Verse. 976 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

فَدَلّٰىہُمَا بِغُرُوْرٍ۝۰ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَۃَ بَدَتْ لَہُمَا سَوْاٰتُہُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفٰنِ عَلَيْہِمَا مِنْ وَّرَقِ الْجَنَّۃِ۝۰ۭ وَنَادٰىہُمَا رَبُّہُمَاۗ اَلَمْ اَنْہَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَۃِ وَاَقُلْ لَّكُمَاۗ اِنَّ الشَّيْطٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِيْنٌ۝۲۲
Fadallahuma bighuroorin falamma thaqa alshshajarata badat lahuma sawatuhuma watafiqa yakhsifani AAalayhima min waraqi aljannati wanadahuma rabbuhuma alam anhakuma AAan tilkuma alshshajarati waaqul lakuma inna alshshaytana lakuma AAaduwwun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فدلاهما» حطهما عن منزلتهما «بغرور» منه «فلما ذاقا الشجرة» أي أكلا منها «بدت لهما سوآتهما» أي ظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودبره وسمي كل منها سوأة لأن انكشافه يسوء صاحبه «وطفقا يخصفان» أخذ يلزقان «عليهما من ورق الجنة» ليستترا به «وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين» بيِّن العداوة والاستفهام للتقرير.

22

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} أوقعهما في الهلاك. قال ابن عباس: غَرّهما باليمين. وكان يظن آدم أنه لا يحلف أحد بالله كاذباً، فغرّهما بوسَوسته وقَسمِه لهما. وقال قتادة: حلف بالله لهما حتى خدعهما. وقد يخدع المؤمن بالله. كان بعض العلماء يقول: من خادعنا بالله خَدَعنا. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : المؤمن غِرٌّ كريم والفاجر خِبٌّ لَئيم»تفسير : . وأنشد نفطويه:شعر : إنّ الكريم إذا تَشاءُ خَدَعتَه وترىٰ اللئيم مُجرِّباً لا يُخْدَعُ تفسير : {فَدَلاَّهُمَا} يقال: أدلَىٰ دَلْوَه: أرسلها. ودَلاّها: أخرجها. وقيل: «دَلاَّهُمَا» أي دلّلَهما؛ من الدالة وهي الجُرْأَة. أي جرَّأهما على المعصية فخرجا من الجنة. قوله تعالىٰ: {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} فيه ثلاث مسائل: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ} أي أكلا منها. وقد مضىٰ في «البقرة» الخلاف في هذه الشجرة، وكيف أكل آدم منها. {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} أكلت حوّاء أوّلاً فلم يصبها شيء؛ فلما أكل آدم حلّت العقوبة؛ لأن النهي ورد عليهما كما تقدّم في «البقرة». قال ابن عباس: تقلّص النورُ الذي كان لباسهما فصار أظفاراً في الأيدي والأرجل. الثانية ـ {وَطَفِقَا} ويجوز إسكان الفاء. وحكىٰ الأخفش طَفَق يَطْفِق؛ مثل ضرب يضرب. يقال: طفِق، أي أخذ في الفعل. {يَخْصِفَانِ} وقرأ الحسن بكسر الخاء وشدّ الصاد. والأصل «يَخْتَصِفَانِ» فأدغم، وكسر الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ ٱبن بريدة ويعقوب بفتح الخاء، ألقيا حركة التاء عليها. ويجوز «يُخصِّفانِ» بضم الياء، من خَصَّف يخصِّف. وقرأ الزهِريّ «يُخصِفَانِ» من أخْصَف. وكلاهما منقول بالهمزة أو التضعيف والمعنىٰ: يقطعان الورق ويلزقانه ليستترا به، ومنه خَصَف النعل. والخصَّاف الذي يرقِّعها. والمِخْصف المِثْقب. قال ابن عباس: هو ورق التين. ويروىٰ أن آدم عليه السلام لما بدت سوأته وظهرت عورته طاف على أشجار الجنة يَسُلّ منها ورقة يغطي بها عورته؛ فزجرته أشجار الجنة حتى رحمته شجرة التِّين فأعطته ورقة. فـ «طَفِقَا» يعني آدم وحواء «يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ» فكافأ الله التين بأن سوّىٰ ظاهره وباطنه في الحلاوة والمنفعة، وأعطاه ثمرتين في عام واحد مرتين. الثالثة ـ وفي الآية دليل على قبح كشف العورة، وأنّ الله أوجب عليهما الستر؛ ولذلك ٱبتدرا إلى سترها، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة؛ كما قيل لهما «وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَجَرَة». وقد حكى صاحب البيان عن الشافعيّ أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك؛ لأنه سترة ظاهرة يمكنه التستر بها؛ كما فعل آدم في الجنة. والله أعلم. قوله تعالىٰ: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي قال لهما: ألم أنهكما. قَالاَ رَبَّنَا نداء مضاف. والأصل يا ربنا. وقيل: إن في حذف «يا» معنىٰ التعظيم. فاعترفا بالخطيئة وتابا (صلىٰ الله عليهما وسلم) وقد مضىٰ في «البقرة». ومعنىٰ قوله: {قَالَ ٱهْبِطُواْ} تقدّم أيضاً إلى آخر الآية.

البيضاوي

تفسير : {فَدَلَّـٰهُمَا} فنزلهما إلى الأكل من الشجرة، نبه به على أنه أهبطهما بذلك من درجة عالية إلى رتبة سافلة، فإن التدلية والإِدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل. {بِغُرُورٍ} بما غرهما به من القسم فإنهما ظناً أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً، أو ملتبسين بغرور. {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُما} أي فلما وجدا طعمهما آخذين في الأكل منها أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية، فتهافت عنهما لباسهما وظهرت لهما عوراتهما. واختلف في أن الشجرة كانت السنبلة أو الكرم أو غيرهما، وأن اللباس كان نوراً أو حلة أو ظفراً. {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ} أخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة. {عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} قيل كان ورق التين، وقرىء {يَخْصِفَانِ} من أخصف أي يخصفان أنفسهما ويخصفان من خصف ويخصفان وأصله يختصفان. {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} عتاب على مخالفة النهي، وتوبيخ على الاغترار بقول العدو. وفيه دليل على أن مطلق النهي للتحريم.

ابن كثير

تفسير : قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: عن الحسن، عن أبي بن كعب رضي الله عنه، قال: كان آدم رجلاً طوالاً، كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع فيما وقع به من الخطيئة، بدت له عورته عند ذلك، وكان لا يراها، فانطلق هارباً في الجنة، فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة، فقال لها: أرسليني. فقالت: إني غير مرسلتك، فناداه ربه عز وجل: يا آدم أمِنِّي تفر؟ قال: يا رب إني استحييتك، وقد رواه ابن جرير وابن مردويه من طرق، عن الحسن عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً، والموقوف أصح إسناداً. وقال عبد الرزاق: عن سفيان بن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة، فلما أكلا منها، بدت لهما سوآتهما، وكان الذي وارى عنهما من سوآتهما أظفارهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة؛ ورق التين، يلزقان بعضه إلى بعض، فانطلق آدم عليه السلام مولياً في الجنة، فعلقت برأسه شجرة من الجنة، فناداه الله: يا آدم أمني تفر؟ قال: لا، ولكني استحييتك يا رب قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب ولكن وعزتك ما حسبت أن أحداً يحلف بك كاذباً، قال: وهو قول الله عز وجل: {وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ} قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كداً، قال: فأهبط من الجنة، وكانا يأكلان منها رغداً، فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب، فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث، فحرث وزرع، ثم سقى حتى إذا بلغ حصد، ثم داسه ثم ذرّاه، ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ. وقال الثوري: عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} قال: ورق التين. صحيح إليه. وقال مجاهد: جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنة، قال: كهيئة الثوب، وقال وهب بن منبه في قوله: ينزع عنهما لباسهما، قال: كان لباس آدم وحواء نوراً على فروجهما، لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا، فلما أكلا من الشجرة، بدت لهما سوآتهما، رواه ابن جرير بسند صحيح إليه، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة، قال: قال آدم: أي: رب أرأيت إن تبت واستغفرت؟ قال: إذاً أدخلك الجنة، وأما إبليس، فلم يسأله التوبة، وسأله النظرة، فأعطى كل واحد منهما الذي سأله، وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن الحسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أكل آدم من الشجرة، قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني، قال: فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كرهاً، ولا تضع إلا كرهاً، قال: فرنت عند ذلك حواء، فقيل لها: الرنة عليك وعلى ولدك، وقال الضحاك بن مزاحم في قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَدَلَّٰهُمَا } حَطَّهما عن منزلتهما {بِغُرُورٍ } منه {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ } أي أكلا منها {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا} أي ظهر لكلّ منهما قُبُلهُ وقُبُلُ الآخَرِ ودُبُرُه، وسمي كل منهما (سوأة) لأن انكشافه يسوء صاحبه { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ } أخذا يلزقان {عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ } ليستترا به {وَنَادَٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ } بيّن العداوة؟ والاستفهام للتقرير.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} معناه فحطهما بغرور من منزلة الطاعة إلى حال المعصية. فإن قيل: فهل علما عند أكلهما أنها معصية؟ قيل: لا، لأن إقدامهما عليها مع العلم بأنها معصية يجعلها كبيرة، والأنبياء معصومون من الكبائر، وإنما أقدما عليها لشبهة دخلت عليهما بالغرور. {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} فإن قيل: فلم بدت لهما سوآتهما ولم تكن بادية لهما من قبل؟ ففي ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنهما كانا مستورين بالطاعة فانكشف الستر عنهما بالمعصية. والثاني: أنهما كانا مستورين بنور الكرامة فزال عنهما بذلك المهانة. والثالث: أنهما خرجا بالمعصية من أن يكونا من ساكني الجنة، فزال عنهما ما كانا فيه من الصيانة. {وَطَفِقَا يخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ} في {وَطَفِقَا} وجهان: أحدهما: قاما يخصفان، قاله ابن بحر. والثاني: جعلا يخصفان، أي قطعان. {مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ} وفيه قولان: أحدهما: ورق الموز. والثاني: ورق التين، قاله ابن عباس.

ابن عطية

تفسير : {فدلاهما بغرور} يريد فغرهما بقوله وخدعهما بمكره. قال القاضي أبو محمد: ويشبه عندي أن يكون هذا استعارة من الرجل يدلي آخر من هوة بحبل قد أرم أو بسبب ضعيف يغتر به فإذا تدلى به وتورك عليه انقطع به فهلك، فيشبه الذي يغر بالكلام حتى يصدقه فيقع في مصيبة بالذي يدلى في هوة بسبب ضعيف، وعلق حكم العقوبة بالذوق إذ هو أول الأكل وبه يرتكب النهي، وفي آية أخرى {أية : فأكلا منها} تفسير : [طه:121]. وقوله تعالى: {بدت} قيل تخرقت عنهما ثياب الجنة وملابسها وتطايرت تبرياً منهما، وقال وهب بن منبه كان عليهما نور يستر عورة كل واحد منهما فانقشع بالمعصية ذلك النور، وقال ابن عباس وقتادة: كان عليهما ظفر كاسٍ فلما عصيا تقلص عنهما فبدت سوءاتهما وبقي منه على الأصابع قدر ما يتذكران به المعصية فيجددان الندم، {وطفقا} معناه أخذا وجعلا وهو فعل لا يختص بوقت كبات وظل. و {يخصفان} معناه يلصقانها ويضمان بعضها إلى بعض، والمخصف الإشفى، وضم الورق بعضه إلى بعض أشبه بالخرز منه بالخياطة، وقرأ جمهور الناس "يَخصفان" من خصف, وقرأ عبد الله بن بريدة "يخصّفان" من خصف بشد الصاد وقرأ الزهري "يُخصفان" من أخصف، وقرأ الحسن فيما روى عنه محبوب: "يَخَصِّفان" بفتح الياء والخاء وكسر الصاد وشدها، ورويت عن ابن بريدة وعن يعقوب، وأصلها يختصفان كما تقول سمعت الحديث واستمتعته فأدغمت التاء في الصاد ونقلت حركتها إلى الخاء، وكذلك الأصل في القراءة بكسر الخاء بعد هذه، لكن لما سكنت التاء وأدغمت في الصاد اجتمع ساكنان فكسرت الخاء على عرف التقاء ساكنين، وقرأ الحسن والأعرج ومجاهد "يَخِصِّفان" بفتح الياء وكسر الخاء وكسر الصاد وشدها وقد تقدم تعليلها، قال ابن عباس: إن الورق الذي خصف منه ورق التين، وروى أبيّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن آدم عليه السلام كان يمشي في الجنة كأنه نخلة سحوق، فلما واقع المعصية وبدت له حاله فرّ على وجهه فأخذت شجرة بشعر رأسه يقال إنها الزيتونة فقال لها: أرسليني فقالت ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه أمني تفر يا آدم؟ قال لا يا رب، ولكن أستحييك، قال أما كان لك فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك؟ قال بلى يا رب، ولكن وعزتك ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذباً، قال فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا كدّاً. قوله تعالى: {وناداهما} الآية، قال الجمهور إن هذا النداء نداء وحي بواسطة، ويؤيد ذلك أنّا نتلقى من الشرع أن موسى عليه السلام هو الذي خصص بين العالم بالكلام، وأيضاً ففي حديث الشفاعة أن بني آدم المؤمنين، يقولون لموسى يوم القيامة أنت خصك الله بكلامه واصطفاك برسالته اذهب فاشفع للناس، وهذا ظاهره أنه مخصص، وقالت فرقة بل هو نداء تكليم. قال القاضي أبو محمد: وحجة هذا المذهب أنه وقع في أول ورقة من تاريخ ابن أبي خيثمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن آدم فقال نبي مكلم، وأيضاً فإن موسى خصص بين البشر الساكنين في الأرض وأما آدم إذ كان في الجنة فكان في غير رتبة سكان الأرض، فليس في تكليمه ما يفسد تخصيص موسى عليه السلام، ويؤيد أنه نداء وحي اشتراك حواء فيه، ولم يرو قط أن الله عز وجل كلم حواء، ويتأول قوله عليه السلام "نبي مكلَّم" أنه بمعنى موصل إليه كلام الله تعالى، وقوله عز وجل {الم أنهكما} سؤال تقرير يتضمن التوبيخ، وقوله {تلكما} يؤيد بحسب ظاهر اللفظ أنه إنما أشار إلى شخص شجرة، {وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} إشارة إلى الآية التي في سورة طه في قوله {أية : فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} تفسير : [طه:117]. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو العهد الذي نسيه آدم على مذهب من يجعل النسيان على بابه، وقرأ أبيّ بن كعب "ألم تنهيا عن تلكما الشجرة وقيل لكما"، وقولهما {ربنا ظلمنا أنفسنا} اعتراف من آدم وحواء عليهما السلام وطلب للتوبة والستر والتغمد بالرحمة، فطلب آدم هذا وطلب إبليس النظرة ولم يطلب التوبة فوكل إلى رأيه، قال الضحاك هذه الآية هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَدَلاَّهُمَا} حطهما من منزلة الطاعة إلى منزلة المعصية. {وَطَفِقَا} جعلا {يَخْصِفَانِ} يقطعان من ورق التين.

