٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ لأَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ } أي من كل جهة فأمنعهم عن سلوكه. قال ابن عباس: ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم لئلا يحول بين العبد وبين رحمة الله تعالى {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَٰكِرِينَ } مؤمنين.
ابن عطية
تفسير : هذا توكيد من إبليس في أنه يجد في إغواء بني أدم، وهذا لم يكن حتى علم إبليس أن الله يجعل في الأرض خليفة وعلم أنه آدم وإلا فلا طريق له إلى علم أنسال آدم من ألفاظ هذه الآيات. قال القاضي أبو محمد: ومقصد هذه الآية أن إبليس أخبر عن نفسه أنه يأتي إضلال بني آدم من كل جهة وعلى كل طريق يفسد عليه ما أمكنه من معتقده وينسيه صالح أعمال الآخرة ويغريه بقبيح أعمال الدنيا، فعبر ذلك بألفاظ تقتضي الإحاطة بهم، وفي اللفظ تجوز، وهذا قول جماعة من المفسرين، وقال ابن عباس فيما روي عنه: أراد بقوله {من بين أيديهم} الآخرة {ومن خلفهم} الدنيا {وعن أيمانهم} الحق، {وعن شمائلهم} الباطل، وقال ابن عباس أيضاً فيما روي عنه: {من بين أيديهم} هي الدنيا {ومن خلفهم} هي الآخرة {وعن أيمانهم} الحسنات {وعن شمائلهم} السيئات. وقال مجاهد: من "بين أيديهم وعن أيمانهم": معناه حيث يبصرون "ومن خلفهم وعن شمائلهم" حيث لا يبصرون. وقوله: {ولا تجد أكثرهم شاكرين} خبر أن سعايته تفعل ذلك ظناً منه وتوهماً في خلقة آدم حين رأى خلقته من أشياء مختلفة فعلم أنه ستكون لهم شيم تقتضي طاعته كالغل والحسد والشهوات ونحو ذلك، قال ابن عباس وقتادة: إلا أن إبليس لم يقبل أنه يأتي بني آدم من فوقهم ولا جعل الله له سبيلاً إلى أن يحول بينهم وبين رحمة الله وعفوه ومنّه، وما ظنه إبليس صدقه الله عز وجل. ومنه قوله: {أية : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين} تفسير : [سبأ:20] فجعل أكثر العالم كفرة، ويبينه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: "حديث : يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم أخرج بعث النار، فيقول: يا رب وما بعث النار؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين وواحد إلى الجنة" تفسير : . ونحوه مما يخص أمة محمد عليه السلام: "حديث : ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: وقوله كالشعرة يحتمل أن يريد شعرة واحدة وهو بعيد لأن تناسب الحديث الأول يرده، ويحتمل أن يريد الشعرة التي هي للجنس، والقصد أن يشبههم بثور أسود قد أنبتت في خلال سواده شعرة بيضاء، ويحتمل أن يريد اللمعة من الشعر الأبيض، وهذا فيه بعد، و {شاكرين} معناه مؤمنين لأن ابن آدم لا يشكر نعمة الله إلا بأن يؤمن، قاله ابن عباس وغيره. وقوله تعالى: {قال اخرج منها} الضمير في {منها} عائد على الجنة و {مذءوماً} معناه معيباً يقال ذأمه إذا عابه ومنه الذأم وهو العيب. وفي المثل: "لن تعدم لحسناء ذاماً", أي عيباً، وسهلت فيه الهمزة، ومنه قول قيل حمير: أردت أن تذيمه فمدهته يريد فمدحته، وحكى الطبري أنه يروى هذا البيت: [الطويل] شعر : صَحِبْتُكَ إذ عيني عليها غِشاوةٌ فلمّا انجلتْ قَطعتُ نفسي أُذيمُها تفسير : قال القاضي أبو محمد: والرواية المشهورة ألومها. ومن الشاهد في اللفظ قول الكميت: [الخفيف] شعر : وهمُ الأقربونَ من كلّ خيرٍ وَهُمُ الأبعدونَ من كل ذامِ تفسير : ومن الشاهد في مدحور قول الشاعر: [الوافر] شعر : ودحرت بني الحصيب إلى قديد وقد كانوا ذوي أشر وفخر تفسير : وقرأ الزهري وأبو جعفر والأعمش في هذه الآية "مذوماً" على التسهيل، و {مدحوراً} معناه مقصياً مبعداً. وقرأت فرقة "لَمن تبعك" بفتح اللام وهي على هذه لام القسم المخرجة الكلام من الشك إلى القسم، وقرأ عاصم الجحدري والأعمش "لِمن تبعك" بكسر اللام، والمعنى لأجل من تبعك {لأملأن جهنم منكم أجمعين} فأدخله في الوعيد معهم بحكم هذه الكاف في {منكم}.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من بين أيديهم: أشككهم في الآخرة {وَمِنْ خَلفِهِمْ} أرغبهم في الدنيا {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} حسناتهم، {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} سيئاتهم. قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ: أو "من بين أيديهم": الدنيا "وخلفهم" الآخرة، "وأيمانهم": الحق يشككهم فيه، وشمائلهم "الباطل" يرغبهم فيه، أو "بين أيديهم وعن أيمانهم" من حيث يبصرون، "ومن خلفهم وعن شمائلهم" من حيث لا يبصرون، أو أراد من كل جهة يمكن الاحتيال عليهم منها. {شَاكِرينَ} ظنَّ أنهم لا يشكرون فصدق ظنه، أو يمكن أن علمه من بعض الملائكة بإخبار الله ـ تعالى ـ.
ابن عادل
تفسير : الوجدان هنا يحتمل أن يكون بمعنى اللِّقَاءِ، أو بمعنى العِلْم أي: لا تُلْفي أكثرهم شاكرين أو لا تعلم أكثرهم شاكرين فـ "شاكرين" حال على الأَوَّلِ، مفعول ثانٍ على الثَّانِي. وهذه الجملة تحتمل وجهين: أحدهما: أنَّ تكون استئنافية أخبر اللَّعِينُ بذلك لتظنِّيه قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ}تفسير : [سبأ: 20]، أو لأنَّهُ علمه بطريق قيل: لأنه كان قد رأى ذلك في اللَّوْحِ المَحْفوظِ. ويحتمل أن تكون دَاخِلَةً في حيِّز ما قبلها من جواب القسمِ فتكونُ معطوفةً على قوله: "لأقْعُدَنَّ" أقْسَمَ على جملتين مُثْبَتَتَيْنِ، وأخرى منفَّية.
