Verse. 964 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَلَقَدْ مَكَّنّٰكُمْ فِي الْاَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيْہَا مَعَايِشَ۝۰ۭ قَلِيْلًا مَّا تَشْكُرُوْنَ۝۱۰ۧ
Walaqad makkannakum fee alardi wajaAAalna lakum feeha maAAayisha qaleelan ma tashkuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد مكَّناكم» يا بني آدم «في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش» بالياء أسبابا تعيشون بها جمع معيشة «قليلا ما» لتأكيد القلة «تشكرون» على ذلك.

10

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما أمر الخلق بمتابعة الأنبياء عليهم السلام، وبقبول دعوتهم ثم خوفهم بعذاب الدنيا، وهو قوله: {أية : وَكَم مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا } تفسير : [الأعراف: 4] ثم خوفهم بعذاب الآخرة من وجهين: أحدهما: السؤال؛ وهو قوله: {أية : فَلَنَسْـئَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } تفسير : [الأعراف: 6] والثاني: بوزن الأعمال، وهو قوله: {أية : وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ } تفسير : [الأعراف: 8] رغبهم في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام في هذه الآية بطريق آخر وهو أنه كثرت نعم الله عليهم، وكثرة النعم توجب الطاعة، فقال: {وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ } فقوله: {مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } أي جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً ومكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها وجعلنا لكم فيها معايش، والمراد من المعايش: وجوه المنافع وهي على قسمين، منها ما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء مثل خلق الثماء وغيرها، ومنها ما يحصل بالاكتساب وكلاهما في الحقيقة إنما حصل بفضل الله وإقداره وتمكينه، فيكون الكل إنعاماً من الله تعالى، وكثرة الانعام لا شك أنها توجب الطاعة والانقياد، ثم بين تعالى أنه مع هذا الإفضال والانعام عالم بأنهم لا يقومون بشكره كما ينبغي، فقال: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } وهذا يدل على أنهم قد يشكرون والأمر كذلك، وذلك لأن الإقرار بوجود الصانع كالأمر الضروري اللازم لجبلة عقل كل عاقل، ونعم الله على الإنسان كثيرة، فلا إنسان إلا ويشكر الله تعالى في بعض الأوقات على نعمه، إنما التفاوت في أن بعضهم قد يكون كثير الشكر، وبعضهم يكون قليل الشكر. المسألة الثانية: روى خارجة عن نافع أنه همز {معائش} قال الزجاج: جميع النحويين البصريين يزعمون أن همز {معائش} خطأ، وذكروا أنه إنما يجوز جعل الياء همزة إذا كانت زائدة نحو صحيفة وصحائف، فأما معايش فمن العيش، والياء أصلية، وقراءة نافع لا أعرف لها وجهاً، إلا أن لفظة هذه الياء التي هي من نفس الكلمة أسكن في معيشة فصارت هذه الكلمة مشابهة لقولنا صحيفة، فجعل قوله: {معائش} شبيهاً لقولنا صحائف فكما أدخلوا الهمزة في قولنا: ـ صحائف ـ فكذا في قولنا معائش على سبيل التشبيه، إلا أن الفرق ما ذكرناه أن الياء في ـ معيشة ـ أصلية وفي ـ صحيفة ـ زائدة.

القرطبي

تفسير : أي جعلناها لكم قراراً ومِهاداً، وهيأنا لكم فيها أسباب المعيشة. والمَعايش جمع مَعيشة، أي ما يُتعيَّش به من المطعم والمشرب وما تكون به الحياة. يُقال: عاش يَعِيش عَيْشاً ومَعاشاً ومَعِيشاً ومَعِيشة وعِيشَة. وقال الزجاج: المَعِيشة ما يُتوصّل به إلى العيش. ومعِيشة في قول الأخفش وكثيرٍ من النحويين مَفْعِلة. وقرأ الأعرج: «مَعَائِشَ» بالهمز. وكذا روى خارجة بن مُصْعَب عن نافع. قال النحاس: والهمز لحن لا يجوز؛ لأن الواحدة معِيشة، أصلها معيِشة، فزيدت ألف الوصل وهي ساكنة والياء ساكنة، فلا بدّ من تحريكٍ إذ لا سبيل إلى الحذف، والألف لا تحرّك فحرّكت الياء بما كان يجب لها في الواحد. ونظيره من الواو مَنارة ومَناوِر، ومَقام ومَقاوِم: كما قال الشاعر:شعر : وَإنِّي لقَوّامٌ مَقاوِمُ لم يكن جرير ولا مَوْلَىٰ جريرٍ يَقُومها تفسير : وكذا مصيبة ومَصَاوِب. وهذا الجيد، ولغة شاذة مصائب، قال الأخفش: إنما جاز مصائب لأن الواحدة مُعْتَلّة. قال الزجاج: هذا خطأ يلزمه عليه أن يقول مقائم. ولكن القول أنه مثل وسادة وإسادة، وقيل: لم يجز الهمز في مَعايش لأن المعيشة مَفْعِلة؛ فالياء أصلية، وإنما يهمز إذا كانت الياء زائدة مثل مدينة ومدائن، وصحيفة وصحائف، وكريمة وكرائم، ووظيفة ووظائف، وشبهه.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأَرْضِ} أي مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها. {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ} أسباباً تعيشون بها، جمع معيشة. وعن نافع أنه همزة تشبيهاً بما الياء فيه زائدة كصحائف. {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} فيما صنعت إليكم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ممتناً على عبيده فيما مكن لهم، من أنه جعل الأرض قراراً، وجعل فيها رواسي وأنهاراً، وجعل لهم فيها منازل وبيوتاً، وأباح لهم منافعها، وسخر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش، أي: مكاسب وأسباباً يكسبون بها، ويتجرون فيها، ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك؛ كقوله: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34] وقد قرأ الجميع: معايش، بلا همز إلا عبد الرحمن بن هرمز الأعرج؛ فإنه همزها، والصواب الذي عليه الأكثرون بلا همز؛ لأن معايش جمع معيشة؛ من عاش يعيش عيشاً، ومعيشة أصلها مَعْيِشة، فاستثقلت الكسرة على الياء، فنقلت إلى العين، فصارت معيشة، فلما جمعت، رجعت الحركة إلى الياء؛ لزوال الاستثقال، فقيل: معايش، ووزنه مفاعل؛ لأن الياء أصلية في الكلمة، بخلاف مدائن وصحائف وبصائر، جمع مدينة وصحيفة وبصيرة؛ من مدن وصحف وبصر، فإن الياء فيها زائدة، ولهذا تجمع على فعائل، وتهمز لذلك، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ مَكَّنَّٰكُمْ } يا بني آدم {فِى ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ } بالياء: أسباباً تعيشون بها، (جمع معيشة) {قَلِيلاً مَّا } لتأكيد القلة {تَشْكُرُونَ } على ذلك.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ} فيه وجهان: أحدهما: سهلنا عليكم التصرف فيها حتى وصلتم إلى مرادكم منها. والثاني: ملكناكم إياها حتى صرتم أحق بها. {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} فيه وجهان: أحدهما: ما تعيشون به من نبات وحيوان. والثاني: ما تتوصلون به إلى معايشكم فيها من زراعة أو عمل.

ابن عطية

تفسير : الخطاب لجميع الناس، والمراد أن النوع بجملته ممكن في الأرض، و"المعايش" جمع معيشة وهي لفظة تعم المأكول الذي يعاش به والتحرف الذي يؤدي إليه، وقرأ الجمهور "معايِش" بكسر الياء دون همز، وقرأ الأعرج وغيره "معائش" بالهمز كمدائن وسفائن، ورواه خارجة عن نافع، وروي عن ورش "معايْش" بإسكان الياء، فمن قرأ "معايش" بتصحيح الياء فهو الأصوب لأنها جمع معيشة وزنها مفعلة، ويحتمل أن تكون مفعُلة بضم العين قالهما سيبويه، وقال الفراء مفعلة بفتح العين فالياء في معيشة أصلية وأعلت معيشة لموافقتها الفعل الذي هو يعيش في الياء أي في المتحرك والساكن، وصححت "معايِش" في جمع التكسير لزوال الموافقة المذكورة في اللفظ ولأن التكسير معنى لا يكون في الفعل إنما تختص به الأسماء، ومن قرأ "معايْش" فعلى التخفيف من "معايِش"، وقرأ "معائِش" فأعلها فذلك غلط، وأما توجيهه فعلى تشبيه الأصل بالزائد لأن معيشة تشبه في اللفظ صحيفة فكما يقال صحائف قيل "معائِش"، وإنما همزت ياء صحائف ونظائرها مما الياء فيه زائدة لأنها لا أصل لها في الحركة وإنما وزنها فعيلة ساكنة، فلما اضطر إلى تحريكها في الجمع بدلت بأجلد منها. و {قليلاً} نصب بـ {تشكرون} ، ويحتمل أن تكون {ما} زائدة، ويحتمل أن تكون مع الفعل بتأويل المصدر، {قليلاً} نعت لمصدر محذوف تقديره شكراً قليلاً شكركم، أو شكراً قليلاً تشكرون. وقوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} الآية، هذه الآية معناها التنبيه على موضع العبرة والتعجيب من غريب الصنعة وإسداء النعمة، فبدأ بالخلق الذي هو الإيجاد بعد العدم ثم بالتصوير في هذه البنية المخصوصة للبشر، وإلا فلم يعر المخلوق قط من صورة، واضطراب الناس في ترتيب هذه الآية لأن ظاهرها يقتضي أن الخلق والتصوير لبني آدم قبل القول للملائكة أن يسجدوا، وقد صححت الشريعة أن الأمر لم يكن كذلك، فقالت فرقة: المراد بقوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} آدم بنفسه وإن كان الخطاب لبنيه، وذلك لما كان سبب وجود بنيه بما فعل فيه صح مع تجوز أن يقال إنه فعل في بنيه، وقال مجاهد: المعنى {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} في صلب آدم وفي وقت استخراج ذرية آدم من ظهره أمثال الذر في صورة البشر. قال القاضي أبو محمد: ويترتب في هذين القولين أن تكون {ثم} على بابها في الترتيب والمهلة، وقال عكرمة والأعمش: المراد خلقناكم في ظهور الآباء وصورناكم في بطون الأمهات. وقال ابن عباس والربيع بن أنس: أما {خلقناكم} فآدم وأما {صورناكم} فذريته في بطون الأمهات، وقاله قتادة والضحاك. وقال معمر بن راشد من بعض أهل العلم: بل ذلك كله في بطون الأمهات، من خلق وتصوير. قال القاضي أبو محمد: وقالت هذه الفرقة إن {ثم} لترتيب الأخبار بهذه الجمل لا لترتيب الجمل في أنفسها. وقال الأخفش {ثم} في هذه الآية بمعنى الواو، ورد عليه نحويو البصرة. و "ملائكة" وزنه إما مفاعلة وإما معافلة بحسب الاشتقاق الذي قد مضى ذكره في سورة البقرة، وهنالك ذكرنا هيئة السجود والمراد به ومعنى إبليس وكيف كان قبل المعصية، وأما قوله في هذه الآية {إلا إبليس} فقال الزجّاج هو استثناء ليس من الأول ولكن إبليس أمر بالسجود بدليل قوله تعالى: {أية : ما منعك ألآ تسجد إذ أمرتك} تفسير : [الأعراف:12] وقال غير الزجّاج: الاستثناء من الأول لأنّا لو جعلناه منقطعاً على قول من قال إن إبليس لم يكن من الملائكة لوجب أن إبليس لم يؤمر بالسجود، إلا أن يقول قائل هذه المقالة إن أمر إبليس كان بوجه آخر غير قوله: {اسجدوا} وذلك بيّن الضعف. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع "للملائكةُ اسجدوا" بضم الهاء وهي قراءة ضعيفة. ووجهها أنه حذف همزة {اسجدوا} وألقى حركتها عن الهاء، وذلك لا يتجه لأنها محذوفة مع جر الهاء بحركة، أي شيء يلغى إنما يكون في الوصل.

