٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَقَاسَمَهُمَآ} أي حلف لهما. يقال: أقسم إقساماً؛ أي حَلف. قال الشاعر:شعر : وقاسمها بالله جَهْداً لأنتم ألَذّ من السّلْوىٰ إذا ما نَشُورها تفسير : وجاء «فاعلت» من واحد. وهو يردّ على من قال: إن المفاعلة لا تكون إلا من ٱثنين. وقد تقدّم في «المائدة». {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} ليس «لكما» داخلاً في الصلة. والتقدير: إني ناصح لكما لمن الناصحين؛ قاله هشام النحويّ. وقد تقدّم مثله في «البقرة». ومعنىٰ الكلام: ٱتبعاني أرشدكما؛ ذكره قتادة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَاسَمَهُمَآ } أي أقسم لهما بالله {إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ } في ذلك.
الخازن
تفسير : وقوله تعالى: {وقاسمهما} أي وأقسم وحلف لهما وهذا من المفاعلة التي تختص بالواحد {إني لكما لَمن الناصحين} قال قتادة: حلف لهما بالله تعالى حتى خدعهما وقد يُخدع المؤمن بالله فقال إني خُلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما وقال بعض العلماء: من خادعنا بالله خدعنا له {فدلاهما بغرور} يعني فخدعهما بغرور يقال من زال فلان يدلي فلاناً بغرور يعني ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف من القول الباطل. قال الأزهري وأصله ان الرجل العطشان يتدلى في البئر ليأخذ الماء فلا يجد فيها ماء فوضعت التدلية موضع الطمع فيما لا فائدة فيه والغرور إظهار النصح مع إبطان الغش وهو أن إبليس حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية لأن التدلي لا يكون إلا من علو إلى أسفل. ومعنى الآية أن إبليس لعنه الله تعالى غر آدم باليمين الكاذبة وكان آدم عليه الصلاة والسلام يظن أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً وإبليس أول من حلف بالله كاذباً فلما حلف إبليس ظن آدم أنه صادق فاغتر به {فلما ذاقا الشجرة} يعني: طعما من ثمرة الشجرة وفيها دليل على أنهما تناولا اليسير من ذلك قصد إلى معرفة طعمه لأن الذوق يدل على الأكل اليسير {بدت لهما سوءاتهما} يعني: ظهرت لهما عوراتهما قال ابن عباس رضي الله عنهما: قبل أن ازدردا أخذتهما العقوبة والعقوبة أن ظهرت وبدت لهما سوآتهما وتهافت عنهما لبسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من عورة صاحبه وكانا لا يريان ذلك. وقال وهب: كان لباسهما من النور لا يرى هذا عورة هذه ولا هذه عورة هذا فلما أصابا الخطيئة بدت لهما سوآتهما وقال قتادة: كان لباس آدم في الجنة ظفراً كله فلما وقع في الذنب قشط عنه وبدت سوأته {وطفقا} يعني وأقبلا وجعلا {يخصفان عليهما من ورق الجنة} يعني أنهما لما بدت لهما سوآتهما جعلا يرقعان ويلزقان عليهما من ورق الجنة وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب. وقال الزجاج: جعلا ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما وفي الآية دليل على أن كشف العورة من ابن آدم قبيح ألا ترى أنهما بادرا إلى ستر العورة لما تقرر في عقلهما من قبيح كشفها. روى أبيّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كان آدم صلى الله عليه وسلم رجلاً طويلاً كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس فلما وقع في الخطيئة بدت ل سوأته وكان لا يراها في الجنة فانطلق فارّاً فعرضت له شجرة من شجرة الجنة فحبسته بشعره فقال لها أرسليني قالت لست بمرسلتك فناداه ربه يا آدم أمنّي تفر قال لا يا رب ولكني استحييتك"تفسير : ذكره البغوي بغير سند وأسنده الطبري من طريقين موقوفاً ومرفوعاً. قوله تعالى: {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} يعني أن الله تعالى نادى آدم وحواء وخاطبهما فقال: ألم أنهكما عن أكل ثمرة هذه الشجرة {وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} يعني أعلمكما أن الشيطان قد بانت عداوته لكما بترك السجود حسداً وبغياً. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أكل آدم من الشجرة قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني. قال فأني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرهاً ولا تضع إلا كرهاً قال فرنت حواء عند ذلك رنة فقيل لها الرنة عليك وعلى بناتك وقال محمد بن قيس: ناداه ربه يا آدم لم أكلت منها وقد نهيتك قال أطعمتني حواء فقال لحواء لم أطعمتيه قالت أمرتني الحية فقال للحية لم أمرتها قالت أمرني إبليس قال الله تعالى: أما أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة تدمين كل شهر وأما أنت يا حية فأنطع رجليك فتمشين على وجهك وسيشدخ رأسك من لقيك وأما أنت يا إبليس فملعون مطرود مدحور يعني عن الرحمة. وقيل ناداه ربه يا آدم أما خلقتك بيدي أما نفخت فيك من روحي أما أسجدت لك ملائكتي أما أسكنتك جنتي في جواري.
