٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه الآية مفسرة في سورة البقرة، وقد ذكرنا هناك أن هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم من آدم عليه السلام، إلا أنا نقول: هذا الذنب إنما صدر عنه قبل النبوة. وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل.
البيضاوي
تفسير : {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} أضررناها بالمعصية والتعريض للإخراج من الجنة. {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} دليل على أن الصغائر معاقب عليها إن لم تغفر. وقالت المعتزلة لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر ولذلك قالوا: إنما قالا ذلك على عادة المقربين في استعظام الصغير من السيئات واستحقار العظيم من الحسنات.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا } بمعصيتنا {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ }.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} وهذا خبر من الله عز وجل عن آدم عليه الصلاة والسلام وحواء عليها السلام واعترافهما على أنفسهما بالذنب والندم على ذلك والمعنى: قالا يا ربنا إنا فعلنا بأنفسنا من الإساءة إليها بمخالفة أمرك وطاعة عدونا وعدوك ما لم يكن لنا أن نطيعه فيه من أكل الشجرة التي نهيتنا عن أكلها {وإن لم تغفر لنا} يعني وأنت يا ربنا إن لم تستر علينا ذنبنا {وترحمنا} يعني وتتفضل علينا برحمتك {لنكونن من الخاسرين} يعني من الهالكين. قال قتادة: قال آدم يا رب أرأيت إن تبت إليك واستغفرتك، قال: إذاً أدخلك الجنة. وأما إبليس فلم يسأله التوبة وسأله أن ينظره فأعطى كل واحد مهما ما سأل وقال الضحاك في قوله {ربنا ظلمنا أنفسنا} قال: هي الكلمات التي تلقّاها آدم عليه الصلاة والسلام من ربه عز وجل. (فصل) وقد استدل من يرى صدور الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الآية وأجيب عنه بأن درجة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الرفعة والعلو والمعرفة بالله عز وجل مما حملهم على الخوف منه والإشفاق من المؤاخذة بما لم يؤاخَذ به غيرهم وأنهم ربما عوتبوا بأمور صدرت منهم على سبيل التأويل والسهو فهم بسبب ذلك خائفون وجِلون وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم وسيئات بالنسبة إلى كمال طاعتهم لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاص كمعاصي غيرهم فكان ما صدر منهم، مع طهارتهم ونزاهتهم وعمارة بواطنهم بالوحي السماوي والذكر القدسي وعمارة ظواهرهم بالعمل الصالح والخشية لله عز وجل، ذنوباً وهي حسنات بالنسبة إلى غيرهم كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. يعني أنهم يرونها بالنسبة إلى أحوالهم كالسيئات وهي حسنات لغيرهم. وقد تقدم في سورة البقرة أن أكل آدم من الشجرة هل كان قبل النبوة أو بعدها؟ والخلاف فيه فأغنى عنه الإعادة والله أعلم. قوله تعالى: {قال اهبطوا} قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: إن الذي تقدم ذكره هو آدم وحواء وإبليس فقوله اهبطوا يجب أن يتناول هؤلاء الثلاثة. وقال الطبري: قال الله تعالى لآدم وحواء وإبليس والحية اهبطوا يعني من السماء إلى الأرض قال السدي رحمه الله: قوله تعالى: {اهبطوا} يعني إلى الأرض آدم وحواء وإبليس والحية {بعضكم لبعض عدو} يعني أن العداوة ثابتة بين آدم وإبليس والحية وذرية كل واحد من آدم وإبليس {ولكم في الأرض مستقر} يعني موضع قرار تستقرون فيه، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: {ولكم في الأرض مستقر} يعني القبور {ومتاع إلى حين} يعني ولكم فيها متاع تستمتعون به إلى انقطاع الدنيا أو إلى انقضاء آجالكم ومعنى الآية أن الله عز وجل أخبر آدم وحواء وإبليس والحية أنه إذا أهبطهم إلى الأرض فإن بعضهم لبعض عدو وأن لهم في الأرض موضع قرار يستقرون فيه إلى انقضاء آجالهم ثم يستقرون في قبورهم إلى انقطاع الدنيا. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: {ومتاع إلى حين} يعني إلى يوم القيامة وإلى انقطاع الدنيا {قال فيها تحيون} يعني: قال الله عز وجل لآدم وذريته وإبليس وأولاده فيها تحيون يعني في الأرض تعيشون أيام حياتكم {وفيها تموتون} يعني: وفي الأرض تكون وفاتكم وموضع قبوركم {ومنها تخرجون} يعني: ومن الأرض يخرجكم ربكم ويحشركم للحساب يوم القيامة. قوله عز وجل: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم} اعلم أن الله عز وجل لما أمر آدم وحواء بالهبوط إلى الأرض وجعلها مستقراً لهم أنزل عليهم كل ما يحتاجون إليه من مصالح الدين والدنيا فكان مما أنزل عليهم اللباس الذي يحتاج إليه في الدين والدنيا فأما منفعته في الدين فإنه يستر العورة وسترها شرط في صحة الصلاة وأما منفعته في الدنيا فإنه يمنع الحر والبرد فامتنّ الله على