٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : وأما قوله: {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا } فلا شك أن قائل هذا القول هو الله تعالى، ومثل هذه المناظرة بين الله سبحانه وبين إبليس مذكور في سورة {ص } على سبيل الاستقصاء. إذا ثبت هذا فنقول: إنه لم يتفق لأحد من أكابر الأنبياء عليهم السلام مكالمة مع الله مثل ما اتفق لإبليس، وقد عظم الله تشريف موسى بأن كلمه حيث قال: {أية : وَلَمَّا جَاء مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } تفسير : [الأعراف: 143] وقال: {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً }تفسير : [النساء: 164] فإن كانت هذه المكالمة تفيد الشرف العظيم فكيف حصلت على أعظم الوجوه لإبليس؟ وإن لم توجب الشرف العظيم، فكيف ذكره الله تعالى في معرض التشريف الكامل لموسى عليه السلام؟ والجواب: أن بعض العلماء قال: إنه تعالى قال لإبليس على لسان من يؤدي إليه من الملائكة ما منعك من السجود؟ ولم يسلم أنه تعالى تكلم مع إبليس بلا واسطة. قالوا: لأنه ثبت أن غير الأنبياء لا يخاطبهم الله تعالى إلا بواسطة، ومنهم من قال: إنه تعالى تكلم مع إبليس بلا واسطة، ولكن على وجه الإهانة بدليل أنه تعالى قال له: {فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ } وتكلم مع موسى ومع سائر الأنبياء عليهم السلام على سبيل الإكرام ألا ترى أنه تعالى قال لموسى: {أية : وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ }تفسير : [طه: 13] وقال له {أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى }تفسير : [طه: 41] وهذا نهاية الإكرام. المسألة الثامنة: قوله تعالى: {فَٱهْبِطْ مِنْهَا } قال ابن عباس: يريد من الجنة، وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم. وقال بعض المعتزلة: إنه إنما أمر بالهبوط من السماء، وقد استقصينا الكلام في هذه المسألة في سورة البقرة. {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } أي في السماء. قال ابن عباس: يريد أن أهل السموات ملائكة متواضعون خاشعون فاخرج إنك من الصاغرين، والصغار الذلة. قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله تعالى بالذلة والصغار تنبيهاً على صحة ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله» تفسير : وقال بعضهم: لما أظهر الاستكبار ألبس الصغار، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا} أي من السماء. {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} لأن أهلها الملائكة المتواضعون. {فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} أي من الأذلين. ودل هذا أن من عصى مولاه فهو ذليل. وقال أبو رَوْق والبَجَلِيّ: «فَاهْبِطْ مِنْهَا» أي من صورتك التي أنت فيها؛ لأنه افتخر بأنه من النار فشوّهت صورته بالإظلام وزوال إشراقه. وقيل: {فَٱهْبِطْ مِنْهَا} أي انتقل من الأرض إلى جزائر البحار؛ كما يُقال: هبطنا أرض كذا أي انتقلنا إليها من مكان آخر، فكأنه أخرج من الأرض إلى جزائر البحار فسلطانه فيها، فلا يدخل الأرض إلاَّ كهيئة السارق يخاف فيها حتى يخرج منها. والقول الأوّل أظهر. وقد تقدّم في «البقرة».
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخاطباً لإبليس بأمر قدري كوني: {فَٱهْبِطْ مِنْهَا} أي: بسبب عصيانك لأمري، وخروجك عن طاعتي، فما يكون لك أن تتكبر فيها، قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة، ويحتمل أن يكون عائداً إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى {فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ} أي: الذليلين الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده، ومكافأة لمراده بضده، فعند ذلك استدرك اللعين، وسأل النظرة إلى يوم الدين، قال: {أية : أَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِينَ } تفسير : [الأعراف:14-15] أجابه تعالى إلى ما سأل؛ لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ فَٱهْبِطْ مِّنْهَا } أي من الجنة، وقيل من السموات {فَمَا يَكُونُ } ينبغي {لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ } منها {إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ } الذليلين.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَأْهْبِطْ مِنْهَا} من السماء، أو من الجنة، قاله ربه له على لسان بعض الملائكة، أو أراه آية دلَّته على ذلك.