البقاعي
تفسير : ولما كان قد أقام نفسه في ذلك بغاية الجد، فهو يفعل فيه بالوسوسة بنفسه ومن أطاعه من شياطين الجن والإنس ما يفوت الحد ويعجز القوى، أشار إليه بحرف التراخي فقال مؤكداً: {ثم لآتينهم} أي إتياناً لا بد لي منه كائناً ابتداؤه {من بين أيديهم} أي مواجهة، فأحملهم على أن يفعلوا ما يعلمون أنه خطأ {و} كائناً {من خلفهم} أي مغافلة، فيعملون ما هو فاسد في غاية الفساد ولا شعور لهم بشيء من فساده حين تعاطيه فأدلهم بذلك على تعاطي مثله وهم لا يشعرون {وعن} أي ومجاوزاً للجهة التي عن {أيمانهم} إليهم {وعن} أي ومجاوزاً لما عن {شمائلهم} أي مخايلة، فيفعلونه وهو مشتبه عليهم، وهذه هي الجهات التي يمكن الإتيان منها، ولعل فائدة "عن" المفهمة للمجاوزة وصل خطى القدام والخلف ليكون إتيانه مستوعباً لجميع الجهة المحيطة، وأفهمت الجهات الأربع قدحه وتلبيسه فيما يعلمونه حق علمه وما يعلمون شيئاً منه وما هو مشتبه عليهم اشتباهاً قليلاً أو كثيراً، وهم من ترك ذكره الأعلى أنه لا قدرة له على الإتيان منه لئلا يلتبس أمره بالملائكة، وقد ذكر ذلك في بعض الآثار كما ذكره في ترجمة ورقة بن نوفل رضي الله عنه. ولما عزم اللعين على هذا عزماً صادقاً ورأى أسبابه ميسرة من الإنظار ونحوه، ظن أنه بما راى لهم من الشهوات والحظوظ يظفر بأكثر حاجته، فقال عاطفاً على تقديره: فلأغوينهم وليتبعنني: {ولا تجد أكثرهم} كما هي عادة الأكثر في الخبث {شاكرين*} فأريد به الشقاء فأغرق في الحسد، ولو أريد بالشقي الخير لاستبدل بالحسد الغبطة فطلب أن يرتقي هو إلى درجاتهم العالية بالبكاء والندم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة خضوعاً لمقام الربويية وذلاً لعظيم شأنه. ولما كان كأنه قيل: ماذا قال له؟ قيل: {قال} في جواب ما ذكر لنفسه في هذا السياق من القوة والاقتدار وأبان عنه من الكبر والافتخار ما دل على أنه من أهل الصغار، لا يقدر على شيء إلا بإقرار العزيز الجبار، مصرحاً بما أريد من الهبوط الذي ربما حمل على النزول من موضع من الجنة عال إلى مكان منها أحط منه {اخرج منها} أي الجنة {مذءوماً} أي محقوراً مخزياً بما تفعل، قال القطاع: ذأمت الرجل: خزيته، وقال ابن فارس: ذأمته، أي حقرته {مدحوراً} أي مبعداً مطروداً عن كل ما لا أريده. ولما علم بعض حاله، تشوفت النفس إلى حال من تبعه، فقال مقسماً مؤكداً بما يحق له من القدرة التامة والعظمة الكاملة: {لمن تبعك منهم} أي بني آدم، وأجاب القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال: {لأملأن جهنم منكم} أي منك ومن قبيلك ومنهم {أجمعين*} أي لا يفوتني منكم أحد، فلم يزل من فعل ذلك منكم على أذى نفسه ولا أبالي أنا بشيء. ولما أوجب له ما ذكر من الشقاوة تماديه في الحسد وكثرة كلامه في محسوده، التفت إلى محسوده الذي لم يتكلم فيه كلمة واحدة، بل اشتغل بنفسه في البكاء على ذنبه، واكتفى بفعل ربه بما ينجيه من حبائل مكره التي نصبها بما ذكر، ليكون ذلك سبب سعادته، فقال عطفاً على {اخرج منها}: {ويا آدم اسكن} ولما كان المراد بهذا الأمر هو نفسه لا التجوز به عن بعض من يلابسه، أكد ضميره لتصحيح العطف ورفع التجوز فقيل: {أنت وزوجك الجنة}. ولما كان السياق هنا للتعرف بأنه مكن لأبينا في الجنة أعظم من تمكينه لنا في الأرض بأن حباه فيها رغد العيش مقارناً لوجوده؛ ثم حسن في قوله: {فكلا} العطف بالفاء الدال على أن المأكول كان مع الإسكان، لم يتاخر عنه، ولا منافاة بينه وبين التعبير بالواو في البقرة، لأن مفهوم الفاء نوع داخل تحت مفهوم الواو، ولا منافاة بين النوع والجنس، وقوله: {من حيث شئتما} بمعنى رغداً أي واسعاً، فإنه يدل على إباحة الأكل من كل شيء فيها غير المنهي عنه، وأما آية البقرة فتدل على إباحة الأكل منها في أيّ مكان كان، وهذا السياق إلى آخره مشير إلى أن من خالف أمره تعالى ثل عرشه وهدم عزه وإن كان في غاية المكنة ونهاية القوة كما أخرج من أعظم له المكنة بإسجاد ملائكته وإسكان جنته وإباحة كل ما فيها غير شجرة واحده؛ أكد تحريمها بالنهي عن قربانها دون الاكتفاء بالنهي عن غشيانها فقال: {ولا تقربا} أي فضلاً عن أن تتناولا {هذه الشجرة} مشيراً إلى شجرة بعينها أو نوعها؛ ثم سبب عن القربان العصيان، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه فقال: {فتكونا} أي بسبب قربها {من الظالمين*} أي بالأكل منها الذي هو مقصود النهي فتكونا بذلك فاعلين فعل من يمشي في الظلام؛ ثم سبب عن ذلك بيان حال الحاسد مع المحسودين فيما سأل الإنظار بسببه، وأنه وقع على كثير من مراده واستغوى منه أمماً تجاوزوا الحد وقصر عنهم مدى العد؛ ثم بين أنه أقل من أن يكون له فعل، وأن الكل بيده سبحانه، هو الذي جعله آلة لمراده منه ومنهم، وأن من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون، فقال: {فوسوس} أي القى في خفاء وتزيين وتكرير واشتهاء {لهما الشيطان} أي بما مكنه الله منه من أنه يجري من الإنسان مجرى الدم ويلقى له في خفاء ما يميل به قلبه إلى ما يريد؛ ثم بين علة الوسوسة بقوله: {ليبدي} أي يظهر {لهما ما وُوُرِىَ} أي ستر وغطي بأن جعل كأنه وراءهما لا يلتفتان إليه {عنهما} والبناء للمفعول إشارة إلى أن الستر بشيء لا كلفة عليهما فيه كما يأتي في قوله{أية : ينزع عنهما لباسهما}تفسير : [الأعراف: 27] و {من سوءاتهما} أي المواضع التي يسوءهما انكشافها، وفي ذلك أن إظهار السوءة موجب للعبد من الجنة وأن بينهما منفية الجمع وكمال التباين. ولما أخبر بالوسوسة وطوى مضمونها مفهماً أنه أمر كبير وخداع طويل، عطف عليه قوله: {وقال} اي في وسوسته أيضاً، أي زين لهما ما حدث بسببه في خواطرهما هذا القول: {ما نهاكما} وذكرهما بوصف الإحسان تذكيراً بإكرامه لهما تجزئة لهما على ما يريد منهما فقال: {ربكما} أي المحسن إليكما بما تعرفانه من أنواع إحسانه {عن } أي ما جعل نهايتكما في الإباحة للجنة متجاوزة عن {هذه الشجرة} جمع بين الإشارة والاسم زيادة في الاعتناء بالتنصيص {إلا أن} أي كراهية أن {تكونا ملكين} أي في عدم الشهوة وفي القدرة على الطيران والتشكل وغير ذلك من خواصهم {أو تكونا} أي بما يصير لكما من الجبلة {من الخالدين*} أي الذين لا يموتون ولا يخرجون من الجنة أصلاً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {ثم لآتينهم من بين أيديهم} قال: أشككهم في آخرتهم {ومن خلفهم} فأرغبهم في دنياهم {وعن أيمانهم} أشبه عليهم أمر دينهم {وعن شمائلهم} استن لهم المعاصي وأخف عليهم الباطل {ولا تجد أكثرهم شاكرين} قال: موحدين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {ثم لآتينهم من بين أيديهم} من قبل الدنيا {ومن خلفهم} من قبل الآخره {وعن أيمانهم} من قبل حسناتهم {وعن شمائلهم} من قبل سيئاتهم . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ثم لآيتنَّهم من بين أيديهم} قال لهم: أن لا بعث ولا جنة ولا نار ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها {وعن أيمانهم} من قبل حسناتهم ابطأهم عنها {وعن شمائلهم} زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، أتاك يا ابن آدم من قبل وجهك غير أنه لم يأتك من فوقك، لا يستطيع أن يكون بينك وبين رحمة الله . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير واللالكائي في السنة عن ابن عباس في الآية قال: لم يستطع أن يقول: من فوقهم. علم أن الله فوقهم. وفي لفظ: لأن الرحمة تنزل من فوقهم . وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال: يأتيك يا ابن آدم من كل جهة غير أنه لا يستطيع أن يحول بينك وبين رحمة الله، إنما تأتيك الرحمة من فوقك . وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: قال إبليس: لآتينَّهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم. قال الله: أنزل عليهم الرحمة من فوقهم . وأخرج أبو الشيخ عن أبي صالح في قوله {ثم لآتينهم من بين أيديهم} من سبل الحق {ومن خلفهم} من سبل الباطل {وعن أيمانهم} من أمر الآخره {وعن شمائلهم} من الدنيا . وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم عن ابن عمر قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو هذه الدعوات حين يصبح وحين يمسي "حديث : اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي " .
ابو السعود
تفسير : {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ} أي من الجهات الأربعِ التي يُعتاد هجومُ العدوِّ منها مثلُ قصدِه إياهم للتسويل والإضلال من أي وجهٍ يتيسر بإتيان العدوِّ من الجهات الأربعِ ولذلك لم يُذكر الفوقُ والتحتُ. وعن ابن عباس رضي الله عنهما (مِنْ بَـيْنِ أيدِيهِمْ) من قِبَل الآخرةِ. و(من خلفهم) من جهة الدنيا، و(عن أيمانِهِم وعن شمائلهم) من جهة حسناتِهم وسيئاتِهم. وقيل: من بـين أيديهم من حيث يعلمون ويقدِرون على التحرز منه، ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيّقظهم واحتياطِهم ومن حيث لا يتيسر لهم ذلك، وإنما عُدِّي الفعلُ إلى الأوَّلَيْن بحرف الابتداء لأنه منهما متوجهٌ إليهم وإلى الآخَرَين بحرف المجاوزة فإن الآتيَ منهما كالمنحرف المتجافي عنهم المارِّ على عَرضهم، ونظيرُه جلست عن يمينه {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ} أي مطيعين وإنما قاله ظناً لقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } تفسير : [سبأ، الآية 20] لما رأى منهم مبدأ الشرِّ متعدداً ومبدأَ الخيرِ واحداً، وقيل: سمعه من الملائكة عليهم السلام. {قَالَ} استئناف كما سلف مراراً {اخْرَجَ مِنْهَا} أي من الجنة أو من السماء أو من بـينِ الملائكة {مَذْءومًا} أي مذموماً من ذَأَمه إذا ذمّه، وقرىء مَذوماً كَمَسول في مسؤول، أو كَمَكول في مكيل، من ذامه يذيمه ذيماً {مَّدْحُورًا} مطروداً {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} اللامُ موطئةٌ للقسم وجوابه {لأمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} وهو سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط، وقرىء لِمَنْ تبعك بكسر اللام على أنه خبرُ (لأملأن) على معنى لِمَنْ تبعك هذا الوعيدُ، أو علةٌ لاخرُجْ و(لأملأن) جوابٌ محذوفٌ ومعنى (منكم) منك ومنهم على تغليب المخاطب {وَ يَا ءادَمَ} أي وقلنا كما وقع في سورة البقرة، وتصديرُ الكلامِ بالنداء للتنبـيه على الاهتمام بتلقّي المأمورِ به، وتخصيصُ الخطابِ به عليه السلام للإيذان بأصالته في تلقي الوحي وتعاطي المأمور به {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} هو من السكَن الذي هو عبارةٌ عن اللَّبْثِ والاستقرارِ والإقامةِ لا من السكون الذي هو ضدُّ الحركة، وأنت ضميرٌ أُكّد به المستكنُّ ليصحَّ العطفُ عليه، والفاءُ في قوله تعالى: {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} لبـيان المرادِ مما في سورة البقرة من قوله تعالى: {أية : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا } تفسير : [البقرة: 35] من أن ذلك كان جمعاً مع الترتيب، وقوله تعالى: {مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} في معنى منها حيث شئتما، ولم يُذكر هٰهنا (رَغَداً) ثقةً بما ذكر هناك، وتوجيهُ الخطابِ إليهما لتعميم التشريفِ والإيذانِ بتساويهما في مباشرة المأمورِ به فإن حوّاءَ أُسوةٌ له عليه السلام في حق الأكلِ بخلاف السكنِ فإنها تابعةٌ له فيه ولتعليق النهي بها صريحاً في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} وقرىء هذي وهو الأصلُ لتصغيره على ذَيّا والهاءُ بدلٌ من الياء {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ} إما جزمٌ على العطف أو نصبٌ على الجواب.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} [الآية: 17]. سمعت أبا عثمان المغربى يقول: إن الشيطان يأتى على الناس عن إيمانهم بالطاعات، ومن بين أيديهم بالأمانى والكرامات، ومن خلفهم بالبدع والضلالات، وعن شمائلهم بالشرك فإذا جرى لعبدٍ سعادة قََبِِل منهم ما يأمرونه من الطاعات، فإذا أرادوا أن يهلكوه بطاعته رُدّ إلى السعادة التى جرت له فيكون ذلك ربحًا وزيادة، ألا تراه يقول: {لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} الآية. قال: ولا تجد أكثرهم شاكرين، فالأكثر من هلك بطاعته، والأقل من أدركته السعادة فنجا إذ ذاك وشكر. وقال بعضهم: {لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من الدنيا ومن خلفهم للآخرة وعن أيمانهم الحسنات وعن شمائلهم السيئات. وقال الشبلى: لم يقل: من فوقهم ولا من تحتهم لأن الفوق موضع نظر الملك إلى قلوب العارفين، والتحت مواضع الساجدين وموضع نظره وموضع عبادتهم لا يكون للشيطان هناك موضع ولا فيه طريق.
