Verse. 101 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

قُلْ اِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْاٰخِرَۃُ عِنْدَ اللہِ خَالِصَۃً مِّنْ دُوْنِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ اِنْ كُنْتُمْ صٰدِقِيْنَ۝۹۴
Qul in kanat lakumu alddaru alakhiratu AAinda Allahi khalisatan min dooni alnnasi fatamannawoo almawta in kuntum sadiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «إن كانت لكم الدار الآخرة» أي الجنة «عند الله خالصة» خاصة «من دون الناس» كما زعمتم «فتمنوا الموت إن كنتم صادقين» تعلق بتمنوا الشرطان على أن الأول قيد في الثاني أي إن صدقتم في زعمكم أنها لكم ومن كانت له يؤثرها والموصل إليها الموت فتمنوه.

94

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس ويدل عليه وجوه. أحدها: أنه لا يجوز أن يقال على طريق الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح الزام الثاني عليه. وثانيها: ما حكى الله عنهم في قوله: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } تفسير : [البقرة: 111] وفي قوله: {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ }تفسير : [المائدة: 18] وفي قوله: {أية : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } تفسير : [البقرة: 80]. وثالثها: اعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقون لأن النسخ غير جائز في شرعهم، وأن سائر الفرق مبطلون، ورابعها: اعتقادهم أن انتسابهم إلى أكابر الأنبياء عليهم السلام أعني يعقوب وإسحاق وإبراهيم يخلصهم من عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه، ثم إنهم لهذه الأشياء عظموا شأن أنفسهم فكانوا يفتخرون على العرب وربما جعلوه كالحجة في أن النبي المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إن الله احتج على فساد قولهم بقوله: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ } وبيان هذه الملازمة أن نعم الدنيا قليلة حقيرة بالقياس إلى نعم الآخرة، ثم إن نعم الدنيا على قلتها كانت منغصة عليهم بسبب ظهور محمد صلى الله عليه وسلم ومنازعته معهم بالجدال والقتال، ومن كان في النعم القليلة المنغصة، ثم إن تيقن أنه بعد الموت لا بد وأن ينتقل إلى تلك النعم العظيمة فإنه لا بد وأن يكون راغباً في الموت لأن تلك النعم العظيمة مطلوبة ولا سبيل إليها إلا بالموت وما يتوقف عليه المطلوب وجب أن يكون مطلوباً فوجب أن يكون هذا الإنسان راضياً بالموت متمنياً له، فثبت أن الدار الآخرة لو كانت لهم خالصة لوجب أن يتمنوا الموت. ثم إن الله تعالى أخبر أنهم ما تمنوا الموت بل لن يتمنوه أبداً، وحينئذ يلزم قطعاً بطلان ادعائهم في قولهم إن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس. فإن قيل لا نسلم أنه لو كانت لهم الدار الآخرة خالصة لوجب أن يتمنوا الموت، قوله لأن نعيم الآخرة مطلوب ولا سبيل إليه إلا بالموت والذي يتوقف عليه المطلوب، لا بد وأن يكون مطلوباً. قلنا: قلنا الذي يتوقف عليه المطلوب يجوز أن يكون مطلوباً نظراً إلى كونه وسيلة إلى ذلك المطلوب إلا أنه يكون مكروهاً نظراً إلى ذاته والموت مما لا يحصل إلا بالآلام العظيمة وما كانوا يطيقونها فلا جرم ما تمنوا الموت. السؤال الثاني: أنه كان لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد صلى الله عليه وسلم فيقولوا: إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر فإن كان الأمر كذلك فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك، فإنا نراك ونرى أمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم بسبب الجدال والقتال وبعد الموت فإنكم تتخلصون إلى نعيم الجنة فوجب أن ترضوا بقتلكم! السؤال الثالث: لعلهم كانوا يقولون الدار الآخرة خالصة لمن كان على دينهم لكن بشرط الاحتراز عن الكبائر، فأما صاحب الكبيرة فإنه يبقى مخلداً في النار أبداً لأنهم كانوا وعيدية أو لأنهم جوزوا في صاحب الكبيرة أن يصير معذباً فلأجل هذا ما تمنوا الموت وليس لأحد أن يدفع هذا السؤال بأن مذهبهم أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة لأن كل يوم من أيام القيامة كألف سنة مما تعدون فكانت هذه الأيام وإن كانت قليلة بحسب العدد لكنها طويلة بحسب المدة فلا جرم ما تمنوا الموت بسبب هذا الخوف. السؤال الرابع: أنه عليه الصلاة والسلام نهي عن تمني الموت فقال: «حديث : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل اللهم أحيني إن كانت الحياة خيراً لي وتوفني إن كانت الوفاة خيراً لي» تفسير : وأيضاً قال الله تعالى في كتابه: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا } تفسير : [الشورى: 18] فكيف يجوز أن ينهى عن الاستعجال، ثم إنه يتحدى القوم بذلك. السؤال الخامس: أن لفظ التمني مشترك بين التمني الذي هو المعنى القائم بالقلب وبين اللفظ الدال على ذلك المعنى وهو قول القائل: ليتني مت، لليهود أن يقولوا إنك طلبت منا التمني والتمني لفظ مشترك، فإن ذكرناه باللسان فله أن يقول: ما أردت به هذا اللفظ، وإنما أردت به المعنى الذي في القلب وإن فعلنا ذلك المعنى القائم بالقلب فله أن يقول: كذبتم ما أتيتم بذلك في قلوبكم ولما علم اليهود أنه أتى بلفظة مشتركة لا يمكن الاعتراض عليها لا جرم لم يلتفتوا إليه. السؤال السادس: هب أن الدار الآخرة لو كانت لهم لوجب أن يتمنوا الموت فلم قلتم إنهم ما تمنوا الموت والاستدلال بقوله تعالى: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } ضعيف لأن الاستدلال بهذا إنما يصح لو ثبت كون القرآن حقاً، والنزاع ليس إلا فيه. الجواب: قوله (أولاً) كون الموت متضمناً للألم يكون كالصارف عن تمنيه، قلنا كما أن الألم الحاصل عند الحجامة لا يصرف عن الحجامة للعلم الحاصل بأن المنفعة الحاصلة بسبب الحجامة عظيمة وجب أن يكون الأمر ههنا كذلك. قوله ثانياً: إنهم لو قلبوا الكلام على محمد صلى الله عليه وسلم لزمه أن يرضى بالقتل، قلنا: الفرق بين محمد عليه السلام وبينهم أن محمداً كان يقول إني بعثت لتبليغ الشرائع إلى أهل التواتر، وهذا المقصود لم يحصل بعد فلأجل هذا لا أرضى بالقتل وأما أنتم فلستم كذلك فظهر الفرق، قوله ثالثاً: كانوا خائفين من عقاب الكبائر، قلنا: القوم ادعوا كون الآخرة خالصة لهم وذلك يؤمنهم من امتزاج ثوابها بالعقاب قوله رابعاً: نهى عن تمني الموت قلنا هذا النهي طريقة الشرع فيجوز أن يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الأوقات، روي أن علياً رضي الله عنه كان يطوف بين الصفين في غلالة فقال له ابنه الحسن رضي الله عنه ما هذا بزي المحاربين فقال يا بني لا يبالي أبوك أعلى الموت سقط أم عليه يسقط الموت، وقال عمار رضي الله عنه بصفين:شعر : الآن ألقي الأحبة محمداً وحزبه تفسير : وقد ظهر عن الأنبياء في كثير من الأوقات تمني الموت على أن هذا النهي مختص بسبب مخصوص فإنه عليه الصلاة والسلام حرم أن يتمنى الإنسان الموت عند الشدائد لأن ذلك كالجزع والخروج عن الرضاء بما قسم الله، فأين هذا من التمني الذي يدل على صحة النبوة. قوله خامساً: إنهم ما عرفوا أن المراد هو التمني باللسان أو بالقلب، قلنا: التمني في لغة العرب لا يعرف إلا ما يظهر (منه) كما أن الخبر لا يعرف إلا ما يظهر بالقول والذي في القلب من ذلك لا يسمى بهذا الاسم، وأيضاً فمن المحال أن يقول النبي عليه الصلاة والسلام لهم تمنوا الموت ويريد بذلك ما لا يمكن الوقوف عليه مع أن الغرض بذلك لا يتم إلا بظهوره، قوله سادساً: ما الدليل على أنه ما وجد التمني، قلنا من وجوه، أحدها: أنه لو حصل ذلك لنقل نقلاً متواتراً لأنه أمر عظيم فإن بتقدير عدمه يثبت القول بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبتقدير حصول هذا التمني يبطل القول بنبوته وما كان كذلك كان من الوقائع العظيمة، فوجب أن ينقل نقلاً متواتراً، ولما لم ينقل علمنا أنه لم يوجد، وثانيها: أنه عليه الصلاة والسلام مع تقدمه في الرأي والحزم وحسن النظر في العاقبة والوصول إلى المنصب الذي وصل إليه في الدنيا والدين والوصول إلى الرياسة العظيمة التي انقاد لها المخالف قهراً والموافق طوعاً لا يجوز وهو غير واثق من جهة ربه بالوحي النازل عليه أن يتحداهم بأمر لا يأمن عاقبة الحال فيه ولا يأمن من خصمه أن يقهره بالدليل والحجة لأن العاقل الذي لم يجرب الأمور لا يكاد يرضى بذلك فكيف الحال في أعقل العقلاء فيثبت أنه عليه الصلاة والسلام ما أقدم على تحرير هذه الأدلة إلا وقد أوحى الله تعالى إليه بأنهم لا يتمنونه. وثالثها: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار ولو خرج الذين يباهلون لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً»تفسير : ، وقال ابن عباس: لو تمنوا الموت لشرقوا به ولماتوا، وبالجملة فالأخبار الواردة في أنهم ما تمنوا بلغت مبلغ التواتر فحصلت الحجة، فهذا آخر الكلام في تقرير هذا الاستدلال، ولنرجع إلى التفسير. أما قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلأخِرَةُ } فالمراد الجنة لأنها هي المطلوبة من دار الآخرة دون النار لأنهم كانوا يزعمون أن لهم الجنة. وأما قوله تعالى: {عَندَ ٱللَّهِ } فليس المراد المكان بل المنزلة ولا العند أيضاً في حمله على المكان فلعل اليهود كانوا مشبهة فاعتقدوا العندية المكانية فأبطل الله كل ذلك بالدلالة التي ذكرها. وأما قوله تعالى: {خَالِصَةً } فنصب على الحال من الدار الآخرة، أي سالمة لكم خاصة بكم ليس لأحد سواكم فيها حق، يعني إن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى و (الناس) للجنس، وقيل: للعهد وهم المسلمون والجنس أولى لقوله إلا من كان هوداً أو نصارى ولأنه لم يوجد ههنا معهود. وأما قوله: {مّن دُونِ ٱلنَّاسِ } فالمراد به سوى لا معنى المكان كما يقول القائل لمن وهب منه ملكاً: هذا لك من دون الناس. وأما قوله تعالى: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَـٰدِقِينَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا أمر معلق على شرط مفقود وهو كونهم صادقين فلا يكون الأمر موجوداً والغرض منه التحدي وإظهار كذبهم في دعواهم. المسألة الثانية: في هذا التمني قولان، أحدهما: قول ابن عباس إنهم يتحدوا بأن يدعو الفريقان بالموت على أي فريق كان أكذب. والثاني: أن يقولوا ليتنا نموت وهذا الثاني أولى لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ. أما قوله تعالى: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ } فخبر قاطع عن أن ذلك لا يقع في المستقبل وهذا إخبار عن الغيب لأن مع توفر الدواعي على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وسهولة الإتيان بهذه الكلمة، أخبر بأنهم لا يأتون بذلك فهذا إخبار جازم عن أمر قامت الأمارات على ضده فلا يمكن الوصول إليه إلا بالوحي. وأما قوله تعالى: {أَبَدًا } فهو غيب آخر لأنه أخبر أن ذلك لا يوجد ولا في شيء من الأزمنة الآتية في المستقبل ولا شك أن الإخبار عن عدمه بالنسبة إلى عموم الأوقات فهما غيبان. وأما قوله تعالى: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } فبيان للعلة التي لها لا يتمنون (الموت) لأنهم إذا علموا سوء طريقتهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى أن لا يتمنوا الموت. وأما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ عليهم بِٱلظَّـٰلِمينَ } فهو كالزجر والتهديد لأنه إذا كان عالماً بالسر والنجوى ولم يمكن إخفاء شيء عنه صار تصور المكلف لذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي، وإنما ذكر الظالمين لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافراً فلما كان ذلك أعم كان أولى بالذكر فإن قيل: إنه تعالى قال ههنا: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } وقال في سورة الجمعة: {وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً } فلم ذكر ههنا (لن) وفي سورة الجمعة «لا» قلنا: إنهم في هذه السورة، ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس وادعوا في سورة الجمعة أنهم أولياء لله من دون الناس والله تعالى أبطل هذين الأمرين بأنه لو كان كذلك لوجب أن يتمنوا الموت والدعوى الأولى أعظم من الثانية إذ السعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب، وأما مرتبة الولاية فهي وإن كانت شريفة إلا أنها إنما تراد ليتوسل بها إلى الجنة فلما كانت الدعوة الأولى أعظم لا جرم بين تعالى فساد قولهم بلفظ: «لن» لأنه أقوى الألفاظ النافية ولما كانت الدعوى الثانية ليست في غاية العظمة لا جرم اكتفى في إبطالها بلفظ «لا» لأنه ليس في نهاية القوة في إفادة معنى النفي، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : لما ٱدّعت اليهود دعاوى باطلة حكاها الله عز وجل عنهم في كتابه؛ كقوله تعالى: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} تفسير : [البقرة: 80]، وقوله: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ}تفسير : [البقرة: 111]، وقالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة: 18] أكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال قل لهم يا محمد: {إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} يعني الجنة {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في أقوالكم؛ لأن من ٱعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحبَّ إليه من الحياة في الدنيا، لِما يصير إليه من نعيم الجنة، ويزول عنه من أذى الدنيا، فأحجموا عن تمنّي ذلك فَرَقاً من الله لقبح أعمالهم ومعرفتهم بكفرهم في قولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة: 18]، وحرِصهم على الدنيا؛ ولهذا قال تعالى مخبِراً عنهم بقوله الحق: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ} تحقيقاً لكذبهم. وأيضاً لو تمنَّوُا الموت لماتوا؛ كما روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لو أن اليهود تمنّوُا الموت لماتوا ورأوا مقامهم من النار»تفسير : . وقيل: إن الله صرفهم عن إظهار التمني، وقصرهم على الإمساك ليجعل ذلك آية لنبيّه صلى الله عليه وسلم؛ فهذه ثلاثة أوجه في تركهم التمنّي. وحكى عِكرمة عن ٱبن عباس في قوله: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} أن المراد ٱدعوا بالموت على أكذب الفريقين منا ومنكم؛ فما دعوا لعلمهم بكذبهم. فإن قيل: فالتّمني يكون باللسان تارةً وبالقلب أخرى؛ فمن أين عُلم أنهم لم يتمنّوه بقلوبهم؟ قيل له: نطق القرآن بذلك بقوله: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} ولو تمنّوْه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم ردّاً على النبي صلى الله عليه وسلم وإبطالاً لحجته؛ وهذا بَيِّن. قوله تعالى: {خَالِصَةً} نصب على خبر كان، وإن شئت كان حالاً، ويكون «عند الله» في موضع الخبر. {أَبَداً} ظرف زمان يقع على القليل والكثير؛ كالحين والوقت، وهو هنا من أوّل العمر إلى الموت. و «ما» في قوله «بما» بمعنى الذي والعائد محذوف؛ والتقدير قدّمته، وتكون مصدرية ولا تحتاج إلى عائد. و «أيديهم» في موضع رفع، حُذفت الضمة من الياء لثقلها مع الكسرة؛ وإن كانت في موضع نصب حرّكتها؛ لأن النصب خفيف، ويجوز إسكانها في الشعر. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ} ٱبتداء وخبر.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً } خاصة بكم كما قلتم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا }تفسير : [البقرة: 111] ونصبها على الحال من الدار. {مّن دُونِ ٱلنَّاسِ } سائرهم، واللام للجنس، أو المسلمين واللام للعهد {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَـٰدِقِينَ } لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها، وأحب التخلص إليها من الدار ذات الشوائب، كما قال عليّ رضي الله تعالى عنه: (لا أبالي سقطت على الموت، أو سقط الموت علي). وقال عمار رضي الله تعالى عنه بصفين: (الآن ألاقي الأحبة محمداً وحزبه). وقال حذيفة رضي الله عنه حين اختصر: (جاء حبيب على فاقة لا أفلح من ندم) أي: على التمني، سيما إذا علم أنها سالمة له لا يشاركه فيها غيره.

