Verse. 103 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَلَتَجِدَنَّھُمْ اَحْرَصَ النَّاسِ عَلٰي حَيٰوۃٍ۝۰ۚۛ وَمِنَ الَّذِيْنَ اَشْرَكُــوْا۝۰ۚۛ يَوَدُّ اَحَدُ ھُمْ لَوْ يُعَمَّرُ اَلْفَ سَـنَۃٍ۝۰ۚ وَمَا ھُوَبِمُزَحْزِحِہٖ مِنَ الْعَذَابِ اَنْ يُّعَمَّرَ۝۰ۭ وَاللہُ بَصِيْرٌۢ بِمَا يَعْمَلُوْنَ۝۹۶ۧ
Walatajidannahum ahrasa alnnasi AAala hayatin wamina allatheena ashrakoo yawaddu ahaduhum law yuAAammaru alfa sanatin wama huwa bimuzahzihihi mina alAAathabi an yuAAammara waAllahu baseerun bima yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولتجدنهم» لام قسم «أحرص الناس على حياة و» أحرص «من الذين أشركوا» المنكرين للبعث عليها لعلمهم بأن مصيرهم النار دون المشركين لإنكارهم له «يودُّ» يتمنى «أحدهم لو يعمر ألف سنة» لو مصدرية بمعنى أن وهي بصلتها في تأويل مصدر مفعول يود «وما هو» أي أحدهم «بمزحزحه» مبعده «من العذاب» النار «أن يعمَّر» فاعل مزحزحه أي تعميره «والله بصير بما يعملون» بالياء والتاء فيجازيهم وسأل ابن صوريا النبي أو عمر عمن يأتي بالوحي من الملائكة فقال جبريل فقال هو عدونا يأتي بالعذاب ولو كان ميكائيل لآمنا لأنه يأتي بالخصب والسلم فنزل:

96

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم لا يتمنون الموت أخبر في هذه الآية أنهم في غاية الحرص على الحياة لأن ههنا قسماً ثالثاً وهو أن يكون الإنسان بحيث لا يتمنى الموت ولا يتمنى الحياة فقال: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ }. أما قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ } فهو من وجد بمعنى علم المتعدي إلى المفعولين في قوله: وجدت زيداً ذا حفاظ، ومفعولاه «هم» و «أحرص» وإنما قال: {عَلَىٰ حَيَوٰةٍ } بالتنكير لأنه حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قراءة أبي «على الحياة» أما الواو في قوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } ففيه (ثلاثة أقول): أحدها: أنها واو عطف والمعنى أن اليهود أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا كقولك: هو أسخى الناس ومن حاتم. هذا قول الفراء والأصم. فإن قيل: ألم يدخل الذين أشركوا تحت الناس؟ قلنا: بلى ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بالمعاد وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقياً باعظم التوبيخ، فإن قيل: ولم زاد حرصهم على حرص المشركين؟ قلنا: لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك. القول الثاني: أن هذه الواو واو استئناف وقد تم الكلام عند قوله: «على حياة» (و) تقديره ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم على حذف الموصوف كقوله: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ له مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164]. القول الثالث: أن فيه تقديماً وتأخيراً وتقديره. ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة، ثم فسر هذه المحبة بقوله: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } وهو قول أبي مسلم، والقول الأول أولى لأنه إذا كانت القصة في شأن اليهود خاصة فالأليق بالظاهر أن يكون المراد: ولتجدن اليهود أحرص على الحياة من سائر الناس ومن الذين أشركوا ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم. إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا والله أعلم. المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } على ثلاثة أقوال قيل المجوس: لأنهم كانوا يقولون لملكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان، وعن ابن عباس هو قول الأعاجم: زي هزارسال، وقيل: المراد مشركوا العرب وقيل: كل مشرك لا يؤمن بالمعاد، لأنا بينا أن حرص هؤلاء على الدنيا ينبغي أن يكون أكثر وليس المراد من ذكر ألف سنة قول الأعاجم عش ألف سنة، بل المراد به التكثير وهو معروف في كلام العرب. أما قوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } فالمراد أنه تعالى بين بعدهم عن تمني الموت من حيث إنهم يتمنون هذا البقاء ويحرصون عليه هذا الحرص الشديد، ومن هذا حاله كيف يتصور منه تمني الموت؟ أما قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في أن قوله: {وَمَا هُوَ } كناية عماذا؟ فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه كناية عن «أحدهم» الذي جرى ذكره أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره، وثانيها: أنه ضمير لما دل عليه «يعمر» من مصدره و (أن يعمر) بدل منه، وثالثها: أن يكون مبهماً و (أن يعمر) موضحه. المسألة الثانية: الزحزحة التبعيد والإنحاء، قال القاضي: والمراد أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير ولو قال تعالى: وما هو بمبعده وبمنجيه لم يدل على قلة التأثير كدلالة هذا القول. وأما قوله تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } فاعلم أن البصر قد يراد به العلم، يقال: إن لفلان بصراً بهذا الأمر، أي معرفة، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها وكلا الوصفين يصحان عليه سبحانه إلا أن من قال: إن في الأعمال ما لا يصح أن يرى حُمِلَ هذا البصر على العلم لا محالة والله أعلم.

