Verse. 968 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

قَالَ اَنْظِرْنِيْۗ اِلٰي يَوْمِ يُبْعَثُوْنَ۝۱۴
Qala anthirnee ila yawmi yubAAathoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال أنظرني» أخرى «إلى يوم يُبعثون» أي الناس.

14

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {قَالَ أَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } يدل على أنه طلب الإنظار من الله تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله تعالى ذلك بل قال إنك من المنظرين ثم ههنا قولان: الأول: أنه تعالى أنظره إلى النفخة الأولى لأنه تعالى قال في آية أخرى: {أية : إِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ }تفسير : [الحجر: 37، 38] والمراد منه اليوم الذي يموت فيه الأحياء كلهم، وقال آخرون: لم يوقت الله له أجلاً بل قال: {إِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِينَ } وقوله في الأخرى: {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ } المراد منه. الوقت المعلوم في علم الله تعالى. قالوا: والدليل على صحة هذا القول أن إبليس كان مكلفاً والمكلف لا يجوز أن يعلم أن الله تعالى أخر أجله إلى الوقت الفلاني لأن ذلك المكلف يعلم أنه متى تاب قبلت توبته فإذا علم أن وقت موته هو الوقت الفلاني أقدم على المعصية بقلب فارغ، فإذا قرب وقت أجله تاب عن تلك المعاصي فثبت أن تعريف وقت الموت بعينه يجري مجرى الإغراء بالقبيح، وذلك غير جائز على الله تعالى. وأجاب الأولون: بأن تعريف الله عز وجل كونه من المنظرين إلى يوم القيامة لا يقتضي إغراءه بالقبيح لأنه تعالى كان يعلم منه أنه يموت على أقبح أنواع الكفر والفسق سواء أعلمه بوقت موته أو لم يعلمه بذلك، فلم يكن ذلك الإعلام موجباً إغراءه بالقبيح، ومثاله أنه تعالى عرف أنبياءه أنهم يموتون على الطهارة والعصمة، ولم يكن ذلك موجباً إغراءهم بالقبيح لأجل أنه تعالى علم منهم سواء عرفهم تلك الحالة أو لم يعرفهم هذه الحالة أنهم يموتون على الطهارة والعصمة فلما كان لا يتفاوت حالهم بسبب هذا التعريف لا جرم ما كان ذلك التعريف إغراء بالقبيح فكذا ههنا، والله أعلم. المسألة الثانية: قول إبليس: {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى } يدل على أنه أضاف إغواءه إلى الله تعالى، وقوله في آية أخرى: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [صۤ: 82] يدل على أنه أضاف إغواء العباد إلى نفسه. فالأول: يدل على كونه على مذهب الجبر. والثاني: يدل على كونه على مذهب القدر، وهذا يدل على أنه كان متحيراً في هذه المسألة، أو يقال: أنه كان يعتقد أن الإغوار لا يحصل إلا بالمغوي فجعل نفسه مغوياً لغيره من الغاوين، ثم زعم أن المغوي له هو الله تعالى قطعاً للتسلسل، واختلف الناس في تفسير هذه الكلمة، أما أصحابنا فقالوا: الإغواء إيقاع الغي في القلب، والغي هو الاعتقاد الباطل وذلك يدل على أنه كان يعتقد أن الحق والباطل إنما يقع في القلب من الله تعالى. أما المعتزلة فلهم ههنا مقامان: أحدهما: أن يفسروا الغي بما ذكرناه. والثاني: أن يذكروا في تفسيره وجهاً آخر. أما الوجه الأول: فلهم فيه أعذار. الأول: أن قالوا هذا قول إبليس فهب أن إبليس اعتقد أن خالق الغي والجهل والكفر هو الله تعالى، إلا أن قوله ليس بحجة. الثاني: قالوا: إن الله تعالى لما أمر بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر غيه وكفره فجاز أن يضيف ذلك الغي إلى الله تعالى بهذا المعنى، وقد يقول القائل: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضر بك عنده. الثالث: { فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ } والمعنى: إنك بما لعنتني بسبب آدم فأنا لأجل هذه العداوة ألقى الوساوس في قلوبهم. الرابع: {أية : رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } تفسير : [الحجر: 39] أي خيبتني من جنتك عقوبة على عملي لأقعدن لهم. الوجه الثاني: في تفسير الإغواء ـ الإهلاك ـ ومنه قوله تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً } تفسير : [مريم: 59] أي هلاكاً وويلاً، ومنه أيضاً قولهم: غوى الفصيل يغوي غوى إذا أكثر من اللبن حتى يفسد جوفه، ويشارف الهلاك والعطب، وفسروا قوله: {أية : إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } تفسير : [هود: 34] إن كان الله يريد أن يهلككم بعنادكم الحق، فهذه جملة الوجوه المذكورة. واعلم أنا لا نبالغ في بيان أن المراد من الإغواء في هذه الآية الإضلال، لأن حاصله يرجع إلى قول إبليس وأنه ليس بحجة، إلا أنا نقيم البرهان اليقيني على أن المغوي لإبليس هو الله تعالى، وذلك لأن الغاوي لا بد له من مغو، كما أن المتحرك لا بد له من محرك، والساكن لا بد له من مسكن، والمهتدي لا بد له من هاد. فلما كان إبليس غاوياً فلا بد له من مغوي، والمغوي له إما أن يكون نفسه أو مخلوقاً آخر أو الله تعالى، والأول: باطل. لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية. والثاني: باطل وإلا لزم إما التسلسل وإما الدور. والثالث: هو المقصود. والله أعلم. المسألة الثالثة: الباء في قوله: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } فيه وجوه: الأول: إنه باء القسم أي بإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم أي، بقدرتك علي ونفاذ سلطانك في لأقعدن لهم على الطريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنة، بأن أزين لهم الباطل، وما يكسبهم المآثم، ولما كانت(الباء) باء القسم كانت (اللام) جواب القسم( وَمَا ) بتأويل المصدر و {أَغْوَيْتَنِى } صلتها. والثاني: أن قوله: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } أي فبسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم، والمراد إنك لما أغويتني فأنا أيضاً أسعى في إغوائهم. الثالث: قال بعضهم: (مَا) في قوله: {فَيمَا أَغْوَيْتَنِى } للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ وقال: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ } وفيه إشكال، وهو أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على «ما» الاستفهامية قليل. المسألة الرابعة: قوله: {لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } لا خلاف بين النحويين أن «على» محذوف والتقدير: لأقعدن لهم على صراطك المستقيم. قال الزجاج: مثاله قولك ضرب زيد الظهر والبطن والمعنى على الظهر والبطن وإلقاء كلمة «على» جائز، لأن الصراط ظرف في المعنى: فاحتمل ما يحتمله لليوم والليلة، في قولك آتيك غداً وفي غد. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } فيه أبحاث. البحث الأول: المراد منه أنه يواظب على الإفساد مواظبة لا يفتر عنها، ولهذا المعنى ذكر القعود لأن من أراد أن يبالغ في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود ومواظبته على الإفساد هي مواظبته على الوسوسة حتى لا يفتر عنها. والبحث الثاني: إن هذه الآية تدل على أنه كان عالماً بالدين الحق والمنهج الصحيح، لأنه قال: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } وصراط الله المستقيم هو دينه الحق. البحث الثالث: الآية تدل على أن إبليس كان عالماً بأن الذي هو عليه من المذهب والاعتقاد هو محض الغواية والضلال، لأنه لو لم يكن كذلك لما قال: { فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى } وأيضاً كان عالماً بالدين الحق، ولولا ذلك لما قال: {لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ }. وإذا ثبت هذا فكيف يمكن: أن يرضى إبليس بذلك المذهب مع علمه بكونه ضلالاً وغواية وبكونه مضاداً للدين الحق ومنافياً للصراط المستقيم فإن المرء إنما يعتقد الفاسد إذا غلب على ظنه كونه حقاً، فأما مع العلم بأنه باطل وضلال وغواية يستحيل أن يختاره ويرضى به ويعتقده. واعلم أن من الناس من قال أن كفر إبليس كفر عناد لا كفر جهل لأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغواية، فقد علم أن ضده هو الحق، فكان إنكاره إنكاراً بمحض اللسان، فكان ذلك كفر عناد، ومنهم من قال لا بل كفره كفر جهل وقوله: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } وقوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } يريد به في زعم الخصم، وفي اعتقاده، والله أعلم. المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بهذه الآية في بيان أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دينه ولا في دنياه وتقريره أن إبليس استمهل الزمان الطويل فأمهله الله تعالى، ثم بين أنه إنما استمهله لإغواء الخلق وإضلالهم وإلقاء الوساوس في قلوبهم، وكان تعالى عالماً بأن أكثر الخلق يطيعونه ويقبلون وسوسته كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [سبأ: 20] فثبت بهذا أن إنظار إبليس، وإمهاله هذه المدة الطويلة يقتضي حصول المفاسد العظيمة والكفر الكبير، فلو كان تعالى مراعياً لمصالح العباد لامتنع أن يمهله، وأن يمكنه من هذه المفاسد فحيث أنظره وأمهله علمنا أنه لا يجب عليه شيء من رعاية المصالح أصلاً، ومما يقوي ذلك أنه تعالى بعث الأنبياء دعاة إلى الخلق، وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال، ثم إنه تعالى أمات الأنبياء الذين هم الدعاة للخلق، وأبقى إبليس وسائر الشياطين الذين هم الدعاة للخلق إلى الكفر والباطل ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك. قالت المعتزلة: اختلف شيوخنا في هذه المسألة. فقال الجبائي: إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه، ولا يضل بقوله أحد إلا من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضاً، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَـٰتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ }تفسير : [الصافات: 162، 163] ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة. وقال أبو هاشم يجوز أن يضل به قوم، ويكون خلقه جارياً مجرى خلق زيادة الشهوة، فإن هذه الزيادة من الشهوة لا توجب فعل القبيح إلا أن الامتناع منها يصير أشق، ولأجل تلك الزيادة من المشقة تحصل الزيادة في الثواب، فكذا ههنا بسبب إبقاء إبليس يصير الامتناع من القبائح أشد وأشق، ولكنه لا ينتهي إلى حد الإلجاء والإكراه. والجواب: أما قول أبي علي فضعيف، وذلك لأن الشيطان لا بد وأن يزين القبائح في قلب الكافر ويحسنها إليه، ويذكره ما في القبائح من أنواع اللذات والطيبات، ومن المعلوم أن حال الإنسان مع حصول هذا التذكير والتزيين لا يكون مساوياً لحاله عند عدم هذا التذكير، وهذا التزيين والدليل عليه العرف، فإن الإنسان إذا حصل له جلساء يرغبونه في أمر من الأمور ويحسنونه في عينه ويسهلون طريق الوصول إليه ويواظبون على دعوته إليه، فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التذكير والتحسين والتزيين والعلم به ضروري، وأما قول أبي هاشم فضعيف أيضاً لأنه إذا صار حصول هذا التذكير والتزيين حاصلاً للمرء على الإقدام على ذلك القبيح كان ذلك سعياً في إلقائه في المفسدة، وما ذكره من خلق الزيادة في الشهوة، فهو حجة أخرى لنا في أن الله تعالى لا يراعي المصلحة، فكيف يمكنه أن يحتج به؟ والذي يقرره غاية التقرير: أن لسبب حصول تلك الزيادة في الشهوة يقع في الكفر وعقاب الأبد، ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أنه يزداد ثوابه من الله تعالى بسبب زيادة تلك المشقة وحصول هذه الزيادة من الثواب شيء لا حاجة إليه ألبتة، إما دفع العقاب المؤبد فإليه أعظم الحاجات، فلو كان إله العالم مراعياً لمصالح العباد لاستحال أن يهمل الأهم الأكمل الأعظم لطلب الزيادة التي لا حاجة إليها ولا ضرورة، فثبت فساد هذه المذاهب وأنه لا يجب على الله تعالى شيء أصلاً، والله أعلم بالصواب. أما قوله تعالى: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في ذكر هذه الجهات الأربع قولان: القول الأول: أن كل واحد منها مختص بنوع من الآفة في الدين. والقائلون بهذا القول ذكروا وجوهاً: أحدها: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } يعني أشككهم في صحة البعث والقيامة {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } ألقي إليهم أن الدنيا قديمة أزلية. وثانيها: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } والمعنى أفترهم عن الرغبة في سعادات الآخرة {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } يعني أقوي رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها وأحسنها في أعينهم، وعلى هذين الوجهين فالمراد من قوله: {بَيْن أَيْدِيهِمْ } الآخرة لأنهم يردون عليها ويصلون إليها، فهي بين أيديهم، وإذا كانت الآخرة بين أيديهم كانت الدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها. وثالثها: وهو قول الحاكم والسدي {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } يعني الدنيا {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } الآخرة، وإنما فسرنا {بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } بالدنيا، لأنها بين يدي الإنسان يسعى فيها ويشاهدها، وأما الآخرة فهي تأتي بعد ذلك. ورابعها: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } في تكذيب الأنبياء والرسل الذين يكونون حاضرين {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } في تكذيب من تقدم من الأنبياء والرسل. وأما قوله: {وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ } ففيه وجوه: أحدها: {عَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ } في الكفر والبدعة {وَعَن شَمَائِلِهِمْ } في أنواع المعاصي. وثانيها: {عَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ } في الصرف عن الحق {وَعَن شَمَائِلِهِمْ } في الترغيب في الباطل. وثالثها: {عَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ } يعني أفترهم عن الحسنات {وَعَن شَمَائِلِهِمْ } أقوى دواعيهم في السيئات. قال ابن الأنباري: وقول من قال، الأيمان كناية عن الحسنات والشمائل عن السيئات قول حسن، لأن العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك، يريد اجعلني من المقدمين عندك ولا تجعلني من المؤخرين. وروى أبو عبيد عن الأصمعي أنه يقال: هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة، وإذا خبثت منزلته قال: أنت عندي بالشمال، فهذا تلخيص ما ذكره المفسرون في تفسير هذه الجهات الأربع. أما حكماء الإسلام فقد ذكروا فيها وجوهاً أخرى. أولها: وهو الأقوى الأشرف أن في البدن قوى أربعاً، هي الموجبة لقوات السعادات الروحانية، فإحداها: القوة الخالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وصورها وهي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ، وصور المحسوسات إنما ترد عليها من مقدمها، وإليه الإشارة بقوله: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ }. والقوة الثانية: القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات، وهي موضوعة في البطن المؤخر من الدماغ، وإليها الإشارة بقوله: {وَمِنْ خَلْفِهِمْ }. والقوة الثالثة: الشهوة وهي موضوعة في الكبد وهي من يمين البدن. والقوة الرابعة: الغضب، وهو موضوع في البطن الأيسر من القلب، فهذه القوى الأربع هي التي تتولد عنها أحوال توجب زوال السعادات الروحانية والشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع، لم تقدر على إلقاء الوسوسة، فهذا هو السبب في تعيين هذه الجهات الأربع، وهو وجه حقيقي شريف. وثانيها: أن قوله: {لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } المراد منه الشبهات المبنية على التشبيه. أما في الذات والصفات مثل شبه المجسمة. وأما الأفعال: مثل شبه المعتزلة في التعديل والتخويف والتحسين والتقبيح {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } المراد منه الشبهات الناشئة عن التعطيل، وإنما جعلنا قوله: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } لشبهات التشبيه، لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات وأحوالها، فهي حاضرة بين يديه، فيعتقد أن الغائب يجب أن يكون مساوياً لهذا الشاهد، وإنما جعلنا قوله: {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } كناية عن التعطيل، لأن التشبيه عين التعطيل، فلما جعلنا قوله: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } كناية عن التشبيه وجب أن نجعل قوله: {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } كناية عن التعطيل. وأما قوله: {وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ } فالمراد منه الترغيب في ترك المأمورات {وَعَن شَمَائِلِهِمْ } الترغيب في فعل المنهيات. وثالثها: نقل عن شقيق رحمه الله أنه قال: ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع، من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي. أما من بين يدي فيقول: لا تخف فإن الله غفور رحيم. فاقرأ {أية : وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } تفسير : [طه: 82] وأما من خلفي: فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر، فاقرأ {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا }تفسير : [هود: 6] وأما من قبل يميني: فيأتيني من قبل الثناء فاقرأ {أية : وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [القصص: 83] وأما من قبل شمالي: فيأتيني من قبل الشهوات فاقرأ {أية : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } تفسير : [سبأ: 54]. والقول الثاني: في هذه الآية أنه تعالى حكى عن الشيطان ذكر هذه الوجوه الأربعة، والغرض منه أنه يبالغ في إلقاء الوسوسة، ولا يقصر في وجه من الوجوه الممكنة البتة. وتقدير الآية: ثم لآتينهم من جميع الجهات الممكنة بجميع الاعتبارات الممكنة. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الشيطان قعد لابن آدم بطريق الإسلام فقال له: تدع دين آبائك فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال له: تدع ديارك وتتغرب فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له: تقاتل فتقتل، ويقسم مالك، وتنكح امرأتك، فعصاه فقاتل"تفسير : ، وهذا الخبر يدل على أن الشيطان لا يترك جهة من جهات الوسوسة إلا ويلقيها في القلب. فإن قيل: فلم لم يذكر مع الجهات الأربع من فوقهم ومن تحتهم. قلنا: أما في التحقيق فقد ذكرنا أن القوى التي يتولد منها ما يوجب تفويت السعادات الروحانية، فهي موضوعة في هذه الجوانب الأربعة من البدن. وأما في الظاهر: فيروى أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر، فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع كونه مستولياً عليه من هذه الجهات الأربع، فأوحى الله تعالى إليهم أنه بقي للإنسان جهتان: الفوق والتحت، فإذا رفع يديه إلى فوق في الدعاء على سبيل الخضوع، أو وضع جبهته على الأرض على سبيل الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة. والله أعلم. المسألة الثانية: أنه قال: {مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } فذكر هاتين الجهتين بكلمة {مِنْ }. ثم قال: {وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ } فذكر هاتين الجهتين بكلمة {عَنْ } ولا بد في هذا الفرق من فائدة. فنقول: إذا قال القائل جلس عن يمينه، معناه أنه جلس متجافياً عن صاحب اليمين غير ملتصق به. قال تعالى: {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ قَعِيدٌ } تفسير : [قۤ: 17] فبين أنه حضر على هاتين الجهتين ملكان، ولم يحضر في القدام والخلف ملكان، والشيطان يتباعد عن الملك، فلهذا المعنى خص اليمين والشمال بكلمة {عَنْ } لأجل أنها تفيد البعد والمباينة، وأيضاً فقد ذكرنا أن المراد من قوله: {مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } الخيال، والوهم، والضرر الناشىء منهما هو حصول العقائد الباطلة، وذلك هو حصول الكفر، وقوله: {وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ } الشهوة، والغضب، والضرر الناشىء منهما هو حصول الأعمال الشهوانية والغضبية، وذلك هو المعصية، ولا شك أن الضرر الحاصل من الكفر لازم، لأن عقابه دائم. أما الضرر الحاصل من المعصية فسهل لأنه عقابه منقطع، فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة {عَنْ } تنبيهاً على أن هذين القسمين في اللزوم والاتصال دون القسم الأول. والله أعلم بمراده. المسألة الثالثة: قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على بطلان ما يقال: إنه يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه، لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المبالغة أحق. ثم قال تعالى حكاية عن إبليس أنه قال: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } وفيه سؤال: وهو أن هذا من باب الغيب فكيف عرف إبليس ذلك فلهذا السبب اختلف العلماء فيه فقال بعضهم كان قد رآه في اللوح المحفوظ، فقال له على سبيل القطع واليقين. وقال آخرون: إنه قاله على سبيل الظن لأنه كان عازماً على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات، وعلم أنها أشياء يرغب فيها غلب على ظنه أنهم يقبلون قوله فيها على سبيل الأكثر والأغلب ويؤكد هذا القول بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً } تفسير : [سبأ: 20] والعجب أن إبليس قال للحق سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } فقال الحق ما يطابق ذلك {أية : وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ }تفسير : [سبأ: 13] وفيه وجه آخر وهو أنه حصل للنفس تسع عشرة قوة، وكلها تدعو النفس إلى اللذات الجسمانية. والطيبات الشهوانية فخمسة منها هي الحواس الظاهرة، وخمسة أخرى هي الحواس الباطنة، واثنان الشهوة والغضب، وسبعة هي القوى الكامنة، وهي الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة، والغاذية، والنامية، والمولدة فمجموعها تسعة عشر وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم وترغبها في طلب اللذات البدنية، وأما العقل فهو قوة واحدة، وهي التي تدعو النفس إلى عبادة الله تعالى وطلب السعادات الروحانية ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكمل من استيلاء القوة الواحدة لا سيما وتلك القوى التسعة عشر تكون في أول الخلقة قوية ويكون العقل ضعيفاً جداً وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلما كان الأمر كذلك، لزم القطع بأن أكثر الخلق يكونون طالبين لهذه اللذات الجسمانية معرضين عن معرفة الحق ومحبته فلهذا السبب قال: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } والله أعلم.