النسفي

تفسير : {وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً، أو مكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ } جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرهما. والوجه تصريح الياء لأنها أصلية بخلاف صحائف فالياء فيها زائدة، وعن نافع أنه همز تشبيهاً بصحائف {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } مثل {أية : قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } تفسير : [الحاقة: 42]. {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } أي خلقنا أباكم آدم عليه السلام طيناً غير مصور ثم صورناه بعد ذلك دليله {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } ممن سجد لآدم عليه السلام {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } «ما» رفع أيْ أيّ شيء منعك من السجود؟ «ولا» زائدة بدليل {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ }تفسير : [ص: 75] ومثلها {أية : لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ }تفسير : [الحديد: 29] أي ليعلم {إِذْ أَمَرْتُكَ } فيه دليل على أن الأمر للوجوب، والسؤال عن المانع من السجود مع علمه به للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره وافتخاره بأصله وتحقيره أصل آدم عليه السلام {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ } وهي جوهر نوراني {وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } وهو ظلماني وقد أخطأ الخبيث بل الطين أفضل لرزانته ووقاره ومنه الحلم والحياء والصبر وذلك دعاه إلى التوبة والاستغفار، وفي النار الطيش والحدة والترفع وذلك دعاه إلى الاستكبار. والتراب عمدة الممالك، والنار عدة المهالك. والنار مظنة الخيانة والإفناء، والتراب مئنة الأمانة والإنماء، والطين يطفيء النار ويتلفها، والنار لا تتلفه. وهذه فضائل غفل عنها إبليس حتى زل بفاسد من المقاييس. وقولنا في القياس أول من قاس إبليس قياس. على أن القياس عند مثبته مردود عند وجود النصوص وقياس إبليس عناد للأمر المنصوص. وكان الجواب لـ {مَا مَنَعَكَ } أن يقول «منعني كذا» وإنما قال {أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } لأنه قد استأنف قصة وأخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم عليه السلام وبعلة فضله عليه فعلم منها الجواب ـ كأنه قال: منعني من السجود فضلي عليه، وزيادة عليه وهي إنكار الأمر واستبعاد أن يكون مثله مأموراً بالسجود لمثله، إذ سجود الفاضل للمفضول خارج عن الصواب {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا } من الجنة أو من السماء لأنه كان فيها وهي مكان المطيعين والمتواضعين. والفاء في {فَٱهْبِطْ } جواب لقوله {أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } أي إن كنت تتكبر فاهبط {فَمَا يَكُونُ لَكَ } فما يصح لك {أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } وتعصي {فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ } من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه، يذمك كل إنسان ويلعنك كل لسان لتكبرك، وبه علم أن الصغار لازم للاستكبار {قَالَ أَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أمهلني إلى يوم البعث وهو وقت النفخة الأخيرة {قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلمُنظَرِينَ } إلى النفخة الأولى. وإنما أجيب إلى ذلك لما فيه من الابتلاء، وفيه تقريب لقلوب الأحباب أي هذا بريء بمن يسيئني فكيف بمن يحبني وإنما جسره على السؤال مع وجود الزلل منه في الحال علمه بحلم ذي الجلال. {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } أضللتني أي فبسبب إغوائك إياي. والباء تتعلق بفعل القسم المحذوف تقديره فسبب إغوائك أقسم، أو تكون الباء للقسم أي فأقسم بإغوائك {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } لأعترضن لهم على طريق الإسلام مترصداً للرد متعرضاً للصد كما يتعرض العدو على الطريق ليقطعه على السابلة. وانتصابه على الظرف كقولك «ضرب زيد الظهر» أي على الظهر. وعن طاوس أنه كان في المسجد الحرام فجاء رجل قدري فقال له طاوس: تقوم أو تقام. فقام الرجل فقيل له: أتقول هذا لرجل فقيه؟ فقال: إبليس أفقه منه {قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي} وهو يقول أنا أغوي نفسي. {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } أشككهم في الآخرة {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } أرغبهم في الدنيا {وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ } من قبل الحسنات {وَعَن شَمَائِلِهِمْ } من قبل السيئات وهو جمع شمال يعني ثم لآتينهم من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الأغلب. وعن شقيق: ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي فيقول لا تخف فإن الله غفور رحيم فاقرأ {أية : وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ وَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً }تفسير : [طه: 82]. ومن خلفي فيخوفني الضيعة على مخلفي فاقرأ {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا }تفسير : [هود:6] وعن يميني فيأتيني من قبل الثناء فاقرأ {أية : وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [القصص:83] وعن شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فاقرأ {أية : وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ }تفسير : [سبأ: 54] ولم يقل من فوقهم ومن تحتهم لمكان الرحمة والسجدة، وقال في الأولين «من» لابتداء الغاية وفي الأخيرين «عن» لأن «عن» تدل على الانحراف {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } مؤمنين قاله ظناً فأصاب لقوله {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ }تفسير : [سبأ: 20] أو سمعه من الملائكة بإخبار الله تعالى إياهم. {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا } من الجنة أو من السماء {مَذْءومًا } معيباً من ذأمه إذا ذمه والذأم والذم العيب {مَّدْحُورًا } مطروداً مبعداً من رحمة الله. واللام في {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } موطئة للقسم وجوابه {لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ } وهو ساد مسد جواب الشرط {مّنكُمْ } منك ومنهم فغلب ضمير المخاطب {أَجْمَعِينَ وَيا ءَادَمَ } وقلنا يا آدم بعد إخراج إبليس من الجنة {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ } اتخذها مسكناً {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا } فتصيرا {مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ } وسوس إذا تكلم كلاماً خفياً يكرره وهو غير متئد، ورجل موسوس بكسر الواو ولا يقال موسوس بالفتح ولكن موسوس له وموسوس إليه وهو الذي يلقي إليه الوسوسة. ومعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ووسوس إليه ألقاها إليه {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءاتِهِمَا } ليكشف لهما ما ستر عنهما من عوراتهما. وفيه دليل على أن كشف العورة من عظائم الأمور، وأنه لم يزل مستقبحاً في الطباع والعقول. فإن قلت: ما للواو المضمومة في {ووري} لم تقلب همزة كما في «أو يصل» تصغير واصل وأصله «وويصل» فقلبت الواو همزة كراهة لاجتماع الواوين؟ قلت: لأن الثانية مدة كألف «وارى» فكما لم يجب همزها في «واعد» لم يجب في {وورى} وهذا لأن الواوين إذا تحركتا ظهر فيهما من الثقل ما لا يكون فيهما إذا كانت الثانية ساكنة، وهذا مدرك بالضرورة فالتزموا إبدالها في موضع الثقل لا في غيره. وقرأ عبد الله {أورى} بالقلب {وَقَالَ مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} إلا كراهة أن تكونا ملكين تعلمان الخير والشر وتستغنيان عن الغذاء. وقرىء {مَلَكَيْنِ } لقوله {أية : وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ }تفسير : [طه: 120] {أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ } من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين {وَقَاسَمَهُمَا } وأقسم لهما {إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } وأخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة لأنه لما كان منه القسم ومنهما التصديق فكأنهما من اثنين.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ولقد مكناكم في الأرض} يعني ولقد مكناكم أيها الناس في الأرض، والمراد من التمكين التمليك وقيل: معناه جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً أو قدرناكم على التصرف فيها {وجعلنا لكم فيها معايش} جمع معيشة يعني به جمع وجوه المنافع التي تحصل بها الأرزاق وتعيشون بها أيام حياتكم وهي على قسمين: أحدهما: ما أنعم الله تعالى به على عباده من الزرع والثمار وأنواع المآكل والمشارب. والثاني: ما يتحصل من المكاسب والأرباح في أنواع التجارات والصنائع وكلا مقسمين في الحقيقة إنما يحصل بفضل الله وإنعامه وإقداره وتمكينه لعباده من ذلك فثبت بذلك أن جميع معايش العالم إنعام من الله تعالى على عباده وكثرة الإنعام توجب الطاعة للمنعم بها والشكر له عليها ثم بين تعالى أنه مع هذا الإفضال على عباده وإنعامه عليهم لا يقومون بشكره كما ينبغي فقال تعالى: {قليلاً ما تشكرون} يعني: على ما صنعت إليكم وأنعمت به عليكم، وفيه دليل على أنهم قد يشكرون لأن الإنسان قد يذكر نعم الله فيشكره عليها فلا يخلو في بعض الأوقات من الشكر على النعم وحقيقة الشكر، تصور النعمة وإظهارها ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها. قوله تعالى: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} يعني: ولقد خلقناكم أيها الناس المخاطبون بهذا الخطاب وقت نزوله في ظهر أبيكم آدم ثم صورناكم في أرحام النساء صوراً مخلوقة. فإن قلت على هذا التفسير يكون قوله {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} يقتضي الأمر بالسجود كان وقع بعد خلق المخاطبين بهذا الخطاب وتصويرهم لأن كلمة ثم للتراخي ومعلوم أن الأمر ليس كذلك بل كان السجود لآدم عليه الصلاة والسلام قبل خلق ذريته؟ قلت: يحتمل أن يكون المعنى ولقد خلقناكم ثم صورناكم أيها المخاطبون ثم أخبرناكم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فتكون كلمة ثم تفيد ترتيب خبر على خبر ولا تفيد ترتيب المخبر به على الخبر. وقيل في معنى الآية: ولقد خلقناكم يعني آدم، ثم صورناكم يعني ذريته، وهذا قول ابن عباس. وقال مجاهد ولقد خلقناكم يعني آدم ثم صورناكم يعني في ظهره وعلى هذين القولين إنما ذكر آدم بلفظ الجمع على التعظيم أو لأنه أبو البشر فكان في خلقه خلق من خرج من صلبه؛ وقيل: إن الخلق والتصوير يرجع إلى آدم عليه الصلاة والسلام وحده. والمعنى: ولقد خلقناكم يعني آدم حكمنا بخلقه ثم صورناكم يعني آدم صورة من طين {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} يعني بعد إكمال خلقه وقد تقدم في سورة البقرة الكلام في معنى هذا السجود وأنه كان على سبيل التحية والتعظيم لآدم لا حقيقة السجود، وقيل: بل كان حقيقة السجود وأن المسجود له هو الله تعالى وإنما كان آدم كالقبلة للساجدين، وقيل: بل كان المسجود له وكان ذلك بأمر الله تعالى وهل كان هذا الأمر بالسجود لجميع الملائكة أو لبعضهم فيه خلاف تقدم ذكره في سورة البقرة. وقوله تعالى: {فسجدوا} يعني الملائكة {إلا إبليس} يعني: فسجد الملائكة لآدم إلا إبليس {لم يكن من الساجدين} يعني له وظاهر الآية يدل على أن إبليس كان من الملائكة لأن الله تعالى استثناه منهم وكان الحسن يقول: إن إبليس لم يكن من الملائكة لأنه خلق من نار والملائكة من نور وإنما استثناه من الملائكة لأنه كان مأموراً بالسجود لآدم مع الملائكة فلما لم يسجد أخبر الله تعالى عنه أنه لم يكن من الساجدين لآدم فلهذا استثناه منهم. قوله تعالى: {قال ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك} يعني: قال الله عز وجل لإبليس أي شيء منعك من السجود لآدم إذ أمرتك به فعلى هذا التأويل تكون كلمة لا في قوله أن لا تسجد صلة زائدة وإنما دخلت للتوكيد والتقدير ما منعك أن تسجد فهو كقوله: {أية : لا أقسم}تفسير : [القيامة: 1] وقوله {أية : وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون}تفسير : [الأَنبياء: 95] أي يرجعون وقوله {أية : لئلا يعلم أهل الكتاب}تفسير : [الحديد: 29] أي يعلم أهل الكتاب وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج والأكثرين. وقيل: إن كلمة لا هنا على أصلها مفيدة وليست بزائدة لأنه لا يجوز أن يقال إن كلمة من كتاب الله زائدة أو لا معنى لها، وعلى هذا القول حكى الواحدي عن أحمد بن يحيى: أن لا في هذه الآية ليست زائدة ولا توكيداً لأن معنى قوله {ما منعك أن لا تسجد} من قال لك لا تسجد فحمل نظم الكلام على معناه وهذا القول حكاه أبو بكر عن الفراء. وقال الطبري والصواب في ذلك أن يقال إن في الكلام محذوفاً تقديره ما منعك من السجود فأحوجك أن لا تسجد فترك ذكر ذلك أحوجك استغناء عنه بمعرفة السامعين به ونقل الإمام فخر الدين الرازي عن القاضي قال: ذكر الله تعالى المنع وأراد الداعي فكأنه قال ما دعاك إلى أن لا تسجد لأن مخالفة الله تعالى عظيمة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها. فإن قلت: لم سأله عن المانع له من السجود وهو أعلم به؟ قلت: إنما سأله للتوبيخ والتقريع له ولإظهار معاندته وكفره وافتخاره بأصله وحسده لآدم عليه الصلاة والسلام ولذلك لم يتب الله عليه {قال} يعني قال إبليس مجيباً لله تعالى عما سأله عنه {أنا خير منه}. فإن قلت قوله أنا خير منه ليس بجواب عما سأله عنه في قوله تعالى: {ما منعك أن لا تسجد} فلم يجب بما منعه من السجود فإنه كان ينبغي له أن يقول منعني كذا وكذا ولكنه قال أنا خير منه. قلت: استأنف قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم وفيها دليل على موضع الجواب وهو قوله {خلقتني من نار وخلقته من طين} والنار خير من الطين وأنور وإنما قال أنا خير منه لما رأى أنه أشد منه قوة وأفضل منه أصلاً وذلك لفضل الجنس الذي خلق منه وهو النار على الطين الذي خلق منه آدم عليه الصلاة والسلام فجهل عدو الله وجه الحق وأخطأ طريق الصواب لأن من المعلوم أن من جوهر النار الخفة والطيش والارتفاع والاضطراب، وهذا الذي حمل الخبيث إبليس مع الشقاء الذي سبق له من الله تعالى في الكتاب السابق على الاستكبار على السجود لآدم عليه الصلاة والسلام والاستخفاف بأمر ربه فأورده ذلك العطب والهلاك ومن المعلوم أن في جوهر الطين الرزانة والأناة والصبر والحلم والحياة والتثبت وهذا كان الداعي لآدم عليه الصلاة والسلام مع السعادة السابقة التي سبقت له من الله تعالى في الكتاب السابق إلى التوبة من خطيئته ومسألته ربه العفو عنه والمغفرة، ولذلك كان الحسن وابن سيرين يقولان: أول من قاس إبليس فأخطأ وقال ابن سيرين أيضاً: ما عبدت الشمس والقمر لا بالمقاييس وأصل هذا القياس الذي قاسه إبليس لعنه الله تعالى لما رأى أن النار أفضل من الطين وأقوى فقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ولم يدر أن الفضل لمن جعله الله فاضلاً وأن الأفضلية والخيرية لا تحصل بسبب فضيلة الأصل والجوهر وأيضاً الفضيلة إنما تحصل بسبب الطاعة وقبول الأمر، فالمؤمن الحبشي خير من الكافر القرشي فالله تعالى خص صفيه آدم عليه الصلاة والسلام بأشياء لم يخص بها غيره وهو أنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلّمه أسماء كل شيء وأورثه الاجتباء والتوبة والهداية إلى غير ذلك مما خص الله تعالى به آدم عليه الصلاة والسلام للعناية التي سبقت له في القدم وأورث إبليس كبره اللعنةَ والطردَ للشقاوة التي سبقت له في القدم.

ابن عادل

تفسير : لمَّا أمر الخَلْقَ بمتابَعَةِ الأنْبِيَاءِ، ثمَّ خوَّفَهُم بعذاب الدُّنْيَا وهو قوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا}، وبعذاب الآخِرَةِ وهو السُّؤالُ ووزن الأعمال رغبهم في دعوة الأنْبِيَاء في هذه الآية بطريق آخر، وهو أنَّ ذكر كثرة نعم اللَّه عليهم، وكثرة النِّعيمِ توجبُ الطَّاعة فقال: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} أي: جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً ومكَّنَّاكم، والمُرَادُ بالتَّمكين التمليك والقوة والقدرة. قوله "وجَعَلْنَا لكم" يجوز أن يكون "جَعَلَ" بمعنى "خَلَقَ" فيتعدَّى لواحد فيتعلَّقُ الجاران بـ "الجَعْل"، أو بمحذوف على أنَّهُمَا حالان من "مَعَايِشَ" لأنهما لو تأخرا لجاز أنْ يكونا وصفين. ويجُوزُ أن تكون التصييريَّة فتتعدَّى لآثْنَيْنِ أوَّلهما: "مَعَايِشَ"، والثَّأني أحد الجارين، والآخر: إمَّا حال متعلِّقَةٌ بمحذوف، وإمَّا متعلِّقةٌ بنفس الجعل وهو الظَّاهِرُ. و "مَعَايِش" جمع مَعيشَةٍ، وفيها ثلاثةُ مذاهبٍ: مذهبُ سيبويه والخَلِيل: أنَّ وزنها مَفْعُلَةٍ بِضَمِّ العين، أو مَفْعِلة بكسرها، فعلى الأوَّلِ جُعلتِ الضَّمَّةُ كَسْرَةً، ونُقِلَتْ إلى فَاءِ الكَلِمَةِ. وقياس قول الأخْفَشِ في هذا النَّحوِ أن يغيِّر الحرفَ لا الحَرَكَة، فـ "معيشة" عنده شَاذَّةٌ إذْ كان يَنْبَغِي أَن يقال فيها مَعُوشة. وأمَّا على قولنا إنَّ أصلها "مَعِيشَةٌ" بكسر العين فلا شُذُوذَ فيها ومذهب الفرَّاءِ: أنَّ وزنها مَفْعلة بفتح العين، وليس بشيءٍ. والمعيشةُ اسمٌ لما يُعاشُ به أي: يُحْيا وقال الزَّجَّاجُ: المعيشةُ ما يتوصلون به إلى العيش وهي في الأصل مصدر لـ "عَاشَ" يعيشُ عَيْشاً، وعِيْشَةً قال تعالى: {أية : فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ}تفسير : [الحاقة: 21]، وَمَعَاشاً: قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً}تفسير : [النبأ: 11]، ومَعِيشاً قال رُؤبةُ: [الرجز] شعر : 2406 - إلَيْكَ أشْكُوا شِدَّةَ المَعيشِ وَجُهْدَ أعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِي تفسير : والعامَّةُ على "مَعَايشَ" بصريح الياءِ. وقد خرج خارجةُ فَرَوَى عن نافع "مَعَائِشَ" بالهَمْزِ، وقال النَّحْويُّون: هذا غَلَطٌ؛ لأنَّهُ لا يهمز عندهم إلا ما كان فيه حرفُ المدِّ زائداً نحو: صَحَائِف ومَدَائِن، وأمَّا "مَعَايِش" فالياءُ أصلٌ؛ لأنها من "العَيْشِ". قال الفَارِسيُّ - عن أبي عثمان -: "أصلُ أخْذِ هذه القراءة عن نَافعٍ" قال: "ولَمْ يَكُنْ يَدْرِي ما العَرَبِيَّةُ". قال شهابُ الدِّينِ: وقد فعلتِ العربُ مثل هذا، فَهَمَزُوا "مَنَائِرَ ومَصَائِبَ" جمع "منارةٍ ومُصِيبَة" والأصل "مَنَاوِرُ، ومَصَاوِبُ" وقد غلَّطَ سيبويه من قال مصائِبَ، ويعني بذلك أنَّهُ غلطه بالنسبة إلى مخالفة الجادَّةِ، وهذا كما تقدَّم عنه أنه قال: "واعْلَمْ أنَّ بعضهم يغلط فيقول: إنَّهم أجمعونَ ذَاهِبُونَ" [قال] ومنهُمْ من يأتي بها على الأصل فَيَقُولُ: مصاوب ومناور، وهذا كما قالوا في جمع "مقالٍ" و "مقام": "مقاول" و "مقاوم" في رجوعهم بالعين إلى أصلها قال: وأنشد النَّحْوِيُّون على ذلك: [الطويل] شعر : 2407 - وإنِّي لَقَوَّامٌ مقَاوِمَ لَمْ يَكُنْ جَريرٌ ولا مَوْلَى جرِيرٍ يَقُومُهَا تفسير : ووجه همزها أنَّهُم شبَّهوا الأصليَّ بالزَّائد فتوهموا أن "معيشة" بزنة "صحيفة" فهمزوها كما همزوا "تيك" قالوا: ونظير ذلك في تشبيههم الأصل بالزائد قولهم في جميع "مسيل" "مُسْلان"، توهَّموه على أنَّه على زِنَةٍ "قضيبٍ وقُضْبَان" وقالوا في جمعه "أمْسِلَة" كأنَّهُم تَوَهَّمُوا أنَّهُ بزنة "رَغيفٍ، وأرْغِفَةٍ" وإنَّما مسيل وزنه "مفعلٌ"؛ لأنه من سيلان الماءِ، وأنْشَدُوا على "مَسِيلِ، وأمْسِلة" قول أبِي ذُؤيْبٍ الهُذَلِيِّ: [الوافر] شعر : 2408 - بِوَادٍ لا أنِيسَ بِهِ يبابٍ وأمْسِلَةٍ مَذَانِبُهَا خَلِيفُ تفسير : وقال الزَّجَّاجُ: جميعُ نُحَاةِ البَصْرَةِ يَزْعُمُونَ أنَّ همزها خَطَأ، ولا أعلم لها وجهاً إلاَّ التِّشْبِيه بـ "صحيفة" و "صحائف"، ولا ينبغي التَّعْوِيلُ على هذه القراءة. قال شهابُ الدين: وهذه القراءةُ لم يَنْفَرِدْ بها نافعٌ بل قَرَأهَا جماعة جلَّةٌ معه؛ فإنَّها منقولة عن ابن عامر الذي قَرَأ على جماعة من الصَّحابةِ كـ "عُثْمان" و "أبي الدَّرْدَاءِ" و "معاوية"، وقد سبق ذلك في "الأنعام"، فقد قَرَأ بها قَبْلَ ظُهُورِ اللَّحْنِ، وهو عربي فَصِيحٌ وقَرَأ بها أيضاً زيدُ بْنُ عَلِيٍّ، وهو على جانب من الفَصَاحَة والعلم الذي لا يدانيه فيه إلاَّ القليل، وَقَرَأ بها أيضاً الأعْمَشُ والأعْرَجُ وكفى بهما في الإتْقَانِ والضَّبْطِ. وقد نقل الفرَّاءُ أنَّ قلب هذه الياء تشبيها لها بياء "صحيفة" قد جاء، وإن كان قليلاً. وقوله: {قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} كقوله: {قَلِيلاً ما تَذكَّرُونَ}.