ابن عادل
تفسير : قوله: "وقَاسَمَهُمَا" المفاعلةُ هنا يحتمل أن تكُونَ على بابها فقال الزَّمَخْشَرِيُّ: "كأنَّهُ قال لهما: أقْسِمُ لكُمَا إنِّي لمن النَّاصِحِينَ، وقالا له: أتقسمُ باللَّهِ أنت إنَّكَ لمن الناصحين لنا فجعل ذلك مُقَاسمَةً بَيْنَهُم، أو أقسم لهما بالنَّصِيحَةِ، وأقسما له بقبُولِهَا، أو أخرج قسم إبليس على وزن المُفَاعَلَةِ؛ لأنَّهُ اجْتَهَد فيها اجتهاد المُقَاسِمِ". وقال ابْنُ عطيَّة: "وقَاسَمَهُمَا" أي: حَلَفَ لهما، وهي مفاعلة إذْ قَبُولُ المحلوف له، وإقباله على معنى اليمينِ كالقسم وتقريره: وإنْ كان بَادِىء الرَّأي يعطي أنَّها من واحد ويحتمل أنَّ "فاعل" بمعنى "أفعل" كبَاعَدْته، وأبْعَدْتُهُ، وذلك أنَّ قوله الحَلْف إنَّما كان من إبليس دونهما، وعليه قول خالدِ بْن زُهير: [الطويل] شعر : 2431 – وَقَاسَمَها باللَّهِ جَهْداً لأنْتُمُ ألَذُّ مِنَ السَّلْوَى إذَا مَا نَشُورُهَا تفسير : قال قتادةُ: حلف لهما بالله حتى خَدَعَهُمَا، وقد يُخْدَعُ المُؤمِنُ بالله. {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} أي: قال إبليس: إنِّي حلفت قبلكما، وأنا أعلم أحْوالاً كثيرةً من المصالحِ والمفاسد، لا تَعْرِفَانها، فامْتَثِلاَ قولي أرشِدكُمَا، وإبليسُ أوَّلُ من حَلَفَ باللَّهِ كاذباً، فلمَّا حلف ظن آدم أنَّ أحداً لا يحلف بالله إلاَّ صَادِقاً فاغتر به. قوله: {لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِين} يجوز في "لَكُمَا" أن تتعلق بما بعده على أن "أل" معرفة لا موصولة، وهذا مذهبُ أبي عُثْمان، أو على أنَّها موصولةٌ، ولكن تُسُومح في الظَّرْفِ وعديله ما لا يتسامح في غيرهما اتِّسَاعاً فيهما لدورانهما في الكلام، وهو رَأيُ بعض البَصْريِّين، وأنْشَدَ: [الرجز] شعر : 2432 – رَبَّيْتُهُ حَتَّى إذا تَمَعْدَدَا كَانَ جَزائِي بالعَصَا أنْ أُجْلَدَا تفسير : فـ "بِالعَصَا" متعلِّقٌ بأجْلَدا وهو صلة أنْ، أو أن ذلك جائزٌ مطلقاً، ولو في المفعول به الصَّريح، وهو رأي الكوفيين وأنشدوا: [الكامل] شعر : 2433 -.................... وَشِفَاءُ غَيِّكِ خَابِراً أنْ تَسْألِي تفسير : أي: أن تسألي خابراً، أو أنَّهُ متعلِّقٌ بمحذوف على البيانِ أي: أعني لَكُمَا كقولهم: سُقْياً لك، ورَعْياً، أو تعلَّقَ بمحذوف مدلول عليه بِصِلَةِ أل أي: إنِّي نَاصِحٌ لَكُمَا، ومثل هذه الآية الكريمة: {أية : إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ ٱلْقَالِينَ}تفسير : [الشعراء: 168]، {أية : وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ}تفسير : [يوسف: 68]. وجعل ابن مالك ذلك مطَّرداً في مَسْألةِ أل الموصولة إذا كانت مجرورة بـ "من". ونَصَحَ يتعدَّى لواحدٍ تارَةً بنفسه، وتارةً بحرف الجرِّ، ومثله شَكَرَ، وقد تقدَّمَ، وكال، ووزن. وهل الأصلُ التعدِّي بحرف الجر والتَّعدِّي بنفسه، أو كل منهما أصْلٌ؟ الرَّاجِحُ الثَّالِثُ. وزعم بعضُهم أنَّ المفعول في هذه الأفْعَالِ محذوفٌ، وأنَّ المجرور باللاَّم هي الثَّاني، فإذا قُلْتَ: نَصَحْتُ لِزَيْدٍ فالتقديرُ: نصحتُ لزيدٍ الرَّأيَ، وكذلك شَكَر له صنيعه وكِلْتُ له طعامه وَوَزَنْتُ له متاعه فهذا مَذْهَبٌ رابع. وقال الفرَّاءُ: "العربُ لا تَكَادُ تقول: نَصَحْتُكَ، إنَّمَا يَقُولُونَ نَصَحْتُ لك وأنْصَحُ لك"، وقد يجوز نصحتك. قال النابغة: [الطويل] شعر : 2434 – نَصَحْتُ بَنِي عَوْفٍ فَلَمْ يَتَقَبَّلُوا رَسُولِي وَلَمْ تَنْجَحْ لَدَيْهِمْ رَسَائِلِي تفسير : وهذا يقوِّي أنَّ اللاَّم أصلٌ. والنُّصْحُ: بَذْلُ الجُهْدِ في طلب الخَيْرِ خاصَّةً، وضدُّهُ الغشُّ. وأمَّا "نَصَحْتُ لِزَيْدٍ ثوبه" فمتعدٍّ لاثنين، لأحدهما بنفسه وللثاني بحرف الجرِّ باتِّفاقٍ، وكأنَّ النُّصْحَ الذي هو بَذْلُ الجهد في الخير مأخُوذٌ من أحد معنيين: أمَّا من نَصَحَ أي أخْلَصَ ومنه: نَاصِحُ العسل أي خَالِصُهُ، فمعنى نَصَحَهُ: أخلص له الوُدَّ، وإمَّا من نَصَحْتُ الجِلْدَ والثَّوْبَ إذا أحكمت خياطتهما، ومنه النَّاصحُ للخيَّاطِ والنِّصَاحُ للخيط، فمعنى نَصَحه أي: أحكم رأيه منه. ويقال: نَصَحه نُصُوحاً ونَصَاحَةً قال تعالى: {تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نُّصُوحاً} [التحريم: 8] بضمِّ النُّونِ في قراءة أبِي بَكْرٍ، وقال الشَّاعر في "نَصَاحَةٍ": [الطويل] شعر : 2435 – أحْبَبْتُ حُبًّا خَالَطَتْهُ نَصَاحَةٌ ......................... تفسير : وذلك كذُهُوبٍ، وذهابٍ.
البقاعي
تفسير : ولما أوصل إليهما هذا المعنى، أخبر أنه أكده تأكيداً عظيماً كما يؤكد الحالف ما يحلف عليه فقال: {وقاسمهما} أي أقسم لهما، لكن ذكر المفاعلة ليدل على أنه حصلت بينهما في ذلك مراوغات ومحاولات بذل فيها الجهد، وأكد لمعرفته أنهما طبعا على النفرة من المعصية - ما أقسم عليه أنواعاً من التأكيد في قوله: {إني لكما} فأفاد تقديم الجار المفهم للاختصاص أنه يقول: إني خصصتكما بجميع نصيحتي {لمن الناصحين*} وفيه تنبيه على الاحتراز من الحالف، وأن الأغلب أن كل حلاف كذاب، فإنه لا يحلف إلا عند ظنه أن سامعه لا يصدقه، ولا يظن ذلك إلا هو معتاد للكذب. ولما أخبر ببعض وسوسته لهما، سبب عنها ترجمتها بأنها إهباط من أوج شرف إلى حضيض أذى وسرف فقال: {فدلاَّهما} أي أنزلهما عما كانا فيه من علو الطاعة مثل ما فعل بنفسه بالمعصية التي أوجبت له الهبوط من دار الكرامة {بغرور} أي بخداع وحيلة حتى نسى آدم عهد ربه، وقوله {فلما ذاقا} مشير إلى الإسراع في الجزاء بالفاء والذوق الذي هو مبدأ الأكل {الشجرة} أي وجدا طعمها {بدت} أي ظهرت {لهما سوءاتهما} أي عوراتهما اللاتي يسوءهما ظهورها، وتهافت عنهما لباسهما