٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
95
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من موجبات النار، كالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن، وتحريف التوراة. ولما كانت اليد العاملة مختصة بالإنسان، آلة لقدرته بها عامة صنائعه ومنها أكثر منافعه، عبر بها عن النفس تارة والقدرة أخرى، وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان كما أخبر، لأنهم لو تمنوا لنقل واشتهر، فإن التمني ليس من عمل القلب ليخفى، بل هو أن يقول: ليت لي كذا، ولو كان بالقلب لقالوا: تمنينا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه، وما بقي على وجه الأرض يهودي» تفسير : {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ } تهديد لهم وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم، ونفيه عمن هو لهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من كفرهم بالنبي المستلزم لكذبهم {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّٰلِمينَ } الكافرين فيجازيهم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً...} وفي سورة الجمعة {أية : وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً} تفسير : - قال ابن عرفة؛ إن كانا بمعنى واحد فلا سؤال. وإن كانت "لَن" أبلغ في النفي كما يقول الزمخشري: فلعل تلك الآية نزلت قبل هذه، فلم تقتض المبالغة فجاءت هذه تأسيسا. قلت: قوله: "أبدا" دال على المبالغة، فقال: قد قالوا في قول الله تعالى: {أية : خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} تفسير : إنه عبارة على طول الإقامة فقط، وأجاب أبو جعفر بن الزبير بأن آية البقرة لما كانت جوابا لأمر أخروي مستقبل وليس في الحال إلاّ زعم مجرد ناسبه النفي بـ "لن" الموضوعة لنفي المستقبل لأن لَنْ يَفْعَلَ جواب سَيَفْعَل، وآية الجمعة جواب لزعمهم أنهم أولياء الله من دون الناس، وهو حكم دنيوي ووصف حالي، فناسبه النفي بـ "لا" التي ينفى بها المستقبل والحال، ولم ينف بـ "ما" الخاصة بالحال، لأنهم أرادوا أنهم أولياء الله مستمرون على ذلك إلى آخر حياتهم، فكذبوا بما ينفي ذلك.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولن يتمنوه} اى الموت {ابدا} اى فى جميع الزمان المستقبل لان ابدا اسم لجميع مستقبل الزمان كقط لماضيه وفيه دليل على ان لن ليس للتأبيد لانهم يتمنون الموت فى الآخرة ولا يتمنونه فى الدنيا {بما قدمت ايديهم} بسبب ما عملوا من المعاصى الموجبة لدخول النار كالكفر بالنبى عليه السلام والقرآن وتحريف التوراة وخص الايدى بالذكر لان الاعمال غالبا تكون بها وهى من بين جوارح الانسان مناط عامة صنائعه ومدار اكثر منافعه ولذا عبر بها تارة عن النفس واخرى عن القدرة {والله عليم بالظالمين} بهم وبما صدر عنهم وهو تهديد لهم ـ روى ـ ان اليهود لو تمنوا الموت لغص كل واحد منهم بريقه اى لامتلأ فمه بريقه فمات من ساعته ولما بقى على الارض يهودى الا مات فقوله ولن يتمنوه ابدا من المعجزات لانه اخبار بالغيب وكان كما اخبر به كقوله ولن تفعلوا ولو وقع من احد منهم تمنى موته لنقل واشتهر. فان قلت ان التمنى يكون بالقلب فلا يظهر لنا انهم تمنوه اولا. قلت ليس التمنى من اعمال القلوب انما هو قول الانسان بلسانه ليت لى كذا. وعن نافع جلس الينا يهودى يخاصمنا فقال ان فى كتابكم فتمنوا الموت وانا اتمنى فمالى لا اموت فسمع ابن عمر رضى الله عنهما هذا فدخل بيته واخذ السيف ثم خرج ففر اليهودى حين رآه فقال ابن عمر اما والله لو ادركته لضربت عنقه توهم هذا الجاهل انه لليهود فى كل وقت انما هو لاولئك الذين كانوا يعاندونه ويجحدون