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأَرْضِ} لما أمر الله سبحانه أهلَ مكةَ باتباع ما أنزل إليهم ونهاهم عن اتباع غيرِه وبـيّن لهم وخامةَ عاقبتِه بالإهلاك في الدنيا والعذاب المخلّد في الآخرة ذكّرهم ما أفاض عليهم من فنون النعم الموجبةِ للشكر ترغيباً في الامتثال بالأمر والنهي إثرَ ترهيبِ أي جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً أو ملكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ} المعايشُ جمعُ معيشةٍ وهي ما يُعاش به من المطاعم والمشاربِ وغيرِها، أو ما يُتوصَّل به إلى ذلك والوجهُ في قراءته إخلاصُ الياء وعن ابن عامرٍ أنه همزةٌ تشبـيهاً له بصحائف ومدائن، والجعلُ بمعنى الإنشاء والإبداع، أي أنشأنا وأبدعنا لمصالحكم ومنافعِكم فيها أسباباً تعيشون بها، وكلُّ واحد من الظرفين متعلقٌ به أو بمحذوف وقع حالاً من مفعوله المُنكّر، إذ لو تأخر لكان صفةً له وتقديمُهما على المفعول من أن حقهما التأخيرُ عنه لما مر غيرَ مرةٍ من الاعتناء بشأن المقدمِ والتشويقِ إلى المؤخر، فإن النفسَ عند تأخيرِ ما حقُّه التقديمُ لا سيما عند كونِ المقدم منبئاً عن منفعة للسامع تبقىٰ مترقبةً لورود المؤخَّرِ فيتمكن فيها عند الورودِ فضلُ تمكّن، وأما تقديمُ اللامِ على في فلما أنه المنبىءُ عما ذُكر من المنفعة فالاعتناءُ بشأنه أتمُّ والمسارعةُ إلى ذكره أهمّ. هذا وقيل: إن الجعلَ متعدَ إلى مفعولين ثانيهما أحدُ الظرفين على أنه مستقر، قُدّم على الأول، والظرفُ الآخَرُ إما لغوٌ متعلقٌ بالجعل أو بالمحذوف الواقع حالاً من المفعول الأولِ كما مر، وأنت خبـيرٌ بأنه لا فائدةَ معتدٌّ بها في الإخبار بجعل المعايشِ حاصلةً لهم أو حاصلةً في الأرض، وقولُه تعالى: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي تلك النعمةَ، تذيـيلٌ مَسوقٌ لبـيان سوءِ حالِ المخاطبـين وتحذيرِهم وبقيةُ الكلامِ فيه عينُ ما مر في تفسير قوله تعالى: {أية : مَّا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الأعراف، الآية 3]. {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ} تذكيرٌ لنعمة عظيمةٍ فائضةٍ على آدمَ عليه السلام ساريةٍ إلى ذريته موجبةٍ لشكرهم كافةً، وتأخيرُه عن تذكير ما وقع قبله من نعمة التمكينِ إما لأنها فائضةٌ على المخاطَبـين بالذات وهذه بالواسطة، وإما للإيذان بأن كلا منهما نعمةٌ مستقلةٌ مستوجِبةٌ للشكر على حيالها، فإن رعايةَ الترتيبِ الوقوعيِّ ربما تؤدِّي إلى توهّم عدِّ الكلِّ نعمةً واحدةً كما ذكر في قصة آدمَ. وتصديرُ الجملتين بالقسم وحرفِ التحقيقِ لإظهار كمالِ العناية بمضمونها، وإنما نُسب الخلقُ والتصويرُ إلى المخاطَبـين مع أن المرادَ بهما خلقُ آدم عليه السلام وتصويرُه حتماً توفيةً لمقام الامتنانِ حقَّه وتأكيداً لوجوب الشكر عليهم بالرمز إلى أن لهم حظاً من خلقه عليه السلام وتصويرِه لما أنهما ليسا من الخصائص المقصورة عليه عليه السلام كسجود الملائكةِ له عليه السلام بل من الأمور الساريةِ إلى ذريته جميعاً إذ الكلُّ مخلوقٌ في ضمن خلقِه على نمطه ومصنوعٌ على شاكلته فكأنهم الذي تعلق به خلقُه وتصويرُه، أي خلقنا أباكم آدمَ طيناً غيرَ مُصوَّرٍ ثم صوَّرناه أبدعَ تصويرٍ وأحسنَ تقويمٍ سارَ إليكم جميعاً {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} صريحٌ في أنه ورد بعد خلقِه عليه الصلاة والسلام وتسويتِه ونفخِ الروحِ فيه أمرٌ مُنجَزٌ غيرُ الأمر المعلَّق الواردِ قبل ذلك بقوله تعالى: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } تفسير : [الأعراف، الآية 3] وهو المراد بما حكي بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآِدَمَ} الآية، في سورة البقرة وسورةِ بني إسرئيلَ وسورةِ الكهف وسورةِ طه من غير تعرضٍ لوقته، وكلمة ثم هٰهنا تقتضي تراخِيَه عن التصوير من غير تعرضٍ لبـيان ما جرى بـينهما من الأمور وقد بـينا في سورة البقرةِ أن ذلك ظهورُ فضلِ آدمَ عليه السلام بعد المحاورة المسبوقةِ بالإخبار باستخلافه عليه السلام حسبما نطق به عز وجل: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة، الآية 30] إلى قوله: {أية : وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} تفسير : [البقرة، الآية 30] فإن ذلك أيضاً من جملة ما نيط به الأمرُ المعلقُ من التسوية ونفخِ الروح، وعدمُ ذكرِه عند الحكايةِ لا يقتضي عدمَ ذكره عند وقوعِ المحكيّ كما أن عدم ذكرِ الأمرِ المنْجزِ لا يستلزمُ عدمَ مسبوقيتِه به فإن حكايةَ كلامٍ واحدٍ على أساليبَ مختلفةٍ يقتضيها المقامُ ليست بعزيزة في الكلام العزيزِ، فلعله قد ألقى إلى الملائكة عليهم السلام أو إلى جميع ما يتوقفُ عليه الأمرُ المنجزُ إجمالاً بأن قيل مثلاً: إني خالقٌ بشراً من طين وجاعلٌ إياه خليفةً في الأرض فإذا سويتُه ونفختُ فيه من روحي وتبـيَّن لكم فضلُه فقَعوا له ساجدين، فخلقه فسواه فنفخ فيه من روحه فقالوا عند ذلك ما قالوا، أو ألقيَ إليهم خبرُ الخلافةِ بعد تحققِ الشرائطِ المذكورةِ بأن قيل إثرَ نفخِ الروحِ: إني جاعلٌ هذا خليفةً في الأرض فهنالك ذكروا في حقه عليه السلام ما ذكروا فأيده الله تعالى بتعليم الأسماءِ فشاهدوا منه عليه السلام ما شاهدوا فعند ذلك ورد الأمرُ المنْجزُ اعتناءً بشأن المأمور به وإيذاناً بوقته، وقد حُكيَ بعضُ الأمور المذكورة في بعض المواطنِ وبعضُها في بعضها اكتفاءً بما ذكر في كل موطنٍ عما تُرك في موطن آخرَ. والذي يرفع غشاوةَ الاشتباهِ عن البصائر السليمةِ أن ما في سورة (ص) من قوله تعالى: {أية : إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ } تفسير : [ص، الآية 71] الآيات، بدلٌ من قولِه: {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} فيما قبله من قوله: {أية : مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } تفسير : [ص، الآية 69] أي بكلامهم عند اختصامِهم، ولا ريب في أن المرادَ بالملأ الأعلى الملائكةُ وآدمُ عليهم السلام وإبليسُ حسبما أطبق عليه جمهورُ المفسرين، وباختصامِهم ما جرى بـينهم في شأن الخلافةِ من التقاول الذي جملتُه ما صدر عنه عليه السلام من الإنباء بالأسماء، ومن قضية البدلية وقوعُ الاختصام المذكورِ في تضاعيف ما شُرح فيه مفصّلاً من الأمر المعلّق وما علق به من الخلق والتسويةِ ونفخِ الروحِ فيه وما ترتب عليه من سجود الملائكةِ وعنادِ إبليسَ ولعنِه وإخراجِه من بـين الملائكةِ وما جرى بعده من الأفعالِ والأقوالِ، وإذ ليس تمامُ الاختصامِ بعد سجود الملائكةِ وعنادِ إبليسَ ومكابرةِ إبليسَ وطردِه من البـين ـ لما عرفت من أنه أحدُ المختصمِين كما أنه ليس قبل الخلق ضرورة ـ فإذن هو بعد نفخِ الروحِ وقبل السجودِ بأحد الطريقين المذكورين والله تعالى أعلم. {فَسَجَدُواْ} أي الملائكةُ عليهم السلام بعد الأمرِ من غير تلعثم {إِلاَّ إِبْلِيسَ} استثناءٌ متصلٌ لما أنه كان جنياً مفرداً مغموراً بألوف من الملائكة متَّصفاً بصفاتهم فغُلّبوا عليه في (فسجدوا) ثم استُثنِيَ استثناءَ واحدٍ منهم، أو لأن من الملائكة جنساً يتوالدون يقال لهم: الجنُّ كما مر في سورة البقرة فقوله تعالى: {لَمْ يَكُن مّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ} أي ممن سجد لآدمَ كلامٌ مستأنفٌ مُبـينٌ لكيفية عدمِ السجود المفهومِ من الاستثناء فإن عدمَ السجودِ قد يكون للتأمل ثم يقع السجودُ، وبه عُلم أنه لم يقعْ قطُّ. وقيل: منقطعٌ فحينئذ يكون متصلاً بما بعده أي لكنْ إبليسِ لم يكن من الساجدين.

القشيري

تفسير : سَهَّلنا عليكم أسباب المعيشة، ويسَّرنا لكم أحوال التصرف، ثم أراد منكم أَنْ تتخذوا إليه سبيلاً، ولم يعتصِ عليه مراد. {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} لاستعمالكم - في الخلاف - أبدانَكم، ولإنفاقكم - بالإسراف - أحوالكم، ولاستغراقكم - في الحظوظ - أوقاتكم. فلا نعمة الفراغ شكرتم، ولا من مسِّ العقوبة شكوتم... خسرتم وما شعرتم!

البقلي

تفسير : {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} من الله على عباده بتمكينهم فى الارض بنعت لتسهيل عباداته حيث يسر لهم عبودتيه قدرة خلقها فيمم بعد ان كلفهم ذلك وجعل فيه الابدانهم معايش الغداء ولقلوبهم معايش الذكر ولعقولهم معايش التفكر ولاراحهم معياش روح روية ظهور جلاله فى ملكوت الارض ومن كل زهرة وحضرة لعرفان المنعم القديم بنعت ععجزهم فى شكره ثم زاد امتنانه عليهم بانه تعالى اجادهم باظرف الخلق والطفه واحسن الصّور واكرمها بقوله {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} اى خلقنا اشباحكم جمعا فى أدم مث ورناكم فى حواء وايضا خلقكم هياكل وصورناكم ارواحا وايضا خلقناكم بالافعال وصورناكم بالصفات وايضا خلقناكم خلقكم بالامر ثم صورناكم بظهور تجلى الصفات لكلم فوقوع تلجى بروز الصفات فتكونت الصور بنعوت الصفات وتكونت الهياكل بنعوت الافعال وتكونت الارواح من تجلى الذات فيكون الجميع صاردة من القدم بنعت القدم الا ترى كيف اشار عليه السلام فيه الى سر المتشابهات حيث قال خلق الله أدم على صورته فجعل للاشباح طريق العبودية وجعل للارواح طريق عرفان الربوبية وجعل للعقول طريق الملكوت وجعل القلوب طريق الجبروت وجل للاسرار طريق القدم والبقاء قال بعضهم ابدع الله الهياكل واظهرها على اخلاق شتى وصورة مختلفة وجعل لكل شئ منها عيشا فعيش القلوب فى الشهر وعيش الفنوس فى الوجود وعيش العبد معبوده وعيش الحواس الاخلال ويعش الأخرة العمل وعيش الدنيا الجهل الامارة والاغترار بها ولما صور الجميع فى أدم بصورة أدم وصور أدم بصروة الصفات المنزهة عن المشابهة بالحدثان ههنا علما لا رسما وههنا عشقا لا شباهها احدية وتوحيد وجمعا وتفرقة لا تشبيها ولا تعطيلا زنية بنور الصفات ونعت الافعال ثم كساه انوار الذات ثم قال للملائكة اسجدوا له بقوله تعالى {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُوۤاْ} لانه قبله تجلى الصفات والذات وهو مصور بصروة الملك فى الملكوت قلبه موضع استواه انورا الذات وصورته موضع استواء انوار الصفات وهيكلة موضع استواء انورا الافعال ورحه موضع استواء انوار المحبة وسره موضع استواء انوار العلم والمعرفة اسجوا لأدم فانه لكم واسطة فى العبودية لا معرفة الربوبية واسطة فى العبادة فانه يبق بكم فان فى عبادتى لا يليق الكون ومن فيه وما فيه اظهر اتسغناه عن عبودتيه الخلق لكمن ادخل عشاق الملائكة فى مقام المحبة والعشق فتجلى لهم بنور جماله من مراه وجه أدم ليغتر قلوبهم بلذة المحبة والعشق ولو انزل لهم انوار صفاته وذاته صرفا احترقوا فى اول ابدا من نور الالوهية ولم يسجد ابليس لانه كان محجوبا من ذلك الجلال والجمال بنظره الى نفسه وقياسه بجهله وكذا من نظر من الحق الى النفس احتجب بها عن رب النفس قوله {إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينَ} اى لم يكن من اهل شهود الصفات ورؤية جلال الذات قال ابو حفص عرف الملائكة استغناءه عن عبادتهم قال اسجدوا لأدم ولو كان سجودهم يزن عنده مثقال ذرة لما ارمهم بذلك ولا صرف وجوههم الى أدم قال سجود الملائكة وجيمع خلقه لا يزيد فى ملكه لانه عزيز قبل ان خلقهم وعزيزبعد ان يفنيهم وعزيز حين يبعثهم ثم غير ابليس بامتناعه عن السجود لأدم وقةل عرفانه شرفه بقوله {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} اى اىّ شئ يمنعك من متابعة امرى ولم يبق لى البين غيرى اى يمنعك من ذلك قهر سابق منى عليك وخذلان وارد فى المشية عليك والا فمن الحدثان بامتناعها عن متابعة امرى وليس لها قدرة ولا مشية وكلها عاجزة فى قبضة قهرى ومن سبق له الشفاء لا يسبق بالمراد وان كان جميع عباده الثقلين مصحوبا معه فى استباقه الى الحضرة قال الواسطى من استصحب كل نسك فى الدنيا والأخرى الجهل فطنه والاعتراض عرضه والبعد من الله سببه لا يقرب منه لان العبادات تقطع عن الرعايات ورؤية النسك رؤية الافعال والنفوس ولا متوثب على اله اشد ممن طالع نفسه بعين الرضا فلما كلهم الله ابليس بكلام التعبير وقهر السلطنة البسه من خطابه قدرة فى الجواب ولولا لباس الحق اياه كان مبهوتا عند وارد قهر الخطاب عليه ولم ينطق بجواب الامر ولكن اجابه الاختيار وذلك قوله تعالى {قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} لما راى الملعون لباس قهر خطاب الحق عليه قال بقوته انا ولولا ذلك لما قال انا واين انائيته وكان هباء فى انائيته وكان هباء فى انائيته الحق نظر الملعون الى جوهر النار لصادر من قهر العدم فانتسب الى قهر القدم قال انا خير منه ولم ينظر بنظر المعرفة الى الطين الذى صدر من لطف القدم ورحة الازلية النار من غضبه وطين من رحمته والرحمة سابقة على الغضب لقوله سبحانه سبقت رحمتى غضبى نظر الى صفة واحدة ولم ينظر الى صفة اخرى فاحتجب بالصفة عن الصفة فقال انا خير منه ولو راى مصدر جميع الصفات لذاب تحت روية الكبرياء وانوار العظمة ولم يكن بعد فنائه ابدا لان من عرف وصف القدم صار عدما فى القدم والو راى الملعون من وجه ادم ما راى الملائكة ما قال انا خير منه كان جاهلا به والملائكة كانوا عاشقين به غلط فى قياسه ورؤيته الى نفسه واين النار من الطين الذى يقبض قرض الطاف العزة ومخلوق يدا الصفة الخالصة ومنبت اجسام الانبياء والرسل والاولياء والصديقين ومنبت اغذية الخلائق ومرجع الكل وهو بريقة الاجسام والارواح فى العالم ليخرج منه سباتك القدس لمجالس الانس والنار عذاب قهره مجازى بها من خلقه نار يا كابليس وجنوده قوته من اصله الذى كان منه كان من نار اللعنة فعداه باللعنة قال وان عليك اللعنة كل شئ يرجع الى اصله كان جاهلا بظاهر العلم بعد ان كان جاهلا بباطن العلم ولولا ذلك لم يسلك طريق القياس عند وقوع النص والنص غالب على القياس من جميع الجهات قال بعضهم لما نظر الى الجوهر ولعبادة توهم المسكين انه خير فسبب فاسد النفوس من رؤية الطاعة وقيل توهم ان الجواهر من الكون على مثله وكشله فى الخلقو فضل من جهة الخلقة والجوهرية ولم يعلم ولم يتقن ان الفضل من المتفضل دون الجوهرية وقال الواسطى من لبس قميص النسك خامره انا لذلك قال ابليس انا خير منه ولو لم يقل خير منه لاهلكه قوله فى المقابلة انا قال ابن عطا حجب ابليس بروية الفخر بنفسه عن التعظيم ولو راى تعظيم الحق لم يعظم غيره لان الحق اذا استولى على سر قهره فلم يترك فيه فضلا لغيره ولما راى الملعون فضل أدم وذريته بالعلم الاسمائى وعرفان الصفاتى والمسابقة على اكل بعنايته الازلية حسد عليهم وخرج على عداوتهم بعد طرده من باب الرحم وتجاسر بجهلهل فى مقابلة الحضرة بالمخاطبة بقوله {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} ههنا قسم اى بارادتك السابقة فى اغوائك اى لاقعدن لهم صراطك المستقيم كما قال فبعزتك اى بما البتنى لباس قهرك فى الازل اقدرك اقعد فى طريقك المستقيم والا فلا قدران امرتهم فى وراء العالم بقوة قهرك فى الازل وسواس فى صدروهم الى هى طريقك المسقيم الذى يسالك فيه عساكر انوار تجلاك وفى قوله لهم نكتة عجيبة اى لاقعدن لهم لاعلمهم فان وسوستى لم تزيد شرفهم عند احساننى عند صدورهم بنعت اياسى عن الظفر بهم ويتصرح هناك ايمانهم وايقانهم عن نعوت الاضطراب وطوارق الوسواس وغبرا الشك الا ترى الى قوله عليه السلام حين شكاه اصحابه عما وجدا فى صدورهم من الوسوسة فاشار عليه السلام بقوله ذاك صريح الايمان قال محمد بن عيسى الهاشمى لو نجا ابليس بشئ لنجا رؤية القدرة عليه والاقرار على نفسه بقوله رب بما اغويتنى ثم زاد الجرأة بقوله {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} اى من بين ايديهم من جهت النفس والهوى ومن خلفهم من جهت الشهوة والمنى وعن اميانهم من طريق الدعوى عن شمائلهم من طريق اظهارهم الشكوى فى البلوى وايضا من بين ايديهم من طريق الطاعات ومن خلفم من طريق رؤية الاعواض وعن ايمانهم من طريق العلم وعن شمائهم من طريق الجهل وايضا من بين ايديهم من طريق القلب ومن خلفهم من طريق العقل وعن ايمانهم من طريق الروح وعن شمائلهم من طريق الصورة والنفس وايضا من بين ايديهم من طريق الاسلام ومن خلفهم من طريق الايمان وعن ايمانهم من طريق العرفان وعن شمائهلم من طريق الايقان لم يذكر الفوق والتحت لان التحت موضع الفناء فى العبودية عند السجود الذى يوجب القربة وذلك السجود شهود والشهود محل رعاية الحق ولا يقدر ان تمر على باب احد دونه والفرق محل الكشف والمشاهدة واراد التجلى وظهور سبحات وجه القدم ولودنا منه جميع الشياطين من العرش الى الثرى بقدر اسارره لاحترقوا فى اقل لمحة قال ابو عثمان المغربى ان الشيطان ياتى الانسان عن يمين الطاعات من بين يدى الامانى والكرامات ومن خلفه بالضلالات والبدع ومن يساره باشرك فاذا جرى بعبد سعادة قبل منهم ما يامرونه من الطاعات فاذا اراد وان يهلكوه بطاعته رد الى السعادة التى جرت له فيكون ذلك ربحا وزيادة الا تراه بقوله ثم لاتينهم من بين ايديهم الأية قال والا تجد اكثرهم شاكرين فالاكثر من هلك بطاعته والاقل من ادركته السعادة فنجا قال الشبلى لم يقل من فوقهم ولا من يتحتهم لان الفوق موضع نظر الملك الى قلوب العارفين والتحت مواضع الساجدين وموضع نظره وموضع عبادتهم لا يكون الشيطان هناك موضع ولا فيه طرق.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد مكناكم فى الأرض} اى جعلنا لكم منها مكانا وقرارا وأقدرناكم فى التصرف فيها على أى وجه شئتم {وجعلناكم فيها معايش} اى انشأنا وأبدعنا لمصالحكم ومنافعكم فيها اسبابا تعيشون بها جمع معيشة وهى ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرهما والخطاب لقريش فانه تعالى فضلهم على العرب بان مكنهم من الرحلة الى الشام اوان الصيف ومن الرحلة الى اليمن اوان الشتاء آمنين بسبب كونهم سكان حرم الله تعالى ومجاورى بيته الشريف ويتخطف الناس من حولهم فيتجرون بتينك الرحلتين ويكسبون ما يكون سببا لحياتهم من المآكل والمشارب والملابس وغيرها {قليلا ما تشكرون} فيما صنعت اليكم. والاشارة ان التمكين لفظ جامع للتمليك والتسليط والقدرة على تحصيل اسباب كل خير وسعادة دنيوية كانت او اخروية وكمال استعداد المعرفة والمحبة والطلب والسير الى الله ونيل الوصول والوصال ما تشرف بهذا التمكين الا الانسان وبه كرم وفضل وبه يتم امر خلافته ولهذا امر الملائكة بسجود آدم وبه من الله على اولاده بقوله {لقد مكناكم فى الارض} اى سيرناكم ووهبنا لكم فى خلافة الارض ما لم نمكن احدا غيركم فى الارض من الحيوانات ولا فى السماء من الملائكة وجعلنا لكم خاصة فيها معايش اى جعلنا لكل صنف من الملك والحيوان والشيطان معيشة يعيش بها او جعلنا لكم فيها معايش لان الانسان مجموع من الملكية والحيوانية والشيطانية والانسانية فمعيشة الملك هى معيشة روحه ومعيشة الحيوان هى ميعشة بدنه ومعيشة الشيطان هى معيشة نفسه الامارة بالسوء ولما حصل للانسان بهذا التركيب مراتب الانسانية وانها لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهى القلب والسر والخفى فمعيشة قلبه هى الشهود ومعيشة سره هى الكشوف ومعيشة خفيه هى الوصال والوصول قليلا ما تشكرون اى قليلا منكم من يشكر هذه النعم اى نعمة التمكن ونعمة المعايش برؤية هذه النعم والتحدث بها فان رؤية النعم شكرها والتحدث بالنعم ايضا شكر كذا فى التأويلات النجمية شعر : نعمت بسى وشكر كزارنده اندكست كوينده سياس الهى زصد يكست تفسير : واعلم ان النعمة انما تسلب ممن لا يعرف قدرها ولا يؤدى شكرها ـ روى ـ ان بعض الانبياء عليهم السلام سأل الله تعالى عن امر بلعم وطرده بعد تلك الآيات والكرامات فقال الله تعالى لم يشكرنى يوما من الايام على ما اعطيته ولو شكرنى على ذلك مرة لما سلبته فتيقظ ايها الرجل واحتفظ بركن الشكر جدا جدا واحمد الله على مننه التى اعلاها الاسلام والمعرفة وادناها مثلا توفيق لتسبيح او عصمة من كلمة لا تعنيك عسى ان يتم نعمه عليك ولا يبتليك بمرارة الزوال فان امر الامور واصعبها الاهانة بعد الاكرام والطرد بعد التقريب والفراق بعد الوصال: قال السعدى قدس سره شعر : نداند كسى قدر روز خوشى مكر روزى افتد بسختى كشى مكن تكيه برد ستاكهى كه هست كه باشد كه نعمت نماند بدست بسا اهل دولت ببازى نشت كه دولت برفتش ببازى زدست فضيحت بود خوشه اندوختن بس ازخرمن خويشتن سوختن توبيش ازعقوبت درعفو كوب كه سودى ندارد فغان زير جوب اكر بنده كوشش كند بنده وار عز يزش ندارد خداوندكار وكر كند رايست در بندكى ز جاندارى افتد بخر بندكى تفسير : اللهم احفظنا من الكفران ووفقنا للشكر كل حين وآن.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد مكناكم في الأرض}؛ تتصرفون فيها بالبناء والسكن، وبالغرس والحرث والزرع، وغير ذلك من أنواع التصرفات، {وجعلنا لكم فيها معايش}: أسبابًا تعيشون بها؛ كالتجارة وسائر الحرف، {قليلاً ما تشكرون} على هذه النعم، فتقابلون المنعم بالكفر والعصيان، فأنتم جديرون بسلبها عنكم، وإبدالها بالنقم، لولا فضله ورحمته. الإشارة: نعمة التمكين في الأرض متحققة في أهل التجريد، والمنقطعين إلى الله تعالى، فهم يذهبون في الأرض حيث شاءوا، ومائدتهم ممدودة يأكلون منها حيث شاؤوا، فهم متمكّنون من أمر دينهم؛ لقلة عوائدهم، ومن أمر دنياهم؛ لأنها قائمة بالله، تجري عليهم أرزاقهم من حيث لا يحتسبون، تخدمهم ولا يخدمونها؛ "يا دنياي اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك". فمن قصّر منهم في الشكر توجه إليه العتاب بقوله: {ولقد مكناكم في الأرض} إلى قوله: {قليلاً ما تشكرون}، ومن تحقق شكره قيل له: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ }تفسير : [القصص: 5ـ6]. والله تعالى أعلم. ولما ذكر نعمة الإمداد أتبعه بنعمة الإيجاد، فقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ}.

