٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
12
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود فإن ذلك الأمر قد تناول إبليس، وظاهر هذا يدل على أن إبليس كان من الملائكة، إلا أن الدلائل التي ذكرناها تدل على أن الأمر ليس كذلك وأما الاستثناء فقد أجبنا عنه في سورة البقرة. المسألة الثانية: ظاهر الآية يقتضي أنه تعالى، طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود، وليس الأمر كذلك. فإن المقصود طلب ما منعه من السجود، ولهذا الإشكال حصل في الآية قولان: القول الأول: وهو المشهور أن كلمة لا صلة زائدة، والتقدير: ما منعك أن تسجد؟ٰ وله نظائر في القرآن كقوله: {أية : لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [القيامة: 1] معناه: أقسم. وقوله: {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } تفسير : [الأنبياء: 95] أي يرجعون. وقوله: {أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ }تفسير : [الحديد: 29] أي ليعلم أهل الكتاب. وهذا قول الكسائي، والفراء، والزجاج، والأكثرين. والقول الثاني: أن كلمة {لا } ههنا مفيدة وليست لغواً وهذا هو الصحيح، لأن الحكم بأن كلمة من كتاب الله لغو لا فائدة فيها مشكل صعب، وعلى هذا القول ففي تأويل الآية وجهان: الأول: أن يكون التقدير: أي شيء منعك عن ترك السجود؟ٰ ويكون هذا الاستفهام على سبيل الإنكار ومعناه: أنه ما منعك عن ترك السجود؟ٰ كقول القائل لمن ضربه ظلماً: ما الذي منعك من ضربي، أدينك، أم عقلك، أم حياؤك؟ٰ والمعنى: أنه لم يوجد أحد هذه الأمور، وما امتنعت من ضربي. الثاني: قال القاضي: ذكر الله المنع وأراد الداعي فكأنه قال: ما دعاك إلى أن لا تسجد؟ٰ لأن مخالفة أمر الله تعالى حالة عظيمة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها. المسألة الثالثة: احتج العلماء بهذه الآية على أن صيغة الأمر تفيد الوجوب، فقالوا: إنه تعالى ذم إبليس بهذه الآية على ترك ما أمر به ولو لم يفد الأمر الوجوب لما كان مجرد ترك المأمور به موجباً للذم. فإن قالوا: هب أن هذه الآية تدل على أن ذلك الأمر كان يفيد الوجوب، فلعل تلك الصيغة في ذلك الأمر كانت تفيد الوجوب. فلم قلتم إن جميع الصيغ يجب أن تكون كذلك؟ قلنا: قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } يفيد تعليل ذلك الذم بمجرد ترك الأمر، لأن قوله: {إِذْ أَمَرْتُكَ } مذكور في معرض التعليل، والمذكور في قوله: {إِذْ أَمَرْتُكَ } هو الأمر من حيث أنه أمر لا كونه أمراً مخصوصاً في صورة مخصوصة، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون ترك الأمر من حيث إنه أمر موجبٌ للذم، وذلك يفيد أن كل أمر فإنه يقتضي الوجوب وهو المطلوب. المسألة الرابعة: احتج من زعم أن الأمر يفيد الفور بهذه الآية قال: إنه تعالى ذم إبليس على ترك السجود في الحال، ولو كان الأمر لا يفيد الفور لمااستوجب هذا الذم بترك السجود في الحال. المسألة الخامسة: اعلم أن قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } طلب الداعي الذي دعاه إلى ترك السجود، فحكى تعالى عن إبليس ذكر ذلك الداعي، وهو أنه قال: {أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } ومعناه: أن إبليس قال إنما لم أسجد لآدم، لأني خير منه، ومن كان خيراً من غيره فإنه لا يجوز أمر ذلك الأكمل بالسجود لذلك الأدون! ثم بين المقدمة الأولى وهو قوله: {أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } بأن قال: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } والنار أفضل من الطين والمخلوق من الأفضل أفضل، فوجب كون إبليس خيراً من آدم. أما بيان أن النار أفضل من الطين، فلأن النار مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن مجاورة السموات، وأيضاً فالنار قوية التأثير والفعل، والأرض ليس لها إلا القبول والانفعال. والفعل أشرف من الانفعال، وأيضاً فالنار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة، وأما الأرضية والبرد واليبس فهما مناسبان الموت. والحياة أشرف من الموت، وأيضاً فنضج الثمار متعلق بالحرارة، وأيضاً فسن النمو من النبات لما كان وقت كمال الحرارة كان غاية كمال الحيوان حاصلاً في هذين الوقتين، وأما وقت الشيخوخة، فهو وقت البرد واليبس المناسب للأرضية، لا جرم كان هذا الوقت أردأ أوقات عمر الإنسان، فأما بيان أن المخلوق من الأفضل أفضل فظاهر، لأن شرف الأصول يوجب شرف الفروع. وأما بيان أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فلأنه قد تقرر في العقول أن من أمر أبا حنيفة والشافعي وسائر أكابر الفقهاء بخدمة فقيه نازل الدرجة كان ذلك قبيحاً في العقول، فهذا هو تقرير لشبهة إبليس. فنقول: هذه الشبهة مركبة من مقدمات ثلاثة. أولها: أن النار أفضل من التراب، فهذا قد تكلمنا فيه في سورة البقرة. وأما المقدمة الثانية: وهي أن من كانت مادته أفضل فصورته أفضل، فهذا هو محل النزاع والبحث، لأنه لما كانت الفضيلة عطية من الله ابتداء لم يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة. ألا ترى أنه يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر، والنور من الظلمة والظلمة من النور، وذلك يدل على أن الفضيلة لا تحصل إلا بفضل الله تعالى لا بسبب فضيلة الأصل والجوهر. وأيضاً التكليف إنما يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل، فالمعتبر بما انتهى إليه لا بما خلق منه، وأيضاً فالفضل إنما يكون بالأعمال وما يتصل بها لا بسبب المادة. ألا ترى أن الحبشي المؤمن مفضل على القرشي الكافر. المسألة السادسة: احتج من قال: أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس بأنه لو كان تخصيص عموم النص بالقياس جائزاً لما استوجب إبليس هذا الذم الشديد والتوبيخ العظيم، ولما حصل ذلك دل على أن تخصيص عموم النص بالقياس لا يجوز، وبيان الملازمة أن قوله تعالى للملائكة: {أية : ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } تفسير : [الأعراف: 11] خطاب عام يتناول جميع الملائكة. ثم إن إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس. وهو أنه مخلوق من النار والنار أشرف من الطين، ومن كان أصله أشرف فهو أشرف، فيلزم كون إبليس أشرف من آدم عليه السلام، ومن كان أشرف من غيره، فإنه لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون الأدنى. والدليل عليه أن هذا الحكم ثابت في جميع النظائر، ولا معنى للقياس إلا ذلك، فثبت أن إبليس ما عمل في هذه الواقعة شيئاً إلا أنه خصص عموم قوله تعالى للملائكة: {ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } بهذا القياس، فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزاً لوجب أن لا يستحق إبليس الذم على هذا العمل: وحيث استحق الذم الشديد عليه، علمنا أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز، وأيضاً ففي الآية دلالة على صحة هذه المسألة من وجه آخر، وذلك لأن إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى: {أية : ٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } تفسير : [الأَعراف: 13] فوصف تعالى إبليس بكونه متكبراً بعد أن حكى عنه ذلك القياس الذي يوجب تخصيص النص، وهذا يقتضي أن من حاول تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله، ولما دلت هذه الآية على أن تخصيص عموم النص بالقياس تكبر على الله، ودلت هذه الآية على أن التكبر على الله يوجب العقاب الشديد والإخراج من زمرة الأولياء والإدخال في زمرة الملعونين، ثبت أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز. وهذا هو المراد مما نقله الواحدي في «البسيط»، عن ابن عباس أنه قال: كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس، فعصى ربه وقاس، وأول من قاس إبليس، فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس. هذا جملة الألفاظ التي نقلها الواحدي في «البسيط» عن ابن عباس. فإن قيل: القياس الذي يبطل النص بالكلية باطل. أما القياس الذي يخصص النص في بعض الصور فلم قلتم أنه باطل؟ وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقاً من النار بالسجود لمن كان مخلوقاً من الأرض، لكان قبح أمر من كان مخلوقاً من النور المحض بالسجود لمن كان مخلوقاً من الأرض أولى وأقوى، لأن النور أشرف من النار، وهذا القياس يقتضي أن يقبح أمر أحد من الملائكة بالسجود لآدم، فهذا القياس يقتضي رفع مدلول النص بالكلية وأنه باطل. وأما القياس الذي يقتضي تخصيص مدلول النص العام، لم قلتم: إنه باطل؟ فهذا سؤال حسن أوردته على هذه الطريقة وما رأيت أحداً ذكر هذا السؤال ويمكن أن يجاب عنه، فيقال: إن كونه أشرف من غيره يقتضي قبح أمر من لا يرضى أن يلجأ إلى خدمة الأدنى الأدون، أما لو رضي ذلك الشريف بتلك الخدمة لم يقبح، لأنه لا اعتراض عليه في أنه يسقط حق نفسه، أما الملائكة فقد رضوا بذلك، فلا بأس به، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق، فوجب أن يقبح أمره بذلك السجود، فهذا قياس مناسب، وأنه يوجب تخصيص النص ولا يوجب رفعه بالكلية ولا إبطاله فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزاً، لما استوجب الذم العظيم، فلما استوجب استحقاق هذا الذم العظيم في حقه علمنا أن ذلك إنما كان لأجل أن تخصيص النص بالقياس غير جائز. والله أعلم. المسألة السابعة: قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } لا شك أن قائل هذا القول هو الله لأن قوله: {إِذْ أَمَرْتُكَ } لا يليق إلا بالله سبحانه. وأما قوله: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ } فلا شك أن قائل هذا القول هو إبليس.
