٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا الذي تقدم ذكره هو آدم، وحواء، وإبليس، وإذا كان كذلك فقوله: {ٱهْبِطُواْ } يجب أن يتناول هؤلاء الثلاثة {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } يعني العداوة ثابتة بين الجن والإنس لا تزول ألبتة. وقوله: {فِيهَا تَحْيَوْنَ } الكناية عائدة إلى الأرض في قوله: {وَلَكُمْ فِى ٱلارْضِ } والمراد في الأرض تعيشون وفيها تموتون ومنها تخرجون إلى البعث والقيامة. قرأ حمزة والكسائي {تُخْرَجُونَ } بفتح التاء وضم الراء، وكذلك في الروم والزخرف والجاثية، وقرأ ابن عامر ههنا، وفي الزخرف بفتح التاء، وفي الروم والجاثية بضم التاء، والباقون جميع ذلك بضم التاء.
البيضاوي
تفسير : {قَالَ ٱهْبِطُواْ} الخطاب لآدم وحواء وذريتهما، أو لهما ولإِبليس. كرر الأمر له تبعاً ليعلم أنهم قرناء أبداً وأخبر عما قال لهم متفرقاً. {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} في موضع الحال أي متعادين. {وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} استقرار أي موضع استقرار. {وَمَتَـٰعٌ} وتمتع. {إِلَىٰ حِينٍ} إلى أن تقضى آجالكم.
ابن كثير
تفسير : قيل: المراد بالخطاب في: {ٱهْبِطُواْ} آدم وحواء وإبليس والحية، ومنهم من لم يذكر الحية، والله أعلم، والعمدة في العداوة آدم وإبليس، ولهذا قال تعالى في سورة طه قال: {أية : ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً} تفسير : [طه: 123] الآية، وحواء تبع لآدم، والحية إن كان ذكرها صحيحاً، فهي تبع لإبليس، وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم، ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه، أو رسوله صلى الله عليه وسلم وقوله: {وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ} أي: قرار وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم، وأحصاها القدر، وسطرت في الكتاب الأول، وقال ابن عباس: {مُسْتَقَرٌّ}: القبور، وعنه قال: {مُسْتَقَرٌّ} فوق الأرض وتحتها، رواهما ابن أبي حاتم، وقوله: { قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} كقوله تعالى: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 55] يخبر تعالى، أنه جعل الأرض داراً لبني آدم مدة الحياة الدنيا، فيها محياهم، وفيها مماتهم وقبورهم، ومنها نشورهم ليوم القيامة، الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ويجازي كلاً بعمله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ ٱهْبِطُواْ } أي آدم وحوّاء بما اشتملتما عليه من ذرّيتكما {بَعْضُكُمْ } بعض الذرّية {لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } من ظلم بعضهم بعضاً {وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } مكان استقرار {وَمَتَٰعٌ } تمتع {إِلَىٰ حِينٍ } تنقضي فيه آجالكم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} فإن قيل: فالمأمور بالهبوط آدم وحواء لأن إبليس قد كان أهبط من قبل حين امتنع عن السجود لآدم، فكيف عبر عنهما بلفظ الجمع؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه خبر عن هبوطهم مع تفرقهم وإن خرج مخرج الأمر، قاله السدي. والثاني: أنهم آدم وحواء والحية، فكانوا جماعة، قاله أبو صالح. والثالث: أنهم آدم وحواء والوسوسة، قاله الحسن. فهبط آدم بأرض الهند على جبل يقال له واسم، وهبطت حواء بجدة، وهبطت الحية بأصفهان. وفي مهبط إبليس قولان. أحدهما بالأبلة. والثاني: بالمدار. وقيل أسكنهما الجنة لئلا ساعات خلت من يوم الجمعة، وأخرجهما لتسع ساعات خلت من ذلك اليوم. {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} أما المستقر ففيه وجهان: أحدهما: أنه فعل الاستقرار. والثاني: أنه موضع الاستقرار، قاله أبو صالح. وأما المتاع فهو المنتفع به من عروض الدنيا التي يستمتع بها. وقوله: {إِلَى حِينٍ} يعني إلى انقضاء الدنيا، والحين وقت مجهول القدر ينطلق على طويل الزمان وقصيره وإن كان موضوعاً في الأغلب للتكثير. قال الشاعر: شعر : وما مزاحك بعد الحلم والدين وقد علاك مشيب حين لا حين تفسير : أي وقت لا وقت.
