Verse. 970 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

قَالَ فَبِمَاۗ اَغْوَيْتَنِيْ لَاَقْعُدَنَّ لَہُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيْمَ۝۱۶ۙ
Qala fabima aghwaytanee laaqAAudanna lahum sirataka almustaqeema

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال فبما أغويتني» أي بإغوائك لي والياء للقسم وجوابه «لأقعدن لهم» أي لبني آدم «صراطك المستقيم» أي على الطريق الموصل إليك.

16

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} الإغواء إيقاعُ الغيّ في القلب؛ أي فبما أوقعت في قلبي من الغيّ والعِناد والاستكبار. وهذا لأن كفر إبليس ليس كفر جهل، بل هو كفر عناد وٱستكبار. وقد تقدّم في «البقرة». قيل: معنىٰ الكلام القسَمُ، أي فبإغوائك إياي لأقعدنّ لهم على صراطك، أو في صراطك؛ فحذف. دليل هذا القول قوله في (صۤ): {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [صۤ: 82] فكأن إبليسَ أعظَم قدر إغواء الله إياه لما فيه من التسليط على العباد، فأقسم به إعظاماً لقدره عنده. وقيل: الباء بمعنىٰ اللام، كأنه قال: فلإغوائك إياي. وقيل: هي بمعنىٰ مع، والمعنىٰ فمع إغوائك إياي. وقيل: هو ٱستفهام، كأنه سأل بأيّ شيء أغواه؟. وكان ينبغي على هذا أن يكون: فَبِم أغويتني؟. وقيل: المعنىٰ فبما أهلكتني بلعنك إياي. والإغواء الإهلاك، قال الله تعالىٰ: {أية : فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} تفسير : [مريم: 59] أي هلاكاً. وقيل: فبما أضللتني. والإغواء: الإضلال والإبعاد؛ قاله ابن عباس. وقيل: خيّبتني من رحمتك؛ ومنه قول الشاعر:شعر : ومن يَغْولا يعدم على الغي لائماً تفسير : أي من يَخِب. وقال ابن الأعرابيّ: يقال غَوَىٰ الرجل يغَوِي غَيّاً إذا فسد عليه أمره، أو فسد هو في نفسه. وهو أحَد معاني قوله تعالىٰ: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}تفسير : [طه: 124] أي فسد عيشه في الجنة. ويقال: غوِي الفصيل إذا لم يدِرّ لبن أمه. الثانية ـ مذهب أهل السنة أن الله تعالىٰ أضلّه وخلق فيه الكفر، ولذلك نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالىٰ. وهو الحقيقة، فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له، صادر عن إرادته تعالىٰ. وخالف الإمامية والقدرية وغيرهما شيخهم إبليس الذي طاوعوه في كل ما زينَّه لهم، ولم يطاوعوه في هذه المسألة ويقولون: أخطأ إبليسُ، وهو أهل للخطأ حيث نسب الغواية إلى ربه، تعالىٰ الله عن ذلك. فيقال لهم: وإبليس وإن كان أهلاً للخطأ فما تصنعون في نبيّ مكرم معصومٍ. وهو نوح عليه السلام حيث قال لقومه: {أية : وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [هود: 34] وقد روي أن طاوساً جاءه رجل في المسجد الحرام، وكان متهماً بالقَدر، وكان من الفقهاء الكبار؛ فجلس إليه فقال له طاوس: تقوم أو تُقام؟ فقيل لطاوس: تقول هذا لرجل فقيه ٰ فقال: إبليس أفقه منه، يقول إبليس: ربِّ بما أغويتني. ويقول هذا: أنا أُغْوِي نفسي. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} أي بالصّدّ عنه، وتزيين الباطل حتى يهلكوا كما هلك، أو يضلوا كما ضل، أو يُخَيَّبوا كما خُيِّب؛ حسب ما تقدم من المعاني الثلاثة في «أَغْوَيْتَنِي». والصراط المستقيم هو الطريق الموصل إلى الجنة، و «صِرَاطَكَ» منصوب على حذف «علىٰ» أو «في» من قوله: «صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ»؛ كما حكىٰ سيبويه «ضرب زيد الظهر والبطن». وأنشد:شعر : لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِل مَتْنُه فيه كما عَسَل الطريقَ الثَّعْلَبُ تفسير : ومن أحسن ما قيل في تأويل {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} أي لأصدّنّهم عن الحق، وأرغبنهم في الدنيا، وأشككهم في الآخرة. وهذا غاية في الضلالة. كما قال: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ} حسب ما تقدم. وروىٰ سفيان عن منصور عن الحكم بن عُتَيْبَة قال: «مِنْ بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ» من دنياهم. «وَمِنْ خَلْفِهِمْ» من آخرتهم. «وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ» يعني حسناتهم. «وَعَنْ شَمَائِلِهمْ» يعني سيئاتهم. قال النحاس: وهذا قول حسن وشرحه: أن معنىٰ «ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنَ أَيْدِيهمْ» من دنياهم، حتى يكذِّبوا بما فيها من الآيات وأخبار الأمم السالفة «وَمِنْ خَلْفِهِمْ» من آخرتهم حتي يكذِّبوا بها. «وَعَنْ أَيْمَانِهِم» من حسناتهم وأمور دينهم. ويدل على هذا قوله: {أية : إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ ٱلْيَمِينِ}تفسير : [الصافات: 28]. «وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ» يعني سيئاتهم، أي يتبعون الشهوات؛ لأنه يزينها لهم. {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} أي موحِّدين طائعين مظهرين الشكر.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه لما أنذر إبليس {إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرد، فقال: {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} أي: كما أغويتني، قال ابن عباس: كما أضللتني، وقال غيره: كما أهلكتني، لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على {صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} أي: طريق الحق، وسبيل النجاة، لأضلنهم عنها؛ لئلا يعبدوك، ولا يوحدوك؛ بسبب إضلالك إياي، وقال بعض النحاة: الباء هنا قسمية؛ كأنه يقول: فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم، قال مجاهد: صراطك المستقيم يعني: الحق، وقال محمد بن سوقة عن عون بن عبد الله: يعني: طريق مكة، قال ابن جرير: الصحيح أن الصراط المستقيم أعم من ذلك، (قلت): لما روى الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا أبو عقيل، يعني: الثقفي عبد الله بن عقيل، حدثنا موسى بن المسيب، أخبرني سالم بن أبي الجعد، عن سبرة بن أبي الفاكه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ قال: فعصاه وأسلم» تفسير : قال: «حديث : قعد له بطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول؟ فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النفس والمال، فقال: تقاتل فتقتل، فتُنكَح المرأة، ويقسم المال؟ قال فعصاه وجاهد»تفسير : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن قتل، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابة، كان حقاً على الله أن يدخله الجنة»تفسير : ، وقوله: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} الآية، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ}: أشككهم في آخرتهم {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}: أرغبهم في دنياهم {وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ}: أشبه عليهم أمر دينهم {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ}: أشهي لهم المعاصي، وقال ابن أبي طلحة في رواية والعوفي، كلاهما عن ابن عباس: أما من بين أيديهم، فمن قبل دنياهم، وأما من خلفهم، فأمر آخرتهم، وأما عن أيمانهم، فمن قبل حسناتهم، وأما عن شمائلهم، فمن قبل سيئاتهم، وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة، أتاهم من بين أيديهم، فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم: من أمر الدنيا، فزينها لهم، ودعاهم إليها، وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم، بطأهم عنها، وعن شمائلهم: زين لهم السيئات والمعاصي، ودعاهم إليها، وأمرهم بها، أتاك يا ابن آدم من كل وجه، غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله، وكذا روي عن إبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة والسدي وابن جريج، إلا أنهم قالوا: من بين أيديهم: الدنيا، ومن خلفهم: الآخرة. وقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم: من حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم: حيث لا يبصرون، واختار ابن جرير: أن المراد جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه، والشر يحسنه لهم، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} ولم يقل: من فوقهم؛ لأن الرحمة تنزل من فوقهم، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ} قال: موحدين، وقول إبليس هذا إنما هو ظن منه وتوهم، وقد وافق في هذا الواقع؛ كما قال تعالى: { أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ} تفسير : [سبأ:20-21] ولهذا ورد في الحديث الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان من جهاته كلها؛ كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا نصر بن علي، حدثنا عمرو بن مجمع، عن يونس بن خباب، عن ابن جبير بن مطعم، يعني: نافع بن جبير، عن ابن عباس، وحدثنا عمر بن الخطاب، يعني: السجستاني، حدثنا عبيد الله بن جعفر، حدثنا عبد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يونس بن خباب، عن ابن جبير بن مطعم، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: «حديث : اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك اللهم أن أغتال من تحتي» تفسير : تفرد به البزار، وحسنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري، حدثني جرير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم، سمعت عبد الله بن عمر يقول: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي: «حديث : اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» تفسير : قال وكيع: من تحتي، يعني: الخسف، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن مسلم به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى }أي بإغوائك لي، والباء للقسم وجوابه {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ } أي لبني آدم {صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } أي على الطريق الموصل إليك.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} اختلف أهل العربية في معنى قوله: {فبما أغويتني} على قولين: أحدهما: أنه على معنى القسم وتقديره: فبإغوائك لي لأقعدن لهم صراطك المستقيم. والثاني: أنه على معنى المجازاة، تقديره: فلأنك أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم. واختلف أهل العلم في قوله: {أَغْوَيْتَنِي} على أربعة أقاويل: أحدها: معناه أضللتني، قاله ابن عباس وابن زيد. والثاني: معناه خيبتني من جنتك، ومنه قول الشاعر: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً تفسير : أي ومن يخب. والثالث: معناه عذبتني كقوله تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَياً} تفسير : [مريم: 59] أي عذاباً، قاله الحسن. والرابع: معناه أهلكتني بلعنك لي، يقال غوى الفصيل إذا أشفى على الهلاك بفقد اللبن، قال الشاعر: شعر : معطفة الأثناء ليس فصيلها برازئها دراً ولا ميِّت غوى تفسير : وقوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} أي على صراطك المستقيم، وفيه تأويلان: أحدهما: طريق مكة ليصد عن قصدها في الحج والعمرة، قاله ابن مسعود. والثاني: طريق الحق ليصد عنها بالإغواء، قاله مجاهد. قوله عز وجل: {ثُمَّ لأَتِيَنَّهُم مِّنَ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ...} الآية. فيه أربعة تأويلات: أحدها: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} أي أشككهم في آخرتهم، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} أرغبهم في دنياهم، {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ}: أي من قبل حسناتهم، {وَعَن شَمَآئِلِهِم} من قبل سيئاتهم، قاله ابن عباس. والثاني: {مِنّ بَيْنِ أيْدِيهِمْ}: من قبل، دنياهم، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ}: من قبل آخرتهم، {وَعَنْ أَيْمَأنِهِمْ}: الحق أشككهم فيه، {وَعَن شَمَآئِلِهِم}: الباطل أرغبهم فيه، قاله السدي وإبراهيم. والثالث: {مِنّ بَيْنِ أَيْدِيهِم} {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} من حيث ينظرون، {وَمِنْ خَلْفِهِم} {وَعَنْ شَمَائِلِهِم}: من حيث لا يبصرون، قاله مجاهد. والرابع: أراد من كل الجهات التي يمكن الاحتيال عليهم منها، ولم يذكر من فوقهم لأن رحمة الله تصده، ولا من تحت أرجلهم لما فيه التنفير، قاله بعض المتأخرين. ويحتمل تأويلاً خامساً: {مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِم}: فيما بقي من أعمارهم فلا يقدمون على طاعة، {وَمِنْ خَلْفِهِم}: فيما مضى من أعمارهم فلا يتوبون عن معصية، {وَعَنْ أَيْمَانِهِم}: من قبل غناهم فلا ينفقونه في مشكور، {وَعَن شَمَائِلِهِمِ}: من قبل فقرهم فلا يمتنعون فيه عن محظور. ويحتمل سادساً: {مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِم}: بسط أملهم، {وَمِنْ خَلْفِهِم} تحكيم جهلهم، {وعن أيمانهم}: فيما ييسر لهم، {وَعَن شَمَائِلِهِم}: فيما تعسر عليهم، ثم قال: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: شاكرين لنعمك. والثاني: مقيمين على طاعتك. فإن قيل: فكيف علم إبليس ذلك؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه ظن ذلك فصدق ظنه، كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِم إِبْلِيس ظَنَّهُ} تفسير : [سبأ: 20] وسبب ظنه أنَّه لما أغوى آدم واستزله قال: ذرية هذا أضعف منه، قاله الحسن. والثاني: أنه يجوز أن يكون علم ذلك من جهة الملائكة بخبر من الله.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى} الباء للقسم، أو للمجازاة، أو التسبب. {أَغْوَيْتَنِى} أضللتني، أو خيبتني من جنتك، أو أهلكتني باللعن، غوى الفصيل: أشفى على الهلاك. {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ} على صراطك: طريق الحق، ليصدهم عنه، أو طريق مكة ليمنع من الحج والعمرة.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن ابن عباس {فبما أغويتني} قال: أضللتني . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق بقية عن أرطاة عن رجل من أهل الطائف في قوله {فبما أغويتني} قال: عرف إبليس أن الغواية جاءته من قبل الله فآمن بالقدر . وأخرج ابن شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} قال: الحق . وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله {لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم} قال طريق مكة . وأخرج عبد بي حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عون بن عبد الله {لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم} قال طريق مكة . وأخرج أبو الشيخ من طريق عون عن ابن مسعود. مثله. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: ما من رفقة تخرج إلى مكة إلا جهز إبليس معهم بمثل عدتهم. وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية يقول: أقعد لهم فأصدهم عن سبيلك . وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن سبرة ابن الفاكه "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه، فقعد له بطريق الإِسلام فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ فعصاه فأسلم، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في طوله؟ فعصاه فهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: هو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال؟ فعصاه فجاهد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم فمات أو وقصته دابته فمات كان حقاً على الله أن يدخله الجنة " .