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأُولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {مَا مَنَعَكَ} «ما» في موضع رفع بالابتداء؛ أي أي شيء منعك. وهذا سؤال توبيخ. {أَلاَّ تَسْجُدَ} في موضع نصب، أي من أن تسجد. و «لا» زائدة. وفي صۤ {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ}تفسير : [صۤ: 75] وقال الشاعر:شعر : أبَى جُودُه لا البخلَ فاستعجلت به نَعَمْ من فتًى لا يمنع الجودَ نائلُه تفسير : أراد أبى جوده البخل، فزاد «لا». وقيل؛ ليست بزائدة؛ فإن المنع فيه طرف من القول والدعاء، فكأنه قال: من قال لك ألاّ تسجد؟ أو من دعاك إلى ألاّ تسجد؟ كما تقول: قد قلت لك ألاّ تفعل كذا. وقيل: في الكلام حذف، والتقدير: ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى ألاّ تسجد. قال العلماء: الذي أحوجه إلى ترك السجود هو الكبر والحسد: وكان أضمر ذلك في نفسه إذا أمر بذلك. وكان أمره من قبل خلق آدم؛ يقول الله تعالىٰ: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}. فكأنه دخله أمر عظيم من قوله {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}. فإن في الوقوع توضيع الواقع وتشريفاً لمن وقع له فأضمر في نفسه ألاّ يسجد إذا أمره في ذلك الوقت. فلما نفخ فيه الروح وقعت الملائكة سُجَّداً، وبَقِيَ هو قائماً بين أظهرهم؛ فأظهر بقيامه وترك السجود ما في ضميره. فقال الله تعالىٰ: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} أي ما منعك من الانقياد لأمري؛ فأخرج سِرّ ضميره فقال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ}. الثانية ـ قوله تعالىٰ: {إِذْ أَمَرْتُكَ} يدل على ما يقوله الفقهاء من أن الأمر يقتضي الوجوب بمطلقه من غير قَرِينَة؛ لأن الذّمّ عُلِّق على ترك الأمر المطلق الذي هو قوله عزّ وجلّ للملائكة: {ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} وهذا بيّن. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} أي منعني من السجود فضلِي عليه؛ فهذا من إبليس جواب على المعنى. كما تقول: لمن هذه الدار؟ فيقول المخاطَب: مالكها زيد. فليس هذا عين الجواب، بل هو كلام يرجع إلى معنى الجواب. {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فرأى أن النار أشرف من الطين؛ لعلوّها وصعودها وخفتها، ولأنها جوهر مضيء. قال ابن عباس والحسن وابن سيرين: أوّل من قاس إبليس فأخطأ القياس. فمن قاس الدين برأيه قرنه الله مع إبليس. قال ابن سيرين: وما عبدت الشمس والقمر إلاَّ بالمقاييس. وقالت الحكماء: أخطأ عدوّ الله من حيث فضل النار على الطين، وإن كانا في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق. فإن الطين أفضل من النار من وجوه أربعة: أحدها ـ أن من جوهر الطين الرّزانة والسكون، والوقار والأناة، والحلم، والحياء، والصبر. وذلك هو الداعي لآدم عليه السَّلام بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع، فأورثه المغفرة والإجتباء والهداية. ومن جوهر النار الخفة، والطيش، والحدّة، والارتفاع، والاضطراب. وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار؛ فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء؛ قاله القفّال. الثاني ـ إن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مِسك أذفر، ولم ينطق الخبر بأن في الجنة ناراً وأن في النار تراباً. الثالث ـ أن النار سبب العذاب، وهي عذاب الله لأعدائه؛ وليس التراب سبباً للعذاب. الرابع ـ أن الطين مستغنٍ عن النار، والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب. قلت ـ ويحتمل قولاً خامساً وهو أن التراب مسجد وطهور؛ كما جاء في صحيح الحديث. والنار تخويف وعذاب؛ كما قال تعالىٰ: {أية : ذَلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ} تفسير : [الزمر: 16]. وقال ابن عباس: كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه، وهو أوّل من قاس برأيه. والقياس في مخالفة النصِّ مردود. الرابعة ـ وٱختلف الناس في القياس إلى قائل به، ورادٍّ له؛ فأما القائلون به فهم الصحابة والتابعون، وجمهور من بعدهم، وأن التعبد به جائز عقلاً واقع شرعاً، وهو الصحيح. وذهب القفّال من الشافعية وأبو الحسين البصرِيّ إلى وجوب التعبّد به عقلاً. وذهب النظّام إلى أنه يستحيل التعبد به عقلاً وشرعاً؛ وردّه بعض أهل الظاهر. والأوّل الصحيح. قال البخارِيّ في (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة): المعنى لا عصمة لأحد إلاَّ في كتاب الله أو سنة نبيه أو في إجماع العلماء إذا وُجد فيها الحكُم فإن لم يوجد فالقياس. وقد ترجم على هذا (باب من شبّه أصلاً معلوماً بأصل مبيَّن قد بيّن الله حكمها ليفهم السائل). وترجم بعد هذا (باب الأحكام التي تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها). وقال الطبريّ: الإجتهاد والاستنباط من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع الأُمة هو الحق الواجب، والفرض اللازم لأهل العلم. وبذلك جاءت الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعن جماعة الصحابة والتابعين. وقال أبو تمام المالكيّ: أجمعت الأُمة على القياس؛ فمن ذلك أنهم أجمعوا على قياس الذهب والوَرِق في الزكاة. وقال أبو بكر: أقِيلوني بيعتي. فقال عليّ: واللَّهِ لا نقيلك ولا نستقيلك، رضِيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟ فقاس الإمامة على الصَّلاة. وقاس الصدّيقُ الزكاة على الصَّلاةِ وقال: والله لا أفرق بين ما جمع الله. وصرّح عليّ بالقياس في شارب الخمر بمحضر من الصحابة وقال: إنه إذا سكِر هَذَى، وإذا هَذَى افْترى؛ فحدّه حدّ القاذف. وكتب عمر إلى أبي موسىٰ الأشعري كتاباً فيه: الفَهْم الفَهْمَ فيما يختلِجُ في صدرك مما لم يبلغك في الكتاب والسنة، ٱعرف الأمثال والأشباه، ثم قِسِ الأُمور عند ذلك، فاعمد إلى أحبِّها إلى الله تعالىٰ وأشبهها بالحق فيما ترى. الحديثَ بطوله ذكره الدارقطنيّ. وقد قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنهما في حديث الوَبَاء، حين رجع عمر من سَرْغ: نَفِرّ من قَدَر الله؟ فقال عمر: نعم! نفِرّ من قَدَر الله إلى قَدَر الله. ثم قال له عمر: أرأيت... فقايسه وناظره بما يشبه من مسألته بمحضر المهاجرين والأنصار، وحسبُك. وأما الآثار وآي القرآن في هذا المعنى فكثير. وهو يدل على أن القياس أصل من أُصول الدين، وعِصمة من عِصم المسلمين، يرجع إليه المجتهدون، ويفزع إليه العلماء العاملون، فيستنبطون به الأحكام. وهذا قول الجماعة الذين هم الحجة، ولا يلتفت إلى من شذَّ عنها. وأما الرأي المذموم والقياس المتكّلف المنهي عنه فهو ما لم يكن على هذه الأُصول المذكورة؛ لأن ذلك ظنٌّ ونَزَغٌ من الشيطان؛ قال الله تعالىٰ: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}تفسير : [الإسراء: 36]. وكل ما يورده المخالف من الأحاديث الضعيفة والأخبار الواهية في ذمّ القياس فهي محمولة على هذا النوع من القياس المذموم، الذي ليس له في الشرع أصل معلوم. وتتميم هذا الباب في كتب الأُصول.
ابن كثير
تفسير : قال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} {لا} هنا زائدة، وقال بعضهم: زيدت لتأكيد الجحد؛ كقول الشاعر:شعر : ما إِنْ رأيتُ ولا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ تفسير : فأدخل «إن» وهي للنفي، على ما النافية؛ لتأكيد النفي، قالوا: وكذا ههنا {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} مع تقدم قوله: {لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} حكاهما ابن جرير، وردهما، واختار أن (منعك) مضمن معنى فعل آخر، تقديره: ما أحوجك وألزمك واضطرك أن لا تسجد إذ أمرتك، ونحو هذا، وهذا القول قوي حسن، والله أعلم. وقول إبليس لعنه الله: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} من العذر الذي هو أكبر من الذنب؛ كأنه امتنع من الطاعة؛ لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني - لعنه الله -: وأنا خير منه، فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه، وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر، ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياساً فاسداً في مقابلة نص. قوله تعالى: {أية : فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 29] فشذ من بين الملائكة؛ بترك السجود، فهذا أبلس من الرحمة، أي: أيس من الرحمة، فأخطأ - قبحه الله - في قياسه، ودعواه: أن النار أشرف من الطين أيضاً؛ فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة، ولهذا خان إبليس عنصره، ونفع آدم عنصره بالرجوع والإنابة، والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله، والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» تفسير : هكذا رواه مسلم، وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خلق الله الملائكة من نور العرش، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» تفسير : قلت لنعيم بن حماد: أين سمعت هذا من عبد الرزاق؟ قال: باليمن، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح: «حديث : وخلقت الحور العين من الزعفران»تفسير : ، وقال ابن جرير: حدثنا القاسم حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير عن ابن شوذب عن مطر الوراق عن الحسن في قوله: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12] قال: قاس إبليس، وهو أول من قاس، إسناده صحيح، وقال: حدثني عمرو بن مالك، حدثني يحيى بن سليم الطائفي عن هشام عن ابن سيرين، قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، إسناد صحيح أيضاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } تعالى {مَا مَنَعَكَ أَ} ن {لاَ} زائدة {تَسْجُدَ إِذْ } حين {أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا} فيه ثلاثة أقاويل: أحدهما: أنه أُهْبِط من السماء لأنه كان فيها، قاله الحسن. والثاني: من الجنة. والثالث: أنه أهبط من المنزلة الرفيعة التي استحقها بطاعة الله إلى المنزلة الدَّنِيَّةِ التي استوجبها لمعصيته، قاله ابن بحر. {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} وليس لأحد من المخلوقين أن يتكبر فيها ولا في غيرها، وإنما المعنى: فما لمن يتكبر أن يكون فيها وإنما المتكبر في غيرها. وفي التكبر وجهان: أحدهما: تكبر عن الله أن يمتثل له. والثاني: تكبر عن آدم أن يسجد له. {فَاخْرُجْ} فيها قولان: أحدهما: من المكان الذي كان فيه من السماء أو الجنة. والثاني: من جملة الملائكة الذين كان منهم أو معهم. {إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} فيه وجهان: أحدهما: بالمعصية في الدنيا لأن العاصي ذليل عند من عصاه. والثاني: بالعذاب في الآخرة لأن المعذب ذليل بالعذاب. وفي هذا القول من الله تعالى لإبليس وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك على لسان بعض الملائكة. والثاني: أنه أراه معجزة تدله على ذلك. قوله عز وجل: {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} فيه قولان: أحدهما: أنه سأله الإنظار بالعقوبة إلى البعث وهو يوم القيامة. والثاني: أنه سأله الإنظار بالحياة إلى يوم يبعثون وهو يوم القيامة لئلا يذوق الموت، فَأُجِيْبَ بالإنظار إلى يوم الوقت المعلوم وهي النفخة الأولى ليذوق الموت بين النفختين وهو أربعون سنة، قاله الكلبي. فإن قيل: فكيف قدر الله مدة أجله وفي ذلك إغواؤه بفعل المعاصي تعويلاً على التوبة في آخر الأجل؟ قيل: قد علم الله من حاله أنه لا يتوب من معصيته بما أوجبه من لعنته بقوله تعالى: {وَأَنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَومِ الدَّينِ} فجاز مع علمه بهذه أن يقدر له مدة أجله ولو كان كغيره ما قدرت له مدة أجله. فإن قيل: كيف أقدم إبليس على هذا السؤال مع معصيته؟ قيل: كما ينبسط الجاهل في سؤال ما لا يستحقه. فإن قيل: فكيف أجاب الله سؤاله مع معصيته؟ قيل: في إجابته دعاء أهل المعاصي قولان: أحدهما: لا تصح إجابتهم لأن إجابة الدعاء تكرمة للداعي وأهل المعاصي لا يستحقون الكرامة، فعلى هذا إنما أنظره الله تعالى وإن كان عقيب سؤاله ابتداء منه لا إجابه له. والثاني: أنه قد يجوز أن تجاب دعوة أهل المعاصي على وجه البلوى وتأكيد الحجة، فتكون إجابة المطيعين تكرمة، وإجابة العصاة بلوى. فإن قيل: فهل ينظر غير إبليس إلىالوقت الذي سأل وقد قال من المنظرين؟ قيل: نعم وهو من لم يقض الله تعالى عليه الموت من عباده الذين تقوم عليهم الساعة.