الخازن
تفسير : وقوله تعالى: {قال فاهبط منها} يعني قال الله تعالى لإبليس لعنه الله اهبط من الجنة. وقيل: من السماء إلى الأرض. والهبوط الإنزال والانحدار من فوق على سيل القهر والهوان والاستخفاف {فما يكون لك أن تتكبر فيها} يعني فليس لك أن تستكبر في الجنة عن أمري وطاعتي لأنه لا ينبغي أن يسكن في الجنة أو في السماء متكبر مخالف لأمر الله عز وجل فأما غير الجنة والسماء فقد يسكنها المستكبر عن طاعة الله تعالى وهم الكفار الساكنون في الأرض {فاخرج إنك من الصاغرين} يعني: إنك من الأذلاء المهانين والصّغار الذل والمهانة. قال الزجاج: استكبر عدو الله إبليس فابتلاه الله تعالى بالصغار والذلة. وقيل: كان له ملك الأرض فأخرجه الله تعالى منها إلى جزائر البحر الأخضر وعرشه عليه فلا يدخل الأرض إلا خائفاً كهيئة السارق مثل شيخ عليه أطمار رثة يروع فيها حتى يخرج منها {قال} يعني: قال إبليس عند ذلك {أنظرني} يعني أخِّرني وأمهلني فلا تمتني {إلى يوم يبعثون} يعني من قبورهم وهي النفخة الآخرة عند قيام الساعة وهذا من جهالة الخبيث إبليس لعنه الله لأنه سأل ربه الإمهال وقد علم أنه لا سبيل لأحد من خلق الله تعالى إلى البقاء في الدنيا ولكنه كره أن يكون ذائقاً للموت فطلب البقاء والخلود فلم يجب إلى ما سأل به {قال} الله تعالى {إنك من المنظرين} يعني من المؤخرين الممهلين وقد بين الله تعالى مدة النظرة والمهلة في سورة الحجر فقال تعالى:{أية : فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم}تفسير : [الحجر: 37-38] وذلك هو النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم. فإن قلت: فما وجه قولك إنك من المنظرين وليس أحد ينظر سواه؟ قلت: معناه إن الذين تقوم عليهم الساعة منظرون إلى ذلك الوقت بآجالهم فهو منهم {قال} يعني إبليس {فبما أغويتني} يعني فبأي شيء أضللتني فعلى هذا تكون ما استفهامية وتم الكلام عند قوله أغويتني ثم ابتدأ فقال {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} وقيل: هي باء القسم تقديره فبإغوائك إياي وقيل معناه فيما أوقعت في قلبي الغي الذي كان سبب هبوطي إلى الأرض من السماء وأضللتني عن الهدى لأقعدن لهم صراطك المستقيم يعني لأجلسن على طريقك القويم وهو طريق الإسلام. وقيل المراد بالصراط المستقيم الطريق الذي يسلكونه إلى الجنة وذلك بأن أوسوس إليهم وأزين لهم الباطل وما يكسبهم المآثم. وقيل: المراد بالصراط المستقيم هنا طريق مكة يعني يمنعهم من الهجرة. وقيل: المراد به الحج. والقول الأول أولى لأنه يعم الجميع ومعنى لأردنَّ بني آدم عن عبادتك وطاعتك ولأغوينهم ولأضلنَّهُم كما أضللتني. عن سبرة بن أبي الفاكه قال: سمعت رسول الله عليه وسلم يقول:"حديث : إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة قعد له في طريق الإسلام فقال تسلم وتذر دين آبائك وآباء آبائك فعصاه وأسلم، وقعد له بطريق الهجرة فقال تهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطول فعصاه فهاجر وقعد له بطريق الجهاد فقال تجاهد فهو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال فعصاه فجاهد قال فمن فعل ذلك كان حقاً على الله أن يدخله الجنة وإن غرق كان حقاً على الله أن يدخله الجنة أو وقصته دابته كان حقاً على الله أن يدخله الجنة"تفسير : أخرجه النسائي، وقوله تعالى إخباراً عن إبليس {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} قال ابن عباس: من بين أيديهم يعني من قبل الآخرة فأشككهم فيها، ومن خلفهم يعني من قبل الدنيا فأرغبهم فيها، وعن أيمانهم يشبه عليهم أمر دينهم، وعن شمائلهم أشهي لهم المعاصي. وإنما جعل الآخرة من بين أيديهم في هذا القول لأنهم منقلبون إليها وصائرون إليها فعلى هذا الاعتبار فالدنيا خلفهم لأنها وراء ظهورهم. وقال ابن عباس في رواية عنه: من بين أيديهم يعني من قبل دنياهم يعني أزينها في قلوبهم، ومن خلفهم من قبل الآخرة، فأقول لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم من قبل سيئاتهم وإنما جعل الدنيا من بين أيديهم في هذا القول لأن الإنسان يعسى فيها ويشاهدها فهي حاضرة بين يديه والآخرة غائبة عنه فهي خلفه. وقال الحكم بن عتبة: من بين أيديهم يعني من قبل الدنيا فأزينها لهم ومن خلفهم من قبل الآخرة فأثبطهم عنها وعن أيمانهم يعني من قبل الحق فأصدهم عنه وعن شمائلهم من قبل الباطل فأزينه لهم وقال قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها وعن إيمانهم من قبل حسناتهم فبطأهم عنها وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها. أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك فلم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى. وقال مجاهد يأيتهم من بين أيديهم وعن أيمانهم حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون. ومعنى هذا من حيث يخطئون ويعلمون أنهم يخطئون ومن حيث لا يبصرون أنهم يخطئون ولا يعلمون أنهم يخطئون، وقيل: من بين أيديهم يعني فيما بقي من أعمارهم فلا يقدمون فيه طاعة ومن خلفهم يعني ما مضى من أعمارهم فلا يتوبون عما أسلفوا فيه من معصية عن أيمانهم يعني من قبل الغنى فلا ينفقون ولا يشركون ومن خلفهم يعني من قبل الفقر فلا يمتنعون فيه من محظور نالوه. وقال شقيق البلخي: ما من صباح إلا ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع من بين يديّ ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي أما بين يدي فيقول: لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى، وأما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، وأما من قبل يميني فيأتيني من الثناء فأقرأ والعاقبة للمتقين، وأما من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ وحيل بينهم وبين ما يشتهون. وقيل إن ذكر هذه الجهات الأربع إنما أريد بها التأكيد والمبالغة في إلقاء الوسوسة في قلب ابن آدم وأنه لا يقصر في ذلك، ومعنى الآية على هذا القول: ثم لآتينهم من جميع الوجوه الممكنة لجميع الاعتبارات وقوله {ولا تجد أكثرهم شاكرين} يعني ولا تجد يا رب أكثرهم بني آدم شاكرين على نعمك التي أنعمت بها عليهم. وقال ابن عباس: معناه ولا تجد أكثرهم موحدين. فإن قلت: كيف علم الخبيث إبليس ذلك حتى قال ولا تجد أكثرهم شاكرين؟ قلت: قاله ظناً فأصاب منه قوله تعالى، ولقد صدق عليهم إبليس ظنه وقيل إنه كان عازماً على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين القبائح وعلم ميل بني آدم إلى ذلك فقال هذه المقالة وقيل إنه رآه مكتوباً في اللوح المحفوظ فقال هذه المقالة على سبيل اليقين والقطع والله أعلم بمراده.
