Verse. 100 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذْ اَخَذْنَا مِيْثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّوْرَ۝۰ۭ خُذُوْا مَاۗ اٰتَيْنٰكُمْ بِقُوَّۃٍ وَّاسْمَعُوْا۝۰ۭ قَالُوْا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا۝۰ۤ وَاُشْرِبُوْا فِيْ قُلُوْبِہِمُ الْعِـجْلَ بِكُفْرِھِمْ۝۰ۭ قُلْ بِئْسَمَا يَاْمُرُكُمْ بِہٖۗ اِيْمَانُكُمْ اِنْ كُنْتُمْ ￁مِنِيْنَ۝۹۳
Waith akhathna meethaqakum warafaAAna fawqakumu alttoora khuthoo ma ataynakum biquwwatin waismaAAoo qaloo samiAAna waAAasayna waoshriboo fee quloobihimu alAAijla bikufrihim qul bisama yamurukum bihi eemanukum in kuntum mumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذ أخذنا ميثاقكم» على العمل بما في التوراة «و» قد «رفعنا فوقكم الطور» الجبل حين امتنعتم من قبولها ليسقط عليكم وقلنا «خذوا ما آتيناكم بقوة» بجد واجتهاد «واسمعوا» ما تؤمرون به سماع قبول «قالوا سمعنا» قولك «وعصينا» أمرك «وأشربوا في قلوبهم العجل» أي خالط حبه قلوبهم كما يخالط الشراب «بكفرهم، قل» لهم «بئسما» شيئا «يأمركم به إيمانكم» بالتوراة عبادة العجل «إن كنتم مؤمنين» بها كما زعمتم. المعنى لستم بمؤمنين لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل، والمراد آباؤهم: أي فكذلك أنتم لستم بمؤمنين بالتوراة وقد كذَّبتم محمداً والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه.

93

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في الإعادة وجوهاً: أحدها: أن التكرار في هذا وأمثاله للتأكيد وإيجاب الحجة على الخصم على عادة العرب، وثانيها: أنه إنما ذكر ذلك مع زيادة وهي قولهم: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } وذلك يدل على نهاية لجاجهم. أما قوله تعالى: {قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن إظلال الجبل لاشك أنه من أعظم المخوفات ومع ذلك فقد أصروا على كفرهم وصرحوا بقولهم {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } وهذا يدل على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد. المسألة الثانية: الأكثرون من المفسرين اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول، قال أبو مسلم: وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه كقوله تعالى: {أية : أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [البقرة: 177] وكقوله: {أية : قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } تفسير : [فصلت: 11] والأول أولى لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير الدليل لا يجوز. أما قوله تعالى: {وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: واشربوا في قلوبهم حب العجل، وفي وجه هذا الاستعارة وجهان، الأول: معناه تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب، وقوله: {فِى قُلُوبِهِمْ } بيان لمكان الإشراف كقوله: {أية : وَإِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً} تفسير : [النساء: 10]. الثاني: كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال. المسألة الثانية: قوله: {وَٱشْرِبُواْ } يدل على أن فاعلاً غيرهم فعل بهم ذلك، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى الله، أجابت المعتزلة عنه من وجهين: الأول: ما أراد الله أن غيرهم فعل بهم ذلك لكنهم لفرط ولوعهم وإلفهم بعبادته أشربوا قلوبهم حبه فذكر ذلك على ما لم يسم فاعله كما يقال فلان: معجب بنفسه، الثاني: أن المراد من أَشْرب أي زَيَّنه عندهم ودعاهم إليه كالسامري وإبليس وشياطين الإنس والجن. أجاب الأصحاب عن الوجهين بأن كلا الوجهين صرف اللفظ عن ظاهره وذلك لا يجوز المصير إليه إلا لدليل منفصل، ولما أقمنا الدلائل العقلية القطعية على أن محدث كل الأشياء هو الله لم يكن بنا حاجة إلى ترك هذا الظاهر. أما قوله تعالى: {بِكُفْرِهِمْ } فالمراد باعتقادهم التشبيه على الله وتجويزهم العبادة لغيره سبحانه وتعالى. أما قوله: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَـٰنُكُمْ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد بئسما يأمركم به إيمانكم بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال في قصة شعيب: {أية : أَصلاتُكَ تَأْمُرُكَ } تفسير : [هود: 87] وكذلك إضافة الإيمان إليهم. المسألة الثانية: الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي لكن الداعي إلى الفعل قد يشبه بالآمر كقوله تعالى: {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } تفسير : [العنكبوت: 45]. أما قوله تعالى: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فالمراد التشكيك في إيمانهم والقدح في صحة دعواهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُواْ} تقدّم الكلام في هذا. ومعنى «ٱسمعوا» أطيعوا، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط، وإنما المراد ٱعملوا بما سمعتم والتزموه؛ ومنه قولهم: سمِع ٱلله لمن حمده؛ أي قَبِل وأجاب. قال:شعر : دعوتُ الله حتى خِفتُ ألاّ يكون الله يسمع ما أقول تفسير : أي يَقبل؛ وقال الراجز:شعر : والسمعُ والطاعةُ والتسليمُ خيرٌ وأَعْفَى لبني تميم تفسير : {قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} ٱختلف هل صدر منهم هذا اللفظ حقيقةً باللسان نُطْقاً، أو يكونوا فعلوا فعلاً قام مقام القول فيكون مجازاً؛ كما قال:شعر : ٱمتلأ الحَوْضُ وقال قَطْنِي مهلاً رُوَيْداً قد ملأتَ بَطْنِي تفسير : وهذا ٱحتجاج عليهم في قولهم: «نُؤْمِنُ بِمَا أنْزِلَ عَلَيْنَا». قوله تعالى: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ} أي حُبّ العجل. والمعنى: جعلت قلوبهم تُشربه، وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكّن أمر العجل في قلوبهم. وفي الحديث: «حديث : تُعْرَضُ الفِتن على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً فأيّ قَلبٍ أشرِبَها نُكِت فيه نُكتةٌ سوداء» تفسير : الحديث، خرّجه مسلم. يقال أُشرِب قلبَه حبَّ كذا؛ قال زهير:شعر : فصحوتُ عنها بعد حُبٍّ داخلٍ والحبُّ تُشرِبُه فؤادَك داءُ تفسير : وإنما عبرّ عن حُبّ العجل بالشُّرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام مجاور لها غير متغلغل فيها. وقد زاد على هذا المعنى أحد التابعين فقال في زوجته عَثْمَة، وكان عَتَب عليها في بعض الأمر فطلّقها وكان مُحِباًّ لها:شعر : تغلغل حُبُّ عَثْمَة في فؤادي فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور أكاد إذا ذكرتُ العهد منها أطير لَوَ أن إنساناً يطير تفسير : وقال السُّدّي وٱبن جُريج: إن موسى عليه السلام بَرَد العجل وذرّاه في الماء، وقال لبني إسرائيل: اشربوا من ذلك الماء؛ فشرب جميعهم، فمن كان يحبّ العجل خرجت بُرادة الذهب على شَفَتَيْه. ورُوِيَ أنه ما شربه أحد إلا جُنّ؛ حكاه القُشيري. قلت: أمّا تذرِيَتُه في البحر فقد دلّ عليه قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً}تفسير : [طه: 97] وأمّا شُرْبُ الماء وظهور البُرادة على الشِّفاه فيردّه قوله تعالى: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ}. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} أي إيمانكم الذي زعمتم في قولكم: نؤمن بما أُنْزِلَ علينا. وقيل: إن هذا الكلام خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أُمِر أن يوبّخهم، أي قل لهم يا محمد. بئس هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم. وقد مضى الكلام في {بئسما} والحمد لله وحده.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَا ءاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُواْ } أي قلنا لهم: خذوا ما أمرتم به في التوراة بجد واسمعوا سماع طاعة. {قَالُواْ سَمِعْنَا } قولك {وَعَصَيْنَا } أمرك {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ } تداخلهم حبه ورسخ في قلوبهم صورته، لفرط شغفهم به، كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن. وفي قلوبهم: بيان لمكان الإشراب كقوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً } {بِكُفْرِهِمْ } بسبب كفرهم وذلك لأنهم كانوا مجسمة، أو حلولية ولم يروا جسماً أعجب منه، فتمكن في قلوبهم ما سول لهم السامري {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَـٰنُكُمْ } أي بالتوراة، والمخصوص بالذم محذوف نحو هذا الأمر، أو ما يعمه وغيره من قبائحهم المعدودة في الآيات الثلاث إلزاماً عليهم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } تقرير للقدح. في دعواهم الإيمان بالتوراة، وتقديره إن كنتم مؤمنين بها لم يأمركم بهذه القبائح ولا يرخص لكم فيها إيمانكم بها، أو إن كنتم مؤمنين بها فبئسما يأمركم به إيمانكم بها، لأن المؤمن ينبغي أن لا يتعاطى إلا ما يقتضيه إيمانه، لكن الإيمان بها لا يأمر به، فإذاً لستم بمؤمنين.

ابن كثير

تفسير : يعدد سبحانه وتعالى عليهم خطأهم، ومخالفتهم للميثاق، وعتوهم وإعراضهم عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه، ثم خالفوه، ولهذا {قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} وقد تقدم تفسير ذلك {وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} قال عبد الرزاق، عن معمر عن قتادة: {وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} قال: أشربوا حبه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم، وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس، وقال الإمام أحمد: حدثنا عصام بن خالد، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : حبك الشيء يعمي ويصم»تفسير : ورواه أبو داود عن حيوة بن شريح، عن بقية، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به، وقال السدي: أخذ موسى عليه السلام العجل، فذبحه بالمبرد، ثم ذراه في البحر، ثم لم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء، ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب، فذلك حين يقول الله تعالى: {وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عمير وأبي عبد الرحمن السلمي، عن علي رضي الله عنه، قال: عمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد، فبرده بها، وهو على شاطىء نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب، وقال سعيد بن جبير: {وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ} قال: لما أحرق العجل، برد، ثم نسف، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران، وحكى القرطبي عن كتاب القشيري: أنه ما شرب أحد «منه» ممن عبد العجل إلا جن، ثم قال القرطبي: وهذا شيء غير ما ههنا، لأن المقصود من هذا السياق: أنه ظهر على شفاههم ووجوههم، والمذكور ههنا: أنهم أشربوا في قلوبهم العجل، يعني في حال عبادتهم له، ثم أنشد قول النابغة في زوجته عثمة:شعر : تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فُؤادي فَباديهِ مع الخافِي يسيرُ تَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ شَرابٌ ولا حُزْنٌ ولم يَبْلُغْ سُرورُ أَكادُ إِذا ذَكَرْتُ العَهْدَ مِنْها أَطيرُ لَوْ انْ إِنْساناً يَطِيرُ تفسير : وقوله: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَـٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه من كفركم بآيات الله، ومخالفتكم الأنبياء، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا أكبر ذنوبكم، وأشد الأمر عليكم؛ إذ كفرتم بخاتم الرسل، وسيد الأنبياء والمرسلين، المبعوث إلى الناس أجمعين، فكيف تدّعون لأنفسكم الإيمان، وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة؛ من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل من دون الله؟.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ } على العمل بما في التوراة {وَ} قد {رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ } الجبل حين امتنعتم من قبولها ليسقط عليكم وقلنا {خُذُواْ مَا ءاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ } بجدّ واجتهاد {وَٱسْمَعُواْ } ما تؤمرون به سماع قبول {قَالُواْ سَمِعْنَا } قولك {وَعَصَيْنَا } أمرك {وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ } أي خالط حبه قلوبهم كما يخالط الشراب {بِكُفْرِهِمْ قُلْ } لهم {بِئْسَمَا } شيئاً {يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَٰنُكُمْ } بالتوراة من عبادة العجل {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } بها كما زعمتم المعنى: لستم بمؤمنين لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل، والمراد: آباؤهم أي فكذلك أنتم لستم بمؤمنين بالتوراة وقد كذبتم محمداً والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه.