ابن عطية
تفسير : {ما} استفهام والمقصود به التوبيخ والتقريع، و {لا} في قوله "أن لا" قيل هي زائدة، والمعنى ما منعك أن تسجد وهي كـ "لا" في قول الشاعر: [الطويل] شعر : أبى جودُه لا البخلَ واسْعْجَلَتْ به نَعَمْ من فتى لا يمنعُ الجود قاتله تفسير : وهذا على أحد الأقوال في هذا البيت فقيل "لا" فيه زائدة. وقال الزجّاج: مفعولة والبخل بدل منها، وحكى الطبري عن يونس عن أبي عمرو بن العلاء: أن الرواية فيه لا البخل بخفض اللام لأن "لا" قد تتضمن جوداً إذا قالها من أمر بمنع الحقوق والبخل عن الواجبات. ومن الأبيات التي جاءت لا فيها زائدة قول الشاعر: [الكامل] شعر : افَعَنْكِ لا بَرْق كأنّ وميضه غاب تسنمه ضرام مثقبُ تفسير : وقيل في الآية ليست لا زائدة، وإنما المعنى ما منعك فأحوجك أن تسجد، وقيل: لما كان {ما منعك} بمعنى من أمرك ومن قال لك حسن أن يقول بعدها {ألا تسجد}. قال القاضي أبو محمد: وجملة هذا الغرض أن يقدر في الكلام فعل يحسن حمل النفي عليه، كأنه قال ما أحوجك أو حملك أو اضطرك، وجواب إبليس اللعين ليس عما سئل عنه ولكنه جاء بكلام يتضمن الجواب والحجة عليه، فكأنه قال: منعني فضلي إذ أنا خير منه حين خلقتني من نار وخلقته من طين. وروي عن ابن عباس أنه قال: لا أسجد وأنا خير منه وأكبر سناً وأقوى خلقاً، يقول إن النار أقوى من الطين وظن إبليس أن النار أفضل من الطين وليس كذلك بل هي في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق، فلما ظن إبليس أن صعود النار وخفتها يقتضي فضلاً على سكون الطين وبلادته قاس أن ما خلق منها أفضل مما خلق في النار من الطيش والخفة والاضطراب، وفي الطين من الوقار والأناة والحمل والتثبيت. قال القاضي أبو محمد: وفي كلام الطبري نظر، وروي عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. قال القاضي أبو محمد: قال الطبري يعنيان الخطأ ولا دليل من لفظهما عليه ولا يتأول عليهما إنكار القياس، وإنما خرج كلامهما نهياً عما كان في زمنهما من مقاييس الخوارج وغيرهم، فأرادا حمل الناس على الجادة. وقوله تعالى: {فاهبط منها} الآية، أمر من الله عز وجل لإبليس بالهبوط في وقت عصيانه في السجود، فيظهر من هذا أنه إنما أهبط أولاً وأخرج من الجنة وصار في السماء، لأن الأخبار تظاهرت أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجنة ثم أمر آخراً بالهبوط من السماء مع آدم وحواء والحية. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله بحسب ألفاظ القصة والله أعلم. وقوله {فما يكون لك} معناه فما يصح لك ولا يتم، وليس يقتضي هذا اللفظ أن التكبر له في غيرها على ما ذهب إليه بعض المعترضين، تضمنت الآية أن الله أخبر إبليس أن الكبرياء لا يتم له ولا يصح في الجنة مع نهيه له ولغيره عن الكبرياء في كل موضع وأما لو أخذنا {فما يكون} على معنى فما يحسن وما يجمل كما تقول للرجل ما كان لك أن لا تصل قرابتك لغير معنى الإغلاظ على إبليس، وقوله: {إنك من الصاغرين} حكم عليه بضد المعصية التي عصى بها وهي الكبرياء فعوقب بالحمل عليه بخلاف شهوته وأمله، والصغار الذل قاله السدي. ثم سأل إبليس ربه أن يؤخره إلى يوم البعث طمع أن لا يموت، إذ علم أن الموت ينقطع بعد البعث ومعنى {أنظرني} أخرني فأعطاه الله النظرة إلى يوم الوقت المعلوم، فقال أكثر الناس الوقت المعلوم هو النفخة الأولى في الصور التي يصعق لها من في السماوات ومن في الأرض من المخلوقين، وقالت فرقة بل أحاله على وقت معلوم عنده عز وجل يريد به يوم موت إبليس وحضور أجله دون أن يعين له ذلك، وإنما تركه في عماء الجهل به ليغمه ذلك ما عاش. قال القاضي أبو محمد: وقال بعض أهل هذه المقالة: إن إبليس قتلته الملائكة يوم بدر ورووا في ذلك أثراً ضعيفاً. قال القاضي أبو محمد: والأول من هذه الأقوال أصح وأشهر في الشرع، ومعنى {من المنظرين} من الطائفة التي تأخرت أعمارها كثيراً حتى جاءت آجالها على اختلاف أوقاتها، فقد عم تلك الفرقة إنظار وإن لم يكونوا أحياء مدة الدهر. وقوله: {فبما} يحتمل أن يريد به القسم كما تقول فبالله لأفعلن، ويحتمل أن يريد به معنى المجازاة كما تقول فبإكرامك يا زيد لأكرمنك. قال القاضي أبو محمد: وهذا أليق المعاني بالقصة، ويحتمل أن يريد فمع إغوائك لي ومع ما أنا عليه من سوء الحال لأتجلدن ولأقعدن، ولا يعرض لمعنى المجازاة ويحتمل أن يريد بقوله {فبما} الاستفهام عن السبب في إغوائه، ثم قطع ذلك وابتدأ الإخبار عن قعوده لهم، وبهذا فسر الطبري أثناء لفظه و {أغويتني} قال الجمهور معناه أضللتني من الغي. وعلى هذا المعنى قال محمد بن كعب القرظي فيما حكى الطبري: قاتل الله القدرية لإبليس أعلم بالله منهم، يريد في أنه علم أن الله يهدي ويضل، وقال الحسن {أغويتني} لعنتني. وقيل معناه خيبتني. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله تفسير بأشياء لزمت إغواءه، وقالت فرقة {أغويتني} معناه أهلكتني، حكى ذلك الطبري، وقال: هو من قولك غوى الفصيل يغوي غوى إذا انقطع عنه اللبن فمات، وأنشد: [الطويل] شعر : معطَّفةُ الأثناءِ لَيْسَ فَصيلُها بِرَازِئها دراً ولا ميت غوى تفسير : قال: وقد حكي عن بعض طيىء: أصبح فلان غاوياً أي مريضاً، وقوله: {لأقعدن لهم صراطك} يريد على صراطك وفي صراطك وحذف كما يفعل في الظروف، ونحوه قول الشاعر: [ساعدة بن جؤية]. شعر : لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب تفسير : وقال مجاهد: {صراطك المستقيم} يريد به الحق. وقال عون بن عبد الله: يريد طريق مكة. قال القاضي أبو محمد: وهذا تخصيص ضعيف وإنما المعنى لأتعرضن لهم في طريق شرعك وعبادتك ومنهج النجاة فلأصدنهم عنه. ومنه قوله عليه السلام: "حديث : إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه، نهاه عن الإسلام وقال تترك دين آبائك فعصاه فأسلم فنهاه عن الهجرة وقال تدع أهلك وبلدك فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجهاد وقال تقتل وتترك ولدك فعصاه فجاهد فله الجنة" تفسير : الحديث.
ابن عادل
تفسير : في "لا" هذه وجهان: أظهرهما: أنها زائدة للتوكيد. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: "لا" في "ألاَّ تسجد" صلة بدليل قوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}تفسير : [سورة ص: 75] ومثلها {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الحديد: 29] بمعنى ليعلم، ثم قال: فإن قلت ما فائدةُ زيادتها؟ قلت: توكيد بمعنى الفعل الذي يدخلُ عليه، وتحقيقه كأنه قيل: يستحق علم أهل الكتاب، وما منعك أن تحقق السُّجُود، وتُلزمه نفسك إذا أمرتك؟. وأنْشَدُوا على زيادة "لا" قول الشَّاعر: [الطويل] شعر : 2410 - أبَى جُودُهُ لا البُخْلَِ واسْتَعْجَلتْ نَعَمْ بِهِ مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ نَائِلُهْ تفسير : يروى "البُخْل" بالنصب والجر، والنصبُ ظاهرُ الدلالة في زيادتها، تقديره: أبى جُودهُ البخل. وأمَّا رواية الجر فالظَّاهرُ منها عدم الدلالة على زيادتها، ولا حجَّة في هذا البيت على زيادة "لا" في رواية النَّصْبِ، ويتخرَّجُ على وجهين: أحدهما: أن تكون "لا" مفعولاً بها، و "البخل" بدلٌ منها؛ لأن "لا" تقالُ في المنع فهي مؤدِّية للبُخْلِ. والثاني: أنَّها مفعول بها أيضاً، و "البُخْل" مفعول من أجْلِهِ، والمعنى: أبي جُودُه لفظ "لا" لأجل البُخْلِ أي: كَرَاهَة البُخْلِ، ويؤيِّدُ عدَمَ الزِّيادةِ روايةُ الجَرِّ. قال أبُو عمرو بْنُ العلاءِ: "الرِّوايةُ فيه بخفض "البُخْلِ"؛ لأن "لا" تستعمل في البُخْلِ"، وأنشدُوا أيضاً على زيادتها قول الآخر: [الكامل] شعر : 2411 - أفَعَنْكِ لا بَرْقٌ كأنَّ وَميضَهُ غَابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرَامٌ مُثْقَبُ تفسير : يريد أفعنك بَرْقٌ، وقد خرَّجه أبُو حيَّان على احتمال كَوْنِهَا عاطفة، وحذف المعطوف، والتقديرُ: أفعنك لا عن غَيْرِك. وكون "لا" فى الآية زَائِدَة هو مَذْهَبُ الكسائي، والفرَّاءِ والزَّجَّاج، وما ذكرناه من كون البُخْلِ بدلاً من "لا"، و "لا" مفعول بها هو مذهب الزَّجَّاج. وحكى بعضهم عن يُونُسَ قال: كان أبُو عَمْرو بْنُ العلاء يجرُّ "البخل" ويجعل "لا" مضافة إليه، أراد أبَى جُودُهُ لا التي هي لِلْبُخْل؛ لأنَّ "لا" قد تكُون للبُخْلِ ولِلْجُودِ، فالتي لِلْبُخْلِ معروفَةٌ، والَّتِى للجُودِ أنَّهُ لو قال له: "امْنَعِ الحَقّ" أو "لا تُعْطِ المَسَاكِينَ" فقال: "لا" كان جوداً. قال شهابُ الدِّين: يعنى فتكون الإضَافَةُ للتَّبْيين، لأن "لا" صارت مشتركة فميَّزَهَا بالإضافةِ، وخصَّصها به، وقد تقدَّمَ طرف جيد من زيادة "لا" في أواخر الفَاتِحَةِ. وزعم جماعة أن "لا" فى هذه الآية الكريمة غير زائدة لكن اختلفت عبارتهم فى تصحيح معنى ذلك. فقال بَعضُهم: فى الكلام حَذْف يصحُّ به النَّفْيُ والتقديرُ: ما منعك فأحوجك ألاَّ تسجد؟ وقال بعضهم: المعنى ما ألجأك ألاَّ تسجد. وقال بعضهم: من أمرك ألاَّ تَسْجُدَ؟ أو من قال لكَ ألا تَسْجُدَ، أو ما دَعَاكَ ألاَّ تَسْجُدَ. قالوا: ويكونُ هذا استفهاماً على سبيل الإنكار، ومعناه أنَّهُ ما منعك عن تَرْكِ السُّجُودِ شيء، كقول القائل لمن ضربه ظلماً: ما الذي منعك من ضَرْبِي، أدينُكَ أم عَقْلُكَ أم جَارُكَ. والمعنى أنَّهُ لم يوجد أحد هذه الأمور، وما امتنعت من ضربي. وقال القاضي: ذَكَرَ اللهُ المَنْعَ وأرادَ الدَّاعِي فكأنه قال: ما دعاك إلى ألاَّ تَسْجُدَ؛ لأن مخالفة أمر الله تعالى حالة عظيمة يتعجب منها ويسأل عن الدَّاعي إليها. وهذا قولُ من يتحرج من نِسْبَةِ الزِّيادةِ إلى القرآن، وقد تقدَّم تحقيقه، وأنَّ معنى الزِّيادة على معنى يفهمه أهلُ العلم، وإلاَّ فكيفَ يدَّعِي زيادة في القرآن بالعُرْف العام؟ هذا ما لا يَقُولُه أحَدُّ من المُسْلِمِينَ. و "مَا" استفهامية في محل رفع بالابتداء، والخَبَرُ الجملة بعدها أي: أي شيء مَنَعَكَ؟. و "أنْ" في محلِّ نَصْبٍ، أو جرٍّ؛ لأنها على حذف حرف الجَرِّ إذ التَّقديرُ: ما منعك من السُّجُودِ؟ و "إذْ" منصوب بـ "تسجد" أي: ما منعك من السُّجُودِ في وقت أمري إيَّاكَ به. فصل في دلالة الأمر احتجوا بهذه الآية على أنَّ الأمْرَ يفيدُ الوُجُوبَ؛ لأنه تعالى ذَمّ إبليس على تَرْكِ ما أمر به، ولو لم يَفِدِ الأمر الوُجُوبَ لما كان مجرد تَرْكِ المأمُورِ به يوجبُ الذَّمَّ. فإن قالوا: هَبْ أنَّ هذه الآية تَدُلُّ على أنَّ ذلك الأمْرَ كان يفيدُ الوجُوب فلعل تلك الصِّيغة في ذلك الأمْرِ كانت تفيد الوجوب، فلم قلتم: إن جميع الصيغ يجب أن تكون كذلك؟ والجوابُ: أنَّ قوله تعالى {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} يفيدُ تعليل ذلك الذَّم بمجرد ترك الأمر، لأن قوله: "إذْ أمرتك" مذكور في معرض التعليل، والمذكور في قوله: "إذ أمرتك" هو الأمر من حيث إنه أمر لا كونه أمراً مخصوصاً في صورة مخصوصة فوجب أن يكون ترك الأمر من حيث إنه أمر موجباً للذم. فصل في دلالة الأمر على الفور أم التراخي واحتجُّوا أيضاً بهذه الآية على أنَّ الأمر يَقْتَضِي الفَوْرَ، قالوا: لأنَّهُ تعالى ذَمَّ إبْليسَ على تَرْكِ السُّجُودِ في الحَالِ، ولو كان الأمْرُ لا يُفِيدُ الفَوْرَ لما استوجب الذَّمَّ بترك السُّجُودِ في الحال. قوله: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ} اعلم أنَّ قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} طلب للدَّاعي الذي دَعَاهُ إلى ترك السُّجُودِ، فَحَكَى تعالى عن إبليس ذكر ذلك الدَّاعي، وهو أنَّهُ قال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ}. قوله: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} لا محلَّ لهذه الجُمْلَةِ؛ لأنها كالتَّفسير والبيان لِلْخَيْرِيَّة ومعناه: أنا لم أسجد لآدم؛ لأنِّي خَيْرٌ منه وَمَنْ كان خَيْراً من غيره فإنَّهُ لا يَجُوزُ أمر ذلك الأكْمَل بالسُّجُودِ لذلك الأدْوَنِ، ثم بيَّن المقدِّمَة الأولى، وهو قوله {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} بأن قال خلقتني من نَارٍ، وخلقته من طين، والنَّارُ أفْضَلُ من الطِّينِ والمخلوقُ من الأفْضَلِ أفْضَلُ. أمَّا بيان أنَّ النَّارَ أفْضَلُ من الطِّينِ فلأنَّ النَّار مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السَّمواتِ، قوية التَّأثير والفِعْلِ، والأرْضُ ليس لها إلاَّ القَبُولُ والانْفِعَالُ، والفعل أشْرَفُ من الانفعَالِ، وأيضاً فالنَّارُ مناسبة للحرارةِ الغريزيَّةِ وهى مَادَّةُ الحياةِ. وأمَّا الأرضيَّةُ والبرد واليبس، فهما يناسِبَانِ المَوْتَ والحياةُ أشْرَفُ من الموت، وأيضاً فالنضج متعلق بالحرارة، وأيضاً فسن النُّموِّ من النَّباتِ لما كان وقت كمال الحرارة كان غاية كمال الحيوان حاصلاً في هذين الوَقْتَيْنِ، وأمَّا وقت الشَّيْخُوخَةِ فهو وقت البَرْدِ واليبس المناسب للأرضية، لا جَرَمَ كان هذا الوَقْتُ أرْدَى أوقات عُمْر الإنْسَانِ. وأمَّا بيان أنّ المخلوق من الأفْضَلِ أفضل فظاهر؛ لأن شَرَفَ الأصول يوجب شرف الفروع. وأمَّا بيان أنَّ الأشرف لا يجوزُ أن يؤمر بخدمة الأدون، فإنَّه قد تقرَّرَ في العُقُولِ أنَّ من أمَرَ أبا حنيفة والشافعي رضي الله عنهما وسائر أكَابِرِ الفُقَهَاءِ بخِدمَةِ فقيه نازل الدرجة كان ذلك قبيحاً في العقول، فهذا هو تقرير لشبهة إبليس. والجواب عنها أن نقول: هذه الشُّبْهَةُ مُرَكَّبَةٌ من مقدِّمات ثلاث: أوَّلها أنَّ النَّار أفضل من التُّرابِ، وهذا قد تقدَّم الكلامُ فيه. قال مُحَمَّدُ بْنُ جَريرٍ: ظنَّ الخَبِيثُ أنَّ النَّار خيرٌ من الطِّين ولم يعلم أنَّ الفضل ما جعل الله له الفضل، وقد فضَّل الطِّينَ على النَّارِ. وقالت الحكماء: للطِّينِ فضلٌ على النَّارِ من وجوه: منها: أن من جوهر الطِّينِ الرَّزّانَةَ والوقَارَ والحِلْمَ والصَّبْرَ وهُوَ الدَّاعِي لآدم عليه السلام بعد السَّعادةِ الَّتي سبقت له إلى التَّوْبَةِ والتَّواضع والتَّضَرُّع، فأورثه المغفرة والاجتباء والتَّوْبَة والهِداية. ومن جَوْهَرِ النَّارِ الخفَّةُ، والطَّيْشُ، والحِدَّةُ والارتفاعُ والاضطرَابُ وهو الدَّاعي لإبْليسَ بعد الشَّقَاوَةِ التي سبقت له إلى الاستكبار والإصْرَارِ فأوْرَثَهُ اللَّعْنَةَ والشَّقَاوَةَ؛ ولأن الطِّين سببُ جمعِ الأشْيَاءِ والنَّارَ سببُ تفرُّقِهَا، [و] لأن التُّرابَ سبب الحياة؛ لأنَّ حياة الأشجار، والنَّبَات به، والنَّار سببُ الهلاكِ، ولأنَّ التراب يكون منه وفيه أرْزَاقُ الحيوان، وأقواتهم ولباس العِبَادِ وزينتهم وآلات معايشهم ومساكنهم والنَّارُ لا يَكُونُ فيها شيء من ذَلِكَ، وأيضاً النَّارُ مُفْتَقِرَةٌ إلى التُّرابِ، وليس التُّرَابُ مفتقرٌ إليه، فإنَّ المحلَّ الذي يكون مكوناً من التُّرابِ أو فيه فهي الفَقِيرةُ إلى التُّرابِ، وهو غَنِيٌّ عَنْهَا. وأيضاً إنَّ النَّارَ وإن حصل بها بعض المَنفَعَةِ فالشَّرُّ كَامِنٌ فيها، لا يَصُدُّهَا عنه إلا حَبْسُها، ولولا الحَابِسُ لها لأفسدت الحَرْثَ والنَّسْلَ وأمّا التُّرَابُ فالخَيْرُ والبرَكَةُ [فيه]، كلما قُلِّبَ ظهرت بركته وخيره. فأين أحَدُهُمَا من الآخَرِ؟ وأيضاً فإنّ الله تعالى أكثر ذكر الأرض في كتابه، وذكر منافعها وخلقها، وأنَّهُ جعلها: {أية : مِهَاداً} تفسير : [النبأ:6] و {أية : فِرَاشاً} تفسير : [البقرة:22] و {أية : بِسَاطاً} تفسير : [نوح:19]، و {أية : قَرَاراً} تفسير : [النمل:61] و{أية : كِفَاتاً} تفسير : [المرسلات:25] للاحياء والأمْوَاتِ ودعا عباده إلى التَّفَكُّرِ فيها، والنَّظَرِ في آياتها وعَجَائِبِ ما أودِعَ فيها، ولم يَذْكُر النَّارَ إلا في مَعْرضِ العُقُوبةِ والتَّخْويفِ والعذاب إلا موضعاً أو موضعين ذكرها بأنها {أية : تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ} تفسير : [الواقعة:73] بذكره لنار الآخرةِ، ومتاعاً لبعض أفراد النَّاسِ وهم المقوون النَّازِلُون بالمَفَازَةِ، وهي الأرْضُ الخَاليةُ إذا نزلها المسافِرُ تمتَّع بالنَّارِ في منزله. فأيْنَ هذا من أوصاف الأرض؟ وأيضاً فإنَّ الله تعالى وصف الأرض بالبركة في مواضع من كتابه، وأخبر أنَّهُ بارك فيها، وقدَّر فيها أقْوَاتها، وقال: {أية : وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} تفسير : [الأنبياء: 71]، {أية : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} تفسير : [سبأ:18]، {أية : وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} تفسير : [الأنبياء:81] وأمَّا النَّارُ فلم يخبر بأنَّهُ جعل فيها بَرَكَة أصْلاً بل المَشْهُورُ أنَّها مذهبة لِلبرَكَاتِ مبيدة لها. فأين المبارك في نفسه من المزيل للبركة؟ وما حَقُّهَا؟ وأيضاً فإنَّ الله - تبارك وتعالى - جعل الأرْضَ محل بيوته التي يُذكر فيها اسمه، ويُسَبَّحُ له بالغدوِّ، والآصالِ، وبيته الحَرَام الذي جعله قياماً للنَّاسِ مُبَارَكاً، وهدًى للعَالمينَ. وأيضاً فإنَّ الله أوْدَعَ في الأرض من المَنَافِعِ، والمعادن، والأنْهَارِ والثَّمراتِ والحبوب، وأصْنَافِ الحيوان ما لم يرِدْ في النَّارِ شيء منه إلى غير ذلك. وأمَّا المُقدِّمَةُ الثَّانِيَةُ، وهي من كانت مادته أفضل فهو أفْضَلُ، فهذا محلُّ النِّزَاعِ، والبَحْثِ؛ لأنه لما كانت الفَضِيلَةُ عطيَّة من الله - تبارك وتعالى - ابتداء لم يلزم من فضيلة المادَّةِ فضيلة الصُّورةِ، ألا تَرَى أنَّهُ يخرج الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكَافِرِ، والنُّور من الظُّلْمَةِ والظُّلْمَةُ من النُّورِ، وذلك يَدُلُّ على أنَّ الفضيلة لا تحصل إلاّ بفضل اللهِ، لا بسبب فضيلة الأصل والجَوْهَرِ. وأيضاً، فالتَّكْليف إنَّما يتناول الحي بعد انتهائه إلى حدِّ كمال العَقْلِ فالمعتبر بما انتهى إليه لا بما خلق منه. وأيضاً فالمفضل إنَّمَا يكون بالأعمال، وما يتَّصِلُ بها، لا بِسبَبِ المادَّةِ؛ ألا ترى أنَّ الحَبَشِيَّ المؤمن مفضل على القُرشيِّ الكَافِرِ. فصل في تخصيص العموم بالقياس احتجَّ من قال "إنَّهُ لا يجُوزُ تخصيصُ عموم بالقياسِ" بهذه الآية؛ فإنَّهُ لو كَانَ تخصيص النَّصِّ بالقياس جَائِزاً لما استوجب إبليس هذا التَّعنِيفَ الشَّديدَ، والتوبيخ العظيم، ولمَّا حصل ذلك دلَّ على أن تَخْصِيصَ عموم النَّصِّ بالقياس لا يجُوزُ. وبيانه أنَّ قوله تعالى للملائكة: "اسْجُدُوا لآدَمَ" خطابٌ عامٌّ يتناول جميع الملائكةِ، ثم إنَّ إبليس أخرَجَ نفسه من هذا العموم بالقياسِ، وهو أنَّهُ مخلوق من النَّارِ، والنَّارُ أشرف من الطِّين، ومن كان أصله أشْرَفُ فهو أشرف فيلزم كون إبليس أشْرَف من آدمَ، ومن كان أشْرَفَ من غيره فإنَّهُ لا يؤمر بخِدمتِهِ لأن هذا الحكم ثابتٌ في جميع النَّظائر، ولا معنى للقياس إلاَّ ذلك فثبت أنَّ إبليس ما عمل في هذه الواقعة شيئاً إلاَّ أنه خصص العموم بالقياسِ، فاسْتَوْجَبَ بذلك الذَّمَّ الشَّديدَ، فدلَّ ذلك على أنَّ تَخْصِيصَ النَّصِّ بالقياسِ لا يجوز. وأيضاً فالآيَةُ تَدُلُّ على صِحَّةِ هذه المسألة من وجه آخر، وهو أن إبليس لمَّا ذكر هذا القياس قال تعالى: {أية : فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا}تفسير : [الأعراف:13] ووصف إبليس بكونه "متَكَبِّراً" بعد أن حكى عنه القياس [الذي يوجب تخصيص النص، وهذا يَقْتَضِي أنَّهُ من حاول تخصيص النَّصِّ بالقياس] تَكَبَّرَ على الله، ودَلَّتْ هذه الآيَةُ على أن التَّكَبُّرَ على اللهِ يوجب العقابَ الشَّديدَ، والإخراجَ من زُمْرَةِ الأوْلِيَاء والإدْخَالَ في زمرة الملعونين، فَدَلَّ ذلك على أنَّ تَخْصيصَ النَّصِّ بالقياس لا يجوز، وهذا هو المُرَادُ بما نَقَلَهُ الواحِدِيُّ في "البسيطِ" عن ابن عباس أنَّهُ قال: "كانت الطَّاعَةُ أولى بإبليس من القياسِ فعصى رَبَّهُ، وقاسَ". وأوَّلُ من قَاسَ إبليسُ، وكفر بِقياسِهِ، فمن قاس الدِّينَ بشيء من رأيه قرنه اللهُ مع إبليس. والجَوابُ أنَّ القياس الذي يبطل النَّصَّ بالكليَّة باطل، أمَّا القياسُ الذي يخصِّصُ [النَّص] في بعض الصُّوَرِ لم قلتم: إنه باطلٌ؟ وتقريره: أنه لو قبح أمر من كان مخلوقاً من النَّارِ بالسُّجُودِ لمن كان مخلُوقاً من الأرض لكان قبح أمر من كان مخلوقاً من النُّور المحض بالسُّجُودِ لمن كان مخلوقاً من الأرْضِ أوْلَى؛ لأن النُّورَ أشرف من النَّارِ، وهذا القياس يقتضي أن يُقَبَّحَ أمر كل واحد من الملائكة بالسُّجُودِ لآدم، فَهَذَا القِيَاسُ يَقْتَضِي رَفْعَ مدلول النَّصِّ بالكليَّةِ وأنه باطل. أمَّا القِيَاسُ الذي يقتضى تخصيص مَدْلُول النَّصِّ العامِّ لم قُلْتُمْ: إنَّهُ [باطل؟ ويمكن أن يُجَابَ بأن يقال: إن كونه أشرف من غيره يَقْتَضِي قُبْحَ أن يلجأ الأشرف] إلى خدمة الأدنى، أما لو رَضِيَ ذلك الشَّريفُ بتلك الخِدْمَةِ لم يقبح؛ لأنه لا اعتراض عليه في أن يُسْقِطَ حَقَّ نَفْسِهِ، أمَّا الملائِكَةُ فقد رضوا بذلك فلا بَأسَ به، وأمَّا إبليسُ فَإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق، فوجب أن يقبح أمره بذلك السجود، فهذا قياس مناسب، وإنه يُوجِبُ تَخْصيص النَّصِّ، ولا يوجب رفعه بالكليَّةِ ولا إبطاله، فلو كان تخصيص النَّصِّ بالقياس جائزاً لما استوجب الذَّم العظيم، فلمَّا استوجب استحقاق هذا الذم العظيم علمنا أنَّ ذلك إنَّما كان لأجل أن تخصيص النَّصِّ بالقياس لا يجوز. فصل في بيان قوله تعالى {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} لا شكَّ أن قائل هذا القول هو اللهُ سبحانه وتعالى، وقوله: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} لا شكَّ أنَّ قائل هذا القول هو إبليس، وقوله: "فٱهْبِطْ مِنْهَا" لا شكَّ أن قائل هذا القول هو اللهُ سبحانه وتعالى، وقوله: {أية : أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تفسير : [الأعراف:14] لا شكَّ أنَّ هذا قول إبليس، ومثل هذه المَنَاظَرَةِ بين اللهِ وبين إبليسَ مذكور في سورة "ص". وإذا ثبت هذا فنقول: إنه لم يتَّفِقْ لأحد من أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مكالمة مع الله مثل ما اتُّفِقَ لإبليس، وقد عَظَّمَ اللهُ شرف موسى - عليه الصلاة والسلام - بقوله: {أية : وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} تفسير : [الأعراف:143]، {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} تفسير : [النساء: 164]، فإذا كانت المكالمة تفيد الشَّرَفَ العظيمَ فَكَيْفَ حصلت على أعظم الوجوه لإبليس؟ وإن لم يوجب الشَّرف العظيم فكيف ذَكَرَهُ الله تعالى في معرض التشريف لموسى - عليه الصلاة والسلام -. والجوابُ من وجهين: أحدهما: قال بعض العلماء: إنَّه تعالى قال ذلك لإبليس بواسطة على لِسَانِ بعض الملائكة؛ لأنه ثبت أن غَيْرَ الأنبياء لا يخاطبُهُم اللهُ إلا بواسطة. الثاني: أنَّهُ تعالى تكلَّم مع إبليس بلا واسِطَة لكن على وجه الإهَانَةِ بدليل قوله تعالى: {أية : فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 13]، وتكلَّم مع الأنبياء على سبيل الإكرامِ بدليل قوله [تعالى] لموسى - عليه الصلاة والسلام -: {أية : وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ} تفسير : [طه: 13]، وقوله: {أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} تفسير : [طه: 41] وهذا نهايةُ الإكْرَامِ.