عباده بأن أنزل عليهم لباساً يواري سوءاتهم فقال تعالى: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوءاتكم} يعني لباساً تسترون به عوراتكم. فإن قلت ما معنى قوله قد أنزلنا عليكم لباساً. قلت ذكر العلماء فيه وجوهاً أحدهما: أنه بمعنى خلق أي خلقنا لكم لباساً أو بمعنى رزقناكم لباساً. الوجه الثاني: أن الله تعالى أنزل المطر من السماء وهو سبب نبات اللباس فكأنه أنزله عليهم. الوجه الثالث: أن جميع بركات الأرض تنسب إلى السماء وإلى الإنزال كما قال تعالى: وأنزلنا الحديد {وريشاً} الريش للطائر معروف وهو لباسه وزينته كالثياب للإنسان فاستعير للإنسان لأنه لباسه وزينته والمعنى وأنزلنا عليكم لباسين لباساً يواري سوءاتكم ولباساً لزينتكم لأن التزيين غرض صحيح كما قال تعالى {أية : لتركبوها وزينة}تفسير : [النحل: 8] وقال {أية : ولكم فيها جمال}تفسير : [النحل: 6] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله جميل يحب الجمال"تفسير : واختلفوا في معنى الريش المذكور في الآية فقال ابن عباس رضي الله عنهما وريشاً يعني مالاً، وهو قول مجاهد والضحاك والسدي لأن المال مما يتزين به، ويقال: تريش الرجل إذا تمّول. وقال ابن زيد: الريش الجمال وهو يرجع إلى الزينة أيضاً، وقيل: إن الرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من الثياب والمتاع مما يلبس أو يفرش والريش أيضاً المتاع والأموال عندهم وربما استعملوه في الثياب والكسوة دون سائر المال يقال إنه لحسن الريش أو لحسن الثياب وقيل الريش والرياش يستعمل أيضاً في الخصب ورفاهية العيش {ولباس التقوى} اختلف العلماء في معناه فمنهم من حمله على نفس الملبوس وحقيقته، ومنهم من حمله على المجاز أما من حمله على نفس الملبوس فاختلفوا أيضاً في معناه، فقال ابن الأنباري: لباس التقوى هو اللباس الأول وإنما أعاده إخباراً أنّ ستر العورة من التقوى وذلك خير. وقيل: إنما أعاده لأجل أن يخبر عنه بأنه خير لأن العرب في الجاهلية كانوا يتعبدون بالتعري وخلع الثياب في الطواف بالبيت فأخبر أن ستر العورة في الطواف هو لباس التقوى وذلك خير. وقال زيد بن علي رحمه الله تعالى: لباس التقوى آلات الحرب التي يتقى بها في الحروب كالدروع والمغفر ونحو ذلك. وقيل لباس التقوى هو الصوف والخشن من الثياب التي يلبسها أهل الزهد والورع. وقيل: هو ستر العورة في الصلاة وأما من حمل لباس التقوى على المجاز فاختلفوا في معناه. فقال قتادة والسدي: لباس التقوى هو الإيمان لأن صاحبه يتقي به من النار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لباس التقوى هو العمل الصالح، وقال الحسن رضي الله عنه: هو الحياء لأنه يحث على التقوى. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: لباس التقوى هو السمت الحسن، وقال عروة بن الزبير رضي الله عنه: لباس التقوى خشية الله، وقال الكلبي: هو العفاف فعلى هذه الأقوال: إن لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به مما خلق الله له من لباس التجمل وزينة الدنيا وهو قوله تعالى: {ذلك خير} يعني لباس التقوى خير من لباس الجمال والزينة وأنشدوا في المعنى: شعر : إذا أنت لم تلبس ثياباً من التقى عريت وإن وارى القميصَ قميصُ تفسير : وقوله تعالى: {ذلك من آيات الله} يعني أنزل اللباس عليكم يا بني آدم من آيات الله الدالة على معرفته وتوحيده {لعلهم يذكرون} يعني لعلهم يذكرون نعمته عليهم فيشكرونها.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}: ضررناها بالمِعْصِيَةِ، وتقدَّمَ تفسِيرُهَا في سُورةِ البقَرةِ، وأنَّها تَدُلُّ على صدور الذَّنْبِ منه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، إلاَّ أنَّا نقُولُ: هذا الذَّنْبُ إنَّمَا صَدَرَ عنه قَبْلَ النُّبُوَّةِ. وفي قوله: {قَالاَ ربَّنَا ظَلَمْنَا أنْفُسنَا} فائدةٌ: حَذْف حرف النداءِ هنا تعظيم المُنَادَى، وتَنْزِيهُهُ. قال مَكِّي: كَثُر نِدَاءُ الرَّبِّ بحذف "يَا" من القرآن، وعلّةُ ذلك أن في حذف "يا" من نداء الرَّب معنى التَّعْظِيم والتنزيه؛ وذلك أنَّ النداءَ فيه طَرَف من معنى الأمر؛ لأنَّكَ إذا قُلْتَ: يا زيدُ فمعناه: تعال يا زَيْدُ أدعوك يا زَيْدُ، فحُذِفَتْ "يا" من نداء الرَّبِّ ليزول معنى الأمر وينقص، لأنَّ "يا" تُؤكِّده، وتُظهرُ معناهُ، فكان في حذف "يا" الإجلال، والتعظيم، والتنزيه. قوله: {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ} هذا شرط حُذِفَ جوابه لدلالة جواب القسم المقدَّر عليه، فإن قيل: حرف الشَّرْطِ لام التَّوْطِئَةِ للقسم مقدرة كقوله: {أية : وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ}تفسير : [المائدة: 73] ويَدُلُّ على ذلك كثرةُ ورُوُدِ لامِ التَّوْطِئَةِ قبل أداة الشَّرطِ في كلامهم. وتقدَّم إعرابُ ما بعد ذلك في البقرة.