الشوكاني

تفسير : قد تقدّم تفسير أخذ الميثاق، ورفع الطور. والأمر بالسماع معناه: الطاعة والقبول، وليس المراد مجرد الإدراك بحاسة السمع، ومنه قولهم: «سمع الله لمن حمده» أي: قبل وأجاب، ومنه قول الشاعر:شعر : دعوت الله حتى خفت أن لا يكون الله يسمع ما أقول تفسير : أي يقبل، وقولهم في الجواب {سَمِعْنَا } هو: على بابه، وفي معناه؛ أي: سمعنا قولك بحاسة السمع، وعصيناك، أي: لا نقبل ما تأمرنا به، ويجوز أن يكونوا أرادوا بقولهم: «سمعنا» ما هو معهود من تلاعبهم، واستعمالهم المغالطة في مخاطبة أنبيائهم، وذلك بأن يحملوا قوله تعالى: {*اسمعوا} على معناه الحقيقي أي: السماع بالحاسة، ثم أجابوا بقولهم: {سَمِعْنَا } أي: أدركنا ذلك بأسماعنا، عملاً بموجب ما تأمر به، ولكنهم لما كانوا يعلمون أن هذا غير مراد لله عزّ وجلّ، بل مراده بالأمر سماع الأمر بالطاعة والقبول لم يقتصروا على هذه المغالطة بل ضموا إلى ذلك ما هو الجواب عندهم فقالوا: {وَعَصَيْنَا }. وفي قوله: {وَٱشْرَبُواْ } تشبيه بليغ، أي: جعلت قلوبهم لتمكن حب العجل منها كأنها تشربه، ومثله قول زهير:شعر : فصحوتُ عنها بعد حُبٍّ داخل والحبُّ يشُرْبِهُ فؤادك داء تفسير : وإنما عبر عن حبّ العجل بالشرب دون الأكل؛ لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام يجاوزها، ولا يتغلغل فيها، والباء في قوله: {بِكُفْرِهِمْ } سببية: أي: كان ذلك بسبب كفرهم عقوبة لهم، وخذلاناً. وقوله: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَـٰنُكُمْ } أي: إيمانكم الذي زعمتم أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم، وتكفرون بما وراءه، فإن هذا الصنع، وهو قولكم: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } في جواب ما أمرتم به في كتابكم، وأخذ عليكم الميثاق به مناد عليكم بأبلغ نداء بخلاق ما زعمتم، وكذلك ما وقع منكم من عبادة العجل، ونزول حبه من قلوبكم منزلة الشراب هو من أعظم ما يدل على أنكم كاذبون في قولكم: {أية : نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا }تفسير : [البقرة: 91] لا صادقون، فإن زعمتم أن كتابكم الذي آمنتم به أمركم بهذا، فبئسما يأمركم به إيمانكم بكتابكم، وفي هذا من التهكم بهم ما لا يخفى. وقوله: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلأخِرَةُ } هو ردٌّ عليهم لما ادّعوا أنهم يدخلون الجنة، ولا يشاركهم في دخولها غيرهم، وإلزام لهم بما يتبين به أنهم كاذبون في تلك الدعوى، وأنها صادرة منهم لا عن برهان، و{خَالِصَةٌ } منصوب على الحال، ويكون خبر كان هو عند الله، أو يكون خبر كان هو خالصة، ومعنى الخلوص أنه لا يشاركهم فيها غيرهم، إذا كانت اللام في قوله: {مّن دُونِ ٱلنَّاسِ } للجنس، أو لا يشاركهم فيها المسلمون، إن كانت اللام للعهد. وهذا أرجح لقولهم في الآية الأخرى: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة: 111] وإنما أمرهم بتمني الموت؛ لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة، ولما كان ذلك منهم مجرد دعوى أحجموا، ولهذا قال سبحانه: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا }، و«ما» في قوله: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } موصولة، والعائد محذوف، أي بما قدّمته من الذنوب التي يكون فاعلها غير آمن من العذاب، بل غير طامع في دخول الجنة، فضلاً عن كونه قاطعاً بها، فضلاً عن كونها خالصة له مختصة به، وقيل إن الله سبحانه صرفهم عن التمني؛ ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم. والمراد بالتمني هنا هو اللفظ بما يدل عليه، لا مجرد خطوره بالقلب، وميل النفس إليه، فإن ذلك لا يراد في مقام المحاجة، ومواطن الخصومة، ومواقف التحدي. وفي تركهم للتمني أو صرفهم عنه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم قد كانوا يسلكون من التعجرف، والتجرؤ على الله، وعلى أنبيائه بالدعاوى الباطلة، في غير موطن ما قد حكاه عنهم التنزيل، فلم يتركوا عادتهم هنا إلا لما قد تقرّر عندهم من أنهم إذا فعلوا ذلك التمني نزل بهم الموت، إما لأمر قد علموه، أو للصرفة من الله عز وجل. وقد يقال: ثبت النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت، فكيف أمره الله أن يأمرهم بما هو منهيّ عنه في شريعته؟ ويجاب بأن المراد هنا: إلزامهم الحجة، وإقامة البرهان على بطلان دعواهم. وقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ } تهديد لهم، وتسجيل عليهم بأنهم كذلك. واللام في قوله: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ } جواب قسم محذوف، وتنكير حياة للتحقير، أي: أنهم أحرص الناس على أحقر حياة، وأقلّ لبث في الدنيا، فكيف بحياة كثيرة، ولبث متطاول؟ وقال في الكشاف: إنه أراد بالتنكير حياة مخصوصة، وهي: الحياة المتطاولة، وتبعه في ذلك الرازي في تفسيره. وقوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } قيل: هو: كلام مستأنف، والتقدير: ومن الذين أشركوا ناس {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ } وقيل إنه معطوف على الناس أي: أحرص الناس، وأحرص من الذين أشركوا، وعلى هذا يكون قوله: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ } راجعاً إلى اليهود بياناً لزيادة حرصهم على الحياة، ووجه ذكر {الذين أشركوا} بعد ذكر {الناس} مع كونهم داخلين فيهم الدلالة على مزيد حرص المشركين من العرب، ومن شابههم من غيرهم. فمن كان أحرص منهم، وهم: اليهود كان بالغاً في الحرص إلى غاية لا يقادر قدرها. وإنما بلغوا في الحرص إلى هذا الحدّ الفاضل على حرص المشركين؛ لأنهم يعلمون بما يحلّ بهم من العذاب في الآخرة، بخلاف المشركين من العرب، ونحوهم، فإنهم لا يقرّون بذلك، وكان حرصهم على الحياة دون حرص اليهود. والأول، وإن كان فيه خروج من الكلام في اليهود إلى غيرهم من مشركي العرب لكنه أرجح؛ لعدم استلزامه للتكليف، ولا ضير في استطراد ذكر حرص المشركين بعد ذكر حرص اليهود. وقال الرازي: إن الثاني أرجح ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم، وفي إظهار كذبهم في قولهم: إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا. انتهى. ويجاب عنه بأن هذا الذي جعله مرجحاً قد أفاده قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ على الحياة } ولا يستلزم استئناف الكلام في المشركين، أن لا يكونوا من جملة الناس، وخص الألف بالذكر؛ لأن العرب كانت تذكر ذلك عند إرادة المبالغة. وأصل سنة: سنهة، وقيل: سنوة. واختلف في الضمير في قوله: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ } فقيل: هو: راجع إلى أحدهم، والتقدير: وما أحدهم بمزحزحه من العذاب أن يعمر، وعلى هذا يكون قوله: {أَن يُعَمَّرَ } فاعلاً لمزحزحه. وقيل: هو: لما دل عليه يعمر من مصدره، أي: وما التعمير بمزحزحه، ويكون قوله: {أن يعمر} بدلاً منه. وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: هو: عماد. وقيل: هو: ضمير الشأن. وقيل: «ما» هي الحجازية، والضمير اسمها، وما بعده خبرها، والأوّل أرجح، وكذلك الثاني، والثالث ضعيف جداً؛ لأن العماد لا يكون إلا بين شيئين، ولهذا يسمونه ضمير الفصل، والرابع فيه: أن ضمير الشأن يفسر بجملة سالمة عن حرف جرّ كما حكاه ابن عطية عن النحاة. والزحزحة: التنحية، يقال: زحزحته، فتزحزح: أي نحيته فتنحى، وتباعد، ومنه قول ذي الرمة:شعر : يا قَابِضَ الرُّوح عَنْ جِسْم عصىَ زَمناً وغافر الذنب زَحْزِحْني عَن النَّارِ تفسير : والبصير: العالم بالشيء الخبير به، ومنه قولهم: فلان بصير بكذا: أي خبير به، ومنه قول الشاعر:شعر : فإِنْ تَسألُوني بِالنِّساءِ فَإننِي بَصيرٌ بأدْواءِ النِّساءِ طِبيبُ تفسير : وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ } قال: أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية، أن اليهود لما قالوا: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ }تفسير : [البقرة: 111]، نزل قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلاْخِرَةُ } الآية. وأخرج ابن جرير، مثله عن قتادة. وأخرج البيهقي، في الدلائل عن ابن عباس، أن قوله: {خَالِصَةً مّن دُونِ ٱلنَّاسِ } يعني المؤمنين: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ } فقال لهم رسول الله: «حديث : إن كنتم في مقالتكم صادقين، فقولوا: "اللهم أمتنا"، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غصّ بريقه، فمات مكانه»تفسير : . وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ } أي: ادعوا بالموت على أيّ الفريقين أكذب، فأبوا ذلك، ولو تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على الأرض يهوديّ إلا مات. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر وأبو نعيم عنه قال: «لو تمنى اليهود الموت لماتوا». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه نحوه. وأخرج البخاري، وغيره من حديثه مرفوعاً: «لو أن اليهود تمنوا لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار». وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه في قوله: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ } قال اليهود: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } قال: وذلك أن المشركين لا يرجون بعثاً بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ماله من الخزي بما ضيع ما عنده من العلم: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ } قال: بمنحيه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم عنه في قوله: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } قال: هو قول الأعاجم إذا عطس أحدهم «ده هزار رسال» يعني عش ألف سنة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {... خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} يعني بجد واجتهاد. {وَاسْمَعُواْ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني فاعملوا بما سمعتم. الثاني: أي اقبلوا ما سمعتم، كما قيل سمع الله لمن حمده، أي قبل الله حمده، وقال الراجز: شعر : السمعُ والطاعة والتسليم خير وأعفى لبني تميم تفسير : {قَالُوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} فيه تأويلان: أحدهما: أنهم قالوا ذلك حقيقة، ومعناه سمعنا قولك وعصينا أمرك. والثاني: أنهم لم يقولوه ولكن فعلوا ما دل عليه، فقام الفعل منهم مقام القول كما قال الشاعر: شعر : امتلأ الحوض وقال قَطْني مهلاً رويداً قد ملأت بطني تفسير : {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} فيه تأويلان: أحدهما: أن موسى برد العجل وذرّاه في الماء، فكان لا يشربه أحد يحب العجل إلا ظهرت نخالة الذهب على شفتيه، وهذا قول السدي، وابن جريج. والثاني: أنهم أُشربوا حب العجل في قلوبهم، يقال أُشرِبَ قلبه حبَّ كذا، قال زهير: شعر : فصحوتُ عنها بعد حبٍّ داخل والحبُّ تُشربه فؤادَك: داءُ

ابن عبد السلام

تفسير : {وَاسْمَعُواْ} اعملوا بما سمعتم، أو اقبلوا ما سمعتم، سمع الله لمن حمده قبل حمده. {سَمِعْنَا} قولك {وَعَصَيْنَا} أمرك، قالوه سراً، أو فعلوا ما دل عليه، ولم يقولوه فقام فعلهم مقام قولهم: شعر : امتلأ الحوض وقال: قطني مهلاً رويداً قد ملأتُ بطني تفسير : {وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ} حب العجل. أو بَرَده موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وألقاه في اليم فمن شرب ممن أحب العجل ظهرت سُحَالة الذهب على شفتيه.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ...} على حذف القول أي القائلين: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} قيل لابن عرفة: هل فيه دليل على أن الأشياء كلها محض تفضل من الله تعالى وليست باستحقاق لأن هؤلاء يستحقون ذلك؟ فقال: نعم. قوله تعالى: {قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا...} قال الطيبي:/ هذا من القول بالموجب، ومنه قول الله تعالى: {أية : يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ } تفسير : قال ابن عرفة: لا بل هو مغالطة منهم لأن السماع في قوله: "وٱسْمَعُواْ" ليس المراد به حقيقة بل هو من مجاز إطلاق السبب على مسببه، لأن السماع سبب في الطاعة، فكأنهم أمروا بالطاعة (فغالطوا) في ذلك، وحملوا الأمر بالسماع على حقيقته من أن المراد به الاستماع فقط فقالوا: "سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا" قوله تعالى: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ...} الباء إما للمصاحبة أي مع كفرهم، أو للسببية فيكون العقوبة على الذنب بالذنب كما ورد أن المعاصي تزيد الكفر. قيل لابن عرفة: إنما كفروا بعبادتهم العجل، ولم يتقدم لهم قبل ذلك كفر بوجه؟ فقال: لا بل كفروا أولا كفرا عاما بالاعتقاد، ثم عبدوا العجل (بالفعل). قوله تعالى: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ...} عبر بالفعل المضارع، وقال بعده {أية : وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ} تفسير : فعبر بالماضي فما السر في ذلك؟ أجاب ابن عرفة: بأن الشراء لا يتكرر لأنه إذا دفع للبائع الثمن لم يعد إليه بوجه، فلا يقال: إنه يبيع سلعته مرة أخرى أو يشتري العوض مرة أخرى. فإلإيمان الذي باعوه لا يرجع إليهم بوجه بخلاف أمر الإيمان لهم فإنه يتجدد (بحسب) متعلقه شيئا فشيئا. قال ابن عرفة: وقبح فعلهم إما من (جهة) كذبهم في مقالتهم إذ {أية : قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا} تفسير : وليسوا بمؤمنين، وإما من جهة إيمانهم مع اتصافهم بالقبيح. والإيمان لا ينشأ عنه إلا الحسن. قيل لابن عرفة: المراد بقوله: "إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" الإيمان الحقيقي الشرعي، والإيمان الحقيقي لا (يأمر) إلا بالخير فكيف قال لهم: {بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ}؟ فقال: المراد إن (كنتم تدّعون) الإيمان حاصلا لكم، فبئس ما يأتيكم به إيمانكم المدّعى. قيل له: لما يأمرهم الإيمان بذلك، وإنما هو إيمان ناقص زاحمه غيره من وساوس النفس، فالمزاحم هو الأمر لا الإيمان؟ فقال: بل الأمر الإيمان المدعى أنه إيمان.

ابن عادل

تفسير : قوله: "واسمعوا" أي أطيعوا وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط، وإنما المراد اعملوا بما سمعتم والتزموه، ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده، أي قبل وأجاب؛ قال [الوافر] شعر : 667ـ دَعَوْتُ اللهَ حَتَّى خِفْتُ أَلاَّ يَكُونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أَقُولُ تفسير : أي يقبل. وقال الرَّاجز: [الرجز] شعر : 668ـ وَالسَّمْعُ والطَّاعَةُ والتَّسْلِيمْ خَيْرٌ وَأَعْفَى لِبَنِي تَمِيمْ تفسير : فصل في التكرار وفي هذا التكرير وجهان: أحدهما: أنه للتأكيد، وإيجاب الحُجَّة على الخصم. الثاني: كرره لزيادته على دلالة وهي قولهم: "سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا" [فرفع الجبل لا شك أنه من أعظم المعجزات، ومع ذلك أصرُّوا على كفرهم، وصرحوا بقولهم: {أية : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}تفسير : [النساء:46]]. وأكثر المفسرين ذكروا أنهم قالوا هذا القول. وقال أبو مسلم: يجوز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان، فعبر عن ذلك بالقول، وإن لم يقولوه كقوله تعالى: {أية : أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس:82] وكقوله: {أية : قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت:11] والأول أولى، لأن هذا صَرْف للكلام عن ظاهره بغير حاجة. قوله: "وأُشْربوا" يجوز أن يكون معطوفاً على قوله. "قَالُوا: سَمِعْنَا"، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل "قالوا" أي: قالوا ذلك، وقد أشربوا. ولا بد من إضمار "قد" ليَقْرُبَ الماضي إلى الحال خلافاً للكوفيين، حيث قالوا: لا يحتاج إليها، ويجوز أن يكون مستأنفاً لمجرد الإخبار بذلك. واستضعفه أبو البقاء ـ رحمه الله تعالى ـ قال: لأنه قال بعد ذلك: "قل بِئْسَمَا يأمركم" فهو جواب قولهم: "سمعنا وعصينا" فالأولى ألا يكون بينهما أجنبي. و "الواو" في "أشربوا" وهي المفعول الأول قامت مقام الفاعل، والثاني هو "العِجْل"؛ لأن "شرب" يتعدّى بنفسه، فأكسبته الهمزة مفعولاً آخر، ولا بد من حذف مُضَافين قبل "العِجْل" والتقدير: وأشربوا حُبَّ عبادة العِجْل. وحسن حَذْفُ هذين المضافين للمبالغة في ذلك حتى كأنه تُصُوِّر إشراب ذات العِجْل، والإشراب مُخَالطة المائع بالجامد، ثم اتّسع فيه حتى قيل في الألوان نحو: أشرب بياضُه حُمْرةً، والمعنى: أنهم دَاخَلَهم حُبُّ عبادته، كما داخلَ الصّبغُ الثوبَ. ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : 669ـ إذَا مَا القَلْبُ أُشْرِبَ حُبَّ شَيْءٍ فَلاَ تَأْمَلْ لَهُ الدَّهْرَ انْصِرَافَا تفسير : وعبر بالشرب دون الأكل؛ لأن الشرب يَتَغَلْغَلُ في باطن الشيء، بخلاف الأكل فإنه مُجَاور؛ ومنه في المعنى: [الطويل] شعر : 670ـ جَرَى حُبُّهَا مَجْرَى دَمِي في مَفَاصِلِي ....................... تفسير : وقال بعضهم: [الوافر] شعر : 671ـ تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فُؤَادِي فَبَادِيهِ مَعَ الخافِي يَسِيرُ تَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ شَرَابٌ وَلاَ حُزْنٌ وَلَمْ يَبْلُغْ سُرورُ أَكَادُ إِذَا ذكَرْتُ العَهْدَ مِنْهَا أَطِيرُ لَوَ أنَّ إِنْسَاناً يَطِيرُ تفسير : فهذا وجه الاستعارة. وقيل: الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض، فكذلك كانت تلك المحبة مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال. وقيل: الإشراب هنا حقيقة؛ لأنه يروى أن موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ برد العجل بِالمبْرد، ثم جعل تلك البُرَادة في الماء، وأمرهم بشربه، فمن كان يحب العجل ظهرت البُرَادة على شَفَتَيْهِ. روي القُشَيْري ـ رحمه الله ـ أنه ما شربه أحد إلا جُنّ. قال القرطبي رحمه الله: أما تَذْرِيَتُهُ في الماء فقد دلّ عليه قوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفًا}تفسير : [طه:97]، وأما شرب الماء وظهور البُرَادة على الشِّفاه وهذا وإن كان قال به السّدي وابن جريج وغيرهما فردّه قوله: "في قُلُوبِهِمُ". فصل في فاعل الإشراب قوله: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ} يدلّ على أن فاعلاً غيرهم بهم ذلك، ومعلوم أنه لا يقدر عليه سوى الله تعالى. أجاب المعتزلة بوجهين: الأول: ما أراد الله ـ تعالى ـ أن غيرهم فعل بهم ذلك، لكنهم لِفَرْطِ ولوعهم وَإِلْفِهِمْ بعبادته أشربوا قلوبهم حُبّه، فذكر ذلك على ما لم يسمّ فاعله كما يقال: فلان معجب بنفسه. والثاني: أن المراد من "أشرب" أي: زيّنه لهم، ودعاهم إليه كالسَّامري، وإبليس، وشياطين الإنس والجن. وأجابوا: بأن هذا صرف اللَّفظ عن ظاهره، وذلك لا يجوز المصير إليه إلاّ بدليل منفصل، وقد أقيمت الدلائل العقلية القَطْعية على أن محدث الأشياء هو الله ـ تعالى ـ فلا حاجة لنا إلى ترك هذا الظاهر. قوله: "بِكُفْرِهِم" فيه وجهان: أظهرهما: أن "الباء" سببية متعلّقة بـ "أُشْرِبُوا" أي: أشربوا بسبب كفرهم السَّابق. والثاني: أنها بمعنى "على" يعنون بذلك أنها للحال، وصاحبها في الحقيقة ذلك المُضَاف المحذوف أي: أشربوا حبّ عبادة العِجْلِ مختلطاً بكفرهم، والمصدر مضاف للفاعل، أي: بأن يكفروا. قوله: {قُلْ: بِئْسَمَا يَأمُرُكُمْ} كقوله: "بِئْسَمَا اشْتَرَوْا". والمعنى: فبئسما يأمركم به إيمانكم الذي زعمتم في قولكم: {أية : نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ}تفسير : [البقرة:91]. وقيل: إن هذا خطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم وأمر له بأن يوبّخهم أي: قل لهم يا محمد: بئس هذه الأشياء التي فعلتم، وأمركم بها [إيمانكم] أي: بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العِجْل وإضافة الأمر إلى إيمانهم كما قالوا لشعيب صلى الله عليه وسلم: {أية : أَصَلَوَٰتُكَ تَأْمُرُكَ}تفسير : [هود:87]. قوله: {إنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} يجوز فيها الوجهان السابقين من كونها نافيةً وشرطيةً، وجوابه محذوف تقديره: فبئسما يأمركم. وقيل: تقديره: فلا تقتلوا أنبياء الله، وَلاَ تُكَذِّبُوا الرّسل ولا تكتموا الحق؛ وأسند الإيمان إليهم تهكُّماً بهم، ولا حاجة إلى حذف صفة، أي إيمانكم الباطل، أو حذف مُضَاف، أي: صاحب إيمانكم. وقرأ الحسن: "بِهُو إيمَانُكُمْ" بضم الهاء مع الواو. فإن قيل: الإيمان عرض، ولا يصح الأمر والنهي. فالجواب: أن الدَّاعي إلى الفعل قد يشبه بالأمر كقوله: {أية : إِنَّ ٱلصَّلَٰوةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ}تفسير : [العنكبوت:45].