القرطبي

تفسير : سأل النظرة والإمهال إلى يوم البعث والحساب. طلب ألاّ يموت لأن يوم البعث لا موت بعده؛ فقال الله تعالىٰ: {إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ}. قال ابن عباس والسدّي وغيرهما: أنْظَره إلى النفخة الأُولىٰ حيث يموت الخلق كلهم. وكان طلب الإنظار إلى النفخة الثانية حيث يقوم الناس لرب العالمين؛ فأبى الله ذلك عليه. وقال: {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} ولم يتقدّم ذِكْرُ من يبعث؛ لأن القصة في آدم وذريته، فدلّت القرينةُ على أنهم هم المبعوثون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ أَنظِرْنِى } أخِّرني {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي الناس.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَنظِرْنِى} طلب الإنظار بالعقوبة إلى يوم القيامة فأنظر بها إلى يوم القيامة، أو طلب الإنظار بالحياة إلى القيامة فأنظره إلى النفخة الأولى ليذوق الموت بين النفختين، وهو أربعون سنة، ولا يصح إجابة العصاة لأنها تكرمة ولا يستحقونها فقوله: {أية : إِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِينَ}تفسير : [الأعراف: 15] ابتداء عطاء جعل عقيب سؤاله، أو يصح إجابتهم ابتلاءً وتأكيداً للحجة.

