Verse. 974 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

فَوَسْوَسَ لَہُمَا الشَّيْطٰنُ لِيُبْدِيَ لَہُمَا مَا وٗرِيَ عَنْہُمَا مِنْ سَوْاٰتِہِمَا وَقَالَ مَا نَہٰىكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ ہٰذِہِ الشَّجَرَۃِ اِلَّاۗ اَنْ تَكُوْنَا مَلَكَيْنِ اَوْ تَكُوْنَا مِنَ الْخٰلِدِيْنَ۝۲۰
Fawaswasa lahuma alshshaytanu liyubdiya lahuma ma wooriya AAanhuma min sawatihima waqala ma nahakuma rabbukuma AAan hathihi alshshajarati illa an takoona malakayni aw takoona mina alkhalideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فوسوس لهما الشيطان» إبليس «ليبدي» يظهر «لهما ما ووري» فوعل من الموارة «عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربُّكما عن هذه الشجرة إلا» كراهة «أن تكونا مَلَكَيْنِ» وقرئ بكسر اللام «أو تكونا من الخالدين» أي وذلك لازم عن الأكل منها في آية أخرى (هل أدلك على شجرة الخلد ومُلك لا يبلى).

20

Tafseer

الرازي

تفسير : يقال: وسوس إذا تكلم كلاماً خفياً يكرره، وبه سمي صوت الحلي وسواساً وهو فعل غيرمتعد كقولنا: ولولوت المرأة،وقولنا: وعوع الذئب، ورجل موسوس بكسر الواو ولا يقال موسوس بالفتح، ولكن موسوس له وموسوس إليه، وهو الذي يلقي إليه الوسوسة، ومعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ووسوس إليه ألقاها إليه، وههنا سؤالات: السؤال الأول: كيف وسوس إليه وآدم كان في الجنة وإبليس أخرج منها. والجواب: قال الحسن: كان يوسوس من الأرض إلى السماء وإلى الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى له، وقال أبو مسلم الأصفهاني: بل كان آدم وإبليس في الجنة لأن هذه الجنة كانت بعض جنات الأرض، والذي يقوله بعض الناس من أن إبليس دخل في جوف الحية ودخلت الحية في الجنة فتلك القصة الركيكة مشهورة، وقال آخرون: إن آدم وحواء ربما قرباً من باب الجنة، وكان إبليس واقفاً من خارج الجنة على بابها، فيقرب فيقرب أحدهما من الآخر وتحصل الوسوسة هناك. السؤال الثاني: أن آدم عليه السلام كان يعرف ما بينه وبين إبليس من العداوة فكيف قبل قوله. والجواب: لا يبعد أن يقال إن إبليس لقي آدم مراراً كثيرة ورغبه في أكل الشجرة بطرق كثيرة فلأجل المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثر كلامه في آدم عليه السلام. السؤال الثالث: لم قال: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ }. والجواب: معنى وسوس له أي فعل الوسوسة لأجله والله أعلم. أما قوله تعالى: {لِيُبْدِيَ لَهُمَا } في هذا اللام قولان: أحدهما: أنه لام العاقبة كما في قوله: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً }تفسير : [القصص: 8] وذلك لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهور عورتهما، ولم يعلم أنهما إن أكلا من الشجرة بدت عوراتهما، وإنما كان قصده أن يحملهما على المعصية فقط. الثاني: لا يبعد أيضاً أن يقال: إنه لام الغرض ثم فيه وجهان: أحدهما: أن يجعل بدو العورة كناية عن سقوط الحرمة وزوال الجاه، والمعنى: أن غرضه من إلقاء تلك الوسوسة إلى آدم زوال حرمته وذهاب منصبه. والثاني: لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من بعض الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته، وذلك يدل على نهاية الضرر وسقوط الحرمة، فكان يوسوس إليه لحصول هذا الغرض، وقوله: {مَا ووري عنهما من سوءَاتهما} فيه مباحث: البحث الأول: ما وري مأخوذ من المواراة يقال: واريته أي سترته. قال تعالى: {أية : يواري سوأة أخيه}تفسير : [المائدة:31]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي لما أخبره بوفاة أبيه: «اذهب فواره». البحث الثاني: السوأة فرج الرجل والمرأة، وذلك لأن ظهوره يسوء الإنسان. قال ابن عباس رضي الله عنهما كأنهما قد ألبسا ثوباً يستر عورتهما، فلما عصيا زال عنهما ذلك الثوب فذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُما }. البحث الثالث: دلت هذه الآية على أن كشف العورة من المنكرات وأنه لم يزل مستهجناً في الطباع مستقبحاً في العقول وقوله: { مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ } يمكن أن يكون هذا الكلام ذكره إبليس بحيث خاطب به آدم وحواء، ويمكن أيضاً أن يكون وسوسة أوقعها في قلوبهما، والأمران مرويان إلا أن الأغلب أنه كان ذلك على سبيل المخاطبة بدليل قوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } ومعنى الكلام أن إبليس قال لهما في الوسوسة: إلا أن تكون ملكين وأراد به أن تكونا بمنزلة الملائكة إن أكلتما منها أو تكونا من الخالدين إن أكلتما، فرغبهما بأن أوهمهما أن من أكلها صار كذلك وأنه تعالى إنما نهاهما عنها لكي لا يكونا بمنزلة الملائكة ولا يخلدا، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: كيف أطمع إبليس آدم في أن يكون ملكاً عند الأكل من الشجرة مع أنه شاهد الملائكة متواضعين ساجدين له معترفين بفضله. والجواب: من وجوه: الأول: أن هذا المعنى أحد ما يدل على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض. أما ملائكة السموات وسكان العرش والكرسي والملائكة المقربون فما سجدوا ألبتة لآدم، ولو كانوا سجدوا له لكان هذا التطميع فاسداً مختلاً. وثانيها: نقل الواحدي عن بعضهم أنه قال: إن آدم علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة، ولم يعلم ذلك لنفسه فعرض عليه إبليس أن يصير مثل الملك في البقاء، وأقول: هذا الجواب ضعيف، لأن على هذا التقدير المطلوب من الملائكة هو الخلود وحينئذ لا يبقى فرق بين قوله: {إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ } وبين قوله: {أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ }. والوجه الثاني: قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ ملكين ويقول: ما طمعا في أن يكونا ملكين لكنهما استشرفا إلى أن يكونا ملكين، وإنما أتاهما الملعون من جهة الملك، ويدل على هذا قوله: {أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } تفسير : [طه: 20] وأقول هذا الجواب أيضاً ضعيف، وبيانه من وجهين: الأول: هب أنه حصل الجواب على هذه القراءة: فهل يقول ابن عباس إن تلك القراءة المشهورة باطلة أو لا يقول ذلك؟ والأول باطل، لأن تلك القراءة قراءة متواترة، فكيف يمكن الطعن فيها، وأما الثاني: فعلى هذا التقدير الإشكال باق. لأن على تلك القراءة يكون بالتطميع قد وقع في أن يصير بواسطة ذلك الأكل من جملة الملائكة وحينئذ يعود السؤال. والوجه الثاني: أنه تعالى جعل سجود الملائكة والخلق له في أن يسكن الجنة، وأن يأكل منها رغداً كيف شاء وأراد، ولا مزيد في الملك على هذه الدرجة. السؤال الثاني: هل تدل هذه الآية على أن درجة الملائكة أكمل وأفضل من درجة النبوة. والجواب من وجوه: الأول: أنا إذا قلنا إن هذه الواقعة كانت قبل النبوة لم يدل على ذلك ولأن آدم حين طلب الوصول إلى درجة الملائكة ما كان من الأنبياء، وعلى هذا التقدير فزال الاستدلال. والثاني: أن بتقدير «أن» تكون هذه الواقعة وقعت في زمان النبوة فلعل آدم عليه السلام رغب في أن يصير من الملائكة في القدرة والقوة والشدة أو في خلقة الذات بأن يصير جوهراً نورانياً، وفي أن يصير من سكان العرش والكرسي، وعلى هذا التقدير يسقط الاستدلال. السؤال الثالث: نقل أن عمرو بن عبيد قال للحسن في قوله:{إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} وفي قوله: {وقاسمهما} قال عمرو وقلت للحسن: فهل صدقاه في ذلك. فقال الحسن معاذ الله لو صدقاه لكانا من الكافرين ووجه السؤال: أنه كيف يلزم هذا التكفير بتقدير: أن يصدقا إبليس في ذلك القول. والجواب: ذكروا في تقرير ذلك التكفير أنه عليه السلام لو صدق إبليس في الخلود لكان ذلك يوجب إنكار البعث والقيامة، وأنه كفر. ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه يلزم من ذلك التصديق حصول الكفر؟ وبيانه من وجهين: الأول: أن لفظ الخلود محمول على طول المكث لا على الدوام، وعلى هذا الوجه يندفع ما ذكروه. الوجه الثاني: هب أن الخلود مفسر بالدوام، إلا أنا نسلم أن اعتقاد الدوام يوجب الكفر وتقريره أن العلم بأنه تعالى هل يميت هذا المكلف أو لا يميته، علم لا يحصل إلا من دليل السمع فلعله تعالى ما بين في وقت آدم عليه السلام أنه يميت الخلق، ولما لم يوجد ذلك الدليل السمعي كان آدم عليه السلام يجوز دوام البقاء، فلهذا السبب رغب فيه، وعلى هذا التقدير: فالتكفير غير لازم. السؤال الرابع: ثبت بما سبق أن آدم وحواء لو صدقا إبليس فيما قال لم يلزم تكفيرهما، فهل يقولون إنهما صدقاه فيه قطعاً؟ وإن لم يحصل القطع فهل يقولون إنهما ظنا أن الأمر كما قال؟ أو ينكرون هذا الظن أيضاً. والجواب: أن المحققين أنكروا حصول هذا التصديق قطعاً وظناً، بل الصواب أنهما إنما أقدما على الأكل لغلبة الشهوة، لا أنهما صدقاه علماً أو ظناً كما نجد أنفسنا عند الشهوة نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه، وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال. السؤال الخامس: قوله: {إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ } هذا الترغيب والتطميع وقع في مجموع الأمرين أو في أحدهما. والجواب: قال بعضهم: الترغيب كان في مجموع الأمرين، لأنه أدخل في الترغيب. وقيل: بل هو على ظاهره على طريقة التخيير. ثم قال تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } أي وأقسم لهما إني لكما لمن الناصحين. فإن قيل: المقاسمة أن تقسم لصاحبك ويقسم لك. تقول: قاسمت فلاناً أي حالفته، وتقاسما تحالفاً ومنه قوله تعالى: {أية : تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ } تفسير : [النمل: 49]. قلنا: فيه وجوه: الأول: التقدير أنه قال: أقسم لكما إني لكما لمن الناصحين. وقالا له: أتقسم بالله إنك لمن الناصحين؟ فجعل ذلك مقاسمة بينهم. والثاني: أقسم لهما بالنصيحة، وأقسما له بقبولها. الثالث: أنه أخرج قسم إبليس على زنة المفاعلة، لأنه اجتهد فيه اجتهاد المقاسم. إذا عرفت هذا فنقول: قال قتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله، وقوله: {إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } أي قال إبليس: إني خلقت قبلكما، وأنا أعلم أحوالاً كثيرة من المصالح والمفاسد لا تعرفانها فامتثلا قولي أرشدكما. ثم قال تعالى: {فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ } وذكر أبو منصور الأزهري لهذه الكلمة أصلين: أحدهما: أصل الرجل العطشان يدلي رجليه في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء، فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه. فيقال: دلاه إذا أطمعه. الثاني: {فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ } أي أجرأهما إبليس على أكل الشجرة بغرور، والأصل فيه دللهما من الدل، والدالة وهي الجرأة. إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: {فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ } أي غرهما باليمين، وكان آدم يظن أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً. وعن ابن عمر رضي الله عنه: أنه كان إذا رأى من عبده طاعة وحسن صلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلباً للعتق. فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له. ثم قال تعالى: {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ } وذلك يدل على أنهما تناولا اليسير قصداً إلى معرفة طعمه، ولولا أنه تعالى ذكر في آية أخرى أنهما أكلا منها، لكان ما في هذه الآية لا يدل على الأكل، لأن الذائق قد يكون ذائقاً من دون أكل. ثم قال تعالى: {بَدَتْ لَهُمَا } أي ظهرت عوراتهما، وزال النور عنهما {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ } قال الزجاج: معنى طفق: أخذ في الفعل {يَخْصِفَانِ } أي يجعلان ورقة على ورقة. ومنه قيل للذي يرقع النعل خصاف، وفيه دليل على أن كشف العورة قبيح من لدن آدم، ألا ترى أنهما كيف بادرا إلى الستر لما تقرر في عقلهما من قبح كشف العورة {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا } قال عطاء: بلغني أن الله ناداهما أفراراً مني يا آدم قال بل حياء منك يا رب ما ظننت أن أحداً يقسم باسمك كاذباً، ثم ناداه ربه أما خلقتك بيدي، أما نفخت فيك من روحي، أما أسجدت لك ملائكتي، أما أسكنتك في جنتي في جواري! ثم قال: {وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ } قال ابن عباس: بين العداوة حيث أبى السجود وقال: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ } تفسير : [الأعراف: 16].

