Verse. 973 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَيٰۗاٰدَمُ اسْكُنْ اَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّۃَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِـئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا ہٰذِہِ الشَّجَرَۃَ فَتَكُوْنَا مِنَ الظّٰلِـمِيْنَ۝۱۹
Waya adamu oskun anta wazawjuka aljannata fakula min haythu shituma wala taqraba hathihi alshshajarata fatakoona mina alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» قال «يا آدم اسكن أنت» تأكيد للضمير في اسكن ليعطف عليه «وزوجك» حواء بالمد «الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة» بالأكل منها وهي الحنطة «فتكونا من الظالمين».

19

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل: أحدها: أن قوله: {ٱسْكُنْ } أمر تعبد أو أمر إباحة وإطلاق من حيث إنه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكليف. وثانيها: أن زوج آدم هو حواء، ويجب أن نذكر أنه تعالى كيف خلق حواء، وثالثها: أن تلك الجنة كانت جنة الخلد، أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض. ورابعها: أن قوله: {فَكُلاَ} أمر إباحة لا أمر تكليف. وخامسها: أن قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا } نهي تنزيه أو نهي تحريم. وسادسها: أن قوله: {هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } المراد شجرة واحدة بالشخص أو النوع. وسابعها: أن تلك الشجرة أي شجرة كانت. وثامنها: أن ذلك الذنب كان صغيراً أو كبيراً. وتاسعها: أنه ما المراد من قوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } وهل يلزم من كونه ظالماً بهذا القربان الدخول تحت قوله تعالى: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [هود: 18]، وعاشرها: أن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم عليه السلام أو بعدها، فهذه المسائل العشرة قد سبق تفصيلها وتقريرها في سورة البقرة فلا نعيدها، والذي بقي علينا من هذه الآية حرف واحد، وهو أنه تعالى قال في سورة البقرة: {أية : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا } تفسير : [البقرة: 35] بالواو، وقال ههنا: {فَكُلاَ } بالفاء فما السبب فيه، وجوابه من وجهين: الأول: أن الواو تفيد الجمع المطلق، والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب، فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو، ولا منافاة بين النوع والجنس، ففي سورة البقرة ذكر الجنس وفي سورة الأعراف ذكر النوع.

القرطبي

تفسير : قال لآدم بعد إخراج إبليس من موضعه من السماء: ٱسكن أنت وحواء الجنة. وقد تقدم في البقرة معنى الإسكان، فأغنى عن إعادته. وقد تقدّم معنىٰ {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} تفسير : [البقرة 35] هناك. والحمد لله.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى أنه أباح لآدم عليه السلام ولزوجته حواء الجنة أن يأكلا منها من جميع ثمارها، إلا شجرة واحدة، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة، فعند ذلك حسدهما الشيطان، وسعى في المكر والوسوسة والخديعة؛ ليسلبهما ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن {وَقَالَ} كذباً وافتراء: {مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} أي: لئلا تكونا ملكين، أو خالدين ها هنا، ولو أنكما أكلتما منها، لحصل لكما ذلكما، كقوله: {أية : قَالَ يَٰـئَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} تفسير : [طه: 120] أي: لئلا تكونا ملكين، كقوله: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [الأنعام: 176] أي: لئلا تضلوا {أية : وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} تفسير : [النحل: 15] أي: لئلا تميد بكم، وكان ابن عباس ويحيى بن أبي كثير يقرآن {إلا أن تكونا مَلِكَيْنِ} بكسر اللام، وقرأه الجمهور بفتحها، {وَقَاسَمَهُمَآ} أي: حلف لهما بالله {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ} فإني من قبلكما ها هنا، وأعلم بهذا المكان، وهذا من باب المفاعلة، والمراد أحد الطرفين، كما قال خالد بن زهير ابن عم أبي ذؤيب:شعر : وقاسَمَهُمْ باللّهِ جَهْداً لأَنْتُمُ أَلَذُّ مِنَ السَّلْوى إِذْ ما نَشُورها تفسير : أي: حلف لهما بالله على ذلك حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله، وقال قتادة في الآية: حلف بالله إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما، وكان بعض أهل العلم يقول: من خادَعَنا بالله، خُدِعْنا له.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} قال { وَيَـٰئَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ } تأكيد للضمير في «اسكن» ليعطف عليه {وَزَوْجُكَ } (حوّاء) بالمد {ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } بالأكل منها وهي الحنطة {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ }.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {ويا ءادَمَ } هو على تقدير القول، أي وقلنا يا آدم. قال له هذا القول، بعد إخراج إبليس من الجنة، أو من السماء، أو من بين الملائكة كما تقدّم. وقد تقدّم معنى الإسكان، ومعنى: {ولا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } في البقرة. ومعنى: {مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} من أيّ نوع من أنواع الجنة شئتما أكله، ومثله ما تقدّم من قوله تعالى: {أية : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا } تفسير : [البقرة: 35] وحذف النون من {فَتَكُونَا } لكونه معطوفاً على المجزوم، أو منصوباً على أنه جواب النهي. قوله: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ } الوسوسة: الصوت الخفي، والوسوسة: حديث النفس، يقال وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواساً بكسر الواو، والوسوسة بالفتح الاسم: مثل الزلزلة والزلزال، ويقال لهمس الصائد والكلاب، وأصوات الحلي: وسواس. قال الأعشى:شعر : تسمع للحليّ وسواساً إذا انصرفت تفسير : والوسواس: اسم الشيطان. ومعنى وسوس له: وسوس إليه، أو فعل الوسوسة لأجله. قوله: {لِيُبْدِيَ لَهُمَا } أي ليظهر لهما، واللام للعاقبة، كما في قوله: {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص: 8]. وقيل هي لام كي، أي فعل ذلك ليتعقبه الإيذاء، أو لكي يقع الإيذاء. قوله: {مَا وُورِيَ } أي ما ستر وغطي {عَنْهُمَا مِنَ سَوآتِهِما} سمي الفرج سوءة، لأن ظهوره يسوء صاحبه، أراد الشيطان أن يسوءهما بظهور ما كان مستوراً عنهما من عوراتهما، فإنهما كانا لا يريان عورة أنفسهما، ولا يراها أحدهما من الآخر، وإنما لم تقلب الواو في {مَا وُورِيَ } همزة، لأن الثانية مدة. قيل: إنما بدت عورتهما لهما لا لغيرهما، وكان عليهما نور يمنع من رؤيتها {وَقَالَ } أي الشيطان لهما {مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ } أكل هذه الشجرة {إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ } "أن" في موضع نصب، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: ولا كراهة أن تكونا ملكين، هكذا قال البصريون. وقال الكوفيون: التقدير لئلا تكونا ملكين {أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ } في الجنة، أو من الذين لا يموتون. قال النحاس: فضل الله الملائكة على جميع الخلق في غير موضع في القرآن، فمنها هذا، ومنها: {أية : وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ }تفسير : [هود: 31]، ومنها {أية : وَلاَ ٱلْمَلَـئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ } تفسير : [النساء: 172]. قال ابن فورك: لا حجة في هذه الآية، لأنه يحتمل أن يريد ملكين في أن لا يكون لهما شهوة في الطعام. وقد اختلف الناس في هذه المسألة اختلافاً كثيراً، وأطالوا الكلام في غير طائل، وليست هذه المسألة مما كلفنا الله بعلمه، فالكلام فيها لا يعنينا. وقرأ ابن عباس، ويحيـى بن أبي كثير، والضحاك «ملكين» بكسر اللام، وأنكر أبو عمرو بن العلاء هذه القراءة وقال: لم يكن قبل آدم ملك فيصيرا ملكين. وقد احتج من قرأ بالكسر بقوله تعالى: {أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ }تفسير : [طه: 120]. قال أبو عبيد: هذه حجة بينة لقراءة الكسر، ولكنّ الناس على تركها فلهذا تركناها. قال النحاس: هي قراءة شاذة، وأنكر على أبي عبيد، هذا الكلام وجعله من الخطأ الفاحش. قال وهل يجوز أن يتوهم على آدم عليه السلام أن يصل إلى أكثر من ملك الجنة وهي غاية الطالبين؟ وإنما معنى {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } المقام في ملك الجنة والخلود فيه. قوله: {وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } أي حلف لهما فقال: أقسم قساماً أي حلف، ومنه قول الشاعر:شعر : وقاسمهما بالله جهداً لأنتما ألذّ من السلوى إذا ما نشورها تفسير : وصيغة المفاعلة وإن كانت في الأصل تدلّ على المشاركة، فقد جاءت كثيراً لغير ذلك. وقد قدّمنا تحقيق هذا في المائدة، والمراد بها هنا المبالغة في صدور الأقسام لهما من إبليس. وقيل: إنهما أقسما له بالقبول، كما أقسم لهما على المناصحة، قوله: {فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ } التدلية والإدلاء: إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل، يقال أدلى دلوه: أرسلها، والمعنى: أنه أهبطهما بذلك من الرتبة العلية إلى الأكل من الشجرة. وقيل معناه: أوقعهما في الهلاك. وقيل: خدعهما، وأنشد نفطويه:شعر : إن الكريم إذا تشاء خدعته وترى اللئيم مجرباً لا يخدع تفسير : وقيل معنى: {دلاهما} دللهما من الدالة، وهي الجرأة، أي جرأهما على المعصية، فخرجا من الجنة. قوله: {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سوآتِهِما} أي لما طعماها ظهرت لهما عوراتهما، بسبب زوال ما كان ساتراً لهما، وهو تقلص النور الذي كان عليها. وقد تقدّم في البقرة، قوله: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ } طفق يفعل كذا، بمعنى شرع يفعل كذا. وحكى الأخفش: طفق يطفق مثل ضرب يضرب أي شرعا أو جعلا يخصفان عليهما. قرأ الحسن «يخصفان» بكسر الخاء وتشديد الصاد، والأصل يختصفان، فأدغم وكسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ ابن بريدة ويعقوب بفتح الخاء. وقرأ الزهري «يخصفان» من أخصف. وقرأ الجمهور {يخصفان} من خصف. والمعنى: أنهما أخذا يقطعان الورق ويلزقانه بعورتهما ليستراها، من خصف النعل: إذا جعله طبقة فوق طبقة {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا } قائلاً لهما: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ } التي نهيتكما عن أكلها، وهذا عتاب من الله لهما وتوبيخ، حيث لم يحذرا ما حذرهما منه {وَأَقُل لَّكُمَا } معطوف على {أنهكما} {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ } أي مظهر للعداوة. قوله: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } جملة استئنافية مبنية على تقدير سؤال كأنه قيل فماذا قالا؟ وهذا منهما اعتراف بالذنب، وأنهما ظلما أنفسهما مما وقع منهما من المخالفة، ثم قالا: {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }. وجملة {قَالَ ٱهْبِطُواْ } استئناف كالتي قبلها، والخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو لهما ولإبليس، وجملة {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } في محل نصب على الحال {وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } أي موضع استقرار و لكم {مَتَـٰعٌ } تتمتعون به في الدنيا، وتنتفعون به من المطعم والمشرب ونحوهما {إِلَىٰ حِينٍ } أي إلى وقت، وهو وقت موتكم. وجملة {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } استئنافية كالتي قبلها، أي في الأرض تحيون، وفيها يأتيكم الموت، ومنها تخرجون إلى دار الآخرة، ومثله قوله تعالى: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ } تفسير : [طه: 55] واعلم أنه قد سبق شرح هذه القصة مستوفى في البقرة فارجع إليه. وقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر، عن وهب بن منبه في قوله: {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} قال: كان على كل واحد منهما نور لا يبصر كل واحد منهما سوءة صاحبه، فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: أتاهما إبليس فقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكون ملكين مثله، يعني مثل الله عزّ وجلّ، فلم يصدّقاه حتى دخل في جوف الحية فكلمهما. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، في الآية {إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ } فإن أخطأكما أن تكونا ملكين لم يخطئكما أن تكونا خالدين فلا تموتان فيها أبداً {وَقَاسَمَهُمَا } قال: حلف لهما {إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ }. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب، في قوله: {فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ } قال: مناهما بغرور. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي شيبة، عن عكرمة قال: لباس كل دابة منها، ولباس الإنسان الظفر، فأدركت آدم التوبة عند ظفره. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر، عن ابن عباس، قال: كان لباس آدم وحواء كالظفر، فلما أكلا من الشجرة لم يبق عليهما إلا مثل الظفر {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ } قال: ينزعان ورق التين، فيجعلانه على سوآتهما. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال: لما أسكن الله آدم الجنة كساه سربالاً من الظفر، فلما أصاب الخطيئة سلبه السربال، فبقي في أطراف أصابعه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، نحوه من طريق أخرى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أنس بن مالك، قال: كان لباس آدم في الجنة الياقوت، فلما عصى قلص فصار الظفر. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ } قال: يرقعان كهيئة الثوب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ } قال آدم: ربّ إنه حلف لي بك، ولم أكن أعلم أن أحداً من خلقك يحلف بك إلا صادقاً، وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } الآية قال: هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك مثله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزُوْجُكَ الْجَنَّةَ} يعني حواء، وفي الجنة التي أمر بسكناها قولان: أحدهما: في جنة الخلد التي وعد المتقون، وجاز الخروج منها لأنها لم تجعل ثواباً فيخلد فيها ولا يخرج منها. والثاني: أنها جنة من جنات الدنيا لا تكليف فيها وقد كان مكلفاً. {فَكُلاَ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتَمُا} يحتمل وجهين: أحدهما: من حيث شئتما من الجنة كلها. والثاني: ما شئتما من الثمار كلها لأن المستثنى بالنهي لمَّا كان ثمراً كان المأمور به ثمراً. {وَلاَ تَقَْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} قد ذكرنا اختلاف الناس فيها على ستة أقاويل: أحدها: أنه البُرّ، قاله ابن عباس. والثاني: الكَرْم، قاله السدي. والثالث: التين، قاله بان جريج. والرابع: شجرة الكافور، قاله علي بن أبي طالب. والخامس: شجرة العلم، قاله الكلبي. والسادس: أنها شجرة الخلد التي كانت تأكل منها الملائكة، قاله ابن جدعان، وحكى محمد بن إسحاق عن أهل الكتابين أنها شجرة الحنظل ولا أعرف لهذا وجهاً. فإذا قيل: فما وجه نهيهما عن ذلك مع كمال معرفتهما؟ قيل: المصلحة في استدامة، المعرفة، والابتلاء بما يجِب فيه الجزاء. قوله عز وجل: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الْشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا...} أما الوسوسة فهي إخفاء الصوت بالدعاء، يقال وسوس له إذا أوهمه النصيحة، ووسوس إليه إذا ألقى إليه المعنى، وفي ذلك قول رؤبة بن العجاج: شعر : وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق سراً وقد أوّن تأوين العقق تفسير : فإن قيل: فكيف وسوس لهما وهما في الجنة وهو خارج عنها؟ فعنه ثلاثة أجوبة هي أقاويل اختلف فيها أهل التأويل: أحدها: أنه وسوس إليها وهما في الجنة في السماء، وهو في الأرض، فوصلت وسوسته بالقوة التي خلقها الله له إلى السماء ثم الجنة، قاله الحسن. والثاني: أنه كان في السماء وكانا يخرجان إليه فيلقاهما هناك. والثالث: أنه خاطبهما من باب الجنة وهما فيها. {...وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الْشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} وهذا هو الذي ألقى به من الوسوسة إليهما استغواءً لهما بالترغيب في فضل المنزلة ونعيم الخلود. فإن قيل: هل تصورا ذلك مع كمال معرفتهما؟ قيل: إنما كملت معرفتهما بالله تعالى لا بأحكامه. وفي قول إبليس ذلك قولان: أحدهما: أنه أوهمهما أن ذلك في حكم الله جائز أن يقلب صورتهما إلى صور الملائكة وأن يخلدهما في الجنة. والثاني: أنه أوهمهما أنهما يصيران بمنزلة الملائكة في علو المنزلة مع علمهما بأن قلب الصور لا يجوز. قوله عز وجل: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} أي حلق لهما على صدقه في خبره ونصحه في مشورته، فقبلا قوله وتصورا صدقه لأنهما لم يعلما أن أحداً يجترىء على الحلف بالله كاذباً. ويحتمل وجهاً آخر: أن يكون معنى قوله: {وَقَاسَمَهُمَا} أي قال لهما: إن كان ما قلته خيراً فهو لكما دوني وإن كان شراً فهو عليّ دونكما ومن فعل ذلك معكما فهو من الناصحين لكما، فكانت هذه مقاسمتهما أن قسم الخير لهما والشر له على وجه الغرور لتنتفي عنه التهمة ويسرع إليه القبول.