ابو السعود
تفسير : {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} أي ضرّرناها بالمعصية والتعريضِ للإخراج من الجنة {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا} ذلك {وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} وهو دليلٌ على أن الصغائرَ يُعاقب عليها إن لم تُغفرْ، وقالت المعتزلةُ: لا يجوز المعاقبةُ عليها مع اجتناب الكبائرِ، ولذلك حمَلوا قولَهما ذلك على عادات المقربـين في استعظام الصغيرِ من السيئات واستصغارِ العظيمِ من الحسنات. {قَالَ} استئناف كما مر مراراً {ٱهْبِطُواْ} خطابٌ لآدمَ وحواءَ وذريتِهما، أو لهما ولإبليسَ، كُرر الأمرُ تبعاً لهما ليعلمَ أنهم قرناءُ أبداً، أو أُخبر عما قال لهم مفرّقاً كما في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ }تفسير : [المؤمنون، الآية 51] ولم يُذكر هٰهنا قَبولُ توبتِهما ثقةً بما ذكر في سائر المواضع {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} جملةٌ حالية من فاعل اهبطوا أي مُتعادِين {وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} أي استقرارٌ أو موضعُ استقرارٍ {وَمَتَـٰعٌ} أي تمتعٌ وانتفاع {إِلَىٰ حِينٍ} هو حينُ انقضاءِ آجالِكم. {قَالَ} أُعيد الاستئنافُ إما للإيذان بعدم اتصالِ ما بعده بما قبله كما في قوله تعالى: {أية : قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ }تفسير : [الحجر، الآية 57] إثرَ قوله تعالى: {أية : قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ } تفسير : [الحجر، الآية 56] وقوله تعالى: {أية : قَالَ أَرَءيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ } تفسير : [الإسراء، الآية 62] بعد قوله تعالى: {أية : قَالَ أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } تفسير : [الإسراء، الآية 61] وإما لإظهار الاعتناءِ بمضمون ما بعده من قوله تعالى: {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} أي للجزاءِ كقوله تعالى: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ } تفسير : [طه، الآية 55].
السلمي
تفسير : قوله جل ذكره: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} [الآية: 23]. قال الحسين: الظلم هو الاشتغال بغيره عنه. وقال ابن عطاء: ظلمنا أنفسنا باشتغالنا بالجنة وطلبها عنك. قال الشبلى: ذنوب الأنبياء تؤديهم إلى الكرامة والرتب، كما كان ذنب آدم أداه إلى الاجتباء والاصطفاء، وذنوب الأولياء تؤديهم إلى الكفارة، وذنوب العامة تؤديهم إلى الإهانة. قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} قال: لم يكن له فى حال ظنيته خواطر غير الحق، فلما أحضره فى حضوره غاب عن حضوره، فقال: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ} هلا غيَّبه ما ورد عليه من ربه عن غيره، وهلا قطعه باتصاله فى اتصاله عن اتصاله، وهلا غيبه ما عاينه فى نفسه بنفسه عن نفسه.
القشيري
تفسير : اعترفا بالظلم جهراً، وعرفا الحكم في ذلك سِرّاً؛ فقولهما: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} اعتراف بالظلم من حيث الشريعة، وعرفان بأن المدارَ على الحكم من حيث الحقيقة، فَمَنْ لم يعترف بظلم الخلْق طوى الشريعة، ومن لم يعرف جريان حكم الحق فَقَدْ جَحَدَ الحقيقة، فلمَّا أقرّا بالظلم قالا: {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} نطقا على عين التوحيد حيث لم يقولا بظلمنا خَسِرْنا، بل قالا: فَعَلْنَا فإنْ لم تغفر لنا خسرنا، فبِتَرْكِ غفرانك تخسر لارتكاب ظلمنا.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالا} اعترافا بالخطيئة وتسارعا الى التوبة {ربنا} اى يا ربنا {ظلمنا انفسنا} اى ضررناهما بالمعصية وعرضناها للاخراج من الجنة {وان لم تغفر لنا} تستر علينا ذنبنا {وترحمنا} بقبول توبتنا {لنكونن من الخاسرين} اى الهالكين الذين باعوا حظهم فى الآخرة بشهوة ساعة وهو دليل على ان الصغائر معاقب عليها ان لم تغفر والمغفرة مشكوك فيها فكان ذنب آدم صغيرة لانه لم يأكل من الشجرة قصدا لمخالفة حكم الله تعالى بل انما اكل بناء على مقالة اللعين حيث اورثت فيه ميلاً طبيعياً ثم انه كف نفسه عن مراعاة لحكم الله الى ان نسى ذلك وزال المانع عن اكله فحمله طبعه عليه ولانه انما اقدم عليه بسبب اجتهاد اخطأ فيه فانه ظن ان النهى للتنزيه اوان الاشارة فى قوله {أية : ولا تقربا هذه الشجرة} تفسير : [الأعراف: 19]. الى عين تلك الشجرة فتناول من غيرها من نوعها وقد كان المراد بها الاشارة الى النوع كما روى انه عليه السلام اخذ حريرا وذهبا بيده وقال "حديث : هذان حرامان على ذكور امتى حل لاناثها ".