النسفي

تفسير : {فَدَلَّـٰهُمَا } فنزلهما إلى الأكل من الشجرة {بِغُرُورٍ } بما غرهما به من القسم بالله وإنما يخدع المؤمن بالله. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: من خدعنا بالله انخدعنا له {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ } وجدا طعمها آخذين في الأكل منها وهي السنبلة أو الكرم {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءاتُهُمَا } ظهرت لهما عوراتهما لتهافت اللباس عنهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر. وقيل: كان لباسهما من جنس الأظفار أي كالظفر بياضاً في غاية اللطف واللين فبقي عند الأظفار تذكيراً للنعم وتجديداً للندم {وَطَفِقَا } وجعلا يقال طفق يفعل كذا أي جعل {يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ } يجعلان على عورتهما من ورق التين أو الموز ورقة فوق ورقة ليستترا بها كما تخصف النعل. {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ } هذا عتاب من الله وتنبيه على الخطأ. وروي أنه قال لآدم عليه السلام: ألم يكن لك فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة؟ فقال: بلى ولكن ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذباً قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش إلا بكد يمين وعرق جبين، فأهبط وعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وسقى وحصد ودرس وذرى وطحن وعجن وخبز {وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ * قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } فيه دليل لنا على المعتزلة لأن الصغائر عندهم مغفورة {قَالَ ٱهْبِطُواْ } الخطاب لآدم وحواء بلفظ الجمع لأن إبليس هبط من قبل، ويحتمل أنه هبط إلى السماء ثم هبطوا جميعاً إلى الأرض {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } في موضع الحال أي متعادين يعاديهما إبليس ويعاديانه {وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } استقرار أو موضع استقرار {وَمَتَـٰعٌ } وانتفاع بعيش {إِلَىٰ حِينٍ } إلى انقضاء آجالكم. وعن ثابت البناني: لما أهبط آدم عليه السلام وحضرته الوفاة وأحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها: خلي ملائكة ربي فإنما أصابني ما أصابني فيك. فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له قبراً ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه: هذه سنتكم بعده {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ } في الأرض {وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } للثواب والعقاب {تُخْرَجُونَ } حمزة وعلي {يابَنِي ءادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا } جعل ما في الأرض منزلاً من السماء لأن أصله من الماء وهو منها {يُوٰرِى سَوْءاتِكُمْ } يستر عوراتكم {وَرِيشًا } لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته أي أنزلنا عليكم لباسين: لباساً يواري سوءاتكم ولباساً يزينكم {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } ولباس الورع الذي يقي العقاب وهو مبتدأ وخبره الجملة وهي {ذٰلِكَ خَيْرٌ } كأنه قيل: ولباس التقوى هو خير لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر، أو {ذٰلِكَ } صفة للمبتدأ و {خَيْرٌ } خبر المبتدأ كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير، أو {لِبَاسَ ٱلتَّقْوَىٰ } خبر مبتدأ محذوف أي وهو لباس التقوى أي ستر العورة لباس المتقين، ثم قال {ذٰلِكَ خَيْرٌ } وقيل: ولباس أهل التقوى من الصوف والخشن. {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ } مدني وشامي وعلي عطفا على {لِبَاساً } أي وأنزلنا عليكم لباس التقوى {ذٰلِكَ مِنْ ءايَاتِ ٱللَّهِ } الدالة على فضله ورحمته على عباده يعني إنزال اللباس {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } فيعرفوا عظيم النعمة فيه، وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوءات وخصف الورق عليها إظهاراً للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العري من الفضيحة وإشعاراً بأن التستر من التقوى. { يَـٰبَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ ٱلْجَنَّةِ } لا يخدعنكم ولا يضلنكم بأن لا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم بأن أخرجهما منها {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا } حال أي أخرجهما نازعاً لباسهما بأن كان سبباً في أن نزع عنهما. والنهي في الظاهر للشيطان وفي المعنى لبني آدم أي لا تتبعوا الشيطان فيفتنكم {لِيُرِيَهُمَا سَوْءتِهِمَا } عوراتهما {إِنَّهُ} الضمير للشأن والحديث {يَرَاكُمْ هُوَ} تعديل للنهي وتحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدو المداجي يكيدكم من حيث لا تشعرون {وَقَبِيلُهُ } وذريته أو وجنوده من الشياطين وهو عطف على الضمير في {يَرَاكُمْ } المؤكد بـ {هُوَ }، ولم يعطف عليه لأن معمول الفعل هو المستكن دون هذا البارز وإنما يعطف على ما هو معمول الفعل {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } قال ذو النون: إن كان هو يراك من حيث لا تراه فاستعن بمن يراه من حيث لا يراه وهو الله الكريم الستار الرحيم الغفار. {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } فيه دلالة خلق الأفعال {وَإِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً } ما يبالغ في قبحه من الذنوب وهو طوافهم بالبيت عراة وشركهم {قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا } أي إذا فعلوها اعتذروا بأن آبائهم كانوا يفعلونها فاقتدوا بهم، وبأن الله أمرهم بأن يفعلوها حيث أقرنا عليها إذا لو كرهها لنقلنا عنها وهما باطلان، لأن أحدهما تقليد للجهال والثاني افتراء على ذي الجلال {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء } إذ المأمور به لا بد أن يكون حسناً وإن كان فيه على مراتب على ما عرف في أصول الفقه {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } استفهام إنكار وتوبيخ {قُلْ أَمَرَ رَبّي بِٱلْقِسْطِ } بالعدل وبما هو حسن عند كل عاقل فكيف يأمر بالفحشاء {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } وقل أقيموا وجوهكم أي اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها في كل وقت سجود أو في كل مكان سجود {وَٱدْعُوهُ } واعبدوه {مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدّينَ } أي الطاعة مبتغين بها وجهه خالصاً {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } كما أنشأكم ابتداء يعيدكم، احتج عليه في إنكارهم الإعادة بابتداء الخلق، والمعنى أنه يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم فأخلصوا له العبادة {فَرِيقًا هَدَىٰ } وهم المسلمون {وَفَرِيقًا } أي أضل فريقاً {حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ } وهم الكافرون {إِنَّهُمُ} إن الفريق الذين حق عليهم الضلالة {ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي أنصاراً {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } والآية حجة لنا على أهل الاعتزال في الهداية والإضلال. { يَـٰبَنِى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ } لباس زينتكم {عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } كلما صليتم. وقيل: الزينة المشط والطيب، والسنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئاته للصلاة لأن الصلاة مناجاة الرب فيستحب لها التزين والتعطر كما يجب التستر والتطهر {وَكُلُواْ } من اللحم والدسم {وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ } بالشروع في الحرام أو في مجاوزة الشبع {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ } وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما شئت، واشرب ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة. وكان للرشيد طبيب حاذق فقال لعليّ بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان. فقال له عليّ: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه وهو قوله {أية : وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ }تفسير : فقال النصراني: ولم يرو عن رسولكم شيء في الطب فقال: قد جمع رسولنا الطب في ألفاظ يسيرة وهي قوله عليه السلام «حديث : المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته»تفسير : فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً. ثم استفهم إنكاراً على محرم الحلال بقوله. {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ } من الثياب وكل ما يتجمل به {ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } أي أصلها يعني القطن من الأرض والقز من الدود {وَالْطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرّزْقِ } والمستلذات من المآكل والمشارب. وقيل: كانوا إذا أحرموا حرموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها {قُلْ هِى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِيٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } غير خالصة لهم لأن المشركين شركاؤهم فيها {خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } لا يشركهم فيها أحد. ولم يقل للذين آمنوا ولغيرهم لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة والكفار تبع لهم. {خَالِصَةٌ } بالرفع: نافع فـ {هِىَ } مبتدأ خبره {لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } و {فِيٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا } ظرف للخبر، أو {خَالِصَةٌ } خبر ثانٍ أو خبر مبتدأ محذوف أي هي خالصة، وغيره نصبها على الحال من الضمير الذي في الظرف الذي هو الخبر أي هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها يوم القيامة {كَذٰلِكَ نُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ } نميز الحلال من الحرام {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أنه لا شريك له. {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ٱلْفَوٰحِشَ } {رَبّي } حمزة {ٱلْفَوٰحِشَ } ما تفاحش قبحه أي تزايد {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } سرها وعلانيتها {وَٱلإِثْمَ } أي شرب الخمر أو كل ذنب {وَٱلْبَغْيَ } والظلم والكبر {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } متعلق بالبغي. ومحل {وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً } حجة النصب كأنه قال حرم الفواحش وحرم الشرك {يُنَزّلٍ } بالتخفيف: مكي وبصري، وفيه تهكم إذ لا يجوز أن ينزل برهاناً على أن يشرك به غيره {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وأن تتقولوا عليه وتفتروا الكذب من التحريم وغيره {وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } وقت معين يأتيهم فيه عذاب الاستئصال إن لم يؤمنوا، وهو وعيد لأهل مكة بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } قيد بساعة لأنها أقل ما يستعمل في الإمهال { يَـٰبَنِى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ } هي «إن» الشرطية ضمت إليها «ما» مؤكدة لمعنى الشرط، لأن «ما» للشرط ولذا لزمت فعلها النون الثقيلة أو الخفيفة {رُسُلٌ مّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتِى } يقرءون عليكم كتبي وهو في موضع رفع صفة لـ {رُسُلُ } وجواب الشرط {فَمَنِ ٱتَّقَىٰ } الشرك {وَأَصْلَحَ } العمل منكم {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } أصلاً {فَلاَ خَوْفٌ} يعقوب {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ} منكم {بِـئَايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا } تعظموا عن الايمان بها {أُولَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ} قال: * ع *: يشبه عندي أن تكون هذه اسْتعَارَةً من الرَّجُلِ يدلي آخر من هُوَّةٍ بحبل قد أَرمَ أو سَبَبٍ ضعيف يغترُّ به، فإذا تَدَلَّى به، وتوركَ عليه، انقطع به، وهلك، فيشبه الذي يغرُّ بالكلام حتى يصدقه، فيقع في مصيبة بالذي يُدْلي من هوة بِسَبَبٍ ضعيف. وقوله سبحانه: {بَدَتْ} قيل: تمزقت عنهما ثياب الجنة وملابسها، وَتَطَايَرَتْ تَبرِّياً منهما، و{يَخْصِفَانِ} معناه: يلصقانها، والمخصف الأشفى وضم الورق بعضه إِلَى بَعْضٍ أشبه بالخَرَزِ منه بالخياطة. قال البخاري: يَخْصِفَانِ يؤلفان الوَرَقَ بعضه إلى بعض انتهى. وهو معنى ما تقدم. وروى أبيٌّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم عليه السلام كان يَمْشي في الجنة كأنه النخلة السَّحُوقُ فلما أَكَلَ من الشجرة وَبَدَتْ له حاله فَرَّ على وَجْهِهِ، فأخذت شجرة بِشَعَرِ رَأْسِهِ، فقال لها: «أرسليني » فقالت: ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه جَلَّ وَعَلاَ أَمِنِّي تفرُّ يا آدم؟ فقال: لا يَا رَبّ، ولكن أَسْتَحْيِيكَ، فقال: أما كان لك فيما مَنَحْتُكَ من الجنة مندوحة عما حرمت عليك. قال: بلى يا رب، ولكن وَعِزَّتَكَ مَا ظَنَنْتُ أن أحداً يَحْلِفُ بك كَاذِباً، قال: فبعزَّتي لأهبطنك إِلى الأَرْضِ، ثم لا تنال العَيْشَ إلا كدًّا. وقوله: {عَن تِلْكُمَا} بِحَسَبِ اللفظ أنه إنما أشار إلى شَجَرَةٍ مخصوصة، {وَأَقُل لَّكُمَآ: إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} إشارة إلى الآية التي في «طه» في قوله: { أية : فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ } تفسير : [ طه: 117] وهذا هو العَهْد الذي نَسِيَهُ آدم على مَذْهَبِ من جعل النسيان على بابه، وقولهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} اعتراف من آدَمَ وحواء عليهما السلام وطَلَبٌ للتوبة، والستر، والتغمُّد بالرحمة، فطلب آدم هذا، فأجيب، وطلب إبليس النَّظِرَةَ، ولم يطلب التَّوْبَة، فوكل إلى سوء رأيه. قال الضحاك وغيره: هذه الآية هي الكَلِمَاتُ التي تلقى آدم من رَبِّهِ، وقوله عز وجل: {قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} المُخَاطَبَةُ بقوله: {ٱهْبِطُواْ}. قال: أبو صَالِحٍ، والسدي، والطبري، وغيرهم: هي لآدم، وحوّاء، وإبليس، والحية. وقالت فرقة: هي مخاطبة لآدم وذريته، وإبليس وذريته. قال * ع *: وهذا ضَعِيفٌ لعدمهم في ذلك الوَقْت. * ت *: وما ضعفه رحمه اللَّه صَحَّحَهُ في «سورة البقرة»، فتأمله هناك، وعداوة الحية معروفة. روى قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : ما سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ».