ابن عادل

تفسير : قوله: {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي: أخرنِي، وأمْهِلْنِي فلا تميتني إلى يوم يُبْعَثُونَ من قُبُورهم، وهي النَّفْخَةُ الأخِيرَةُ عند قِيَام السَّاعَةِ. والضَّميرُ في "يُبْعَثُونَ" يعودُ على بَنِي آدَمَ لدلالة السِّياقِ عليهم، كما دَلَّ على ما عاد عليه الضَّميرانِ في "منها" وفيها كما تقدم. قوله: {أية : فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ} تفسير : [الحجر:37] قال بعضُ العُلَمَاءِ، إنَّهُ تعالى أنظره إلى النَّفْخَةِ الأولى؛ لأنَّهُ تعالى قال في آيةٍ أخرى: {أية : قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ}تفسير : [الحجر: 37،38]، المراد منه اليوم الذي يموت فيه الأحْيَاءُ كلهُمْ. وقال آخرون: لم يُوقِّتِ اللَّهُ تعالى له أجلاً بل قال: {إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ} وقوله في الآيةِ الأخْرَى {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} المرادُ منه الوقت المَعْلُومُ في عِلْمِ الله تعالى. قالوا: والدَّليلُ على صِحَّتِهِ: أنَّ إبليس كان مُكَلَّفاً، والمُكَلَّفُ لا يجوزُ أن يعلم أنَّ اللَّهَ تعالى أخَّرَ أجَلَهُ إلى الوقت الفُلانِيِّ، لأنَّ ذلك المُكَلّفَ يعلمُ أنَّهُ متى تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وإذا علم أنَّ وقت موته هو الوَقْتُ الفُلانِيُّ أقدم على المعصية بقلب فارغ، فإذا قَرُبَ وَقْتُ أجَلِهِ؛ تاب عن تلك المعاصي، فَثَبَتَ أن تعريف وقت المَوْتِ بعينه يَجْرِي مَجْرَى الإغْرَاءِ بالقَبِيحِ، وذلك غير جَائزٍ على اللَّهِ تعالى. وأجاب الأوَّلُونَ بأنَّ تَعْرِيفَ اللَّه - تعالى - كَوْنَهُ من المُنْظَرينَ إلى يَوْم القِيَامَةِ لا يقْتَضِي إغْراءً؛ لأنَّهُ تعالى كَانَ يعلمُ أنَّهُ يمُوتُ على أقْبَح أنْواعِ الكُفْرِ والفِسْقِ، سواء عَلِمَ وَقْتَ موته، أوْ لم يعلمْهُ، فلم يكنْ ذلك الإعلامُ موجِباً إغراءهُ بالقبيح، ومثاله أنَّهُ تعالى عرَّف أنبياءَهُ أنَّهُم يموتون على الطَّهَارَة والعِصْمَةِ، ولم يكن ذلك مُوجِباً إغراءهم بالقبيح؛ لأجل أنه تعالى عَلِمَ مِنْهُم أنَّهُ سواء عرَّفَهُم تلك الحالة، أم لم يعرِّفْهُمْ تلك الحالة، فإنَّهُم يَمُوتُونَ على الطَّهارة والعِصْمةِ، فلمَّا كان حالهم لا يَتَفَاوت بسببِ هذا التَّعْرِيف، فلا جَرَمَ لم يكن ذلك التعريف إغراء بالقبيحِ فكذلك ههنا. قوله: {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} في هذه "الباء" وجهان: أحدهما: أنَّهَا قسميَّةٌ وهو الظَّاهِرُ أي: بقدرتك عليَّ، ونفاذ سُلْطانِكَ فيَّ لأقْعُدَنَّ لهم على الطَّريق المُسْتَقِيم الذي يسلكونه إلى الجَنَّةِ بأن أزيِّنَ لهم البَاطِل، وما يُكْسِبُهُمُ المآثِمَ. ويدلُّ على أنها باء القسم قوله تعالى في سورة "ص": {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ}تفسير : [الآية: 82]. والثاني: أنَّها سببيَّةٌ، وبه بدأ الزَّمَخْشَرِيُّ قال: {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} فبسبب إغوائِكَ إيَّايَ؛ لأقعدن لهم، ثم قال: "والمعنى فَبِسَبَبِ وُقُوعِي في الغَيِّ لأجْتَهِدَنَّ في إغوائهم حتَّى يَفْسُدُوا بسببي كما فَسَدْتُ بسببهم". فإنْ قُلْتَ: بِمَ تعلَّقَتِ "البَاءُ"؛ فإنَّ تعلقها بـ "لأقْعَدُنّ" يصدُّ عنه لام القسم لا تقولُ: واللَّه بزيدٍ لأمرنّ؟ قُلْتُ: تعلَّقتْ بفعل القَسَمِ المَحْذُوف تقديره، فبما أغْوَيْتَني أقْسِمُ باللَّهِ لأقعدنّ [أي]: فبسبب إغوائك أقسم. ويجُوزُ أن تكون "البَاءُ" للقسم أي: فأقْسِمُ بإغْوَائِكَ لأقْعُدَنَّ. قال شهابُ الدِّين. وهذان الوَجْهَانِ سبقه إليهما أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبَارِيِّ، وذكر عبارةً قريبةً من هذه العِبارَةِ. وقال أبو حيان: "وما ذكره من أنَّ اللاَّمَ تصدُّ عن تعلُّقِ البَاءِ بـ "لأقْعُدَنَّ" ليس حكماً مجتمعاً عليه، بل في ذلك خِلافٌ". قال شهابُ الدِّين: أما الخلافُ فنعم، لكنَّهُ خلافٌ ضعيفٌ لا يعتد به أبُو القَاسِم، والشَّيْخُ نَفْسُهُ قد قال عند قوله تعالى: {أية : لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأعراف: 18] في قراءة من كَسَرَ اللاَّم في "لِمَنْ": إنَّ ذلك لا يجيزه الجمهورُ، وسيأتي مبينّاً إن شاء اللَّهُ تعالى. و "مَا" تَحْتَمِلُ ثلاثةَ أوْجُهٍ: أظهرها: أنَّهَا مَصْدَريَّةٌ أي: فَبِإغوائِكَ إيَّايَ. والثاني: أنَّها استفهاميَّةٌ يعني أنَّهُ اسْتَفْهَمَ عن السَّبب الذي إغواهُ به فقال: فبأيِّ شيءٍ من الأشْيَاءِ أغْوَيْتَنِي؟ ثم استأنَفَ جُمْلَةً أقْسَمَ فيها بقوله: "لأقْعُدَنَّ" وهذا ضعيفٌ عند بعضهم، أو ضرورةً عند آخرينَ من حيثُ أنَّ "مَا" الاستفهاميَّة إذا جُرَّت حُذِفَتْ ألفُهَا، ولا تثبت إلاَّ في شذوذ كقولهم: عمَّا تَسْألُ؟ أو ضَرُورَةً كقوله: [الوافر] شعر : 2412 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَادِ تفسير : والثالث: أنَّها شرطيةٌ، وهو قول ابن الأنْبَارِيِّ، ونَصُّهُ قال - رحمه الله -: ويجوز أن يكون "مَا" بتأويل الشَّرْطِ، و "الباء" من صلة الإغواء، والفاءُ المضْمَرةُ جوابُ الشَّرْطِ، والتقديرُ: فبأي شيء أغويتني فلأقعدن لهم صراطَكَ؛ فتُضْمَرُ الفاءُ [في] جواب الشَّرْطِ كما تُضْمِرُهَا في قولك: "إلَى مَا أوْمَأتَ أنِّي قَابِلُهُ، وبما أمرت أني سامعٌ مطيعٌ". وهذا الذي قاله ضعيف جدّاً، فإنَّهُ على تقدير صحَّةِ معناهُ يمتنعُ من حيث الصناعةُ، فإن فاء الجزاءِ لا تُحذف إلاَّ في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ كقوله: [البسيط] شعر : 2413 - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا والشَّرُّ بالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ تفسير : أيْ: فالله. وكان المبرد لا يُجَوِّز ذلك ضرورة أيضاً، وينشد البيت المذكور:[البسيط] شعر : 2414 - مَنْ يَفْعَل الخَيْرَ فالرَّحْمَنُ يَشْكُرُهُ ............................ تفسير : فعلى قول أبي بكر يكونُ قوله: "لأقْعدنَّ" جواب قسم محذوف، وذلك القسَمُ المقدَّرُ، وجوابه جوابُ الشَّرْطِ، فيقدَّرُ دخول الفَاءِ على نفس جُمْلَةِ القَسَمِ مع جوابها تقديرُهُ: فبما أغْوَيْتَنِي فواللَّهِ لأقْعُدَنَّ. هذا يتمم مذهبه. والإغواء إيقاع الغَيِّ في القَلْبِ أي: بما أوْقَعْتَ في قلبي من الغَيِّ والعِنَاد والاستكبار وقد تقدَّمَ في البَقَرَة. قوله: "صِرَاطكَ" في نَصْبِهِ ثلاثة أوْجُهٍ: أحدها: أنَّهُ منصوبٌ على إسْقَاطِ الخَافِضِ. قال الزَّجَّاجُ: ولا اختلاف بين النَّحْويين أنَّ "على" محذوفة كقولك: "ضَرَبَ زيد الظَّهْرَ والبطنَ، أي: على الظَّهْرِ والبَطْن". إلا أن هذا الذي قاله الزَّجَّاجُ - وإن كان ظاهِرُهُ الإجماع - ضعيف من حيث إنَّ حَرْفَ الجرِّ لا يطَّردُ حَذْفُهُ، بل هو مخصوص بالضَّرُورَةِ أو الشُّذوذِ؛ كقوله: [الوافر] شعر : 2415 - تَمُرُّونَ الدِّيَارَ فَلَمْ تَعُوجُوا ......................... تفسير : [وقوله]: [الطويل] شعر : 2416 -......................... لَوْلاَ الأسَى لقَضَانِي تفسير : [وقوله]: [الطويل] شعر : 2417 - فَبَتُّ كَأنَّ العَائِدَاتِ فَرَشْنَنِي ........................ تفسير : والثاني: أنَّهُ مَنصوبٌ على الظَّرفِ، والتَّقديرُ: لأقْعُدَنَّ لهم في صِرَاطِكَ. وهذا أيضاً ضعيف؛ لأنَّ "صِرَاطكَ" ظرف مكان مُخْتَصّ، والظَّرْفُ المكانيُّ المختصُّ، لا يصل إليه الفِعْلُ بنفسه، بل بـ "في" تقول: صلَّيْت في المسجد، ونمت في السُّوقِ. ولا تقول: صليتُ المَسْجِدَ إلا فيما استثني في كُتُبِ النحوِ، وإنْ وَرَدَ غير ذلك، كان شاذًّا؛ كقولهم "رَجَعَ أدْرَاجَهُ" و "ذَهَبْتُ" مع "الشَّام" خاصَّة أو ضرورةً؛ كقوله: [الطويل] شعر : َ 2418 - جَزَى اللَّهُ بالخَيْرَاتِ مَا فَعَلا بِكُمْ رَفِيقَيْنِ قَالاَ خَيْمَتَيْ أمِّ مَعْبَدِ تفسير : أي: قالا في خَيْمتَي، وجعلُوا نظير الآيةِ في نَصْبِ المكان المختصِّ قول الآخر: [الكامل] شعر : 2419 - لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنَهُ فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّريقَ الثَّعْلَبُ تفسير : وهذا البيتُ أنْشَدَهُ النُّحَاةُ على أنَّهُ ضَرُورةٌ، وقد شذَّ ابن الطَّرَاوَةِ عن مذهب النُّحَاةِ فجعل "الصِّراط" و "الطَّريقَ" في هذين الموضعين مكانين مُبْهَمَيْن. وهذا قولٌ مردودٌ؛ لأن المُخْتَصَّ من الأمكنة ما له أقطار تحويه، وحدود تحصره، والصِّراطُ والطَّريقُ من هذا القبيل. الثالث: أنَّهُ منصوبٌ على المفعول به؛ لأن الفِعْلَ قبله - وإنْ كان قاصراً - فقد ضُمِّن معنى فِعْلٍ مُتَعَدٍّ. والتقديرُ: لألزمن صراطك المستقيمَ بقُعُودي عليه. فصل في معنى إغواء إبليس قول إبليس "فَبِما أغْوَيْتَنِي" يدلُّ على أنَّهُ أضَافَ إغواءه إلى اللَّه - تعالى -، وقوله في آية أخرى: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 82] يدلُّ على أنَّهُ أضَافَ إغواء العباد إلى نفسه، فالأول دلَّ على مَذْهَب أهْلِ الجَبْر، والثَّانِي يدلُّ على مذهب [أهل] القدر، وهذا يدلُّ على أنه كان متحيراً في هذه المسألةِ. وقد يقال: إنَّهُ كان معتقداً بأن الإغواءِ لا يَحْصُلُ إلاَّ بالمغوي فَجَعَلَ نَفْسَهُ مُغْوِياً لغيره من الغاوين ثمَّ زعم أنَّ المُغوي لهُ هو اللَّهُ - تعالى - قطعاً للتَّسلْسُل. واختلفُوا في تَفْسيرِ هذه الكَلِمَةِ، فقال أهْلُ السُّنَّةِ: الإغواءُ إيقاع الغيِّ في القَلْبِ، والغيُّ هو الاعتقادُ البَاطِلُ، وذلك يدلُّ على أنَّهُ كان يعتقدُ أنَّ الحقَّ والباطل إنَّمَا يقعُ في القَلْبِ من اللَّهِ. وأمَّا المعتزلةُ فلهم ههنا مقاماتٌ. أحدها: أن يفسِّرُوا الغَيَّ بما ذكرناه، ويعتذروا عنه بوجوه. منها: أن قالوا: هذا قول إبْليسَ، فهب أنَّ إبليس اعتقد أنَّ خَالِقَ الغيِّ، والجهلِ، والكفرِ هو الله، إلاَّ أنَّ قول إبليس ليس بحجَّةٍ. ومنها قالوا: إنَّه تعالى لمَّا أمره بالسُّجُود لآدَمَ؛ فعند ذلك ظهر غيه وكفره، فجاز أن يضيف ذلك إلى الله - تعالى - لهذا المعنى، وقد يَقُولُ القائِلُ: لا تحملني على ضَرْبِكَ أي: لا تَفعلْ ما أضربك عِنْدَهُ. ومنها: أن قوله {ربِّ بِمَا أغْوَيْتَنِي} أي: لعنتني، والمعنى أنَّكَ لمَّا لَعَنْتَنِي بسبب آدَمَ؛ فأنَا لأجْلِ هذه العَداوَةِ؛ ألقي الوساوسَ في قُلُوبهم. المقام الثاني: أنْ يفسِّرُوا الإغْواءَ بالهلاكِ، ومنه قوله تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيًّا}تفسير : [مريم: 59] أي: هلاكاً وويلاً، ومنهُ أيضاً قولهم: غَوَى الفَصِيلُ يَغْوِي غوًى؛ إذَا أكثر من اللَّبَنِ حتى يفسدَ جوفه ويُشَارِفَ الهَلاكَ والعَطَبَ. وفسَّروا قوله تعالى: {أية : إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ}تفسير : [هود: 34] إن كان اللَّهُ يريدُ أنْ يهلككم بعنادكم للحق. فهذا جميع الوجوه المذكورة. قال ابْنُ الخَطِيبِ: ونحن لا نُبَالغُ في بيان أنَّ المراد من الإغواء في هذه الآية الإضْلالُ؛ لأن حَاصِلَهُ يرجع إلى قول إبليس، وإنَّه ليس بحجة إلاَّ أنَّا نقيمُ البرهانَ اليقينيَّ على أنَّ المُغْوِي لإبليس هو اللَّهُ - تعالى - وذلك؛ لأنَّ الغاوي لا بدَّ لهُ من مُغْوٍ، والمُغْوِي له إمَّا أن يكون نَفْسَهُ، أو مخلوقاً آخَرَ، أو اللَّهَ - تعالى - والأوَّلُ باطِلٌ؛ لأن العاقلَ لا يختارُ الغوَايَة مع العِلْمِ بكونها غوَايَةً، والثَّاني أيضاً باطلٌ، وإلاّ لزم إما التَسَلْسُل وإمَّا الدَّوْرُ، والثَّالِثُ هو المقصود. فصل في المراد من الإقعاد المراد من قوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} أنَّهُ يُواظِبُ على الإفْسَادِ مواظبة لا يَفْتُرُ عنها، ولهذا المعنى ذكر القُعُود؛ لأن من أراد المُبَالَغَة في تكميل أمر من الأمُور قعد حتى يصير فارغَ البالِ، فيمكنه إتمام المقصود. ومواظبته على الإفْسَادِ، هي مُواظَبَتُهُ على الوَسْوسَةِ بحيثُ لا يَفْترُ عنها. قال المُفَسِّرُونَ: معنى {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ} أي: بالصَّدِّ عنه وتزيين البَاطِل؛ حتَّى يهلكوا كما هَلَكَ، أو يضلوا كما ضَلَّ، أو يخيبوا كما خَابَ. فإن قيل: هذه الآيَةُ دَلَّتْ على أنَّ إبليس كان عالماً بالدِّين الحقِّ؛ لأنه قال {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} وصراطُهُ المُستقِيمُ هو دينه الحقُّ، ودَلَّتْ أيضاً على أن إبليس كان عالماً بأنَّ الذي هو عليه من الاعتقاد هو مَحْضُ الغوايَةِ والضَّلال لأنه لو لم يكن كذلك لما قال: {أية : رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي}تفسير : [الحجر: 39]، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أنْ يرضى إبليسُ بذلك المَذْهَب مع علمه بكونه ضلالاً وغوايةً، وبكونه مضاداً للدِّين الحقِّ، ومنافياً للصِّراط المستقيم، فإنَّ المرءَ إنَّمَا يعتقدُ الاعتقادَ الفَاسِدَ إذا غلب على ظَنِّهِ كونه حَقّاً، فأمَّا من عَلِمَ أنَّهُ باطلٌ وضلالٌ وغوايةٌ يَسْتَحِيلُ أنْ يختاره، ويرضى به، ويعتقدهُ. فالجوابُ: أنَّ من النَّاسِ من قال: إنَّ كفر إبليسَ كفْرُ عَناد لا كُفْرَ جَهْلٍ، ومنهم من قال: كُفْرُهُ كُفْرُ جَهْلٍ. وقوله: {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي}، وقوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} يريدُ به في زعم الخَصْمِ، وفي اعتقاده. فصل في بيان هل على الله رعاية المصالح احتجَّ أهلُ السُّنَّةِ بهذه الآية على أنَّهُ لا يجب على اللَّه رعاية مصالح العبدِ في دينه، ولا في دنياه؛ لأنَّ إبليس استمهل الزَّمَانَ الطويل فأمْهَلَهُ اللَّهُ، ثمَّ بيَّن أنَّهُ إنَّمَا يستمهله؛ لأغواء الخلق، وإضلالهم. والله - تعالى - عَالِمٌ بأنَّ أكثر الخلق يطيعونهُ، ويقبلون وسْوَسَتَهُ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [سبأ: 20] فثبت أنَّ إنْظَارَ إبليس وإمْهَالَهُ هذه المدة الطويلة؛ يَقْتَضِي حصور المفاسِدِ العظيمة. والكفر العظيم، فلو كان تعالى مراعياً لمصالح العبادِ؛ لامتنع أنْ يمهله، وأن يمكنه من هذه المفاسد، فَحَيْثُ أنْظَرَهُ وأمهله؛ علمنا أنَّهُ لا يجب عليه شيء من رِعَايَةِ المصالحِ أصْلاً، ومما يقوِّي ذلك أنَّهُ تعالى بَعَثَ الأنبياءَ دعاة إلى الحقِّ، وعلِمَ من حال إبليس أنَّهُ لا يَدْعُو إلاَّ إلى الكُفْرِِ والضلالِ، ثم إنَّهُ تعالى أماتَ الأنْبِيَاءِ الذينَ يَدْعُونَ الخلق إلى الحق، وأبقى إبليس وسائر الشياطين الذين يَدْعُونَ إلى الكُفْرِ والبَاطِل، ومن كان مُرِيداً لمَصَالِحِ العباد؛ امتنعَ منه أنْ يفعل ذلك. قالت المُعتزلةُ: اختلف شُيُوخُنَا في هذه المسألةِ فقال الجُبَّائِيُّ: إنَّهُ لا يختلفُ الحالُ بسببِ وجودِهِ وعدمِهِ، ولا يضل بقوله أحَدٌ إلا من لو فَرَضْنَا عدم إبليس، لكان يضل أيضاً ويَدُلُّ على ذلك قوله تعالى: {أية : مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات: 162، 163]، ولأنَّهُ لو ضَلَّ به أحَدٌ لكان بقاؤه مفسدة. وقال أبُو هَاشِم: يجوز أنْ يضل به قَوْمٌ، ويكون خلقه جارياً مجرى خلق زيادة الشَّهْوَة، فإنَّ هذه الزِّيادة من الشهوة لا توجب فِعْلَ القَبيح إلاَّ أنَّ الامْتناعَ منها يصير أشَقَّ، ولأجْلِ تلك الزِّيَادة من المشقَّةِ، تحصل الزِّيادةُ في الثَّواب، فكذا ههنا بسبب بقاءِ إبليس يصير الامتناع من القَبَائِح أشد، وأشق، ولكنه لا ينتهي إلى حدِّ الإلجاء والإكْراهِ. والجوابُ: أمَّا قول أبي علي فضعيف؛ لأنَّ الشَّيْطانَ لا بُدَّ وأن يزيِّن القبائِحَ في قلب الكافر ويحسِّنهَا له، ويذكره ما في القَبَائِح من أنواع اللَّذَّاتِ، ومن المعلوم أن حال الإنسان مع حُصُولِ هذا التذكير والتَّزْيين لا يكون مُسَاوِياً لحاله عِنْدَ عدم هذا التذكير والتزيين، ويدلُّ على ذلك العرف، فإنَّ الإنسان إذا حصل له جلساءُ يرغبونه في أمر من الأمُور، ويحسنونه في عينه ويسهِّلُونَ عليه طريقَ الوُصُولِ إليه، ويواظبون على دعوته إليه؛ فإنَّهُ لا يكون حاله في الإقدام على ذلك، كحاله إذا لم يوجد هذا التَّذْكير والتَّحسين والتَّزيين، والعلم بذلك ضروري. وأمَّا قولُ أبي هاشمٍ فضروريُّ البُطْلانِ؛ لأنه إذا صار هذا التَّذكير والتَّزيين حاملاً للمرء على الإقدام على ذلك القبيح كان ذلك سعياً في إلقائِهِ في المفسدة، وما ذكره من خلق الزِّيادةِ في الشَّهْوَةِ فهو حُجَّةٌ أخرى لنا في أنَّ اللَّه تعالى لا يراعي المصلحة، فكيف يمكنه أن يحتجَّ به، والذي يقرره غاية التقرير: أنه لسبب حصول تلك الزِّيادة في الشَّهوة يقع في الكفر وعذاب الأبَدِ، ولو احترزَ عن تلك الشَّهْوَة فغايتُهُ أن يزداد ثوابُهُ بزيَادَةِ تلك المشقَّةِ، وحصول هذه الزَّيادَة من الثَّوابِ شيءٌ لا حَاجَةَ إليْهِ ألْبَتَّة، أمَّا دفعُ العِقَاب المؤبَّدِ، فإليه أعظم الحاجات، فلو كان إلهُ العالم مُرَاعياً لمصالح العِبادِ لاسْتَحَال أن يهمل الأهم الأكمل الأعظم لأجل زيادةٍ لا حاجةَ إليها ولا ضَرُورةَ. فَثَبَتَ فساد هذه المذاهب، وأنَّهُ لا يَجِبُ على الله شيء أصلاً. قوله: "ثم لآتينهم" جُمْلَةٌ معطوفةٌ على جوابِ القسم أيضاً وأخبر أنَّهُ بعد أنْ يَقْعُدَ على الصِّراطِ يأتي من هذه الجهات الأربع، ونوَّع حَرْفَ الجرِّ فَجرَّ الأوَّلَيْن [بـ"مِنْ"] والثَّانيين بـ "عَنْ" لنكته ذكرها الزَّمَخْشَرِي. قال - رحمه الله -: "فإن قُلْتَ كَيْفَ قيلَ: مِنْ بين أيْديهمْ، ومن خلفهم بحرف الابتداء، وعنْ أيْمَانِهِم، وعن شَمَائِلِهِمْ بحرف المُجاوَزَةِ؟ قلت: المفعول فيه عُدِّي إليه الفِعْلُ نحو تعديته إلى المفعُولِ به، فكما اختلفت حروفُ التَّعْدِيَة في ذلك اختلفت في هذا، وكانت لغة تُؤخَذُ ولا تُقاسُ، وإنَّمَا يُفتش عن صِحَّةِ موقعها فقط، فلما سمعناهم يَقُولُون: جلس عن يمينه، وعلى يمينه، وعن شماله، وعلى شماله قلنا: معنى "عَلَى يَمينِهِ" أنَّهُ تمكَّن من جهة اليمين تمكُّن المُسْتعلِي من المُسْتَعْلَى عليه. ومعنى "عَنْ يَمينِهِ" أنَّهُ جَلَسَ مُتَجافِياً عن صاحب اليمينِ غير مُلاصِق له مُنْحَرِفاً عنه، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى استعمل في المُتَجَافِي وغيره كما ذكرنا في "تعال". ونحوه من المفعول به قولهم: "رَمَيْتُ على القَوْسِ، وعن القَوْسِ، ومن القَوْسِ" لأنَّ السَّهْمَ يَبْعُدُ عنها، ويستعليها إذا وضع على كَبدهَا للرَّمْي، ويَبْتَدِىءُ الرَّمْيُ منها، فلذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى "في"؛ لأنَّهُمَا ظَرْفَانِ ويَبْتَدِىءُ الرَّمْيُ منها، فلذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى "في"؛ لأنَّهُمَا ظَرْفَانِ للفعل، ومِنْ بين يديه ومن خلفه؛ لأنَّ الفِعْلَ يقع في بعض الجِهَتَيْنِ كما تقُولُ: جِئْتُ من اللَّيْل تريدُ بعض اللَّيل". قال شهابُ الدِّين: "وهذا كلامُ مَنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ في فهم كلامِ العرب". وقال أبُو حيَّان: وهو كلامٌ لا بَأسَ به. فلم يوفِّه حقَّهُ. ثم قال: وأقُولُ: وإنَّما خصَّ بين الأيدي، والخلف بحرف الابتداءِ الذي هو أمكن في الإتْيَانِ؛ لأنَّهُمَا أغلب ما يجيءُ العدوُّ منهما فَيَنَال فرصتَهُ، وقدَّم بين الأيْدِي على الخَلْفِ؛ لأنَّهَا الجِهَةُ الَّتِي تَدُلُّ على إقدام العَدُوِّ وبسالته في مواجهة قِرْنِه غير خَائِفٍ مِنْهُ، والخلف جهة غدر ومخاتلة، وجهالة القِرْن بِمَنْ يغتاله، ويتطلب غِرَّته وغَفْلَتَه، وخصَّ الأيمان والشَّمَائِلَ بالحرف الذي يدلُّ على المجاوزة؛ لأنهما ليستا بأغلب ما يأتي منهما العَدُوّ، وإنما يجاوز إتْيَانَهُ إلى الجِهَةِ الَّتِي هي أغْلَبُ في ذلِكَ، وقُدِّمَتِ الأيمان على الشَّمائِلِ؛ لأنها هي الجِهَةُ القويَّةُ في مُلاقَاةِ العَدُوِّ، وبالأيمان البَطْشُ والدَّفْعُ، فالقرن الذي يأتي من جهتها أبْسَلُ وأشْجَعُ إذ جاء من الجهة الَّتي هي أقوى في الدَّفْعِ، والشَّمَائِل ليست في القُوِّةِ والدَّفْعِ كالأيمان. [والأيمانُ] والشَّمَائِلُ جَمْعا يمينٍ وشمالٍ، وهما الجَارِحَتَانِ وتجمعان في القلَّة على أفْعُلٍ، قال: [الرجز] شعر : [2420]- يَأتِي لَهَا مِنْ أيْمُنٍ وأشْمُلِ تفسير : والشَّمَائِلُ يُعبَّرُ بها عن الأخلاق والشِّيم تقول: له شمائل حسنة، ويُعبَّر عن الحسنات باليمين، وعن السَّيِّئَات بالشَّمَال؛ لأنَّهُمَا منشأ الفعلين: الحسن والسيّىء. ويقولون: اجعلني في يَمينكَ لا في شمالِكَ قال: [الطويل] شعر : 2421 - أَبُثْنَى، أفِي يُمْنَى يَدَيْكِ جَعَلْتنِي فأفْرَحَ أمْ صَيَّرتني فِي شِمَالِكِ تفسير : يكنون بذلك عن عِظَمِ المنْزِلَةِ عند الشَّخْصِ وخِسَّتِها، وقال: [الطويل] شعر : 2422 - رَأيْتُ بَنِي العَلاَّتِ لمَّا تَضَافَرُوا يَجُوْزُوْنَ سَهْمِي بَيْنَهُمْ فِي الشَّمَائِلِ تفسير : والشَّمائل: جمع شمال بفتح الشِّين وهي الرِّيح. قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 2423- وَهَبَّتْ لَهُ رِيحٌ بِمُخْتَلِفِ الصُّوَى صَباً وشَمالٌ فِي مَنَازِلِ قُفَّالِ تفسير : والألف في "الشَّمال" زائدة، لذا يُزاد فيها الهمزة أيضاً بعد الميم وقبلها فيقولون: شَمْأل وشَأمَل، يدلُّ على ذلك كلِّه سقوطه في التَّصْرِيفِ قالوا: "أشملت الريح" إذا هبت شمالاً. فصل في معنى "من بين أيديهم" قال عليُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عن ابن عباس: "مِنْ بيْنَ أيدِيهِم أي: من قبل الآخرة فأشككهم فيها، ومن خَلْفِهِم أرغبهم في دنياهم وعن أيمانهم أشبه عليهم أمر دينهم، وعن شمائلهم أشهي لهم المعاصي". وروى عطيَّةُ عن ابن عباس: "مِنْ بَيْنِ أيديِهِمْ من قبل دنياهم يعني أزينها في قلوبهم. ومن خَلْفهمْ: من قبل الآخرة فأقول: لا بَعْثَ، ولا جَنَّةَ ولا نَارَ، وعن أيْمَانِهِمْ: من قبل حسناتهم وعن شمائلهم: من قبل سيِّئاتهم". قال ابن الأنْبَاريِّ: "قول من قال الأيمانُ كِنَايَة عن الحسنات والشَّمائِل كناية عن السيئاتِ قول حسنٌ؛ لأنَّ العرب تقولُ: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالكَ، يُريدُ اجعلني من المُقدَّمينَ عِنْدك، ولا تجعلني من المؤخرين". وروى أبو عبيدة عن الأصمعي أنه قال: "أنتَ عِنْدَنَا باليمين أي: بمنزلة حسنةٍ، وإذا خبثت منزلته قال أنت عندي بالشِّمالِ". وقال الحكم والسُّدِّيُّ: {مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ}: من قبل الدنيا يزيّنها لهم، ومن خلفهم: من قبل الآخرة يثبِّطُهُم عنها، وعن أيمانهم من قبل الحقِّ يَصُدُّهُم عنه، وعن شمائلهم: من قبل الباطل يزينه لهم. وقال قتادَةُ: "أتاهم من بين أيْديِهم فأخبرهم أنَّهُ لا بعث ولا جنَّةَ، ولا نار، ومن خلفهم في أمْرِ الدُّنْيَا فزينها لهم ودعاهم إليها، وعن أيْمَانِهِمْ من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم زيَّن لهم السِّيئات والمعاصي، ودعاهم إليها". وقال مُجَاهِدٌ: "مِنْ بَيْنِ أيديهم، وعن أيمانهم من حيث يبصرون ومن خَلْفِهِم، وعن شمائلهم من حيث لا يُبْصِرُونَ". قال ابن جريج: معنى قوله: "حَيْثُ يبصرون أي: يخطئون، وحيث لا يُبْصِرُون أي: لا يعلمون أنَّهم يخطئون". وقيل: من بَيْنِ أيْدِيهِمْ في تكذيب الأنْبِياءِ والرُّسُلِ الذين يكونون حاضرين، ومن خلفهم في تَكْذِيب من تقدَّمَ من الأنبياء والرُّسُلِ، وعن أَيمانهم في الكُفْرِ والبِدْعَةِ، وعن شمائلهم في أنواع المعاصي. وقال حُكَمَاء الإسْلامِ: إنَّ في البدن قُوًى أربعاً؛ هي الموجبة لِقُوَّاتِ السَّعَادَاتِ الرُّوحَانِيَّةِ، فالقوة الأولى الخياليَّةُ التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وصورها، وهي موضوعة في البطن المقدَّم من الدِّماغِ، وصور المحسوسات إنَّمَا تَرِدُ عليها من مقدمها. وإليه الإشارة بقوله: {مِنْ بَيْنِ أيْدِيِهِمْ}. وَالقُوَّةُ الثَّانِيَةُ: الوهمِيَّةُ التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات، وهي موْضُوعَةٌ في البَطْنِ المؤخر من الدِّماغِ، وإليه الإشَارَةُ بقوله: "وَمِنْ خَلْفِهِم". والقُوَّةُ الثَّالِثَةُ: الشَّهْوَةُ، وهي موضوعة في الكبدِ، وهي من يمين البدن، وإليه الإشارة بقوله: "وعَنْ أيْمَانِهِم". والقُوَّة الرَّابِعَةُ: الغَضَبُ، وهي موضوعةٌ في البطن الأيسر من القلب، وإليه الإشارة بقوله: "وَعَنْ شَمَائِلِهمْ". فهذه القُوَى الأرْبَعُ التي تَتَولَّدُ عنها أحْوالٌ تُوجِبُ زوال السَّعاداتِ الرُّوحانيَّة، والشَّياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع لم تقدر على إلقاء الوَسْوسَةِ، فهذا هو السَّبَبُ في تعيين هذه الجهات الأربع. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنَّ الشَّيطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدْمَ بِطَرِيْقِ الإِسْلامِ فقَالَ: اتَّبِعْ دِيْنَ آبَائِكَ فَعَصَاهُ فأسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيْقِ الهِجْرةِ فقالَ لَهُ: تَدَعُ دِيَارَكَ وتَتَغَرَّبُ! فَعَصَاهُ وهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيق الجِهَادِ فقال له: تُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فيقُسمُ مَالُكَ وتُنْكَحُ امْرَأتُكَ فَعَصَاهُ فقاتَلَ"تفسير : . فهذا الخَبَرُ يدلُّ على أنَّ الشَّيطان لا يترك جهة من جهات الوسْوسَةِ إلاَّ ويلقيها في القَلْبِ. فإن قيل: فلم [لم] يذكر من الجهات الأربع "مِنْ فَوْقِهِم ومِنْ تَحْتِهِم؟" فالجوابُ أنَّا ذكرنا أنَّ القُوَى التي يتولَّدُ منها ما يُوجِبُ تفويتَ السَّعادات الرُّوحانية فهي موضوعةٌ في هذه الجوانب الأربعة من البدنِ. وأمّا في الظَّاهر فيروى أنَّ الشَّيْطانَ لمَّا قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا، كيف يتخلَّصُ الإنسان من الشيطان مع كونه مستولياً عليه من هذه الجهات الأرْبَعِ؟ فأوحى اللَّهُ تعالى إليهم: "أنه بَقِيَ للإنسان جهتان: الفَوْقُ والتَّحْتُ، فإذا رفع يديه إلى فوق في الدُّعَاءِ على سبيل الخضوع، أو وضع جبهته على الأرْضِ على سبيل الخُشُوع غفرت له ذَنْبَ سبعينَ سَنَةً".