نبوته بعد ان عرفوه. فان قلت ان المؤمنين اجمعوا على انّ الجنة للمؤمنين دون غيرهم ثم ليس احد منهم يتمنى الموت فكيف وجه الاحتجاج على اليهود بذلك. قلت ان المؤمنين لم يجعلوا لانفسهم من الفضل والشرف والمرتبة عند الله ما جعلت اليهود ذلك لانفسهم لانهم ادعوا انهم ابناء الله واحباؤه وان الجنة خالصة لهم والانسان لا يكره القدوم على حبيبه ولا يخاف انتقامه بالمصير اليه بل يرجو وصوله الى محابه فقيل لهم تمنوا ذلك فلما لم يتمنوه ظهر كذبهم فى دعاويهم ولان النبى عليه الصلاة والسلام نهى عن تمنى الموت قال "حديث : لا يتمنى احدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل اللهم احينى ما كانت الحياة خيرا لى وتوفنى ما كانت الوفاة خيرا لى ". تفسير : قال مقاتل شعر : لولا بناتى وسيآتي لذبت شوقا الى الممات تفسير : فلا يلزمهم ما يلزم اليهود. قال سهل بن عبد الله التسترى قدس سره لا يتمنى الموت الا ثلاثة رجل جاهل بما بعد الموت او رجل يفر من اقدار الله عليه او مشتاق يحب لقاء الله: قال فى المثنوى شعر : شد هواى مرك طوق صادقان كه جهودانرا بد ان دم امتحان تفسير : روى عن صاحب المثنوى انه لما دنت وفاته تمثل له ملك الموت وقام عند الباب ولما رآه المولى قدس سره قال شعر : ييشترآ ييشترآ جان من بيك در حضرت سلطان من تفسير : قال بعض الملوك لابى حازم كيف القدوم على الله عز وجل فقال ابو حازم اما قدوم الطائع على الله فكقدوم الغائب على اهله المشتاقين اليه واما قدوم العاصى فكقدوم الآبق على سيده الغضبان: قال فى المثنوى شعر : انبيارا تنك آمد اين جهان جون شهان رفتند اندر لامكان جون مراسوى اجل عشق وهواست نهى لا تلقوا بايديكم مراست زانكه نهى ازدانه شيرين بود تلخ را خود نهى حاجت كى شو تفسير : واعلم ان الموت هو المصيبة العظمى والبلية الكبرى واعظم منه الغفلة عنه والاعراض عن ذكره وقلة الفكر فيه وترك العمل له وان فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر كما قيل كفى بالموت واعظا ومن ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة ومنعه عن تمنيها فى المستقبل وزهده فيما كان منها يؤمل ولكن القلوب الغافلة تحتاج الى تطويل الوعاظ وتزيين الالفاظ والا ففى قوله عليه السلام "حديث : اكثرو ذكر هاذم اللذات" تفسير : وقوله تعالى {أية : كل نفس ذائقة الموت} تفسير : [آل عمران: 185] ما يكفى السامع له ويشغل الناظر فيه. فعلى العاقل ان يسعى للموت بالاختيار قبل الموت بالاضطرار ويزكى نفسه عن سفساف الاخلاق: قال السعدى قدس سره شعر : اى برادر جوعاقبت خاكست خاك شوبيش ازانكه خاك شوى تفسير : اللهم يسر لنا الطريق.
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى عن هؤلاء الذين قيل لهم: {تمنوا الموت إن كنتم صادقين} بانهم لا يتمنون ذلك ابداً. قد بينا ان في ذلك دلالة على صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) من حيث تضمنت انهم لا يتمنون ذلك في المستقبل. وكان كما قال. وقوله: {أبداً} نصب على الظرف: اي لم يتمنوه ابداً طول عمرهم. كقول القائل: لا أكلمك ابداً،. وانما يريد ما عشت. وقوله: {بما قدمت أيديهم} معناه بالذي قدمت ايديهم ويحتمل ان يكون المراد بتقدمة ايديهم: فتكون (ما) مع ما بعدها بمنزلة المصدر. وقوله: {والله عليم بالظالمين} انما خص الظالمين بذلك ـ وان كان عالماً بغيرهم لأن الغرض بذلك الزجر، كانه قال: عليم بمجازاة الظالمين. كما يقول القائل لغيره، مهدداً له: انا عالم بك بصير بما تعمله. وقيل: انه عليم بانهم لا يتمنونه ابداً حرصاً على الحياة، لان كثيراً منهم يعلم انه مبطل: وهم المعاندون منهم الذين يكتمون الحق وهم يعلمون.