ابن عطية
تفسير : المخاطبة بقوله: {اهبطوا} قال أبو صالح والسدي والطبري وغيرهم: هي لآدم وحواء وإبليس والحية، وقالت فرقة: هي مخاطبة لآدم وذريته وإبليس وذريته. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لعدمهم في ذلك الوقت، فإن قيل خاطبهم وأمرهم بشرط الوجود فذلك يبعد في هذه النازلة لأن الأمر بشرط الوجود إنما يصح إذا ترتب على المأمور بعد وجوده وصح معناه عليه كالصلاة والصوم ونحو ذلك، وأما هنا فإن معنى الهبوط لا يتصور في بنى آدم بعد وجودهم ولا يتعلق بهم من الأمر به شيء، وأما قوله في آية أخرى {أية : اهبطا} تفسير : [طه:123] فهي مخاطبة لآدم وإبليس بدليل بيانه العداوة بينهما، وعدو فرد بمعنى الجمع، تقول قوم عدو وقوم صديق، ومنه قول الشاعر: شعر : لعمري لئن كنتم على النأي والغنى بكم مثل ما بي إنكم لصديق تفسير : وعداوة الحية معروفة، وروى قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : ما سالمناهن منذ حاربناهن" تفسير : ، وقال عبد الله بن عمر: "من تركهن فليس منا"، وقالت عائشة "من ترك حية خشية من ثأرها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين". قال القاضي أبو محمد: وإنما يعرض في أمرهن حديث الفتى في غزوة الخندق، وقول النبي عليه السلام:حديث : إن جناً بالمدينة قد أسلموا فمن رأى من هذه الحيات شيئاً في بيته فليحرج عليه ثلاثاً فإن رآه بعد ذلك فليقتله فإنما هو كافرتفسير : . وقوله تعالى: {مستقر} لفظ عام لزمن الحياة ولزمن الإقامة في القبور، وبزمن الحياة فسر أبو العالية وقال: هي كقوله {أية : الذي جعل لكم الأرض فراشاً} تفسير : [البقرة:22] وبالإقامة في القبور فسر ابن عباس واللفظ يعمهما فهي كقوله: {أية : ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياء وأمواتاً} تفسير : [المرسلات: 25] وأما "المتاع" فهو بحسب شخص شخص، في زمن الحياة اللهم إلا أن يقدر سكنى القبر متاعاً بوجه ما، و"المتاع" التمتع والنيل من الفوائد، و {إلى حين} هو بحسب الجملة قيام الساعة، وبحسب مفرد بلوغ الأجل والموت، والحين في كلام العرب الوقت غير معين. وروي أن آدم عليه السلام أهبط بالهند وحواء بجدة، وتمناها بمنى، وعرف حقيقة أمرها بعرفة، ولقيها بجمع وأهبط إبليس بميسان وقيل بالبصرة وقيل بمصر فباض فيها وفرخ، قال ابن عمر وبسط إبليس فيها عبقرية، وذكر صالح مولى التؤمة قال في بعض الكتب لما أهبط إبليس قال رب أين مسكني؟ قال مسكنك الحمام ومجلسك الأسواق ولهوك المزامير وطعامك مالم يذكر عليه اسمي وشرابك المسكر، ورسلك الشهوات وحبائلك النساء. وأهبطت الحية بأصبهان. وروي أنها كانت ذات قوائم كالبعير فعوقبت بأن ردت تنساب على بطنها، وروي أن آدم لما أهبط إلى شقاء الدنيا علم صنعة الحديد ثم علم الحرث فحرث وسقى وحصد وذرا وطحن وعجن وخبز وطبخ وأكل فلم يبلغ إلى ذلك حتى بلغ من الجهد ما شاء الله، وروي أن حواء قيل لها يا حواء كما دميت الشجرة فأنت تدمين في كل شهر وأنت لا تحملين إلا كرهاً ولا تضعين إلا كرهاً، قال فرنت عند ذلك فقيل لها الرنة عليك وعلى ولدك. قال القاضي أبو محمد: وفي هذه القصة من الأنباء كثير اختصرتها إذ لا يقتضيها اللفظ. وقوله تعالى: {فيها تحيون} الآية، حكم من الله عز وجل أمضاه وجعله حتماً في رقاب العباد يحيون في الأرض ويموتون فيها ويبعثون منها إلى الحشر أحياء كما أنشأ أول خلق يعيده، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو "تُخرَجون" بضم التاء وفتح الراء هنا، وفي الروم و {أية : كذلك تُخرَجون ومن آياته} تفسير : [الآية: 19] وكذلك حيث تكرر إلا في الروم {أية : إذا أنتم تَخرُجون} تفسير : [الآية: 25] وفي سأل سائل {أية : يوم يخرجون} تفسير : [الآية:43] فإن هذين بفتح التاء والياء وضم الراء، ولم يختلف الناس فيهما، وقرأ حمزة والكسائي في الأعراف {ومنها تَخرُجون} [الآية: 25] بفتح التاء وضم الراء وفتح ابن عامر التاء في الأعراف وضمها في الباقي. وقوله تعالى: {يا بني آدم} الآية، هذا خطاب لجميع الأمم وقت النبي عليه السلام والسبب والمراد قريش ومن كان من العرب يتعرى في طوافه بالبيت، ذكر النقاش ثقيفاً وخزاعة وبني عامر بن صعصعة ونبي مدلج وعامراً والحارث ابني عبد مناف فإنها كانت عادتهم رجالاً ونساءً، وذلك غاية العار والعصيان، قال مجاهد ففيهم نزلت هذه الأربع الآيات، وقوله: {أنزلنا} يحتمل أن يريد التدريج أي لما أنزلنا المطر فكان عنه جميع ما يلبس، قال عن اللباس أنزلنا، وهذا نحو قول الشاعر يصف مطراً. شعر : أقبل في المستن من سحابه اسنمة الآبال في ربابه تفسير : أي بالمال ويحتمل أن يريد خلقنا فجاءت العبارة بـ {أنزلنا} كقوله {أية : وأنزلنا الحديد فيه بأس} تفسير : [الحديد:25] وقوله: {أية : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} تفسير : [الزمر:6] وأيضاً فخلق الله عز وجل وأفعاله إنما هي من علو في القدر والمنزلة، و {لباساً} عام في جميع ما يلبس، و {يواري} يستر، وفي حرف أبيّ "سوءاتكم وزينة ولبس التقوى" وفي مصحف ابن مسعود "ولباس التقوى خير ذلكم"، ويروى عنه ذلك، وسقطت "ذلك" الأولى، وقرأ سكن النحوي "ولبوسُ التقوى" بالواو مرفوعة