القرطبي

تفسير : . قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ} يعني اليهود. {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} قيل: المعنى وأحرص؛ فحذف {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} لمعرفتهم بذنوبهم وألاّ خير لهم عند الله؛ ومشركو العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة ولا علم لهم من الآخرة؛ ألا ترى قول شاعرهم:شعر : تمتّع من الدنيا فإنك فانٍ من النَّشَوات والنساء الحسان تفسير : والضمير في «أَحَدُهُمْ» يعود في هذا القول على اليهود. وقيل: إن الكلام تم في «حياة» ثم ٱستؤنف الإخبار عن طائفة من المشركين. قيل: هم المجوس؛ وذلك بيِّن في أدعياتهم للعاطس بلغاتهم بما معناه «عِشْ ألفَ سنة» وخُصّ الألف بالذكر لأنها نهاية العقد في الحساب. وذهب الحسن إلى أن {ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} مشركو العرب، خُصُّوا بذلك لأنهم لا يؤمنون بالبعث؛ فهم يتمّنون طول العمر. وأصل سنة سَنْهَة. وقيل: سَنْوَة. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس على حياة. قوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} أصل «يَوَدُّ» يَوْدَد، أُدغمت لئلا يجمع بين حرفين من جنس واحد متحركين؛ وقُلبت حركة الدال على الواو؛ ليدل ذلك على أنه يفعل. وحكى الكسائي: ودَدْتُ؛ فيجوز على هذا يَوِدّ بكسر الواو. ومعنى يَوَدّ: يتمنّى. قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} اختلف النحاة في هو، فقيل: هو ضمير الأحد المتقدّم، التقدير ما أحدهم بمزحزحه، وخبر الابتداء في المجرور. «أن يُعَمَّر» فاعل بمزحزح. وقالت فرقة: هو ضمير التعمير، والتقدير وما التعمير بمزحزحه، والخبر في المجرور، «أن يعمر» بدل من التعمير على هذا القول. وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: «هو» عِماد. قلت: وفيه بُعْدٌ، فإن حقّ العِماد أن يكون بين شيئين متلازمين؛ مثل قوله: {أية : إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ}تفسير : [الأنفال: 32]، وقوله: {أية : وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الزخرف: 76] ونحو ذلك. وقيل: «ما» عاملة حجازية، و «هو» ٱسمها، والخبر في «بِمُزَحْزِحِهِ». وقالت طائفة: «هو» ضمير الأمر والشأن. ٱبن عطية: وفيه بُعْدٌ، فإن المحفوظ عن النحاة أن يفسَّر بجملة سالمة من حرف جَرّ. وقوله: {بِمُزَحْزِحِهِ} الزحزحة: الإبعاد والتّنحية؛ يقال: زحزحته أي باعدته فتزحزح أي تنحى وتباعد؛ يكون لازماً ومتعدياً؛ قال الشاعر في المتعدّي:شعر : يا قابضَ الرُّوحِ من نفس إذا ٱحتضرتْ وغافرَ الذنب زَحْزِحْنِي عن النارِ تفسير : وأنشد ذو الرُمّة:شعر : يا قابض الروح عن جسم عصى زمناً وغافر الذنب زحزحني عن النار تفسير : وقال آخر في اللازم:شعر : خليليّ ما بالُ الدُّجَى لا يتزحزح وما بالُ ضَوْءِ الصّبح لا يتوضّحُ تفسير : وروى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من صام يوماً في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار سبعين خريفاً».تفسير : قوله تعالى: {بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي بما يعمل هؤلاء الذين يَوَدّ أحدهم أن يُعمَّر ألف سنة. ومن قرأ بالتاء فالتقدير عنده: قل لهم يا محمد الله بصير بما تعملون. وقال العلماء: وصف الله عز وجل نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيّات الأمور. والبصير في كلام العرب: العالم بالشيء الخبير به؛ ومنه قولهم: فلان بصير بالطّب، وبصير بالفقه، وبصير بملاقاة الرجال؛ قال:شعر : فإن تسألوني بالنساء فإنني بصيرٌ بأدواء النساء طبيب تفسير : قال الخطابي: البصير العالم، والبصير المُبْصِر. وقيل: وصف تعالى نفسه بأنه بصير على معنى جاعل الأشياء المبصرة ذوات إبصار، أي مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة والقوّة؛ فالله بصير بعباده، أي جاعل عباده مبصرين.