البقاعي
تفسير : ولما كان مخالف الملك في محل العقاب، تشوف السامع إلى خبره فأجيب بقوله: {قال} أي لإبليس إنكاراً عليه توبيخاً له استخراجاً لكفره الذي كان يخفيه بما يبدي من جوابه ليعلم الخلق سبب طرده {ما منعك} ولما كانت هذه العبارة قد صرحت بعدم سجوده، فكان المعنى لا يلبس بإدخال "لا" في قوله: {ألا تسجد} أتى بها لتفيد التأكيد بالدلالة على اللوم على الامتناع من الفعل والإقدام على الترك، فيكون كأنه قيل: ما منعك من السجود وحملك على تركه {إذ} أي حين {أمرتك} أي حين حضر الوقت الذي يكون فيه أداء المأمور به {قال} أي إبليس ناسباً ربه سبحانه إلى الجور أو عدم العلم بالحق {أنا خير منه} أي فلا يليق لي السجود لمن هو دوني ولا أمري بذلك لأنه مناف للحكمة؛ ثم بين وجه الخيرية التي تصورها بسوء فهمه أو بما قاده إليه سوء طبعه بقوله: {خلقتني من نار} أي فهي أغلب أجزائي وهي مشرفة مضيئة عالية غالبة {وخلقته من طين*} أي هو أغلب أجزائه وهو كدر مظلم سافل مغلوب، وقد غلط غلطاً فاحشاً فإن الإيجاد خير من الإعدام بلا نزاع، والنار سبب الإعدام والمحق لما خالطته، والطين سبب النماء والتربية لما خالطه،هذا لو كان الأمر في الفضل باعتبار العناصر والمبادىء وليس كذلك، بل هو باعتبار الغايات. ولما كان هذا أمراً ظاهراً، وكان مجرد التكبر على الله كفراً على أيّ وجه كان، أعرض عن جوابه بغير الطرد الذي معناه نزوله المنزلة الذي موضع ما طلب من علوها فاستأنف قوله {قال} مسبباً عن إبائه قوله: {فاهبط منها} مضمراً للدار التي كان فيها وهي الجنة. فإنها لا تقبل عاصياً، وعبر بالهبوط الذي يلزم منه سقوط المنزلة دون الخروج، لأن مقصود هذه السورة الإنذار وهو أدل عليه، وسبب عن أمره بالهبوط الذي معناه النزول والحدور والانحطاط والنقصان والوقوع في شيء منه قوله: {فما يكون} أي يصح ويتوجه بوجه من الوجوه {لك أن تتكبر} أي تتعمد الكبر وهو الرفعة في الشرف والعظمة والتجبر، ولا مفهوم لقوله {لك} ولا لقوله {فيها} لوجود الصرائح بالمنع من الكبر مطلقاً {أية : إنه لا يحب المستكبرين } تفسير : [النحل: 23]، {أية : كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر }تفسير : [غافر: 35] {أية : قال الذين استكبروا إنا كل فيها } تفسير : [غافر: 48]، وإنما قيد بذلك تهويلاً للأمر، فكأنه قيل: لا ينبغي التكبر إلا لنا، وكلما قرب الشخص من محل القدس الذب هو مكان المطيعين المتواضعين جل تحريم الكبر عليه " حديث : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل كبر " تفسير : رواه مسلم وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه، وسبب عن كونها لا تقبل الكبر قوله: {فاخرج} أي من الجنة دار الرضوان، فانتقى أن يكون الهبوط من موضع عال من الجنة إلى موضع منها أحط منه، ثم علل أمره بالهبوط والخروج بقوله مشيراً إلى كل من أظهر الاستكبار ألبس الصغار: {إنك من الصاغرين*} أي الذين هم أهل للطرد والبعد والحقارة والهوان. ولما علم أن الحسد قد أبعده ونزل به عن ساحة الرضى وأقعده، تمادى فيه فسأل ما يتسبب به إلى إنزال المحسودين عن درجاتهم العاليه إلى دركته السافلة، ولم يسأل بشقاوته فيما يعليه من دركته السافلة إلى درجاتهم العالية، وذلك بأن {قال} أي إبليس، وهو استئناف؛ ولما كان السياق - ولاسيما الحكم بالصغار العاري عن تقييد - يأبى لأن يكون سبباً لسؤاله الانتظار، ذكره بصيغة الإحسان فقال {أنظرني} أي بالإمهال، أي اجعلني موجوداً بحيث أنظر وأتصرف في زمن ممتد {إلى يوم يبعثون*} أي من القبور، وهو يوم القيامة، وكان اللعين طلب بهذا أنه لا يموت، فإن ذلك الوقت ليس وقتاً للموت، إنما هو وقت إفاضة الحياة الأبدية في شقاوة أو سعادة، فأعلم سبحانه أنه حكم له بالانتظار، لكن لا على ما أراده ولا على أنه إجابة له، ولكن هكذا سبق في الأزل في حكمه في قديم علمه، وإليه يرشد التعبير بقوله: {قال إنك من المنظرين*} أي في الجملة، ومنعه من الحماية عن الموت بقوله كما ذكره في سورتين الحجر وص { أية : إلى يوم الوقت المعلوم }تفسير : [الحجر: 38، ص:81]، وهووقت النفخة الأولى التي يموت فيها الأحياء فيموت هو معهم، وكان ترك هذه الجملة في هذه السورة لأن هذه السورة للإنذار، وإبهام الأمر اشد في ذلك، وأجابة إلى الإنظار وهو يريد به الفساد، لأنه لا يعدو أمره فيه وتقديره به، ولأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل، ولتظهر حكمته تعالى في الثواب والعقاب. ولما كان قد حكم عليه بالشقاء، قابل نعمة الإمهال وإطالة العمر بالتمادي في الكفر وأخبره عن نفسه بذلك بأن {قال} مسبباً عن إيقاعه في المعصية بسبب نوع الآدميين {فبما أغويتني} أي فبسبب إغوائك لي، وهو إيجاد الغي واعتقاد الباطل في قلبي من أجلهم والله {لأقعدن لهم} أي أفعل في قطعهم عن الخير فعل المتمكن المقبل بكليته المتأني الذي لا شغل له غير ما أقبل عليه في مدة إمهالك لي بقطعهم عنك بمنعهم من فعل ما أمرتهم به، وحملهم على فعل ما نهيتهم عنه، كما يقعد قاطع الطريق على السابلة للخطف {صراطك} أي في جميع صراطك، بما دل عليه نزع الخافض {المستقيم*} وهو الإسلام بجميع شعبه، ومن أسند الإغواء إلى غير الله بسبب اعتقاده أن ذلك مما ينزه الله عنه، فقد وقع في شر مما فر منه، وهو أنه جعل في الوجود فاعلين يخالف اختيار أحدهما اختيار الآخر.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} قال: حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني، فكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم فأهلكه الله بكبره وحسده . وأخرج أبو الشيخ عن أبي صالح قال: خلق إبليس من نار العزة، وخلقت الملائكة من نور العزة. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله {خلقتني من نار وخلقته من طين} قال: قاس إبليس وهو أول من قاس . وأخرج أبو نعيم في الحلية والديلمي عن جعفر بن محمد عن جده " حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال أو من قاس أمر الدين برأيه إبليس. قال الله له: اسجد لآدم. فقال {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس " .
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} استئنافٌ مَسوقٌ للجواب عن سؤال نشأ من حكاية عدمِ سجود، كأنه قيل: فماذا قال الله تعالى حينئذ؟ وبه يظهر وجهُ الالتفاتِ إلى الغَيبة إذ لا وجهَ لتقدير السؤال على وجه المخاطبة، وفيه فائدةٌ أخرى هي الإشعارُ بعدم تعلقِ المحكيِّ بالمخاطَبـين كما في حكاية الخلْقِ والتصوير {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} أي أن تسجُد كما وقع في سورة ص، و(لا) مزيدةٌ مؤكدةٌ لمعنى الفعل الذي دخلت عليه كما في قوله تعالى: {أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ }تفسير : [الحديد، الآية 29] منبّهةٌ على أن الموبَّخَ عليه تركُ السجود، وقيل: الممنوعُ عن الشيء مصروفٌ إلى خلافه فالمعنى ما صرفك إلى أن تسجد {إِذْ أَمَرْتُكَ} قيل: فيه دِلالةٌ على أن مُطلقَ الأمرِ للوجوب والفور، وفي سورة الحِجْر: {قَالَ يإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} وفي سورة ص: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ} واختلافُ العبارات عند الحكايةِ يدل على أن اللعينَ قد أدمج في معصية واحدةٍ ثلاثَ معاصٍ مخالفةَ الأمرِ ومفارقةَ الجماعةِ والإباءِ عن الانتظام في سلك أولئك المقرّبـين والاستكبارَ مع تحقير آدمَ عليه السلام، وقد وُبِّخ حينئذ على كل واحدة منها، لكن اقتُصر عند الحكاية في كل موطنٍ على ما ذكر فيه اكتفاءً بما ذكر في موطن آخرَ وإشعاراً بأن كلَّ واحدةٍ منها كافيةٌ في التوبـيخ وإظهارِ بطلانِ ما ارتكبه، وقد تُركت حكايةُ التوبـيخِ رأساً في سورة البقرة وسورة بني إسرائيلَ وسورة الكهفِ وسورة طه. {قَالَ} استئنافٌ كما سبق مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية التوبـيخِ كأنه قيل: فماذا قال اللعينُ عند ذلك؟ فقيل: قال: {أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ} متجانفاً عن تطبـيق جوابِه على السؤال بأن يقول: منعني كذا مدّعياً لنفسه بطريق الاستئنافِ شيئاً بـيِّنَ الاستلزامِ لمنعه من السجود على زعمه، ومشعِراً بأن مَنْ شأنُه هذا لا يحسُن أن يسجُدَ لمن دونه فكيف يحسُن أن يؤمرَ به؟ كما ينبىء عنه ما في سورة الحجر من قوله: {لَمْ أَكُن لأِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَـٰلٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} فهو أولُ من أسس بنيانَ التكبر، واخترع القولَ بالحُسن والقُبح العقليَّـين، وقولُه تعالى: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تعليلٌ لما ادعاه من فضله، ولقد أخطأ اللعينُ حيث خَصّ الفضلَ بما من جهة المادةِ والعنصُر، وزل عنه ما من جهة الفاعل، كما أنبأ عنه قوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } تفسير : [ص، الآية 75] أي بغير واسطةٍ على وجه الاعتناءِ به وما من جهة الصورة كما نُبّه عليه بقوله تعالى: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى }تفسير : [الحجر، الآية 29] وما من جهة الغايةِ وهو ملاكُ الأمرِ ولذلك أُمر الملائكةُ بالسجود له عليه السلام حين ظهر لهم أنه أعلمُ منهم بما يدور عليه أمرُ الخلافةِ في الأرض وأن له خواصَّ ليست لغيره، وفي الآية دليلٌ على الكون والفساد وأن الشياطينَ أجسامٌ كائنةٌ، ولعل إضافةَ خلق البشرِ إلى الطين، والشياطينِ إلى النار باعتبار الجُزءِ الغالب.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الآية: 12]. قال الواسطى رحمة الله عليه: من استصحب كلَّ نسك فى الدنيا والآخرة، فالجهل وطنه والاعتراض عرضه، والبعد من الله سببه، لأن العبادات تقطع الدعيات، ورؤية النسك رؤية الأفعال والنفوس، ولا متوتب على الله أشد من طالع نفسه بعين الرضا. قوله تعالى: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ}. قال بعضهم: لما نظر إلى الجوهر والعبادة ظن أنه المسكين خير، وسبب فساد النفوس من رؤية الطاعات. وقيل: لما قال إبليس: {أَنَاْ} قيل له: إنَّ عليك اللعنة، ما أبعده إلا رؤية نفسه. وقيل فى قوله: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} توهم أن الجوهر من الكون على مثله وشكله فى الخلقة، فضل من جهة الخلقة والجوهرية، ولم يعلم ولم يتيقن أن الفضل من المتفضل دون الجوهرية. قال الواسطى رحمة الله عليه: من لبس قميص النسك خاصره {أَنَاْ} لذلك قال إبليس: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} ولو لم يقل خير منه لأهلكه قوله فى المقابلة {أَنَاْ}. قال ابن عطاء فى قوله: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ}: حجب إبليس برؤية الفخر بنفسه عن التعظيم، ولو رأى تعظيم الحق لم يعظم غيره، لأن الحق إذا استولى على سِر شىء قهره فلم يترك فيه فضلاً لغيره. قوله عز وعلا: { أية : وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ }تفسير : [الحجر: 35]، { أية : وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِيۤ } تفسير : [ص: 78] الفرق بينهما إذا قال: لعنتى أى سخطى الذى لم يزل منى جاريًا عليك، وإذا قال اللعنة بالتعريف والإشارة فهو ما ظهر للوقت عليه، ويزداد على الأيام إلى وقت سؤاله الإنظار. قال الواسطى رحمة الله عليه: لا يأمنن أحد أن يُفعل به كما فُعِل بإبليس، لقيه بأنوار عصمته وهو عنده فى حقائق لعنته، فستر عليه ما سبق منه إليه حتى غافصه بإظهاره عليه بقوله {أية : وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ} تفسير : [الحجر: 35]. وقال بعضهم: لُعن إبليس بخمسة أشياء شقى بها: لم يقر بالذنب، ولم يندم عليه، ولم يلم نفسه، ولم يرَ التوبة على نفسه واجبة وقنط من رحمة الله. وَسَعِدَ آدم بخمسة أشياء: أقر على نفسه بالذنب، وندم عليه، ولام نفسه، وأسرع فى التوبة، ولم يقنط من رحمة الله.