السين، و قرأ الجمهور من الناس "وريشاً" وقرأ الحسن وزر بن حبيش وعاصم فيما روى عنه أبو عمرو أيضاً، وابن عباس وأبو عبد الرحمن ومجاهد وأبو رجاء وزيد بن علي وعلي بن الحسين وقتادة "ورياشاً"، قال أبو الفتح: وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو حاتم: رواها عنه عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهما عبارتان عن سعة الرزق ورفاهية العيش ووجود الملبس والتمتع، وفسره قوم بالأثاث، وفسره ابن عباس بالمال، وكذلك قال السدي والضحاك، وقال ابن زيد "الريش" الجمال، وقيل "الرياش" جمع ريش كبير وبئار وذيب وذياب ولصب ولصاب وشعب وشعاب وقيل الرياش مصدر من أراشه الله يريشه إذا أنعم عليه، والريش مصدر أيضاً من ذلك وفي الحديث "حديث : رجل راشه الله مالاً ". تفسير : قال القاضي أبو محمد: ويشبه أن هذا كله من معنى ريش الطائر وريش السهم إذ هو لباسه وسترته وعونه على النفوذ، وراش الله مأخوذ من ذلك، ألا ترى أنها تقرن ببرى ومن ذلك قول الشاعر: [لعمير بن حباب] شعر : فرشني بخير طال ما قد بريتني وخير الموالي من يريش ولا يبري تفسير : وقرأ نافع وابن عامر والكسائي "ولباسَ" بالنصب عطفاً على ما تقدم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة "ولباسُ" بالرفع فقيل هو خبر ابتداء مضمر تقديره وهو لباس، وقيل هو مبتدأ و {ذلك} مبتدأ آخر و {خير} خبر {ذلك} ، والجملة خبر الأول، وقيل هو مبتدأ و {خير} خبره و {ذلك} بدل أو عطف بيان أو صفة، وهذا أنبل الأقوال ذكره أبو علي في الحجة. وقوله: {ذلك من آيات الله} إشارة إلى جميع ما أنزل من اللباس والريش، وحكى النقاش أن الإشارة إلى لباس التقوى أي هو في العبد آية علامة وأمارة من الله أنه قد رضي عنه ورحمه، و {لعلهم} ترج بحسبهم ومبلغهم من المعرفة وقال ابن جريج {لباس التقوى} الإيمان، وقال معبد الجهني: هو الحياء، وقال ابن عباس هو العمل الصالح، وقال أيضاً، هو السمت الحسن في الوجه، وقاله عثمان بن عفان على المنبر، وقال عروة بن الزبير هو خشية الله، وقال ابن زيد هو سترة العورة، وقيل {لباس التقوى} الصوف وكل ما فيه تواضع لله عز وجل، وقال الحسن: هو الورع والسمت والحسن في الدنيا، وقال ابن عباس {لباس التقوى} العفة، وقال زيد بن علي {لباس التقوى} السلاح وآلة الجهاد. قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها مثل وهي من {لباس التقوى}. قال القاضي أبو محمد: وتتصور الصفة التي حكاها أبو علي في قوله: {ذلك} لأن الأسماء توصف بمعنى الإشارة كما تقول جاءني زيد هذا كأنك قلت جاءني زيد المشار إليه فعلى هذه الحد توصف الأسماء بالمبهمات، وأما قوله فيه عطف بيان وبدل فهما واحد في اللفظ إنما الفرق بينهما في المعنى والمقصد وذلك أنك تريد في البدل كأنك أزلت الأول وأعملت العامل في الثاني على نية تكرار العامل، وتريد في عطف البيان كأنك أبقيت الأول وأعملت العامل في الثاني وإنما يبين الفرق بين البدل وعطف البيان في مسألة النداء إذا قلت يا عبد الله زيد فالبدل في هذه المسألة هو على هذا الحد برفع زيد لأنك تقدر إزالة عبد الله وإضافة "يا" إلى زيد ولو عطفت عطف البيان لقلت يا عبد الله زيد لأنك أردت بيانه ولم تقدر إزالة الأول وينشد هذا البيت: [الرجز] شعر : اني وأسطار سطرن سطرا لقائل يا نصر نصراً نصراً تفسير : ويا نصر الأول على عطف البيان والثاني على البدل.
ابن عبد السلام
تفسير : {اهْبِطُواْ} آدم وحواء وإبليس، أخبر أنه أمرهم وإن وقع أمره في زمانين لأن إبليس أخرج قلبهما. {مُسْتَقَرٌّ} استقرار، أو موضع استقرار {وَمَتَاعٌ} ما انتفع به من عروض الدنيا. {حِينٍ} انقضاء الدنيا.
ابن عادل
تفسير : وهذا خطابٌ يجبُ أن يتناول الثلاثة الذين تقدَّمَ ذِكرُهُم وهم: آدمُ، وحوَّاءُ، وإبليسُ، فالعداوة ثَابِتَةٌ بين الإنس والجنِّ، لا تزول ألْبَتَّةَ.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. أهْبَطَهم، ولكنه أهبط إبليسَ عن رتبته فوقع في اللعنة، وأهبط آدم عن بقعته فتداركتْه الرحمة. ويقال لم يُخْرَج آدم عليه السلام من رتبة الفضيلة وإنْ أُخرِجَ عن دار الكرامة، فلذلك قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ}تفسير : [طه: 122] وأما إبليس - لعنةُ الله عليه - فإنه أُخْرِجَ من الحالة والرتبة؛ فلم ينتعش قط عن تلك السَّقْطة. قوله جلّ ذكره: {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}. {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} هذا عامٌّ {وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}: أراد به إبليسَ على الخصوص.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} الله تعالى {اهبطوا} خطاب لآدم وحواء وذريتهما اولهما ولابليس {بعضكم لبعض عدو} جملة حالية من فاعل اهبطوا اى متعادين فطبع ابليس على العداوة كطبع العقرب على اللدغ والذئب على السلب فعادى آدم لذهاب رياسته بين الملائكة بسبب خلافة آدم وامرنا بمعاداة ابليس لان الابن يعادى عدو ابيه {ولكم فى الارض مستقر} [قرار كاهى وآرام جابى] {ومتاع} اى تمتع وانتفاع {الى حين} هو حين انقضاء آجالهم فاغتم آدم وظن انه لا يرجع الجنة.