ابن عطية

تفسير : إذا أمر الإنسان بشيء هو متلبس به فإنما المقصد بذلك أن يستمر على حاله ويتمادى في هيئته وقوله تعالى لآدم {اسكن} هو من هذا الباب، وأكد الضمير الذي في قوله {اسكن} بقوله {أنت} وحينئذ جاز العطف عليه وهو ضمير لا يجوز إظهاره ولا يترتب، والعطف على الضمير الملفوظ به لا يجوز إلا بعد تأكيده كقولك قمت أنت وزيد لأن الضمير بمنزلة حرف من الفعل، وهذا الضمير الذي في {اسكن} أضعف من الملفوظ به فأحرى أن لا يصح العطف عليه إلا بعد التأكيد. وقوله: {فكلا} هو من أكل فأصله أكلا فحذفت فاء الفعل لاجتماع المثلين واستغني عن الأخرى لما تحرك ما بعدها، وحسن أيضاً حذف فاء الفعل لأنهم استثقلوا الحركة على حرف علة، وهذا باب كل فعل أوله همزة ووزنه فعل كأخذ وأمر ونحوه وكان القياس أن لا يحذف فاء الفعل ولكن ورد استعمالهم هكذا، ويقال قرب يقرب، و {هذه الشجرة} الظاهر أنه أشار إلى شخص شجرة واحدة من نوع وأرادها ويحتمل أن يشير إلى شجرة معينة وهو يريد النوع بجملته، وعبر باسم الواحدة كما تقول أصاب الناس الدينار والدرهم وأنت تريد النوع. قال القاضي أبو محمد: وعلى الاحتمالين فآدم عليه السلام إنما قصد في وقت معصية فعل ما نهي عنه قاله جمهور المتأولين، وبذلك أغواه إبليس لعنه الله بقولك إنك لم تنه إلا لئلا تخلد أو تكون ملكاً، فيبطل بهذا قول من قال إن آدم إنما أخطأ متأولاً بأن ظن النهي متعلقاً بشخص شجرة فأكل من النوع فلم يعذر بالخطأ. قال القاضي أبو محمد: وذلك أن هذا القائل إنما يفرض آدم معتقداً أن النهي إنما تعلق بشجرة معينة فكيف يقال له مع هذا الاعتقاد إنك لم تنه إلا لئلا تخلد ثم يقصد هو طلب الخلود في ارتكاب غير ما نهي عنه؟ ولا فرق بين أكله ما يعتقد أنه لم ينه عنه وبين أكله سائر المباحات له. قال القاضي أبو محمد: والهاء الأخيرة في {هذه} بدل من الياء في هذي أبدلت في الوقف ثم ثبتت في الوصل هاء حملاً على الوقف، وليس في الكلام هاء تأنيث قبلها كسرة إلا "هذه" وقرأ ابن محيصن "هذي الشجرة" على الأصل، وقوله {فتكونا} نصب في جواب النهي. قال القاضي أبو محمد: وتعلق الناس بهذه الآية في مسألة الحظر والإباحة، وذلك أن مسألة الحظر والإباحة تكلم الناس فيها على ضربين فأما الفقهاء فدعاهم إلى الكلام فيها أنه تنزل نوازل لا توجد منصوصة في كتاب الله عز وجل ولا في سنة نبيه ولا في إجماع، ويعتم وجه استقرائها من أحد هذه الثلاثة وقياسها على ما فيها، فيرجع الناظر بعد ذلك ينظر على أي جهة يحملها من الإجازة والمنع، فقال بعضهم إذا نزل مثل هذا فنحمله على الحظر ونأخذ فيه بالشدة ونستبرىء لأنفسنا، إذ الله عز وجل قد بين لنا في كتابه جميع ما يجب بيانه وأحل ما أراد تحليله، ولم يترك ذكر هذه النازلة إلا عن قصد فاجترامنا نحن عليها لا تقتضيه الشريعة، وقال بعضهم بل نحملها على الإباحة لأن الله عز وجل قد أكمل لنا ديننا وحرم علينا ما شاء تحريمه، ولم يهمل النص على نازلة إلا وقد تركها في جملة المباح، وبعيد أن يريد في شيء التحريم ولا يذكره لنا ويدعنا في عمى الجهالة به، فإنما نحملها على الإباحة حتى يطرأ الحظر، وقال بعضهم بل نحمل ذلك على الوقف أبداً ولا نحكم فيه بحظر ولا إباحة بل نطلب فيه النظر والقياس أبداً، وذلك أنّا نجد الله عز وجل يقول في كتابه {حرم عليكم} في مواضع، ويقول {أحل لكم} في مواضع. فدل ذلك على أن كل نازلة تحتاج إلى شرع وأمر، إما مخصوصاً بها وإما مشتملاً عليها وعلى غيرها، ولو كانت الأشياء على الحظر لما قال في شيء حرم عليكم ولو كانت على الإباحة لما قال في شيء أحل لكم. قال القاضي أبو محمد: وهذا أبين الأقوال ولم يتعرض الفقهاء في هذه المسألة إلى النظر في تحسين العقل وتقبيحه، وإنما تمسكوا في أقوالهم هذه بأسباب الشريعة وذهبوا إلى انتزاع مذاهبهم منها، وأما الضرب الثاني من كلام الناس في الحظر والإباحة فإن المعتزلة ومن قال بقولهم إن العقل يحسن ويقبح نظروا في المسألة من هذه الجهة فقالوا نفرض زمناً لا شرع فيه أو رجلاً نشأ في برية ولم يحسن قط بشرع ولا بأمر ولا بنهي أو نقدر آدم عليه السلام وقت إهباطه إلى الأرض قد ترك وعقله قبل أن يؤمر وينهى كيف كانت الأشياء عليه أو كيف يقتضي العقل في الزمن والرجل المفروضين، فقال بعضهم الذي يحسن في العقل أن تكون محظورة كلها حتى يرد الإذن باستباحتها، وذلك أن استباحتها تعد على ملك الغير وإذا قبح ذلك في الشاهد فهو في حق الله أعظم حرمة، وذهب بعض هذه الفرقة إلى استثناء التنفس والحركة من هذا الحظر وقالوا إن هذه لا يمكن غيرها. قال القاضي أبو محمد: ويمكن أن يقدر الاضطرار إليها إباحة لها، وقال بعضهم: بل يحسن في العقل أن تكون مباحة إذ التحكم في ملك الغير بوجه لا ضرر عليه فيه كالاستظلال بالجدران ونحوه مباح، فإذا كان هذا في الشاهد جائزاً فهو في عظم قدر الله تعالى ووجود أجوز، إذ لا ضرر في تصرفنا نحن في ملكه، ويتعلق بحقه شيء من ذلك، وقال أهل الحق والسنة في هذا النحو من النظر، بل الأمر في نفسه على الوقف ولا يوجب العقل تحسيناً ولا تقبيحاً بمجرده يدان به، ولا يتجه حكم الحسن والقبيح إلا بالشرع، وقال بعضهم: والعقل لم يخل قط من شرع، فلا معنى للخوض في هذه المسألة ولا لفرض ما لا يقع، وذهبوا إلى الاحتجاج بأن آدم عليه السلام قد توجهت عليه الأوامر والنواهي في الجنة، بقوله تعالى له حين جرى الروح في جسده فعطس: قل الحمد لله يا آدم، وبقوله: اسكن وكل ولا تقرب ونحو هذا، وقال القاضي ابن الباقلاني في التقريب والإرشاد: إن الفقهاء الذين قالوا بالحظر والإباحة لم يقصدوا الكون مع المعتزلة في غوايتهم، ولكنهم رأوا لهم كلاماً ملفقاً مموهاً فاستحسنوه دون أن يشعروا بما يؤول إليه من الفساد في القول بتحسين العقل وتقبيحه. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الكلام حمل على فقهاء الشرع واستقصار لهم، والصواب أن لا يظن بهم هذا الخلل وإنما التمسوا على نوازلهم تعليق حكم الحظر والإباحة من الشرع وهم مع ذلك لا يحمل عليهم أنهم يدفعون الحق في أن العقل لا يحسن ولا يقبح دون الشرع، وقد تقدم في سورة البقرة ذكر الاختلاف في الشجرة وتعيينها.