الجنابذي
تفسير : {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من الرّشا على الاحكام والحكم لغير المستحقّ بالمصانعات والشّفاعات وتحريم المحلّلات وتحليل المحرّمات من الاموال والفروج والدّماء، وتحريف الكتاب والكفر بما يعرفونه {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ} وضع الظّاهر موضع المضمر اظهاراً لوصفهم المذموم واشعاراً بأنّهم ظالمون فى جميع ما وقع منهم وفى دعوئهم ما ليس لهم وهو تهديدٌ لهم.
اطفيش
تفسير : {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بما قدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}: أى بما قالوا وما اعتقدوا من الكفر بالنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وغيره. وما فعلوا من الكبائر كتحريف القرآن، وذلك يستلزم كذبهم لما كانت عامة أفعال الإنسان بيده من جلب الخير ودفع الشر نسب تقديم العمل إليها، ولو كان من غير عملها، ولما كانت آلة للقدرة صح إطلاقها على النفس وهو معنى الآية، أى بما قدمت أنفسهم أى بما قدموا، كما نطلق على القدرة كقوله جل وعلا: {أية : يد الله فوق أيديهم} تفسير : وأبدا ظرف مؤكد لتأييد لن توكيداً لغوياً لا اصطلاحياً فضلا عن أن يقال: لا يؤكد الحرف بالاسم، ونفى تمنى الموت عنهم أبداً إخباراً بالغيب معجزة عظيمة، لا يكاد اليهود إلى أن يكابروها أمر الله نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يدعوهم إلى تمنى الموت، وأن يعلمهم أن ما تمناه منهم مات فيدخل الجنة بعد موته على زعمه، ففعل النبى ذلك فعلموا صدقه فى أنهم لو تمنوه لماتوا فلم يتمنوه، لعلمهم أن اعتقادهم وأقوالهم وأفعالهم توجب النار دون الجنة، وأنهم كاذبون، وللحرص على الحياة، ويحتمل أن الله جل وعلا تحداهم لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنهم إن صدقوا فليجعلوا علامة صدقهم تمنى الموت مطلقاً لا يقيد التعليل بأن يدخلوها كما زعموا، فمنعهم الله جل وعلا عن تمنيه لتظهر الآية لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم. وفى كلام ابن عباس والزجاج إشارة إلى ذلك، وفى كلام عياض وأبى محمد الأصيلى، فأما الزجاج فقال: فى هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على صحة الرسالة، لأنه قال لهم فتمنوا الموت، وأعلمهم أنهم لم يتمنوه أبداً، فلم يتمنه واحد منهم، وأما أبو محمد الأصيلى فقال: من أعجب أمرهم أنه لا توجد جماعة منهم ولا واحد من يوم أمر الله نبيه يقدم عليه ولا يجيب إليه، وهذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنهم، وأما عياض فقال: ومن الوجوه البينة فى إعجاز القرآن أى وردت بتعجيز قوم فى قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فعلوا ولا قدروا عليها كقوله: {أية : قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة}تفسير : .. انتهى. وأما كلام ابن عباس فيأتى قريباً قال ـ صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذى نفسى بيده لا يقوله رجل منهم إلا غص بريقه مكانهُ" تفسير : أعنى مات، وروى البيهقى فى الدلائل عن ابن عباس رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقى يهودى على وجه الأرض" تفسير : وكان ابن عباس يقول: المراد بالتمنى فى الآية السؤال بالألسنة مطلقاً، أى فاطلبوا الموت بألسنتكم وإن لم يكن الطلب من قلوبكم، وهذا يؤيد الاحتمال