٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن إبليس لما وعد بالإفساد الذي ذكره، خاطبه الله تعالى بما يدل على الزجر والإهانة فقال: {أَخْرُجْ مِنْهَا } من الجنة أو من السماء {مذءُوماً} قال الليث: ذأمت الرجل فهو مذؤم أي محقور والذام الاحتقار، وقال الفراء: ذأمته إذا عبته يقولون في المثل لا تعدم الحسناء ذاماً. وقال ابن الأنباري المذؤم المذموم قال ابن قتيبة مذؤماً مذموماً بأبلغ الذم قال أمية:شعر : وقال لإبليس رب العباد أن اخرج دحيراً لعيناً ذؤما تفسير : وقوله: {مَذْمُومًا مَّدْحُورًا } الدحر في اللغة الطرد والتبعيد، يقال دحره دحراً ودحوراً إذا طرده وبعده ومنه قوله تعالى: {أية : وَيُقْذَفُونَ مِن كُلّ جَانِبٍ دُحُوراً } تفسير : [الصافات: 8، 9] وقال أمية:شعر : وبإذنه سجدوا لآدم كلهم إلا لعيناً خاطئاً مدحوراً تفسير : وقوله: {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } اللام فيه لام القسم، وجوابه قوله: {لأَمْلأَنَّ } قال صاحب «الكشاف» روى عصمة عن عاصم: {لَّمَن تَبِعَكَ } بكسر اللام بمعنى {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } هذا الوعيد وهو قوله: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } وقيل: إن لأملأن في محل الابتداء {لَّمَن تَبِعَكَ } خبره قال أبو بكر الأنباري الكناية في قوله: {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } عائد على ولد آدم لأنه حين قال: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ } تفسير : [الأعراف: 11] كان مخاطباً لولد آدم فرجعت الكناية إليهم. قال القاضي: دلت هذه الآية على أن التابع والمتبوع معنيان في أن جهنم تملأ منهما ثم إن الكافر تبعه، فكذلك الفاسق تبعه فيجب القطع بدخول الفاسق النار، وجوابه أن المذكور في الآية أنه تعالى يملأ جهنم ممن تبعه، وليس في الآية أن كل من تبعه فإنه يدخل جهنم فسقط هذا الاستدلال، ونقول هذه الآية تدل على أن جميع أصحاب البدع والضلالات يدخلون جهنم لأن كلهم متابعون لإبليس والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا} أي من الجنة. {مَذْءُوماً مَّدْحُوراً}. «مَذْؤُوماً» أي مذموماً. والذَّأْمُ: العيب، بتخفيف الميم. قال ٱبن زيد: مذؤوماً ومذموماً سواء؛ يقال: ذأَمْته وذَمَمته وذِمْته بمعنىً واحد. وقرأ الأعمش «مَذُوماً». والمعنىٰ واحد؛ إلا أنه خفف الهمزة. وقال مجاهد: المذْمُوم المنفيّ. والمعنيان متقاربان. والمدحور: المبعَد المطرود: عن مجاهد وغيره. وأصله الدفع. {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} اللام لام القسم، والجواب «لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ». وقيل: «لَمَنْ تَبِعَكَ» لام توكيد. «لأَمْلأَنّ» لام قَسَم. والدليل على هذا أنه يجوز في غير القراءة حذف اللام الأولىٰ، ولا يجوز حذف الثانية. وفي الكلام معنىٰ الشرط والمجازاة؛ أي من تبعك عذبته. ولو قلت: من تبعك أعذبه لم يجز؛ إلا أن تريد لأعذبه. وقرأ عاصم من رواية أبي بكر بن عَيَّاش «لِمن تبِعك منهم» بكسر اللام. وأنكره بعض النحويين. قال النحاس: وتقديره ـ والله أعلم ـ من أجل من تبعك. كما يقال أكرمت فلاناً لك. وقد يكون المعنى: الدّحر لمن تبعك. ومعنىٰ {مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} أي منكم ومن بني آدم؛ لأن ذكرهم قد جرىٰ إذ قال: «وَلَقَدْ خَلْقَنَاكُمْ» خاطب ولد آدم.
ابن كثير
تفسير : أكد تعالى عليه اللعنة والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى، بقوله: {ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا}، قال ابن جرير: أما المذؤوم، فهو المعيب، والذأم غير مشدد: العيب، يقال: ذأمه يذأمه ذأماً، فهو مذؤوم، ويتركون الهمزة، فيقول: ذمته أذيمه ذيماً وذاماً، والذام والذيم أبلغ في العيب من الذم، قال والمدحور: المُقْصَى، هو المُبْعَد المطرود، وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: ما نعرف المذؤوم والمذموم إلا واحداً، وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس: (اخرج منها مذؤوماً مدحوراً) قال: مقيتاً، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: صغيراً مقيتاً، وقال السدي: مقيتاً مطروداً، وقال قتادة: لعيناً مقيتاً، وقال مجاهد: منفياً مطروداً، وقال الربيع بن أنس: مذؤوماً: منفياً، والمدحور: المصغر. وقوله تعالى: {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} كقوله: {أية : قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوفُورًا وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأَمْوَٰلِ وَٱلأَوْلَـٰدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ إِلاَّ غُرُورًا إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً } تفسير : [الإسراء: 63-65].