ابن عادل
تفسير : الضمير في "منها" قال ابن عباس: "يُريدُ من الجنَّة؛ لأنه كان من سُكَّانها" قال ابن عباس: كان في عدنٍ، لا في جنَّة الخلْدِ. وقيل: تعودُ على السَّمَاءِ، لأنه روي عن ابن عباس: "أنَّهُ وَسْوَسَ إليهما وهو في السَّمَاءِ"، ولأنَّ الهبوط إنَّما يكون من ارتفاع. وقيل: يعود على الأرْضِ، أمِر أن يخرج منها إلى جَزائر البحار ولا يدخل في الأرض إلا كالسَّارِقِ. وقيل: يَعُودُ على الرُّتْبَةِ المُنيفَةِ، والمَنْزِلَةِ الرَّفيعَةِ. وقيل: يَعُودُ على الصُّورةِ والهيئة الَّتي كان عَلَيْهَا؛ لأنَّهُ كان مُشْرِقَ الوَجْهِ فَعَادَ مظلماً. قوله: "فَاخْرُجْ" تَأكِيدٌ لـ "اهْبِطْ" إذْ هو بمعناهُ. وقوله: "فِيهَا" لا مفهوم لهُ يعني: أنَّهُ لا يتوهَّمُ أنَّهُ يجوزُ أنْ يتكبَّرَ في غَيْرهَا ولما اعْتَبَر بَعْضُهُم هذا المَفْهُوم؛ احْتَاجَ إلى تقدير حذفِ مَعْطُوفٍ كقوله: {أية : تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل: 81] قال: والتقدير: "فَمَا يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فيها، ولا في غيرها إنَّكَ من الصَّاغِرِينَ، الأذلاَّءِ، والصَّغَارُ الذُّلُّ والإهانة".
السيوطي
تفسير : أخرج أبو الشيخ عن السدي {فما يكون لك أن تتكبر فيها} يعني فما ينبغي لك أن تتكبر فيها .
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} استئنافٌ كما سلف، والفاء في قوله تعالى: {فَٱهْبِطْ مِنْهَا} لترتيب الأمرِ على ما ظهر من اللعين من مخالفة الأمرِ وتعليلِه بالأباطيل وإصرارِه على ذلك، أي فاهبِطْ من الجنة، والإضمار قبل ذكرِها لشهرة كونِه من سكانها قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا في عدْنٍ لا في جنة الخلد، وقيل: من زمرة الملائكةِ المعزّزين فإن الخروجَ من زمرتهم هبوطٌ وأيُّ هبوط، وفي سورة الحجر: {فَٱخْرُجْ مِنْهَا} وأما ما قيل من أن المرادَ الهبوطُ من السماء فيردّه أن وسوستَه لآدمَ عليه السلام كانت بعد هذا الطردِ فلا بد أن يُحمل على أحد الوجهين قطعاً، وتكونُ وسوستُه على الوجه الأول بطريق النداءِ من باب الجنة كما رُوي عن الحسن البصري، وقوله تعالى: {فَمَا يَكُونُ لَكَ} أي فما يصح ولا يستقيم لك ولا يليقُ بشأنك {أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} أي في الجنة أو في زمرة الملائكة. تعليلٌ للأمر بالهبوط فإن عدمَ صحةِ أن يتكبر فيها علةٌ للأمر المذكور، فإنها مكانُ المطيعين الخاشعين ولا دِلالة فيه على جواز التكبُّر في غيرها، وفيه تنبـيه على أن التكبرَ لا يليق بأهل الجنةِ وأنه تعالى إنما طرده لتكبُّره لا لمجرد عصيانِه وقوله تعالى: {فَٱخْرُجْ} تأكيدٌ للأمر بالهبوط متفرِّغٌ على علته وقوله تعالى: {إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ} تعليلٌ للأمر بالخروج مُشعرٌ بأنه لتكبره، أي من الأذلاء وأهلِ الهوانِ على الله تعالى وعلى أوليائه لتكبُّرك. وعن عمر رضي الله عنه (من تواضَع لله رفع الله حكمتَه وقال: انتعش أنعشك الله، ومن تكبر وعَدا طَوْرَه وهَصَه الله إلى الأرض). {قَالَ} استئنافٌ كما مر مبنيٌّ على سؤال نشأ مما قبله، كأنه قيل: فماذا قال اللعينُ بعد ما سمع هذا الطردَ المؤكد؟ فقيل: قال: {أَنظِرْنِى} أي أمهلني ولا تُمِتْني {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي آدمُ وذرّيتُه للجزاء بعد فنائِهم، وهو وقتُ النفخةِ الثانية، وأراد اللعينُ بذلك أن يجد فُسحةً لإغوائهم ويأخُذَ منهم ثأرَه وينجُوَ من الموت لاستحالته بعد البعث {قَالَ} استئنافٌ كما سلف {إِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِينَ} ورودُ الجوابِ بالجملة الاسميةِ مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين على وجه يُشعر بأن السائلَ تبَعٌ لهم في ذلك صريحٌ في أنه إخبارٌ بالإنظار المقدرِ لهم أزلاً لا إنشاءٌ لإنظار خاصَ به إجابةً لدعائه وأن استنظارَه كان طلباً لتأخير الموتِ إذ به يتحقق كونُه من جملتهم لا لتأخير العقوبةِ كما قيل أي إنك من جملة الذين أخّرتُ آجالَهم أزلاً حسبما تقتضيه الحِكمةُ التكوينيةُ إلى