ابو السعود

تفسير : {قَالَ} استئنافٌ كأمثاله {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى} الباءُ للقسم كما في قوله تعالى: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ }تفسير : [ص، الآية 82] فإن إغواءَه تعالى إياه أثرٌ من آثار قُدرتِه عز وجل وحُكمٌ من أحكام سلطانِه تعالى، فمآلُ الإقسامِ بهما واحدٌ، فلعل اللعينَ أقسم بهما جميعاً فحَكىٰ تارةً قسَمَه بأحدهما وأخرى بالآخر، والفاءُ لترتيب مضمونِ الجملةِ على الإنظار، وما مصدريةٌ أي فأقسم بإغوائك إياي {لأقْعُدَنَّ لَهُمْ} أو للسببـية على أن الباءَ متعلقةٌ بفعل القسمِ المحذوفِ لا بقوله: {لأقْعُدَنَّ لَهُمْ} كما في الوجه الأول، فإن اللام تصُدّ عن ذلك أي فبسبب إغوائِك إياي لأجلهم أُقسم بعزتك لأقعُدّن لآدمَ وذرِّيتِه ترصّداً بهم كما يقعُد القُطّاع للقطع على السابلة {صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} الموصِلَ إلى الجنة وهو دينُ الإسلام، فالقعودُ مجازٌ متفرِّعٌ على الكناية، وانتصابُه على الظرفية كما في قوله: [الكامل] شعر : [لَدْنٌ بِهَزِّ الكفِّ يَعْسِلُ مَتْنَهُ] [فيه] كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ تفسير : وقيل: على نزع الجارِّ تقديرُه على صراطك كقولك: ضرب زيد الظهرَ والبطنَ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}[16] أي شرائع الإسلام بعد أن بينها الله تعالى لهم بقوله: {أية : أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ}تفسير : [السجدة:26] أي: أوَلم نبين لهم طريق الخير وهو الأمر وطريق الشر وهو النهي، فمالوا إلى حظ نفوسهم كما {أية : قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ}تفسير : [يس:19].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} [الآية: 16]. قال محمد بن عيسى الهاشمى: لو نجا إبليس بشىء لنجا برؤية القدرة عليه والإقرار على نفسه رب بما أغويتنى.

القشيري

تفسير : جَاهَرَ الحقيقةَ بالخلاف بعدما أظهر من نفسه غايةَ الخلوص في العبودية، فَعُلِمَ أن جميع ما كان منه في سالف حاله لم يصدر عن الإخلاص والصدق.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} ابليس {فبما اغويتنى} الباء متعلقة بفعل القسم المحذوف. والاغواء الاضلال عن المنهج القويم والهمزة فيه للصيرورة اى بسبب ان صيرتنى غاويا ضالا عن الهدى محروماً من الرحمة لاجلهم اقسم بعزتك {لاقعدن لهم} اى لآدم وذريته ترصدا بهم كما يقعد القطاع للقطع على السابلة {صراطك} اى على صراطك {المستقيم} الموصل الى الجنة وهو دين الاسلام فالقعود كناية عن الاجتهاد فى اغواء بنى آدم فان من هلك بسبب الاجتهاد فى تكميل امر من الامور يقعد حتى يصير فارغ البال عما يشغله عن اتمام مقصوده ويتوجه اليه بكليته.

الطوسي

تفسير : قوله {قال فبما} حكاية عن قول إِبليس، لما لعنه الله، وطرده وحكى سؤاله الانظار، واجابة الله تعالى الى شىء منه، قال حينئذ {فبما أغويتني} أي فبالذي أغويتني. وقيل في معنى هذه الباء ثلاثة أقوال: احدهما - اني مع اغوائك إِياي كما تقول بقيامك تناول هذا أي مع قيامك. الثاني - معناه اللام، والتقدير فلإِغوائك إِياي. الثالث - أنها بمعنى القسم كقولك بالله لأفعلن. وقيل في معنى اغويتني ثلاثة أقوال: أحدها - قال أبو علي والبلخي: معناه بما خيبتني من جنتك، كما قال الشاعر: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يعوَلا يعدم على الغي لائما تفسير : أي من يخب، وقال قوم: يجوز أن يكون أراد إِنك امتحنتني بالسجود، لآدم فغويت عنده، فقال {أغويتني} كما قال {أية : فزادتهم رجساً إلى رجسهم}. تفسير : الثاني - قال ابن عباس وابن زيد: معناه حكمت بغوايتي كقولك: أضللتني أي حكمت بضلالتي. الثالث - أغويتني بمعنى أهلكتني بلعنك إِياي، كما قال الشاعر: شعر : معطفة الاثناء ليس فصيلها برازئها درَّاً ولا ميت غوى تفسير : أي ولا ميت هلاكاً بالقعود عن شرب اللبن. ومنه قوله {أية : فسوف يلقون غياً} تفسير : أي هلاكاً. ويقولون: غوى الفصيل اذا أنفذ اللبن فمات. والمصدر غوى مقصوراً وقوله {لأقعدن لهم} جواب القسم. والقسم محذوف، لأن غرضه بالكلام التأكيد، وهو ضد قوله {أية : ص والقرآن ذي الذكر}تفسير : فانه حذف الجواب، وهي القسم، لأن الغرض تعظيم المقسم به. وقعوده على الصراط معناه أنه يقعد على طريق الحق ليصد عنه بالاغواء حتى يصرفه الى طريق الباطل عداوة له وكيداً. وقوله {صراطك المستقيم} قيل في نصب {صراطك} أنه نصب على الحذف دون الظرف، وتقديره على صراطك، كما قيل ضرب زيد الظهر والبطن أي على الظهر والبطن قال الشاعر: شعر : لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب تفسير : وقال آخر: شعر : كأني اذا أسعى لأظفر طائراً مع النجم في جو السماء يصوب تفسير : أي لاظفرعلى طائر، وإِغواء الله تعالى لابليس لم يكن سبباً لضلاله، لأنه تعالى علم أنه لو لم يغوه لوقع منه مثل الضلال الذي وقع أو أعظم، فأما قول من قال: إِنه لو كان ما يفعل به الايمان هو ما يفعل به الكفر، لكان قوله "بما أغويتني" وبما أصلحتني بمعنى واحد، فكلام غير صحيح، لأن صفة الآلة التي يقع بها الايمان خلاف صفتها اذا وقع بها الكفر. وإِن كانت واحدة كالسيف. ولا يجب من ذلك أن تكون صفتها واحدة من أجل أنها واحدة بل لا يمتنع أنه متى استعمل آلة الايمان في الضلال سمي إِغواء، وإِن استعمل في الايمان سمي هداية، وإِن كان ما يصح به الايمان والكفر والضلال واحداً. وقوله {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس وقتادة وابراهيم بن الحكم والسدي وابن جريج: من قبل دنياهم وآخرتهم. ومن جهة حسناتهم وسيئاتهم. الثاني - قال مجاهد: من حيث يبصرون ومن حيث لا يبصرون. الثالث - قال البلخي وأبو علي: من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم بها. وقال ابن عباس: ولم يقل من فوقهم، لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم، ولم يقل من تحت أرجلهم، لأن الاتيان منه موحش. وقال أبو جعفر (ع) {ثم لآتينهم من بين أيديهم} معناه أهوِّن عليهم أمر الآخرة، ومن خلفهم آمرهم بجمع الأموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم {وعن أيمانهم} وأفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة {وعن شمائلهم} بتحبيب اللذات اليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم. وقال الزجاج: {من بين أيديهم} معناه أغوينهم حتى يكذبوا بالبعث والنشور، {ومن خلفهم} حتى يجحدوا ما كان من أخبار الأمم الماضية والأنبياء السالفة. وإِنما دخلت (من) في الخلف والقدام، و (عن) في اليمين والشمال، لأن في القدام والخلف معنى طلب النهاية، وفي اليمين والشمال الانحراف عن الجهة. ودخول (ثم) في الكلام: بيان أن هذا المعنى يكون بعد القعود في طريقهم. وقوله {ولا تجد أكثرهم شاكرين} إِخبار من إِبليس أن الله لا يجد أكثر خلقه شاكرين. وقيل: يمكن أن يكون علم ذلك من أحد وجهين: أحدهما - قال أبو علي: ذلك علمه من جهة الملائكة باخبار الله تعالى إِياهم. الثاني - قال الحسن: يجوز أن يكون أخبر عن ظنه ذلك، كما قال تعالى {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} لأنه لما أغوى آدم فاستزله، قال ذرية هذا أضعف منه، وظن أنهم سيجيبونه ويتابعونه.