البيضاوي

تفسير : {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ } من وجد بعقله الجاري مجرى علم، ومفعولاه هم وأحرص الناس، وتنكير حياة لأنه أريد بها فرد من أفرادها وهي: الحياة المتطاولة، وقرىء باللام. {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } محمول على المعنى وكأنه قال: أحرص من الناس على الحياة ومن الذين أشركوا. وإفراده بالذكر للمبالغة، فإن حرصهم شديد إذ لم يعرفوا إلا الحياة العاجلة، والزيادة في التوبيخ والتقريع، فإنهم لما زاد حرصهم ـ وهم مقرون بالجزاء على حرص المنكرين ـ دل ذلك على علمهم بأنهم صائرون إلى النار، ويجوز أن يراد وأحرص من الذين أشركوا، فحذف أحرص لدلالة الأول عليه، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف صفته {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ } على أنه أريد بالذين أشركوا اليهود لأنهم قالوا: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 30] أي: ومنهم ناس يود أحدهم، وهو على الأولين بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف. {لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } حكاية لودادتهم، ولو بمعنى ليت وكان أصله: لو أعمر، فأجرى على الغيبة لقوله: يود، كقولك حلف بالله ليفعلن {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ } الضمير لأحدهم، وأن يعمر فاعل مزحزحه، أي وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره، أو لما دل عليه يعمر. وأن يعمر بدل منه. أو منهم، وأن يعمر موضحه وأصل سنة سنوة لقولهم سنوات. وقيل سنهة كجبهة لقولهم سانهته وتسنهت النخلة إذا أتت عليها السنون، والزحزحة التبعيد {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } فيجازيهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَتَجِدَنَّهُمْ } لام قسم { أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ و} أحرص {مِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } المنكرين للبعث عليها لعلمهم بأنّ مصيرهم النار دون المشركين لإنكارهم له {يَوَدُّ } يتمنى {أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } (لو) مصدرية بمعنى (أن) وهي بصلتها في تأويل مصدر مفعول (يودّ) {وَمَا هُوَ } أي أحدهم {بِمُزَحْزِحِهِ } مبعده {مِّنَ ٱلْعَذَابِ } النار {أَن يُعَمَّرَ } فاعل مزحزحه أي تعميره {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } بالياء والتاء فيجازيهم. وسأل ابن صوريا النبي أو عمر عمن يأتي بالوحي من الملائكة فقال جبريل فقال هو عدوّنا يأتي بالعذاب ولو كان ميكائيل لآمنا لأنه يأتي بالخصب والسلم فنزل:

ابن عطية

تفسير : "وجد" في هذا المعنى تتعدى إلى مفعولين لأنها من أفعال النفس، ولذلك صح تعديها إلى ضمير المتكلم في قول الشاعر: شعر : تَلَفَّتُّ نحو الحيِّ حتَّى وجدتُني وَجِعْتُ من الإصغاءِ لِيتاً وأخدعا تفسير : وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الضب: "حديث : إنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" تفسير : ، وحرصهم على الحياة لمعرفتهم بذنوبهم وأن لا خير لهم عند الله تعالى. وقوله تعالى: {ومن الذين أشركوا} قيل المعنى وأحرص من الذين أشركوا، لأن مشركي العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا، ألا ترى إلى قول امرىء القيس [الطويل]: شعر : تمتّعْ من الدنيا فإنك فان تفسير : والضمير في {أحدهم} يعود في هذا القول على اليهود، وقيل إن الكلام تم في قوله {حياة}، ثم استؤنف الإخبار عن طائفة من المشركين أنهم {يود أحدهم} وهي المجوس، لأن تشميتهم للعاطس لفظ بلغتهم معناه "عِشْ ألف سنة" فكأن الكلام: ومن المشركين قوم {يود أحدهم}، وفي هذا القول تشبيه بني إسرئيل بهذه الفرقة من المشركين، وقصد "الألف" بالذكر لأنها نهاية العقد في الحساب. وقوله تعالى: {وما هو بمزحزحه}: اختلف النحاة في {هو}، فقيل هو ضمير الأحد المتقدم الذكر، فالتقدير