وقت فناءٍ غيرَ ما استثناه الله تعالى من الخلائق وهو النفخةُ الأولى لا إلى وقت البعثِ الذي هو المسؤول، وقد تُرك التوقيتُ للإيجاز ثقةً بما وقع في سورة الحجر وسورة ص كما ترك ذكرُ النداء والفاءُ في الاستنظار والإنظار تعويلاً على ما ذُكر فيهما بقوله عز وجل: {أية : رَبّ فَأَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ * إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ }تفسير : [الحجر، الآية 36 - 38] وفي إنظاره ابتلاءٌ للعباد وتعريضٌ للثواب. إن قلتَ لا ريبَ في أن الكلامَ المحكيَّ له عند صدورِه عن المتكلم حالةٌ مخصوصةٌ تقتضي ورودَه على وجه خاصٍّ من وجوه النظمِ بحيث لو أخل بشيء من ذلك سقط الكلامُ عن رتبة البلاغةِ البتة، فالكلامُ الواحدُ المحكيُّ على وجوه شتى إن اقتضى الحالُ ورودَه على وجه معينٍ من تلك الوجوهِ الواردةِ عند الحكاية فذلك الوجهُ هو المطابقُ لمقتضى الحالِ والبالغُ إلى رتبة البلاغةِ دون ما عداه من الوجوه، إذا تمهّد هذا فنقولُ: لا يخفى أن استنظارَ اللعينِ إنما صدر عنه مرةً واحدةً لا غيرُ، فمقامُه إن اقتضى إظهارَ الضراعةِ وترتيبَ الاستنظار على ما حاق به من اللعن والطردِ على نهج استدعاءِ الجبْرِ في مقابلة الكسر كما هو المتبادرُ من قوله: رب فأنظرني حسبما حُكي عنه في السورتين، فما حكي هٰهنا يكون بمعزل من المطابقة لمقتضى الحال فضلاً عن العروج إلى معارج الإعجازِ، قلنا: مقامُ استنظاره مُقتضٍ لما ذُكر من إظهار الضراعةِ وترتيب الاستنظارِ على الحِرمان المدلولِ عليه بالطرد والرجم، وكذا مقامُ الإنظارِ مقتضٍ لترتيب الإخبارِ بالإنظار على الاستنظار وقد طُبّق الكلامُ عليه في تينك السورتين ووُفّي كلُّ واحد من مقامَي الحكايةِ والمحكيِّ جميعاً حظَّه. وأما هٰهنا فحيث اقتضى مقامُ الحكايةِ مجردَ الإخبار بالاستنظار والإنظارِ سيقت الحكايةُ على نهج الإيجاز والاختصارِ من غير تعرّضٍ لبـيان كيفيةِ كل واحدٍ منهما عند المخاطبة والحِوار، إن قلت: فإذن لا يكونُ ذلك نقلاً للكلام على ما هو عليه ولا مطابقاً لمقتضى المقامِ قلنا: الذي يجب اعتبارُه في نقل الكلامِ إنما هو أصلُ معناه ونفسُ مدلولِه الذي يفيده، وأما كيفيةُ إفادتِه له فليس مما يجب مراعاتُه عند النقل البتة، بل قد تُراعىٰ وقد لا تُراعىٰ حسب اقتضاءِ المقامِ، ولا يقدح في أصل الكلامِ تجريدُه عنها بل قد يُراعىٰ عند نقلِه كيفياتٍ وخصوصياتٍ لم يُراعِها المتكلمُ أصلاً ولا يُخلُّ ذلك بكون المنقولِ أصلَ المعنى، ألا يُرى أن جميعَ المقالات المنقولةِ في القرآن الكريمِ إنما تُحكىٰ بكيفيات واعتباراتٍ لا يُكاد يَقدِر على مراعاتها مَنْ تكلم بها حتماً، وإلا لأمكن صدورُ الكلام المعجِزِ عن البشر فيما إذا كان المحكيُّ كلاماً، وأما عدمُ مطابقتِه لمقتضى الحالِ فمنشؤه الغفلةُ عما يجب توفيرُ مقتضاه من الأحوال، فإن مَلاكَ الأمرِ هو مقامُ الحكايةِ، وأما مقام وقوعِ المحكيِّ فإن كان مقتضاه موافقاً لمقتضىٰ مقامِ الحكايةِ يُوفَّى كلُّ واحدٍ من المقامين حقَّه كما في سورة الحجر وسورة ص، فإن مقامَ الحكايةِ فيهما لمّا كان مقتضياً لبسط الكلامِ وتفصيلِه على الكيفيات التي وقع عليها رُوعيَ حقُّ المقامين معاً، وأما في هذه السورةِ الكريمةِ فحيث اقتضى مقامُ الحكايةِ الإيجازَ رُوعيَ جانبُه. ألا يُرى أن المخاطبَ المنكِرَ إذا كان ممن لا يفهم إلا أصلَ المعنى وجب على المتكلم أن يجرِّد كلامَه عن التأكيد وسائرِ الخواصِّ والمزايا التي يقتضيها المقامُ ويخاطِبَه بما يناسبه من الوجوه لكنه مع ذلك يجب أن يقصِدَ معنى زائداً يفهمه سامعٌ آخرُ بليغٌ هو تجريدُه عن الخواصِّ رعايةً لمقتضىٰ حالِ المخاطَبِ في الفهم، وبذلك يرتقي كلامُه عن رتبة أصواتِ الحيواناتِ كما حُقِّق في مقامه فإذا وجب مراعاةُ مقامِ الحكايةِ مع إفضائها إلى تجريد الكلامِ عن الخواص والمزايا بالمرة فما ظنُّك بوجوب مراعاتِه مع تحلية الكلام بمزايا أُخَرَ يرتقي بها إلى رتبة الإعجازِ لا سيما إذا وُفّيَ حقَّ مقامِ وقوعِ المحكيِّ في السورتين الكريمتين وكان هذا الإيجازُ مبنياً عليه وثقة به؟
القشيري