الطوسي
تفسير : اختلفوا في المعنى بهذه الآية، فقال السدي وأبو علي الجبائي وأبو بكر ابن الاخشيد: ان المراد بالخطاب آدم وحواء وابليس، جمع بينهم في الذكر، وان كان الخطاب لهم وقع في أوقات متفرقة، لان ابليس امر بالهبوط حين أمتنع من السجود، وآدم وحواء حين أكلا من الشجرة، وانتزع لباسهما. وقال ابو صالح: الخطاب متوجه الى آدم وحواء والحية. وقال الحسن - قولا بعيدا من الصواب - وهو ان المراد به آدم وحواء والوسوسة، وهذا قول منعزب عنه، لان الوسوسة لا تخاطب. والهبوط هو النزول بسرعة، والبعض هو أحد قسمي العدة، وأحد قسمي العشرة بعضها، واحد قسمي الاثنين بعضهما ولا بعض للواحد، لانه لا ينقسم. وقوله {بعضكم لبعض} أضاف (البعض) الى جملة هو منها، ولا يجوز ان يضاف (غير) الى جملة هو منها، لان اضافة (غير) الى الجملة والتفصيل لصحة ان يكون لكل واحد غير، وليس كذلك بعض، لانه لا يصح ان يكون لكل واحد بعض فأضافته الى الجملة فقط. والعدوُّ ضد الوليِّ، ومن صفة العدو انه مراصد بالمكاره. ومن صفة الوليِّ انه مراصد بالمحاب. وقال الرماني: العدو هو النائي بنصرته في وقت الحاجة الى معونته، والولي هو الداني بنصرته في وقت الحاجة الى معونته. وقوله {ولكم في الأرض مستقر} فالمستقر قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابو العالية: هو موضع استقرار. الثاني - انه الاستقرار بعينه، لان المصدر يجيء على وزن المفعول نحو و {ندخلكم مدخلا كريما} أي ادخالا كريما قال الشاعر: شعر : أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا وانجو اذا غم الجبان من الكرب تفسير : وقوله {ومتاع إلى حين} فالمتاع الانتفاع بما فيه عاجل استلذاذ، لان المناظر الحسنة يستمتع بها لما فيها من عاجل اللذة. والحين الوقت، قصيرا كان او طويلا، الا انه قد استعمل على طول الوقت - ها هنا - وليس بأصل فيه كقول القائل: ما لقيته منذ حين قال الشاعر: شعر : وما مزاحك بعد الحلم والدين وقد علاك مشيب حين لا حين تفسير : أي وقت لا وقت، وقال البلخي {إلى حين} معناه الى القيامة.
اطفيش
تفسير : {قالَ اهْبطُوا} خطاب آدم وحواء عليهما السلام، وإبليس أبعده الله، وقال الطبرى وأبو صالح والسدى: هو لهم وللحية ولو لم تذكر، وقيل: لآدم وحواء وذريتهما، وقيل: لهما وذريتهما وإبليس وذريته، وضعف القولان بأن الذرية لم توجد فى ذلك الوقت، وبعد وجودها لا يتعلق بها الهبوط، لأنها توجد فى الأرض، بخلاف الأمر بنحو الصلاة لِمَ سيوجد فإنه إذا وجد مكث منه، ويجاب بأن الذرية فى ضمن آدم وإبليس، وهما مشتملان عليهما، وإنما كرر الأمر لإبليس بالهبوط تبعاً ليعلم أنه وآدم وحواء قرناء فى العداوة أبدا، فإن الذرية تابعة فى المعاداة، قال القاضى: أو أخبر عما قال لهم مفرقا، قيل: مكث آدم وحواء فى الجنة نصف يوم من أيام الآخرة، وهو خمسمائة عام من أعوام الدنيا، وقال الحسن: ساعة من النهار وهى مائة سنة، وقيل: مكثا ثلاثة وأربعين عاما من أعوام الدنيا، وقيل: بعض يوم من أيام الدنيا وهو ساعة من يوم الجمعة، وذكر بعض أن الطاووس خرج من الجنة أيضا، وأن له سببا فى دخول إبليس الجنة وخروج آدم منها. {بعضُكم لبعضٍ عدوٌّ} الجملة حال مربوطة بالضمير وحده، وذلك فصيح لا ضعف فيه على الصحيح، ولو كان الربط به مع واو الحال أفصح وأقوى، وعدو هنا مفرد لم يرد به الجماعة، لأن المعنى الواحد معاد للآخر، وسها من قال: إنه هنا بمعنى الجماعة، وإن قلت: ليس آدم معاديا لحواء، ولا حواء معادية له، ولا ذريتهما معادية لهما، ولا معاداة بين الحية وإبليس؟ قلت: ليس المراد أن كل واحد عدو للآخر، بل المراد أن العداوة ثابتة فى الجملة بين الأبعاض، فإن آدم معاد لإبليس، وحواء معادية له أيضا، وهو معاد لها ومعادٍ له أيضا، وآدم معاد للحية، وحواء معادية لها أيضا، والحية معادية له ولها أيضا، وذلك حكم على المجموع، وقد يوجه القول أن عدواً هنا بمعنى الجماعة، بأن الحال مقدرة، وأن المعنى اهبطوا مقدرة العداوة بين ذريتكم، والأولى ما ذكرته. وهكذا أذكر مذهبى فى المعنى والإعراب وغيره، وأذكر مذهب غيرى، ولو شئت والحمد لله لفسرت القرآن كله بما يظهر لفكرى وأقتصر عليه، فلا يرى من توغل فى المعقول والمنقول معا أحسن منه، ولكنى أقصد الاحتياط، فذكرت ما ظهر لى وما ظهر لغيرى، وربما اقتصرت على ما ظهر لغيرى لأكون من أهل الدرجة الوسطى فى التفسير، فإن أهله ثلاثة أقسام: الأول: من يغوص بفكره ويقتصر على قوله. والثانى: من يذكر قوله وقول غيره. والثالث: من يقتصر على قول