الثعالبي

تفسير : وقوله جل وعلا: {وَيَا آدَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} إذا أُمِرَ الإنسان بِشَيْءٍ، وهو متلبس به، فإنما المقصد من ذلك أن يستمر على حاله، ويتمادى في هَيْئَتِهِ. وقوله سبحانه لآدم: {ٱسْكُنْ} هو من هذا البَابِ، وقد تَقَدَّمَ الكلام في «سورة البقرة» على «الشَّجَرَةِ»، وتعيينها، وقوله سبحانه: «هذه» قال (م): الأَصْلُ هَذِي، وَالهَاءُ بَدَلٌ من الياء، ولذلك كسرت الذال، إذ ليس في كلامهم هاء تأنيث قبلها كسرة انتهى. وقوله عز وجل: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا} الوَسْوَسَةُ الحديث في إخفاء همساً وإسْرَاراً من الصوت، والوسواس صَوْتُ الحُلِيِّ، فشبه الهمس به، وسمى إِلْقَاءُ الشيطان في نَفْسِ ابن آدم وَسْوَسَةً، إذ هي أَبْلَغُ الإسرار وأخفاه. هذا في حال الشيطان معنا الآن، وأما مع آدم، فممكن أن تكون وَسْوَسَة بمُحَاوَرَةٍ خفية، أو بإلقاء في نَفْسٍ، واللام في «ليبدي» هي في قول الأكثرين لام الصَّيْرُورَةِ والعاقبة، ويمكن أن تكون لام «كي» على بابها. وما {مَا وُورِيَ} معناه ما ستر من قولك: وارى يُوَارِي إذا ستر، والسَّوْأَةُ الفَرْجُ والدُّبر، ويشبه أن يسمى بذلك؛ لأن منظره يسوء. وقالت طائفة: إن هذه العِبَارَةَ إنما قصد بها أنها كُشِفَتْ لهما مَعَائِبهما، وما يسوءهما، ولم يقصد بها العورة، وهذا القَوْلُ محتمل، إلا أن ذِكْرَ خَصْفِ الوَرَقِ يَرُدُّهُ إلا أن يُقَدَّرَ الضمير في {عَلَيْهِمَا} عائد على بدنيهما فيصحّ. وقوله سبحانه: {وَقَالَ مَا نَهَـٰكُمَا...} الآية، هذا القول المَحْكِيُّ عن إبليس يدخله من التأويل ما دَخَلَ الوَسْوَسَةَ، فممكن أن يقول هذا مخاطبةً وحِوَاراً، وممكن أن يقولها إلْقَاءً في النفس، وَوَحْياً. و{إِلاَّ أَن} تقديره عن سيبويه والبصريين: إلا كراهِيَة أن، وتقديره عند الكوفيين "إلا أن لا" على إضمار «لا»، ويرجح قَوْلُ البصريين أن إضمار الأسماء أَحْسَنُ من إِضْمَارِ الحروف. وقرأ جمهور الناس «مَلَكَيْنِ» بفتح اللام. وقرأ ابن عباس: «مَلِكَيْنِ» بكسرها، ويؤيده قوله: {أية : وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } تفسير : [طه: 120] وقال بعض الناس: يؤخذ من هذه الألفاظ أن الملائكة أَفْضَلُ من البَشَرِ، وهي مسألة اختلف النَّاسُ فيها، وتمسَّكَ كل فريق بِظَوَاهِرَ من الشريعة، والفضل بِيَدِ اللَّه يؤتيه من يَشَاءُ. و{قَاسَمَهُمَآ} أي: حلف لهما باللَّه، وهي مُفَاعلة، إذ قبول المحلوف له اليمين كالقسم.

ابن عادل

تفسير : قد تقدَّم الكلامُ على هذه الآيةِ في سورة البقرةِ، بقي الكلامُ هنا على حَرْفٍ واحد وهو قوله تعالى في سُورةِ البقرة: {أية : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً}تفسير : [البقرة: 35] بالواو، وقال ههنا بالفَاءِ، والسَّبَبُ فيه من وجهين: الأول: أنَّ الواو تفيد الجمع المطلق والفاء تفيد الجمع على سبيل التَّعْقِيبِ، فالمَفْهُوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواوِ، ولا مُنَافَاةَ بين النَّوْعِ والجِنْسِ، ففي سورة البقرة ذكر الجِنْسَ، وفي سُورةِ الأعْرَافِ ذكر النَّوْعَ. الثاني: وقال في البقرة: "رغداً" وهو ههنا محذوف لدلالة الكلام عليه.

القشيري

تفسير : لما أسكن آدمَ الجنةَ خَلَق معه سببَ الفتنةِ، وهو ما أكرمه به من الزوجة، وأي نقصٍ يكون في الجنة لو لم يخلق فيها تلك الشجرة التي هي شجرة المحنة لولا ما أخفى من سِرِّ القسمة؟.

البقلي

تفسير : {وَيَا آدَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} جعل الله سكونها الى الجنة وشغلها باكل ثمارها ووعد العيش فيها واخفى فى عيشهما كدر الامتحان باكل الشجرة وجعلها فتنة لهما ولو جعل سكونها بجماله وحسن وصاله لم يدخل فيها قهر الامتحان لان حضرته تعالى مقدسة عن رحمة الحدثان {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} دلالة اشارة والاجر الى الفتنة بنعت الخدعة وكيف لم يقرباها وهو تعالى تجلة فيها لهما بنعت الجمال ليعشقهما بجماله --- سر الاسرار من لطائف الاقدار فاشتاقا اليها عاشق نظر فلما قربا منها غلب شهوة العشق على حقيقة العشق فاكلا منها وباشراها فعلما علم سر الاسرار وعلم لطيف الاقدار فامتى ولم يحتملها الجنة لثقل انوار الاسرار ووازنه قوة الربوبيه لذلك قال { فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} بدخولكما فى حمى الربوبية واقتناسكما اسرار الالوهية ولولا ان الله حبس لسانها عن كشف الاسرار الاقطار من علم الاقدار ولذلك قال بعض المسرفين ان تلك الشجرة شجرة علم القضاء والقدر ومن علم ----- الله فيها وصل الى عن الملك والخلد بوصف الربوبية والحرية ولذلك حكى الله عن المنعوت بقوله هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى علم الملعون انها شجرة الخلد والملك وجرم عنهما فازاد مباشرتها لينازغ الربوبية بقوتها ولم يقدر بان ليس له استعداد ذلك فتحسر فى نفسه وراى كنوز الغيب مملوة فيها مثمرة فدل أدم اليها ليكون بتلك النعمة متمتعا احد من خلقه لكن مزج بالارادة الحسد على أدم فاوقعه فيها لانه علم انها موضع خطر فعصمها الله من ذلك الخطر فلما كلا وحدا ذلك فى نفسها فزم الله وجههما وقلبهما زمام قهر سلطنته فلما راى انفسهم ساقطين عن محل الربوبية عرفا عجزها وضعفهما وعبوديتها فقالا ربنا ظلمنا انفسنا واراد الملعون انهم لما كلا الشجرة ان يظهر تلك الاسرار التى لو عرفها احد يكون عيارا سكرانا والهامد هوشا خارجا من قبول احكام الشرائع فى العبودية ولا يكون فى العالم حجة الله فقصد هما بذلك لسقوطهما عن درجة الرسالة والنبوة والولاية التى هناك ظهور العبودية لما يبدو لهما من عورات اسرار المكنونة والاقدار المختومة بقوله {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} اذا اراد سبحانه ان يظهر لعبده سرا من اسراره اعزى ابليس بوسوسة سبب ينكشف به تلك الاسرار له فيرتفع بعلمها درجاته فيرجع ضررها الى ابليس ورجع منفعتها الى عبده العارف كحال أدمع وعدوه اراد العدوان يسقطه من درجته فزاد شرفه على شرفه وقد سقط هو من رتبته بالحسد عليه وصار مطرود الابد وصار أدم مقبول الازل والابد لقوله سبحانه ولا يحيق المكر السئ الا باهله وقال تعالى فى حق أدم ثم اجتبه ربه فتاب عليه وهدى وقال فى حق داود وان له عندنا لزلفى وحسن ماب ولما بدا لهما تلك الاسرار كتماها فى نفسهما باستعدادهما الى اشجار الرعاية بقوله {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويا آدم} اى وقلنا لآدم بعد اخراج ابليس من الجنة يا آدم {اسكن انت} اى لازم الاقامة على طريق الاباحة والتكريم {وزوجك} حواء والزوج فى كلام العرب هو العدد الفرد المزاوج لصاحبه فاما الاثنان المصطحبان فيقال لهما زوجان {الجنة} اى فيها وهى اما جنة الخلد التى جعلت دار الجزاء وعليه اكثر اهل العلم لوجوه ذكروها فى كتبهم او جنة فى المساء هبطا منها او جنة فى الارض كانت مرتفعة على سائر بقاع الارض ذات اشجار واثمار وظلال ونعيم ونضرة وسرور اعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء وعليه بعض المحققين من اهل الظاهر والباطن لانه كلف فيها ان لا يأكل من تلك الشجرة ولا تكليف فى الجنة الجزائية ولانه نام فيها واخرج منها ودخل عليه ابليس فيها ولا نوم فى الجنة ولا خروج بعد الدخول ولا يجوز دخول الشيطان فيها بعد الطرد والاخراج ولقول قابيل انا من اولاد الجنة كما لا يخفى ولما روى ان آدم لما احتضر اشتهى قطفا من عنب الجنة فانطلق بنوه ليطلبوه فلقيتهم الملائكة فقالوا اين تريدون يا بنى آدم فقالوا ان ابانا اشتهى قطفا من عنب الجنة فقالوا لهم ارجعوا فقد كفيتموه فانتهوا اليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبرآئيل وبنوه خلف الملائكة ودفنوه وقالوا هذه سنتكم فى موتاكم قالوا فلولا ان الوصول الى الجنة التى كان فيها آدم التى اشتهى منها القطف كان ممكنا لما ذهبوا يطلبون ذلك فدل على انها فى الارض لا فى السماء وقد ثبت ان النيل يخرج من الجنة ولا شك انها من جنان الارض وبساتينها والله اعلم {فكلا من حيث شئتما} من أى مكان شئتما ومن أى شئ شئتما من نعم الجنة وثمارها موسعا عليكما {ولا تقربا ههذ الشجرة} اختلفوا فى هذه الشجرة ايضا وقد ابهم الله ذكرها وتعيينها ولو كان فى ذكرها مصلحة تعود الينا لعينها لنا كما فى غيرها كذا فى آكام المرجان {فتكونا من الظالمين} اى فتصيرا من الذين ظلموا انفسهم.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله:{ ويا آدمُ اسكُن أنت وزوجُك} حواء {الجنة فكُلاَ من حيث شئتما} من ثمارها، {ولا تقربَا هذه الشجرة}؛ التين أو العنب أو الحنطة، {فتكونا من الظالمين} لأنفسكما بمخالفتكما، {فوسوس لهما الشيطان} أي: فعل الوسوسة لأجلهما، وهوة الصوت الخفي، {ليُبدِي} أي: ليظهر {لهما ما وُورِيَ} أي: ما غطى {عنهما من سَوآتِهما} أي: عوارتهما، واللام: للعاقبة، أي: فعل الوسوسة لتكون عاقبتهما كشف عورتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما، ولا أحداهما من الآخر. وفيه دليل على أن كشف العورة، ولو عند الزوج من غير حاجة ـ قبيح مستهجن في الطباع. {وقال} لهما: {ما نهاكما ربُّكما عن هذه الشجرة إلا} كراهية {أن تكونا مَلَكين}. واستدل به من قال بفضل الملائكة على الأنبياء، وجوابه: أنه كان من المعلوم عندهما أن الحقائق لا تَنقَلب، وإنما كانت رغبتهما فيما يحصل لهما من الغنى عن لطعام والشراب، فيمكن لهما الخلود في الجنة، ولذلك قال: {أو تكونا من الخالدين} الذين يخلدون في الجنة. ويؤخذ من قوله تعالى: {ما نهاكما ربكما}، أن آدم عليه السلام لم يكن ناسيًا للنهي، وإلا لما ذكره بقوله: {ما نهاكما ربكما}، وقوله في سورة طه: {فنسي} ، أي: نسي أنه عدو له، ولذلك ركن إلى نصيحته، وقبل منه حتى تأول أن النهي عن عين الشجرة لا عن جنسهان فأكل من جنسها؛ رغبة في الخلود، ولكنه غره من حيث الأخذ بالظواهر وترك الاحتياط. ولم يقصد إبليسُ إخراجهما من الجنة، وإنما قصد أسقاطهما من مرتبتهما، وإبعادهما كما بعُد هو، فلم يلبغ قصده ولا أدرك مراده، بل ازداد سخينة عين، وغيظ نفس، وخيبة ظن. قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى } تفسير : [طه:122]، فصار عليه السلام خليفة لله في أرضه، بعد أن كان جارًا له في داره، فكم بين الخليفة والجار؟ {وقاسَمَهُما} أي: خلف لهما {إني لكما لمنَ الناصحين} فيما قلت لكما. وذكر قَسَم إبليس بصيغة المفاعلة التي تكون بين اثنين مبالغة؛ لأنه اجتهد فيه، أو لأنه أقسم لهما، وأقسما له أن يقبلا نصيحته. {فدلاّهُما}، أي: أنزلهما إلى الأكل من الشجرة، {بغُرور} أي: بما غرهما به من القَسَم، لأنهما ظنًا أن أحدًا لا يحلف بالله كاذبًا، {فلما ذَاقَا الشجرة} أي: وجدا طعمها، آخذين في الأكل منها، {بدت لهما سَوآتُهما}، وتهافت عنهما ثيابُهما، فظهرت لهما عوراتهما؛ أدبًا لهما. وقيل: كان لباسهما نورًا يحول بينهما وبين النظر، فلما أكلا انكشف عنهما، وظهرت عورتهما، {وطَفِقَا} أي: جعلا {يَخصِفَانِ عليهما من وَرَقِ الجنّة} أي: أهذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة ليستترا به، قيل: كان ورقَ التين. فآدم أول من لبس المرقعه، {وناداهما ربُّهما ألم أنهكُمَا عن تلكما الشجرة وأقل لكُمَا إن الشيطانَ لكما عدوٌ مبين}؛ هذا عتاب على المخالفة، وتوبيخ على الاغترار بالعدو. وفيه دليل على ان مطلق النهي للتحريم. ثم صرّحا بالتوبة فقالا: {ربنا ظلمنا أنفسنا} حين صدّرناها للمعصية، وتعرضنا للإخراج من الجنة، {وإن لم تغفر لنا وترحَمنا لنكُوننَّ من الخاسرين}؛ وهذه هي الكلمات التي تلقاها من ربه فتاب عليه بها. قال البيضاوي: فيه دليل على أن الصغائر يُعاقب عليها إن لم تغفر، وقالت المعتزلة: لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر، ولذلك قالوا: إنما قالا ذلك على عادة المقربين في تعظيم الصغير من السيئات، واستحقار العظيم من الحسنات.هـ. {قال اهبطوا}؛ الخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو: لهما ولإبليس، وكرر الأمر له تبعًا؛ ليعلم أنهم قرناء له أبدًا. حال كونكم {بعضُكم لبعض عدوٌ} أي: متعادين، {ولكم في الأرض مستقر} أي: استقرار، {ومتاعٌ} أي: تمتع، {إلى حين} انقضاء آجالكم، {قال فيها} أي: في الأرض {تحيون وفيها تموتون ومنها تُخرجون} للجزاء، بالنعيم، أو بالعذاب الأليم، على حسب سعيكم في هذه الدار الفانية. الإشارة: قال بعض العارفين: كل ما نهى الله تعالى عنه فهو شجرة آدم، فمن دخل جنة المعارف، ثم غلبه القدر فأكل من تلك الشجرة ـ وهي شجرة سوء الأدب ـ أخرج منها، فإن كان ممن سبقت له العناية أُلهم التوبة، فتاب عليه وهداه، وأهبطه إلى أرض العبودية؛ ليكون خليفة الله في أرضه، فأنعِم بها معصية أورثت الخلافة والزلفى. وفي الحكم: " ربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول". وقال أيضًا: " معصية أورثت ذُلاً وافتقارًا، خير من طاعة أورثت عزًا واستكبارًا ". وقال بعضهم: كل سوء أدب يثمر لك أدبًا فهو أدب. والله تعالى أعلم. ثم ذكَّرهم بنعمة اللباس، الذي عوضهم به في الدنيا عن لباس الجنة، فقال: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ}.