الجنابذي

تفسير : { قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} نسب الاغواء الى الله كما هو عادة المتأنّفين من نسبة القبيح الى أنفسهم والغالب فى ذلك هى النّسوان {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} مترصّداً لاغوائهم كما يترصّد قطّاع الطّريق للفرصة من المارّة، والصّراط المستقيم هو صراط القلب وهو الولاية التّكوينيّة والتّكليفيّة.

اطفيش

تفسير : {قالَ فَبما أغْويتَنِى} الباء للقسم والجواب {لأقعُدنَّ لهم} للناس، وما مصدرية، أى فبإغوائك إياى، او اسم موصول واقعة على الإغواء، فبالإِغواء الذى أغويتنيه، وإنما أقسم بالإغواء، لأنه تكليف، والتكليف من أحسن أفعال الله لكونه تعريضا لسعادة الأبد، فكان جديراً بأن يقسم به، أو الباء للتعليل متعلقة بفعل القسم المحذوف مع المقسم به، أى أقسم بالله لإغوائك إياى أو للإغواء الذى أغويته، وإنما لم تعلق بأقعد لأن للام جواب القسم الصدر. والمراد أنى أجتهد فى إغوائهم لإغوائك إياى بواسطتهم حتى يفسدوا كما فسدت، ويسموا غواة كما سميت غاوياً لارتكابهم الغى، وأزينه لهم، وألزمهم بفعل ما غويت لأجله وهو المعصية والكبر، فيفسدوا بى كما فسدت بهم، وقيل ما استفهامية ثبت ألفها مع حرف الجر شذوذاً، بل على لغة ضعيفة، فيعلق بأغويتنى، فقوله: {لأقعدن} مستأنف بقسمة المقدر، والإغواء الإضلال مطلقا، وفسره الحسن باللعن، وبعض بالتخييب، وبعضهم بالإهلاك، وأصل الغواية الفساد، يقال غوى الفصيل إذا بشم، والبشم فساد، وغوى انقطع عنه اللبن فمات، وغوى فلان مرض. {صِراطَكَ المسْتقِيمَ} النصب على الظرفية أى فى صراطك المستقيم، لأنه غير مخصص فهو مبهم، لأن المراد به أنواع الخير كالإيمان والصلاة والصوم والزكاة، أو منصوب على نزع فى، ويحتمل الوجهين قوله: شعر : لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب تفسير : أى هو رمح لدن أى لين يعسل أى يضطرب بهز الكف متنه، أى ظهر ذلك الرمح فيه أى فى الكف مذكر كما يؤنث، وتأنيثه أولى، كما عسل أى اضطرب الثعلب فى الطريق، ويحتمل الأوجه قولهم: ضرب زيد الظهر والبطن بنصب الظهر والبطن والباء للمفعول، وقيل: الآية على تقدير على أى على صراطك المستقيم، وإنما سمى أنواع الخير صراطاً أى طريقا لأنها توصل إلى الجنة ورضا الله، فكان يقعد لهم يصدهم عنها بالوسوسة وتزيين المعصية والشهاوى، قال الحسن: ليس من هذا الخلق شىء إلا وقد توجه حيث وجه، ولولا قعود الشيطان لابن آدم على الطريق لتوجه كما توجه سائر الخلق. وقيل الصراط المستقيم التوحيد، وقيل: طريق مكة يمنعهم من الهجرة، وبه قال عون بن عبد الله ووصفه بالاستقامة، لأن الهجرة سبب الفلاح، وقيل: طريق الحج والصحيح التعميم وفى الحديث: "حديث : يقول الشيطان للإنسان أتسلم وتذر دين آبائك فيعصيه ويسلم فيقول لتهاجر وتذر أرضك، وإنما مثل المهاجر كمثل الفرس فى الطول، يعنى ما يتحمل إلا ما يتحمل الفرس فى شوط ثم يعجز ويندم فيعصيه، فيهاجر ويقول: أتجاهد بنفس ومال فتقتل وتنكح المرأة، ويقسم المال فيجاهد، فمن فعل ذلك كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة" تفسير : وفى رواية: "حديث : لتهاجر فتدع أهلك وبلدك وتجاهد فتقتل وتترك ولدك ". تفسير : حكاية: ذكرت المجبرة عن طاووس أنه كان فى المسجد الحرام، فجاء رجل من كبار الفقهاء يرمى بالقدر، فجلس إليه، قال له طاووس: تقوم أو نقوم، فقام الرجل فقيل له: أتقول هذا لرجل فقيه؟ فقال: إبليس أفقه منه، قال: {رب بما أغويتنى} وهذا يقول: أنا أغوى نفسى، يعنى فيما قالت المجبرة تصويب قول إبليس أن الله أغواه وأنه أجبره على الغواية، وتخطئة الرجل فى قوله: إنى أغوى نفسى، وليس بشىء لجواز أن يريد إبليس أن الله أغواه باختياره لا جبراً وهو الحق، وإن يريد الرجل أغوى نفسى باكتسابى واختيارى، وخالق الغواية الله وهو الحق، وعن محمد بن كعب القرظى فيما حكى الطبرى: قاتل الله القدرية لإبليس أعلم بالله منهم، يريد أنه علم أن الله يهدى ويضل.