الذى ذكرت بقولى، ويحتمل أن الله ـ جل وعلا ـ تحداهم لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ.. إلخ. والجمهور على أن المراد به تمنيه بالقلب والإخبار باللسان معاً بأن يتمنوه بالقلوب ويقولوا بالألسنة ليتنا متنا أو نحب الموت، أو اللهم أمتنا، وعندى أن التمنى من عمل القلب، وقولك: ليت لى كذا تعبيراً عما فيه، وقال الزمخشرى: التمنى قول الإنسان ليت لى كذا وأنه ليس من عمل القلب.. انتهى. وإن قلت: إن كان من عمل القلب لزم أن يكون التحدى بما فى القلب وهو سر لا يطلع عليه، والتحدى بما فيه محال، فمن أين تعلم أنهم لم يتمنوا؟ قلت: لو تمنى أحد منهم ولم يمت لم يكن شئ أحب إليه من الاختيار بذلك ليبطل به حجة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لشدة رغبتهم فى إبطالها وشدة عداوتهم له، وبالإخبار يخرج ذلك عن كونه سرا فلم يكن التحدى بما فى القلب مع أنه لا يلزم أن يكون ذلك تحدياً لجواز أن يكون مجردا إعلام بأنهم لا يتمنونه ولو تمنوه لماتوا وهم عالمون ذلك من أنفسهم، وإذا خاطبهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك علموا أنه مطلع بوحى الله على ما فيهم، سواء كان عدم التمنى والموت بالتمنى قبل نزول الآية أو بعده، وإن قيل من جانبهم لعلهم أو بعضهم قد تمنوا فلم يموتوا، ومنعهم عن الإخبار أنهم لا يصدقون، قلت: قد كذبوا بأشياء محسوسة لا مطمع فى تصديقها، فلم يمنعها عدم التصديق من أن يخبروا بها كيف لا يخبرون بأمر صدقوا فيه مع أنه غير مشاهد، وأنه قد يقوونه بالحلف، ثم إنه لو تمنى أحد منهم بلسانه أو مع قلبه ولم يمت لاشتهر ونقل لكثرة الطاعنين فى الإسلام والحرص فى تزييفه، وقد جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً. {واللهُ عليمٌ بالظَّالِمِينَ}: فيجازيهم ولا يخفون عنه فيقولوا فهذا تهديد لهم والظالمون بهم، وأصل الكلام والله عليم بهم فوضع الظاهر موضع المضمر ليصفهم بالظلم، ويحتمل أن يراد الظالمون كلهم والله عليم أيضاً بغير الظالمين، ولكن خص الظالمين بالذكر لأن السياق فيهم وللإيعاد والتهديد، ووصفهم بالظلم لأنه أعم من الشرك فكل مشرك ظالم لنفسه وليس كل ظالم مشركاً، فإن السارق والزانى بلا مشركاً تحليل وتارك الصلاة غير محل لتركها ونحوهم ظالمون لا مشركون وليفيد أنهم ظالمون لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين فى دعوى ما ليس لهم ونفيه عمن هو له.
اطفيش
تفسير : {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من تحريف التوراة وسائر معاصيهم، والكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن لعلمهم أنه على الحق، فتخونوا من عقاب الآخرة على إنكاره، ومن لم يعتقد منهم نبوءته فما قدمت يده عنده هو غير إنكاره صلى الله عليه وسلم {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّٰلِمِينَ} الجاحدين، والآية إخبار بالغيب إذ لم يقدروا أن يتمنوا، ودلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يوقنوا لتمنوا، ولا سيما إذ قلنا التمنى هنا التلفظ، فلم يقدروا أن يتلفظوا بالتمنى، ولو مع خلو قلوبهم منه، ولو قوع لنقل، ولو تمنوا لماتوا فى موضعهم بالريق، كما روى عن ابن عباس موقوفا، وروى عنه مرفوعا، وفى رواية عنه مرفوعا "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا" وعنه موقوفا ما بقى على وجه ا لأرض يهودى إلا مات.