ابن كثير

تفسير : قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه، يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ} أي: يعلمهم بما عندهم من العلم، والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات، وقال الضحاك عن ابن عباس: فتمنوا الموت: فسلوا الموت. وقال عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة قوله: فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. قال: قال ابن عباس: لو تمنى يهود الموت، لماتوا. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عثام: سمعت الأعمش قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه، وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس، وقال ابن جرير في تفسيره: وبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً»تفسير : ، حدثنا بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه الإمام أحمد عن إسماعيل بن يزيد الرقي، حدثنا فرات عن عبد الكريم به، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله ابن بشار، حدثنا سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن، قال: قول الله: ما كانوا ليتمنوه بما قدمت أيديهم، قلت: أرأيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم: تمنوا الموت، أتراهم كانوا ميتين؟ قال: لا والله ما كانوا ليموتوا، ولو تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه، وقد قال الله ما سمعت: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ} وهذا غريب عن الحسن، ثم هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب؛ منهم أو من المسلمين، على وجه المباهلة، ونقله ابن جرير عن قتادة وأبي العالية والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمِينَ قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَـٰقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }تفسير : [الجمعة: 6 - 8] فهم، عليهم لعائن الله تعالى، لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين؛ منهم أو من المسلمين، ولما نكلوا عن ذلك، علم كل أحد أنهم ظالمون، لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه، لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا، علم كذبهم، وهذا كما دعا رسول الله وفد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة وعتوهم وعنادهم إلى المباهلة، فقال: {أية : فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ}تفسير : [آل عمران: 61] فلما رأوا ذلك، قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تطرف، فعند ذلك جنحوا للسلم، وبذلوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فضربها عليهم، وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح أميناً، ومثل هذا المعنى أو قريب منه قول الله تعالى لنبيه أن يقول للمشركين: {أية : قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً}تفسير : [مريم: 75] أي: من كان في الضلالة منا ومنكم، فزاده الله مما هو فيه، ومد له، واستدرجه، كما سيأتي تقريره في موضعه، إن شاء الله تعالى. أما من فسر الآية على معنى {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي: في دعواكم، فتمنوا الآن الموت، ولم يتعرض هؤلاء للمباهلة، كما قرره طائفة من المتكلمين وغيرهم، ومال إليه ابن جرير بعد ما قارب القول الأول، فإنه قال: القول في تأويل قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ} الآية، فهذه الآية مما احتج الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم، وذلك أن الله تعالى أمر نبيه إلى قضية عادلة فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره أن يدعو الفريق الآخر من النصارى إذ خالفوه في عيسى بن مريم عليه السلام، وجادلوه فيه إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة، فقال لفريق اليهود: إن كنتم محقين، فتمنوا الموت، فإن ذلك غير ضاركم إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة من الله لكم لكي يعطيكم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته، إن كان الأمر كما تزعمون من أن الدار الآخرة لكم خاصة دوننا، وإن لم تعطوها، علم الناس أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم، فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك؛ لعلمها أنها إن تمنت الموت، هلكت، فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق النصارى الذين جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى إذ دعوا للمباهلة من المباهلة. فهذا الكلام منه أوله حسن، وآخره فيه نظر، وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل، إذ يقال: إنه لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم، أنهم يتمنون الموت، فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يود أن يعمر ليزداد خيراً، وترتفع درجته في الجنة، كما جاء في الحديث: «حديث : خيركم من طال عمره، وحسن عمله»تفسير : ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون أيها المسلمون أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحة الموت، فكيف تلزموننا بما لا يلزمكم؟ وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأما على تفسير ابن عباس فلا يلزم عليه شيء من ذلك، بل قيل لهم كلام نصف: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من أهل الجنة، ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، فلما تيقنوا ذلك، وعرفوا صدقه، نكلوا عن المباهلة؛ لما يعلمون من كذبهم وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول صلى الله عليه وسلم ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويتحققونه، فعلم كل أحد باطلهم وخزيهم وضلالهم وعنادهم، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، وسميت هذه المباهلة تمنياً؛ لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له في بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة؛ لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت، ولهذا قال تعالى: { وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ} أي: على طول العمر؛ لما يعلمون من مآلهم السيــــىء، وعاقبتهم عند الله الخاسرة، لأن الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم، وما يحاذرون منه واقع بهم لا محالة، حتى وهم أحرص من المشركين الذين لا كتاب لهم، وهذا من باب عطف الخاص على العام، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} قال: الأعاجم، وكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه. قال: وقد اتفقا على سند تفسير الصحابي، وقال الحسن البصري: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ}. قال: المنافق أحرص الناس، وأحرص من المشرك على حياة، {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ} أي: يود أحد اليهود، كما يدل عليه نظم السياق، وقال أبو العالية: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ}، أي: أحد المجوس، وهو يرجع إلى الأول {لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ}، قال الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} قال: هو كقول الفارسي: «ده هزارسال» يقول: عشرة آلاف سنة. وكذا روي عن سعيد بن جبير نفسه أيضاً، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو حمزة، عن الأعمش عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} قال: هو قول الأعاجم: هزارسال نوروز ومهرجان. وقال مجاهد: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} قال: حببت إليهم الخطيئة طول العمر، وقال مجاهد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} أي: وما هو بمنجيه من العذاب، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثاً بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي، بما ضيع ما عنده من العلم، وقال العوفي عن ابن عباس: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} قال: هم الذين عادوا جبرائيل، قال أبو العالية وابن عمر: فما ذاك بمغيثه من العذاب، ولا منجيه منه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية: يهود أحرص على الحياة من هؤلاء، وقد ودّ هؤلاء لو يعمر أحدهم ألف سنة، وليس بمزحزحه من العذاب لو عمر؛ كما أن عمر إبليس لم ينفعه إذ كان كافراً، {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي: خبير بصير بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلأّخِرَةُ } أي الجنة {عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً } خاصة {مّن دُونِ ٱلنَّاسِ } كما زعمتم {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ } تعلق بتمنّيه الشرطان على أنّ الأوّل قيد في الثاني أي إن صدقتم في زعمكم أنها لكم ومن كانت له يؤثرها والموصل إليها الموت فتمنوه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ: إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللهِ خَالِصَةً مِّن دُون النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} يعني اليهود تزعم أن الجنة خالصة لهم من دون الناس، وفيه قولان:ـ أحدهما: من دون الناس كلهم. والثاني: من دون محمد وأصحابه الذين آمنوا به، وهذا قول ابن عباس. فقيل: {فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} لأنه من اعتقد أنه من أهل الجنة، كان الموت أحب إليه من الحياة، لما يصير إليه من نعم الجنة، ويزول عنه من أذى الدنيا، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لَو أَنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوتَ لَمَاتُوا وَرَأَوْا مَقَامَهُم مِنَ النَّارِ". تفسير : ثم قال تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوهُ أَبَدا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} تحقيقاً لكذبهم، وفي تركهم إظهار التمني قولان: أحدهما: أنهم علموا أنهم لو تمنوا الموت لماتوا، كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك لم يتمنوه وهذا قول ابن عباس. الثاني: أن الله صرفهم عن إظهار التمني، ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم. ثم قال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} يعني اليهود. {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} يعني المجوس، لأن المجوس هم الذين {يَودُّ أَحَدُهُمْ لو يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ}، كان قد بلغ من حبهم في الحياة أن جعلوا تحيتهم (عش ألف سنة) حرصاً على الحياة، فهؤلاء الذين يقولون: أن لهم الجنة خالصة أحب في الحياة من جميع الناس ومن هؤلاء. {وَمَا هُو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ} أي بمباعده من العذاب {أَن يُعْمَّرُ} لأنه لو عمَّر ما تمنى، لما دفعه طول العمر من عذاب الله على معاصيه.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِّن دُونِ النَّاسِ} كلهم، أو محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ـ رضوان الله تعالى عليهم ـ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم "حديث : لو تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار " تفسير : فلم يتمنوه علماً منهم أنهم لو تمنوه لماتوا كما قال: أو صرفوا عن إظهار تمنيه آية للرسول صلى الله عليه سلم.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس} وذلك أن اليهود ادعوا دعاوى باطلة منها قولهم: لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً وقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه فكذبهم الله وألزمهم الحجة فقال: قل يا محمد لليهود إن كانت لكم الدار الآخرة يعني الجنة خالصة لكم دون الناس {فتمنوا الموت} أي فاطلبوه واسألوه لأن من علم أن الجنة مأواه وأنها له حن إليها ولا سبيل إلى دخولها إلاّ بعد الموت فاستعجلوه بالتمني {إن كنتم صادقين} أي في قولكم ودعواكم، روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودي إلاّ مات" تفسير : قال الله تعالى: {ولن يتمنوه أبداً} أي لعلمهم أنهم في دعواهم كاذبون {بما قدمت أيديهم} يعني من الأعمال السيئة، وإنما أضاف العمل إلى اليد لأن أكثر جنايات الإنسان تكون من يده {والله عليم بالظالمين} فيه تخويف وتهديد لهم، وإنما خصهم بالظلم لأنه أعم من الكفر لأن كل كافر ظالم وليس كلّ ظالم كافراً فلهذا كان أعم وكانوا أولى به {ولتجدنهم} اللام للقسم والنون للتوكيد تقديره والله لتجدنهم يا محمد يعني اليهود {أحرص الناس على حياة} أي حياة متطاولة، والحرص أشد الطلب {ومن الذين أشركوا} قيل هو متصل بما قبله ومعطوف عليه والمعنى وأحرص من الذين أشركوا. فإن قلت: الذين أشركوا قد دخلوا تحت الناس في قوله أحرص الناس فلم أفردهم بالذكر؟ قلت: افردهم بالذكر لشدّة حرصهم وفيه توبيخ عظيم لليهود لأن الذين لا يؤمنون بالمعاد ولا يعرفون إلاّ الحياة الدنيا لا يستبعد حرصهم عليها، فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالبعث والجزاء كان حقيقاً بالتوبيخ العظيم وقيل: إن الواو واو استئناف تقديره ومن الذين أشركوا أناس {يود أحدهم} وهم المجوس سموا بذلك لأنهم يقولون: بالنور والظلمة يود أن يتمنى أحدهم {لو يعمر ألف سنة} أي تعمير ألف سنة وإنما خص الألف لأنها نهاية العقود ولأنها تحية المجوس فيما بينهم يقولون: زه هز إرسال أي عش ألف سنة أو ألف نيروز أو ألف مهرجان فهذه تحيتهم. والمعنى أن اليهود أحرص من المجوس الذين يقولون ذلك {وما هو بمزحزحه} أي بمباعده {من العذاب} أي النار {أن يعمر} أي لو عمر طول عمره لا ينقذه من العذاب {والله بصير بما يعملون} أي لا يخفى عليه خافية من أحوالهم.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ...} هذا (إما) أمر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لأن يقوله لهم، أو أمر لكل واحد من المسلمين أن يقوله لهم، لكنه لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذات ولعموم المؤمنين (بالتّبع)، وهذا قياس (شرطي استثنائي) (وفي) قوله {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} تفسير : قياس شرطي اقتراني، وفي القرآن أيضا القياس الحملي. قال الزّمخشري: سبب نزول الآية أن قوما من اليهود والنصارى قالوا: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ } تفسير : وقرره ابن عطية بأن اليهود قالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : فقال لهم الله عز وجل؛ {أية : فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : فهو أحسن لكم. قال: إن الله منعهم من التمنّي وهذا على القول بالصرفة. قال ابن عرفة: ولا يبعد إيراد الأمرين في كلام ابن عطية، ويكون على الأول خطابا لمن ليس كفره عنادا، فلا يتمنى الموت لعلمه بكذبه في مقالته، والصرفة لمن ليس كفره عنادا يريد أن يتمنى الموت فيصرفه الله عن ذلك التمني تعجيزا له. فإن قلت: هلا ترك ذكر خالصة فهو أخص وأبلغ (لتناوله) تعجيز من زعم منهم أن الدار الآخرة له ولغيره؟ فالجواب: أنه جاء على حسب الدعوى: لأنهم قالوا: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ}