القشيري

تفسير : أجاب دعاءَه في الحال ولكن كان ذلك مكراً به لأنه مكَّنه من مخالفة أمره إلى يوم القيامة، فلم يَزِدْه بذلك التمكين إلا شِقوةً. ليعلمَ الكافةُ أنه ليس كل إجابة للدعاء نعمةً ولطفاً بل قد تكون بلاءً ومكراً.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} الشيطان بعد كونه مطرودا {انظرنى} اى امهلنى ولا تمتنى {الى يوم يبعثون} اى آدم وذريته للجزاء بعد فنائهم وهو وقت النفخة الثانية واراد اللعين بذلك ان يجد فسحة من اغوائهم ويأخذ منهم ثاره وينجو من الموت لاستحالته بعد الموت.

الطوسي

تفسير : في الآية الأولى حكاية عن إِبليس أنه سأل الله تعالى أن ينظره. والانظار الامهال الى مدة فيها النظر في الأمر طال أمر قصر. والانظار والامهال والتأخير والتأجيل نظائر في اللغة، وبينها فرق. وضد الامهال الاعجال. وأصل الانظار المقابلة، وهي المناظرة. و (الجبلان يتناظران) أي يتقابلان، ونظر اليه بعينه أى قابله لينظر له ونظر اليه بيده، ليظهر له حال في اللين والخشونة أو الحرارة والبرودة. وقوله {إلى يوم يبعثون} مدة للانظار الذي طلبه. والبعث الاطلاق في الامر، والانبعاث الانطلاق. والبعث والحشر والنشر والجمع نظائر. ويجوز في {يوم يبعثون} ثلاثة أوجه من العربية: بالجر وترك التنوين على الاضافة، والجر مع التنوين على الصفة. والفتح وترك التنوين على البناء. وليس بالوجه، لان الفعل معرب. والوجه في مسألة إِبليس الانظار - مع علمه أنه مطرود ملعون مسخوط عليه - علمه بأن الله يظاهر الى عباده بالاحسان، ويعمهم بفضله وإِنعامه، فلم يصرف ارتكابه المعصية وإِصراره على الخطيئة عن المسألة طامعاً في الاجابة، وعن انس من بلوغ المحبة. وقيل في قوله {قال إِنك من المنظرين} هل فيه إِجابة الى ما التمسه أم لا؟ فقال السدي وغيره: إِنه لم يجبه {إلى يوم يبعثون} لأنه يوم القيامة، وهو يوم بعث لا يوم موت، ولكن انظر الى يوم الوقت المعلوم، كما ذكره في سورة اخرى. ويقوي ذلك قوله {إِنك من المنظرين} وليس لأحد أن ينظر أحداً الى يوم القيامة على هذا المعنى. الثاني - أنه سأل تأخير الجزاء بالعقوبة الى يوم يبعثون. لما خاف من تعجيل العقوبة، فأنظر على هذا. وقال قوم: انظر الى يوم القيامة، والأقوى الوجه الثاني، لأنه لا يجوز أن يعلم الله أحداً من المكلفين الذين ليسوا بمعصومين أنه يبقيهم الى وقت معين، لأن في ذلك إِغراء له بالقبح من حيث أنه يعلم انه باق الى ذلك الوقت فيرتكب القبيح، فاذا قارب الوقت جدد التوبة فيسقط عنه العقاب. وهل يجوز اجابة دعاء الكافر أم لا؟ فيه خلاف: فذهب أبو علي الى أنه لاْ يجوز، لما في ذلك في التعظيم والتبجيل لمجاب الدعوة في مجرى العادة، ألا ترى أنه اذا قيل: فلان مجاب الدعوة دل ذلك على أنه صالح المؤمنين. وأجاز ذلك أبو بكر بن الاخشاد على وجه الاستصلاح. وكان يقول: بتفصيل ذلك بحسب الوجه الذي يقع عليه. وكسرت "إِن" لأنها حكاية بعد القول، وهي تكسر في هذا الموضع، وفي الابتداء بها، واذا كان في خبرها لام التأكيد. وانما عملت (إِن) لشبهها بالفعل الماضي من حيث كانت على ثلاثة أحرف مفتوحة الآخر، فهي بمنزلة (كان) إِلا أنه خولف بعملها لأنها حرف.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ} بعد ما علم انّه لا يعود الى السّماء محلّه اسفل السّافلين {أَنظِرْنِي} أمهلنى {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} فلا تعجل فى عقوبتى واماتتى.