فأبصر كل واحد ما كان مستوراً عنه من عورة آلاخر، وذلك قصد الحسود فاستحييا عند ذلك {وطفقا} أي شرعا وأقبلا {يخصفان عليهما} أي يصلان بالخياطة {من ورق الجنة} ورقة الى أخرى {وناداهما ربهما} أي المحسن إليهما بأمرهما ونهيهما، ولم يفعلا شيئاً من ذلك إلا بمرأى منه، فقال منكراً عليهما ما فعلا ومعاتباً: يا عبديَّ {ألم أنهكما} أي أجعل لكما نهاية فيما أذن لكما فيه متجاوزة {عن تلكما الشجرة} أي التي كان حقها البعد منها، الموجبة للقربة من هذا الموضع الشريف إحساناً إليكما {وأقل لكما إن الشيطان} أي الذي تكبر عن السجود حسداً لك يا آدم ونفاسه عليك، فاحترق بغضبي فطرد وأبعد عن رحمتي {لكما} أي لك ولزوجك ولكل من تفرغ منكما ونسب إليكما {عدو مبين*} ظاهر العداوة يأتيكم من كل موضع يمكنه الإتيان منه مجاهرة ومساترة ومماكرة فهو مع ظهور عداوته دقيق المكر بما أقدرته عليه من إقامة الأسباب، فإني أعطيته قوة على الكيد، وأعطيتكم قوة على الكيد وأعطيتكم قوة على الخلاص وقلت لكم: تغالبوا فإن غلبتموه فأنتم من حزبي، وإن غلبكم فأنتم من حزبه مع ما له إليكم من العداوة، فالآيه منبهة على أن من غوى فإنما هو تابع لأعدى أعدائه تارك لأولى أوليائه. ولما كان هذا، تشوف السامع إلى جوابهما، فأجيب بقوله: {قالا} أي آدم وحواء - عليهما السلام وأزكى التحية والإكرام - قول الخواص بإسراعهما في التوبة {ربنا} أي أيها المحسن إلينا والمنعم علينا {ظلمنا أنفسنا} أي ضررناها بأن أخرجناها من نور الطاعة إلى ظلام المعصية، فإن لم ترجع بنا وتتب علينا لنستمر عاصيين {وإن لم تغفر لنا} أي تمحو ما عملناه عيناً واثراً {وترحمنا} فتعلي درجاتنا {لنكونن من الخاسرين*} فأعربت الآية عن أنهما فزعا إلى الانتصاب بالاعتراف، وسيما ذنبهما - وإن كان إنما هو خلاف الأولى لأنه بطريق النسيان كما في طه - ظلماً كما هي عادة الأكابر في استعظام الصغير منهم، ولم يجادلا كما فعل إبليس، وفي ذلك إشارة إلى أن المبادرة إلى الإقرار بالذنب من فعال الأشراف لكونه من معالي الأخلاق، وأنه لا مثيل له في اقتضاء العفو وإزالة الكدر وأن الجدال من فعال الأرذال ومن مساوي الأخلاق وموجبات الغضب المقتضى للطرد. ولما تشوفت النفس إلى جواب العلي الكبير سبحانه، أجيبت بقوله {قال اهبطوا} أي إلى دار المجاهدة والمقارعة والمناكدة حال كونكم {بعضكم لبعض عدو} أي أنتما ومن ولدتماه أعداء إبليس ومن ولد، وبعض أولادكم أعداء لبعض، ولا خلاص إلا باتباع ما منحتكم من هدى العقل وما أنزلت إليكم من تأييده بالنقل، وفي ذلك تهديد صادع لمن له أدنى مسكة بالأشارة إلى قبح مغبة المخالفة ولو مع التوبة، وحث على دوام المراقبة خوفاً من سوء المعاقبة {ولكم في الأرض} أي جنسها {مستقر} أي موضع استقرار كالسهول وما شابهها {ومتاع إلى حين*} أي انقضاء آجالكم ثم انقضاء اجل الدنيا.