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا} بالهمز: معيباً أو ممقوتاً { مَّدْحُورًا } مُبْعَداً عن الرحمة {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } من الناس، واللام للابتداء أو موطئة للقسم، وهو {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } أي منك بذرّيتك ومن الناس، وفيه تغليب الحاضر على الغائب، وفي الجملة معنى جزاء «مَنْ» الشرطية: أي من تبعك أعذبه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا} يحتمل وجهين: أحدهما: من حيث كان من جنة أو سماء. والثاني: من الطاعة، على وجه التهديد. {مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} في قوله: {مَذْءُوماً} خمسة تأويلات: أحدها: يعني مذموماً، قاله ابن زيد، وقرأ الأعمش {مذوماً} والثاني: لئيماً، قاله الكلبي. والثالث: مقيتاً، قاله ابن عباس. والرابع: منفياً، قاله مجاهد. والخامس: أنه شدة العيب وهو أسوأ حالاً من المذموم، قاله الأخفش، قال عامر بن جذامة: شعر : جذامة لم يأخذوا الحق بل زاغت قلوبهم قبل القتال ذأماً تفسير : وأما المدحور ففيه قولان: أحدهما: المدفوع. الثاني: المطرود، قاله مجاهد والسدي.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَذْءُوماً} مذموماً، أو أسواْ حالاً من المذموم، أو لئيماً، أو مقيتاً، أو منفياً. {مَّدْحُوراً} مدفوعاً، أو مطروداً.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {قال اخرج منها} أي: قال الله تعالى لإبليس حين طرده عن بابه وأبعده عن جنابه وذلك بسبب مخالفته وعصيانه اخرج منها يعني من الجنة فإنه لا ينبغي أن يسكن فيها العصاة {مذؤوماً} يعني معيباً والذأم أشد العيب {مدحوراً} يعني مطروداً مبعداً. وقال ابن عباس: صغيراً ممقوتاً. وقال قتادة: لعيناً مقيتاً وقال الكلبي: ملوماً مقصياً من الجنة ومن كل خير {لمن تبعك منهم} يعني من بني آدم {لأملأن جهنم منكم أجمعين} اللام لام القسم أقسم الله تعالى أن من اتبع إبليس من بني آدم وأطاعه منهم. وقوله تعالى: {ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} أي وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وذلك بعد أن أهبط منها إبليس وأخرجه وطرده من الجنة {فكُلا من حيث شئتما} يعني فكُلا من ثمار الجنة من أي مكان شئتما. فإن قلت: قال في سورة البقرة وكلا بالواو وقال هنا فكلا بالفاء فما الفرق؟ قلت: قال الإمام فخر الدين الرازي إن الواو تفيد الجمع المطلق والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو ولا منافاة بين النوع والجنس ففي سورة البقرة ذكر الجنس وهنا ذكر النوع {ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} تقدم في سورة البقرة الكلام على تفسير هذه الآية مستوفى. قوله تعالى: {فوسوس لهما الشيطان} يعني فوسوس إليهما والوسوسة حديث يلقيه الشيطان في قلب الإنسان، يقال: وسوس إذا تكلم كلاماً خفيفاً مكرراً وأصله من صوت الحلي ومعنى وسوس لهما فعلَ الوسوسة وألقاها إليهما. فإن قلت: كيف وسوس إليهما وآدم وحواء في الجنة وإبليس قد أُخرج منها؟ قلت: ذكر الإمام فخر الدين الرازي في الجواب عن هذا السؤال عن الحسن أنه قال: كان يوسوس في الأرض إلى السماء إلى الجنة بالقوة القوية التي جعلها الله تعالى له. قوله وقال أبو مسلم الأصبهاني: بل كان آدم وإبليس في الجنة لأن هذه الجنة كانت بعض جنات الأرض والذي يقوله بعض الناس من أن إبليس دخل في جوف الحية فدخلت به الحية إلى الجنة فقصه مشهورة ركيكة، وقال آخرون: إن آدم وحواء ربما قربا من باب الجنة وكان إبليس واقفاً من خارج الجنة على بابها فقرب أحدهما من الآخر فحصلت الوسوسة هناك. فإن قلت: إن آدم عليه الصلاة والسلام قد عرف ما بينه وبين إبليس من العداوة فكيف قبل قوله؟ قلت: يحتمل أن يقال إن إبليس لقي آدم مراراً كثيرة ورغبه في أكل هذه الشجرة بطرق كثيرة منها رجاء نيل الخلد ومنها قوله وقاسمهما {أية : إني لكما لمن الناصحين}تفسير : [الأَعراف: 21] فلأجل هذه المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثر كلام إبليس في آدم حتى أكل من الشجرة {ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما} يعني ليظهر لهم ما غطى وستر عوراتهما وقوله ما ووري مأخوذ من المواراة وهي الستر يقال واريته بمعنى سترته والسوأة فرج الرجل والمرأة سمي بذلك لأن ظهوره يسوء الإنسان وفي الآية دليل على أن كشف العورة من المنكرات المحرمات واللام في قوله ليبدي هلما لام العاقبة وذلك لأن إبليس لم يقصد بالوسوسة ظهور عوراتهما وإنما كان حملهما على المعصية فقط فكان عاقبة أمرهما أن بدت عوراتهما {وقال} يعني وقال إبليس لآدم وحواء {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة} يعني عن الأكل من هذه الشجرة {إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} يعني إنما نهاكما عن هذه الشجرة لكي لا تكونا ملكين من الملائكة تعلمان الخير والشر أو تكونا من الباقين الذين لا يموتون وإنما أطمع إبليس آدم بهذه الآية لأنه علم أن الملائكة لهم المنزلة والقرب من العرش فاستشرف لذلك آدم وأحب أن يعيش مع الملائكة لطول أعمارهم أو يكون من الخالدين الذين لا يموتون أبداً. فإن قلت: ظاهر الآية يدل على أن الملَك أفضل من الأنبياء لأن آدم عليه الصلاة والسلام طلب أن يكون من الملائكة وهذا يدل على فضلهم عليه. قلت: ليس في ظاهر الآية ما يدل على ذلك لأن آدم عليه الصلاة والسلام لما طلب أن يكون من الملائكة كان ذلك الطلب قبل أن يتشرف بالنبوة وكانت هذه الواقعة قبل نبوة آدم عليه الصلاة والسلام فطلب أن يكون من الملائكة أو من الخالدين وعلى تقديره أن تكون هذه الواقعة في زمان النبوة بعد أن شرف بها آدم إنما طلب أن يكون من الملائكة لطول أعمارهم لا لأنهم أفضل منه حتى يلتحق بهم في الفضل لأنه طلب إما أن يكون من الملائكة لطول أعمارهم أو من الخالدين الذين لا يموتون أبداً.