البقاعي

تفسير : ثم ذكر أمراً آخر هو أبين في عنادهم وأنهم إنما هم مع الهوى فقال مقبلاً على خطابهم لأنه أشد في التقريع {وإذ أخذنا} وأظهره في مظهر العظمة تصويراً لمزيد جرأتهم {ميثاقكم} على الإيمان والطاعة {ورفعنا فوقكم الطور} الجبل العظيم الذي جعلناه زاجراً لكم عن الرضى بالإقامة في حضيض الجهل ورافعاً إلى أوج العلم وقلنا لكم وهو فوقكم {خذوا ما آتيناكم} من الأصول والفروع في هذا الكتاب العظيم {بقوة}. ولما كانت فائدة السماع القبول ومن سمع فلم يقبل كان كمن لم يسمع قال {واسمعوا} وإلا دفناكم به، وذلك حيث يكفي غيركم في التأديب رفع الدرة والسوط عليه فينبعث للتعلم الذي أكثر النفوس الفاضلة تتحمل فيه المشاق الشديدة لما له من الشرف ولها به من الفخار؛ ولما ضلوا بعد هذه الآية الكبرى وشيكاً مع كونها مقتضية للثبات على الإيمان بعد أخذ الميثاق الذي لا ينقضه ذو مروءة فكان ضلالهم بعده منبئاً عن أن العناد لهم طبع لازم فكانوا كأنهم عند إعطاء العهد عاصون قال مترجماً عن أغلب أحوال أكثرهم في مجموع أزمانهم وهو ما عبر عنه في الآية السالفة بقوله: { أية : ثم توليتم } تفسير : [البقرة: 83] مؤذناً بالغضب عليهم بالإعراض عن خطابهم بعد إفحامهم بالمواجهة في تقريعهم حيث ناقضوا ما قال لهم من السماع النافع لهم فأخبروا أنهم جعلوه ضاراً {قالوا سمعنا} أي بآذاننا {وعصينا} أي وعملنا بضد ما سمعنا؛ وساقه لغرابته مساق جواب سائل كأنه قال: رفع الطور فوقهم أمر هائل جداً مقتض للمبادرة إلى إعطاء العهد ظاهراً وباطناً والثبات عليه فما فعلوا؟ فقيل: بادروا إلى خلاف ذلك {وأشربوا} فأعظم الأمر بإسناد الفعل إليهم ثم إلى قلوبهم، وهو من الإشراب وهو مداخلة نافذة سائغة كالشراب وهو الماء المداخل كلية الجسم للطافته ونفوذه - قاله الحرالي: وقال الكشاف: وخلط لون بلون {في قلوبهم العجل} أي حبه وحذفه للإيذان بشدة التمكن بحيث صار المضاف هو المضاف إليه {بكفرهم} وفيه إشارة إلى أن من أعرض عن امتثال الأمر استحق الإبعاد عن مقام الأنس. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في المفتاح الباب الثامن في وجوه بيان الإقبال والإعراض في القرآن: اعلم أن كل مربوب يخاطب بحسب ما في وسعه لقنه وينفى عنه ما ليس في وسعه لقنه فلكل سن من أسنان القلوب خطاب إقبال بحسب لقنه، وربما كان له إباء عن بعض ذلك فيقع عنه الإعراض بحسب بادي ذلك الإباء، وربما تلافته النعمة فعاد الإقبال إليه بوجه ما دون صفاء الإقبال الأول، وربما تناسقت الإقبالات مترتبة فيعلو البيان والإفهام بحسب رتبة من توجه إليه الإقبال، ويشتد الإدبار بحسب بادي الإدبار، وربما تراجع لفف البيان فيها بعضها على بعض، فخطاب الإقبال على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم إفهام في القرآن { أية : ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } تفسير : [الفرقان: 45] الآية { أية : وهو الذي جعل لكم الليل لباساً } تفسير : [الفرقان: 47] الآية: تفاوت الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين، { أية : أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما } تفسير : [الأنبياء: 30] أعرض عنهما الخطاب ونفى عنهم ما ليس في حالهم رؤيته. {خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم} خاطبهم وأمرهم، فلما عصوا أعرض وجه الخطاب عنهم ثم تلافاهم بخطاب لسان نبي الرحمة لهم، واستمر إعراضه هو تعالى عنهم في تمادي الخطاب { أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } تفسير : [الطلاق: 1] تنزل الخطاب في الرتبتين ليبين للأعلى ما يبينه للأدنى { أية : ذلك خير لكم وأطهر } تفسير : [المجادلة: 12] وهذا الباب عظيم النفع في الفهم لمن استوضح بيانه والتفاف موارده في القرآن - انتهى. والدليل الوجودي على إشرابهم حب العجل مسارعتهم إلى عبادة ما يشبهه في عدم الضر والنفع والصورة، ففي السفر الرابع من التوراة في قصة بالاق ملك الأمورانيين الذي استنجد بلعام بن بعور ما نصه: وسكن بنو إسرائيل ساطيم وبدأ الشعب أن يسفح ببنات مواب ودعين الشعب إلى ذبائح آلهتهم وأكل الشعب من ذبائحهم وسجدوا لآلهتهم وكمل بنو إسرائيل العبادة بعليون الصنم واشتد غضب الله على بني إسرائيل - انتهى. ولما بين سبحانه عظيم كفرهم وعنادهم مع وقاحتهم بادعاء الإيمان والاختصاص بالجنان أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم على وجه التهكم بهم مؤكداً لذمهم بالتعبير بما وضع لمجامع الذم فقال {قل بئسما} أي بئس شيئاً الشيء الذي {يأمركم به} من الكفر {إيمانكم} هذا الذي ادعيتموه؛ وأوضح هذا التهكم بقوله على سبيل الفرض والتشكيك {إن كنتم مؤمنين} على ما زعمتم، فحصل من هذا أنهم إما كاذبون في دعواهم، وإما أنهم أجهل الجهلة حيث عملوا ما لا يجامعه الإيمان وهم لا يعلمون. ولما نهضت الأدلة على أنه لا حظ لهم في الآخرة غير النار وذلك نقيض دعواهم أنها لهم فقط في قولهم { أية : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة } تفسير : [البقرة: 80] تفسيرهم ذلك بأنها سبعة أيام وأنا نخلفهم فيها ختم سبحانه ذلك بدليل قطعي بديهي فقال {قل إن كانت} وقدم الجار إشعاراً بالاختصاص فقال: {لكم الدار الآخرة} أي كما زعمتم، وميزها بقوله: {عند الله} الذي له الكمال كله وبين المراد بقوله {خالصة} ولما ذكر الخلوص تأكيداً للمعنى زاده تأكيداً بقوله {من دون الناس} أي سائرهم لا يشرككم فيها أحد منهم من الخلوص وهو تصفية الشيء مما يمازجه في خلقته مما هو دونه - قاله الحرالي. {فتمنوا الموت} لأن ذلك علم على صلاح حال العبد مع ربه وعمارة ما بينه وبينه ورجائه للقائه. قال الحرالي: فعلى قدر نفرة النفس من الموت يكون ضعف منال النفس مع المعرفة التي بها تأنس بربها فتتمنى لقاءه وتحبه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، يقع ذلك لعامة المؤمنين عند الكشف حال الغرغرة، ولخاصة المؤمنين في مهل الحياة لأنهم لو كشف لهم الغطاء لم يزدادوا يقيناً، فما هو للمؤمن بعد الكشف من محبة لقاء الله فهو للموقن في حياته ويقظته، لكمال الكشف له مع وجود حجاب الملك الظاهر؛ ولذلك ما مات نبي حتى يخير فيختار لقاء الله، لتكون وفادته على الله وفادة محب مبادر، ولتقاصر المؤمن عن يقين النبي يتولى الله الخيرة في لقائه، لأنه وليه، ومنه ما ورد: "ما ترددت في شيء ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته ولا بد له منه" ففي ضمن ذلك اختيار الله للمؤمن لقاءه، لأنه وليه يختار له فيما لا يصل إليه إدراكه - انتهى. ثم سجل عليهم بالكذب فقال: {إن كنتم صادقين} أي معتقدين للصدق في دعواكم خلوصها لكم، ولما كان التقدير: فقال لهم فما تمنوه؟ عطف عليه قوله - إخباراً بالغيب قطعاً للعناد مؤكداً لأن ادعاءهم الخلوص أعظم من ادعائهم الولاية كما في سورة الجمعة: {ولن يتمنوه أبداً}، ثم ذكر السبب في عدم التمني فقال: {بما قدمت} وهو من التقدمة وهي وضع الشيء قداماً وهو جهة القدم الذي هو الأمم والتجاه أي قبالة الوجه - قاله الحرالي: وعبر باليد التي بها أكثر الأفعال إشارة إلى أن أفعالهم لقباحتها كأنها خالية عن القصد فقال: {أيديهم} أي من الظلم وإلى ذلك أشار قوله: عاطفاً على ما تقديره: فالله عليم بذلك؟ {والله} الذي لا كفؤ له {عليم بالظالمين} أي كلهم حيث أظهر تنبيهاً على الوصف الموجب للحكم وتعميماً وتهديداً. ولما بين أنهم لا يتمنونه أثبت لهم ما هو فوق ذلك من تمني الضد الدال على علمهم بسوء منقلبهم فقال: {ولتجدنهم} أي بما تعلم من أحوالهم مما منه الوجدان. وهو إحساس الباطن بما هو فيه والإصابة أيضاً لما له علقة الباطن، كأنه فيه {أحرص} صيغة مبالغة من الحرص، وهو طلب الاستغراق فيما يختص فيه الحظ - قاله الحرالي: {الناس على حياة} على أي حالة كانت وهم قاطعون بأنه لا يخلو يوم منها عن كدر فإنهم يعلمون أنها وإن كانت في غاية الكدر خير لهم مما بعد الموت {ومن} أي وأحرص من {الذين أشركوا} الذين لا بعث عندهم على الحياة علماً منهم بأنهم صائرون إلى العذاب الدائم بالسيئات المحيطة والشرك. قال الحرالي: إسناد الأمر المختص بواحد إلى من ليس له معه أمر - انتهى. ثم بين مقدار ما يتمنونه فقال: {يود} من الود وهو صحة نزوع النفس للشيء المستحق نزوعها له - قاله الحرالي. {أحدهم} أي أحد من تقدم من اليهود والمشركين بجميع أصنافهم، أو من اليهود خاصة، أو من المشركين فتكون ودادة اليهود من باب الأولى. قال الحرالي: وهو نحو من خطاب القرآن لا يصل إليه إبلاغ الخلق {لو يعمر} من التعمير وهو تمادي العمر كأنه تكرار، والعمر أمد ما بين بدو الشيء وانقطاعه - قاله الحرالي. {ألف سنة} خوفاً من الموت أو ما بعده، والألف كمال العدد بكمال ثالثة رتبة؛ والسنة أمد تمام دورة الشمس وتمام ثنتي عشرة دورة القمر - قاله الحرالي. وهذا المعنى وإن كان موجوداً في الحول والعام والحجة غير أن مأخذ الاشتقاق ملاحظ في الجملة، فلبلاغة القرآن لا يطلق واحد من هذه الألفاظ إلا فيما يناسب السياق من أصل اشتقاق هذه الألفاظ، فهذا السياق لما كان المراد به ذمهم بتهالكهم على بقائهم في الدنيا على أي حالة كانت علماً منهم بأنها ولو كانت أسوأ الأحوال خير لهم مما بعد الموت لتحقق شقائهم عبر بما منه الإسنات وهو القحط وسوء الزمان. أو ما منه الدوران الذي فيه كد وتعب إن كان أصلها من سنا يسنو إذا دار حول البئر قال السهيلي في الروض: وقد تسمى السنة داراً في الخبر: إن بين آدم ونوح ألف دار - أي سنة، ثم قال: فتأمل هذا فإن العلم بتنزيل الكلام ووضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح باباً من العلم بإعجاز القرآن والله المستعان. {وما هو} أي تعميره {بمزحزحه} والزحزحة إبعاد الشيء المستثقل المترامي لما يبعد عنه - قاله الحرالي: {من العذاب} أي زحزحة مبتدأة من العذاب، وعبر بمن دون عن إعلاماً بأنهم لم يفارقوا العذاب دنيا ولا آخرة وإن لم يحسوا به في الدنيا، ثم فسر الضمير بقوله: {أن يعمر} إنما تزحزحه الطاعة المقرونة بالإيمان الصحيح الذي ليس فيه تفرقة. ولما كان التقدير: لأنهم يعملون في أعمارهم الأعمال السيئة المحيطة، عطف عليه قوله: {والله} الذي له الأمر كله {بصير بما يعملون}. ولما ذكر عداوتهم لأخص البشر واجتراءهم عليه بالتكذيب والقتل، وختم ذلك بعداوتهم لأكمل الخلق وأخصهم حسداً لنزول هذا الذكر عليه عبارة ثم إشارة بما رمزه إلى نصبهم لقتله وأنهى ذلك بأنه لا محيص لهم من العذاب، لأنه بصير بأعمالهم الموجبة له ذكر ما هو من دقيق أعمالهم في عراقتهم في الكفر بعداوتهم لخواص الملائكة الذين هم خير محض لا حامل أصلاً على بغضهم إلا الكفر، وبدىء بذكر المنزل للقرآن، لأن عداوتهم للمنزل عليه لأجل ما نزل عليه عداوة لمنزله، لأنه سبب ما كانت العداوة لأجله، فقال آمراً له صلى الله عليه وسلم إعلاماً بما أبصره من خفي مكرهم القاضي بضرهم: {قل} أو يقال - وهو أحسن وأبين وأمتن: و لما أمره صلى الله عليه وسلم بما دل على كذبهم في ادعائهم خلوص الآخرة لهم وأخبر بأنه لا بد من عذابهم أمره بدليل آخر على كلا الأمرين، فعلى تقدير كونه دليلاً على الأول يكون منسوقاً على {قل} الأولى بغير عاطف إشعار بأن كلاًّ من الدليلين كاف فيما سيق له: على تقدير كونه دليلاً على الثاني الذي خصه يكون جواباً لمن كأنه قال: لم لا يزحزحهم عن التعمير عن العذاب؟ {قل} أي لهؤلاء الذين ادعوا أن دار الملك خالصة لهم وهم يعادون خواص جنده {من} وهي اسم مبهم يشمل الذوات العاقلة آحاداً وجموعاً واستغراقاً - قاله الحرالي: {كان عدواً لجبريل} أي فإنه لا يضر إلا نفسه، لأنه لا يبلغ ضره بوجه من الوجوه ولعداوته بعداوته له لله الذي خصه بقربه واختياره لرسالته، فكفر حينئذ هذا المعادي له بجميع كتب الله ورسله؛ وجبريل قال الحرالي: يقال هو اسم عبودية، لأن إيل اسم من أسماء الله عز وجل في الملأ الأعلى وهو يد بسط لروح الله في القلوب بما يحييها الله به من روح أمره إرجاعاً إليه في هذه الدار قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض من عزرائيل عليه السلام - انتهى. ثم علل هذا الخبر المحذوف بما أرشد إليه فقال: {فإنه} أي جبريل {نزله} أي القرآن الذي كفروا به، لحسدهم للذي أنزل عليه بعد ما كانوا يستفتحون به. الآتي بما ينفعهم، الداعي إلى ما يصلحهم فيرفعهم، ولما كان المراد تحقيق أنه كلام الله وأنه أمر بإبلاغه جمع بين {قل} وبين {على قلبك} أي وهو أكمل القلوب، دون أن يقال: على قلبي - المطابق لقل؛ وأداة الاستعلاء دالة على أن المنزل تمكن في القلب فصارت مجامعه مغمورة به، فكان مظهراً له {بإذن الله} الملك الأعظم الذي له الأمر كله. فليس لأحد إنكار ما أذن فيه. والنازل به لم يتعد شيئاً مما أمر به؛ والإذن رفع المنع وإيتاء المكنة كوناً وخلقاً ما لم يمنعه حكم تصريف - قاله الحرالي: {مصدقاً لما بين يديه} من كتب الله التي أعظمها كتابهم. فكانوا أحق الناس بالإيمان به وكان جبريل عليه السلام أحق الملائكة بمحبتهم له لإنزاله، وكان كفرهم به كفراً بما عندهم، فلا وجه لعداوتهم له؛ والبين حد فاصل في حس أو معنى - قاله الحرالي: {وهدى} إلى كل خير، لأنه بيان ما وقع التكليف به من أفعال القلوب والجوارح {وبشرى} أي ببيان الثواب {للمؤمنين} أي الذين لهم الإيمان وصف لازم، فلا يفرقون بين كتب الله ولا بين رسله، بل حيثما قادهم الحق انقادوا؛ فلا يدخل في ذلك الذين آمنوا بألسنتهم { أية : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } تفسير : [البقرة: 89] ولا من علم الله منه ذلك ولو كان قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم - الله أعلم بما كانوا عاملين؛ فلو أنهم مؤمنون لما عادوا من نزل به بشرى لهم ولكنهم كفرة فهم في العذاب، والآخرة ليست لهم بل عليهم. ولما كانت عداوة واحد من الحزب لكونه من ذلك الحزب عداوة لجميع ذلك الحزب تلاه بقوله: {من كان عدواً لله} ذي الجلال والإكرام لعداوته واحداً من أوليائه لكونه من أوليائه {وملائكته} النازلين بأمره {ورسله} من البشر وغيرهم، وخص من بينهم بالذكر من حباه بالفضل فقال: {وجبريل وميكال}، فإنه قد كفر فأهلك نفسه بكفره، وعلى ذلك دل قوله: {فإن الله} الملك الأعلى: {عدو للكافرين} حيث أظهر ولم يضمر، وعبر بالوصف اللازم صرفاً للخطاب عمن يتعظ منهم فيرجع فلا تلحقه المعاداة لذلك؛ وميكال يقال هو اسم عبودية أيضاً وهو يد بسط للأرزاق المقيمة للأجسام كما أن إسرافيل يد بسط للأرواح التي بها الحياة - قاله الحرالي. ولما فرغ من ترغيبهم في القرآن بأنه من عند الله وأنه مصدق لكتابهم وفي جبريل بأنه الآتي به بإذن الله ومن ترهيبهم من عداوته أتبعه مدح هذا القرآن وأنه واضح الأمر لمريد الحق وإن كفر به منهم أو من غيرهم فاسق أي خارج عما يعرف من الحق فإنه بحيث لا يخفى على أحد فقال تعالى - عطفاً على قوله: { أية : فإنه نزله على قلبك بإذن الله } تفسير : [البقرة: 97]، أو قوله: { أية : ولقد جاءكم موسى بالبينات } تفسير : [البقرة: 92]، أو على ما تقديره: فلقد بان بهذا الذي نزله جبريل عليه السلام أن الآخرة ليست خالصة لهم وأنهم ممن أحاطت به خطيئته لكفره -: {ولقد أنزلنا} بعظمتنا في ذلك وغيره {إليك} وأنت أعظم الخلق {آيات بينات} في الدلالة على صدقك وصحة أمرك، والبينة الدلالة الفاصلة بين القصة الصادقة والكاذبة، ففسقوا بكفرهم بها {وما يكفر بها} منهم ومن غيرهم {إلا الفاسقون} الذين الفسق لهم صفة لازمة، وعن الحسن أن الفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي وقع على أعظمه من كفر وغيره وفي ذلك رجوع إلى وصف الكتاب الذي هو مقصود السورة. ولما أنكر عليهم أولاً ردهم للرسل لأمرهم بمخالفة الهوى في قوله: { أية : أفكلما جاءكم رسول } تفسير : [البقرة: 87] وأتبعه بما يلائمه إلى أن ختم بأن آيات هذا الرسول من الأمر البين الذي يشهد به كتابهم وقد أخذ عليهم العهد باتباعه كما أرشد إلى قوله تعالى: { أية : فإما يأتينكم مني هدى } تفسير : [البقرة: 38] الآية، أنكر عليهم ثانياً كفرهم بما أتى به الرسل بقوله: {أو كلما عاهدوا عهداً نبذه} أي طرحه محتقراً له {فريق منهم} أي ناس شأنهم السعي في الفرقة. ولما كان هذا متردداً بين التقليل والتكثير لتردد التنوين بين التعظيم والتحقير رد احتمال التقليل بقوله: {بل} أي وليس الفريق الكافر بالنبذ أقلهم بل {أكثرهم لا يؤمنون} حالاً ولا مآلاً.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله ‏{‏وأشربوا في قلوبهم العجل‏}‏ قال‏:‏ أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم‏.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ} توبـيخ من جهة الله تعالى وتكذيبٌ لهم في ادعائهم الإيمانَ بما أُنزلَ عليهم بتذكير جناياتِهم الناطقةِ بكَذِبهم أي واذكروا حين أخذنا ميثاقَكم {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} قائلين: {خُذُواْ مَا ءاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُواْ} أي خذوا بما أُمرتم به في التوراة واسمعوا ما فيها سمعَ طاعةٍ وقَبول {قَالُواْ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال سائلٍ كأنه قيل: فماذا قالوا؟ فقيل: قالوا: {سَمِعْنَا} قولَك {وَعَصَيْنَا} أمرَك فإذا قابل أسلافُهم مثلَ ذلك الخطابِ المؤكدِ مع مشاهدتهم مثلَ تلك المعجزةِ الباهرةِ بمثل هذه العظيمة الشنعاءِ وكفروا بما في تضاعيف التوبةِ فكيف يُتصوّر من أخلافِهم الإيمانُ بما فيها. {وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ} على حذف المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامُه للمبالغة أي تَداخَلَهم حبُّه ورسَخَ في قلوبهم صورتُه لفَرْط شغَفِهم به وحِرصِهم على عبادته كما يَتداخل الصبغ الثوبَ والشرابُ أعماقَ البدن، و(في قلوبهم) بـيانٌ لمكان الإشرابِ كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً} والجملة حالٌ من ضمير قالوا بتقدير قد {بِكُفْرِهِمْ} بسبب كفرِهم السابقِ الموجبِ لذلك، قيل: كانوا مجسِّمة أو حلولية، ولم يرَوا جسماً أعجبَ منه فتمكّن في قلوبهم ما سوَّل لهم السامريُّ {قُلْ} توبـيخاً لحاضري اليهود إثرَ ما تبـين من أحوال رؤسائِهم الذين بهم يقتدون في كل ما يأتون وما يذرون {بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَـٰنُكُمْ} بما أنزل عليكم من التوراة حسبما تدّعون، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي ما ذكر من قولهم سمعنا وعصينا وعبادتِهم العجلَ، وفي إسناد الأمرِ إلى الإيمان تهكّمٌ بهم، وإضافةُ الإيمانِ إليهم للإيذان بأنه ليس بإيمانٍ حقيقة كما يُنبىء عنه قوله تعالى: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فإنه قدْحٌ في دعواهم الإيمانَ بما أنزل عليهم من التوراة وإبطالٌ لها، وتقريرُه: إن كنتم مؤمنين بها عاملين فيما ذُكر من القول والعملِ بما فيها فبئسما يأمرُكم به إيمانُكم بها، وإذ لا يسوِّغُ الإيمانَ بها مثلُ تلك القبائحِ فلستم بمؤمنين بها قطعاً. وجوابُ الشرط كما ترى محذوفٌ لدلالة ما سبق عليه {قُلْ} كرر الأمرَ مع قرب العهد بالأمر السابق لما أنه أمرٌ بتبكيتهم وإظهارِ كذِبهم في فنٍ آخرَ من أباطيلهم لكنه لم يُحْكَ عنهم قبل الأمر بإبطاله بل اكتُفيَ بالإشارة إليه في تضاعيف الكلام حيث قيل: {إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} أي الجنةُ أو نعيمُ الدار الآخرة {عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً} أي سالمة لكم خاصة بكم كما تدّعون أنه لن يدخُلَ الجنةَ إلا من كان هوداً أو نصارىٰ، ونصبُها على الحالية من الدار وعند ظرفٌ للاستقرار في الخبر أعني لكم، وقوله تعالى: {مّن دُونِ ٱلنَّاسِ} في محل النصبِ بخالصة يقال: خلَص لي كذا من كذا، واللامُ للجنس أي الناس كافة أو للعهد أي المسلمين {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} فإن من أيقن بدخول الجنة اشتاقَ إلى التخلص إليها من دارة البوارِ وقرارة الأكدار، لا سيما إذا كانت خالصة له كما قال علي كرم الله وجهه: «لا أبالي أسقطتُ على الموت أو سقط الموتُ عليّ». وقال عمارُ بنُ ياسرٍ بصِفِّينَ: [الرجز] شعر : الآن ألقـــىٰ الأحبَّـــه محمـــداً وحــزبَـــــهْ تفسير : وقال حذيفةُ بنُ اليمانِ حين احتُضِرَ وقد كان يتمنى الموت قبلُ: شعر : [و] جاءَ حبـيبٌ على فاقةٍ فلا أفلح اليوم من قد ندِمْ تفسير : أي على التمني وقوله تعالى: {إِن كُنْتُمْ صَـٰدِقِينَ} تكريرٌ للكلام لتشديد الإلزامِ وللتنبـيه على أن ترتبَ الجوابِ ليس على تحقق الشرطِ في نفس الأمر فقط بل في اعتقادهم أيضاً وأنهم قد ادعَوا ذلك، والجوابُ محذوفٌ ثقةً بدلالة ما سبق عليه أي إن كنتم صادقين فتمنَّوْه وقوله تعالى: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} كلام مستأنفٌ غيرُ داخل تحت الأمر سيق من جهته سبحانه لبـيان ما يكون منهم من الإحجام عما دُعُوا إليه الدالِّ على كذبهم في دعواهم {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} بسبب ما عمِلوا من المعاصي الموجبةِ لدخول النار كالكفر بالنبـي عليه السلام والقرآنِ وتحريفِ التوراة. ولما كانت اليدُ من بـين جوراحِ الإنسان مناطَ عامةِ صنائِعه ومدارَ أكثرِ منافعِه عُبِّر بها تارةً عن النفس وأخرى عن القدرة {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ} أي بهم، وإيثارُ الإظهار على الإضمار لذمهم والتسجيلِ عليهم بأنهم ظالمون في جميع الأمورِ التي من جملتها ادعاءُ ما ليس لهم ونفيُه عن غيرهم. والجملةُ تذيـيل لما قبلها مقرِّرةٌ لمضمونه أي عليم بهم وبما صدر عنهم من فنون الظلمِ والمعاصي المُفْضيةِ إلى أفانينِ العذاب، وبما سيكون منهم من الاحتراز عما يؤدي إلى ذلك فوقع الأمر كما ذكر فلم يتمنَّ منهم موتَه أحدٌ، إذ لو وقع ذلك لنُقل واشتهر. وعن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو تَمَنَّوا الموتَ لغَصَّ كلُّ إنسان بريقه فمات مكانه، وما بقي يهوديٌّ على وجه الأرض«

القشيري

تفسير : كرَّرَ الإخبار عن غُلُوِّهم في حُبِّ العجل، ونُبُوِّهم عن قبول الحق، و (....) وتعريفهم معاجلتهم بالعقوبة على ما يسيئون من العمل، فلا النصحُ نَجَعَ فيهم، ولا العقوبةُ أوجبت إقلاعهم عن معاصيهم، ولا بالذم فيهم احتفلو، ولا بموجب الأمر عملوا.