الالوسي
تفسير : {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} الظاهر أنه جملة مستأنفة معترضة غير داخلة تحت الأمر سيقت من جهته تعالى لبيان ما يكون منهم من الإحجام الدال على كذبهم في دعواهم، والمراد لن يتمنوه ما عاشوا، وهذا خاص بالمعاصرين له صلى الله عليه وسلم على ما روي عن نافع رضي الله تعالى عنه قال: خاصمنا يهودي وقال: إن في كتابكم {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} الخ، فأنا أتمنى الموت، فمالي لا أموت، فسمع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فغضب، فدخل بيته وسل سيفه وخرج، فلما رآه اليهودي فرّ منه، وقال ابن عمر: أما والله لو أدركته لضربت عنقه، توهم هذا الكلب اللعين الجاهل أن هذا لكل يهودي أو لليهود في كل وقت لا إنما هو لأولئك الذين كانوا يعاندون ويجحدون نبوّة النبـي صلى الله عليه وسلم بعد أن عرفوا، وكانت المحاجة معهم باللسان دون السيف. ويؤيد هذا ما أخرج ابن جرير عن ابن عباس موقوفاً: «حديث : لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات»تفسير : وهذه الجملة إخبار بالغيب ومعجزة له صلى الله عليه وسلم، وفيها دليل على اعترافهم بنبوّته صلى الله عليه وسلم لأنهم لو لم يتيقنوا ذلك ما امتنعوا من التمني، وقيل: لا دليل، بل الامتناع كان بصرف الصرفة كما قيل في عدم معارضة القرآن، والقول بأنه كيف يكون ذلك معجزة مع أنه لا يمكن أن يعلم أنه لم يتمن أحد، والتمني أمر قلبـي لا يطلع عليه، مجاب عنه بأنا لا نسلم أن المراد بالتمني هنا الأمر القلبـي، بل هو أن يقول: ليت كذا ونحوه كما مر آنفاً، ولو سلم أنه أمر قلبـي فهذا مذكور على طريق المحاجة وإظهار المعجزة فلا يدفع إلا بالإظهار والتلفظ كما إذا قال رجل لامرأته: أنت طالق إن شئتِ أو أحببت، فإنه يعلق بالإخبار لا بالإضمار، فحيث ثبت عدم تلفظهم بالإخبار، وبأنه لو وقع لنقل واشتهر لتوفر الدواعي إلى نقله لأنه أمر عظيم يدور عليه أمر/ عظيم يدور عليه أمر النبوّة، فإنه بتقدير عدمه يظهر صدقه، وبتقدير حصوله يبطل القول بنبوته ثبت كونه معجزة أيده بها ربه، ومن حمل التمني على المجاز لا يرد عنده هذا السؤال، ولا يحتاج إلى هذا الجواب، وقد علمت ما فيه. وذهب جمهور المفسرين إلى عموم حكم الآية لجميع اليهود في جميع الأعصار، ولست ممن يقول بذلك وإن ارتضاه الجم الغفير، وقالوا: إنه المشهور الموافق لظاهر النظم الكريم، اللهم إلا أن يكون ذلك بالنسبة إلى جميع اليهود المعتقدين نبوّته صلى الله عليه وسلم الجاحدين لها في جميع الأعصار ـ لا بالنسبة إلى اليهود مطلقاً في جميعها ـ ومع هذا لي فيه نظر بَعدُ. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي بسبب ما عملوا من المعاصي الموجبة للنار كالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقتل الأنبياء، و (ما) موصولة، والعائد محذوف أو مصدرية ولا حذف، واليد كناية عن نفس الشخص، ويكنى بها عن القدرة أيضاً لما أنها من بين جوارح الإنسان مناط عامة صنائعه ومدار أكثر منافعه، ولا يجعل الإسناد مجازياً؛ واليد على حقيقتها فيكون المعنى بما قدموا بأيديهم كتحريف التوراة ليشمل ما قدموا بسائر الأعضاء، وهو أبلغ في الذم. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ} تذييل للتهديد والتنبيه على أنهم ظالمون في ادعاء ما ليس لهم ونفيه عن غيرهم، والمراد ـ بالعلم ـ إما ظاهر معناه، أو أنه كنى به عن المجازاة، ـ وأل ـ إما للعهد وإيثار الإظهار على الإضمار للذم، وإما للجنس فيدخل المعهودون فيه على طرز ما تقدم.