غيره، ويسمى ناقلا. أما نحن فمعادون إبليس وهو وأولاده معادون لنا فى أمر الدنيا والآخرة، حتى أنهم ليسرهم عثرة يعثرها المؤمن، أو شوكة يشاكها حنقاً عليه وطمعا أن يسخط قدر الله أو يحزن فيشتغل عن العبادة، وأما الحية فقد قال صلى الله عليه وسلم فيهن: "حديث : ما سالمناهم منذ حاربناهم" تفسير : وقال ابن عمر: من تركهن فليس منا، قال بعضهم لا تقدر على آدمى إلا لدغته، ولا يقدر عليها الآدمى إلا شدخ رأسها. قالت عائشة: من ترك حية خشية من ثأرها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وروى ذلك حديثا، وقد روى أن من قتل حية كمن قتل كافراً، وذكر بعضهم أن من قتلها أو عقربا كمن قتل كافراً، وذلك فى الحل والحرم، بل أقول قتلها فى الحرم أوجب وأعظم أجراً ولو لم تتعرض لأحد، ولم يرد فيهن استثناء إلا ما ورد أن جنا بالمدينة أسلموا، فمن رأى من هذه الحيات شيئا فى بيته فليخرج عليه ثلاثا، فإن رآه بعد ذلك فليقتله فإنما هو كافر، رواه الشيخ هود رحمه الله والثعالبى مرفوعا، وذكر بعض أن الحية فمها مسخ من ذرية إبليس. {ولكُم فى الأرض مُستقرٌّ} أى استقرار، فهو مصدر ميمى أو موضع تستقرون فيه، فهو اسم مكان، والمراد ذلك فى زمان الحياة عند أبى العالية، وفى القبر عند ابن عباس، ولا مانع من القول ذلك كله كما قال الله سبحانه: {أية : ألم نجعل الأرض كفاتا * أحياء وأمواتا}. تفسير : {ومَتاعٌ} تمتع وانتفاع، أو ما تتمتعون وتنتفعون به {إلى حينٍ} هو وقت موت كل على حدة، فلكل أحد أجل، وقيل: يوم القيامة، فإنه ما لم تقم القيامة لا تخلو الدنيا من متمتع ومن يستقر، وهذا باعتبار إبليس وذريته وذرية آدم، فالغاية راجعة إلى المستقر أو المتاع، ولك إرجاعها إليها، وتفسير الحين بوقت الموت، فكل من آدم وحواء للمتاع فقط، ولا وجه لجعله غاية له مرادا به التمتع فى القبر كما قيل، إذ لا تمتع فى القبر إلا على قول من نفى عذاب القبر، قيل: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وتمناها بمنى، وعرف حقيقة أمرها بعرفة، واجتمع بها بجمع، ولم أذكر هذا فى شرح النيل، وذكرت غيره، وأهبط إبليس بميسان، وقيل بالبصرة، وقيل: بأيلة، وقيل بمصر، فبات فيها وفرح. قال ابن عمر: بسط فيها عبقرية وهو أبو الجن، وقيل: إنه واحد من الجن، وقد كانوا قبله قاتلهم الملائكة فى الأرض وهم كفار فأسروه صغيراً، فنشأ على العبادة، وقال الله له: مسكنك الحمام، ومجلسك الأسواق، ولهوك المزامير، وطعامك ممَّا لم يذكر عليه اسمى، وشرابك المسكر، ورسلك الشهوات، وحبائلك النساء، وأهبط الحية بأصبهان. ولما حضرت الوفاة آدم أحاطت به الملائكة، وجعلت حواء تدور حولهم، فقال لها: خلى ملائكة ربى فإنما أصابنى منك، ومات وغسلوه بماء وسدر وتراً، وحنطوه وكفنوه فى وتر، ولحد واله، وذلك فى سرنديب بواد من الهند، وقالوا لبنيه هذه سنتكم بعده، قيل: مات قبل حواء بسنة، وقيل: بثلاثة أيام، وعاش ألف سنة، وقيل: إلا ستين سنة، وقيل إلا سبعين، وقيل: إلا أربعين.
اطفيش
تفسير : {قَالَ اهْبِطُوا} إِلى الأَرض يا آدم وحواء وإِبليس، قيل والحية، وفيه أَنه لا ذكر لها فى الآية، فهبط آدم بسرنديب جبل بالهند، وحواء بجدة أَو بعرفة أَو بالمزدلفة أَقوال، وإِبليس بأُبلة (بضم الهمزة والباء وشد اللام) جبل قرب البصرة أَو بجدة قولان. والحية بأَصبهان. أَو يا آدم وحواء وذريتهما فى ضمنهما، لكن أَمر الذرية فى ضمنهما مجاز وأَمرهما حقيقة، أَو يا آدم وحواء خطاب لهما بخطاب الجمع لذلك كما قال فى سورة البقرة اهبطا وقوله {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} حال تفيد أَن عداوة بعض لبعض غير متراخية عن الهبوط فهذا أَولى من جعله جواب قائل ما حالهم بعد الهبوط، والعداوة ظاهرة بين آدم وحواء وبين إِبليس. وأَما بين آدم وحواءَ وذريتهما فبغى قابيل عليهما وعلى هابيل، والذرية بعض على بعض فى البدن والمال والأَعراض وغير ذلك كنكاح قابيل زوج هابيل، وصح دخول إِبليس فى اهبطوا لأَنه كان يدخلها مسارقة، وللوسوسة بعد قوله عز وجل اخرج منها فلم يتكرر أَمره بالهبوط مع قوله اخرج منها {وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} استقرار، أَو موضعه أَو زمانه، والأَول أَولى لأَن القرار نفسه رحمة. خلاف موضعه فإِنه نعمة باعتبار القرار، وموضع الاستقرار شامل لما يحيا فيه من الأَرض وموضعه بعد الموت وقبره أَى مستقره إِلى أَجل هو البعث {وَمَتَاعٌ} تمتع {إِلَى حِينٍ} أَجل الموت لا البعث، لأَنه لا تمتع فى القبر إِلاّ للمؤمنين.