اطفيش

تفسير : {قالَ أنْظِرنى} أخِّرنى لأتمنى {إلى يَومِ يُبعثُون} يبعث الناس من قبورهم، طمع أن لا يموت إذ علم أن الموت ينقطع بعد البعث، وقد علم أن لا بقاء لأحد، ولكنه كره الموت وأراد كثرة الإغواء للناس، وخاف تعجيل العقوبة، ويحتمل أن يريد بيوم يبعثون الوقت الواسع الذى أوله نفخة الموت، وهو يوم لا انتهاء له، يموت الخلق أوله ثم يبعثون فيه، فلما كان البعث فيه قال: {يوم يبعثون} فيكون سأل الإنظار إلى تلك النفخة، وجملة يبعثون نعت يوم، والعائد محذوف، أى فيه، ومضاف إليها إن لم ينون يوم.

اطفيش

تفسير : {قَالَ أنْظِرْنِى} أَمهلنى {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أى يوم يبعث الناس، علم بالفهم أَو بوحى من الله عز وجل إِلى الملائكة أَن آدم وحواءَ ينسلان، وطلب الإِنظار إِلى يوم البعث ليصرف جهده إِلى إِغواء بنى آدم ليفسدوا، أَى كما فسدت بأَبيهم وبهم فى ضمنه، ودوا لو تكفرون كما كفروا، وأَيضا خص يوم البعث لئلا يبقى منهم أَحد إِلا طلبه بالإِغواءِ، ولئلا يذوق مرارة الموت فلا يموت لأَنه لا موت بعد البعث، فيكون حيا أَبدا فأَجابه الله بالإِنظار لكن إلى ما قبل وقت البعث {قَالَ} الله جل وعلا {إِنّكَ منَ الْمُنْظَرينَ} إلى يوم الوقت المعلوم، كما فى آيات أخر، وهو وقت نفخة الموت، ويجوز أَن يكون قد طلب إِنظار العقوبة أَى لا تعاقبنى قبل البعث، بل فى يوم البعث فيكون قد أَجاب الله دعاءه كله لا بعضه فقط كما فى التأويل الأول، وفى إِنظاره ابتلاء للناس فيشقى الشقى بمتابعته ويسعد السعيد بمخالفته، ويبعد أَن يكون الإِنظار فى قوله إِنك من المنظرين الإِنظار إِلى وقت البعث لكن يموت يوم البعث فيبعث الله الخلق عقب موته فيبعد دخوله فى قوله عز وجل إِلا من شاء الله، ويروى أَنه إِذا طلعت الشمس من مغربها سجد لله وقال: رب مرنى أَن أَسجد لآدم، فيدوم فى سجوده، وقوله ذلك حتى تخرج الدابة فتقتله، والله أَعلم بصحة ذلك. وفى آية أُخرى: مالك أن لا تكون، إِلخ، وفى أُخرى أَن تسجد، فقد جمع مخالفة الأَمر ومفارقة الجماعة والتكبر وتحقير آدم، ووبخ فى الأىِ الثلاث لا فى البقرة والإِسراء والكهف وطه، وطلب الإِنظار هنا، وأَجيب إِليه زيادة فى عذابه إِذ قد يجاب الكافر إِلى دعائه، فقال ما ذكر الله عز وجل عنه بقوله: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى} الفاء لعطف أقسم على إِنك من المنتظرين، ومحط التفريع هو قوله تعالى {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} ومعنى التفريع أَنه بنى على إِنظاره قعوده وإِتيانه المذكورين، وانتفاءَ شكر الأَكثر، والباء للقسم كما فى قوله تعالى "أية : فبعزتك لأَغوينهم" تفسير : [ص: 82] إِلخ، والقرآن يفسر بعضه بعضا، ولو جعلناها سببية لم نجد لها متعلقا إِذ لام لأَقعدن مانعة من تقديم المعمول فتحتاج إِلى تقدير متعلق مثل فبما أَغويتنى أَجتهد فى إِغوائهم، وهو دون تقدير فعل القسم، وأَيضا لأَقعدن جواب قسم ولا بد، فالقسم بهذه الباء أَولى من تقدير قسم آخر، وما مصدرية أَى باغوائك إِياى، أَقسم مرة بفعل الله وهو إِغواؤُه عز وجل إِياه لعنه الله، وهو خلق الغواية فيهِ، وأَصل اللفظ الفساد، يقال غوى الفصيل بمعنى فسد بطنه باللبن وهى بمعنى الضلال، ومرة بصفة الله وهى عزته تعالى، والمعتزلة يؤولون الإِغواءَ بإِحداث سبب الغى، أَو بالنسب إِلى الغواية، وهو من معانى أَفعل كما ذكرته فى شرح لامية ابن مالك، أَى نسبتنى إِلى الغى، ويرده ضعف هذا المعنى وكونه خلاف الأصل، كما أَن تفسيره إِحداث سبب الغى خلاف الأَصل، وبأَن ذلك كلام إِبليس غير حجة، ودعاهم إِلى ذلك الفرار من أَن يكون الله خالقا للأَفعال ولا سيما أَفعال المعصية، وقد أقر إِبليس لعنه الله عز وجل خلق المعصية ثم دعاهم إِلى نفى ذلك، وهذا كما قال قائل: شعر : وكان فتى من جند إِبليس فارتقى به الحال حتى صار إِبليس من جنده تفسير : ونصب الصراط على الظرفية المكانية، ووجهه أَنه مبهم باعتبار أَجزاء دين الله فإِنه عدو الله يقعد فى كل جزءٍ أمكنه. ولو لم نعتبر هذا إِبهاما لم ينصب على الظرفية بل نقول نصب شذوذا على الخافض وهو فى أَو على وذكر بعض شراح كتاب سيبويه فى قوله: كما عسل الطريق الثعلب. أَنه يكفى فى الإِبهام النظر إِلى أَصل الوضع، والطريق فى أَصل وضعه كل أَرض تطرق أَى يمشى عليها، ثم خص بممر السابلة دون الجبال والأَوهاد، فالآية من ذلك باعتبار ما ذكره فإِن المراد بالصراط دين الله عز وجل مستعار عن طريق الأَرض، أَو مفعول به لتضمن أَقعد معنى لازم، والآية استعارة تمثيلية ودونها أن تكون كناية، وفى الآية تلويح بأَنه لعنه الله يقعد للقطع عن دين الله عز وجل قعود قطاع الطريق للسابلة، وفى تقدير على تلويح بالاستيلاءِ على الطريق والمواظبة على الإِفساد حتى لا يلحقه فتور عن الإِغواءِ، وذكر الجهات الأَربع مبالغة بأَنه يغويهم بكل ما أَمكن، ولم يقل ومن فوقهم ومن تحت أَرجلهم لأَن الجهتين لم توجدا فى المشبه به وهو مثلا الإِنسان يهلك الآخر من الأَربع لا منهما، وكذا فى الكنابة، ولأَن الإِتيان من تحت يوحش فلا يطاع، والإِتيان من فوق يمنع منه نزول الرحمة، ولما قال - لعنة الله - ذلك رقت الملائكة عليهم، فقالوا: يا إِلهنا كيف يتخلص الإِنسان منه، فأَوحى الله إِليهم أَنه بقى للإِنسان جهتان فإِذا رفع يديه فى الدعاءِ إِلى الفوق على سبيل الخضوع أَو وضع جبهته على الأَرض على سبيل الخشوع، غفرت له ذنب سبعين عاما، وبدا بقدام وخلف لأَن الشجاع القوى يأتى مواجها وإِذا أَراد الاغتيال بالمكر فجأَة فمن خلفه فمن بين أَيديهم من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز ضد من خلفهم، وعن أَيمانهم وعن شمائلهم من حيث يمكن التحرز ولم يتحرزوا، وكان الجهتان بمن الابتدائية لأَنهما الغالب والأُخريان بعض لأَن الأَصل فى المجئ غيرهما، وإِنما يأتى العدو منها لداع يعرض فهو كالمنحرف المجاوز، وأَيضا ينفر عنهما للملكين فيهما، وقدمت الأَيمان لقوتها فالشجاع الأقوى يباشر الجهة القوية من عدوه ولا يبالى، ومن بين أَيديهم من إِنكار البعث والحساب والجنة والنار والتثبيط عن العمل الصالح وعن التوبة فإِن الآخرة مستقبلة، ومن خلفهم الدنيا لأَنهم فى الارتحال عنها يغريهم بلذتها أَو بالعكس لأَن الدنيا حاضرة كالشئ بين يديك والآخرة غير مشاهدة كالشئ خلفك، أَو عن أَيمانهم حسناتهم لأَن اليمين لمناولة الشئ الحسن وشمائلهم سيئاتهم لأَن الشمال لمناولة الشئ الخبيث، يقال هو عندنا باليمين، أَى بمنزلة حسنة عكس هو عندنا بالشمال، ولا تجد أَكثرهم شاكرين جواب ثالث للقسم قاله ظناً ولقد صدق عليهم إبليس ظنه، أَو رآه فى اللوح المحفوظ، أَو أَخبره به الملائكة الذين أَخبرهم الله، أَو رأَوه فى اللوح، ووجه ظنه أَنه رأَى كثرة دواعى الشغل عن الطاعة كالحواس الخمس الظاهرة، فقيل والخمس الباطنة وقوة الشهوة وهى فى الكبد وقوة الغضب وهى فى البطن الأَيسر من القلب والقوة الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة وهن جسميات تدعو إِلى اللذات مع شياطين الإِنس والجن، فله داعى الطاعة وهو واحد وهو العقل، ويقال القوى أَربع خالية تجتمع فيها المحسوسات فى البطن المقدم من الدماغ وأَشار إِليها بقوله عز وجل من بين أَيديهم، ووهمية تحكم فى غير المحسوسات وهى فى البطن المؤخر كما قال ومن خلفهم، وشهوانية محلها الكبد عن يمين الإِنسان كما قال وعن أَيمانهم، وعضبية وهى فى القلب عن يسار الإِنسان كما قال عز وجل وعن شمائلهم.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } استئناف كما مر مبني على سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل: فماذا قال اللعين بعدما سمع ما سمع؟ فقيل: قال: {أَنظِرْنِى } أي أمهلني ولا تمتني {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي آدم عليه السلام وذريته وهو وقت النفخة الثانية، وأراد بذلك أن يجد فسحة في الإغواء وأخذ الثأر ونجاة من الموت إذ لا موت بعد البعث.