تفسير : فارِقْ بساطَ القربة؛ فإنَّ التكبّرَ والترفَّعَ على البساط تركٌ للأدب، وتركُ الأدبِ يوجِب الطرد. ويقال مَنْ رأى لنفسه محلاً أو قيمة فهو متكبِّر، والمتكبِّر بعيد عن الحق سبحانه، ورؤية المقام قَدْحٌ في الربوبية إذ لا قَدْرَ لغيره تعالى، فَمَنْ ادَّعى لنفسه محلا فقد نازع الربوبية.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} الله تعالى {فاهبط} يا ابليس {منها} اى من الجنة والاضمار قبل ذكرها لشهرة كونه من سكانها وكانوا فى جنة عدن لا فى جنة الخلد وفيها خلق آدم وهذا امر عقوبة على معصية {فما يكون لك} اى فما يصح ويستقيم لك ولا يليق بشأنك {ان تتكبر فيها} اى فى الجنة ولا دلالة فيه على جواز التكبر فى غيرها {فاخرج} تأكيد للامر بالهبوط {انك من الصاغرين} اى من الاذلاء واهل الهوان على الله تعالى وعلى اوليائه لتكبرك. وفى الآية تنبيه على ان الله تعالى انما طرده واهبطه لتكبره لا لمجرد عصيانه وفى الحديث "من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله" وفى المثنوى شعر : علتى بد تر ز بندار كمال نيست اندرجانت اى مغرورو ضال ازدل وازديده ات بس خون رود تاز تو اين معجبى بيرون شود علت ابليس انا خير بدست وين مرض در نفس هر مخلوق هست كرجه خودرا بس شكسته بينداو آب صافى دان وسركين زيرجو جون بشورانى مراوراز امتحان آب سركين رنك كردد در زمان درتك جوهست سركين اى فتى كرجه جو صافى نمايد مر ترا تفسير : وكان الاصحاب رضى الله عنهم يبكون دما من اخلاق النفس ـ وذكر ـ ان قاضيا جاء الى ابى يزيد البسطامى يوما فقال نحن نعرف ما تعرفه ولكن لا نجد تأثيره فقال ابو يزيد خذ مقدارا من الجوز وعلق وعاءه فى عنقك ثم ناد فى البلد كل من يلطمنى ادفع له جوزة حتى لا تبقى منه شيئاً فاذا فعلت ذلك تجد التأثير فاستغفر القاضى فقال ابو يزيد قداذنبت لانى اذكر ما يخلصك من كبر نفسك وانت تستغفر من ذلك لكمال كبرك. قال ابو جعفر البغدادى ست خصال لا تحسن بست رجال. لا يحسن الطمع فى العلماء. ولا العجلة فى الامراء. ولا الشح فى الاغنيا. ولا الكبر فى الفقراء. ولا السفه فى المشايخ. ولا اللؤم فى ذوى الا حساب فعليك بالتوحيد فانه سيف صارم يقطع عرق كل خلق مذموم.
الطوسي
تفسير : قوله {قال فاهبط منها} حكاية لقول الله تعالى لابليس وأمره إِياه أن يهبط منها، وما بعد القول وإِن كان استئنافاً والفاء لا يستأنف بها وانما يكون كذلك، لأن ما قيل له بعد جوابه الذي أجاب به، فهو حكاية ما كان من الكلام له الثاني بعد الاول. والهبوط والنزول واحد. وفرق بينهما بأن النزول يقتضي تنزله الى جهة السفل بمنزلة بعد منزلة، وليس كذلك الهبوط، لأنه كالانحدار في المرور الى جهة السفل، وكأن الانحدار دفعة واحدة، كما قال الشاعر: شعر : كل بني حرة مصيرهم قل وإِن أكثروا من العدد إِن يغبطوا يهبطوا وإِن أمّروا يوماً فهم للفناء والفند تفسير : وقيل في الضمير الذي في قوله {منها} قولان: احدهما - قال الحسن: إِنه كناية عن السماء، لأنه كان في السماء فاهبط منها. الثاني - قال أبو علي: كناية عن الجنة. فان قيل من أين علم ابليس أن الله تعالى قال له هذا القول؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - قال ابو علي: إِنه قال له على لسان بعض الملائكة. الثاني - أنه رأى معجزة تدله على ذلك. وقوله {فما يكون لك أن تتكبر فيها} معناه ليس لك أن تتكبر فيها، والتكبر إِظهار كبر النفس على جميع الاشياء، فهو في صفة العباد ذم، وفي صفة الله مدح، كما قال تعالى {أية : الجبار المتكبر} تفسير : فالجبار القاهر لجميع الاشياء. والمتكبر الدال بذاته على أنه أكبر من جميع الاشياء. وقوله {فاخرج إنك من الصاغرين} أمر من الله لابليس بالخروج، لأنه من الصاغرين. والصاغر هو الذليل بصغر القدر، صغر يصغر صغراً وصغاراً، وتصاغرت اليه نفسه ذلاً ومهانة، والأصل الصغر.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا} من السّماء {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} فانّ المحلّ الرّفيع لمن تواضع لله {فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} الاذلاّء.