ابن عادل

تفسير : "الباء" للحال أي: مصاحبين للغرور، أو مصاحباً للغرور فهي حال: إمَّا من الفاعل، أو من المفعول ويجوز أن تكون الباءُ سببيَّةً أي: دَلاَّهُمَا بسببِ أنْ غَرَّهُمَا. والغُرُورُ: مصدرٌ حُذف فَاعِلُهُ ومفعوله، والتقديرُ: بِغُروره إيَّاهُمَا وقوله: "فَدَلاَّهُمَا" يحتملُ أن يكون من التَدْلِيَةِ من معنى دَلاَ دَلْوَه في البِئْرِ، والمعنى أطمعهما. قال أبُو منصور الأزْهَرِيُّ: لهذه الكلمة أصلان: أحدهما: أن يكون أصْلُهُ أن الرَّجُلَ العَطْشَانَ يُدْلِي رِجْلَهُ في البئر ليأخذ الماء، فلا يجدُ فيها ماء فوضعت التَّدْلية موضع الطَّمعِ فيما لا فائدة فيه، يقالُ: دَلاَّهُ: إذا أطْمَعَهُ. قال أبُو جنْدَبٍ: [الوافر] شعر : 2436 - أحُصُّ فَلاَ أُجِيرُ ومَنْ أُجِرْهُ فَلَيْسَ كَمَنْ تَدَلَّى بالغُرُورِ تفسير : وأن تكون من الدَّالِّ، والدَّالَّةَ، وهي الجُرْأة [أي]: فَجَرَّأهما قال: [الوافر] شعر : 2437 - أظُنُّ الحِلْمَ دَلَّ عَلَيَّ قَوْمِي وقدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الحَلِيمُ تفسير : وعلى الثاني [يكون] الأصل دَلَّلَهُمَا، فاستثقل توالي ثلاثةِ أمثال فأبدلت الثَّالث حرف لين كقولهم: تَظنَّيْتُ في تظَّننْت، وقَصَّيْتُ أظْفَارِي في قَصَصْتُ. وقال: [الرجز] شعر : 2438 - تَقَضِّيَ البَازِي إذا البَازِي كَسَرْ تفسير : فصل في معنى "فدلاهما بغرور" قال ابنُ عبَّاس "فَدلاَّهُمَا بِغُرُورٍ" أي غرهما باليمين وكان آدمُ يظنُّ أنَّ أحداً لا يحلف كَاذِباً باللَّه. وعن ابن عمر أنَّهُ كان إذا رَأى من عبيده طاعةً وحسن صلاة أعْتَقَهُ فكان عبيدُهُ يفعلون ذلك طلباً لِلْعتْقِ فقيل له إنَّهُم يخدعُونَكَ فقال: من خَدَعَنَا باللَّهِ؛ انخدعنا له. قيل معناه ما زال يخدعه، ويكلمه بزخرف من القول باطل. وقيل حطَّهُمَا من مَنْزِلَةِ الطَّاعَةِ إلى حالةِ المَعْصية، ولا يكونُ الدلوى إلاَّ من علوٍّ إلى أسْفَلٍ. قوله: {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ} "الذَّوْقُ" وجود الطَّعْمِ بالفَم، ويعبر به عن الأكل وقيل: الذَّوْقُ مَسُّ الشَّيْءِ باللِّسانِ، أو بالفَمِ يُقَالُ فيه: ذاق يَذُوقُ ذُوْقاً مثل صَامَ، يَصُومُ صَوْماً، ونَامَ يَنَامُ نَوْماً. وهذه الآية تدل على أنهما تناولا البُرَّ قَصْداً إلى معرفة طعمه، ولولا أنَّهُ تعالى ذكر في آية أخرى أنَّهُمَا أكلا منها لكان ما في هذه الآية لا يدُلُّ على الأكل؛ لأنَّ الذَّائِقَ قد يكونُ ذَائِقاً من دون أكل. قوله: {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} أي ظهرت عَوْرَتُهُمَا وزال اللِّبَاسُ عنهما. روي عن ابن عباس أنَّهُ قال: قبل أن ازدردا أخذتهما العقوبة وظهرت لهما عورتهما، وتهافت لباسهما حتى أبْصَر كُلُّ واحدٍ منهما ما وُوْرِيَ عنه من عَوْرَةِ صَاحبهِ فكانَا لا يريان ذلك. قوله "وطَفِقَا" طَفِقَ من أفعال الشُّرُوعِ كأخَذَ وجعل، وأنْشَأ وعلَّق وهبَّ وانبرى، فهذه تَدُلُّ على التَّلَبُّسِ بأوَّلِ الفِعْلِ، وحكمها حكم أفْعَالِ المُقاربَةِ من كون خبرها لا يكون إلاَّ مُضَارِعاً، ولا يجوز أن يقترن بـ "أن" لمنافاتها لها؛ لأنها للشُّروع وهو حال و "أنْ" للاستقبال، وقد يقعُ الخبرُ جملة اسمية كقوله: [الوافر] شعر : 2439 - وَقَدْ جَعَلَتْ قَلُوصُ بَنِي سُهَيْلٍ مِنَ الأكْوَارِ مَرْتَعُهَا قَرِيبُ تفسير : وشرطيَّة كـ "إذا" كقوله عمر: "فَجَعلَ الرَّجُلُ إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً". ويقال طَفِقَ بفتح الفاء وكسرها، وطَبِقَ بالباء الموحدة أيضاً، والألف اسمها، و "يَخْصِفَان" خَبَرُهَا. وقرأ أبُو السمالِ: "وطَفَقَا" بفتح الفاء. وقرأ الزُّهْرِيُّ: "يُخْصِفَانِ" بضم حرف المضارعة من أخْصَفَ وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أفْعَلَ بمعنى فَعَلَ. والثاني: أن تكون الهَمْزَةُ للتَّعْديَة، والمَفْعُولُ على هذا مَحْذُوفٌ، أي: يُخْصِفَانِ أنفسهما، أي: يَجْعلانِ أنفسَهُمَا خاصِفَيْنِ. وقرأ الحسنُ، والأعرجُ ومُجاهِدٌ وابْنُ وثَّابٍ "يَخِصِّفانِ" بفتح الياء وكسر الخاء، والصَّاد مشدودةٌ، والأصْلُ يَخْتَصِفَانِ، فأدغمت التَّاءُ في الصَّادِ، ثم أتْبعت الخَاءُ للصَّادِ في حركتها، وسيأتي نظيرُ هذه القراءة في "يُونس" و "يس" نحو {يُهْدَيۤ} [يونس: 35] و {يَخِصِّمُونَ} [يس: 49]. وروى مَحْبُوبٌ عن الحسنِ كذلك إلاَّ أنَّهُ فتح الخاء، فلم يُتْبِعْها للصَّادِ وهي قراءةُ يعقوب وابْنِ بُرَيْدَةَ. وقرأ عبد الله "يُخُصِّفان" بضمِّ الياءِ والخَاءِ وكسر الصَّادِ مشدودة وهي من "خَصَّفَ" بالتَّشديد، إلاَّ أنَّهُ أتبع الخاء للياء قبلها في الحركةِ، وهي قراءة عَسِرةُ النُّطْقِ. ويَدُلُّ على أنَّ أصْلها مِنْ خَصَّفَ بالتَّشديدِ قِراءةُ بعضهم "يُخَصِّفَان" كذلك، إلاَّ أنَّهُ بفتح الخاء على أصلها. و "الخصفُ": الخَرْزُ في النِّعَالِ، وهو وَضع طريقة على أخرى وخرْزهما، والمِخْصَفُ: ما يُخْصَفُ به، وهو الإشفَى. قال رُؤبَةُ: [الكامل] شعر : 2440 -..................... أنْفِهَا كالمِخْصَفِ تفسير : والخَصْفَةُ أيضاً: الحُلَّةُ للتَّمْر، والخَصَفُ: الثِّيابُ الغَلِيظَةُ، وخَصَفْتُ الخَصْفَةَ: نَسَجْتُهَا، والأخْصَف: الخَصِيفُ طعام يبرق، وأصْلُهُ أن يُوضَعَ لَبَنٌ ونحوه في الخَصْفَةِ فَيتلوَّنُ بلونها. وقال العبَّاسُ يمدحُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: [المنسرح] شعر : 2441 -... طِبْتَ فِي الظِّلالِ وَفِي مُسْتَودَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ تفسير : يشير إلى الجَنَّةِ أي حَيْثُ يخرز، ويطابق بعضها فوق بعض. فصل قال المُفَسِّرُون: جعلا يَخْصِفَانِ ويرقعان ويلْزِقَانِ ويصلانِ عليهما من ورق الجنَّةِ، وهو ورق التِّين حتى صار كهيئة الثَّوْبِ. قال الزَّجَّاجُ: يجعلان ورقةً على ورقةٍ لِيَسْتُرا سَوْءَاتِهِمَا. وروى أبَيُّ بنُ كعبٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كان آدَمُ طوالاً كأنَّهُ نَخْلَةٌ سحوق كثير شَعْرِ الرَّأسِ، فلما وقع بالخطيئة بَدَتْ له سوأته، وكان لا يراها فانْطَلَقَ هَارِباً في الجنَّةِ، فعرضت له شجرةٌ من شجر الجنَّةِ فحبسته بشَعْرِهِ فقال لها أرسِلِيني؛ قالت: لَسْتُ بِمُرْسِلَتكَ، فَنَادَاهُ ربُّهُ: يا آدمُ أين تَفِرُّ قال: لا يَا رَب، ولكني استحييتك ". تفسير : وفي الآية دليل على أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ قبيحٌ من لدن آدم، ألا تَرَى أنَّهُمَا كيف بادرا إلى السَّتْرِ، لما تقرَّر في عقلهما من قُبْحِ كَشْفِ العورة. قوله: "عليهما" قال أبُو حيَّان: الأَوْلى أن يعود الضَّمِيرُ في "عليهما" على عَوْرَتَيْهِمَا، كَأنَّهُ قيل: يَخْصِفَانِ على سَوْأتيهما، وعاد بضمير الاثنين؛ لأنَّ الجمع يُرَادُ به اثنان. ولا يَجُوزُ أن يعود الضَّمِيرُ على آدَمَ وحوَّاءَ؛ لأنَّهُ تَقرَّرَ في علم العربيَّةِ أنَّهُ لا يتعدَّى من فعل الظَّاهِرِ والمُضْمَرِ المتَّصل إلى الضمير المتصل المنصوب لفظاً أو مَحَلاًّ في غير باب "ظَنّ"، و "قَعَدَ" و "عَدمَ"، و "وَجَد" لا يجُوزُ زيد ضربه، ولا ضَرَبَهُ زيد، ولا زَيْدٌ مَرَّ به، ولا مَرَّ به زيدٌ، فلو جعلنا الضَّمِيرَ في "عَلَيْهِمَا" عائداً على آدم وحوَّاءَ لَلَزِمَ من ذلك تعدِّي يَخْصِفُ إلى الضَّميرِ المنصوب مَحَلاًّ، وقد رفع الضَّمير المتَّصِل، وهو الألف في "يَخْصِفَانِ"، فإن أخِذَ ذلك على حَذْفِ مُضافٍ مراد؛ جَازَ ذلك، تقديره: يَخْصِفانِ على بَدَنَيْهِمَا. قال شهابُ الدِّين: ومثل ذلك فيما ذكر {أية : وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ}تفسير : [مريم: 25]. {أية : وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ}تفسير : [القصص: 32]. وقول الشاعر: [المتقارب] شعر : 2442 - هَوِّنْ عليْكَ فإنَّ الأمُورَ بِكَفِّ الإلهِ مَقَادِيرُهَا تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 2443 - دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ في حَجَرَاتِهِ ولكِنْ حَدِيثاً ما حَدِيثُ الرَّوَاحِلِ تفسير : قوله: "مِنْ وَرَقِ" يحتملُ وَجْهَيْنِ: أن تكون "مِن" لابتداءِ الغايةِ وأن تكون للتَّبعيضِ.؟ و "نَادَاهُمَا رَبُّهُمَا" لم يصرِّحْ هنا باسم المنادى للعلم به. وقوله: "أَلَمْ أنْهَكُمَا" يجوزُ أن تكون هذه الجُمْلَةُ التقديريَّةُ مفسِّرة للنداء لا محلّ لها ويحتمل أن يكُونَ ثَمَّ قول مَحْذُوفٌ، هي مَعْمُولَةٌ له أي: فقال: ألم أنْهكُمَا. وقال بعضُهُم: هذه الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بقولٍ مُقدَّرٍ ذلك القَوْلُ حال تقديره: وناداهما قَائِلاً ذلك. و "لَكُمَا" متعلِّقٌ بـ "عَدُوّ" لما فيه من معنى الفِعْل، ويجوزُ أن تكون متعلِّقة بمَحْذُوفٍ على أنها حالٌ من "عَدُوِّ"؛ لأنَّهَا تأخَّرَتْ لجاز أن تكون وصفاً له. فصل في قوله "ألم أنهكما" معنى قوله: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ} يعني: عن الأكْلِ منها وأقل لَكُمَا: إنَّ الشَّيْطانَ لكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ. قال ابن عبَّاس: بيَّن العداوة حَيْثُ أبى السُّجُود وقال: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ}تفسير : [الأعراف: 16].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ} [الآية: 22]. قال القرشى: قيل لآدم ادخل الجنة ولا تأكل من هذه الشجرة، فلما أكلا ناداهما ربهما والقول على معنى القرب، والنداء على حد البعد. قوله تعالى: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ}. قيل: غرهما بالله ولولا ذلك ما اغتر. وسئل بعضهم: ما الفرق بين آدم وبين إبليس وقد ترك كل واحدٍ منهما الأمر. فقال: آدم طالع الخطيئة فأذهلته الخطيئة عن الأمر فارتكب النهى، وظن إبليس أن للعبادات العظيمة عنده خطرًا وأنه لا يقصد بالتعبد غيره، فنظر إلى الجنسين فقال: أنا خير منه فهلك، وإذا نظرت إلى شأنهما وجدتهما جريا تحت التلبيس، لكن أحدهما سُومحَ والآخر لم يُسامح. قوله تعالى: {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا}. قال: سوء الأدب فى القرب ليس كسوء الأدب فى البعد - وأيضًا - لأن التوبة من الكفر تغفر لصاحبه لا محالة، والتوبة من الخطيئة لا تحكم بالقبول. وقيل: يطالب الأنبياء بمثاقيل الذر، ولا تطالب العامة بذلك لبعدهم عن مصادر السر. وقال بعضهم: {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} قال: بدت لهما ولم يبدُ ذلك لغيرهما فهتك عنهما ستر العصمة.