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} أي إليهما. قيل: داخل الجنة بإدخال الحية إياه. وقيل: من خارج، بالسّلطنة التي جعلت له. وقد مضىٰ هذا في «البقرة». والوسوسة: الصوت الخفيّ. والوَسْوَسَةُ: حديث النفس؛ يقال: وسوست إليه نفسُه وَسوسة ووِسواساً (بكسر الواو). والوَسواس (بالفتح): ٱسم؛ مثل الزَّلزال. ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلىٰ: وَسْوَاس. قال الأعشى:شعر : تَسْمعُ للحَلْىٰ وَسَواساً إذا ٱنصرفَتْ كما آستعانَ بريح عِشْرِقٌ زَجِلُ تفسير : والوسواس: اسم الشيطان؛ قال الله تعالىٰ: {مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ}. {لِيُبْدِيَ لَهُمَا} أي ليظهر لهما. واللام لام العاقبة؛ كما قال: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}. وقيل: لام كي. و{وُورِيَ} أي سُتر وغُطي عنهما. ويجوز في غير القرآن أُورِيَ، مثل أُقِّتَتْ و{مِن سَوْءَاتِهِمَا} (من عوراتها) وسمي الفرج عورة لأن إظهاره يسوء صاحبه. ودل هذا على قبح كشفها فقيل: إنما بدت سوءاتهما لهما لا لغيرهما؛ كان عليهما نَوْرٌ لا ترىٰ عوراتهما فزال النور. وقيل: ثوب؛ فتهافت، والله أعلم. {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} «أن» في موضع نصب، بمعنىٰ إلا، كراهيةَ أن؛ فحذف المضاف. هذا قول البصريين. والكوفيون يقولون: لئلا تكونا. وقيل: أي إلا ألاّ تكونا ملكين تعلمان الخير والشر. وقيل: طِمع آدم في الخلود؛ لأنه علم أن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة. قال النحاس: وبيّن الله عز وجل فضل الملائكة على جميع الخلق في غير موضع من القرآن؛ فمنها هذا، وهو {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ}. ومنه {أية : وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ}تفسير : [هود: 31]. ومنه {أية : وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [النساء: 172]. وقال الحسن: فضل الله الملائكة بالصور والأجنحة والكرامة. وقال غيره: فضلهم جل وعز بالطاعة وترك المعصية؛ فلهذا يقع التفضيل في كل شيء. وقال ٱبن فُورك. لا حجة في هذه الآية؛ لأنه يحتمل أن يريد مَلكيْن في ألاّ يكون لهما شهوة في طعام. وٱختيار ٱبن عباس والزجاج وكثير من العلماء تفضيل المؤمنين على الملائكة؛ وقد مضىٰ في «البقرة». وقال الكلبيّ: فضلوا على الخلائق كلهم، غير طائفة من الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت؛ لأنهم من جملة رُسُل الله. وتمسّك كل فريق بظواهر من الشريعة، والفضل بيد الله. وقرأ ابن عباس «مَلِكين» بكسر اللام، وهي قراءة يحيىٰ بن أبي كثير والضحاك. وأنكر أبو عمرو بن العلاء كسر اللام وقال: لم يكن قبل آدم صلى الله عليه وسلم ملِك فيصيرا ملكين. قال النحاس: ويجوز على هذه القراءة إسكان اللام، ولا يجوز على هذه القراءة الأولىٰ لخفة الفتحة. قال ابن عباس: أتاهما الملعون من جهة الملك؛ ولهذا قال {أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ }تفسير : [طه: 120]. وزعم أبو عبيد أن احتجاج يحيىٰ بن أبي كثير بقوله: «ومُلْكٍ لاَ يبْلَىٰ» حجة بينة، ولكن الناس على تركها فلهذا تركناها. قال النحاس: {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} قراءة شاذّة. وقد أنكر على أبي عبيد هذا الكلام، وجُعِل من الخطأ الفاحش. وهل يجوز أن يتوهم آدم عليه السلام أنه يصل إلى أكثر من ملك الجنة؛ وهي غاية الطالبين. وإنما معنىٰ {وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } المقام في ملك الجنة، والخلود فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ } إبليس {لِيُبْدِىَ } يظهر {لَهُمَا مَا وُورِيَ } (فُوعِلَ): من المواراة {عَنْهُمَا مِنَ سَوْءٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلآ } كراهة {أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ } وقرىء بكسر اللام {أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَٰلِدِينَ } أي وذلك لازم عن الأكل منها كما في آية أخرى { أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ }تفسير : > >[120:20]p

ابن عطية

تفسير : "الوسوسة" الحديث في اختفاء همساً وسراراً من الصوت، والوسواس صوت الحلي فشبه الهمس به، وسمي إلقاء الشيطان في نفس ابن آدم وسوسة إذ هي أبلغ السرار وأخفاه، هذا حال الشيطان معنا الآن، وأما مع آدم فممكن أن تكون وسوسة بمجاورة خفية أو بإلقاء في نفس، ومن ذلك قول رؤبة: [الرجز] شعر : وسوس يدعو جاهراً رب الفلق تفسير : فهذه عبارة عن كلام خفي، و {الشيطان} يراد به إبليس نفسه، واختلف نقلة القصص في صورة وسوسته فروي أنه كان يدخل إلى الجنة في فم الحية مستخفياً بزعمه فيتمكن من الوسوسة، وروي أن آدم وحواء كانا يخرجان خارج الجنة فيتمكن إبليس منهما، وروي أن الله أقدره على الإلقاء في أنفسهما فأغواهما وهو في الأرض. قال القاضي أبومحمد: وهذا قول ضعيف يرده لفظ القرآن، واللام في قوله {ليبدي} هي على قول كثير من المؤلفين لام الصيرورة والعاقبة، وهذا بحسب آدم وحواء وبحسب إبليس في هذه العقوبة المخصوصة لأنه لم يكن له علم بها فيقصدها. قال القاضي أبو محمد: ويمكن أن تكون لام كي على بابها بحسب قصد إبليس إلى حط مرتبتهما وإلقائهما في العقوبة غير مخصصة، و {ما ووري} معناه ماستر، من قولك وارى يواري إذ ستر، وظاهر هذا اللفظ أنها مفاعلة من واحد، ويمكن أن تقدر من اثنين لأن الشيء الذي يوارى هو أيضاً من جهة، وقرأ ابن وثاب "ما وري" بواو واحدة، وقال قوم: إن هذه اللفظة في هذه الآية مأخوذة من وراء. قال القاضي أبو محمد: وهو قول يوهنه التصريف، و"السوأة" الفرج والدبر، ويشبه أن يسمى بذلك لأن منظره يسوء، وقرأ الحسن ومجاهد من "سوّتهما" بالإفراد وتسهيل الهمزة وشد الواو، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح والحسن والزهري: "سوّتهما" بالإفراد وتسهيل الهمزة وتشديد الواو وحكاها سيبويه لغة، قال أبو الفتح: ووجهها حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الواو، فيقولون سوة ومنهم من يشدد الواو، وقالت طائفة إن هذه العبارة إنما قصد بها أنهما كشفت لهما معانيهما وما يسوءهما ولم يقصد بها العورة. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول كان اللفظ يحتمله إلا أن ذكر خصف الورق يرده إلا أن يقدر الضمير في {أية : عليهما} تفسير : [الآية:22] عائداً على بدنيهما إذا تمزقت عنهما ثياب الجنة، فيصح القول المذكور. وقوله تعالى: {وقال ما نهاكما} الآية هذا القول الذي حكي عن إبليس يدخله من هذا التأويل ما دخل الوسوسة، فممكن أن يقول هذا مخاطبة وحواراً، وممكن أن يقول إلقاء في النفس ووحياً و {إلا أن} تقديره عند سيبويه والبصريين إلا كراهية أن، وتقديره عند الكوفيين "إلا أن لا" على إضمار لا. قال القاضي أبو محمد: ويرجح قول البصريين أن إضمار الأسماء أحسن من إضماء الحروف، وقرأ جمهور الناس "ملَكين" بفتح اللام وقرأ ابن عباس ويحيى بن أبي كثير والضحال "مِلكين" بكسر اللام، ويؤيد هذه القراءة قوله في آية أخرى {أية : وملك لا يبلى} تفسير : [طه:120]. قال القاضي أبو محمد: وقال بعض الناس: يخرج من هذه الألفاظ أن الملائكة أفضل من البشر وهي مسألة اختلف الناس فيها وتمسك كل فريق بظواهر من الشريعة والفضل بيد الله، وقال ابن فورك: لا حجة في هذه الآية لأنه يحتمل أن يريد ملكين في أن لا تكون لهما شهوة في طعام، {وقاسمهما} أي حلف لهما بالله وهي مفاعلة إذ قبول المحلوف له وإقباله على معنى اليمين كالقسم وتقريره وإن كان بادي الرأي يعطي أنها من واحد، ومثله قول الهذلي: شعر : وقاسمها بالله جهداً لأنتم ألذ من السلوى إذا ما نشورها تفسير : وروي في القصص أن آدم قال في جملة اعتذاره: ما ظننت يا رب أن أحداً يحلف حانثاً، فقال بعض العلماء خدع الشيطان آدم بالله عز وجل فانخدع، ونحن من خدعنا بالله عز وجل انخدعنا له، وروي نحوه عن قتادة، واللام في قوله {لكما} متعلقة بالناصحين، فقال بعض الناس مكي وغيره: ذلك على أن تكون الألف واللام لتعريف الجنس لا بمعنى الذي، لأنها إذا كانت بمعنى الذي كان قوله {لكما} داخلاً في الصلة فلا يجوز تقديمه، وأظن أن أبا علي الفارسي خرج جواز تقديمه وهي بمعنى الذي، والظاهر أنه إن جعلت بمعنى الذي كانت اللام في قوله {لكما} متعلقة بمحذوف تقديره إني ناصح لكما من الناصحين، وقال أبو العالية في بعض القراءة "وقاسمهما بالله".

ابن عبد السلام

تفسير : {فَوَسْوَسَ} الوسوسة: إخفاء الصوت بالدعاء، وسوس له: أوهمه النصح، ووسوس إليه: ألقى إليه المعنى، كان في الأرض وهما في الجنة في السماء فوصلت وسوسته إليهما بقوة أعطيها قاله الحسن، أو كان في السماء، وكانا يخرجان إليه فيلقاهما هناك، أو خاطبهما من باب الجنة وهما فيها. {مَا نَهَاكُمَا} هذه وسوسته: رغَّبهما في الخلود وشرف المنزلة، وأوهمهما أنهما يتحولان في صور الملائكة، أو أنهما يصيران بمنزلة الملك في علو منزلته مع علمهما أن صورهما لا تتحول.