الطوسي

تفسير : روى خارجة عن نافع همز {معايش} وروي ذلك عن الاعمش، وعبد الرحمن الاعرج. الباقون غير مهموز. وعند جميع النحويين أن {معايش} لا يهمز، ومتى همز كان لحنا، لان الياء فيها اصلية، لانه من عاش يعيش، ولم يعرض فيها علة كما عرض في (اوائل) وهي في (مدينة) زائدة علة لا تدخلها الحركة كما لا تدخل الالف، ومثله (مسألة، ومسائل، ومنارة ومنائر، ومقام ومقاوم) قال الشاعر: شعر : واني لقوام مقاوم لم يكن جرير ولا مولى جرير يقومها تفسير : ووزنه (مفعلة) مثل مسورة ومساور، ومن همزها اعتقدها (فعيلة) على وزن (صحيفة) فجمعها على (فعائل) مثل (صحائف) وذلك غلط، لان الياء أصلها لقولهم عاش يعيش عيشا ومعيشة. قال ابو علي من همز (مدائن) لم يجعله (مفعلة) ولكنه (فعيلة) بدلالة قولهم: مدني، ولا يجوز ان يكون (مفعلة) من دان يدين، ومن أخذه من ذلك قال في الجمع مداين، بتصحيح الياء. واعتل (معيشة) لانه على وزن (يعيش) وزيادتها تختص بالاسم دون الفعل، فلم يحتج الى الفصل بين الاسم والفعل، كما احتيج اليه فيما كان زيادته مشتركة، نحو الهمزة في (أجاد) و (هو أجود منك)، وموافقة الاسم لبناء الفعل توجب في الاسم الاعتلال، ألا ترى انهم أعلوا (بابا) و (دارا) لما كانا على وزن الفعل. وصححوا نحو (حول) و (غيبة) و (لومة) لما لم تكن على مثال الفعل، فـ (معيشة) موافقة للفعل في البناء، مثل (يعيش) في الزنة، وتكسيرها يزيل مشابهتها في البناء، فقد علمت بذلك زوال المعنى الموجب للاعلال في الواحد وفى الجمع، فلزم التصحيح في التكسير لزوال المشابهة في اللفظ، لان التكسير معنى لا يكون في الفعل، وانما يختص الاسم به، فاذا زالت مشابهة الفعل وجب تصحيحه. ومن همز (مصايب) فانه غلط، كما غلط من همز (معايش) ومثله جاء في جمع (مسيل) أمسلة، جاء ذلك في الشعر لبني هذيل، فتوهموه (فعيلة) وانما هو (مفعلة) وحكى يعقوب: مسيل وميسل، فالميم على هذا فاء ومسيل (فعيل)، وعلى الاول (مفعل) من سال. قال الزجاج: من همز (مصايب) جعل الهمزة بدلا من الواو، كما قالوا: أقب في (وقب) وهذا ان وقع في أول الكلام. وقد قالوا في (أدور) أدأر، فهمزوه، فجاز على هذا ان يكونوا حملوا المكسورة على المضمومة. ويقال: عاش فلان بمعنى حيي، وطيب العيش طيب الحياة، فلهذا كانت المعيشة مضمنة بالحياة. وحد المعيشة الرماني: بأنها وصلة من جهة مكسب المطعم والمشرب والملبس الى ما فيه الحياة. اخبر الله تعالى على وجه الامتنان على خلقه بأصناف نعمه انه مكن عباده في الارض بمعنى مكنهم من التصرف فيها، والتمكين اعطاء ما يصح معه الفعل مع ارتفاع المنع، لان الفعل كما يحتاج الى القدرة فقد يحتاج الى آلة والى سبب، كما يحتاج الى رفع المنع، فالتمكين عبارة عن حصول جميع ذلك. والارض هذه الارض المعروفة، وفى الأصل عبارة عن قرار يمكن أن يتصرف عليه الحيوان، فعلى هذا لو خلق مثلها، لكانت أرضا حقيقة. وقوله {وجعلنا لكم فيها معايش} فالجعل وجود ما به يكون الشيء على خلاف ما كان، مثل ان تقول جعلت الساكن متحركا، لانك فعلت فيه الحركة، ونظيره التصيير والعمل،. وجعل الشيء أعم من حدوثه، لانه قد يكون بحدوث غيره فيه مما يتغير به. وقوله {قليلا ما تشكرون} نصب قليلا بـ {تشكرون}، وتقديره تشكرون قليلا. و (ما) زائدة. ويحتمل ان تكون مع ما بعدها بمنزلة المصدر، وتقديره قليلا شكركم. والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم، والحمد مثله. وقيل: الفرق بينهما ان كل شكر حمد، وليس كل حمد شكرا، لان الانسان يحمد على احسانه الى نفسه، ولا يشكر عليه، كما انه يذم على اساءته الى نفسه، ولا يجوز ان يكفر من اجل اساءته الى نفسه.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} الطّبيعيّة او ارض البدن او ارض القرآن والسّير والاخبار لان تؤدّوا الحقوق الى مستحقّيها {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} لابدانكم وارواحكم {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} باداء الحقّ الّذى هو استعداد الاتّصال والقبول من عقلٍ او نبىٍّ او وصىٍّ اليه.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ}. قال الحسن: يعني المشركين بعد الماضين، فجعلناكم خلائف بعدهم. {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي: أقلكم الشاكرون، يعني أقلكم المؤمنون، أي أقلكم من يؤمن. قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ} أي الخلق الأول: آدم من طين، ونسله بعده من نطفة {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ} أي: بعد خلق آدم، قبل خلقكم من النطف {اسْجُدُوا لأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}. قال بعضهم: خلق الله آدم من طين، ثم صوّرناكم في بطون أمهاتكم. وقال مجاهد: ثم صورناكم في ظهر آدم. وقال الكلبي: خلقناكم من نطفة، ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم لحماً، ثم صورناكم، أي العينين والأنف والأذنين واليدين والرجلين صوراً نحوا من هذا. ثم جعل حسناً وقبيحاً، وجسيماً وقصيراً وأشباه ذلك. ثم رجع إلى قصة آدم عليه السلام فقال: ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين. قال بعضهم: كانت الطاعة لله والسجود لآدم. قوله: {إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ}. وقال في آية أخرى: (أية : فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ) تفسير : [الكهف:50]. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود. وقال بعضهم: كان من الجن وهم جنس من الملائكة يقال لهم الجن. وقال بعضهم: جن عن طاعة ربّه. وقال الحسن: إن إبليس ليس من الملائكة وإنه من نار السّموم، وإن الملائكة خلقوا من نور الله، وإن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم وأمر إبليس أيضاً بالسجود له، فجمع المأمورين جميعاً. قوله: {قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} يعني في السماء {فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ. قَالَ أَنظِرْنِي} أي أخِّرني {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ} وقال في آية أخرى: (أية : إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) تفسير : [سورة ص:81] أي إلى النفخة الأولى. وأما قوله ها هنا: {إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ} ففيها إضمار: إلى يوم الوقت المعلوم. {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي} أي: فبما أضللتني. وقال الحسن: فبما لعنتني {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ} أي: فأصدّهم عنه. ذكروا عن الحسن قال: ليس من هذا الخلق شيء إلا وقد توجه حيث وجه. ولولا أن ابن آدم قعد له على الطريق، أي الشيطان، فيخبل له حتى عدله، مضى كما مضى سائر الخلق. يعني أن بني آدم ابتلوا بما لم يُبتل به غيرهم من الخلق.