الالوسي
تفسير : {قَالَ } استئناف كما مر مراراً {ٱهْبِطُواْ } المأثور عن كثير من السلف أنه خطاب لآدم وحواء عليهما السلام وإبليس عليه اللعنة، وكرر الأمر له تبعاً لهما إشارة إلى عدم انفكاكه عن جنسهما في الدنيا أو أن الأمر وقع مفرقاً وهذا نقل له بالمعنى وإجمال له كما في قوله تعالى: { أية : يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيّبَـٰتِ } تفسير : [المؤمنون: 51] وقيل: إن الأمر بالنسبة إلى اللعين غير ما تقدم فإنه أمر له بالهبوط من حيث وسوس. واختار الفراء كونه خطاباً لهما ولذريتهما وفيه خطاب المعدوم، وقيل: إنه لهما فقط لقوله سبحانه: { أية : قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً } تفسير : [طه: 123] والقصة واحدة، وضمير الجمع لكونهما أصل البشر فكأنهم هم. ومن الناس من قال: إن مختار الفراء هو هذا، وقيل: إنه لهما ولابليس والحية. واعترض وأجيب بما مر في سورة البقرة، والظاهر من النظم الكريم أن آدم عليه السلام عاجله ربه سبحانه بالعتاب والتوبيخ على فعله ولم يتخلل هناك شيء، ونقل الأجهوري عن حجة الإسلام الغزالي أنه عليه السلام لما أكل من الشجرة تحركت معدته لخروج الفضلة ولم يكن ذلك مجعولاً في الجنة في شيء من أطعمتها إلا في تلك الشجرة فلذلك نهي عن أكلها فجعل يدور في الجنة فأمر الله تعالى ملكاً يخاطبه فقال له: أي شيء تريد يا آدم؟ قال: أريد أن أضع ما في بطني من الأذى فقال له: في أي مكان تضعه أعلى الفرش أم على السرر أم في الأنهار أم تحت ظلال الأشجار هل ترى هٰهنا مكاناً يصلح لذلك؟ ثم أمره بالهبوط وأنا لا أرى لهذا الخبر صحة، ومثله ما روي عن محمد بن قيس قال: إنه عليه السلام لما أكل من الشجرة ناداه ربه يا آدم لم أكلت منها وقد نهيتك؟ قال: أطعمتني حواء فقال سبحانه: يا حواء لم أطعمتيه؟ قالت أمرتني الحية فقال للحية: لم أمرتها؟ قالت: أمرني إبليس فقال الله تعالى: أما أنت يا حواء فلأُدْمِينَّك كل شهر كما أدميت الشجرة. وأما أنت يا حية فأقطع رجليك فتمشين على وجهك وسيشدخ وجهك كل من لقيك. وأما أنت يا إبليس فملعون. {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } في موضع الحال من فاعل {ٱهْبِطُواْ } وهي حال مقارنة أو مقدرة، واختار بعض المعربين كون الجملة استئنافية كأنهم لما أمروا بالهبوط سألوا كيف يكون حالنا؟ فأجيبوا بأن بعضكم لبعض عدو، وأمر العداوة على تقدير دخول الشيطان في الخطاب ظاهر، وأما على تقدير التخصيص بآدم وحواء عليهما السلام فقد قيل: إنه باعتبار أن يراد بهما ذريتهما إما بالتجوز كإطلاق تميم على أولاده كلهم أو يكتفي بذكرهما عنهم، واختار بعضهم كون العداوة هنا بمعنى الظلم أي: يظلم بعضكم بعضاً بسبب تضليل الشيطان فليفهم. {وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } أي استقرار أو موضع استقرار فهو إما مصدر ميمي أو اسم مكان. وجوز أن يكون اسم مفعول بمعنى ما استقر ملككم عليه وجاز تصرفكم فيه. ولا يخفى أنه خلاف الظاهر ومحتاج إلى الحذف والإيصال، واللفظ في نفسه يحتمل أن يكون اسم زمان إلا أنه غير محتمل هنا لأنه يتكرر مع قوله سبحانه: {وَمَتَـٰعٌ } أي بلغة {إِلَىٰ حِينٍ } يريد به وقت الموت، وقيل: القيامة وتجعل السكنى في القبر تمتعاً في الأرض أو يقال: معنى {لَكُمْ } لجنسكم ولمجموعكم، والظرف قيل: متعلق بمتاع أو به وبمستقر على التنازع إن كان / مصدراً. وقيل: إنه متعلق بمحذوف وقع صفة لمتاع.