ابن عادل

تفسير : وهذا نوع آخر من قبائح أفعالهم، وهو زعمهم أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون النَّاس، ويدلّ عليه أنه لا يجوز أن يقال للخصم: إن كان كذا أو كذا فافعل كذا، والأول مذهبه، ليصحّ إلزام الثاني عليه. ويدلّ على ذلك أيضاً قولهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ}تفسير : [البقرة:111] وقولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة:18] وقولهم: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}تفسير : [البقرة:80]. وأيضاً اعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقّون؛ لأن النسخ غير جائز في شرعهم، وأن سائر الفرق مبطلون، وأيضاً اعتقادهم أن أنتِسَابَهُمْ إلى أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أعني: يعقوب وإسماعيل وإسحاق وإبراهيم ـ عليهم السلام ـ يخلصهم من [عقاب] الله ـ تعالى ـ ويوصلهم إلى ثوابه، فكذّبهم الله ـ تعالى ـ وألزمهم الحُجّة، فقال: قل لهم يا محمد: إن كانت لكم الدار الآخرة يعني الجَنّة خالصة من دون النَّاس، فتمنوا الموت أي: فأريدوه واسألوه؛ لأن من علم أن الجنة مَأْواه حنّ إليها؛ لأن نعم الدنيا على قلّتها كانت منغصةً عليهم بسبب ظهور محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ ومنازعته لهم بالجِدَالِ والقتال، ومن كان في النّعم القليلة المنغصة، وهو يتيقّن بعد الموت أنه ينتقل إلى تلك النعم العظيمة، فإنه لا بد وأن يرغب في الموت. وقيل: إن الله ـ تعالى ـ صرفهم عن إظْهَار التمنِّي، وقصرهم على الإمساك ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم. وقيل: فتمنّوا الموت: ادعوا بالموت على الفِرْقَةِ الكاذبة. روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو تمنوا الموت لشرق كلّ إنسان بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودي إلاَّ مات ". تفسير : قوله: {إِنْ كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً} شرط جوابه "فَتَمَنّوا". و "الدار" اسم "كان" وهي الجنة، والأولى أن يقدّر حذف مضاف، أي: نعيم الدار الآخرة؛ لأن الدَّار الآخرة في الحقيقة هي انقضاء الدُّنيا، وهي للفريقين. واختلفوا في خير "كان" على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه "خالصة"، فيكون "عند" ظرف لـ "خالصة"، أو للاستقرار الذي "لكم" ويجوز أن تكون حالاً من "الدار"، والعامل فيه "كان"، أو الاستقرار. وأما "لكم" فيتعلق بـ "كان"؛ لأنها تعمل في الظرف وشبيهه. قال أبو البقاء رحمه الله تعالى: ويجوز أن تكون للتبيين، فيكون موضعها بعد "خالصة" أي: خالصة لكم فتتعلّق بنفس "خالصة"، وهذا فيه نظر؛ لأنه متى كانت للبيان تعلّقت بمحذوف تقديره: أعني لكم، نحو: سُقْياً لك، تقديره: أعني بهذا الدعاء لك، وقد صرح غيره في هذا الموضع بأنها للبيان، وأنها متعلّقة حينئذ بمحذوف كما تقدم، ويجوز أن يكون صفة لـ "خالصة" في الأصل قُدّمَ عليها فصار حالاً منها، فيتعلّق بمحذوف. الثاني: أن الخبر "لكم" فيتعلّق بمحذوف وينصب خالصة حينئذ على الحال، والعامل فيها إما "كان"، أو الاستقرار في "لكم"، و "عند" منصوب بالاستقرار أيضاً. الثالث: أن الخبر هو الظَّرف، و "خالصة" حال أيضاً، والعامل فيها إما "كان" أو الاستقرار، وكذلك "لكم"، وقد منع من هذا الوجه قَوْمٌ فقالوا: لا يجوز أن يكون الظرف خبراً؛ لأن هذا الكلام لا يستقل. وجوز ذلك المهدوي، وابن عطية، وأبو البقاء، واستشعر أبو البقاء هذا الإشكال، وأجاب عنه بأن قال: وسوغ أن يكون "عند" خبر "كان لكم" يعني لفظ "لكم" سوغ وقوع "عند" خبراً إذ كان فيه تخصيص وَتَبْيِينٌ، ونظيره قوله: {أية : وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص:4]، لولا "له" لم يصحّ أن يكون "كفواً" خبراً. و {مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ} في محلّ نصب بـ "خالصة"؛ لأنك تقول: خَلُصَ كذا من كذا، والمراد به سوى لا معنى المكان، كما يقول القائل لمن وهب منه ملكاً: هذا لك دون النَّاس. وقرأ الجمهور: "فتَمَنَّوُاْ المَوْتَ" بضم الواو، ويروى عن أبي عمرو فتحها تخفيفاً واختلاس الضمة، وقرأ ابن أبي إسحاق بكسرها على التقاء السَّاكنين تشبيهاً بواو {أية : لَوِ ٱسْتَطَعْنَا}تفسير : [التوبة:42] المراد بها عندية المنزلة. قال ابن الخطيب: "ولا بعد أيضاً في حمله على [المكان] فلعل اليهود كانوا مشبّهة، فاعتقدوا العِنْدِيَة المكانية". وقوله تعالى: "فتمنوا الموت" هذا أمر متعلّق على أمر مفقود، وهو كونهم صادفين، فلا يكون الأمر موجوداً، أو الغرض إظهار كذبهم في دعواهم، وفي هذا التمني قولان: أحدهما: قول ابن عباس: إنهم أمروا بأن يَدْعُوَ الفريقان بالموت على الفرقة الكاذبة. والثاني: أن يقولوا: ليتنا نموت وهذا أولى؛ لأنه أقرب إلى موافقة اللفظ. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لَوْ تَمَنَّوا المَوْتَ لَغَصَّ كُلُّ إنْسَانٍ بِرِيقِهِ وَمَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الأَرضِ يَهُودِيٌّ إلاَّ مَاتَ" تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوا المَوْتَ لماتُوا ورَأوا مَقَاعِدَهُمْ من النَّارِ وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ [رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم]، لَرَجَعُوا لاَ يَجِدُونَ أَهْلاً وَلاَ مَالاً ". تفسير : قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} كقوله: {أية : إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [البقرة:91]. فصل في سؤالات واردة السؤال الأول: لعلّهم كانوا يعلمون أن نعم الآخرة عظيمة لا سبيل إليها إلاَّ بالموت، والذي يتوقف عليه المطلوب يجب أن يكون مطلوباً لكونه وسيلةً إلى ذلك المطلوب، إلاَّ أنه يكون مكروهاً نظراً إلى ذاته، والموت مما لا يحصل إلا بالآلام العظيمة، وما كانوا يطيقونها، فلا جرم ما تمنوا الموت. السؤال الثاني: أنه كان لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد صلى الله عليه وسلم فيقولون إنّك تدَّعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر، فإنْ كان الأمر كذلك فارْض بأن نقتلك ونقتل أمتك، فإنَّا نراك ونرى أمتك في الضّر الشديد، والبلاء العظيم بسبب الجدال والقتال، وبعد الموت فإنكم تتخلّصون إلى نعيم الجنّة، فوجب أن ترضوا بقتلكم. السؤال الثالث: لعلّهم كانوا يقولون: الدار الآخرة خالصة لمن كان على دينهم، لكن بشرط الاحتراز عن الكَبَائر، فأما صاحب الكبيرة فإنه يبقى مخلداً في النار أبداً؛ لأنهم كانوا وعدوا به، أو لأنهم جوّزوا في صاحب الكبيرة أن يصير معذباً، فلأجل هذا ما تمنّوا الموت، وليس لأحد أن يدفع هذا السُّؤال بأن مذهبهم أنه لا تمسُّهم النار إلاَّ أياماً معدودة؛ لأن كلّ يوم من أيام القيامة كألف سنة، فكانت هذه الأيام، وإن كانت قليلة بحسب العدد، لكنها طويلة بحسب المدة، فلا جَرَمَ ما تمنّوا الموت بسب الخوف. السؤال الرابع: أنه ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ نهي عن تمنّي الموت فقال: "حديث : لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُم المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ وَلَكِنْ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي إِنْ كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْراً لِي وتَوَفَّنِي إِنْ كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْراً لِي"تفسير : . وأيضاً قال تعالى: في كتابه: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا}تفسير : [الشورى:18] فكيف يجوز أن ينهى عن الاستعجال، ثم إنه يتحدّى القوم بذلك؟ السؤال الخامس: أنَّ لفظ التمني بين التمنّي الذي هو المعنى القائم بالقلب، وبين اللفظ الدَّال على ذلك المعنى، وهو قول القائل: ليتني متّ، فلليهود أن يقولوا: إنك طلبت منا التمني، والتمنّي لفظ مشترك، فإن ذكرناه باللِّسان، فله أن يقول: ما أردت به هذا اللَّفظ، وإنما أردت به المعنى الذي في القَلْب، وإن فعلنا ذلك المعنى القائم بالقَلْب، فله أن يقول: كذبتم ما أتيتم بذلك في قلوبكم، ولما علم اليهود أنه أتى بلفظة مشتركة لا يمكن الاعتراض عليها لا جرم لم يلتفتوا إليه. السؤال السادس: هَبْ أن الدار الآخرة لو كانت لهم لوجب أن يتمنّوا الموت، فلم قلتم: إنهم لم يتمنوا الموت؟ والاستدلال بقوله تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} ضعيف؛ لأن الاستدلال بهذا إنما يصحّ لو ثبت كون القرآن حقًّا، والنزاع ليس إلا فيه. والجواب كون الموت متضمناً للآلام يكون كالصارف عنه تمنّيه. قلنا: كما أن الألم الحاصل عند الحِجَامَةِ لا يصرف عن الحِجَامَةِ للعلم الحاصل؛ لأن المنفعة الحاصلة عن الحِجَامة عظيمة وجب أن يكون الأمر هاهنا كذلك. وقوله: لو قلبوا الكلام على محمد لزمه أن يرضى بالقتل. قلنا: الفرق بين محمد عليه الصلاة والسلام ـ وبينهم أن محمداً كان يقول: إني [مبعوث] لتبليغ الشَّرَائع إلى أهل التَّوَاتر، وهذا المقصود لم يحصل بعد فلأجل هذا لا أرضى بالقَتْل، وأما أنتم فلستم كذلك فظهر الفرق. وقوله ثالثاً: كانوا خائفين من العقاب. قلنا: القوم ادعوا أن الآخرة خالصة لهم، وذلك يؤمنهم من الامتزاج. وقوله رابعاً: نهي عن تمني الموت. قلنا: هذا النهي طريقه الشرع، فيجوز أن يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الأوقات. فصل في بيان متى يُتمنى الموت روي أن عليًّا ـ رضي الله عنه ـ كان يطوف بين الصَّفَّيْن في [غِلالَة]، فقال له ابنه الحسن ـ رضي الله عنه ـ ما هذا بِزِيِّ المحاربين، فقال: يا بنيَّ، لا يبالي أبوك أعلى المَوْتِ سقط أم عليه[بسقط]. وقال عمار ـ رضي الله عنه ـ بـ "صفين": [الرجز] شعر : 672ـ الآنَ أُلاَقِي الأَحِبَّهْ مُحَمداً وَحِزْبَهْ تفسير : وقد ظهر عن الأنبياء في كثر من الحالات تمنّي الموت على أن هذا النهي مختصّ بسبب مخصوص، فإنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ حَرّم أن يتمنّى الإنسان الموت عند الشَّدائد؛ لأن ذلك كالجزع والخروج عن الرضا بما قسم الله ـ تعالى ـ فإين هذا مما نحن فيه؟ وقولهم خامساً: "إنهم ما عرفوا المراد التمنّي باللسان أم بالقلب؟". قلنا: التمني في لغة العرب لا يعرف إلا بما يظهر بالقول، كما أن الخبر لا يعرف إلاَّ بما يظهر بالقول، ومن المحال أن يقول عليه الصلاة والسلام: "تَمَنَّوا المَوْتَ"، ويريد بذلك [ما لا يمكن الوقوف عليه]، مع أن الغرض بذلك لا يتمّ إلاَّ بظهوره. وقوله سادساً: ما الدليل على أنه ما وجد التمنّي؟ قلنا من وجوه: أحدها: لو حصل ذلك لنقل نقلاً متواتراً؛ لأنه أمر عظيم، فإنه بتقدير عدمه يثبت القول بصحّة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبتقدير حصول هذا التمنّي يبطل القول بنبوّته، وما كان كذلك من الوقائع العظيمة، فوجب أن ينقل نقلاً متواتراً، ولما لم ينقل علمنا أنه لم يوجد. وثانيها: أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع تقدّمه في الرأي والحزم، وحسن النَّظر في العاقبة، والوصول إلى الرياسة العظيمة التي انْقَادَ لها المخالف قَهْراً والموافق طَوْعاً، لا يجوز وهو غير واثقٍ من جهة رَبّه بالوحي النازل عليه أن يتحدَّاهم بأمر لا يأمن عاقبة الحال فيه، ولا يأمن من خصمه أن يقهره بالدليل والحجّة؛ لأن العاقل الذي لم [يعرف] الأمور لم يرض بذلك، فكيف الحال في أعقل العقلاء؟ فثبت أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما أَقْدَمَ على هذه الأدلة إلا بوحي من الله ـ تعالى ـ إليه بأنهم لا يتمنونه. وثالثها: ما روى ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال: "حديث : لَوْ تَمَنَّوا المَوْتَ لَشَرِقُوا بهِ وَلَمَاتُوا"تفسير : وقد نطق القرآن بذلك في قوله: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} أي: ولو تمنّوه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم ردًّا على النبي صلى الله عليه وسلم وإبطالاً لحجّته. والحديثان المتقدّمان، وبالجملة الأخبار الواردة في أنهم ما تمنوا الموت بلغت مبلغ التواتر. قوله: "وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ" خبر قاطع عن أنّ ذلك لا يقع في المستقبل، وهذا إخبار عن الغيب؛ لأن من توفّر الدواعي على تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وسهولة الإتيان بهذه الكلمة أخبر أنهم لا يأتون بذلك، فهذا إخبار جازم عن أمر قامت الأمارات على ضدّه، فلا يمكن الوصول إليه إلا بالوحي. قوله: "أبداً" منصوب بـ "يتمنّوه"، وهو ظرف زمان يقع للقليل والكثير، ماضياً كان أو مستقبلاً. قال القرطبي: كالحين والوقت، وهو ـ هاهنا ـ من أول العمر إلى الموت تقول: ما فعلته أبداً. وقال الراغب هو عبارة عن مدّة الزمان الممتد الذي لا يتجزأ كما يتجزأ الزمان، وذلك أنه يقال: زمان كذا، ولا يقال: أبدُ كذا، وكان من حقّه على هذا أَلاَّ يثنى ولا يجمع، وقد قالوا: آباد، فجمعوه لاختلاف أنواعه. وقيل: آباد لغة مولّدة، ومجيئه بعد "لن" يدلّ على أن نفيها لا يقتضي التأبيد، وقد تقدم غير ذلك، ودعوى التأكيد فيه بعيدة. فصل في بيان أن بالآية غيبين واعلم أن هذا إخبار عن غيب آخر، لأنه أخبر أن ذلك لا يوجد في شيء من الأزمنة، ولا شك أن الإخبار عن عدمه بالنسبة إلى عموم الأوقات فهما غَيْبان، وقال هنا: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ} [البقرة:95] فنفى ـ بـ "لن"، وفي الجمعة بـ "لا" [قال صاحب "المنتخب":] وذلك لأن دعواهم ـ هنا ـ أعظم من دعواهم هناك؟ لأن السعادة القُصْوَى فوق مرتبة الولاية؛ لأن الثانية تراد لحصول الأولى، فإنهم ادعوا هنا أنَّ الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس، وادعوا في سورة "الجمعة" أنهم أولياء لله من دون النَّاس، والسعادة القصوى هي الحصول في دار الثواب؛ ومرتبة الولاية ـ وإن كانت شريفةً ـ إلا أنها لا تراد ليتوسّل بها إلى الجنة، فلما كانت الأولى أعظم لا جَرَمَ ورد النفي بـ "لن"؛ لأنه أبلغ من النفي بـ "لا". قوله: {بما قَدَّمَتْ أيديهم} بيان للعلّة التي لها لا يتمنّون؛ لأنهم إذا علموا سوء طرقهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى عدم تمنّي الموت، وهذه الجملة متعلّقة بـ "يتمنّوه"، والباء للسببية، أي: بسبب اجْتِرَاحِهِم العظائم، و "أيديهم" في محلّ رفع حذفت الضمة من الباء لثقلها مع الكسرة. و "ما" يجوز فيها ثلاثة أوجه: أظهرها: كونها موصولةً بمعنى "الذي". والثاني: نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف، أي: بما قدّمته، فالجملة لا محلّ لها على الأولى، ومحلّها الجر على الثاني. والثالث: أنها مصدرية أي: بِتَقْدِمَةِ أيديهم. ومفعول "قدمت" محذوف أي: بما قدمت أيديهم الشَّر، أو التبديل ونحوه. قوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ} ابتداء وخبر، وهذا كالزَّجْر والتهديد؛ لأنه إذا كان عالماً بالسر والنجوى لا يخفى عليه شيء صار ذلك من أعظم الصَّوَارف للمكلّف عن المعاصي، وإنما ذكر الظالمين؛ لأن كلّ كافر ظالم، وليس كلّ ظالم كافراً، فذكر الأعم؛ لأنه أولى بالذكر.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن أبي العالية قال ‏{أية : و‏قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى‏}تفسير : ‏[‏البقرة: 111‏]‏، وقالوا ‏{أية : ‏نحن أبناء الله وأحباؤه‏}‏ ‏تفسير : [‏المائدة : 18‏] فأنزل الله ‏{‏قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين‏}‏ فلم يفعلوا‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في هذه الآية قال‏:‏ قل لهم يا محمد ‏إن كانت لكم الدار الآخرة‏‏ يعني الجنة كما زعمتم ‏{‏خالصة من دون الناس‏}‏ يعني المؤمنين ‏ {‏فتمنوا الموت إن كنتم صادقين‏}‏ انها لكم خالصة من دون المؤمنين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن كنتم في مقالتكم صادقين قولوا اللهم أمتنا، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه فمات مكانه، فأبوا أن يفعلوا وكرهوا ما قال لهم، فنزل ‏{‏ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم‏}‏ يعني عملته أيديهم ‏ {‏والله عليم بالظالمين‏}‏ إنهم لن يتمنوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية‏:‏ والله لا يتمنونه أبداً ". تفسير : وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏فتمنوا الموت‏}‏ أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب فأبوا ذلك، ولو تمنوه يوم قال ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ‏{‏قل إن كانت لكم الدار الآخرة‏}‏ يعني الجنة {‏خالصة‏} خاصة ‏ {‏فتمنوا الموت‏}‏ فاسألوا الموت {‏ولن يتمنوه أبدا‏ً} لأنهم يعلمون أنهم كاذبون {‏بما قدمت‏}‏ قال‏:‏ أسلفت‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ لو تمنى اليهود الموت لماتوا‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه‏.‏ وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار ".