القشيري
تفسير : أخبر أنه يأخذ عليهم جوانبَهم، ويتسلطُ عليهم من جميع جهاتهم، ولم يَعْلَمْ أن الحقَّ سبحانه قادر على حفظهم عنه، فإنَّ ما يكيد بهم مِنَ القدرةِ حَصَلَ، وبالمشيئة يوجد، ولو كان الأمر به أو إليه لَكَانَ أوْلى الخلْقِ بأنْ يُؤَثِّرَ فيه كدْحُه نَفْسَه، وحيْث لم ينفعه جهدُه في سالِف أحواله لم يضرهم كيده بما توعدهم به من سوء أفعاله.
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم لآتيناهم} [بس بيايم بديشان] {من بين ايديهم} اى من قبل الآخرة فاشككهم فيها. وايضا من قبل الحسد فازين لهم الحسد على الاكابر من العلماء والمشايخ فى زمانهم ليطعنوا فى احوالهم واعمالهم واقوالهم {ومن خلفهم} من جهة الدنيا ارغبهم. فيها وايضا من قبل العصبية ليطعنوا فى المتقدمين من الصحابة والتابعين والمشايخ الماضين ويقدحوا فيهم ويبغضوهم {وعن ايمانهم} من جهة الحسنات واوقعهم فى العجب والرياء. وايضا من قبل الانبساط فاحرض المريدين على سوء الادب فى صحبة المشايخ وترك الحشمة والتعظيم والتوسع فى الكلام والمزاح لانزلهم عن رتبة القبول {وعن شمائلهم} من جهة السيآت فازينها لهم. وايضا من قبل المخالفة فامرهم بترك اوامر المشايخ ونواهيهم لأوردهم به موارد الرد واهلكهم بسطوات غيره الولاية وردها بعد القبول والمقصود من الجهات الاربع التى يعتاد هجوم العدو منها مثل قصده اياهم للتسويل والاضلال من أى وجه يتيسر باتيان العدو من الجهاد الاربع ولذلك لم يذكر الفوق والتحت وانما عدى الفعل الى الاولين بحرف الابتداء لانه منهما متوجه اليهم والى الآخرين بحرف المجاوزة فان الآتى منهما كالمنحرف المتجافى عنهم المار على عرضهم وجانبهم كما تقول جلست عن يمينه اذا جلست متجافيا عن جانب يمينه غير ملاصق له فكأنك انحرفت عنه وتجاوزت {ولا تجد اكثرهم شاكرين} اى مطيعين. وفى التفسير الفارسى [يعنى كافران باشندكه منعم را نشتاسد] وانما قال ظنا لا علما لقوله تعالى {أية : ولقد صدق عليهم ابليس ظنه} تفسير : [سبأ: 20]. لما رأى فيهم مبتدأ الشر متعددا وهو الشهوة والغضب ومبدأ الخير واحدا وهو العقل: قال السعدى قدس سره شعر : نه ابليس درحق ما طعنه زد كزينان نيايد يجز كاريد فغان ازبديها كه در نفس ماست كه ترسم شودظن ابليس راسب جوملعون بسند آمدش قهرما خدايش بر انداخت ازبهرما كجاسر بر آريم عاروننك كه با او بصلحيم وباحق بجنك
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من جهة تزيين المشتهيات الاخرويّة واتعابهم فى العمل لاجلها {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} من جهة المشتهيات الدّنيويّة {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} بتزيين الاعمال الدّينيّة بحيث يستلذّها ويعجب بها فيفسدها {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} بتزيين الاعمال القبيحة بحيث يعدّون قبائحهم حسناتٍ ويباهون بمعاصيهم وملاهيهم ومقصوده منه، تصوير المخاصمة معهم بكلّ ما يتصوّر المخاصمة به من الخصمين من المباغتة من كلّ جهة ولذلك لم يذكر من فوقهم ومن تحتهم، فانّه لا يتصوّر للعدّو الصّورىّ الاتيان منهما ولانّ جهة الفوق جهة الرّحمة الالهيّة ولا يتصوّر نزول الشّيطان منها، وجهة التحت هى جهة الموادّ من العنصريّة والجماديّة والنّباتيّة والحيوانيّة يعنى مقام الحيوان الخارج عن حدّ الانسان، لا المشتهيات الحيوانيّة الّتى هى تحت الانسانيّة ومتّحدة معها والانسان بالطّبع نافر منها كلّ النّفرة متوحّش كلّ التوحّش لا يمكن اغواؤه من تلك الجهة، والاتيان فى الاوّلين بحرف الابتداء وفى الاخيرين بحرف المجاوزة لتصوير تلك المخاصمة بصورة المخاصمة الصّوريّة، فانّ الخصم الآتى من القدّام متوجّه الى خصمه غير متجاوز عن جهة قدّامه، وكذا الآتى من الخلف يباغت الخصم من خلفه لكنّ الآتى من احد الجانبين يتجاوز عنه ويباغته، او ينصرف المأتّى اليه بوجهه الى الآتى من احد جانبيه فى الاغلب {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} لغفلتهم عن الانعام وابتهاجهم بنفس النّعمة او بصرف النّعمة الّتى انعمت عليهم فى غير وجهها بتلبيسى عليهم وجهها.