السلمي
تفسير : قال أبو بكر الوراق: لا تقبل النصيحة إلا ممن يعتمد دينه وأمانته، ولا تكون له حظ فى نصيحته إياك، فإن العدو أظهر لآدم النصيحة وأضمر الخيانة قال الله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ}. قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}. قيل: أشار إلى جنس الشجرة، فظن آدم أن النهى عن المشار إليها، وإنما أراد الله جل وعز جنس الشجرة المشار إليه فتناول آدم غيرها، وإنما وقعت التوبة على ترك التحفظ لا على المخالفة. قال الله تعالى: {أية : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115]. قال الخراز: والله ما هنئ آدم الجنة ولا سكناها، إذ جعل فى جواره الأمر والنهى، ولو نظر آدم فى نفس المكرمة إلى خفاء الأمر والنهى فى ذلك المحل، ما هنَّأه نعيم دار السلام ولا استغف عن تلك الشجرة التي ابتلاه الله بالنهى خوفًا، ولكنه أغفله لتقع به الهفوة التى من أجلها رأى الزلة وقامت بها الحجة، وأخرجه من جواره معنفًا وسماه عاصيًا.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}. حُسْنُ ظنِّ آدم - عليه السلام - حَملَه على سكون قلبه إلى يمين العدو لأنه لم يخطر بباله أن يكذب في يمينه بالله، ثم لمَّا بان له أنه دلاَّهما بغرورٍ تاب إلى الله بصدق الندم، واعترف بأنه أساء وأجرم، فَعَلِمَ - سبحانه - صِدْقَه فيما ندم، فتداركه بجميل العفو والكرم. قوله جلّ ذكره: {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا}. لم يحصل استيفاء من الأكل والاستمتاع به للنفس حتى ظهرت تباشيرُ العقاب؛ وتَنَغُّصِ الحال، وكذا صفة مَنْ آثر على الحق - سبحانه - شيئاً يبقيه عنه، فلا يكون له بما آثر استمتاع. وكذلك مَنْ ادَّخَر عن الله - سبحانه - نَفْسَه أو مالَه أو شيئاً بوجهٍ من الوجوه - لا يبارك الله فِيه، قال تعالى في صفة الأعداء: {أية : خَسِرَ ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةَ}تفسير : [الحج: 11]. ويقال مَّا بَدَتْ سوأتهما احتالا في السَّتْرِ، وطَفِقَا يخصفان عليهما من ورق الجنة فبعدما كانت كسوتهما حُلَلَ الجنة ظَّلا يستتران بورق الجنة، كما قيل: شعر : لله دَرُّهمُ مِنْ فِتْيَةٍ بكروا مثل الملوك، وراحوا كالمساكين تفسير : وأنشدوا: شعر : لا تعجبوا لمذلتي فأنا الذي عَبَثَ الزمان بمهجتي فأذَلَّها تفسير : ثم إن آدم عليه السلام لم يساعده الإمكان في الاستتار بالورق إذ كانت الأشجار أجمع كلُّها تتطاول وتأبى أن يأخذ آدم - عليه السلام - شيئاً من أوراقها. وقيل ذلك كان لا يلاحِظ الجنة فكان يتيه على الكون بأسره ولكنه صار كما يقال: شعر : وكانت - على الأيام - نفسي عزيزة فلمَّا رأت صبري على الذلِّ ذلَّتِ تفسير : ولمّا أُخْرِج آدمُ من الجنة وأُسْكِن الأرض كلّف العملَ والسعيَ والزرع والغرس، وكان لا يتجدد له حال إلا تجدّد بكاؤه، وجبريل - عليه السلام - يأتيه ويقول: أهذا الذي قيل لك: {أية : إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ}تفسير : [طه: 118]. فَلَمْ تعرِف قدره. "فَذُقْ جزايا خِلافِك" فكان يسكن عن الجزع. ويقال بل الحكم بالخنوع كما قيل: شعر : وجاشَتْ إليَّ النفسُ أوَّلَ مرةٍ وزيدت على مكروهها فاستقرتِ تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ}. كانت لا تصل يدُه إلى الأوراق حين أراد قطافها ليخصفها على نفسه، فلو لم تصل يده إلى تلك الشجرة - التي هي شجرة المحنة - لكان ذلك عنايةً بشأنه، ولكن وصلت يده إلى شجرة المحنة، تتمةً للبلاء والفتنة، ولو لم تصل يده إلى شجرة الستر - إبلاغاً في القهر - لَمَا خالف الأمر، ولَمَا حَصَلَ ما حَصَلَ. {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ}: فكان ما دَاخَلَهما من الخجل أشدَّ من كل عقوبة؛ لأنهما لو كانا من الغيبة عند سماع النداء فإن الحضور يوجب الهيبة، فلما ناداهما بالعتاب حَلَّ بهما من الخجل ما حلّ، وفي معناه أنشدوا: شعر : واخجلتا من وقوفي وَسْطَ دَارِهمُ إذ قال لي مغضبا: من أنت يا رجل؟
البقلي
تفسير : ما دام مال مرادهم يوول الى زيادة الزلفة كانه صدق الملعون فى خلقه لانه راى تلك الزايادة له بسبب اكل الشجرة لكن لم يكن نصيحته بالاخلاص لانه خامر الحسد بالنصيحة فصار من الخائنين والله لا يهدى كيد الخائنين قال ابو بكر الوراق لا يقبل النصيحة الا ممن تعتمد دينه وامانته ولا تكن له حظا فى نصيحته اياك فان العدو اظهر لأدم النصيحة واضمر الخيانة قال الله وقاسمهما انى لكما لمن الناصحين.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقاسمهما} اى اقسم لهما. فالقسم انما وقع من ابليس فقط الا انه عبر عن اقسامه بزنة المفاعلة للدلالة على انه اجتهد فى القسم اجتهاد المقاسم وهو الذى حلف فى مقابله حلف شخص آخر {انى لكما لمن الناصحين} فيما اقول والنصح بذل المجهود فى طلب الخير فى حق غيره.