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِٱلظَّالِمينَِ} (95) - وَلَنْ يَتَمَنَّى هَؤُلاءِ الكَافِرُونَ بِكَ يا مُحَمَّدُ أنْ يَنْزِلَ بِهِم المَوتُ أبَداً، لأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ، وَمَا أسْلَفَتْ مِنْ سَيِّئِ الأعْمَالِ، فَهُمْ يَخَافُونَ عِقَابَ الله عَلَيها، وَاللهُ يَعْلَمُ أنَّهُمْ ظَالِمُونَ في قَوْلِهِمْ: إِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ خَالِصَةٌ لَهُم مِنْ دُونِ النَّاسِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : إنهم لن يتمنوا الموت أبداً بل يخافونه .. والله تبارك وتعالى حين أنزل هذه الآية .. وضع قضية الإيمان كله في يد اليهود .. بحيث يستطيعون إن أرادوا أن يشككوا في هذا الدين .. كيف؟ ألم يكن من الممكن عندما نزلت هذه الآية أن يأتي عدد من اليهود ويقولوا ليتنا نموت .. نحن نتمنى الموت يا محمد. فادع لنا ربك يميتنا .. ألم يكن من الممكن أن يقولوا هذا؟ ولو نفاقاً .. ولو رياءً ليهدموا هذا الدين .. ولكن حتى هذه لم يقولوها ولم تخطر على بالهم .. انظر إلى الإعجاز القرآني في قوله سبحانه: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ} [البقرة: 95]. لقد حكم الله سبحانه حكماً نهائياً في أمر إختياري لعدو يعادي الإسلام .. وقال إن هذا العدو وهم اليهود لن يتمنوا الموت .. وكان من الممكن أن يفطنوا لهذا التحدي .. ويقولوا بل نحن نتمنى الموت ونطلبه من الله .. ولكن حتى هذه لم تخطر على بالهم؛ لأن الله تبارك وتعالى إذا حكم في أمر اختياري فهو يسلب من أعداء الدين تلك الخواطر التي يمكن أن يستخدموها في هدم الدين .. فلا تخطر على بالهم أبداً مثلما تحداهم الله سبحانه من قبل في قوله تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ..} تفسير : [البقرة: 142]. ولقد نزلت هذه الآية الكريمة قبل أن يقولوا .. بدليل استخدام حرف السين في قوله: "سيقولُ" .. ووصفهم الله جل جلاله بالسفهاء .. ومع ذلك فقد قالوا .. ولو أن عقولهم تنبهت لسكتوا ولم يقولوا شيئاً .. وكان في ذلك تحدٍّ للقرآن الكريم .. كانوا سيقولون لقد قال الله سبحانه وتعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 142] .. ولكن أحداً لم يقل شيئاً فأين هم هؤلاء السفهاء ولماذا لم يقولوا؟ وكان هذا يعتبر تحدياً للقرآن الكريم في أمر يملكون فيه حرية الاختيار .. ولكن لأن الله هو القائل والله هو الفاعل .. لم يخطر ذلك على بالهم أبداً، وقالوا بالفعل. في الآية الكريمة التي نحن بصددها .. تحداهم القرآن أن يتمنوا الموت ولم يتمنوه .. وكان الكلام المنطقي ما دامت الدار الآخرة خالصة لهم .. والله تحداهم أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين لتمنوه .. ليذهبوا إلى نعيم أبدي .. ولكن الحق حكم مسبقاً أن ذلك لن يحدث منهم .. لماذا؟ لأنهم كاذبون ويعلمون أنهم كاذبون .. لذلك فهم يهربون من الموت ولا يتمنونه. انظروا مثلاً إلى العشرة المبشرين بالجنة .. عمار بن ياسر في الحرب في حنينٍ .. كان ينشد وهو يستشهد الآن ألقى الأحبة محمداً وصحبه .. كان سعيداً لأنه أصيب وكان يعرف وهو يستشهد أنه ذاهب إلى الجنة عند محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته .. هكذا تكون الثقة في الجزاء والبشرى بالجنة .. وعبد الله بن رواحة كان يحارب وهو ينشد ويقول: شعر : يا حبـذا الجـنة واقتـرابـها طيـبة وبـارد وشـرابـها تفسير : والإمام علي رضي الله عنه يدخل معركة حنين ويرتدي غلالة ليس لها دروع .. لا ترد سهماً ولا طعنة رمح .. حتى إن ابنه الحسن يقول له: يا أبي ليست هذه لباس حرب .. فيرد علي كرم الله وجهه: يا بني إن أباك لا يبالي أسقط على الموت أم سقط الموت عليه .. وسيدنا حذيفة بن اليمان ينشد وهو يحتضر .. حبيب جاء على ناقة لا ربح من ندم .. إذن الذين يثقون