القشيري
تفسير : أي لولا قهر الربوبية جرى عليك وإلا فما مُوجِبُ امتناعك عن السجودِ لآدم لو كُنْتَ تُعَظِّم أمري؟ فيتحقق الموحدون أن موجِبَ امتناعه عن السجود الخذلانُ الحاصلُ، ولو ساعده التوفيق لم يبرح بعد من السجود. قال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} ادَّعى الخيرية، وكان الواجب عليه - لولا الشقوة - أَنْ يؤثِرَ التذلَّلَ على التكبُّر، لا سيما والخطاب الوارد عليه من الحقِّ. ثم إنه وإنْ سَلَكَ طريق القياس فلا وجه له مع النَّفس لأنه بِحَظٍّ، فلم يزِدْه قياسُه إلا في استحقاق نفيه إذ ادَّعى الخيرية بجوهره، ولم يعلم أن الخيرية بحكمه - سبحانه - وقسمته.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} استئناف كأنه قيل فماذا قال الله تعالى حينئذ فقيل قال {ما} اى أى شئ {منعك ان لا تسجد} اى ان تسجد ولا صلة كما فى قوله تعالى {أية : لئلا يعلم أهل الكتاب} تفسير : [الحديد: 29]. اى ليتحقق علم اهل الكتاب {اذ امرتك} اى وقت امرى اياك به {قال} ابليس {انا خير منه} اى الذى منعنى من السجود هو انى افضل منه لانك {خلقتنى من نار وخلقته من طين} والنار جوهر لطيف نورانى والطين جسم كثيف ظلمانى فهو خير منه ولقد اخطأ اللعين حيث لاحظ الفضيلة باعتبار المادة والعنصر شعر : ز آدمى ابليس صورت ديد وبس غافل ازمعنى شد آن مردود خس نيست صورت جشم را نيكو بمال تابيينى شعشع نور جلال تفسير : ونعم ما قيل ايضا شعر : صورت خاك ارجه دارد تيركى درتيركى نيك بنكر كزره معنى صفا اندر صفاست اين هما يومن خاك كاندر وصف او صاحب دلى نكته كفتش كه ازوى ديده جانرا اجلا ست جستن كوكرد احمر عمر ضايع كردنست روى برخاك سياه آوركه يكسر كيمياست تفسير : وفى المثنوى شعر : كفت نار ازخاك بى شك بهترست من زنارو او ز خاك اكدرست بس قياس فرع بر اصلش كنيم او زظلمت من زنور روشنيم كفت حق نى بلكه لا انساب شد زهد وتقوى فضل را محراب شد اين نه ميراث جهان فانيست كه بانسابش بيان جانيست بلكه اين ميراثها ى انبياست وارث ابن جانهاى اتقياست بور آن بوجهل شد مؤمن عيان بور آن نوح نبى از كمرهان زاده خاكى منور شد جو ماه زاده آتش توئى اى رو سياه اين قياسات وتحرى روز ابر يا بشب مر قبله را كردست جبر ليك با خورشيد وكعبه بيش رو اين قياس واين تحرى را مجو كعبه ناديده مكن رو زومتاب از قياس الله اعلم بالصواب تفسير : وفى التأويلات النجمية ان شرف مسجودية آدم وفضيلته على ساجديه لم يكن بمجرد خواصه الطينية وان تشرفه بشرف التخمير بغير واسطة كقوله تعالى {أية : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى} تفسير : [ص: 75]. وكقوله عليه السلام "حديث : خمر الله طينة آدم بيده اربعين صباحا " .تفسير : وانما كانت فضيلته عليهم لاختصاصه بنفخ الروح المشرف بالاضافة الى الحضرة فيه من غير واسطة كما قال {أية : ونفخت فيه من روحى} تفسير : [ص: 72]. ولاختصاصه بالتجلى فيه عند نفخ الروح كما قال عليه السلام "ان الله تعالى خلق آدم فتجلى فيه" ولهذا السر ما امر الملائكة بالسجود بعد تسوية قالب آدم من الطين بل امرهم بالسجود بعد نفخ الروح فيه كما قال الله تعالى {أية : انى خالق بشرا من طين فاذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} تفسير : [ص: 71-72]. وذلك لان آدم بعد ان نفخ فيه الروح صار مستعدا للتجلى لما حصل فيه من لطافة الروح ونورانيته التى يستحق بها التجلى ومن امساك الطين الذى يقبل ا لفيض الالهى ويمسكه عند التجلى فاستحق سجود الملائكة فانه صار كعبة حقيقة.
الطوسي
تفسير : هذا حكاية لما كان من خطاب الله لابليس حين امتنع من السجود لادم، انه قال له {ما منعك} بمعنى اي شيء منعك {أن لا تسجد} وفيه ثلاثة أقوال: احدها - ان تكون (لا) صلة مؤكدة، كما قال {أية : لئلا يعلم أهل الكتاب}تفسير : ومعناه ليعلم، كقوله {لا أقسم بيوم القيامة} وكقوله {فلا أقسم بمواقع النجوم} وكما قال الشاعر: شعر : أبى جوده لا البخل واستعجلت به نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله تفسير : معناه أبى جوده البخل، وروى أبو عمرو بن العلا: أبى جوده لا البخل بالجر، كأنه قال ابى جوده كلمة البخل، ورواه كذا عن العرب. وقال الزجاج: فيه وجه ثالث لا البخل على النصب بدلا من (لا) كأنه قال ابى جوده ان يقول (لا) فقال نعم. وهي حكاية في كل هذا. الثاني - انه دخله معنى ما دعاك ان لا تسجد. الثالث - معنى {ألا تسجد} ما الحال ان لا تسجد أو ما أحوجك. وقال الفراء لما تقدم الجحد في اول الكلام أكد بهذا، كما قال الشاعر: شعر : ما ان رأينا مثلهن لمعشر سود الرؤوس فوالج وفيول تفسير : فـ (ما) للنفي و (ان) للنفي فجمع بينهما تأكيدا. فان قيل كيف قال {ما منعك} ولم يكن ممنوعا؟! قلنا: لان الصارف عن الشىء بمنزلة المانع منه، كما ان الداعي اليه بمنزلة الحامل عليه. وقوله {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} حكاية لجواب ابليس حين ذمه تعالى على الامتناع من السجود، فأجاب بما قال، وهذا الجواب غير مطابق لانه كان يجب أن يقول معنى كذا، لان قوله {أنا خير منه} جواب لمن يقول أيكما خير، ولكن فيه معنى الجواب، ويجري ذلك مجرى أن يقول القائل لغيره: كيف كنت، فيقول أنا صالح، وكان يجب أن يقول كنت صالحاً لكنه جاز ذلك، لأنه أفاد انه صالح في الحال مع ما كان صالحاً فيما مضى. ووجه دخول الشبهة عليه في أنه خلقه من نار وخلق آدم من طين أنه ظن أن النار اذا كانت أشرف لم يجز أن يسجد الأشرف للأدون، وهذا خطأ، لأن ذلك تابع لما يعلم الله من مصالح العباد، وما يتعلق به من اللطف لهم، ولم يكن ذلك استخفافاً بهم بالاعمال. وقد قال الجبائي: إِن الطين خير من النار، لأنها أكثر منفعة للخلق من حيث أن الأرض مستقر الخلق وفيها معايشهم، ومنها تخرج أنواع أرزاقهم لان الخيرية في الأرض أو النار، إِنما يراد بهما كثرة المنافع، دون كثرة الثواب، لان الثواب لا يكون إِلا للمكلف المأمور، وهذان جمادان. وعلى ما يذهب اليه أصحابنا أن ذلك يدل على تفضيل آدم على الملائكة وكان ذلك مستحقاً، فلذلك أسجد الله الملائكة له. فإِن قيل: لم اعترض إِبليس على الله مع علمه أنه لا يفعل إِلا الحكمة؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه اعترض كما يعترض السفيه على الحكيم الحليم في تدبيره من غير فكر في العاقبة. والثاني - أن يكون جهل هذا بشبهة دخلت عليه. وعلى ما نذهب اليه من أنه لم يكن عرف الله قط سقطت الشبهة. واستدل أيضا بهذه الآية على أن الجواهر متماثلة بأن قيل: لا شىء أبعد الى الحيوان من الجماد، فاذا جاز أن ينقلب الطين حيواناً وإِنساناً جاز أن ينقلب الى كل حال من أحوال الجواهر، لأنه لا فرق بينهما في العقل. واستدل أيضا بهذه الآية على أن الأمر من الله يقتضي الايجاب بأن الله تعالى ذم إِبليس على امتناعه من السجود حين أمره، فلو كان الأمر يقتضي الندب لما استحق العيب بالمخالفة وترك الامتثال، والامر بخلاف ذلك في الآية.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} اى ما منعك مضطرّاً الى ان لا تسجد او لا زائدة وتزاد لا للتّأكيد خصوصاً بعد المنع {إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} يعنى حملنى على ترك السّجدة كونى خيراً منه وخيّرتنى منه بخيريّة مادّتى لانّك {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} والنّار علويّة شفيفة سريعة الاثر منيرة مبدلة كلّ ما اتّصل اليها بسرعةٍ، والطّين خلافها، وفى خبرٍ: انّ اوّل من قاس ابليس، وفى خبرٍ: انّ اوّل معصية ظهرت الانانيّة من ابليس اللّعين، وأقسم بعزّته لا يقيس أحد فى دينه الاّ قرنه مع عدّوه ابليس فى اسفل درك من النّار، وفى خبر آخر: كذب ابليس ما خلقه الله الاّ من طينٍ قال الله الّذى جعل لكم من الشّجر الاخضر ناراً، قد خلقه الله من تلك النّار ومن تلك الشّجرة والشّجرة اصلها من طينٍ.