ابن عادل

تفسير : قوله: "فوَسْوَسَ لَهُمَا" أي: فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لأجلهما. والفَرْقُ بين وسْوَسَ له وَوسْوَسَ إليه أنَّ وَسْوَسَ له بمعنى لأجله كما تقدَّم، وَوَسْوَسَ إليه ألْقَى إلَيْه الوَسْوَسَةَ. والوَسْوَسَةُ: الكلام الخفيُّ المكرر، ومثله الوسْواسُ وهو صوتُ الحليِّ، والوسوسَةُ أيضاً الخَطْرَةُ الرَّديئَةُ، وَوَسْوَسَ لا يتعدَّى إلى مَفْعُولٍ، بل هو لاَزِمٌ كقولنا: وَلْوَلَتِ المَرْأةُ، ووعْوَعَ الذِّئْبُ ويقالُ: رجلٌ مُوَسْوِسٌ بِكَسْرِ الوَاوِ، ولا يُقَالُ بفتحها، قالهُ ابْنُ الأعْرَابِيِّ. وقال غيره: يقال: مُوَسْوَس له، ومُوَسْوَس إليه. وقال اللَّيْثُ: "الوَسْوَسَةُ حديثُ النَّفْس، والصَّوْتُ الخَفِيُّ من ريحٍ تَهُزُّ قصباً ونحوه كالهَمْسِ". قال تعالى {أية : وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}تفسير : [ق: 16]. وقال رُؤبَةُ بْنُ العَجَّاج يَصِفُ صَيَّاداً: [الرجز] شعر : 2429 - وَسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصاً رَبَّ الفَلَقْ لَمَّا دَنَا الصَّيْدُ دَنَا مِنَ الوَهَقْ تفسير : أي: لما أراد الصَّيدَ وسوس في نَفْسِهِ: أيُخْطىء أم يُصِيبُ؟ وقال الأزْهَرِيُّ: "وسْوَسَ ووَزْوَزَ بمعنًى واحد". فإن قيل: كيف وَسْوَسَ إليه، وآدم كان في الجَنَّةِ وإبليس أخرج منها؟ فالجوابُ: قال الحسن: كان يُوَسْوِسُ من الأرْض إلى السَّمَاءِ وإلى الجِنَّةِ بالقُوَّةِ الفَوْقيَّةِ التي جعلها له. وقال أبُو مُسْلِمٍ الأصْفهانِيُّ: بَلْ كان آدمُ وإبليسُ في الجنَّةِ؛ لأنَّ هذه الجنَّةَ كانت بعض جنات الأرض، والذي يقوله بعض النَّاس من "أنَّ إبليس دخل الجنَّة في جَوْف الحيَّةِ ودخلت الحيَّة في الجنَّةِ" فتلك القصة ركيكةٌ ومشهورةٌ. وقال آخَرُون: إنَّ آدم وحَوَّاءَ ربما قَرُبَا من باب الجَنَّةِ، وكان إبليس واقفاً من خارج الجَنَّةِ على بَابها فيقْرُبُ أحَدُهُمَا من الآخر فتحصل الوسْوسَةُ هناك. فإن قيل: إنَّ آدم - عليه السلام - كان يَعْرِفُ ما بينه وبين إبليسَ من العداوةِ، فَكَيْفَ قبل قوله؟ فالجواب: [لا يَبْعُد أنْ يُقال إنَّ إبليسَ لَقِيَ آدَمَ مِراراً كثيرةً، ورَغَّبَهُ في أكْلِ الشَّجَرَة بِطُرُقٍ كثيرةٍ؛ فلأجْل] المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثَّر كلامه عنده وأيضاً فقال تعالى: {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ}تفسير : [الأعراف: 21] أي: حَلَفَ لهما فاعْتَقَدُوا أنَّ أحَداً لا يَحْلِفُ كاذباً فلذلك قبل قوله. قوله: "لِيُبْدِيَ لَهُمَا" في "لام" لِيُبْدِي" قولان: أظهرهما: أنها لامُ العِلَّةِ على أصلها؛ لأنَّ قَصْدَ الشَّيْطانِ ذلك. وقال بعضهم: "اللاَّمُ" للِصَيْرُورةِ والعاقِبَةِ، وذلك أنَّ الشَّيْطَانَ لم يكن يعلم أنَّهُمَا يعاقبان بهذه العُقُوبَة الخَاصَّةِ، فالمعنى: أن أمْرَهُمَا آل إلى ذلك. الجوابُ: أنهُ يجوزُ أنْ يُعْلم ذلك بطريق من الطُّرُق المتقدِّمةِ في قوله {أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 17]. ومعنى قوله: "لِيُبْدِيَ لَهُمَا" ليظهر لهما ما غُطِّي وسُتِرَ عنهما من عوراتهما. قوله: "مَا وُوْري" "مَا" موصولة بمعنى الذي، وهي مفعول لـ "لِيُبْدِي" أي: لِيُظْهِرَ الذي سُتِرَ. وقرأ الجمهور: "وُوْري" بواوين صريحَتَيْنِ وهو ماضٍ مبني للمفعول، أصله "وَارَى" كضَارَبَ فلمَّا بُني للمفعول أبْدِلَت الألف واواً كضُورِبَ، فالواو الأولى فاء، والثَّانية زَائِدَةٌ. وقرأ عبد الله: "أُوْرِيَ" بإبدال الأولى همزة، وهو بدلٌ جَائِزٌ لا واجب. وهذه قَاعِدَةٌ كليَّةٌ وهي: أنَّه إذا اجتمع في أوَّلِ الكلمةِ واوان، وتحرَّكتِ الثَّانيةُ، أو كان لها نَظِيرٌ مُتَحَرِّكٌ وجب إبدال الأولى همزة تخفيفاً، فمثال النَّوْعِ الأوَّلِ "أوَيْصِلٌ"، وَ "أوَاصِلُ" تصغير واصلٍ وتكسيره، فإنَّ الأصل: وُوَيْصِل، وواصل؛ فاجتمع واوان في المثالين ثانيتهما متحركة فوجب إبدالُ الأولى همزة. ومثالُ النَّوْعِ الثَّانِي أوْلى فإنَّ أصلها وُوْلَى، فالثَّانِيَةُ ساكِنَةٌ؛ لكنها قد تتحرَّكُ في الجَمْعِ في قولك: أُوَل؛ كفُضْلَى وفُضَل، فإن لم تتحرَّك ولم تحمل على متحرّك، جَازَ الإبدَالُ كهذه الآيَةِ الكريمةِ. ومثله وُوْطِىءَ وأوْطِىءَ. وقرأ يحيى بن وثاب "وُرِيَ" بواو واحدة مضمومة وراء مكسورة، وكَأنَّهُ من الثُّلاثيِّ المتعدِّي، وتحتاج إلى نَقْلِ أنَّ وَرَيْتُ كذا بمعنى وارَيْتُه. والمُوَارَاةُ: السَّتْرُ، ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - لمَّا بلغه موت أبي طالب لعليٍّ: "اذْهَبْ فوارِه". ومنه قول الآخر: [مخلع البسيط] شعر : 2430 - عَلَى صَدًى أسْوَدَ المُوَارِي فِي التُّرْبِ أمْسَى وفِي الصَّفيحِ تفسير : وقد تقدَّم تحقيق هذه المادَّةِ والجمهور على قراءة "سَوْءَاتِهما" بالجمع من غير نقل، ولا إدغام. وقرأ مُجاهدٌ والحسن "سَوَّتهما" بالإفراد وإبدال الهمز [واواً] وإدغام الواو فيها. وقرأ الحسنُ أيضاً، وأبو جعفر وشَيْبَةُ بن نصاح "سَوَّاتهما" بالجمع وتشديد الواو بالعمل المتقدم. وقرأ أيضاً "سَواتِهما" بالجمع أيضاً، إلا أنَّهُ نقل حركة الهمزة إلى الواو من غير عملٍ آخَرَ، وكلُّ ذلك ظَاهِرٌ. فمن قرأ بالجمع فيحتمل وجهين: أظهرهما: أنَّهُ من باب وَضْعِ الجمع موضع التَّثْنِيَةِ كراهية اجتماع تثنيتين، والجمع أخُو التَّثْنِيَةِ فلذلك ناب منابها كقوله: {أية : صَغَتْ قُلُوبُكُمآ}تفسير : [التحريم: 4] وقد تقدَّم تَحْقِيقُ هذه القاعدة. ويحتمل أنْ يكون الجَمْعُ هنا على حقيقته؛ لأنَّ لكل واحد منهما قُبُلاً، ودُبُراً، والسوءات كنايةٌ عن ذلك فهي أربع؛ فلذلك جِيءَ بالجَمْعِ، ويؤيِّدُ الأوَّل قراءةُ الإفراد فإنَّه لا تكون [كذلك] إلاَّ والموضع موضع تثنية نحو: "مَسَحَ أَذُنَيْهِ ظَاهِرَهُمَا وبَاطِنَهُمَا". فصل في أن كشف العورة من المحرمات دلَّت هذه الآيةُ على أنَّ كَشْفَ العوْرَةِ من المُنْكَرَاتِ، وأنَّهُ لم يزل مُسْتَهْجَناً في الطِّبَاع مُسْتَقْبَحاً في العُقُولِ. قوله: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ}. هذا استثناء مُفَرَّغٌ وهو مفعول من أجله فقدَّرَهُ البَصْرِيُّونَ إلاَّ كراهة أنْ تكونا، وقدَّرَهُ الكوفِيُّون إلاّ أن لا تكونا، وقد تقدَّم مراراً أنَّ قول البَصْرِيِّين أوْلى؛ لأنَّ إضْمَارَ الاسْمِ أحسنُ من إضمار الحَرْفِ. وقرأ الجمهور "مَلَكَيْنِ" بفتح اللاَّم. وقرأ عَلِيٌّ، وابن عباس والحسنُ، والضَّحَّاكُ، ويحيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ والزُّهْرِيُّ وابن حكيم عن ابن كثير "مَلِكين" بكسرها قالوا: ويُؤيِّدُ هذه القراءة قوله في موضع آخر: {أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ}تفسير : [طه: 120] والمُلك يناسِبُ المَلِك بالكسر. وأتى بقوله "مِنَ الخَالِدِينَ" ولم يقل "أو تَكُونَا خَالِدَيْن" مبالغةً في ذلك؛ لأنَّ الوصف بالخُلُودِ أهمُّ من المِلْكية أو المُلْك، فإنَّ قولك: "فُلانٌ من الصَّالحينَ" أبلغُ من قولك صالحٌ، وعليه {أية : وَكَانَتْ مِنَ ٱلْقَانِتِينَ}تفسير : [التحريم: 12] فصل في بيان قوله ما نهاكما ربكما هذا الكلام يمكن أنْ يَكُونَ ذكرَهُ إبْلِيسُ مُخَاطِباً لآدم وحواء، ويمكن أنْ يكُون بوسْوسَةٍ أوْقَعَها في قلبيهما، والأمران مَرْويَّانِ إلاَّ أنَّ الأغْلَبَ أنَّهُ كان على سبيل المُخَاطَبَةِ بدليل قوله تعالى: {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ}تفسير : [الأعراف: 21]. والمعنى: أنَّ إبليس قال لهما هذا الكلام، وأراد به إنْ أكلتما تكونا بمنزلة الملائِكَةِ، أو تكُونَا من الخالدينَ إنْ أكلتما، فرغبهما بأن أوْهَمَهُمَا أنَّ من أكَلَهَا صار كذلك، وأنَّهُ تعالى إنَّما نَهَاكُمَا عنها لكي لا يكونا بِمَنْزِلَةِ الملائِكَةِ، ولا يخْلُدَا. وفي الآية سُؤالاتٌ: السُّؤالُ الأولُ: كيف أطْمَعَ إبْلِيسُ آدمَ أن يكون ملكاً عند الأكْلِ من الشَّجَرَةِ مع أنَّهُ شَاهَدَ الملائِكة متواضعين سَاجِدِينَ له معترفين بفضله؟. والجوابُ من وجوه: أحدها: أنَّ هذا المعنى أحد ما يَدُلُّ على أن الملائكة الذين سجدوا لآدم هم ملائكة الأرض، أمّا ملائكةُ السَّموات وسكانُ العَرْشِ والكرسيِّ، والملائكةُ المقرَّبون فما سجدوا لآدم ألْبَتَّةَ. ولو كَانُوا قد سَجَدُوا له لكان هذا التَّطْميع فَاسِداً مختلاًّ. وثانيها: نَقَلَ الواحديُّ عن بعضهم أنَّهُ قال: إنَّ آدمَ علم أنَّ الملائكة لا يمُوتُونَ إلى يوم القيامةِ، ولم يعلم ذلك لنفسه فعرض عليه إبليس أنْ يَصِيرَ مِثْلَ الملكِ في البَقَاءِ. وضعَّف هذا بأنَّهُ لو كان المَطْلُوبُ من الملائِكَةِ هو الخُلُودُ فحينئذٍ لا يبقى فرق بين قوله {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} وبين قوله: {إلاَّ أَنْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ}. وثالثها: قال الواحدي: كان ابن عباس يقرأ "مَلِكَين" بكسر اللام ويقول: ما طمعا في أن يكونا مَلَكَيْن لكنهما استشرفا إلى أن يكونا مَلِكَيْن، وإنَّمَا أتَاهُمَا المَلْعُونُ من وجهة الملك، ويدلُّ على هذا قوله: {أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ}تفسير : [طه: 120]، وضعف هذا الجواب من وجهين: الأول: هب أنَّهُ حصل الجوابُ على هذه القراءة فهل يقول ابنُ عبَّاسٍ إنَّ تلك القراءة المشهورة باطلة؟ أو لا يقولُ ذلك؟ والأولُ باطل، لأنَّ تلك القراءة قراءة متواترة فكيف يُمْكِنُ الطَّعْنُ فيها؟ وأمَّا الثَّاني فعلى هذا التَّقدير الإشكال باقٍ؛ لأنَّ على تلك القراءة يكون بالتَّطْميع قد وقع في أنْ يَصِيرَ بواسطة لذلك الأكل من جملة الملائكة. وحينئذ يَعُودُ السُّؤالُ. الوجه الثاني: أنَّهُ تعالى جعله مسجود الملائكةِ، وأذِن له في أن يسكن الجنَّة، وأنْ يأكل منها رغداً حيث شاء وأراد، [ولا مزيد] في الملك على هذه الدَّرَجَةِ. السؤال الثاني: هل تدلُّ هذه الآية على أنَّ درجة الملائكة أكمل وأفضل من درجة النُّبُوَّةِ؟ والجوابُ: أنَّا إذا قلنا: إن هذه الواقعة كانت قَبْلَ النُّبُوَّةِ لم يدلَّ على ذلك؛ لأنَّ آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - حين طَلَبَ الوصُولَ إلى درجةِ الملائِكَةِ ما كان من الأنبياء، وإنْ كانت هذه الواقِعَةُ قد وقعت في زَمَنِ النُّبُوَّةِ فلعلَّ آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - رغبَ في أنْ يصيرَ من الملائِكَةِ في القدرة والقُوَّة أو في خلقة الذات بأنْ يَصيرَ جَوَْهَراً نُورَانياً، وفي أن يصيرَ من سُكَّانِ العرْشِ والكُرْسِيِّ، وعلى هذا فلا دلالةَ في الآيةِ على ذلك. السُّؤال الثالثُ: نقل أنّ عمرو بْن عُبَيْدٍ قال للحسنِ في قوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ}، وفي قوله "وقَاسَمَهُمَا" قال عمرو: قلت للحسنِ؛ فهل صَدقَاهُ في ذلك؟ فقال الحسن: مَعَاذَ الله، لو صَدَّقَاهُ لكانا من الكَافرينَ. ووجه السُّؤال: أنه كيف يلزم هذا التَّكْفير بتقدير أن يُصَدِّقا إبليس في ذلك القول؟ والجوابُ: ذكرُوا في تَقْدير ذلك التَّكفِير أنَّهُ عليه الصَّلاة والسَّلام لو صدق إبليس في الخلُودِ، لكان ذلك يوجب إنكار البعث والقيامة وأنه كفرٌ. ولقائل أن يقُول: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ يلزم من ذلك التَّصديق حصولُ الكفْرِ، وبيانه من وجهين. الأول: أن لفظ الخُلُودِ مَحْمُولٌ على طُولِ المُكْثِ لا على الدَّوامِ، فانْدَفَعَ ما ذكره. والثاني: هَبْ أنَّ الخُلُودَ مُفَسّر بالدَّوَامِ إلاَّ أنَّا لا نسلم أنَّ اعْتِقَادَ الدَّوام يُوجِبُ الكُفْرَ، وتقْرِيرُهُ: أنَّ العِلْمَ بأنه تعالى هل يُمِيتُ هذا المكلف، أو لا يُمِيتُهُ؟ علم لا يحصل لا من دليل السَّمْعِ، فلعله تعالى ما بيَّنَ في وقت آدم - عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ يُمِيتُ الخلق، ولمَّا لم يُوجَدِ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ بأن آدم - عليه الصلاة والسلام - لا يجوز له دوام البقاء فلهذا السَّببِ رغِبَ فيه، وعلى هذا التَّقْديرِ فالسُّؤالُ غير لازم. السُّؤالُ الرابعُ: قد ثبت بما سبق أنَّ آدم وحوَّاءَ - عليهما السَّلامُ - لو صدقا إبليس فيما قال لم يلزم تكْفِرُهُمَا فهل يقولون: إنَّهُما صَدَّقَاهُ فيه قطعاً؟ أو لم يحصل القَطْعُ، فهل يقولُون: إنَّهُمَا ظَنَّا أن الأمر كما قال، أو ينكرون هذا الظَّنَّ أيضاً. فالجواب: أنَّ المحقِّقين أنْكَرُوا حصول هذا التَّصديق قطعاً وظناً كما نجد أنفسنا عند الشَّهْوةِ، نقدُمُ على الفعلِ إذا زينَ لنا الغير ما نشتهيه، وإنْ لم نعتقد الأمر كما قال. السُّؤالُ الخامِسُ: قوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} هذا التَّرغيبُ، والتَّطْمِيعُ وقع بمَجْمُوعِ الأمرين، أو بأحدهما؟ والجوابُ: قال بعضهم: التَّرْغيبُ في مجموع الأمرين؛ لأنَّهُ أدخل في التَّرْغِيبِ. وقيل: بل هُوَ عَلَى ظاهره على طريق التَّخْييرِ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال: نهى الله آدم وحوّاء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة، فجاء الشيطان فدخل في جوف الحية، فكلم حوّاء ووسوس إلى آدم فقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين، فقطعت حوّاء الشجرة فدميت الشجرة وسقط عنهما رياشهما الذي كان عليهما {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدوّ مبين} ، لم أكلتها وقد نهيتك عنها؟ قال: يا رب أطعمتني حواء. قال لحوّاء: لم أطعمتيه؟ قالت: أمرتني الحية. قال للحية: لم أمرتها؟ قالت: أمرني إبليس. قال: ملعون مدحور، أما أنت ياحوّاء كما أدميت الشجرة تدمين في كل هلال، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين جراً على وجهك، وسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ. وأخرج ابن المنذر عن أبي غنيم سعيد بن حدين الحضرمي قال: لما أسكن الله آدم وحوّاء الجنة خرج آدم يطوف في الجنة، فاغتنم إبليس غيبته فأقبل حتى بلغ المكان الذي فيه حوّاء، فصفر بقصبة معه صفيراً سمعته حواء، وبينها وبينه سبعون قبة بعضها في جوف بعض، فأشرفت حواء عليه فجعل يصفر صفيراً لم يسمع السامعون بمثله من اللذة والشهوة والسماع حتى ما بقي من حواء عضو مع آخر إلا تخلج، فقالت: أنشدك بالله العظيم لما أقصرت عني فإنك قد أهلكتني، فنزع القصبة ثم قلبها فصفر صفيراً آخر، فجاش البكاء والنوح والحزن بشيء لم يسمع السامعون بمثله حتى قطع فؤادها بالحزن والبكاء، فقالت: أنشدك بالله العظيم لما أقصرت عني، ففعل فقالت له: ما هذا الذي جئت به؟ أخذتني بأمر الفرح وأخذتني بأمر الحزن. قال: ذكرت منزلتكما من الجنة وكرامة الله إياكما ففرحت لكما بمكانكما، وذكرت إنكما تخرجان منها فبكيت لكما وحزنت عليكما، ألم يقل لكما ربكما متى تأكلان من هذه الشجرة تموتان وتخرجان منها؟ أنظري إليّ يا حواء، فإذا أنا أكلتها فإن أنا مت أو تغير من خلقي شيء فلا تأكلا منها، أقسم لكما بالله إني لكما من الناصحين. فانطلق إبليس حتى تناول من تلك الشجرة فأكل منها، وجعل يقول: يا حواء انظري هل تغير من خلقي شيء أم هل مت قد أخبرتك ما أخبرتك. ثم أدبر منطلقاً . وأقبل آدم من مكانه الذي كان يطوف به من الجنة فوجدها منكبة على وجهها حزينة، فقال لها آدم: ما شأنك...؟! قالت أتاني الناصح المشفق قال: ويحك...! لعله إبليس الذي حذرناه الله؟ قالت: يا آدم والله لقد مضى إلى الشجرة فأكل منها وأنا أنظر فما مات ولا تغير من جسده شيء، فلم تزل به تدليه بالغرور حتى مضى آدم وحواء إلى الشجرة، فأهوى آدم بيده إلى الثمرة ليأخذها، فناداه جميع شجر الجنة: يا آدم لا تأكلها فإنك إن أكلتها تخرج منها، فعزم آدم على المعصية فأخذ ليتناول الشجرة، فجعلت الشجرة تتطاول ثم جعل يمدّ يده ليأخذها، فلما وضع يده على الثمرة اشتدت، فلما رأى الله منه العزم على المعصية أخذها وأكل منها، وناول حواء فأكلت، فسقط منها لباس الجمال الذي كان عليها في الجنة، وبدت لهما سوءاتهما، وابتدرا يستكنان بورق الجنة يخصفان عليهما من ورق الجنة ويعلم الله يُنظر أيهما. فأقبل الرب في الجنة فقال: يا آدم أين أنت أخرج؟ قال: يا رب أنا ذا أستحي أخرج إليك. قال: فلعلك أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: يا رب هذه التي جعلتها معي أغوتني. قال: فمتى تختبىء يا آدم؟ أو لم تعلم أن كل شيء لي يا آدم، وأنه لا يخفى عليّ شيء في ظلمة ولا في نهار؟ قال: فبعث إليهما ملائكة يدفعان في رقابهما حتى أخرجوهما من الجنة، فأوقفا عريانين وإبليس معهما بين يدي الله، فعند ذلك قضى عليهما وعلى إبليس ما قضى، وعند ذلك أهبط إبليس معهما، وتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، وأهبطوا جميعاً . وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن وهب بن منبه في قوله {ليبدي لهما ما وُوريَ عنهما من سوءاتهما} قال: كان على كل واحد منهما نور لا يبصر كل واحد منهما عورة صاحبه، فلما أصابا الخطيئة نزع منهما . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: ليهتك لباسهما وكان قد علم أن لهما سوءة لما كان يقرأ من كتب الملائكة، ولم يكن آدم يعلم ذلك، وكان لباسهما الظفر . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أتاهما إبليس قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين تكونا مثله ــ يعني مثل الله عز وجل ــ فلم يصدقاه حتى دخل في جوف الحية فكلمهما. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه كان يقرأ {إلا أن تكونا ملكين} بكسر اللام . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد أنه كان يقرأ {الا أن تكونا ملكين} بنصب اللام من الملائكة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {إلا أن تكونا ملكين} قال: ذكر تفضيل الملائكة فضلوا بالصور، وفضلوا بالأجنحة، وفضلوا بالكرامة . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: إن في الجنة شجرة لها غصنان أحدهما تطوف به الملائكة، والآخر قوله {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} يعني الملائكة الذين يطوفون بذلك الغصن . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس. أنه كان يقرأ هذه الآية {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} فإن أخطأكما أن تكونا ملكين لم يخطئكما أن تكونا خالدين، فلا تموتان فيها أبداً {وقاسمهما} قال: حلف لهما {إني لكما لمن الناصحين} . وأخرج بن أبي حاتم عن السدي في قوله {أو تكونا من الخالدين} يقول: لا تموتون أبداً. وفي قوله {وقاسمهما} قال: حلف لهما بالله . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} قال: حلف لهما بالله حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله. قال لهما: إني خلقت قبلكما وأعلم منكما فاتبعاني أرشدكما قال قتادة: وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: في بعض القراءة {وقاسمهما بالله إني لكما لمن الناصحين} . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب في قوله {فدلاهما بغرور} قال: مناهما بغرور . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما} وكانا قبل ذلك لا يريانها . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة قال: لباس كل دابة منها ولباس الإِنسان الظفر، فأدركت آدم التوبة عند ظفره . وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس قال: كان لباس آدم وحواء كالظفر، فلما أكلا من الشجرة لم يبق عليهما إلا مثل الظفر {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} قال: ينزعان ورق التين فيجعلانه على سوءاتهما . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أسكن الله آدم الجنة كساه سربالاً من الظفر، فلما أصاب الخطيئة سلبه السربال فبقي في أطراف أصابعه . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: كان لباس آدم الظفر بمنزلة الريش على الطير، فلما عصى سقط عنه لباسه وتركت الأظفار زينة ومنافع . وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال: كان لباس آدم في الجنة الياقوت فلما عصى تقلص فصار الظفر . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان آدم طوله ستون ذراعاً، فكساه الله هذا الجلد وأعانه بالظفر يحتك به . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {وطفقا يخصفان} قال: يرقعان كهيئة الثوب . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وطفقا يخصفان عليهما} قال: أقبلا يغطيان عليهما . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {يخصفان عليهما من ورق الجنة} قال: يوصلان عليهما من ورق الجنة . وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} قال: يأخذان ما يواريان به عورتهما . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} قال: آدم: رب انه حلف لي بك، ولم أكن أظن أن أحداً من خلقك يحلف بك إلا صادقاً . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {قالا} قال: آدم وحواء {رَبنا ظلمنا أنفسنا} يعني ذنباً أذنبناه فغفره لهما . وأخرج عبد بن حميد عن الحسن {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا...} الآية. قال: هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه . وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك. مثله . وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ عن قتادة قال: إن المؤمن ليستحي ربه من الذنب إذا وقع به، ثم يعلم بحمد الله أين المخرج يعلم أن المخرج في الاستغفار والتوبة إلى الله عز وجل، فلا يحتشمن رجل من التوبة، فإنه لولا التوبة لم يخلص أحد من عباد الله، وبالتوبة أدرك الله أباكم الرئيس في الخير من الذنب حين وقع به . وأخرج أبو الشيخ عن كريب قال: دعاني ابن عباس فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، من عبدالله إلى فلان حبر تيما حدثني عن قوله {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} فقال: هو مستقره فوق الأرض، ومستقره في الرحم، ومستقره تحت الأرض، ومستقره حيث يصير إلى الجنة أو النار.