اسماعيل حقي

تفسير : {وإذ أخذنا ميثاقكم} اى العهد منكم {ورفعنا فوقكم الطور} اى الجبل قائلين لكم {خذوا ما آتيناكم بقوة} اى بجد واجتهاد {واسمعوا} ما فى التوراة سماع قبول وطاعة {قالوا} كأنه قيل فماذا قالوا فقيل قالوا {سمعنا} قولك ولكن لا سماع طاعة {وعصينا} امرك ولولا مخافة الجبل ما قبلنا فى الظاهر فاذا كان حال اسلافهم هكذا فكيف يتصور من اخلافهم الايمان: قال الفردوسى شعر : زبد كوهران بدنباشد عجب سياهى نباشد بريدن زشب زبداصل جشم بهى داشتن بود خاك درديده انباشتن تفسير : {وأشربوا} اى والحال انهم قد اشربوا {فى قلوبهم} بيان لمكان الاشراب كقوله انما يأكلون فى بطونهم نارا {العجل} اى حب العجل على حذف المضاف واشرب قلبه كذا اى حل محل الشراب او اختلط كما خلط الصبغ بالثوب وحقيقة اشربه كذا جعله شاربا لذلك فالمعنى جعلوا شاربين حب العجل نافذا فيهم نفوذ الماء فيما يتغلغل فيه. قال الراغب من عاداتهم اذا ارادوا محاصرة حب او بغض فى القلب ان يستعيروا لها اسم الشراب اذ هو ابلغ مساغا فى البدن ولذلك قالت الاطباء الماء مطية الاغذية والادوية {بكفرهم} اى بسبب كفرهم السابق الموجب لذلك قيل كانوا مجسمة او حلولية ولم يروا جسما اعجب منه فتمكن فى قلوبهم ما سول لهم السامرى وجعل حلاوة عبادة العجل فى قلوبهم مجازاة لكفرهم. وفى القصص ان موسى عليه السلام لماخرج الى قومه امر ان يبرد العجل بالمبرد ثم يذرى فى النهر فلم يبق نهر يجرى يومئذ الا وقع فيه منه شىء ثم قال لهم اشربوا منه فمن بقى فى قلبه شىء من حب العجل ظهرت سحالة الذهب على شاربه {قل} توبيخا لحاضرى اليهود اثر ما بين احوال رؤسائهم الذين بهم يقتدون فى كل ما يأتون ويذرون {بئسما} بئس شيأ {يأمركم به} اى بذلك الشىء {ايمانكم} بما انزل عليكم من التوراة حسبما تدعون والمخصوص بالذم محذوف اى ما ذكر من قولهم سمعنا وعصينا وعبادتهم العجل وفى اسناد الامر الى الايمان تهكم بهم واضافة الايماء اليهم للايذان بانه ليس بايمان حقيقة كما ينبئ عنه قوله تعالى {إن كنتم مؤمنين} بالتوراة واذ لا يسوغ الايمان بها مثل تلك القبائح فلستم بمؤمنين بها قطعا فقد علم ان من ادعى انه مؤمن ينبغى ان يكون فعله مصدقا لقوله والا لم يكن مؤمنا. قال الجنيد قدس سره التوحيد الذى تفرد به الصوفية هو افراد القدم عن الحدوث والخروج عن الاوطان وقطع المحارب وترك ما علم وما جهل وان يكون الحق سبحانه مكان الجميع شعر : طالب توحيدرا بايد قدم برلازدن بعد ازان درعالم وحدت دم الا زدن تفسير : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما دخل على يعقوب النبى عليه السلام مبشر يوسف عليه السلام وبشره بحياته قال له يعقوب على اى دين تركته قال على دين الاسلام قال يعقوب عليه السلام الآن قد تمت النعمة على يعقوب. واعلم ان التوحيد اصل الاصول ومناط القبول ومكفر الخطايا ومستجلب العطايا ـ حكى ـ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب اسلام دحية الكلبى لانه كان تحت يده سبعمائة من اهل بيته وكانوا يسلمون باسلامه وكان يقول "حديث : اللهم ارزق دحية الكلبى الاسلام ". تفسير : فلما اراد دحية الاسلام حديث : اوحى الله الى النبى عليه السلام بعد صلاة الفجر ان يا محمد ان الله يقرؤك السلام ويقول ان دحية يدخل عليك الآن وكان فى قلوب الاصحاب شىء من دحية من وقت الجاهلية فلما سمعوا ذلك كرهوا ان يمكنوا دحية فيما بينهم فلما علم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كره ان يقول لهم مكنوا دحية وكره ان يدخل دحية فيوحشوه فيبرد قلبه عن الاسلام فلما دخل دحية المسجد رفع النبى صلى الله عليه وسلم رداءه عن ظهره وبسطه على الارض بين يديه فقال دحية ههنا واشار الى ردائه فبكى دحية من كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع رداء وقبله ووضعه على رأسه وعينيه وقال ما شرائط الاسلام اعرضها على فقال "ان تقول اولا لا اله الا الله محمد رسول الله" فقال دحية ذلك ثم وقع البكاء على دحية فقال عليه السلام "ما هذا البكاء وقد رزقت الاسلام" فقال انى ارتكبت خطيئة وفاحشة فقل لربك ما كفارته ان امرنى ان اقتل نفسى قتلتها وان امر ان اخرج من جميع مالى خرجت فقال عليه السلام "وما ذلك يا دحية" قال كنت رجلا من ملوك العرب واستنكفت ان تكون لى بنات لهن ازواج فقتلت سبعين من بناتى كلهن بيدى فتحير النبى عليه السلام فى ذلك حتى نزل جبريل فقال (يا محمد ان الله يقرؤك السلام ويقول قل لدحية وعزتى وجلالى انك لما قلت لا اله الا الله غفرت لك كفر ستين سنة وسيآتك ستين سنة فكيف لا اغفر لك قتل البنات) فبكى عليه السلام واصحابه فقال عليه السلام" الهى غفرت لدحية قتل بناته بشهادة ان لا اله الا الله مرة واحدة فكيف لا تغفر للمؤمنين بشهادات كثيرة وبقول صادق وبفعل خالص ". تفسير : وفى المثنوى شعر : اذكروا الله كارهر اوباش نيست ارجعى برباى هرقلاش نيست تفسير : قال السعدى: شعر : كر بمحشر خطاب قهر كند انبيارا جه جاى معذرتست برده ازروى لطف كوبردار كاشقيارا اميد مغفر تست

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إن كنتم}: شرط حذف جوابه، أي: إن كنتم مؤمنين فبئس ما يأمركم به إيمانكم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكروا أيضاً {إذ أخذنا ميثاقكم} أن تعملوا بالتوراة فأبيتم {ورفعنا فوقكم} جبل {الطور} وقلنا: {خذوا ما آتيناكم بقوة} واجتهاد {واسمعوا} ما أقول لكم فيه {قالوا} بلسان حالهم: {سمعنا} قولك {وعصينا} أمرك، حيث لم يمتثلوا، أو بلسان المقال لسوء أدبهم، {وأُشربوا في قلوبهم} حب {العجل} حتى صبغ فيها ورسخ رسوخ الصبغ في الثوب، لأنهم كانوا مُجَسِّمَةً، ولم يروا منظراً أعجب من العجل الذي صنعه السامري، {قل} لهم يا محمد: {بئسما يأمركما به إيمانكم} بالتوراة الذي ادعيتموه، {إن كنتم مؤمنين}، لكن الإيمان لا يأمر بهذا فلستم مؤمنين. الإشارة: يقول الحقّ جلّ جلاله لمن ادعى كمال الإيمان، وهو منكر على أهل الإحسان، مع إقامته على عوائد نفسه، وكونه محجوباً بشهود حسه: وإذا أخذنا ميثاقكم، بأن تجاهدوا نفوسكم، وتخرقوا عوائدكم لتدخلوا حضرة ربكم، ورفعنا فوق رؤوسكم سيوف التخويف، أو جبال التشويق، وأوضحنا لكم سواء الطريق، وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم من خرق العوائد، واكتساب الفوائد، بجد واجتهاد، فأبيتم وعزَّت عليكم نُفوسكم، وقلتم بلسان حالكم: سمعنا وعصينا، وأشربت قلوبكم حب العاجلة، وآثرتم الدنيا على الآخرة، بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين.

الطوسي

تفسير : المعنى: تقديره واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم وعهودكم بان تأخذوا ما آتيناكم من التوراة التي انزلها الله على موسى بجد واجتهاد، ومعناه اقبلوا ما سمعتم، كما قيل سمع الله لمن حمده: اي قبل الله حمده قال الراجز: شعر : بالحمد والطاعة والتسليم خير واعفى لفتى تميم تفسير : فصار تقدير الآية: {وإذ أخذنا ميثاقكم} بأن {خذوا ما آتيناكم بقوة} واعملوا بما سمعتم واطيعوا الله {ورفعنا فوقكم الطور} من اجل ذلك. وقوله: {قالوا سمعنا وعصينا} كأن الكلام خرج مخرج الخبر عن الغائب بعد أن كان الابتداء بالخطاب، لما تقدّم ذكره من ابتداء الكلام، اذ كان حكاية. والعرب تخاطب، ثم تعود بعد ذلك إلى الخبر عن الغائب، ثم تخاطب، لان قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم} بمعنى قلنا لكم، فأجبتمونا، وقوله: "سمعنا" إخبار من الله تعالى عن اليهود الذين أخذنا ميثاقهم ان يعملوا بما في التوراة، وان يطيعوا الله بما يسمعون منها انهم قالوا حين قيل لهم ذلك: سمعنا قولك، وعصينا أمرك ويحتمل ان يكون ما قالوه لكن فعلوا ما يدل على ذلك، فقام الفعل مقام القول. كما قال الشاعر: شعر : امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويداً قد ملات بطني تفسير : وقوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} فيه وجوه: احدهما ـ ما قال قتادة وابو العالية: واشربوا في قلوبهم حب العجل. يقال أشرب قلبه حبّ كذا وكذا قال زهير: شعر : فصحوت عنها بعد حبّ داخل والحبّ يثربه فؤداك داء تفسير : وقالت اعرابية: شعر : باهلي من عادى ونفسي فداؤه به هام قلبي منذ حين ولا يدري هوى اشربته النفس ايام جهلها ولحّ عليه القلب في سالف الدهر تفسير : وقال السدي: لما رجع موسى إلى قومه اخذ العجل الذي وجدهم عاكفين عليه، فذبحه ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وقع فيه شيء منه، ثم قال اشربوا فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربه الذّهب. والاول عليه اكثر محصلي المفسرين وهو الصحيح، لان الماء لا يقال فيه: أشرب منه فلان في قلبه، وانما يقال ذلك: في حب الشيء على ما بيناه، ولكن يترك ذكر الحب اكتفاء بفهم السامع، لمعنى الكلام، اذ كان معلوماً ان العجل لا يشربه القلب وان الذي اشرب منه حبّه. كما قال {واسأل القرية} وانما اراد اهلها. كما قال الشاعر: شعر : حسبت بغام راحلتي عناقاً وما هي ويب غيرك بالعناق تفسير : يريد بذلك حسبت بغام راحلتي بغام عناق. وقال طرفه بن العبد: شعر : ألا إنني سقيّت اسود حالكا ألا بجلي من الشراب ألا بجل تفسير : يريد بذلك سقيت سما اسود، فاكتفى بذكر (اسود) عن ذكر (السم) لمعرفة السامع بمعنى ما اراد بقوله سقيت اسود. وقال آخر: شعر : وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب؟ تفسير : اي كخلالة أبي مرحب وقال آخر: شعر : وشر المنايا ميتة وسط اهله تفسير : اي ميتة ميت. وقد يقول العرب: اذا سرك ان تنظر إلى السخاء، فانظر إلى هرم، أو إلى حاتم. فيجتزئون بذكر الاسم عن ذكر فعله، للعلم به. وقوله: {بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين} معناه قل يا محمد ليهود بني اسرائيل: بئس الشيء يأمركم به ايمانكم إن كان يأمركم بقتل انبياء الله ورسله والتكذيب بكتبه، وجحد ما جاء من عنده. وقال الازهري: معنى ان كنتم: اي ما كنتم مؤمنين ـ نفياً ـ والاول اجود. ومعنى ايمانهم: تصديقهم الذي زعموا انهم مصدقون، من كتاب الله اذا قيل لهم آمنوا بما انزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا. وقوله: {إن كنتم مؤمنين} أي ان كنتم مصدقين كما زعمتم، فأخبر ان تصديقهم بالتوراة، انه كان يأمرهم بذلك، فبئس الامر يأمرهم به. وانما ذلك نفي عن التوراة ان يكون يأمر بشيء بما يكرهه الله من افعالهم، واعلاماً منه ان الذي تأمرهم به اهواؤهم، وتحمل عليه عداوتهم. وهذا كما يقول الرجل: بئس الرجل انا إن رضيت بفعلك، او ساعدتك عليه. والمعنى وأشربوا في قلوبهم حب العجل بكفرهم، اي لالفهم الكفر وثبوتهم فيه، والكفر يدعو بعضه إلى بعض، ويحسّن بعضه بعضاً. وليس المعنى في قوله: {وأشربوا} ان غيرهم فعل ذلك بهم، بل هم الفاعلون له، كما يقول القائل: أنسيت ذلك من النسيان ليس يريد إلا انك فعلت. وقولهم: لقد أوتى فلان علماً جماً ـ وان كان هو المكتسب له، وإن الجنس الذين قالوا: سمعنا وعصينا غير الذين رفع عليهم الطور بأعيانهم، لكنهم كانوا على منهاجهم، وسبيلهم. فأما أولئك باعيانهم، فانهم آمنوا: إما طوعاً، واما كرهاً. والمعنى في (الباء) المتصلة بالكفر: أنهم كفروا بالله بما اشربوا من محبة العجل. وليس المعنى انهم في ذلك اشربوا حبّ العجل جزاءً على كفرهم، لأن محبة العجل كفر قبيح. والله لا يفعل الكفر في العبد، لا إبتداء، ولا مجازاة.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} قائلين على لسان موسى (ع) {خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} من قلوبكم وأبدانكم قد مضت الآية فلا نعيد تفسيرها، وكرّره لاقتضاء مقام الذّمّ تكرار الذّمائم والتّطويل بها {وَٱسْمَعُواْ} ما يقال لكم من تفضيل محمّد (ص) وعلىّ (ع) على سائر الانبياء والاوصياء او من أحكام التّوراة واقبلوه {قَالُواْ} بعد ذلك {سَمِعْنَا} ولم نقبل بل {وَعَصَيْنَا} او قالوا حين الخطاب سمعنا وأردنا العصيان او عصينا بقلوبنا {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ} ادخلوا باشرابهم الماء الّذى فيه برادة العجل فى قلوبهم اللّحمانيّة جرم العجل وفى قلوبهم الرّوحانيّة وبال عبادته، وذلك أنّه لمّا نزل توبة العابدين للعجل بالقتل انكر بعض عبادة العجل ووشى بعضهم ببعضٍ فقال الله عزّ وجلّ ابرد هذا العجل الذّهب بالحديد برداً ثمّ ذرّه فى البحر فمن شرب من العابدين ماءه اسوّد شفتاه وأنفه ان كان ابيض اللّون وابيّضا ان كان اسود وبان ذنبه، ففعل فبان العابدون وكانوا ستّمائة ألفٍ الاّ اثنى عشر ألفاً وهم الّذين لم يعبدوا العجل فأمر الله الاثنى عشر الفاً ان يخرجوا على الباقين شاهرين سيوفهم وعن الباقر (ع) فى حديثٍ: فعمد موسى (ع) فبرد العجل من انفه الى طرف ذنبه ثمّ أحرقه بالنّار فذرّه فى اليمّ فكان أحدهم ليقع فى الماء وما به اليه من حاجة فيتعرّض لذلك الرّماد فيشربه وهو قول الله تعالى {وأشربوا فى قلوبهم العجل} وعلى الخبر الاوّل فالمعنى ادخلوا باشراب موسى (ع) لهم الماء المخلوط ببرادة العجل جرم العجل فى قلوبهم الجسمانيّة ووباله فى قلوبهم الرّوحانيّة. وعلى الثّانى أدخلوا باشراب حبّ العجل لهم الماء المخلوط ببرادته جرم العجل فى قلوبهم وقيل: المعنى وأشربوا فى قلوبهم حبّ العجل {بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} قتلكم لانبياء الله واتّخاذكم العجل الهاً او كفركم بى {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} بموسى (ع) والتّوراة، ولمّا كان زعم اليهود أنّ دينهم حقٌّ وما سوى دينهم باطلٌ وأنّهم اولياء الله دون غيرهم وانّ الدّار الآخرة خالصة لهم قال الله {قُلْ} يا محمّد (ص) لهم {إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.

