٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى رغب الأمم في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام بالتخويف أولاً ثم بالترغيب ثانياً على ما بيناه، والترغيب إنما كان لأجل التنبيه على كثرة نعم الله تعالى على الخلق، فبدأ في شرح تلك النعم بقوله: {أية : وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ } تفسير : [الأعراف:10] ثم أتبعه بذكر أنه خلق أبانا آدم وجعله مسجوداً للملائكة، والإنعام على الأب يجري مجرى الإنعام على الابن فهذا هو وجه النظم في هذه الآيات، ونظيره أنه تعالى قال في أول سورة البقرة: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ } تفسير : [البقرة: 28] فمنع تعالى من المعصية بقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ } وعلل ذلك المنع بكثرة نعمه على الخلق، وهو أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم، ثم خلق لهم ما في الأرض جميعاً من المنافع، ثم أتبع تلك المنفعة بأن جعل آدم خليفة في الأرض مسجوداً للملائكة، والمقصود من الكل تقرير أن مع هذه النعم العظيمة لا يليق بهم التمرد والجحود فكذا في هذه السورة ذكر تعالى عين هذا المعنى بغير هذا الترتيب فهذا بيان وجه النظم على أحسن الوجوه: المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى ذكر قصة آدم عليه السلام مع قصة إبليس في القرآن في سبعة مواضع: أولها: في سورة البقرة، وثانيها: في هذه السورة، وثالثها: في سورة الحجر، ورابعها: في سورة بني إسرائيل، وخامسها: في سورة الكهف، وسادسها: في سورة طه، وسابعها: في سورة ص. إذا عرفت هذا فنقول: في هذه الآية سؤال، وهو أن قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } يفيد أن المخاطب بهذا الخطاب نحن. ثم قال بعده: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } وكلمة {ثُمَّ } تفيد التراخي، فظاهر الآية يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك، فلهذا السبب اختلف الناس في تفسير هذه الآية على أربعة أقوال: الأول: أن قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ } أي خلقنا أباكم آدم وصورناكم، أي صورنا آدم {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } وهو قول الحسن ويوسف النخوي وهو المختار، وذلك لأن أمر الملائكة بالسجود لآدم تأخر عن خلق آدم وتصويره، ولم يتأخر عن خلقنا وتصويرنا أقصى ما في الباب أن يقال: كيف يحسن جعل خلقنا وتصويرنا كناية عن خلق آدم وتصويره؟ فنقول: إن آدم عليه السلام أصل البشر، فوجب أن تحسن هذه الكناية نظيره قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ } تفسير : [البقرة: 63] أي ميثاق أسلافكم من بني إسرائيل في زمان موسى عليه السلام، ويقال: قتلت بنو أسد فلاناً، وإنما قتله أحدهم. قال عليه السلام: ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل، وإنما قتله أحدهم، وقال تعالى مخاطباً لليهود في زمان محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَإِذْ أَنْجَيْنَـٰكُمْ مّنْ ءالِ }تفسير : [الأعراف: 141] {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } تفسير : [البقرة: 72] والمراد من جميع هذه الخطابات أسلافهم، فكذا ههنا. الثاني: أن يكون المراد من قوله: {خَلَقْنَـٰكُمْ } آدم {ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } أي صورنا ذرية آدم عليه السلام في ظهره، ثم بعد ذلك قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، وهذا قول مجاهد. فذكر أنه تعالى خلق آدم أولاً، ثم أخرج أولاده من ظهره في صورة الذر، ثم بعد ذلك أمر الملائكة بالسجود لآدم. الوجه الثالث: خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فهذا العطف يفيد ترتيب خبر على خبر، ولا يفيد ترتيب المخبر على المخبر. والوجه الرابع: أن الخلق في اللغة عبارة عن التقدير، كما قررناه في هذا الكتاب، وتقدير الله عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته لتخصيص كل شيء بمقداره المعين فقوله: {خَلَقْنَـٰكُمْ } إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم. وقوله: {صَوَّرْنَـٰكُمْ } إشارة إلى أنه تعالى أثبت في اللوح المحفوظ صورة كل شيء كائن محدث إلى قيام الساعة على ما جاء في الخبر أنه تعالى قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فخلق الله عبارة عن حكمه ومشيئته، والتصوير عبارة عن إثبات صور الأشياء في اللوح المحفوظ، ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله تعالى آدم وأمر الملائكة بالسجود له وهذا التأويل عندي أقرب من سائر الوجوه. المسألة الثالثة: ذكرنا في سورة البقرة أن هذه السجدة فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد منها مجرد التعظيم لانفس السجدة. وثانيها: أن المراد هو السجدة، إلا أن المسجود له هو الله تعالى، فآدم كان كالقبلة. وثالثها: أن المسجود له هو آدم، وأيضاً ذكرنا أن الناس اختلفوا في أن الملائكة الذين أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم هل هم ملائكة السموات والعرش أو المراد ملائكة الأرض، ففيه خلاف، وهذه المباحث قد سبق ذكرها في سورة البقرة. المسألة الرابعة: ظاهر الآية يدل على أنه تعالى استثنى إبليس من الملائكة، فوجب كونه منهم وقد استقصينا أيضاً هذه المسألة في سورة البقرة، وكان الحسن يقول: إبليس لم يكن من الملائكة لأنه خلق من نار والملائكة من نور، والملائكة لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ولا يعصون، وليس كذلك إبليس، فقد عصى واستكبر، والملائكة ليسوا من الجن، وإبليس من الجن، والملائكة رسل الله، وإبليس ليس كذلك، وإبليس أول خليقة الجن وأبوهم، كما أن آدم صلى الله عليه وسلم أول خليقة الإنس وأبوهم. قال الحسن: ولما كان إبليس مأموراً مع الملائكة استثناه الله تعالى، وكان اسم إبليس شيئاً آخر، فلما عصى الله تعالى سماه بذلك وكان مؤمناً عابداً في السماء حتى عصى ربه فأهبط إلى الأرض.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} لما ذكر نعمه ذكر ابتداء خلقه. وقد تقدّم معنى الخلق في غير موضع. «ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ» أي خلقناكم نُطفاً ثم صوّرناكم، ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة ٱسجدوا لآدم. وعن ابن عباس والضحاك وغيرهما: المعنى خلقنا آدم ثم صوّرناكم في ظهره. وقال الأخفش: «ثم» بمعنى الواو. وقيل: المعنى «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ» يعني آدم عليه السَّلام، ثم قلنا للملائكة ٱسجدوا لآدم، ثم صورناكم؛ على التقديم والتأخير. وقيل: «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ» يعني آدم؛ ذكر بلفظ الجمع لأنه أبو البشر. «ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ» راجع إليه أيضاً. كما يُقال: نحن قتلناكم؛ أي قتلنا سيدكم. {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} وعلى هذا لا تقديم ولا تأخير؛ عن ابن عباس أيضاً. وقيل: المعنى ولقد خلقناكم، يريد آدم وحوّاء؛ فآدم من التراب وحوّاء من ضلع من أضلاعه، ثم وقع التصوير بعد ذلك. فالمعنى: ولقد خلقنا أبوَيْكم ثم صوّرناهما؛ قاله الحسن. وقيل: المعنى خلقناكم في ظهر آدم ثم صوّرناكم حين أخذنا عليكم الميثاق. هذا قول مجاهد، رواه عنه ابن جريج وٱبن أبي نجيح. قال النحاس: وهذا أحسن الأقوال. يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم، ثم صوّرهم حين أخذ عليهم الميثاق، ثم كان السجود بعد. ويقوّي هذا {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} تفسير : [الأعراف: 172]. والحديث. «حديث : أنه أخرجهم أمثال الذَّرِّ فأخذ عليهم الميثاق»تفسير : . وقيل: «ثم» للإخبار، أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صلى الله عليه وسلم، ثم صَوّرناكم أي في الأرحام. قال النحاس: هذا صحيح عن ابن عباس. قلت: كل هذه الأقوال محتمل، والصحيح منها ما يَعْضُده التنزيل؛ قال الله تعالىٰ: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 12] يعني آدم. وقال: {أية : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} تفسير : [النساء: 1]. ثم قال: «جَعَلْنَاهُ» أي جعلنا نسله وذريته {أية : نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} تفسير : [ المؤمنون: 13] الآية. فآدم خُلِق من طين ثم صوّر وأكرم بالسجود، وذريته صُوِّروا في أرحام الأُمهات بعد أن خُلقوا فيها وفي أصلاب الآباء. وقد تقدّم في أوّل سورة «الأنعام» أن كل إنسان مخلوق من نطفة وتُرْبَة؛ فتأمله. وقال هنا: {خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} وقال في آخر الحشر: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ} تفسير : [الحشر: 24]. فذكر التصوير بعد البَرء. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالىٰ. وقيل: معنى «وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ» أي خلقنا الأرواح أوّلاً ثم صوّرنا الأشباح آخراً. قوله تعالىٰ: {إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} استثناء من غير الجنس. وقيل: من الجنس. وقد اختلف العلماء: هل كان من الملائكة أم لا؛ كما سبق بيانه في «البقرة».
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ} أي خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصور ثم صورناه. نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره، أو ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ثم صورناه. {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} وقيل ثم لتأخير الإخبار. {فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} ممن سجد لآدم. {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} أي أن تسجد ولا صلة مثلها في لئلا يعلم، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود. وقيل الممنوع عن الشيء مضطر إلى خلافه فكأنه قيل: ما اضطرك إلى ألا تسجد. {إِذْ أَمَرْتُكَ } دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور. {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ} جواب من حيث المعنى استأنف به استبعاداً لأن يكون مثله مأموراً بالسجود لمثله كأنه قال: المانع أني خير منه، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول، فكيف يحسن أن يؤمر به. فهو الذي سن التكبر وقال بالحسن والقبح العقليين أولاً. {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تعليل لفضله عليه، وقد غلط في ذلك بأن رأى الفضل كله باعتبار العنصر وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } تفسير : [ص: 75] أي بغير واسطة، وباعتبار الصورة كما نبه عليه بقوله: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ }تفسير : [الحجر: 29] وباعتبار الغاية وهو ملاكه ولذلك أمر الملائكة بسجوده لما بين لهم أنه أعلم منهم، وأن له خواص ليست لغيره، والآية دليل الكون والفساد وأن الشياطين أجسام كائنة، ولعل إضافة خلق الإنسان إلى الطين والشيطان إلى النار باعتبار الجزء الغالب. {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا} من السماء أو الجنة. {فَمَا يَكُونُ لَكَ} فما يصح. {أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} وتعصي فإنها مكان الخاشع والمطيع. وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة وأنه سبحانه وتعالى إنما طرده وأهبطه لتكبره لا لمجرد عِصيانه. {فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ} ممن أهانه الله لتكبره، قال عليه الصلاة والسلام «حديث : من تواضع رفعه الله ومن تكبر وضعه الله»تفسير : {قَالَ أَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أمهلني إلى يوم القيامة فلا تمتني، أو لا تعجل عقوبتي. {قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِينَ} يقتضي الإجابة إلى ما سأله ظاهراً لكنه محمول على ما جاء مقيداً بقوله تعالى: {أية : إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ }تفسير : [الحجر: 38] وهو النفخة الأولى، أو وقت يعلم الله انتهاء أجله فيه، وفي إسعافه إليه ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } أي بعد أن أمهلتني لاجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني بسبب إغوائك إياي بواسطتهم تسمية، أو حملاً على الغي، أو تكليفاً بما غويت لأجله والباء متعلقة بفعل القسم المحذوف لا بأقعدن فإن اللام تصد عنه فإن القسم: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ} ترصداً بهم كما يقعد القطاع للسابلة. {صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} طريق الإِسلام ونصبه على الظرف كقوله:شعر : لدنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُه فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ تفسير : وقيل تقديره على صراطك كقولهم: ضرب زيد الظهر والبطن. {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ} أي من جميع الجهات الأربع. مثل قصده إياهم بالتسويل والإِضلال من أي وجه يمكنه بإتيان العدو من الجهات الأربع، ولذلك لم يقل من فوقهم ومن تحت أرجلهم. وقيل لم يقل من فوقهم لأن الرحمة تنزل منه ولم يقل من تحتهم لأن الإِتيان منه يوحش الناس. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من بين أيديهم من قبل الآخرة، ومن خلفهم من قبل الدنيا، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من جهة حسناتهم وسيئاتهم. ويحتمل أن يقال من أيديهم من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز عنه، ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم. وإنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما موجه إليهم وإلى الأخيرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم، ونظيره قولهم جلست عن يمينه. {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } مطيعين، وإنما قاله ظناً لقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ }تفسير : [سبأ: 20] لما رأى فيهم مبدأ الشر متعدداً ومبدأ الخير واحداً، وقيل سمعه من الملائكة. {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا} مذموماً من ذأمه إذا ذمه. وقرىء «مذموماً» كمسول في مسؤول أو كمكول في مكيل، من ذامه يذيمه ذيماً. {مَذْمُومًا مَّدْحُورًا} مطروداً. {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} اللام فيه لتوطئة القسم وجوابه: {لأَمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} وهو ساد مسد جواب الشرط. وقرىء {لِمَنْ} بكسر اللام على أنه خبر لأملأن على معنى: لمن تبعك هذا الوعيد، أو علة لأخرج ولأملأن جواب قسم محذوف ومعنى منكم ومنهم فغلب المخاطب. {ويَا ءادَمَ} أي وقلنا يا آدم. {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} وقرىء هذي وهو الأصل لتصغيره على ذيا والهاء بدل من الياء. {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ} فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم، وتكونا يحتمل الجزم على العطف والنصب على الجواب. {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي فعل الوسوسة لأجلهما، وهي في الأصل الصوت الخفي كالهينمة والخشخشة ومنه وسوس الحلي. وقد سئل في سورة «البقرة» كيفية وسوسته. {لِيُبْدِيَ لَهُمَا} ليظهر لهما، واللام للعاقبة أو للغرض على أنه أراد أيضاً بوسوسته أن يسوءهما بانكشاف عورتيهما، ولذلك عبر عنهما بالسوأة. وفيه دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع. {مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا} ما غطي عنهما من عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر، وإنما لم تقلب الواو المضمومة همزة في المشهور كما قلبت في أو يصل تصغير واصل لأن الثانية مدة وقرىء {سوآتهما} بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على الواو و سوأتهما بقلبها واواً وإدغام الواو الساكنة فيها. {وَقَالَ مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا} إِلاَّ كراهة أن تكونا. {مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ} الذين لا يموتون أو يخلدون في الجنة، واستدل به على فضل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وجوابه: أنه كان من المعلوم أن الحقائق لا تنقلب وإنما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما أيضاً للملائكة من الكمالات الفطرية، والاستغناء عن الأطعمة والأشربة، وذلك لا يدل على فضلهم مطلقاً. {وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ} أي أقسم لهما على ذلك، وأخرجه على زنة المفاعلة للمبالغة. وقيل أقسما له بالقبول. وقيل أقسما عليه بالله أنه لمن الناصحين فأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة.
ابن كثير
تفسير : ينبه تعالى بني آدم في هذا المقام على شرف أبيهم آدم، ويبين لهم عداوة عدوهم إبليس، وما هو منطو عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم؛ ليحذروه، ولا يتبعوا طرائقه، فقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ} وهذا كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنِّى خَـٰلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَـٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } تفسير : [الحجر: 28-29] وذلك أنه تعالى لما خلق آدم عليه السلام بيده من طين لازب، وصوره بشراً سوياً، ونفخ فيه من روحه، أمر الملائكة بالسجود له تعظيماً لشأن الله تعالى وجلاله، فسمعوا كلهم، وأطاعوا، إلا إبليس لم يكن من الساجدين، وقد تقدم الكلام على إبليس في أول تفسير سورة البقرة، وهذا الذي قررناه هو اختيار ابن جرير، أن المراد بذلك كله آدم عليه السلام. وقال سفيان الثوري عن الأعمش، عن منهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ} قال: خلقوا في أصلاب الرجال، وصوروا في أرحام النساء، رواه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه، ونقل ابن جرير عن بعض السلف أيضاً: أن المراد بخلقناكم ثم صورناكم: الذرية. وقال الربيع بن أنس والسدي وقتادة والضحاك في هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ} أي: خلقنا آدم، ثم صورنا الذرية، وهذا فيه نظر؛ لأنه قال بعد ذلك: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} فدل على أن المراد بذلك آدم، وإنما قيل ذلك بالجمع؛ لأنه أبو البشر، كما يقول الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: {أية : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} تفسير : [البقرة: 57] والمراد آباؤهم الذين كانوا في زمن موسى، ولكن لما كان ذلك منة على الآباء الذين هم أصل، صار كأنه واقع على الأبناء، وهذا بخلاف قوله: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 12] الآية، فإن المراد منه آدم المخلوق من السلالة، وذريته مخلوقون من نطفة، وصح هذا؛ لأن المراد من خلقنا الإنسان: الجنس، لا معيناً، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَٰكُمْ } أي أباكم آدم {ثُمَّ صَوَّرْنَٰكُمْ } أي صوّرناه وأنتم في ظهره {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } سجود تحية بالانحناء {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } أبا الجنّ كان بين الملائكة {لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} فيه لأهل التأويل أربعة أقاويل: أحدها: ولقد خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء، قاله عكرمة. والثاني: ولقد خلقناكم يعني آدم ثم صورناكم في ظهره، قاله مجاهد. والثالث: خلقناكم نطفاً في أصلاب الرجال وترائب النساء، ثم صورناكم عند اجتماع النطفتين في الأرحام، وهو معنى قول الكلبي. والرابع: خلقناكم في بطون أمهاتكم، ثم صورناكم فيها بعد الخلق بشق السمع والبصر، قاله معمر. {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لأَدَمَ} فإن قيل فالسجود عبادة لا تجوز إلا الله تعالى، فكيف أمر به لآدم عليه السلام؟ قيل: فيه لأهل العلم قولان: أحدهما: أنه أمرهم بالسجود له تكرمة وهو لله تعالى عبادة. والثاني: أنه جعله قبلة سجودهم لله تعالى. فإن قيل: فالأمر بالسجود لآدم قبل تصوير ذريته، فكيف قال: {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ}؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه صورهم في صلب آدم ثم قال للملائكة: اسجدوا. والثاني: معناه ثم صورناكم ثم أخبرناكم بِأَنَّا قلنا للملائكة: اسجدوا. والثالث: اي في الكلام تقديماً وتأخيراً، وتقديره: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ثم صورناكم. وفيه جواب رابع أنكره بعض النحويين وهو: أن {ثُمَّ} هنا بمعنى الواو، قاله الأخفش.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقَناكُمْ} في أصلاب الرجال {ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ} في أرحام النساء أو خلقناكم "إدم" ثم صورناكم في ظهره، أو خلقناكم نطفاً في أصلاب الرجال وترائب النساء ثم صورناكم في الأرحام، أو خلقناكم في الأرحام ثم صورناكم فيها بعد الخلق بشق السمع والبصر. {ثُمَّ قُلْنَا} صورناكم في صلبه ثم قلنا، أو صورناكم ثم أخبرناكم بأنا قلنا، أو فيه تقديم وتأخير تقديره ثم قلنا للملائكة اسجدوا ثم صورناكم، أو يكون ثم بمعنى "الواو" قاله الأخفش، وأنكره بعض النحويين.