ابن عادل
تفسير : فـ "مذؤوماً مَدْحُوراً" حالان من فاعل "اخرج" عند من يجيز تعدد الحال لذي حال واحدة، ومَنْ لا يُجيز ذلك فـ " مَدْحُوراً" صفة لـ "مذؤوماً" أو هي حالٌ من الضَّمير في الجارِّ قَبْلَهَا، فيكونُ الحالانِ مُتَدَاخِلَيْنِ. و "مَذْءُوماً مَدْحُوراً" اسما مفعول مِنْ: ذَأمَهُ وَدَحَرَهُ. فأمَّا ذَأمَهُ فيقالُ: بالهمز: ذَأمَه، يَذْأمُهُ كرَأمَه يَرْأمُهُ، وذَامَهُ يَذِيمُهُ كبَاعَه يَبِيعُهُ من غَيْر هَمْزٍ، وعليه قولهم: "لنْ تَعْدَمَ الحَسْنَاءُ ذَاماً" يروى بهمزةٍ ساكنةٍ أو ألف، وعلى اللُّغَةِ الثَّانية قول الشاعر: [الطويل] شعر : 2424 - تَبِعْتُك إذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أذِيمُهَا تفسير : فَمَصْدَرُ المَهمُوز: ذأمٌ كرَأس، وأمَّا مصدر غير المهموز فَسُمِعَ فيه ذامٌ بألف، وحكى ابْنُ الأنْبَارِيِّ فيه ذيماً كينعٍ قال: يقال: ذأمْتُ الرَّجُلَ أذْأمُه، وذِمْتُه أذِيْمُه ذَيْماً، وذَمَمْتُه أذُمُّه ذَمًّا بمعنًى؛ وأنشد: [الخفيف] شعر : 2425 - وأقَامُوا حَتَّى أبِيرُوا جَمِيعاً فِي مقَامٍ وكُلُّهُمْ مَذْءُومُ تفسير : والذامَُّّ: العَيْبُ ومنه المثلُ المتقدِّمُ: "لن تَعْدَمَ الحَسْنَاءُ ذاماً" أي كُلُّ امرأة حسنة لا بدَّ أن يكون فيها عيب ما وقالوا: "أرَدْتَ أنْ تُذيمَهُ فمَدَهْتَهُ" أي: "تُعيُبُه فَمَدحْتَهُ" فأبدل الحاء هاء: وقيل: الذَّامُ: الاحتقارُ، ذَأمْتُ الرجل: أي: احْتَقَرْتُهُ، قاله الليثُ. وقيل: الذَّامُ الذَّمُّ، قاله ابن قيتبة وابن الأنْبَاريِّ؛ قال أمّيَّةُ: [المتقارب] شعر : 2426 - وَقَالَ لإبْلِيسَ رَبُّ العِبَادِ [أن] اخْرُجْ لَعِيناً دَحِيراً مَذُومَا تفسير : والجمهور على "مَذْءُوماً" بالهمز. وقرأ أبُو جَعْفَرٍ والأعمشُ والزُّهْرِيُّ "مَذُوْماً" بواوٍ واحدةٍ من دون همز وهي تَحْتَمِلُ وجهين: أحدهما - ولا ينبغي أن يُعْدَلَ عنه - أنَّهُ تَخْفِيف "مذؤوماً" في القراءةِ الشَّهيرةِ بأن أُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ على الذَّالِ السَّاكنة، وحُذِفَت الهَمْزَةُ على القاعدةِ المُشْتَهِرَةِ في تَخْفيفٍ مثله، فوزن الكلمة آل إلى "مَفُول" لحَذْفِ العَيْنِ. والثاني: أنَّ هذه القراءة مَأخُوذَةٌ من لغة مَنْ يَقُولُ: ذِمْتُه أذِيمُهُ كبِعْتُهُ أبِيعُهُ، وكان من حقِّ اسم المَفْعُولِ في هذه اللُّغَةِ مَذِيمٌ كمبيع قالوا: إلا أنَّهُ أبْدِلَتِ الواوُ من اليَاءِ على حدِّ قولهم "مَكُولٌ" في "مَكِيلٍ" مع أنَّهُ من الكيل ومثلُ هذه القراءةِ في احْتِمالِ الوجهين قول أمَيَّةَ بْنِ أبي الصَّلْتِ في البيت المُتقدِّمِ أنشده الواحِديُّ على لغةِ "ذَامَهُ" بالألف "يَذِيمُهُ" بالياء، ولَيْتَهُ جعله محتملاً للتَّخْفِيفِ من لُغَةِ الهَمْزِ. والدَّحْرُ: الطَّرْدُ والإبْعَادُ يقال: دَحَرَهُ، يَدْحَرُهُ دَحْراً، ودُحوراً؛ ومنه: {أية : وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً}تفسير : [الصافات: 9،8]؛ وقول أمَيَّةَ في البيت المتقدم "لَعِيناً دَحِيراً". وقوله أيضاً: [الكامل] شعر : 2427 - وبإذْنِهِ سَجَدُوا لآدَمَ كُلُّهُمْ إلاَّ لَعِيناً خَاطِئاً مَدْحُوراً تفسير : وقال الآخرُ: [الوافر] شعر : 2428 - دَحَرْتُ بَنِي الحَصِيبِ إلى قَدِيدٍ وقَدْ كَانُوا ذَوِي أشَرٍ وفَخْرِ تفسير : [قال ابن عباس: "مذءُوماً أي: ممقوتاً". وقال قتادةُ: "مَذْءُوماً مدحوراً أي: ليعناً شقيّاً". وقال الكَلْبِيُّ: "مَذموماً ملوماً مدحوراً مقصيّاً من الجنَّةِ ومن كُلِّ خَيْر"]. قوله: "لَمَنْ تبعَكَ" في هذه "اللاَّمِ" وفي "من" وجهان: أظهرهما: أنَّ اللاَّمَ هي المُوطِّئَةُ لقسم مَحْذُوفٍ، و "مَنْ" شَرْطيَّةٌ في محلِّ رفع بالابتداء، و "لأملأنَّ" جواب القسم المَدْلُول عليه بلام التوْطِئَة، وجوابُ الشَّرْطِ محذوفٌ لِسَدِّ جواب القَسَم مَسَدَّه. وقد تقدَّم إيضاحُ ذلك مراراً. والثاني: أنَّ اللاَّم لامُ الابتداء، و "مَنْ" مَوْصُولَةٌ و "تَبِعَكَ" صلتها، وهي في محلِّ رفع بالابتداء أيضاً، و "لأمْلأنَّ" جوابُ قسمٍ محذوفٍ، وذلك القَسَمُ المَحْذُوفُ، وجوابُه في محلِّ رفع خبرٍ لهذا المُبْتَدَأ، والتَّقْديرُ، للّذي تبعك منهم، واللَّهِ لأمْلأنَّ جَهَنَّم منكم. فإن قُلْتَ: أيْنَ العَائِدُ من الجملة القسمِيَّةِ الواقِعَةِ خبراً عن المبتدأ؟ قلتُ: هو مُتَضَمَّنٌ في قوله "مِنْكُمْ"؛ لأنَّهُ لمَّا اجتمع ضَمِيراً غَيْبَةٍ وخطابٍ غلب الخطابُ على ما عُرفَ. وفَتْحُ اللاَّم هو قراءةُ العامَّة. وقرأ عَاصِمٌ في رواية أبي بكر من بعض طرقه والجَحْدَرِيُّ: "لِمَنْ" بكسرها، وخُرِّجَتْ على ثلاثةِ أوْجُهٍ: أحدها - وبه قال ابنُ عطيَّة - أنَّها تتعلَّقُ بقوله "لأمْلأنَّ" فإنَّهُ قال: "لأجْلِ مَنْ تَبِعَكَ مِنْهُم لأمْلأنَّ"، وظاهرُ هذا أنَّهَا متعلِّقةٌ بالفعل بعد لام القسم. وقال أبُو حيَّان: "ويمتنعُ ذلك على قَوْلِ الجُمْهُورِ تقديرها؛ لأنَّ ما بعد لام القسم لا يعملُ فيما قبلها". والثاني: أنَّ اللاَّمَ متعلِّقَةٌ بالذَّأم والدَّحْرِ، والمعنى: أخْرُجْ بهاتين [الصِّفتين] لأجل اتِّباعِكَ. ذكره أبُو الفَضْلِ الرَّازِيُّ في كتاب "اللَّوَامِح" على شَاذِّ القراءة. قال شهابُ الدِّين: ويمكن أن تَجِيءَ المسْألةُ من باب الإعمال، لأن كلاًّ من "مذءوماً" و "مدحوراً" يطلبُ هذا الجارَّ عند هذا القَائِلِ من حيثُ المعنى، ويكون الإعمال للثَّانِي كما هو مختار البصريَّين للحذف من الأوَّلِ. والثالث: أن يكون هذا الجَارُّ خبراً مُقَدَّماً، والمُبْتَدَأ محذوف تَقْدِيرُهُ: لمَنْ تَبِعَكَ منهم هذا الوعيدُ، ودَلَّ على قوله هذا الوعيد قوله: "لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ"؛ لأن هذا القسم وجوابه وعيدٌ، وهذا الذي أراد الزَّمخشريُّ بقوله: يَعْنِي لمن تبعك منهم الوعيد وهو قوله: "لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ" على أنَّ "لأمْلأنَّ" في محلِّ الابتداء و "لمَنْ تَبِعَكَ" خبره. قال أبُو حيَّان: "فإن أراد ظاهر كلامه فهو خطأٌ على مذهب البصريين؛ لأنَّ قوله: "لأمْلأنَّ" جملةٌ هي: جوابُ قسم محذوف، من حَيْثُ كونها جُمْلَةً فقط، لا يجوز أن تكون مبتدأة، ومن حيث كونها جواباً للقسم المحذوف يمتنع أيضاً؛ لأنها إذْ ذاك من هذه الحَيْثيَّة لا موضع لها من الإعراب، ومن حيث كونها مبتدأ لها موضع من الإعراب ولا يجُوزُ أن تكون الجُمْلَةُ لها مَوضعٌ من الإعراب لا موضع لها من الإعراب وهو محال؛ لأنَّهُ يلزم أن تكون في موضع رفع، لا في موضع رَفْعٍ، داخل عليها عاملٌ غَيْرَ داخلٍ عليها عامل، وذلك لا يُتَصَوَّرُ". قال شهابُ الدِّينِ بعد أنْ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: "بمعنى لمن تبعك الوعيد وهو لأملأنَّ": كيف يحسن أنْ يتردد بعد ذلك فيقال: إنْ أرَادَ ظاهِرَ كلامه، كيف يريدُهُ مع التَّصْريح بتأويله هو بنفسه؟ وأمَّا قَوْلُهُ على أنَّ "لأمْلأنَّ" في محلِّ الابتداء، فإنَّمَا قاله؛ لأنَّهُ دَالٌّ على الوعيدِ الذي هو في محل الابتداء، فنسب إلى الدَّالِّ ما يُنْسَبُ إلى المدْلُولِ من جِهَةِ المَعْنَى. وقول الشَّيْخ أيضاً "ومِنْ حَيْثُ كوْنهَا جواباً للقسم المحذوف يمتنع أيضاً إلى آخره" كلام متحمِّلٍ عليه؛ لأنَّهُ لا يريد جملة الجوابِ فقط ألْبَتَّةَ، إنَّمَا يريدُ الجملة القَسَمِيَّةَ برُمتِهَا، وإنَّما استغنى بِذِكْرِهَا عن ذكر قسيمها؛ لأنَّها مَلْفُوظٌ بها، وقد تقدَّم ما يُشْبِهُ هذا الاعتراض الأخير عليه، وجوابُهُ. وأمَّا قَوْلُ الشَّيْخ: "ولا يَجُوزُ أن تكُونَ الجملة لها مَوْضعٌ من الإعرابِ لا موضع لها من الإعراب" إلى آخر كلامهِ كُلِّهِ شيء واحد ليس فيه مَعْنًى زَائِدٌ. قوله: "أجْمَعِيْنَ" تَأكيدٌ. واعْلَمْ أنَّ الأكْثَرَ في أجمع وأخواته المستعملة في التَّأكيد إنَّمَا يُؤتَى بها بَعْدَ "كُلٍّ" نحو: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}تفسير : [الحجر: 30] وفي غير الأكثر قَدْ تَجِيءُ بدون "كل" كهذه الآيةِ الكريمةِ، فإنَّ "أجْمَعينَ" تأكيد لـ "مِنْكُمْ"، ونظيرُهَا فيما ذكرنا قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [الحجر: 43]. فصل قال ابْنُ الأنْبَاريِّ: الكناية في قوله: "لَمَنْ تَبِعَكَ" عائد على ولد آدم؛ لأنَّهُ حين قال: "وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ" كان مخاطباً لولد آدم فرجعتِ الكِنَايَةُ إليهم. قال القَاضِي: دلَّت هذه الآية على أنَّ التَّابعَ والمتبع يَتَّفِقَانِ في أنَّ جهنَّم تُملأ منهما، فكما أنَّ الكَافِرَ تبعه، فكذلك الفاسق فيجب القطع بدخول الفَاسِقِ في النَّار. وجوابه: أنَّ المذكور في الآية أنَّهُ تعالى يَمْلأُ جهنَّمَ ممن تَبِعَهُ، وليس في الآيَة أنَّ كلَّ من تبعه يدخلُ جهنَّم، فسقط هذا الاستدلالُ، ودلَّتْ هذه الآية على أنَّ جميع أهْلِ البدعِ والضَّلال يَدْخُلُونَ جهنَّمَ، لأنَّ كلهم متابعون إبليس.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {قال أخرج منها مذءوماً} قال: ملوماً {مدحوراً} قال: مقيتاً . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {مذءوماً} قال: مذموماً {مدحوراً} قال: منفياً . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {مذءوماً} قال: منفياً {مدحوراً} قال: مطروداً . وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {مذءوماً} قال: معيباً {مدحوراً} قال: منفياً .