الطوسي

تفسير : في هذه الآية حكاية خطاب الله تعالى لآدم وأمره إِياه أن يسكن هو وزوجه حواء الجنة. واختلفوا في الجنة التي أسكن الله آدم فيها. فقال قوم: إِنها جنة الخلد، لأن الجنة اذا أطلقت معرفة بالألف واللام لا يعقل منها في العرف إِلا جنة الخلد، كما أن السموات والأرض إِذا أطلق لم يعقل منه إِلا السموات المخصوصة دون سقف البيت. وقوله {وزوجك} إِنما جاء به على لفظ التذكير، لأن الاضافة أغنت عن ذلك وأبانت عن المعنى، فكان الحذف أحسن، لأنه أوجز يقال: لصاحب المنزل ساكن فيه، وإِن كان يتحرك فيه أحياناً للتغليب، لأن سكونه فيه أكثر، بجلوسه ونومه في ليله. وغير ذلك من أوقاته، وأباح الله تعالى لهما أن يأكلا من حيث شاءا، وأين شاءا ما شاءا، ونهاهما على وجه الندب ألا تقربا هذه الشجرة. وعندنا إِن ذلك لم يكن محرماً عليهما بل نهاهما نهي تنزيه دون حظر وبالمخالفة فاتهما ثواب كثير، وإِن لم يفعلا بذلك قبيحاً، ولا أخلا بواجب. ومن خالفنا قال أخطأ في ذلك على خلاف بينهم بأن ذلك صغيرة أو كبيرة. ومن قال كانت صغيرة، منهم من قال: وقع ذلك منه سهواً ونسياناً. ومنهم من قال: وقع ذلك تأويلاً من حيث نهي عن جنس الشجر، فحمله على شجرة بعينها، فأخطأ في التأويل. وقد بينا فساد ذلك فيما مضى. وقوله {فتكونا من الظالمين} يحتمل أن يكون نصباً على جواب النهي. والثاني - أن يكون جزماً عطفاً على النهي، فكأنه قال لا تقربا هذه الشجرة، ولا تكونا من الظالمين. ومعنى {الظالمين} على مذهبنا المراد به الباخسين نفوسهم ثواباً كثيراً، والمفوتين نعيماً عظيماً. ومن قال: إِنهما ارتكبا قبيحاً قال: ظلما أنفسهما بارتكاب القبيح. وعلى مذهب من يقول بأن ذلك كانت صغيرة وقعت مكفرة لا بد أن يحمل الظلم ها هنا على نقصان الثواب الذي انحبط بمقارنة الصغيرة له، فأبو عليٍّ: ذهب الى أن ذلك وقع منه نسياناً. وقال البلخي وقع منه تأويلاً، لأنه نهي عن جنس الشجرة فتأوَّله على شجرة بعينها، وهذا خطأ، لأن ما يقطع سهواً أو نسياناً لا يحسن المؤاخدة به. وأما الخطأ في التأويل فقد زاد من قال ذلك قبيحاً آخر. أحدهما ارتكاب المنهي. والثاني الخطأ في التأويل به.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} أي آدم وحوّى، والجنة قيل: هي جنة في السماء {فكلا من حيث شئتما} من نعيمها {ولا تقربا هذه الشجرة}، قيل: هي العنب، وقيل: التين، وقيل: البر، وقيل: غير ذلك {فتكونا من الظالمين} لأنفسكما بأكلها وهذا وعيد من الله تعالى {فوسوس لهما الشيطان} يعني لآدم وحوّى {ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما} أي ليظهر ما ستر من عوراتهما {وقال} يعين إبليس: {ما نهاكما ربكما} يعني آدم وحوّى {إلا ان تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} يعني إن من أكل من هذه الشجرة ففي حكم الله تعالى أن يصير ملكاً أو من الخالدين الدائمين الذين لا يموتون {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} اقسم لهما بالنصيحة أي حلف لهما بالله تعالى حتى خدعهما، قال خالد بن زهير: شعر : وقاسمهما بالله جهداً لأنتم ألذ من السلوى إذا ما شورها تفسير : قال قتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله وقال: إني خلقت قبلكما وإني أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما {فدلاهما} اي دلاهما من الجنة الى الارض، وقيل: أوقعهما بالمعصية يعني خدعهما {بغرور فلما ذاقا الشجرة} أكلا منها ووصلت إلى بطونهما {بدت لهما} ظهرت {سوءاتهما} أي عوراتهما، قيل: تهافت عنهما اللباس، وقيل: كان لباسهما من نور، وقيل: الأظفار وإنما يخدع المؤمن بالله {وطفقا} أقبلا {يخصفان} أي يرفعان ويلزقان {عليهما من ورق الجنة} ورقة فوق ورقة على عوراتهما ليستترا بهما كما يخصف النعل بأن يجعل طرفه على طرفه من ورق الجنة، قيل: كان من ورق التين، روي أنه كان كالثوب، فإن قيل: كيف وسوس لهما وهما في الجنة؟ قيل: وسوس وهو في الأرض فوصلت الوسوسة إليهما، وقيل: كانا يخرجان إلى السماء فلقاهما هناك، وقيل: خاطبهما من باب الجنة وقد تقدم ذكر هذه القصة والفائدة في إعادتها أن القرآن نزل في بضع وعشرين سنة والعوارض تعرض والوفود تفد فكانت القصة تعاد ليسمع من لا يسمع، قوله: {وناداهما ربهما الم أنهكما عن تلكما الشجرة} عتاب من الله تعالى: {وأقل لكما إنَّ الشيطان لكما عدو مبين}، فقال: بلى وعزتك ولكن ما ظننت أن أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً، قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدَّاً، فأهبط وعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وسقى وذرا وحصد وداس وعجن وخبز، قوله تعالى: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} بالمعصية {وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} {قال اهبطوا} خطاب لآدم وحوى وإبليس {بعضكم لبعض عدو} يعني آدم وذريته وابليس وحزبه عدو لآدم وذريته {ولكم في الأرض مستقر} يعني موضع استقرار {ومتاع إلى حين} إلى وقت انقضاء آجالكم {قال فيها تحيون وفيها تموتون} يعني في الأرض تعيشون وفيها تموتون {ومنها تخرجون} عند البعث.

اطفيش

تفسير : {ويا آدم} أى وقال الله بعد هبوط إبليس يا آدم {اسْكُن} أى دم على السكون، وهكذا من أمر بشىء وهو منسوبه، وقيل إنه قيل له ذلك قبل دخول الجنة، وبعد خلق حواء، ويحتمل أنها خلقت بعد الدخول، فيكون الخطاب على هذا القول للموجود والمعدوم وهو بعيد {أنْتَ وزوْجُك} حواء {الجنَّة فَكلا مِنْ حيثُ شِئْتُما} وقال فى البقرة: {وكلا} بالواو، فالمعنى على الواو مطلق الأكل، وعلى الفاء الأكل المترتب على السكون الأول جنس، والثانى نوع ولا منافاة بين النوع أو الجنس. {ولا تَقْربا هذِه الشَّجرةَ} لا تأكلا منها، فنهاهما عن قربها مبلغة، والمراد بالشجرة نوع من الشجر، وذلك النوع الحنطة أو غيرها على ما مر، تقول: أصاب الناس الدينار والدرهم، تزيد الدنانير والدراهم، وقيل: شجرة واحدة معينة، وليس فى الجنة سواها من نوعها وهو المتبادر إلى الأفهام، وأخطأ من قال: إن آدم ظن أن النهى متعلق بشجرة واحدة معينة، فأكل من النوع فلم يعذر، ووجه خطئه أنه إنما أكل ليكون ملكا أو خالدا، فكيف يطلب الملكية والخلود بالأكل من غير ما كان النهى عن الأكل منه، لئلا يكون ملكا أو خالدا إلا أن يقال: أراد هذا القائل أنه أسير إلى النوع فى ضمن فرد، فتساهل فى غير الفرد، وهاء هذه بدل من الياء لتصغيره على ذيا، وقرأ ابن محيصن هذه الشجرة بالياء على الأصل {فتَكُونا} بالنصب فى جواب النهى قيل، أو بالجزم عطفا على تقربا وهو ضعيف من جهة المعنى. {مِنَ الظَّالمينَ} لأنفسهم بالذنوب، فصل الأشياء قبل ورود الشرع حكمها عندنا وعند معتزلة بغداد وابن أبى هريرة على الحصر أى المنع والتحريم، وعند الشيخ أبى يحيى زكريا بن أبى بكر ومعتزلة البصرة وطائفة من الحنفية والشافعية على الإباحة، واختاره الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم، وعند الأشعرى على الوقف، وذكر الثعالبى أنه إذا نزلت نازلة لم توجد فى كتاب الله ولا فى سنة نبيه ولا فى الإجماع، فبعض يحملها على الإباحة، لأن الله قد بين ما حرم فلم يكن ليدع محرما، ويخفى علينا تحريمه، وبعض يحملها على الحضر استبراء كيف تقدم على الإباحة بلا نص، وقد نص الله على أشياء فحللها، ولم يذكر تحليل النازلة. وبعض قال بالوقف عن حكم الله فيها ما هو، وبالنظر فيها، القياس وهو الصحيح، والعقل يحسن ويقبح عند عدم الشرع عندنا وعند المعتزلة إلا قليلا منهم، قالوا نفرض زمانا لا شرع فيه، أو رجلا نشأ فى موضع لم تبلغه الأحكام من أمر ونهى، أو نقدر آدم بعد هبوطه إلى الأرض قد ترك وعقله قبل أن يؤمر وينهى، قال بعض: يستحسن العقل حظر الأشياء عن ذلك حتى ترد الإباحة، لأن استباحتها تعد فى ملك الغير، وذلك قبيح فى حق المخلوق، فكيف فى حق الله الذى هو أعظم حرمة، واستثنى بعضهم التنفس والحركة. وقيل: يحسن العقل إباحتها، لأن التحكم فى ملك الغير بوجه لا ضرر فيه كالاستقلال بالحدرات مباح، فهو فى ملك الله أشد إباحة لأنا عبيده، ولعظم جوده، ولا يلحقه شىء من ذلك. قالت المالكية والشافعية والحنفية والحنبلية: لا يحسن العقل ولا يقبح، وعن بعضهم أن آدم قد توجهت عليه الأوامر والنواهى بعد الهبوط وقبله، فانه لما جرى الروح فى جسده عطس، وأمر أن يقول: الحمد لله، وقد قال له اسكن، وكُلْ ولا تقرب، قال فى السؤالات: خلق الله آدم بالغا صحيح العقل مكلفا للأمور منهيا، وقيل: كلما ركب فيه جزء من العقل كلفه ما قابل ذلك الجزء، وقيل: أبقيت له مهملة مثلنا.