وما أحدهم بمزحزحه وخبر الابتداء في المجرور، و {أن يعمر} فاعل بمزحزح، وقالت فرقة هو ضمير التعمير، والتقدير وما التعمير بمزحزحه والخبر في المجرور، و {أن يعمر} بدل من التعمير في هذا القول، وقالت فرقة {هو} ضمير الأمر والشأن، وقد رد هذا القول بما حفظ عن النحاة من أن الأمر والشأن إنما يفسر بجملة سالمة من حرف جر، وقد جوز أبو علي ذلك في بعض مسائله الحلبيات، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت هو عماد، وقيل {ما} عاملة حجازية و {هو} اسمها والخبر في {بمزحزحه}، والزحزحة الإبعاد والتنحية. وفي قوله {والله بصير بما يعملون} وعيد، والجمهور على قراءة "يعملون" بالياء من أسفل، وقرأ قتادة والأعرج ويعقوب "تعملون" بالتاء من فوق، وهذا على الرجوع إلى خطاب المتوعدين من بني إسرائيل. وقوله تعالى: {قل من كان عدواً لجبريل} الآية: نزل على سبب لم يتقدم له ذكر فيما مضى من الآيات، ولكن أجمع أهل التفسير أن اليهود قالت: جبريل عدونا، واختلف في كيفية ذلك، فقيل إن يهود فدك قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نسألك عن أربعة أشياء فإن عرفتها اتبعناك، فسألوه عما حرم إسرائيل على نفسه، فقال: لحوم الإبل وألبانها، وسألوه عن الشبه في الولد، فقال: أي ماء علا كان الشبه له، وسألوه عن نومه، فقال: تنام عيني ولا ينام قلبي، وسألوه عمن يجيئه من الملائكة، فقال: جبريل، فلما ذكره قالوا ذاك عدونا، لأنه ملك الحرب والشدائد والجدب، ولو كان الذي يجيئك ميكائيل ملك الرحمة والخصب والأمطار لاتبعناك، وقيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يتكرر على بيت المدراس فاستحلفهم يوماً بالذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتعلمون أن محمداً نبي؟ قالوا نعم، قال: فلم تهلكون في تكذبيه، قالوا: صاحبه جبريل وهو عدونا، وذكر أنهم قالوا سبب عداوتهم له أنه حمى بختنصر حين بعثوا إليه قبل أن يملك من يقتله، فنزلت هذه الآية لقولهم. وفي جبريل لغات: "جِبرِيل" بكسر الجيم والراء من غير همز، وبها قرأ نافع، و"جَبرِيل" بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه أنه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقرأ جبريل وميكال فلا أزال أقرؤهما أبداً كذلك"، وجَبرَيل بفتح الجيم والراء وهمزة بين الراء واللام وبها قرأ عاصم، و"جَبرَءيل" بفتح الجيم والراء وهمزة بعد الراء وياء بين الهمزة واللام، وبها قرأ حمزة والكسائي وحكاها الكسائي عن عاصم، "وجبرائل" بألف بعد الراء ثم همزة وبها قرأ عكرمة، و"جبرائيل" بزيادة ياء بعد الهمزة، و"جبراييل" بياءين وبها قرأ الأعمش، و"جَبرَئلّ" بفتح الجيم والراء وهمزة ولام مشددة، وبها قرأ يحيى ابن يعمر، و"جبرال" لغة فيه، و"جِبرِين" بكسر الجيم والراء وياء ونون، قال الطبري: "هي لغة بني أسد" ولم يقرأ بها، و"جبريل" اسم أعجمي عربته العرب فلها فيه هذه اللغات، فبعضها هي موجودة في أبنية العرب، وتلك أدخل في التعريب كجبريل الذي هو كقنديل، وبعضها خارجة عن أبنية العرب فذلك كمثل ما عربته العرب ولم تدخله في بناء كإبريسم وفرند وآجر ونحوه. وذكر ابن عباس رضي الله عنه وغيره أن "جبر" و "ميك" و "سراف" هي كلها بالأعجمية بمعنى عبد ومملوك، وإيل اسم الله تعالى، ويقال فيه إلّ، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سمع سجع مسيلمة: هذا كلام لم يخرج من إلّ. وقوله تعالى: {فإنه نزّله على قلبك} الضمير في {فإنه} عائد على الله عز وجل، والضمير في {نزّله} عائد على جبريل صلى الله عليه وسلم، والمعنى بالقرآن وسائر الوحي، وقيل: الضمير في "إنه" عائد على جبريل وفي {نزله} على القرآن، وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف، وجاءت المخاطبة بالكاف في {قلبك} اتساعاً في العبارة إذ ليس ثم من يخاطبه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكاف، وإنما يجيء قوله: فإنه نزله على قلبي، لكن حسن هذا إذ يحسن في الكلام العرب أن تحرز اللفظ الذي يقوله المأمور بالقول ويحسن أن تقصد المعنى الذي يقوله فتسرده مخاطبة له، كما تقول لرجل: قل لقومك لا يهينوك، فكذلك هي الآية، ونحو من هذا قول الفرزدق [الطويل] شعر : ألم تَرَ أنّي يوم جو سويقة بكيت فنادتْني هنيدةُ ما ليا تفسير : فأحرز المعنى ونكب عن نداء هنيدة "ما لك"، و {بإذن الله} معناه: بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة، و {مصدقاً} حال من ضمير القرآن في {نزله} و {ما بين يديه}: ما تقدمه من كتب الله تعالى، {هدى} إرشاد، والبشرى: أكثر استعمالها في الخير، ولا تجيء في الشر إلا مقيدة به، ومقصد هذه الآية: تشريف جبريل صلى الله عليه وسلم وذم معاديه. وقوله تعالى: {من كان عدواً لله} الآية وعيد وذم لمعادي جبريل عليه السلام، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوة الله لهم، وعداوة العبد لله هي معصيته واجتناب طاعته ومعاداة أوليائه، وعداوة الله للعبد تعذيبه وإظهار أثر العداوة عليه، وذكر جبريل وميكائيل وقد كان ذكر الملائكة عمهما تشريفاً لهما، وقيل خصا لأن اليهود ذكروهما ونزلت الآية بسببهما، فذكرهما واجب لئلا تقول اليهود إنا لم نعاد الله وجميع ملائكته، وقرأ نافع "ميكائل" بهمزة دون ياء، وقرأ بها ابن كثير في بعض ما روي عنه، وقرأ ابن عامر وابن كثير أيضاً وحمزة والكسائي، "ميكائيل" بياء بعد الهمزة، وقرأ أبو عمرو وعاصم "ميكال"، ورويت عن ابن كثير منذ رآها في النوم كما ذكرنا، وقرأ ابن محيصن "ميكئل" بهمزة دون ألف، وقرأ الأعمش "ميكاييل" بياءين، وظهر الاسم في قوله: {فإن الله} لئلا يشكل عود الضمير، وجاءت العبارة بعموم الكافرين لأن عود الضمير على من يشكل سواء أفردته أو جمعته، ولو لم نبال بالاشكال وقلنا المعنى يدل السامع على المقصد للزم تعيين قوم بعداوة الله لهم، ويحتمل أن الله تعالى قد علم أن بعضهم يؤمن فلا ينبغي أن تطلق عليه عداوة الله للمآل. وروي أن رجلاً من اليهود لقي عمر بن الخطاب فقال له: أرأيت جبريل الذي يزعم صاحبك أنه يجيئه ذلك عدونا، فقال له عمر رضي الله عنه: {من كان عدواً لله} إلى آخر الآية، فنزلت على لسان عمر رضي الله عنه. قال القاضي أبو محمد رحمه الله وهذا الخبر يضعف من جهة معناه. وقوله تعالى: {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات}، ذكر الطبري أن ابن صوريا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما جئت بآية بينة؟ فنزلت هذه الآية. و {الفاسقون} هنا الخارجون عن الإيمان، فهو فسق الكفر، والتقدير: {ما يكفر بها} أحد {إلا الفاسقون}، لأن الإيجاب لا يأتي إلا بعد تمام جملة النفي.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلَتَجِدَنَّهُمْ} اليهود. و {الَّذِينَ أَشْرَكُواْ} المجوس. {يَوَدُّ} أحد المجوس {لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} {بِمُزَحْزِحِهِ} بمباعده.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ...} قال الزمخشري: نكرة لأنها حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة. قال ابن عرفة: فأريد بها (هنا) التعظيم والتهويل أو يقال: إنّه (نكرة) للتقليل أي يحرصون على الحياة القليلة فأحرى الكثيرة، فيكون من التنبيه بالأدنى على الأعلى، هذا أظهر وأدلّ على اختصاصهم بالحرص على الحياة وأبلغ، لكن ما بعده يدل على ما قاله الزمخشري. قوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ...} قال بعض الطلبة: (لم يرد) (الحول معبرا عنه بالسنة إلا إذا كان فيه (الجدب والغلاء) قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسِّنِينَ} تفسير : فهلا قيل: يودّ أحدهم لو يعمر ألف عام؟ فَأجاب ابن عرفة بأنهم (يختارون) الحياة على الموت كيف ما كانت، وهو تنبيه على الأعلى بالأدنى، لأنّهم إذا تَمنّوا حياة ألف سنة مجدبة وفضلوها على الموت، فأحرى أن يفضلوا ألف عام.