عطف الفعلية فى قوله: {فجاءها بأسنا} كذا قيل، ويرده أنه لا يؤيده ذلك، لأن الخبر جملة فعلية فيجوز العطف عليه {مِنْ قَريةٍ أهْلكناهَا} أردنا إهلاكها أى خرابها، وأردنا إهلاك أهلها، وتقدير بعضهم: كم من أهل قرية غير مقبول، لأنه لا يناسبه قوله أهلكناها إلا إن أراد أن الأصل وكم من أهل قرية أهلكناهم، فلما حذف المضاف جىء بما يناسب المضاف إليه، وقرأ ابن أبى عبلة: وكم من قرية أهلكناهم فجاءهم، الخ بمراعاة المضاف بعد حذفه، وجملة أهلكناها خبر. {فجاءَها بأسُنا} عذابنا، والفاء للترتيب والاتصال على أصلها، لأن أهلكناها بمعنى أردنا إهلاكها كما مر، أو حكمنا بإهلاكها، وهما إرادة وحكم متصلان بمجىء البأس بعدهما غير الأزليين، مطلقان للأزليين، أو لأن المعنى أهلكنا أهلها بالخذلان وعدم التوفيق أو ذلك من باب القلب مبالغة فى تعلق البأس بهم، وهو مرجوح كما قال ابن هشام، والفاء للتعقيب الذكرى، وقيل هى هنا لغير الترتيب كالواو، وقال الفراء والطبرى: إهلاك ومجىء البأس واحد، فإذا جاء أيهما قدم، والفاء لتفصيل المجمل بلا عطف، وقيل: زائد فى خبر المبتدأ وأهلكناها صفة. {بَياتاً} مصدر وقع حالا مبالغة أو يأول ببائتين أو بتقدير مضاف أى ذوى بيات، أو مصدر نائب عن الزمان فيكون ظرفا متعلقا بمحذوف حال، أى كائنين وقت بيات، والبيات السكون ليلا، وذلك لقوم لوط أهلكوا ليلا سحراً {أو} للتنويع {هُم قائلون} الجملة معطوفة على الحال الذى هو بياتا، أو كائنين، فهى حال معطوفة، والرابط الضمير، وقيل: الربط بالضمير وحده فى باب الحال غير فصيح، وأن الأصل أو وهم قائلون بواو الحال، فيكون الربط بالواو والضمير، لكن حذف الواو وهو واو الحال لكراهة اجتماع عاطفين، فإن واو الحال هى واو العطف استعيرت للوصل، وعن بعض أن هذا تكلف، والذى فى التصريح أن الحال المعطوفة لا تكون بواو أصلا. ومعنى قائلون مستريحون نصف النهار، سواء كانوا نائمين أو غير نائمين، وذلك كقوم شعيب أهلكهم الله تعالى نصف النهار، وخص الوقتان الليل والقائلة لأنهما وقتا غفلة وأمن من العذاب واستراحة، فجىء العذاب فيهما أقطع وذلك تهديد وزجر لكفار قريش وغيرهم، وتخويف أن يصيبهم لكفرهم هذا العذاب المفاجىء على غفلة وأمن منه من غير تقدم أمارة عليه، كما أصاب من اغتر قبلهم بالأمن والراحة.

الالوسي

تفسير : {وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا } شروع في تذكيرهم وإنذارهم ما نزل بمن قبلهم من العذاب بسبب إعراضهم عن دين الله تعالى وإصرارهم على أباطيل أوليائهم، و {كَمْ } خبرية للتكثير في محل رفع على الابتداء؛ والجملة بعدها خبرها و {من } سيف خطيب و {قَرية } تمييز. ويجوز أن يكون محل {كَمْ } نصباً على الاشتغال، وضمير {أَهْلَكْنَـٰهَا } راجع إلى معنى كم فإن المعنى قرى كثيرة أهلكناها، والمراد بإهلاكها إرادة إهلاكها مجازاً كما في قوله تعالى: { أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ } تفسير : [المائدة: 6] الآية فلا إشكال في التعقيب الذي تفهمه الفاء في قوله سبحانه: {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا } أي عذابنا، واعترض هذا الجواب بعض المدققين بأن فيه إشكالاً أصولياً، وهو أن الإرادة إن كانت باعتبار تعلقها التنجيزي فمجىء البأس مقارن لها لا متعقب لها وبعدها، وإن لم يرد ذلك فهي قديمة فإن كان البأس يعقبها لزم قدم العالم وإن تأخر عنها لزم العطف بثم. وأجيب بأن المراد التعلق التنجيزي قبل الوقوع أي قصدنا إهلاكها فتدبر، وقيل: إن المراد بالإهلاك الخذلان وعدم التوفيق فهو استعارة أو من إطلاق المسبب على السبب، وإلى هذا يشير كلام ابن عطية وتعقب بأنه اعتزالي وأن الصواب أن يقال: معناه خلقنا في أهلها الفسق والمخالفة فجاءها بأسنا، وقيل: المراد حكمنا بإهلاكها فجاءها، وقيل: الفاء تفسيرية نحو توضأ فغسل وجهه الخ. وقيل: إن الفاء للترتيب الذكري. وقال ابن عصفور: إن المراد أهلكناها هلاكاً من غير