الهواري
تفسير : قوله: {ثُمَّ لأَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ} من حيث لا يشعرون {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} أي مؤمنين. أما قوله: {مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} فمن قِبَلِ الآخرة فأخبرهم أنه لا بعث بعد الموت ولا جنة ولا نار. وأما قوله: {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} فمن أمر دنياهم [فازينُها في أعينهم وأخبرهم] أنه لا حساب عليهم في الآخرة فيما صنعوا في الدنيا، لأنهم إذا كانوا في الآخرة كانت الدنيا خلفهم. كقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من أمر الآخرة (أية : وَمَا خَلْفَهُمْ) تفسير : [البقرة:255] من أمر الدنيا إذا كانت الآخرة. وقوله: {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} فأثبطهم عن الخير، كقوله: (أية : إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليَمِينِ) تفسير : [الصافات:28] أي من قِبَل الخير فتثبِطوننا عنه. وأما {عَن شَمَائِلِهِمْ} فيعني من قبل المعاصي. يأمرهم بمعصية الله. {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} أي مؤمنين. وكان ذلك ظناً منه، فكان الأمر على ما ظن. كقوله: (أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ) تفسير : [سبأ:20] أي إلا الفريق الذين آمنوا.
اطفيش
تفسير : {ثُم لآتينَّهم مِن بين أيدِيهم ومِنْ خَلفِهم وعَنْ أيمانِهِم وعَنْ شَمائِلهِم} الذى عندى أنه ليس المراد بجهة من هذه الجهات شىء مخصوص، وأن ذلك مجاز مركب ويسمى استعارة تمثيلية، شبه الشيطان فى اجتهاده فى الإغواء من أى وجه أمكن، بإتيان العدو من الجهات الأربع التى يأتى منها فى الغالب، فلم يذكر الفوق والتحت لنذور إتيان العدو منهما، ولأن الإتيان من تحت موحش، وعن ابن عباس وقتادة: لم يقل من فوقهم لأن الرحمة تنزل منه، ولم يجعل الله له سبيلا، إلى أن يحول بينه وبين رحمة الله وعفوه ومنِّه. وعدى أتى إلى بين أيديهم وإلى خلف بمن، لأن من أتى من قدام أو خلف مبتدأ المجىء من قدام أو خلف متوجه إلى مأتيه، وعداه إلى الإيمان والشمائل بعن، لأن من أتى عن يمين وشمال كمتجاوز مأتيه منحرفا عنه. وقال ابن عباس وقتادة: من بين أيديهم: من قبل الآخرة أصدهم عنها، وأشككهم فيها، وعبر عنها بذلك لأنهم متوجهون إليها، ومن خلفهم: من قبل الدنيا يرغبم فيها، وعبر عنها بذلك، لأنهم منقلبون عنها إلى الآخرة فهى مخلفة وراء الظهر، وعن أيمانهم: من حسناتهم، وعن شمائلهم: من سيئاتهم كيف تثابون ذلك الثواب العظيم على هذه الأفعال اليسيرة، ويعاقبون ذلك العقاب العظيم على هذه الأفعال الهينة، ويصدهم عن الحسنات، ويغريهم بالسيئات، وعنه: عن أيمانهم الحق، وعن شمائلهم الباطل، ومن بين أيديهم وخلفهم ما مر عنه. وروى عنه من بين أيديهم من قبل الآخرة يشككهم فيها، ومن خلفهم الدنيا يرغب فيها، وعن أيمانهم يشبه عليهم أمر دينهم، وعن شمائلهم يشهى لهم المعاصى، وعنه: من بين أيديهم من الدنيا بالتزيين وعبر عنها بذلك لأنها حاضرة يسعى فيها، ومن خلفهم من الآخرة يقول: لا بعث ولا جنة ولا نار، وعبر عنها بذلك لأنها غائبة كالشىء خلف الظهر، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم حسناتهم وسيئاتهم. وقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون، ويجوز أن يكون من بين أيديهم من حيث يعلمون، ويقدرون على التحرز، ومن خلفهم حيث لا يعلمون ولا يقدرون، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا، لكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم، وقيل: من بين أيديهم فيما بقى من أعمارهم ولا يطيعون فيه، ومن خلفهم ما مضى منها فلا يتوبون مما فعلوا، وعن أيمانهم من الغنى فلا ينفقون ولا يشكرون، وعن شمائلهم من الفقر يخوفهم به فيأخذون من غير حل ويمنعون بغير حل. قال شقيق البلخى: ما من صباح إلا قعد لى الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدى، ومن خلفى، وعن يمينى، وعن شمالى، أما من بين يدى فيقول: لا تخف فان الله غفور رحيم، فأقرأ: {أية : وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً} تفسير : وأما من خلفى فيخوفنى الفقر فى أولادى فأقرأ: {أية : وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها} تفسير : وأما من يمينى، فيأتينى من قبل الثناء فأقرأ: {أية : والعاقبة للمتقين} تفسير : وأما من شمالى فيأتينى من قبل الشهوات فأقرأ: {أية : وحيل بينهم وبين ما يشتهون} تفسير : حكاه جار الله. {ولا تَجدُ أكثَرهُم شاكرِينَ} لنعمك بالإيمان والطاعة، وقال ابن عباس: لا تجد أكثرهم مؤمنين، وإنما يستكمل المؤمن، وعنه موحدين، وإنما قال إبليس ذلك ظنا كما قال الله سبحانه: {أية : ولقد صدَّق عليهم إبليس ظنه} تفسير : وذلك أنه رآى فيهم ميل الشر متعدداً وهو الشيطان والنفس والهوى، وميل الخير واحداً وهو ملك الإلهام أو رآى خلقته من أشياء مختلفة، فعلم أنهم تكون لهم شيم تمنع الشكر كالغل والحسد والشهوات، وقيل: سمع ذلك من الملائكة، وقيل: رآه فى اللوح المحفوظ فقاله على القطع، وقد كان الأمر كذلك كما جاء فى الحديث: "حديث : أن واحداً من الألف إلى الجنة والباقى إلى النار" تفسير : وتحسب فى ذلك الأمم كلها كيأجوج ومأجوج وهن كثيرة جداً، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أنتم بالأمم إلا كشعرة بيضاء فى الثور الأسود" تفسير : والمراد شعرة واحدة، فالأمة مثلها، وباقى الأمم مثل باقى الشعر، وقيل هذا بعيد، والمناسب جنس الشعرة البيضاء أى هم كشعر بيض قليل متفرق فى الثور الأسود، لأن كل مسلم بتسعمائة وتسعة وتسعين كافراً. ويحتمل أن يريد لمعة شعر أبيض فى ثور أسود وهى بعيد.