اطفيش

تفسير : {وَإِذ أخَذْنا ميثاقَكُم}.. إلخ: إنما ذكر مع أنه قد تقدم من مثله إذاً عليهم، أى واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم على العمل بالتوراة، ورفعنا عليكم الطور فعصيتم فعصيناكم، ومخالفتكم للتوراة كفر بها فلم يصح إيمانكم، فإنما كرر ذكر أخذ الميثاق ورفع الطور ليرد عليهم بالنقض على ادعائهم الإيمان بالتوراة لا للتأكيد، نعم يصح أن يقال كرر ذلك الرد وللتأكيد معاً. وليزيد عليه، قالوا سمعنا وعصينا وفى قوله: {أية : ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم}تفسير : إلى قوله: {وعصينا} إشارة إلى أن حالهم مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كحالهم مع موسى ـ عليه السلام ـ وهى المخالفة. {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ}: الجبل تخويفاً لكم حين أبيتم من قبولها، الواو عاطفاً لاحقاً على سابق، إذا قلنا أخذ الميثاق إنزال التوراة وخطابهم بما فيها، أو قلنا إنه قبولهم لها، وقولهم ائتنا بالكتاب الذى وعدتنا نعمل به، وسابقاً على لاحق إذا قلنا أخذ الميثاق هو إذعانهم إليها بعد رفع الطور، أو الواو للحال المحكية إذا قلنا هذا، أو للحال المقدرة إذا قلنا أخذ الميثاق هو ما تقدم قبل هذا، وكذا الكلام فيما سبق، وإذا قلنا بالحالية فقيل تقدر قد وقيل لا. قال ابن هشام: زعم البصريون أن الفعل الماضى الواقع حالا لابد معه من قد ظاهره نحو: {أية : وما لكم ألا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم}تفسير : ، أو مضمرة نحو: {أية : أنؤمن لك واتبعك الأرذلون}تفسير : ، أو {أية : جاءوكم حصرت صدورهم} تفسير : وخالفهم الكوفيون واشترطوا ذلك فى الماضى الواقع خبراً لكان كقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ لبعض أصحابه: "حديث : أليس قد صليت معنا"تفسير : وقول الشاعر: شعر : كنا حسبنا كل بيضاء شحمة تفسير : وخالفهم البصريون، وأجاز بعضهم أن زيداً لقام على إضمار قد.. انتهى. {خُذُوا}: أى قائلين حذف، أو فقلنا خذوا كما مر، وقدر بعضهم وقلنا بالواو والوجه الأول أولى، ويليه تقدير قلنا بلا واو ولا فاء على الاستئناف النحوى والبيانى، كأنه قيل مما إذا كان بعد رفع الطور، فقال قلنا: خذوا. {مَا آتَيْنَاكُم}: من التوراة أو الشرع أو ما أمرناكم به. {بقوَّة}: بعزم وجد ونشاط. {وَاسْمَعُوا}: أى اسمعوه سماع طاعة، وقبول بحيث تعملون به، ولكون السماع الذى أمروا به سماع طاعة وقبول طابق قوله جوابهم المذكور فى قوله عز وعلا: {قَالُوا سَمِعْنا}: أى سمعناه أو سمعنا قولك يا ربنا أو يا موسى، فإن ذلك على يده بآذاننا فقط لا سماع طاعة وقبول. {وَعصَيْنا}: أمرك فلا نعمل بما أمرتنا به، وذلك صريح بألسنتهم، وقيل لم يقولوه بألسنتهم، ولكن بلسان حالهم فإنهم لما سمعوه بآذانهم ولم يعملوا به صاروا كأنهم نطقوا بذلك. {وَأُشْرِبُوا}: أى أشربهم الله بمعنى الخذلان لا الخير أو الشيطان بمعنى الوسوسة والإغراء أى صيرهم شاربين. {فى قُلُوبِهِمُ العِجْلَ}: أى حب العجل حتى عبدوه، فحذف المضاف. أو حب عبادة العجل فحذف مضافان، والعجل مفعول ثان لأشربوا، والأول الواو لأنه نائب الفاعل تعدى لاثنين بالهمزة، وحب العجل ليس مشروباً ولكن شبه دخوله قلوبهم ورسوخه بدخول الصبغ الثوب، ودخول الشراب داخل البدن وامتزاجه به، وبين ذلك بقوله: {فى قلوبهم} فإن محل المحبة القلب، فهو بيان لمحل الإشراب، كما أن قوله {فى بطونهم} بيان لمحل آكل النار فى قوله: {أية : يأكلون فى بطونهم ناراً}تفسير : ، وقيل المعنى أشربوا فى قلوبهم ماء العجل، لأن موسى أمر أن يبرد العجل بالمبرد ويذر فى النار، وأمرهم أن يشربوا منه فمن بقى فى قلبه شئ من حب العجل ظهرت سحالة الذهب على شاربه، أو نبت الذهب فى شاربه، قال الحسن: ليس كلهم تاب {بِكُفْرِهِم}: بسبب كفرهم أو مع كفرهم، وكفرهم هو ما سبق من شرك أو كبيرة على اتخاذ العجل، جر إليهم اتخاذه فإن المعصية تجر الأخرى، ومن أصر عوقب بوقوعه فى ذنب آخر كما مر، ويجوز أن يكون كفرهم هو اعتقادهم أن الذى يكون إلهاً جسم، وأنه يحل فى الأماكن ولم يروا جسما حل فى موضع أعجب منهُ فاتخذوه إلهاً. {قُلْ}: يا محمد لهم. {بِئسَما يَأمُرُكُم بِهِ إِيمانُكُمْ}: بالتوراة. {إِنْ كُنتُمْ مُؤمِنِينَ}: بها كما زعمتم، أى إن لم يكن إيمانكم بها الذى تزعمون إلا هذا الذى يأمركم بعبادة العجل، فليس إيماناً هو، لأن الإيمان والتوراة لا يأمران بعبادته، ولو كان إيمان فى القلب لحجر بهم عن عبادة العجل والقبائح، وذلك فى أسلافهم، أى وكذلك أنتم لم تؤمنوا بالتوراة، لأنكم كذبتم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه، وذلك أيضاً رد عليهم فى قولهم: {أية : نؤمن بما أنزل علينا}،تفسير : فإن المؤمن الحق لا يقترف إلا ما يقتضيه إيمانه. وقوله: {إن كنتم مؤمنين} تشكيك فى إيمانهم وقدح فى ادعائهم إياه، ولما كان الإيمان بشئ سبب اقتراف ما يناسب ذلك الشئ وملزوماً له، أسند الأمر فى قوله: {يأمركم} إلى: {إيمانهم} من الإسناد إلى السبب والملزوم، وفى هذا الإسناد تهكم، لأن الإيمان بالتوراة مثلا لو صح، إنما يأمر ويدعو إلى عبادة ما هو غاية فى العلم والحكمة، وهو الله مولانا جل وعلا وتبارك وتعالى، فالإخبار بأن لهم إيماناً، أى أمرا بعبادة العجل الذى هو غاية فى الجهل وعدم الفطنة، ويضرب به المثل فى ذلك غاية التهكم والاستهزاء، وتقدم أن الإسناد فى ذلك إلى السبب الملزوم، ويحتمل أن يشبه الإيمان المنسوب إليهم بإنسان، تشبيهاً غير صريح رمزاً إليه بلازم الإنسان وهو الأمر، وفى تشبيه الإيمان إليهم تهكم أيضاً، دلالة على أن مثل اعتقادهم ونطقهم لا يليق أن يسمى إيماناً إلا بالإضافة إليهم، فإضافته إليهم مثل إضافة الرسول إلى المخاطبين فى قول فرعون: {أية : إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون}تفسير : فى مجرد التحقير والتهكم، وإسناد الأمر إلى إيمانهم كإسناده إلى الصلاة فى قول قوم شعيب: {أصلاتك تأمرك..} الآية. وقوله: {أية : وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية}تفسير : إذ حاصل المعنى أن إيمانكم ما تحصل إلا على عبادة العجل والأشياء التى تنافى الإيمان الحقيق، وما فاعل بئس نكرة موصوفة أو موصولة، والمخصوص بالذم محذوف تقديره عبادة العجل، أو ما يعلمها من سائر قبائحهم، أى بئس ما يأمركم به إيمانكم قتل الأنبياء، واتخاذ العجل، وقولكم عصينا وغير ذلك، وهذا أولى من الاقتصاد على هذه الثلاثة، أو فاعل بئس مستتر، وما تمييز مفسر له، والمخصوص محذوف وهى نكرة موصوفة بالجملة بعدها، أو تامة بمعنى شئ حقير، والجملة بعدها صفة أو صلة لمخصوص محذوف، أى بئس ما ما يأمركم بإعادة ما بمعنى لبئس شيئاً حقيراً شئ يأمركم به إيمانكم، أو بئس شيئاً الذى يأمركم به إيمانكم، أو ما معرفة تامة فاعل، والجملة صلة أو صفة لمخصوص محذوف كذلك، ونقل ابن مالك فى شرح التسهيل عن الفراء والكسائى أن ما موصولة فاعل، واستغنى بها وبصلتها عن المخصوص، وقال الفراء إنها موصولة مخصوص، والفاعل مستتر والتمييز ما أخرى محذوفة بمعنى نعم شيئاً الذى صنعته، وقيل ما كافة لبئس عن طلب الفاعل، فتصير بئس تدخل على الجملة الفعلية. وقالوا: من أراد أن يحير عدوه أو يعمى قلبه ويتعذر عنه محفوظه كتب هذه الآيات: {وإذ أخذنا ميثاقكم} إلى قوله: {مؤمنين} يوم سبت على قطعة خلق يطعمها له على الريق. وليتق الله الشديد العقاب فلا يفعل ذلك إلا لمن حل فيه بالشرع.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ} على التوراة درسا وتفهما وعملا، والحال أنا رفعنا الطور كما قال {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} يسقط عليكم إن امتنعتم من قبولها، مقولا لكم، أو قائلا لكم {خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَٰكُمْ} جعلنا آتيا إياكم {بِقُوَّةٍ} باجتهاد، وترك الكسل، والفتور، كما هو عادة المنافقين {وَاسْمَعُواْ} سماع إجابة {قَالُواْ سَمِعْنَا} قولك بآذاننا {وَعَصَيْنَا} بقولنا وجوارحنا، لا نعتقد أمرك، ولا تعمل به جوارحنا، كل ذلك باللسان، أو سمعنا بلسان النزل، وعصينا بلسان الحال، أو سمعنا قبل أحكاما، وعصينا {وَأُشْربُواْ} كل ذلك باللسان، أو سمعنا بلسان المقال، وعصينا الحال، أو سمعنا قبل أحكاما، وعصينا {وَأُشْرِبُواْ} أشربهم الشيطان بالوسوسة، أو أشربهم الله بالخذلان، أو موسى، إذ برد بالمبرد العجل وسقاهم برادته، كما يأتى إن شاء الله، جعل مخالطا كما يخالط الشراب أعماق البدن، أو كما يدخل الصبغ الثوب، وهذا على أنه من الإشراب بمعنى دخول لون على لون {فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} حب العجل، ورسخ كمارسخ الماء فى محله من العطشان، أو الصبغ فى الثوب، قيل: ولك أن تقدر حب بأن رسخت صورته وشغفوا بها، وفيه بعد، إذ لا بد من حكم يعرض على ذات، فيقدر شغف أو حب، ووجهه المبالغة، بأنه كأنه نفسه مشروب، وبأنه مثل قولك، فلان يأكل فى جيمع بطنه إذا بالغ فى الأكل، وذكر القلوب مع أن الحب لا يكون إلا فيها ليجمع بين مزيد التقدير والتأكيد، وبيان أن المشرب الحب، إذ لم يذكر، ولفائدة البيان بعد الإجمال أو بعد الإبهام، فإن محل الشرب فى المعتاد البطن، واختار الإشراب لأن الماء أبلغ مساغا فى البدن، ومطية الأغذية والأدوية. وقيل: برده موسى بالمبرد، وألقاه فى الماء، وأمرهم بشربه. فمن أحبه خرجت برادته إلى شفتيه، وهو قول بارد، وبرده ذكر القلوب أو يضعفه، وقيل: ربط إلى قلوبهم كما يشرب البعير بمعنى شد فى عنقه حبل يمسك به {بِكُفْرِهِمْ} بسبب كفرهم السابق على اتخاذ العجل كفر شرك، وهم مجسمة، يجيزون ألوهية الأجسام، أو حلولية، يجيزون حلول الله، والألوهية منه فى الأجسام زادهم الله عذابا فى الدنيا والآخرة {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَٰنُكُمْ} بالتوراة. والمخصوص بالذم عبادة العجل، تهكم عليهم بأن إيمانهم بالتوراة أمرهم بعبادة العجل، فذاك نفي للإيمان بها، لأن الإيمان يورث العلم والحكمة والفهم، والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، لا عبادة غير الله، ولا سيما أبلد الحيوان، وهو البقر، ولا سيما صغيره، أو المخصوص قتل الأنبياء ونحوه، أو قولكم عصينا، أو كل ذلك، وما ذكرته أولا أولى {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} بها، متصل بما قبله، أو إلا كنتم مؤمنين بها فاعملوا بما فيها، أو فلا تقتلوا الأنبياء، ولا تكذبوا الرسل، ولا تكتموا لحق، أو ما كنت مؤمنين إذ خالفتموهم إنكاراً أو فسقا، وإن نافية.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ} أي قلنا لهم خذوا ما أمرتكم به في التوراة بجد وعدم فتور {وَٱسْمَعُواْ} ـ أي سماع تقبل وطاعة إذ لا فائدة في الأمر بالمطلق بعد الأمر بالأخذ بقوة بخلافه على تقدير التقييد فإنه يؤكده ويقرره لاقتضائه كمال إبائهم عن قبول ما آتاهم إياه ولذا رفع الجبل عليهم، وكثيراً ما يراد من السماع القبول ومن ذلك "سمع الله لمن حمده" وقوله:شعر : دعوت الله حتى خفت أن لا يكون الله (يسمع) ما أقول تفسير : {قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} أي سمعنا قولك: (خذوا واسمعوا) وعصينا أمرك فلا نأخذ ولا نسمع سماع الطاعة، وليس هذا جواباً لـ (اسمعوا) باعتبار تضمنه أمرين لأنه يبقى (خذوا) بلا جواب، وذهب الجم إلى ذلك وأوردوا هنا سؤالاً وجواباً، حاصل الأول أن السماع في الأمر إن كان على ظاهره فقولهم سمعنا طاعة وعصينا مناقض/ وإن كان القبول فإن كان في الجواب كذلك كذب وتناقض وإلا لم يكن له تعلق بالسؤال، وزبدة الجواب أن السماع هناك مقيد والأمر مشتمل على أمرين سماع قوله وقبوله بالعمل فقالوا: نمتثل أحدهما دون الآخر، ومرجعه إلى القول بالموجب، ونظيره {أية : يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ } تفسير : [التوبة: 61] وقيل: المعنى قالوا بلسان القال سمعنا وبلسان الحال عصينا، أو سمعنا أحكاماً قبل وعصينا فنخاف أن نعصي بعد سماع قولك هذا، وقيل: (سمعنا) جواب (اسمعوا) و (عصينا) جواب (خذوا) وقال أبو منصور: إن قولهم (عصينا) ليس على أثر قولهم: (سمعنا) بل بعد زمان كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ }تفسير : [البقرة: 64] فلا حاجة إلى الدفع بما ذكر، وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى جميع ذلك بعدما سمعت كما لا يخفى. {وَأُشْرِبُواْ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ } عطف على {قَالُواْ} أو مستأنف أو حال بتقدير قد أو بدونه. والعامل (قالوا) و ـ الإشراب ـ مخالطة المائع الجامد، وتوسع فيه حتى صار في اللونين، ومنه بياض مشرب بحمرة، والكلام على حذف مضاف أي حب العجل، وجوز أن يكون العجل مجازاً عن صورته فلا يحتاج إلى الحذف، وذكر ـ القلوب ـ لبيان مكان الإشراب، وذكر المحل المتعين يفيد مبالغة في الإثبات؛ والمعنى داخلهم حب العجل ورسخ في قلوبهم صورته لفرط شغفهم به كما داخل الصبغ الثوب وأنشدوا:شعر : إذا ما القلب (أشرب) حب شيء فلا تأمل له عنه انصرافاً تفسير : وقيل: ـ أشربوا ـ من أشربت البعير إذا شددت في عنقه حبلاً كأن العجل شد في قلوبهم لشغفهم به؛ وقيل: من الشراب ومن عادتهم أنهم إذا عبروا عن مخامرة حب أو بغض استعاروا له اسم الشراب إذ هو أبلغ منساغ في البدن، ولذا قال الأطباء: الماء مطية الأغذية والأدوية ومركبها الذي تسافر به إلى أقطار البدن، وقال الشاعر:شعر : تغلغل حيث لم يبلغ (شراب) ولا حزن ولم يبلغ سرور تفسير : وقيل: من الشرب حقيقة، وذلك أن السدي نقل أن موسى عليه السلام برد العجل بالمبرد ورماه في الماء وقال لهم: اشربوا فشربوا جميعهم فمن كان يحب العجل خرجت برادته على شفتيه، ولا يخفى أن قوله تعالى: {فِى قُلُوبِهِمْ} يبعد هذا القول جداً على أن ما قص الله تعالى لنا في كتابه عما فعل موسى عليه السلام بالعجل يبعد ظاهر هذه الرواية أيضاً، وبناء ـ أشربوا ـ للمفعول يدل على أن ذلك فعل بهم ولا فاعل سواه تعالى. وقالت المعتزلة: هو على حد قول القائل ـ أنسيت كذا ـ ولم يرد أن غيره فعل ذلك به وإنما المراد نسيت وأن الفاعل من زين ذلك عندهم ودعاهم إليه كالسامري. {بِكُفْرِهِمْ} أي بسبب كفرهم لأنهم كانوا مجسمة يجوزون أن يكون جسم من الأجسام إلهاً أو حلولية يجوزون حلوله فيه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ولم يروا جسماً أعجب منه فتمكن في قلوبهم ما سول لهم، وثعبان العصا كان لا يبقى زماناً ممتداً ولا يبعد من أولئك أن يعتقدوا عجلاً صنعوه على هيئة البهائم إلهاً وإن شاهدوا ما شاهدوا من موسى عليه السلام لما ترى من عبدة الأصنام الذين كان أكثرهم أعقل من كثير من بني إسرائيل، وقيل: الباء بمعنى مع أي مصحوباً بكفرهم فيكون ذلك كفراً على كفر. {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَـٰنُكُمْ} أي بما أنزل عليكم من التوراة حسبما تدعون، وإسناد الأمر إلى الإيمان وإضافته إلى ضميرهم للتهكم كما في قوله تعالى: {أية : أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ }تفسير : [هود: 87] والمخصوص بالذم محذوف ـ أي قتل الأنبياء ـ وكذا وكذا، وجوّز أن يكون المخصوص مخصوصاً بقولهم: عصينا أمرك، وأراه على القرب بعيداً. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} قدح في دعواهم الإيمان بالتوراة وإبطال لها، وجواب الشرط ما فهم من قوله تعالى: / {أية : فَلِمَ تَقْتُلُونَ }تفسير : [البقرة: 91] إلى آخر الآيات المذكورة في ردّ دعواهم الإيمان، أو الجملة الإنشائية السابقة ـ إما بتأويل أو بلا تأويل ـ وتقرير ذلك: إن كنتم مؤمنين ما رخص لكم إيمانكم بالقبائح التي فعلكم، بل منع عنها فتناقضتم في دعواكم له فتكون باطلاً، أو: إن كنتم مؤمنين بها فبئسما أمركم به إيمانكم بها أو فقد أمركم إيمانكم بالباطل، لكن الإيمان بها لا يأمر به فإذن لستم بمؤمنين، والملازمة بين الشرط والجزاء على الأول: بالنظر إلى نفس الأمر، وإبطال الدعوى بلزوم التناقض وعلى الثاني: تكون الملازمة بالنظر إلى حالهم من تعاطي القبائح مع ادعائهم الإيمان، والمؤمن من شأنه أن لا يتعاطى إلا ما يرخصه إيمانه، وإبطال التالي بالنظر إلى نفس الأمر، ـ واستظهر بعضهم في هذا ـ ونظائره كون الجزاء معرفة السابق أي: إن كنتم مؤمنين تعرفون أنه بئس المأمور به، وقيل: (إن) نافية، وقيل: للتشكيك ـ وإليه يشير كلام «الكشاف» ـ وفيه أن المقصد إبطال دعوتهم بإبراز إيمانهم القطعي العدم منزلة ما لا قطع بعدمه للتبكيت والإلزام ـ لا للتشكيك ـ على أنه لم يعهد استعمال (إن) لتشكيك السامع ـ كما نص عليه بعض المحققين ـ وقرأ الحسن ومسلم بن جندب ـ بهو إيمانكم ـ بضم الهاء ووصلها بواو ـ.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُواْ}. قال بعض العلماء: هو من السمع بمعنى الإجابة، ومنه قولهم سمعاً وطاعة أي: إجابة وطاعة، ومنه: سمع الله لمن حمده في الصلاة أي: أجاب دعاء من حمده، ويشهد لهذا المعنى قوله: {أية : إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} تفسير : [النور: 51]، وهذا قول الجمهور، وقيل: إن المراد بقوله: {وَٱسْمَعُواْ} أي: بآذانكم، ولا تمتنعوا من أصل الاستماع. ويدل لهذا الوجه: أن بعض الكفار ربما امتنع من أصل الاستماع خوف أن يسمع كلام الأنبياء، كما في قوله تعالى عن نوح مع قومه: {أية : وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوۤاْ أَصَابِعَهُمْ فِيۤ آذَانِهِمْ وَٱسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَٱسْتَكْبَرُواْ ٱسْتِكْبَاراً} تفسير : [نوح: 7]. وقوله عن قوم نبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} تفسير : [فصلت: 26]، وقوله: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} تفسير : [الحج: 72]، وقوله: {قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}. لأن السمع الذي لا ينافي العصيان هو السمع بالآذان دون السمع بمعنى الإجابة.