البقلي

تفسير : {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} قال ابو سليمان الدرانى وسوس لهما الشيطان الارادة الشر بهما فكان ذلك سببا لعلو أدم وبلوغه الى اعلى الربت وذاك ان أدم ما عمل عملا قط اتم له من الخطية التى هى ادبته واقامته مقام الحقائق واسقط عنه ما لعله خامر سره من سجود الملائكة له ورده الى بركة الاولة من التخصيص فى الخلقة باليد حتى رجع الى ربه بقوله ظلمنا انفسنا قوله تعالى {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} خادعهما حين اخبر لهما ان فى شجرة اسرار الربوبية فدلهما الى غرور الاطلاع على اسرار القدم لكيونا اقرب من المقربين الذين هم سفر الملكوت وخزان خزائن الجبروت وغرور ذلك اوقعهما فى بلاء اسفار القدم وابقاء التى تاتى لهما لك لحظة ببلايا لا يقوم بها السموات وهكذا شان العشاق من شوقهم الى اوجه معشوقهم يسمعون حديث كل برو فاجر لعلهم يصلون الى شئ من قريب حبيبهم شعر : اطيع لأل ليلى فى هواها واحتمل الاصاغر والكبارا تفسير : قيل غرهما بالله ولولا ذاك ما اغتر قوله تعالى {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} ذكرت سر بدو السؤة وههنا لطيفة اشار تعالى الى ان تلك السؤة التى هى اسرار القدم لم تبد لغيرهما بدت لهما خاصته من جميع الكرويين والروحانيين والحمد لله الذى عصم سواتهما عن نظر الاغيار لانهما محلا الكرامة والامانة والرسالة والنبوة الولاية جردهما الحق عن الجنة وما فيها الكونهما فى تجريد التوحيد وافراد القدم من الحدوث فاين الجنة فى طريق العارفين الى الله افردهما عن الجنة لعظمها فى المعرفة ولقدسهما عن حظوظ البشرية لانه حظ البشرية فى المشاهدة فلما ذاقا بخروج جميع الاشباح والارواح منها وسئل الواسطى ما بال الانبياء لعقوبة اليهم اسرع ان ابليس وأدم فى مخالفة واحدة قيل بدت لهما سواتهما قال سؤ الادب فى القرب ليس كسؤ الادب فى البعد قيل يطالب الانبياء بمثاقيل الذر ولا يطالبا لعامة بذلك لبعدهم من مصادر السر وقال بعضهم بدت لهما سوأتهما ولم تبد لغيرهما هتك عنهما سر العصمة ولم يبد ذلك لغيرهما قال الواسطى سلبه ما البسه وكساه كسوة الذل حتى عرفهم ردال قدرة فانيته نفسه عن نفسه بنفسه فايقن انه لا ينال شيئا من ربه الا بربه وانطقع به اليه مغيبا عن حضوره وما خوذا بحظه عن حظ غيره فلما الى رسا كنوز علم الغيب وصارا متحيرين فى مهمة الامتحان من رؤية النكرات لاطفهما الحق بمناداته وخطابه وعتابه ليجرهما من فقار الديمومية الى مهد طريق الشريعة بقوله {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ} النداء نداء الماب والقول قول العاقب ذكر لهما تلك الشجرة لامنهية لموقعها فى شوق تلك الاسرار لانهما فى البعد من تلك المزارق القرشى قيل لأدم ادخل الجنة ولا تاكل منا لشجرة فلما اكلا نادهما ربهم والقول على معنى القرب والنداء على حدا العبد فلما اعملنا انها اخطاء حين باسرار شجرة من جهد شهوة العشق الحق هناك رؤية ما ظهر فى الشجرة من حسن تلجى لاحق وليس اتيفاء حظ البشرية بمباشرة الشجرة من حق المقام اضافا الظلم الى انفسهم بقلوهم قَالاَ {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} الظلم ههنا الجهل بحقائق المقام وطلب حظ النفس فى مقام مشاهدة الحق قر بالجهل وكانا فى ذلك الوقت فى مقام التلوين ولو كانا فى محل تجريد التوحيد لم يذكر النفس انفهسما لان رؤية لانفس وقدرتها فى شئ فى مقام التوحيد شرك الا ترى الى قولا لاستاد حين قال من لام نفسه فقد اشرك قال الحسين الظلم هو الاشتغال بغيره عنه وقال ابن عطا ظلمنا انفسنا باشغتالنا بالجنة وطيبها عنك قال الشبلى ذنوب الانبياء تؤديهم الى الاهانة قال الوساطى لم تكن له فى حال طيته خواطر غير الحق فلما احضر فى حضوره غاب عن حضوره فقال ربنا ظلمنا انفسنا ما ورد عليه من ربه عن غيره وهل لا قطعة باتصاله فى اتصاله عن التصاله وهل لا عينه ما عليه فى نفسه عن نفسه فزاد الله حرقته وهيجانه حين اردف شوقه داء الفراق من مقام المثاق ليستوعب حقائق البلاء فى سفر العشق بقوله سبحانه اهبطوا ارسله من مقام البهجة الى عالم المحنة اهل العداوة مقاساة الفرق بعد ذوق الوصلة لان فى مقامم لاعشق والوصال والفراق تؤمان كان فى عيش الوصال مع الحبيب صافى الحال بلا كدورة الجفاء ولا رحمة الفراق ففتح عساكر الامتحان عليه ايدى الفرقة من ممكن الغيرة وكدرت له مشرب الوصال فى ايام الصفاء القائل شعر : وكان لى مشرب يصفو برويتكم فكدرته يدم الايمان حين صفا تفسير : وانشد بعض المتاخرين شعر : فبتنا على أثم الحسود وبيننا شارب كريح المسك يثيب بالخمر وقيل ساعات الوصول قصيرة تفسير : وايام الفراق طويلة يا اخى لم يكن أدم وحوافى قيد الجنة انما طمعا فى الخلد ببقائهما مع الحبيب ابدا لكن صال عليما عسكر غيرة القدم واخرجهما من ساحة الكبرياء حتى يكون مع الله غير الله اصابتهما عن غيرة الازل فىمعناه قال الشاعر شعر : ان يكن عين اصابتك فلا زالت العين تصيب الحسنا تفسير : لم يهبطا من الدرجات الكرامات وان اخرجا من بقاع الجنات قيل لم يخرج أدم عن رتبة الفضيلة وان اخرج عن دار الكرامة فلذلك قال ثم اجتبه ربه ولما حجبنهما عن مقام الوصال وادخلهما دار الفراق اخبرهما انهما يحيان فى الارض بروح المعرفة ورزق المشاهدة ويموتان فى حجر الشفقة عن وصلة الحال والمكاشفة فيخرجان منهما بنعت التوحيد والمبحة بقوله {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} فيها تحيون بالله وتموتون فى الله ويخرجون بنعت الله قال بعضهم فيما تحيون بالمعرفة وفيها تموتون بالجهل ومنها تخرجون مما انتم فيه من التقدير والتدبير الى سوابق القدر عليكم ورجى الاحكام فيكم ولما اعزى أدم وحوا من لباس الجنة غوص نبوه بذلك شتى من حضرته الكريمة بقوله {يَابَنِيۤ آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً} لك طائفة لباس للعارفين لباس المعرفة وللمحبين لباس المبة وللمشاتقاين لباس الشوق وللموحدين لباس التوحيد وللزاهدين لباس الزهد وللمتقين لباس التقوى وللاولياء لبسا الولية والانبياء لبسا النبوة وللمرسلين لباس الرالة ولكل واحد منها ظاهر وباطن زينة الباطن لنظر الحق وزينة لظاهر لموقعها الشريعة وتلك الزنية ما قال تعالى وريشا وتلك الزنية انوار القرب مرخص بها ضاربين الخلق ميهنا وقوله تعالى {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ} لان كل لباس فيه حظ النفس وهذه الملابس هى كسرة العموم ولباس اله لمن فنى فى الله واتصف بصفات الله فكل لبسا يفنى فى لباس الله من حرج بلباس الله صار قبله الله للعالمين من نظر اليه يرى الله ولهذا اشار غلي السلام الى مقام اتصافه بصفات الله واكتسائه بكسوة انوار الله بقوله من رانى فقد راى الحق وقوله تعالى يوارى سوأتكم اى كلكم عريان من انوار القدم بادى سؤة الحدث فينبغى تشتر وابلباس القدم سؤة الحدث وبلباس العلم سوءة الجهل وبلباس الربوبية سؤة العبودية قال الواسطى السؤة الجهل وازين الزنية ان تزين العبد بالتقوى ولباس التقوى وقاية لا يخرقها كيد حاسد والتقوى لباس القلب علامتها الورع ولاتقوى الادب بمع الله وهو ان لا يرى مع الله غير الله فانر اى القميص لبس قميص الصدق او قميص الفسق او قميص النسك وقال النصر ابادى اللباس كلها ملك الحق ولباس التقوى لباس الحق قال الله تعالى ولباس التقوى ذلك خير واللباس الذى يوراى السؤة لباس الكرامة ولباس التقوى لباس الايما وهو اشرف وقال بعضهم لباسا لهداية للعوام ولباس التقوى للخواص ولباس الهيبة للعارفين ولباس الزينة الاهل الدنيا ولباس اللقاء والمشاهدة للاولياء ولباس الحضرة للانبياء وقال اسلاتاد للقلب لباس التقوى وهو صدق القصد بنفى الطمع وللروح لباس امن التقديس وهو ترك العلائق وحذف العوايق وللسر لباس من التقوى هو نفى المساكنات والتصاول من الملاحظات ثم ان الله سحبانه حذر بنى أدم بما حذر أدم من متابعة الشهوات وطلب المالوفات بقوله {يَابَنِيۤ آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} اى بطول الامل والطمع فى البلوغ اى اكبر السن ورغد العيش فى المال والجاه كما طمع أدم فى الخلد والاقامة فى الجنة الانها يخرج العبد من مقام القدس والانس الى عالم الكدورة والوحشة كما كان حال أدم وان هذه الاشيا ينزع كسوة الانوار عن سره وتصيره عريانا من لباس التقوى الذى ذكره الله ههنا ينزع عنها لباسهما ليريهما سواتهما اذا كان العبد متابعا للهوى نفسه وهو شيطانه لشهوته طلب حظه ينزع عنه لباس صفاء العباد ويجرد من نور الحضرة ويبدو له الانسانية بنعت غلبتها عليه فانها طوارق ليلة الهجران فيرى فيها تلك السؤة اضاف نزع لباسهما واخراجهما من الجنة الى العدو وفى الحقيقة هو واسطة القهر اذا يرى بوادى طوارق القهر فى ليالى امتحان العبد يتبعها بوسوسة والقاء مزخرفاته اليه والا فانى له القدرة على اغواء العباد وليس اليه الضلال و فى كل موضع يرى انوار العناية ونيران المحبة بخسا من هناك خوفا من احتراقه فى تلك النيران والانوار سئل بعضهم ما الذى قطع الخلق عن الحق بعد عرفوه فقال الذى اخرج اياهم من الجنة اتباع النفس والهوى والشيطان قال ابن عطا خروج أدم من الجنة وكثرة بكائفه واقتقاره وخروج الانبياء من صلبه خير من الجنة والتنعيم والتلذذ بنعيمها وقيل فى قوله ينزع عنهما لباسهما هو انوار القرب ولمعان العزة قال ابو سعيد الحراز هو النورى الذى شملهما فى القرب قال لامنر ابادى احسن اللبسة ما البس الصفى فى الحضرة فلما ابدت منه المخالفة نزع عنه لذلك قال بعضه السلف من تهاون سر الله عليه انطقه الله بعيوب نفسه قال الاستاد من اطغلا الى وساوس نفسه باسماع الهوى واحدا الشكلية بين وساوس الشيطان وهو اجس النفس فيتناصر الوسواس والهواجس وتصير خواطر القلب وزواجر العلم معمورة مقهورة فعن قريب يشتمل تلك الوساوس والهواجس صاحبها وتنخرط من مسلك موافقة الهوى فيسقط من مهواه الزلة فاذا لم يحصل تدارك يوشك التوبة صارت الحالة قسوة القلب اذا قسى فارقته الحياة وتم له البلاء وزاد تعالى تحذيره من الشيطان وبين له يسترق من حيث لا يراه الانسان