ابن عاشور

تفسير : لمّا كوّن الله فيه الصّغار والحقارة بعد عزّة الملَكية وشرفها انقلبت مرامي همّته إلى التّعلق بالسّفاسف (إذَا ما لم تكن إبل فمَعْزَى) فسأل النَّظِرة بطول الحياة إلى يوم البعث، إذ كان يعلم قبل ذلك أنّه من الحوادث الباقية لأنّه من أهل العالم الباقي، فلمّا أهبط إلى العالم الأرضي ظنّ أنّه صائر إلى العدم فلذلك سأل النَظِرة إبقاء لما كان له من قبلُ، وإذ قد كان ذلك بتقدير الله تعالى وعلِمه، وبَدر من إبليس طلب النظِرة، قال الله تعالى: {إنك من المنظرين} أي إنّك من المخلوقات الباقية. وقد أفاد التّأكيد بإنّ والإخبارُ بصيغة {من المنظرين} أنّ إنظاره أمر قد قضاه الله وقدّره من قبللِ سؤاله، أي تحقّق كونك من الفريق الذين أنظروا إلى يوم البعث، أي أنّ الله خلق خلقاً وقدّر بقاءهم إلى يوم البعث، فكشف لإبليس أنّه بعض من جملة المنظرين من قبل حدوث المعصية منه، وإن الله ليس بمغيّر ما قدّره له، فجواب الله تعالى لإبليس إخبار عن أمر تَحقّق، وليسَ إجابة لطلبة إبليس، لأنّه أهون على الله من أن يجيب له طلَباً، وهذه هي النّكتة في العدول عن أن يكون الجواب: أنْظرْتك أو أجبت لك ممّا يدلّ على تكرمة باستجابة طلبه، ولكنّه أعلمه أنّ ما سأله أمر حَاصل فسؤاله تحصيل حاصل.

الشنقيطي

تفسير : لم يبين هنا في سورة الأعراف الغاية التي أنظره إليها، وقد ذكرها في "الحجر" و "ص" مبيناً أن غاية ذلك الإنظار هو يوم الوقت المعلوم. لقوله: في سورة "الحجر" و "ص" {أية : فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} تفسير : [الحجر: 37-38] فقد طلب الشيطان الإنظار إلى يوم البعث، وقد أعطاه الله الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم. وأكثر العلماء يقولون: المراد به وقت النفخة الأولى، والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (14) - فَاسْتَدْرَكَ إِبْلِيسُ، وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُمْهِلَهُ وَلاَ يُمِيتَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَهُوَ اليَوْمُ الذِي سَيَبْعَثُ فِيهِ اللهُ الخَلائِقَ لِلْحِسَابِ. وَقَدْ أَرَادَ إِبْلِيسُ بِذَلِكَ أَنْ يَجِدَ فُسْحَةً مِنَ الوَقْتِ لإِغْوَاءِ بَنِي آدَمَ وَإِضْلاَلِهِمْ. أَنْظِرْنِي - أَخِّرْنِي وَأَمْهِلْنِي فِي الحَيَاةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومعنى {أَنظِرْنِي} أمهلني أي لا تمتني بسرعة، ولا تجعل أجلي قريباً، بدليل قوله سبحانه: {قَالَ إِنَّكَ مِنَ...}

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الأعراف: 14] فأجابه بما عليه ولم يجيبه بما له، فأجابه بأن يكون من المنظرين، {قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} [الأعراف: 15]؛ ليكون هذا في الإنظار والإمهال وبالأعلمية ما يزيد في شقوته وشدة عذابه وإبعاده، ولم يجيبه بألاَّ يذيقه ألم الموت، قال تعالى: {أية : إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ}تفسير : [ص: 81] في موضع آخر. ثم أخرج منه ما كان مودعاً في حق قهره من الجهالة والضلالة بالأرض والاعتراض علينا، أو مكايده مع الحق تعالى حتى قال: {قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16]، فلم يكن حالة الإغواء إلى الله منه من نظر التوحيد ورؤية الأمور من الله تعالى؛ وإنما كان إثباتاً للحجة ومعارضة مع الله في الإغواء كما قال: {أية : لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 82]، وقال: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ}، فلو كان من نظر التوحيد لم يكن اللعين مدَّعياً الإغواء والإضلال، ولو كان واقعاً عن الصراط المستقيم عن قوله: {صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} حقيقة الذي هو الصراط إلى الله لم يتعد عن الصراط المستقيم بنفسه ولم يقعد الآخرين بل يدعوهم إليه، ولكن من نتائج القهر يجري الله على بعضهم أفعالاً وأقوالاً تكون هي حجة عليهم. ثم أخبر عن بيان [جهات عداوتهم] بقوله: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} [الأعراف: 17]، الإشارة فيها: أن الشيطان لا يأتي من جهة من الجهات إلاَّ وللنفس الإنسانية بقية من الصفة [التي] تتعلق بتلك الجهة، واعلم أن للنفس في كل جهة من الجهات حظوظاً مختلفاً بحسب صفاتها؛ ولذلك فسر كل واحد من المفسرين قوله: {لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}؛ بمعنى آخر نظرهم على بيان صفة النفس التي هي مدخل الشيطان فقال: {لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من قِبِل الحسد فأزين لهم الحسد على الأكابر من العلماء والمشايخ في زمانهم؛ ليطعنوا في أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم وتنكرون عليهم فيضلوا ويعلموا الخلق بإغوائهم إظهاراً للخيرية لأنفسهم، كما كان حال إبليس مع آدم عليه السلام، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} ومن خلفهم من قِبَل المعصية، فآمرهم؛ ليطعنوا في المتقدمين من الصحابة والتابعين والعلماء والمشايخ الماضيين ويقدحوا فيهم ويبغضوهم ويفتروا عليهم ويرون عليهم ما لايرون. {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} [الأعراف: 17] من قِبَل إفساد ذات البيِّن؛ فأفسد ما بينهم وبين الإخوان في الدين وألقى بينهم العداوة والبغضاء، {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} [الأعراف: 17]، من قِبَل ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وأصدقائهم؛ فأمرهم بالخيانة معهم وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمكر والخداع مع عامة المسلمين وفي معاملاتهم. وأيضاً: {لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من قِبَل الرياء والعجب وأفسد عليهم طاعاتهم، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} من قِبل الصلف، فاذكرهم ما صدر منهم من أعمال البر في الأيام السالفة؛ ليباهوا بها على الإراءة ويتفاخروا بها رياء وسمعة فيحبط أعمالهم، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} من نيل الادعاء فأزين لهم الدعاوي كالأحوال والمقامات من غير المعاني وآمرهم بإظهار حالات في مواجيد لم تكن فيهم، {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} من قِبل الافتراء، فسوَّل لهم المرئيات بالوقائع والكشوف والمقامات الكاذبة. وأيضاً: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من قِبل الاعتراض للمريدين، فأملي لهم ليعترضوا من [أنفسهم] ومرتبتهم، فأقطع طريق الإرادة والطلب، وأخرجهم من مواهب ولايتهم وفوائد محبتهم {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} من قِبل التفريق فأخرجهم من صحبة المشايخ بتسويل الحجج و[الشبهات] والبيّنات وتحصيل العلوم لأظفر عليهم عند الفرقة ما لم أظفر عليهم في الصحبة، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} من قبل الارتباط، فحرضهم على سوء الأدب في صحبة المشايخ وترك الحشمة والتعظيم والتوسع في الكلام والمزاح؛ لإنزالهم عن رتبة القبول {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} من قِبل المخالفة فأمرهم بترك أوامر المشايخ ونواهيهم لأوردهم به موارد الرد، وأهلكهم بسطوة غيرة الولاية وردها بعد القبول. وأيضاً: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} أثّور عليهم أهاليهم وأولادهم؛ ليمنعوا عن طلب الحق {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} أثور عليهم أحبابهم وأصدقائهم {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} أثور عليهم أعداءهم وحسادهم؛ ليمنعوه عن الطلب باللطف والعنف، {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعرف: 17]؛ لنعماتك التي أنعمت بها عليهم من السعادات الدنيوية والأخروية، فإنهم قبلوا مني تمويهات ووساوس في الإضلال لمَّا كانت موافقة لنفوسهم وملائمة لطباعهم، فكفروا بنعمك وخالفوا طاعتك فانسلخوا عنها. فلما أدَّعى اللعين هذه الدعوى وأخذ في تحقيق المعنى، قال الله تعالى: {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} [الأعراف: 18]؛ أي: غاية الذم ونهاية الطرد فإنك عزمت على غاية الذنب ونهاية السر. ثم قال تعالى: {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} [الأعراف: 18]؛ يعني: من الذين تأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فيقبلوا منك ما أمرتهم، ويتبعوا من بني آدم من يتبعك في الإضلال والإغواء ومن قبلوا منهم كما قبلوا منك {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 18].