اطفيش
تفسير : {قالَ فاهْبِطْ مِنْها} من الجنة أو من السماء، وكلٌّ منهما مكان للمطيعين المتواضعين إلى الأرض التى هى مقر العاصين، وذلك إما أن يكون فى الجنة بعد الامتناع من السجود، فأمر بالهبوط إلى الأرض، أو فى السماء، فأمر كذلك، أو كان فيها فأهبط إلى السماء، وعلى كل حال كان بعد ذلك يدخل السماوات، ولذلك توصل إلى دخول الجنة فى فم الحية حتى وسوس حواء وآدم، وعلى أنه هبط منها إلى السماء قد أهبط من السماء أيضا إلى الأرض، قيل: ولم يمنع دخول السماء حتى بعث نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذه الفاء كالنص فى أن موجب الإهباط كبره وجوابه بأنه أفضل. {فمَا يكُون لَك أنْ تَتكبَّر فيها} وهذه الفاء مؤكدة للأولى فى السببية الموجبة للإهباط، أو الأولى لمجرد العطف والترتيب، والثانية للسببية المذكورة والتكبر، كما لا يصح له فيها لا يصح فى غيرها، لكنه فيها قبح ولم يخلقها لسكون المتكبر بخلاف الأرض، فخلقها ليسكنها المتكبر والمتواضع، فلم يصح له أن يكون فيها على كبره. {فاخْرُج} لتكبرك {إنَّك مِنَ الصَّاغرينَ} أهل الهوان والذل عند الله وأوليائه، وهذه الفاء سببية لتكبره المفيد له ما قبلها، كأنه قال: فما يكون لك أن تتكبر فيها وقد تكبرت فاخرج، وجملة إنك الخ تعليل أى لأنك من الصاغرين لتكبرك، أو مستأنفة ذماً له لكبره، استكبر فابتلى بالذل، وهذه سنة الله فى خلقه على طول الدهور أن يذل المتكبر، ومع مشاهدة ذلك لم يزدجر عنه الناس، قيل: كان له ملك الأرض فأخرج منها إلى البحر المحيط، فهو فى جزائره، وقيل: فى مائه لا يدخل الأرض إلا خائفا كهيئة السارق عليه ثياب رثة يروع حتى يخرج، وأما الشيطان فى نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فجنس الشياطين، ولكل إنسان شيطان، يضله أو المراد إبليس أى من كيده، فإن الكيد منه، ولو جاء بواسطة شيطان أو غيره.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} الله عز وجل {فَاهْبِطْ} لمخالفتك، والهبوط النزول من علو إِلى سفل مطلقا، وقيل مع الهون كما هو المناسب للآية، وقيل من شرف إِلى هوان {مِنْهَا} أَىْ من الجنة أَو من السماوات لامتناعك من السجود معللا بالخيرية الباطلية، فالفاء سببية، وابن عباس رضى الله عنه رد الضمير للجنة وكانوا فيها، ومن رده للسماوات أَو السماءِ اعتبر ما روى أَنه وسوس له فى السماءِ، ولما أهبط كان عرشه فى البحر المحيط، ويدخل جزائر البحور لا يدخل الأَرض إِلا مستخفيا كهيئة السارق، وقيل الضمير لصورته المضيئة الحسنة فصار إِلى أَقبح صورة، والجنة جنة الآخرة وسوس إلى آدم من خارجها، وقيل دخل في فم الحية، وقيل: جنة فى الأَرض على نشز فى عدن، وقيل: الضمير لزمر الملائكة، وقيل: للأَرض فهو فى جزائر البحر المحيط لا يجاوزه إِلا خفية من الملائكة {فَمَا يَكُونُ} لأَنه لا ينبغى أَو لا يصح، عبر عن نفى اللياقة بنفى الكون مبالغة فكان التكبر فى صورة عدم الوقوع، وكأَنه لم يقع لبعد لياقته {لَكَ} ولا لغيرك {أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا} ولا فى غيرها، ولك أَن لا تقدر محذوفا اقتصارا فى النفى على الواقع، كأَنه قيل: ذلك التكبر لا يليق ولا سيما فى الجنة والسماوات اللاتى هن محل الطاعة والخشوع، ولا فى زمرة الملائكة، ولا في صورته، والآية دلت أَن المعتمد فى الهبوط التكبر لا خصوص العصيان بخلاف آدم عليه السلام، وحواء عليها السلام فلمجرد العصيان، وأَكد الهبوط بقوله {فَاخْرُجْ} من الجنة والسماوات لتكبرك، وعلل الخروج تعليلا حمليا بقوله {إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} الحقيرين، لتكبرك، وقيل: الصاغر الراضى بالذل والهوان، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله"تفسير : . وفى الحديث: "حديث : يحشر المتكبرون فى صغر الذر وصورة الرجال ليطأَهم الناس بأَرجلهم ويساقون إِلى سجن فى جهنم يقال له بولس ويسقون فيها من عصارة أَهل النار ".
الالوسي
تفسير : {قَالَ } استئناف كما سلف، والفاء في قوله تعالى: {فَٱهْبِطْ مِنْهَا } لترتيب الأمر على ما ظهر منه من / الباطل، وضمير {مِنْهَا } قيل للجنة، وكونه من سكانها مشهور، والمراد بها عند بعض الجنة التي يسكنها المؤمنون يوم القيامة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها روضة بعدن وفيها خلق آدم عليه السلام وكانت على نشز من الأرض في قول. «وأصل الهبوط الانحدار على سبيل القهر كما في هبوط الحجر. وإذا استعمل في الإنسان ونحوه فعلى سبيل الاستخفاف» كما قال الراغب. ولم يشترط بعضهم فيه سوى الانتقال من شريف إلى ما دونه لقوله تعالى: { أية : ٱهْبِطُواْ مِصْرًا } تفسير : [البقرة: 61] والأمر عليه واضح وإن لم نقل: إن تلك الجنة كانت على نشز، وقيل: الضمير لزمرة الملائكة أي اخرج من زمرة الملائكة المعززين، فإن الخروج من زمرتهم هبوط وأي هبوط. وفي سورة الحجر [34] { أية : فَٱخْرُجْ مِنْهَا } تفسير : وقيل: الضمير للسماء، وإليه ذهب جماعة. ورد بأن وسوسته لآدم عليه السلام كانت بعد هذا الطرد فلا بد أن يحمل على أحد الوجهين السابقين قطعاً، ويكون وسوسته على الوجه الأول بطريق النداء من باب الجنة كما روي عن الحسن البصري. وأجيب بأنه يحتمل أن يكون المراد من ذلك الجنة أو زمرة الملائكة أيضاً بناء على أن الأولى ومعظم الثانية في السماء أو يقال: إن القصة وقعت في الأرض وكانت الجنة فيها وبعد العصيان حجب اللعين من السماء التي هي مقره ومعبده، ومعنى أمره بالخروج منها أمره بقطع علائقه عنها واتخاذها مأوى له بعد. وهذا