استئصال فجاءها هلاك الاستئصال، وقال الفراء: الفاء بمعنى الواو أو المراد فظهر مجىء بأسنا واشتهر، وقيل: الكلام على القلب وفيه تقديم وتأخير أي أهلكناها بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائلُونَ فجاءها بأسنا فالإهلاك في الدنيا ومجىء البأس / في الآخرة فيشمل الكلام عذاب الدارين، ويأباه ما بعد إباء ظاهراً فإنه يدل على أن العذاب في الدنيا، وقدر غير واحد في النظم الكريم مضافاً أي فجاء أهلها. وجوز بعضهم الحمل على الاستخدام لأن القرية تطلق على أهلها مجازاً، ومن الناس من قدر في الأول المضاف أيضاً مع أن القرية تتصف بالهلاك وهو الخراب. والبيات في الأصل مصدر بات يبيت بيتاً وبيتة وبياتاً وبيتوتة، وذكر الراغب: «أن البيات وكذا التبييت قصد العدو ليلاً». وقال الليث: البيتوتة الدخول في الليل، ونصبه على الحال بتأويله ببائتين. وجوز أن يكون على الظرفية وهو خلاف الظاهر، واحتمال النصب على المفعولية له ـ كما زعم أبو البقاء ـ مما لا يلتفت إليه. و (أو) للتنويع وما بعدها عطف على الحال وهو في موضع الحال أيضاً وأضمرت فيه الواو ـ كما قال ابن الأنباري ـ لوضوح المعنى ومن أجل أن (أو) حرف عطف والواو كذلك فاستثقلوا الجمع بين حرفين من حروف العطف فحذفوا الثاني، ونقل ذلك عن الفراء أيضاً. وتعقب بأن واو الحال مغايرة لواو العطف بكل حال وهي قسم من أقسام الواو كواو القسم بدليل أنها تقع حيث لا يمكن أن يكون ما قبلها حالاً وكونها للعطف يقتضي أن لا تقع إلا حيث يكون ما قبلها حالا حتى تعطف حالا على حال. وقال ابن المنير: «إن هذه الواو لا بد أن تمتاز عن واو العطف بمزية ألا تراها تصحب الجملة الاسمية بعد الفعلية [في قولك: جاءني زيد وهو راكب] ولو كانت عاطفة مجردة لاستقبح توسطها بين المتغايرين (وإن لم يكن قبيحاً فالأفصح) خلافه وحيث رأيناها تتوسط [بينهما] والكلام [حينئذ] هو الأفصح أو المتعين علمنا امتيازها [بمعنى وخاصية] عن واو العطف وإذا ثبت ذلك فلا غرو في اجتماعهما. وإن كان فيها معنى العطف مضافاً إلى تلك الخاصية فإما أن تسلبه حينئذ لغناء العاطفة عنها أو تستمر عليه (وتجامع أو كما تجامع الواو لكن في الفصيح) لما فيها من زيادة معنى الاستدراك [في مثل قوله { أية : وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ } تفسير : [البقرة: 12]] وعلى هذا فالاجتماع ممكن بلا كراهية، فلو قلت: سَبِّحِ الله تعالى وأنت راكع أو وأنت ساجد لكان فصيحاً لا خبث فيه ولا كراهة» خلافاً لأبي حيان مدعياً أن النحويين نصوا على أن الجملة الحالية إذا دخل عليها حرف عطف امتنع دخول واو الحال عليها للمشابهة اللفظية فالمثال على هذا غير صحيح، وظاهر كلام الزمخشري أن هذه الواو واو العطف في الأصل ثم استعيرت للحال لما فيها من الربط فقد خرجت عن العطف واستعملت لمعنى آخر لكنها أعطيت حكم أصلها في امتناع مجامعتها لعاطف آخر، وعلى هذا ينبغي أن يحمل كلام ذينك الإمامين وهذا مذهب لهما ولمن اتبعهما. وقال بعض النحاة: إن الضمير هنا مغن عن إضمار الواو والاكتفاء به غير شاذ كما قيل بل هو أكثر من رمل يبرين ومها فلسطين، وقد نقل عن الزمخشري الرجوع إلى هذا القول والمسألة خلافية وفيها تفصيل. ففي «البديع» الاسمية الحالية لا تخلو من أن تكون من سبب ذي الحال أو أجنبية فإن كانت من سببه لزمها العائد والواو تقول: جاء زيد وأبوه منطلق وخرج عمرو ويده على رأسه إلا ما شذ من قولهم: كلمته فوه إلى في. وإن كانت أجنبية لزمتها الواو ونابت عن العائد. وقد يجمع بينهما نحو قدم عمرو وبشر قام إليه وقد جاءت بلا واو ولا ضمير كما في قوله: شعر : ثم انتصينا جبال الصفد معرضة عن اليسار وعن إيماننا جدد تفسير : فإن جبال الصفد معرضة حال بلا واو ولا ضمير. وعن الشيخ عبد القاهر جعل ذلك على قسمين ما يلزمه الواو مطلقاً وهو ما إذا صدر بضمير ذي الحال نحو جاء زيد وهو يسرع لأن إعادة ضميره تقتضي أن / الجملة مستأنفة لئلا تلغو