القشيري
تفسير : أخرجه من درجته، ومن حالته ورتبته، ونقله إلى ما استوجبه من طرده ولعنته، ثم تخليده أبداً في عقوبته، ولا يذيقه ذرةً من يَرْدِ رحمته، فأصبح وهو مقدَّمٌ على الجملة، وأمسى وهو أبعد الزُّمرة، وهذه آثار قهر العِزَّة. فأيُّ كَبِدِ يسمع هذه القصة ثم لا يتفتت؟!.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} الله تعالى لابليس {اخرج منها} اى من الجنة حال كونك {مذؤما} اى مذموما من ذأمه اذا ذمه فالذام من المهموز العين والذم من المضاعف كلاهما بمعنى واحد وهو التعييب البليغ {مدحورا} اى مطرودا فاللعين مطرود من الجنة ومن كل خير لعجبه ونظره الى نفسه ففيه عبرة لكل مخلوق بعده {لمن اتبعك منهم} اللام لتوطئة القسم ومن شرطية ومعناه بالفارسية [بخداى كه هركه دربى توبيايد از اولاد آدم] {لأملأن جهنم منكم اجمعين} جواب القسم وهو ساد مسد جواب الشرط ومعنى منكم اى من ومن ذريتك ومن كفار ذرية آدم وفى الحديث "حديث : تحاجت النار والجنة فقالت هذه يدخلنى الجبارون المتكبرون وقالت هذه يدخلنى الضعفاء والمساكين فقال الله تعالى لهذه انت عذابى اعذب بك من اشاء وقال لهذه انت رحمتى ارحم بك من اشاء ولكل واحدة منكما ملؤها " . تفسير : والتابعون للشيطان هم الذين يأتيهم من الجهات الاربع المذكورة فيقبلون منه ما امره فليحذر العاقل عن متابعته وليجتهد فى طاعة الله وعبادته حتى لا يدخل النار مع الداخلين وفى الحديث "حديث : اذا كان يوم القيامة رفع الى كل مؤمن رجل من اهل الملل فقيل هذا فداؤك من النار " . تفسير : وفى هذا الحديث دليل على كمال لطف الله بعباده وكرامتهم عليه حيث فدى اولياءه باعدائه ويحتمل ان يكون معنى الفداء ان الله تعالى وعد النار ليملأها من الجنة والناس فهى تستنجز الله موعده فى المشركين وعصاة المؤمنين فيرضيها الله تعالى بما يقدم اليها من الكفار فيكون ذلك كالمفاداة عن المؤمنين. وقال بعضهم معناه ان المؤمنين يتوقون بالكفار من نفح النار اذا مروا على الصراط فيكونون وقاية وفداء لاهل الاسلام. قال بعضهم رأيت ابا بكر بن الحسين المقرى فى المنام فى الليلة التى دفن فيها فقلت له ايها الاستاذ ما فعل الله بك قال ان الله تعالى اقام ابا الحسن العامرى صاحب الفلسفة فدائى وقال هذا فداؤك من النار وقد كان ابو الحسن توفى فى الليلة التى توفى فيها ابو بكر المقرى وفى الحديث "حديث : يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب امثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى " . تفسير : ولا يستبعد من فضل الله مع اهل الاسلام والايمان ان يفديهم باهل الكفر والطغيان وذلك عدل من الله مع اهل المعصية وفضل على اهل طاعته خلافا للمعتزلة فانهم انكروا هذه واستدلوا بقوله تعالى {أية : ولا تزر وازرة وزر أخرى} تفسير : [الزمر: 7]. والذى صاروا اليه خلاف الكتاب والسنة قال الله تعالى {أية : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} تفسير : [العنكبوت: 13]. فلا يصح استدلالهم بالآية لان كل كافر معاقب بوزره.
الطوسي
تفسير : حكي عن عاصم في الشواذ {لمن تبعك} بكسر اللام، ويكون خبره محذوفاً وتقديره لمن تبعك النار، وليس بمعروف. هذا خبر من الله تعالى أنه {قال أخرج منها} يعني من الجنة {مذؤماً} قال ابن عباس: معناه معيباً. وقال ابن زيد: مذموماً، يقال: ذأمه يذأمه ذأماً وذامه يذيمه ذيماً وذاماً. وقيل الذأم والذيم أشد العيب. ومثله اللوم قال الشاعر: شعر : صحبتك إِذ عيني عليها غشاوة فلما انجلت قطعت نفسي أذيمها تفسير : وأكثر الرواية ألومها. وقوله {مدحوراً} فالدحر الدفع على وجه الهوان والاذلال يقال: دحره يدحره دحراً ودحوراً. وقيل الدحر الطرد - في قول مجاهد والسدي -. وقوله {لمن تبعك منهم} جواب القسم، وحذف جواب الجزاء في {لمن تبعك} لأن جواب القسم أولى بالذكر من حيث أنه في صدر الكلام، ولو كان في حشو الكلام، لكان الجزاء أحق منه، كقولك: إِن تأتني والله أكرمك، ولا يجوز أن تكون (من) ها هنا بمعنى الذي، لأنها لا تقلب الماضي الى الاستقبال، ويجوز أن تقول: والله لمن جاءك أضربه بمعنى لأضربه، ولم يجز بمعنى لأضربنه، كما يجوز والله أضرب زيداً بمعنى لأضرب ولا يجوز بمعنى لأضربن، لأن الايجاب لا بد فيه من نون التأكيد مع اللام على قول الزجاج. وإِنما قال {لأملأن جهنم منكم} بلفظ الجمع وإِن كان المخاطب واحداً على التغليب للخطاب على الغيبة، كما يغلب المذكر على المؤنث، وكما يغلب الأخف على الأثقل في قولهم: سنة العمرين، لأن المفرد أخف من المضاف، لأن المعنى لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين، كما ذكره في موضع آخر. وقوله {أجمعين} تأكيد لقوله {منكم} وهو وإِن كان بلفظ الغائب أكد به المخاطب، لأنه تابع للأول، فإِن كان غائباً فهو غائب وإِن كان مخاطباً، فهو مخاطب وإِن كان متكلماً، فهو متكلم كقولك: نحن منطلق أجمعون عامدون، لأن الاتباع قد دل على ذلك.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا} من السّماء {مَذْءُوماً} مذموماً {مَّدْحُوراً} مطروداً {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ} أقسم مقابلة لقسمه وتأكيداً {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ وَيَا آدَمُ} قال يا آدم {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} قد سبق فى سورة البقرة.