القشيري

تفسير : من علامات الاشتياق تمنى الموت على بساط العوافي؛ فمن وَثِقَ بأن له الجنة قطعاً - فلا محالةَ - يشتاق إليها، ولمَّا لم يتمنوا الموت - وأخبر الله سبحانه أنهم لن يتمنوهُ أبداً - صار هذا التعريف معجزةً للرسول صلوات الله عليه وعلى آله إذ كان كما قال. وفي هذا بشارة للمؤمنين الذين يشتاقون إلى الموت أنهم مغفور لهم، ولا يرزقهم الاشتياق إلا وتحقق لهم الوصول إلى الجنة، وقديماً قيل: كفى للمقصر الحياء يوم اللقاء. قال الله تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ان كانت لكم الدار الآخرة} اى الجنة {عند الله} ظرف للاستقرار فى الخبر اعنى لكم {خالصة} على الحالية من الدار اى سالمة لكم خاصة بكم {من دون الناس} فى محل النصب بخالصة اى من دون محمد واصحابه فاللام للعهد وتستعمل هذه اللفظة للاختصاص يقال هذا لى من دون الناس اى انا مختص به والمعنى ان صح قولكم لن يدخل الجنة الا من كان هودا {فتمنوا الموت} اى احبوه واسألوه بالقلب واللسان وقولوا اللهم امتنا فان من ايقن بدخول الجنة اشتاق اليها وتمنى سرعة الوصول الى النعيم والتخلص من دار البوار وقرارة الاكدار ولا سبيل الى دخولها الا بعد الموت فاستعجلوه بالتمنى {ان كنتم صادقين} فى قولكم ان الجنة خاصة لكم فتمنوه واصل التمنى تقدير شىء فى النفس واكثر ما يستعمل فيما لا حقيقة له.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {خالصة} خبر كان، و {عند} متعلق بكان على الأصح. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قل} يا محمد لبني إسرائيل الذين ادعوا أن الجنة خاصة بهم: {إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله} أي: في غيبه، {خالصة} لكم {من دون} سائر {الناس}، أو من دون المسلمين، {فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} في اختصاصكم بهم، فإن العبد إذا تحقق أنه صائر إليها اشتاق إلى الموت الذي يوصل إليها، كما قال عمار رضي الله عنه عند موته: شعر : الآنَ ألاقِي الأحِبَّهْ مُحَمَّداً وحِزْبَه تفسير : وقال حذيفة رضي الله عنه حين احتضر: (جَاءَ حَبِيبٌ عَلَى فَاقَة، لاَ أَفْلَحَ مَنْ نَدِم). أي: على التمني، أو على الدنيا. قال تعالى: {ولن يتمنوه أبداً} بسبب {ما قدمت أيديهم} من الكفر والعصيان، فما تمناه أحد منهم قط، قال ابن عباس: (لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار). وقال في الأحياء: (دعا - عليه الصلاة والسلام - اليهود إلى تمني الموت، وأخبرهم بأنهم لا يتمنونه، فحيل بينهم وبين النطق بذلك). وذكر غيره: أن بعضهم تمناه، فما جاءت العشاء حتى أخذته الذّبحة في حلقه فمات. {والله عليم بالظالمين}، فيه تهديد لهم وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم، ونفيه عمن هو لهم. الإشارة: في هذه الآية ميزان صحيح توزن به الأعمال والأحوال ويتميز به المدعون من الأبطال، فكل عمل يهدمه الموت فهو مدخول، وكل حال يهزمه الموت فهو معلول، وكل من فرّ من الموت، فهو في دعواه المحبة كذاب، فمن ادعى الخصوصية على الناس يختبر بهذه الآية. والناس في حب البقاء في الدنيا على أربعة أقسام: رجل أحب البقاء في الدنيا لاغتنام لَذَّاته ونيل شهواته، قد طرح أخراه، وأكبَّ على دنياه، واتخذ إلهه هواه، فأصمه ذلك وأعماه، إن ذُكر له الموت فرّ عنه وشرد، وإن وعِظَ أنِف وعَنَدَ، عمره ينقص، وحرصه يزيد، وجسمه يبلى، وأمله جديد، وحتفه قريب، ومطلبه بعيد، فهذا إن لم تكن له عناية أزلية، وسابقة أولية فيمسك عليه الإيمان، ويختم له بالإسلام، وإلا فقد هلك. ورجل قد أزيل عن عينه قذاها، وأبصر نفسه وهواها، وزجرها ونهاها، قد شمر ليتلافى ما فات، ونظر فيما هو آت، وتأهب لحلول الممات، والانتقال إلى محلة الأموات، ومع هذا فإنه يكره الموت أن يشاهد وقائعه، أو يرى طلائعه، وليس يكره الموت لذاته، ولا لأنه هَادِمْ لَذَّاتِهِ، لكنه يخاف أن يقطعه عن الاستعداد ليوم المعاد، ويكره أن تطوى صحيفةِ عَمَلِهِ قبل بلوغ أمله، وأن يبادر بأجله قبل صلاح خلله، فهو يريد البقاء في هذه الدار لقضاء هذه الأوطار، فهذا ما أفضل حياته: وأطيب مماته! لا يدخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ كره اللّهُ لِقَاءَه ". تفسير : ورجل آخر قد عرف الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وشهد ما شهد من كمال الربوبية، وجمال حضرة الألوهية، فملأت عينه وقلبه، وأطاشت عقله ولبّه، فهو يحن إلى ذلك المشهد، ويستعجل إنجاز ذلك الموعد، قد علم أن الحياة الدنيوية حجابٌ بينه وبين محبوبة، وسترٌ مُسدل بينه وبين مطلوبه، فهذا من المحبين العشاق، قد حنّ إلى الوصال والتلاق، أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، فما أحسن حياته ولقاءه! ورجل آخر قد شهد ما شاهد ذلك، وربما زاد على ما هنالك، لكنه فوّض الأمر إلى خالقه، وسلّم الأمر لبارئه، فلم يرض إلا ما رضي له، ولم يرد إلا ما أريد به، وما اختار إلا ما حكم به فيه، إن أبقاه في هذه الدار أبقاه، وإن أخذه فهو بغيته ومناه، فهذا من العارفين المقربين. جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه. آمين.

الطوسي

تفسير : هذه الآية مما احتج الله بتأويلها لنبيه (صلى الله عليه وسلم) على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، وفضح بها احبارهم وعلماءهم، لانه دعاهم إلى قضية عادلة بينه وبينهم، كما كان من الخلف الواقع بينهم. فقال لفريق من اليهود: ان كنتم صادقين ان الجنة خالصة لكم دون الناس كلهم، او دون محمد واصحابه الذين آمنوا به فتمنوا الموت، لان من اعتقد انه من أهل الجنة قطعاً، كان الموت أحب اليه من حياة الدنيا التي فيها النغص، وانواع الآلام، والمشاق، ومفارقتها إلى نعيم خالص يتخلص به من اذى الدنيا. وقوله: {فتمنوا الموت} ـ وان كان صورته صورة الامر ـ المراد به التوبيخ، والزام الحجة. وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: حديث : لو ان اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النارتفسير : فقال الله تعالى لهم {ولن يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم} تحقيقاً لكذبهم، فقطع على انهم لا يظهرون التمني وفي ذلك اعظم الدلالة على صدقه، لانه اخبر بشيء قبل كونه، فكان كما اخبر، لانه لا خلاف انهم لم يتمنوا. وقيل انهم ما تمنوا، لانهم علموا انهم لو تمنوا الموت، لماتوا ـ كما قاله ـ فلذلك لم يتمنوه. وهذا قول ابن عباس. وقال غيره: إن الله صرفهم عن اظهار التمني، ليجعل ذلك آية لنبيه (صلى الله عليه وسلم). أما التمني فهو قول لما كان: ليته لم يكن، ولما لم يكن ليته كان. وقال قوم: هو معنى في القلب. غير انه لا خلاف انه ليس من قبل الشهوة. فمن قال من المفسرين: انه أراد فتشهوا، فقد اخطأ. قد روي عن ابن عباس انه قال: فاسألوا الموت. وهذا بعيد، لان التمني بمعنى السؤال لا يعرف في اللغة. فان قيل: من اين انهم ما تمنوه بقلوبهم عند من قال: انه معنى في القلب؟ قلنا: لو تمنوه بقلوبهم لأظهروه بألسنتهم حرصاً منهم على تكذيبه في إخباره، وجهداً في اطفاء امره. وهذه القصة شبيهة بقصة المباهلة، وان النبي (صلى الله عليه وسلم) لما دعا النصارى إلى المباهلة امتنعوا لقلة ثقتهم بما هم عليه، وخوفهم من صدق النبي (صلى الله عليه وسلم). ومعنى {خالصة}: صافية. يقال خلص لي هذا الامر: اي صار لي وحدي، وصفا لي يخلص خلوصاً وخالصة. والخالصة: مصدر كالعاقبة يقال للرجل هذا خلصاني: اي خالصتي ـ من دون اصحابي.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} يا محمّد (ص) لهم {إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فى دعويكم فانّ من كان وليّاً لله يطلب ملاقاته ومن كان متيقّناً بالآخرة ونعيمها يستعجل الوصول اليها نظيره قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوۤاْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [الجمعة: 6] وفى تفسير الامام (ع) {قل ان كانت لكم الدّار الآخرة} الجنّة ونعيمها {خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ} محمّد (ص) وعلىّ (ع) والائمّة (ع) وسائر الاصحاب ومؤمنى الامّة وانّكم بمحمّدٍ وذريّته ممتحنون وانّ دعاءكم مستجاب غير مردود {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} للكاذب منكم ومن مخالفيكم فانّ محمّداً (ص) وعليّاً (ع) وذرّيّتهما يقولون: انّهم اولياء الله من دون النّاس الّذين يخالفونهم فى دينهم وهم المجاب دعاءهم {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} انّكم انتم المحقّون المجاب دعاءكم على مخالفيكم ثمّ قال لهم رسول الله (ص) بعد ما عرض هذا عليهم لا يقولها أحد منكم الاّ غصّ بريقه فمات مكانه فكانت اليهود علماء بأنّهم الكاذبون وانّ محمّداً (ص) وعليّاً (ع) ومصدّقيهما هم الصّادقون فلم يجسروا ان يدعوا بذلك فقال الله {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}.

اطفيش

تفسير : {قُلْ}: لهم يا محمد. {إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ}: وهى الجنة. {عِنْدَ اللهِ}: أى فى قضاء الله وحكمه أو التى هى غائبة عنا موجودة عند الله، أو ستوجد. {خَالِصَةً}: لم يشارككم أحد فيها، ولكم خبر كان، وخالصة حال من الضمير المستتر فى لكم أو من الدار، أو خبر كان، ولكم متعلق بكان أو بخالصة، وعند متعلق بأحدهما أو بلكم إن جعل لكم خبراً وصح التعليق لنيابته عن فعل الاستقرار. {مِنْ دُونِ النَّاسِ}: المراد بالناس جميع الناس الذين فى زمان اليهودية إلى قيام الساعة، قال لاستغراق مخصوص، ويدل على هذا العموم قولهم: {أية : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً} تفسير : أى لن يدخلها بعد زمان اليهودية إلا من كان هوداً، كما قالت النصارى: لن يدخلها بعد زمان النصرانية إلا من كان نصارى، ويحتمل أن يراد النبى ومن تبعه من المسلمين، أى من دون محمد ومن تبعه، فأل للعهد الذى فى أزمانهم. {فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: فى قولكم إن الدار الآخرة لكم خاصة، لأن أصحاب الجنة لا يدخلونها إلا بعد أن يموتوا، ومن أيقن أنه من أهل الجنة أحب وصولها بالموت للتلذيذ العظيم، وليستريح من أكدار الدنيا، كما قال عمار بن ياسر ـ رحمه الله ـ متمنياً حين احتضر فى قتال صفين فى جانب المسلمين الذين يقاتلون عليا: الآن ألقى الأحبة محمداً وحزبه. وقال حذيفة بن اليمانى ـ رحمه الله ـ حين احتضر: مرحباً بزائر على فاقة، لا فرج من ندم. وفى رواية: جاء حبيب على فاقة لا أفلح من ندم. وأراد بالزائر والحبيب الموت أو ملك الموت ولقاء الله، وأراد بالفاقة الاحتياج إلى الموت، وملكه ولقاء الله، ومعنى لا فرج أو لا أفلح من ندم، الدعاء فى الشر على من جاءه الموت فندم لظهور غضب الله عليه وعذابه له، وقال غيره كالقاضى والزمخشرى: لا أفلح من ندم على تمنى الموت، حين جاءه، فإذا تمنى الموت من يرجوها أو يتيقنها فكيف لا يتمناها من علم أنها له ولقومه خاصة، كما يزعم اليهود ـ قبحهم الله ـ أنها لهم خاصة، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وروى أن علياً كان يطوف بين الصفين فى غلالته، فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزى المحاربين. فقال: با بنى لا يبالى أبوك، على الموت سقط أم عليه سقط الموت، وأراد بالوجهين الموت، شبه الأمر بمن وقع على حديد قاطع، أو وقع عليه حديد قاطع، وإنما قال هذا اختباراً بأنه لا يجبن عن الموت كما يفتخر سائر الشجعان بذلك، لا ليقينه أنه من أهل الجنة لعدم صحة تبشيره، ولو أثبته المخالفون، بل قتل بأمره من لا يرى قاتلهم الجنة، وقال: ليتنى أدخلها ولو حبواً، وهناك رواية ضعيفة أنه تاب. وجواب أن الثانية محذوف دل عليه جواب الأولى، فجواب الأولى من معنى تمنى الموت، وجواب الثانية كذلك، مع زيادة كون الأولى قيداً فيها، ثم أخبر الله جل وعلا أنهم غير صادقين فقال:

اطفيش

تفسير : {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ} الجنة نفسها ونعيمها، وليست الدار الآخرة انقضاء الدنيا، بل انقضاؤها اليوم الآخر، والنار أيضا دار آخرة، والعهد والسياق ينفيان إرادتها {عِنْدَ اللهِ} فى حكمه أو عندية شرف {خَالِصَةً} لم يشبها النقض بثبوت بعضا لغيركم، بمعنى صافية حقيقة، أو خاصة بكم مجازاً {مِّنْ دُونَ النَّاسِ} كما قلتم، لن يدخل الجن إلا من كان هوداً، أو نحن أبناء الله، ولن تمسنا النار... إلخ، ولم يخلق الله الجنة إلا لإسرائيل وبنيه، ثم إما أن يريدوا بالناس سائرهم بعد الخاصة، فيستثنون إبراهيم وإسحق ويعقوب ونحوهم. ومن دعواهم الباطلة أن هؤلاء يهوديون، ويستثون أيضا آدم ونوحاً ونحوهما ومن مات قبل اليهودية، وإما أن يعموا ولا يستثنوا هؤلاء ولا غيرهم، لأن من شأنهم إنكار ما عرفوا من الحق واعتقدوه، كما أنكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعيسى والقرآن والإنجيل؛ وكثيرا من التوراة مع معرفتهم بهم، وكما قالوا "أية : ما أنزل الله على بشر من شيء" تفسير : [الأنعام: 91] ولما أن يريدوا النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين من أمته. {فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} فى دعوى اختصاص الجنة بكم؛ فإن لم أيقن بذلك يحب الإفضاء إليها من دار البؤس والأكدار، والمسلمون ولو لم يتمنوا الموت لكنهم لا يخصصون أنفسهم بها، بل يقولون، هى لكل مؤمن من الأمم، والأمر بالتمنى سبب من دعواهم، وذلك نقيض التالى، هكذا لو اختصصم بها لتمنيتم الموت لكنكم لا تمنونه، فليست مختصة بكم، وتمنى ما يختص بك أعظم من تمنى ما شوركت فيه، وقد تمناه من صدق فى دعواه، كقول عمار: غداً نلقى الاحبة محمداً وأصحابه، وحذيفة إذ قال، مرحباً يجيب جاء على فاقة، وقوله صلى الله عليه وسلم فى قتلى بئر معونة: حديث : يا ليتني غودرت معهم في لحف الجبلتفسير : ، وعبدالله بن رواحة، يا حبذا الجنة، واقترابها طيبة، وبارد شرابها، والروم روم قد دنا عذابها.