اطفيش

تفسير : {ولَقَد مَكنَّاكُم فى الأرْض} جعلنا لكم فيها مكانا وملكناكم إياها، وأسكناكم فيها، وأقدرناكم على زرعها، والتصرف فيها، والخطاب للناس، وأن المعنى جعلناكم خلائف عمن قبلكم، وعن الحسن: إنه للمشركين. {وجَعَلنا لَكُم فِيها مَعايِشَ} بالياء فى الرواية المشهورة عن نافع كما قال المرادى، ولم تقلب همزة مع أنها فى المفرد وهو معيشة مد ثالث، لأنها غير زائدة، بل عين الكلمة الأصل معيشة بسكون العين وكسر الياء، نقل كسرها لثقله عليها إلى العين فهى فى الحقيقة متحركة، فهى غير مد أيضا بالنظر للأصل، فلا تقلب. وروى عن نافع وابن عامر والأعرج: معائش بالهمزة وهو شاذ تشبيها بنحو: قليدة وقلائد، مما المد الثالث فيه زائد، والذى روى ذلك عن نافع خارجة، وهو من رواة نافع، وروى عنه ورش معائش بإسكان الياء، وأجاز سيبويه فى معيشة أن يكون أصله ما مر، وأن يكون أصله معيشة بإسكان العين وضم الياء حذف ضمها لثقله، وكسرت العين فهى أيضا متحركة فى الأصل، وغير مد. وعن الفراء: الأصل معيشة بإسكان العين وفتح الياء، حذف الفتح وكسرت العين، ويرده أنه لا تخفيف فى هذا فيرتكب، وأنه لو كان كذلك لقيل معاشة كمهابة، كما قيل فى الواوى: مخافة ومقالة بنقل فتح حرف العلة لما قبله وقلبه ألفا، والمعيشة مصدر ميمى بمعنى العيش، أى الحياة، ولا تكون حياة الآدمى إلا بالطعام والشراب وغيرهما من المنافع، وفقد المضار المؤذية المهلكة، ويجوز أن ينقل عن ذلك المعنى، ويراد به ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرهما، أو ما يتوصل به إلى ذلك كالمكاسب والزراعات والصنايع، هذه الآية لتكثير الرزق يكتب يوم الجمعة بعد فراغ الناس من صلاتها وتجعل فى البيت والحانوت أو مكان يسكن يكثر رزقه. {قليلاً ما تشْكُرونَ} فيه ما مر فى قليلا ما تذكرون، والقلة على ظاهرها، فإنه قد يصدر التذكر والشكر، ولو من منافق ومشرك مثبت لله، فإن من الشكر ذكر النعمة، وأنها من الله تعظيما له تعالى، ولو كان لا ينفعهما، وإن قلنا الخطاب للناس فغير خفى أن الشاكرين قليل، فالشكر قليل، ولك أن تقول: القلة بمعنى النفى، وأن الخطاب للمشركين والمنافقين، وأن الشكر المنفى والشكر التام وهو استعمال القلب والجوارح فى الطاعة وصرفها عن المعصية.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ} يا بنى آدم، أَقدرناكم أَو جعلنا لكم مكاناً وقراراً {فِى الأَرْضِ} بالسكنى والحرث والغرس والحفر والبناء وسائر التصرفات {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} أَنشأْنا لكم وخلقنا، والمعنى واحد، وصيرنا وما قبله أَولى، والمعيشة اسم لما يعاش به أَى يحيا به من المطاعم والمشارب بغير كسب أَو بكسب، أَو اسم لما يتوصل به إِلى العيش، ووزنه مفعلة بكسر العين نقلت كسرة الياء إِلى العين، والياء أَصل فصحت فى الجمع ولم تقلب همزة وذلك هو الرواية الراجحة عن نافع، وروى عنه قلبها همزة شذوذاً؛ لأَن العرب قد تشبه الأَصل بالزائد إِذا كان على صورته كما سمع شذوذاً مصائب بالهمزة، نص عليه ابن عقيل، وقياسه مصاوب بالواو لأَن عين المصيبة وأَصاب وصاب واو أَصلية قلبت ياء فى مصيبة، والفاء فى أَصاب وصاب: وابن عقيل تلميذ أَبى حيان حجة، وقد نص على همز مصائب شذوذاً، فقول بعض المتأَخرين همز المصائب من المصايب خطأ، ليت شعرى كيف يقول المصاوب بالواو مع أَنه لم يسمع؟ أَم يقول بالياء من عنده بلا قاعدة، والصحيح أَن قراءَة معائش بالهمزة شاذة خارجة عن السبعة وليست عن نافع بل قرأَ بها أَبو جعفر المدنى والأَعرج فإِما على الشذوذ وإِما على أَن الميم أَصل والياء زائدة فصح قلبها همزة ووزنه فعيلة. ومعنى التحرك الرقيق فى المصالح، ولكم متعلق بجعلنا وفيها متعلق به أَيضا أَو بمحذوف حال من معائش، أَو معائش مفعول أَول ولكم مفعول ثان وفيها متعلق بلكم لنيابته عما يتعلق به، أَو متعلق بما يعلق به لكم، وقدم لكم بطريق الاعتناء بالمنفعة والتشويق إِلى المتأَخر المنفوع به {قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} تشكرون شكراً قليلا أَو زمانا قليلا، وما تأكيد للقلة، أَو فى زمان قليل شكركم وما مصدرية.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } ترغيب في قبول دعوة النبــي عليه الصلاة والسلام بتذكير النعم إثر ترهيب. وذكر الطيبي أن هذا نوع آخر من الإنذار فإنه جملة قسمية معطوفة على قوله سبحانه: { أية : ٱتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبِّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 3] على تقدير قل اتبعوا وقل والله لقد مكناكم، والمعنى جعلنا لكم في الأرض مكاناً وقراراً. وقيل: أقدرناكم على التصرف فيها فهو حينئذ كناية ورجحت هنا الحقيقة. {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ } أي ما تعيشون به وتحيون من المطاعم والمشارب ونحوها أو ما تتوصلون به إلى ذلك، وهو في الأصل مصدر عاش يعيش عيشاً وعيشة ومعاشا ومعيشة بوزن مفعلة، والجمهور على التصريح بالياء فيها، وروي عن نافع (معائش) بالهمز وغلطه النحويون ومنهم سيبويه في ذلك لأنه لا يهمز عندهم بعد ألف الجمع إلا الياء الزائدة كصحيفة وصحائف وأما معايش فياؤه أصلية هي عين الكلمة لأنها من العيش وبالغ أبو عثمان فقال: إن نافعا لم يكن يدري بالعربية، وتعقب ذلك بأن هذه القراءة وإن كانت شاذة غير متواترة مأخوذة من الفصحاء الثقات والعرب قد تشبه الأصلي بالزائد لكونه على صورته، وقد سمع هذا عنهم فيما ذكر وفي مصائب ومنائر أيضاً. وقول سيبويه: إنها غلط يمكن أن يراد به أنها خارجة عن الجادة والقياس، وكثيراً ما يستعمل الغلط في «كتابه» بهذا المعنى. والجعل بمعنى الإنشاء والإبداع وكل واحد من الظرفين متعلق به أو بمحذوف وقع حالا من مفعوله المنكر إذ لو تأخر لكان صفة له؛ وتقديمهما على المفعول مع أن حقهما التأخير عنه ـ كما قال بعض المحققين ـ للاعتناء بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر فإن النفس عند تأخير ما حقه التقديم لا سيما عند كون المقدم / منبئاً عن منفعة السامع تبقى مترقبة لورود المؤخر فيتمكن فيها عند الورود فضل تمكن، وأما تقديم اللام على في فلما أنه المنبىء عما ذكر من المنفعة والاعتناء بشأنه أتم والمسارعة إلى ذكره أهم، وقيل: إن الجعل متعد إلى مفعولين ثانيهما أحد الظرفين على أنه مستقر قدم على الأول، والظرف الآخر إما لغو متعلق بالجعل أو بالمحذوف الواقع حالاً من المفعول الأول كما مر، واعترض بأنه لا فائدة يعتد بها في الأخبار بجعل المعايش حاصلة لهم أو حاصلة في الأرض. {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } تلك النعمة الجسيمة، وهو تذييل مسوق لبيان سوء [حال] المخاطبين وتحذيرهم قال الطيبي: والتذييل بذلك لأن الشكر مناسب لتمكينهم في البلاد والتصرف فيها كما أن التذكر في الجملة السابقة موافق للتمييز بين اتباع دين الحق ودين الباطل، وبقية الكلام في هذه الجملة على طرز ما مر في نظيرها فتذكر.