الواحدي

تفسير : {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوَّة واسمعوا} مضى تفسيره، ومعنى: واسمعوا، أَيْ: [اقبلوا] ما فيه من حلاله وحرامه وأطيعوا {قالوا: سمعنا} ما فيه {وعصينا} ما أُمرنا به {وأُشربوا في قلوبهم العجل} وسُقوا حبَّ العجل وخُلطوا بحبِّ العجل حتى اختلط بهم، والمعنى: حُبَّب إليهم العجل {بكفرهم} باعتقادهم التَّشبيه، لأنَّهم طلبوا ما يُتَصَوَّرُ في أنفسهم {قل بئس ما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين} هذا تكذيبٌ لهم في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، وذلك أنَّ آباءَهم ادَّعوا الإِيمان، ثمَّ عبدوا العجل، فقيل لهم: بئس الإيمان إيمانٌ يأمركم بالكفر، والمعنى: لو كنتم مؤمنين ما عبدتم العجل، يعني: آباءهم، كذلك أنتم لو كنتم مؤمنين بما أُنزل عليكم ما كذَّبتم محمَّداً. {قل إنْ كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إنْ كنتم صادقين} كانت اليهود تقول: لن يدخل الجنَّة إلاَّ مَنْ كان هوداً، فقيل لهم: إن كنتم صادقين فتمنَّوا الموت، فإنَّ مَنْ كان لا يشكُّ في أنَّه صائر إلى الجنَّةِ، فالجنَّةُ آثرُ عنده. {ولن يتمنوه أبداً} لأنَّهم عرفوا أنَّهم كفرةٌ، ولا نصيب لهم في الجنَّة، وهو قوله تعالى: {بما قدَّمت أيديهم} أيْ: بما عملوا من كتمان أمر محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وتغيير نعته {واللَّهُ عليم بالظالمين} فيه معنى التَّهديد. {ولتجدنهم} يا محمَّدُ، يعني:علماءَ اليهود {أحرص الناس على حياةٍ} لأنَّهم علموا أنَّهم صائرون إلى النَّار إذا ماتوا؛ لما أتوا به في أمر محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {ومن الذين أشركوا} أَيْ: وأحرص من منكري البعث، ومَنْ أنكر البعث أحبَّ طول العمر؛ لأنَّه لا يرجو بعثاً، فاليهود أحرص منهم؛ لأنَّهم علموا ما جنوا فهم يخافون النَّار {يودُّ أحدهم} أَيْ: أحد اليهود {لو يعمَّرُ ألف سنة} لأنَّه يعلم أنَّ آخرته قد فَسَدَتْ عليه {وما هو} أَيْ: وما أحدهم {بمزحزحه} بِمُبْعِدِهِ من {العذاب أن يعمَّر} تعميره. {قل مَنْ كان عدواً لجبريل} سألت اليهود نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم عن مَنْ يأتيه من الملائكة؟ فقال: جبريل، فقالوا: هو عدوُّنا، ولو أتاك ميكائيل آمنَّا بك، فأنزل الله هذه الآية، والمعنى: قل مَنْ كان عدوَّاً لجبريل فليمت غيظاً {فإنه نزله} أَيْ: نزَّل القرآن {على قلبك بإذن الله} بأمر الله {مصدقاً} موافقاً لما قبله من الكتب {وهدىًَ وبشرى للمؤمنين} ردٌّ على اليهود حين قالوا: إنَّ جبريل ينزل بالحرب والشِّدَّة، فقيل: إنَّه - وإنْ كان ينزل بالحرب والشدَّة على الكافرين - فإنه ينزل بالهدى والبشرى للمؤمنين.

القطان

تفسير : واذكروا اذ أخذنا عهودكم بأن تأخذوا ما آتيناكم من التوراة بقوة، فتعملوا بما فيها من أمري، وتنتهوا عما نهيتكم عنه، لكنكم لما رأيتم ما فيها من تكاليف شاقة. استثقلتم اعباءها وارتبتم فيها. فأريناكم على صدق هذا الكتاب آيةً بالغة اذ رفعنا جبل الطور فوقكم حتى صار كأنه ظُلّة، وظننتم انه واقع بكم. عند ذاك اعلنتم الطاعة والقبول، وقلتم آمنا وسمعنا، لكن أعمالكم ظلت تكشف عن عصيانكم وتمردكم وتشير الى ان الايمان لم يخالط قلوبكم. وكيف يدخل الايمان قلوبكم. وقد شُغفت بحب المادة والذهب الممثلة في العجل الذي عبدتموه! قال يا محمد ليهود بني اسرائيل الحاضرين الذين يتبعون أسلافهم: بئس ما يأمركم به ايمانكم ان كان يأمركم بقتل الأنبياء والتكذيب بكتبه، وجحود ما جاء من عنده. ثم أمر الله نبيه الكريم ان يتحداهم في ادّعائهم صادق الإيمان، وكامل اليقين فقال: قل إن كانت.. الآيات 94ـ96