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ } الآية: وحرصهم على الحياة لمعرفتهم بذنوبهم، وأن لا خير لهم عند اللَّه تعالَىٰ. وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ}: قيل: المعنى: وأحرصُ من الذين أشركوا لأن مشركِي العَرَبِ لا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا، والضمير في {أَحَدُهُمْ} يعودُ في هذا القول على اليهودِ، وقيل: إِن الكلام تَمَّ في حياةٍ، ثم ٱسْتُؤْنِفَ الإِخبار عن طائفة من المشركين؛ أنهم يودُّ أحدهم لو يُعمَّر ألف سنَةٍ، والزحزحة الإبعاد والتنحية، وفي قوله تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} وعيدٌ. وقوله تعالَىٰ: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ...} الآيةَ: أجمع أهل التفْسير؛ أن اليهود قالتْ: جبريلُ عدوُّنا، واختلف في كيفيَّة ذلك، فقيل: «حديث : إن يهود فَدَك قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: نَسْأَلُكَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ عَرَفْتَهَا، ٱتَّبَعْنَاكَ، فَسَأَلُوهُ عَمَّا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ، فَقَالَ: لُحُومُ الإِبِلِ، وأَلْبَانُهَا، وَسَأَلُوهُ عَنِ الشَّبَهِ فِي الوَلَدِ، فَقَالَ: أَيُّ مَاءٍ عَلاَ، كَانَ لَهُ الشَّبَهُ، وَسَأَلُوهُ عَنْ نَوْمِهِ، فَقَالَ: تَنَامُ عَيْنِي، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي، وَسَأَلُوهُ عَنْ مَنْ يَجِيئُهُ مِنَ المَلاَئِكَةِ، فَقَالَ: جِبْرِيلُ، فَلَمَّا ذَكَرَهُ، قَالُوا: ذَاكَ عَدُوُّنَا؛ لأنَّهُ مَلَكُ الحَرْبِ، وَالشَّدَائِدِ، وَالجَدْبِ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي يَجِيئُكَ مِيكَائِيلُ مَلَكُ الرَّحْمَةِ، وَالخِصْب، والأَمْطَار، لاتَّبَعْنَاكَ».تفسير : وَفِي جِبْرِيلَ لغاتٌ: جِبْرِيلُ؛ بكسر الجيم والراء من غير همز، وبها قرأ نافع، وجَبْرِيلُ، بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وبها قرأ ابن كثير، وروي عنه؛ أنه قال: رأيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم في النَّوْمِ وهو يَقُرَأُ: جَبْرِيلَ وَمِيكَالَ، فلا أزال أقرأها أبداً كذلك. * ت *: يعني، واللَّه أعلم: مع ٱعتماده علَىٰ روايتها، قال الثعلبيُّ: والصحيح المشهورُ عن ابْن كَثِيرٍ ما تقدَّم من فتح الجيم، لا ما حُكِيَ عنه في الرؤْيَا من كَسْرها. انتهى. وذكر ابن عبَّاس وغيره؛ أنَّ جِبْر، ومِيك، وإِسْرَاف هي كلُّها بالأعجميَّة بمعنَىٰ عَبْد وممْلُوك، وإِيلُ: اللَّهُ. وقوله تعالَىٰ: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} الضمير في «إِنَّهُ» عائد على اللَّه تعالَىٰ، وفي «نَزَّلَهُ» عائدٌ على «جِبْرِيل»، أي: بالقرآن، وسائر الوحْي، وقيل: الضمير في «إنَّهُ» عائدٌ على جبريل، وفي «نَزَّلَهُ» عائد على القرآن، وخص القلب بالذِّكْر؛ لأنه موضع العقْل والعلْم، وتلقِّي المعارف. و {بِإِذْنِ ٱللَّهِ}: معناه: بعلْمه وتمكينه إِياه من هذه المنزلة، و {مُصَدِّقاً }: حالٌ من ضمير القرآن في «نَزَّلَهُ»، و {مَا بَيْنَ يَدَيْهِ }: ما تقدَّمه من كتب اللَّه تعالَىٰ، {وَهُدًى}، أي: إِرشاد.

ابن عادل

تفسير : فأخبر تعالى أولاً بأنهم لا يتمنّون الموت، ثم أخبر عنهم هنا بأنهم في غاية الحِرْصِ؛ لأن ثم قسماً آخر، وهو أن يكون الإنسان بحيث لا يتمنّى الموت، ولا يتمنّى الحياة. وهذه "اللام" جواب قسم محذوف، والنون للتوكيد تقديره: والله لتجدنّهم. و "وجد" هنا متعدية لمفعولين أولهما لضمير، والثاني "أحرص"، وإذا تعدّت لاثنين كانت: كـ"علم" في المعنى، نحو: {أية : وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}تفسير : [الأعراف:102]. ويجوز أن تكون متعدية لواحد، ومعناها معنى "لقي وأصاب"، وينتصب "أحرص" على الحال، إما على رأي مَنْ لا يشترط التنكير في الحال، وإما على رأي من يرى أنَّ إضافة "أفعل" إلى معرفة غير مَحْضَةٍ، و "أحرص" أفعل تفضيل، فـ "مِنْ" مُرادَةٌ معها، وقد أضيفت لمعرفة، فجاءت على أحد الجائزين، أعني عدم المُطَابقة، وذلك