الخليلي

تفسير : كان ما تقدم نقضا لدعواهم الإِيمان بذكر فظائع أعمالهم المنافية له فيما سلف من أمرهم، وفي هذه الآيات رد لهذه الدعوى بمطالبتهم بأمر يأتونه في الحال يستلزمه رسوخ الإِيمان والاستقامة على هديه والاطمئنان إلى نتيجته وهي حسن العاقبة وسلامة المنقلب، وذلك أن الحياة الدنيا تزخر جوانبها بضروب المحن وصنوف الأكدار، فمن كان على ثقة من ربه بأنه سيبوئه مبوأ خير وسعادة بجواره في الدار الآخرة، لا يتردد - إذا خُير - في إيثار الانتقال عنها إلى تلك الدار المجردة من المحن الصافية من الأكدار، فما عليهم - وهم يدعون أنهم أولى الناس بربهم وبرضوانه ودار كلامته - إلا ان يفتحوا لقلوبهم هذا الباب من التمني ويترجموا ذلك بقول صريح يكون لهم حجة عند الناس إن كانوا صادقين في دعواهم. ويبدو أنهم كانوا يدعون بأفواههم في أوساط المؤمنين أن لهم الدار الآخرة دون الناس، يفهم ذلك من هذا الإِلزام الذي أُلزموه في هذه الآيات، ويؤيده ما حكاه الله عنهم من قولهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : [البقرة: 111]، فإنها مقولة أهل الكتابين طويت في إجمال إسنادها إليهما، مع أن كل طائفة منها تدعى أنها وحدها على جادة الحق دون الأخرى، كما ينص عليه قوله: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ} تفسير : [البقرة: 113]، فكل واحد من الطائفتين إذن تدعي أنها وحدها هي الحقيقة بالسعادة في العقبى، كما أنها وحدها على صراط الهداية في الدنيا، ومؤدى ذلك أن كل من سواها ما له في الآخرة من نصيب. والمراد بالدار الآخرة الجنة ونعيهما، فإن من حرمها لم يكن له في تلك الدار نصيب من راحة أو لذة أو نعمة، ولذلك وصف الله الذين يريدون حرث الدنيا بأنهم لا نصيب لهم في الآخرة، حيث قال {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} تفسير : [الشورى: 20]، وبين تعالى بأن حظ أولئك فيها العذاب والعياذ بالله، حيث قال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ} تفسير : [هود: 16]، وقال: {أية : مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً} تفسير : [الإِسراء: 18]، ومن صلي النار لم يكن له نصيب في الآخرة لحرمانه من كل خير، والمراد بالناس غير هؤلاء المدعين أو المؤمنون خاصة؛ وعلى الأول فأل للجنس الدال على الاستغراق، وعلى الثاني للعهد، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالناس محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو لا ينافي أنهم المؤمنون، كما أخرجه عنه البيهقي في دلائله لأن الإِيمان يومئذ كان محصورا فيه صلى الله عليه وسلم وفي أصحابه رضوان الله عليهم. وخلوصها من دون الناس خصوصيتها بهم، وقد مرّ معنى (دون)، والجار والمجرور متعلقان بخالصة. والتمني تفعل من المنية واحدة المنى، وجملة: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} جزاء للشرط، وإنما كان تمنيه آية صدقهم، لو كانوا حقا صادقين أن الدار الآخرة لهم خالصة من دون الناس، لأنه طريق نقلتهم إلى تلك الدار، وباب مولج أهل الحق إلى مقعد الصدق، فلا غرو إذا عشقه من تعلق قلبه بالله واليوم الآخر، ولأجل ذلك كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسابقون إلى موارد الموت تسابق الصادئين إلى الماء الفرات، وكم صاغوا أمانيهم في عقود من الأدب ازدان بها الكلام، كقول عمير بن الحمام رضي الله عنه: شعر : جريا إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد تفسير : وقول عبد الله بن رواحة عندما خرج إلى غزوة مؤتة ودعا المسلمون له ولمن معه أن يردهم الله سالمين، فقال رضي الله عنه: شعر : لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرع تقذف الزبدا أو طعنة من يدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا حتى يقولوا اذا مروا على جدثي أرشدك الله من غاز وقد رشدا تفسير : وقوله عندما واجه زحوف الروم ومن معهم من نصارى العرب: شعر : يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها بعيدة تقطعت أنسابها عليّ إن لاقيتها ضرابها تفسير : وقد مضى على طريقهم أبطال أهل الحق والاستقامة، الذين كانت أناجيلهم في صدورهم، وكانت قرابينهم أرواحهم، وخاضوا في نصرة الحق بحار المنون، لم تثنهم الأخطار عن قصدهم، ولم تفتنهم الدنيا بزهرتها فتحول بينهم وبين مبادئهم، وقد تدفق أدبهم الرفيع بمشاعرهم التي تجيش بها صدروهم، كما نشهد ذلك في قول أحد شعرائهم البارزين في عهد الإِمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي الحضرمي رحمه الله، وهو عمرو بن الحصين العنبري القائل: شعر : ما بال همك ليس عنك بعازب يمى سوابق دمعك المتساكب وتبيت تكتلئ النجوم بمقلة عبري تُسر بكل نجم دائب حذر المنية أن تجيء بداهة لم أقض من تبع الشراة مآربي فأقود فيهم للعدا شنج النسا عبل الشوى أسوان ضمر الحالب متحدرا كالسيد أخلص لونه ماء الحسيك مع الجلال اللاتب أرمي به من جمع قومي معشرا بورا إلى جبريه ومعايب في فتية صبر ألفهم به لف القداح يد المفيض الضارب فندور نحن وهم وفيما بيننا كأس المنون تقول هل من شارب فنظل نسقيهم ونشرب من قنا سمر ومرهفة النصول قواضب بينا كذلك نحن جالت طعنة نجلاء بين رها وبين ترائب جوفاء منهرة ترى تامورها ظبتا سنان كالشهاب الثاقب أهوى لها شق الشمال كأنني خفض لقا تحت العجاج العاصب يا رب أوجبها ولا تتعلقن نفسي المنون لدى أكف قرائب تفسير : وقال - رحمه الله -: شعر : لا شيء يلقاه أسر له من طعنة في ثغرة النحر نجلاء منهرة تجيش بما كانت عواصي جوفه تجري تفسير : وقد نحا هذا المنحى في المتأخرين الإِمام المحقق الشهيد سعيد ابن خلفان الخليلي - رحمه الله تعالى - في قصائده الاستنهاضية، ومن أمثلة ذلك قوله: شعر : كأن المنايا منية لقلوبهم فما كاد يثني القوم بالحتف مصرع يخوضون دأماء المنايا بواسما كأنهم في جنة الخلد رتع قد اطرحوا لبس الدروع لأنهم لهم من زكيات المناصب أدرع تفسير : وكذلك علم الشعراء الإِسلامين في العصر الحديث الإِمام الفقيه والشاعر البليغ أبو مسلم ناصر بن سالم البهلاني الرواحي في كثير من قصائده الداعية إلى نصرة الدين نحو قوله: شعر : ولولا المقادير التي عزت القوى وما اكتسبت مني الخطوب الغواشم نذرت حياتي تحت ظل لوائه وأحرزت خصلى إذ تحز الغلاصم ولم يك قسمي غير ضربة قاضب إذا قسمت فوق الفروق الصوارم أو الطعنة النجلاء ترمي نجيعها تفوز بها مني الطلى واللهازم وتلك لعمر الله أبخس قيمة لرضوان ربي يوم تعطي المقاسم تفسير : والتمني وإن كان من أفعال القلب فإن القول يكشف عنه، والمطلوب منهم هنا التصريح بألسنتهم أنهم يتمنون الموت، ويروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا" تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا ومرفوعا "لو تمنوا الموت شرق أحدهم بريقه"، وأخرج عنه موقوفا: "لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقى على الأرض يهودي إلا مات". وقيل: بأن تمني الموت الذي دعوا إليه في الآية هو المباهلة أن الدعاء على الكاذب من الفريقين به، أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورواه عنه ابن اسحاق وابن أبي حاتم، ومال إليه الحافظ ابن كثير، وقيل: هو أن يقولوا ذلك بألسنتهم ولو كانت قلوبهم منطوية على خلافه. وفي قوله: {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} تعريض بتكذيبهم، والمراد بصدقهم هنا صدقهم فيما ادعوه من كون الدار الآخرة خالصة من دون الناس. وهذا التحدي قيل خاص باليهود المعاصرين له صلى الله عليه وسلم، وقيل عام فيهم وفيمن يأتي من بعدهم من أبناء ملتهم، واستدل له بتأييد النفي في قوله عز وجل: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً}، وفي هذا النفي المؤبد منه تعالى لما تحداهم به حكم منه سبحانه بنقض دعواهم، وإبطال حجتهم، مثله مثل قوله تعالى: {أية : وَلَن تَفْعَلُواْ} تفسير : [البقرة: 24]، بعد تحدي المشركين بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، وفيه علم من أعلام النبوة، فإنه خبر عن غيب مطوي عن إدارك البشر إلا بوحي ممن يعلم السر وأخفى، وقد نزل في مقام التحدي، فلو انتقض بما يعارضه لسجل ذلك التأريخ وحفظته الأجيال لاسيما الأجيال اليهودية لِلَددهم في الخصومة والتماسهم أي ثغرة كانت ينفذون من خلالها إلى الطعن في الوحي وتكذيب الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. وقد سبق أن لن تقتضي تأيد النفي، أو تأكيده أو هما معا، والتأكيد هنا ظاهر، والتأيد وإن لم يظهر من لن فإن لفظة (أبدا) تدل عليه، ولا ريب أنه تأيد خاص بالحياة الدنيا لأنهم بكفرهم متوعدون بعذاب الدار الآخرة، وقد قال عز من قائل: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ} تفسير : [البينة: 6]، وقد أخبرا لله عن تمني أهل النار للموت إذ قال: {أية : وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} تفسير : [الزخرف: 77]، على أنه مما يقتضي حصر هذا التأيد بالحياة الدنيا ما ذكر في الآية من كون عدم التمني ناشئا عن سوء ما عملوا المؤدي إلى التباب في الآخرة، فلا جرم أنهم إذا حاق بهم التباب تمنوا ما كانوا لا يتمنونه في الدنيا. واختلاف أداة النفي في هذه السورة عنها في سورة الجمعة مع اتحاد المنفي واتحاد المتحدي به يرجع - كما قال الفخر الرازي في تفسيره - الى اختلاف مدعاهم في الموضعين، وذلك أنهم ادعو في هذه السورة خلوص الدار الآخرة لهم من دون الناس، وادعوا ي سورة الجمعة أنهم أولياء لله من دون الناس، وقد أبطل الله مدعاهم في السورتين بأن دعاهم إلى تمني الموت لينقلبوا إلى من اختصهم بالولاية ولينتقلوا إلى ما أعد لهم في الدار الآخرة، ثم نفى حصول ذلك منهم، وبما أن مدعاهم في هذه الآية أعظم كان نفي تمنيهم بالأداة الأقوى، لأن غاية ما يسعى إليه العاملون هو الفوز بالسعادة في دار الثواب، ولما كان مدعاهم في سورة الجمعة وسيلة إلى ما ادعوه هنا كان النفي بأداته الأخرى فإن ولاية الله وإن كانت جديرة بأن تطلب لذاتها، فإنها وسيلة العاملين للوصول الى مقامات المقربين. وعزا أبو حيان توجيه هذا الاختلاف في التعبير إلى صاحب المنتخب، وعزاه القاسمي إلى الغزالي. وكون عدم تمنيهم الموت مسببا عن سوء ما قدمت أيديهم يدل على أنهم عالمون بفحش ما يرتكبون، وموقنون بشر المصير الذي إليه ينقلبون. وإسناد التقديم إلى الأيدي - مع أن المراد كل ما قدموه من الأعمال سواء ما زاولوه بالأيدي أو بغيرها - لأن الأيدي هي أداة المزاولة غالبا في الإِنسان، وقيل: أراد بما قدمت أيديهم تحريفهم الكتاب بحذف ما هو منه وزيادة ما ليس منه، وقد باشروا ذلك بأيديهم حقيقة، والأول أظهر وأصح. وقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ} خبر يتضمن الوعيد، والتسجيل عليهم بالظلم، ومقتضى الوعيد أن يقول والله عليم بهم، ولكن عدل عنه إلى إقامة المظهر مقام المضمر لأجل ما ذكر، ولتعميم الوعيد في كل من ظلم. ثم أتبع ذلك وصفهم بما ينشأ عنه ما ذكره عنهم من قبل، وهو حبهم الملح في الحياة الدنيا وشغفهم بنعيمها وإخلادهم إليها، حيث قال: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ}، وفعل تجد هنا مشتق من الوجدان القلبي، وهو متعد إلى مفعولين، أولهما الضمير وثانيهما (أحرص)، والمراد بالناس جميع الجنس البشري، فإن اليهود يفوقونهم في الحرص على الدنيا وإن كان ذلك من عادات البشر المشتركة، وذلك أن الناس إما مؤمن وفيَّ، وإما فاجر، والفجار صنفان، إما مصدق بالمعاد، أو غير مصدق به؛ فالمؤمن الوفي - بما يرجوه من رحمة الله وتتعلق به نفسه من ثوابه - لا يكره الموت وإن كان يخشاه بسبب خوفه من سيئات أعماله وإشفاقه من سوء الخاتمة فهو إن التفت الى جانب الرجاء استأنس بروح الله، واستبشر بكرمه، وإن التفت إلى جانب الخوف استوحش من شعوره بالتفريط في جنبه وهو في كلا الحالين لا يكره لقاء الله، والفاجر غير المؤمن بالمعاد - وإن كره الموت لأنه يفوته لذته في الحياة الدنيا - فهو لا يحذر من خلفه أمرا، أما الفاجر المؤمن بالمعاد والموقن بشر ما قدم ما يترتب عليه العقاب في اعتقاده - كاليهود الذين اتخذوا العجل وأسرفوا على أنفسهم في ارتكاب الموبقات وكفروا بخاتم النبيين الذي يجدون نعته في التوارة والإِنجيل - فهو أشد كراهة للموت وأحرص على استمرار الحياة من الصنفين السابقين لأنهم يعلمون أن مصيرهم إلى العذاب وأنهم ليس بينهم وبينه إلا الموت وأل في (الناس) للاستغراق فهو يعم جميع الناس، وقوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} عطف خاص على عام لأن المشركين أضن من المؤمنين بالحياة الدنيا كما تقدم. والتنكير في (حياة) للإِطلاق، فهو ينطبق على أي حياة كانت مهما كانت خستها، ومهما عانوا من الذل والهوان فيها فإنهم يفضلونها على الموت؛ وذهب كثير إلى أن التنكير للتنويع وأن الحياة التي يحرصون عليها هي الحياة المديدة، وذلك من عشقهم للدنيا وإخلادهم إليها، والأول أبلغ في الذم وأكثر تطابقا مع الواقع. وقوله: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} استئناف وصف لليهود تأكدا لما سبق ذكره عنهم وبيان لحرصهم المتناهي على التعمير، وقيل هو مرتبط بقوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} وعليه فالوقف على (حياة) والواو وللاستئناف، والمراد بالذين أشركوا اليهود أنفسهم لقولهم: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 30]، أو المجوس لأنهم دعون للعاطس منهم بالعيش ألف سنة أو عشرة آلاف سنة، وهو مروي عن ابن عباس وسعيد ابن جبير، أو جميع المشركين لاشتراكهم جميعا في حب الحياة الدنيا، ويتجه لي على القولين الأخيرين أن تكون الواو في قوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} للحال، أي هؤلاء اليهود أحرص على الحياة من كل الناس، والحال أن من المشركين - وهم من جملة الناس - من يود أن يعمر ألف سنة غير أن أسلوب النظم لا ينسجم مع شيء من هذه الأقوال، فالصحيح عطف {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} على ما قبله، والاستئناف من قوله: {يَوَدُّ} وهو استئناف بياني أجيب به عن سؤال مقدر عن مبلغ حرصهم على الحياة. وإنما قلت بأن ما عدا هذا التأويل لا ينسجم مع أسلوب النظم لأن الضمير في أحدهم لا يجد بحسبها معادا إلا إذا قدر محذوف يرجع إليه نحو "أناس"، والأصل عدم الحذف. والضمير المسند إليه في قوله: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} عائد إلى أحد المضاف إلى ضمير الجمع في الجملة التي قبله، أي ليس ذلك المعمر بمبعده تعميره من العذاب. والزحزحة الإِبعاد اليسير، وأصلها من زح يزح زحا، وصيغته للمبالغة نحو كبكبه وزعزعة، ومفاده أن هذا التعمير الذي يتمنونه حبا في الحياة الدنيا وإشفاقا من الموت لا يبعدهم ولو إبعادا يسيرا عن العذاب، لأنه وإن طال في نظر المخلوقين بادئ ذي بدء فهو قصير الأمد سريع الانتهاء لأن كل منقطع قصير فضلا عن كون التعمير مدعاة لسوء الحال، فإنه ينتهي بصاحبه إلى أرذل العمر والهوان على الأهل والأقارب وثقله على نفوسهم غير أنهم مع معرفتهم بهذا كله حراص على هذه الحياة مهما انطوت على الهون والمشقة وسوء الحال. وقيل الضمير في: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ} كناية عن التعمير، وقوله: {أَن يُعَمَّرَ} المؤول بمصدر - وهو التعمير - بدل منه، والبدلية هنا التفسير، والمشهور تفسير الضمير بالظاهر في حالين: أولاهما: أن يكون الضمير للشأن وتفسره الجملة بعده كالمضمير المقدر بعد (أن) المخففة من الثقيلة نحو قوله تعالى: {أية : عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ} تفسير : [المزمل: 20]. ثانيتهما: أن يدخل الضمير على رب ويفسره التمييز نحو ربه رجلا. وقيل: هو ضمير شأن وعليه أبو علي الفارسي، وهو مبني على مذهب الكوفيين، في جواز تفسير ضمير الشأن بغير الجملة إذا انتظم إسنادا معنويا ولا يجوز ذلك عند البصريين لاشتراطهم تفسير ضمير الشأن بجملة مصرح بجزأيها سالمة من حرف الجر. وذهب ابن جرير إلى أنه عماد - وهو مصطلح كوفي فيما يسميه البصريون ضمير الفصل - وهو مبني أيضا على رأي الكوفيين في جواز تقديم العماد مع الخبر على المبتدأ، فيقال ما هو القائم زيد بدلا من ما زيد هو القائم، ولا يجوز ذلك عند البصريين لاشتراطهم أن يكون فاصلا بين المبتدأ والخبر سواء بقيا على أصلهما أو دخلتهما النواسخ كأنت في قوله تعالى: {أية : كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [المائدة: 117]، ولذلك يسمونه فصلا. وقوله: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} تذييل للآية بوصفه تعالى بعلم ما يعملون لأن البصير هنا بمعنى العليم، ومناسبته لما تقدم من حيث إن إنساء آجالهم الذي يطمحون إليه ليس مما يجديهم شيئا وإن فكروا في ذلك لتأخيره العذاب عنهم إذ هم فيما ينسأ لهم من الآجال لا يأتون إلا الفظائع، ولا يتزودون إلا الآثام، فيضاعف لهم العذاب يوم القيامة مضاعفتهم لما ارتكبوه من أسبابه، ففيه وعيد شديد وتحذير بالغ ضمن هذا الوصف له تعالى. وقرئ تعلمون - بالتاء - على سبيل الالتفات والخروج من الغيبية إلى الخطاب. و(ما) موصولة والعائد محذوف، أي يعملونه، وجُوِّز أن تكون مصدرية، أي بعملهم.