الطوسي
تفسير : المقاسمة لا تكون إِلا بين اثنين، والقسم كان من ابليس لآدم، لأن آدم مقسم له. وانما قال وقاسمهما كما يقال: عاقبت اللص وطارقت النبل وناولت الرحل وعافاه الله، وكذلك قاسمته، لان في جميع ذلك معنى المقابلة، كأنه قابله في المنازعة باليمين والمعاقبة مقابلة بالجزاء وكذلك المعافاة، وقال الهذلي: شعر : وقاسمها بالله جهدا لانتم ألَّذ من السلوى اذا ما نشورها تفسير : أي حالفها، وفي موضع آخر {أية : قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله} تفسير : أي تحالفوا - وسئل الحسن فقيل له: أليس الله خلق آدم ليكون خليفة في الارض قال: بلى، وقال وكان لا بَّد له من ان يهبط الارض، قال: لا والله، ولكن لو هبط مطيعا لله كان خيرا له من ان يهبط عاصيا، ولم يعاتبه الله على الهبوط، وانما عاتبه على مخالفة الأمر. وأصل القسم القسمة، قال أعشى بني ثعلبة: شعر : رضيعي لبان ثدي أم تقاسما باسحم داج عوض لا نتفرق تفسير : والقسم تأكيد الخبر بطريقة والله، وبالله، وتالله. اخبر الله تعالى في هذه الآية ان ابليس حلف، لآدم وحواء انه لهما ناصح في دعائهما الى التناول من الشجرة ولذلك تأكدت الشبهة عندهما، وظنا ان أحداً لا يقدم على اليمين بالله إِلا صادقاً، فكان ذلك داعياً لهما الى تناول الشجرة. ويجوز ان تقول: اني لك لناصح، ولا يجوز ان تقول: أنا لك لناصح، لان لام الابتداء موضعها صدر الكلام لا تؤخر عنه الا في باب (ان) خاصة لئلا يجتمع حرفا تأكيد في موضع واحد، فيوهم اختلاف المعنى، لان الاصل في اجتماع الحرفين في موضع انه لا ينوب احدهما عن الآخر، وتقدير الكلام، وقاسهما اني لكما ناصح، ثم فسر ذلك بقوله من الناصحين ليكون متعلقا بقوله لمن الناصحين فقدم الصلة على الموصول، ومثله قوله {أية : وأنا على ذلكم من الشاهدين}تفسير : وتقديره وأنا على ذلكم شاهد، وبينه بقوله من الشاهدين.
الجنابذي
تفسير : {وَقَاسَمَهُمَآ} كأنّهما لم يعتمدا على قوله وطلبا منه البيّنة والقسم وعهدا قبول قوله ولذا أتى بلفظ قاسم {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ فَدَلاَّهُمَا} اى اهبطهما مع تعلّقٍ منهما بمقامها العلوىّ {بِغُرُورٍ} بمعنى المصدر او بمعنى ما يغرّ به من القسم الكذب وغيره {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} قد مضى البيان {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} تقريع وتوبيخ لهما على ارتكاب النّهى والاغترار بقول العدوّ حتّى يتنبّها على نقصهما ويستدركاه بالتّوبة ولذلك ابتدرا بالاعتراف والاستغفار.