الالوسي
تفسير : { ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ } أي من الجهات الأربع التي يعتاد هجوم العدو منها، والمراد لأسولن لهم ولأضلنهم بقدر الإمكان إلا أنه شبه حال تسويله ووسوسته لهم كذلك بحال إتيان العدو لمن يعاديه من أي جهة أمكنته ولذا لم يذكر الفوق والتحت إذ لا إتيان منهما فالكلام من باب الاستعارة التمثيلية و { أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ } تفسير : [الأعراف: 16] على ما قيل ترشيح لها، وبعضهم لم يخرج الكلام على التمثيل واعتذر عن ترك جهة الفوق بأن الرحمة تنزل منها وعن ترك جهة التحت بأن الإتيان منها يوحش، والاعتذار عن الأول بما ذكر أخرجه غير واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما، وروي أيضاً عن عكرمة والشعبي والاعتذار عن الثاني نسبه الطبرسي إلى الحبر أيضاً، ولا يبعد على ذلك أن يكون الكلام تمثيلاً أيضاً ويكون الفرق بين التوجيهين بأن ترك هاتين الجهتين على الأول لعدمهما في الممثل به وعلى الثاني لعدمهما في الممثل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما أن {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } من قبل الآخرة لأنها مستقبلة آتية وما هو كذلك كأنه بين الأيدي {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } من قبل الدنيا لأنها ماضية بالنسبة إلى الآخرة ولأنها فانية متروكة مخلفة {وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ } من جهة حسناتهم وسيآتهم، وتفسير الأيمان بالحسنات والشمائل بالسيآت لأنهم يجعلون المحبوب في جهة اليمين وغيره في جهة الشمال كما قال: شعر : بثين أفي يمنى يديك جعلتني فأفرح أم صيرتني في شمالك تفسير : وقال الأصمعي: يقال هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وبالشمال على عكس ذلك، والكلام على هذا يجوز أن يكون فيه مجازات أو استعارات أو كنايات. ونظير هذا ما قيل: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز عنه {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } من حيث لا يعلمون و {عَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ } من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم ومن حيث لا يتيسر لهم ذلك، وقال بعض حكماء الإسلام: إن في البدن قوى أربعا: القوة الخالية التي تجتمع فيها مثل المحسوسات وموضعها البطن المقدم من الدماغ وإليها الإشارة بقوله: {مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } والقوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات ومحلها البطن المؤخر من الدماغ وإليها الإشارة بقوله: {وَمِنْ خَلْفِهِمْ } والقوة الشهوانية ومحلها الكبد وهو عن يمين الإنسان وإليها الإشارة بقوله: {وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ } والقوة الغضبية ومحلها القلب الذي هو في الشق الأيسر وإليها الإشارة بقوله: {وَعَن شَمَائِلِهِمْ } والشيطان ما لم يستعن بشيء من هذه القوى لا يقدر على إلقاء الوسوسة، وهذا عندي نوع من الإشارة كما لا يخفى، وقيل: غير ذلك، وإنما عدى الفعل إلى / الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما متوجه إليهم وإلى الآخرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم، ونظيره قولهم: جلست عن يمينه، وذكر القطب في بيان وجه ذلك ما بناه على ما قاله بعض حكماء الإسلام وهو أن (من) للاتصال و (عن) للانفصال، وأثر الشيطان في قوتي الدماغ حصول العقائد الباطلة كالشرك والتشبيه والتعطيل، وهي مرتسمة في النفس الإنسانية متصلة بها، وفي الشهوة والغضب حصول الأعمال السيئة الشهوانية والغضبية وهي تنفصل عن النفس وتنعدم فلهذا أورد في الجهتين الأوليين {من } الاتصالية وفي الأخريين {عن } الانفصالية، وقيل: خص اليمين والشمال بعن لأن ثمة ملكين يقتضيان التجاوز عن ذلك وفيه نظر لا يخفى، وادعى بعضهم أن الآية كالدليل على أن اللعين لا يمكنه أن يدخل في بدن ابن آدم ويخالطه إذ لو أمكنه ذلك لذكره في باب المبالغة؛ وحديث « حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » تفسير : من باب التمثيل. وقد يجاب بأن التمثيل اقتضى عدم الذكر فتدبر. {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } أي مطيعين، وإنما قال ذلك ظناً كما روي عن الحسن. وأبي مسلم لقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } تفسير : [سبأ: 20] لما رأى أن للنفس تسع عشرة قوة الحواس الظاهرة والباطنة والشهوة والغضب والقوى السبع النباتية الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة وإنها بأسرها تدعو النفس إلى عالم الجسم وأن ليس هناك ما يدعو إلى عالم الأرواح إلا قوة واحدة وهي العقل وما يصنع واحد مع متعدد: شعر : أرى ألف بان لا يقوم بهادم فكيف ببان خلفه ألف هادم تفسير : وعن الجبائي أنه سمع ذلك من الملائكة فقاله على سبيل القطع، وقيل: إنه رآه قبل في اللوح المحفوظ. ووجد إما بمعنى صادف فينصب مفعولاً واحداً وهو {أَكْثَرُهُمْ } وشاكرين حال، وإما بمعنى علم فينصب مفعولين ثانيهما {شَـٰكِرِينَ } والجملة إما معطوفة على المقسم عليه وإما مستأنفة، وإنما لم يفرعها على ما تقدم لأن مضمونها بمقتضى الجبلة أيضاً لا بمجرد إغوائه، ووجه التعبير بالأكثر ظاهر.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}. هذا الذي ذكر إبليس أنه سيوقع بين آدم فيه قاله ظناً منه أنهم سيطيعونه فيما يدعوهم إليه حتى يهلكهم، وقد بين تعالى في سورة "سبأ" أن ظنه هذا صدق فيهم بقوله: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ} تفسير : [سبأ: 20] الآية. كما تقدمت الإشارة إليه.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 17- وأقسم لآتينهم من أمامهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن كل جهة استطيعها، ملتمساً كل غفلة منهم أو ضعف فيهم، لأصل إلى إغوائهم، حتى لا يكون أكثرهم مؤمنين بك، لعدم شكرهم لنعمتك. 18- فزاده الله نكاية وقال له: اخرج من دار كرامتى مذموماً بكبرك وعصيانك، وهالكاً فى نهايتك، وأقسم أن من اتبعك من بنى آدم لأملأن جهنم منك ومنهم أجمعين. 19- ويا آدم اسكن أنت وزوجك دار كرامتى، وهى الجنة، وتنعما بما فيها، فكلا من أى طعام أردتما، إلا هذه الشجرة، فلا تقرباها حتى لا تكونا من الظالمين لأنفسهم بالعقاب المترتب على المخالفة. 20- فزين لهما الشيطان مخالفة أمر الله، ليزيل عنهما الملابس، فتنكشف عوراتهما، وقال لهما: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تكونا ملكين، أو كراهة أن تكونا من الخالدين الذين لا ينقطع نعيمهم فى هذه الدار. 21- وأقسم لهما أنه من الناصحين لهما، وكرر قسمه. 22- فساقهما إلى الأكل من الشجرة بهذه الخدعة، فلما ذاقا طعمها وانكشفت لهما عوراتهما، جعلا يجمعان بعض أوراق الشجر ليسترا بها عوراتهما وعاتبهما ربهما، ونبههما إلى خطئهما قائلاً: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأخبركما أن الشيطان لكما عدو مبين لا يريد لكما الخير؟