اطفيش

تفسير : {وَيَا آدَمُ} أَى وقال: يا آدم لأَنه فى الآية قبل هذه، أَو وقلنا يا آدم كما فى البقرة لإِفادته التعظيم {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} حواء {الْجَنَّةَ} أَى دوما على سكناها أَو اجعلاها وطنا لا كقرار ومعبر، وذلك أَنه قال لهما: اسكن إِلخ، بعد كونهما فيها لأَنه توحش فيها فأَلقى الله عز وجل عليه النوم فخلقها منه، وقيل: خلقها الله منه قبل دخول الجنة فأَمرهما الله بدخولها وسكناها، وقيل خاطبه الله بالسكنى قبل خلقها، وعمها بالخطاب لعلمه بأَنه يخلقها، وعلى كل حال كانا فى الجنة بعد إِخراج إِبليس، ولم يقل: اسكنا أَنت وزوجك الجنة لأَن سكنى حواءَ تبع له بخلاف الأَكل من الجنة، وترك الشجرة فإِنهما فيه سواء، وكذا قال: يا آدم ولم يذكر حواءَ لأَنه أليق بالخطاب والوحى {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} على الفور وعلى التفريع فهو بيان الإِطلاق الجمع فى قوله: وكلا منها بالواو، وحيث المكان وهو نفس الشجرة أَى من أَى شجرة شئتما أَو حيث أَرض الجنة أَى فكلا من ثمار موضع ما من مواضع الجنة، ومن للابتداءِ لا كما قيل إِن المعنى فكلا من ثمارها فى أَى مكان شئتما الأَكل فيه {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} أَكد النهى عن الأَكل منها بالنهى عن قرب نفس الشجرة: شجرة الحنطة أَو العنب أَو غيرهما {فَتَكُونَا} عطف على تقربا، أَى فلا تكونا أَو منصوب فى جواب النهى {مِنَ الظَّالِمِينَ} لأَنفسكما كما قالا ربنا ظلمنا أَنفسنا.

الالوسي

تفسير : { وَيَـٰـئَادَمُ ٱسْكُنْ } أي وقلنا كما وقع في سورة البقرة [53] فهذه القصة بتمامها معطوفة على مثلها وهو قوله سبحانه: { أية : قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ } تفسير : [الأعراف: 11] على ما ذهب إليه غير واحد من المحققين، وإنما لم يعطفوه على ما بعد { أية : قَالَ } تفسير : [الأعراف: 18] أي قال يا إبليس اخرج ويا آدم اسكن لأن ذلك في مقام الاستئناف والجزاء لما حلف عليه اللعين وهذا من تتمة الامتنان على بني آدم والكرامة لأبيهم، ولا على ما بعد { أية : قُلْنَا } تفسير : [الأعراف: 11] لأنه يؤول إلى قلنا للملائكة يا آدم. وادعى بعضهم أن الذي يقتضيه الترتيب العطف على ما بعد {قَالَ } وبينه بما له وجه إلا أنه خلاف الظاهر، وتصدير الكلام بالنداء للتنبيه على الاهتمام بالمأمور به، وتخصيص الخطاب بآدم عليه السلام للإيذان بأصالته بالتلقي وتعاطي المأمور به. و{ٱسْكُنْ } من السكنى وهو اللبث والإقامة والاستقرار دون السكون الذي هو ضد الحركة، وقد تقدم الكلام في ذلك وفي قوله سبحانه: {أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ } وتوجيه الخطاب إليهما في قوله تعالى: {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا } لتعميم التشريف والإيذان بتساويهما في مباشرة المأمور به فإن حواء أسوة له عليه السلام في حق الأكل بخلاف السكنى فإنها تابعة له فيها ولتعليق النهي الآتي بهما صريحاً، والمعنى فكلا منها حيث شئتما كما في البقرة، ولم يذكر {رَغَدًا } هنا ثقة بما ذكر هناك. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } مبالغة في النهي عن الأكل منها وقرىء «هذي» وهو الأصل إلا أنه حذفت الياء وعوض عنها الهاء فهي هاء عوض لا هاء سكت. قال ابن جني: ويدل على أن الأصل هو الياء قولهم في المذكر: ذا والألف بدل من الياء إذ الأصل ذي بالتشديد بدليل تصغيره على ذيا وإنما يصغر الثلاثي دون الثنائي كما ومن فحذفت إحدى اليائين تخفيفاً ثم أبدلت الأخرى ألفاً كراهة أن يشبه آخره أخر كي. {فَتَكُونَا } أي فتصيراً {مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } أي الذين ظلموا أنفسهم، و {تَكُونَا } يحتمل الجزم على العطف على {تقربا } والنصب على أنه جواب النهي.

ابن عاشور

تفسير : الواو من قوله: {ويا آدم} عاطفة على جملة: {أية : أخرج منها مذءوماً مدحوراً}تفسير : [الأعراف: 18] الآية، فهذه الواوُ من المحكي لا من الحكاية، فالنّداء والأمرُ من جملة المقول المحكي يقال: أي قال الله لإبليس اخرج منها وقال لآدم {ويا آدم اسكن}، وهذا من عطف المتكلِّم بعض كلامه على بعض، إذا كان لبعض كلامه اتّصال وتناسب مع بعضه الآخر، ولم يكن أحدُ الكلامين موجّهاً إلى الذي وجّه إليه الكلام الآخَر، مع اتّحاد مقام الكلام، كما يفعل المتكلّم مع متعدِّدين في مجلس واحد فيُقبل على كل مخاطب منهم بكلام يخصه ومنه قول النبيّء صلى الله عليه وسلم في قضيّة الرّجل والأنصاري الذي كان ابنُ الرّجل عسيفاً عليه: «حديث : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله عزّ وجلّ أما الغنم والجارية فرَدٌ عليك وعلى ابنك جلدُ مائة وتغريب عام، واغْدُ يا أنَيْسُ على زوجة هذا فإن اعترفت فارْجُمْها»تفسير : ، ومن أسلوب هذه الآية ما في قوله تعالى: {أية : قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعْرِض عن هذا واستغفري لذنبك} تفسير : [يوسف: 28، 29] حكاية لكلام العزيز، أي العزيز عطفَ خطابّ امرأته على خطابه ليوسف. فليست الواو في قوله: {ويا آدم اسكن} بعاطفة على أفعال القَوْل التي قبلها حتّى يَكون تقدير الكلام: وقُلنا يا آدم اسكن، لأنّ ذلك يفيت النّكت التي ذكرناها، وذلك في حضرة واحدة كان فيها آدم والملائكة وإبليس حضوراً. وفي توجيه الخطاب لآدم بهذه الفضيلة بحضور إبليس بعد طرده زيادة إهانة، لأنّ إعطاء النّعم لمرضي عليه في حين عقاب من استأهل العقاب زيادة حسرة على المعاقَب، وإظهاراً للتّفاوت بين مستحقّ الإنعام ومستحقّ العقوبة فلا يفيد الكلام من المعاني ما أفاده العطف على المقول المحكي، ولأنّه لو أريد ذلك لأعيد فعل القول. ثمّ إن كان آدم خُلق في الجنّة، فكان مستقراً بها من قبل، فالأمر في قوله: {اسكن} إنّما هو أمر تقرير: أي أبق في الحنّة، وإن كان آدم قد خُلق خارج الجنّة فالأمر للإذن تكريماً له، وأيّاً مّا كان ففي هذا الأمر، بمسمع من إبليس، مقمعة لإبليس، لأنّه إن كان إبليس مستْقراً في الجنّة من قبل فالقمع ظاهر إذ أطرده الله وأسكن الذي تكبَّر هو عن السّجود إليه في المكان المشرّف الذي كان له قبل تكبّره، وإن لم يكن إبليس ساكناً في الجنّة قبلُ فإكرام الذي احتقره وترفع عليه قمع له، فقد دلّ موقع هذا الكلام، في هذه السّورة، على معنى عظيم من قمع إبليس، زائد على ما في آية سورة البقرة، وإن كانتا متماثلتين في اللّفظ، ولكن هذا المعنى البديع استفيد من الموقع وهذا من بدائع إعجاز القرآن. ووجد إيثار هذه الآية بهذه الخصوصية إنّ هذا الكلام مسوق إلى المشركين الذين اتخذوا الشّيطان ولياً من دون الله، فأمّا ما في سورة البقرة فإنّه لموعظة بني إسرائيل، وهم ممّن يحذر الشّيطان ولا يتّبع خطواته. والنّداء للإقبال على آدم والتّنويهِ بذكره في ذلك الملا. والإتيانُ بالضّمير المنفصل بعد الأمر، لقصد زيادة التّنكيل بإبليس لأن ذكر ضميره في مقام العطف يذكر غيره بأنّه ليس مثله، إذ الضّمير وإن كان من قبيل اللقب وليس له مفهومُ مخالفةٍ فإنّه قد يفيد الاحتراز عن غير صاحب الضّمير بالقرينة على طريقة التعريض ولا يمنع من هذا الاعتبار في الضمير كون إظهاره لأجل تحسينِ أو تصحيح العطف على الضّمير المرفوع المستتر، لأن تصحيحَ أو تحسين العطف يحصل بكلّ فاصل بين الفعل الرافع للمستتر وبين المعطوف، لا خصوص الضّمير، كأن يقال: ويا آدم اسكن الجنّةَ وزوجُك، فما اختير الفصل بالضّمير المنفصل إلاّ لما يفيد من التّعريض بغيره. وهذه نكتة فاتني العلم بها في آية سورة البقرة فضُمّها إليها أيضاً. والكلام على قوله: {اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} يعلم ممّا مضى من الكلام على نظيره من سورة البقرة. سوى أن الذي وقع في سورة البقرة (35) {أية : وكلا} تفسير : بالواو وهنا بالفاء، والعطف بالواو أعم، فالآية هنا أفادت أنّ الله تعالى أذن آدم بأن يتمتّع بثمار الجنّة عقب أمره بسكنى الجنّة. وتلك منّة عاجلة تؤذن بتمام الإكرام، ولما كان ذلك حاصلاً في تلك الحضرة، وكان فيه زيادة تنغيص لإبليس، الذي تكبّر وفضل نفسه عليه، كان الحال مقتضياً إعلام السّامعين به في المقام الذي حُكي فيه الغضب على إبليس وطردُه، وأما آية البقرة فإنّما أفادت السّامعين أنّ الله امتن على آدم بمنّة سكنى الجنّة والتّمتّع بثمارها، لأنّ المقام هنالك لتذكير بني إسرائيل بفضل آدم وبذنبه وتوبته، والتّحذير من كيد الشّيطان ذلك الكيد الذي هم واقعون في شيء منه عظيم. على أنّ آية البقرة (35) لم تخل عن ذكر ما فيه تكرمة له وهو قوله: {أية : رغداً} تفسير : لأنه مدح للمُمْتن به أو دعاء لآدم، فحصل من مجموع الآيتين عدة مكارم لآدم، وقد وزعت على عادة القرآن في توزيع أغراض القصص على مواقعها، ليحصل تجديد الفائدة، تنشيطاً للسّامع، وتفنّناً في أساليب الحكاية، لأنّ الغرض الأهمّ من القصص في القرآن إنّما هو العبرة والموعظة والتأسي. وقوله: {ولا تقربا هذه الشجرة} أشدّ في التّحذير من أن يُنهى عن الأكل منها، لأنّ النّهي عن قربانها سد لذريعة الأكل منها وقد تقدّم نظيره في سورة البقرة. والنّهي عن قربان شجرة خاصة من شجر الجنّة: يحتمل أن يكون نهي ابتلاء. جعل الله شجرة مستثناة من شجر الجنّة من الإذن بالأكل منها تهيئة للتكليف بمقاومة الشّهوة لامتثال النّهي. فلذلك جعل النّهي عن تناولها محفوفة بالأشجار المأذون فيها ليلتفت إليها ذهنهما بتركها، وهذا هو الظّاهر ليتكّون مختلف القوى العقليّة في عقل النّوع بتأسيسها في أصل النّوع، فتنتقل بعده إلى نسله، وذلك من اللّطف الإلهي في تكوين النّوع ومن مظاهر حقيقة الربوبيّة والمربوبيّة، حتى تحصل جميع القوى بالتدريج فلا يشقّ وضعها دفعة على قابليّة العقل، وقد دلّت الآيات على أن آدم لمّا ظهر منه خاطر المخالفة أكل من الشّجرة المنهي عنها، فأعقبه الأكلُ حدوث خاطر الشّعور بما فيه من نقايصَ أدركها بالفطرة، فمعناه أنّه زالت منه البساطة والسّذاجة. ويحتمل أن يكون ذلك لِخصوصيّة في طبع تلك الشّجرة أن تثير في النّفس علم الخير والشرّ كما جاء في التّوراة أنّ الله نهاه عن أكل شجرة معرفة الخير والشرّ، وهذا ــــ عندي ــــ بعيد، وإنّما حكى الله لنا هيئة تطوّر العقل البشري في خلقة أصل النّوع البشري نظيرَ صنعه في قوله: {أية : وعلّم آدم الأسماء كلّها} تفسير : [البقرة: 31]. والإشارة إلى شجرة مشاهدة وقد رويت روايات ضعيفة في تعيين نوعها وذلك ممّا تقدّم في سورة البقرة. وانتصب: {فتكونا} على جواب النّهي، والكون من الظّالمين متسبّب على القرب المنهي عنه، لا على النّهي، وذلك هو الأصل في النّصب في جواب النّهي كجواب النّفي، أن يعتبر التّسبّب على الفعل المنفي أو المنهي، بخلاف الجزم في جواب النّهي فإنّه إنّما يجزم المسبَّب على إنشاء النّهي لا على الفعل المنهي، والفرق بينهما: أنّ النّصب على اعتبار التسبب، والتسبب ينشأ عن الفعل لا عن الإخبار والإنشاء بخلاف الجزم فإنه على اعتبار الجواب، تشبيهاً بالشّرط، فاعتبر فيه معنى إنشاء النّهي تشبيهاً للإنشاء بالاشتراط. والمراد بــــ{الظّالمين} الذين يحقّ عليهم وصف الظلم: إما لظلمهم أنفسهم وإلقائها في العواقب السيّئة، وإمّا لاعتدائهم على حقّ غيرهم فإنّ العصيان ظلم لحقّ الربّ الواجب طاعته.