اطفيش
تفسير : {قَالَ} الله بواسطة ملك أو خلق كلاما {مَا منَعَك} استفهام توبيخ، ويترتب عليه إظهار عناده وكفره وكبره، وافتخاره بأصله إذ أجاب {ألا تَسْجد} لا صلة منبهة على أن السجود متأكد عليه ومتحقق، فكأنه قيل: ما منعك أن تحقق السجود، وقد كان عليك حقا لازما؟ وأن الموبخ عليه ترك السجود، ويقدر حرف الجر قبل أن، أى مِنْ أن لا تسجد، أو عن لا تسجد، أو لا يقدر لأن منع قد يتعدى لاثنين، فمصدر تسجد هو الثانى، وقيل: ضمن منع معنى اضطر فتقدر إلى، وتكون لا نافية، أى ما اضطرك إلى أن لا تسجد، وقيل: تقدر ما منعك من السجود وأحوجك إلى أن لا تسجد، أو اضطرك إلى أن لا تسجد، أو حملك على أن لا تسجد، أو نحو ذلك، وقيل: ضمن ما منعك معنى من أمرك، ويوضح زيادتها إساقطها فيما منعك أن تسجد. {إذ أمرْتُك} بالسجود متعلق بمنع أو بتسجد، والآية دليل واضح على أن الأمر للوجوب والفور ما لم تصرفه قرينة، وذلك أنه سبحانه وتعالى قطع عذره - أبعده الله - بعدم امتثال مجرد الأمر، ولولا أنه للوجوب ما قطع عذره حتى يخبره بالوجوب، إلا إن قيل: أما التوبيخ فيكون لترك ما ينبغي، كما يكون لترك الواجب، وأما الطرد والإبعاد واللعنة والإهباط فى الآية وغيرها فلاستكباره، لا لمجرد عدم امتثاله، ثم تعين هذا عندى بالفاء، ولو كان السجود عليه واجبا لدليل خارج، وأيضا قد علم الله منه إباءه من السجود فى الفور والتراخى، هذا أوضح ما ظهر لى أن يجيب به من قال: ليس الأمر للوجوب والفور. {قالَ أنا خَيْر منْهُ} جواب لم يطابق أسلوب السؤال، والذى يطابقه أن يقول مثلا: منعنى أنى خير منه، أو المانع أنى خير منه، وعدل عن ذلك إلى ما قال ميلا عن التصريح فى الجواب إلى الكناية عنه بأن استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم، وعلى علة الفضل، فيعلم الجواب وزيادة وهى استبعاد أن يكون مثله مأموراً بالسجود لمثل آدم وإنما يكون ذلك طبقا لسؤال أيكما أخير من صاحبه، وقد قيل: إنه جواب أحمق. {خَلقْتنى مِن نارٍ وخَلقْتَه مِنْ طينٍ} بيان لعلة خيريته، وذلك أن النار أقوى من الطين، وأنها مضيئة وصاعدة خفيفة متحركة، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: أنه قال: لا أسجد، قال: أنا خير منه، وأكبر سنا، وأقوى خلقا، وليس مجرد كبر السن بموجب فضلا، وخفى عنه، أبعده الله، أن النار والتراب سواء، فإنهما مخلوقان لله تعالى لا عقل لهما، قيل: وهما جمادان، وإطلاق الجماد على النار بمعنى أنها غير حيوان، وإلا فهى تنمو كالنبات وتتحرك. وهو أول من سن التكبر، وأول من قال بالحسن والقبح العقليين، والحق أنه لا تحسين ولا تقبيح للعقل مع ورود الشَّرع، وأول من قاس قياسا فاسدا رأى الفضل كله باعتبار الأصل المخلوق منه، وغفل عما يكون باعتبار الخالق، فإن الله خلق بيده أى بلا واسطة، وعما يكون باعتبار الصورة كما قال: {أية : ونفخت فيه من روحى} تفسير : وقصر نظره على المبدأ ولم يدر ما تصير إليه الغاية، فإنه يكون أعلم من الملائكة كما قال الله سبحانه، وله خواص ليست لغيره ومعتمد إلا من خواتمه مع أن قياسه فاسد، فإن الخفة والطيش والاضطراب والارتفاع التى هى من طبع النار مرجوحة ناقصة، وبها وقع فى الهلاك بخلاف الثقل والثبات والتواضع التى هى من طبع التراب فإنها راجحة حسنة، وبها فاز آدم فثبت للتوبة والرجوع إلى الحق وسؤال المغفرة ومن تواضع لله رفعه الله ومن لم يتواضع خفضه الله والفضل إنما هو بالطاعة. قال الحسن وابن سيرين: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، قال الطبرى: يعنيان القياس الفاسد، ولم ينكر القياس، قيل: ذهب عنه، لعنه الله، أن الروح الذى نفخ فى آدم ليس من طين، قلت فيه: إنه خلق فيه الروح كما خلقه فى آدم، نعم الروح الذى فى آدم روح شريف كما أضافه الله عز وجل لنفسه تعظيما له، بخلاف روح إبليس فإنها خبيثة، وغفل عما فى النار من الأضرار، فإنها محرقة مفسدة، فترى طبع الشياطين الفساد، وكفر إبليس قيل: كان جهلا لسلب العلم عنه فى ذلك الوقت، وقيل: كان عنادا وهو الصحيح عندى. وقال الثلاثى: إنه بعيد ولو كان جائزا، والآية دليل حدوث الوجود، ودليل فساد الموجود، أعنى فساده بالفناء والعدم، ودليل على وجود الشياطين والجن، وأنها أجسام، ففيها رد على الزنادقة المنكرة لوجودهم، وإضافة الإنسان إلى الطين، والشيطان إلى النار، باعتبار الجزاء الغالب، وإلا فقد تركبا من الطبائع الأربع، وتركب آدم عليه السلام من نفس الماء.
اطفيش
تفسير : {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} فى آية أُخرى ما منعك أَن تسجد، وفى أُخرى: يا إِبليس مالك أَن لا تكون مع الساجدين، ولم يذكر التوبيخ فى سورة البقرة والإِسراءِ والكهف وطه، والله أَعلم بحكمة ذلك كله، ولا ندرى، ولعله لما جمع - لعنة الله - معاصى فى معصية واحدة ذكر فى آية ما لم يذكر فى الأُخرى إِيذانا بأَن كل واحدة كافية فى التوبيخ والضلال، ولا صلة لتأكيد النفى الذى أَفاده لفظ المنع، أَى ما منعك هذا المنع القوى الذى جسرت به من أَن تسجد، أَو ما منعك السجود بالنصب، ويدل لزيادتها إِسقاطها فى سورة (ص) ما منعك أَن تسجد لما خلقت بيدى، ولا يتم ما قيل أَنها لتأكيد ما دخلت عليه على معنى ما منعك أَن تحقق السجود لأَنها وضعت للنفى فكيف تزاد لتحقيق ثبوت فعل متصل بها، وكذا البحث فى لئلا يعلم أَهل الكتاب، بل تأَولها تأَويلا آخر، وفيها دلالة على أَن الموبخ عليه ترك السجود لإِيراد السجود فى صورة ترك السجود، ويجوز إِبقاؤها على ظاهرها على تضمين منعك معنى اضطرك، وتقدير إِلى، أَو ما اضطرك إِلى أَن لا تسجد، وما أَوقعك فى أَن لا تسجد، والقول بواسطة ملك، أَو خلق كلاما كيف شاءَ، وخطاب الكافر غير ممنوع {إِذْ} يتعلق بمنع أَو تسجد {أَمَرْتُكَ} ليس هذا دليلا على أَن الأَمر المجرد للوجوب لأَنه يجوز أَن تقول لمن أَمرته أَمر ندب ولم يفعله ما منعك من فعله، وإِنما الدليل على أَن الأَمر المجرد للوجوب ترتب العقاب على عدم السجود بعد أَمر به، إِذ لو لم يكن للوجوب لم يعاقبه إِلا إِن قال إِن لم تسجد أُعاقبك، أَو فرضت عليك السجود أَو نحو ذلك، وفى الآية إِذًا الأَمر للفور إِذ لعنه فى الحال، وقيل: الفور من قوله تعالى فقعوا له ساجدين، وفيه أَنه قد لا يسلم أَن فاءَ الجواب تفيد الترتيب والاتصال مطلقا، ويجاب أَنه تفيده بتوسط اسم الشرط الصرفى، وقيل: الاستدلال إِنما هو بترتب اللوم على مخالفة الأَمر المطلق لأَنه قال: إِذ أَمرتك ولم يقل: إِذا قلت فقعوا، وأبسط فى شرحى على شرح مختصر العدل من أُصول الفقه {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} جواب معنوى، واللفظى أَن يقول - لعنه الله -: منعنى كونى خيرا منه ونحو ذلك، وكونه خيرا منه ملزوم والامتناع لازم ويتصور العكس بمعنى أَنه إِذا امتنع لزم أَنه خير على زعمه إِذ لولا أَنه خير فى زعمه لم يمتنع، فاستغنى باللازم أَو الملزوم عن الجواب اللفظى، وذلك أَن قوله أَنا خير منه يصلح جوابا لو قال الله عز وجل: أَيكما خير لكنه لعنه الله أَجاب بالأسلوب الأَحمق ضد ما يجيب الإِنسان آخر بالأُسلوب الحكيم، ولا أَحكم كالله سبحانه، وفى جوابه إِشارة إِلى أَن منْ شأْنه الخلق من النار لا يحسن السجود لمن ليس منها فكيف يؤمر، والمعتزلة إخوانه فى التحسين والتقبيح المقلين فى التكليف {خَلَقْتَنِى مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} تعليل للخيرية معنوى واللفظى أَن يقول - لعنه الله - إِنك خلقتنى من نار وخلقته من طين، والنار خير من الطين لأَنها مضيئة، ولقد أَخطأَ - والعياذ بالله منه - فإِن فيها طيشا وإِفسادا وإِحراقا وتفريقا وإِهلاكا وترفعا واضطرابا، وفى الطين رزانة وثباتا وإِنباتا لمنافع الحيوان، ولا شئَ ينتفع به لتوسط إِحراق النار إِلا وأَصله من الأَرض، فبعدم خفة آدم وطيشه وثبوته ورزانته وتواضعه توصل للتوبة الموصلة للسعادة، وبطيش إِبليس لعنه الله وخفته توصل إِلى الشقاوة فلا يصح له مدح النار بالخفة والترفع، وقد مدحها الله - أَى الأَرض - جل وعلا إِذ امتنَّ بكونها مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا للأَحياءِ والأَموات ومعادن وأَنهارا، وذكر النار متاعا للمقوين، إِلا أَنها تتقد بنبات الأَرض وحجارتها، وذكرها تذكرة لنار الآخرة، وما ذكرها فى غير هذا إِلا للعقاب. والشرف من الله لا بالأَصل، أَلا ترى النور من ظلمة الزناد والجاهل من العالم والكافر من المؤمن والحى من الميت وعكس ذلك، وليس فى الآية ما يدل على أَن فى آدم جزءًا من النار أَو فى إِبليس جزءًا من الطين فلا تهم، وفى جوابه اعتراض على أَحكم الحاكمين سبحانه وتعالى، وقد علم - لعنه الله تعالى - أَنه مأَمور فى جملة الملائكة، وصرح بذلك عن نفسه، وقيل لم يسلم أَنه مأْمور أَخرج نفسه من العموم بالقياس، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَول من قاس برأيه أَمر الدين إِبليس لعنه الله"تفسير : ، قال الله تعالى له: اسجد لآدم فقال: أَنا خير منه إِلخ، ولا يخفى أَن القياس المحرم القياس مع وجود النص المخالف له كفعل إِبليس اللعين. والقياس الذي لم يستكمل الشروط، وإِلا فهو واجب حيث احتيج إِليه، ومستحب حيث لم يحتج استعدادا للعلم لحين يحتاج إِليه، ولا نسلم أَن الأَجسام كلها من العناصر الأَربعة كما شهر أَنها منها، وعلى تسليمه فإِنما ذكر فى آدم عليه السلام الجزءَ الغالب فيه وهو الطين وفى إِبليس الجزءَ الغالب فيه وهو النار.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } استئناف مسوق للجواب عن سؤال نشأ من حكاية عدم سجوده كأنه قيل: فماذا قال الله تعالى / حينئذ؟ وبه ـ كما قيل ـ يظهر وجه الالتفات إلى الغيبة إذ لا وجه لتقدير السؤال على وجه المخاطبة. وفيه فائدة أخرى هي الإشعار بعدم تعلق المحكي بالمخاطبين كما في حكاية الخلق والتصوير أي قال الله تعالى لإبليس حين لم يكن من الساجدين. {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } المشهور أن (لا) مزيدة بدليل قوله سبحانه في آية أخرى { أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } تفسير : [صۤ: 75] وقد جاءت كذلك في قوله سبحانه: { أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الحديد: 29] أي ليعلم، وهي في ذلك ـ كما قال غير واحد ـ لتأكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه. واستشكل بأنها كيف تؤكد ثبوت الفعل مع إيهام نفيه. قال الشهاب: والذي يظهر لي أنها لا تؤكده مطلقاً بل إذا صحب نفياً مقدماً أو مؤخراً صريحاً أو غير صريح كما في { أية : غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ } تفسير : [الفاتحة: 7] وكما هنا فإنها تؤكد تعلق المنع به، ومن هنا قالوا إنها منبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود. وقيل: إنها غير زائدة بأن يكون المنع مجازاً عن الإلجاء والإضطرار فالمعنى؛ ما اضطرك إلى أن لا تسجد. وجعله السكاكي مجازاً عن الحمل ولا قرينة للمجاز أي ما حملك ودعاك إلى أن لا تسجد؟ وليس بين الجعلين كثير فرق. وجوز أن يكون ذلك من باب التضمين، وقال الراغب: «المنع يقال في ضد العطية كرجل مانع ومناع أي بخيل، ويقال في الحماية ومنه مكان منيع وقد منع وفلان ذو منعة أي عزيز ممتنع على من يرومه، والمنع في الآية من الثاني أي ما حملك عن عدم السجود». {إِذْ أَمَرْتُكَ } بالسجود، و{إِذْ } ظرف لتسجد، وهذه الآية أحد أدلة القائلين بأن الأمر [المطلق للوجوب و ] للفور لأنه ذم على ترك المبادرة ولولا أن الأمر للفور لم يتوجه الذم عليه وكان له أن يجيب بأنك ما أمرتني بالبدار وسوف أسجد. وأجيب بأن الفور إنما هو من قوله تعالى: { أية : فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } تفسير : [صۤ: 72] وليس من صيغة الأمر إلا أن بعضهم منع دلالة الفاء الجزائية على التعقيب من غير تراخ، وقال آخرون: إن الاستدلال إنما هو بترتب اللوم على مخالفة الأمر المطلق حيث قال سبحانه: {إِذْ أَمَرْتُكَ } ولم يقل جل شأنه إذ قلت فقعوا له ساجدين فتدبر، وفي حكاية التوبيخ هٰهنا بهذه العبارة وفي سورة الحجر [32] بقوله تعالى: { أية : يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } تفسير : وفي سورة ص [75] بقوله سبحانه: { أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } تفسير : إشارة إلى أن اللعين أدمج في معصية واحدة غير واحدة وقد وبخ على كل من ذلك لكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر فيه اكتفاء بما ذكر في موطن آخر وإشعاراً بأن كل واحدة من هاتيك المعاصي كافية في التوبيخ و [إظهار] بطلان ما ارتكبه، وقد تركت حكاية التوبيخ رأساً في سورة البقرة وسورة بني إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه والله تعالى أعلم بحكمة كل. {قَالَ } استئناف كما تقدم مبني على سؤال نشأ من حكاية التوبيخ كأنه قيل: فماذا قال اللعين عند ذلك؟ فقيل: قال: {أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } هو من الأسلوب الأحمق فإن الجواب المطابق للسؤال منعني كذا وهذا جواب عن أيكما خير؟ وفيه دعوى شيء بين الاستلزام للمقصود بزعمه ومشعر بأن من هذا شأنه لا يحسن أن يسجد لمن دونه فكيف يحسن أن يؤمر به؟ فاللعين أول من أسس بنيان التكبر واخترع القول بالحسن والقبح العقليين. وقوله تعالى حكاية عنه: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } تعليل لما ادعاه عليه اللعنة من فضله عليه عليه السلام، وحاصله أني مخلوق من عنصر أشرف من عنصره لأن عنصري علوي نير قوي التأثير مناسب لمادة / الحياة وعنصره بضد ذلك والمخلوق من الأشرف أشرف لأن شرف الأصل يوجب شرف الفرع فأنا كذلك والأشرف لا يليق به الانقياد لمن هو دونه، وقد أخطأ اللعين فإن كون النار أشرف من التراب ممنوع فإن كل عنصر من العناصر الأربع يختص بفوائد ليست لغيره وكل منها ضروري في هذه النشأة ولكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على بعض تطويل بلا طائل، على أن من نظر إلى أن الأرض أكثر منافع للخلق لأنها مستقرهم وفيها معايشهم وأنها متصفة بالرزانة التي هي من مقتضيات الحلم والوقار وإلى أن النار دونها في المنافع وأنها متصفة بالخفة التي هي من مقتضيات الطيش والاستكبار والترفع علم ما في كلام اللعين، وأيضاً شرف الأصل لا يوجب شرف الفرع. شعر : إنما الورد من الشوك ولا ينبت النرجس إلا من بصل تفسير : ويكفي في ذلك أنه قد يخرج الكافر من المؤمن، وأيضاً قد خص الشرف بما هو من جهة المادة والعنصر مع أن الشيء كما يشرف بمادته وعنصره يشرف بفاعله وغايته وصورته، وهذا الشرف في آدم عليه السلام دونه فإن الله تعالى خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه وجعله خليفة في الأرض كما قص سبحانه لما أودعه فيه، وأيضاً أي قبح في خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحظ النفس على أن الخدمة في الحقيقة إنما كانت لله تعالى، وإلى هذا أشار ظافر الإسكندري بقوله: شعر : أنت المراد بنظم كل قصيدة بنيت على الأفهام في تبجيله كسجود أملاك السماء لآدم وسجودهم لله في تأويله تفسير : ثم الظاهر أن هذا الجواب من اللعين كان مع تسليم أنه مأمور بالسجود وحينئذ فخطؤه أظهر من نار على علم إذ يعود ذلك إلى الاعتراض على المالك الحكيم. وقال بعضهم: إنه لم يسلم أنه كان مأموراً بل أخرج نفسه من العموم بالقياس. واستدل أهل هذا القول بهذا التوبيخ على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس. وأجيب بأن هذا ليس من التخصيص بل هو إبطال للنص ورفع له بالكلية وفيه تأمل. وأخرج أبو نعيم في «الحلية» والديلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله تعالى له: اسجد لآدم فقال: أنا خير منه » تفسير : الخ. قال جعفر: فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله تعالى يوم القيامة بإبليس لأنه أتبعه بالقياس. واستدل بهذا ونحوه من منع القياس مطلقاً. وأجيب عن ذلك بأن المذموم هو القياس والرأي في مقابلة النص أو الذي يعدم فيه شرط من الشروط المعتبرة وتحقيق ذلك في محله. وفي الآية دليل على الكون والفساد لدلالتها على خلق آدم عليه السلام وإبليس عليه اللعنة وإيجادهما، وعلى استحالة الطين والنار عما كانا عليه من الطينية والنارية لما تركب منهما ما تركب، وعلى أن إبليس ونحوه أجسام حادثة لا أرواح قديمة، قيل: ولعل إضافة خلق آدم عليه السلام إلى الطين وخلقه إلى النار باعتبار الجزء الغالب، وإلا فقد تقرر أن الأجسام من العناصر الأربعة وبعض الناس من وراء المنع.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}. قال بعض العلماء، معناه: ما منعك أن تسجد، و"لا" صلة، ويشهد لهذا قوله تعالى: في سورة "ص" {أية : قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}تفسير : [ص:75] الآية. وقد أوضحنا زيادة لفظة "لا" وشواهد ذلك من القرآن، ومن كلام العرب في سورة البلد. في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}. ذكر في هذه الآية الكريمة: أن إبليس - لعنه الله - خلق من نار، وعلى القول بأن إبليس هو الجان الذي هو أبو الجن. فقد زاد في مواضع أخر أوصافاً للنار التي خلقه منها. من ذلك أنها نار السموم. كما في قوله: {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ} تفسير : [الرحمن: 15]، والمارج أخص من مطلق النار لأنه اللهب الذي لا دخان فيه. وسميت نار السموم: لأنها تنفذ في مسام البدن لشدة حرها. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً "حديث : خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" تفسير : ورواه عنها أيضاً الإمام أحمد.
الواحدي
تفسير : {قال ما منعك إلا تسجد} "لا" زائدة. معناها: ما منعك أن تسجد؟! وهو سؤالُ التَّوبيخ والتَّعنيف {قال أنا خير منه...} الآية. معناه: منعني من السُّجود له أنِّي خيرٌ منه إذ كنتُ ناريَّاً، وكان طينيَّاً، فترك الأمر وقاس، فعصى. {قال فاهبط منها} فانزل من الجنَّة. وقيل: من السَّماء {فما يكون لك أن تتكبر فيها} عن أمري وتعصيني {فأخرج إنك من الصاغرين} الأذلاء بترك الطَّاعة. {قال انظرني} أمهلني {إلى يوم يبعثون} يريد: النَّفخة الثَّانية. {قال إنك من المنظرين}. {قال: فبما أغويتني} يريد: فبما أضللتني، أيْ: بإغوائك إيَّاي {لأقعدَّن لهم صراطك المستقيم} على الطَريق المستقيم الذي يسلكونه إلى الجنَّة، بأن أُزيِّن لهم الباطل. {ثم لآتينَّهم من بين أيديهم} يعني: آخرتهم التي يردون عليها، فَأُشكِّكهم فيها {ومن خلفهم} دنياهم التي يُخَلِّفونها، فأُرغِّبهم فيها {وعن أيمانهم} أُشبِّه عليهم أمر دينهم {وعن شمائلهم} أُشهِّي لهم المعاصي. {قال اخرج منها} من الجنَّة {مذؤوماً} مذموماً بأبلغ الذَّمِّ {مدحوراً} مطروداً ملعوناً {لمن تبعك منهم} من أولاد آدم {لأَمْلأَنَّ جهنم منكم} يعني: من الكافرين وقرنائهم من الشَّياطين.
د. أسعد حومد
تفسير : (12) - وَسَأَلَ اللهُ تَعَالَى إِبْلِيسَ فَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ بِالسُّجُودِ؟ فَرَدَّ عَلَى خَالِقِهِ قَائِلاً: إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ آدَمَ، لأَِنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ نَارٍ، وَآدَمُ مَخْلُوقٌ مِنْ طِينٍ، وَالنَّارُ أَفْضَلُ مِنَ الطِّين فِي رَأْيِ إِبْلِيسَ، لِذلِكَ لَمْ يَسْجُدْ لآِدَمَ، وَالأَفْضَلُ لاَ يَسْجُدُ لِلْمَفْضُولِ. مَا مَنَعَكَ - مَا حَمَلَكَ وَمَا دَعَاكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ثم قال كما يحكي القرآن الكريم: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61] وهكذا كان الموقف استكباراً واستلاءً. وقوله الحق: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} تفسير : [ص: 75] ونحن حين نحلل هذا النص، نجد قوله: {مَا مَنَعَكَ} أي ما حجزك، وقد أورد القرآن هذه المسألة بأسلوبين، فقال الحق مرة: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ}. وقال مرة أخرى: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ}. وهذا يعني أن الأسلوب الأول جاء بـ "لا" النافية، والأسلوب الثاني جاء على عدم وجود "لا" النافية. وقوله {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} كلام سليم واضح؛ يعني: ما حجزك عن السجود. لكن {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} هي التي تحتاج لوقفة. لذلك قال العلماء: إن "لا" هنا زائدة، ومَنْ أَحْسَن الأدب منهم قال: إن "لا" صلة. لكن كلا القولين لا ينفع ولا يناسب؛ لأن من قال ذلك لم يفطن إلى مادة "منع" ولأي أمر تأتي، وأنت تقول: "منعت فلاناً أن يفعل"، كأنه كان يهم أن يفعل فمنعته. إذن {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ} كأنّه كان عنده تهيؤ للسجود، فجاءت قوة أقوى منه ومنعته وحجزته وحالت بينه وبين أن يسجد. لكن ذلك لم يحدث. وتأتي "منع" للامتناع بأن يمتنع هو عن الفعل وذلك بأن يقنعه غيره بترك السجود فيقتنع ويمتنع، وهناك فرق بين ممنوع، وممتنع؛ فممنوع هي في {مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ}، وممتنع تعني أنه امْتنع من نفسه ولم يمنعه أحد ولكنّه أقنعه. وإن كان المنع من الامتناع فالأسلوب قد جاء ليؤكد المعنى الفعلي وهو المنع عن السجود. وهذا هو السبب في وجود التكرار في القرآن. ولذلك قال الحق سبحانه: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] وسبحانه قد أمر الملائكة وكان موجوداً معهم إما بطريق العلو، لأنه فاق الملائكة وأطاع الله وهو مختار فكانت منزلته عالية، وإما بطريق الدنو؛ لأن الملائكة أرفع من إبليس بأصل الخلقة والجبلة، وعلى أي وضع من العلو والدنو كان على إبليس أن يسجد، ولكنه قال في الرد على ربّه: {...أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12] وسبحانه لم يسأل إبليس عن المقارنة بينه وبين آدم، ولكن سأله وهو يعلم أزلاً أنّ إبليس قد امتنع باقتناع لا بقهر، ولذلك قال إبليس: أنا خير منه، فكأن المسألة دارت في ذهنه ليوجد حيثية لعدم السجود. ولا يصح في عرفه الإبليسي أن يسجد الأعلى للأدنى، فما دام إبليس يعتقد أنه خير من آدم ويظن أنه أعلى منه، فلا يصح أن يسجد له. وأعلى منه لماذا؟ لأنه قال: {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فكأن النار لها علو، وهو في ذلك مخطئ تماماً لأن الأجناس حين تختلف؛ فذلك لأن لكل جنس دوره، ولا يوجد جنس أفضل من جنس، النار لها مهمة، والطين له مهمة، والنار لا تقدر أن تؤدي مهمة الطين، قلا يمكن أن نزرع في النار. إذن فالخيرية تتأتى في الأمرين معا مادام كل منهما يؤدي مهمته، ولذلك لا تقل: إن هذا خير من هذا، إنما قل: عمل هذا أحسن من عمل هذا، فكل شيء في الوجود حين يوضع في منزلته المرادة منه يكون خيراً، ولذلك أقول: لا تقل عن عود الحديد إنه عود مستقيم، وتقول عن الخطاف: إن هذا عود أعوج، لأن مهمة الخطاف تقتضي أن يكون أعوج، وعوجه هو الذي جعله يؤدي مهمته، لأن الخيرية إنما تتأتى في متساوي المهمة، ولكن لإبليس قال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ...} [الأعراف: 12] قالها للمعاندة، للكبر، للكفر حين أعرض عن أمر الله وأراد أن يعدل مراد الله في أمره، وكأنه يخطِّئ الحق في أمره، ويردّ الأمر على الآمر. فما كان جزاء الحق سبحانه وتعالى لإبليس إلا أن قال له: {قَالَ فَٱهْبِطْ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):