الالوسي

تفسير : {قَالَ } استئناف كنظائره {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} الفاء لترتيب مضمون الجملة التي بعد على الإنظار، والباء إما للقسم أو للسببية، و (ما) على التقديرين مصدرية، والجار والمجرور متعلق بأقسم؛ وقيل: إنه على تقدير السببية متعلق بما بعد اللام، وفيه أن لها الصدر على الصحيح فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وجوز بعضهم كون (ما) استفهامية لم يحذف ألفها وأن الجار متعلق بأغويتني ولا يخفى ضعفه. والإغواء خلق الغي وأصل الغي الفساد ومنه غوى الفصيل وغوى إذا بشم وفسدت معدته، وجاء بمعنى الجهل من اعتقاد فاسد كما في قوله سبحانه: { أية : مَا ضَلَّ صَـٰحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ } تفسير : [النجم: 2] وبمعنى الخيبة كما في قوله: شعر : فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائماً تفسير : ومنه قوله تعالى: { أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } تفسير : [طه: 121] واستعمل بمعنى العذاب مجازاً بعلاقة السببية ومنه قوله تعالى: { أية : فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } تفسير : [مريم: 59]. ولا مانع عند أهل السنة أن يراد بالإغواء هنا خلق الغي بمعنى الضلال أي بما أضللتني وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ونسبة الإغواء بهذا المعنى إلى الله عز وجل مما يقتضيه عموم قوله سبحانه: { أية : خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء } تفسير : [الأنعام: 102] والمعتزلة يأبون نسبة مثل ذلك إليه سبحانه وقالوا في هذا تارة: إنه قول الشيطان فليس بحجة، وأولوه أخرى بأن الإغواء النسبة إلى الغي كأكفره إذا نسبه إلى الكفر أو إنه بمعنى إحداث سبب الغي وإيقاعه وهو الأمر بالسجود. وقال بعضهم: إن الغي هنا بمعنى الخيبة أي بما خيبته من رحمتك أو الهلاك أي بما أهلكته بلعنك إياه وطردك له، والذي دعاهم إلى هذا كله عدم قولهم بأن الله تعالى خالق كل شيء وأنه سبحان لا خالق غيره ولم يكفهم ذلك حتى طعنوا بأهل السنة القائلين بذلك. وما الظن بطائفة ترضى لنفسها من خفايا الشرك بما لم يسبق به إبليس عليه اللعنة نعوذ بالله سبحانه وتعالى من التعرض لسخطه. نعم الإغواء بمعنى الترغيب بما فيه الغواية والأمر به كما هو مراد اللعين من قوله: { أية : لأُغْوِيَنَّهُمْ } تفسير : [صۤ: 82] مما لا يجوز من الله تعالى شأنه كما لا يخفى، ثم إن كانت الباء للقسم يكون المقسم به صفة من صفات الأفعال وهو مما يقسم به في العرف وإن لم تجر الفقهاء به أحكام اليمين. ولعل القسم وقع من اللعين بهما جميعاً فحكى تارة قسمه بأحدهما وأخرى بالآخر، وإن كانت سببية فالقسم بالعزة أي فبسبب إغوائك إياي لأجلهم أقسم بعزتك. {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ } أي لآدم عليه السلام وذريته ترصداً بهم كما يقعد القطاع للسابلة {صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } الموصل إلى الجنة وهو الحق الذي فيه رضاك. أخرج أحمد والنسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي في «شعب الإيمان» عن سبرة بن الفاكه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « حديث : إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال أتسلم وتذر دينك ودين آبائك؟ فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في طوله؟ فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال: هو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم / المال فعصاه فجاهد ثم قال صلى الله عليه وسلم: «فمن فعل ذلك منهم فمات أو وقصته دابته فمات كان حقاً على الله تعالى أن يدخله الجنة » تفسير : ولعل الاقتصار منه صلى الله عليه وسلم على هذه المذكورات للاعتناء بشأنها والتنبيه على عظم قدرها لما أن المقام قد اقتضى ذلك لا للحصر. ونظير ذلك ما روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما وغيرهما من تفسير الصراط المستقيم بطريق مكة والكلام من باب الكناية أو التمثيل، ونصب (الصراط) إما على أنه مفعول به بتضمين {أقعدن} معنى ألزمن أو على نزع الخافض أي على صراطك كقولك ضرب زيد الظهر والبطن أو على الظرفين وجاء نصب ظرف المكان المختص عليها قليلاً، ومن ذلك في المشهور قوله: شعر : لدن بهز الكف يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب

ابن عاشور

تفسير : الفاء للتّرتيب والتسبب على قوله: {أية : إنك من الصاغرين}تفسير : [الأعراف: 13] ــــ ثمّ قولِه ــــ {أية : إنك من المنظرين} تفسير : [الأعراف: 15]. فقد دلّ مضمون ذينك الكلامين أنّ الله خلق في نفس إبليس مَقدرة على إغواء النّاس بقوله: {أية : إنك من الصاغرين}تفسير : [الأعراف: 13] وإنّه جعله باقياً متصرّفاً بقواه الشرّيرة إلى يوم البعث، فأحسّ إبليس أنّه سيكون داعية إلى الضّلال والكفر، بجبلةٍ قَلَبه الله إليها قَلْباً وهو من المَسخ النّفساني، وإنّه فاعل ذلك لا محالة مع علمه بأنّ ما يصدر عنه هو ضلال وفساد، فصدور ذلك منه كصدور النّهش من الحيّة، وكتحرّك الأجفان عند مرور شيء على العين، وإن كان صاحب العين لا يريد تحريكهما. والباء في قوله: {فبما أغويتني} سببيْة وهي ظرف مستقِر واقع موقع الحال من فاعل {لأقعدن}، أي أقسم لهم حال كون ذلك مني بسبب إغوائك إياي. واللاّم في {لأقعدن} لام القسم: قصد تأكيد حصول ذلك وتحقيق العزم عليه. وقدم المجرور على عامله لإفادة معنى التّعليل، وهو قريب من الشّرط فلذلك استحقّ التّقديم فإنّ المجرور إذا قُدم قد يفيد معنى قريباً من الشرطيّة، كما في قول النّبي صلى الله عليه وسلم «حديث : كما تكونوا يُوَلَّى عليكم» تفسير : وفي رواية جزم تكونوا مع عدم معاملة عامله معاملة جواب الشّرط بعلامة الجزم فلم يرو «يولى» إلاّ بالألف في آخره على عدم اعْتبار الجزم. وذلك يحصل من الاهتمام بالمتعلِّق، إذ كان هو السّبب في حصول المتعلَّق به، فالتّقديم للاهتمام، ولذلك لم يكن هذا التّقديم منافياً لتصدير لام القسم في جملتها، على أنّا لا نلتزم ذلك فقد خولف في كثير من كلام العرب. وما مصدريّة، والقعود كناية عن الملازمة كما في قول النّابغة:شعر : قُعوداً لدى أبياتهم يَثْمدونهم رمَى اللَّهُ في تلك الأكُف الكوانع تفسير : أي ملازمين أبياتاً لغيرهم يُرِد الجلوس، إذ قد يكونون يسألون واقفين، وماشين، ووجه الكناية هو أنّ ملازمة المكان تستلزم الإعياء من الوقوف عنده، فيقعد الملازم طلباً للرّاحة، ومن ثم أطلق على المستجير اسم القَعيد، ومن إطلاق القعيد على الملازم قوله تعالى: {أية : إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد} تفسير : [ق: 17] أي ملازم إذ الملَك لا يوصف بقعود ولا قيام. ولمّا ضمن فعل: {لأقعدن} معنى الملازمة انتصب {صراطك} على المفعولية، أو على تقدير فعل تضمّنه معنى لأقعدن تقديره: فامْنَعَنّ صراطك أو فَأقْطَعَنّ عنهم صراطك، واللاّم في لهم للأجل كقوله: {أية : واقعدوا لهم كل مرصد} تفسير : [التوبة: 5]. وإضافة الصّراط إلى اسم الجلالة على تقدير اللاّم أي الصّراط الذي هو لك أي الذي جعلته طريقاً لك، والطّريق لله هو العمل الذي يحصل به ما يرضي الله بامتثال أمره، وهو فعل الخيرات، وترك السيّئات، فالكلام تمثيلُ هيئة العازمين على فعل الخير، وعزمهم عليه، وتعرّض الشّيطان لهم بالمنع من فعله، بهيئة السّاعي في طريق إلى مقصد ينفعه وسعيه إذا اعترضه في طريقه قاطع طريق منعه من المرور فيه. والضّمير في {لهم} ضمير الإنس الذين دلّ عليهم مقام المحاورة، التي اختصرت هنا اختصاراً دعا إليه الاقتصار على المقصود منها، وهو الامتنان بنعمة الخلق، والتّحذير من كيد عدوّ الجنس، فتفصيل المحاورة مشعر بأنّ الله لمّا خلق آدم خاطب أهل الملإ الأعلى بأنّه خلقه ليَعْمر به وبنسله الأرضَ، كما أنبأ بذلك قوله تعالى: {أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} تفسير : [البقرة: 30] فالأرض مخلوقة يومئذ، وخلق الله آدم ليعمرها بذريته وعلم إبليس ذلك من إخبار الله تعالى الملائكةَ فحكى الله من كلامه ما به الحاجة هنا: وهو قوله: {لأقعدن لهم صراطك المستقيم} الآية وقد دلّت آية سورة الْحِجْر على أنّ إبليس ذكر في محاورته ما دلّ على أنّه يريد إغواءَ أهل الأرض في قوله تعالى: {أية : قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلَصين} تفسير : [الحجر: 39، 40] فإن كان آدم قد خلق في الجنّة في السّماء ثمّ أهبط إلى الأرض فإن علم إبليس بأنّ آدم يصير إلى الأرض قد حصل من إخبار الله تعالى بأن يجعله في الأرض خليفة، فعلم أنّه صائر إلى الأرض بعد حين، وإن كان آدم قد خُلق في جنّة من جنّات الأرض فالأمر ظاهر، وتقدّم ذلك في سورة البقرة. وهذا الكلام يدلّ على أنّ إبليس عَلِم أنّ الله خلق البشر للصّلاح والنّفععِ، وأنّه أودع فيهم معرفة الكمال، وأعانهم على بلوغه بالإرشاد، فلذلك سُمِّيت أعمال الخير، في حكاية كلام إبليس، صراطاً مستقيماً، وإضافه إلى ضمير الجلالة، لأنّ الله دعا إليه وارد من النّاس سلوكه، ولذلك أيضاً ألزم {لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم}. وبهذا الاعتبار كان إبليس عدواً لبني آدم، لأنّه يطلب منهم ما لم يُخلقوا لأجله وما هو مناففٍ للفطرة التي فطر الله عليها البشر، فالعداوة متأصّلة وجبليّة بين طبع الشّيطان وفطرة الإنسان السّالمة من التّغيير، وذلك ما أفصح عنه الجَعل الإلهي المشار إليه بقوله: {أية : بعضكم لبعض عدو}تفسير : [البقرة: 36]، وبه سيتّضح كيف انقلبت العداوة ولاية بين الشّياطين وبين البشر الذين استحبُّوا الضّلال والكفر على الإيمان والصّلاح. وجملة: {ثم لأتينهم} (ثمّ) فيها للتّرتيب الرّتبي، وهو التّدرّج في الأخبار إلى خبر أهم لأنّ مضمون الجملة المعطوفة أوقع في غرض الكلام من مضمون الجملة المعطوف عليها، لأنّ الجملة الأولى أفادت التّرصد للبشر بالإغواء، والجملة المعطوفة أفادت التّهجّم عليهم بشتّى الوسائل. وكما ضُرب المثل لهيئة الحرص على الإغواء بالقعود على الطريق، كذلك مُثلت هيئة التّوسل إلى الإغواء بكلّ وسيلة بهيئة الباحث الحريص على أخذ العدوّ إذ يأتيه من كلّ جهة حتّى يصادف الجهة التي يتمكّن فيها من أخذه، فهو يأتيه من بين يديه ومِن خلفه وعن يمينه وعن شماله حتّى تخور قوّة مدافعته، فالكلام تمثيل، وليس للشّيطان مسلك للإنسان إلاّ من نفسه وعقله بإلقاء الوسوسة في نفسه، وليست الجهات