الهواري
تفسير : قوله: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً} قال الحسن: مذموماً. وقال مجاهد: منفياً. قوله: {مَّدْحُوراً}. قال مجاهد: مطروداً منفياً. وقال بعضهم: مباعداً. وقال بعضهم: مقصياً. وقال بعضهم: {اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} أي: مقيتاً منفياً. وتفسير مجاهد فيها على التقديم: اخرج منها مطروداً منفياً. قال: {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ}. قوله: {وَيَاءَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} أي لأنفسكما بخطيئتكما. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الشجرة التي نهى عنها آدم وحواء هي السنبلة التي فيها رزق ابن آدم. وقال بعضهم: هي التين. قوله: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} وكانا كسيا الظفر، فلما أكلا الشجرة بدت لهما سوءاتهما. ذكروا عن الحسن عن أبي كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان آدم طوالاً كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع فيما وقع فيه بدت له عورته، وكان لا يراها قبل ذلك، فانطلق هارباً في الجنة، فأخذت شجرة من شجر الجنة برأسه، فقال لها: أرسليني. فقالت: لست بمرسلتك. فناداه ربه: أَمِنِّي تفرّ؟ قال: يا رب إني استحييتك ". تفسير : قوله: {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} أي من الملائكة {أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ} أي من الذين لا يموتون. أي إنكما إذا أكلتما من الشجرة كنتما مَلَكين من ملائكة الله.
اطفيش
تفسير : {قال اخْرجْ مِنها مَذْءوماً} أى مذموما أو مطرودا أو مخزيا من ذامه بهمزة مفتوحة فى الماضى والمضارع أى ذمه وطرده وخزاه، وقيل مذءوماً معيبا ومنه المثل: "لن تعدم الحسناء ذأماً" أى عيبا، وقيل: الذأم أشد العيب، وقرأ الزهرى وأبو جعفر والأعمش مذوم بضم الدال وحذف الهمزة بعد نقل ضمها للذال، وذلك تخفيف أو من ذام يذام بقلب الهمزة ألفا، أو من ذامه بالألف يذيمه بالياء كباع يبيع فهو مذموم كما يقال فى مكيل من الكيل مكول، وكان القياس على هذا مذيم كمبيع ومكيل، والمعنى كله واحد ذم أو عيب، وقيل: إنما قرأ هؤلاء بتسهيل الهمزة لا همزة محضة ولا واو محضة. {مدْحُوراً} قيل: مطرودا مبعدا، وقال ابن عباس: مصغراً ممقوتاً، وقال قتادة: ملعوناً ممقوتاً، وقال الكلبى: ملوما مبعداً من الجنة وكل خير. {لمَنْ تَبعكَ مِنْهم} اللام للابتداء والتوطئة للقسم، ومن موصولة مبتدأ خبره محذوف، أى أعذبه بالرفع، أو شرطية جوابها محذوف، أى أعذبه بالرفع أو الجزم، ولما حذف الخبر أو الجواب ناب عنه قوله: {لأملأنَّ جَهنَّم مِنكُم أجْمعينَ} مع قسمه المحذوف، أى والله لأملأنَّ، ويجوز أن يكون القسم وجوابه خبرا للمبتدأ، أو ليقدر الخبر قولا، أى مقول فيه والله لأملأنَّ الخ، وأما أن يكونا جوابا فلا، لعدم الفاء، إلا إن بنيا على ما قد ورد من حذفها فى كلام العرب، والأصل لأملأنَّ جهنم منهم ومنك، فغلب الخطاب فقيل: منكم، ويجوز تقدير محذوف أى لمن تبعك منهم ومن ذريتك، أو منهم ومن الجن تقول املأ البلد بهذا مشيرا إلى شىء تريده فيمتلىء به، أو إلى مقدار يمتلىء به وحده فافهم. وقرأ عاصم قيل والأعمش بكسر لام لمن متعلق باخرج تعليلا له، أو بمحذوف خبر ومجموع القسم وجوابه مبتدأ نظرا إلى أن المعنى الوعيد الذى هو الإملاء لمن تبعك، أو بمحذوف خبر لمحذوف دل عليه جواب القسم، وأما أن يجعل جواب القسم وحده مبتدأ فلا، لأن جواب القسم لا محالة، والمبتدأ محله الرفع.
اطفيش
تفسير : {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا} مذموما من ذأْمه بمعنى ذمه أَو عابه أَو احتقره {مَدْحُورًا} مطرودا من كل خير "ويقذفون من كل جانب دحورًا" {لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ} هذه اللام توطئة للقسم مثل لئن لم تنتهوا، وجوابه هو قوله {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ} مغن عن جواب من الشرطية، وكاف منكم لمن وإِبليس وذريته مغلبا للخطاب أَى منك ومنهم، ولو قل المخاطب وكثر الغائب، أَو من موصولة واللام للابتداء، ويقدر قسم هو وجوابه خبر من والعائد إِلى من حصتها من كاف منكم العائدة إِلى الناس المتبعين لإِبليس وإِلى إِبليس وذريته.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } استئناف كما مر غير مرة. {ٱخْرُجْ مِنْهَا} أي من الجنة أو من زمرة الملائكة أو من السماء الخلاف السابق {مَذْءُوماً} أي مذموماً كما روي عن ابن زيد أو مهاناً لعينا كما روي عن ابن عباس وقتادة، وفعله ذأم. وقرأ الزهري {مذوماً} بذال مضمومة وواو ساكنة وفيه احتمالان الأول أن يكون مخففاً من المهموز بنقل حركة الهمزة إلى الساكن ثم حذفها، والثاني أن يكون من ذام بالألف كباع وكان قياسه على هذا مذيم كمبيع إلا أنه أبدلت الواو من الياء على حد قولهم؛ مكول في مكيل مع أنه من الكيل، ونصبه على الحال وكذا قوله تعالى: { مَّدْحُورًا } وهو من الدحر بمعنى الطرد والإبعاد، وجوز في هذا أن يكون صفة. واللام في قوله سبحانه: {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } على ما في «الدر المصون» موطئة للقسم و (من) شرطية في محل رفع مبتدأ. وقوله عز اسمه {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّم مِنْكُمْ أَجْمَعينَ} جواب القسم وهو ساد مسد جواب الشرط، والخلاف في خبر المبتدأ في مثل ذلك مشهور، وجوز أن تكون اللام لام الابتداء و (من) موصولة مبتدأ صلتها {تَبِعَكَ } والجملة القسمية خبر. وقرأ عصمة عن عاصم {لِمَنْ } بكسر اللام فقيل. إنها متعلقة بلأملان. ورد بأن لام القسم لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وقيل: إنها متعلقة بالذأم والدحر على التنازع وأعمال الثاني أي أخرج بهاتين الصفتين لأجل اتباعك وقيل: إن الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف / يقدر مؤخراً أي لمن اتبعك هذا الوعيد. ودل على قوله سبحانه: {لأَمْلأَنَّ} الخ، ولعل ذلك مراد الزمخشري بقوله: أن {لأَمْلأَنَّ} في محل المبتدأ و {لَّمَن تَبِعَكَ} خبره كما يرشد إليه بيان المعنى. و {مِنكُمْ} بمعنى منك ومنهم فغلب فيه المخاطب كما في قوله سبحانه: { أية : أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تفسير : [النمل: 55] ثم إن الظاهر أن هذه المخاطبات لابليس عليه اللعنة كانت منه عز وجل من غير واسطة وليس المقصود منها الإكرام والتشريف بل التعذيب والتعنيف، وذهب الجبائي إلى أنها كانت بواسطة بعض الملائكة لأن الله تعالى لا يكلم الكافر وفيه نظر. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: { أية : المص } تفسير : [الأعراف: 1] الألف إشارة إلى الذات الأحدية واللام إلى الذات مع صفة العلم والميم إلى معنى محمد وهي حقيقته والصاد إلى صورته عليه الصلاة والسلام. وقد يقال: الألف إشارة إلى التوحيد والميم إلى الملك واللام بينهما واسطة لتكون بينهما رابطة والصاد لكونه حرفاً كري الشكل قابلاً لجميع الأشكال كما قال الشيخ الأكبر قدس سره: فيه إشارة إلى أن الأمر وإن ظهر بالأشكال المختلفة والصور المتعددة أوله وآخره سواء، ولا يخفى لطف افتتاح هذه السورة بهذه الأحرف بناء على ما ذكره الشيخ قدس سره في «فتوحاته» من أن لكل منها ما عدا الألف الأعراف وأما الألف فقد ذكر نفعنا الله تعالى ببركات علومه أنه ليس من الحروف عند من شم رائحة من الحقائق لكن قد سمته العامة حرفاً فإذا قال المحقق ذلك فإنما هو على سبيل التجوز في العبادة والله تعالى أعلم بحقيقة الحال {كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } أي ضيق من حمله فلا تسعه لعظمه فتتلاشى بالفناء والوحدة والاستغراق في عين الجمع { أية : لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الأعراف: 2] أي ليمكنك الإنذار والتذكير إذ بالاستغراق لا ترى إلا الحق فلا يتأتى منك ذلك {وَكَم مّن قَرْيَةٍ } من قرى القلوب {أَهْلَكْنَـٰهَا } أفسدنا استعدادها {فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا } أي بائتين على فراش الغفلة في ليل الشباب { أية : أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 4] تحت ظلال الأمل في نهار المشيب { أية : وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ } تفسير : [الأعراف: 8] هو عند كثير من الصوفية اعتبار الأعمال. وذكروا أن لسان ميزان الحق هو صفة العدل وإحدى كفتيه هو عالم الحس والكفة الأخرى هو عالم العقل فمن كانت مكاسبه من المعقولات الباقية والأخلاق الفاضلة والأعمال الخيرية المقرونة بالنية الصادقة ثقلت أي كانت ذا قدر وأفلح هو أي فاز بالنعيم الدائم ومن كانت مقتنياته من المحسوسات الفانية واللذات الزائلة والشهوات الفاسدة والأخلاق الرديئة خفت ولم يعتن بها وخسر هو نفسه لحرمانه النعيم هلاكه {وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأَرْضِ } إذ جعلناكم خلفاء فيها {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ } متعددة دون غيركم فإن له معيشة واحدة، وذلك لأن الإنسان فيه ملكية وحيوانية وشيطانية فمعيشة روحه معيشة الملك ومعيشة بدنه معيشة الحيوان ومعيشة نفسه الأمارة معيشة الشيطان. وله معايش غير ذلك وهي معيشة القلب بالشهود ومعيشة السر بالكشوف ومعيشة سر السر بالوصال {أية : قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}تفسير : [الأعراف: 10] ولو شكرتم ما رضيتم بالدون. {وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ } أي ابتدأنا ذلك بخلق آدم عليه السلام وتصويره {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ } فإنه المظهر الأعظم، وفي الخبر « حديث : خلق الله آدم على صورته »، تفسير : وفي رواية « حديث : على صورة الرحمن » تفسير : {فَسَجَدُواْ } وانقادوا للحق { أية : إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 11] لنقصان بصيرته { أية : قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } تفسير : [الأعراف: 12] أراد اللعين أنه من الحضرة الروحانية وأن آدم عليه السلام ليس كذلك {قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا } أي من تلك الحضرة {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} لأن الكبر ينافيها { أية : فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 13] الأذلاء بالميل إلى مقتضيات النفس / {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } قسم بما هو من صفات الأفعال ولم يكن محجوباً عنها بل كان محجوباً عن الذات الأحدية { أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } تفسير : [الأعراف: 16] وهو طريق التوحيد {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ } أي لأجتهدن في إضلالهم، وقد تقدم ما قاله بعض حكماء الإسلام في ذلك، وفي «تأويلات النيسابوري» كلام كثير فيه وما قاله البعض أحسنه في هذا الباب، وذكر بعضهم لعدم التعرض لجهتي الفوق والتحت وجها وهو أن الإتيان من الجهة الأولى غير ممكن له لأن الجهة العلوية هي التي تلي الروح ويرد منها الإلهامات الحقة والالقاءات الملكية ونحو ذلك، والجهة السفلية يحصل منها الأحكام الحسية والتدابير الجزئية في باب المصالح الدنيوية وذلك غير موجب للضلالة بل قد ينتفع به في العلوم الطبيعية والرياضية وفيه نظر. { أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 17] مستعملين ما خلق لهم لما خلق له. {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا } حقيراً {مَّدْحُورًا } مطروداً {لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } بالأنانية ورؤية غير الله تعالى وارتكاب المعاصي { أية : لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } تفسير : [الأعراف: 18] فتبقون محبوسين في سجين الطبيعة معذبين بنار الحرمان عن المراد وهو أشد العذاب وكل شيء دون فراق المحبوب سهل وهو سبحانه حسبنا ونعم الوكيل.