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {لأملأن} بتليين الهمزة الثانية حيث كان: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف: {تخرجون} من الخروج: حمزة وعلي وخلف وسهل ويعقوب وابن ذكوان الباقون: مبنياً للمفعول من الإخراج والله أعلم. الوقوف: {إلا إبليس} ط لأنه معرفة فلا تصلح الجملة صفة له. {الساجدين} ه {إذ أمرتك} ط {منه} ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول. {طين} ه {الصاغرين} ه. {يبعثون} ه {المنظرين} ه {المستقيم} ه لا للعطف {شمائلهم} ط {شاكرين} ه {مدحوراً} ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف. {أجمعين} ه {الظالمين} ه {الخالدين} ه {الناصحين} ه {بغرور} ج لأن جواب "لما" منتظر مع الفاء {ورق الجنة} ط لأن الواو للاستئناف {مبين} ه {أنفسنا} سكتة للأدب إعلاماً بانقطاع الحجة قبل ابتداء الحاجة. {الخاسرين} ه {عدو} ط لعطف المختلفين {إلى حين} ه {تخرجون} ه. التفسير: من جملة نعم الله تعالى علينا أن خلق أبانا آدم فجعله مسجوداً للملائكة فلذلك ذكر تلك القصة عقيب تذكير النعم، ونظير هذه الآيات ما سبق في سورة البقرة {أية : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم}تفسير : [البقرة: 28] منع من المعصية بقوله: {كيف تكفرون} ثم علل ذلك المنع بكثرة نعمه على المكلفين وهو أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم خلق لهم ما في الأرض جميعاً من المنافع، ثم ختم ذلك بقصة جعل آدم خليفة في الأرض مسجوداً للملائكة، والغرض من الكل أن التمرد والجحود لا يليق بإزاء هذه النعم الجسام. وقصة آدم وما جرى له مع إبليس ذكرها الله في سبعة مواضع: في "البقرة" وههنا وفي "الحجر" وفي "سبحان" وفي "الكهف" وفي "طه" وفي "ص" وسنبين بعض حكمة اختلاف العبارات بقدر الفهم إن شاء الله تعالى. وههنا سؤال وهو أن قوله: {ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم ثم قلنا} يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا والأمر في الواقع بالعكس. وأجاب المفسرون بوجوه منها: أن المضاف محذوف أي خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصوّر ثم صورنا أباكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا. وإنما حسن هذه الكناية لأن آدم عليه السلام أصل البشر نظير قوله لبني إسرائيل المعاصرين{أية : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور} تفسير : [البقرة: 63] أي ميثاق أسلافكم. وقال صلى الله عليه وسلم: ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل. وإنما قتله أحدهم. ومنها أن المراد من خلقناكم آدم ثم صورناكم أي صورنا ذرية آدم في ظهره في صورة الذر ثم قلنا للملائكة وهذا قول مجاهد. ومنها خلقناكم ثم صورناكم ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة. ومنها أن الخلق في اللغة التقدير وتقدير الله تعالى عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته بتخصيص كل شيء بمقداره المعين له. فقوله: {خلقناكم} إشارة إلى حكم الله وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم. وقوله: {صورناكم} إشارة إلى أنه تعالى أثبت في اللوح المحفوظ صورهم كما أنه أثبت صور كل كائن كما جاء في الخبر "اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة". ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله تعالى آدم وأمر الملائكة بالسجود له. قال الإمام فخر الدين رضي الله عنه. وهذا التأويل عندي أقرب الوجوه في تأويل هذه الآية. وأما أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا فقد تقدم في أوائل سورة البقرة فلا وجه لإعادته. أما قوله سبحانه. {ما منعك أن لا تسجد} فظاهره يقتضي أنه تعالى طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود وليس الأمر كذلك فإن المقصود طلب ما منعه من السجود كما قال في سورة ص{أية : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} تفسير : [ص: 75] فلهذا الإشكال حصل للمفسرين رضي الله عنهم أقوال أوّلها وهو الأشهر: أن "لا صلة " زائدة كما في{أية : لا أقسم}تفسير : [القيامة: 1] وكما في قوله:{أية : لئلا يعلم أهل الكتاب} تفسير : [الحديد: 29] أي ليعلم وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج والأكثرين. قال في الكشاف: وفائدة زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل في {لئلا يعلم} ليتحقق علم أهل الكتاب، وفي {ما منعك أن لا تسجد} ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك. قلت: لعله أراد أن زيادة "لا" إشارة إلى نفي ما عدا المذكور ليلزم منه تحقق المذكور. وثانيها أن إثبات الزيادة في كلام الله تعالى خارج عن الأدب وأن الاستفهام للإنكار أي لم يمنعك من ترك السجود شيء كقول القائل لمن ضربه ظلماً: ما الذي منعك من ضربي أدينك أم عقلك أم حياؤك؟ والمعنى أنه لم يوجد أحد هذه فما امتنعت من ضربي. وثالثها قال القاضي: ذكر الله تعالى المنع وأراد الداعي فكأنه قال: ما دعاك إلى أن لا تسجد لأن مخالفة أمر الله تعالى حالة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها. وقيل: الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف ما منع منه. وقيل: معناه ما الذي جعلك في منعة من عذابي؟ وقيل: معناه من قال لك لا تسجد. وأقول: يمكن أن لا يعلق قوله: {أن لا تسجد} بقوله: {ما منعك} وإنما يكون متعلقه محذوفاً التقدير: ما منعك من السجود أن لا تسجد أي لئلا تسجد توجه عليك هذا السؤال. والحاصل أن عدم سجودك ما سببه؟ {إذ أمرتك} أمر إيجاب. وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب توبيخه وإفشاء معاندته وجحوده. واستدل العلماء بالآية على أن مجرد الأمر يقتضي الوجوب وإلا لم يترتب الذم عليه، وأن الأمر يقتضي الفور وإلا لم يستوجب الذم بترك السجود في الحال. ثم استأنف اللعين قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم زعماً منه أن مثله مستبعد أن يؤمر بما أمر به وتلك الخيرية هي التي منعته عن السجود فقال: {أنا خير منه} ثم بين هذه المقدمة بقوله {خلقتني من نار وخلقته من طين} والنار أفضل من الطين لأن النار جوهر مشرق علوي لطيف خفيف حار يابس مجاور لجواهر السموات ملاصق لها، والطين مظلم سفلي كثيف ثقيل بارد يابس بعيد عن الأجرام اللطيفة كلها، وأيضاً النار قوية التأثير والفعل، والأرض ليس فيها إلا القبول والانفعال والفعل أشرف من الانفعال. وأيضاً النار مناسبة للحرارة الغريزية وهي مادة الحياة والنضج وأما الأرضية فللبرد واليبس تناسب الموت والحياة أشرف من الموت. وأيضاً فما بين التمييز والشباب لما كان وقت كمال الحرارة كانت أفضل أوقات عمر الحيوان بخلاف وقت الشيخوخة لغلبة البرد واليبس المناسب للأرضية والمخلوق من الأفضل أفضل لأن شرف الأصل يوجب شرف الفرع. وأما أن الأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدون فما قد تقرر في العقول فهذه شبهة إبليس والمقدمات بأسرها ممنوعة، أما أن النار أفضل من الأرض فممنوع لأن كل عنصر من العناصر الأربعة يختص بفوائد ليست لغيره، وكل منها ضروري في الوجود وفي التركيب فلكل فضيلة في مقامه وحاله فترجيح بعضها على البعض تطويل بلا طائل. ومن تأمل ما ذكرناه في تفسير قوله سبحانه تعالى:{أية : الذي جعل لكم الأرض فراشاً}تفسير : [البقرة: 22] وقف على بعض منافعها وعلم أن طعن اللعين مردود جداً. ولو لم يكن في النار إلا الخفة المقتضية للطيش والاستكبار والترفع وفي الأرض إلا الرزانة الموجبة للحلم والوقار والتواضع لكفى به رداً لكلامه، وأما أن المخلوق من الأفضل أفضل فهو محل البحث والنزاع لأن الفضيلة عطية من الله تعالى ابتداء ولا يلزم من فضيلة المادة فضيلة الصورة، فقد يخرج الكافر من المؤمن ويحصل الدخان من النار والتكليف يتناول الحي بعد انتهائه إلى حد كمال العقل. فالاعتبار بما انتهى إليه لا بما خلق منه وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ائتوني بأعمالكم ولا تأتوني بأنسابكم" {أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم}تفسير : [الحجرات: 13] وفي كلام الحكماء: العاقل من يفتخر بالهمم العالية لا بالرمم البالية فثبت أن دعوى اللعين في قوله: {أنا خير منه} باطلة. ولئن سلم فلم لا يجوز خدمة الفاضل للمفضول تواضعاً وإسقاطاً لحق النفس؟ ولم لا يجوز الأمر بذلك لغرض الطاعة والامتثال أو لتشريف المفضول والرفع من مقداره؟ قالت العلماء ههنا: إن قوله تعالى للملائكة {اسجدوا لآدم} خطاب عام يتناول جميع الملائكة: ثم إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس فاستوجب الذم والتعنيف والدخول في جملة المتكبرين على الله فدل ذلك على أنه لا يجوز تخصيص عموم النص بالقياس ويؤيد ذلك ما روي عن ابن عباس أنه كانت الطاعة بإبليس أولى من القياس فعصى ربه وقاس. وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله تعالى مع إبليس. ويمكن أن يجاب بأنه إنما استحق الذم لأن قياسه كان مبطلاً للنص بالكلية لا مخصصاً. وتقريره أنه لو قبح أمر من كان مخلوقاً من النار بسجوده لمن كان مخلوقاً من الأرض لكان قبح أمر من كان مخلوقاً من النور المحض بسجوده لما هو مخلوق من الأرض أولى. ويحتمل أن يزيد هذا الجواب بأن الشريف إذا رضي بتلك الخدمة فلا اعتراض عليه وحينئذٍ لا يقبح أمره بذلك. ثم إن الملائكة رضوا بذلك فلا بأس، وأما إبليس فإنه لم يرض بإسقاط هذا الحق فقبح أمره بالسجود، فقياسه يوجب تخصيص النص لا رفعه بالكلية فعلمنا أن استحقاق الذم إنما كان لتخصيص النص بالقياس كما ادعينا. {قال} أي الله تعالى كلام تعنيف وتعذيب لا إكرام وتشريف أو قال على لسان بعض ملائكته {فاهبط} يعني إذ لم تمثل أمري فاهبط {منها}. قال ابن عباس: يريد من الجنة وكانوا في جنة عدن وفيها خلق آدم. وقال بعض المعتزلة: أمر بالهبوط من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين من الثقلين {فما يكون} فما يصح {لك أن تتكبر فيها} وتعصي {فاخرج إنك من الصاغرين} من أهل الصغار والهوان. يقال للرجل قم صاغراً إذا أهين. وفي ضده قم راشداً، قال الزجاج: إن إبليس طلب التكبر فابتلاه الله بالذلة والصغار كما قال النبي صلى الله عليه وآله: "حديث : من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر وضعه الله" تفسير : {قال أنظرني إلى يوم يبعثون} طلب الإنظار من الله تعالى إلى وقت البعث وهو وقت النفخة الثانية حين يقوم الناس لرب العالمين، ومقصوده أنه لا يذوق الموت فلم يعطه الله تعالى ذلك بل {قال} مطلقاً {إنك من المنظرين} قيل: إن هذا المطلق مقيد بقوله في موضع آخر{أية : إلى يوم الوقت المعلوم}تفسير : [ص: 81] أي اليوم الذي يموت الأحياء كلهم فيه وهو وقت النفخة الأولى، وقال آخرون: لم يوقت الله تعالى له أجلاً. والمراد الوقت المعلوم في علم الله تعالى والدليل على ذلك أن إبليس كان مكلفاً والمكلف لا يجوز أن يعلم أجله لأنه يقدم على المعصية بقلب فارغ حتى إذا قرب أجله تاب فيقبل توبته وهذا كالإغراء على المعاصي فيكون قبيحاً. أجاب الأولون بأن من علم الله تعالى من حاله أنه يموت على الطهارة والعصمة كالأنبياء أو على الكفر والمعاصي كإبليس فإن إعلامه بوقت أجله لا يكون إغراء على المعصية لأنه لا يتفاوت حاله بسبب ذلك التعريف والإعلام {قال فبما أغويتني} الإغواء ضد الإرشاد وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل إذا بشم والبشم فساد يعرض في جوفه من كثرة شرب اللبن. ولا يمكن أن يتعلق الباء بقوله: {لأقعدن} لأن لام القسم تأبى ذلك. لا يقال: والله يريد لأمرنّ. لأن حكم القسم وما يتلوه حكم همزة الاستفهام وحرف النفي الذي هو ما وهي تعمل من حيث المعنى لا من حيث اللفظ فكأنها عوامل ضعيفة فلم يتقدم عليها شيء من معمولاتها لضعفها. وإنما يتعلق بفعل القسم المحذوف و "ما" مصدرية تقديره: فبما أغويتني أي فبسبب إغوائك إياي أقسم. ويجوز أن تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك لأقعدن. ومعنى القسم بالإغواء أنه من جملة آثار القدرة أي بقدرتك عليّ ونفاذ سلطانك في لأقعدن. وقال في الكشاف: إن الأمر بالسجود كان سبب إغوائه وهو تكليف والتكليف من أحسن أفعال الله لكونه تعريضاً لسعادة الأبد فكان جديراً بأن يقسم به وهذا يناسب أصول الاعتزال. قال مشايخ العراق: الحلف بصفات الذات كالقدرة والعظمة والجلال والعزة يمين، والحلف بصفات الفعل كالرحمة والغضب لا يكون يميناً. ويعني بصفات الفعل ما يجوز أن يوصف بضده فيقال: رحم فلاناً ولم يرحم فلاناً وغضب ولم يغضب. وقال بعضهم: ما للاستفهام كأنه قيل: بأي شيء أغويتني ثم ابتدأ فقال: {لأقعدن} ويرد على هذا القول أن إثبات الألف إذا أدخل حرف الجر على "ما" الاستفهامية قليل. قيل: إن إبليس أضاف الإغواء ههنا إلى الله وفي قوله:{أية : فبعزتك لأغوينهم}تفسير : [ص: 82] أضاف الإغواء إلى نفسه والأول يدل على الجبر والثاني على القدر، وهذا دليل على أنه كان متحيراً في هذه المسألة. أجابت المعتزلة عن قوله: {فبما إغويتني} بأن قول إبليس واعتقاده ليس بحجة أو المراد أنه تعالى لما أمره بالسجود لآدم فعند ذلك ظهر منه كفر فلهذا المعنى أضاف الغي إلى الله. وقد يقال: لا تحملني على ضربك أي لا تفعل ما أضربك عنده، أو المراد بالإغواء الإهلاك واللعن. وقالت الأشاعرة: نحن لا نبالغ في أن المراد بالإغواء ههنا هو الإضلال لأن حاصله كيفما كان يرجع إلى حكاية قول إبليس وهو ليس بحجة إلا أنا نقطع بأن الغاوي لا بد له من مغوٍ وليس ذلك نفسه لأن العاقل لا يختار الغواية مع العلم بكونها غواية والدور أو التسلسل محال فلا بد أن ينتهي إلى خالق الكل وهو المقصود. أما قوله: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} فانتصابه على الظرف كقوله: شعر : لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب تفسير : قال الزجاج: هو كقولهم ضرب زيداً الظهر والبطن أي على الظهر والبطن. والمراد لأعترضن لهم أي لبني آدم المذكورين في قوله: {ولقد خلقناكم ثم صوّرناكم} على طريق الإسلام كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة، والحاصل أنه يواظب على الإفساد بالوسوسة مواظبة لا يفتر عنه ولهذا ذكر العقود لأن من أراد المبالغة في تكميل أمر من الأمور قعد حتى يصير فارغ البال فيمكنه إتمام المقصود. واعلم أن العلماء اختلفوا في أن كفر إبليس كفر عناد أو كفر جهل. فمن قائل بالأول لقوله: {صراطك المستقيم} وصراط الله المستقيم هو دينه الحق. ومن قائل بالثاني لقوله: {فبما أغويتني} فدل ذلك على أنه اعتقد أن الذي هو عليه محض الغواية، وإنما وصف الصراط بالمستقيم بناء على زعم الخصم واعتقاده ورد بأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغوايه فقد علم أن ضدّه هو الحق فكان إنكاره إنكار اللسان لا القلب وهو المعنى بكفر العناد، ويمكن أن يجاب بأنه أراد بالإغواء أيضاً الإغواء بزعم الخصم، قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دنيه ولا في دنياه وإلا لم يمهل إبليس حين استمهله مع علمه بالمفاسد والغوائل المترتبة على ذلك، ومما يؤيد ذلك أنه بعث الأنبياء دعاة للخلق إلى الحق وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال، ثم إنه أمات الأنبياء وأبقى إبليس ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك. قال الجبائي في دفع هذا الاعتراض. إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ولا يضل بقوله أحد بل إنما يضل من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضاً بدليل قوله تعالى: {أية : فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم}تفسير : [الصافات: 162] ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة. وقال أبو هاشم: يجوز أن يضل به قوم ويكون خلقه جارياً مجرى زيادة الشهوة فإن هذه الزيادة من المشقة توجب الزيادة في الثواب. وضعف قول الجبائي بأنا نعلم بالضرورة أن الإنسان إذا جلس عنده جلساء السوء وحسنوا في عينه أمراً من الأمور مرة بعد أخرى فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التحسين فكذا الشيطان المزين للقبائح في قلوب الكفار والفساق. وزيف قول أبي هاشم بأن خلق الزيادة في الشهوة حجة أخرى لنا في أنه تعالى لا يراعي المصلحة، وتقرير الحجة أن خلق تلك الزيادة يوقع في الكفر وعقاب الأبد ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أن يزداد ثوابه وحصول هذه الزيادة شيء لا حاجة إليه والأهم رفع العقاب لا تحصيل زيادة الثواب. فلو كان إله العالم مراعياً لمصالح العباد لم يهمل الأهم لطلب الزيادة التي لا ضرورة إليها. أما ذكر الجهات الأربع ففيه وجوه أحدها {من بين أيديهم} أي أشككهم في صحة البعث والقيامة {ومن خلفهم} ألقي إليهم أن الدنيا قديمة أزلية. وثانيها من بين أيديهم أنفرهم عن الرغبة في سعادات الآخرة، ومن خلفهم أقوي رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها؛ فالآخرة بين أيديهم لأنهم يردون عليها ويصلون إليها، والدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها، وثالثها قول الحكم والسدي {من بين أيديهم} يعني الدنيا لأنهم بين يدي الإنسان وإنه يشاهدها {ومن خلفهم} الآخرة لأنها تأتي بعد ذلك. وأما قوله: {وعن أيمانهم وعن شمائلهم} فقيل: {عن أيمانهم} في الكفر والبدعة {وعن شمائلهم} في أنواع المعاصي. وقيل: {عن أيمانهم} في الصرف عن الحق {وعن شمائلهم} في الترغيب في الباطل. وقيل: {عن أيمانهم} افترهم عن الحسنات {وعن شمائلهم} أقوي دواعيهم إلى السيئات قال ابن الأنباري: وهذا قول حسن لأن العرب تقول اجعلني عن يمينك أي من المقدمين ولا تجعلني عن شمالك أي من المؤخرين. وعن الأصمعي هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال للعكس. وقال حكماء الإسلام: إن في البدن قوى أربعاً هي الموجبة لفوات السعادات الروحانية: إحداها القوة الخيالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله: {من بين أيديهم} وثانيتها القوّة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وهو قوله: {ومن خلفهم} وثالثتها الشهوة ومحلها الكبد التي عن يمين البدن. ورابعتها الغضب ومنشؤه القلب الذي هو في الشق الأيسر. فالشياطين الخارجة ما لم تستعن بشيء من هذه القوى الأربع لم تقدر على إلقاء الوسوسة. وقيل: {من بين أيديهم} الشبهات المبنية على التشبيه إما في الذات أو في الصفات كشبه المجسمة وإما في الأفعال كشبه المعتزلة في التعديل والتجويز والتحسين والتقبيح لأن الإنسان يشاهد هذه الجسمانيات فهي بين يديه وبمحضر منه فيعتقد أن الغائب مثل الشاهد {ومن خلفهم} شبهات أهل التعطيل لأن هذه بإزاء الأولى، {وعن إيمانهم} الترغيب في ترك المأمورات {وعن شمائلهم} الترغيب في فعل المنهيات. وعن شقيق رضي الله عنه ما من صباح إلاّ ويأتيني الشيطان من الجهات الأربع إما من بين يدي فيقول لا تخف إن الله غفور رحيم فأقرأ{أية : وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً}تفسير : [طه: 82] وإما من خلفي فيخوفني من وقوع أولادي في الفقر فأقرأ{أية : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}تفسير : [هود: 6] وإما من يميني فيأتيني من قبل النساء فأقرأ{أية : والعاقبة للمتقين}تفسير : [الأعراف: 128] وإما من شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ{أية : وحيل بينهم وبين ما يشتهون}تفسير : [سبأ: 54] وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم" حديث : إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه قعد له بطريق الإسلام. فقال له: تدع دين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له تدع ديارك وتتغرب فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال له تقاتل فتقتل فيقسم مالك وتنكح امرأتك فعصاه فقاتل" تفسير : وعلى هذا فالقعود في الطريق والرصد من الجهات مثل الوسوسة إليهم وتسويله بكل ما يمكنه ويتيسر له كقوله: {أية : واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك}تفسير : [الإسراء: 64] وبقي ههنا بحث وهو أنه تعالى كيف قال: {من بين أيديهم ومن خلفهم} بحرف الابتداء {وعن أيمانهم وعن شمائلهم} بحرف المجاورة؟ قال في الكشاف: وقد تختلف حروف الظروف كما تختلف حروف التعدية على حسب السماع. يقال: جلس عن يمينه وعلى يمينه، فمعنى "على" أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى "عن" أنه جليس متجافياً عن صاحب اليمين منحرفاً عنه غير ملاصق له، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره ونظيره في المفعول به "رميت السهم عن القوس وعلى القوس ومن القوس" لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ويبتدىء الرمي منها، وكذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى في لأنهما ظرفان للفعل، ومن بين يديه ومن خلفه لأن الفعل يقع في بعض الجهتين كما تقول: جئته من الليل تريد بعض الليل، وقال بعض المفسرين: خص اليمين والشمال بكلمة "عن" لأنها تفيد البعد والمباينة وعلى جهتي اليمين والشمال ملكان لقوله: {أية : عن اليمين وعن الشمال قعيد}تفسير : [ق: 17] والشيطان لا بد أن يتباعد عن الملك ولا كذلك حال القدام والخلف. وقالت الحكماء {من بين أيديهم ومن خلفهم} هما الوهم والخيال كما مر والناشىء منهما العقائد الباطلة والكفر {وعن أيمانهم وعن شمائلهم} الشهوة والغضب والناشىء منهما الأفعال الشهوية والغضبية. وضرر الكفر لازم لأن عقابه دائم وضرر المعاصي مفارق لأن عذابها منقطع فلهذا السبب خص هذين القسمين بكلمة "عن" تنبيهاً على أنهما في اللزوم والاتصال دون القسم الأول. وإنما اقتصر على الجهات الأربع ولم يذكر الفوق والتحت لأن القوى التي منها يتولد ما يوجب تفويت السعادات الروحانية هي هذه الموضوعة في الجوانب الأربعة من البدن، وأما في الظاهر فقد روي أن الشيطان لما قال هذا الكلام رقت قلوب الملائكة على البشر فقالوا: يا إلهنا كيف يتخلص الإنسان من الشيطان مع استيلائه عليه من الجهات؟ فأوحى الله تعالى إليهم أنه قد بقي للإنسان جهتا الفوق والتحت فإذا رفع يديه إلى فوق بالدعاء على سبيل الخضوع أو وضع جبهته على الأرض بطريقة الخشوع غفرت له ذنب سبعين سنة. قال القاضي: هذا القول من إبليس كالدلالة على أن لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه لأنه لو أمكنه ذلك لكان بأن يذكره في باب المغالبة أحق. قلت: هذا منافٍ لما في الحديث"حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" تفسير : . أما قوله: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} فسئل أنه من باب الغيب فكيف عرف؟ وأجاب بعضهم بأنه كان قد رآه في اللوح المحفوظ فقال على سبيل القطع واليقين. وقال آخرون: إنه قال على سبيل الظن لأنه كان عازماً على المبالغة في تزيين الشهوات وتحسين الطيبات فغلب على ظنه أنهم يقبلون قوله: ولقد صدقه الله تعالى في ذلك الظن حيث قال:{أية : ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه}تفسير : [سبأ: 20]{أية : وقليل من عبادي الشكور}تفسير : [سبأ: 13]. وقيل: إن للنفس تسع عشرة قوة: الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع الكامنة وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة، وهي بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم. وأما التي تدعوها إلى عالم الأرواح فقوة واحدة وهي العقل، ولا شك أن استيلاء تسع عشرة قوة أكثر من استيلاء واحدة لا سيما وهي في أول الخلقة تكون قوية، والعقل يكون ضعيفاً وهي بعد قوتها يعسر جعلها ضعيفة مرجوحة فلذلك قطع بقوله: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} {قال} الله تعالى في جوابه إذا كان هذا عزمك {اخرج منها مذؤماً مدحوراً} الذام العيب والذأم يهمز ولا يهمز، والدحر الطرد والإبعاد وفي المثل: لا تعدم الحسناء ذاماً. واللام في {لمن تبعك} موطئة للقسم و{لأملأن} جوابه وهو ساد مسد جواب الشرط. وعن عصام {لمن تبعك} بكسر اللام بمعنى لمن تبعك منهم هذا الوعيد وهو قوله: {لأملأن جهنم} فغلب ضمير المخاطب كما في قوله: {أية : إنكم قوم تجهلون}تفسير : [الأعراف: 138] أي إنكم وإنهم على هذا. فقوله: {لأملأن} في محل الابتداء {ولمن تبعك} خبره. قال القاضي: كما أن الكافر يتبعه كذلك الفاسق يتبعه فلذلك يجب القطع بدخول الفاسق النار. وأجيب بشرط عدم العفو. قوله: {ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} الآية. فيها من المسائل أن قوله: {اسكن} أمر تعبد أو أمر إباحة من حيث إنه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكليف. وأن زوج آدم هي حواء وأن تلك الجنة كانت جنة الخلد أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض. وأن قوله {وكلا} أمر إباحة لا أمر تكليف. وأن قوله: {ولا تقربا} نهي تنزيه أو نهي تحريم. وأن الشجرة المشار إليها شجرة واحدة بالشخص أو بالنوع وإنها أيّ شجرة كانت. وأن ذلك الذنب كان صغيراً أو كبيراً. وأن الظلم في قوله: {فتكونا من الظالمين} بأي معنى هو؟ وأن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم أو بعدها؟ ونحن قد قضينا الوطر عن جميعها في سورة البقرة فلا حاجة إلى الإعادة {فوسوس لهما الشيطان} الوسوسة حديث النفس وهو فعل غير متعد كولولت المرأة ووعوع الذئب والمصدر الوسواس أيضاً بكسر الواو والوسواس بالفتح الاسم كالزلزال. ويوصل إلى المفعول باللام وبإلى. فمعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ومعنى وسوس إليه ألقاها إليه أي تكلم معه كلاماً خفياً يكرره {ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما} قيل: اللام لام العاقبة لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهر عورتهما وإنما آل أمرهما إلى ذلك، وقيل: لام الغرض وبدو العورة كناية عن زوال الحرمة وسقوط الجاه الذي كان غرضه، أو لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته وفي ذلك سقوط حشمته. وقوله: {ووري} مجهول وارى أي ستر والسوءة فرج الرجل والمرأة. ثم بيّن وسوسة إبليس بأنه {قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} أي إلا كراهة أن تكونا ملكين إلى قوله: {إني لكما لمن الناصحين}. سؤال: كيف يطمع إبليس آدم في أن يكون ملكاً عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة ساجدين معترفين بفضله؟ والجواب بعد تسليم أن هذه الواقعة كانت بعد النبوة وبعد سجود الملائكة له، أن هذا أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض أما ملائكة السموات وملائكة العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا ألبته لآدم وإلا كان هذا التطميع فاسداً. وربما يجاب بأنه أراد أنه يصير مثل الملك في البقاء والدوام وزيف بلزوم التكرار من قوله: {أو تكونا من الخالدين}. قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ {ملكين} بكسر اللام كأن الملعون أتاهما من جهة الملك كقوله:{أية : هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى}تفسير : [طه: 120] واعترض بأنه لا نزاع في هذه القراءة الشاذة وإنما النزاع في القراءة المشهورة. ويمكن أن يجاب بأن آدم لعله رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والبطش والخلقة بأن يصير جوهراً نورانياً مقره العرش والكرسي. نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن: إن آدم وحواء هل صدّقاه في قوله؟ فقال الحسن: معاذ الله لو صدّقاه لكانا من الكافرين. أراد الحسن أن تصديق الخلود يوجب إنكار البعث والقيامة وإنه كفر. ويمكن أن يقال: لو أراد بالخلود طول المكث لم يلزم التكفير، ولو سلم أن الخلود مفسر بالدوام فلا نسلم أن اعتقاد الدوام من آدم يوجب الكفر لأن العلم بالموت ثم البعث يتوقف على السمع ولعل ذلك الدليل السمعي لم يصل إلى آدم وقتئذٍ. ثم إن المحققين اتفقوا على أن التصديق لم يوجد من آدم لا قطعاً ولا ظناً وإنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة كما نجد من أنفسنا عند الشهوة أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال. ثم إن بعضهم زعم أن الترغيب كان في مجموع الأمرين كونهما ملكين وكونهما خالدين والظاهر أنه على طريقة التخيير. سؤال: المقاسمة من الجانبين فكيف يتصور التقاسم بين آدم وإبليس؟ والجواب كأنه قال لهما: أقسم بالله إني لكما ناصح وقالا له: نقسم بالله إنك إن صدقت ناصح. أو أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، أو أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم {فدلاهما بغرور} أي أوقعهما فيما أراد من تغرير، وأصله أن الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه. وقيل: أي جرأهما على أكل الشجرة من قولهم: فلان يدل على أقرانه في الحرب كالبازي يدل على صيده. قال ابن عباس: غرهما باليمين. وكان آدم يظن أن لا يحلف أحد بالله كاذباً. وعن ابن عمر أنه كان إذا رأى من بعض عبيده طاعة وحسن صلاة أعتقه فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له. {فلما ذاقا الشجرة} فيه دلالة على أنهما تناولا اليسير قصداً إلى معرفة طعمه ولولا أنه ذكر في آية أخرى{أية : فأكلا منها}تفسير : [طه: 121] لم يدل على الأكل لأن الذوق قد يكون من غير أكل. {بدت لهما سوآتهما} ظهرت عوراتهما أي عورتاهما مثل{أية : صغت قلوبكما}تفسير : [التحريم: 4] مكان قلباكما {وطفقا يخصفان} أخذا في الفعل وهو الخصف، ويستعمل طفق بمعنى كاد. قال الزجاج: أي يجعلان ورقة على ورقة ليستترا بهما كما تخصف النعل طرقة على طرقة وتوثق بالسيور. والورق التين وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة؟ {ألم أنهكما} عتاب من الله وتوبيخ وباقي الآيات مفسر في سورة البقرة. عن ثابت البناني: لما أهبط آدم وحضرته الوفاة أحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني الذي أصابني فيك. فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له ولحدوا ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده. وقد بقي علينا من التفسير أسرار المتشابهات الواقعة في هذه القصة فلنفرغ لها. قوله: {ما منعك} وفي ص{أية : يا إبليس ما منعك}تفسير : [الآية: 75] وفي الحجر{أية : يا إبليس ما لك} تفسير : [الآية: 32] حذف المنادى في هذه السورة لأن مضي ذكره هنا أقرب فلم يحتج إلى إعادة اسم اللعين بالنداء. قوله: {ما منعك أن لا تسجد} وفي ص{أية : ما منعك أن تسجد}تفسير : [الآية: 75] جمع بين لفظ المنع ولفظ "لا" في هذه السورة لأنه لما حذف النداء زاد لفظة "لا" زيادة في النفي وإعلاماً بأن المخاطب به إبليس. وإن شئت قلت: جمع في السورة بين ما في "ص" وما في "الحجر" فقال: {ما منعك أن تسجد} و {مالك أن لا تسجد} وحذف {أن تسجد} وحذف {مالك} لدلالة الحال ودلالة السورتين عليه فبقي {ما منعك أن لا تسجد}. قوله: {أنا خير منه} الآية في ص مثله كلاهما في جواب {ما منعك} ظاهر إلا أنه زاد في الحجر لفظ الكون فقال:{أية : لم أكن لأسجد}تفسير : [الآية: 33] ليكون مطابقاً للسؤال حيث قيل: ما لك أن لا تكون مع الساجدين. قوله: {أنظرني إلى يوم يبعثون} وفي ص وفي الحجر{أية : رب فانظرني}تفسير : [الآية: 36] لأنه لما اقتصر في السؤال على الخطاب دون صريح الاسم اقتصر ههنا أيضاً على الخطاب دون ذكر المنادى بخلاف السورتين. وأما زيادة الفاء في السورتين دون هذه السورة فلأن داعية الفاء ما تضمنه النداء من أدعو وأنادي نحو قوله:{أية : ربنا فاغفر}تفسير : [آل عمران: 193] أي أدعوك فاغفر. فلما حذف النداء في هذه السورة تركت الفاء. وكذلك من قوله: {إنك من المنظرين} ليطابق الجواب السؤال. قوله: {فبما أغويتني} وفي الحجر{أية : رب بما أغويتني}تفسير : [الآية: 39] بزيادة النداء ليوافق ما قبله. وزاد في هذه السورة الفاء وكذا في "ص"{أية : فبعزتك لأغوينهم}تفسير : [الآية: 82] لزيادة الربط. ولم يمكن دخول الفاء في "رب" لامتناع النداء منه لأن ذلك يقع مع السؤال والطلب. {قال اخرج منها مذؤماً} ليس في القرآن غيره وإنما اختص هذا الموضع بذلك لأن اللعين بالغ في العزم على الإغواء فقال: {لأقعدن لهم} إلى آخره فبالغ الله جل وعلا في ذمه إذ الذام أشد الذم. قوله: {فكلا} بالفاء وفي البقرة{أية : وكلا}تفسير : [الآية: 35] لأن اسكن ههنا من السكنى التي معناها اتخاذ الموضع مسكناً وهذا لا يستدعى زماناً ممتداً يمكن الجمع بين الاتخاذ والأكل فيه بل يقع الأكل عقيبه، وفي البقرة من السكون الذي يراد به الإقامة فلم يصلح إلا بالواو فإن المعنى أجمعا بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها ولو كان بالفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة. وإنما زاد في البقرة {رغداً} لما زاد في الخبر تعظيماً بقوله: {وقلنا} قال بعض الأفاضل في الجواب عن هذه المسائل: إن اقتصاص ما مضى إذا لم يقصد به أداء الألفاظ بأعيانها كان اختلافها واتفاقها سواء إذا أدى المعنى المقصود. وهذا جواب حسن إن رضيت به كفيت مؤنة السهر إلى السحر والله أعلم. التأويل: {ولقد خلقنا} أرواحكم {ثم صورناكم} أي خلقنا لأرواحكم أجساداً كما جاء في الحديث"حديث : إن الله خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي ألف عام"تفسير : ولتصوير الأجساد بداية وهي قوله:{أية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم}تفسير : [الأعراف: 172] فإن لفظ الذرية يقع على المصورين ووسط{أية : يصوركم في الأرحام كيف يشاء}تفسير : [آل عمران: 6] ونهاية هي حالة الكهولية في الأغلب {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} وأنتم في صلبه وهذا من التمكين أيضاً {فسجدوا} لاستعدادهم الفطري للسجود ولائتمارهم لأمر الله {إلا إبليس لم يكن} من المستعدين للسجود لما فيه من الاستكبار الناري {قال ما منعك} خطاب الامتحان لجرم إبليس ليظهر به استحقاقه اللعن فإنه لو كان ذا بصيرة لقال في الجواب منعني تقديرك وقضاؤك ولكنه كان أعور العين اليمنى بصيراً بالعين التي رأى بها أنانيته فقال: {أنا خير منه} أي منعني خيريتي من أن أسجد لمن هو دوني، واستدل على خيريته بأنه خلق من نار وهي علوية نورانية لطيفة وآدم خلق من طين وهو سفلي ظلماني كثيف. وهذا القياس معارض بأن النار من خاصيتها الإحراق والفناء والطين من خواصه النشوء والإنماء والاستمساك الذي بقوته يصير الإنسان مستمسكاً للفيض الإلهي ونفخ الروح فيه فاستحق سجود الملائكة لأنه صار كعبة حقيقية. فلما ابتلي إبليس بالصغار وطرد من الجوار أخذ في النوح وأيس من الروح ورضي بالبعاد واطمأن بالحياة فقال: {أنظرني} فأجيب إلى ما سأل ليكون وبالاً عليه ويزي في شقوته، ولكن لم يجبه بأن لا يذيقه ألم الموت لقوله في موضع آخر{أية : إلى يوم الوقت المعلوم}تفسير : [ص: 81] {قال فبما أغويتني} لم تكن حوالته الإغواء إلى الله منه نظر التوحيد وإنما كان للمعارضة والمعاندة لقوله:{أية : لأغوينهم}تفسير : [الحجر: 39] {لأقعدن} {ثم لآتينهم} من الجهات التي فيها حظوظ النفس {من بين أيديهم} من قبل الحسد على الأكابر من المشايخ والعلماء المعاصرين {ومن خلفهم} من قبل الطعن في الأكابر الأقدمين والسلف الصالحين. {وعن أيمانهم} من قبل إفساد ذات البين وإلقاء العداوة والبغضاء بين الإخوان {وعن شمائلهم} من جهة ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وترك الأمر بالمعروف مع عامة المسلمين. أو المراد {من بين أيديهم} من قبل الرياء والعجب {ومن خلفهم} من قبل الصلف والفخر {وعن أيمانهم} من قبل الادعاء وإظهار المواعيد والمواجيد {وعن شمائلهم} من قبل الافتراء على أنفسهم ما ليس فيها من الكشوف والأحوال. أو {من بين أيديهم} من قبل الاعتراض على الشيخ {ومن خلفهم} من قبل التفريق والإخراج عن صحبة الشيخ {وعن أيمانهم} من قبل ترك حشمة المشايخ {وعن شمائلهم} من قبل مخالفة الشيخ والرد بعد القبول. أو {من بين أيديهم} أثوّر عليهم أهاليهم وأولادهم ليمنعوهم عن طلب الحق {ومن خلفهم} أثور عليهم آباءهم وأمهاتهم {وعن أيمانهم} أثور عليهم أحباءهم {وعن شمائلهم} أثور عليهم أعداءهم وحسادهم. {ولا تقربا هذه الشجرة} يعني شجرة المحبة فإن المحبة مطية المحنة {فتكونا من الظالمين} على أنفسكما لأن للمحبة ناراً ونوراً فمن لم يرد نارها لم يجد نورها ومن يرد نارها احترقت أنانيته فيبقى بلا هوية نفسه مع هوية ربه فههنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله:{أية : يحبهم ويحبونه}تفسير : [المائدة: 54] فشجرة المحبة شجرة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كما خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإنّ منعه منها كان تحريضاً له على تناولها فإن الإنسان حريص على ما منع. ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده {إلا أن تكونا ملكين} أي من أهل السلو كملكين في زوايا الجنة {أو تكونا من الخالدين} في الجنة كالحور والرضوان فسقاهما إبليس في كأس القسم شراب ذكر الحبيب {وقاسمهما} فلما غرقا في لجّة المحنة وذاقا شجرة المحبة {بدت لهما سوآتهما} أي سوآت نار المحبة قبل نورها وهي نار فرقة الأحبة في البداية {وطفقا} لاشتعال نائرة المحبة يجعلان كل نعيم الجنة على نارهما، فلما التهبت احترقت بلظى نارها حبة الوصلة ونعب غراب البين بالفرقة. شعر : فبينما نحن في لهو وفي طرب بدا سحاب فراق صوبه هطل وإن من كنت مشغوفاً بطلعته مضى وأقفر منه الرسم والطلل فالصبر مرتحل والوجد متصل والدمع منهمل والقلب مشتعل تفسير : {وناداهما ربهما} نداء العزة والكبرياء {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} فإنها تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب الطرب وتورث التعب والنصب {إن الشيطان لكما عدوّ مبين} ولكن في عداوته صداقة مخفية تظهر ولو بعد حين: شعر : واخجلتا من وقوفي باب دارهم لو قيل لي مغضباً من أنت يا رجل تفسير : فانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية ولوث العجب والأنانية فرجعا عما طمعا فيه ووقفا لديه وعلما أن لا منجا ولا ملجأ منه إلا إليه فقالا {ربنا ظلمنا أنفسنا} بأن أوقعناها في شبكة المحبة لا المحبة تبقينا بالوصال ولا المحنة تفنينا بالزوال {وإن لم تغفر لنا} بنوال الوصال {وترحمنا} بتجلي الجمال {لنكونن من الخاسرين} الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى. فأمرا بالصبر على الهجر وقيل: {اهبطوا بعضكم لبعض عدو} النفس عدو القلب والروح، والقلب عدو لما سوى الله {ولكم} للنفس والقلب والرفع في أرض البدن مقام وتمتع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة إلى حين تصير النفس مطمئنة تستحق الخطاب، ارجعي من الهبوط وارفعي بعد السقوط. شعر : إن الأمور إذا انسدت مسالكها فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا لا تيأسنّ وإن طالت مطالبة إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع للأبواب أن يلجا. تفسير : {قال فيها} أي في المحبة {تحيون} بصدق الهمة وقرع باب العزيمة {وفيها تموتون} بطلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة {ومنها تخرجون} إلى عالم الحقيقة.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ...} الآية: هذه الآية مَعْنَاهَا التَّنْبِيهُ على مواضع العِبْرَةِ، والتعجيب من غريب الصنعة، وإسداء النعمة. واختلف العلماء في تَرْتِيبِ هذه الآية؛ لأن ظاهرها/ يَقْتَضِي أن الخَلْقَ والتصوير لبني آدم قَبْلَ القَوْلِ للملائكة أَن يَسْجُدُوا، وقد صححت الشريعة أن الأَمْرَ لم يَكُنْ كذلك، فقالت فرقة: المُرَادُ بقوله سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ} آدم، وإن كان الخِطَابُ لبنيه. وقال مجاهد: المعنى: ولقد خَلَقْنَاكم، ثم صورناكم في صُلْبِ آدم، وفي وقت استخراج ذريّة آدم من ظَهْرِهِ أمثال الذّر في صورة البَشَرِ، ويترتب في هَذَيْنِ القولين أن تكون «ثم» على بابها في الترتيب، والمُهْلَةِ. وقال ابن عباس، والربيع بن أنس: أما «خلقناكم» فآدم، وأما «صورناكم» فذرّيته في بُطُونِ الأمهات. وقال قتادة، وغيره: بل ذلك كله في بُطُونِ الأمهات من خَلْقٍ، وتصوير، {وثُمَّ} لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجُمَلِ في أنفسها. وقوله سبحانه: {فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ * قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تقدم الكلام على قَصَصِ الآية في «سورة البقرة». «وما» في قوله: {مَا مَنَعَكَ} استفهام على جِهَةِ التوبيخ والتقريع، و«لا» في قوله: {أَلاَّ تَسْجُدَ} قيل: هي زائدة، والمعنى: ما مَنَعَكَ أن تَسْجُدَ، وكذلك قال أبو حَيَّان: إنها زائدة، كهي في قوله تعالى: {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ} تفسير : [الحديد: 29]. قال: ويدلُّ على زيادتها سُقُوطها في قوله تعالى: { أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ } تفسير : [ص: 75] في «صۤ» انتهى. وجواب إبليس اللعين ليس بمُطابق لما سئل عنه، لكن [لما] جاء بِكَلاَمٍ يتضمن الجَوَابَ والحجة، فكأنه قال: منعني فَضْلِي عليه، إذ أنا خير منه، وظن إبليس أن النار أَفْضَلُ من الطين، وليس كذلك بل هما في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ من حيث إنهما جَمَادٌ مخلوق، ولما ظن إبليس أن صُعُودَ النار، وَخِفَّتَهَا يقتضي فَضْلاً على سُكُونِ الطين وبلادته، قَاسَ أن ما خُلِقَ منها أَفْضَلُ مما خُلِقَ من الطين، فأخطأ قياسه، وذهب عليه أن الروح الذي نُفِخَ في آدم ليس من الطِّين. وقال الطبري: ذهب عليه ما في النَّارِ من الطَّيْشِ، والخِفَّةِ، والاضطراب، وفي الطين من الوَقَارِ، والأَنَاةِ والحِلْمِ، والتثبت وروي عن الحسن، وابن سيرين أنهما قالا: أول مَنْ قَاسَ إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالقِيَاس، وهذا القَوْلُ منهما ليس هو بإنكار للقياس. وإنما خُرِّجَ كلامهما نَهْياً عما كان في زمانهما من مَقَايِيسِ الخَوَارِجِ وغيرهم، فأراد حمل الناس على الجَادَّةِ. وقوله سبحانه: {فَٱهْبِطْ مِنْهَا} الآية: يظهر منه أنه أهبط أولاً، وأخرج من الجَنَّةِ، وصار في السماء، لأن الأخبار تَظَاَهَرَتْ أنه أغوى آدم وحواء من خارج الجَنَّة، ثم أُمِرَ آخراً بالهُبُوطِ من السماء مع آدم، وحواء، والحية. وقوله: {إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ} حكم عليه بضدِّ معصيته التي عصى بها، وهي الكبرياء، فعوقب بالحمل عليه، بخلاف شهوته، وأمله والصَّغَارُ: الذل قاله السدي. ومعنى: {أَنظِرْنِي} أخِّرْنِي فَأَعْطَاهُ اللَّه النَّظِرَةَ إلى النفخة الأولى. قاله أكثر الناس وهو الأصح والأشهر في الشَّرْع. وقوله: {فَبِمَا} يريد به القَسَمَ، كقوله في الآية الأخرى: { أية : فَبِعِزَّتِكَ } تفسير : [ص: 82] و{أَغْوَيْتَنِي} قال الجمهور: معناه: أضللتني من الغيِّ، وعلى هذا المعنى قال محمد بن كَعْبٍ القرظي: قاتل اللَّه القدرية لإِبْلِيسُ أعلم باللَّه منهم، يُرِيدُ في أنه علم أن اللَّه يَهْدِي وَيضل. وقوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ} المعنى: لاعترضنَّ لهم في طَريق شرعك، وعبادتك، ومنهج النجاة، فَلأَصُدَّنهم عنه. ومنه قوله عليه السلام: « حديث : إن الشيطان قَعَدَ لابن آدَمَ بأطرُقِهِ نَهَاهُ عن الإِسْلاَمِ، وقال: تَتْرُكُ دِينَ آبائك، فَعَصَاهُ فأسلم، فنهاه عن الهِجْرَةِ فقال: تَدَعُ أَهْلَكَ وَبَلَدَك، فعصاه فهاجر، فنهاه عن الجِهَاد، فقال: تُقْتَلُ وتترك وَلَدَكَ، فَعَصَاهُ فجاهد فله الجَنَّة... » تفسير : الحديث. وقوله سبحانه: {ثُمَّ لأَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ * قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أجْمَعِينَ} مقصد الآية أن إبليس أَخْبَرَ عن نفسه أنه يأتي إِضْلاَلَ بني آدم من كُلِّ جهة، فعبر عن ذلك بأَلْفَاظٍ تقتضي الإِحَاطَةَ بهم، وفي اللفظ تَجَوُّزٌ، وهذا قَوْلُ جَمَاعَةٍ من المفسرين. قال الفخر: وقوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} أي: على صِرَاطِكَ. أجمع النحاة على تقدير «على» في هذا الموضع. انتهى. وقوله: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ} أخبر اللعين أن سَعَايَتَهُ تفعل ذلك ظَنًّا منه، وتوسُّماً في خِلْقَةِ آدم حين رأى خِلْقَتَهُ من أشياء مختلفة، فعلم أنه سَتَكُونُ لهم شِيَمٌ تقتضي طَاعَتَهُ، كالغِلِّ، والحَسَدِ، والشهوات، ونحو ذلك. قال ابن عباس، وقتادة: إلا أن إبليس لم يَقُلْ: إنه يأتي بني آدم من فَوْقِهِمْ، ولا جعل اللَّه له سبيلاً إلى أن يَحُولَ بينهم وبين رحمة اللَّه وعفوه ومَنِّهِ، وما ظنه إبليس صدقه اللَّه عز وجل. ومنه قوله سبحانه: { أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [سبأ: 20] فجعل أكثر العَالَم كَفَرَةً، ويُبَيِّنُهُ قوله صلى الله عليه وسلم في الصَّحيح: "حديث : يَقُولُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: يا آدَمُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، فيقول: يا رَبِّ وَمَا بَعْثُ النَّارِ، فيقول: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعمَائةً وتِسْعَةً وتَسْعِينَ إلى النَّارِ، وواحداً إلى الجَنَّةَ " تفسير : ونحوه مما يخصُّ أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما أنتم في الأمم إلا كالشَّعرة البَيْضَاءِ في الثور الأَسْوَدِ » تفسير : و{شَٰكِرِينَ} معناه: مُؤْمنين؛ لأن ابن آدم لا يَشْكُرُ نعمة اللَّه إلا بأن يُؤمن. قاله ابن عباس وغيره. وقوله سبحانه: {ٱخْرَجَ مِنْهَا} أي: من الجنة {مَذْءُوماً} أي مَعِيباً {مَّدْحُوراً}؛ أي مقصيًّا مبعداً. {لَّمَن تَبِعَكَ} بفتح اللام هي لام قَسَم. وقال أبو حيان: الظاهر أنها المُوَطِّئة لِلْقَسَمِ، و«من» شرطية في موضع رَفَعٍ بالابتداء، وحذف جواب الشرط لدلالة جَوَابِ القَسَم عليه، ويجوز أن تكون لام ابتداء، و«من» موصولة في مَوْضَعِ رَفْعٍ بالابتداء، والقَسَمُ المحذوف، وجوابه، وهو «لأملأن» في موضع خبرها. انتهى. وقال الفَخْر: وقيل: {مَذْءُوماً}، أي: محقوراً؛ فالمَذْؤومُ المحتقر. قاله الليث. وقال ابن الأنباري: المَذْؤُومُ المذموم. وقال الفَرّاءُ: أَذْأَمْتُهُ إِذا عَيَّبْتُهُ. انتهى. وباقي الآية بَيِّنٌ. اللهم إنا نَعُوذُ بك من جَهْدِ البَلاَءِ، وسوء القَضَاءِ، ودَرك الشَّقَاء، وشَمَاتَة الأعداء.