الطوسي
تفسير : في هذه الآية حكاية عما قال آدم وحواء (ع) لما عاتبهما الله ووبخهما على ارتكابهما ما نهاهما عنه، واخبار عن اعترافهما على أنفسهما بأن قالا {ربنا ظلمنا أنفسنا} ومعناه بخسناها الثواب بترك المندوب اليه. والظلم هو النقص. وعلى مذهب من يقول انهما فعلا صغيرة لا بد ان يحمل قوله {ظلمنا أنفسنا} على تنقيص الثواب، لان عندهم ان الصغيرة انقصت ثواب طاعاتهم، فكان ذلك ظلما للنفس، فأما من يقول: ان الصغيرة تقع مكفرة من غير ان تنقص من ثواب فاعلها شيء، فلا يتصور معنى لقوله {ظلمنا أنفسنا} ولا يثبت فيهما فائدة، لانهما لم يستحقا عقابا بلا خلاف. وصفة ظالم مفارقة لقولنا: ظلمنا، لان الظالم اسم ذم في اكثر التعارف، وظلم قد يستعمل في غير المستحق للعقاب والذم، كما ان اسم (مؤمن) اسم مدح لمستحق الثواب، وآمن يؤمن بخلاف ذلك عند القائلين بالوعيد. وقوله {وإن لم تغفر لنا} معناه ان لم تستر علينا، لان الغفر هو الستر على ما بيناه فيما مضى، وعلى مذهب من يقول: ان معصيتهم كانت صغيرة وقعت مكفرة لا معنى لقوله {وإن لم تغفر لنا}، لان الغفران كائن لا محالة، ولا يحسن المؤاخذة به. وقوله {لنكونن من الخاسرين} المعنى ان لم تتفضل علينا بنعمك التي تتم بها ما فوتناه نفوسنا من الثواب بضروب تفضلك لنكونن من جملة من خسر، ولم يربح. والانسان يصح ان يظلم نفسه بأن يدخل عليها ضررا غير مستحق، ولا يدفع عنها ضررا أعظم، ولا يجتلب منفعة توفي عليه. ولا يصح ان يكون معاقبا لنفسه، ويجوز ان يأمر الله تعالى المكلف ان يضَّر بنفسه، ولا يحسن ان يأمره ان يعاقب نفسه، لان امر الحكيم يدل على الترغيب في الشىء، ولا يجوز أن يرغبه في عقابه، كما لا يجوز ان يرغبه في ذمه ولعنه.
الجنابذي
تفسير : { قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا..} قد سبق الآية فى سورة البقرة.
اطفيش
تفسير : {قَالا ربَّنا ظَلَمنا أنفُسنا} بالتعرض للإخراج من الجنة بالمعصية، سميا الذنب الصغير ظلما، مستوجبا للهلاك، تعظيما لحق الله على عادة الأولياء والصالحين فى استعظام الصغير من السيئات، واستصغار العظيم من الحسنات، حتى أنه ليقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين تعديد لغير الذنب ذنبا، فكيف بما هو ذنب كفعل آدم وحواء، والأمر فى الحقيقة كذلك فى تعظيم الذنب الصغير نظرا إلى عظمة الله وتحريمه له، ونهيه عنه. وزعم بعضهم أن الأنبياء لا تصدر منهم الذنوب، وإنما ورد عنهم ليس ذنب فى الحقيقة، بل أمر لا يليق بدرجة النبوة صدر منهم على سبيل التأويل والسهو فعوقبوا عليه، وسمى ذنبا بالنسبة إلى كمال طاعتهم وعمارة باطنهم بالوحى، وأشفقوا أن يؤاخذوا بها نعم تنزههم عن الكبائر، وعن بعض أنهم يعملون الصغائر قبل النبوة لا بعدها، وزعم بعضهم أنهم قد يعملون الكبير قبلها، واختلف فى أكل آدم من الشجرة هل قبل النبوة أو بعدها؟ وفى الآية دليل على أن الصغيرة قد يعاقب عليها من اجتنب الكبائر، والأمر عندى كذلك يعاقب عليها فى الدنيا أو فى الآخرة بنحو تضييق القبر وتعذيبه، وطول المقام فى المحشر، ولا يدخل بها النار، وقالت المعتزلة: لا تجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر. {وإنْ لَم تغْفِر لنا} ذنبنا {وترْحَمنا} تتفضل علينا برحمتك {لنكونَنَّ مِنَ الخاسِرينَ} الهالكين، وذلك منهما اعتراف وتوبة وطلب للستر، والتعمد بالرحمة، وأما إبليس فطلب النظرة لا التوبة، فوكل إلى رأيه قال قتادة: قال آدم: رب أرأيت إن تبت إليك واستغفرتك؟ قال: إذن أدخلك الجنة. وأما إبليس فإنما سأله النظرة فأعطى كل منهما ما سأله، قال الضحاك: هذه الآية هى الكلمات التى تلقاها آدم من ربه سبحانه.