سيد قطب

تفسير : من هنا تبدأ الرحلة الكبرى.. تبدأ بتمهيد عن تمكين الله للجنس البشري في الأرض، كحقيقة مطلقة، وذلك قبل أن تبدأ قصة البشرية تفصيلاً. {ولقد مكناكم في الأرض، وجعلنا لكم فيها معايش، قليلاً ما تشكرون}: إن خالق الأرض وخالق الناس، هو الذي مكن لهذا الجنس البشري في الأرض. هو الذي أودع الأرض هذه الخصائص والموافقات الكثيرة التي تسمح بحياة هذا الجنس وتقوته وتعوله، بما فيها من أسباب الرزق والمعايش.. هو الذي جعلها مقراً صالحاً لنشأته بجوها وتركيبها وحجمها وبعدها عن الشمس والقمر، ودورتها حول الشمس، وميلها على محورها، وسرعة دورتها.. إلى آخر هذه الموافقات التي تسمح بحياة هذا الجنس عليها، وهو الذي أودع هذه الأرض من الأقوات والأرزاق ومن القوى والطاقات ما يسمح بنشأة هذا الجنس وحياته، وبنمو هذه الحياة ورقيها معاً.. وهو الذي جعل هذا الجنس سيد مخلوقات هذه الأرض، قادراً على تطويعها واستخدامها؛ بما أودعه الله من خصائص واستعدادات للتعرف إلى بعض نواميس هذا الكون وتسخيرها في حاجته. ولولا تمكين الله للإنسان في الأرض بهذا وذلك، ما استطاع هذا المخلوق الضعيف القوة أن "يقهر الطبيعة" كما يعبر أهل الجاهلية قديماً وحديثاً! ولا كان بقوته الذاتية قادراً على مواجهة القوى الكونية الهائلة الساحقة! إن التصورات الجاهلية الإغريقية والرومانية هي التي تطبع تصورات الجاهلية الحديثة.. هي التي تصور الكون عدواً للإنسان وتصور القوى الكونية مضادة لوجوده وحركته؛ وتصور الإنسان في معركة مع هذه القوى - بجهده وحده - وتصور كل تعرف إلى النواميس الكونية، وكل تسخير لها "قهراً للطبيعة" في المعركة بينها وبين الجنس الإنساني! إنها تصورات سخيفة، فوق أنها تصورات خبيثة! لو كانت النواميس الكونية مضادة للإنسان، عدوة له، تتربص به، وتعاكس اتجاهه، وليس وراءها إرادة مدبرة - كما يزعمون- ما نشأ هذا الإنسان أصلاً! وإلا فكيف كان ينشأ؟ كيف ينشأ في كون معاد بلا إرادة وراءه؟ ولما استطاع المضي في الحياة على فرض أنه وجد! وإلا فكيف يمضي والقوى الكونية الهائلة تعاكس اتجاهه؟ وهي - بزعمهم - التي تصرف نفسها ولا سلطان وراء سلطانها؟ إن التصور الإسلامي وحده هو الذي يمضي وراء هذه الجزئيات ليربطها كلها بأصل شامل متناسق.. إن الله هو الذي خلق الكون، وهو الذي خلق الإنسان. وقد اقتضت مشيئته وحكمته أن يجعل طبيعة هذا الكون بحيث تسمح بنشأة هذا الإنسان، وأودع الإنسان من الاستعدادات ما يسمح له بالتعرف إلى بعض نواميس الكون واستخدامها في حاجته... وهذا التناسق الملحوظ هو الجدير بصنعة الله الذي أحسن كل شيء خلقه. ولم يجعل خلائقه متعاكسة متعادية متدابرة! وفي ظل هذا التصور يعيش "الإنسان" في كون مأنوس صديق؛ وفي رعاية قوة حكيمة مدبرة.. يعيش مطمئن القلب، مستروح النفس، ثابت الخطو، ينهض بالخلافة عن الله في الأرض في اطمئنان الواثق بأنه معانٌ على الخلافة؛ ويتعامل مع الكون بروح المودة والصداقة؛ ويشكر الله كلما اهتدى إلى سر من أسرار الوجود؛ وكلما تعرف إلى قانون من قوانينه التي تعينه في خلافته؛ وتيسر له قدراً جديداً من الرقي والراحة والمتاع. إن هذا التصور لا يكفه عن الحركة لاستطلاع أسرار الوجود والتعرف إلى نواميسه.. على العكس، هو يشجعه ويملأ قلبه ثقة وطمأنينة.. إنه يتحرك في مواجهة كون صديق لا يبخل عليه بأسراره، ولا يمنع عنه مدده وعونه.. وليس في مواجهة كون عدو يتربص به ويعاكس اتجاهاته ويسحق أحلامه وآماله! إن مأساة "الوجودية" الكبرى هي هذا التصور النكد الخبيث.. تصور الوجود الكوني - بل الوجود الجماعي للبشرية ذاتها - معاكساً في طبيعته للوجود الفردي الإنساني، متجهاً بثقله الساحق إلى سحق هذا الوجود الإنساني! إنه تصور بائس لا بد أن ينشئ حالة من الانزواء والانكماش والعدمية! أو ينشئ حالة من الاستهتار والتمرد والفردية! وفي كلتا الحالتين لا يكون إلا القلق المضني! والبؤس النفسي والعقلي، والشرود في التيه: تيه التمرد، أو تيه العدم.. وهما سواء.. وهي ليست مأساة "الوجودية" وحدها من مذاهب الفكر الأوربي. إنها مأساة الفكر الأوربي كله - بكل مذاهبه واتجاهاته - بل مأساة الجاهلية كلها في جميع أزمانها وبيئاتها، المأساة التي يضع الإسلام حداً لها بعقيدته الشاملة، التي تنشئ في الإدراك البشري تصوراً صحيحاً لهذا الوجود، وما وراءه من قوة مدبرة. إن "الإنسان"هو ابن هذه الأرض؛ وهو ابن هذا الكون. لقد أنشأه الله من هذه الأرض، ومكنه فيها، وجعل له فيها أرزاقاً ومعايش، ويسر له المعرفة التي تسلمه مفاتيحها؛ وجعل نواميسها موافقة لوجود هذا الإنسان، تساعده - حين يتعرف إليها على بصيرة - وتيسر حياته.. ولكن الناس قليلاً ما يشكرون.. ذلك أنهم في جاهليتهم لا يعلمون.. وحتى الذين يعلمون لا يملكون أن يوفوا نعمة الله عليهم حقها من الشكر، وأنى لهم الوفاء؟ لولا أن الله يقبل منهم ما يطيقون: وهؤلاء وهؤلاء ينطبق عليهم بهذين الاعتبارين قوله تعالى: {قليلاً ما تشكرون}. بعد ذلك تبدأ قصة البشرية بأحداثها المثيرة.. تبدأ بإعلان ميلاد الإنسان في احتفال مهيب، في رحاب الملأ الأعلى.. يعلنه الملك العزيز الجليل العظيم؛ زيادة في الحفاوة والتكريم. وتحتشد له الملائكة - وفي زمرتهم وإن لم يكن منهم إبليس - وتشهده السماوات والأرض؛ وما خلق الله من شيء.. إنه أمر هائل وحدث عظيم في تاريخ هذا الوجود: {ولقد خلقناكم، ثم صورناكم، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين. قال: ما منعك أَلا تسجد إذ أمرتك؟ قال: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين. قال: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين. قال: أنظرني إلى يوم يبعثون. قال: إنك من المنظرين. قال: فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين. قال اخرج منها مذؤوماً مدحوراً، لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين}.. هذا هو المشهد الأول.. وهو مشهد مثير.. ومشهد خطير.. ونحن نؤثر استعراض مشاهد هذه القصة ابتداء؛ ونرجئ التعليق عليها، واستلهام إيحاءاتها إلى أن نفرغ من استعراضها.. {ولقد خلقناكم، ثم صورناكم، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} إن الخلق قد يكون معناه: الإنشاء. والتصوير قد يكون معناه: إعطاء الصورة والخصائص.. وهما مرتبتان في النشأة لا مرحلتان.. فإن {ثم} قد لا تكون للترتيب الزمني، ولكن للترقي المعنوي. والتصوير أرقى مرتبة من مجرد الوجود. فالوجود يكون للمادة الخامة؛ ولكن التصوير - بمعنى إعطاء الصورة الإنسانية والخصائص - يكون درجة أرقى من درجات الوجود. فكأنه قال: إننا لم نمنحكم مجرد الوجود ولكن جعلناه وجوداً ذا خصائص راقية. وذلك كقوله تعالى:{أية : الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى }. تفسير : فإن كل شيء أعطي خصائصه ووظائفه وهُدِي إلى أدائها عند خلقه. ولم تكن هناك فترة زمنية بين الخلق وإعطاء الخصائص والوظائف والهداية إلى أدائها. والمعنى لا يختلف إذا كان معنى "هَدى": هداه إلى ربه. فإنه هُدي إلى ربه عند خلقه. وكذلك آدم صور وأعطي خصائصه الإنسانية عند خلقه.. "وثم".. للترقي في الرتبة، لا للتراخي في الزمن. كما نرجح. وعلى أية حال فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم عليه السلام، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أَن إعطاء هذا الكائن خصائصه الإنسانية ووظائفه المستقلة، كان مصاحباً لخلقه. وأن الترقي في تاريخ الإنسان كان ترقياً في بروز هذه الخصائص ونموها وتدريبها واكتسابها الخبرة العالية. ولم يكن ترقياً في "وجود" الإنسان. من تطورالأنواع حتى انتهت إلى الإنسان - كما تقول الداروينية. ووجود أطوار مترقية من الحيوان تتبع ترتيباً زمنياً - بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء - هو مجرد نظرية "ظنية" وليست "يقينية" لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظناً! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها. وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها! على أنه - على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور - ليس هناك ما يمنع من وجود "أنواع" من الحيوان في أزمان متوالية بعضها أرقى من بعض؛ بفعل الظروف السائدة في الأرض، ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة حياتها، ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة بحيث لا تسمح لها بالحياة. ولكن هذا لا "يحتم" أن يكون بعضها "متطوراً" من بعض.. وحفريات دارون وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا.. لا تستطيع أن تثبت - في يقين مقطوع به - أن هذا النوع تطور تطوراً عضوياً من النوع الذي قبله من الناحية الزمنية - وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها - ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعاً أرقى من النوع الذي قبله زمنياً.. وهذا يمكن تعليله كما قلنا.. بأن الظروف السائدة في الأرض كانت تسمح بوجود هذا النوع. فلما تغيرت صارت صالحة لنشأة نوع آخر فنشأ. ومساعدة على انقراض النوع الذي كان عائشاً من قبل في الظروف الأخرى فانقرض. وعندئذ تكون نشأة النوع الإنساني نشأة مستقلة، في الزمن الذي علم الله أن ظروف الأرض تسمح بالحياة والنمو والترقي لهذا النوع، وهذا ما ترجحه مجموعة النصوص القرآنية في نشأة البشرية. وتفرد "الإنسان" من الناحية البيولوجية والفسيولوجية والعقلية والروحية. هذا التفرد الذي اضطر الداروينيون المحدثون - وفيهم الملحدون بالله كلية - للاعتراف به، دليل مرجح على تفرد النشأة الإنسانية، وعدم تداخلها مع الأنواع الأخرى في تطور عضوي! على أية حال لقد أعلن الله بذاته العلية الجليلة ميلاد هذا الكائن الإنساني؛ في حفل حافل من الملأ الأعلى: {ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم. فسجدوا. إلا إبليس لم يكن من الساجدين}.. والملائكة خلق آخر من خلق الله لهم خصائصهم ووظائفهم؛ لا نعلم عنهم إلا ما أنبأنا الله من أمرهم - وقد أجملنا ما علمنا الله من أمرهم في موضع سابق من هذه الظلال - وكذلك إبليس فهو خلق غير الملائكة. لقوله تعالى:{أية : إن إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه}تفسير : والجن خلق غير الملائكة، لا نعلم عنه كذلك إلا ما نبأنا الله من أمره - وقد أجملنا ما أنبأنا الله به من أمرهم في موضع من هذا الجزء أيضاً - وسيأتي في هذه السورة أن إبليس خلق من نار. فهو من غير الملائكة قطعاً. وإن كان قد أمر بالسجود لآدم في زمرة الملائكة. في ذلك الحفل العظيم الذي أعلن فيه الملك الجليل، ميلاد هذا الكائن الفريد.. فأما الملائكة - وهم الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون - فقد سجدوا مطيعين منفذين لأمر الله، لا يترددون ولا يستكبرون ولا يفكرون في معصية لأي سبب ولأي تصور ولأي تفكير.. هذه طبيعتهم، وهذه خصائصهم: وهذه وظيفتهم..وإلى هنا تتمثل كرامة هذا الكائن الإنساني على الله، كما تتمثل الطاعة المطلقة في ذلك الخلق المسمى بالملائكة من عباد الله. وأما إبليس فقد امتنع عن تنفيذ أمر الله - سبحانه - وعصاه. وسنعلم: ما الذي حاك في صدره، وما التصور الذي سيطر عليه فمنعه من طاعة ربه. وهو يعرف أنه ربه وخالقه، ومالك أمره وأمر الوجود كله؛ لا يشك في شيء من هذا كله! وكذلك نجد في المشهد ثلاثة نماذج من خلق الله: نموذج الطاعة المطلقة والتسليم العميق. ونموذج العصيان المطلق والاستكبار المقيت.. وطبيعة ثالثة هي الطبيعة البشرية. وسنعلم خصائصها وصفاتها المزدوجة فيما سيجيء. فأما الطبيعة الأولى فهي خالصة لله، وقد انتهى دورها في هذا الموقف بهذا التسليم المطلق. وأما الطبيعتان الأخريان، فسنعرف كيف تتجهان. {قال: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟ قال: أنا خير منه، خلقتني من نار، وخلقته من طين}. لقد جعل إبليس له رأياً مع النص. وجعل لنفسه حقاً في أن يحكم نفسه وفق ما يرى هو من سبب وعلة مع وجود الأمر.. وحين يوجد النص القاطع والأمر الجازم ينقطع النظر، ويبطل التفكر؛ وتتعين الطاعة، ويتحتم التنفيذ.. وهذا إبليس - لعنه الله - لم يكن ينقصه أن يعلم أن الله هو الخالق المالك الرازق المدبر الذي لا يقع في هذا الوجود شيء إلا بإذنه وقدره.. ولكنه لم يطع الأمر كما صدر إليه ولم ينفذه.. بمنطق من عند نفسه: {قال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}.. فكان الجزاء العاجل الذي تلقاه لتوه: {قال: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين}.. إن علمه بالله لم ينفعه، واعتقاده بوجوده وصفاته لم ينفعه.. وكذلك كل من يتلقى أمر الله؛ ثم يجعل لنفسه نظراً في هذا الأمر يترتب عليه قبوله أو رفضه؛ وحاكمية في قضية قضى الله فيها من قبل؛ يرد بها قضاء الله في هذه القضية.. إنه الكفر إذن مع العلم ومع الاعتقاد. فإبليس لم يكن ينقصه العلم، ولم يكن ينقصه الاعتقاد! لقد طرد من الجنة، وطرد من رحمة الله، وحقت عليه اللعنة، وكتب عليه الصغار. ولكن الشرير العنيد لا ينسى أن آدم هو سبب الطرد والغضب، ولا يستسلم لمصيره البائس دون أن ينتقم. ثم ليؤدي وظيفته وفق طبيعة الشر التي تمحضت فيه: {قال: أنظرني إلى يوم يبعثون. قال: إنك من المنظرين. قال: فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين}.. فهو الإصرار المطلق على الشر، والتصميم المطلق على الغواية.. وبذلك تتكشف هذه الطبيعة عن خصائصها الأولى.. شر ليس عارضاً ولا وقتياً. إنما هو الشر الأصيل العامد القاصد العنيد.. ثم هو التصوير المشخص للمعاني العقلية والحركات النفسية، في مشاهد شاخصة حية: لقد سأل إبليس ربه أن ينظره إلى يوم البعث. وهو يعلم أن هذا الذي يطلبه لا يقع إلاّ بإرادة الله وقدره. ولقد أجابه الله إلى طلبه في الإنظار، ولكن إلى {أية : يوم الوقت المعلوم} تفسير : كما جاء في السورة الأخرى. وقد وردت الروايات: أنه يوم النفخة الأولى التي يصعق فيها من في السماوات والأرض - إلا من شاء الله - لا يوم يبعثون.. وهنا يعلن إبليس في تبجح خبيث - وقد حصل على قضاء بالبقاء الطويل - أنه سيرد على تقدير الله له الغواية وإنزالها به، بسبب معصيته وتبجحه؛ بأن يغوي ذلك المخلوق الذي كرمه الله، والذي بسببه كانت مأساة إبليس ولعنه وطرده! ويجسم هذا الإغواء بقوله الذي حكاه القرآن عنه: {... لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم}.. إنه سيقعد لآدم وذريته على صراط الله المستقيم، يصد عنه كل من يهم منهم باجتيازه - والطريق إلى الله لا يمكن أن يكون حساً، فالله سبحانه جل عن التحيز، فهو إذن طريق الإيمان والطاعات المؤدي إلى رضى الله - وإنه سيأتي البشر من كل جهة: {من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم} للحيلولة بينهم وبين الإيمان والطاعة.. وهو مشهد حي شاخص متحرك لإطباق إبليس على البشر في محاولته الدائبة لإغوائهم، فلا يعرفون الله ولا يشكرونه، اللهم إلا القليل الذي يفلت ويستجيب: {ولا تجد أكثرهم شاكرين}.. ويجيء ذكر الشكر، تنسيقاً مع ما سبق في مطلع السورة: {قليلاً ما تشكرون}.. لبيان السبب في قلة الشكر، وكشف الدافع الحقيقي الخفي، من حيلولة إبليس دونه، وقعوده على الطريق إليه! ليستيقظ البشر للعدو الكامن الذي يدفعهم عن الهدى؛ وليأخذوا حذرهم حين يعرفون من أين هذه الآفة التي لا تجعل أكثرهم شاكرين! لقد أجيب إبليس إلى ملتمسه. لأن مشيئة الله - سبحانه - اقتضت أن يترك الكائن البشري يشق طريقه؛ بما ركب في فطرته من استعداد للخير والشر؛ وبما وهبه من عقل مرجح؛ وبما أمده من التذكير والتحذير على أيدي الرسل؛ ومن الضبط والتقويم بهذا الدين. كما اقتضت أن يتلقى الهداية والغواية؛ وأن يصطرع في كيانه الخير والشر؛ وأن ينتهي إلى إحدى النهايتين، فتحق عليه سنة الله وتتحقق مشيئته بالابتلاء، سواء اهتدى أو ضل، فعلى سنة الله الجارية وفق مشيئته الطليقة، تحقق الهدى أو الضلال. ولكن السياق هنا لا يصرح بترخيص الله - سبحانه - لإبليس - عليه اللعنة - في إيعاده هذا الأخير، كما صرح بإجابته في إنظاره. إنما يسكت عنه، ويعلن طرد إبليس طرداً لا معقب عليه. طرده مذموماً مقهوراً، وإبعاده بملء جهنم منه وممن يتبعه من البشر ويضل معه: {قال: اخرج منها مذؤوماً مدحوراً. لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين}.. ومن يتبعه من البشر قد يتبعه في معرفته بالله واعتقاده بألوهيته، ثم في رفض حاكمية الله وقضائه، وادعاء أن له الحق في إعادة النظر في أوامر الله، وفي تحكيم منطقه هو في تنفيذها أو عدم تنفيذها.. كما أنه قد يتبعه ليضله عن الاهتداء إلى الله أصلاً.. وهذا وذلك كلاهما اتباع للشيطان؛ جزاؤه جهنم مع الشيطان! لقد جعل الله - سبحانه - لإبليس وقبيله فرصة الإغواء. وجعل لآدم وذريته فرصة الاختيار تحقيقاً للابتلاء، الذي قضت مشيئته أن تأخذ به هذا الكائن؛ وتجعله به خلقاً متفرداً في خصائصه، لا هو ملك ولا هو شيطان. لأن له دوراً آخر في هذا الكون، ليس هو دور الملك ولا هو دور الشيطان. وينتهي هذا المشهد، ليتلوه مشهد آخر في السياق: ينظر الله - سبحانه - بعد طرد إبليس من الجنة هذه الطردة - إلى آدم وزوجه.. وهنا فقط نعرف أن له زوجاً من جنسه، لا ندري كيف جاءت. فالنص الذي معنا وأمثاله في القرآن الكريم لا تتحدث عن هذا الغيب بشيء. وكل الروايات التي جاءت عن خلقها من ضلعه مشوبة بالإسرائيليات لا نملك أن نعتمد عليها، والذي يمكن الجزم به هو فحسب أن الله خلق له زوجاً من جنسه، فصارا زوجين اثنين؛ والسنة التي نعلمها عن كل خلق الله هي الزوجية:{أية : ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون}تفسير : فهي سنة جارية وهي قاعدة في كل خلق الله أصيلة. وإذا سرنا مع هذه السنة فإن لنا أن نرجح أن خلق حواء يمكث طويلاً بعد خلق آدم، وأنه تم على نفس الطريقة التي تم بها خلق آدم.. على أية حال يتجه الخطاب إلى آدم وزوجه، ليعهد إليهما ربهما بأمره في حياتهما؛ ولتبدأ تربيته لهما وإعدادهما لدورهما الأساسي، الذي خلق الله له هذا الكائن. وهو دور الخلافة في الأرض - كما صرح بذلك في آية البقرة:{أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة }.. تفسير : {ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، فكلا من حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة، فتكونا من الظالمين}.. ويسكت القرآن عن تحديد {هذه الشجرة}. لأن تحديد جنسها لا يريد شيئاً في حكمة حظرها. مما يرجح أن الحظر في ذاته هو المقصود.. لقد أذن الله لهما بالمتاع الحلال، ووصاهما بالامتناع عن المحظور. ولا بد من محظور يتعلم منه هذا الجنس أن يقف عند حد؛ وأن يدرب المركوز في طبعه من الإرادة التي يضبط بها رغباته وشهواته؛ ويستعلي بها على هذه الرغبات والشهوات، فيظل حاكماً لها لا محكوماً بها كالحيوان، فهذه هي خاصية "الإنسان" التي يفترق بها عن الحيوان، ويتحقق بها فيه معنى "الإنسان". والآن يبدأ إبليس يؤدي دوره الذي تمحض له.. إن هذا الكائن المتفرد؛ الذي كرمه الله كل هذا التكريم؛ والذي أعلن ميلاده في الملأ الأعلى في ذلك الحفل المهيب؛ والذي أسجد له الملائكة فسجدوا؛ والذي أخرج بسببه إبليس من الجنة وطرده من الملأ الأعلى.. إن هذا الكائن مزدوج الطبيعة؛ مستعد للاتجاهين على السواء. وفيه نقط ضعف معينة يقاد منها - ما لم يلتزم بأمر الله فيها - ومن هذه النقطة تمكن إصابته، ويمكن الدخول إليه.. إن له شهوات معينة.. ومن شهواته يمكن أن يقاد! وراح إبليس يداعب هذه الشهوات: {فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما؛ وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين}.. ووسوسة الشيطان لا ندري نحن كيف تتم؛ لأننا لا ندري كنه الشيطان حتى ندرك كيفيات أفعاله، وكذا اتصاله بالإنسان وكيفية إغوائه. ولكننا نعلم - بالخبر الصادق وهو وحده المصدر المعتمد عندنا عن هذا الغيب - أن إغواء على الشر يقع في صورة من الصور؛ وإيحاء بارتكاب المحظور يتم في هيئة من الهيئات. وأن هذا الإيحاء وذلك الإغواء يعتمدان على نقط الضعف الفطرية في الإنسان. وأن هذا الضعف يمكن اتقاؤه بالإيمان والذكر؛ حتى ما يكون للشيطان سلطان على المؤمن الذاكر؛ وما يكون لكيده الضعيف حينئذ من تأثير.. وهكذا وسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما.. فهذا كان هدفه.. لقد كانت لهما سوآت، ولكنها كانت مواراة عنهما لا يريانها - وسنعلم من السياق أنها سوآت حسية جسدية تحتاج إلى تغطية مادية، فكأنها عوراتهما - ولكنه لم يكشف لهما هدفه بطبيعة الحال! إنما جاءهما من ناحية رغائبهما العميقة: {وقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين}.. بذلك داعب رغائب "الإنسان" الكامنة.. إنه يحب أن يكون خالداً لا يموت أو معمراً أجلاً طويلاً. كالخلود! ويحب أن يكون له ملك غير محدد بالعمر القصير المحدد.. وفي قراءة: {ملكين} بكسر اللام. وهذه القراءة يعضدها النص الآخر في سورة طه:{أية : هل أدلكما على شجرة الخلد وملك لا يبلى}تفسير : وعلى هذه القراءة يكون الإغراء بالملك الخالد والعمر الخالد وهما أقوى شهوتين في الإنسان بحيث يمكن أن يقال: إن الشهوة الجنسية ذاتها إن هي إلا وسيلة لتحقيق شهوة الخلود بالامتداد في النسل جيلاً بعد جيل - وعلى قراءة {ملكين} بفتح اللام يكون الإغراء بالخلاص من قيود الجسد كالملائكة مع الخلود.. ولكن القراءة الأولى - وإن لم تكن هي المشهورة - أكثر اتفاقاً مع النص القرآني الآخر، ومع اتجاه الكيد الشيطاني وفق شهوات الإنسان الأصيلة. ولما كان اللعين يعلم أن الله قد نهاهما عن هذه الشجرة؛ وأن هذا النهي له ثقله في نفوسهما وقوته؛ فقد استعان على زعزعته - إلى جانب مداعبة شهواتهما - بتأمينهما من هذه الناحية؛ فحلف لهما بالله إنه لهما ناصح، وفي نصحه صادق: {وقاسمهما: إني لكما لمن الناصحين}..! ونسي آدم وزوجه - تحت تأثير الشهوة الدافعة والقسم المخدر - أنه عدوهما الذي لا يمكن أن يدلهما على خير! وأن الله أمرهما أمراً عليهما طاعته سواء عرفا علته أم لم يعرفاها! وأنه لا يكون شيء إلا بقدر من الله، فإذا كان لم يقدر لهما الخلود والملك الذي لا يبلى فلن ينالاه! نسيا هذا كله، واندفعا يستجيبان للإغراء! {فدلاهما بغرور. فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة؛ وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة، وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين؟}.. لقد تمت الخدعة وآتت ثمرتها المرة. لقد أنزلهما الشيطان بهذا الغرور من طاعة الله إلى معصيته، فأنزلهما إلى مرتبة دنيا: {فدلاهما بغرور}! ولقد شعرا الآن أن لهما سوآت، تكشفت لهما بعد أن كانت مواراة عنهما. فراحا يجمعان من ورق الجنة ويشبكانه بعضه في بعض {يخصفان} ويضعان هذا الورق المشبك على سوآتهما - مما يوحي بأنها العورات الجسدية التي يخجل الإنسان فطرة من تعريها، ولا يتعرى ويتكشف إلا بفساد في هذه الفطرة من صنع الجاهلية! {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة، وأقل لكما: إن الشيطان لكما عدو مبين؟}.. وسمعا هذا العتاب والتأنيب من ربهما على المعصية وعلى إغفال النصيحة.. أما كيف كان النداء وكيف سمعاه، فهو كما خاطبهما أول مرة. وكما خاطب الملائكة. وكما خاطب إبليس. كلها غيب لا ندري عنه إلا أنه وقع. وأن الله يفعل ما يشاء. وأمام النداء العلوي يتكشف الجانب الآخر في طبيعة هذا الكائن المتفرد.. إنه ينسى ويخطئ. إن فيه ضعفاً يدخل منه الشيطان. إنه لا يلتزم دائماً ولا يستقيم دائماً.. ولكنه يدرك خطأه؛ ويعرف زلته؛ ويندم ويطلب العون من ربه والمغفرة.. إنه يثوب ويتوب؛ ولا يلح كالشيطان في المعصية، ولا يكون طلبه من ربه هو العون على المعصية! {قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}.. إنها خصيصة "الإنسان" التي تصله بربه، وتفتح له الأبواب إليه.. الاعتراف، والندم، والاستغفار، والشعور بالضعف، والاستعانة به، وطلب رحمته.مع اليقين بأنه لا حول له ولا قوة إلا بعون الله ورحمته.. وإلا كان من الخاسرين.. وهنا تكون التجربة الأولى قد تمت. وتكشفت خصائص الإنسان الكبرى. وعرفها هو وذاقها. واستعد - بهذا التنبيه لخصائصه الكامنة - لمزاولة اختصاصه في الخلافة؛ وللدخول في المعركة التي لا تهدأ أبداً مع عدوه.. {قال: اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. قال: فيها تحيون، وفيها تموتون، ومنها تخرجون}.. وهبطوا جميعاً.. هبطوا إلى هذه الأرض.. ولكن أين كانوا؟ أين هي الجنة؟.. هذا من الغيب الذي ليس عندنا من نبأ عنه إلا ما أخبرنا به من عنده مفاتح الغيب وحده.. وكل محاولة لمعرفة هذا الغيب بعد انقطاع الوحي هي محاولة فاشلة. وكل تكذيب كذلك يعتمد على مألوفات البشر اليوم و"علمهم" الظني هو تبجح، فهذا "العلم" يتجاوز مجاله حين يحاول الخوض في هذا الغيب بغير أداة عنده ولا وسيلة. ويتبجح حين ينفي الغيب كله، والغيب محيط به في كل جانب، والمجهول في "المادة" التي هي مجاله أكثر كثيراً من المعلومات! لقد هبطوا جميعاً إلى الأرض.. آدم وزوجه،وإبليس وقبيله. هبطوا ليصارع بعضهم بعضاً. وليعادي بعضهم بعضاً؛ ولتدور المعركة بين طبيعتين وخليقتين: إحداهما ممحضة للشر، والأخرى مزدوجة الاستعداد للخير والشر؛ وليتم الابتلاء، ويجري قدر الله بما شاء. وكتب على آدم وذريته أن يستقروا في الأرض؛ ويمكنوا فيها، ويستمتعوا بما فيها إلى حين. وكتب عليهم أن يحيوا فيها ويموتوا؛ ثم يخرجوا منها فيبعثوا.. ليعودوا إلى ربهم فيدخلهم جنته أو ناره، في نهاية الرحلة الكبرى.. وانتهت الجولة الأولى لتتبعها جولات وجولات، ينتصر فيها الإنسان ما عاذ بربه. وينهزم فيها ما تولى عدوه. وبعد فإنها ليست قصة! إنما هو عرض لحقيقة الإنسان لتعريفه بحقيقة طبيعته ونشأته، والعوالم المحيطة به، والقدر الذي يصرف حياته، والمنهج الذي يرضاه الله له، والابتلاء الذي يصادفه، والمصير الذي ينتظره.. وكلها حقائق تشارك في تقرير "مقومات التصور الإسلامي".. وسنحاول أن نلم بها بقدر ما يسمح منهج الظلال، ونبقي تفصيلاتها للبحث المتخصص عن "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته".. * إن الحقيقة الأولى التي نستلهمها من قصة النشأة الإنسانية، هي - كما قلنا من قبل - التوافق بين طبيعة الكون ونشأة الكائن الإنساني. والتقدير الإلهي المحيط بالكون والإنسان؛ والذي يجعل هذه النشأة قدراً مرسوماً لا فلتة عارضة، كما يجعل التوافق بينهما هو القاعدة. والذين لا يعرفون الله سبحانه، ولا يقدرونه حق قدره، يقيسون أقداره وأفعاله بمقاييسهم البشرية الصغيرة. فإذا نظروا فوجدوا الكائن الإنساني مخلوقاً من مخلوقات هذه الأرض. ووجدوا هذه الأرض ذرة صغيرة كالهباءة في خضم الكون. قالوا: إنه ليس من "المعقول"! أن يكون وراء نشأة هذا الإنسان قصد؛ فوق أن يكون لهذا الإنسان شأن في نظام الكون! وزعم بعضهم أن وجوده كان فلتة، وأن الكون من حوله معادٍ لنشأته ونشأة الحياة جملة!.. وإن هي إلا تخرصات منشؤها قياس أقدار الله وأفعاله بمقاييس البشر الصغيرة! وحقاً لو كان الإنسان هو الذي له هذا الملك الهائل ما عني بهذه الأرض، ولا بمثل هذا الكائن يدب عليها! لأن اهتمام الإنسان لا يتسع للعناية بكل شيء في مثل هذا الملك الهائل؛ ولا بتقدير كل شيء فيه وتدبيره، والتنسيق بين جميع الأشياء فيه.. غير أن الله - سبحانه - هو الله! هو الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هو صاحب هذا الملك الكبير الذي لا يقوم شيء منه إلا برعايته؛ كما أنه لم يوجد منه شيء إلا بمشيئته.. إنما آفة هذا الإنسان، حين ينحرف عن هدى الله ويستقل بهواه - ولو كان يسميه علماً! - أن ينسى أنه الله. ويتصوره - سبحانه - على هواه! ويقيس أقداره وأفعاله بمقاييس الإنسان الصغيرة! ثم يتبجح فيملي هواه هذا على الحقيقة! يقول سير جيمس جينز - كمثل على التصورات البشرية الضالة الكثيرة - في كتاب: "الكون الغامض": "ونحن إذ نقف على أرضنا - تلك الحبيبة الرملية المتناهية في الصغر - نحاول أن نكشف عن طبيعة الكون الذي يحيط بموطننا في الفضاء والزمن، وعن الغرض من وجوده، نحس في أول الأمر بما يشبه الذعر والهلع. وكيف لا يكون الكون مخيفاً مرعباً، وهذه أبعاده هائلة لا تستطيع عقولنا إدراك مداها؟ وقد مرت عليه أحقاب طويلة لا يمكن تصورها؟ ويتضاءل إلى جانبها تاريخ الإنسان حتى يبدو وكأنه لمح البصر؟.. وهو مخيف مرعب لما نشعر به من وحدة مرهوبة، وما نعلمه من ضآلة موطننا في الفضاء. ذلك الموطن الذي لا يزيد على جزء من مليون جزء من إحدى حبيبات الرمال التي في بحار العالم؟.. ولكن أخوف ما يُخاف العالم من أجله: أنه لا يُعنى - كما يلوح - بحياة مثل حياتنا. وكأن عواطفنا ومطامعنا وأعمالنا وفنوننا وأدياننا كلها غريبة عن نظامه وخطته. وقد يكون من الحق أن نقول: إن بينه وبين حياة كحياتنا عداء قوياً. ذلك بأن الفضاء في أكثر أجزائه بارد إلى حد تتجمد فيه كل أنواع الحياة.. كما أن أكثر المادة التي في الفضاء تبلغ من الحرارة حداً يجعل الحياة فيه مستحيلة؛ وأن الفضاء تذرعه إشعاعات مختلفة الأنواع، لا تنفك تصدم ما فيه من أجرام فلكية؛ وقد يكون كثير من هذه الإشعاعات معادياً للحياة أو مبيداً لها. "هذا هو الكون الذي ألقت بنا فيه الظروف. وإذا لم يكن حقاً أن ظهورنا حدث بسبب غلطة وقعت فيه. فلا أقل من أن يكون نتيجة لما يصح أن يوصف بحق أنه مصادفة!". وقد بينا من قبل أن افتراض عداء الكون لنشأة الحياة مع افتراض عدم وجود تقدير وتدبير من قوة مهيمنة.. ثم وجود الحياة بعد ذلك فعلاً.. أمور لا يتصورها عقل عاقل! فضلاً على أن يكون عقل عالم! وإلا فكيف أمكن ظهور الحياة في الكون المعادي لها مع افتراض عدم وجود قوة مهيمنة مقدِّرة! هل الحياة أقوى من الكون بحيث تظهر رغم أنفه؟! ورغم عدائه لها بطبيعة تكوينه؟! هل هذا الكائن الإنساني مثلاً - قبل أن ينشأ - أقوى من هذا الكون الموجود فعلاً، ومن ثم طلع هكذا في الكون، وأنف الكون راغم؟! إنها تصورات لا تستحق عناء النظر! ولو أن هؤلاء "العلماء" يكتفون بأن يقولوا لنا فقط ما تصل إليه وسائلهم من وصف الموجودات، دون أن يدخلوا في أمثال هذه التخرصات "الميتافيزيقية" التي لا تستند على أساس، لأدوا دورهم - ولو ناقصاً - في تعريف الناس بالكون من حولهم! ولكنهم يتجاوزون دائرة المعرفة المأمونة إلى تيه الفروض والظنون، بلا دليل إلا الهوى الإنساني الصغير! ونحن - بحمد الله وبهداه - ننظرإلى هذا الكون الهائل فلا نشعر بالذعر والهلع الذي يقول عنه سير جيمس جينز! إنما نشعر بالرهبة والإجلال لبارئ هذا الكون؛ ونشعر بالعظمة والجمال المتجليين في خلقه؛ ونشعر بالطمأنينة والأنس، لهذا الكون الصديق، الذي أنشأه الله وأنشأنا فيه عن توافق وتنسيق.. وتروعنا ضخامته كما تروعنا دقته؛ ولكننا لا نفزع ولا نجزع، ولا نشعر بالضياع، ولا نتوقع الهلاك.. فإن ربنا وربه الله.. ونتعامل معه في يسر ومودة وأنس وثقة؛ ونتوقع أن نجد فيه أرزاقنا وأقواتنا ومعايشنا ومتاعنا.. ونرجو أن نكون من الشاكرين: {ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش. قليلاً ما تشكرون}.. * والحقيقة الثانية المستلهمة من قصة النشأة الإنسانية: هي كرامة هذا الكائن الفريد في العوالم الحية؛ وضخامة دوره المنوط به؛ وسعة الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها؛ وتنوع العوالم التي يتعامل معها - في حدود عبوديته لله وحده - مما يتناقض تماماً مع المذاهب الحسية الوضعية المادية التي تهدر قيمته كعامل أساسي مؤثر في الكون، حيث تسند الأهمية كلها للمادة وتأثيراتها الحتمية. ومع مذهب النشوء والارتقاء الذي يلحقه بعالم الحيوان ولا يكاد يحفل خصائصه الإنسانية المتميزة؛ أو مذهب التحليل النفسي الفرويدي الذي يصوره غارقاً في وحل الجنس حتى ما يتسامى إلا عن طريق هذا الوحل نفسه!.. إلا أن هذه الكرامة لهذا الكائن الفريد، لا تجعل من الإنسان "إلهاً" كما تحاول فلسفات عهد التنوير أن تقول. إنما هو الحق والاعتدال في التصور الإسلامي السليم. لقد أُعلن ميلاد هذا الكائن المتفرد، الذي نرجح من مجموعة النصوص القرآنية - ولا نجزم - أن نشأته كانت مستقلة - أعلن هذا الميلاد في حفل كوني كان شهوده الملأ الأعلى. وأعلن ميلاده الجليل العظيم في هذا الملأ وفي الوجود كله.. وفي الآية الأخرى في سورة البقرة أنه أعلن كذلك خلافته في الأرض منذ خلقه؛ وكان الابتلاء الأول له في الجنة تمهيداً وإعداداً لهذه الخلافة. كما تعلن الآيات القرآنية في سور متعددة، أن الله جعل هذا الكون - لا الأرض وحدها - عوناً له في هذه الخلافة. وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه.. وكذلك تظهر ضخامة الدور الذي أعطاه بارئه له. فإن عمارة كوكب وسيادته بخلافة الله فيه - أياً كان حجم هذا الكوكب - إنها لأمر عظيم! والذي يتضح من القصة ومن مجموعة النصوص القرآنية أنه كذلك خلق متفرد لا في الأرض وحدها، ولكن في الكون كله. فالعوالم الأخرى من ملائكة وجن وما لا يعلمه إلا الله من الخلق؛ لها وظائف أخرى، كما أنها خلقت من طبائع أخرى تناسب هذه الوظائف.وتفرد الإنسان وحده بخصائصه هذه ووظائفه. يدل على ذلك قول الله تعالى: {أية : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولاً} تفسير : وإذن فهو متفرد في الكون كله بخصائص.. ومنها الظلم والجهل! إلى جانب الاختيار النسبي والاستعداد للمعرفة المترقية، والإرادة الذاتية. والمقدرة على العدل والعلم، بقدر المقدرة على الظلم والجهل!.. فهذا الازدواج ذاته هو ميزته التي تفرده. كل أولئك يلغي تلك النظرة للإنسان القائمة على صغر حجم الكوكب الذي يعيش عليه؛ بالقياس إلى أحجام الكون الهائلة. فالحجم ليس هو كل شيء. وخصيصة العقل القابل للمعرفة، والإرادة القابلة للاستقلال - في حدود العبودية لله - والاختيار والترجيح الذاتي.. كل أولئك يفوق في قيمته، الحجم الذي يقيم عليه سير جيمس جينز وأمثاله نظرتهم إلى قيمة الإنسان ودوره. هذه الأهمية التي تخلعها القصة ومجموع النصوص القرآنية على هذا الكائن الإنساني لا تقتصر على دوره في خلافة الأرض، بهذه الخصائص المتفردة؛ ولكن صورتها تكمل بتأمل الآفاق والمجالات التي يتحرك فيها، والعوالم التي يتعامل معها. إنه يتعامل تعاملاً مباشراً مع ربه الجليل سبحانه! هو الذي أنشأه بيده، وأعلن ميلاده في الملأ الأعلى وفي الوجود كله بنطقه، وخوله الجنة يأكل منها حيث يشاء - إلا الشجرة المحظورة - ثم خوله خلافة الأرض بعد ذلك بأمره؛ وعلمه أساس المعرفة - كما في آية البقرة {أية : وعلم آدم الأسماء كلها}تفسير : وهو ما نرجح أنه القدرة على الرمز باللفظ والاسم للمدلول والمسمى، وهو القاعدة التي يقوم عليها إمكان تبادل المعرفة وتعميمها في الجنس كله - كما قلنا في سورة البقرة - وأوصاه وصيته في الجنة وبعدها، وأودعه الاستعدادات الخاصة التي تفرد جنسه بخصائصه، وأرسل له الرسل - منه - بهداه؛ وكتب على نفسه الرحمة أن يقيل عثرته ويقبل توبته.. إلى آخر نعمة الله على هذا الكائن المتفرد في الكون كله. ثم هو يتعامل مع الملأ الأعلى.. أسجد الله له الملائكة، وجعل منهم حفظة عليه، كما جعل منهم من يبلغ الرسل وحيه، وأنزلهم على الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا يثبتونهم ويبشرونهم، وعلى المجاهدين في سبيل الله ينصرونهم ويبشرونهم كذلك، وسلطهم على الذين كفروا يقتلونهم ويستلون أرواحهم منهم في تأنيب وتعذيب.. إلى آخر ما بين الملائكة والإنسان من تعامل. في الدنيا وفي الآخرة كذلك. ويتعامل مع الجن: صالحيهم وشياطينهم.. وقد شهدنا منذ لحظات تشخيص المعركة الأولى بينه وبين الشيطان. وهي معركة ممتدة إلى يوم الوقت المعلوم. كما أن تعامله مع صالحي الجن مذكور في نصوص قرآنية أخرى. وتسخير الجن أحياناً له ثابت كما في قصة سليمان عليه السلام. كذلك هو يتعامل مع هذا الكون المادي - وبخاصة الأرض والكواكب والنجوم القريبة منها - وهو الخليفة في هذه الأرض عن الله؛ المسخرة له قواها وطاقاتها وأرزاقها ومدخراتها، وعنده الاستعداد اللدني لفتح بعض مغاليق أسرارها، والتعرف إلى بعض نواميسها التي تعينه معرفتها على أداء دوره العظيم.. ومن ثم يتعامل كذلك مع جميع الأحياء فيها.. وأخيراً فإنه بازدواج طبيعته واستعداداته يتحرك في مجال بعيد الآماد من نفسه ذاتها! إنه يعرج إلى السماوات العلى ويتجاوز مراتب الملائكة، حين يخلص عبوديته لله ويترقى فيها إلى منتهاها. كما أنه يهبط إلى ما دون مستوى البهيمة حين يتخذ إلهه هواه ويتخلى عن خصائص "إنسانيته" ويتمرغ في الوحل الحيواني.. وبين هذين المجالين أبعاد أضخم مما بين السماوات والأرض في عالم الحس وأبعد مدى! وليس هذا كله لغير الإنسان كما تلهمه هذه القصة وبقية النصوص الأخرى.. * والحقيقة الثالثة: أن هذا الكائن - على كل تفرده هذا أو بسبب تفرده هذا - ضعيف في بعض جوانب تكوينه، حتى ليمكن قيادته إلى الشر والارتكاس إلى الدرك الأسفل، من خطام شهواته.. وفي أولها ضعفه تجاه حبِّ البقاء، وضعفه تجاه حب الملك..وهو يكون في أشد حالات ضعفه وأدناها حين يبعد عن هدى الله، ويستسلم لهواه، أو يستسلم لعدوه العنيد الذي أخذ على عاتقه إغواءه، في جهد ناصب، لا يكل ولا يدع وسيلة من الوسائل! وقد اقتضت رحمة الله به - من ثم - ألا يتركه لفطرته وحدها، ولا لعقله وحده، وأن يرسل إليه الرسل للإنذار والتذكير - كما سيجيء في آية تالية في معرض التعقيب على القصة - وهذه هي صخرة النجاة بالنسبة له... النجاة من شهواته بالتخلص من هواه والفرار إلى الله. والنجاة من عدوه الذي يخنس ويتوارى عند ذكره لربه، وتذكر رحمته وغضبه، وثوابه وعقابه.. وهذه كلها مقويات لإرادته، حتى يستعلي على ضعفه وشهواته.. وقد كان أول تدريب له في الجنة هو فرض "المحظور" عليه؛ لتقوية هذه الإرادة، وإبرازها في مواجهة الإغراء والضعف. وإذا كان قد فشل في التجربة الأولى، فقد كانت هذه التجربة رصيداً له فيما سيأتي! ومن رحمة الله به كذلك أن جعل باب التوبة مفتوحاً له في كل لحظة. فإذا نسي ثم تذكر؛ وإذا عثر ثم نهض؛ وإذا غوى ثم تاب.. وجد الباب مفتوحاً له، وقبل الله توبته، وأقال عثرته. فإذا استقام على طريقه بدل الله سيئاته حسنات، وضاعف له ما شاء. ولم يجعل خطيئته الأولى لعنة مكتوبة عليه وعلى ذريته. فليست هنالك خطيئة أبدية. وليست هنالك خطيئة موروثة - ولا تزر وازرة وزر أخرى. وهذه الحقيقة في التصور الإسلامي تنقذ كاهل البشرية من أسطورة الخطيئة الموروثة التي تقوم عليها التصورات الكنسية في المسيحية؛ والتي يقوم عليها ركام هائل من الطقوس والتشكيلات فوق ما يقوم فوقها من الأساطير والخرافات.. خطيئة آدم التي تلازم البشرية كاللعنة المصلتة على الرقاب! حتى يتمثل الإله في صورة ابن الإنسان (المسيح) ويصلب ويحتمل العذاب للتكفير عن هذه الخطيئة الموروثة؛ ومن ثم يكتب (الغفران) لمن يتحد بالمسيح الذي كفر بدمه عن خطيئة آدم التي ورثتها البشرية! إن الأمر في التصور الإسلامي أيسر من هذا بكثير. لقد نسي آدم وأخطأ.. ولقد تاب واستغفر.. ولقد قبل الله توبته وغفر له.. وانتهى أمر تلك الخطيئة الأولى. ولم يبق منها إلا رصيد التجربة الذي يعين الجنس البشري في صراعه الطويل المدى.. أية بساطة! وأي وضوح! وأي يسر في هذه العقيدة! * والحقيقة الرابعة: هي جدية المعركة مع الشيطان وأصالتها، واستمرارها وضراوتها.. لقد بدا من سياق القصة إصرار هذا العدو العنيد على ملاحقة الإنسان في كل حالة، وعلى إتيانه من كل صوب وجهة، على اتباعه في كل ساعة ولحظة: {قال: فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين}.. لقد اختار اللعين أن يزاول هذا الكيد، وأن يُنظر لمزاولته على المدى الطويل.. اختار هذا على أن يضرع إلى الله أن يغفر له خطيئته في معصيته عيانا وقد سمع أمره مواجهة! ثم بين أنه سيقعد لهم على طريق الله لا يمكنهم من سلوكه؛ وأنه سيأتيهم من كل جهة يصرفهم عن هداه. وهو إنما يأيتهم من ناحية نقط الضعف فيهم ومداخل الشهوة. ولا عاصم لهم منه إلا بالتقوِّي بالإيمان والذكر والتقوِّي على إغوائه ووسوسته، والاستعلاء على الشهوات وإخضاع الهوى لهدى الله. والمعركة مع الشيطان هي المعركة الرئيسية. إنها المعركة مع الهوى باتباع الهدى. والمعركة مع الشهوات باستعلاء الإرادة. والمعركة مع الشر والفساد في الأرض الذي يقود الشيطان أولياءه إليه باتباع شريعة الله المصلحة للأرض.. والمعركة في الضمير والمعركة في الحياة الواقعية متصلتان لا منفصلتان. فالشيطان وراءهما جميعاً! والطواغيت التي تقوم في الأرض لتخضع الناس لحاكميتها وشرعها وقيمها وموازينها، وتستبعد حاكمية الله وشرعه والقيم والموازين المنبثقة من دينه..إنما هي شياطين الإنس التي توحي لها شياطين الجن. والمعركة معها هي المعركة مع الشيطان نفسه. وليست بعيدة عنها. وهكذا تتركز المعركة الكبرى الطويلة الضارية في المعركة مع الشيطان ذاته. ومع أوليائه. ويشعر المسلم وهو يخوض المعركة مع هواه وشهواته؛ وهو يخوضها كذلك مع أولياء الشيطان من الطواغيت في الأرض وأتباعهم وأذنابهم؛ وهو يخوضها مع الشر والفساد والانحلال الذي ينشئونه في الأرض من حولهم.. يشعر المسلم وهو يخوض هذه المعارك كلها، أنه إنما يخوض معركة واحدة جدية صارمة ضارية، لأن عدوه فيها مصرٌّ ماض في طريقه.. وأن الجهاد - من ثم - ماض إلى يوم القيامة. في كل صوره ومجالاته. * وأخيراً فإن القصة والتعقيبات عليها - كما سيجيء - تشير إلى شيء مركوز في طبع الإنسان وفطرته. وهو الحياء من التعري وانكشاف سوأته: {فوسوس لهما الشيطان، ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما}.. {فدلاهما بغرور، فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة}.. {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم، وريشاً، ولباس التقوى ذلك خير. ذلك من آيات الله}.. {أية : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما }.. تفسير : وكلها توحي بأهمية هذه المسألة، وعمقها في الفطرة البشرية. فاللباس، وستر العورة، زينة للإنسان وستر لعوراته الجسدية. كما أن التقوى لباس وستر لعوراته النفسية. والفطرة السليمة تنفر من انكشاف سوآتها الجسدية والنفسية، وتحرص على سترها ومواراتها.. والذين يحاولون تعرية الجسم من اللباس، وتعرية النفس من التقوى، ومن الحياء من الله ومن الناس، والذين يطلقون ألسنتهم وأقلامهم وأجهزة التوجيه والإعلام كلها لتأصيل هذه المحاولة - في شتى الصور والأساليب الشيطانية الخبيثة - هم الذين يريدون سلب "الإنسان" خصائص فطرته، وخصائص "إنسانيته" التي بها صار إنساناً. وهم الذين يريدون إسلام الإنسان لعدوه الشيطان وما يريده به من نزع لباسه وكشف سوآته! وهم الذين ينفذون المخططات الصهيونية الرهيبة لتدمير الإنسانية وإشاعة الانحلال فيها لتخضع لملك صهيون بلا مقاومة. وقد فقدت مقوماتها الإنسانية! إن العري فطرة حيوانية. ولا يميل الإنسان إليه إلا وهو يرتكس إلى مرتبة أدنى من مرتبة الإنسان. وإن رؤية العري جمالاً هو انتكاس في الذوق البشري قطعاً. والمتخلفون في أواسط إفريقية عراة. والإسلام حين يدخل بحضارته إلى هذه المناطق يكون أول مظاهر الحاضرة اكتساء العراة! فأما في الجاهلية الحديثة "التقدمية" فهم يرتكسون إلى الوهدة التي ينتشل الإسلام المتخلفين منها، وينقلهم إلى مستوى "الحضارة" بمفهومها الإسلامي الذي يستهدف استنقاذ خصائص الإنسان وإبرازها وتقويتها. والعري النفسي من الحياء والتقوى - وهو ما تجتهد فيه الأصوات والأقلام وجميع أجهزة التوجيه والإعلام - هو النكسة والردة إلى الجاهلية. وليس هو التقدم والتحضر كما تريد هذه الأجهزة الشيطانية المدربة الموجهة أن توسوس! وقصة النشأة الإنسانية في القرآن توحي بهذه القيم والموازين الأصيلة وتبينها خير بيان. والحمد لله الذي هدانا إليه وأنقذنا من وسوسة الشيطان ووحل الجاهلية!!!