الالوسي

تفسير : {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ} رد لدعوى أخرى لهم بعد رد دعوى ـ الإيمان بما أنزل عليهم ـ ولاختلاف الغرض لم يعطف أحدهما على الآخر مع ظهور المناسبة المصححة للذكر، والآية نزلت ـ فيما حكاه ابن الجوزي ـ عندما قالت اليهود: إن الله تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وبنيه. وقال أبو العالية والربيع: سبب نزولها قولهم: {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ }تفسير : [البقرة: 111] الخ و {أية : نَحْنُ أَبْنَاء ٱللَّهِ }تفسير : [المائدة: 18] الخ و {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ }تفسير : [البقرة: 80] الخ، وروي مثله عن قتادة. والضمير في {قُلْ} إما للنبـي صلى الله عليه وسلم أو لمن يبغي إقامة الحجة عليهم، والمراد من (الدار الآخرة) الجنة ـ وهو الشائع ـ واستحسن في «البحر» تقدير مضاف أي: نعيم الدار الآخرة. {عَندَ ٱللَّهِ} أي في حكمه، وقيل: المراد ـ بالعندية ـ المكانة والمرتبة والشرف، وحملها ـ على عندية المكان ـ كما قيل به ـ احتمالاً ـ بعيد {خَالِصَةً مّن دُونِ ٱلنَّاسِ} أي مخصوصة بكم كما تزعمون ـ والخالص ـ الذي لا يشوبه شيء، أو ما زال عنه شوبه، ونصب (خالصة) على الحال من الدار الذي هو اسم (كان) و (لكم) خبرها قدم للاهتمام ـ أو لإفادة الحصر ـ وما بعده للتأكيد، هذا إن جوّز مجىء الحال من اسم (كان) وهو الأصح، ومن لم يجوّز بناءً على أنه ليس بفاعل جعلها حالاً من الضمير المستكن في الخبر، وقيل: (خالصة) هو الخبر و (لكم) ظرف لغو لكان أو لخالصة ولا يخفى بعده ـ فإنه تقييد للحكم قبل مجيئه ـ ولا وجه لتقديم متعلق الخبر على الاسم مع لزوم توسط الظرف بين الاسم والخبر، وأبعد المهدوي وابن عطية أيضاً فجعلا (خالصة) حالاً و (عند الله) هو الخبر، مع أن الكلام لا يستقل به وحده. و (دون) هنا للاختصاص وقطع الشركة، يقال: هذا لي دونك، وأنت تريد لا حق لك فيه معي ولا نصيب، وهو متعلق بخالصة والمراد بالناس الجنس وهو الظاهر، وقيل: المراد بهم النبـي صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وقيل: النبـي صلى الله عليه وسلم وحده ـ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ قالوا: ويطلق الناس ويراد به الرجل الواحد، ولعله لا يكون إلا مجازاً بتنزيل الواحد منزلة الجماعة. {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَـٰدِقِينَ} في أن الجنة خالصة لكم، فإن من أيقن أنه من أهل الجنة اختار أن ينتقل إلى دار القرار، وأحب أن يخلص من المقام في دار الأكدار، كما روي عن عليّ كرم الله تعالى وجهه أنه كان يطوف بين الصفين في غلالة، فقال له الحسن: / ما هذا بزي المحاربين، فقال: يا بني ـ لا يبالي أبوك سقط على الموت، أم سقط عليه الموت ـ وكان عبد الله بن رواحة ينشد وهو يقاتل الروم:شعر : يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها تفسير : وقال عمار بصفين:شعر : غداً نلقي الأحبة محمداً وصحبه تفسير : وروي عن حذيفة أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال: حبيب جاء على فاقة. وعنه صلى الله عليه وسلم أنه لما بلغه قتل من قتل ببئر معونة قال: «يا ليتني غودرت معهم في لحف الجبل» ويعلم من ذلك أن تمني الموت لأجل الاشتياق إلى دار النعيم ولقاء الكريم غير منهي عنه، إنما المنهي عنه تمنيه لأجل ضر أصابه ـ فإنه أثر الجزع وعدم الرضا بالقضاء ـ وفي الخبر: «حديث : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، وإن كان ولا بد فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وأمتني ما كانت الوفاة خيراً لي»تفسير : والمراد ـ بالتمني ـ قول الشخص: ليت كذا، وليت من أعمال القلب أو الاشتهاء بالقلب ومحبة الحصول مع القول، فمعنى الآية سلوا الموت باللسان ـ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو اشتهوه بقلوبكم وسلوه بألسنتكم ـ قاله قوم ـ وعلى التقديرين ـ الأمر بالتمني حقيقة، واحتمال أن يكون المراد ـ تعرضوا للموت ولا تحترزوا عنه كالمتمني فحاربوا من يخالفكم ولا تكونوا من أهل الجزية والصغار، أو كونوا على وجه يكون المتمنون للموت المشتهون للجنة عليه من العمل الصالح ـ مما لا تساعده الآثار، فقد أخرج ابن أبـي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفاً: «حديث : لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه»تفسير : وأخرج البيهقي عنه مرفوعاً «حديث : لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه»تفسير : والبخاري مرفوعاً عنه أيضاً: «حديث : لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا»تفسير : وقرأ ابن أبـي إسحاق: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} ـ بكسر الواو ـ وحكى الحسن بن إبراهيم عن أبـي عمرو ـ فتحها ـ وروي عنه أيضاً اختلاس ضمتها.

ابن عاشور

تفسير : إبطال لدعوى قارة في نفوسهم اقتضاها قولهم: {أية : نؤمن بما أنزل علينا}تفسير : [البقرة: 91] الذي أرادوا به الاعتذار عن إعراضهم عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم بعذر أنهم متصلبون في التمسك بالتوراة لا يعدونها وأنهم بذلك استحقوا محبة الله إياهم وتكون الآخرة لهم فلما أبطلت دعوى إيمانهم بما أنزل عليهم بإلزامهم الكذب في دعواهم بسند ما أتاه سلفهم وهم جدودهم من الفظائع مع أنبيائهم والخروج عن أوامر التوراة بالإشراك بالله تعالى بعبادة العجل، عقب ذلك بإبطال ما في عقائدهم من أنهم أهل الانفراد برحمة الله ما داموا متمسكين بالتوراة وأن من خالفها لا يكون له حظ في الآخرة، وارتكب في إبطال اعتقادهم هذا طريقة الإحالة على ما عقدوا عليه اعتقادهم من الثقة بحسن المصير أو على شكهم في ذلك فإذا ثبت لديهم شكهم في ذلك علموا أن إيمانهم بالتوراة غير ثابت على حقه وذلك أشد ما يفت في أعضادهم ويسقط في أيديهم لأن ترقب الحظ الأخروي أهم ما يتعلق به المعتقد المتدين فإن تلك هي الحياة الدائمة والنعيم المقيم. وقد قيل: إن هذه الآية رد لدعوى أخرى صدرت من اليهود تدل على أنهم يجعلون الجنة خاصة بهم مثل قولهم نحن {أية : أبناء الله وأحباؤه}تفسير : [المائدة: 18] وقولهم {أية : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً}تفسير : [البقرة: 111]، وإلى هذا مال القرطبي والبيضاوي، وعليه فيكون ذكر الرد عليهم بينا لمجرد المناسبة في رد معتقد لهم باطل أيضاً لا في خصوص الغرض المسوق فيه الآيات المتقدمة بناءً على أن الآيات لا يلزم أن تكون متناسبة تمام المناسبة، ونحن لا نساعد على ذلك فعلى هذا الوجه تكون هاته الآية هنا نزلت مع سوابقها للرد على أقوالهم المتفرقة المحكية في آيات أخرى وإنما اتصلت مع الآيات الراجعة إلى رد دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم للمناسبة بجمع رد جميع دعاويهم ولكن فيما ذكرناه غنية. وأيّاً ما كان فهذه الآية تحدت اليهود كما تحدى القرآن مشركي العرب بقوله: {أية : فأتوا بسورة من مثله}تفسير : [البقرة: 23]. وإنما فصلت هاته الجملة عما قبلها لاختلاف السياق لأن هذه الآية إلقاء حجة عليهم والآيات السابقة تفظيع لأحوالهم وإن كان في كل من ذلك احتجاج لكن الانتقال من أسلوب إلى أسلوب كان محسناً للفصل دون العطف لا سيما مع افتتاح الاحتجاج بقل. والكلام في {لكم} مشعر بأن المراد من الدار الآخرة نعيمها و{لكم} خبر {كانت} قدم للحصر بناء على اعتقادهم كتقديمه في قول الكميت يمدح هشاماً بن عبد الملك حين عفا عنه من قصيدة:شعر : لكم مسجداً الله المزوران والحصى لكم قبضة من بين أثرى وأقترا تفسير : و{عند الله} ظرف متعلق بكانت والعندية عندية تشريف وادخار أي مدخرة لكم عند الله وفي ذلك إيذان بأن الدار الآخرة مراد بها الجنة. وانتصب {خالصة} على الحال من اسم (كان) ولا وجه لتوقف بعض النحاة في مجيء الحال من اسم (كان). ومعنى الخالصة السالمة من مشاركة غيركم لكم فيها فهو يؤول إلى معنى خاصة بكم. وقوله: {من دون الناس} دون في الأصل ظرف للمكان الأقرب من مكان آخر غير متصرف وهو مجاز في المفارقة فلذلك تدل على تخالف الأوصاف أو الأحوال، تقول هذا لك دون زيد أي لاحق لزيد فيه فقوله: {من دون الناس} توكيد لمعنى الاختصاص المستفاد من تقديم الخبر ومن قوله: {خالصة} لدفع احتمال أن يكون المراد من الخلوص الصفاء من المشارك في درجاتهم مع كونه له حظ من النعيم. والمراد من الناس جميع الناس فاللام فيه للاستغراق لأنهم قالوا: {أية : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً}تفسير : [البقرة: 111]. وقوله: {فتمنوا الموت} جواب الشرط ووجه الملازمة بين الشرط ــــ وهو أن الدار الآخرة لهم ــــ وجزائه ـــ وهو تمني الموت ـــ أن الدار الآخرة لا يخلص أحد إليها إلا بالروح حين تفارق جسده ومفارقة الروح الجسد هو الموت فإذا كان الموت هو سبب مصيرهم إلى الخيرات كان الشأن أن يتمنوا حلوله كما كان شأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما قال عمير ابن الحمام رضي الله عنه:شعر : جرياً إلى الله بغير زاد إلا التقى وعملَ المعاد تفسير : وارتجز جعفر بن أبي طالب يوم غزوة مؤتة حين اقتحم على المشركين بقوله:شعر : يا حبذا الجنةُ واقترابُها طيبة وبارد شرابها تفسير : وقال عبد الله بن رواحة عند خروجه إلى غزوة مؤتة ودعا المسلمون له ولمن معه أن يردهم الله سالمين:شعر : لكنني أسأل الرحمان مغفرةً وضربةً ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنةً من يدي حران مُجهِزة بحربة تُنفِذُ الأحشاءَ والكبدا حتى يقولوا إذا مروا على جدثي أرشدك الله من غاز وقد رشدا تفسير : وجملة {ولن يتمنوه أبداً} إلى آخره معترضة بين جملة {قل إن كانت لكم الدار الآخرة} وبين جملة {أية : قل من كان عدواً لجبريل}تفسير : [البقرة: 97] والكلام موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إعلاماً لهم ليزدادوا يقيناً وليحصل منه تحد لليهود إذ يسمعونه ويودون أن يخالفوه لئلا ينهض حجة على صدق المخبر به فيلزمهم أن الدار الآخرة ليست لهم. وقوله: {بما قدمت أيديهم} يشير إلى أنهم قد صاروا في عقيدة مختلطة متناقضة كشأن عقائد الجهلة المغرورين فهم يعتقدون أن الدار الآخرة لهم بما دل عليه قولهم: {أية : نؤمن بما أنزل علينا}تفسير : [البقرة: 91] وقولهم: {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه}تفسير : [المائدة: 18] ثم يعترفون بأنهم اجترأوا على الله واكتسبوا السيئات حسبما سطر ذلك عليهم في التوراة وفي كتب أنبيائهم فيعتذرون بأن النار تمسهم أياماً معدودة ولذلك يخافون الموت فراراً من العذاب. والمراد بما قدمت أيديهم ما أتوه من المعاصي سواء كان باليد أم بغيرها بقرينة المقام، فقيل عبر باليد هنا عن الذات مجازاً كما في قوله: {أية : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}تفسير : [البقرة: 195] وكما عبر عن الذات بالعين في باب التوكيد لأن اليد أهم آلات العمل. وقيل: أريد بها الأيدي حقيقة لأن غالب جنايات الناس بها وهو كناية عن جميع الأعمال قاله الواحدي ولعل التكني بها دون غيرها لأن أجمع معاصيها وأفظعها كان باليد فالأجمع هو تحريف التوراة والأفظع هو قتل الأنبياء لأنهم بذلك حرموا الناس من هدي عظيم. وإسناد التقديم للأيدي على الوجه الأول حقيقة وعلى الوجه الثاني مجاز عقلي. وقوله: {والله عليم بالظالمين} خبر مستعمل في التهديد لأن القدير إذا علم بظلم الظالم لم يتأخر عن معاقبته فهذا كقول زهير:شعر : فمهما يكتم الله يعلم تفسير : وقد عدت هذه الآية في دلائل نبوة النبيء صلى الله عليه وسلم لأنها نفت صدور تمني الموت مع حرصهم على أن يظهروا تكذيب هذه الآية. ولا يقال لعلهم تمنوا الموت بقلوبهم لأن التمني بالقلب لو وقع لنطقوا به بألسنتهم لقصد الإعلان بإبطال هذه الوصمة فسكوتهم يدل على عدم وقوعه وإن كان التمني موضعه القلب لأنه طلب قلبي إذ هو محبة حصول الشيء وتقدم في قوله: {أية : إلا أماني}تفسير : [البقرة: 78] أن الأمنية ما يقدر في القلب. وهذا بالنسبة إلى اليهود المخاطبين زمن النزول ظاهر إذ لم ينقل عن أحد منهم أنه تمنى الموت كما أخبرت الآية. وهي أيضاً من أعظم الدلائل عند أولئك اليهود على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم قد أيقن كل واحد منهم أنه لا يتمنى الموت وأيقن أن بقية قومه لا يتمنونه لأنه لو تمناه أحد لأعلن بذلك لعلمهم بحرص كل واحد منهم على إبطال حكم هذه الآية، ويفيد بذلك إعجازاً عاماً على تعاقب الأجيال كما أفاد عجز العرب عن المعارضة علم جميع الباحثين بأن القرآن معجز وأنه من عند الله. على أن الظاهر أن الآية تشمل اليهود الذين يأتون بعد يهود عصر النزول إذ لا يعرف أن يهودياً تمنى الموت إلى اليوم فهذا ارتقاء في دلائل النبوة. وجملة {والله عليم بالظالمين} في موضع الحال من ضمير الرفع في {يتمنوه} أي علم الله ما في نفوسهم فأخبر رسوله بأن يتحداهم وهذا زيادة في تسجيل امتناعهم من تمني الموت، والمراد بالظالمين اليهود فهو من وضع الظاهر موضع الضمير ليصفهم بالظلم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الدار الآخرة: المراد منها نعيمها وما أعد الله تعالى فيها لأوليائه. خالصة: خاصة لا يدخلها أحد سواكم. تمنوا الموت: تمنّوه في نفوسكم واطلبوه بألسنتكم فإن من كانت له الدار الآخرة لا خير له في بقائه في الدنيا. إن كنتم صادقين: أي في دعوى أن نعيم الآخرة خاص بكم لا يشارككم فيه غيركم. حياة: التنكير فيها لتعم كل حياة ولو كانت ذميمة. يودّ: يحب. الذين أشركوا: هم غير أهل الكتاب من سائر الكفار. بمزحزحه: بمبعده من العذاب. أن يعمر: تعميره ألف سنة. جبريل: روح القدس الموكل بالوحي يتنزل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم. نزّله على قلبك: نزل جبريل القرآن على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم. مصدقاً لما بين يديه: القرآن مصدق لما في الكتب السابقة من نعت الرسول صلى الله عليه وسلم والبشارة به ومن التوحيد ووجوب الإسلام لله تعالى. ميكال: ميكال وميكائيل. ملك من أعاظم الملائكة وقيل معناه عبيد الله. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الرد على اليهود وإبطال حججهم الواهية ففي الآية الأولى [94] أمر الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم مباهلاً إياهم: إن كانت الدار الآخرة خالصة لكم لا يدخل الجنة معكم أحد فتمنوا الموت لتدخلوا الجنة وتستريحوا من عناء الدنيا ومكابدة العيش فيها فإن لم تتمنوا ظهر كذبكم وثبت كفركم وأنكم أصحاب النار، وفعلاً ما تمنوا الموت ولو تمنوه لماتوا عن آخرهم. وفي الآية الثانية [95] أخبر تعالى أن اليهود لن يتمنوا الموت أبداً وذلك بسبب ما قدموه من الذنوب والخطايا العظام الموجبة لهم عذاب النار بأنهم مجرمون ظلمة والله عليم بالظالمين وسيجزيهم بظلمهم إنه حكيم عليم. وفي الآية الثالثة [96] يخبر الله تعالى أن اليهود أحرص الناس على الحياة حتى من المشركين الذين يود الواحد منهم أن يعيش ألف سنة، فكيف يتمنون الموت إذاً وهم على هذا الحال من الحرص على الحياة، وذلك لعلمهم بسوء مصيرهم إن هم ماتوا. كما يخبر تعالى أن الكافر لا ينجيه من العذاب طول العمر ولو عاش أكثر من ألف سنة، ثم هدد الله تعالى اليهود وتوعدهم بقوله {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} من الشر والفساد وسيجزيهم به. وفي الآية الرابعة [97] يأمر تعالى رسوله أن يرد على اليهود قولهم: لو كان الملك الذي يأتيك بالوحي مكيائيل لآمنا بك، ولكن لما كان جبريل فجبريل عدونا لأنه ينزل بالعذاب، بقوله: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} فليمت غيظاً وحنقاً فإن جبريل هو الذي ينزل بالقرآن بإِذن ربه على قلب رسوله مصدقاً - القرآن - لما سبقه من الكتب وهدى يهتدى به وبشرى يبشر به المؤمنون الصالحون. وفي الآية الخامسة [98] يخبر تعالى أن من يعاديه عز وجل ويعادي أولياءه من الملائكة والرسل وبخاصة جبريل فإنه كافر، والله عدو له ولسائر الكافرين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- صحة الإِسلام، وبطلان اليهودية، وذلك لفشل اليهود في المباهلة بتمني الموت. 2- المؤمن الصالح يفضل الموت على الحياة لما يرجوه من الراحة والسعادة بعد الموت. 3- صدق القرآن فيما أخبر به عن اليهود من حرصهم على الحياة ولو كانت رخيصة ذميمة إذ هذا أمر مشاهد منهم إلى اليوم. 4- عداوة الله تعالى للكافرين. ولذا وجب على المؤمن معاداة أهل الكفر لمعاداتهم الله، ومعاداة الله تعالى لهم.