الإعادة فإذا لم يقصد الاستئناف فلا بد من الواو وما عداه تلزمه الواو في الفصيح إلا على طريق التشبيه بالمفرد والتأويل فإنه حينئذ قد تترك الواو جوازاً، وقيل ـ ولم يسلم ـ: إن الضابط في ذلك أنه إذا كان المبتدأ ضمير ذي الحال تجب الواو وإلا فإن كان الضمير فيما صدر به الجملة سواء كان مبتدأ نحو فوه إلى في و { أية : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } تفسير : [البقرة: 36] أو خبراً نحو وجدته حاضراه الجود والكرم فلا يحكم بضعفه لكونه الرابط في أول الجملة وإلا فضعيف قليل. وقال ابن مالك وتبعه ابن هشام ونقل عن السكاكي: إنه إذا كانت الجملة الاسمية مؤكدة لزم الضمير وترك الواو نحو هو الحق لا شبهة فيه و { أية : ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ } تفسير : [البقرة: 2]، واختار ابن المنير «أن المصحح لوقوع هذه الجملة هنا حالاً من غير واو هو العاطف إذ يقتضي مشاركة الجملة الثانية لما عطفت عليه في الحالية فيستغني عن واو الحال كما أنك تعطف على المقسم به فتدخله في حكم القسم من غير واو نحو { أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ } تفسير : [الليل: 1-2] وقوله سبحانه: { أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ * ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ * وَٱلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } تفسير : [التكوير: 15ـ17] ويستغنى عن تكرار حرف القسم بنيابة العاطف منابه» فليفهم. وأياً ما كان فحاصل المعنى أتاهم عذابنا تارة ليلاً كقوم لوط عليه السلام وتارة وقت القيلولة كقوم شعيب عليه السلام. والقيلولة من قال يقيل فهو قائل ويقال قيلا وقائلة (وميقالاً) ومقيلاً، وهي ـ كما في «القاموس» ـ نصف النهار، أو هي (الراحة والدعة) نصف النهار وإن لم يكن معها نوم كما في «النهاية»، واستدل له بقوله تعالى: {أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } إذ الجنة لا نوم فيها. وقال الليث: هي نومة نصف النهار، ودفع الاستدلال بأن ذلك مجاز، وإنما خص إنزال العذاب عليهم في هذين الوقتين لما أن نزول المكروه عند الغفلة والدعة أفظع وحكايته للسامعين أزجر وأردع عن الاغترار بأسباب الأمن والراحة، وفي التعبير في الحال الأولى بالمصدر وجعلها عين البيات وفي الحال الثانية بالجملة الاسمية المفيدة في المشهور للثبوت مع تقديم المسند إليه المفيد للتقوى ما لا يخفى من المبالغة، وكذا في وصف الكل بوصف البيات والقيلولة مع أن بعض المهلكين بمعزل منهما ـ إيذان بكمال الأمن والغفلة، وفي هذا ذم لهم بالغفلة عما هم بصدده، وإنما خولف بين العبارتين على ما قيل وبنيت الحال الثانية على تقوى الحكم والدلالة على قوة أمرهم فيما أسند إليهم لأن القيلولة أظهر في إرادة الدعة وخفض العيش فإنها من دأب المترفين والمتنعمين دون من اعتاد الكدح والتعب. وفيه إشارة إلى أنهم أرباب أشر وبطر.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : ولا تتّبعوا}تفسير : [الأعراف: 3] وهذا الخبر مستعمل في التّهديد للمشركين الذين وجه إليهم التّعريض في الآية الأولى والذين قصدوا من العموم. وقد ثلث هنا بتمحيض التّوجيه إليهم. وإنّما خُصّ بالذّكر إهلاك القرى، دون ذكر الأمم كما في قوله:{أية : فأمّا ثمود فأهلكوا بالطّاغية وأمّا عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية} تفسير : [الحاقة: 5، 6]، لأنّ المواجهين بالتّعريض هم أهل مكّة وهي أمّ القرى، فناسب أن يكون تهديد أهلها بما أصاب القرى وأهلها ولأنّ تعليق فعل {أهلكنا} بالقرية دون أهلها لقصد الإحاطة والشّمول، فهو مغن عن أدوات الشّمول، فالسّامع يعلم أنّ المراد من القرية أهلها لأنّ العبرة والموعظة إنّما هي بما حصل لأهل القرية، ونظيرها قوله تعالى: {أية : وسأل القرية التي كنا فيها} تفسير : [يوسف: 82] ونظيرهما معاً قوله: {أية : ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون} تفسير : [الأنبياء: 6]، فكلّ هذا من الإيجاز البديع، والمعنى على تقدير المضاف، وهو تقدير معنى. وأجرى الضّميران في قوله: {أهلكناها فجاءها بأسنا} على الإفراد والتّأنيث مراعاة للفظ قرية، ليحصل التماثل بين لفظ المعاد ولفظ ضميره في كلام متّصللِ القرب، ثمّ أجريت ضمائر القرية على صيغة الجمع في الجملة المفرعة عن الأولى في قوله: {أو هم قائلون فما كان دعواهم إذ جاءهم} إلخ لحصول الفصل بين الضّمير ولفظ معاده بجملة فيها ضمير معاده غير لفظ القرية، وهو {بأسنا بياتاً} لأنّ (بياتاً) متحمّل لضمير البأس، أي مبيِّتاً لهم، وانتقل منه إلى ضمير القرية باعتبار أهلها فقال: {أو هم قائلون فما كان دعواهم إذ جاءهم}. و(كم) اسم حال على عدد كثير وهو هنا خبر عن الكثرة وتقدّم في أوّل سورة الأنعام. والإهلاك: الإفناء والاستئصال. وفعل {أهلكناها} يجوز أن يكون مستعملاً في معنى الإرادة بحصول مدلوله ويجوز أن يكون مستعملاً في ظاهر معناه. والفاء في قوله: {فجاءها بأسنا} عاطفة جملة: {فجاءها بأسنا} على جملة: {أهلكناها}، وأصل العاطفة أن تفيد ترتيب حصول معطوفها بعد حصول المعطوف عليه، ولما كان مجيء البأس حاصلاً مع حصول الإهلاك أو قبلَه، إذ هو سبب الإهلاك، عسر على جمع من المسفّرين معنى موقع الفاء هنا، حتّى قال الفرّاء إنّ الفاء لا تفيد التّرتيب مطلقاً، وعنه أيضاً إذا كان معنى الفعلين واحداً أو كالواحد قدّمت أيّهما شئت مثل شتمني فأساء وأساء فشتمني. وعن بعضهم أنّ الكلام جرى على طريقة القلب، والأصل: جاءها بأسنا فأهلكناها، وهو قلب خلي عن النّكتة فهو مردود، والذي فسّر به الجمهور: أنّ فعل (أهلكناها) مستعمل في معنى إرادة الفعل كقوله تعالى: {أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشّيطان الرّجيم} تفسير : [النحل: 98] وقوله: {أية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} تفسير : [المائدة: 6] الآية أي فإذا أردت القراءة، وإذا أردتم القيام إلى الصّلاة، واستعمال الفعل في معنى إرادة وقوع معناه من المجاز المرسل عند السكاكي قال: ومن أمثلة المجاز قوله تعالى: {أية : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} تفسير : [النحل: 98] استعمل {قرأت} مكان أردت القراءة لكون القراءة مسبّبة عن إرادتها استعمالاً مجازياً بقرينة الفاء في {فاستعذ بالله}، وقولُه: {وكم من قرية أهلكناها} في موضع أردنا إهلاكها بقرينة {فجاءها بأسنا} والبأس الإهلاك. والتّعبير عن إرادة الفعل بذكر الصّيغة التي تدلّ على وقوع الفعل يكون لإفادة عزم الفاعل على الفعل، عزماً لا يتأخّر عنه العمل، بحيث يستعار اللّفظ الدّال على حصول المراد، للإرادة لتشابههما، وإمّا الإتيان بحرف التّعقيب بعد ذلك فللدّلالة على عدم التّريّث، فدلّ الكلام كلّه: على أنّه تعالى يريد فيخلق أسباب الفعل المراد فيحصل الفعل، كلّ ذلك يحصل كالأشياء المتقارنة، وقد استفيد هذا التّقارن بالتّعبير عن الإرادة بصيغة تقتضي وقوع الفعل، والتّعبير عن حصول السّبب بحرف التّعقيب، والغرض من ذلك تهديد السّامعين المعاندين وتحذيرهم من أن يحلّ غضب الله عليهم فيريد إهلاكهم، فضيَّقَ عليهم المهلّة لئلا يتباطأوا في تدارك أمرهم والتّعجيل بالتّوبة. والذي عليه المحققون أنّ التّرتيب في فاء العطف قد يكون التّرتيبَ الذكريّ، أي ترتيب الإخبار بشيء عن الإخبار بالمعطوف عليه. ففي الآية أخبر عن كيفيّة إهلاكهم بعد الخبر بالإهلاك، وهذا التّرتيب هو في الغالب تفصيل بعد إجمال، فيكون من عطف المفصّل على المجمل، وبذلك سمّاه ابن مالك في «التّسهيل»، ومثَّل له بقوله تعالى: {أية : إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً عُرباً} تفسير : [الواقعة: 35، 37] الآية. ومنه قوله تعالى: {أية : ادخلوا أبواب جهنّم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين} تفسير : [الزمر: 72] ــــ أو قوله ــــ {أية : فأزلهما الشّيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه} تفسير : [البقرة: 36] لأنّ الإزلال عن الجنّة فُصل بأنّه الإخراج، وقوله تعالى: {أية : كذّبت قبلهم قوم نوح فكذّبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر} تفسير : [القمر: 54] وهذا من أساليب الإطناب وقَد يغفل عنه. والبأس ما يحصل به الألم، وأكثر إطلاقه على شدّة الحساب ولذلك سمّيت الحرب البأساء، وقد مضى عند قوله تعالى: {أية : والصّابرين في البأساء والضرّاء وحين البأس} تفسير : في سورة البقرة (177)، والمراد به هنا عذاب الدّنيا. واستعير المجيء لحدوث الشّيء وحصوله بعد أن لم يكن تشبيهاً لحُلول الشّيء بوصول القادم من مكان إلى مكان بتنقُّل خطواته، وقد تقدّم نظير هذا في قوله تعالى: {أية : فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا} تفسير : في سورة الأنعام (43). والبيات مصدر بَات، وهو هنا منصوب على الحال من البأس، أي جاءهم البأس مبَيِّتا لهم، أي جاءهم ليلاً، ويطلق البيات على ضرب من الغارة تقع ليلاً، فإذا كان المراد من البأس الاستعارة لشدّة الحرب كما المراد من البيات حالة من حال الحرب، هي أشدّ على المغزوّ، فكان ترشيحاً للاستعارة التّمثيليّة، ويجوز أن يكون {بياتاً} منصوباً على النّيابة عن ظرف الزّمان أي في وقت البيات. وجملة {هم قائلون} حال أيضاً لعطفها على {بياتاً} بأو، وقد كفى هذا الحرفُ العاطف عن ربط جملة الحال بواو الحال، ولولا العطف لكان تجرد مثل هذه الجملة عن الواو غير حسَن، كما قال في «الكشاف»، وهو متابع لعبد القاهر. وأقول: إنّ جملة الحال، إذا كانت جملة اسميّة، فإمّا أن تكون منحلّة إلى مفردين: أحدهما وصف صاحب الحال، فهذه تَجَرّدُها عن الواو قبيح، كما صرّح به عبد القاهر وحقّقه التفتزاني في «المطوّل»، لأنّ فصيح الكلام أن يجاء بالحال مفردة إذ لا داعي للجملة، نحو جاءني زيد هو فارس، إذ يغني أن تقول: فارساً. وأمّا إذا كانت الجملة اسميّة فيها زيادة على وصف صاحب الحال، وفيها ضمير صاحب الحال، فخلوها عن الواو حسن نحو قوله تعالى: {أية : قلنا اهبطوا منها جميعاً بعضكم لبعض عدوّ} تفسير : [طه: 123] فإنّ هذه حالة لكلا الفريقين، وهذا التّحقيق هو الذي يظهر به الفرق بين قوله: {أية : بعضكم لبعض عدوّ}تفسير : [طه: 123] وقولهم، في المثال: جاءني زيد هو فارس، وهو خير ممّا أجاب به الطيبي وما ساقه من عبارة «المفتاح» وعبارة ابن الحاجب فتأمّله. وعُلّل حذف واو الحال بدفع استثقال توالي حرفين من نوع واحد. و(أو) لِتقسيم القُرى المهلَكة: إلى مهلكة في اللّيل، ومهلّكة في النّهار، والمقصود من هذا التّقسيم تهديد أهل مكّة حتّى يكونوا على وجل في كلّ وقت لا يدرون متى يحلّ بهم العذاب، بحيث لا يأمنون في وقت مَّا. ومعنى: {قائلون} كائنون في وقت القيلولة، وهي القائلة، وهي اسم للوقت المبتدىء من نصف النّهار المنتهي بالعصر، وفعله: قال يقيل فهو قائل، والمقيل الرّاحة في ذلك الوقت، ويطلق المقيل على القائلة أيضاً. وخصّ هذان الوقتان من بين أوقات اللّيل والنّهار: لأنّهما اللّذان يطلب فيهما النّاس الرّاحة والدعة، فوقوع العذاب فيهما أشدّ على النّاس، ولأنّ التّذكير بالعذاب فيهما ينغص على المكذّبين تخيَّل نعيمَ الوقتين. والمعنى: وكم من أهللِ قرية مشركين أهلكناهم جزاء على شركهم، فكونوا يا معشر أهل مكّة على حذر أن نصيبكم مثل ما أصابهم فإنّكم وإياهم سواء. وقوله: {فما كان دعواهم} يصحّ أن تكون الفاء فيه للترتيب الذّكري تبعاً للفاء في قوله: {فجاءها بأسنا} لأنّه من بقيّة المذكور، ويصحّ أن يكون للتّرتيب المعنوي لأنّ دعواهم ترتّبت على مجيء البأس. والدعوى اسم بمعنى الدّعاء كقوله: {أية : دعواهم فيها سبحانك اللّهمّ} تفسير : [يونس: 10] وهو كثير في القرآن، والدّعاء هنا لرفع العذاب أي الاستغاثة عند حلول البأس وظهور أسباب العذاب، وذلك أنّ شأن النّاس إذا حلّ بهم العذاب أن