الواحدي

تفسير : {ويا آدم اسكن} سبق تفسيره في سورة البقرة. {فوسوس لهما الشيطان} أَيْ: حدَّث لهما في أنفسهما {ليبدي لهما} هذه اللام لام العاقبة، وذلك أنَّ عاقبة تلك الوسوسة أدَّت إلى أن بدت لهما سوآتهما، يعني: فروجهما بتهافت اللَّباس عنهما، وهو قوله: {ما ووري} أَيْ: سُتر {عنهما من سوآتهما} {وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة} أَيْ: عن أكلها {إلاَّ أن تكونا} "لا" ها هنا مضمرة، أَيْ: إلاَّ أن لا تكونا {ملكين} يبقيان ولا يموتان، كما لا تموت الملائكة. يدلُّ على هذا المعنى قوله: {أو تكونا من الخالدين}. {وقاسمهما} حلف لهما {إني لكما لمن الناصحين}. {فدلاهما بغرور} غرَّهما باليمين، ومعنى دلاَّهما: جَرَّأَهُما على أكل الشَّجرة بما غرَّهما به من يمينه {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما} تهافت لباسهما عنهما، فأبصر كلُّ واحدٍ منهما عورة صاحبه، فاستحييا {وطفقا يخصفان} أقبلا وجعلا يُرقِّعان الورق كهيئة الثَّوب ليستترا به {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إنَّ الشيطان لكما عدو مبين}. {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين}. {قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر} موضع قرار.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وزوجك: هي حواء التي خلقها الله تعالى من ضلع آدم الأيسر. الجنة: دار السلام التي دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإِسراء والمعراج. من الظالمين: أي لأنفسهم. فوسوس: الوسوسة: الصوت الخفي، وسوسة الشيطان لابن آدم إلقاء معانٍ فاسدة ضارة في صدره مزينة ليعتقدها أو يقول بها أو يعمل. ليبدي لهما ما ووري: ليظهر لهما ما ستر عنهما من عوراتهما. وقاسمهما: حلف لكل واحد منهما. فدلاهما بغرور: أي أدناهما شيئاً فشيئاً بخداعه وتغريره حتى أكلا من الشجرة. وطفقا يخصفان: وجعلا يشدان عليهما من ورق الجنة ليسترا عوراتهما. معنى الآيات: ولما طرد الرحمن إبليس من الجنة نادى آدم قائلاً له {وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ} أي حواء {ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} يعني من ثمارها وخيراتها، {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} أشار لهما إلى شجرة من أشجار الجنة معينة، ونهاهما عن الأكل منها، وعلمهما أنهما إذا أكلا منها كانا من الظالمين المستوجبين للعقاب، واستغل إبليس هذه الفرصة التي أتيحت له فوسوس لهما مزيناً لهما الأكل من الشجرة قائلاً لهما {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} {وَقَاسَمَهُمَآ} أي حلف لهما أنه ناصح لهما وليس بغاش لهما، {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} وخداع حتى أكلا {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ...} أي ظهرت لهما سواءتهما حيث انحسر النور الذي كان يغطيهما، فجعلا يشدان من ورق الجنة على أنفسهما ليستر عوراتهما، وهو معنى قوله تعالى {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} وعندئذ ناداهما ربهما سبحانه وتعالى قائلاً: ألم أنهكما عن هذه الشجرة وهو استفهام تأديب وتأنيب، {وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} فكيف قبلتما نصحه وهو عدوكما. هداية الآيات 1- سلاح إبليس الذي يحارب به ابن آدم هو الوسوسة والتزيين لا غير. 2- تقرير عداوة الشيطان للإِنسان. 3- النهي يقتضي التحريم إلا أن توجد قرينة تصرف عنه إلى الكراهة. 4- وجوب ستر العورة من الرجال والنساء سواء. 5- جواز الاقسام بالله تعالى، ولكن لا يحلف إلا صادقاً.

القطان

تفسير : الوسوسة: الصوت الخفي. وسوسة الشيطان: ما يجده الانسان في نفسه من الخواطر الرديئة الجنة: كل بستان ذي شجرٍ يستر الأرض. والآن، هل الجنة في الأرض خلاف الجنة الموعودة؟ في هذا خلاف كبير بين العلماء أما الشجر التي أكل منها أدم فلم يبين القرآن نوعها، ولم يردْ في حديث صحيح تفسير لحقيقتها. فدلاهما بغرور: خدعهما. قاسمهما: اقسم لها وحلف ليخدعهما. سواءاتهما: عوراتهما. يخصفان: يلزقان ورقة فوق ورقة. ما ووري عنهما: ما غُطي وستر. لا يزال الحديث متّصلاً في الكلام على النشأة الاولى للبشر. {وَيَا آدَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}. الجنة: هي التي خُلق فيها آدم، أما هو فقد خُلق من الأرض بنص القرآن الكريم. وقد تكررت قصة آدم في سبعة مواضع من القرآن الكريم. وجمهور المفسرين على انها جنة الجزاء التي وُعد بها المتّقون يوم القيامة. ولاخطاب لآدم. وهو: أُسكن انت وزوجُك حوّاء الجنة، وتنعّما بما فيها، فكُلا من أيّ طعام أردتما إلا هذه الشجرة (شجرة قد عينها الله لهما) فلا تقرباها حتى لا تظلما نفسَيكما بمخالفة اوامري. {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ...}. فزيّن لهما الشيطانُ مخالفة أمر الله، حتى اذا أكلا منها انكشفت عورتُهما. وقال الشّيطان لهما: إنما نهاكُما ربُّكما عن الأَكل من هذه الشجرة حتى لا تكونا ملَكَين، أو من الخالدِين الّذين لا يموتون أبدا. {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} وأقسم لهما أنه ناصح لهما فيما رغّبهما فيه من الأكل من تلك الشجرة. {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ}. فما زال يخدعهما بالترغيب في الأكل حتى أطاعاه، فلمّا ذاقا طعمها انكشفت لهما عورتُهما، فخجِلا وجعلا يجمعان بعض أوراق الشجر من الجنة ليستُروا بها عوارتهما. فعاتبه الله تعالى على عصيانه أمره، وإطاعتِه للشيطان فقال: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ}. وناداهما ربهما منّبهاً لهما على خطئهما، ومعاتباً لهما قائلاً: ما نَهَيتُكما عن ان تقربا هذه الشجرةَ وقلتُ لكما إن الشيطان لا يريد لكما الخير فان أطعتُماه أخرجكما من الجنة الى حيث الشقاء والتعب! عند ذاك قال آدم وزوجته نادمَين متضرعَين: يا ربّنا، لقد ظلمنا أنفسَنا بمخالفة امرك، وإن لم تغفر لنا ما فعلناه لنكونَنَّ من الخاسرين. {قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}. قال الله لآدم وزوجته حواء، وللشيطان، اهبطوا من هذه الجنة جيمعا، الى الأرض هناك سيكون استقرارٌ وبقاء الى زمن مقدَّر في علم الله، وهو الأجل الذي تنتهي فيه أعماركم. كما ان لكم فيها متاعاً تنتفعون به في معاشكم. ثم فصّل ذلك بقوله: {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}. أي أنكم في هذه الأرض التي خُلقتم منها تولَدون وتعيشون، وفيها تموتون وتُدفون، ومن هذه الأرض تُخرجون عند البعث، كما قال تعالى في سورة طه: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ}. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان وخلف ويعقوب: "تخرجون" بفتح التاء وضم الراء، والباقون "تخرجون" بضم التاء وفتح الراء.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَيَآءَادَمُ} {ٱلظَّالِمِينَ} (19) - وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لآِدَمَ: اسْكُنْ يَا آدَمُ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ، وَأَبَاحَ لَهُمَا أَنْ يَأْكُلاَ مِنْ جَمِيعِ ثِمَارِهَا، إِلاَّ شَجَرَةً وَاحِدَةً نَهَاهُمَا اللهُ عَنِ الاقْتِرَابِ مِنْها، وَقَالَ لَهُمَا إِنَّهُمَا إِذَا اقْتَرَبَا مِنْهَا وَأَكَلا مِنْ ثَمَرِهَا، كَانَا مِنَ الظَّالِمِينَ لأَِنْفُسِهِمْ. وَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ ذلِكَ الصَّنِيعَ الجَمِيلَ مِنَ اللهِ بِآدَمَ وَزَوْجِهِ، أَخَذَهُ الحَسَدُ وَالغَيْرَةُ، وَسَعَى، بِالمَكْرِ وَالوَسْوَسَةِ، لِيَسْلبَهُما مَا هُمَا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، وَاللِّبَاسِ الحَسَنِ.