بعقيب الأية بقوله {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} اراد الشياطين ينظرون الى العبد من حيث يأتى عليه مقادير المشية بنعت الامتحان فاذا يرون قضاء عليه يتبعونه بقصد الاغواء والعبد لا يرى ذلك ما دام وراء حجب شهواته ولا يرى الشياطين ما دام فى ظلمات طبعة فيفعل به ما كان من صنيعهم فاذا خرج من ظلمة النفس والهوى الى ساحة الضحرة وينظر الى سماء الغيب ويتلجى الى قرب مولاه من شر نفسه وشياطينه يبصره الله الشياطين مكائدهم فيلقى اليهم من قارورة الاستعاذة ميزان المحنة فيحرقهم جميعا بتائيد الله قال تعلى فى ذلك من نيرات كتابه أيتين واضحتين الاولى وصف رؤيتهم مواقع حيلهم واشكالهم قوله تعالى {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} تفسير : فاذا هم مبصرون والاخرى قوله لا يسمعون الى الملأ الا على ويقذون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب الا من خطف الخطفة فاتبعه شهاب ثاقب قال ذو النون المصرى ان كان هو بارك من حيث لا يراه فان الله يراه من حيث لا يرى الله فاستعن بالله عليه فان كيد الشياطين كان ضعيفا وبكرمه وفضله صرف الشياطين عن اوليائه وجعلهم احباء اعداءه وحث الاولياء بعداوتهم جميعا بقوله {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} اضاف الكل الى نفسه جعل الفة الاولياء فى قلوب المؤمنين وجعل الفة الفساق فى قلوب المفسدين فلا يضر عداوتهم اولياءه لانهم فى عين رعاية الازل من شرهم قال ابن عطا انا جعلنا الشياطين وانهم اتخذوا الشياطين فالحقيقة منها ما اضاف الى نفسه والمعارف ما اضاف اليهم كذلك خطابه فى جميع القرأن ولما انصرف القوم عن طريق العدل والاحسان ومتابعة الحق فى طلب الغفران وتابعوا سلاك الضلال امر الله صفيه عليه السلام ان يظهر لهم ما يليق بحضرته تعالى من العدل والاخلاص والتوحيد والتوجه من كل شئ دونه بقوله {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِٱلْقِسْطِ} القسط اسواء السر بنعت التجريد والتقديس عن الحدث فى روية القدم بحيث لا يكون فى البين من حظ النفس شئ لان هناك حظ النفس وجدان حلاوة برد المشاهدة وحظ الله هناك احتراق النفس فى نيران التوحيد حين ابرز الحق للسر انوار عزة الازل فيستويه بنعت الاستقامة على وصف صفات الازلية الا ترى كيف فتح ابواب الاجلال فى كشف الجلال الاهل شهود الغيب ودعاهم اليها بنعت الانقطاع عن الالتفات الى الحدثان بقوله {وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} اى حيث يبرز لكم انوار القدرة وسنا المشاهدة ضعوا وجوهكم على تراب فناء العزة على وصف رفع الاغيار من ساحة الانوار عند التضرع والدعاء فان الدعاء شوق القلب الى لقاء الرب بحيث لا يرى فى لابين غير الرب باشارته {وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} صافين عن كدورة الحدث والنظر الى الغير فاذا تم هذه الصفات تم حقائق العبودية التى سماها الله الدين اى مثل هذه الطريقة له قال الجنيد فى هذه الأية امر بحفظ السر وعلو الهمة وان يرضى بالله عوضا مما سواه وقال رويم اخلاص الدعاء ان ترفع روتيك عن افعالك وقال حارث المحاسبى اخلاص الدعاء اخراج الخلق من معاملة الله وقال ابو عثمان الاخلاص لسان رؤية الخلق لدوام النظر الى الخالق وقال بعضهم الاخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها وقال الاستاد فى قوله واقيموا وجوهكم عند كل مسجد الاشارة منه الى استدامه شهوده فى كل حالة وان ينساه لحظة فى كل ما ياتيه وندره ويقدمه ويوخره ولما امر العبودية الخاصة وخاطبهم بالوسائط بعد خروجهم من كتم العدم الى ساحة الوجود على سمات القضاء والقدرة والشقاوة والسعاة والهداية والضلالة فاحالهم الى سابق المشية اى لي كل من اقبل الى العبودية فهو من اهل الوصال وليس كل من فر من مقام العبودية واماته النفس فى الطاعة الى كدورة حظوظ البشرية فهو من اهل الفراق فان الطاعة والمعصية حاضن فى البين ومن كانت فطرته فطرة المقبولين يكون مقولا باى صفة كان ومن كانت فطرته فطرة المطرودين يكون من المطرودين باى صفة كان بقوله{كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {فدلاهما} فنزلهما الى الاكل من الشجرة وحطهما من المرتبة العالية وهى مرتبة الطاعة الى المنزلة السافلة وهى الحالة المغضبة والتدلية ارسال الشئ من الاعلى الى الاسفل كارسال الدلو فى البئر {بغرور} اى بسبب تغريره اياهما باليمين بالله كاذبا وكان العين اول من حلف بالله كاذبا وظن آدم ان احدا لا يحلف بالله كاذبا فاغتربه فان شأن المؤمن ان يعتقد بصدق من حلف بالله لتمكن عظمة اسم الله تعالى فى قلبه وكان بعض العلماء يقول من خادعنا بالله خدعنا وفى الحديث "حديث : المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم " . تفسير : {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما} اى فلما وجدا طعمها آخذين فى الاكل منها اخذهما العقوبة وشؤم المعصية فتهافت عنهما لباسهما وظهرت لهما عوراتهما فاستحييا. وفى الاخبار ان غيرهما لم ير عورتهما قيل كان لباسهما فى الجنة ظفرا فى اشد اللطافة واللين والبياض يكون حاجبا من النظر الى اصل البدن فلما اصابا الخطيئة نزع ذلك عن بدنهما وبقى عند رؤس الاصابع تذكيرا لما فات من النعم وتجديدا للندم. وقيل كان لباسهما نورا يحول بينهما وبين النظر الى حد البدن. وقيل كان حلة من حلل الجنة {وطفقا يخصفان} اى اخذا يرقعان يلزقان ورقة فوق ورقة {عليهما} اى على بدنهما او على سوآتهما من قبيل صغت قلوبكما فى التعبير عن المثنى بالجمع لعدم التباس المراد فجاز ان يرجع اليه ضمير التثنية {من ورق الجنة} قيل كان ذلك ورق التين ولم يستره من الشجر الأجشر التين فقال الله تعالى كما سترت آدم اخرج منك المعنى قبل الدعوى وسائر الاشجار يخرج منها الدعوى قبل المعنى فلهذه الحكمة يخرج ثمر سائر الاشجار فى كمامها اولا ثم تظهر الثمرة من الكمام ثانيا وشجرة التين اول ما يبدو ثمره يبدو بارزا من غير كمام. وفى الآية دليل على ان كشف العورة قبيح من لدن آدم عليه السلام ألا ترى انهما كيف بادرا الى الستر لما تقرر فى عقلهما من قبح كشف العورة {ونادٰهما ربهما} مالك امرهما بطريق العتاب والتوبيخ يحتمل ان يكون ذلك بان اوحى اليهما بواسطة الملك ذلك الكلام او بان الهمهما ذلك فى قلبهما. قيل كانت حجتهما بهذا العتاب اشد عليهما من كل محنة اصابتهما {الم انهكما} وهو تفسير للنداء فلا محل له من الاعراب {عن تلكما الشجرة واقل لكما} عطف على انهكما اى الم اقل لكما {ان الشيطان لكما عدو مبين} اشارة الى قوله تعالى {أية : ان هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} تفسير : [طه: 117]. ولكما متعلق بعدو لما فيه من معنى الفعل ـ روى ـ ان الله تعالى قال لآدم الم يكن فيما منحتك من شجر الجنة مندوحة عن هذه الشجرة فقال بلى وعزتك ولكن ما ظننت ان احدا من خلقك يحلف بك كاذبا قال فبعزتى لاهبطنك الى الارض ثم لا تنال العيش الا كدا فاهبط وعلم صنعه الحديد وامر بالحرث فحرث وسقى وحصد وداس وذرى وطحن وعجن وخبز.

الطوسي

تفسير : معنى قوله {فدلاهما} حطهما الى الخطيئة بغرور، ومنه قولهم: فلان يتدلى الى الشر، لان الشر سافل والخير عال. وقيل: دلاهما من الجنة الى الأرض بغرور. الغرور إِظهار النصح مع ابطان الغش، وأصله الغُّر: طيُّ الثوب يقال: اطوه على غِّره أي على كسر طيه، وقال الشاعر: شعر : كأن غَّر متنه اذ نجنبه سير صناع في خريز تكلبه تفسير : فالغرور بمنزلة الغر لما فيه من اظهار حال واخفاء حال، ومنه الغرر لخفاء ما لا يؤمن فيه. والغر الذي لم يجرب الامور، لانها تخفى عليه. والغرة الاخذ على غفلة. والغرارة الوعاء، لانها تخفي ما فيها. والاغر الابيض لظهور الثوب في غره، ومنه الغرة في الجبهة. وقوله {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما} أي ظهرت عورتاهما، ولم يكن ذلك على وجه العقوبة، لان الانبياء لا يستحقون العقوبة، وانما كان ذلك لتغير المصلحة، لانهما لما تناولا من الشجرة اقتضت المصلحة اخراجهما من الجنة ونزعهما لباسهما الذي كان عليهما، واهباطهما الى الارض، وتكليفهما فيها. وقوله {وطفقا} قال ابن عباس: معنى طفق جعل يفعل، ومثله قولهم: ظل يفعل واخذ يفعل وابتدأ يفعل، فقد يكون ذلك بأول الفعل قد يكون بالقصد الى الفعل، ويقال: طفق يَطفِق وطفق يَطفَق طفقا. وقوله {يخصفان عليهما من ورق الجنة} معناه يقطفان من ورق الجنة ليستترا به، ويحوزان بعضه الى بعض، ومنه المخصف: المثقب الذي يخصف به النعل، والخصاف الذي يرقع النعل قال الشاعر: شعر : واسعى للندى والثوب جرد محاسرة وفى نعلي خصاف تفسير : يعني ترقيع، وقال الاعشى: شعر : قالت أرى رجلا في كفه كتف او يخصف النعل لهفي آية صنعا تفسير : ومنه قول النبي (صلى الله عليه وسلم)"حديث : خاصف النعل في الحجرة" تفسير : يعني عليا (ع). والاخصاف سرعة العدو، لانه يقطعه بسرعة. والخصف ثياب غلاظ جدا، لانه يعسر قطعها لغلظها. وكان الحسن يقرأ {يخصفان} بمعنى يختصفان. وقوله {من ورق الجنة} قيل: انه من ورق التين. واصل الورق ورق الشجرة، ومنه الورِق اسم الدراهم. والورقة سواد في غبرة كأنه كلون الورق الذي بهذه الصفة، وحمامة ورقاء. وفي ذلك دلالة على ان ستر العورة كان واجبا في ذلك الوقت. وقوله {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} حكاية عما قال الله تعالى لآدم وحواء - بعد ان بدت سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الشجر - أليس كنت نهيتكما عن تلكما الشجرة، وانما قال {تلكما} لانه خاطب اثنين واشار الى الشجرة، فلذلك قال {تلكما} و {أقل لكما} عطف على {أنهكما} فلذلك جزمه {إن الشيطان لكما عدوٌّ مبين} يعني ظاهر العداوة. وقد بينا ان آدم لم يرتكب قبيحا وان ما توجه اليه بصورة النهي كان المراد به ضربا من الكراهة دون الحظر، وانما قلنا ذلك لقيام الدلالة على عصمتهما من سائر القبائح صغائرها وكبائرها، فعلى هذا لا يحتاج ان نقول: انهما تأولا فأخطئا، على ما قال البلخي والرماني، أو وقع منهما سهواً على ما قاله الجبائي:

اطفيش

تفسير : {فدَلاَّهما} أنزلهما من علو إلى أسفل {بغُرورٍ} بكلام غير صحيح متعلق بدلى، أو بمحذوف حال من المستتر فيه، أو من الهاء أو منهما، أى ملتبسا أو ملتبسين بغرور، شبه حالهم بحال من أنزل أحدا من مكان مرتفع جداً بحبل ضعيف بقدمه أو من أصله، فإذا تدلى واستقبل بذلك الحبل انقطع وهلك، وذلك أنه غرهما بكلامه وقسمه، فأنزلهما من رتبهما الشريفة إلى هذه الدنيا المتعبة الموقعة فى المهالك وإلى المعصية، فذلك استعارة تمثيلية، ولا يكاد البلغاء يحملون الكلام على غيرها ما وجدوها، هذا ما ظهر لى وهو أولى من أن تجعل دلى استعارة تبعية، وبغرور ترشيحا أى بحبل غرور أو الغرور هو الحبل نفسه مبالغة فى ضعفه، وعلى كل حال، فالمعنى أنه خدعهما. قال قتادة: إنما يخدع المؤمن بالله، فإنهما ظنا أن لا يحلف أحد بالله كاذبا كما قالا حين عاتبهما الله، وكان ابن عمر إذا رأى عبدا من عبيده مطيعا لله ومحسنا للصلاة أعتقه، فكان عبيده يفعلون ذلك طلبا للعتق، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له، وقال لهما: إنى خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما فاتبعانى أرشدكما. {فلمَّا ذاقا الشَّجرةَ} الفاء للاستئناف، أو لعطف قصة على أخرى، أو على محذوف أى اتبعاه، فلما ذاقا الشجرة وهى شجرة الحنطة أو التين أو العنب كما مرّ، والذوق الأكل اليسير قدر ما يجدان طعم المأكول وهو المراد بالأكل فى فأكلا منها، وبه استوجبا العقوبة وهى ظهور عورتهما كما قال: {بَدَتْ لَهما سََوْآتُهما} ظهر لكل منهما قبله ودبر غيره وقبله، بأن انتثر عنهما لباس الجنة، وتمزق بالمعصية، وهو حلة، وقال وهب بن منبه: كان عليهما نور ستر عورتهما، وقال ابن عباس وقتادة: كان لباسهما ظفراً فلما عصيا تقلص عنهما وانكشط ولم يبق منه إلا فيما فى الأصابع والبنان، وإنما بقى ذلك ليتذكرا به المعصية، فيجددان الندم والتوبة كلما رأياه. {وطَفِقا} شرعا، وقرأ أبو السمال بفتح الفاء {يخْصِفانِ} يرقعان {عَليهما} ورقة فوق ورقة {مِنْ وَرَقِ الجنَّة} ليصير كهيئة الثوب يستران به عورتهما، بادرا بذلك بقبيح انكشاف العورة فى عقليهما، فاعتبروا ذلك وهو ورق التين فيما قيل عن ابن عباس رضى الله عنهما، وقرأ الحسن فيما روى عنه محبوب بتشديد الصاد، والأصل يختصفان، نقلت فتحة التاء للخاء وأبدلت صادا، وأدغمت فى الصاد، وكذا روى عن عبد الله بن بريدة ويعقوب، والمشهور عن الحسن كسر الخاء مع تشديد الصاد، وبذلك قرأ الأعرج ومجاهد، فالأصل يختصفان أيضا، سكنت التاء وقلبت صادا وأدغمت، وكسرت الخاء على أصل التخلص من التقاء الساكنين، أو أصل الخاء الفتح بالنقل كما مر، ثم انكسرت تبعا للصاد. والمشهور عن عبد الله بن بريدة يخصفان بضم الياء وتشديد الصاد مكسورة وفتح الخاء بينهما من خصف، فبالتشديد للمبالغة، وإن قيل: للتعدية لغير واحد قدر يخصفان أنفسهما كما قدر فى قراءة الزهرى يخصفان بضم الياء وإسكان الخاء وتخفيف الصاد من أخصف. وبعد فأقول: ما تقرر من أن الفعل لا يعمل فى ضميرين متصلين لمسمى واحد فى غير باب علم وظن وما ألحق بهما محله ما إذا لم يعمل فى أحدهما بواسطة حرف الجر، وإلا جاز مطلقا لكثرته مثل يخصفان عليهما، ويجره إليه، وأمسك عليك، وتأويل الكثير لا يحسن فلا حاجة إلى تقدير يخصفان على أنفسهما وأمسك على نفسك. {ونَاداهُما ربُّهما} نداء وحى بواسطة عند الجمهور، وأن الكلام بلا واسطة مختص بموسى، وقيل: بلا واسطة، وتخصيص موسى بالنظر إلى من فى الأرض، ووقع ذلك لآدم فى الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : آدم نبى مكلم" تفسير : لكن يحتمل أن يريد أنه مكلم بالواسطة، ويؤيد قول الجمهور اشتراك حواء فى ذلك النداء، ولم يرو قط أنه كلم حواء بلا واسطة. {ألم أنْهكما عَنْ تِلْكُما الشَّجرةَ} أى عن أكل ثمرها، فى هذه القصة دلالة على أن النهى المجرد عن القرينة للتحريم حيث عوقبا بمخالفته والاستفهام توبيخ لهما {وأقُل لكُما إنَّ الشَّيطان لكما عدوٌّ مبينٌ} قال لهما: إنه عدو لكما فاحذراه، وقال: {أية : فلا يخرجنَّكما من الجنة فتشقى} تفسير : قال عياض: وهذا هو العهد الذى نسيه آدم على قول من يجعل النسيان على بابه، وقد بانت لكما عداوته، تركه السجود حسداً، وقد قيل: إن ظهورها كالقول ومبين من أبان المتعدى، أى مظهر لكما عداوته بترك السجود، وإظهارها لحواء إنما هو بعلمها بتركه، أو من اللازم أى ظاهر العداوة، وقرأ أبى بن كعب: ألم تنهيا عن تلكما الشجرة، وقيل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين. ولكما حال من عدو، وقال: يا آدم أما خلقتك بيدى، أما نفخت فيك من روحى، أما أسجدت لك ملائكتى، أما أسكنتك جنتى فى جوارى. وعن أبىّ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن آدم عليه السلام كان يمشى فى الجنة كأنه نخلة سحوق فلما واقع المعصية وبدت له سوأته فر على وجهه، وكان كثير شعر الرأس فأخذته شجرة متعرضة له بشعرة واحدة" تفسير : وفى رواية: "حديث : بشعر رأسه يقال إنها الزيتونة، فقال لها، أرسلينى، قالت: ما أنا بمرسلتك، فناداه ربه: يا آدم أمنى تفر؟ قال: لا يا رب ولكن استحييتك" تفسير : كذا روى الطبرى، وزاد غيره عن أبى قال: "حديث : أما كان لك فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب وعزتك، لكن ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذباً، قال: فبعزتى لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدَّا" تفسير : وأهبط وعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث، فحرث وسقى، وحصد ودرس، وذرى وطحن وعجن، وخبز وأكل، ولم يبلغ إلى ذلك حتى بلغ من الجهد ما شاء الله. قال ابن عباس: قيل لآدم لم أكلت من الشجرة التى نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتنى. وقد روى أنها قطعت وناولته، قال: فإنى أعطيتها ألا تحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرها، فرنت فقيل لها: لك الرنة ولبناتك، وقيل: إنما رنت عند موت هابيل، فقال آدم ذلك لها، وروى أنه قال: يا آدم لم أكلت منها وقد نهيت عنها؟ قال: أطعمتنى حواء، قال لها: لم أطعمته؟ قالت: أمرتنى الحية، قال لها: لم أمرتها؟ قالت: أمرنى إبليس، قال تعالى: أما أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة تدمين كل شهر، فذلك سبب الحيض، وقيل: أول من حاضت امرأة من بنى إسرائيل لفجرة فجرتها، ولعله انقطع بعد حواء وابتدأ بالإسرائيلية، وأما أنت يا حية فأقطع رجلك فتمشين على بطنك، وكانت قبل ذلك ذات قوائم أربع كالبعير أحسن ما يكون، وسيشدخ رأسك من لقيك، وأما أنت يا إبليس فملعون مدحور.

اطفيش

تفسير : {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} التدلية والإِدلاء إِرسال الشئ من أَعلى إِلى أَسفل، وهو قد أَهبطهما من درجة عالية، وهى الطاعة إِلى أَمر سافل هو المعصية بالأَكل من الشجرة، فإِن المقصود من النهى عن القرب إِلى هذه الشجرة النهى عن الأَكل منها، ولكن عبر بالقرب مبالغة، والغرور الخداع بوسوسة، أَو الباء معية أَى حال كونه أَو كونهما فى غرور. ظنا أَن لا يحلف أَحد بالله عز وجل كاذبا لعظمة الله فى قلوبهما، وهو أَول من حلف كاذبا {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ} أَى أَكلا قليلا من ثمارها ليعلما طعمها {بَدَتْ} ظهرت {لَهُمَا سَوْءَتُهُمَا} قبل كل واحد لنفسه وللآخر ودبره للآخر لسقوط لباسهما بالمعصية، وتحرك الطعام أَيضا فى بطنهما، وذلك فى تلك الشجرة خاصة فدارا فى الجنة فقال له ملك بأَمر الله: ما تريد؟ فقال: أُريد أَن أَضع ما فى بطنى، فقال بأَمر الله: أَتحت العرش أَم الكرسى أَو الأَنهار أَم تحت الأَشجار، لا مكان يصلح لذلك، اخرج إِلى الدنيا، وسميت العورة سوءَة لأَن انكشافها يسوء صاحبها فيجب سترها كما قال الله عز وجل {وَطَفِقَا} شرعا {يَخْصِفَانِ} يلزقان شبه بخياطة النعل بالترقيع {عَلَيْهِمَا} على أَنفسهما ليسترا أَنفسهما كما كانا من قبل. لكن اعتناءَهما بستر العورة أَشد. وليس الضمير للسوءَات لأَنهن أَربع إِلا بتأويل فريقين أَحدهما سوءَتاه والآخرسوءتاها، ولا حاجة إلى تقدير مضاف أَى على سوءَاتهما خروجاً عن عمل عامل فى ضميرين لمسمى واحد فى غير باب ظن وفقد وعدم، ورأَى الخاصة لأَن ذلك ممنوع إِذا لم يكن الثانى بحرف جر، أَما إِذا كان به فجائز وارد فى القرآن كثيرًا {مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ} أَى يخصفان بعض ورق الجنة، أَو يخصفان ورقا من ورق الجنة، وهو ورق التين. إما كورق الدنيا خلقه الله فى الجنة أَو من نحو ذهب وفضة أَلين. {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا} وفسر النداءَ بقوله {أَلمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِين} ظاهر العداوة، أو ذلك مفعول للنداء لتضمنه معنى القول، أَو يقدر: وناداهما ربهما يا آدم ويا حواء قائلا أَلم أَنهكما عن أَكل ثمار هذه الشجرة، وقلنا: يا آدم إِن هذا عدو لك ولزوجك، ويقال ناداه ربه: يا آدم لم أَكلت منها وقد نهيتك؟ قال: أَطعمتنى حواء. وقال لحواءَ: لم أَطعمته؟ قالت: أَمرتنى الحية، وقال للحية: لم أَمرتها؟ قالت: أَمرنى إِبليس، فقال أَما أَنت يا حواء فلأَدمينك كل شهر كما أَدميت الشجرة، وأَما أَنت يا حية فأَقطع أَرجلك فتمشين على وجهك وليشدخن رأسك كل من لقيك، وأَما أَنت يا إِبليس فملعون. ولا دليل فى الآية على أِن النهى المجرد عن قرائن غير التحريم، لأَن هنا قرينه التحريم وهو قوله فتكونا من الظالمين، وأَما قوله: أَلم أَنهكما بترتيب العقاب على النهى فلا دليل فيه، لأَن المراد فيه النهى المعهود المقرون بقوله فتكونا من الظالمين. ومعنى مبين ظاهر العداوة لأَنه لم يسجد لك، وقال لأَقعدن لهم.. إِلخ، وقال الله عز وجل لهما إِن هذا عدو لك ولزوجك.. إِلخ.