القطان

تفسير : انْ صدَقَ قولكم فيما زعمتم من ان الله خصّكم وحدكم بالنعيم بعد الممات، وان الجنة لكم لا يدخلها الا من كان يهودياً، وانكم شعب الله المختار ـ فتمَّنوا الموت الذي يوصِلكم الى ذلك النعيم. فامتَنعوا من اجابة النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم يعلمون حقاً ان دعواهم مجرد كذب. ولعلمِهم بأنهم ان فعلوا ذلك فالوعيد نازل بهم، فهم في الواقع لا يرغبون في الموت أبدا. بل إنك يا محمد لتجدَنّهم احرص الناس على الحياة، بل إنه أكثر من حِرص المشركين الذين لا يؤمنون ببعث ولا جنة. ولذلك يود أحدهم ان يبقى على قيد الحياة ألف سنة أو أكثر. والحق ان طول حياته لن يبعده عن عذاب الله والله بصير بما يعملون. فالمرجع اليه، والأمر كله بيديه.

د. أسعد حومد

تفسير : {صَادِقِينَ} (94) - قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنْ كُنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ صِدْقاً أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ اللهِ وَأَحبَّاؤُهُ مِنْ دُونِ النَّاس، وَأَنَّ النَّارَ لَنْ تَمسَّكُمْ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ، وأنَّ لَكُمُ الجَنَّةَ وَحْدَكُمْ وَمَنْ عَدَاكُمْ مِنَ الخَلْقِ فِي النَّارِ، فَتَمَنَّوُا المَوْتَ الذِي يُوصِلُكُمْ إِلى ذلِكَ النَّعِيمِ الخَالِصِ الدَّائِمِ الذِي لا يُنَازِعُكُمْ فِيهِ أحَدٌ، وَاطْلُبُوا المَوْتَ مِنَ اللهِ. فَإِذَا لَمْ يَتَمَنَّوْهُ كَانُوا غَيْرَ صَادِقِينَ في إيمَانِهِمْ. تَمَنَّوا المَوْتَ - اجْعلوا أَنْفُسكُمْ تَرْتَاحُ إِليهِ.