بآخرتهم يحبون الموت. وفي غزوة بدر سأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. يا رسول الله أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فيقتلوني .. فيجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم .. وكان في يد الصحابي تمرات يمضغها .. فيستبطئ أن يبقى بعيداً عن الجنة حتى يأكل التمرات فيلقيها من يده ويدخل المعركة ويستشهد. هؤلاء هم الذين يثقون بما عند الله في الآخرة .. ولكن اليهود عندما تحداهم القرآن الكريم بقوله لهم: {أية : فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [البقرة: 94] .. سكتوا ولم يجيبوا .. ولو تمنوا الموت لانقطع نفس الواحد منهم وهو يبلع ريقه فماتوا جميعاً .. قد يقول قائل وهل التمني باللسان؟ ربما تمنوا بالقلب .. نقول ما هو التمني؟ نقول إن التمني هو أن تقول لشيء محبوب عندك ليته يحدث. فهو قول .. وهب أنه عمل قلبي فلو أنهم تمنوا بقلوبهم لاطلع الله عليها وأماتهم في الحال .. ولكن ما دام الحق تبارك وتعالى قال: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} [البقرة: 95] .. فهم لن يتمنوهُ سواء كان باللسان أو بالقلب .. لأن الادعاء منهم بأن لهم الجنة عند الله خالصة أشبه بقولهم الذي يرويه لنا القرآن في قوله سبحانه: {أية : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 80]. وقوله تعالى: {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 95] .. أي أن أعمالهم السيئة تجعلهم يخافون الموت .. أما صاحب الأعمال الصالحة فهو يسعد بالموت .. ولذلك نسمع أن فلاناً حين مات كان وجهه أشبه بالبدر لأن عمله صالح .. فساعة الموت يعرف فيها الإنسان يقيناً أنه ميت .. فالإنسان إذا مرض يأمل في الشفاء ويستبعد الموت .. ولكن ساعة الغرغرة يتأكد الإنسان أنه ميت ويستعرض حياته في شريط عاجل .. فإن كان عمله صالحاً تنبسط أساريره ويفرح لأنه سينعم في الآخرة نعيماً خالداً .. لأنه في هذه الساعة والروح تغادر الجسد يعرف الإنسان مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار .. وتتسلمه إما ملائكة الرحمة وإما ملائكة العذاب .. فالذي أطاع الله يستبشر بملائكة الرحمة .. والذي عصى وفعل ما يغضب الله يستعرض شريط أعماله .. فيجده شريط سوء وهو مقبل على الله .. وليست هناك فرصة للتوبة أو لتغيير أعماله .. عندما يرى مصيره إلى النار تنقبض أساريره وتقبض روحه على هذه الهيئة .. فيقال فلان مات وهو أسود الوجه منقبض الأسارير. إذن فالذي أساء في دنياه لا يتمنى الموت أبداً .. أما صاحب العمل الصالح فإنه يستبشر بلقاء الله. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تمني الموت فقال: (حديث : لاَ يَتَمَنَّينَّ أحدُكم الموتَ ولا يدعو به من قَبلِ أن يَأْتِيَه إلا أن يكون قد وَثِقَ بعملِه ). تفسير : نقول إن تمني الموت المنهي عنه هو تمني اليأس وتمني الاحتجاج على المصائب .. يعني يتمنى الموت لأنه لا يستطيع أن يتحمل قدر الله في مصيبة حدثت له .. أو يتمناه احتجاجاً على أقدار الله في حياته .. هذا هو تمني الموت المنهي عنه .. أما صاحب العمل الصالح فمستحب له أن يتمنى لقاء الله .. واقرأ قوله تعالى في آخر سورة يوسف: {أية : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [يوسف: 101]. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي لا تتمنوا الموت جزعاً مما يصيبكم من قدر الله .. ولكن اصبروا على قدر الله .. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ} [البقرة: 95] .. لأن الله عليم بظلمهم ومعصيتهم .. هذا الظلم والمعصية هو الذي يجعلهم يخافون الموت ولا يتمنونه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):