ابن عاشور
تفسير : طوَى القرآن هنا ذكر التّوبة على آدم: لأنّ المقصود من القصّة في هذه السّورة التّذكير بعداوة الشّيطان وتحذير النّاس من اتّباع وسوسته، وإظهار ما يُعقبه اتّباعه من الخسران والفساد، ومقام هذه الموعظة يقتضي الإعراض عن ذكر التّوبة للاقتصار على أسباب الخسارة، وقد ذكرت التّوبة في آية البقرة المقصودِ منها بيان فضل آدم وكرامته عند ربّه، ولكلّ مقامً مَقال. والخطابُ لآدم وزوجه وإبليسَ. والأمر تكويني، وبه صار آدم وزوجه وإبليسُ من سكّان الأرض. وجملة: {بعضكم لبعض عدو} في موضع الحال من ضمير: {اهبطوا} المرفوععِ بالأمر التّكويني فهذه الحال أيضاً تفيد معنى تكوينياً وهو مقارنة العداوة بينهم لوجودهما في الأرض، وهذا التّكوين تأكّدت به العداوة الجبلية السّابقة فرسخت وزادت، والمراد بالبعض البعض المخالف في الجنس، فأحد البعضين هو آدم وزوجه، والبعض الآخر هو إبليس، وإذ قد كانت هذه العداوة تكوينيّة بين أصلي الجنسين، كانت موروثة في نسليهما، والمقصود تذكير بني آدم بعداوة الشّيطان لهم ولأصلهم ليتّهموا كلّ وسوسة تأتيهم من قِبله، وقد نشأت هذه العداوة عن حَسد إبليس، ثمّ سَرت وتشجرت فصارت عداوة تامة في سائر نواحي الوجود، فهي منبثّة في التّفكير والجسد، ومقتضية تمام التّنافر بين النّوعين. وإذ قد كانت نفوس الشّياطين داعية إلى الشرّ بالجبلة تعين أن عقل الإنسان منصرف بجبلته إلى الخير، ولكنّه معرّض لوسوسة الشّياطين فيقع في شذوذ عن أصل فطرته، وفي هذا ما يكون مفتاحاً لمعنى كون النّاس يولدون على الفطرة، وكون الإسلام دين الفطرة، وكون الأصل في النّاس الخير. أمَّا كون الأصل في النّاس العدالة أو الجرح فذلك منظور فيه إلى خشية الوقوع في الشّذوذ، من حيث لا يدري الحاكم ولا الراوي، لأنّ أحوال الوقوع في ذلك الشّذوذ مبهمة فوجب التّبصّر في جميع الأحوال. وعطفت جملة: {ولكم في الأرض مستقر} على جملة: {بعضكم لبعض عدو}. والمستقرّ مصدر ميمي والاستقرار هو المكث وقد تقدّم القول فيه عند قوله تعالى: {أية : لكل نبإ مستقر} تفسير : [الأنعام: 67] ــــ وقوله ــــ {أية : فمستقر ومستودع} تفسير : في سورة الأنعام (98). والمراد به الوجود أي وجود نوع الإنسان وبخصائصه وليس المراد به الدفن كما فسر به بعض المفسرين لأنّ قوله ومتاع يُصد عن ذلك ولأنّ الشّياطين والجنّ لا يُدفنون في الأرض. والمتاع والتّمتّع: نيل الملذّات والمرغوبات غير الدّائمة، ويطلق المتاع على ما يُتمتّع به وينتفع به من الأشياء، وتقدّم في قوله تعالى: {أية : لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم} تفسير : في سورة النّساء (102). والحِين المدّة من الزّمن، طويلة أو قصيرة، وقد نكر هنا ولم يحدّد لاختلاف مقداره باختلاف الأجناس والأفراد، والمراد به زمن الحياة التي تخول صاحبها إدراك اللّذّات، وفيه يحصل بقاء الذّات غير متفرّقة ولا متلاشية ولا معدومة، وهذا الزّمن المقارن لحالة الحياة والإدراك هو المسمّى بالأجل، أي المدّة التي يبلغ إليها الحيّ بحياته في علم الله تعالى وتكوينِه، فإذا انتهى الأجل وانعدمت الحياة انقطع المستقَر والمتاع، وهذا إعلام من الله بما قدّره للنّوعين، وليس فيه امتنان ولا تنكيل بهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَتَاعٌ} (24) - فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ وَحَوّاءَ وَإِبْلِيسَ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إِلَى الأَرْضِ، وَقَالَ لَهُمْ إِنَّ إِبْلِيسَ سَيَكُونُ عَدُوّاً لِبَنِي آدَمَ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ لاَ يَغْفُلُوا عَنْ عَدَاوَتِهِ وَوَسْوَسَتِهِ، وَسَيَكُونُ لِلْجَمِيعِ قَرَارٌ عَلَى الأَرْضِ، وَمَعَاشٌ وَانْتِفَاعٌ بِمَا فِيهَا، وَسَتَكُونُ لَهُمْ أَعْمَارٌ مَضْرُوبَةٌ إلى آجَالٍ مَعْلُومَةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونلتفت لنجد أن هناك أمراً قد يسبق لإِبليس بالهبوط، وهنا أمر آخر بالهبوط، وبالله لو كانت جنة الخلود هي محل إقامتهما، وآدم مخلوق لها ثم عصى ثم تاب لما خرجا منها أبداً. لكنه سبحانه أمر آدم بأن يهبط إلى الأرض التي جعله خليفة فيها، ليباشر مهمة الخلافة في إطار التجربة التي وقعت له، وعليه أن يحترم أمر الله في كل تكليف، وأن يحترم نهي الله في كل تكليف، وليحذر عداوة الشيطان فإنه سيوسوس له. وقد جرب ذلك بنفسه، فلينزل مزوداً بالتجربة، وليس له عذر من بعد ذلك. {قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. والأمر هنا للجماعة؛ ولم يقل لهما اهبطا. وفي آية ثانية قال: {أية : قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً...} تفسير : [طه: 123] وذلك لنعرف أن ورود القصة في أماكن متعددة جاء لتعطي لقطات كثيرة. والأمر هنا جاء بقوله: {ٱهْبِطُواْ} لأن الهبوط اشترك فيه الثلاثة؛ آدم وحواء، وإبليس.. والعداوة مسبقة ولا ندعيها. العداوة بين طرفين: اثنان في طرف هما آدم وحواء، وواحد في طرف هو إبليس. ويريد الحق لنا بيان الحقائق وأن المتكلم إله، إنّ كل حرف عنده بميزان؛ ولذلك نجده سبحانه يقول لنا: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ...} تفسير : [النساء: 82] أي إياك أن تأخذ واجهة النص، ولكن ابحث في خلفيات النص، ولا تأخذ واجهة اللفظ، بل انظر إلى ما وراء الألفاظ. {قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} [الأعراف: 24] وكلمة "عدو" تعني وجود صراع، ومعارك سوف تقوم بين أولاد آدم بعضهم مع بعض، أو تقع العداوة بينهم وبين أعدائهم من سكان الأرض من جن وغيرهم، لكنها لمدة محدودة، ولذلك قال: {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}. أي أن لكم استقراراً في الأرض ومتاعاً إلى حين. وصراع صاحب الحق في الحق يجب أن يأخذه على أنه متاع في الدنيا ولا يأخذه على أنه معركة بلا جزاء، لا، فأنت تجاهد وتأخذ جزاء كبيراً على الجهاد وهذا متاع. ويقول الحق بعد ذلك: {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} معناهُ إِلى وَقتٍ. والمَتاعُ: الزَّادُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ} [الأعراف: 24]؛ يعني: للنفس والقلب والروح في أرض البدن مقام وتمنع في الشريعة باستعمال الطريقة للوصول إلى الحقيقة، {إِلَىٰ حِينٍ} [الأعراف: 24] تصير النفس فيه مطمئنة فتستحق لخطاب: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28]، من الهبوط وت دفع بعد السقوط كما قيل: شعر : إِنَّ الأُمُورَ إِذا انْسدَّتْ مَسالِكُها فالصَّبْرُ يَفْتَحُ منها كُلَّ ما ارْتَتَجَا لا تَيْأَسَنَّ وإِن طالَتْ مُطالَبةُ إِذا اسْتَعَنْتَ بصَبْرٍ أَنْ تَرَى فَرَجا أَخْلِقْ بذِى الصَّبْرِ أَنْ يَحْظَى بحاجَتِهِ ومُدْمِنِ القَرْعِ للأَبْوابِ أَنْ يَلِجَا تفسير : {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ} [الأعراف: 25]؛ أي: في المحبة، وصدق الطلب، وقرع باب الفزع بالصبر والثبات على العبودية، {وَفِيهَا تَمُوتُونَ} [الأعراف: 25] في طلب الحق على جادة الشريعة بإقدام الطريقة، {وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} [الأعراف: 25] إلى عالم الحقيقة يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون ". تفسير : ثم أخبر عن منِّه على الناس باللباس بقوله تعالى: {يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً} [الأعراف: 26] إلى قوله: {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28]، الإشارة فيها: أن لكل جزء من أجزاء الإنسان لباساً يواري سوءة ذلك الجزء من ظاهره وباطنه، فقال تعالى: {يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ} فهو لباس الشريعة فيواري سوءة الأفعال القبيحة بأحكام الشريعة في الظاهر سوءة الصفات الذميمة النفسانية والحيوانية بآداب الطريقة في الباطن. {وَرِيشاً} [الأعراف: 26]؛ يعني: وليكون الشريعة زينة وجمالاً لكم في الظاهر والباطن، {وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ} [الأعراف: 26]، والتقوى: هو لباس القلب والروح والسر الخفي، فلباس القلب من التقوى: هو الصدق في طلب المولى فيواري به سوءة الطمع في الدنيا وما فيها، ولباس الروح من التقوى: هو محبة المولى فيواري به سوءة التعلق بغير المولى، ولباس السر من التقوى: هو رؤية المولى فيواري بها رؤية غير المولى، ولباس الخفي من التقوى: إبقاؤه بهوية المولى فيواري بها هويته وهوية غير المولى؛ ولهذا قال: ذلك خير؛ لأن لباس البدن بالفتوى وهو شريعة إلباس القلب بالتقوى وهو حقيقة. {ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ} [الأعراف: 26]؛ أي: أنزل الشريعة والحقيقة مما يدل عليه المولى، {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26]؛ لكي يذكروا عزمهم عن لباس الوجود في عالم الشهود، {يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} [الأعراف: 27] بالدنيا وما فيها ولا يضلنكم عن سبيل الله بإتباع الهوى، {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ}تفسير : [آل عمران: 14]، فيخرجكم عن جنة الصدق في طلب الحق، {كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} [الأعراف: 27] من الشرع وذلك نهيهما عن شجرة المحبة {لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ} [الأعراف: 27] مخالفة وما علما أن فيها هذه الصفة ومن جملة سوءاتهما كل كمال ونقصان كان مستوراً فيهما فأراهما بعد تناول الشجرة، {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]؛ يعني: من الروحانيين الذين لا صورة لهما في الظاهر، فإنهم يرون بنظر الملكوتي الروحاني من الإنسان بعض الأفعال التي تتولد من أوصاف البشرية كما رؤوا في آدم {أية : قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}تفسير : [البقرة: 30] من حيث البشرية التي هي منشأ الصفات الحيوانية، وإنكم محجوبون بهذه الصفات عن رؤيتهم لا من حيث الروحانية التي هي منشأ العلوم للأسماء والمعرفة، فإنهم لا يرونكم في هذا المقام وأنتم ترونهم بنظر الروحاني بل النور الرباني. {إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27]؛ أي: خلقناهم مستعدين لتولية أمور أهل الغفلة والطبيعة الذين لا إيمان لهم بالله وطلبه ولا بالوصول إليه؛ ليزينوا لهم زخارف الدنيا وشهواتها، {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} [الأعراف: 28] وهي طلب الدنيا وجهاً والحرص على جمعها، فإن أفحش الفواحش حب الدنيا؛ لأنه رأس كل خطيئة؛ والمعنى: إذا وقع أهل الغفلة في طلب الدنيا وزينتها والتمتع بها بتلقين الشيطان وتدبيره وتزينه، فيدعوهم داعٍ إلى الله وطلبه وترك الدنيا وطلبها. {قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا} [الأعراف: 28]؛ يعني: على محبة الدنيا وشهواتها، {وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف: 28]؛ أي: بطلبها بالكسب والحلال، {قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} [الأعراف: 28]؛ أي: لا يأمر بحب الدنيا والحرص على جمعها، وإنما يأمر بالكسب الحلال بقدر الحاجة الضرورية لقوام القالب بالقوة واللباس؛ ليقوم بأداء حقوق العبودية، {أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28]؛ أي: تفترون على الله ما لا تعلمون آفته ووبال عاقبته، ولا تعلمون أن ذلك من فتنة الشيطان وتزينه وإغوائه.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 282 : 4 : 10 - سفين عن ليث عن مجاهد في قوله {ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} قال، آدم والحية والشيطان. [الآية 24].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):