الهواري
تفسير : {وَقَاسَمَهُمَا} بالله {إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}. قال: [بعضهم]: حلف لهما بالله وقال لهما: خُلِقْتُ قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما. قال: إنما يخدع المؤمن بالله. قال الله: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. قوله: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ} ذكروا أن مجاهدا قال: يرقِّعان كهيئة الثوب. {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي بيِّن العداوة. {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ}. {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} آدم معه حواء وإبليس والحية التي دخل فيها إبليس فكلمهما فيها، فهي لا تقدر على ابن آدم في موضع إلا لدغته، ولا يقدر عليها في موضع إلا شدخها. ذكر بعضهم قال: من قتل حية أو عقرباً فقد قتل كافراً. وذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحيات: حديث : ما سالمناهن منذ حاربناهن تفسير : ذكر عن عبد الله بن عمر قال: الحيات مما مسخ من ذرية إبليس، وما سالمناهن منذ حاربناهن، فمن تركهن تقية منهن قال في ذلك قولاً عظيماً. ذكروا عن عائشة أنها قالت: من ترك حية خشية ثأرها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : من رأى في بيته من هذه الحيات شيئاً فَلْيُحَرِّج عليه ثلاثاً فإن ظهر بعد ذلك فليقتله فإِنه كافر تفسير : قوله: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} أي تكونون فيها {وَمَتَاعٌ} يعني متاع الدنيا تستمعون به {إِلَى حِينٍ} أي: إلى الموت.
اطفيش
تفسير : {وقَاسَمهما} أى أشهدهما قسمة، أى أقسم بحضرتهما، فالمفاعلة ليست على بابها فإنه حلف وحده دونهما، وقد قرئ: وأقسم لهما، وإنما جىء بزنة المفاعلة تأكيداً لقسمه، لأنه اجتهد فيها اجتهاد المقاسم، ويجوز أن تكون على بابها، بل نزل إصغاءهما لقسمه وقبولهما له منزلة قسم منهما، أو قالا له: أتقسم بالله إنك لمن الناصحين؟ فقال: أقسم بالله إنى لكما لمن الناصحين، فجعل ذلك مقاسمة، وقيل: أقسما له بالقبول، وقرىء وقاسمهما بالله. {إنِّى لكُما لمنَ النَّاصِحينَ} اللام لام التقوية، ومقواها الناصحين بعدها، على أن إلى فيه ليست موصولة، بل حرف لتعريف الجنس كما ذكره مكى وغيره، لأنها لو أبقيت على أنها موصولة، وجعل مقواها ذلك لزم تقديم معمول الموصول على الصلة، وهو لا يجوز خلافا للكوفيين مطلقا، ولابن الحاجب فى صلة أل زاد كان المعمول كما هنا، وعلى مذهبه ومذهب الكوفيين يجوز أن يكون مقواها ما بعد أل، ومذهب ابن الحاجب واضح، لكونها بصورة حرف لا صدر له، ولكثرة ورود ما ظاهره أنه لا صدر لها بالنظر إلى معمول صلتها المجرور، ومثله الظرف، وقيل: مقواها مقدر قبلها، أى ناصح لكما من الناصحين، فيكون {من الناصحين} خبراً ثانيا لما حذف الأول نقلت إليه لام التأكيد لئلا يلتقى لامان، وبهذا أقول لسلامته من ادعاء خروج أل عن الموصولية مع أنها فى وصف صريح، ومن خروج الموصول عن تقدمه على معمول صلته، ولأنه أبلغ فإنه أفاد أنه ناصح لهما خصوصا، وأنه معدود فى جملة الناصحين على الإطلاق.
اطفيش
تفسير : {وَقَاسَمَهُمَا} أَقسم لهما قسما عظيما كما يعظم الفعل إِذا تجاذب عليه اثنان، والأَلف للتثنية كجالس أَو المفاعلة على بابها بأَن جعل قبولهما قسمه قسما، ويقال أَقسما له بالقبول، وقيل قالا له أَقسم لنا بالله أَنك ناصح لنا، فهذا قسمهما فأَقسم لهما كما قال {إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} فى ما قلت، واللام متعلق بناصحين، ولم يمنع بأَل الموصولة للتوسع فى الظروف لكثرتها ولا إِشكال على مذهب المازنى من أَن أَل حرف تعريف.