الالوسي

تفسير : {فَدَلَّـٰهُمَا } أي حطهما عن درجتهما وأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية فهو من دلى الدلو في البئر كما قاله أبو عبيدة وغيره. وعن الأزهري أن معناه أطمعهما. وأصله من تدلية العطشان شيئاً في البئر فلا يجد ما يشفي غليله. وقيل: هو من الدالة وهي الجرأة في فجرأهما كما قال: شعر : أظن الحلم دل على قومي وقد يستجهل الرجل الحليم تفسير : فأبدل أحد حرفي التضعيف ياء {بِغُرُورٍ } أي بما غرهما به من القسم أو متلبسين به، فالباء للمصاحبة أو الملابسة. والجار والمجرور حال من الفاعل أو المفعول. وجعل بعضهم الغرور مجازاً عن القسم لأنه سبب له ولا حاجة إليه، وسبب غرورهما على ما قاله غير واحد أنهما ظنا أن أحداً لا يقسم بالله تعالى كاذباً ورووا في ذلك خبراً. وظاهر هذا أنهما صدقا ما قاله فأقدما على ما نهيا عنه. وذهب كثير من الحققين أن التصديق لم يوجد منهما لا قطعا ولا ظناً، وإنما أقدما على المنهي عنه لغلبة الشهوة كما نجد من أنفسنا أن نقدم على الفعل إذا زين لنا الغير ما نشتهيه وإن لم نعتقد أن الأمر كما قال. ولعل كلام اللعين على هذا من قبيل المقدمات الشعرية أثار الشهوة حتى غلبت ونسي معها النهي فوقع الإقدام من غير روية، وقال القطب: يمكن أن يقال إن اللعين لما وسوس لهما بقوله: { أية : مَا نَهَـٰكُمَا } تفسير : [الأعراف: 20] الخ فلم يقبلا منه عدل إلى اليمين على ما قال سبحانه: { أية : وَقَاسَمَهُمَا } تفسير : [الأعراف: 21] فلم يصدقاه أيضاً فعدل بعد ذلك إلى شيء آخر وكأنه أشار إليه سبحانه بقوله تعالى: {فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ } وهو أنه شغلهما باستيفاء اللذات حتى صارا مستغرقين بها فنسي النهي كما يشير إليه قوله / تعالى: { أية : فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تفسير : [طه: 115] وجعل العتاب الآتي على ترك التحفظ فتدبر. {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ } أي أكلا منها أكلاً يسيراً {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا } قال الكلبي: تهافت عنهما لباسهما فأبصر كل منهما عورة صاحبه فاستحيا {وَطَفِقَا} أخذا وجعلا فهو من أفعال الشروع وكسر الفاء فيه أفصح من فتحها وبه قرأ أبو السمال { يَخْصِفَانِ } أي يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة، وأصل معنى الخصف الخرز في طاقات النعال ونحوها بإلصاق بعضها ببعض. وقيل أصله الضم والجمع {عَلَيْهِمَا } أي على سوآتهما أو على بدنهما ففي الكلام مضاف مقدر. وقيل: الضمير عائد على {سَوْءَٰتُهُمَا }. {مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ } وكان ذلك بعض ورق التين على ما روي عن قتادة. وقيل: الموز. وقرأ الزهري {يَخْصِفَانِ } من أخصف، وأصله خصف إلا أنه ـ كما قال الجاربردي ـ نقل إلى أخصف للتعدية، وضمن الفعل لذلك معنى التصيير فصار الفاعل في المعنى مفعولاً للتصيير (على أصل) الفعل فيكون التقدير يخصفان أنفسهما أي يجعلان أنفسهما خاصفين عليهما من ورق الجنة فحذف مفعول التصيير. وجوز بعضهم كون خصف وأخصف بمعنى. وقرأ الحسن {يَخْصِفَانِ } بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد من الافتعال، وأصله يختصفان سكنت التاء وأدغمت ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين. وقرأ يعقوب بفتحها. وقرىء {يخصفان } من خصف المشدد بفتح الخاء وقد ضمت اتباعاً للياء وهي قراءة عسرة النطق. {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا } بطريق العتاب والتوبيخ {أَلَمْ أَنْهَكُمَا } تفسير للنداء فلا محل له من الإعراب أو معمول لقول محذوف أي وقال أو قائلاً: ألم أنهكما {عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ } إشارة إلى الشجرة التي نهيا عن قربانها. والتثنية لتثنية المخاطب. {وَأَقُل لَّكُمَا } عطف على {أَنْهَكُمَا } أي ألم أقل لكما {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ } أي ظاهر العداوة، وهذا ـ على ما قيل ـ: عتاب وتوبيخ على الإغترار بقول العدو كما أن الأول عتاب على مخالفة النهي. ولم يحك هذا القول هٰهنا، وقد حكي في سورة طه [117] بقوله سبحانه: { أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ } تفسير : الآية و {لَّكُمَا } متعلق بعدو لما فيه من معنى الفعل أو بمحذوف وقع حالا منه. واستدل بعضهم بالآية على أن مطلق النهي للتحريم لما فيها من اللوم الشديد مع الندم والاستغفار المفهوم مما يأتي. والأكثرون على أن النهي هنا للتنزيه وندمهما واستغفارهما على ترك الأولى وهو في نظرهما عظيم وقد يلام عليه أشد اللوم إذا كان فاعله من المقربين.