د. أسعد حومد

تفسير : {مِيثَاقَكُمْ} {ءَاتَيْنَٰكُم} {إِيمَانُكُمْ} (93) - وَحِينَما جَاءَكُمْ مُوسَى بالتَّورَاةِ، وَرَأيْتُمْ مَا فِيهَا مِنْ تَكالِيفَ، شَقَّتْ عَلَيْكُمْ، واسْتَثْقَلْتُمْ أعْبَاءَهَا، فَأَرَادَ اللهُ أنْ يُريَكُمْ آيةً عَلَى صِدْقِ التَّورَاةِ، وبُرْهَاناً عَلَى أنَّهَا كِتَابُ اللهِ، فَرَفَعَ فَوْقَكُمْ جَبَلَ الطُّورِ حَتَّى صَارَ فَوْقَكُمْ كَالمِظَلَّةِ، وَهَدَّدَكُمْ بِإسْقَاطِهِ عَلَيكُمْ إنْ لَمْ تُعْلِنُوا قَبُولَكُمْ بِالمِيثَاقِ الذِي وَاثَقَكُمُ اللهُ بِهِ، وَهُوَ ألاَّ يَأخُذَكُمْ هَوًى في الامتِثَالِ لِمَا جَاءَ فِي كِتَابِ اللهِ وألاَّ تُقَصِّرُوا فِي الأخْذِ بِمَا فِيهِ، فَقُلْتُمْ آمنَّا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا قَوْلاً، وَلكِنَّكُمْ عُدْتُمْ إلى مُخَالَفَته عَمَلاً فَكُنْتُم وَكَأَنَّكُمْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ شَعَرُوا بِحُبِّ العِجْلِ يَخْلُصُ إِلَى قُلُوبِهِمْ، وَيَنْفُذُ إليها كَمَا يَنْفُذُ المَاءُ فِيمَا يَدْخُلُ فِيهِ فَيَمْلِكُهَا عَلَيْهِمْ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ الإِيمَانَ لأَنْفُسِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَامُوا بِجَمِيعِ هذِهِ الأعْمَالِ المُنْكَرَةِ، مِنْ نَقْضِ مَوَاثِيقِ اللهِ، وَالكُفْرِ بآيَاتِهِ، وَمِنْ عَبَادَتِهِمُ العِجْلَ، وَقَتْلِهمِ الأنْبِيَاءَ؟ وَيَأَمُرُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأنْ يَقُولَ لِلْيَهُودِ تَوبِيخاً بَعْدَ أَنْ عَلِمُوا أحْوالَ أَسْلاَفِهِمْ الذِينَ يَقْتَدُونَ بِهِمْ فِي كُلِّ مَا يَأْتُونَ وَمَا يَذَرُونَ: إِنْ كُنْتُمْ مُخْلِصِينَ في إِيمَانِكُمْ بِالتَّورَاةِ، فَبِئْسَ هذَا الإِيمَانُ الذِي يَأْمُرُكُمْ بِالأَعْمَالِ التِي تَعْمَلُونَها، كَعِبَادَةِ العِجْلِ، وَقَتْلِ الأَنْبِيَاءِ، وَالإِيمَانِ بِبَعْضِ الكِتَابِ، وَتَرْكِ العَمَلِ بِبَعْضِهِ الآخَرِ. أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِم العِجْل - شَعَرُوا بِحُبِّ العِجْلِ يَخْلُصُ إلى قُلُوبِهِمْ وَيَنْفُذُ إِلَيْها كَمَا يُنْفُذُ المَاءُ فِيمَا يَدْخُلُ فِيهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن ذَكَّرهم الله سبحانه وتعالى بكفرهم بعبادتهم للعجل .. وكان هذا نوعاً من التأنيب الشديد والتذكير بالكفر .. أراد أن يؤنبهم مرة أخرى وأن يُذَكِّرهم أنهم آمنوا خوفاً من وقوع جبل الطور عليهم .. ولم يكن الجبل سيقع عليهم .. لأن الله لا يُقْهِرُ أحداً على الإيمان .. ولكنهم بمجرد أن رأوا جبل الطور فوقهم آمنوا .. مثلهم كالطفل الذي وصف له الطبيب دواء مُراً ليُشفى. ولذلك فإن رَفْعَ الله سبحانه وتعالى لجبل الطور فوقهم ليأخذوا الميثاق والمنهج .. لا يقال إنه فعل ذلك إرغاماً لكي يؤمنوا .. إنه إرغام المحب .. يريد الله من خلقه ألاَّ يعيشوا بلا منهج سماوي فرفع فوقهم جبل الطور إظهاراً لقوته وقدرته تبارك وتعالى حتى إذا استشعروا هذه القوة الهائلة وما يمكن أن تفعله لهم وبهم آمنوا .. فكأنهم حين أحسوا بقدرة الله آمنوا .. تماماً كالطفل الصغير يفتح فمه لتناول الدواء المر وهو كاره .. ولكن هل أعطيته الدواء كرهاً فيه أو أعطيته له قمة في الحب والإشفاق عليه؟ الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتهم إلى أنه لم يترك حيلة من الحيل حتى يتلقى بنو إسرائيل منهج الله الصحيح .. نقول إنه لم يترك حيلة إلا فعلها .. لكن غريزة الاستكبار والعناد منعتهم أن يستمروا على الإيمان .. تماماً كما يقال للأب إن الدواء مر لم يحقق الشفاء وطفلك مريض .. فيقول وماذا افعل أكثر من ذلك أرغمته على شرب الدواء المر ولكنه لم يشف. وقول الله تعالى: "ميثاقكم". هل الميثاق منهم أو هو ميثاق الله؟. طبعاً هو ميثاق الله .. ولكن الله جل جلاله خاطبهم بقوله: "ميثاقكم" لأنهم أصبحوا طرفاً في العقد .. وما داموا قد أصبحوا طرفاً أصبح ميثاقهم .. ولابد أن نؤمن أن رَفْعَ جبل الطور فوق اليهود لم يكن لإجبارهم لأخذ الميثاق منهم حتى لا يقال أنهم أجبروا على ذلك .. هم اتبعوا موسى قبل أن يرفع فوقهم جبل الطور .. فلابد أنهم أخذوا منهجه باختيارهم وطبقوه باختيارهم لأن الله سبحانه وتعالى لم يبق الطور مرفوعاً فوق رءوسهم أينما كانوا طوال حياتهم حتى يقال إنهم أجبروا .. فلو أنهم أجبروا لحظة وجود جبل الطور فوقهم .. فإنهم بعد أن انتهت هذه المعجزة لم يكن هناك ما يجبرهم على تطبيق المنهج .. ولكن المسألة أن الله تبارك وتعالى .. حينما يرى من عباده مخالفة فإنه قد يخيفهم .. وقد يأخذهم بالعذاب الأصغر علهم يعودون إلى إيمانهم .. وهذا يأتي من حب الله لعباده لأنه يريدهم مؤمنين.. ولكن اليهود قوم ماديون لا يؤمنون إلا بالمادة والله تبارك وتعالى أراد أن يريهم آية مادية عَلَّ قلوبهم تخشع وتعود إلى ذكر الله .. وليس في هذا إجبار لأنه كما قلنا إنه عندما انتهت المعجزة كان يمكنهم أن يعودوا إلى المعصية .. ولكنها آية تدفع إلى الإيمان .. وقوله تعالى: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} [البقرة: 93] لأن ما يؤخذ بقوة يعطى بقوة .. والأخذ بقوة يدل على عشق الآخذ للمأخوذ .. وما دام المؤمن يعشق المنهج فإنه سيؤدي مطلوباته بقوة .. فالإنسان دائماً عندما يأخذ شيئاً لا يحبه فإنه يأخذه بفتور وتهاون. قوله تعالى: {وَٱسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [البقرة: 93] .. القول هو عمل اللسان والفعل للجوارح كلها ما عدا اللسان .. هناك قول وفعل وعمل .. القول أن تنطق بلسانك والفعل أن تقوم جوارحك بالتنفيذ .. والعمل أن يطابق القول الفعل .. هم: {قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [البقرة: 93] هم سمعوا ما قاله لهم الله سبحانه وتعالى وعصوه .. ولكن (عصينا) على أي شيء معطوفة؟ .. إنها ليست معطوفة على "سمعنا" .. ولكنها معطوفة على (قالوا) .. قالوا سمعنا في القول وفي الفعل عصينا .. وليس معنى ذلك أنهم قالوا بلسانهم عصينا في الفعل .. فالمشكلة جاءت من عطف عصينا على سمعنا .. فتحسب أنهم قالوا الكلمتين .. لا .. هم قالوا سمعنا ولكنهم لم ينفذوا فلم يفعلوا والله سبحانه وتعالى يريدهم أن يسمعوا سماع طاعة لا سماع تجرد أي مجرد سماع .. ولكنهم سمعوا ولم يفعلوا شيئاً فكأن عدم فعلهم معصية. قوله تعالى: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ} [البقرة: 93]. الحق تبارك وتعالى يريد أن يصور لنا ماديتهم .. فالحب أمر معنوي وليس أمراً مادياً لأنه غير محسوس .. وكان التعبير يقتضي أن يقال وأشربوا حب العجل .. ولكن الذي يتكلم هو الله .. يريد أن يعطينا الصورة الواضحة الكاملة في أنهم أشربوا العجل ذاته أي دخل العجل إلى قلوبهم. لكن كيف يمكن أن يدخل العجل في هذا الحيز الضيق وهو القلب .. الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى الشيوع في كل شيء بكلمة أُشْرِبُوا .. لأنها وصف لشرب الماء والماء يتغلغل في كل الجسم .. والصورة تعرب عن تغلغل المادية في قلوب بني إسرائيل حتى كأن العجل دخل في قلوبهم وتغلغل كما يدخل الماء في الجسم مع أن القلب لا تدخله الماديات. ويقول الحق جل جلاله: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93] .. كأن الكفر هو الذي أسقاهم العجل .. هم كفروا أولاً .. وبكفرهم دخل العجل إلى قلوبهم وختم عليها .. وقوله تعالى: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 93] .. هم قالوا نؤمن بما أنزل علينا ولا نؤمن بما جاء بعده .. قل هل إيمانكم يأمركم بهذا؟ .. وهذا أسلوب تهكم من القرآن الكريم عليهم .. مثل قوله تعالى: {أية : أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} تفسير : [النمل: 56]. هل الطهر والطهارة مبرر لإخراج آل لوط من القرية؟ .. طبعا لا .. ولكنه أسلوب تهكم واستنكار .. والحق أن إيمانهم بهذا لا يأمرهم بهذا بل يأمرهم بالإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم .. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [الأعراف: 156-157]. هذا هو ما يأمرهم به إيمانهم .. أن يؤمنوا بالنبي الأمي محمد عليه الصلاة والسلام .. والله تبارك وتعالى يعلم ما يأمرهم به الإيمان لأنه منه جل جلاله .. ولذلك عندما يحاولون خداع الله .. يتهكم الله سبحانه وتعالى عليهم ويقول لهم: {بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 93]. وقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 93] دليل على أنهم ليسوا مؤمنين .. ولكن ما زال في قلوبهم الشرك والكفر أو العجل الذي عبدوه.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: هذه طائفة أخرى من جرائم اليهود، فقد نقضوا الميثاق حتى رفع جبلُ الطور عليهم وأمروا أن يأخذوا بما في التوراة، فأظهروا القبول والطاعة ثم عادوا إِلى الكفر والعصيان، فعبدوا العجل من دون الله، وزعموا أنهم أحباب الله، وأن الجنة خالصة لهم من دون الناس لا يدخلها أحد سواهم، وعادَوا الملائكة الأطهار وعلى رأسهم جبريل عليه السلام، وكفروا بالأنبياء والرسل، وهكذا شأنهم في سائر العصور والدهور. اللغَة: {مِيثَاقَكُمْ} الميثاق: العهد المؤكد بيمين {ٱلطُّورَ} هو الجبل الذي كلّم الله عليه موسى عليه السلام {بِقُوَّةٍ} بعزمٍ وجدّ {أُشْرِبُواْ} أُشرب: سُقي أي جعلت قلوبهم تُشربه، يقال: أُشرب قلبُه حبَّ كذا قال زهير: شعر : فصحوتُ عنْها بعد حبٍّ داخلٍ والحب تُشربُه فؤادَك داءُ تفسير : {خَالِصَةً} مصدر كالعافية والعاقبة بمعنى الخلوص أي خاصة بكم لا يشارككم فيها أحد {أَحْرَصَ} الحرص: شدة الرغبة في الشيء وفي الحديث "حديث : إحرص على ما ينفعك" تفسير : {بِمُزَحْزِحِهِ} الزحزحة: الإبعادُ والتنحية قال تعالى {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ} تفسير : [آل عمران: 185] أي أُبعد وقال الشاعر: شعر : خليليَّ ما بال الدُّجَى لا يُزَحْزحُ وما بالُ ضوء الصبح لا يتوضّح تفسير : التفسِير: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين أَخذنا عليكم العهد المؤكد على العمل بما في التوراة، ورفعنا فوقكم جبل الطور قائلين {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ} أي بعزمٍ وحزم وإلاّ طرحنا الجبل فوقكم {وَٱسْمَعُواْ} أي سماع طاعة وقبول {قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} أي سمعنا قولك، وعصينا أمرك {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ} أي خالط حبُّه قلوبهم، وتغلغل في سويدائها والمراد أن حب عبادة العجل امتزج بدمائهم ودخل في قلوبهم، كما يدخل الصبغُ في الثوب، والماء في البدن {بِكُفْرِهِمْ} أي بسبب كفرهم {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} أي قل لهم على سبيل التهكم بهم بئس هذا الإِيمان الذي يأمركم بعبادة العجل {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي إِن كنتم تزعمون الإِيمان فبئس هذا العمل والصنيع والمعنى: لستم بمؤمنين لأن الإِيمان لا يأمر بعبادة العجل {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ} أي قل لهم يا محمد إِن كانت الجنة لكم خاصة لا يشارككم في نعيمها أحد كما زعمتم {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي اشتاقوا الموت الذي يوصلكم إِلى الجنة، لأن نعيم هذه الحياة لا يساوي شيئاً إِذا قيس بنعيم الآخرة. ومن أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إِليها قال تعالى رادّاً عليهم تلك الدعوى الكاذبة {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي لن يتمنوا الموت ما عاشوا بسبب ما اجترحوه من الذنوب والآثام {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ} أي عالم بظلمهم وإِجرامهم وسيجازيهم على ذلك {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} أي ولتجدنَّ اليهود أشدّ الناس حرصاً على الحياة، وأحرص من المشركين أنفسهم، وذلك لعلمهم بأنهم صائرون إِلى النار لإِجرامهم {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} أي يتمنى الواحد منهم أن يعيش ألف سنة {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} أي وما طول العمر - مهما عمّر - بمبعده ومنجيه من عذاب الله {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي مطّلع على أعمالهم فيجازيهم عليها {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} أي قل لهم يا محمد من كان عدواً لجبريل فإِنه عدو لله، لأن الله جعله واسطة بينه وبين رسله فمن عاداه فقد عادى الله {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي فإِن جبريل الأمين نزّل هذا القرآن على قلبك يا محمد بأمر الله تعالى {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي مصدقاً لما سبقه من الكتب السماوية {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي وفيه الهداية الكاملة، والبشارة السارة للمؤمنين بجنات النعيم {مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} أي من عادى الله وملائكته ورسله، وعادى على الوجه الأخص "جبريل وميكائيل" فهو كافر عدو لله {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} لأن الله يبغض من عادى أحداً من أوليائه، ومن عاداهم عاداه الله، ففيه الوعيد والتهديد الشديد. سَبَبُ النّزول: رويحديث : أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنه ليس نبيٌّ من الأنبياء إِلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي، فمن صاحبُك حتى نتابعك؟ قال: جبريل قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال ذاك عدونا! لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك فأنزل الله {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ...} تفسير : الآية. البَلاَغَة: 1- {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ} فيه استعارة مكنية، شبّه حبَّ عبادة العجل بمشروب لذيذ سائغ الشراب، وطوى ذكر المشبه به ورمز بشيء من لوازمه وهو الإِشراب على طريق الاستعارة المكنية. قال في تلخيص البيان: "وهذه استعارة والمراد وصف قلوبهم بالمبالغة في حب العجل فكأنها تشربت حبه فمازجها ممازجة المشروب، وخالطها مخالطة الشيء الملذوذ". 2- {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} إِسناد الأمر إِلى الإِيمان تهكمٌ بهم كقوله {أية : أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ} تفسير : [هود: 87] وكذلك إِضافة الإِيمان إِليهم، أفاده الزمخشري. 3- التنكير في قوله {عَلَىٰ حَيَاةٍ} للتنبيه على أن المراد بها حياة مخصوصة، وهي الحياة المتطاولة التي يعمر فيها الشخص آلاف السنين. 4- {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} الجملة واقعة في جواب الشرط وجيء بها إسمية لزيادة التقبيح لأنها تفيد الثبات، ووضع الظاهر موضع الضمير فقال {عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} بدل عدوٌ لهم لتسجيل صفة الكفر عليهم، وأنهم بسبب عداوتهم للملائكة أصبحوا من الكافرين. 5- {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} جاء بعد ذكر الملائكة فهو من باب ذكر الخاص بعد العام للتشريف والتعظيم. الفوَائِد: الأولى: ليس معنى السمع في قوله {وَٱسْمَعُواْ} إِدراك القول فقط، بل المراد سماع ما أمروا به في النوراة سماع تدبرٍ وطاعةٍ والتزام فهو مؤكد ومقرر لقوله {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ}. الثانية: خصّ القلب بالذكر {نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف كما قال تعالى {أية : لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ} تفسير : [الحج: 46]. الثالثة: الحكمة في الإِتيان هنا بـ "لن" {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} وفي الجمعة بـ "لا" {أية : وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً} تفسير : [الآية: 7] أن ادعاءهم هنا أعظم من ادعائهم هناك، فإِنهم ادعوا هنا اختصاصهم بالجنة، وهناك كونهم أولياء لله من دون الناس، فناسب هنا التوكيد بلن المفيدة للنفي في الحاضر والمستقبل، وأما هناك فاكتفى بالنفي. الرابعة: الآية الكريمة من المعجزات لأنها إِخبار بالغيب وكان الأمر كما أخبر، ويكفي في تحقق هذه المعجزة أن لا يقع تمني الموت من اليهود الذين كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم وفي الحديث الشريف "حديث : لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار ".

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ} قالَ زَيدُ بن علي عليهما السلامُ. معناهُ سُقوا حُبَّ العِجْلِ، حتى غلبَ ذَلِكَ عليهم، وخلصَ إِلى قلوبِهِمْ.

همام الصنعاني

تفسير : 89- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قَتادة، في قوْلِهِ تعالى: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}: [الآية: 93]، قال: أُشْرِبُوا حُبَّهُ، حتّى خلص ذلكَ إلى قُلُوبِهم.