ابو السعود

تفسير : {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي فعل الوسوسةَ لأجلهما أو تكلم لهما كلاماً خفياً متدارَكاً متكرّراً، وهي في الأصل الصوتُ الخفي كالهيمنة والخشخشة ومنه وسوَسَ الحَلْيُ وقد سبق بـيانُ كيفيةِ وسوستِه في سورة البقرة {لِيُبْدِيَ لَهُمَا} أي ليُظهر لهما واللامُ للعاقبة أو للغرض على أنه أراد بوسوسته أن يسوءَهما بانكشاف عورتيهما، ولذلك عبّر عنهما بالسوأة وفيه دليلٌ على أن كشف العورةِ في الخلوة وعند الزوجِ من غير حاجة قبـيحٌ مستهجَنٌ في الطباع {مَا وُريَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} ما غُطي وسُتر عنهما من عوراتهما وكانا لا يَرَيانها من أنفسهما ولا أحدُهما من الآخر، وإنما لم تُقلب الواوُ المضمومةُ همزةً في المشورة كما قلبت في أويصِل: تصغير واصل لأن الثانيةَ مدةٌ، وقرىء سَوَاتِهما بحذف الهمزة وإلقاءِ حركتها على الواو، وبقلبها واواً وإدغام الواو الساكنة فيها {وَقَالَْ} عطف على وسوس بطريق البـيان {مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ} أي عن أكلها {إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} أي إلا كراهةَ أن تكونا ملكين {أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ} الذين لا يموتون أو يخلدون في الجنة، وليس فيه دلالةٌ على أفضلية الملائكةِ عليهم السلام لما أن من المعلوم أن الحقائقَ لا تنقلب وإنما كانت رغبتُهما في أن يحصُل لهما أوصافُ الملائكةِ من الكمالات الفطريةِ والاستغناء عن الأطعمة والأشربة وذلك بمعزل من الدِلالة على الأفضلية بالمعنى المتنازَعِ فيه. {وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ} أي أقسم لهما، وصيغةُ المغالبة للمبالغة، وقيل: أقسما له بالقَبول وقيل: قالا له: أتقسم بالله أنك لمن الناصحين؟ وأقسم لهما فجُعل ذلك مقاسمة {فَدَلَّـٰهُمَا} فنزّلهما على الأكل من الشجرة، وفيه تنبـيهٌ على أنه أهبطهما بذلك من درجة عاليةٍ فإن التدليةَ والإدلاءَ إرسالُ الشيء من الأعلى إلى الأسفل {بِغُرُورٍ} بما غرّهما به من القسم، فإنهما ظنا أن أحداً لا يُقسِم بالله كاذباً أو ملتبسين الغرور {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا} أي فلما وجدا طعمَها آخِذَين في الأكل منها أخذْتهما العقوبةُ وشؤمُ المعصية فتهافت عنهما لباسُهما وظهرت لهما عوراتُهما، واختلف في أن الشجرة كانت السنبلةَ أو الكرْمَ أو غيرَهما وأن اللباسَ كان نوراً أو ظفراً {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ} طفِق من أفعال الشروعِ والتلبس كأخذ وجعل وأنشأ وعلِق وهَبَّ وانبرى أي أخذا يَرْقعَان ويُلزِقان ورقةً فوق ورقة {عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} قيل: كان ذلك ورقَ التينِ وقرىء يُخصِفان من أخصف أي يخصفان أنفسَهما ويُخَصِّفان من التخصيف ويَخِصّفان أصله يختصفان. {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا} مالكُ أمرِهما بطريق العتاب والتوبـيخِ {أَلَمْ أَنْهَكُمَا} وهو تفسيرٌ للنداء فلا محل له من الإعراب أو معمولٌ لقول محذوفٍ أي وقال أو قائلاً: ألم أنهَكُما؟ {عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ} ما في اسم الإشارةِ من معنى البُعد لما أنه إشارةٌ إلى الشجرة التي نُهي عن قُربانها {وَأَقُل لَّكُمَا} عطفٌ على أنهَكما أي ألم أقل لكما: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} وهذا عتابٌ وتوبـيخٌ على الاغترار بقول العدوِّ كما أن الأولَ عتابٌ على مخالفة النهي، قيل: فيه دليلٌ على أن مطلقَ النهي للتحريم، ولكما متعلقٌ بعدو لما فيه من معنى الفعل أو بمحذوف هو حالٌ من عدوٌّ، ولم يُحك هذا القولُ هٰهنا، وقد حُكي في سورة طه بقوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ }تفسير : [طه، الآية 117] الآية. روي أنه تعالى قال لآدمَ: ألم يكنْ فيما منحتُك من شجر الجنة مندوحةٌ عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى، وعزتك ولكن ما ظننتُ أن أحداً من خلقك يحلِفُ بك كاذباً، قال: فبعزتي لأُهبِطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيشَ إلا كدّاً فأُهبط وعُلّم صنعةَ الحديد وأُمر بالحَرْثِ فحرَثَ وسقَى وحصَد وداس وذرَى وعجَن وخَبَز.

التستري

تفسير : قوله: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ}[20] قال: الوسوسة ذكر الطبع، ثم النفس، ثم الهم والتدبير، ووسواس العدو على ثلاث مقامات: فالأول يدعوه ويوسوس له، والثاني يأمن إذا علم أنه يقبل، والثالث ليس له إلاَّ الانتظار والطمع، وهو للصديقين.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} [الآية: 20]. قال أبو سليمان الدارانى: وسوس لهما الشيطان لإرادة الشر بهما، وكان ذلك سببًا لعلو آدم وبلوغه إلى أعلى الرتب، وذلك أن آدم ما عمل عملاً قط أتم له من الخطيئة التى هى أدبته وأقامته مقام الحقائق وأسقط عنه، فلعلَّه خامر سره من سجود الملائكة له ورده إلى البركة الأولى من التخصيص فى الخلقة باليد، حتى رجع إلى ربه بقوله {ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}. قال سهل: الوسوسة ذكر الطبع ثم النفس ثم الهم والتدبير.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ}. نِسْبَتُه ما حَصَلَ منهما إلى الشيطان من أمارات العناية، كانت الخطيئةُ منهما لكنَّه تعالى قال: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ}. ويقال التقى آدمُ بإبليس بعد ذلك فقال: يا شَقِيُّ! وسوستَ إليَّ وفعلتُ!، فقال إبليس لآدم. يا آدم! هَبْ أنِّي إبليسُك فَمَنْ كان إبليسي!؟. قوله جلّ ذكره: {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا}. وفي ذلك دلالة على عناية زائدة حيث قال: {لِيُبْدِيَ لَهُمَا} فلم يطلع على سوأتهما غيرهما. قوله جلّ ذكره: {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ}. تاقت أنفسهما إلى أن يكونا مَلَكين - لا لأن رتبة الملائكة كانت أعلى من رتبة آدم عليه السلام - ولكن لانقطاع الشهوات والمنى عنهما. ويقال لمَّا طمعا في الخلود وقعا في الخمود، ووقعا في البلا والخوف؛ وأصلُ كلِّ محنةٍ الطمعُ. ويقال إذا كان الطمع في الجنة - وهي دار الخلود - أَوْجَبَ كُلَّ تلك المحن فالطمع في الدنيا - التي هي دار الفناء - متى يسلم صاحبه من ذلك؟ ويقال إن يكونا إنما ركنا إلى الخلود فلا لنصيبِ أنفسهما، ولكن لأجل البقاء مع الله تعالى، وهذا أَوْلى لأنه يوجب تنزيه محلِّ النبوة. وقيل ساعاتُ الوصال قصيرة وأيام الفراق طويلة، فما لبثا في دار الوصلة إلاَّ بعضاً من النهار؛ دَخَلاَ ضحوةَ النهار وخَرَجَا نِصْفَ النهار! ويقال إن الفراقَ عينٌ تصيب أهلَ الوصلة، وفي معناه قال قائلهم: شعر : إنْ تكُنْ عينٌ أصابتك فما إلا لأنَّ العين تصيب الحَسَنَا تفسير : ويقال حين تمَّتْ لهما أسباب الوصلة، وَوَطَّأَ نفوسهما على دوام البربة بدا الفراق من مكامنه فأباد من شملهما ما انتظم، كما قيل: شعر : حين تمَّ الهوى وقلنا سُرِرْنا وحَسِبْنا مِنْ الفراق أَمنَّا بَعَثَ البَيْنُ رُسْلَه في خفاءٍ فأبادوا من شملنا ما جمعنا

اسماعيل حقي

تفسير : {فوسوس لهما الشيطان} قال فى الصحاح فوسوس لهما الشيطان يريد اليهما وكلن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل انتهى. والوسوسة الكلام الخفى المكرر يلقيه الشيطان الى قلب البشر ليزين له ما هو المنكر شرعا واول ما ابتدأهما به من كيده اياهما انه ناح عليهما نياحة احزنتهما حين سمعاها فقالا له ما يبكيك قال ابكى عليكما تموتان فتفارقان ما انتما فيه من النعمة والكرامة فوقع ذلك فى نفهسما ثم اتاهما فوسوس اليهما وقال ما نها كما كما يجيء {ليبدى لهما} اى ليظهر لهما. واللام للعاقبة لان اللعين انما وسوس لهما ليوقعهما فى المعصية لا لظهور عورتهما لكن لما كان عاقبة وسوسته ظهور سواتهما شبه ظهورها بالغرض الحامل على الوسوسة ويحتمل ان يكون اللام لام الغرض على انه اراد بوسوسته ان يسوءهما اى يخزيهما بانكشاف عورتهما عند الملائكة وكان قد علم ان لهما سوءة بقراءته كتب الملائكة ولم يكن آدم يعلم ذلك وفى كون الانشكاف غرضا لا بليس دليل على ان كشف العورة فى الخلوة وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن فى الطباع ولم يقع نظر على رضى الله عنه الى عورته حذرا من ان يراها بالعين التى يرى بها جمال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا كان النظر الى سوءته بهذه الرتبة فما ظنك بالنظر الى سوءة الغير وما اشد قبح كشف العورة قالت عائشة رضى الله عنها ما رأى منى ولا رأيت منه اى العورة {ما وورى عنهما} اى الذى ستر عنهما وهو مجهول وارى {من سوآتهما} اى عورتها وكانا لا يريانها من انفسهما ولا احدهما من الآخر لانهما قد البسا ثوبا يستر عورتهما. والسوآت جمع السوءة والتعبير بلفظ الجمع عن اثنين لكراهة اجتماع لفظى التثنية ويحتمل ان يكون الجمع على اصل وضعه باعتبار ان كل عورة هى الدبر والفرج وذلك اربعة فهى جمع وسميت العورة سوءة لانه يسوء الانسان انكشافها {وقال} عطف على وسوس بيانا وتفصيلا لكيفية وسوسته {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة} اى عن اكلها لامر مّا {الا} كراهة {ان تكونا ملكين} اى كالملائكة فى لطافة البينة والاستغناء عن التغذى بالاطعمة والاشربة ونحوهما وفضل الملائكة من بعض الوجوه لا يدل على فضلهم على الانبياء مطلقا لجواز ان يكون لنوع البشر فضائل اخر راجحة على ما للملك فليس المراد انقلاب حقيقتهما البشرية الى الحقيقة الملكية فانه محال. قال سعدى المفتى فيه بحث اذ لا مانع منه عند الا شاعرة لتجانس الاجسام انتهى. واعلم ان الله تعالى باين بين الملائكة والجن والانس فى الصورة والاشكال فمن حصل على بينة الانسان ظاهرا وباطنا فهو انسان فلو قلب الانسان الى بينة الملك لخرج بذلك عن كونه انسانا لكن الملك والشيطان لا يخرجان بالتشكلات الظاهرية المختلفة عن حقيقتهما {او تكونا من الخالدين} الذين لا يموتون ويخلدون فى الجنة.

الطوسي

تفسير : قرأ يحيى بن كثير ويعلى بن حكيم {إِلا أن تكونا ملِكين} بكسر اللام من قوله {هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} الباقون بفتح اللام. أخبر الله تعالى أنه لما نهى آدم وزوجته عن أكل الشجرة وسوس لهما الشيطان. والوسوسة الدعاء الى أمر بضرب خفي كالهمهمة والخشخشة قال رؤبة مراجعة: شعر : وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق سراً وقد أوَّن تأوين العقق تفسير : وقال الأعشى: شعر : تسمع للحلى وسواساً إِذا انصرفت كما استعان بريح عشرق زجل تفسير : وقوله {ليبدي لهما} فالابداء الاظهار، وهوجعل الشىء على صفة ما يصح أن يدرك، وضده الاخفاء وكل شىء أزيل عن الساتر فقد أبدي. وقوله {ما ووري} فالمواراة جعل الشىء وراء ما يستره. ومثله المساترة، وضده المكاشفة، ولم يهمز، لأن الثانية مدة، ولولا ذلك لوجب الهمز. وقيل للفرج سوأة، لأنه يسوء صاحبه إِظهاره، وكلما قبح إِظهاره سوأة، والسوء من هذا المعنى. واذا بالغوا قالوا: السوأة السوآء، ولم يقصد آدم وحواء (عليهما السلام) بالتناول من الشجرة القبول من إِبليس والطاعة له بل إِنما قصدا عند دعائه شهوة نفوسهما، ولو قصدا القبول منه لكان ذلك قبيحاً لا محالة. وقال الحسن لو قصدا ذلك لكانا كافرين. وفرق بين وسوس اليه ووسوس له مثل قولك ألقى اليه المعنى، ووسوس له معناه أوهمه النصيحة له. فان قيل كيف وصل إِبليس الى آدم وحواء حتى وسوس لهما؟ وهو خارج الجنة، وهما في الجنة، وهما في السماء وهو في الأرض؟ قلنا: فيه أقوال. أحدها - قال الحسن: كان يوسوس من الأرض الى السماء والى الجنة فوصلت وسوسته بالقوة التي خلقها الله له. الثاني - قال أبو علي إِنهما كانا يخرجان من السماء فبلغهما وهما هناك. الثالث - قال أبو بكر بن الاخشيد إِنه خاطبهما من باب الجنة وهما فيها. وقوله {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إِلا أن تكونا ملكين} فيه قولان: أحدهما - أن فيه حذفاً وتقديره إِلا أن تكونا ملكين ولستما ملكين. ومعناه لئلا تكونا ملكين. الثاني - الا كراهة أن تكونا ملكين. فإِن قيل كيف يموِّه عليهما أن الأكل من الشجرة يوجب الانقلاب من صورة البشرية الى صورة الملائكة أو يوجب الخلود في الجنة؟! قلنا: عن ذلك جوابان: احدهما - أنه أوهم أن ذلك في حكم الله في كل من أكل من تلك الشجرة. الثاني - أنه أراد إِلا أن تكونا بمنزلة الملائكة في علو المنزلة. واستدل جماعة من المعتزلة بهذه الآية على أن الملائكة أفضل من البشر، والأنبياء منهم. وهذا ليس بشىء، لأنه لم يجر ها هنا ذكر لكثرة الثواب وأن الملائكة أكثر ثواباً من البشر بل كان قصد إِبليس أن يقول لآدم ما نهاك الله عن أكل الشجرة إِلا أن تكونا ملكين، فإِن كنتما ملكين فقد نهاكما، وحيث لستما من الملائكة فما نهاكما الله عن أكلها، وتلخيص الكلام أن المنهي من أكل الشجرة هم الملائكة فقط، ومن ليس منهم فليس بمنهي، ولا تعلق لذلك بكثرة الثواب ولا بقلته وعلى قول من كسر اللام لا متعلق في الآية ولا شبهة. والشجرة التي نهي عنها آدم، قال قوم هي الكرمة، وقال آخرون هي السنبلة. وقيل فيه أقوال غيرهما ذكرناها في سورة البقرة.

الجنابذي

تفسير : {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} فعل الوسوسة وهى الصّوت الخفىّ فى الاصل ثمّ غلب على ما يلقى الشّيطان فى النّفوس من الخواطر الخفيّة السّيّئة او المؤدّية الى السّوء، وان كان المراد ظاهر ما ورد فى الاخبار من انّه اختفى بين لحيتى الحيّة وأظهر النّصح لهما بلسانٍ ظاهرىٍّ وسمعاه بالسّمع الظّاهر، فالمقصود انّه اظهر النّصح لهما بصوتٍ خفىٍّ اظهاراً لهما انّه محض التّرحّم والشّفقة لهما مبالغةً فى الغرور، فانّ الرّحمة والشّفقة تقتضيان اخفاء الصّوت لا الاجهار به، والاتيان باللاّم للاشارة الى انّه نصح نافع لهما {لِيُبْدِيَ لَهُمَا} اللاّم للعاقبة او للغاية على انّه كان عالماً بانّ قرب الشّجر مورث لان يبدى لهما {مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} وقد ورد انّ المراد كان بالسوأة هو العورة وكانت قبل ذلك مختفيةً غير ظاهرة على انفسهما ولا على غيرهما ولكن اذا اريد بالشّجرة شجرة النّفس فانّها مجمع تمام الرّذائل والخصائل، وبه يجمع بين ما ورد فى تفسيرها مع اختلافها وتضادّها كما سبق، وبآدم الرّوح المنفوخة فى جسده الّتى هى طليعة العقل، وبحوّاء جهتها السّفلىّ الّتى خلقت من جانبها الايسر، كان المراد بوسوسة الشّيطان الخطرات الّتى تقرّب الانسان الى المشتهيات النّفسانيّة وبسؤاتهما الرّذائل المكمونة والاهواء الفاسدة والآراء الكاسدة الّتى تظهر بعد الاختلاط بالنّفس ومشتهياتها، والمراد من ورق الجنّة ما اقتضاه العقل من الحياء والتّقوى فانّهما من اوراق الجنّة، وبهما وبسائر صفات العقل يستر المساوى ولا يتجاهر الانسان بها الاّ ان يهلك العقل ويخرج من الجنّة وحكومة العقل، ونداء الرّبّ عبارة عن نداء العقل فى وجود الانسان بالتّوبيخ على ما يصدر عنه ممّا فيه نقصه {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا} عطف على وسوس وتفصيل لها {عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} كأنّهما استشعرا ان ليس فى جبلّتهما ما فى الملك ولا ما يقتضى الخلود واستشعرا ما فى الملكيّة والخلود من الكمال بالنّسبة الى المخلوق المركّب من طباع العناصر، فاشتاقا الى الوصفين فقال لهما: انّ الاكل من الشّجرة مورث للوصفين وانّ الله كرّه لكما الوصفين ولذلك نهاكما عن الاكل.

اطفيش

تفسير : {فوَسْوس لَهما الشَّيطانُ} الوسوسة من الشيطان إلقاء كلام فى قلب الإنسان أو الجن، وأصل الوسوسة التكلم بخلاف خفى متشابه الصوت، كأنه تكرير، ومنه وسوس الحلى، ويحتمل أن يكون تكلم لهما خفية سمعاه، قيل: كانا يخرجان خارج الجنة، فتمكن إبليس منهما وهو الشيطان فى الآية، وقيل: يقربان من الباب، وقيل: دخل فى فم الحية مرة إلى الجنة، وقيل: كان يدخل فى فمها إليها وضعف بعضهم القولين. وقال الحسن: وسوس لهما من الأرض فى قلبيهما بالقوة التى جعلها الله فيه، وهو قول ضعيف، يرده لفظ القرآن، وقال أبو سلمة الأصبهانى: بل كان آدم وإبليس فى الجنة، لأن هذه الجنة كانت بعض جنات الأرض، وهو قول لا يكفى فى الجواب، لأن الفرض أنه أخرج منها، والكلام فى كيفية وسوسته لهما، وقد فارقهما، ومعنى وسوس لهما فعل الوسوسة لأجلهما، ويجوز أن يكون اللام بمعنى إلى أى ألقاها إليهما فهما موسوس إليهما بفتح الواوات، ولا يقال موسوسان، كما يقال: زيد موسوس إليه، أو موسوس له، ولا يقال موسوس اللهم إلا على سبيل الحذف والإيصال. {ليُبْدىَ} ليظهر {لَهما ما ووُرِىَ} ستر {عنْهُما من سَوْآتهما} عوراتهما، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر، سميت العورة سوأة لأن ظهورها يسوء الإنسان، وفى ذلك دليل على أن كشف العورة ولو للنفس أو فى الخلوة أو للزوج من غير حاجة قبيح مستهجن فى الطباع، وهو منكر للغير، والظاهر أن اللام للصيرورة لا للتعليل، لأنه - لعنه الله - لا يدرى أن عورتهما تنكشف بسبب وسوسته لهما وقبولهما لهما، فيقصد الانكشاف، ويحتمل أن يكون قد علم بأنها تنكشف بقبول وسوسته، أن ظن ذلك فتكون اللام للتعليل، بأن قصد وسوستهما لتكشف عورتهما فيسوءهما ذلك، ولذا عبر بالسوأة، هذا تحرير المقام. وذكر بعضهم: أنه يمكن أن تكون للتعليل بحسب قصد إبليس إلى حط مرتبتهما وإلقاءهما فى عقوبة غير مخصوصة، وأقول: لا تكون للتعليل بقصده عقوبة غير مخصوصة، إلا إن أراد عقوبات عامة، فقد يصح التعليل، ووزن وورى فوعل بضم الفاء وكسر العين، وهو مفاعلة ليست على بابها إلا أن يعتبر، إنما وارى شيئا قد واراه الشىء ما خلفه مثلا، وزعم قوم أن هذا من وراء بفتح الواو وهو خلف، وهو قول ضعيف من حيث التصريف. والمعنى فإن السوأة تشمل القبل والدبر، ولم تقلب الواو همزة مع أنها مضمومة فى الأول بعدها واو، وقد كان ذلك جائزا كما يقال فى تصغير واصل أو يصل بقلبها همزة، وقلب ألف واصل واو، لأن الثانية فى الآية مدة، فقد قرأ ابن مسعود بقلبها همزة، وقرأه الحسن ومجاهد من سوتهما بالإفراد، وقلب الهمزة واواً، وإدغام واو فى واو، وحكى سيبويه أن هذا القلب والإدغام لغة، وكذا قرأ أبو جعفر بن القعقاع، وشيبة بن نصاح، والزهرى لكن بالجمع، وقرىء سوآتهما بنقل فتح الهمزة إلى الواو وحذف الهمزة. {وقَالَ ما نهاكُما ربُّكما عَن هذِه الشَّجرة} أى عن أكل ثمرها {إلاَّ أنْ تكونَا مَلَكيْن} وقرأ ابن عباس ويحيى بن أبى كثير والضحاك بكسر اللام، ويؤيده قوله تعالى فى آية أخرى: {أية : ومُلْك لا يبلى} تفسير : وتكون فى تأويل مصدر مفعول لأجله على حذف مضاف، أى كراهة كونهما ملكين، وقيل: هو على حذف لام التعليل ولن نافية، أى لئلا تكونا، والأول قول سيبويه والبصريين، ورجح بأن إضمار الاسم أحسن من إضمار الحرف، وبكثرة حذف المضاف، وبقلة المحذوف فيه، وزعم بعض إلا أن فى مثل ذلك بمعنى لئلا، قيل: وفى تزينه له الكون من الملائكة وقبوله ذلك التزيين دلالة على أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وعليه جار الله. والجواب أنه قيل: الملكية، واختارها قبل أن يشرف بالنبوة، وإنما كان ذلك قبل النبوة، سلمنا أن ذلك بعد النبوة، لكن اختار الملكية لا لذاتها، بل لطول العمر، فإنهم على الصحيح لا يموتون إلا عند النفخة، وليقدر على العبادة فوق قدرته، وليستغنى عن الطعام والشراب والجماع، وذلك لا يدل على أن الملائكة أفضل مطلقاً. والحاصل أنه اختار هذه الخُلل الشريفة فيكون بها ملكيا لا تبديل جسمه جسم ملك، وإنما صح البحث لقبول آدم ذلك، وإلا فما يفهم من قول إبليس من تفضيل الملك لا يعتبر لجواز كذبه، بل هو كاذب، وقد فسر بعضهم الغرور فى: {أية : فدلاهما بغرور} تفسير : بكذبه أن الملك أفضل، ولكنه تفسير ضعيف، وقد يقال: إن آدم لم يعرف حينئذ أن النبى أفضل والذى عندى أن الآدمى المطيع مطلقا أفضل من الملك، لأنه ولو قلَّت عبادته لكنها بمشقة لكثرة موانعها، بخلاف الملك فعبادته ولو كثرت لكن لا مشقة عليهم وقد طبعوا طبع من لا يعصى، ولأنهم خدم أهل الجنة. {أو تَكُونا مِنَ الخَالِدينَ} فى الجنة، وقيل: من الذين لا يموتون إلى النفخة، أو لا يموتون أبدا كذبا منه أبعده الله، فإن كل حى يموت إلا الحى الدائم سبحانه.