كما تقول لمن غصب دارك مثلاً عند نحو القاضي: أخرج من داري مع أنه إذ ذاك ليس فيها تريد لا تدخلها واقطع علائقك عنها. وقيل: الضمير للأرض. فقد روي أنه أخرج منها إلى الجزائر وأمر أن لا يدخلها إلا خفية، ويبعده أنه لا يظهر للتخصيص في قوله تعالى: {فَمَا يَكُونُ لَكَ } أي فما يصح ولا يستقيم ولا يليق بشأنك {أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } على هذا وجه إلا على بعد. وأما على الأوجه السابقة فالوجه ظاهر وهو مزيد شرافة المخرج منه وعلو شأنه وتقدس ساحته. ومن هنا يعلم أنه لا دلالة في الآية على جواز التكبر في غير ذلك عند القائلين بالمفهوم، والجملة تعليل للأمر بالهبوط ولايخفى لطافة التعبير به دون الخروج في مقابلة قوله: { أية : أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ } تفسير : [الأعراف: 12] المشير إلى ارتفاع عنصره وعلو محله، والتكبر ـ على ما قيل ـ كالكبر وهو الحالة التي يختص بها الشخص من إعجابه بنفسه. وذلك أن يرى نفسه أكبر من غيره وأعظم، والمراد بالتكبر هٰهنا إما التكبر على الله تعالى وهو أعظم التكبر ويكون بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة. وفسره بعضهم بالمعصية. وإما التكبر على آدم عليه السلام بزعمه أنه خير منه وأكبر قدراً. وقيل: المراد ما هو أعم منه ومن التكبر على الملائكة حيث زعم أن له خصوصية ميزته عليهم وأخرجته من عمومهم وفيه تأمل. وزعم البعض أن في الآية تنبيهاً على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة فكما يمنع من القرار فيها يمنع من دخولها بعد ذلك وأنه تعالى إنما طرده لتكبره لا لمجرد عصيانه، وهو ظاهر على أحد الاحتمالات كما لا يخفى. والظرف إما متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع حالاً. وقوله تعالى: {فَٱخْرُجْ } تأكيد للأمر بالهبوط متفرع عليه. وقوله سبحانه: {إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ } تعليل للأمر بالخروج مشعر بأنه لتكبره أي إنك من أهل الصغار والهوان على الله تعالى وعلى أوليائه لتكبرك. أخرج البيهقي في «شعب الايمان» عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: / « حديث : من تواضع لله رفعه الله تعالى، ومن تكبر وضعه الله عز وجل » تفسير : ومن حديثه رضي الله تعالى عنه «من تواضع لله تعالى رفع الله تعالى حكمته وقال: انتعش نعشك الله ومن تكبر وعدا طوره وهصه الله تعالى إلى الأرض» وقيل: المراد من الأذلاء في الدنيا بالذم واللعن وفي الآخرة بالعذاب بسبب ما ارتكبه من المعصية والتكبر، وإذلال الله تعالى المتكبرين يوم القيامة مما نطقت به الأخبار. أخرج الترمذي عن عمرو بن شعيب عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان يساقون إلى سجن في جهنم يقال له: بولس يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار » تفسير : وفسر بعضهم الصاغر بالراضي بالذل كما هو المشهور فيه. والمراد وصفه بأنه خسيس الطبع دنيء وأنه رأى نفسه أكبر من غيره وليس بالكبير. ولقد أبدع أبو نواس بقوله خطاباً له: شعر : سوأة يالعين أنت اختلست النـ ـاس غيظاً عليهم أجمعينا تهت لما أمرت في سالف الدهـ ـر وفارقت زمرة الساجدينا عند ما قلت لا أطيق سجودا لمثال خلقته رب طينا حسداً إذ خلقت من مارج النـ ـار لمن كان مبتدأ العالمينا ثم صيرت في القيادة تسعى يا مجير الزناة واللائطينا تفسير : وله أيضاً من أبيات فيه: شعر : تاه على آدم في سجدة وصار قواداً لذريته
الشنقيطي
تفسير : بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه عامل إبليس اللعين بنقيض قصده حيث كان قصده التعاظم والتكبر، فأخرجه الله صاغراً حقيراً ذليلا، متصفاً بنقيض ما كان يحاوله من العلو و العظمة، وذلك في قوله: {إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ}، والصغار: أشد الذل والهوان، وقوله: {أية : ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} تفسير : [الأعراف: 18]، ونحو ذلك من الآيات، ويفهم من الآية أن المتكبر لا ينال ما أراد من العظمة والرفعة، وإنما يحصل له نقيض ذلك. وصرح تعالى بهذا المعنى في قوله: {أية : إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ} تفسير : [غافر: 56]. وبين في مواضع أخر كثيراً من العواقب السيئة التي تنشأ عن الكبر - أعاذنا الله والمسلمين منه - فمن ذلك أنه سبب لصرف صاحبه عن فهم آيات الله، والاهتداء بها كما في قوله تعالى: {أية : سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}تفسير : [الأعراف: 146] الآية. ومن ذلك أَنه من أسباب الثواء في النار كما في قوله تعالى: {أية : أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} تفسير : [الزمر: 60]، وقوله: {أية : إِنَّهُمْ كَانُوۤاْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} تفسير : [الصافات: 35]، ومن ذلك أن صاحبه لا يحبه الله تعالى كما في قوله: {أية : لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ}تفسير : [النحل: 23]، ومن ذلك أن موسى استعاذ من المتصف به ولا يستعيذ إلا مما هو شر. كما في قوله: {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُـمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [غافر: 27] إلى غير ذلك من نتائجه السيئة، وعواقبه الوخيمة، ويفهم من مفهوم المخالفة في الآية: أن المتواضع لله جل وعلا يرفعه الله. وقد أشار تعالى إلى مكانة المتواضعين له عنده في مواضع أخر كقوله: {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان: 63]، وقوله: {أية : تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [القصص: 83] وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد"تفسير : ، وقد قال الشاعر: شعر : تواضع تكن كالبدر تبصر وجهه على صفحات الماء وهو رفيع ولا تك كالدخان يعلو بنفسه إلى صفحات الجو وهو وضيع تفسير : وقال أبو الطيب المتنبي: شعر : ولو لم يعل إلا ذو محل تعالى الجيش وانحط القتام