الالوسي
تفسير : أقسم لهما، وإنما عبر بصيغة المفاعلة للمبالغة لأن من يباري أحداً في فعل يجد فيه فاستعمل في لازمه، وقيل: المفاعلة على بابها، والقسم وقع من الجانبين لكنه اختلف متعلقه فهو أقسم لهما على النصح وهما أقسما له على القبول. وتعقب بأن هذا إنما يتم لو جرد المقاسمة عن ذكر المقسم عليه وهو النصيحة، أما حيث ذكر فلا يتم إلا أن يقال: سمى قبول النصيحة نصيحة للمشاكلة والمقابلة كما قيل في قوله تعالى: { أية : وَوٰعَدْنَا مُوسَىٰ } تفسير : [الأعراف: 142] أنه سمى التزام موسى عليه السلام الوفاء والحضور للميعاد ميعاداً فأسند التعبير بالمفاعلة، وقيل: قالا له أتقسم بالله تعالى إنك لمن الناصحين؟ وأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة. وعلى هذا فيكون ـ كما قال ابن المنير ـ «في الكلام لف لأن آدم وحواء عليهما السلام لا يقسمان [له] بلفظ التكلم بل بلفظ الخطاب»، وقيل: إنه إلى التغليب أقرب، وقيل: إنه لا حاجة إليه بأن يكون المعنى حلفا عليه بأن يقول لهما: إني لكما لمن الناصحين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلنَّاصِحِينَ} (21) - وَحَلَفَ لَهُمَا بِاللهِ إِنَّهُ نَاصِحٌ لَهُمَا فِيمَا رَغَّبَهُمَا فِيهِ مِنَ الأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالأَيْمَانِ المُغَلَّظَةِ، إِذْ كَانَ عِنْدَهُمَا مَحَلَّ الشَّكِّ وَالظِّنَّةِ لأَِنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ قَدْ أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ عَدُوٌّ لَهُمَا. قَاسَمَهُمَا - أَقْسَمَ لَهُمَا وَحَلَفَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : "قاسم" مادة فاعل، تأتي للمشاركة، أي أن هناك طرفين اثنين، كل منهما فاعل في ناحية ومفعول في ناحية أخرى، مثل شارك زيد عمراً، وهي تعني أيضاً أن عمراً شارك زيداً، وهكذا تكون مادة فاعل وتفاعل، فكل منهما فاعل من جهة ومفعول من جهة. وفي المعنى نجد الاثنين فاعلاً ومفعولا، إذن "قاسم" تحتاج إلى عمليتين اثنتين.. فهل جلس إبليس يقسم لآدم ولزوجته، وهما يقسمان؟. ونقول: لا؛ لأنها تأتي مرة لغير المفاعلة، أو للمفاعلة اللزومية، والمفاعلة اللزومية تتضح في قوله الحق: {أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ...} تفسير : [الأعراف: 142] وواعدنا، مثلها مثل فاعل، من الذي واعد؟. إنه الله الذي وعد موسى عليه السلام، ودخل موسى في الوعد بقبوله الوعد وتوفيته به. إذن "قاسمهما" أي قبلا القسم ودخلا فيه. {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] و"قاسم"، أي أقسم، ولذلك حينما عاتب ربنا سيدنا آدم أوضح سبحانه: أنا قلت إنه عدو لك ولزوجك، ولسوف يخرجنكما من الجنة لتتعب وتشقى، فقال آدم: يا ربي ما كنت أعتقد أن خلقاً من خلقك يقسم بك على الباطل. ولم يأتي على البال أن خلقاً يقسم بالله على الباطل. وكانت هذه أول خديعة في الخلق. ولذلك نجد قتادة- رضي الله عنه- يقول: "المؤمن بالله يُخدع". "حديث : والنبي عليه الصلاة والسلام عقد على امرأة ودخلت به، ومن كيد النساء وهن زوجات للنبي صلى الله عليه وسلم وقد خفن أن يشغف بها حُبًّا، فقلن لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحب هذه الكلمة، فإذا دخل عليك فقوليها!، قولي: "أعوذ بالله منك"، ولحظة أن دخل عليها سيدنا رسول الله، قالت له: "أعوذ بالله منك". فقال لها: استعذت بمعاذ. ولم يقربها الرسول"تفسير : ، وهذا ما يشرح لنا كيف يُخدع المؤمن بالله. وها هو ذا سيدنا عبد الله بن عمر كان يعتق من العبيد من يحسن الصلاة ويتقنها ويؤديها في مواعيدها، ويقف فيها خاشعاً، وحين عرف العبيد ذلك احترفوا إقامة الصلاة أمام المكان الذي يجلس فيه وكانوا يؤدونها بخشوع، وكان رضي الله عنه يعتقهم، وذهب له من يقول: إن العبيد يخدعونك، فيقول: من خدعنا بالله، انخدعنا له. والنصح هنا: إغراء بمخالفة أمر الله، وكان يجب ألا تكون هناك غفلة من آدم، وكان لابد أن يقارن بين الأمرين، بين غواية الشيطان له بالأكل، وبين أمر الحق سبحانه الذي قال له ولزوجه: لا تقربا. لكنه لم يفعل. ويقول الحق بعد ذلك: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَآ} معناه حَلَفَ لَهُمَا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):