ابن عاشور
تفسير : أعاد الله أمره بالخروج من السّماء تأكيداً للأمرين الأوللِ والثّاني: قال: {أية : [الأعراف: 13] اهبط منها} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : فاخرج} تفسير : [الأعراف: 13]. ومذءوم اسم مفعول من ذَأمه ــــ مهموزاً ــــ إذا عابَه وذمَّه ذَأماً وقد تسهل همزة ذأم فتصير ألفاً فيقال ذَام ولا تسهل في بقيّة تصاريفه. مدحور مفعول من دَحره إذا أبعده وأقصاه، أي: أخرجُ خروجَ مذمُوم مطرود، فالذّم لِمَا اتّصف به من الرّذائل، والطّرد لتنزيه عالم القُدس عن مخالطته. واللاّم في {لمن تبعك} موطئة للقسم. و(مَن) شرطية، واللاّم في لأمْلأنّ لام جواب القسم، والجواب ساد مسد جواب الشّرط، والتّقدير: أُقسِم من تبعك منهم لأمْلأنّ جهنّم منهم ومنك، وغُلِّب في الضّمير حال الخطاب لأنّ الفرد الموجود من هذا العموم هو المخاطَب، وهو إبليس، ولأنّه المقصود ابتداء من هذا الوعيد لأنّه وعيد على فعله، وأمّا وعيد اتّباعه فبالتّبع له، بخلاف الضّمير في آية الحجر (43) وهو قوله: {أية : وإن جهنّم لموعدهم أجمعين}تفسير : [الحجر: 43] لأنّه جاء بعد الإعراض عن وعيده بفعله والاهتمام ببيان مرتبة عباد الله المُخْلَصين الذين ليس لإبليس عليهم سلطان ثمّ الإهتمام بوعيد الغاوين. وهذا كقوله تعالى في سورة الحجر (41 ـــ 43): {أية : قال هذا صراط عليّ مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين}.تفسير : والتّأكيد بـ {أجمعين} للتّنصيص على العموم لئلا يحمل على التّغليب، وذلك أنّ الكلام جرى على أمّة بعنوان كونهم إتباعاً لواحد، والعرب قد تجري العموم في مثل هذا على المجموع دون الجمع، كما يقولون: قتلت تميمٌ فُلاناً، وإنّما قتله بعضهم، قال النّابغة في شأن بني حُنّ (بحاء مهملة مضمومه):شعر : وهُمْ قتلوا الطاءِى بالجَوّ عَنْوَة
الشنقيطي
تفسير : بين في هذه الآية الكريمة أنه قال لإبليس: اخرج منها في حال كونك مذءوماً مدحوراً. والمذءوم: المعيب أو الممقوت، والمدحور: المبعد عن الرحمة، المطرود، وأنه أوعده بملء جهنم منه، وممن تبعه. وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 84-85] وقوله: {أية : قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً} تفسير : [الإسراء: 63-64]، وقوله: {أية : فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ}تفسير : [الشعراء: 94-95] إلى غير ذلك من الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَذْءُوماً} (18) - ثُمَّ أَكَّدَ اللهُ تَعَالَى لَعْنَتَهُ عَلَى إِبْلِيسَ وَطَرْدَهُ لَهُ، وَإِبْعَادَهُ عَنِ المَلأِ الأَعْلَى، وَهُوَ مَقِيتٌ مَعِيبٌ (مَذْؤُومٌ) مُقْصًى مُبْعَدٌ، وَقَالَ لَهُ مُهَدِّداً: إِنَّهُ وَمَنْ يَتَّبِعُهُ مِنْ بَنِي آدَمَ سَيَكُونُ مَصِيرُهُمْ جَهَنّمَ، وَسَيَمْلَؤُهَا مِنْهُمْ جَمِيعاً. مَذْؤُوماً - مَذْمُوماً مَعِيباً لَعِيناً. مَدْحُوراً - مَطْرُوداً مُبْعَداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لقد بلغ الغرور بالشيطان أن تخيّل أنه ذكي، فشرح لنا خطته ومنهجه فدلل لنا على أن حكم الله فيه قد نفذ بأن جعل كيده ضعيفاً، فسبحانه القائل: {أية : ...إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء: 76] لقد نبهنا الحق لكيد الشيطان وغروره، والناصح هو من يحتاط، ويأخذ المناعة ضد النزغ الشيطاني. وهنا يقول الحق: {قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً...} [الأعراف: 18] وقال له الحق من قبل: {أية : قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّاغِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 13] إذن فهناك هبوط وخروج بصَغار ومجاوزة المكان، ثم هنا أيضاً تأكيد بأنه في حالة الخروج سيكون مصاحباً للذم والصغار والطرد واللعن. ويقول الحق سبحانه: {...لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 18] وفي هذا اخبار لمن يتبعون الشيطان بأنهم أهل لجهنم، ولم يعدَّها سبحانه لتسع الكافرين فقط، لكنه أعدّها على أساس أن كل الخلق قد يكفرون به سبحانه، كما أعدّ الجنة على أساس أن الخلق جميعاً يؤمنون به؛ فليس عنده ضيق مكان، وإن آمن الخلق جميعاً؛ فإنه- جل شأنه- قد أعد الجنة لاستقبالهم جميعاً، وإن كفروا جميعاً فقد أعدّ النار لهم جميعاً؛ تأكيداً لقوله الحق: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [المؤمنون: 10-11] وقوله الحق: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98] وبهذا نكون قد شرحنا مسألة إبليس الذي امتنع عن طاعة أمر الآمر الأعلى بالسجود لآدم. ويقول الحق بعد ذلك: {وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً} معناهُ معيبٌ مرجومٌ {مَّدْحُوراً} معناه مُبعدٌ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: قال اللّه لإبليس لما قال ما قال: { اخْرُجْ مِنْهَا } خروج صغار واحتقار، لا خروج إكرام بل { مَذْءُومًا } أي: مذموما { مَدْحُورًا } مبعدا عن اللّه وعن رحمته وعن كل خير. { لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ } منك وممن تبعك منهم { أَجْمَعِينَ } وهذا قسم منه تعالى، أن النار دار العصاة، لا بد أن يملأها من إبليس وأتباعه من الجن والإنس. ثم حذر آدم شره وفتنته فقال: { وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):