اطفيش
تفسير : {قَالاَ رَبَّنَا} يا ربنا حذف حرف النداء تحننا إِلى ذكر الله عز وجل بسرعة، وتحرزا لشدة خضوعهما عن صورة الأَمر لأَن معنى يا زيد أَقبل بجسدك أَو بقلبك {ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} نقصنا حقها وأَضررناها بمخالفتك والخروج من الجنة {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا} أَى والله إِن لم تغفر بدليل إِجابة القسم بقوله {لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} قالا ذلك تعظيما لحق الله، لأَنهما لم يتعمدا المعصية بل اغترا بالحلف العظيم، ظنا منهما أَنه لا يحلف به حالف كاذبا فليس ذلك معصية من جنس معاصى غير الأَنبياء، بل ذلك كالخطإِ والسهو، فذلك هضم لأَنفسهما، ومن باب حسنات الأَبرار سيئات المقربين، فلا دليل فى الآية على جواز العقاب على الصغائر لمن اجتنب الكبائر كما قال الشافعية وغيرهم، فإِن الحديث صريح فى أَنها مغفورة لمن اجتنب الكبائر إِلا أَنه يجوز عتاب على ترك التحفظ المؤدى إِلى نسيان أَو اغترار بشئ.
الالوسي
تفسير : {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } أي ضررناها بالمعصية، وقيل: نقصناها حظها بالتعرض للإخراج من الجنة، وحذفا حرف النداء مبالغة في التعظيم لما أن فيه طرفاً من معنى الأمر. {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا } ذلك بعدم العقاب عليه {وَتَرْحَمْنَا } بالرضا علينا، وقيل: المراد وإن لم تستر علينا بالحفظ عما يتسبب نقصان الحظ وترحمنا بالتفضل علينا بما يكون عوضاً عما فاتنا {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } جواب قسم مقدر دل على جواب الشرط السابق على ما قيل. واستدل بالآية على أن الصغائر يعاقب عليها مع اجتناب الكبائر إن لم يغفر الله تعالى. وذهبت المعتزلة إلى أن اجتناب الكبائر يوجب تكفير الصغائر وإن لم يتب العبد منها، وجعلوا لذلك ما ذكر هنا جاريا على عادة الأولياء والصالحين في تعظيمهم الصغير من / السيآت وتصغيرهم العظيم من الحسنات فلا ينافي كونهما مغفوراً لهما، والكثير من أهل السنة جعلوه من باب هضم النفس بناء على أن ما وقع كان عن نسيان ولا كبيرة ولا صغيرة معه. وادعى الإمام أن ذلك الإقدام كان صغيرة، وكان قبل نبوة آدم عليه السلام إذ لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام بعد النبوة كبيرة ولا صغيرة، والكلام في هذه المسئلة مشهور.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جواب (لَمَّا)، فهو ممّا حصل عند ذَوق الشّجرة، وقد رتب الإخبار عن الأمور الحاصلة عند ذوق الشّجرة على حسب ترتيب حصولها في الوجود. فإنّهما بدت لهما سوآتهما فطفقا يخصفان. وأعقب ذلك نداءُ الله إيّاهما. وهذا أصل في ترتيب الجمل في صناعة الإنشاء، إلاّ إذا اقتضى المقام العدول عن ذلك، ونظير هذا الترتيب ما في قوله تعالى: {أية : ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب} تفسير : [هود: 77] وقد بيّنته في كتاب «أصول الإنشاء والخطابة» ولم أعلم أنّي سُبقت إلى الاهتداء إليه. وقد تأخّر نداء الربّ إياهما إلى أن بدت لهما سوآتهما، وتحيَّلا لستر عوراتهما ليكون للتّوبيخ وقْعٌ مكين من نفوسهما، حين يقع بعد أن تظهر لهما مفاسد عصيانهما، فيعلما أنّ الخير في طاعة الله، وأنّ في عصيانه ضرّاً. والنّداء حقيقته ارتفاع الصّوت وهو مشتق من النَّدى ــــ بفتح النّون والقصر ــــ وهو بُعد الصّوت، قال مدثار بن شيبان النمري:شعر : فَقُلتُ ادعِي وأدْعُوا إنّ أندى لِصَوْتٍ أن يُنادِيَ داعيان تفسير : وهو مجاز مشهور في الكلام الذي يراد به طلب إقبال أحد إليك، وله حروف معروفة في العربيّة: تدلّ على طلب الإقبال، وقد شاع إطلاق النّداء على هذا حتّى صار من الحقيقة، وتفرّع عنه طلب الإصغاء وإقبال الذّهن من القريب منك، وهو إقبال مجازي. {وناداهما ربهما} مستعملٌ في المعنى المشهور: وهو طلب الإقبال، على أنّ الإقبال مجازي لا محالة فيكون كقوله تعالى: {أية : وزكرياء إذا نادى ربه} تفسير : [الأنبياء: 89] وهو كثير في الكلام. ويجوز أن يكون مستعملاً في الكلام بصوت مرتفع كقوله تعالى: {أية : كمَثَل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاءً ونداءً} تفسير : [البقرة: 171] وقوله: {أية : ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها} تفسير : [الأعراف: 43] وقول بشّار:شعر : نَادَيْت إنّ الحبّ أشْعَرني قَتْلاً وما أحدثتُ من ذَنْب تفسير : ورفع الصّوت يكون لأغراض، ومحمله هنا على أنّه صوت غضب وتوبيخ. وظاهر إسناد النّداء إلى الله أنّ الله ناداهما بكلام بدون واسطة مَلك مرسل، مثللِ الكلام الذي كلّم الله به موسى، وهذا واقع قبل الهبوط إلى الأرض، فلا ينافي ما ورد من أن موسى هو أوّل نبيء كلّمه الله تعالى بلا واسطة، ويجوز أن يكون نداءُ آدم بواسطة أحد الملائكة. وجملة: {ألم أنهاكما} في موضع البيان لجملة (ناداهما)، ولهذا فصلت الجملة عن التي قبلها. والاستفهام في {ألم أنهاكما} للتّقرير والتّوبيخ، وأُولِيَ حرفَ النّفي زيادة في التّقرير، لأنّ نهي الله إياهما واقع فانتفاؤه منتفا، فإذا أدخلت أداة التّقرير وأقرّ المقرَّر بضد النّفي كان إقرارُه أقوى في المؤاخذة بموجَبه، لأنّه قد هُييء له سبيل الإنكار، لو كان يستطيع إنكاراً، كما تقدّم عند قوله تعالى: {أية : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} تفسير : الآية في سورة الأنعام (130)، ولذلك اعترفا بأنّهما ظلما أنفسهما. وعطف جملة: {وأقل لكما} على جملة: {أنهكما} للمبالغة في التّوبيخ، لأنّ النّهي كان مشفوعاً بالتّحذير من الشّيطان الذي هو المغري لهما بالأكل من الشّجرة، فهما قد أضاعا وصيتين. والمقصود من حكاية هذا القول هنا تذكير الأمّة بعداوة الشيطان لأصل نوع البشر، فيعلموا أنّها عداوة بين النّوعين، فيحذروا من كلّ ما هو منسوب إلى الشّيطان ومعدود من وسوسته، فإنّه لما جُبل على الخبث والخري كان يدعو إلى ذلك بطبعه وكان لا يهنأ له بال ما دام عدوّهُ ومحسودُه في حالة حسنة. والمُبين أصله المظهر، أي للعداوة بحيث لا تخفى على من يتتبّع آثار وسوسته وتغريره، وما عامل به آدمَ من حين خلقه إلى حين غروره به ففي ذلك كلّه إبَانة عن عداوته، ووجه تلك العداوة أن طبعه ينافي ما في الإنسان من الكمال الفطري المؤيَّد بالتّوفيق والإرشاد الإلهي، فلا يحب أن يكون الإنسانُ إلاّ في حالة الضّلال والفساد. ويجوز أن يكون المبين مستعملاً مجازاً في القويّ الشّديد لأنّ شأن الوصف الشّديد أن يظهر للعيان. وقد قالا: {ربنا ظلمنا أنفسنا} اعترافاً بالعصيان، وبأنّهما علما أن ضر المعصية عاد عليهما، فكانا ظالمين لأنفسهما إذ جرّا على أنفسهما الدّخولَ في طور ظهور السوآت، ومشقّة اتّخاذ ما يستر عوراتهما، وبأنّهما جَرّا على أنفسهما غضب الله تعالى، فهما في توقع حقوق العذاب، وقد جزما بأنّهما يكونان من الخاسرين إن لم يغفر الله لهما، إمّا بطريق الإلهام أو نوع من الوحي، وإمّا بالاستدلال على العَواقب بالمبادىء، فإنّهما رأيا من العصيان بوادِىء الضر والشّر، فعلما أنّه من غضب الله ومن مخالفة وصايته، وقد أكدا جملة جواب الشّرط بلام القسم ونون التّوكيد إظهاراً لتحقيق الخسران استرحاما واستغفاراً من الله تعالى.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 23- قال آدم وزوجته نادمين متضرعين: يا ربنا ظلمنا أنفسنا بمخالفة أمرك الذى استوجب زوال النعيم، وإن لم تغفر لنا مخالفتنا وترحمنا بفضلك لنكونن من الخاسرين. 24- قال الله لهما وللشيطان: اهبطوا جميعاً بعضكم لبعض عدو، ولكم فى الأرض استقرار وتمتع إلى حين انقضاء آجالكم. 25- فى الأرض تولدون وتعيشون، وفيها تموتون وتدفنون، ومنها عند البعث تخرجون. 26- يا بنى آدم: قد أنعمنا عليكم، فخلقنا لكم ملابس تستر عوراتكم، ومواد تتزينون بها، ولكن الطاعة خير لباس يقيكم العذاب. تلك النعم من الآيات الدالة على قدرة الله وعلى رحمته، ليتذكر الناس بها عظمته واستحقاقه وحده الألوهية. وتلك القصة من سنن الله الكونية التى تبين جزاء مخالفة أمر الله، فيتذكر بها الناس ويحرصون على طاعة الله وعلى شكر نعمه. 27- يا بنى آدم، لا تستجيبوا للشيطان وإضلاله، فتخرجوا من هذه النعم التى لا تدوم إلا بالشكر والطاعة، كما استجاب أبواكم آدم وزوجه فأخرجهما الشيطان من النعيم والكرامة، ونزع عنهما لباسهما وأظهر لهما عوراتهما. إنه يأتيكم هو وأعوانه من حيث لا تشعرون بهم، ولا تحسون بأساليبهم ومكرهم، وليس للشيطان سلطان على المؤمنين، إنا جعلناه وأعوانه أولياء للذين لا يؤمنون إيماناً صادقاً يستلزم الطاعة التامة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ظلمنا أنفسنا: أي بأكلهما من الشجرة. الخاسرين: الذين خسروا دخول الجنة والعيش فيها. مستقر: مكان استقرار وإقامة. متاع إلى حين: تمتع بالحياة إلى حين انقضاء آجالكم. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن آدم عليه السلام، أنه لما ذاق آدم وحواء الشجرة وبدت لهما سؤاتهما وعاتبهما ربهما على ذلك قالا معلنين عن توبتهما: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} أي بذوق الشجرة {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا} أي خطيئتنا هذه {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي الهالكين، وتابا فتاب الله تعالى عليهما وقال لهم اهبطوا إلى الأرض إذ لم تعد الجنة في السماء داراً لهما بعد ارتكاب المعصية، إن إبليس عصا بامتناعه عن السجود لآدم، وآدم وحواء بأكلهما من الشجرة وقوله {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} أي اهبطوا إلى الأرض حال كون بعضكم لبعض عدواً، إبليس وذريته عدو لآدم وبنيه، وآدم وبنوه عدو لإِبليس وذريته، {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} أي مقام استقرار، {وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} أي تمتع بالحياة إلى حين انقضاء الآجال وقوله تعالى {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} يريد من الأرض التي أُهبطهم إليها وهي هذه الأرض التي يعيش عليها بنو آدم، والمراد من الخروج الخروج من القبور إلى البعث والنشور. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- قول آدم وحواء: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا..} الآية هو الكلمة التي ألقاها تعالى إلى آدم فتلقاها عنه فتاب عليه بها. 2- شرط التوبة الاعتراف بالذنب وذلك بالاستغفار أي طلب المغفرة. 3- شؤم الخطيئة كان سبب طرد إبليس من الرحمة، وإخراج آدم من الجنة. 4- لا تَتِمُّ حياةٌ للإِنسان على غير الأرض، ولا يدفن بعد موته في غيرها لدلالة آية {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْخَاسِرِينَ} (23) - فَقَالَ آدَمُ وَزَوْجُهُ نَادِمَيْنِ مُتَضَرِّعَيْنِ: رَبَّنَا إِنَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا بِطَاعَتِنا لِلشَّيْطَانِ، وَمَعْصِيَتِنا لأَِمْرِكَ، وَقَدْ أَنْذَرْتَنَا، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا مَا ظَلَمْنَا بِهِ أَنْفُسَنَا، وَتَرْحَمْنَا بِالرِّضا عَنَّا، وَتُوَفِقْنَا لِلْهِدَايَةِ، وَتَرْكِ الظُّلْمِ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ لأَِنْفُسِنَا. (وَهَذِهِ هِيَ الكَلِمَاتُ التِي تَلَقَّاهَا آدَمُ مِنْ رَبِّهِ مُعْتَذِراً لِيَغْفِرَ لَهُ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وتلك هي الكلمات التي قال الله عنها في سياق آخر: {أية : فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [البقرة: 37] فكأن الحق سبحانه وتعالى قدَّر غفلة خلقه عن المنهج؛ فشرّع لهم وسائل التوبة إليه، ووسائل التوبة ثلاث مراحل: تشريعها رحمة، ثم الإقبال عليها من المذنب اعترافا وإنابة، وقبولها منه سبحانه رحمة، فالتشريع يطلب منك أن تفعل، وحين تتوب يتوب الله عليك. تشريع التوبة- إذن رحمة، لا بالمذنب فقط، بل وبغيره أيضاً؛ لأن الله لو لم يشرع التوبة، كان الذي يعمل معصية، ولايجد مغفرة، يستشري في المعاصي، وإذا استشرى في المعاصي تعب المجتمع كله. {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] وهذا هو الموقف بعد الذنب من آدم وزوجته، وهو يختلف عن موقف إبليس بعد الذنب؛ فإبليس أراد أن يبرر المخالفة: {أية : ...قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61] فماذا قال آدم وحواء؟: {...رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] ولذلك كان جزاء إبليس - وهو المتأبي على أوامر الله وحكمه - أن يطرد من رحمته. وجزاء المعترف بأنه أذنب، وأنه ظلم نفسه أن تُقبل توبته. إذن لا يصح للناس الذين يقيمون على معصية أن يقول الواحد منهم: "هذه هي ظروفي"، ويبرر ويحلل ما يفعله من المعاصي، بل على الواحد منهم ألا يطرد نفسه بنفسه من منطقة الرحمة، وعليه أن يقول: "ما أفعله، حرام، لكن لا أقدر على نفسي" وبذلك لا يكون قد ردّ الحكم، بل اتهم نفسه بالتقصير واعترف بالذنب، فصار أهلاً للمغفرة وأهلاً للتوبة. وهنا نسأل: ما الفرق بين معصية إبليس ومعصية آدم؟. نقول: إبليس عصى وجاء بحيثية رفض الأمر، لكن آدم عصى وأقر بالذنب وطلب المغفرة. وحين قال آدم وزوجته حواء: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} معاً وفي نَفَس واحد، ونغمة حزينة نادمة، ألا يدل ذلك على أنهما قد تعلماها؟. إن كلا منهما لو اعتذر لله بمفرده لاختلفا في أسلوب الاعتذار. وهذا دليل على أنها ملقنة، ولهذا قال ربنا. {أية : فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ...} تفسير : [البقرة: 37] وهما قد قالا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}، وأنفسنا جمع نَفْس، ولم يقولا "نفسينا"، بل قالا {أَنفُسَنَا} أي أن قلبيهما أيضاً قد صفيا وخلصا من أثر تلك المعصية، وأن ذلك مطمور وداخل في نفوس ذريتهما. ويقول الحق بعد ذلك: {قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ...}