د. أسعد حومد
تفسير : {أَيْمَانِهِمْ} {شَمَآئِلِهِمْ} {شَاكِرِينَ} (17) - ثُمَّ سَأُحَأوِلُ تَشْكِيكَهُمْ فِي آخِرَتِهِمْ (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) وَأُرَغِّبُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ (مِنْ خَلْفِهِمْ)، وَسَأُشَبِّهُ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ (عَنْ أَيْمَانِهِمْ)، وَسَأُزَيِّنُ لَهُم المَعَاصِيَ، وَأُحَسِّنُها لَهُمْ (عَنْ شَمَائِلِهِمْ) وَسَأَفْتِنُهُمْ، مَا اسْتَطَعْتُ، حَتَّى لاَ تَجِدَ يَا رَبِّ بَيْنَ بَنِي آدَمَ كَثيراً مِنَ المُطِيعِينَ الشَّاكِرِينَ لأَِنْعُمِكَ عَلَيْهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فالذي بين اليد هو ما كان إلى الإمام، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} أي من الوراء، {وعَنْ أَيْمَانِهِمْ} أي من جهة اليمين، {وعَن شَمَآئِلِهِمْ} أي من جهة اليسار. والشيء الذي أمام العالم كله، ونسير إليه جميعاً هو {ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} وحين يأتي الشيطان من الأمام فهو يشككهم في حكاية الآخرة ويشككهم في البعث. ويحاول أن يجعل الإِنسان غير مقبل على منهج الله، فيصير من الذين لا يؤمنون بلقاء الله، ويشكّون في وجود دار أخرى سيُجَازى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وقد حدث ذلك ووجدنا من يقول القرآن بلسان حاله: {أية : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الصافات: 16-17] ولذلك يعرض الحق قضية البعث عرضاً لا يجعل للشيطان منفذاً فيها، فيوضح لنا أنه سبحانه لم يعجز عن خلقنا أولاً؛ لذلك لن يعجز عن إعادتنا، والإِعادة بالتأكيد أهون من البداية؛ لأنّه سيعيدهم من موجود، لكن البداية كانت من عدم، إنه- سبحانه- عندما يبيّن للناس أن الإِعادة أهون من البداية فهو يخاطبهم بما لا يجدون سبيلاً إلى إنكاره، وإلاّ فالله- جل شأنه- تستوي لدى طلاقة قدرته كل الأعمال فليس لديه شيء سهل وهيّن وآخر صعب وشاق ويبلغنا- سبحانه- بتمام إحاطة علمه فيقول: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} تفسير : [ق: 4] أي أن لكل واحدٍ كتاباً مكتوباً فيه كل عناصره وأجزائه. والشيطان- أيضاً- يأتي من الخلف، وخلف كل واحد منا ذريته، يخاف ضيعتهم، فيوسوس الشيطان للبعض بالسرقة أو النهب أو الرشوة من أجل بقاء مستقبل الأبناء، وفساد أناس كثيرين يأتي من هذه الناحية، ومثل هذا الفساد يأتي حين يبلغ بعض الناس منصبًّا كبيراً، وقد كبرت سنّه، ويقبل على الله بشرّ، ويظن أنه يترك عياله بخير. لكن إن كنت تخاف عليهم حقًّا فأمِّن عليهم في يد ربهم، ولا تؤمِّن حياتهم في جهة ثانية. {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} تفسير : [النساء: 9] ولماذا لم يأت الشيطان للإِنسان من فوق ومن تحت لأن الفوقية هي الجهة التي يلجأ إليها مستغيثا ومستجيرا بربه، والتحتية هي جهة العبودية الخاصة. فالعبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، فهو في هاتين الحالتين محفوظ من تسلط الشيطان عليه؛ لأن الله تعالى يقول: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}. ويقول تعالى: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17] ويأتي الشيطان من اليمين ليزهد الناس ويصرفهم عن عمل الحسن والطاعة. واليمين رمز العمل الحسن؛ لأن كاتب الحسنات على اليمين، وكاتب السيئات على الشمال، ويأتي عن شمائلهم ليغريهم بشهوات المعصية. ونلحظ أن الحق استخدم لفظ {عَنْ أَيْمَانِهِمْ} و{عَن شَمَآئِلِهِمْ} ولم يأت بـ" على" لأن "على" فيها استعلاء، والشيطان ليس له استعلاء أبداً؛ لأنه لا يملك قوة القهر فيمنع، ولا قوة الحجة فيقنع. ولأن أكثر الناس لا تتذكر شكر المنعم عليهم، فيجيد الشيطان غوايتهم. ولذلك يقول الحق تذييلاً للآية: {...وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17] ويقول الحق بعد ذلك: {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا...}
الأندلسي
تفسير : {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} الظاهر أن إتيانه من هذه الجهات الأربع كناية عن وسوسته وإغوائه له والجد في إضلاله من كل وجه ممكن، ولما كانت هذه الجهات يأتي منها العدو غالباً ذكرها، لا انه يأتي من الجهات الأربع حقيقة وغاير في حرف الجر الذي هو من وعن، لأنه لو كان الكل بمن أو بعن لكان في تكرار ذلك قلق في التركيب. {مَذْءُوماً} يقال: ذأمه يذأمُه ذأْماً، بسكون الهمزة، ويجوز إبدالها ألفاً. {مَّدْحُوراً} يقال: دحره أبعده وأقصاه دحوراً. قال الشاعر: شعر : دَهَرتُ بني الحُصيب إلى قديد وقد كانوا ذوي أشر وفخر تفسير : وهذه ثلاث أوامر أمر بالهبوط مطلقاً وأمر بالخروج مخبراً أنه ذو صغار وأمر بالخروج مقيداً بالذم والطرد. {لَّمَن تَبِعَكَ} منهم قرأ الجمهور لمن بفتح اللام، والظاهر أنها اللام الموطئة للقسم، ومن: شرطية في موضع رفع على الابتداء، وجواب الشرط محذوف يدل عليه جواب القسم المحذوف قبل اللام الموطئة. ويجوز أن تكون اللام لام الابتداء. ومن: موصولة. ولأملأن: جواب قسم محذوف بعد من تبعك وذلك القسم المحذوف وجوابه في موضع خبر من الموصولة. وقرأ الجحدري وعصمة عن أبي بكر عن عاصم لمن تبعك بكسر اللام، واختلفوا في تخريجها. قال ابن عطية: المعنى لأجل من تبعك منهم لأملأن. "انتهى". ظاهر هذا التقدير أن اللام تتعلق بلأملأن. ويمتنع ذلك على قول الجمهور وإن ما بعد لام القسم لا يعمل فيما قبلها. قال