يجأروا إلى الله بالاستغاثة، ومعنى الحصر أنّهم لم يستغيثوا الله ولا توجّهوا إليه بالدّعاء ولكنّهم وضعوا الاعتراف بالظّلم موضع الاستغاثة فلذلك استثناه الله من الدّعوى. ويجوز أن تكون الدّعوى بمعنى الادّعاء أي: انقطعت كلّ الدّعاوي التي كانوا يدعونها من تحقيق تعدّد الآلهة وأنّ دينهم حقّ، فلم تبق لهم دعوى، بل اعترفوا بأنّهم مبطلون، فيكون الاستثناء منقطعاً لأنّ اعترافهم ليس بدعوى. واقتصارهم على قولهم: {إنا كنا ظالمين} إمَّا لأنّ ذلك القول مقدّمة التّوبة لأنّ التّوبة يتقدّمها الاعتراف بالذّنب، فهم اعترفوا على نيّة أن ينتقلوا من الاعتراف إلى طلب العفو، فعوجلوا بالعذاب، فكان اعترافهم ــــ آخر قولهم في الدّنيا ــــ مقدّمة لشهادةِ ألسنتهم عليهم في الحشر، وإمّا لأنّ الله أجرى ذلك على ألسنتهم وصرفهم عن الدّعاء إلى الله ليحرمهم موجبات تخفيف العذاب. وأيّاً ما كان فإنّ جريان هذا القول على ألسنتهم كان نتيجة تفكّرهم في ظلمهم في مدّة سلامتهم، ولكنّ العنادَ والكبرياء يصدّانهم عن الإقلاع عنه، ومن شأن مَن تصيبه شدّة أن يَجري على لسانه كلام، فمن اعتاد قول الخير نطق به، ومن اعتاد ضدّه جرى على لسانه كلام التّسخّط ومُنكر القول، فلذلك جرى على لسانهم ما كثر جولانه في أفكارهم. والمراد بقولهم: {كنا ظالمين} أنّهم ظلموا أنفسهم بالعناد، وتكذيب الرّسل، والإعراض عن الآيات، وصم الأذان عن الوعيد والوعظ، وذلك يجمعه الإشراكُ بالله، قال تعالى: {أية : إنّ الشرك لظلم عظيم} تفسير : [لقمان: 13]، وذلك موضع الاعتبار للمخاطبين بقوله: {أية : ولا تتبعوا من دونه أولياء} تفسير : [الأعراف: 3] أي أنّ الله لم يظلمهم، وهو يحتمل أنّهم عَلموا ذلك بمشاهدة العذاب وإلهامِهم أنّ مثل ذلك العذاب لا ينزل إلاّ بالظّالمين، أو بوجدانهم إياه على الصّفة الموعود بها على ألْسنة رسلهم، فيكون الكلام إقراراً محضاً أقرّوا به في أنفسهم، فصيغة الخبرِ مستعملة في إنشاء الإقرار، ويحتمل أنّهم كانوا يعلمون أنّهم ظالمُون، من قبل نزول العذاب، وكانوا مصرين عليه ومكابرين، فلمّا رأوا العذاب ندموا وأنصفوا من أنفسهم، فيكون الكلام، إقراراً مشوباً بحسرة وندامة، فالخبر مستعمل في معناه المجازي الصّريح ومعناه الكنائي، والمعنى المجازي يجتمع مع الكناية باعتبار كونه مجازاً صريحاً. وهذا القول يقولونه لغير مخاطَب معيَّن، كشأن الكلام الذي يجري على اللّسان عند الشّدائد، مثل الويل والثّبور، فيكون الكلام مستعملاً في معناه المجازي، أو يقوله بعضهم لبعض، بينهم، على معنى التّوبيخ، والتّوقيف على الخطأ، وإنشاء النّدامة، فيكون مستعملاً في المعنى المجازي الصّريح، والمعنى الكنائي، على نحو ما قرّرتُه آنفاً. والتّوكيد بإنّ لتحقيق للنّفس أو للمخاطبين على الوجهين المتقدّمين أو يكون قولهم ذلك في أنفسهم، أو بين جماعتهم، جارياً مجرى التّعليل لنزول البأس بهم والاعتراف بأنّهم جديرون به، ولذلك أطلقوا على الشّرك حينئذ الاسم المشعر بمذمّته الذي لم يكونوا يطلقونه على دينهم من قبل. واسم كان هو: {أن قالوا} المفرغ له عمل كان، و{دعواهم} خبر (كان) مقدّم، لقرينة عدم اتّصال كان بتاء التّأنيث، ولو كان: (دعوى) هو اسمها لكان اتّصالها بتاء التّأنيث أحسن، وللجري على نظائره في القرآن وكلام العرب في كلّ موضع جاء فيه المصدر المؤول من أنْ والفعل محصوراً بعد كان، نحو قوله تعالى: {أية : فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم} تفسير : [الأعراف: 82]{أية : وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا} تفسير : [آل عمران: 147] وغير ذلك، وهو استعمال ملتزم، غريب، مطّرد في كلّ ما وقع فيه جزء الإسناد ذاتين أريد حصر تحقّق أحدهما في تحقّق الآخر لأنّهما لمَّا اتّحدا في الماصْدق، واستويا في التّعريف كان المحصور أولى باعتبار التّقدّم الرّتبي، ويتعيّن تأخيره في اللّفظ، لأنّ المحصور لا يكون إلاّ في آخر الجزأين، ألا