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّاغِرِينَ} (13) - فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى إِبْلِيسَ بِأَنْ يَهْبِطَ مِنَ الجَنَّةِ إِلَى الأَرْضِ، لِعِصْيَانِهِ أَمَرَ رَبِّهِ، وَخُرُوجِهِ عَنْ طَاعَتِهِ، فَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَكَبَّرَ فِيهَا. ثُمّ أَمَرَهُ تَعَالَى بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ ذَليلاً حَقِيراً، بِسَبَبِ كُفْرِهِ وَتَمَرُّدِهِ عَلَى أَمْرِ رَبِّهِ. الصَّاغِرِينَ - الأَذِلاّءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والهبوط يستدعي الانتقال من منزلة عالية إلى منزلة أقل، وهذا ما جعل العلماء يقولون إن الجنة التي وصفها الله بأنها عالية في هي السماء، ونقول: لا، فالهبوط لا يستدعي أن يكون هبوطاً مكانياً، بل قد يكون هبوط مكانة، وهناك فرق بين هبوط المكان، وهبوط المكانة، وقد قال الحق لنوح عليه السلام: {أية : قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ...} تفسير : [هود: 48] أي اهبط من السفينة، إذن مادة الهبوط لا تفيد النزول من مكان أعلى إلى مكان أدنى، إنما نقول من مكان أو من مكانة. {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا}. وهذا تنزيل من المكانة لأنه لم يعد أهلاً لأن يكون في محضر الملائكة؛ فقد كان في محضر الملائكة؛ لأنه الزم نفسه بالطاعة، وهو مخلوق على أن يكون مختارا أن يطيع أو أن يعصي، فلما تخلت عنه هذه الصفة لم يعد أهلاً لأن يكون في هذا المقام، وذلك أن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ...} [الأعراف: 13] أي ما ينبغي لك أن تتكبر فيها. إن امتناعك عن أمر من المعبود وقد وجهه لك وأنت العابد هو لون من الكبرياء على الآمر، والملائكة جماعة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فما دامت أنت أهل استكبار واستعلاء على هذه المكانة فلست أهلاً لها، فكأن العمل هو الذي أهله أن يكون في العلو، فلما زايله وفارقه كان أهلاً لأن يكون في الدنو، وهكذا لم يكن الأمر متعلقاً بالذاتية، وفي هذا هبوط لقيمة كلامه في أنه من نار وآدم من طين؛ لأن المقياس الذي توزن به الأمور هو مقياس أداء العمل، ومن حكمة الحق أن الجن يأخذ صورة القدرة على أشياء لا يقدر عليها الإنس، مثل السرعة، واختراق الحواجز، والتغلب على بعض الأسباب، فقد ينفذ الجن من الجدار أو من الجسم، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم. " تفسير : وهو ذلك مثل الميكروب، لأنه هذه طبيعة النار، وهي المادة التي خُلق منها. وهي تتعدى الحواجز. والجن قد بلغ من اللطف والشفافية أنه يقدر على أن ينفذ من أي شيء، لكن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يوضح للجن لا تعتقد أن عنصريتك هي التي أعطتك هذا التمييز، وإنما هي إرادة المُعَنْصر، بدليل أنه جعلك أدنى من مكانة الإنسان، إنه- سبحانه- يجعل إنسياً مثل سيدنا سليمان مخدوما لك أيها الجنى، إنه يسخرك ويجعلك تخدمه. وأنه في مجلس سليمان، جعل الذي عنده علم من الكتاب، يأتي بقوة أعلى من قوة "عفريت" من الجن. فالحق هو القائل: {أية : قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ...} تفسير : [النمل: 39] وهذا يدل على أن هناك أذكياء وأغبياء في عالم الجن أيضاً. وجاء الذي عنده علم من الكتاب فتسامى فوق عفريت الجن في الزمن، فقد قال هذا العفريت: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ...} تفسير : [النمل: 39] والمقام هو الفترة الزمنية التي قد يقعدها سليمان في مجلسه، فماذا قال الذي عنده علم من الكتاب- وهو إنسان-؟ {أية : قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ...} تفسير : [النمل: 40] كأنه سيأتي بعرش بلقيس قبل أن ينته سليمان من ردّ طرفه الذي أرسله ليبصر به شيئاً، إن سليمان رأى العرش بين يديه، ولذلك نجد عبارة القرآن معبرة: {أية : فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ...} تفسير : [النمل: 40] كأن المسألة لا تتحمل. بل تم تنفيذها فوراً. إذن فالحق يوضح للمخلوقين من العناصر: إياكم أن تفهموا أن تميزكم بعناصركم، إنني أقدر بطلاقة قدرتي أن اجعل الأدنى يتحكم في الأعلى؛ لأنها إرادة من عَنْصَرَ العناصر. {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13] وكلمة {فَٱهْبِطْ} تشير على أن الهبوط أمر معنوي، أي أنك لست أهلاً لهذه المنزلة ولا لتلك المكانة. هذا ما تدل عليه كلمة {فَٱهْبِطْ}، ثم جاء الأمر بعد ذلك بالخروج من المكان. والصَّغَار هو الذل والهوان؛ لأنه قََابَل الأمر باستكبار، فلابد أن يجازى بالصَّغار. وبذلك يكون قد عومل بضد مقصده، والمعاملة بضد المقصد لون من التأديب والتهذيب والتعليم؛ مثلما يقرر الشرع أن الذي يقتل قتيلاً يحرم من ميراثه، لأنه قد قتله ليجعل الإرث منه، ولذلك شاء الله أن يحرمه من الميراث؛ فبارتكابه القتل صار محجوباً عن الميراث. ويقول الحق بعد ذلك: {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):