الزمخشري: يعني لمن تبعك منهم الوعيد وهو قوله: لأملأن جهنم منكم أجمعين على أن لأملأن في محل الابتداء، ولمن تبعك خبره. "انتهى". إن أراد ظاهر كلامه فهو خطأ على مذهب البصريين لأن قوله: لأملأن جملة هي جواب قسم محذوف لمن حيث كونها جملة فقط لا يجوز أن تكون مبتدأة، ومن حيث كونها جواباً للقسم المحذوف يمتنع أيضاً لأنه إذا ذاك من هذه الحيثية لا موضع لها من الإِعراب، ومن حيث كونها مبتدأ، لها موضع من الإِعراب. ولا يجوز أن تكون الجملة لها موضع من الإِعراب ولا موضع لها بحال لأنه يلزم أن تكون في موضع رفع لا في موضع رفع داخلاً عليها عامل غير داخل عليها عامل ذلك لا يتصور. و{وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} أي وقلنا يا آدم. وتقدم تفسيرها في البقرة، إلا أن هنا فكلا من حيث شئتم، وفي البقرة {أية : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} تفسير : [الآية: 35]. قالوا وجاءت على أحد محاملها وهي أن يكون الثاني بعد الأول وحذف رغداً هنا على سبيل الاختصار وأثبت هناك لأن تلك مدنية وهذه مكية فوفى المعنى هناك باللفظ. {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} أي فعل الوسوسة لأجلهما، وأما قوله: فوسوس إليه، فمعناه ألقي الوسوسة إليه. {لِيُبْدِيَ} اللام: لام كي، وهي علة للوسوسة. {مَا وُورِيَ} أي ما سُتر. وقرأ عبد الله بن مسعود أُوري بإِبدال الواو همزة، وهو بدل جائز. وقرىء: ما وري بواو مضمومة من غير واو بعدها على وزن كسى. وقرأ مجاهد والحسن من سؤتهما بالإِفراد وتسهيل الهمزة وبإِبدالها واواً وإدغام الواو فيها. و{إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} استثناء مفرغ من المفعول من أجله، أي ما نهاكما ربكما لشىء إلا أن تكونا ملكين أو من الخالدين من الذين لا يموتون ويبقون في الجنة ساكنين. {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} لم يكتف إبليس بالوسوسة وهي الإِلقاء خفية سراً ولا بالقول، حتى أقسم على أنه ناصح لهما والمقاسمة مفاعلة تقتضي المشاركة في العقل. وأما هنا فمعنى وقاسمهما أي أقسم لهما لأن اليمين لم يشاركا فيها، وهي كقول الشاعر: شعر : وقاسمهما بالله جهراً لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها تفسير : وفاعل قد يأتي بمعنى أفعل نحو: باعدت الشىء وأبعدته. ولكما: متعلق بمحذوف تقديره ناصح لكما أو أعني أو بالناصحين على أنّ ألْ موصولة وتسومح في الظرف المجرور ما لا يتسامح في غيرهما. {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} أي استنزلهما إلى الأكل من الشجرة بغروره أي بخداعه إياهما وإظهار النصح لهما وإبطان الغش وإطماعهما أن يكونا ملكين أو خالدين وبإِقسامه أنه ناصح لهما، جُعل من يغتر بالكلام حتى يصدق فيقع في مصيبة كالذي يُدَلّى من علو إلى سفل بحبل ضعيف فيتقطع به فيهلك. {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} أي وجدا طعمها آكلين منها. قال تعالى: {أية : فَأَكَلاَ مِنْهَا}تفسير : [طه: 121] وتطايرت عنهما ملابس الجنة وظهرت لهما عوراتهما. وتقدم أنهما كانا قبل ذلك لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر. {وَطَفِقَا} طفق من أفعال المقاربة بفتح الفاء وكسرها. وبالباء مكان الفاء مكسورة. و{يَخْصِفَانِ} خبر طفق، ومعنى يخصفان أي جعلا يلصقان ورقة على ورقة ويلصقانها. والأولى أن يعود الضمير في {عَلَيْهِمَا} على عورتيْهما. كأنه قيل: يخصفان على سوآتهما. {مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} وعاد بضمير الاثنين لأن الجمع يراد به اثنان. وعلى هنا ظرف مجازي بمعنى فوق لا حرف جر. ونظير هذا التركيب قوله تعالى: {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ}تفسير : [الأحزاب: 37]. وقول الشاعر: شعر : هوّن عليك فإِن الأمور بكف الإِله مقاديرها تفسير : {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ} لما كان وقت الهناء شرف بالتصريح باسمه في النداء. وقيل: ويا آدم اسكن. وحين كان وقت العتاب أخبر أنه ناداه ولم يصرح باسمه. والظاهر أنه تعالى كلمهما بلا واسطة، والجملة معمولة لقول محذوف أي قائلا: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا} وهو استفهام معناه العتاب على ما صدر منهما. والنهي قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا}. وثم مضاف محذوف تقديره عن قربان تلك وتي اسم الإِشارة، واللام: للبعد، حذفت ياء تي للالتقاء الساكنين. وكما: خطاب للإِثنين. {وَأَقُل لَّكُمَآ} إشارة إلى قوله: فقلنا يا آدم. ان هذا عدو لك ولزوجك، الآية في سورة طه. و{لَنَكُونَنَّ} جواب قسم محذوف قبل أنْ، كقوله تعالى: {أية : وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ}تفسير : [المائدة: 73]، ليمسن التقدير والله إن لم تغفر لنا. وأكثر. ما تأتي انْ هذه ولام الموطئة قبلها، كقوله: لئن لم ينته المنافقون، ثم قال: لنغرينك بهم. {قَالَ ٱهْبِطُواْ} تقدم تفسيرها في البقرة. {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ} هذا كالتفسير لقوله: ولكم في الأرض مستقر ومتاع، أي بالحياة. إلى حين، أي حين الموت. {وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} أي إلى المجازاة بالثواب والعقاب.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 280: 2 : 1 - حدثنا أبو حذيفة ثنا سفين عن منصور عن إبراهيم {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} قال، من قبل دنياهم {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} قال، من قبل آخرتهم {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} من قبل حسناتهم {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} من قبل سيئاتهم. [الآية 17].
همام الصنعاني
تفسير : 887- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ}: الآية: 17]، قال: من دنياهم ومن آخرتهم، حتى يكذِّبوا بالآخرة، وحتى أطْغِيهِم في دنياهُمْ. {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ}: الآية: 17]، من قبل حسناتهم حتى أعجبهم بها، {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ}: [الآية: 17]، من قبل شهواتهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):