ترى إلى لزوم تأخير المبتدأ المحصورِ. واعلم أن كون أحد الجزأين محصوراً دون الآخر في مثل هذا، ممّا الجزآن فيه متحدَا الماصْدق، إنّما هو منوط باعتبار المتكلّم أحدهما هو الأصلَ والآخر الفرع، ففي مثل هذه الآية اعتبر قولهم هو المترقّب من السّامع للقصّة ابتداء، واعتبر الدّعاء هو المترقّب ثانياً، كأنّ السّامع يسأل: ماذا قالوا لمَّا جاءهم البأس، فقيل له: كان قولهم: {إنا كنا ظالمين} دعاءَهم، فأفيد القول وزيد بأنّهم فرّطوا في الدّعاء، وهذه نكتة دقيقة تنفعك في نظائر هذه الآية، مثل قوله: {أية : فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم} تفسير : [الأعراف: 82]، على أنّه قد قيل: إنّه لاطِّراد هذا الاعتبار مع المصدر المؤول من (أن) والفعل عِلَّة لفْظيّة: وهي كون المصدر المؤول يشبه الضّمير في أنّه لا يوصف، فكان أعرف من غيره، فلذلك كان حقيقاً بأن يكون هو الاسم، لأنّ الأصل أنّ الاعرف من الجُزأين وهو الذي يكون مسنداً إليه.

الشنقيطي

تفسير : خوف الله تعالى في هذه اللآية الكيرمة الكفار الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم، بأنه أهلك كثيراً من القرى بسبب تكذيبهم الرسل، فمنهم من أهلكها بياتاً أي ليلاً، ومنهم من أهلكها وهم قائلون، أي في حال قيلولتهم، والقيلولة: الاستراحة وسط النهار. يعني: فاحذروا تكذيب رسولي صلى الله عليه وسلم لئلا أنزل بكم مثل ما أنزلت بهم، وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله: {أية : وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} تفسير : [الأنعام: 10]، وقوله: {أية : فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} تفسير : [الحج: 45]، وقوله: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ} تفسير : [القصص: 58]، وقوله: {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ} تفسير : [محمد: 10]، ثم بين أنه يريد تهديدهم بذلك بقوله: {أية : وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}تفسير : [محمد: 10] إلى غير ذلك من الآيات. وقد هدد تعالى أهل القرى بأن يأتيهم عذابه ليلاً في حالة النوم، أو ضحى في حالة اللعب، في قوله تعالى: {أية : أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ} تفسير : [الأعراف: 97-98]. وهدد أمثالهم من الذين مكروا السيئات بقوله تعالى: {أية : أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 45-47].

القطان

تفسير : القرية: هنا تعني المكان والسكّان. البأس: العذاب بياتا: ليلا على حين غرة. او هم قائلون: وسط النهار وقت القيلولة دعواهم: قولهم. بعد ان بين الله تعالى انه أنزل الكتاب الى الرسول الكريم لينذر به الناسَ ويكونَ موعظةً وذِكرى لأهل الايمان، وانه طلب اليه ان يأمر الناس باتباع ما أُنزل اليهم من ربهم، وان لا يتبعوا من دونه أحداً - أردف هنا بالتخويف من عاقبة المخالفة لذلك، وبالتذكير بما حلّ بالأمم قبل‍َهم بسبب إعراضهم عن الحق، وإصرارهم على الباطل. {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ}. لقد اهلكنا كثيراً من القرى بسبب عبادة اهلها غيرَ الله وسلوكهم غيرَ طريقه. وقد جاءهم عذابنا في وقت غفلتهم ليلاً وهم نائمون، كما حدث لقوم لوط، او نهاراً وهم مستريحون وقت القيلولة كقوم شعيب. {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَآ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}. فاعترفوا بذنبهم الذي كان سببَ نكبتهم، وكان دعاؤهم واستغاثتُهم حين جاءهم عذابنا أن قالوا - حيث لاينفعهم ذلك - إنّا كنّا ظالمين لأنفسنا بالمعصية.