ابن عادل
تفسير : لما ذكر كَثْرَةَ نِعَمِ اللَّهِ على العبد أتْبَعَهُ بذكر أنَّهُ خلف أبَانَا [آدم] وجعله مسجود الملائكة، والإنعامُ على الأبِ يَجْرِي مجرى الإنعام على الابن. واختلف النَّاسُ في "ثُمَّ" في هذين الموضعين: فمنهم مَنْ لم يَلْتَزِم [فيها] ترتيباً، وجعلها بمنزلة "الواوِ" فإنَّ خلقنا وتصويرنا بعد قوله تعالى للملائكة "اسْجُدُوا". ومنهم من قال: هي للتَّرْتِيبِ لا في الزمان بل للترتيب في الإخبار ولا طائل في هذا. ومنهم من قال: هي للتَّرْتِيب الزَّمَانيِّ، وهذا هو موضوعها الأصْلِيُّ. ومنهم من قال: الأولى للتَّرتيب الزَّمانيِّ والثَّانيةُ للتَّرتيبِ الإخْباريِّ. واختلفت عِبارةُ القائلين بأنَّها للتَّرْتِيب في الموضعين فقال بعضهم: أنَّ ذلك على حذف مضافين، والتقديرُ: ولقد خلقنا آباءَكُم ثم صوَّرْنَا آباءَكم ثم قلنا، ويعني بأبينا آدم - عليه الصلاة والسلام - وإنَّما خاطبه بصيغة الجمع وهو واحد تعظيماً له، ولأنه أصلُ الجميع، والتَّرتيب أيضاً واضح. وقال مجاهدٌ: المعنى خلقناكم في ظَهْرِ آدم ثم صوَّرناكم حين أخذنا عليكم الميثاق. رواه عنه أبُو جريج وابْنُ أبِي نَجِيحٍ. قال النَّحَّاسُ: وهذا أحْسَنُ الأقْوَالِ يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم ثُمَّ صوَّرَهُم حين أخذ عليهم الميثاقَ، ثمَّ كان السُّجُود [بعد ذلك] ويُقَوِّي هذا قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [الأعراف: 172]. وفي الحديث أنَّهُ أخرجهم أمثال الذَّرِّ، فأخذ عليهم الميثاق. وقال بعضهم: المُخَاطبُ بَنُو آدم، والمرادُ بهم أبوهم وهذا من باب الخطاب لشَخْصٍ، والمُرَادُ به غيره كقوله: {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ}تفسير : [البقرة: 49]، وإنَّما المُنَجَّى والذي كان يُسَامُ سُوءَ العذاب أسلافهم. وهذا مستفيضٌ في لسانهم. وأنشدوا على ذلك: [الطويل] شعر : 2409 - إذَا افْتَخَرَتْ يَوْماً تَمِيمٌ بِقَوْسِهَا وَزَادَتْ عَلَى مَا وطَّدَتْ مِنْ مَنَاقِبِ فأنْتُمْ بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُمْ عُرُوشَ الَّذِينَ اسْتَرهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ تفسير : وهذه الوَقْعَةُ إنَّما كانت في أسلافهم. والترَّتيبُ أيضاً واضح على هذا. ومن قال: إن الأولى للتَّرتيب الزَّماني، والثَّانية للتَّرْتيب الإخْبَارِيِّ اختلفت عباراتهم أيضاً. فقال بعضهم: المرادُ بالخطابِ الأوَّلِ آدمُ، وبالثَّاني ذريَّتُهُ، والترتيب الزَّمانيُّ واضح و "ثُمَّ" الثَّانية للتَّرْتِيب الإخباريِّ. وقال بعضهم: ولقد خلقناكم في ظهر آدم ثُمَّ صوَّرناكم في بُطُونِ أمهاتكم. وقال بعضهم: [ولقد خلقنا] أرواحكم ثم صوَّرْنَا أجسامكم، وهذا غَرِيبٌ نقله القَاضِي أبو عليٍّ في "المعتمد". وقال بعضهم: خلقناكم نُطَفاً في أصلابِ الرِّجال، ثُمَّ صوَّرْناكم في أرحام النِّساءِ. وقال بعضهم: ولقد خلقناكم في بطون أمَّهاتكم وصوَّرناكُم فيها بعد الخلق بِشَقِّ السَّمع والبصرِ، فـ "ثمَّ" الأولى للتَّرتيب الزَّمانيِّ، والثانية للترتيب الإخباري أي: ثم أخبركم أنا قلنا للملائكة. وقيل: إنَّ "ثُمَّ" الثانية بمعنى "الواو" [أي] وقلنا للملائكة فلا تكون للتَّرتيب. وقيل: فيه تقديمٌ وتأخير تقديرُهُ: ولقد خلقناكم يعني آدم، ثمَّ قلنا للملائكة اسجُدُوا، ثمّ صوَّرنَاكم. وقال بعضهم: إنَّ الخلق في اللُّغَة عبارة عن التقدير، وتقدير اللَّه عبارة عن علمه بالأشياء ومشيئته بتخصيص كلِّ شيءٍ بمقداره المعيِّنِ، فقوله "خَلَقْنَاكُم" إشارة إلى حكم الله، وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم. وقوله "صَوَّرْنَاكُم" إشارة إلى أنَّهُ تعالى [أثبت في اللَّوْحِ المحفوظ صورة كل كائن يحدث] إلى يوم القيامة، فخلق الله تعالى عبارة عن حكمه ومشيئته، والتَّصوير عبارة عن إثْبَاتِ صورة الأشياء في اللَّوحِ المحفوظ. ثم بعد هذين الأمرين أحدث الله تعالى آدم، وأمر الملائكة بالسُّجود. قال ابن الخطيب: وهذا التَّأوِيلُ عندي أقْرَبُ من سائر الوُجُوهِ. وقد تقدَّم الكلامُ في هذا السُّجود، واختلاف الناس فيه في سورة البقرة. قوله: "إلاَّ إبليسَ" تقدَّم الكلامُ عليه في البقرة. وكان الحسن يقول: إبليسُ لم يكن من الملائكةِ؛ لأنه خُلقَ من نارٍ والملائكة من نور لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون، و [هو ليس كذلك فقد عصى إبليس واستكبر، والملائكةُ ليسوا من الجنِّ وإبليسُ من الجنِّ، والملائكة رسُلُ اللَّهِ، وإبليسُ ليس كذلك، وإبليسُ أوَّلُ خليقة الجنِّ وأبوهم كما أنَّ آدمَ أوَّلُ خليقة الإنس وأبُوهم، وإبليسُ له ذُرِيَّةٌ والملائكة لا ذُرِّيَّةَ لهم. قال الحسنُ: ولمَّا كان إبليس مأموراً مع الملائكة استثناه اللَّهُ وكان اسم إبليسَ شيئاً آخر فلما عَصَى اللَّهَ سمَّاهُ بذلك، وكان مؤمناً عابداً في السَّمَاءِ حتَّى عصى الله؛ فأهبط إلى الأرض]. قوله: "لَمْ يَكُنْ" هذه الجملة استئنافِيَّةٌ؛ لأنها جوابُ سؤال مقدَّرٍ، وهذا كما تقدَّم في قوله في البقرة "أبَى"، وتقدَّم أنَّ الوقف على إبليس. وقيل: فائدة هذه الجُمْلَة التَّوكيد لما أخرجه الاستثناء من نفي سجود إبليس. وقال أبُو البقاءِ: إنَّهَا في محلِّ نصب على الحال أي: إلاَّ إبليس حال كونه ممتنعاً من السُّجُودِ، وهذا كما تقدَّم له في البقرة من أن "أبَى" في موضع نصب على الحال.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} قال: خلقوا في أصلاب الرجال، وصوروا في أرحام النساء. وأخرج الفريابي عق ابن عباس في الآية قال: خلقوا في ظهر آدم، ثم صوروا في الأرحام. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في الآية عن ابن عباس قال: أما قوله {خلقناكم} فآدم {ثم صورناكم} فذريته. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ولقد خلقناكم} قال: آدم {ثم صورناكم} قال: في ظهر آدم . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} قال: خلق الله آدم من طين، ثم صوركم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق علقة، ثم مضغة، ثم عظاماً، ثم كسى العظام لحماً . وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن الكلبي {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} قال: خلق الإِنسان في الرحم، ثم صوره فشق سمعه وبصره وأصابعه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الآية: 11]. قال بعضهم: أبدع الله الهياكل وأظهرها على أخلاق شتى وصور مختلفة، وجعل لكل شىء منها عيشًا فعيش القلوب فى الشهود، وعيش النفوس فى الوجود، وعيش العبد معبوده، وعيش الخواص الإخلاص. وعيش الآخرة: العلم، وعيش الدنيا: الجهل والعمارة والاغترار بها. قوله تعالى: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} [الآية: 11]. قال أبو حفص: عرَّف الملائكة استغناءه عن عبادتهم فقال: {ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} ولو كان سجودهم يزن عنده مثقال ذرة لما أمرهم بذلك ولصرف وجوههم إلى آدم، فإن سجود الملائكة وجميع خلقه لا يزيد فى ملكه، لأنه عزيز قبل أن يخلقهم وعزيز بعد أن يفنيهم وعزيز حين يبعثهم وله العزة جميعًا. وقال بعضهم: قوله لإبليس أمر تكليف وقوله {ٱخْرُجْ مِنْهَا} أمر إهانة، ولولا ذلك لامتنع منها كما امتنع من السجود، وكان سجود الملائكة لآدم تحية له وطاعة لهم.
القشيري
تفسير : ثَبَّتْنَاكم على النعت الذي أردناكم، وأقمناكم في الشواهد التي اخترنا لكم؛ فمِنْ قبيح صورته خَلْقاً ومن مليح، ومن سقيم حالته خُلُقاً، ومن صحيح. ثم إنا نعرفكم سابِق آيادينا إلى أبيكم، ثم لاحِقَ خلافه بما بقي عِرْقٌ منه فيكم، ثم ما علمنا به (من مكان يحسدكم) ويعاديكم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} اى خلقنا اباءكم آدم طينا غير مصور بصورته المخصوصة ثم صورناه عبر عن خلق نفس آدم وتصويره بخلق الكل وتصويرهم تنزيلا لخلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويرهم من حيث ان المقصود من خلقه وتصويره تعمير الارض باولاده فكان خلقه بمنزلة خلق اولاده فالاسناد فى ضمير الجمع مجازى {ثم قلنا للملائكة} كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص {اسجدوا لآدم} سجدة تحية وتكريم لان السجود الشرعى وهو وضع الجبهة على قصد العبادة انما هو لله تعالى حقيقة {فسجدوا} اى الملائكة بعد الامر من غير تلعثم {الا ابليس} اى لكن ابليس {لم يكن من الساجدين} اى ممن سجد لآدم والا فهو كان ساجدا لله تعالى.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد خلقناكم} أي: خلقنا أباكم آدم طينًا غير مصور، {ثم صوّرناكم} أي: صوّرنا خلقة أبيكم آدم. نزَّل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره؛ لأنه المادة الأصلية، أي: ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه، {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} تعظيمًا له، حيث وجد فيه ما لم يوجد فيهم، واختبارًا له ليظهر من يخضع ممن لم يخضع، {فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} لآدم. {قال} له الحق تبارك وتعالى: {ما منعك ألا تسجد} أي: تسجد، فلا: زائدة، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه، ومنبهة على أن الموبَّخ عليه ترك السجود، وقيل: الممنوع من الشيء كالمضطر إلى خلافه، فكأنه قال: ما اضطرك إلى ترك السجود {إذ أمرتك}. وفيه دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور، فأجاب بقوله: {قال أنا خيرٌ منه}، أي: المانع لي من السجود هو كوني أنا خير منه، ولا يحسُنُ للفاضل أن يسجد للمفضول، فكيف يحسُن أن يؤمر به، فإبليس هو الذي سنَّ التكبر، وقال بالتحسين والتقبيح العقليين أولاً، وبهذا الاعتراض كفر إبليس؛ إذ ليس كفره كفر جحود. ثم بيَّن وجه الأفضلية، فقال: {خلقتني من نار وخلقته من طين}، فاعتقد أن النار خيرٌ من الطين، وقد غلط في ذلك، فإن الأفضلية إنما تظهر باعتبار النتائج والثمرات، لا باعتبار العنصر والمادة فقط، ولا شك أن الطين ينشأ منه ما لا يحصى من الخيرات؛ كالثمار والحبوب وأنواع الفواكه. قال البيضاوي: رأى الفضل كله باعتبار العنصر، وغفل عما يكون باعتبار الفاعل، كما أشار إليه بقوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ }تفسير : [صَ:75] أي: بغير واسطة، وباعتبار الصورة، كما نبه عليه بقوله تعالى: {ونفخت فيه من روحي} وباعتبار الغاية، وهو ملاكه، ولذلك أمر الملائكة بالسجود له؛ لما تبين لهم أنه أعلم منهم، وأنه له خواصًا ليست لغيره. هـ. ولما تبين عناده قال له تعالى: {فاهبط منها} أي: من السماء أو من الجنة، {فما يكونُ لك} أي: فما يصح لك {أن تتكبَّر فيها} وتعصى؛ فإنها موطن الخاشع المطيع، وفيه دليل على أن الكبر لا يليق بأهل الجنة، فإنه تعالى إنما أنزله وأهبطه؛ لتكبره لا لمجرد عصيانه، {فاخرج إنك من الصاغرين} أي: ممن أهانه الله لتكبره. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَن تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ الله، ومَن تَكَبَّر وَضَعَه الله ". تفسير : ولما تحقق إبليس أنه مطرود، سأل الإمهال فقال: {أنظرني} أي: أخرني، {إلى يوم يُبعثون} فلا تمتني، ولا تعجل عقوبتي، {قال إنك من المنظرين}؛ يقتضي أنه أجابه إلى ما سأل، لكنه محمول على ما في الآية الأخرى: {أية : إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ }تفسير : [الحِجر:38]؛ وهو نفخ الصور النخة الأولى، {قال فبِمَا أغويتني} أي: بعد أن أمهلتني لأجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني، بسبب إغوائك إياي، والله {لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم}، وهو الطريق الذي يوصلهم إليك، فأقعد فيه، وأردهم عنه، {ثم لآتينّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم}؛ فآتيهم من الجهات الأربع، وذلك عبارة عن تسلطه على بني آدم كيفما أمكنه. قال ابن عباس: {من بين أيديهم}: الدنيا يُزيّنها لهم، {ومن خلفهم}: الآخرة يُنسيها لهم، {وعن أيمانهم}: الحسنات يُثبطهم عنها، {وعن شمائلهم}: السيئات يُزينها في أعينهم. هـ. ولم يجعل له سبيلاً من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم؛ لأن الرحمة تنزل من أعلى، فلم يحل بينهم وبينها، والإتيان من تحت موحش، وأيضًا: السفليات محل للتواضع والخشوع، فتكثر فيه الأنوار فيحترق بها. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: ( لإنَّ فوق: التوحيد، وتحت: الإسلام، ولا يمكن أن يأتي من توحيد ولا إسلام). ثم قال تعالى: {ولا تجدُ أكثرَهم شاكرين}؛ مطيعين، قال بعض الصوفية: ( لو كان ثم مقام أعظم من الشكر لذكره إبليس)؛ فالشكر أعظم المقامات، وهو الطريق المستقيم الذي قعد عليه إبليس، والشكر: هو ألا يُعصى الله بنعمه، أو: صرف الجوارح كلها في طاعة الله، أو رؤية المنعم في النعمة، وإنما قال إبليس ذلك؛ ظنًا لقوله: { أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ }تفسير : [سَبَأ:20]، وسيأتي في الإشارة حقيقته. {قال} تعالى لإبليس: {اخرج منها}؛ من السماء أو الجنة، {مذءومًا} أي: مذمومًا، من ذامه، أي: ذمه، {مدحورًا} أي: مطرودًا. والله {لمن تَبِعَكَ منهم} في الكفر {لأملانَّ جهنم منكم أجمعين} أي: منك وممن تبعك. تنبيه: ذكر الفخر الرازي، في تفسيره، عن الشهرستاني أن إبليس جرت بينه وبين الملائكة مناظرة بعد الأمر بالسجود لآدم، فقال لهم: إني أسلم أن الله خالقي وموجدي، وهو موجد الخلق، ولكن لي على حكمته أسئلة: الأول: ما الحكمة في إيجاد خلقه، لا سيما وكان عالمًا بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ما الفائدة في التكليف، مع أنه لا يعود عليه نفع ولا ضرر، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غيره واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بطاعته ومعرفته، فلماذا كلفني بالسجود لآدم؟ الرابع: لما عصيته فلمَ لعنني وأوجب عقابي، مع أنه لا فائدة له ولا لغيره منه، وفيه أعظم الضرر؟ الخامس: لما فعل ذلك فلِمَ مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوسة آدم؟ السادس: ثم لما فعل ذلك، فلم سلطني على أولاده. ومكنني من إغوائهم وإظلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته بالمدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني، ومعلوم أن العالم لو كان خاليًا من الشر لكان ذلك خيرًا. هـ. قال شارح الأناجيل: فأوحى الله إليه من سرادقات الكبرياء: إنك ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض عليَّ في شيء من أفعالي، فأنا الله لا إله إلا أنا لا أُسألُ عما أفعل. قال الشهرستاني: اعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون، وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات تخلصًا، أما إذا أجبنا بما أجاب به الحق ـ سبحانه ـ زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات. هـ. قلت: من تشمرت فكرته بنور المعرفة، وعرف أسرار الحكمة والقدرة، لم يصعب عليه مثل هذه الشبهات، وسأذكر الجواب عنها على سبيل الاختصار: أما الحكمة في أيجاد خلقه؛ فخلقهم ليعرف بهم. وفي الحديث القدسي: " حديث : كنت كنزًا لم أعرف، فأحببت أن أعرف، فخلقت خلقًا لأعرف بهم "تفسير : ، وليظهر بهم آثار قدرته وأسرار حكمته. وأما تعذيب الكافر بالآلام فليظهر فيه مقتضى اسمه المنتقم. أما فائدة التكليف؛ فلتقوم الحجة على العبيد، وليتميز من يستحق الإحسان ممن يستحق العذاب، فإذا عذبه لم يكن ظالمًا له؛ {أية : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } تفسير : [الكهف:49]، ولتظهر صورة العدل في الجملة. وأما تكليفه بالسجود لآدم؛ فلأنه ادعى المحبة، ومقتضاها الطاعة للحبيب في كل ما يشير إليه، ولا تصعب إلا في الخضوع للجنس، أو مَن دونه، فأمره بالسجود لمن دُونه في زعمه؛ ليظهر كذبه في دعوى محبته، وأما لعنه وطرده؛ فهو جزاء من كذب وعصى. وهذا الطرد كان في علمه تعالى، ولكن حكمته تعالى اقتضت ترتيب الأسباب وارتباطها بالمسببات، فكان امتناعه واعتراضه سببًا لإظهار ما سبق له في علم الله، كما كانت وسوسته لآدم سببًا في إظهار خروجه من الجنة السابق في علم الله. وأما تمكينه من دخول الجنة؛ فليتسبب عنه هبوط آدم الذي سبق في علمه؛ لأن الحكمة اقتضت أن لكل شيء سببًا. أما تسلطه على أولاده، فليكون منديلاً تمسح به أوساخ الأقدار؛ إذا إن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان إنما هو بمشيئة الواحد القهار، ولا فعل لغيره، لكن الحق تعالى علمنا الأدب، فخلق الشيطان والنفس والهوى مناديل، فما كان فيه كمال نسبه لله، وما كان فيه نقص نسبه للشيطان والنفس؛ أدبًا مع الحضرة. وأما إمهاله؛ فليدوم هذا المنديل عندهم، يمسحون فيه أوساخ المقادير التي تجري عليهم إلى انقضاء وجودهم. وقوله: ( معلوم أن العالم لو كان خاليًا من الشر لكان ذلك خيرًا)، مغالطة؛ لأن حكمته تعالى اقتضت وجود الضدين: الخير الشر، وبهما وقع التجلي والظهور؛ ليظهر آثار أسمائه تعالى؛ فإن اسمه المنتقم والقهار يقتضي وجود الشر، فيما نفهم، وليظهر انتقامه وبطشه للعيان، ومعلوم أن الملك إذا وصف بوصف جلالي أو جمالي لا يظهر شرف ذلك الاسم إلا بظهور آثاره في مملكته. وقوله: ( إنك ما عرفتني...) الخ.. يقتضي أنه لو عرف الله حق معرفته لفهم أسرار هذه الأشياء التي اعترض بها على ما بيناها. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأكوان ظاهرها أغيار، وباطنها أنوار وأسرار، فمن وقف مع ظاهرها لزمه الاعتراض والإنكار، ومن نفذ إلى شهود باطنها لزمه المعرفة والإقرار، ولعل إبليس لم يرَ ـ في حال الأمر بالسجود ـ من آدم إلا الأغيار، ولو رأى باطنه لكان أول ساجد لله الواحد القهار. ثم ذكر دخول آدم الجنة وخروجه منها، فقال: {وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لخلقه بأنه خلقهم. والخلق هو احداث الشيء على تقدير تقتضيه الحكمة، لا زيادة على ما تقتضيه، فيخرج الى الاسراف، ولا ناقص عنه فيخرج الى الاقتار. وقد استوفينا اختلاف الصور، والصورة بنية مقومة على هيئة ظاهرة. وقوله {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} فالسجود هو وضع الجبهة على الارض واصله الانخفاض من قول الشاعر: شعر : ترى الا كم فيها سجدا للحوافر تفسير : وقيل فى معنى السجود لآدم قولان: احدهما - انه كان تكرمة لآدم وعبادة لله، لان عبادة غير الله قبيحة لا يأمر الله بها. وعند اصحابنا كان ذلك دلالة على تفضيل آدم على الملائكة على ما بينا في سورة البقرة. وقال أبو علي الجبائي: امروا ان يجعلوه قبله، وأنكر ذلك بكر بن أحمد بن علي الاخشاد بأن قال: هو تكرمة. لأن الله تعالى امتن به على عباده، وذكرهم بالنعمة فيه. فان قيل كيف قال {ثم قلنا للملائكة} مع أن القول للملائكة كان قبل خلقنا وتصويرنا؟ قلنا عن ذلك ثلاثة أجوبة: احدها - قال الحسن وابو علي الجبائي: المراد به خلقنا اياكم ثم صورنا اياكم. ثم قلنا للملائكة، وهذا كما يذكر المخاطب ويراد به أسلافه، وذكرنا لذلك نظائر فيما مضى، منها قوله {أية : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور}تفسير : أي ميثاق اسلافكم. قال الزجاج المعنى ابتدائا خلقكم بأن خلقنا آدم، ثم صورناه، ثم قلنا. الثاني - قال ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والضحاك والسدي: ان المعنى خلقنا آدم ثم صورناكم في ظهره. ثم قلنا للملائكة. الثالث - خلقناكم ثم صورناكم ثم إِنا نخبركم أنا قلنا للملائكة، كم تقول: اني راحل ثم اني معجل. وقال الاخفش (ثم) ها هنا بمعنى الواو، كما قال {ثم الله شهيد على ما تعملون} ومثله قوله {أية : ثم كان من الذين آمنوا} تفسير : على قول بعض المتأخرين معناه وكان من الذين آمنوا، ومثله {أية : استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} تفسير : على بعض الاقوال معناه وتوبوا اليه، قال الزجاج هذا خطأ عند جميع النحويين. وقال الشاعر: شعر : سألت ربيعة من خيرها ابا ثم اما فقالوا لمه تفسير : معناه سألت اولا عن الاب ثم الام. وقال بعضهم: معناه خلقناكم في ظهور آبائكم ثم صورناكم في بطون امهاتكم. وقال قوم: في الآية تقديم وتأخير، وتقديره خلقناكم بمعنى خلقنا أباكم أي قدرناكم. ثم قلنا للملائكة اسجدوا. ثم صورناكم.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} تعداد للنّعم وقبح الكفران بها {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} يعنى خلقنا اباكم آدم (ع) بجمع ترابه الّذى هو بمنزلة النّطفة، ثمّ صوّرناه بعد اربعين صباحاً كذا قيل، او خلقناكم بالقاء نطفكم فى الارحام، ثم بعد مضىّ زمانٍ صوّرناكم بالصّورة الجسمانيّة من امتياز العين والانف واليد والرّجل والحسن والقبيح والقصير والطّويل وغير ذلك، وبالصّورة الرّوحانيّة من الاخلاق الحسنة والسّيّئة والسّعادة والشّقاوة، والى هذا أشير فى الخبر ولا ينافى ذلك قوله تعالى {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} فانّ ذرارى آدم (ع) بعد نزول اللّطيفة الآدميّة الى ارض البدن وهبوطها على صفا نفسها وهبوط حوّاء على مروتها اللّتين هما جهتا النّفس العليا والسّفلى، يصيرون مثل آدم ابى البشر ويؤمر البشر ويؤمر الملائكة الّذين هم موكّلون عليهم بالسّجود لتلك اللّطيفة، فيسجدون وينقادون لها غير ابليس الواهمة فانّه ما لم يكسر سورة كبريائه واستعلائه بالرّياضات الشّرعيّة والعبادات القالبيّة والقلبيّة لا يسلّم لآدم (ع) ولا ينقاد له، وشيطانى اسلم على يدى، اشارة الى ما ذكرنا {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} لم يقل لم يسجد اشارة الى انّ فطرته كانت فطرة العتوّ والاستكبار وانّه لم يكن من سنخ السّاجدين ولا يمكنه السّجود الاّ بتبديلها، ولذا ورد، انّه لم يكن من المأمورين بالسّجود وأدخل نفسه فى المأمورين.
اطفيش
تفسير : {ولَقَد خَلقْناكم ثمَّ صوَّرناكُم} أى خلقناكم فى آدم، ثم صورناكم فى بطون الأمهات، أو حكمنا بخلقكم ثم صورناكم فى البطون، أو صورناكم بمعنى أوجدناكم، وكل جسم يستلزم صورته، أو خلقنا آباءكم أولا، ثم صورناكم ثانيا، وبه قال ابن عباس وقتادة والضحاك والربيع بن أنس، وثم فى ذلك كله للترتيب والمهلة، أو خلقناكم فى البطون، أو صورناكم فيها فهى على أصلها من الترتيب والمهلة إذا أريد بالتصوير تصوير الأعضاء، وإلا فهى بمعنى الواو أو ترتيب الأخبار بلا مهلة. {ثم قُلْنا للملائِكة اسْجدُوا لآدَم} ثم هذه لترتيب الأخبار بلا مهلة، ويجوز أن يكون فى الموضعين لترتيب الأخبار مع مهلة معنوية، فإن التصوير بصور حسان، وتفضيل آدم على الملائكة بالإسجاد له، أمران عاليان علو شأن، أو خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصور، ثم صورناه فحذف المضاف من الأول، ولم يراع فى الثانى، ولو روعى لقيل ثم صورناه، أو جعل خلقه وتصويره خلقا وتصويرا لنا، لأنه مشتمل علينا، أو ابتدأنا خلقكم، ثم تصويركم بخلق آدم وتصويره، فثم على هذه الأوجه على أصلها من الترتيب والمهلة. وعن مجاهد: خلقناكم فى صلب آدم، ثم صورناكم أمثال الذر، وبعد ذلك أمر بالسجود، فثم على أصلها، وقال الأخفش: ثم فى هذه الآية بمعنى الواو، وقال عكرمة: خلقناكم فى ظهور الآباء، وصورناكم فى بطون الأمهات، فثم الأولى على أصلها والثانية بمعنى الواو، أو لترتيب الأخبار، وهذا السجود بمعنى التعظيم والتحية، وقيل: سجود حقيق لله كان إلى جهة آدم تعظيما له كالكعبة، وقيل: سجود حقيق لآدم كان بأمر الله، وأمر به جميع الملائكة، وقيل: بعضهم، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: بضم تاء الملائكة، ووجهها عندى التبعية لجيم اسجدوا، وأن السين كأنه غير فاصل لسكونه، كما قرأ بعض الحمد لله بكسر الدال تبعا للام، ومعنى التبعية هنا جعل الأول موافقا للثانى، وقيل وجهها نقل ضمة همزة اسجدوا إلى التاء، ويرده أنها همزة وصل لا تثبت فى الدرج فضلا عن أن تحرك وتنقل حركتها. {فسَجدُوا إلا إبليسَ} استثناء منقطع، فإن إبليس ليس ملك، ولكن قد أمر بالسجود، وقد زعم بعض أصحابنا أن من قال إبليس مَلكاً أشرك، وعن بعض أن الاستثناء متصل، والإلزام أنه لم يؤمر بالسجود، وأجيب بأنه أمر بغير اسجدوا المذكور، ووجه كونه متصلا أنه مَلَك عند هذا البعض، أو أنه مقدر الذكر قبل، فالأصل: وإذ قلنا للملائكة وإبليس، أو أنه كأنه منهم لكونه معمورا فيهم متعبدا بما تعبدوا فيه فشمله الأمر، ولو لم يكن فيهم فإنه من نار وهم من نور، وقيل: هو ملك من ملائكة تسمى الجن وقوله: {لم يَكُن مِنَ السَّاجِدينَ} تأكيد لعدم سجوده وزيادة ذم له.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} خلقنا آباءَكم طيناً غير مصور {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} صورنا آباءَكم، ولما حذف آباء عاد تعلق الخلق والتصوير إِلى الكاف في الموضعين، أَو نزل خلقه وتصويره خلقاً لنا وتصويراً لنا لأَنه مبتدأ لنا نتفرع عليه، وسبب لنا حتى أَنه يجوز أَن يراد ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم مترتبين بخلق آدم وتصويره، أَو المراد خلقنا آدم وتصويرنا بإِخراجنا كالذر يوم أَلست بربكم، أَو خلقنا لأَرواحكم وتصويرناكم كالذر، وقد ذكر التمكين فى الأَرض مع تأَخره عن الخلق والتصوير لأَنه نعمة بالذات فائضة، وخلقهم وتصويرهم نعمة بالواسطة وبالإِيذان بأَن كلا نعمة مستقلة، {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ} اخضعوا له بالسجود لى إِلى جهته كالسجود إِلى الكعبة لله لا لها، وثم لترتيب الزمان وتراخيه على ظاهرها لأَن خلقناكم وصورناكم بمعنى خلقنا آباءَكم وصورنا آباءَكم أَو أَرواحكم، أَو بمعنى تصويرنا كالذر، وبعد رجوعنا فيه أَمر الملائكة بالسجود، ويجوز أَن يكون المراد خلقناكم في أَزمنتكم نطفا وصورناكم فى البطون على ظاهره، فتكون ثم لترتيب الإِخبار لأَن أَمر السجود قبل أَزمنتنا وحكمته تعظيم شأن السجود وإِيذان أَنه أَتم نعمة لنا وأَكمل إِحساناً من خلقنا وتصويرنا، أَو ثم بمعنى الواو، وأَما ثم فى صورناكم فعلى ظاهرها من ترتيب الزمان وتراخيه، وناسبه أَيضاً أَن التصوير اَكمل نعمة من مجرد الخلق ولا حاجة إِلى جعلها بمعنى الواو، وإِن قلنا المعنى خلقنا أَرواحكم أَو نطفكم فى صلب الآباء أَو فى بطون الأُمهات ثم صورناكم فى البطون. ولا يصح ما قيل أَن الخطاب لآدم عليه السلام تعظيماً له، أو لأَنه يتولد منه الكثير لأَن القرآن لم ينزل على آدم، ولم يقل الله عز وجل قلنا لآدم لقد خلقناكم ثم صورناكم، والملائكة المأْمورون بالسجود لآدم الملائكة كلهم لعموم اللفظ بلا وجود دليل تخصيص، وقيل ملائكة الأَرض، وقيل إِبليس ومن معه، وهم قيل: نوع من الملائكة يتولدون، سموه ملائكة وجنا لاستثنائه من الجن، الأَصل فيه الاتصال، وقوله تعالى كان من الجن، ومن نفى ذلك جعله منقطعا أَو كالمتصل لنشأَته فى الملائكة وعبادة الله معهم، وأَكثر منهم، وقال إِنه من الجن تحقيقا ليس من الملائكة المعروفة ولا نوعا منهم يتوالد {فَسَجَدُوا} من الظهر إِلى العصر، أَو مائة سنة أَو خمسمائة سنة، أَول من سجد له جبريل عليه السلام ثم ميكائيل ثم إِسرافيل ثم عزرائيل ثم المقربون ثم سائر الملائكة عليهم السلام {إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} له، هذه الجملة مستأَنفة لتأكيد استثنائه من الساجدين، أَو حال مؤكدة، أَو جواب سؤال كأَنه قيل فما حاله فأَخبرنا الله أَنه لم يكن من الساجدين، وأَن الله عز وجل قال له: ما منعك من السجود لآدم، وأَنه أَجاب بأَنى خير منه. ومحط السؤال ما بعد قوله من الساجدين لأَن نفى سجوده معلوم من الاستثناءِ كما تقول: مَنْ زيد فتجاب بأَنه رجل صفته كذا، بذكر رجل تمهيدا بأَنك عالم بأَنه رجل ومسئولك عالم بأَنك عالم بأَنه رجل، والاستثناءِ يفيد نفى الحكم نصا عندى، وهو مذهب الشافعى، وقال أَبو حنيفة وأَصحابنا إِشارة أَو ضرورة، وعلى كل حال هو مؤكد بقوله لم يكن من الساجدين، والصحيح أَن الاستثناء بعد النفى صريح إِثبات وبعد الإِثبات صريح نفى، وقيل ذلك كله بطريق الإِشارة، وقيل بطريق المفهوم..
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } تذكير لنعمة أخرى، وتأخيره عن تذكير ما وقع (بعده) من نعمة التمكن في الأرض إما لأنها فائضة على المخاطبين بالذات وهذه بالواسطة، وإما للإيذان بأن كلا منهما نعمة مستقلة، والمراد خلق آدم عليه السلام وتصويره كما يقتضيه ظاهر العطف الآتي لكن لما كان مبدأ للمخاطبين جعل خلقه خلقاً لهم ونزل منزلته فالتجوز على هذا في ضمير الجمع بجعل آدم عليه السلام كجميع الخلق لتفرعهم عنه أو في الإسناد إذ أسند ما لآدم الذي هو الأصل والسبب إلى ما تفرع عنه وتسبب. وجعل بعضهم الكلام على تقدير المضاف، وذهب الإمام إلى أنه كناية عن خلق آدم عليه السلام، والمعنى خلقنا أباكم آدم عليه السلام طيناً غير مصور ثم صورناه أبدع تصوير وأحسن تقويم سار ذلك إليكم. وجوز أن يكون التجوز في الفعل، والمراد ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ثم صورناه، ويعود هذا إلى ابتداء خلق الجنس وابتداء خلق كل جنس بإجاد أول أفراده. فهو نظير قوله تعالى: { أية : خَلْقَ ٱلإِنْسَـٰنِ مِن طِينٍ } تفسير : [السجدة: 7]. وعلى هذين الوجهين يظهر وجه العطف بثم في قوله تعالى: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } وزعم الأخفش أن {ثُمَّ } هنا بمعنى الواو، وتعقبه الزجاج بأنه خطأ لا يجيزه الخليل وسيبويه ولا من يوثق بعلمه لأن ثم للشيء الذي يكون بعد المذكور قبله لا غيره، وإنما المعنى إنا ابتدأنا خلق آدم عليه السلام من تراب ثم صورناه أي هذا أصل خلقكم ثم بعد الفراغ من أصلكم قلنا الخ، وقيل: إن {ثُمَّ } لترتيب الأخبار لا للترتيب الزماني حتى يحتاج إلى توجيه، والمعنى خلقناكم يا بني آدم مضغاً غير مصورة ثم صورناكم بشق السمع والبصر وسائر الأعضاء كما روي عن يمان أو خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء كما روي عن عكرمة ثم نخبركم أنا قلنا للملائكة الخ وإلى هذا ذهب جماعة من النحويين منهم علي بن عيسى والقاضي أبو سعيد السيرافي وغيرهما، وقال الطيبي: يمكن أن تحمل {ثُمَّ } على التراخي في الرتبة لأن مقام الامتنان يقتضي أن يقال: إن كون أبيهم مسجوداً للملائكة أرفع درجة من خلقهم وتصويرهم. وفيه تلويح إلى شرف العلم وتنبيه للمخاطبين على تحصيل ما فاز به أبوهم من تلك الفضيلة، ومن ثم عقب في البقرة الأمر بالسجود مسألة التحدي بالعلم. وعن ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة والسدي أن المعنى خلقنا آدم عليه السلام ثم صورناكم في ظهره ثم قلنا الخ. وقد تقدم الكلام في المراد بالملائكة المأمورين بالسجود، وكذا الكلام في المراد بالسجود. / وذكر بعض المحققين أن الظاهر أن يقال: ثم أمرنا الملائكة بالسجود لآدم إلا أنه عدل عن ذلك لأن الأمر بالسجود كان قبل خلق آدم عليه السلام على ما نطق به قوله تعالى: { أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } تفسير : [الحجر: 29 و صۤ: 72] والواقع بعد تصويره إنما هو قوله سبحانه: {ٱسْجُدُواْ لأَِدَمَ } وذلك لتعيين وقت السجدة المأمور بها قبل، والحاصل أنه سبحانه أمرهم أولاً أمراً معلقاً ثم أمرهم ثانياً أمراً منجزاً مطابقاً للأمر السابق فلذا جعله حكاية له، وفي ذلك ما لا يخفى من الاعتناء بشأن آدم عليه السلام. {فَسَجَدُواْ } أي الملائكة عليهم السلام بعد القول من غير تلعثم كلهم أجمعون {إِلاَّ إِبْلِيسَ } استثناء متصل سواء قلنا: إن إبليس من الملائكة حقيقة أم لا، أما على الأول: فظاهر، وأما على الثاني: فلأنه لما كان جنياً مفرداً مغموراً بألوف من الملائكة متصفاً بغالب صفاتهم غلبوا عليه في {سَجَدُواْ } ثم استثنى استثناء واحد منهم. وقيل: منقطع بناء على أنه من الجن وأنهم ليسوا من جنس الملائكة ولا تغليب، والأول هو المختار. وذكر قوله تعالى: {لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } أي ممن سجد لآدم عليه السلام مع أنه علم من الاستثناء عدم السجود لأن المعلوم من الاستثناء عدم العموم لا عموم العدم، والمراد الثاني أي أنه لم يصدر منه السجود مطلقاً لا معهم ولا منفرداً. وهذا إنما يفيده التنصيص كذا قيل، ونظر فيه بأن التنصيص المذكور لا يفيد عموم الأحوال والأوقات فلا يتم ما ذكر، وتحقيق هذا المقام على ما ذكره المولى سري الدين أن يقال: إن القوم اختلفوا في أن الاستثناء من النفي إثبات أم لا، فقال الشافعي: نعم فيكون نقيض الحكم ثابتاً للمستثنى بطريق العبارة، ويوافقه ظاهر عبارة «الهداية». وذهب طائفة من الحنفية إلى أنه بطريق الإشارة. وذهب آخرون إلى أن المستثنى في حكم المسكوت عنه، وإنما يستفاد الحكم بطريق مفهوم المخالفة. واختار صاحب «البحر» أنه منطوق إشارة تارة وعبارة أخرى. وإذا تقرر هذا فيمكن أن يقال في الجواب: إن المقام لما كان مقام التسجيل على إبليس بعدم السجود والتشهير والتوبيخ بتلك القبيحة الهائلة كان خليقاً بالتصريح جديراً بالاحتياط لضعف التعويل على القرينة لائقاً بكمال الإيضاح والتقرير فعدل عن طريق الحذف، وإن كان الكلام دالاً على المحذوف إلى منهج الذكر والتصريح به، وهذا على رأي الشافعي ومن وافقه ظاهر وإليه أشار السراج الهندي في مباحث الاستثناء من «شرح المغني»، وأما على باقي المذاهب فالأمر أظهر لأن الحكم على المستثنى بنقيض حكم المستثنى منه إما بطريق الإشارة أو مفهوم المخالفة، وعلى كل فالمقام يأبى الاكتفاء بمثل ذلك ويقتضي التصريح بذكر الحكم. وادعى مولانا ابن الكمال أن هذه الجملة إنما جيء بها لانقطاع الاستثناء وأنه لو كان الاستثناء متصلاً يكون الاتيان بها ضائعاً لأن عدم كون إبليس من الساجدين يفهم من الاستثناء على تقدير اتصاله. ولا يخفى ما فيه على من أحاط علماً بما ذكرنا. واعترضه البعض أيضاً بأنه على تقدير الانقطاع يكون ذلك ضائعاً أيضاً بناء على ما ظنه فإن ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى غير مختص بالمتصل، ولذا لا نراهم يذكرون مع المستثنى المنقطع أيضاً نقيض حكم المستثنى منه إلا قليلاً، ولو تم ما ذكره لوجب ذكر الخبر مع كل منقطع فليفهم.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {أية : ولقد مكناكم في الأرض} تفسير : [الأعراف: 10] تذكيراً بنعمة إيجاد النّوع، وهي نعمة عناية، لأنّ الوجود أشرف من العدم، بقطع النّظر عما قد يعرض للموجود من الأكدار والمتاعب، وبنعمة تفضيله على النّوع بأنْ أمَر الملائكة بالسّجود لأصله، وأُدمج في هذا الامتنان تنبيهٌ وإيقاظ إلى عداوة الشّيطان لنوع الإنسان من القِدم، ليكون ذلك تمهيداً للتّحذير من وسوسه وتضليله، وإغراء بالإقلاع عمّا أوقع فيه النّاس من الشّرك والضّلالة، وهو غرض السورة، وذلك عند قوله تعالى: {أية : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} تفسير : [الأعراف: 27] ومَا تلاه من الآيات، فلذلك كان هذا بمنزلة الاستدلال وُسِّط في خلال الموعظة. والخطاب للنّاس كلّهم، والمقصود منه المشركون، لأنّهم الغرض في هذه السورة. وتأكيد الخبر باللاّم و(قد) للوجه الذي تقدّم في قوله: {ولقد خلقناكم}، وتعدية فعلي الخلق والتّصوير إلى ضمير المخاطبين، لما كان على معنى خلق النّوع الذي هم من أفراد تعيّن أن يكون المعنى: خلقنا أصلكم ثمّ صوّرناه، وهو آدم، كما أفصح عنه قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم}. والخلق الإيجاد وإبراز الشّيء إلى الوجود، وهذا الإطلاق هو المراد منه عند إسناده إلى الله تعالى أو وَصْف الله به. والتّصوير جعل الشّيء صورة، والصّورة الشّكل الذي يشكّل به الجسم كما يشكّل الطين بصورة نوع من الأنواع. وعطفت جملة {صورناكم} بحرف (ثمّ) الدّالة على تراخي رتبة التّصوير عن رتبة الخلق، لأنّ التّصوير حالة كمال في الخلق بأن كان الإنسان على الصورة الإنسانيّة المتقنة حسناً وشرفاً، بما فيها من مشاعر الإدراك والتّدبير، سواء كان التّصوير مقارناً للخلق كما في خلق آدم، أم كان بعد الخلق بمدّة، كما في تصوير الأجنّة من عظام ولحم وعصب وعروق ومشاعر، كقوله تعالى: {أية : فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً} تفسير : [المؤمنون: 14]. وتعدية فعلي (خلقنا) و(صوّرنا) إلى ضمير الخطاب ينتظم في سلك ما عاد إليه الضّمير قبله في قوله: {أية : ولقد مكناكم في الأرض} تفسير : [الأعراف: 10] الآية فالخطاب للنّاس كلّهم توطئة لقوله فيما يأتي: {أية : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} تفسير : [الأعراف: 27] والمقصود بالخصوص منه المشركون لأنّهم الذين سوّل لهم الشّيطان كفران هذه النّعم لقوله تعالى عقب ذلك: {أية : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا} تفسير : [الأعراف: 28] وقوله فيما تقدّم: {أية : اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون} تفسير : [الأعراف: 3]. وأمّا تعلُّق فعلي الخلق والتّصوير بضمير المخاطبين فمراد منه أصل نوعهم الأوّل وهو آدم بقرينة تعقيبه بقوله: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فنُزل خلق أصل نوعهم منزلةَ خلق أفراد النّوع الذين منهم المخاطبون لأنّ المقصود التّذكير بنعمة الإيجاد ليشكروا موجدهم ونظيره قوله تعالى: {أية : إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية}تفسير : [الحاقة: 11] أي حملنا أصولكم وهم الذين كانوا مع نوح وتناسل منهم النّاس بعد الطّوفان، لأنّ المقصود الامتنان على المخاطبين بإنجاء أصولهم الذين تناسلوا منهم، ويجوز أن يؤول فعلا الخلق والتّصوير بمعنى إرادة حصول ذلك، كقوله تعالى: حكاية عن كلام الملائكة مع إبراهيم: {أية : فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين}تفسير : [الذاريات: 35] أي أردنا إخراج من كان فيها، فإن هذا الكلام وقع قبل أمر لوط ومَن آمن به بالخروج من القرية. ودلّ قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} على أنّ المخلوق والمصوّر هو آدم، ومعنى الكلام خلقنا أصلكم وصوّرناه فبرز موجوداً معيَّناً مسمّى بآدم، فإنّ التّسمية طريق لتعيين المسمّى، ثمّ أظهرنا فضله وبديع صنعنا فيه فقلنا للملائكة اسجدوا له فوقع إيجاز بديع في نسج الكلام. و(ثُمّ) في قوله: {ثم قال للملائكة اسجدوا لآدم} عاطفةٌ الجملةَ على الجملة فهي مقيّدة للتّراخي الرّتبي لا للتّراخي الزّماني وذلك أنّ مضمون الجملة المعطوفة هنا أرقى رتبة من مضمون الجملة المعطوف عليها. وقوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم}، تقدّم تفسيره، وبيانُ ما تقدّم أمَر الله الملائكةَ بالسّجود لآدم، من ظهور فضل ما علمه الله من الأسماء ما لم يَعلِّمه الملائكة، عند قوله تعالى: {أية : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس} تفسير : في سورة البقرة (34). وتعريف {الملائكة} للجنس فلا يلزم أن يكون الأمر عاماً لجميع الملائكة، بل يجوز أن يكون المأمورون هم الملائكة، الذين كانوا في المكان الذي خُلق فيه آدم، ونقل ذلك عن ابن عبّاس، ويحتمل الاستغراق لجميع الملائكة. وطريق أمرهم جميعاً وسجودِهم جميعاً لآدم لا يعلمه إلاّ الله، لأنّ طرق علمهم بمراد الله عنهم في العالم العلوي لا تقاس على المألوف في عالم الأرض. واعلم أن أمر الله الملائكة بالسّجود لآدم لا يقتضي أن يكون آدمُ قد خلق في العالم الذي فيه الملائكة بل ذلك محتمل، ويحتمل أنّ الله لمّا خلق آدم حشر الملائكة، وأطلعهم على هذا الخلق العجيب، فإنّ الملائكة ينتقلون من مكان إلى مكان فالآية ليست نصّاً في أنّ آدم خلق في السّماوات ولا أنّه في الجنّة التي هي دار الثّواب والعقاب، وإن كان ظاهرها يقتضي ذلك، وبهذا الظاهر أخذ جمهور أهل السنّة، وتقدّم ذلك في سورة البقرة. واستثناء إبليس من الساجدين في قوله: {إلا إبليس} يدلّ على أنّه كان في عداد الملائكة لأنّه كان مختلطا بهم. وقال السكاكي في «المفتاح» عُدّ إبليس من الملائكة بحكم التّغليب. وجملة: {لم يكن من الساجدين} حال من (إبليس)، وهي حال مؤكدة لمضمون عاملها وهو ما دلّت عليه أداة الاستثناء، لما فيها من معنى: أستثنِي، لأنّ الاستثناء يقتضي ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنَى، وهو عين مدلول: لم يكن من الساجدين فكانت الحال تأكيداً. وفي اختيار الاخبار عن نفي سجوده بجعْلِه من غير السّاجدين: إشارة إلى أنّه انتفى عنه السّجود انتفاء شديداً لأنّ قولك لم يكن فلان من المهتدين يفيد من النّفي أشدّ ممّا يفيده قولك لم يكن مُهتدياً كما في قوله تعالى:{أية : قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين}تفسير : في سورة الأنعام (56). ففِي الآية إشارة إلى أنّ الله تعالى خلق في نفس إبليس جبلة تدفعه إلى العصيان عندما لا يوافق الأمر هواه، وجعل له هوىً ورأياً، فكانت جبلته مخالفة لجبلة الملائكة. وإنّما استمرّ في عِداد الملائكة لأنّه لم يَحدث من الأمر ما يخالف هواه، فلمّا حدث الأمرُ بالسّجود ظَهر خُلق العصيان الكامِنُ فيه، فكان قوله تعالى: {لم يكن من الساجدين} إشارة إلى أنّه لم يقدّر له أن يكون من الطائفة السّاجدين، أي انتفى سجوده انتفاء لارجاء في حصوله بعدُ، وقد عُلِم أنّه أبى السّجود إباء وذلك تمهيداً لحكاية السّؤال والجواب في قوله: {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} ابتداء المحاورة، لأنّ ترك إبليس السّجود لآدم بمنزلة جواب عن قول الله: {أسجدوا لآدم}، فكان بحيث يتوجّه إليه استفسار عن سبب تركه السّجود، وضمير: {قال} عائد إلى معلوم من المقام أي قال اللَّهُ تعالى بقرينة قوله: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا}، وكان مقتضى الظاهر أن يقال: قُلنا، فكان العدول إلى ضمير الغائب التفاتاً، نكتته تحويل مقام الكلام، إذ كان المقامُ مقام أمرٍ للملائكة ومن في زمرتهم فصار مقام توبيخ لإبليس خاصة. و{مَا} للاستفهام، وهو استفهام ظاهره حقيقي، ومشوب بتوبيخ، والمقصود من الاستفهام إظهار مقصد إبليس للملائكة. و{منعك} معناه صدّك وكفّك عن السجود فكان مقتضى الظاهر أن يقال: ما منعك أن تسجد لأنّه إنّما كفّ عن السّجود لا عن نفي السجود فقد قال تعالى في الآية الأخرى:{أية : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي} تفسير : [ص: 75]، فلذلك كان ذكر (لا) هنا على خلاف مقتضى الظاهر، فقيل هي مزيدة للتّأكيد، ولا تفيد نفياً، لأنّ الحرف المزيد للتّأكيد لا يفيد معنى غيرَ التّأكيد. و(لاَ) من جملة الحروف التي يؤكّد بها الكلام كما في قوله تعالى: {أية : لا أقسم بهذا البلد} تفسير : [البلد: 1] ــــ وقوله ــــ {أية : لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله} تفسير : [الحديد: 29] أي ليعلم أهل الكتاب علماً محقّقاً. وقوله تعالى: {أية : وحرام على قرية أهلكناها أنّهم لا يرجعون}تفسير : [الأنبياء: 95] أي ممنوع أنّهم يرجعون منعاً محقّقاً، وهذا تأويل الكسائي، والفراء، والزّجاج، والزّمخشري، وفي توجيه معنى التّأكيد إلى الفعل مع كوننِ السّجود غير واقععٍ فلا ينبغي تأكيده خفاءٌ لأنّ التّوكيد تحقيق حصول الفعل المؤكّد، فلا ينبغي التّعويل على هذا التّأويل. وقيل (لا) نافية، ووجودها يؤذن بفعل مقدر دلّ عليه {منعك} لأنّ المانع من شيء يدعو لضدّه، فكأنّه قيل: ما منعك أن تسجد فدعاك إلى أن لا تسجد، فإمّا أن يكون {منعك} مستعملاً في معنى دعَاك، على سبيل المجاز، و(لا) هي قرينة المجاز، وهذا تأويل السكاكي في «المفتاح» في فصل المجاز اللّغوي، وقريبٌ منه لعبد الجبّار فيما نقله الفخر عنه، وهو أحسن تأويلاً، وإمّا أن يكون قد أريد الفعلان، فذُكر أحدهما وحذف الآخر، وأشير إلى المحذوف بمتعلّقه الصّالح له فيكون من إيجاز الحذف، وهو اختيار الطّبري ومن تبعه. وانظر ما قلتُه عند قوله تعالى: {أية : قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعني} تفسير : في سورة طه (92، 93). وقوله: {إذ أمرتك} ظرف لــــ {تسجد}، وتعليق ضميره بالأمر يقتضي أن أمر الملائكة شامل له، إمّا لأنّه صنف من الملائكة، فخلق الله إبليس أصلاً للجنّ ليجعل منه صنفاً مُتَمِّيزاً عن بقيّة الملائكة بقبوله للمعصية، وهذا هو ظاهر القرآن، وإليه ذهب كثير من الفقهاء، وقد قال الله تعالى: {أية : إلا إبليس كانَ من الجنّ} تفسير : [الكهف: 50] الآية، وإما لأنّ الجنّ نوع آخر من المجردات، وإبليس أصل ذلك النّوع، جعله الله في عداد الملائكة، فكان أمرهم شاملاً له بناء على أن الملائكة خلقوا من النّور وأنّ الجنّ خلقوا من النّار، وفي «صحيح مسلم»، عن عائشة رضي الله عنها: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خلقت الملائكة من نور وخُلق الجان من مارج من نار» تفسير : وإلى هذا ذهب المعتزله وبعض الأشاعرة، وقد يكون المراد من النّار نوراً مخلوطاً بالمادة، ويكون المراد بالنّور نوراً مجرداً، فيكون الجنّ نوعاً من جنس الملائكة أحطّ، كما كان الإنسان نوعاً من جنس الحيوان أرقى. وفُصِل: {قال أنا خير منه} لوقوعه على طريقة المحاورات. وبَيّن مانعه من السّجود بأنّه رأى نفسه خيراً من آدم، فلم يمتثل لأمر الله تعالى إياه بالسّجود لآدم، وهذا معصية صريحة، وقوله: {أنا خير منه} مسوق مساق التّعليل للامتناع ولذلك حذف منه اللام. وجملة: {خلقتني من نار} بيان لجملة: {أنا خير منه} فلذلك فصلت، لأنّها بمنزلة عطف البيان من المبيّن. وحصَل لإبليس العلم بكونه مخلوقاً من نار، بإخبار من الملائكة الذين شهدوا خلقَه، أو بإخبار من الله تعالى. وكونه مخلوقاً من النّار ثابت قال تعالى: {أية : خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار} تفسير : [الرحمٰن: 14، 15] وإبليس من جنس الجنّ قال تعالى في سورة الكهف (50): {أية : فسجدوا إلا إبليس كان من الجنّ ففسق عن أمر ربّه}.تفسير : واستند في تفضيل نفسه إلى فضيلة العنصر الذي خلق منه على العنصر الذي خلق منه آدم. والنّار هي الحرارة البالغة لشدّتها الالتهاب الكائنة في الأجسام المصهورة بأصل الخلقة، كالنّار التي في الشّمس، وإذا بلغت الحرارة الالتهام عرضت النّارية للجسم من معدن أو نبات أو تراب مثل النّار الباقية في الرّماد. والنار أفضل من التّراب لقوّة تأثيرها وتسلّطها على الأجسام التي تلاقيها، ولأنّها تضيء، ولأنّها زكيّة لا تلصق بها الأقذار، والتّراب لا يشاركها في ذلك وقد اشتركا في أن كليهما تتكوّن منه الأجسام الحيّة كلّها. وأمّا النّور الذي خُلق منه الملَكُ فهو أخلَص من الشّعاع الذي يبيّن من النّار مجرّدا عن ما في النّار من الأخلاط الجثمانيّه. والطّينُ التّراب المختلط بالماء، والماءُ عنصر آخر تتوقّف عليه الحياة الحيوانيّة مع النّار والتّراب، وظاهر القرآن في آيات هذه القصة كلّها أنّ شرف النّار على التّراب مقرّر، وأنّ إبليس أُوخذ بعصيان أمر الله عصياناً باتّاً، والله تعالى لمّا أمر الملائكه بالسّجود لآدم قد عَلِم استحقاق آدمَ ذلك بما أوْدع الله فيه من القوّة التي قد تبلغ به إلى مبلغ الملائكة في الزّكاء والتّقديس، فأمّا إبليس فغرّه زكاء عنصره وذلك ليس كافياً في التّفضيل وحده، ما لم يَكن كِيَانُه من ذلك العنصر مهيّئاً إياه لبلوغ الكمالات، لأنّ العبرة بكيفيّة التّركيب، واعتبار خصائص المادة المركّب منها بعد التّركيب، بحسب مقصد الخالق عند التّركيب، ولا عبرة بحالة المادة المجرّدة، فاللَّه تعالى ركب إبليس من عنصر النّار على هيئة تجعله يستخدم آثار القوّة العنصريّة في الفساد والاندفاع إليه بالطّبع دون نظر، بحسب خصائص المادة المركّب هو منها، وركّب آدم من عنصر التّراب على هيئة تجعله يستخدم آثار القوّة العنصريّة في الخبر والصّلاح والاندفاع إلى ازدياد الكمال بمحض الاختيار والنّظر، بحسب ما تسمح به خصائص المادّة المركّب هو منها، وكلّ ذلك منوط بحكمة الخالق للتّركيب، وركّب الملائكة من عنصر النّور على هيئة تجعلهم يستخدمون قواهم العنصرية في الخيرات المحضة، والاندفاع إلى ذلك بالطّبع دون اختيار ولا نظر، بحسب خصايص عنصرهم، ولذلك كان بلوغ الإنسان إلى الفضائل الملكيّة أعلى وأعجب، وكان مبلغه إلى الرّذائل الشّيطانيّة أحطّ وأسهل، ومن أجل ذلك خوطب بالتّكليف. ولأجل هذا المعنى أمر الله الملائكة بالسّجود لآدم أصل النّوع البشري لأنّه سجود اعتراف لله تعالى بمظهر قدرته العظيمة، وأمر إبليس بالسّجود له كذلك، فأمّا الملائكة فامتثلوا أمر الله ولم يعلموا حكمته، وانتظروا البيان، كما حكى عنهم بقوله: {أية : قالوا سبحانك لا عِلْم لنا إلا ما علمتنا إنّك أنت العليم الحكيم} تفسير : [البقرة: 32] فجاءهم البيان مجملاً بقوله: {أية : إنّي أعلَمُ ما لا تعلمون} تفسير : [البقرة: 30] ثمّ مفصّلا بقصّة قوله: {أية : ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} تفسير : [البقرة: 31] ــــ إلى قوله ــــ {أية : وما كنتم تكتمون} تفسير : في سورة البقرة (33). وقد عاقبه الله على عصيانه بإخراجه من المكان الذي كان فيه في اعتلاء وهو السّماء، وأحل الملائكة فيه، وجعله مكاناً مقدّساً فاضِلاً على الأرض فإنّ ذلك كلّه بجعل آلهي بإفاضة الأنوار وملازمة الملائكة، فقال له: {فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها}. والتّعبير بالهبوط إمّا حقيقة إن كان المكان عالياً، وإمّا استعارة للبعد عن المكان المشرّف، بتشبيه البُعد عنه بالنّزول من مكان مرتفع وقد تقدّم ذلك في سورة البقرة. والفاء في جملة: {فاهبط} لترتيب الأمر بالهبوط على جواب إبليس، فهو من عطف كلام متكلّم على كلام متكلّم آخر، لأنّ الكلامين بمنزلة الكلام الواحد في مقام المحاورة، كالعطف الذي في قوله تعالى: {أية : قال إنّي جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي} تفسير : [البقرة: 124]. والفاء دالة على أن أمره بالهبوط مسبّب عن جوابه. وضمير المؤنّث المجرور بمن في قوله: {منها} عائد على المعلوم بين المتكلّم والمخاطب، وتأنيثه إمّا رعي لمعناه بتأويل البقعة، أو للفظ السّماء لأنّها مكان الملائكة، وقد تكرّر في القرآن ذكر هذا الضّمير بالتّأنيث. وقوله: {فما يكون لك أن تتكبر فيها} الفاء للسّببيّة والتّفريع تعليلاً للأمر بالهبوط، وهو عقوبة خاصه عقوبةَ إبعاد عن المكان المقدّس، لأنّه قد صار خُلُقُه غير ملائم لمّا جعل الله ذلك المكان له، وذلك خُلقُ التّكبر لأنّ المكان كان مكاناً مقدّساً فاضلاً لا يكون إلاّ مطهّراً من كلّ ما له وصف ينافيه وهذا مبدأ حاوله الحكماء الباحثون عن المدينة الفاضلة وقد قال مالك رحمه الله: لا تحْدِثوا بدعة في بلدنا. وهذه الآية أصل في ثبوت الحقّ لأهل المحلّة أن يخرجوا من محلّتهم من يخشى من سيرته فشّو الفساد بينهم. ودلّ قوله: {ما يكون لك} على أنّ ذلك الوصف لا يغتفر منه، لأنّ النّفي بصيغة (ما يكون لك) كذا أشدّ من النّفي بــــ (ليس لك كذا) كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب} تفسير : الآية في آل عمران (79)، وهو يستلزم هنا نهيا لأنّه نفاه عنه مع وقوعه، وعليه فتقييد نفي التّكبّر عنه بالكون في السّماء لوقوعه علّة للعقوبة الخاصة وهي عقوبة الطّرد من السّماء، فلا دلالة لذلك القيد على أنّه يكون له أن يتكبّر في غيرها، وكيف وقد علم أنّ التّكبّر معصية لا تليق بأهل العالم العلويّ. وقوله: {فاخرج} تأكيد لجملة {فاهبط} بمرادفها، وأُعيدت الفاء مع الجملة الثّانية لزيادة تأكيد تسبّب الكبر في إخراجه من الجنّة. وجملة: {إنك من الصاغرين} يجوز أن تكون مستأنفة استينافاً بيانياً، إذا كان المراد من الخبر الإخبار عن تكوين الصّغار فيه بجعل الله تعالى إياه صاغراً حقيراً حيثما حلّ، ففصلها عن التي قبلها للاستيناف، ويجوز أن تكون واقعة موقع التّعليل للإخراج على طريقة استعمال (إنّ) في مثل هذا المقام استعمال فاء التّعليل، فهذا إذا كان المراد من الخبر إظهار ما فيه من الصّغار والحقارة التي غَفَل عنها فذهبت به الغفلة عنها إلى التّكبّر. وقوله: {إنك من الصاغرين} أشدّ في إثبات الصّغار له من نحو: إنّك صَاغر، أوْ قد صَغُرت، كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : قد ضللتُ إذا وما أنا من المهتدين} تفسير : في سورة الأنعام (56)، وقوله آنفاً: {لم يكن من الساجدين}. والصّاغر المتّصف بالصّغار وهو الذلّ والحقارة، وإنّما يكون له الصّغار عند الله لأنّ جبلته صارت على غير ما يرضي الله، وهو صغار الغواية، ولذلك قال بعد هذا: {أية : فبما أغويتني} تفسير : [الأعراف: 16].