اطفيش

تفسير : {فَوَسْوَسَ} تكلم كلاما خفيا، وأَصله صوت الحلى وفيه تكرر {لَهُمَا الشَّيْطَانُ} أَوقع الوسوسة لأَجلهما، وهذا باللام ويقال: وسوس إِليه با لى بمعنى أَنهى إِليه الوسوسة، ويجوز كون اللام فى الآية بمعنى إِلى {لِيُبْدِىَ} يظهر {لَهُمَا مَا وُورِىَ} أَخفى {عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا} عوراتهما، وكانت مستورة بلباس الجنة أَو بشئٍ من جسدهما كظفر أَلين كجلدهما ولم يبق منه إِلا الأَظفار للتذكرة والانتفاع والزينة، أَو بنور، والأَول أَولى لتبادره، واللام فى ليبدى للعاقبة على أَنه لعنه الله لا يدرى أَنه إِذا أَكلا منها يعريان، أَو كان عارفا بذلك لفهمه أَو لسماعه من الملائكة، أَو برؤيته فى اللوح المحفوظ، فتكون للتعليل فيكون قد وسوس ليوقعهما فى المعصية فيخرجا من الكرامة، وإِبداء عورتهما لهما أَشد عليهما من أَن يعريا بدون أَن يراها، وفى الآية تقبيح كشف العورة عند الزواج أَو فى الخلوة بلا حاجة، وكانا قبل ذلك لا يريانها من أَنفسهما ولا من أَحدهما، والسوءَات فرجا كل واحد فهن أَربعة، أَو أَراد القبلين فجمع لكراهة إِضافة تثنية لتثنية، وفسر الوسوسة بقوله {وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ} أَى كملكين {أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} فى الجنة، شهر أَنه دخل فى فم الحية إِذ قربت من باب الجنة وهى فيها فسمها منه، فوسوس لهما فعوقبت بسلب قوائمها وليس بصحيح، أَو قرب من باب الجنة فوسوس إِليهما من خارج، وقد أَراد دخولها خفية للوسوسة فمنعه الخزنة، وقعد للوسوسة على بابها ثلاث ساعات وهى ثلاثمائة سنة من سنى الدنيا فوسوس، ولما رفع إِدريس إِلى السماءِ السابعة منع منها، ولما رفع عيسى إِلى الرابعة كان يدخل الثالثة، ولما أُسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم منع منهن كلهن، أَو جعل الله له قوة الوسوسة من الأَرض إِلى الجنة، وكان آدم عليه السلام يتعاطى أَن يكون كملائكة القرب من العرش لشرفهم ولعدم حاجتهم للأَكل والشرب ولقوتهم ولعلمه أَنهم لا يموتون رغب فى هذه الخصال، ولو كان أَفضل منهم من جهة أُخرى، وكان عالما بأَن الله عز وجل فضله عليهم وأَسجدهم له، وقيل أَسجد له ملائكة الأَرض فقط فليس فى الآية دلالة على أَفضلية الملائكة عليه، وأَوهمهما إِبليس والعياذ بالله تعالى منه أَن الله نهاهما عن أكل ثمار الشجرة لئلا يكونا منهم، ولئلا يكونا خالدين فيها، أَى كراهة أَن يكونا ملكين أَو يكونا خالدين، فاختار الأَكل منها على الكون منهم، وعلى الخلود وهذا ظاهر الآية، وهو بعيد، بل المراد أَنه تعالى نهاكما عن الأَكل منها لأَنكما إِن أَكلتما منها كنتما بمنزلة الملائكة، أَو خلدتما، رغبهما فى أَكلها طمعا لحصول أَحد الأَمرين، قيل أَو كليهما ترغيبا على أَن أَو بمعنى الواو فيناسب هذا أَن يقدر إِلا كراهة إِلا أَن لا تكونا ملكين، أَو كراهة أَن لا تكونا ملكين. كما قال "هل أَدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى" وتصديق آدم عليه السلام لإبليس لعنه الله - فى الخلود بمعنى المكث الطويل غير كفر بل صدقه فى المكث الدائم لم يكن كفرا لأَن ذلك قبل إِخبار الله له بالموت والبعث، وقيل: لم يصدقاه بل غلبهما اشتهاء الأَكل، وآية طه تدل على أَن رغبتهما فى الأَكل أَكثر منها فى التملك.

الالوسي

تفسير : {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي فعل الوسوسة لأجلهما أو ألقى إليهما / الوسوسة وهي في الأصل الصوت الخفي المكرر، ومنه قيل لصوت الحلي وسوسة، وقد كثرت فعللة في الأصوات كهينمة وهمهمة وخشخشة، وتطلق على حديث النفس أيضاً وفعلها وسوس وهو لازم ويقال: رجل موسوس بكسر الواو لا تفتح على ما قاله ابن الأعرابي. وقال غيره: يقال موسوس بالفتح وموسوس إليه فيكون الأول على الحذف والإيصال. والكلام في كيفية وسوسة اللعين قد تقدمت الإشارة إليه في سورة البقرة. {لِيُبْدِيَ لَهُمَا } أي ليظهر لهما، واللام إما للعاقبة لأن الشيطان لم يقصد بوسوسته ذلك ولم يخطر له ببال وإنما ءال الأمر إليه، وإما للتعليل على ما هو الأصل فيها، ولا يبعد أنه أراد بوسوسته أن يسوءهما بانكشاف عورتيهما ولذلك عبر عنهما بالسوأة، ويكون هذا مبنياً على الحدس أو العلم بالسماع من الملائكة أو الاطلاع على اللوح. قيل: وفي ذلك دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع. {مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا } أي ما غطي وستر عنهما من عوراتهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر وكانت مستورة بالنور على ما أخرجه الحكيم الترمذي وغيره عن وهب بن منبه أو بلباس كالظفر على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي، وجمع السوآت على حد { أية : صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } تفسير : [التحريم: 4] واعتبار الأجزاء بعيد، والمتبادر من هذا الكلام حقيقته، وقيل هو كناية عن إزالة الحرمة وإسقاط الجاه، و {وورِي} بواوين ماضي وارى كضارب وضورب أبدلت ألفه واواً فالواو الأولى فاء الكلمة والثانية زائدة. وقرأ عبد الله {أوري} بالهمزة لأن القاعدة إذا اجتمع واوان في أول كلمة فإن تحركت الثانية أو كان لها نظير متحرك وجب إبدال الأولى همزة تخفيفاً مثال الأول أو يصل وأواصل في تصغير واصل وتصغيره ومثال الثاني أولى أصله وولى فأبدلت الأولى لما تحركت الثانية في الجمع وهو أول فإن لم يتحرك بالفعل أو القوة جاز الإبدال وعدمه كما هنا قاله الشهاب نقلاً عن النحاة. وقرىء {سوأتهما} بالإفراد والهمزة على الأصل و {سوتهما} بإبدال الهمزة واواً وإدغام الواو في الواو، وقرىء {سواتهما} بالجمع وطرح حركة الهمزة على ما قبلها وحذفها و {سواتهما} بالطرح وقلب الهمزة واواً والإدغام. { وَقَالَ } عطف على (وسوس) بطريق البيان {مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ } أي الأكل منها {إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ } استثناء مفرغ من المفعول لأجله بتقدير مضاف أو حذف حرف النفي ليكون علة أي كراهية أن تكونا أو لئلا تكونا ملكين {أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ } أي الذين لا يموتون أصلاً أو الذين يخلدون في الجنة. وقرأ ابن عباس ويحيى بن كثير {مَلِكَيْنِ } بكسر اللام. قال الزجاج: ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى حكاية عن اللعين { أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } تفسير : [طه: 120]. استدل بالآية على أفضلية الملائكة حيث إن اللعين قال ذلك ولم ينكر عليه، وارتكب آدم عليه السلام المنهي عنه طمعاً فيما أشار إليه الشيطان من الصيرورة ملكاً فلولا أنه أفضل لم يرتكبه، وأجيب بأن رغبتهما إنما كانت في أن يحصل لهما أوصاف الملائكة من الكمالات الفطرية والاستغناء عن الأطعمة والأشربة ونحو ذلك ونحن لا نمنع أفضلية الملائكة من هذه الأوجه وإنما نمنع أفضليتهم من كل الوجوه والآية لا تدل عليه، وأيضاً قد يقال: إن رغبتهما كانت في الخلود فقط وفي آية طه [120] ما يشير إليه حيث عقب فيها الترغيب في الخلود بالأكل، واعترض بأن رغبتهما في الخلود تستلزم الكفر / لما يلزم ذلك من إنكار البعث والقيامة، ومن ثم قال الحسن لعمرو بن عبيد لما قال له: إن آدم وحواء هل صدقا قول الشيطان: معاذ الله تعالى لو صدقا لكانا من الكافرين، وأجيب بأن المراد من الخلود طول المكث والتصديق به ليس بكفر ولو سلم أن المراد الدوام الأبدي فلا نسلم أن اعتقاد ذلك إذ ذاك كفر لأن العلم بالموت والبعث بعده يتوقف على الدليل السمعي ولعله لم يصل إليهما وقتئذ. وادعى بعضهم أن المراد الاخلود بالخلود العارض بعد الموت بدخول الجنة وحينئذ لا إشكال إلا أنه خلاف الظاهر. وعن السيد المرتضى في معنى الآية أنه قال: إن اللعين أوهمهما أن المنهي عن تناول الشجرة الملائكة والخالدون خاصة دونهما كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت عن كذا إلا أن تكون فلاناً يريد أن المنهي هو فلان دونك، وهو كما ترى.