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون} تفسير : [الأعراف: 3] فهذا تذكير لهم بأن الله هو ولي الخلق، لأنّه خالقهم على وجه الأرض، وخالق ما به عيشهم الذي به بقاء وجودهم إلى أجل معلوم، وتوبيخ على قلّة شكرها، كما دلّ عليه تذييل الجملة بقوله: {قليلاً ما تشكرون} فإنّ النّفوس التي لا يزجُرها التّهديد قد تنفعها الذكريات الصّالحة، وقد قال أحد الخوارج وطُلب منه أن يخرج إلى قتال الحجّاج بن يوسف وكان قد أسدى إليه نِعماً:شعر : أأقَاتِلُ الحجّاجَ عن سلطانه بيدٍ تُقِرّ بأنَّها مَوْلاَتِه تفسير : وتأكيد الخبر بلام القسم وقد، المفيد للتّحقيققِ، تنزيلٌ للذين هم المقصود من الخطاب منزّلة من ينكر مضمون الخبر لأنّهم لما عَبدوا غير الله كان حالهم كحال من ينكر أنّ الله هو الذي مكَّنهم من الأرض، أو كحال من ينكر وقوع التمكين من أصله. والتّمكين جعل الشّيء في مكان، وهو يطلق على الإقدار على التّصرف، على سبيل الكناية، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: {أية : مَكَّنَّاهم في الأرض ما لم نمكن لكم} تفسير : في سورة الأنعام (6) وهو مستعمل هنا في معناه الكنائي لا الصّريح، أي جعلنا لكم قدرة، أي أقدَرناكم على أمور الأرض وخوّلناكم التّصرف في مخلوقاتها، وذلك بما أودع الله في البشر من قوّة العقل والتفكير التي أهلته لسيادة هذا العالم والتّغلّب على مصاعبه، وليس المراد من التّمكين هنا القوّة والحكم كالمراد في قوله تعالى: {أية : إنا مكنا له في الأرض} تفسير : [الكهف: 84] لأنّ ذلك ليس حاصلاً بجميع البشر إلاّ على تأويل، وليس المراد بالتمكين أيضاً معناه الحقيقي وهو جعل المكان في الأرض لأنّ قوله: {في الأرض} يمنع من ذلك، لأنّه لو كان كذلك لقال ولقد مكناكم الأرضَ، وقد قال تعالى عن عاد:{أية : ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه} تفسير : [الأحقاف: 26] أي جعلنا ما أقررناهم عليه أعظم ممّا أقدرناكم عليه، أي في آثارهم في الأرض أمّا أصل القرار في الأرض فهو صراط بينهما. ومعايش جمع معيشه، وهي ما يعيش به الحيّ من الطّعام والشّراب، مشتقّة من العيش وهو الحياة، وأصل المعيشة اسم مصدر عاش قال تعالى: {أية : فإن له معيشة ضنكاً} تفسير : [طه: 124] سمي به الشّيء الذي يحصل به العيش، تسمية للشّيء باسم سببه على طريقة المجاز الذي غلب حتّى صار مساوياً للحقيقة. وياء (معايش) أصل في الكلمة لأنّها عين الكلمة من المصدر (عَيْش) فوزن معيشة مفعلة ومعايش مَفاعل، فحقّها أن ينطق بها في الجمع ياء وأن لا تقلب همزة. لأن استعمال العرب في حرف المدّ الذي في المفرد أنّهم إذا جمعوه جمعاً بألف زائدة ردّوه إلى أصله واواً أو ياء بعد ألف الجمع، مثل: مفَازة ومفاوِز، فيما أصله واو من الفوز ومعيبة ومعايب فيما أصله الياء، فإذا كان حرف المدّ في المفرد غير أصلي فإنّهم إذا جمعوه جمعاً بألف زائدة قلبوا حرف المد همزة نحو قِلاَدة وقلائِد، وعَجُوز وعجَائز، وصحيفَه وصحائف، وهذا الاستعمال من لطائف التّفرقه بين حرف المد الأصلي والمد الزّائد واتّفق القراء على قراءته بالياء، وروى خارجة بن مصعب، وحميد بن عمير، عن نافع أنّه قرأ: معائش بهمز بعد الألف، وهي رواية شاذة عنه لا يُعْبَأ بها، وقُرىء في الشاذ: بالهمز، رواه عن الأعرج، وفي «الكشاف» نسبة هذه القراءة إلى ابن عامر وهو سهو من الزمخشري. وقوله: {قليلاً ما تشكرون} هو كقوله في أوّل السّورة {أية : قليلاً ما تذكّرون} تفسير : [الأعراف: 3] ونظائره. والخطاب للمشركين خاصة، لأنّهم الذين قَل شكرهم لله تعالى إذا اتّخذوا معه آلهة. ووصف قليل يستعمل في معنى المعدوم كما تقدّم آنفاً في أوّل السّورة، ويجوز أن يكون على حقيقته أي إن شكركم الله قليل. لأنّهم لمّا عرفوا أنّه ربّهم فقد شَكروه، ولكن أكثر أحوالهم هو الإعراض عن شكره والإقبال على عبادة الأصنام وما يتبعها، ويجوز أن تكون القلّة كناية عن العدم على طريقة الكلام المقتصد استنزالاً لتذكرهم. وانتصب (قليلاً) على الحال من ضمير المخاطبين و(ما) مصدريّة، والمصدر المؤول في محلّ الفاعل بقليلاً فهي حال سببيّة. وفي التّعقيب بهذه الآية لآية: {أية : وكم من قرية أهلكناها} تفسير : [الأعراف: 4] إيماء إلى أنّ إهمال شكر النّعمة يعرّض صاحبها لزوالها، وهو ما دلّ عليه قوله: {أهلكناها}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} الآية. لم يبين هنا كيفية هذه المعايش التي جعل لنا في الأرض، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} تفسير : [عبس: 24-32]. وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [السجدة: 27]، وقوله: {أية : وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ} تفسير : [طه: 53-54]. وذكر كثيراً من ذلك في سورة النحل كقوله: {أية : وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} تفسير : [النحل: 5] إلى غير ذلك من الآيات.