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَهْلَكْنَاهَا} {بَيَاتاً} {قَآئِلُونَ} (4) - وَكَثِيرٌ مِنَ القُرَى (أَوِ البِلاَدِ) أَهْلَكَ اللهُ أَهْلَهَا، لِمُخَالَفَتِهِمْ رُسُلَ رَبِّهِمْ فِيما جَاؤُوهُمْ بِهِ، وَتَكْذِيبِهمْ إِيَّاهُمْ، فَأَخْزَاهُمُ اللهُ فِي الدُّنيا، وَسَيُذِلُّهُمْ فِي الآخِرَةِ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ جَاءَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَبَأْسُهُ لَيلاً (بَيَاتاً) وَمِنْهُمْ مَنْ جَاءَهُمْ نَهَاراً وَهُمْ يَسْتَرِيحُونَ وَسَطَ النَّهَارِ (قَائِلُونَ)، وَكِلاَ الوَقْتَينِ وَقْتُ غَفْلَةٍ مِنَ النَّاسِ وَلَهْوٍ، فَعَلى العَاقِلِ أَلاَّ يَغْتَرَّ بِالدُّنْيَا، وَأَلاَّ يَأْمَنَ غَدْرَ اللَّيَالِي. كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ - كَثِيرٌ مِنَ القُرَى. بَأْسُنا - عَذَابُنَا. بَيَاتاً - وَهُمُ نَائِمُونَ فِي بِيُوتِهِمْ لَيلاً (كَمَا حَدَثَ لِقَوْمِ لُوطٍ). قَائِلُونَ - يَرْتَاحُونَ وَقْتَ القَيْلُولَةِ، وَهِيَ بَعْدَ الظُّهْرِ كَمَا حَدَثَ لأَِصْحَابِ الأَيْكَةِ قَوْمِ شُعَيْبٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وساعة تسمع "كم" فاعرف أن المسألة خرجت عن العد بحيث تستوجب أن تستفهم عنها، وهذا يدل على أمر كثير فوق العدد، لكن عندما يكون العدد قليلاً فلا يستفهم عنه، بل يعرف. والقرية اسم للمكان المعد إعداداً خاصاً لمعيشة الناس فيه. وهل القرى هي التي تهلك أم يهلك من فيها؟. أوضح الحق أنها تأتي مرة ويراد منها المكان والمكين: أو يكون المراد بالقرية أهلها، مثال ذلك قوله الحق في سورة يوسف: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلّعِيْرَ...} تفسير : [يوسف: 82] وبطبيعة الحال لن يسأل إنسان المكان أو المباني، بل يسأل أهل القرية، ولم يقل الحق: اسأل أهل القرية؛ لأن المسئول عنه هو أمر بلغ من الصدق أن المكان يشهد مع المكين، ومرة أخرى يوضح الحق أنه يدمر القرية بسكانها ومبانيها. {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا}. وأيهما يأتي أولاً: الإهلاك أم يأتي البأس أولاً فيهلك؟. الذي يأتي أولاً هو البأس فيهلك، فمظاهر الكونيات في الأحداث لا يأتي أمرها ارتجالاً، وإنما أمرها مسبق أزلاً، وكأن الحق يقول هنا: وكم من قرية حكمنا أن نهلكها فجاءها بأسنا ليتحقق ما قلناه أزلاً، أي أن تأتي الأحداث على وفق المرادات؛ حتى ولو كان هناك اختيار للذي يتكلم عنه الحق. ونعلم أن القرية هي المكان، وعلى ذلك فليس لها اختيار. وإن كان لمن يتحدث عنه الله حق الاختيار، فسبحانه يعلم أزلاً أنه سيفعل ما يتحدث عنه سبحانه. ويأتي به في قرآن يتلى؛ ليأتي السلوك موافقاً ما أخبر به الله. {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} [الأعراف: 4] والبأس هو القوة التي ترد ولا تقهر، و "بيتاً" أي بالليل، {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} أي في القيلولة. ولماذا يأتي البأس في البيات أو في القيلولة؟. ونجد في خبر عمّن أَهْلِكُوا مثل قوم لوط أنّه حدث لهم الهلاك بالليل، وقوم شعيب حدث لهم الهلاك في القيلولة، والبيات والقيلولة هما وقت الاسترخاء ووقت الراحة وتفاجئهم الأحداث فلا يستطيعون أن يستعدوا. {أية : فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلْمُنْذَرِينَ} تفسير : [الصافات: 177] أي يأتيهم الدمار في وقت هم نائمون فيه، ولا قوة لهم لمواجهة البأس. {...فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} [الأعراف: 4] وإذا قال سبحانه: {بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} فيصح أن لهذه القرية امتدادات، ووقت القيلولة عند جماعة يختلف عن وقت من يسكن امتداد القرية، فيكون الوقت عندهم ليلاً، والقيلولة هي الوقت الذي ينامون فيه ظهراً للاسترخاء والراحة. ولكن كيف استقبلوا ساعة مجيء البأس الذي سيهلكهم؟. ويقول الحق سبحانه: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً} أي ليلاً بيتهم بياتاً وهم نيامٌ. تفسير : وقوله تعالى: {أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} أي نَهاراً إِذا أَقالُوا.