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: خلقناكم ثم صورناكم: أي خلقنا أباكم آدم أي قدرناه من الطين ثم صورناه على الصورة البشرية الكريمة التي ورثها بنوه من بعده إلى نهاية الوجود الإِنساني. فسجدوا: أي سجود تحية لآدم عليه السلام. إبليس: أبو الشياطين من الجن وكنيته أبو مرة، وهو الشيطان الرجيم. فاهبط منها: أي من الجنة. من الصاغرين: جمع صاغر الذليل المهان. فبما أغويتني: أي فبسبب إضلالك لي. مذموماً مدحوراً: ممقوتاً مذموماً مطروداً. معنى الآيات: ما زال السياق في تعداد أنعم الله تعالى على عباده تلك النعم الموجبة لشكره تعالى بالإِيمان به وطاعته فقال تعالى {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} أي خلقنا أباكم آدم من طين ثم صورناه بالصورة البشرية التي ورثها بنوه عنه، {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} وفي هذا إنعام آخر وهو تكريم أبيكم آدم بأمر الملائكة بالسجود له تحية له وتعظيما {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} أي أبى وامتنع أن يسجد، فسأله ربه تعالى قائلا: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} أي أي شيء جعلك لا تسجد فأجاب إبليس قائلا: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} فأنا أشرف منه فكيف أسجد له، ولم يكن إبليس مصيباً في هذه القياس الفاسد أولاً: ليست النار أشرف من الطين بل الطين أكثر نفعاً وأقل ضرراً، والنار كلها ضرر، وما فيها من نفع ليس بشيء إلى جانب الضرر وثانيا: إن الذي أمره بالسجود هو الرب الذي تجب طاعته سواء كان المسجود له فاضلاً أو مفضولاً، وهنا أمره الرب تعالى أن يهبط من الجنة فقال {فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} أي الذليلين الحقيرين، ولما وقع إبليس في ورطته، وعرف سبب هلكته وهو عدم سجوده لآدم قال للرب تبارك وتعالى {أَنظِرْنِي} أي أمهلني لا تمتني {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} فأجابه الرب بقوله {أية : إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} تفسير : [الحجر: 38] وهو فناء هذه الدنيا فقط وذلك قبل البعث، جاء هذا الجواب في سورة الحجر وهنا قال {إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} ومراد إبليس في الإِمهال التمكن من إفساد أكبر عدد من بني آدم انتقاماً منهم إذ كان آدم هو السبب في طرده من الرحمة، ولما أجابه الرب إلى طلبه قال: {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} أي أضللتني {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} يريد آدم وذريته، والمراد من الصراط الإِسلام إذ هو الطريق المستقيم والموصل بالسالك له إلى رضوان الله تعالى {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} يريد يحيط بهم فيمنعهم سلوك الصراط المستقيم حتى لا ينجوا ويهلكوا كما هلك هو زاده الله هلاكاً، وقوله {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} هذا قول إبليس للرب تعالى، ولا تجد أكثر أولاد آدم الذي أضللتني بسببه شاكرين لك بالإِيمان والتوحيد والطاعات. وهنا أعاد الله أمره بطرد اللعين فقال {ٱخْرُجْ مِنْهَا} أي من الجنة {مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} أي ممقوتاً مطروداً {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} أي فبعزتي لأملأن جهنم منك وممن اتبعك منهم أجمعين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- خطر الكبر على الإِنسان. 2- ضرر القياس الفاسد. 3- خطر إبليس وذريته على بني آدم، والنجاة منهم بذكر الله تعالى وشكره. 4- الشكر هو الإِيمان والطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
القطان
تفسير : الخلق: التقدير خلق الله الخلق: أوجدهم من العدم. الهبوط: الانحدار اهبط منها: اخرج منها، كأنه انحدر من اعلى الى اسفل التكبر: الاستعلاء وتقدير الانسان نفسَه اكثر من اللازم الصغار: الذلة أنظرني أجّلني وأخّرجني أغوتني: حكمت عليَّ بالغواية وهي الضلال مذءوماً: مذموماً معيبا مدحورا: مطرودا. بعد ان ذكّر الله عباده في الآية السابقة بنعمة عليهم - بيّن هنا ان الله خلق النوع الانساني مستعدّاً للكمال، لكنه قد تَعرِض له وسوسة من الشيطان تحُول بينه وبين هذا الكمال الذي يبتغيه. الخطابُ لبني آدم جميعا.. لقد خلقنا مادة هذا النوع الانساني، وقدّرنا إيجاده، ثم صوّرناه على هذه الصورة الجميلة، ثم قلنا للملائكة اسجُدوا لآدمَ سجود تعظيم، فأطاعوا أمرنا وسجدوا له الا إبليس. لقد أبى واستكبر، وامتنع عن السجود ولما قال له الله تعالى منكراً عليه عصيانه: ما منعك من امتثال أمري، فرفضت ان تسجد لآدم مع الساجدين؟ اجاب ابليس في عنادٍ وكبر: أنا خيرٌ من آدم، لأنك خلقتَني من نار، وخلقتَه من طين. والنارُ أشرفُ من الطين. فجزاه الله على عناده وكيده بطرِده من دار كرامته، وقال له: اهبط منها بعد ان كنتَ في منزلة عالية. {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا}. اي ليس ينبغي لك ان تتكبر في هذا المكان المعَدَّ للكرامة والتعظيم، ثم تعصي ربك فيه {فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} اي المحكوم بالذلة والهوان. قال ابليس لله: " قال أنظِرْني إلى يوم يُبعثون" أي أمهلْني الى يوم القيامة، فأجابه الله تعالى بقوله: {إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} اي اني أجبتُك إلى ما طلبتَ، لما في ذلك من الحكمة التي انا بها عليم. {قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} اي أنني بسبب حكمك عليَّ بالغواية والضلال، أُقسم ان أقعد لأبناء آدم هذا على صراطك المستقيم، كي اصرفَهم عنه مُتّخِذاً في ذلك كل وسلة ممكنة. {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} أي من كل جهة أستطيعها، ملمساً كل غفلة او ضعف فيهم. حتى لا يكون اكثرُهم مؤمنين. {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} لنعمك عليهم. فزاده الله نِكايةً وقال له: اخرُج من دار كرامتي مذموما بِكِبرك وعصيانك وهالكاً مطرودا من الجنة. وأٌقسِم أن من تَبِعك من بني آدم لَيكَونن في جهنَّم معك. روى احمد وابو داود والنسائي من حديث ابن عمر قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعُ هؤلاء الدعوات: "حديث : اللهم اخفظني من بين يَديّ ومن خَلْفي، وعن يَمين وعن شِمالي ومِن فوقي، وأعوذُ بك ان أُغتال من تحتي ".
د. أسعد حومد
تفسير : {خَلَقْنَاكُمْ} {صَوَّرْنَاكُمْ} {لِلْمَلاۤئِكَةِ} {ٱلسَّاجِدِينَ} (11) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى النَّاسَ إِلَى شَرَفِ أَبِيهم آدَمَ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لَهُمْ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِأَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ صَوَّرَهُ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ المَلاَئِكَةَ بِالسُّجُودِ لآِدَمَ، تَكْرِيماً وَتَعْظِيماً، فَسَجَدُوا إِطَاعَةً لأَِمْرِ اللهِ، إِلاَّ إِبْلِيسَ فَإِنَّهُ رَفَضَ السُّجُودَ، وَتَمَرَّدَ عَلَى أَمْرِ رَبِّهِ.
الثعلبي
تفسير : {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} قال ابن عباس: خلقنا أصلكم وأباكم آدم {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} في أرحام أُمهاتكم قال قتادة والربيع والضّحاك والسدي: أمّا خلقناكم فآدم وأمّا صوّرناكم فذرّيّته. قال مجاهد: خلقنا آدم ثمّ صوّرناكم في ظهر آدم. وقال عكرمة: خلقناكم في أصلاب الرجال وصورناكم في أرحام النساء قال عطاء: خلقوا في ظهر آدم ثمّ صوروا في الأرحام. وقال يمان: خلق الإنسان في الرحم ثمّ صوّره ففتق سمعه وبصره وأصابعه، فإن قيل: ما وجه قوله {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} وإنّما خلقنا بعد ذلك وثمّ يوجب الترتيب والتراخي. كقول القائل: قمت ثمّ قعدت لا يكون القعود إلاّ بعد القيام. قلنا: قال قوم: على التقديم والتأخير، قال يونس: الخلق والتصوير واحد [......] إلينا، كما نقول: قد ضربناكم وإنّما ضربت سيّدهم، قال الأخفش: ثمّ بمعنى الواو ومجازه: قلنا، كقول الشاعر: شعر : سألت ربيعة من خيرها أباً ثم أُماً فقالت لمّه تفسير : أراد أباً وأُمّا. {فَسَجَدُوۤاْ} يعني الملائكة { إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} لآدم فقال الله لإبليس حين امتنع من السجود لآدم {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} قال بعضهم: لا زائدة [وإن صلة] تقدير الكلام: ما منعك السجود لآدم، لأن المنع يتعدّى إلى مفعولين قال الله عزّ وجلّ: {أية : وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأنبياء: 95]. قال الشاعر: شعر : ويلحينني في اللهو أن لا أحبه وللهو داع دائب غير غافل تفسير : أراد: أن أُحبُّة. وقال آخر: شعر : فما ألوم البيض أن لا تسخروا لما رأيتي الشمط القفندرا تفسير : وقال آخر: شعر : أبى جوده لا البخل واستعجلت به نعم الفتى لا يمنع الجود قاتله تفسير : أراد: أبى جوده البخل. سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الهيثم الجهني يحكي عن أحمد بن يحيى ثعلب قال: كان بعضهم يكره القالا، وتناول في المنع بمعنى القول، لأن القول والفعل يمنعان، وتقديره: من قال لك لا تسجد. قال بعضهم: معنى المنع الحول بين المرء وما يريد. والممنوع مضطر إلى خلاف ما منع منه فكأنّه قال: أي شيء اضطرّك إلى أن لا تسجد. {إِذْ أَمَرْتُكَ} قال إبليس مجيباً له {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} لأنّك {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} والنار خير وأفضل واصفى وأنور من الطين قال ابن عباس: أوّل مَنْ قاس إبليس. فأخطأ القياس فمَنْ قاس الدين بشيء من رأيه قرنه مع إبليس. وقال ابن سيرين: أوّل مَنْ [قاس] إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلاّ بالمقاييس. وقالت الحكماء: أخطأ عدو الله حين فضّل النار على الطين، لأن الطين أفضل من النار من وجوه: أحدها: إنّ من جوهر الطين الرزانة والسكون والوقار والاناة والحُلم والحياء والصبر، وذلك هو الداعي لآدم في السعادة التي [سبقت] له إلى التوبة والتواضع والتضرّع وأدرته المغفرة والاجتباء والهداية والتوبة ومن جوهر النار الخفّة والطيش والحدّة والارتفاع والاضطراب، وذلك الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سيقت له إلى الاستكبار والاصرار فأدركه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاق. والثاني: إنّ الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفريقها. والثالث: إن الخبر ناطق بأن تراب الجنّة مسك أذفر ولم ينطق الخبر بأن في الجنة ناراً وفي النار تراباً. والرابع: إن النار سبب العذاب وهي عذاب الله لإعدائه وليس التراب سبباً للعذاب. والخامس: إنّ الطين [يُسقى] من النار والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب. فقال الله له: {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا} أي من الجنّة، وقيل: من السماء إلى الأرض فألحقه بجزائر البحور وإنّما سلطانه وعظمته في خزائن البحور وعرشه في البحر الأخضر فلا يدخل في الأرض إلاّ لهبة السارق عليه أطمار تروع فيها [مَنْ يخرج] منها {فَمَا يَكُونُ لَكَ} فليس لك أن {أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} في الجنّة، وليس ينبغي أن يسكن الجنّة ولا السماء [متكبر] ولا بخلاف أمر الله عزّ وجلّ {فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} الأذلاء والصغر الذل والمهانة قال إبليس عند ذلك {قَالَ أَنظِرْنِي} أخرّني واجلني وأمهلني ولا تمتني {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} من قبورهم وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة، أراد الخبيث أن لا يذوق الموت، {قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} المؤخّرين. ثمّ بيّن مدّة النظر والمهلة في موضع آخر، فقال {أية : إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ} تفسير : [الحجر: 38] وهي النفخة الأولى حين ثبوت الخلق كلّهم {قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي}. اختلفوا في ما قال: فبعضهم قال: هو استفهام يعني فبأي شيء أغويتني ثمّ ابتدأ فقال {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ} فقيل: هو ما الجزاء يعني فإنّك أغويتني لأجل أنك أغويتني لأقعدن، وقيل: هو ما المصدر في موضع القسم تقديره: بإغوائك إياي لأقعدن كقوله {أية : بِمَا غَفَرَ لِي} تفسير : [يس: 27] يعني بغفران ربّي. وقوله أغويتني أضللتني عن الهدى. وقيل: أهلكتني، من قول العرب غوى الفصيل [يعني] غوي وذلك إذا فقد اللبن فمات. قال الشاعر: شعر : معطفة الأثناء ليس فصيلها برازئها دراً ولا ميّت غوى تفسير : وحكى عن بعض قبائل طي أنها تقول: أصبح فلان غاوياً أي مريضاً غاراً، وقال محمد بن جرير: أصل الإغواء في كلام العرب تزيين الرجل للرجل الشيء حتّى يحسنه عنده غاراً له. قال الثعلبي: وأخبرنا أبو بكر محمد بن محمد الحسين بن هاني قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن محمد [الراوساني] قال: حدثنا عليّ بن سلمة قال: حدثنا أبو معاوية الضرير عن رجل لم يسمّ قال: كنت [عند] طاووس في المسجد الحرام فجاء رجل ممّن يرمي القدر من كبار الفقهاء فجلس إليه فقال طاووس: [يقوم أو يقام] فقام الرجل فقال لطاووس: تقول هذا الرجل فقيه، فقال إبليس: أفقه منه بقول إبليس ربِ بما أغويتني ويقول: هذا أنا أغوي نفسي. {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } يعني لأجلسنّ [لبني آدم] على طريقك القويم وهو الإسلام كما قال أوعجلتم أمر ربّكم يعني عن أمر ربّكم. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه كان يقول: "حديث : إن الشيطان قعد لبني آدم بطرق فقعد له بطريق الإسلام فقال له: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك، فعصاه فأسلم ثمّ قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك فإنّما مثل المهاجر كالفرس في الطول. فعصاه وهاجر ثمّ قعد له بطريق الجهاد وهو جهد النفس والمال فقال: أتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال فعصا له وجاهد ". تفسير : وعن عون بن عبد الله {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} قال: طريق مكّة {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} الآية قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: (ثم لآتينّهم) من بين أيديهم يقول [أشككهم] في آخرتهم {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} [أن يُقيم في كتابهم] {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} اشتبه عليهم أمر دينهم {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} [أُشهّي] لهم المعاصي. روى عطيّة عن ابن عباس قال: أما بين أيديهم فمن قِبل دنياهم وأمّا من خلفهم [فإنّه] آخرتهم وأمّا من إيمانهم فمن قبل حسناتهم وأما عن شمائلهم فمن قبل سيئاتهم. وقال قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنّه لا يعذّب ولا جنّة ولا نار، ومن خلفهم من أمر الدنيا فزيّنها لهم ودعاهم إليها، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم يزين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، إياك يا بن آدم من كل وجه غير أنّه لم يأتك من فوقك لم يستطيع أن يحول بينك وبين رحمة الله. وقال الحكم والسدّي {لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}: يعني الدنيا أدعوهم إليها وأُرغبهم فيها وأُزينها لهم. {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} من قِبَل الآخرة أُشككهم و[أثبطهم] فيها. {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} من قبل الحق أصدهم عنه [أبتلكم] فيه، وعن شمائلهم من قِبل الباطل أُخففه عليهم وأُزينه لهم وأُرغبهم فيه. وقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون، قال ابن جريج: معنى قوله: من حيث يبصرون أي يخطئون حيث يعلمون أنّهم يخطئون وحيث لا يبصرون لا يعلمون أنهم يخطئون. وقال الكلبي: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من قِبل آخرتهم أخبرهم أنّه لا جنّة ولا نار ولا نشور. {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} من قِبل دنياهم فأمرهم بجمع الأموال لا يعطون لها حقّاً [وأُخوفهم الضيعة] على ذرّيتهم. {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} من قِبل دينهم [فأُبيّن] لكلّ قوم ما كانوا [يعبدون] وإن كانوا على هدى شبّهته عليهم حتّى أخرجتهم منه {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} من قِبل الشهوات واللذات فأُزيّنها لهم. وقال شقيق بن إبراهيم: ما من صباح إلاّ وقعد لي الشيطان على أربعة مراصد من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي، أما من بين يدي فأقول: لا تحزن فإنّ الله غفور رحيم، ويقول ذلك {أية : لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} تفسير : [طه: 82]. وأمّا من خلفي فتخوّفني الضيعة على عيالي ومحللي فأقول {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا } تفسير : [هود: 6]. وأما من قِبَل يميني فيأتيني من قبل [الثناء] فأقول والعاقبة للمتقين. وأمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات واللّذات فأقول {أية : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} تفسير : [سبأ: 54]. {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} قال الله عزّ وجلّ لإبليس {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} أي معيباً والذيم والذأم أشد العيب، وهو أبلغ من الذم، يقال: ذمّه يذمّه ذمّاً فهو مذموم [وذائمه يذائمه] ذأماً [فهو مذؤوم وذامه] بذمة ذيماً، مثل سار يسير، فهو مذيم والمدحور [المقصي] يقال: دَحَره يدحره دحراً إذا أبعده وطرده. قال ابن عباس: مذؤوم عنه {مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} يعني غير مطروداً إذ قال الربيع ومجاهد: مذؤوماً [ممقوتاً] وروى عطيّة: مذؤوماً مقوتاً، أبو العالية: مذؤوماً [مزرياً] به. وقال الكلبي: مذؤوماً ملوماً مدحوراً مقصياً من الجنّة ومن كل خير، وقال عطاء: مذؤوماً ملعوناً. وقال الكسائي: المذؤوم المقبوح. وقال النضير بن شميل: المذؤوم [المحبوس] وقال أبان عن ثعلب والمبرّد: المذؤوم المعيب. قال الأعشى: شعر : وقد قالت قبيلة إذ رأتني وإذ لا تعدم الحسناء ذأماً تفسير : وقال أُميّة بن أبي الصلب: شعر : قال لإبليس رب العباد أخرج [رجس الدنيا] مذؤماً تفسير : {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} من بني آدم {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ} منك ومن ذريتك وكفار ذرية آدم {أَجْمَعِينَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ومسألة الخلق سبق أن تقدمت في سورة البقرة: خلق آدم، والشيطان، والقضية تتوزع على سبع سور، في سبعة مواضع موجودة في سورة البقرة، وسورة الأعراف، وسورة الحج، وسورة الإسراء، وسورة الكهف، وسورة طه، وسورة ص، إلا أن القصة في في كل موضع لها لقطات متعددة، فهنا لقطة، وهناك لقطة ثانية، وتلك لقطة ثالثة، وهكذا؛ لأن هذه نعمة لابد أن يكررها الله؛ لتستقر في أذهان عباده، ولو أنه ذكرها مرة واحدة فقد تُنسى، لذلك يعيد الله التذكير بها أكثر من مرة. وإذا أراد الله استحضار النعم والتنبيه عليها في أشياء، فهو يكررها كما كررها في استحضار النعم في سورة واحدة في قوله سبحانه: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}. إنه يذكر هذه النعم من بدايتها، فيقول: {أية : خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ * وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 14-28] وكل نعمة يقول بعدها: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} وأراد سبحانه بذلك أن يكثر ويردد تكرارها على الآذان لتستقر في القلوب حتى في الآذان الصماء؛ فمرة يأتي بها في شيء ظاهره أنه ليس نعمة، مثل قوله: {أية : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 35-36] وجاء الحق بذكر كل ذلك؛ لأنه ساعة يجلي لنا الأمور على حقائقها ونحن في دار التكليف فهذه رحمة ونعمة منه علينا؛ لأن ذلك يدعونا إلى اتقاء المحظورات والبعد والتنحي عن المخالفات. ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد، فحين يدخل الابن إلى المدرسة نقول له: إن قصرت في كذا فسوف ترسب، وأنت بهذا القول ترحمه بالنصيحة، فلم تتركه دون أن تبصره بعواقب الأمور، وأيضا ساعة ترى شراً يحيق بالكافرين، فإن هذا الأمر يسرك، لأنه لو تساوى الكافرون مع المؤمنين لما كان للإيمان فضل أو ميزة، فالعذاب نقمة على الكافر، ونعمة على المقابل وهو المؤمن. وقد جاءت قصة خلق آدم بكل جوانبها في القرآن سبع مرات؛ لأنها قصة بدء الخلق، وهي التي تجيب عن السؤال الذي يبحث عن إجابته الإنسان؛ لأنه تلفت ليجد نفسه في كون معد له على أحسن ما يكون. ولم يجيء الكون من بعد الإنسان، بل طرأ الإنسان على الكون، وظل السؤال وارداً عن كيفية الخلق، والسؤال مهم أهمية وجود الإنسان في الكون، فأنت تستقرئ أجناساً في الكون، وكل جنس له مهمة، ومهمته متعلقة بك، جماد له مهمة، ونبات له مهمة، وحيوان له مهمة، وكلها تصب في خدمتك أنت؛ لأن الجماد ينفع النبات، ويتغذى منه لكي يغذي الحيوان، والحيوان ينفعك ويغذيك، إذن فكل الأجناس تصب في خدمتك. أمّا أنت أيها الإِنسان فما عملك في هذا الكون؟؛ لذلك كان لابد أن يتعرف الإِنسان على مهمته. وأراد الحق سبحانه أن يُعرِّف الإِنسان مهمته؛ لأنه جل وعلا هو الصانع،وحين يبحث الإِنسان عن صانعه تتجلى له قدرة الله في كل ما صنع. وكان لابد أيضاً أن يستقبل الإِنسان خبراً من الخالق. إنه- سبحانه- يُنزل لنا المنهج من السماء ويصاحب هذا المنهج معجزة على يد رسول، وأنزل الحق عليه المنهج وأوكل له مهمة البلاغ. فالرسول يخبر، ثم نستدل بالمعجزة على صدق خبره. فكان من اللازم أن نصدق الرسول، لأنه قادم بآية ومعجزة من الله. والرسول عليه الصلاة والسلام جاء بالرسالة في سن الأربعين ومعه المنهج المعجزة، وأبلغنا أنه رسول من الله. وكان لابد أن نبحث لنتثبت من صدق البلاغ عن الله بالتعقل في دعواه؛ فهذا الرسول جاء بعد أربعين سنة من ميلاده ومعه معجزة من جنس ما نبغ فيه قومه، وليس من جنس ما نبغ فيه هو، إن معجزته ليست من عنده، بل هي من عند الله؛ لأن الرسول جاء بالمعجزة بعد أربعين سنة من ميلاده، ومن غير المعقول أن تتفجر عبقرية بعد أربعين سنة من الميلاد؛ لأننا نعلم أن العبقريات تأتي في آخر العقد الثاني وأوائل العقد الثالث من عمر الإِنسان، ونلتفت فنجده يتكلم كل الكلام البلاغي المعجز. وليس من المعقول ان يأتي بأخبار الكون وهو الأمي الذي مات أبوه وهو في بطن أمه، ثم ماتت أمه وهو في السادسة، وكذلك مات جده. ورأى الناس يتساقطون من حوله، فمن الذي أدراه- إذن- انه سيمهل ويمد في أجله إلى أن يصل إلى الأربعين ليبلغنا بمعجزته؟. ولذلك نجد القرآن يستدل على هذه، فيقول: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} تفسير : [يونس: 15] وهكذا تتجلى الحجة القوية من أنه صلى الله عليه وسلم مكلف بالبلاغ بما يُوحَى إليه، ويتأكد ذلك مرة ثانية في قوله الحق: {أية : قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 16] وهنا نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تلقى الأمر من الله بأن يبيّن لهم: هل علمتم عني خلال عمري أني قلت شعراً أو حكمة أو جئتكم بمثل؟ إذن إن نحن عقلنا الأمر وتبصرنا وتأملنا دعواه لصدقنا أنه رسول الله، وأن المعجزة نزلت عليه من السماء. {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} [الأعراف: 11] وهكذا نرى أن مسألة الخلق والإِيجاد، كان يجب على العقل البشري أن يبحث فيها، ليعلم مهمته في الوجود. وحين يبحث فيها ليعلم مهمته في الوجود. يجب عليه أن يترك كل تخمين وظنٍ؛ لأن هذه المسألة لا يمكن أن تأتي فيها بمقدمات موجودة لتدلنا على كيفية خلقنا ولا لأي شيء ومهمة خلقنا! فكيفية الخلق كانت أمراً غيبيًّا وليس أمامنا ما نستقرئه لنصل إلى ذلك. وقد حكم الله في قضية الخلق، سواء أكان الأمر بالنسبة للسموات والأرض وما بينهما أم للإِنسان، وقد حكم سبحانه في هاتين القضيتين، ولا مصدر لعلم الأمر فيهما إلا من الله سبحانه، وأغلق باب الاجتهاد فيها، وكذلك باب التخمين، وسمى القائمين بكل بحث بشري في هذا المجال بأنهم ضالون مضللون، ولذلك قال ليحكم هذه القضية ويحسمها، ويريح العقول من أن تبحث فيها؛ قال: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51] فكأن الذي يقول: كيف خلقت السموات والأرض وكيف خلق الإِنسان هو مضل؛ لأن الله لم يشهده، ولم يكن القائل عضداً لله ولا سنداً ولا شريكا له. وقص سبحانه علينا قصة خلق السموات والأرض وخلق الإِنسان، وهذه الآية تتعرض لخلق الإِنسان. ومن يبحث بحثاً استقرائيّاً ويرجع إلى الوراء فلابد أن يجد أن الأمر منطقي؛ لأن العالم يتكاثر، وتكاثره أمر مرئي، وليس التكاثر في البشر فقط، بل فيمن يخدمون البشر من الأجناس الأخرى، نجد فيهم ظاهرة التكاثر نباتاً وحيواناً، وإذا ما نظرنا إلى التعداد من قرن وجدنا العدد يقل عن التعداد الحالي وهو خمسة آلاف مليون، وكلما عدنا ورجعنا إلى الزمن الماضي يقل التعداد إلى أن نصل إلى اثنين؛ لأن الخلق إنما يأتي من اثنين، وحلّ الله لنا اللغز فقال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا...} تفسير : [النساء: 1] وهذا كلام صحيح يثبته الإِحصاء وييقنه؛ لأن العالم يتكاثر مع مرور الزمن مستقبلا. {أية : وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً...} تفسير : [النساء: 1] وهذا كلام صادق. وسبحانه القائل: {أية : وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ...} تفسير : [الذاريات: 49] وأبلغنا سبحانه بقصة خلق آدم، وكيفية خلق حوّاء فهل أخذ جزءًا من آدم وخلق منه حوّاء؟ قد يصح ذلك، أو خلق منها زوجها ويكون المقصود به أنه خلقها من الجنس نفسه وبالطريقة نفسها؟ وذلك يصح أيضا، فسبحانه قد اكتفى بذكر خلق آدم عن ذكر خلق حوّاء، وأعطانا النموذج في واحد، وقال: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}. و{مِنْهَا} في هذه الآية يحتمل أن تكون غير تبعيضية، مثلها مثل قوله الحق: "رسول من أنفسكم". فسبحانه لم يأخذ قطعة من العرب وقال: إنها "محمد"، بل جعل محمدًّا صلى الله عليه وسلم من الجنس نفسه خلقاً وإيجاداً، وسبحانه حين يتكلم هنا يقول للملائكة: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً...} تفسير : [البقرة: 30] وهذا أول بلاغ، ثم اتبع ذلك: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 29] إذن فقبل النفخ في الروح ستوجد تسوية، فلمن تحدث التسوية، ومن هو "المسوّى منه"؟. إن التسوية لآدم. وجاء القول بأنه من صلصال، ومن حمأ مسنون، ومن تراب، ومن طين؛ إنّها مراحل متعددة، فإن قال سبحانه عن آدم: إنه تراب، نقول: نعم، وإن قال: "من ماء" نقول: نعم، وإن قال "من طين" فهذا قول حق؛ لأن الماء حين يختلط بالتراب يصير طيناً. وإن قال: {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}، فهذا جائز؛ لأن الحمأ طينٌ اختمر فتغيرت رائحته ثم جف وصار صلصالاً. إذن فهي مراحل متعددة للخلق، ثم قال الحق: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}. وهكذا تكتمل فصول الخلق، ثم قال: {فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}. ويقول العلماء: إن المراد من السجود هو الخضوع والتعظيم، وليس السجود كما نعرفه، وقال البعض الآخر: المراد بالسجود هو السجود الذي نعرفه، وأن آدم كان كالقبلة مثل الكعبة التي نتجه إليها عند الصلاة. ولكنْ لنا هنا ملاحظة، ونقول: إننا لا نسجد إلا الله، ومادام ربنا قد قال: اسجدوا فالسجود هنا هو امتثال لأمر خالق آدم. والنية إذن لم تكن عبادة لآدم، ولكنها طاعة لأمر الله الأول. والأمر بالسجود لآدم قد أراده الله؛ لأنه سبحانه سخر الكون كله لخدمة آدم، ومن الملائكة مدبرات أمر، ومنهم حفظة، ومنهم من هو بين يدي الله، فلم يكن السجود للملائكة خضوعاً من الملائكة لآدم، بل هو طاعة لأمر الله، ولذلك سجد من الملائكة الموكلون بالأرض وخدمة الإنسان، لكنْ الملائكة المقربون لا يدرون شيئاُ عن أمر آدم، ولذلك يقول الحق لإِبليس: {أية : ...أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص: 75} والمقصود بالعالين الملائكة الذين لم يشهدوا أمر السجود لآدم، فليس للملائكة العالين عمل مع آدم؛ لأن الأمر بالسجود قد صدر لمن لهم عمل مع آدم وذريته والذين يقول فيهم الحق سبحانه: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ...} تفسير : [الرعد: 11] وهناك الرقيب، والعتيد والقعيد. وفي كل ظاهرة من ظواهر الكون هناك ملك مخصوص بها، ويبلغنا الحق بمسألة الخلق، والخطاب لنا {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} وهذا ترتيب اخباري، وليس ترتيباً للأحداث. أو أن الحق سبحانه وتعالى طمر الخلق جميعاً في خلق آدم، والعلم الحديث يعطينا أيضاً مؤشرات على ذلك، حين يأتون ببذرة ويكتشفون فيها كل مقومات الثمرة، وكذلك الحيوان المنوي توجد فيه كل صفات الإنسان. ولذلك نجدهم حين يدرسون قانون الوراثة يقولون: إن حياة كل منا تتسلسل عن آخر، فأنت من ميكروب أبيك، وقد نزل من والدك وهو حي، ولو أنه نزل ميتاً لما اتصل الوجود. ووالدك جاء من ميكروب جده وهو حي، وعلى ذلك فكل مكائن الآن فيه كائن الآن فيه جزئ حي من لدن آدم، لم يطرأ عليه موت في أي حلقة من الحلقات. إذن فكلنا كنا مطمورين في جزيئات آدم، وقال ربنا سبحانه: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ...} تفسير : [الأعراف: 172] ونقول: صدق الحق فهو الخالق القادر على أن يخرجنا من ظهر آدم، وهكذا كان الخلق أولاً والتصوير أولاً، وكل ذلك في ترتيب طبيعي، وهو سبحانه له أمور يبديها ولا يبتديها، أي أنه سبحانه يظهرها فقط، فإذا خاطب آدم وخاطب ذريته فكأنه يخاطبنا جميعاً. {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} [الأعراف: 11] وعرفنا من هم الملائكة من قبل، وما هي علة السجود. {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ}. والحق سبحانه يستثنيه بأنه لم يكن من الساجدين. وهذا دليل على أنه دخل في الأمر بالسجود، ولكن هل إبليس من الملائكة؟ لا؛ لأنك إذا جئت في القرآن ووجدت نصَّا يدل بالالتزام، ونصَّا يدل بالمطابقة والقطع فاحمل نص الالتزام على النص المحكم الذي يقطع بالحكم. وقد قال الحق في ذلك: {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ...} تفسير : [الكهف: 50] وفي هذا إخراج لإبليس من جنس الملائكية، وتقرير أنه من الجن، والجن كالإنس مخلوق على الاختيار، يمكنه أن يعصي يمكنه أن يطبع أو أن يعصي، إذن فقوله الحق: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}. يعني أن هذا الفسوق أمر يجوز منه؛ لكن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وإن تساءل أحد: ولماذا جاء الحديث عن إبليس ضمن الحديث عن الملائكة؟. نقول: هب أن فرداً مختاراً من الإِنس أو من الجن التزم بمنهج الله كما يريده الله، فأطاع الله كما يجب ولم يعص.. أليست منزلته مثل الملك بل أكثر من الملك، لأنه يملك الاختيار. ولذلك كانوا يسمون إبليس طاووس الملائكة، أي الذي يزهو في محضر الملائكة لأنه ألزم نفسه بمنهج الله، وترك اختياره، وأخذ مرادات الله فنفذها، فصار لا يعصي الله ما أمره ويفعل ما يؤمر، وصار يزهو على الملائكة لأنهم مجبورون على الطاعة، لكنه كان صالحاً لأن يطيع، وصالحاً- أيضاً- لأن يعصي، ومع ذلك التزم، فأخذ منزلة متميزة من بين الملائكة، وبلغ من تميزه أنه يحضر حضور الملائكة. فلما حضر مع الملائكة جاء البلاغ الأول عن آدم في أثناء حضوره، وقال ربنا للملائكة: {ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ}. وكان أولى به أن يسارع بالامتثال للأمر الطاعة، لكنه استنكف ذلك. وهب أنه دون الملائكة ومادام قد جاء الأمر للأعلى منه وهم الملائكة، ألم يكن من الأجدر به وهو الأدنى أن يلتزم بالأمر؟ لكنه لم يفعل. ولأنه من الجن فقد غلبت عليه طبيعة الاختيار. ويقول الحق بعد ذلك: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} يعني: خلق آدم {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} [الآية: 11] يعني: في ظهر آدم عليه السلام. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الآية: 16]. قال: يعني الإِسلام الدين الحق. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً} يعني: منفياً {مَّدْحُوراً} [الآية: 18] يعني: مطروداً. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} يعني: من حيث يبصرون، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} [الآية: 17]. يعني: من حيث لا يبصرون.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} قال زيد بن علي عليهما السَّلامُ: خلقناكُم فِي أَصلابِ الرِّجالِ، وصوّرناكُمْ فِي أَرحامِ النِّساءِ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من عموم وجودنا أيضاً أنا {لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ} أي: قدرنا تعيناتكم وأظهرنا هوياتكم من كتم العدم {ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} أي: زيناكم بصورنا وخلقناكم بأخلاقنا {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ} المهيمين المستغرقين بمطالعة جمالنا: {ٱسْجُدُواْ} تذللوا، تواضعوا {لأَدَمَ} المصور على صورتنا تعظيماً لنا وتكريماً له؛ إذ هو مرآة مجلوة تحاكي جميع أوصافنا وأسمائنا، وترشدكم إلى وحدة ذاتنا، وبعدما شهدوا آثار جميع أوصافنا وأسمائنا منه {فَسَجَدُوۤاْ} جميعاً متذللين {إِلاَّ إِبْلِيسَ} الذي هو رأس جواسيس النفوس الخبيثة {لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} [الأعراف: 11] مع كونه من زمرتهم حين أرموا، ثم لما امتنع إبليس عن السجود. {قَالَ} سبحانه إظهاراً لما تحقق في علمه وكمن في غيبه من خبث طينة إبليس: {مَا مَنَعَكَ} يا أبليس {أَلاَّ تَسْجُدَ} لخليفتي {إِذْ أَمَرْتُكَ} مع رفقائك؟ {قَالَ} إبليس في الجواب بمقتضى هويته الباطلة وأهويته الفاسدة: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} وأفضل {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} منير {وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12] مظلم كدر، ولا يحسن تذلل الفاضل للمفضول. لما امتنع عن مقتضى الأمر الوجوبي، ولم يتفطن بسره الذي هو التوحيد الذاتي؛ إذ الأمر سجود المظهر الجامع والظل الكامل، أمر بالتوجه نحو الذات الأحدية والمعبود الحقيقي المتجلي عليه، طرده سبحانه عن ساحة عز حضوره حيث {قَالَ} مبعداً: {فَٱهْبِطْ} أيها المطرود الملعون {مِنْهَا} أي: من ساحة عز التوحيد المقتضية للتذلل التشخع، ورفض الالفتات إلى الغير والسوى مطلقاً {فَمَا يَكُونُ} يجوز ويصح {لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} بادعاء التفضل والتفوق المتقضي للإضافات الناشئة من أنانيتك الباطلة {فَٱخْرُجْ} منها مطروداً مخذولاً {إِنَّكَ} حيث كنتن وأين كنت {مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13] الذليلين المحرومين، بل أنت سبب صغار سائر الأذلاء. ثم لما آيس إبليس عن القوبل وحرم عن ساحة عز الحضور بسبب إبائه عن سجوده آدم، {قَالَ} منتقماً من آدم متضرعاً إلى ربه: {أَنظِرْنِي} أي: أمهلني يا ربي فيما بينهم لأضلهم وأغويهم {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الأعراف: 14]. {قَالَ} سبحانه إظهاراً للسر الذي أسلفناه في سورة البقرة: {إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} [الأعراف: 15] فيما بينهم ليتميز المحق منهم من المبطل والمهدي من الغوي. {قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} أي: فبسبب ما بعدتني وأطردتني لأجلهم {لأَقْعُدَنَّ} وألزمن البتة {لَهُمْ} لإغوائهم وإضلالهم {صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16] أي: على دينك وطريقتك الموصل لهم إلى توحيدك، أغويهم وأوسوسهم بأنواع الوسوسة بعضهمب بالفسق والظلم، وبعضهم بالرياء والسمعة، وبعضهم بالمخائل الفاسدة من اللذات الوهمية والخيالية، وبالجملة: أوسوسهم وأخرجهم بأنواع الحيل عن جادة توحيدك. {ثُمَّ} بعدما أرد وسوستي في نفوسههم {لآتِيَنَّهُمْ مِّن} جميع جهاتهم {بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} أي: يضلهم بالمعاصي الحاصلة من قدامهم {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} أي: بالمعاصي الحاصلة منه {وَ} أيضاً {عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَ} بالجملة: استسخرهم وأحيط عليهم بإغوائي ووسوستي إلى حيث {لاَ تَجِدُ} يا معز كل ذليل، ومدل كل دليل {أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17] بعد رجوعهم إليك شاكرين، صارفين ما آتيتهم من النعم إلى ما أمرتهم به. ثم لما طرده الحق وأبعده وأنظره ابتلاء لعباده {قَالَ} سبحانه: {ٱخْرُجْ} أيها المردود المطرود {مِنْهَا} أي: من عرصة أهل التوحيد {مَذْءُوماً} حاملاً للمذمة {مَّدْحُوراً} مطروداً مستوجباً للعنة وافعل بهم ما شئت، والله {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} بعدما أظهرتهم على صورتي، وكرمتهم بكرامتي على جميع خليقتي، ونخفت فيهم من روحي وتجليت عليهم بجميع أسمائي وأوصافي، وأرسلت إليهم أنبيائي ورسولي، وأنزلت عليهم كتبي لتبيين طريق توحيدي؛ لأطردنهم البتة عن عز حضوري، وأخرجهم عن جنة سروري، واعلموا يا بني آدم {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ} البعد الخذلان {مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 18] إن ابتعتم عدوي وعدوكم، فعليكم أن تجتنبوا عن غوائله.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى مخاطبا لبني آدم: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ } بخلق أصلكم ومادتكم التي منها خرجتم: أبيكم آدم عليه السلام { ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } في أحسن صورة، وأحسن تقويم، وعلمه الله تعالى ما به تكمل صورته الباطنة، أسماء كل شيء. ثم أمر الملائكة الكرام أن يسجدوا لآدم، إكراما واحتراما، وإظهارا لفضله، فامتثلوا أمر ربهم، { فَسَجَدُوا } كلهم أجمعون { إِلا إِبْلِيسَ } أبى أن يسجد له، تكبرا عليه وإعجابا بنفسه. فوبخه اللّه على ذلك وقال: { مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ } لما خلقت بيديَّ، أي: شرفته وفضلته بهذه الفضيلة، التي لم تكن لغيره، فعصيت أمري وتهاونت بي؟ { قَالَ } إبليس معارضا لربه: { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ } ثم برهن على هذه الدعوى الباطلة بقوله: { خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ } . وموجب هذا أن المخلوق من نار أفضل من المخلوق من طين لعلو النار على الطين وصعودها، وهذا القياس من أفسد الأقيسة، فإنه باطل من عدة أوجه: منها: أنه في مقابلة أمر اللّه له بالسجود، والقياس إذا عارض النص، فإنه قياس باطل، لأن المقصود بالقياس، أن يكون الحكم الذي لم يأت فيه نص، يقارب الأمور المنصوص عليها، ويكون تابعا لها. فأما قياس يعارضها، ويلزم من اعتباره إلغاءُ النصوص، فهذا القياس من أشنع الأقيسة. ومنها: أن قوله: { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ } بمجردها كافية لنقص إبليس الخبيث. فإنه برهن على نقصه بإعجابه بنفسه وتكبره، والقول على اللّه بلا علم. وأي نقص أعظم من هذا؟!! ومنها: أنه كذب في تفضيل مادة النار على مادة الطين والتراب، فإن مادة الطين فيها الخشوع والسكون والرزانة، ومنها تظهر بركات الأرض من الأشجار وأنواع النبات، على اختلاف أجناسه وأنواعه، وأما النار ففيها الخفة والطيش والإحراق. ولهذا لما جرى من إبليس ما جرى، انحط من مرتبته العالية إلى أسفل السافلين. فقال اللّه له: { فَاهْبِطْ مِنْهَا } أي: من الجنة { فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا } لأنها دار الطيبين الطاهرين، فلا تليق بأخبث خلق اللّه وأشرهم. { فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ } أي: المهانين الأذلين، جزاء على كبره وعجبه بالإهانة والذل. فلما أعلن عدو اللّه بعداوة اللّه، وعداوة آدم وذريته، سأل اللّهَ النَّظِرَةَ والإمهال إلى يوم البعث، ليتمكن من إغواء ما يقدر عليه من بني آدم. ولما كانت حكمة اللّه مقتضية لابتلاء العباد واختبارهم، ليتبين الصادق من الكاذب، ومن يطيعه ممن يطيع عدوه، أجابه لما سأل، فقال: { إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ } .
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 279 : 1 : 2 - سفين عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن بن عباس {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} قال، خلقناكم في أصلاب الرجال، ثم صورناكم في أرحام النساء. [الآية 11].
همام الصنعاني
تفسير : 885- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}: [الآية: 11]، قال: خُلِقَ الإِنسانُ في الرَّحِم، ثم صُوِّر فَشُقَّ سمعه وبصره وأصابعه. 886- حدثنا عبد الرزاق،عن مَعْمَر، وقال قتادة قال: خلق آدم ثم صَوَّرَ ذريته بعده.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):