الثعلبي

تفسير : {وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ} يعني إليهما ومعناه فحدث إليهما {ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} يعني ليظهر لهما ما غطى وستر عنهما من عوراتهما، وقال وهب: كان عليهما نور لا يرى سوءاتهما ثمّ بين الوسوسة {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا} ياآدم وحواء {رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} يعني إلاّ أن تكونا وكراهيّة أن يكونا من الملائكة يعملان الخير والشر. وقرأ ابن عباس والضحاك ويحيى بن أبي معين: ملكين بكسر اللام من الملك أخذوها من قوله {أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} تفسير : [طه: 120]. {أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} من الباقين الذين لا يموتون {وَقَاسَمَهُمَآ} أي أقسم وحلف لهما، وقاسم من المفاعلة أي يختصّ الواحد مثل المعافاة المعاقبة والمناولة. قال خالد بن زهير: شعر : وقاسمهما بالله جهداً لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها تفسير : قال قتادة: حلف لهما بالله عزّ وجلّ حتّى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله فقال: إني خُلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما، وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : المؤمن غر كريم، والفاجر خبُّ لئيم ". تفسير : [وحدّثنا] أبو القاسم الحبيبي في بعضها. قال: أنشدنا أبو الحسن المظفّر بن محمد بن غالب قال: أنشدنا نفطويه: شعر : إن الكريم إذا تشاء خدعته وترى اللئيم مجرباً لا يخدع تفسير : {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} يعني فخدعهما يقال: ما زال فلان يدلي لفلان يعرّفُة، يعني مازال يخطّئه ويكلّمه بزخرف القول الباطل، وقال مقاتل: فزين لهما الباطل. وقال الحسن بن الفضل: يعني تعلقهما بغرور، يقال: تدلي بنفسه ودلى غيره. ولا يكون التدلّي إلاّ من علو إلى أسفل، وقيل أصله دللهما فأبدل من إحدى اللامات ياء، كقوله: [تمطّى] و[دسّاها]، وقال أبو عبيدة: دلّيهما أخذ لهما وكلاهما من تدلين الدلو إذا أرسلتها في البئر لتملأها {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ} أكلا منها ووصل إلى بطنيهما {بَدَتْ} ظهرت {لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} عوراتهما وتهافت عنهما لباسهما حتّى أبصر كل واحد منهما ما ورى عنه من عورة صاحبه وكانا لا يريان ذلك. قال قتادة: كان لباس آدم وحوّاء في الجنّة ظفر أكله فلما واقعا الذنب كشط عنهما وبدت سوءاتهما فأستحيا {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ} [يوقعان] ويشدان [ويمزّقان ويصلاّن] {عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} وهو ورق التين حتّى صار بهيئة الثوب ومنه خصف النعل. وروى أُبي بن كعب: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان آدم رجلاً [طوّالا] كأنّه نخلة (سحوق) كثير شعر الرأس فلمّا وقع في الخطيئة بدت له سوءاته وكان لا يراها فانطلق هارباً في الجنّة فعرضت له شجرة من شجر الجنّة فَحَسِبَهُ بشر. فقال: أرسلني، قالت: لست بمرسلتك، فناداه ربّه يا آدم أمنّي تفر، قال: لا يا رب ولكنّي أستحيي منك ". تفسير : وقال ابن عباس وقتادة: قال الله عزّ وجلّ لآدم: ألم يكن لك فيما أبحته ومنحته لك من الجنّة [مندوحة] من الشجرة، قال: على عهدي ولكن ما ظننت أن أحداً من خلقك يحلف بك كاذباً، قال: فبعزّتي لأُهبطنّك إلى الأرض ثمّ لا تنال العيش [إلاّ نكداً] فاهبطا من الجنّة، فكانا يأكلان رغداً إلى غير رغد من طعام وشراب، تعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وزرع ثمّ سقى حتّى إذا بلغ حصد ثمّ طحنه ثمّ عجنه ثمّ خبزه ثمّ أكل ثمّ بلعه حتّى بلغ منه ما شاء الله أن بلغ {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا} الآية، قال محمد بن قيس: ناداه ربّه يا آدم لم أكلت منها وقد نهيتك قال: يارب أطعمتني حواء، قال لحواء: لم أطعمتيه قالت: أخبرتني الحيّة، قال للحيّة: لِمَ أمرتيها؟ قالت: أمرني [إبليس] فقال الله عزّ وجلّ: أمّا إنّكِ ياحوّاء فكما أدميت الشجرة [فسأُدميكِ]، وأمّا أنتِ ياحيّة فاقطع قوائمك فتمشين جهتيّ الماء على وجهك وسيدفع رأسك من لقيك، وأمّا أنتَ يا إبليس فملعون مدحور. {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} ضررناها بالمعصية {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} الهالكين {قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ} يعني في الأرض {وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ويعاود القرآن الحديث عن آدم بعد تناول مسألة إبليس فيقول: {وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}. كثير من العلماء تواتر نقل العلم عندهم إلى أن الجنة هي جنة الآخرة والخلود، واعترض البعض متسائلين: كيف يدخل إبليس جنة الخلود؟. وكيف يخرج منها؟. وهل الذي يدخل الجنة يخرج منها؟. وهؤلاء العلماء الذي قالوا: إن الجنة هي جنة الآخرة، لم يفطنوا إلى مدلول كلمة "جنة"؛ فساعة تطلق كلمة جنة، تأخذ ما يسمى في اللغة "غلبة الاستعمال"، أي تأخذ اللفظ من معانيه المتعددة إلى معنى واحد يستقل به عرفاً، بحيث إذا سُمع انصرف الذهن إليه، فأنت إذا سمعت يا مؤمن كلمة الجنة ينصرف ذهنك إلى جنة الآخرة؛ لأنها هي التي تُعتبر جنة بحق، لكن حينما يأتي اللفظ في القرآن والمتكلم هو الله، فلابد أولاً أن ندرس اللفظ واستعمالاته في اللغة؛ لأن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فمن الجائز أن يوجد اللفظ في اللغة وله معانٍ متعددة. وعندما يتعلق الأمر بالدين والفقه فإننا نأخذ اللفظ من معناه اللغوي، ونجعله ينصرف إلى المعنى الشرعي الاصطلاحي. مثال ذلك كلمة "الحج" فأنت ساعة تسمع كلمة "الحج" تقول: هو قصد بيت الله الحرام للنسك والعبادة في أشهر معلومة، على الرغم من أن "الحج" في اللغة هو القصد، فإذا قصدت أي شيء تقول: حججت إليه. فلما جاء الإِسلام أخذ هذا اللفظ من اللغة واستعمله في الحج بالمعنى الشرعي، وهو قصد البيت الحرام للنسك، وكذلك كلمة "الصلاة" إنها في اللغة الدعاء، فقوله تعالى: {وصلِّ عليهم} أي ادع لهم، ولما جاء الإِسلام أخذ الكلمة من اللغة، وجعلها تطلق على معنى اصطلاحي جديد بحيث إذا أطلق انصرفت إليه، وهي الأقوال والأفعال المخصوصة، المبدوءة بالتكبير المختومة بالتسليم بشرائطها الخاصة. ولكن هل معنى أننا أخذنا اللفظ من اللغة وجعل له الشرع معنىً اصطلاحيًّا أن هذا يكون تركاً لمعناه الأصلي؟. لا؛ لأنك إن أردت أن تستعمله في معناه الأصلي فلك ذلك، ولكنك تحتاج إلى قرينة تدل على أنك لا تريد الصلاة الشرعية لأن كلمة "صلاة" أصبحت هي الصلوات الخمس المعروفة لنا، مع أن معناها الأصلي كان الدعاء، وهذا هو ما جعل العلماء يذهبون إلى أن كلمة "الجنة" ساعة تُطلق ينصرف الذهن إلى جنة الخلود. ونقول: المعنى اللغوي للجنة أنها المكان الذي فيه أشجار غزيرة ومتنوعة، أما غزارتها وعلوها فتستر الإِنسان وتُجِنّه عن كل ما حوله، وأما ما فيها من الثمار والضروريات والكماليات فلأنها تستر الإِنسان عن خارجها ويكتفي بأن يكون فيها، والقرآن لم يجيء بالجنة بمعنى جنة الخلد فقط، بل يقول أيضاً: {أية : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} تفسير : [البقرة: 266] وكذلك يقول سبحانه: {أية : وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً} تفسير : [الكهف: 32] وقوله الحق: {أية : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} تفسير : [سبأ: 15] وأقول: إن علينا أن نبحث في آفاق مرادات الله حين يُعْلمنا من لدنه ويقفنا على المعنى المراد، إننا نعلم أن أول بلاغ نزل من الله بخصوص آدم أخبرنا فيه أنه قد خلق آدم خليفة في الأرض: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً...} تفسير : [البقرة: 30] إذن فآدم مخلوق للأرض، ولا تظلموا آدم وتقولوا إنه مخلوق للجنة، وكنا سنعيش فيها لكنه عصى وأنزلنا إلى الأرض. لذلك نقول: لا، وعلينا أن نتذكر أن أول بلاغ من الله عن آدم أنه جعله في الأرض خليفة. والذي كان يجب أن نسأل عنه: ما دام قد جعله الله خلفية في الأرض فما الذي جاء بحكاية الجنة هذه؟! لقد خلق الله آدم ليكون خليفة في الأرض، وكان عليه أن يتلقى من الله التكاليف محصورة في "افعل" و "لا تفعل"؛ لأنك إن لم تمتثل سيظهر الفساد في المجتمع، أما الذي لا يظهر منه فساد فسبحانه يتركه مباحاً؛ لذلك فكل ما لم يرد فيه "افعل" و "لا تفعل" لا يفسد به المجتمع. إذن فـ "افعل" و "لا تفعل" هي مقياس ضمان الصلاح في الأرض. وهل خلق الله الإِنسان هكذا بدون منغصات تفسد عليه منهج الله؟. لا، فمادام الشيطان قد وقف هذا الموقف مع آدم، وقال أنا سأغوي؛ فسيزين لك في "افعل"، و"لا تفعل" ويأتيك الأمر بالصلاة فينزغك الشيطان حتى لا تصلي. ويأتيك الأمر ألا تشرب الخمر فيزين لك الشيطان أن تشربها، ويحاول أن ينقل مجال "افعل" إلى مجال "لا تفعل"، وكذلك يحاول أن يزين لك "أن تفعل" ما هو في مجال "لا تفعل" فترتبك حركتك. إن الحق سبحانه يريد منهجاً يحكم حركة الحياة، ويضمن للخلافة في الأرض أن تؤدي مهمتها أداءً يسعد الإِنسان فيها في الدنيا وينعم في الآخرة؛ لذلك كان لابد أن يدرب الحق سبحانه خليفته في الأرض على المنهج؛ حتى لا يتلقى المنهج تلقيًّا نظريًّا، لذلك شاء الحق سبحانه وتعالى ألاّ يجعل آدم يباشر مهمة الخلافة إلا بعد أن يعطيه تدريباً على المهمة في "افعل" و"لا تفعل". وحذره من العقبات التي تعترض "افعل"؛ حتى لا تجيء في منطقة "لا تفعل"، وكذلك من العقبات في منطقة "لا تفعل" حتى لا تجيء في منطقة "افعل"، واختار له مكاناً فيه كل مقومات الحياة وترفها حتى لا يتعب في أي شيء أبداً في أثناء التدريب، وأوضح له أن هذه هي الجنة وهي بستان جميل وفيه كل مقومات الحياة وترفها، وأمره: كُلْ من كل شيء فيها، ولكن لا تقرب هذه الشجرة. "كل" هذا هو الأمر، و"لا تقرب" هذا هو النهي. وأوضح سبحانه لآدم أن الذي سيعكر عليه تطبيق منهج الله هو العدو الذي ثبتت عداوته إنّه "إبليس"؛ لأنه حين امتنع عن السجود لآدم تلقى الطرد واللعنة فأقسم وقال: {أية : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] كأن الحق سبحانه وتعالى جعل الجنة كمكان فيه كل مقومات الحياة لآدم بصنع الله- سبحانه- وإعداده، وأعطى له منها القدر الذي يعطي المقوم فلا فضلات تتعبه، ولا ينفخ ولا يعاني من متاعب في الصحة... إلخ؛ لأنه سبحانه يعطي لآدم القدر المقوم. وسبحانه قادر على كل شيء بدليل أنه يرعى الجنين في بطن أمه، والجنين ينمو، والنمو معناه أنه يتلقى الغذاء، ولا يخرج منه فضلات؛ لأن الغذاء الذي يدخله الله له على قدر النمو فقط، وحين يكون ربنا هو الذي يمد جنة التدريب بالغذاء، فهو قادر على كامل الإِعداد. إذن فالجنة التي وُجد فيها آدم بداية ليست هي جنة الجزاء؛ لأن جنة الجزاء لابد أن تأتي بعد التكليف. ولا يمكن أن يكون فيها تكليف، ومن يسكنها لا يخرج منها. وآدم- كما علمنا- مخلوق للأرض، إذن وجود الجنة هنا يعني أنها مكان التدريب على المهمة في الخلافة أمراً متمثلاً في {فَكُلاَ}، ونهياً متمثلاً في {وَلاَ تَقْرَبَا}، لم يقل لهما: لا تأكلا، بل قال: {وَلاَ تَقْرَبَا} لأن القِربان مظنة أنه يؤدي إلى الغواية ويدفع إليها. وهو قد أكل منها لأنه جاء ناحيتها واقترب منها، ولو كان قد استمع ولم يقرب لما أكل منها. فكأن الله جعل لآدم في جنة التدريب والتمرين رمزين: الرمز الأول: لـ"افعل"، والرمز الثاني: لـ "لا تفعل"، ونجد أن الذي نهى الله عنه قليل بالنسبة لما أباحه وأمر به. وهذا من رحمة الله بالعباد، فيفعل المؤمن ما يؤمر به، ولا يحوم حول ما حرمه الله؛ لأنه لا يأمن حين يرى ما حرم الله أن تميل نفسه إليه، ولذلك قال: {وَلاَ تَقْرَبَا} فلو أنهما لم يقربا ما كانت الشجرة تغريهما بأي منظر. ولذلك في كثير من الأشياء التي يحرمها الحق سبحانه وتعالى وفي قمتها ما يصون ويحفظ العقيدة الأساسية، يقول بعدم الاقتراب أو الاجتناب، فسبحانه هو القائل: {أية : ...فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} تفسير : [الحج: 30] ولم يقل: "لا تعبدوا الأوثان"، بل قال: "فاجتنبوا"، والشأن في "الخمر" أيضاً جاء بالاجتناب. لكنّ بعضاً من السطحيين يقولون: لم يرد في الخمر تحريم بل قال بالاجتناب، ونقول: الاجتناب أقوى من المنع ومن التحريم، لأن غاية التحريم أن يمنعك من شرب الخمر. لكن الاجتناب يقتضي ألا تذهب ناحيتها، ولا تقعد في المكان الذي توجد فيه، ولا تعصرها ولا تحملها. {...وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأعراف: 19] والظلم هو تجاوز الحد أو إعطاء الشخص غير حقه، ويوضح سبحانه: أنا لم أجعل لكما حقا في أن تقربا ناحية هذه الشجرة، فإن قربها أي منكما، فهو قد خالف ما شرعته لكما،{فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} اي لا تدخلا في اطار من يظلمون أنفسهم لأن الله لا يظلم أحداً، وأنت تظلم نفسك لأنك تعطي نفسك شهوة قليلة في زمن يسير، وبعد ذلك تأخذ عقابها عذاباً أليماً في زمن طويل وبشكل أشد. وهذا ظلم لنفسك، كما أنه دليل على أنك غير مأمون عليها. ويقول الحق بعد ذلك: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ...}