ابن عاشور

تفسير : {فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ}. تفريع على جملة: {أية : فوسوس لهما الشّيطان} تفسير : [الأعراف: 20] وما عطف عليها. ومعنى {فدلاّهما} أقدمهما ففَعلا فِعلاً يطمعان به في نفع فخابَا فيه، وأصل دلَّى، تمثيل حال من يطلب شيئاً من مظنّته فلا يجده بحال من يُدَلِّي دَلوه أو رجليه في البئر ليسْتقي من مائها فلا يجد فيها ماء فيقال: دَلَّى فلانٌ، يقال دلّى كما يقال أدلى. والباء للملابسة أي دلاهما ملابِساً للغُرور أي لاستيلاء الغرور عليه إذ الغرور هو اعتقاد الشيء نافعاً بحسب ظاهر حاله ولا نفع فيه عند تجربته، وعلى هذا القياس يقال دَلاّه بغرور إذا أوقعه في الطّمع فيما لا نفع فيه، كما في هذه الآية وقول أبي جُندب الهُذلي (هو ابن مُرّة ولم أقف على تعريفه فإن كان إسلامياً كان قد أخذ قوله كمن يدلّى بالغرور من القرآن، وإلاّ كان مثلاً مستعملاً من قبل):شعر : أحُصّ فلا أجيرُ ومَنْ أجِرْه فليس كمَنْ يدلّى بالغرور تفسير : وعلى هذا الاستعمال ففعل دَلّى يستعمل قاصراً، ويستعمل متعدّياً إذا جعل غيره مدَلِّيَاً، هذا ما يؤخذ من كلام أهل اللّغة في هذا اللّفظ، وفيه تفسيرات أخرى لا جدوى في ذكرها. ودلّ قوله: {فدلاهما بغرور} على أنّهما فعلا ما وسوس لهما الشّيطان، فأكلا من الشّجرة، فقوله: {فلما ذاقا الشجرة} ترتيب على دَلاَهما بغرور فحذفت الجملة واستُغني عنها بإيراد الاسم الظّاهر في جملة شرط لَمَّا، والتّقدير: فأكلا منها، كما ورد مصرّحاً به في سورة البقرة، فلمّا ذاقاها بدت لهما سوآتهما. والذّوق إدراك طعم المأكول أو المشروب باللّسان، وهو يحصل عند ابتداء الأكل أو الشّرب، ودلت هذه الآية على أن بُدُوّ سوآتهما حصل عند أوّل إدراك طعم الشّجرة، دلالة على سرعة ترتّب الأمر المحذور عند أوّل المخالفة، فزادت هذه الآية على آية البقرة. وهذه أوّلُ وسوسة صدرت عن الشّيطان. وأوّل تضليل منه للإنسان. وقد أفادت (لما) توقيت بدوّ سوآتهما بوقت ذوقهما الشّجرة، لأنّ (لما) حرف يدل على وجود شيء عند وجود غيره، فهي لمجرّد توقيت مضمون جوابها بزمان وجود شرطها، وهذا مَعنى قولهم: حرف وُجودٍ لِوُجُودٍ (فاللاّم) في قولهم لوجود بمعنى (عند) ولذلك قال بعضهم هي ظرف بمعنى حين، يريد باعتبار أصلها، وإذ قد التزموا فيها تقديم ما يدل على الوقت لا على الموقت، شابهت أدوات الشّرط فقالوا حرف وجود لوجود كما قالوا في (لو) حرف امتناعٍ لامْتناعٍ، وفي (لَولا) حرف امتناع لوجود، ولكن اللاّم في عبارة النّحاة في تفسير معنى لو ولولا، هي لام التّعليل، بخلافها في عبارتهم في (لما) لأنّ (لما) لا دلالة لها على سَبَب، ألا ترى قوله تعالى: {أية : فلما نَجّاكم إلى البر أعرضتم} تفسير : [الإسراء: 67] إذ ليس الإنجاء بسبب للإعراض، ولكن لَمَّا كان بين السّبب والمسبّب تقارن كثر في شرط (لما) وجوابها معنى السَّببية دون اطراد، فقوله تعالى: {فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما} لا يدلّ على أكثر من حصول ظهور السوْآت عند ذوق الشّجرة، أي أنّ الله جعل الأمرين مقترنين في الوقت، ولكن هذا التّقارن هو لكون الأمرين مسبّبين عن سبب واحد، وهو خاطر السوء الذي نفثه الشّيطان فيهما، فسبب الإقدام على المخالفة للتّعاليم الصّالحة، والشّعورَ بالنقيصة: فقد كان آدم وزوجه في طور سذاجة العلم، وسلامة الفطرة، شبيهين بالملائكة لا يُقدمان على مفسدة ولا مَضرة، ولا يُعرضان عن نصح ناصح عَلِمَا صدقَه، إلى خبر مخبر يشكّان في صدقه، ويتوقّعان غروره، ولا يشعران بالسوء في الأفعال، ولا في ذَرائِعها ومقارناتها. لأنّ الله خلقهما في عالم ملَكي. ثمّ تطوّرت عقليَّتهما إلى طور التّصرّف في تغيير الوجدان. فتكّون فيهما فعل ما نُهيا عنه. ونشأ من ذلك التّطوّر الشّعورُ بالسّوء للغير، وبالسوء للنّفس، والشّعور بالأشياء التي تؤدي إلى السوء. وتقارن السوء وتلازمه. ثمّ إن كان «السَّوآت» بمعنى ما يسوء من النّقائص، أو كان بمعنى العَورات كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : ليبدي لهما ما وُوري عنهما من سوآتهما}تفسير : [الأعراف: 20] فبُدوّ ذلك لهما مقارن ذوق الشّجرة الذي هو أثر الإقدام على المعصية ونبذِ النّصيحة إلى الاقتداء بالغَرور والاغترار بقَسَمه، فإنَّهما لما نشأت فيهما فكرة السوء في العمل، وإرادة الإقدام عليه، قارنت تلك الكيفيةَ الباعثةَ على الفعل نَشْأةُ الانفعال بالأشياء السيّئة، وهي الأشياء التي تظهر بها الأفعال السيّئة، أو تكون ذريعة إليها، كما تنشأ معرفة آلة القطع عند العزم على القتل، ومن فكرة السّرقة معرفةُ المكان الذي يختفَى فيه، وكذلك تنشأ معرفة الأشياء التي تلازم السوء وتقارنه، وإن لم تكن سيّئة في ذاتها، كما تنشأ معرفة اللّيل من فكرة السّرقة أو الفرارِ، فتنشأ في نفوسسِ النّاسسِ كراهيته ونسبته إلى إصدار الشّرور، فالسوآت إن كان معناه مطلق ما يسوء منهما ونقائصِهما فهي من قبيل القسمين، وإن كان معناه العورة فهي من قبيل القسم الثّاني، أعني الشّيء المقارن لما يسوء، لأنّ العورة تقارن فعلا سيّئاً من النّقائص المحسوسة، والله أوجدها سببَ مصالح، فلم يَشعر آدمُ وزوجه بشيء ممّا خلقت لأجله، وإنّما شعرا بمقارنة شيء مكروه لذلك وكلّ ذلك نشأ بإلْهام من الله تعالى، وهذا التّطوّر، الذي أشارت إليه الآية، قد جعله الله تطوّراً فطرياً في ذرّية آدم، فالطّفل في أوّل عمره يكون بريئاً من خواطر السّوء فلا يستاء من تلقاء نفسه إلاّ إذا لحق به مؤلم خارجي، ثمّ إذا ترعرع أخذت خواطر السوء تنتابه في باطن نفسه فيفرضها ويولِّدها، وينفعل بها أو يفعل بما تشير به عليه. وقوله: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} حكاية لابتداء عمل الإنسان لستر نقائصه، وتحيُّلِه على تجنّب ما يكرهه، وعلى تحسين حاله بحسب ما يُخيِّل إليه خيالُه، وهذا أوّل مظهر من مظاهر الحَضارة أنشأه الله في عقلي أصلَي البشر، فإنّهما لما شعرا بسَوآتهما بكلا المعنيين، عَرفا بعض جزئياتها، وهي العورة وحدث في نفوسهما الشّعور بقبح بروزها، فشرعا يخفيانها عن أنظارهما استبشاعاً وكراهيةً، وإذ قد شعرا بذلك بالإلهام الفطري، حيث لا ملقّن يلقنّهما ذلك، ولا تعليم يعلمهما، تَقرّر في نفوس النّاس أنّ كشف العورة قبيح في الفطرة، وأنّ سترها متعيّن، وهذا من حكم القوّة الواهمة الذي قارَن البشر في نشأته، فدلّ على أنّه وَهْم فطري متأصّل، فلذلك جاء دين الفطرة بتقرير ستر العورة، مشايعة لما استقرّ في نفوس البشر، وقد جعل الله للقوّة الواهمة سلطاناً على نفوس البشر في عصور طويلة، لأنّ في اتّباعها عونا على تهذيب طباعه، ونزْععِ الجلافة الحيوانية من النّوع، لأنّ الواهمة لا توجد في الحيوان، ثمّ أخذت الشّرائع، ووصايا الحكماء، وآداب المربِّينَ، تزيل من عقول البشر متابعة الأوهام تدريجاً مع الزّمان، ولا يُبقون منها إلاّ ما لا بد منه لاستبقاء الفضيلة في العادة بين البشر، حتّى جاء الإسلام وهو الشّريعة الخاتمة فكان نوط الأحكام في دين الإسلام بالأمور الوهْميّة ملغى في غالب الأحكام، كما فصّلتُه في كتاب «مقاصد الشّريعة» وكتاب «أصول نظام الاجتماع في الإسلام». والخصف حقيقته تقوية الطّبقة من النّعل بطبقة أخرى لتشتدّ، ويستعمل مجازاً مرسلاً في مطلق التّقوية للخِرقة والثّوب، ومنه ثوب خَصيف أي مخصوف أي غليظ النّسج لا يَشف عمّا تحته، فمعنى يخصفان يضعان على عوراتهما الورَق بعضه على بعض كفعل الخاصف، وضعا مُلزقاً متمكّناً، وهذا هو الظّاهر هنا إذ لم يقل يخصفان وَرَق الجنّة. و(من) في قوله: {من ورق الجنة} يجوز كونها اسماً بمعنى بعضَ في موضع مفعول {يخصفان} أي يخصفان بعض ورق الجنة، كما في قوله: {من الذين هادوا يحرفون}، ويجوز كونها بيانيّة لمفعول محذوف يقتضيه: «{يخصفان} والتقدير: يخصفان خِصْفاً من ورق الجنة.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَدَلاَّهُمَا} {سَوْءَاتُهُمَا} {وَنَادَاهُمَا} {ٱلشَّيْطَآنَ} (22) - فَمَا زَالَ إِبْلِيسُ يُخَادِعُهُمَا، وَيُرَغِّبُهُما فِي الأَكْلِ مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ، وَيُقْسِمُ لَهُمَا بِاللهِ أَنَّهُ نَاصِحٌ لَهُمَا، حَتَّى حَطَّهُمَا عَمَّا كَانَا عَلَيهِ مِنْ سَلاَمَةِ الفِطْرَةِ وَطَاعَةِ اللهِ، وَنَسِيَا النَّهْيَ (كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى - فَنَسِيَ وَلَمْ نَجدْ لَهُ عَزْماً). فَلَمَّا أَكَلا مِنَ الشَّجَرَةِ التِي نَهَاهُمَا اللهُ عَنْهَا، تَعَرَّيَا مِمّا كَانَ يَسْتُرُ سَوْآتِهِمَا (عَوْرَاتِهِمَا) فَبَدَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَوْرَةُ الآخرِ، وَكَانَتْ قَبْلاً مَسْتُورَةً عَنْهُ. فَنَبَّهتْهُمَا إلَى مَا كَانَ خَفِيَ عَنْهُمَا مِنْ أَمْرِهَا، فَخَجِلا مِنْ ظُهُورِهَا، وَشَعَرَا بِالحَاجَةِ إِلى سَتْرِها، فَأَخَذَا يُلْصِقَانِ عَلَى عَوْرَاتِهِمَا (يَخْصِفَانِ) مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ لِسَتْرِهَا. وَسَأَلَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ عَنْ أَسْبَابِ مُخَالَفَتِهِمَا لأَِمْرِهِ، وَأَكْلِهِمَا مِنَ الشَّجَرَةِ التِي نَهَاهُمَا اللهُ عَنْها، وَذكَّرَهُ بِمَا سَبَقَ أَنْ قَالَهُ مِنْ أَنَّ إِبْلِيسَ عَدُوٌّ لَهُ وَلِزَوْجِهِ بَيِّنُ العَدَاوَةِ، وَبِمَا حَذَّرَهُ مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ مُعْتَذِراً: (وَعِزَّتِكَ مَا حَسِبْتُ أَحَداً يَحْلِفُ بِكَ كَاذِباً أَبَداً). دَلَّى الشَّيءَ تَدْلِيَةً - أَرْسَلَهُ إِلى أَسْفَلَ. فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ - فَأَنْزَلَهُمَا عَنْ رُتْبَةِ الطَّاعَةِ بِخِدَاعٍ. يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا - يُلْصِقَانَ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ لِسَتْرِ عَوْرَاتِهِمَا. السَّوْءَةُ - مَا يَسُوءُ ظُهُورُهُ وَهِيَ هُنَا العَوْرَةُ. الغُرُورُ - الخِدَاعُ وَالبَاطِلُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} أي فأنزلهما من رتبة الطاعة إلى درك المعصية والذنب مما غرهما وخدعهما من القسم. و"دلاّ" مأخوذة من دلّى رجليه في البئر كي يرى إن كان فيه ماء أم لا، أو دلَّى جبل الدلو لينزله في البئر، ومعناها: أنه يفعل الشيء مرة فمرة، و "بغرور" أي بإغراء لكي يوقعهما في المخالفة، فأظهر لهما النصح وأبطن لهما الغش. وهنا وقفة تدل على الاصطراع بين الحق والباطل في النفس، {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ} هذا يدل على أنهما بمجرد المذاق تذكرا أن النزغ من إبليس جعلهما يذهبان إلى الشجرة. وأن ما أخذاه فقط كان مجرد المذاق، فتنبه كلاهما إلى جسامة الأمر. {فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} [الأعراف: 22] و"الخصف" أي تأتي بشيء وتلزقه على شيء لتداري شيئاً. وقديماً حينما كان يبلى نعل الحذاء، ويظهر به خرق فالإِسكافي يضع عليه رقعة من الجلد تكون أوسع من الخرق حتى تتمكن منه. وهكذا فعل آدم وحواء؛ أخذا من ورق الجنة ووضعا ورقة على ورقة ليداريا السوءة. وقوله الحق: {وَطَفِقَا} يعني وجعلا من ورق الشجر غطاء للسوءات. وهنا يقول الحق: {...وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} [الأعراف: 22] لقد كان التكليف هنا في أمر واحد، والإِباحة في أمور متعددة، وسبحانه لم يكلفهما إلا بأمر واحد هو عدم الاقتراب من الشجرة، والمباح كان كثيراً؛ لذلك لم يكن من اللائق أن يتولى عن التكليف. ولم يكن هذا التكليف بالواسطة ولكن كان بالمباشرة، ولذلك سينفعنا هذا الموقف في الفهم في لقطة للقصة في سورة غير هذه وهو قوله الحق: {أية : ...وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121] ولم يأت الحق هنا بسيرة المعصية، وقال لهما: {...أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} [الأعراف: 22] وسبحانه لا يجرم إلا بنص، وسبق أن قال سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} وأوضح: أن هناك عنصراً إغوائياً هو إبليس وعداوته مسبقة في أنه امتنع عن السجود، وقد طرده الحق لهذا السبب. إذن إنْ آخذهما وعاقبهما الله بهذا الذنب فهو العادل، وهما اللذان ظلما أنفسهما. وكان لابد أن يكون الجواب: نعم يا رب نهيتنا، وقلت لنا ذلك. وهذا إيراد للحكم بأقوى الأدلة عليه؛ لأن الحكم قد يأتي بالإِخبار، وقد يأتي بالاستفهام بالإِيجاب، ويكون أقوى لو جاء بالاستفهام بالنفي. {...إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} [الأعراف: 22] ونحن نعلم أن العدو هو الخصم الذي يريد إلحاق الضرر والإيذاء بك، و"مبين" أي محيط، وهذا دليل يظهر عداوة الشيطان وإحاطتها؛ لأنه قد سبق أن أوضح أنه سيأتي من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. أو بيَّن العداوة وشديد الخصومة. ويأتي الإقرار بالذنب من آدم وحواء: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَخْصِفَانِ} [الآية: 22] يعني: يرقعان كهيئة الثوب. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: "الرياش": المال [الآية: 26]. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} [الآية: 26]. قال: كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة. فأُمروا باللباس.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} معناهُ فَجَعَلا يَخْصِفان الورقَ بَعضَهُ إِلى بَعض يُنظِّمانه. والوَرقُ والوَراقُ واحدٌ. تفسير : وقوله تعالى: {سَوْءَاتُهُمَا} معناهُ فروجُهُما.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 281 : 3 : 9 - سفين عن بن عباس {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ} قال، التين. [الآية 22].

همام الصنعاني

تفسير : 891- عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا}: [الآية: 22]، قال: كانا لاَ يريانِ سَوءاتهمَا، فقال آدم، يا رب! أرأيت إن تبتُ فاسْتَغْفَرت؟ قال: إذاً أدخلك الجنة، وأما إبليس فلم يستغفر، وإنَّما سأل: النَّظِرَةَ. فأعطى كلَّ واحِدٍ منهما الذي سأل. 892- حَدَّثَنا عَبْدُ الرزاقِ، قال: أنبأنا عُمر بن عبد الرحمن بن درية، قال: سمعتُ وهب بن منبه يقولُ: لما أَسْكَنَ الله تعالى آدم الجنَّةَ وزوجته، ونهاهُ عن الشجرة، وكانت الشجرة غصونُهَا يتشعبُ بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكُلُها الملائكةُ لخلودهم، وهي الشجرة التي نهى الله تعالى آدم عنها وزوجته، فلمَّا أَرَادَ إبليس أَنْ يَسْتَزِلَّهُمَا دَخَل في جَوْفِ الْحَيَّةِ - وَكَانت الحية لها أربع قوائِم كأنَّهَا بختية من أَحْسنِ دَابَّة خلقها الله - فلمَّا دخلت الْحَيَّةُ الجنَّةَ خرج منْ جوفِهَا إبليس فأخذ منَ الشجرة التي نَهَى الله عنها آدم وزوجته، فجاء بَها إلى حواء فقال: انظري إلى هذه الشجرةِ، ما أطيَبَ ريحها، وأطيب طعمها وأحسن لَوْنها فأخذتْها حواء فأكلت مِنْهَا ثم ذهبت إلى آدم فقالت: انظر إلى هذه الشجرةِ ما أطيب ريحُها، وأطيب طعمها، وأَحْسَنَ لَوْنُهَا، فأَكَلَ منها آدم. فَبَدَتْ لهما سَوْءاتُهُمَا، فدخَل آدم في جوف الشجْرَةِ فناداه ربُّهُ: "يا أدم! أين أنت؟" قالأ: ها أنذا يا ربِّ. قال: "ألا تخرج". قال: أستحيي منك يا ربّ. قال: "معلونة الأرْض التي خلقت مِنْهَا لعنة تتحول ثمارها شوكاً" قال: ولم تكن في الجنة وَلاَ في الأرضِ شجرتان أفضل من الطلح والسِّدْر ثم قا ل: يا حَوَاءُ أَنْتِ التي غررت عبدي، فإنك لا تَحْمِين حملاً إلاَّ حملته كرها، فإذا أردتِ أن تضعي ما في بطنك أَشرفتِ على الموت مِراراً. وَقَالَ للحية: أنتِ التي دخل الملعون في جوفك حَتَّى غَرَّ عَبْدِي، ملعونة أنتِ لعنة: تتحوَّلُ قوائمك في بطنك، ولا يكون لك زرق إلا التراب، أنتِ عدة بني آدَمَ وَهُمْ أعْداؤك حيث لقيت أحداً منهم أخذت بعَقِبِه. وحيث ما لقيكِ شدَخ رأسك. قال عمر فقيل لوهب: وهَلْ كانت الملائكة تأكل؟ قال يفعل الله ما يشاء. 893- عبد الرزاق، عن عمر بنِ الرحمن، قال: سمعتُ وَهباً على المنبر يقول: إنِّي وجدت في كتاب الله تعالى، أن الله يقُول إني مني الخير وأنا خلقته، قدّرْته لخيار خلقي فطوبى لمن قدرته له. وإني مني الشر وأنا خلقته وقدرته لشرار خلقي، فويل لمن قدرته له.