القطان

تفسير : مكّناكم في الارض: جعلنا لكم قوةً لاستغلالها. معايش: جمع معيشة: وهي كل ما يمكن من وسائل العيش. بعد ان بين الله تعالى أنه هو واضعُ الدِين فيجب اتّباعه، وقفّى على ذلك بذكر عذاب الدنيا، وذكَر عذاب الآخرة - أردف هنا بذكر ما انعم به على عباده. ولقد مكّناكم في الأرض وجعلنا لكنم أوطاناً تستقرون فيها، ومنحناكم القوة لاستغلالها، وهيأنا لكم وسائل العيش فيها، من نبات وأنعام وطير وسمك ومياه عذبه واشربة مختلفة الطعوم والروائح، ووسائل مختلفة للتنقل والارتحال من جهة الى اخرى تتقدم بتقدم العلم والاختراع، وغير ذلك مما يرفّه عنكم {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} وكل ذلك يقتضي منكم الشكَر الكثير، لكنّكم {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} وكما قال تعالى في آية اخرى {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}. قراءات: معايش بالياء، قرأ بذلك جميع القرّاء ورُوي عن نافع "معائش" بالهمز.

د. أسعد حومد

تفسير : {مَعَايِشَ} (10) - يَمْتَنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِأَنْ جَعَلَ لَهُمْ الأَرْضَ قَراراً يَعِيشُونَ وَيَسْتَقِرُّونَ عَلَيها، وَجَعَلَ فِيها جِبَالاً رَاسِياتٍ تَسَهِّلُ اسْتِقْرارَ النَّاسِ عَلَيهَا، فَلا تَمِيدُ بِهِمْ، وَجَعَلَ فِيها أَنْهَاراً، وَأَبَاحَ للنَّاسِ التَّمَتُّعَ بِمَنَافِعِها، وَسَخَّرَ الرِّياحَ لإِخْرَاجِ أَرْزَاقِهِمْ مِنْهَا، وَجَعَلَ لِلنَّاسِ مَا يَتَسَبَّبُونَ بِهِ وَيَتَكَسَّبُونَ (مَعَايِشَ)، وَلَكنَّ النَّاسَ، مَعَ جَميعِ هذِهِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ، قَلِيلٌ مِنْهُمُ الشَّكُورُ، وَاللهُ تَعَالَى سَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى كُفْرَانِهِمْ بِالنِّعَمِ حِسَاباً عَسِيراً. مَكَّنَّاكُمْ - جَعَبْنَا لَكُمْ مَكَاناً وَقَراراً. مَعَايِشَ - مَا تَعِيشُونَ بِهِ وَتَحْيَوْنَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : المُمَكَّن هو الذي يحتل المكان بدون زحزحة؛ فيقال مكّنتك من كذا. أي أعطيتك المكان ولا ينازعك أحد فيه. وقد مكننا سبحانه في الأرض وجعل لنا فيها وسائل استبقاء الحياة، وترف الحياة، وزينة الحياة، ورياش الحياة، ولم تبخل الأرض حين حرثناها، بل أخرجت لنا الزرع، ولم تغب الشمس عنا بضوئها وإشعاعها وحراراتها. ما في الدنيا يؤدي مهمته، ولم نُمكَّن في الأرض بقدراتنا بل بقدرة الله. وكان يجب ألا يغيب ذلك عن أنظارنا أبداً. فلا أحد منا مسيطر على الشمس أو القمر أو الريح أو الأرض، ولكن الذي خلقها وجعلها مسخرة، هو ربك وربها؛ فأنت مُمَكَّن، وكل شيء مستجيب لك. بتسخير الله له. {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: 10] و "معايش" جمع معيشة، والمعيشة هي الحياة، فالعيش هو مقومات الحياة، ولذلك سموا الخبز في القرى عيشاً لأن عندهم دقة بالغة؛ لأنهم عرفوا أنه مقوّم أساسي في الحياة. وقول الحق: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} دل على أن هناك من يشكر، ومن الناس من يشكر نعم الله شكراً عاماً على مجموع النعم، أو يشكره شكراً خاصًّا عند كل نعمة، ومنهم من يشكر شكراً خاصًّا لا عند كل نعمة، ولكن عند جزئيات النعمة الواحدة، فعندما يبدأ في الأكل يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم"، ويقول بعد الأكل: "الحمد لله"؛ وهناك من يقول عند تناول لقمة واحدة: "بسم الله" وعندما يمضغها ويبلعها يقول: "الحمد لله" لأنها لم تقف في حلقه، وأيضاً حين نشرب علينا أن نشرب على ثلاث دفعات: أول دفعة نقول: "بسم الله". وننتهي منها فنقول: "الحمد لله" وكذلك في الدفعة الثانية والدفعة الثالثة. ومن يفعل ذلك فلا تتأتَّى منه معصية، مادامت آثار شربة الماء هذه في جسمه؛ لأنها كلها "بسم الله". فتحرسه من الخطيئة؛ لأن النعمة الواحدة لو استقصيتها لوجدت فيها نعما كثيرة. وأنتم حين لا تشكرون إنما تضيقون عليكم أبواب النعم من الله؛ لأنكم لو شكرتموه على النعم لزادت النعم عليكم، {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} ومن الحمق ألا نشكر. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى ممتنا على عباده بذكر المسكن والمعيشة: { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ } أي: هيأناها لكم، بحيث تتمكنون من البناء عليها وحرثها، ووجوه الانتفاع بها { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ } مما يخرج من الأشجار والنبات، ومعادن الأرض، وأنواع الصنائع والتجارات، فإنه هو الذي هيأها، وسخر أسبابها. { قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ } اللّه، الذي أنعم عليكم بأصناف النعم، وصرف عنكم النقم.