الجيلاني
تفسير : {قَالاَ} متضرعين متذللين معترفين على زلتهما: {رَبَّنَا} يا من ربانا على الكرامة لمقتضى فضلك وجودك {ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} بمتابعة عدوا {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا} لم تتجاوز عنا {وَ} لم {تَرْحَمْنَا} بفضلك {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] خسراناً عظيماً. ثم لما صدر منما ما صدر بوسوسة عدوهما، أمر سبحانه بإخراجهما عن دار السرور إلى دار الابتلاء والغرور؛ حيث {قَالَ ٱهْبِطُواْ} انزلوا وانحطوا أيها المتجاوزون عن حدودنا أصلاً وفرعاً، تابعاً ومتبوعاً عن مقر العز ومرتبة الإطلاق والتجريد الخالي عن جميع الإضافات، والتقييد إلى محل الكون والفساد، ومنزل البغي والعناد؛ إذ {بَعْضُكُمْ} في دار الدنيا التي هي نشأة الاختبار والابتلاء {لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} أبداً لا يرتفع الخصومة عنكم أصلاً {وَلَكُمْ} أيها المتخاصمون {فِي ٱلأَرْضِ} أي: مرتع الطبيعة {مُسْتَقَرٌّ } موضع قرار {وَمَتَاعٌ} تمتع من لذاتها وشهواتها {إِلَىٰ حِينٍ} [الأعراف: 24] أي: على انقضاء آجالكم وانقطاع مآلكم. ثم لما تحيروا واضطربوا في أمرهما وفساد حالهما {قَالَ} سبحانه منبهاً عليهما: {فِيهَا} أي: في أرض الطبيعة {تَحْيَوْنَ} بالحياة الطبيعية {وَ} أيضاً {فِيهَا تَمُوتُونَ} بالموت الطبيعي {وَمِنْهَا} أيضاً {تُخْرَجُونَ} [الأعراف: 25] لجزاء ما كسبتم من الخير والشر، والتقرب والخير، والتبعد في حياتكم الطبيعية التي هي دار الابتلاء ومزرعة الأجر والجزاء، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. ثم قال سبحانه منادياً لكم في مقام الامتنان وتعديد النعم والإحسان؛ لتواظبوا شكر نعمه، وتداوموا على انقياده وإطاعته بعدما صدر عنكم الكفر والخروج عن مقتضى أمره ونهيه: {يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ} المجبولين على فطرة الخلافة والنيابة {قَدْ أَنزَلْنَا} من مقام جودنا {عَلَيْكُمْ لِبَاساً} عقلاً مدبراً {يُوَارِي} ويستر بتدبيره {سَوْءَاتِكُمْ} مقتضيات بشريتكم وبهيميتكم {وَ} أيضاً وهبنا لكم من غاية لطفنا {رِيشاً} معارف وحقائق نزينكم ونميزكم بها عن جميع المخلوقات، ونستخلفكم بسببها من بين سائر البريات {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ} عن محارم الله، والاجتناب عن منهياته خير لكم وحقيق لفطرتكم، فعليكم أن تلبسوها وتتحفظوا بها عما لا يليق بمرتبتكم وفطرتكم {ذٰلِكَ} أي: التقوى {خَيْرٌ} لكم إن أردتم أن تصلوا إلى مرتبة التوحيد التي جبلتم لأجلها {ذٰلِكَ} أي: المذكور {مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} الدالة على استقلاله في ألوهيته وربوبيته، إنما أنزلها عليهم {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26] رجاء أن يتذكروا نعمه فيعرفوا المنعم وينكشفوا بتوحيده. ثم ناداهم وأوصاهم ثانياً بقوله: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ} مقتضى خلافتكم ونيابتكم أن {لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} أي: لا يوقعنكم في الغي والضلال بغتة ووسوسة {كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ} بالفتنة والغرور {مِّنَ ٱلْجَنَّةِ} هي دال السرور، وأهبطهما بوسوسته إلى الأرض التي هي محل الفساد ومنشأ الشرور حين {يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} أي: تسبب للنزع حين تغريرهما وإغرائهما إلى تناول المنهي {لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ} انتقاماً منهما. فعليكم أيها الأبناء أن تجتنبوا عن غوائله وتعوذوا إلى الله عن جميع مخايله، وتتخذوه وقاية ووكيلاً حتى تتخلصوا عن وسوسة شياطين الأهواء المضلة، وعليكم ألا تغفلوا عنه؛ إذ {إِنَّهُ} دائماً {يَرَاكُمْ} ويراقبكم {هُوَ} إذ الشيطان نفسه {وَقَبِيلُهُ} جنوده الأمارة بالسوء رؤية صادرة عن محض العداوة {مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} إذ هم متركزون في نفوسكم التي بين جنبيكم، يضلكم ويغويكم على صورة الهداية والإرشاد، فعليكم أن تخالفوا أهواء نفوسكم وتجانبوا مناها ومشتهياتها، ومع ذلك تضرعوا نحونان وتعوذوا بنا {إِنَّا جَعَلْنَا} مقتضى حكتمنا المتقنة {ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ} مسلطين {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27] بتوحيدنا واستقلال استيلائنا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):