ابن عاشور

تفسير : كانت وسوسة الشّيطان بقرب نهي آدم عن الأكل من الشّجرة، فعبّر عن القرب بحرف التّعقيب إشارة إلى أنّه قرب قريب، لأنّ تعقيب كلّ شيء بحسبه. والوسوسة الكلام الخفي الذي لا يسمعه إلاّ المُداني للمتكلّم، قال رؤبة يصف صائداً:شعر : وَسْوَسَ يَدعُو جاهداً ربّ الفلق سِرّاً وقد أوّنَ تَأوِينُ العُقق تفسير : وسمي إلقاء الشيطان وسوسة: لأنّه ألقَى إليهما تسويلاً خفياً من كلاممٍ كلمهما أو انفعاللٍ في أنفسهما. كهيئة الغاش الماكر إذْ يُخفِي كلاماً عَن الحاضرين كيلا يفسدوا عليه غشّه بفضح مضاره فألقى لهما كلاماً في صورة التّخافت ليوهمهما أنّه ناصح لهما وأنّه يخافت الكلام، وقد وقع في الآية الأخرى التّعبير عن تسويل الشّيطان بالقول: {أية : فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلّك على شجرة الخُلْد وملك لا يبلى} تفسير : [طه: 120] ثمّ درج اصطلاح القرآن وكلام الرّسول عليه الصّلاة والسّلام على تسمية إلقاء الشّيطان في نفوس النّاس خواطرَ فاسدة، وسوسة تقريباً لمعنى ذلك الإلقاء للأفهام كما في قوله: {أية : من شر الوسواس الخنّاس} تفسير : [الناس: 4] وهذا التّفصيل لإلقاء الشّيطان كيده انفردت به هذه الآية عن آية سورة البقرة لأنّ هذه خطاب شامل للمشركين وهم أخلياء عن العلم بذلك فناسب تفظيع أعمال الشّيطان بمسمع منهم. واللاّم في: {ليبدي} لام العاقبة إذا كان الشّيطان لا يعلم أنّ العصيان يفضي بهما إلى حدوث خاطر الشرّ في النّفوس وظهور السوآت، فشبّه حصول الأثر عقب الفعل بحصول المعلول بعد العلّة كقوله تعالى: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} تفسير : [القصص: 8] وإنّما التقطوه ليكون لهم قرّة عين، وحسن ذلك أن بدوّ سوآتهما ممّا يرضي الشّيطان. ويجوز أن تكون لام العلّة الباعثة إذا كان الشيطان يعلم ذلك بالإلهام أو بالنّظر، فالشّيطان وسوس لآدم وزوجه لغرض إيقاعهما في المعصية ابتداء، لأنّ ذلك طبعه الذي جبل على عمله، ثم لغرض الإضرار بهما، إذ كان يعلم أنّهما يعصيان الله بالأكل من الشّجرة، ولمّا كان عدُوّاً لهما كان يسعى إلى مَا يؤذيهما، ويحسدهما على رضَى الله عنهما، ويعلم أنّ العصيان يُفضي بهما إلى سوء الحال على الإجمال، فكان مظهر ذلك السوء إبداءَ السوْآت، فجُعل مفصِّلُ العلّة المجملة عند الفاعل هو العلّةَ، وإن لم تخطر بباله، ويحتمل أن يكون الشّيطان قد علم ذلك بعلم حصل له من قبل. والحاصلُ أنّه أراد الإضْرار، لأنّه قد استقرّ في طبعه عداوة البشر، كما سيصرّح به فيما بعدُ، وفي قوله تعالى: {أية : إن الشّيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً}تفسير : [فاطر: 6]. والإبداء ضدّ الإخفاء، فالإبداء كشف الشّيء وإظهاره، ويطلق مجازاً على معرفة الشّيء بعد جهله يقال: بدَا لي أنْ أفعل كذا. وأسند إبداءُ السوْآت إلى الشّيطان لأنّه المتسبّب فيه على طريقة المجاز العقلي والسوآت جمعُ سوْأة وهي اسم لما يسوء ويتعيّر به من النّقايص، ومِن سَب العرب قولهم: سوأةً لك، ومن تلهّفهم: يا سوْأتَا. ويكنّى بالسوأة عن العورة. ومعنى ووُري عنهما حجب عنهما وأخفي، مشتقاً من المواراة وهي التّغطيّة والإخفاء وتطلق المواراة مجازاً على صرف المرء عن علم شيء بالكتمان أو التّلبيس. والسّوآت هنا يجوز أن تكون جمع السوأة للخصلة الذّميمة كما في قول أبي زبيد:شعر : لَم يَهْب حُرمة النّديم وحُقَّت يا لَقَوْمي للسوأةِ السوآءِ تفسير : فتكون صيغة الجمع على حقيقتها، والسّوآت حينئذٍ مستعمل في صريحه، ويجوز أن تكون جمع السوأة، المكنى بها عن العورة، وقد روي تفسيرها بذلك عن ابن عبّاس كقوله تعالى: {أية : قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم} تفسير : [الأعراف: 26] وعلى هذا فصيغة الجمع مستعملة في الاثنين للتّخفيف كقوله تعالى: {أية : فقد صَغَت قلوبكما} تفسير : [التحريم: 4]. وسيجيء تحقيق معنى هذا الإبداء عند قوله تعالى بعد هذا: {أية : فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما} تفسير : [الأعراف: 22]. وعطفُ جملة: {وقال ما نهاكما ربكما} على جملة {فوسوس} يدلّ على أنّ الشّيطان وسوس لهما وسوسة غيرَ قوله: {ما نهاكما} إلخ ثمّ ثنى وسوسته بأن قال مَا نهاكما، ولو كانت جملة: {ما نهاكما} إلى آخرها بياناً لجملة {فوسوس} لكانت جملة: {وقال ما نهاكما} بدون عاطف، لأنّ البيان لا يعطف على المبيَّن. وفي هذا العطف إشعار بأنّ آدم وزوجه تردّدا في الأخذ بوسوسة الشّيطان فأخذ الشيطان يراودهما. ألا ترى أنّه لم يعطف قوله، في سورة طه (120): {أية : فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى}. تفسير : فإنّ ذلك حكاية لابتداء وسوسته فابتدأ الوسوسة بالإجمال فلم يعيّن لآدم الشّجرة المنهي عن الأكل منها استنزالاً لطاعته، واستزلالاً لقدمه، ثمّ أخذ في تأويل نهي الله إياهما عن الأكل منها فقال ما حكي عنه في سورة الأعراف: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} الآية فأشار إلى الشّجرة بعد أن صارت معروفة لهما زيادة في إغرائِهما بالمعصية بالأكل من الشّجرة، فقد وزّعت الوسوسة وتذييلها على السّورتين على عادة القرآن في الاختصار في سوْق القصص اكتفاء بالمقصود من مغزى القصّة لئلا يصير القصصُ مقصداً أصلياً للتنزيل. والإشارة بقوله: {عن هذه لشجرة} إلى شجرة معيّنة قد تبيّن لآدم بعد أن وسوس إليه الشّيطان أنّها الشّجرة التي نهاه الله عنها، فأراد إبليس إقدامه على المعصية وإزالة خوفه بإساءة ظنّه في مراد الله تعالى من النّهي. والاستثناء في قوله: {إلا أن تكونا ملكين} استثناء من علل، أي ما نهاكما لعلّة وغرض إلاّ لغرض أن تكونا مَلكين، فتعين تقدير لام التّعليل قبل (أنْ) وحذف حروف الجرّ الدّاخلة على (أنْ) مطرد في كلام العرب عند أمن اللّبس. وكونُهما مَلكين أو خالدَيْن علّة للنّهي: أي كونكما ملَكين هو باعث النّهي، إلاّ أنّه باعث باعتبار نفي حصوله لا باعتبار حصوله، أي هو علّة في الجملة، ولذلك تأوّله سيبويه والزمخشري بتقدير: كراهة أن تكونا. وهو تقدير معنى لا تقدير إعراب، كما تقدّم في سورة الأنعام، وقيل حذفت (لا) بعد (أن) وحذفها موجود، وبذلك تأوّل الكوفيون وقد تقدم القول فيه. وقد أوهم إبليس آدم وزوجه أنّهما متمكّنان أن يصيرا ملكين من الملائكة، إذا أكلا من الشّجرة، وهذا من تدجيله وتلبيسه إذْ ألفى آدم وزوجه غير متبصّريْن في حقائق الأشياء، ولا عالِمَيْن المقدار الممكن في انقلاب الأعيان وتطوّرِ الموجودات، وكانا يشاهدان تفضيل الملائكة عند الله تعالى وزلفاهم وسعة مقدرتهم، فأطمعهما إبليس أن يصيرا من الملائكة إذا أكلا من الشّجرة، وقيل المراد التشبيهُ البليغ أي إلاّ أن تكونا في القرب والزلفى كالمَلكين، وقد مثل لهما بما يعرفان من كمال الملائكة. وقوله: {أو تكونا من الخالدين} عطف على: {أن تكونا ملكين} وأصل (أو) الدّلالة على التّرْديد بين أحد الشّيئين أو الأشياء، سواء كان مع تجويز حصول المتعاطفات كلّها فتكون للإباحة بعد الطّلب، وللتّجويز بعد الخبر أو للشكّ؛ أم كان مع منع البعض عند تجويز البعض فتكون للتّخيير بعد الطّلب وللشكّ أو التّرْديد بعد الخبر، والتّرديدُ لا ينافي الجزم بأن أحد الأمرين واقع لا محالة كما هنا، فمعنى الكلام أن الآكل من هذه الشّجرة يكون مَلَكاً وخالداً، كما قال عنه في سورة طه (120): {أية : هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} تفسير : فجعل نهي الله لهما عن الأكل لاَ يَعدو إرادة أحد الأمرين، ويستفاد من المقام أنّه قد يريد حرمانهما من الأمرين جميعاً بدلالة الفحوى، ولم يكن آدم قد علم حينئذ أنّ الخلود متعذر، وأنّ الموت والحشر والبعث مكتوب على النّاس، فإنّ ذلك يتلقّى من الوحي كما في قوله تعالى لهما في الآية الأخرى: {أية : ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} تفسير : [البقرة: 36]. {وقاسمهما} أي حلف لهما بما يوهم صدقه، والمقاسمة مفاعلة من أقسم إذا حلف، حذفت منه الهمزة عند صوغ المفاعلة، كما حذفت في المكارمة، والمفاعلةُ هنا للمبالغة في الفعل، وليست لحصول الفعل من الجانبين، ونظيرها: عافاه الله، وجعله في «الكشاف»: كأنّهما قالا له تُقسم بالله إنّك لمن النّاصحين فَأقْسم فجُعل طلبُهما القسمَ بمنزلة القسم، أي فتكون المفاعلة مجازاً، قال أو أقسم لهما بالنّصيحة وأقسما له بقبولها، فتكون المفاعلة على بابها، وتأكيد إخباره عن نفسه بالنّصح لهما بثلاث مؤكدَات دليل على مبلغ شكّ آدم وزوجه في نصحه لهما، وما رأى عليهما من مخائل التّردّد في صدقه، وإنّما شكّا في نصحه لأنّهما وَجدا ما يأمرهما مخالفاً لما أمرهما الله الذي يعلمان إرادتَه بهما الخير علماً حاصلاً بالفطرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} {وُورِيَ} {سَوْءَاتِهِمَا} {نَهَاكُمَا} {ٱلْخَالِدِينَ} (20) - وَأَخَذَ إِبْلِيسُ يُحَرِّضُهُمَا عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ رَبِّهِمَا، وَيَحُثُّهُمَا، وَيُزَيِّنُ لَهُمَا الأَكْلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، لِيَسْلِبَهُمَا لِبَاسَهُمَا الحَسَنَ، وَقَالَ لَهُمَا: إنَّ اللهَ نَهَاكُمَا عَنِ الأَكْلِ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِكَيْلاَ تُصْبِحَا مَلَكَيْنِ بِأَكْلِكُمَا مِنْهَا، لَكُمَا خَصَائِصُ المَلاَئِكَةِ وَمَزَايَاهُمْ، أَوْ تُصْبِحَا مِنَ الخَالِدِينَ فِي الجَنَّةِ، الذِينَ لاَ يَمُوتُونَ أَبداً، وَلا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهُم فِيهَا أَبَداً. الوَسْوَسَةُ - الصَّوْتُ الخَفِيُّ المُكَرَّرُ. وَوَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ لِلْبَشَرِ هِيَ مَا يَجِدُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الخَوَاطِرِ السَّيِّئَةِ التِي تُزَيِّنُ لَهُمْ فِعْلَ القَبِيحِ. سَوْءَاتِهِمَا - عَوْرَاتِهِما. مَا وُورِيَ عَنْهُمَا - مَا سُتِرَ وَغُطَّي عَنْهُما.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كلمة "وسوس" تدل على الهمس في الإغواء، ونعرف أن الذي يتكلم في خير لا يهمه أن يسمعه الناس. لكن من يتكلم في شرّ فيهمس خوفاً من أن يفضحه أحد، وكأن كل شر لابد أن يأتي همساً، وصاحبه يعرف أن هذا الكلام لا يصح أن يحدث، ويستحي منه، ولا يحب أن يعرف المجتمع عنه هذا الشيء، و"وسوس" مأخوذة من الصوت المغري، لأن الوسوسة هي صوت رنين الذهب والحلي، إذن فما قاله الشيطان لآدم وزوجه هو كلام مغرٍ ليلفتهما عن أوامر رب حكيم. وقوله الحق: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا} يعطينا حيثيات البراءة لحواء؛ لأن الشائع أن حواء هي التي ألحت على آدم ليأكلا من الشجرة، وكثير منا يظلم حواء على الرغم من أن القرآن يؤكد أن الوسوسة كانت لآدم وحواء معاً. {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا}. [الأعراف: 20] وهل وسوس الشيطان لهما ليبدي لهما ما ووري من سوءاتهما، أو وسوس ليعصيا الله؟. لقد وسوس ليعصيا الله، وكان يعلم أن هناك عقوبة على المعصية، ويعلم أنهما حين يأكلان من الشيء الذي حرمه ربنا ستظهر سواءتهما، و"السوءة" هي ما يسوء النظر إليه، ونطلقها على العورة، والفطرة تستنكف أن يرى الإِنسان المكتمل الإِنسانية السوءة. وكأنهما في البداية لم ير أحدهما سوءة الآخر أو سوءة نفسه لأن الحق يقول: {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا}. والسوءات أربع: اثنتان للرجل واثنتان للمرأة، فكأن كل إنسان منهما لا يرى سوءتيه، وكذلك لا يرى سوءتي الآخر، لأن السوءات كلها لها ما يخفيها عن الرؤية، وهذا كلام معقول جداً. ألم تقل سيدتنا أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها-: "ما رأيت ولا أرى مني"، وفي هذا القول تتجلّى قمة الأدب لأنها لم تجيء حتى باللفظ، لأن العضو مادام سوءة فهو مبني على الستر. وذلك حين حدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:حديث : "يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين"، تعجبت السيدة عائشة فقال لها: "الأمر أخطر من أن ينظر أحد إلى أحد." تفسير : {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} [الأعراف: 20] وبماذا ووري؟. لا بد أن هناك لباساً كان على كل منهما، وقال العلماء الكثير عن هذا اللباس، فمن قائل: إن أظافر الإِنسان هي بقية اللباس الذي كان موجوداً عند آدم وحواء، وهو ما كان يواري السوءات، ويقال: إنّ أيّ إنسان يكون في غاية الضحك والانبساط، ويريد أن يكتم نَفْسه، ويمنعها ويحول بينها وبين الضحك إنه يحدث له ذلك لو نظر إلى أظافره، عندئذ لا يمكنه أن يضحك لأنها بقية لحظة الندم على كشف السوءة. وجرّبها في نفسك، تجد نفسك قد منعت من الضحك، وهذا من عمل الإِله. أو أن الستار الذي كان يواري السوءة هو النور الإِلهي الذي كان يلفهما، والنور الساطع جداً حين يلف لا يبين، صحيح أنك بالنور ترى الأشياء، لكنه إن اشتد عمَّى على الأشياء فأخفاها فلا تراها؛ لأن أي أمر إذا زاد على حدّه انقلب إلى ضده، فإما أن يكون الثوب الأظافر، وإما أن يكون النور الإِلهي الذي كان يغشاهما ويواري السوءة، وقد سميت "سوءة" و"عورة"، لأنها تسوء، فلماذا تسوء؟ وما الفرق بين فتحتين: فتحة في الفم، وفتحة في العورة؟. إن فتحة العورة سوءة باعتبار ما يخرج منها. وحينما كانا يأكلان من إعداد ربنا لم يكونا- كما قلنا- في حاجة إلى إخراج فضلات؛ لأن إعداد الله يعطي كُلاًّ منهما على القدر الكافي للحركة والفعل، وكانت المسألة مجرد فتحات مثل بعضها. لكن حينما يخرجان عن مرادات الله في الطعام، ويأكلان غير ما أمر الله به، ويمارسان اختيار الطعام بدأت الفضلات في الخروج بما لها من رائحة غير مقبولة، فهل ظهور السوءة لهما هو رمز إلى أن هناك مخالفة لمنهج الله سواء أكان ذلك في القيم والمعنويات أم في الأمور المادية؟ نعم؛ لأن كل شيء يُخَالَف فيه منهج الله لابد أن تبدو فيه العورة، وإن رأيت أي عورة في المجتمع فاعلم أن منهجاً من مناهج الله قد عطل. وينقل القرآن ما قاله لهما الشيطان من وسوسة: {وقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20] لقد همس الشيطان وأوحى لهما بأن الحق: أراد ألا تقربا هذه الشجرة لأن من يأكل منها يصير مَلَكاً، أو خالداً. ولم يمحص أي منهما كلمات الشيطان ليعرف أن كيده كان ضعيفاً واهياً وغبياً؛ لأنه مادام قد عرف أن من يأكل من هذه الشجرة يصير ملكاً أو يبقى من الخالدين فلماذا لم يخطف منها ما يجعله مَلَكاً أو خالداً؟ وفي هذا درس يبين لنا أن مَن يُزَيّن له ويتصدى له أحد بالإِغواء يجب عليه أن يمحص إلى أي غواية يسير، وأن يدقق في نتائج ما سوف يفعل. وإذا كان الشيطان قد قال: {أية : قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تفسير : [الأعراف: 14] فلماذا لم ينقذ نفسه بالأكل من هذه الشجرة وتنتهي المسألة؟. إذن كان ما يقوله الشيطان كذباً. ويقول الحق بعد ذلك: {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا...}