الثعلبي

تفسير : {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ} الآية قال المفسّرون: سبب نزول هذه الآية: إنّ اليهود أدعوا دعاوى باطلة، حكاها الله تعالى عنهم في كتابه كقوله تعالى {أية : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}تفسير : [البقرة: 80]. وقوله: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ}تفسير : [البقرة: 111]. وقوله: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18] فكذبهم الله تعالى، وألزمهم الحجة. فقال: قل يا محمّد إن كانت لكم الدّار الآخرة عند الله. {خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ} خاصّة؛ لقوله تعالى {أية : خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا} تفسير : [الأنعام: 139]، قوله {أية : خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [الأعراف: 32]، قوله {أية : خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأحزاب: 50] أي خاصّة من دون النّاس. {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} أي فأريدو وحَلّوه لأنّ من علم أنّ الجنّة مآبه حنَّ إليها ولا سبيل إلى دخولها إلاّ بعد الموت فاستعجلوه بالتمني. {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في قولكم محقين في دعواكم، وقيل في قوله تعالى {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} أيّ أدعوا بالموت على الفرقة الكاذبة. روى ابن عبّاس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لو تمنّوا الموت لغصّ كل إنسان منهم بريقه، وما بقى على وجه الأرض يهودي إلاّ مات ". تفسير : فقال الله تعالى {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} لعلمهم إنّهم في دعواهم كاذبون. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ} يعني اليهود. هذا من أعجاز القرآن لأنّهُ تحداهم ثمّ أخبر أنّهم لا يفعلون بعد أن قال لهم هذه المقالة فكان على ما أخبر. {وَلَتَجِدَنَّهُمْ} اللام لام القسم والنون تأكيد القسم تقديره: والله لتجدنهم يا محمد يعني اليهود {أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ} وفي مصحف أبُيّ على الحياة. {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} قيل إنّه متصل بالكلام الأوّل. معناه وأحرص من الذين اشركوا. قال الفراء: وهذا كما يُقال هو أسخى النّاس ومن حاتم: أي وأسخى من حاتم. وقيل: هو ابتداء وتمام الكلام عند قوله: على حياتهم ابتدأ بواو الاستئناف وأضمر (ليودّ) اسماً تقديره: ومن الذين اشركوا من {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ} كقول ذو الرّمة: شعر : فظلوا ومنهم دمعهُ سابق له وآخر يذري دمعة العين بالهمل تفسير : أراد ومنهم من دمعه سابق، وأراد بالذين أشركوا المجوس. {يَوَدُّ} يريد ويتمنى. {أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ} تقديره تعمير ألف. {أَلْفَ سَنَةٍ} قال المفسّرون: هو تحيّة المجوس فيما بينهم عشر ألف سنة وكلمة ألف نيروز ومهرجان. قال الله تعالى: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} من النّار. {أَن يُعَمَّرَ} أي تعميره: زحزحته فزحزح: أي بعدّته فتباعد يكون لازماً ومتعدياً. قال ذو الرُّمة في المتعدي: شعر : يا قابض الرّوح من نفسي إذا احتضرت وغافر الذّنب زحزحني عن النّار تفسير : وقال الراجز، فى اللازم: خليلي ما بال الدجى لا يزحزح وما بال ضوء الصبح لا يتّوضح. {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} الآية قال ابن عبّاس:حديث : إن حبراً من أحبار اليهود يُقال له عبد الله بن صوريا كان قد حاج النبيّ صلى الله عليه وسلم وسأله عن أشياء. فلما اتجهت الحُجّة عليه قال: أيّ ملك يأتيك من السّماء؟ قال: "جبرئيل ولم يُبعث الكتاب لأنبياء قط إلاّ وهو وليه". قال: ذلك عدُونا من الملائكة ولو كان ميكائيل مكانه لآمنّا بك؛ لأنّ جبرئيل ينزل بالعذاب والقتال والشقوة وإنّه عادانا مراراً كثيرة، وكان أشدُ ذلك علينا أنّ الله تعالى أنزله على نبينا عليه السلام إنّ بيت المقدس سيُخرب على يد رجل يقال له: بخت نصّر، وأخبرنا بالحين الذي يُخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رجلاً من أقوياء بني إسرائيل في طلب بخت نصّر ليقتله فانطلق يطلبه حتّى لقيه ببابل غلاماً مسكيناً ليست له قوة. فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبرئيل عليه السلام وقال لصاحبنا: إنّ كان ربكم هو الذي أذن في هلاككم فلن تسلّط عليه، وإن لم يكن هذا فعلى أي حق تقتله. فصدقه صاحبنا ورجع عليه السلام: فكبر بخت نصّر وقوي وغزانا وخرّب بيت المقدّس؛ فلهذا نتخذه عدواً. فأنزل الله تعالى هذه الآية . تفسير : قال مقاتل: قالت اليهود ان جبرئيل عدونا أمرنا أن تجعل النبوّة فينا فجلعها في غيرنا فأنزل الله تعالى هذه الآية. قتادة وعكرمة والسّدي:حديث : فكان لعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أرض بأعلى المدينة وممرها على مدراس اليهود، وكان عمر إذا أتى أرضه يأتيهم ويسمع منهم ويكلمهم. فقالوا: يا عمر ما في أصحاب محمّد إحب إلينا منك. إنّهم يمرّون هنا فيأذونا وأنت لا تؤذينا وأنّا لنطمع فيك فقال عمر: والله ما أحبكم لحبكم، ولا أسألكم لأنّي شاك في ديني، وإنّما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمّد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم. فقالوا: من نصّب محمّد من الملائكة؟ قال: جبريل. فقالوا: ذلك عدوّنا يطلع محمّد على سرنا، وهو صاحب عذاب وخسف وسنة وشدة، وإنّ ميكائيل جاء بالخصب والسّلم. فقال لهم عمر: أتعرفون جبرئيل وتنكرون محمّداً.. قالوا: نعم. قال: فاخبروني عن منزلة جبرئيل وميكائيل من الله عزّ وجلّ؟ قالوا: جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدّو لجبرئيل فقال عمر: وإنّي أشهد أنّ من كان عدوّاً لجبرئيل فهو عدوّا لميكائيل ومن كان عدواً لميكائيل فهو عدوّ لجبرئيل، ومن كان عدواً لهما فإنّ الله عدوّ له، ثمّ رجع عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد جبرئيل قد سبقه بالوحي فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية وقال: "لقد وافقك ربّك يا عمر" فقال عمر: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر . تفسير : قال الله تعالى تصديقاً لعمر (رضي الله عنه) {قل من كان عدوّاً لجبرئيل} وفي جبرئيل سبع لغات: (جبرئيل) مهموز، مشبع مفتوح الجيم والراء، وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر وخلف واختيار أبي عبيد، وقال: رأيت في مصحف عثمان الذي يُقال له: الإمام بالياء في جبريل وميكايل (والياء قبل) الياء تدلّ على الهمزة، وقال الشاعر: شعر : شهدنا فما يُلقى لنا من كتيبة مدى الدّهر إلاّ جبرئيل امامها تفسير : (وجبرائيل) ممدود، مهموز، مشبع، على وزن جبراعيل، وهي قراءة ابن عبّاس وعلقمة وابن وثاب. (وجبرائل) ممدود، مهموز، مختلس على وزن جبراعل وهي قراءة طلحة بن مصرف. (وجبرئل) مهموز، مقصور مختلس على وزن جبرعل، وهي قراءة يحيى بن آدم. (وجبرالّ) مهموز، مقصور، مشدّد اللام من غير ياء، وهي قراءة يحيى بن يعمر، وعيسى ابن عمر، والأعمش. (وجبريل) بفتح الجيم وكسر الرّاء من غير همز، وهي قراءة ابن كثير وأنشد لحسان: شعر : وجبريل أمين الله فينا وروح القدس ليس به خفاءُ تفسير : (وجبريل) بكسر الجيم والراء من غير همزة وهي قراءة علي، وأبي عبد الرّحمن، وأبي رجاء، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومعظم أهل البصرة والمدينة، واختيار أبي حاتم، وقدروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك. وعن شبل عن عبد الله بن كثير قال: حديث : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقرأ جبريل بكسر الجيم والراء من غير همز. فلا أقرأها إلاّ هكذا . تفسير : قال الثعلبي: والصّحيح المشهور عن كثير ما تقدّم والله أعلم. أما التفسير فقال العلماء: جبر هو العبد بالسريانية وأيل هو الله عزّ وجلّ يدلّ عليه ما روى إسماعيل عن رجاء عن معاوية برفعه قال: إنّما جبرئيل وميكائيل كقولك عبد الله وعبد الرّحمن، وقيل جبرئيل مأخوذ من جبروت الله، وميكائيل من ملكوت الله. {فَإِنَّهُ} يعني جبرئيل. {نَزَّلَهُ} يعني القرآن كتابه عن غير مذكور كقوله {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} تفسير : [فاطر: 45] يعني الأرض، وقوله {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} تفسير : [ص: 32] يعني الشمس. {عَلَىٰ قَلْبِكَ} يا محمد {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} بأمر الله. {مُصَدِّقاً} موافقاً. {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} لما قبله من الكتب. {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} {مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} أخرجهما بالذّكر من جملة الملائكة ومواضعهم على جهة التفضيل والتخصيص، كقوله تعالى {أية : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} تفسير : [الرحمن: 68] وميكائيل أربع لغات: ممدود، مهموز، مشبع على وزن ميكاعيل، وهي قراءة أهل مكّة والكوفة والشّام. {وَمِيكَالَ} ممدود، مهموز مختلس مثل ميكاعل، وهي قراءة أهل المدينة. و(ميكيل) مهموز مقصور على وزن ميكعل، وهي قراءة الأعمش وابن محيصن. (وميكال) على وزن مفعال وهي قراءة أهل البصرة. قال الشاعر: شعر : ويوم بدر لقيناكم لنا مدد فيه مع النّصر جبريل وميكال تفسير : وقال جرير: شعر : عبدوا الصّليب وكذّبوا بمحمّد وبجبرئيل وكذّبوا ميكالا تفسير : ومعنى الآية من كان عدواً لأحد هؤلاء فإن الله عدو له والواو فيه بمعنى أو. كقوله تعالى {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ} تفسير : الآية [النساء: 136] لأن الكافر بالواحد كافر بالكل. فقال ابن صوريا: يا محمّد ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها. فأنزل الله عزّ وجلّ: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} واضحات مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام. {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ} الحادون عن أمر الله.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والله سبحانه وتعالى يريد أن يفضح اليهود .. ويبين أن إيمانهم غير صحيح وأنهم عدلوا وبدلوا واشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً .. وهو سبحانه يريدنا أن نعرف أن هؤلاء اليهود .. لم يفعلوا ذلك عن جهل ولا هم خُدعوا بل هم يعملون أنهم غيروا وبدلوا .. ويعرفون أنهم جاءوا بكلام ونسبوه إلى الله سبحانه وتعالى زوراً وبهتاناً .. ولذلك يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفضحهم أمام الناس ويبين كذبهم بالدليل القاطع .. يقول: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} [البقرة: 94]: "قل" موجهة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي قل لهم يا محمد .. ولا يقال هذا الكلام إلا إذا كانت اليهود قد قالوا إن لهم: {ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً} [البقرة: 94]. الشيء الخالص هو الصافي بلا معكر أو شريك. أي الشيء الذي لك بمفردك لا يشاركك فيه أحد ولا ينازعك فيه أحد .. فالله سبحانه وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: إن كانت الآخرة لهم وحدهم عند الله لا يشاركهم فيها أحد .. فكان الواجب عليهم أن يتمنوا الموت ليذهبوا إلى نعيم خالد .. فمادامت لهم الدار الآخرة وماداموا موقنين من دخول الجنة وحدهم .. فما الذي يجعلهم يبقون في الدنيا .. أَلاَ يتمنون الموت كما تمنى المسلمون الشهادة ليدخلوا الجنة .. وليست هذه هي الافتراءات الوحيدة من اليهود على الله سبحانه وتعالى .. واقرأ قوله جل جلاله: {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 111]. من الذي قال؟ اليهود قالوا عن أنفسهم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، والنصارى قالوا عن أنفسهم لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً .. كل منهم قال عن نفسه إن الجنة خاصة به. ولقد شكل قولهم هذا لنا لغزاً في العقائد .. من الذي سيدخل الجنة وحده .. اليهود أم النصارى؟ نقول: إن الله سبحانه وتعالى أجاب عن هذا السؤال بقوله جل جلاله: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ ..} تفسير : [البقرة: 113]. وهذا أصدق قول قالته اليهود وقالته النصارى بعضهم لبعض. فاليهود ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء .. وكلاهما صادق في مقولته عن الآخر .. في الآية الكريمة التي نحن بصددها .. اليهود قالوا إن الدار الآخرة خالصة لهم .. سنصدقهم ونقول لهم لماذا لا يتعجلون ويتمنون الموت .. فالمفروض أنهم يشتاقون للآخرة ما دامت خالصة لهم .. ولذلك قال الله تبارك وتعالى: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94] .. ولكنها أمانٍ كاذبة عند اليهود وعند النصارى .. واقرأ قوله سبحانه: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [المائدة: 18]. إذن هم يتوهمون أنهم مهما فعلوا من ذنوب فإن الله لن يعذبهم يوم القيامة .. ولكن عدل الله يأبى ذلك .. كيف يعذب بشراً بذنوبهم ثم لا يعذب اليهود بما اقترفوا من ذنوب .. بل يدخلهم الجنة في الآخرة .. وكيف يجعل الله سبحانه وتعالى الجنة في الآخرة لليهود وحدهم .. وهو قد كتب رحمته لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين برسالة الإسلام .. وأبلغ اليهود والنصارى بذلك في كتبهم .. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ..} تفسير : [الأعراف: 156-157]. إذا كانت هذه هي الحقيقة الموجودة في كتبهم .. والحق تبارك وتعالى يقول: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 85]. فكيف يَدَّعِي اليهود أن الدار الآخرة خالصة لهم يوم القيامة؟ ولكن الحق جل جلاله يفضح كذبهم ويؤكد لنا أن ما يقولونه هم أول من يعرف أنه كذب.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن كمال جهلهم وغرورهم إن اليهود ادعوا الاختصاص عن الله تعالى بالأشياء، فكذبهم الله تعالى بقوله: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ} [البقرة: 94]، إلى قوله: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 96] والإشارة في تحقيق الآيات أن من علامات الاشتياق تمني الموت على بساط العوافي، ومن وثق أن الجنة له فلا محب له ليشتاق إليها، وفيه معنى آخر وهو من أمارة أن يكون المرء من أهل الجنة تمنيه الموت لقوله تعالى: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} [البقرة: 94]، قال عقيب ادعائهم أنهم أهل الجنة بفاء التعقيب يعني {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94]، موقنين من أهل الجنة حقيقة، فتمني الموت يكون بوصف حالكم. ثم قال تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 95]، من سوء الأفعال والأقوال والأحوال؛ يعني: أن لا يكون تمني الموت من نتائج معاملات السوء التي توجب النار، وفيه إشارة إلى النار باب علوم الظاهر المنكرين على أرباب علوم الباطن يزعمون أنهم من أهل النجاة والدرجات دون الأئمة المحققين، فجعل الله تعالى أمارة أهل النجاة السلامة مع الحياة الدنيا وتمني الموت، وهذا وصف حال السالك الصادق والمحقق العاشق، كما قال بعضهم: شعر : أقتلوني يا ثِقاتي إِنَّ في قَتلي حَياتي وَمَماتي في حَياتي وَحَياتي في مَماتي تفسير : وحال المنكرين من أهل الأهواء والبدع والعلماء الحريصين على الدنيا بخلاف هذا، فإنهم لن يتمنوه أبداً قال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} [البقرة: 96] لأن المشرك وإن كان حريصاً على الحياة، ولكن لم يكن له خوف العذاب لإنكاره البعث ولمنكر المعرفة حرص الحياة وخوف العذاب، فيكون أحرص على الحياة من المشرك، وفيه أن حب الحياة من نتيجة الغفلة عن الله، فأشدهم عنه غفلة أحبهم للبلقاء في الدنيا وحال المؤمن على ضده فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده والعبد الآبق لا يريد الرجوع إلى سيده، وفي الحديث الصحيح: "حديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"تفسير : أي: محبة العبد للقاء نتيجة محبة الله للقاء العبد كقوله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]. ثم أخبر عن غاية خذلانهم من عداوتهم لجبريل لقوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} [البقرة: 97]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى خص النبي صلى الله عليه وسلم من سائر الأنبياء بإنزال القرآن على قلبه، فإن جميع الكتب كان ينزل ظاهراً جملة واحدة في الألواح والصحائف مكتوبة. * فمن فوائد ضرورة القرآن معجزة بأن يأتي بمثل هذا القرآن الذي لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذه القرآن لا يأتون بمثله لآية. ومنها: أن القرآن لما أنزل على قلبه صلى الله عليه وسلم أنزل عليه آية وآيات أو سورة بدفعات في مدة ثلاث وعشرين سنة من سني النبوة؛ ليتصف قلبه بأخلاق القرآن، وما أشير إليه فيه ويتأدب بآدابه كما روي عن عائشة - رضي الله عنها - وعن أبيها حين سُئلت ما كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى يقول: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}تفسير : [القلم: 4]، قالت: "كان خلقه القرآن" كقوله تعالى في جواب الكفار حين قالوا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة قال تعالى: {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}تفسير : [الفرقان: 32]، ومنها أن القرآن لما نزل أنزل على قلبه صار قلبه خاشعاً خاضعاً من خشية تعالى حتى قال: "أنا أعلمكم بالله وأخشاكم منه"، وهذا من خصائص إنزال القرآن على قلبه لقوله تعالى: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ}تفسير : [الحشر: 21]، ولو كانت التوراة أنزلت على قلب موسى عليه السلام لا في الألواح ما ألقى الألواح في حال الغضب، وما يحتاج إلى صحبة الخضر عليه السلام لتعلم العلم اللدني. وقوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98] أي: عدواتهم لله وملائكته لأن الله وملائكته عدو لهم يعني عداوتهم لله نتيجة عداوة الله تعالى لهم كقوله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، فإن محبة المؤمنين نتيجة محبة الله تعالى لهم؛ لأن صفات الله تعالى قديمة وصفات الخلق محدثة، فلما نظر الله تعالى بنظر القهر والجلال والخذلان إلى ذات الكافرين، وقال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي، صار ذلك النظر بذر شجرة شقاوتهم فأثمرت الشجرة شجرة العداوة لله تعالى وملائكته، وكذا أحوال المؤمنين على الضد من هذا. ثم قال تعالى في جواب ابن صوريا حين قال: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها بقوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [البقرة: 99]، إلى قوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ} الآيتين والإشارة فيهما أن معجزة كل نبي كان ظهورها على الأنبياء في الظاهر كإحياء الطيور لإبراهيم عليه السلام واليد والعصا لموسى عليه السلام وإحياء الموتى وإبرار الأكمه والأبرص لعيسى عليه السلام فهم والخلق في مشاهدتها سواء، وكان معجزة النبي صلى الله عليه وسلم إنزال الآيات البينات على قلبه فكان ظهورها في نفسه صلى الله عليه وسلم أولاً، ثم تظهر على الخلق ثانياً بعد أن صارت خلقه، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَا مِنْ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلا وَقَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُتِيتُهُ وَحْياً أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامَة"تفسير : حديث متفق على صحته. فالآيات البينات هي أنواع معجزات القرآن منها: جزالة لفظه، وفصاحة عبارته، وبلاغة نظمه الذي عجز عنها فصحاء العالم وبلغاؤه من حين نزوله إلى الآن، ومنها: أن الله تعالى جمع بلفظ معاني وحكم كثيرة في الألفاظ يسيرة، ومنها: إيجاز الكلام في إشباع من المعنى فالكلمة القليلة الحروف منه تضمن كثيراً من المعاني والحقائق وأنواعاً من الأحكام بحيث لا يتصور مثله من غير الله تعالى، ومنها: إدراج ما اشتملت عليه جميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم السلام - فيه من الأحكام والمواعظ والحكم مع ما تضمنه ما لم يشتمل عليه الكتب المنزلة سواه كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : أوتيت جوامع الكلم"،تفسير : ومنها: أن الله تعالى أنزل فيه ما أكمل به الدين وأتم به نعمته على عباده من أحكام الشريعة وآداب الطريقة وأسرار الحقيقة بحيث لم يترك دقيقة يحتاج إليها الكاملون الواصلون البالغون في أثناء سلوكهم وسيرهم إلى الله تعالى إلا أودعها فيه، كما قال تعالى: {أية : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59]، هذا مما يعجز عنه جميع الخلائق، ومنها: الإخبار عن شهود الأشياء الكامنة في الغيب إلى يوم القيامة فظهر كثير منها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى الآن كما أخبر عنه القرآن وغير ذلك من الآيات الواضحات. {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99]، الخارجون عن نور الروحانية إلى الظلمات البشرية الحيوانية وشدت عن إدراك بصائرهم، وسبق الشقاوة من الله تعالى قسمتهم؛ فكما لا عقل لمن يجحد أن النهار نهار، فكذلك لا إدراك لمن لم يساعده من الحق أنوار واستبصار لا جرم كلما عاهدوا عهداً كان يشوشهم سابق التقدير لهم وينقص عليهم حق التدبير فيهم والله غالب على أمره.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { قُلْ } لهم على وجه تصحيح دعواهم: { إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ } يعني الجنة { خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ } كما زعمتم، أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة، فإن كنتم صادقين بهذه الدعوى { فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ } وهذا نوع مباهلة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليس بعد هذا الإلجاء والمضايقة لهم بعد العناد منهم، إلا أحد أمرين: إما أن يؤمنوا بالله ورسوله، وإما أن يباهلوا على ما هم عليه بأمر يسير عليهم، وهو تمني الموت الذي يوصلهم إلى الدار التي هي خالصة لهم، فامتنعوا من ذلك. فعلم كل أحد أنهم في غاية المعاندة والمحادة لله ولرسوله، مع علمهم بذلك، ولهذا قال تعالى { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من الكفر والمعاصي، لأنهم يعلمون أنه طريق لهم إلى المجازاة بأعمالهم الخبيثة، فالموت أكره شيء إليهم، وهم أحرص على الحياة من كل أحد من الناس، حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بأحد من الرسل والكتب. ثم ذكر شدة محبتهم للدنيا فقال: { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } وهذا أبلغ ما يكون من الحرص، تمنوا حالة هي من المحالات، والحال أنهم لو عمروا العمر المذكور، لم يغن عنهم شيئا ولا دفع عنهم من العذاب شيئا. { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } تهديد لهم على المجازاة بأعمالهم.

همام الصنعاني

تفسير : 90- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجَزرِيِّ، عَنْ عِكْرَمة في قولِهِ تعالى: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ}: [الآية: 94]، قال: قال أبن عباس: حديث : قالَ أبو جَهل: لئن رأيت محمداً يُصلِّي عند الكعْبة لأطأنَّ على عُنِقه، فبلغ ذلِكَ رسُول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لو فَعَلَ لأخذته الملائكة عَيَاناً . تفسير : 91- قال: وَقَال ابنُ عبّاس: لو تمنَّى اليهود الموتَ لمَاتوا، ولَوْ خَرَج الَّذين يباهون النبي لرجعوا لا يجدوزن أهلاً ولا مالاً.