الأربع المذكوره في الآية بحقيقه، ولكنّها مجاز تمثيلي بما هو متعارف في محاولة النّاس ومخاتلتهم، ولذلك لم يذكر في الآية الإتيان من فوقهم ومن تحتهم إذ ليس ذلك من شأن النّاس في المخاتلة وإلاّ المهاجمة. وعُلِّق {بين أيديهم} و{خلفهم} بحرف (مِن) وعلّق {أيمانهم} و(شمالهم) بحرف عن جرياً على ما هو شائع في «لسان العرب» في تعدية الأفعال إلى أسماء الجهات، وأصل (عن) في قولهم: عن يمينه وعن شماله المجاوزة: أي من جهة يمينه مجاوِزا له ومجافياً له، ثمّ شاع ذلك حتّى صارت (عن) بمعنى على، فكما يقولون: جلس على يمينه يقولون: جلس عن يمينه، وكذلك (مِن) في قولهم مِن بين يديه أصلها الابتدا يقال: أتاه من بين يديه، أي من المكان المواجه له، ثمّ شاع ذلك حتّى صارت (من) بمنزلة الحرف الزّائد يجرّ بها الظّرف فلذلك جُرّت بها الظّروف الملازمة للظّرفيّة مثل عند، لأنّ وجود (مِن) كالعدم، وقد قال الحريري في «المقامة النّحويّة» (مَا) منصوبٌ على الظرف لا يَخفِضه سوى حرف: «فهي هنا زائدة ويجوز اعتبارها ابتدائيّة». والأيمان جمع يمين، واليمين هنا جانب من جسم الإنسان يكون من جهة القطب الجنوبي إذا استقبل المرء مشرق الشّمس، تعارفه النّاس، فشاعت معرفته ولا يشعرون بتطبيق الضّابط الذي ذكرناه، فاليمين جهة يتعرّف بها مواقع الأعضاء من البدَن يقال العَيْن اليمنى واليد اليُمنى ونحو ذلك. وتتعرّف بها مواقع من غيرها قال تعالى: {أية : قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين} تفسير : [الصافات: 28]. وقال امرؤ القيس:شعر : عَلَى قَطَنٍ بالشَّيْمِ أيْمَنُ صَوبه تفسير : لذلك قال أيمّة اللّغة سمّيت بلاد اليَمَن يَمَناً لأنّه عن يمين الكعبة، فاعتبروا الكعبة كشخص مستقبِللٍ مشرق الشّمس فالرّكن اليماني منها وهو زاوية الجدار الذي فيه الحجر الأسود باعتبار اليد اليمنى من الإنسان، ولا يدري أصل اشتقاق كلمة (يَمِين)، ولا أن اليُمْن أصل لها أو فرع عنها، والأيمان جمع قياسي. والشّمائلُ جمع شِمَال وهي الجهة التي تكون شِمَالاً لمستقبللِ مشرِق الشّمس، وهو جمع على غير قياس. وقوله: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} زيادة في بيان قوّة إضلاله بحيث لا يفلت من الوقوع في حبائله إلاّ القليل من النّاس، وقد عَلِم ذلك بعلم الحدس وترتيب المسبّبات. وكني بنفي الشّكر عن الكفر إذ لا واسطة بينهما كما قال تعالى: {أية : واشكروا لي ولا تكفرون}تفسير : [البقرة: 152] ووجهُ هذه الكناية، إن كانت محكيّة كما صدرت من كلام إبليس، أنّه أراد الأدب مع الله تعالى فلم يصرّح بين يديه بكفر أتباعه المقتضي أنّه يأمرهم بالكفر، وإن كانت من كلام الله تعالى ففيها تنبيه على أنّ المشركين بالله قد أتَوا أمراً شنيعاً إذ لم يشكروا نعمه الجمّة عليهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {صِرَاطَكَ} (16) - لَمَّا اسْتَوثَقَ إِبْلِيسُ مِنْ وَعْدِ اللهِ لَهُ بِإِبْقَائِهِ إِلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ، أَخَذَ فِي المُعَانَدَةِ وَالتَّمَرُّدِ فَقَالَ لِرَبِّهِ: كَمَا أَغْوَيْتَنِي (فَبِمَا أَغْوَيتَنِي) وَأَضْلَلْتَنِي وَأَهْلَكْتَنِي فَإِنَّنِي سَأُحَاوِلُ فِتْنَةَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، وَسَأَعْتَرِضُ سَبِيلَهُمْ مُحَاوِلاً إِبْعَادَهُمْ عَنْ طَرِيقِ اللهِ المُسْتَقِيمِ، طَرِيقِ الحَقِّ وَالهُدَى، بِأَنْ أُزَيِّنَ لَهُمْ طُرُقاً أُخْرى حَتَّى يَضِلُّوا. فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي - كَمَا أَضْلَلْتَنِي. لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ - لأَجْلِسَنَّ لَهُمْ، وَلأَتَرَصَّدَنَّ لَهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والإغواء. إغراء بالمعصية، ومن الإغواء الَغّي وهو: الإهلاك، ويقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ...فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً} تفسير : [مريم: 59] وحين نقرأ {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} أي فبإغوائك يا الله لي سأفعل كذا وكذا، وبذلك يكون قد نسب الإغواء لله, لكن هل يغوي ربنا أو يهدي؟. إن الله يهدي دلالة وتمكيناً، وسبق أن تكلمنا كثيراً عن هداية الدلالة ودلالة التمكين، وسبحانه خلق الشيطان مختاراً، ولم يخلقه مرغماً ومسخراً كالملائكة، ولأنه قد خلق مختاراً فقد أعطاه فرصة أن يطيع وأن يعصي، وكأن الشيطان بقوله هذا يتمنى لو أنه قد خلق مقهوراً. ويقول إن الله هو الذي أعطاه سبب العصيان. ولم يلتفت إلى أن الاختيار إنما هو فرصة لا للغواية فقط، ولكنه فرصة للهداية أيضاً. وأنت أيها الشيطان الذي اخترت الغواية. إذن فقول الشيطان: {فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي} إنما يريد به الشيطان: أن يدخل بمعصيته على الله، ونقول له: لا، إن ربنا لم يغو؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لا يغوي وإنما يهدي؛ لأن الله لو خلقه مرغماً مقهوراً ما أعطاه فرصة أن يختار كذا أو يختار كذا؛ فقد خلقه على هيئة "افعل" و "لا تفعل"، واختار هو ألاّ يفعل إلا المعصية. {قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16] والمفهوم من العبارة أنهم بنو آدم، والقعود لون من ألوان حركة الجسم الفاعل؛ لأن المتحرك إما أن يكون قائماً، وإما أن يكون قاعداً، وإما أن يكون مضجعاً نائماً. وأريح الحالات أن يكون نائماً مضجعاً؛ لأن الجسم في هذه الحالة يكون مستريحاً بفعل الجاذبية الأرضية، وحين يكون الإنسان قاعداً تقاومه الجاذبية قليلاً، وحين يكون واقفاً فهو يحمل جسمه على قدميه، ولذلك نقول لمن وقف طويلاً على قدميه: "اقعد حتى ترتاح" ولو قعد وكان متعباً فيقال له: "مضجع قليلاً لترتاح". ولماذا اختار الشيطان أن يقول: {لأَقْعُدَنَّ}؟ حتى يكون مطمئناً، فقد يتعب من الوقفة، أيضاً وهو في حالة القعود يكون منتبها متيقظاً، والحق يقول: {أية : وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ...} تفسير : [التوبة: 5] ولم يقل: "قفوا" حتى لا يرهق الناس أنفسهم بالوقوف الطويل، ولكن ساعة يواجهون الأمر فعليهم بالنهوض. والقعود أقرب إلى الوقوف، لأن الاضجع أقرب إلى التراخي والنوم، وقد اختار الشيطان الموقف الذي يحفظ له قوته، ويبقى له انتباهه: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}. ومادام الشيطان سيغوي، وسيضل الغير، فسيختار للغواية من يكون في طريق الهداية. إنما من غوى باختياره وضل بطبيعته فالشيطان قد استراح من ناحيته ولا يريده، وتلك ظاهرة تحدث للناس حينما يجدون ويجتهدون في الطاعة؛ فالشاب الطائع الملتزم يحاول الشيطان أن يخايله ليصرفه عن الصلاة والطاعة؛ لأن الشيطان يتلصص على دين الإنسان، فهو كاللص، واللص لا يحوم حول بيت خرب. إنما يحوم اللص حول بيت عامر بالخير. إننا نلاحظ هذه المسألة في كل الناس حينما يأتون للصلاة فيقول الواحد منهم: حينما أصلي يأتي له الوسواس، ويشككني في الصلاة، نقول له: نعم هذا صحيح، وحين يأتي لك هذا الوسواس فاعتبره ظاهرة صحية في الإيمان؛ لأن معناه أن الشيطان عارف أن عملك مقبول، ولذلك يحاول أن يفسد عليك الطاعة؛ لأنك لو كنت فاسداً من البداية، ووقفت للصلاة دون وضوء لما جاءك الوسواس. لكن الشيطان يريد أن يفسد عليك الطاعة ولذلك يقول الله: {أية : وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ...} تفسير : [الأعراف: 200] لماذا؟. لأن الله خلقك وخلقه، وإن كنت لا تستطيع دفعه لأنه يجري منك مجري الدم في العروق وينفذ إليك بالخواطر والمواجيد التي لا تضبطها؛ ويأتي إليك بمهام الأشياء في وقت الصلاة؛ فتتذكر الأشياء التي لم تكن تتذكرها، ويأتي لك بأعقد المسائل وأنت تصلي؛ وكل ذلك لأنه قال: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}، ولم يقل إنه سيقعد على الطريق المنحرف، ولن يجلس الشيطان في مجلس خمر، لكنه يقعد على أبواب المساجد أو في المساجد ليفسد للناس أعمالهم الصالحة. فماذا نفعل في هذه الحال؟. يدلنا الحق سبحانه أن نستعيذ: {وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} فمعنى {فَٱسْتَعِذْ} أي فالتجئ منه إلى الله؛ لإن الله الذي أعطاه الخاصية في أن يتغلغل فيك، وفي دمك، وفي خواطرك، هو القادرعلى منعه، وحين تقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" بفزع والتجاء إليه- سبحانه- فإنه- جل شأنه- ينقذك منه. وإن كنت تقرأ القرآن ثم جاء لك الخاطر من الشيطان فقل: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فإذا قلت هذا فكأنك نبهته إلى أنك أدركت من أين جاءت هذه النزغة: مرة واثنتين وثلاثاً، فيقول الشيطان لنفسه: إن هذا المؤمن حاذق فطن وحذر لا أستطيع غوايته، ولأبحث عن غيره. ولذلك رأينا الإمام أبا حنيفة، وقد شهرَ عنه الفتيا، وذهب إليه سائل يقول: ضاع مني مال في أرض كنت قد دفنته فيها، ولا أعرف الآن مكانه. دلني عليه أيها الشيخ؟. وبطبيعة الحال كان هذا السؤال في غير العلم، فقال أبو حنيفة: يا بني ليس في ذلك شيء من العلم، ولكني احتال لك؛ إذا جاء الليل فقم بين يدي ربك مصليا هذه الليلة، لعل الله سبحانه وتعالى يبعث لك جنداً من جنوده يقول لك عن مكان مالك. وبينما أبو حنيفة يؤدي صلاة الفجر، وإذا بالرجل يقبل ضاحكاً مبتسماً قائلا: يا إمام لقد وجدت المال، فضحك أبو حنيفة، وقال: والله لقد علمت أن الشيطان لا يدعك تتم ليلتك مع ربك، وسيأتي ليُخبرك، فهلاّ أتممتها شكراً لله، هيا قم إلى الصلاة. إذن فقد عرف الشيطان كيف يقعد: وكيف يقسم، لأنه في آية أخرى يقول: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] لقد استطاع أن يأتي بالقسم الذي يعينه على مهمته؛ فقال: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ} أي بامتناعك عن خلقك وعدم حاجتك إليهم فأنت الغالب الذي لا يقهر؛ لأنك إن أردتهم ما استطعتُ أن آخذهم، لكنك شئت لكل إنسان أن يختار: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29] فأقسم، ومن هذا الباب يدخل الشيطان على الإِنسان: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}. واستدرك على نفسه أيضاً وقال: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 83] لأن الذي يريده الله مهديًّا لا يستطيع الشيطان أن يغويه؛ لأنه لا يناهض ربنا ولا يقاومه، إنما يناهض خلق الله، ولا يدخل مع ربنا في معركة، إنما يدخل مع خلقه في معركة ليس له فيه حجة ولا قوة؛ لأن الذي يغلب في المعارك إما أن يرغمك على الفعل، وإما أن يقنعك لتفعل أنت بدون إرغام. وهل يملك إبليس واحدة من هذه؟. لا، ولذلك سيأتي في الآخرة يقول: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي...} تفسير : [إبراهيم: 22] والسلطان قسمان: سلطان يقهر، وسلطان يقنع. والشيطان يدخل على الإِنسان من هذه الأبواب. ويقول الحق بعد ذلك على لسان إبليس: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قال إبليس - لما أبلس وأيس من رحمة اللّه - { فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ } أي: للخلق { صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ } أي: لألزمن الصراط ولأسعى غاية جهدي على صد الناس عنه وعدم سلوكهم إياه. { ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } أي: من جميع الجهات والجوانب، ومن كل طريق يتمكن فيه من إدراك بعض مقصوده فيهم. ولما علم الخبيث أنهم ضعفاء قد تغلب الغفلة على كثير منهم، وكان جازما ببذل مجهوده على إغوائهم، ظن وصدَّق ظنه فقال: { وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } فإن القيام بالشكر من سلوك الصراط المستقيم، وهو يريد صدهم عنه، وعدم قيامهم به، قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } . تفسير : وإنما نبهنا اللّه على ما قال وعزم على فعله، لنأخذ منه حذرنا ونستعد لعدونا، ونحترز منه بعلمنا، بالطريق التي يأتي منها، ومداخله التي ينفذ منها، فله تعالى علينا بذلك، أكمل نعمة.