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما طرد سبحانه إبليس حين امتنع عن السجود قال لآدم اختباراً وابتلاء وتوصية لحفظ مرتبته: {يَآءَادَمُ} المكرم المسجود {ٱسْكُنْ أَنتَ} بمتابعة عقلك الموهوب لك من العقل الكلي {وَزَوْجُكَ} بمتابعة نفسها الفائظة عليها من النفس الكلية {ٱلْجَنَّةَ} التي هي مقر أهل التوحيد، ومنزل أهل الولاء والتجريد من أرباب الوصول الفائزين بشرف القبول {فَكُلاَ} منها، واحظاظا من لذاتها الروحانية من حقائقها ومعارفها وشهوداتها وكشوفاتها رغداً {مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} التي هي من أغذية نفوسكم وأهوية هوياتكم {فَتَكُونَا} بتقربها وتناولها {مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأعراف: 19] الخارجين عن مقتضى أمرنا وحكمنا المستحقين لطردنا ومقتنا. {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} أي: أوقعهما في الدغدغة بأمر الشجرة، وإن كان وسوسة أيضاً عن مقتضيات الحكمة المتقنة الإلهية، بعدما وصاهما الحق سبحانه ونهاهما عنه، وليس غرضه إلا نزع لباس الصيانة والتقوى عنهما {لِيُبْدِيَ} أي: يظهر {لَهُمَا مَا وُورِيَ} أي: غطي وسرت {عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} التي هي مقتضيات بشريتهما وهويتهما الباطلة {وَ} بعدما أشربهما الوسوسة {قَالَ} على وجه الشفقة والنصيحة وإرادة الخير: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ} المباركة المزكية عنكم لوث بشريتكم {إِلاَّ} كراهة {أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} بتناولهما {أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20] فيها. {وَ} بعدما نصحهما وأشفقهما وسمعا منه ما سمعا {قَاسَمَهُمَآ} أي: بادر إلى القسم تأكيداً وترويجاً لقوله إياهما قائلاً: {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] المشفقين المريدين خيركما. {فَدَلاَّهُمَا} أي: أسقطهما عن معالي العز إلى مهاوي الذل {بِغُرُورٍ} غرهما به على وجه الانتقام {فَلَمَّا} سمعا قوله وقبلا غروره {ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ} مطمعين على ما أغراهما إليه من الشرف والخلود، وبعدما ذاقا منها {بَدَتْ} ظهرت {لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} عوراتهما؛ إذ نزع عنهما لباس التقوى وثياب العصمة {وَ} بعدما نزع لباسهما ظهر سواءتهما {طَفِقَا} أخذا {يَخْصِفَانِ} يلصقان ويلزقان {عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ} أشجار {ٱلْجَنَّةِ} قيل: هي التينة، وقيل: الكرمة {وَ} بعدما ما بدا منهما ما بدا {أَلَمْ أَنْهَكُمَا} موبخاً مقرعاً: {نَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ} أيها المعتديان المسرفان {عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} [الأعراف: 22] ظاهر العداوة، فلم تسمعا قوله، وتتبعا أمره؟ فلما سمعا من ربهما ما سمعا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن إعزاز آدم وإسكانه في الجنة بعد طرد إبليس ولعانه بقوله تعالى: {وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} الأعراف: 19] إلى: {عَدُوٌ مُّبِينٌ} [الأعراف: 22]، الإشارة فيها: أن الخطاب مع آدم عليه السلام بقوله تعالى: {وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} إنما كان خطاب الابتلاء والامتحان، والنهي نهي التعزز والدلالة كأنه قال: يا آدم أتيحت لك الجنة وما فيها إلا هذه الشجرة، فإنها شجرة المحبة، والمحبة مطية المحنة، اسكن أنت وزوجك الجنة اسكن إليها وإنما خلقتها لتسكن إليها، {فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} [الأعراف: 19] من أنهار الجنة وأشجارها ونعمتها بنعيمها وأزهارها {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} [الأعراف: 19] شجرة المحبة احترازاً عن المحنة. {فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأعراف: 19] على أنفسكما؛ لأن للمحبة ناراً ونوراً، فمن لم يرد نارها لم يجد نورها، ومن يرد نورها تحترق بنارها منه أنانيته وما هو به هو فيبقى بهوية ربه، فهاهنا يجد نور المحبة ويتنور به كقوله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54] فشجرة المحبة غرسها الرحمن بيده لأجل آدم كا خمر طينة آدم بيده لأجل هذه الشجرة، وإن منعه منها كان تحريضاً على تناولها، فإن الإنسان حريص على ما منع ولم تكن الشجرة طعمة لغير آدم وأولاده، فلمَّا ابتلى آدم بهذا الخطاب وامتحن جوهرة بترك هذه الطعمة المخصوصة والالتفات بغيرها؛ ليظهر أنه خلق لها وهي خلقت له سكنت نفس آدم إلى حواء إلى الجنة وما فيها إلا إلى الشجرة المنهي عنها؛ لأنها كانت مشتهى لقلب أعداؤه فما كان للنفس فيها حظ، ولم يسكن قلبه إلى شيء منها إلا إلى هذه الشجرة ولا يزال يزداد توقانه إليها فيقصدها ويمنعه النفس عنها وتمسك في منعه بحبل النهي. وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} [الأعراف: 19]؛ حتى أعنى القلب، {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} [الأعراف: 20] من الكمال والنقصان فيهما، {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} [الأعراف: 20]؛ يعني: إذ لا يتناولان من شجرة المحبة يكونان من أهل العلو كالملكين في زوايا الجنة، {أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20]؛ يعني: الذي هم خلقوا في الجنة كالحور ورضوان خزَّان الجنان وغيرهم، فأثر بعض هذا في قلب آدم وتنسم منه رائحة الأنس بمسام الروح؛ إذ كان قلبه وروحه متعطشين إلى دلال ذلك الجمال وكان ورد وقتهما ما قيل: شعر : واللهَ ما طلعت شمس ولاغربت إلا وأنت مني قلبي ووسواسي ولا جلست إلى قوم أحدثهم إلا وأنت حديثي بين جلاسي ولا هممت بشرب الماء من عطش إلا رأيت خيالاً منك في الكأس تفسير : فتساكر القلب وغاب النفس في عزم على التناول فداخله خوف البشرية ولامته النفس اللوامة فكاد القلب أن يهن في الغرم وتذكر النهي فسقاه إبليس كأس القسم شراب ذكر الحبيب. {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21]، فسكر القلب واشتد شوقه وعرف أن هذا كلام حق وصدق يريد به باطل، وإن لم تشعر نفسه بهذه الحقيقة، {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} [الاعراف: 22]؛ أي: فغرهما بالله وشكرهما بذكره وشوقهما إليه، فلمَّا استغرق آدم في بحر الشوق تاق إلى الذوق فنسي النهي وتناول الشجرة، {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ} [الأعراف: 22] فلمَّا ذاقا المحبة وجد ذوقها، {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} [الأعراف: 22]؛ أي: بدت لهما نار المحبة قبل نورها، وهي التي تبدي سوآتهما للمحنة الفرقة بين الأحبة في البداية، وتظهر كمالات القرية والوصلة في النهاية، وهي ما روي عنهما، فأخرجت منهما التاج والإكليل والحلة وكل حلي وزينة دنيوية وأخروية، وأخرجا من الجنة ونادى كل شجر وورق وثمر على آدم بلسان الملامة {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}تفسير : [طه: 121]. {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} [الأعراف: 22]؛ أي: لاشتمال فائدة المحبة كانا يجعلان كل نعيم الجنة على ناديهما، فكما التهبت احترقت بلظى نار حبة الوصلة بينهما، ونعق غراب البين بالفرقة بينهما، فراحت الراحة وأبدل الروح بالنوح، فقال: شعر : فبينما نحن في لهو وفي طرب بدا سحاب فراق صوبه هطل وإن من كنت مشغوفاً بطلعته مضى وأقعر منه الرسم والطلل فالصبر مرتحم والوجد متصل والدمع منهم والقلب مشتغل تفسير : {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ} [الأعراف: 22] نداء الكبرياء والعزة، {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ} [الأعراف: 22]، فإنه تذل العزيز وتزيل النعيم وتذهب بالطرب وتأتي بالتعب {وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} [الأعراف: 22]؛ أي: هو مبين بالعداوة لكما صداقة مخفية تظره ولو بعد حين، فلما نادهما بالعتاب حل بهما من سطوة الخطاب ما حل: شعر : واخَجلَتي مِن وُقوفي وَسطَ دارِكُم وَقولِ واشيكُمُ مَن أَنتَ يا رَجُلُ تفسير : وانغسل بماء الخجل منهما رعونات البشرية، ولوث العجب وأنحرقت حجب الأنانية، وانكشفت ألطاف الألوهية فرجعا عما كان عليه، وطمعاً فيما لديه عن إنابة أنانيتهما بقوله تعالى: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} [الأعراف: 23] إلى {أية : تُخْرَجُونَ}تفسير : [الأعراف: 25]، الإشارة فيها: أن آدم عليه السلام لمَّا استغرق في لجة بحر المحبة، وضاقت عليه الأرض بما رحبت قد علم أنه لا ملجأ إلا إليه وكذا حواء رجعا إليه. {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} [الأعراف: 23] بأنا تناولنا من شجرة المحبة فوقعنا في شبكة المحنة تفنينا عن الوصال ولا المحنة بالزوال، { وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا} [الأعراف: 23] بنوال الوصال، {وَتَرْحَمْنَا} بتجلي الجمال، {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، الذين خسروا الدنيا والعقبى ولم يظفروا بالمولى، فأدركتهما العناية واستقبلتهما الهداية، وأمر بالصبر على الهجر ووحدا بالوجود بعد الفقر.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: أمر اللّه تعالى آدم وزوجته حواء، التي أنعم اللّه بها عليه ليسكن إليها، أن يأكلا من الجنة حيث شاءا ويتمتعا فيها بما أرادا، إلا أنه عين لهما شجرة، ونهاهما عن أكلها، واللّه أعلم ما هي، وليس في تعيينها فائدة لنا. وحرم عليهما أكلها، بدليل قوله: { فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } . فلم يزالا ممتثلَيْن لأمر اللّه، حتى تغلغل إليهما عدوهما إبليس بمكره، فوسوس لهما وسوسة خدعهما بها، وموه عليهما وقال: { مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ } أي: من جنس الملائكة { أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ } كما قال في الآية الأخرى: {أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى } . تفسير : ومع قوله هذا أقسم لهما باللّه { إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ } أي: من جملة الناصحين حيث قلت لكما ما قلت، فاغترا بذلك، وغلبت الشهوة في تلك الحال على العقل. { فَدَلاهُمَا } أي: نزلهما عن رتبتهما العالية، التي هي البعد عن الذنوب والمعاصي إلى التلوث بأوضارها، فأقدما على أكلها. { فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا } أي: ظهرت عورة كل منهما بعد ما كانت مستورة، فصار للعري الباطن من التقوى في هذه الحال أثر في اللباس الظاهر، حتى انخلع فظهرت عوراتهما، ولما ظهرت عوراتهما خَجِلا وجَعَلا يخصفان على عوراتهما من أوراق شجر الجنة، ليستترا بذلك. { وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا } وهما بتلك الحال موبخا ومعاتبا: { أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ } فلم اقترفتما المنهي، وأطعتما عدوَّكُما؟ فحينئذ مَنَّ اللّه عليهما بالتوبة وقبولها، فاعترفا بالذنب، وسألا من اللّه مغفرته فقالا { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } أي: قد فعلنا الذنب، الذي نهيتنا عنه، وأضررنا أنفسنا باقتراف الذنب، وقد فعلنا سبب الخسار إن لم تغفر لنا، بمحو أثر الذنب وعقوبته، وترحمنا بقبول التوبة والمعافاة من أمثال هذه الخطايا. فغفر اللّه لهما ذلك {أية : وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى }. تفسير : هذا وإبليس مستمر على طغيانه غير مقلع عن عصيانه فمن أشبه آدم بالاعتراف وسؤال المغفرة والندم والإقلاع - إذا صدرت منه الذنوب - اجتباه ربه وهداه. ومن أشبه إبليس - إذا صدر منه الذنب لا يزال يزداد من المعاصي - فإنه لا يزداد من اللّه إلا بُعْدًا.