أنها إذا أضيفت معرفة على نيّة من أجاز فيها وجهي المطابقة لما قبلها نحو: "الزَّيدان أفضلا الرجال"، و "الزيدون أفاضل الرجال"، و "هند فُضْلى" و "الهنود فُضْليات النِّسَاء" ومن قوله تعالى: {أية : أَكَٰبِرَ مُجَرِمِيهَا}تفسير : [الأنعام:123] وعدمها، نحو: "الزيدون أفضل الرجال"، وعليه هذه الآية، وكلا الوجهين فصيح خلافاً لابن السّراج. وإذا أضيفت لمعرفة لزم أن تكون بعضها، ولذلك منع النحويون "يُوسُفُ أحسن إخوته" على معنى التفضيل، وتأولوا ما يوهم غيره نحو: "النَّاقِصُ والأَشَجُّ أَعْدَلاَ بَنِي مَرْوَانَ" بمعنى العَادِلاَنِ فيهم؛ وأما قوله [الرجز] شعر : 673ـ يَا رَبَّ مُوسَى أَظْلَمِي وَأَظْلَمُهْ فَاصْبُبْ عَلَيْهِ مَلكاً لاَ يَرْحَمُهْ تفسير : فشاذٌّ، وسوغ ذلك كون "أظلم" الثاني مقتحماً كأنه قال: "أَظْلَمُنَا". وأما إذا أضيف إلى نكرة فقد تقدّم حكمها عند قوله: {أية : أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} تفسير : [البقرة:41]. قوله تعالى: {عَلَىٰ حَيَٰوةٍ} متعلّق بـ "أَحْرَصَ"؛ لأنّ هذا الفعل يتعدّى بـ "على" تقول: حرصت عليه. والتنكير في حياة تنبيه على أنه أراد حياةً مخصوصةً، وهي الحياة المتطاولة، ولذلك كانت القراءة بها أوقع من قرأءة أبيّ "على الحياة" بالتعريف. وقيل:: إن ذلك على حذف مضاف تقديره: على طول الحياة، والظّاهر أنه لا يحتاج إلى تقدير صفة ولا مضاف، بل يكون المعنى: أنهم أحرص النَّاس على مطلق الحياة. وإن قلت: فكيف وإن كثرت، فيكون أبلغ من وصفهم بذلك، وأصل حياة: "حَيَيَة" تحركت الياء، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً. قوله: {ومِنَ ٱلَّذِينَ أشْرَكُواْ} يجوز أن يكون متصلاً داخلاً تحت "أفعل" التفضيل ويجوز أن يكون منقطعاً عنه، وعلى القول باتّصاله به فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه حمل على المعنى، فإن معنى أحرص الناس: أحرص من الناس، فكأنه قيل: أحرص من النّاس، ومن الذين أشركوا. الثاني: أن يكون حذف من الثَّاني لدلالة الأولى عليه، والتقدير: وأحرص من الذين أشركوا، وعلى ما تقرر من كون "مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ" متّصلاً بـ "أفعل" التفضيل، فلا بد من ذكر "من"؛ لأن "أحرص" جرى على اليهود، فلو عطف بغير "من" لكان معطوفاً على النَّاس، فيكون المعنى: ولتجدنَّهم أحرص الذي أشركوا، فيلزم إضافة "أفعل" إلى غير من درج تحته؛ لأن اليهود ليسوا من هؤلاء المشركين الخاصِّين؛ لأنهم قالوا في تفسيرهم: إنهم المجوس، أو عرب يعبدون الأصنام، اللّهم إلا أن يقال: إنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل، فحينئذ لو لم يؤت بـ "من" لكان جائزاً. الثالث: أن في الكلام حذفاً وتقديماً وتأخيراً، والتقدير: ولتجدنّهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس، فيكون من "مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ" صفة لمحذوف، ذلك المحذوف معطوف على الضمير في "لتجدنّهم" وهذا وإن كان صحيحاً من حيث المعنى، ولكنه يَنْبُو عنه التركيب لا سيّما على قول من يَخُصُّ التقديم والتأخير بالضرورة. وعلى القول بانقطاعه من "أفعل" يكون "من الذين أشركوا" خبراً مقدماً، و "يودّ أحدهم" صفة لمبتدأ محذوف تقديره: ومن الذين أشركوا قوم أو فريق يودّ أحدهم، وهو من الأماكن المطّرد فيها حذف الموصوف بجملته كقوله: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الصافات:164]، وقوله: "منَّا ظَعَنَ وَمِنَّا أقَامَ". والظاهر أن الذين أشركوا غير اليهود كما تقدم وأجاز الزَّمخشري أن يكون من اليهود؛ لأنهم قالوا: عزيزٌ ابن الله، فيكون إخباراً بأن من هذه الطائفة التي اشتدّ حرصها على الحياة من يودّ لو يعمر ألف سنة، ويكون من وقوع الظَّاهر المشعر بالغَلَبَةِ موقع المضمر، إذ التقدير: ومنهم قوم يودّ أحدهم. وقد ظهر مما تقدم أن الكلام من باب عطف المفردات على القول بدخول "من الَّذِين أَشْرَكُوا" تحت "أفعل" ومن باب عطف الجمل على القول بالانقطاع. فصل في المراد بالذين أشركوا قيل: المراد بالذين أشركوا المجوس، لأنهم كانوا يقولون لملكهم: عش ألف نَيْرُوز وألف مِهْرَجَان، قاله أبو العالية والربيع: وسموا مشركين لأنهم يقولون بالنور والظلمة، وهذه تحية المجوس فيما بينهم: عِشْ ألف سنة، ولك ألف نَيْرُوز ومِهْرَجان. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه هو قول الأعاجم: زِهْ هَزَارْسال. وقيل: المراد مشركو العرب. وقيل: كل مشرك لا يؤمن بالمعاد لما تقدم؛ لأن حرص هؤلاء على الدنيا ينبغي أن يكون أكثر، وليس المراد ذكر ألف سنة قول الأعاجم [عش ألف سنة] بل [خرج مخرج] التكثير، وهو معروف في كلام العرب. قوله: "يودّ أحدهم" هذا مبني على ما تقدّم، فإن قيل بأن "من الذين أشركوا" داخل تحت "أفعل" كان في "يود" خمسة أوجه: أحدها: أنه حال من الضمير في "لتجدنّهم" أي: لتجدنهم وَادًّا أحدهم. الثاني: أنه حال من الذين أشركوا، فيكون العامل فيه "أحرص" المحذوف. الثالث: أنه حال من فاعل "أشركوا". الرابع: أنه مستأنف استؤنف للإخبار بتبيين حال أمرهم في ازدياد حرصهم على الحياة. الخامس: وهو قول الكوفيين: أنه صلة لموصول محذوف، ذلك الموصول صفة للذين أشركوا، والتقدير: ومن الذين أشركوا الذين يودّ أحدهم. وإن قيل بالانقطاع، فيكون في محلّ رفع؛ لأنه صفة لمبتدأ محذوف كما تقدّم. قال القرطبي رحمه الله تعالى: أصل "يَوَدُّ" "يَوْدَدُ"، أدغمت لئلا يجمع بين حرفين من جنس واحد متحركين ونقلت حركة الدال إلى الواو، ليدل ذلك على أنه يفعل. وحكى الكسائي: وَدَدْتُ، فيجوز على هذا يَوِدُّ بكسر الواو و "أحد" هنا بمعنى واحد، وهمزته بدل من واو، وليس هو "أحد" المستعمل في النفي، فإن ذاك همزته أصل بنفسها، ولا يستعمل في الإيجاب المحض. و "يود" مضارع وَدِدْت بكسر العين في الماضي، فلذلك لم تحذف الواو في المضارع؛ لأنها لم تقع بين ياء وكسرة، بخلاف "يعد" وبابه. وحكى الكسائي فيه "وَدَدْتُ" بالفتح. قال بعضهم: فعلى هذا يقال: "يودّ" بكسر الواو. و"الوِدَادُ": التمني. قوله: "لو يعمّر" في "لو" هذه ثلاثة أقوال: أحدها ـ وهو الجاري على قواعد نحاة "البصرة" ـ أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وجوابها محذوف لدلالة "يَوَدُّ" عليه، وحذف مفعول "يَوَدُّ" لدلالة "لو يعمّر" عليه والتقدير: يود أحدهم طول العمر، لو يعمر ألف سنة لَسُرَّ بذلك، فحذف من كلّ واحد ما دلّ عليه الآخر، ولا محلّ لها حينئذ من الإعراب. والثاني: وبه قال الكوفيون وأبو علي الفارسي وأبو البقاء، أنها مصدرية بمنزلة "أن" الناصبة، فلا يكون لها جواب، [وينسبك] منها وما بعدها مصدر يكون مفعولاً لـ "يودّ"، والتقدير: يود أحدهم تعميره ألف سنة. واستدل أبو البقاء بأن الامتناعية معناها في الماضي، وهذه يلزمها المستقل كـ "أنْ" وبأنّ "يَودّ" يتعدى لمفعول، وليس مما يُعَلق، وبأن "أنْ" قد وقعت بعد "يود" في قوله {أية : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ}تفسير : [البقرة:266] وهو كثير، [وجوابه في غير هذا الكتاب]. الثالث: وإليه نحا الزمخشري: أن يكون معناها التمني، فلا تحتاج إلى جواب؛ لأنها في قوة: "يا ليتني أُعَمَّرُ"، وتكون الجملة من "لو" وما في حيّزها في محلّ نصب مفعول به على طريق الحكاية بـ "يود" إجراء له مجرى القول. قال الزمخشري رحمه الله تعالى: فإن قلت: كيف اتّصل "لو يعمر" بـ "يود أحدهم"؟ قلت: هي حكاية لودادتهم و "لو" في معنى التمنّي، وكان القياس: "لو أُعَمَّر" إلا أنه جرى على لفط العينية لقوله: "يود أحدهم"، كقولك: "حلف بالله ـ تعالى ـ ليفعلن" انتهى وقد تقدّم شرحه، إلاّ قوله وكان القياس لو أعمر، يعني بذلك أنه كان من حقّه أن يأتي بالفعل مسنداً للمتكلم وحده، وإنما أجرى "يود" مجرى القول؛ لأن "يود" فعل قَلْبي، والقول ينشأ عن الأمور القلبية. و"ألف سنة" منصوب على الظرف بـ "يعمر"، وهو متعد لمفعول واحد قد أقيم مقام الفاعل، وفي "سنة" قولان: أحدهما: أن أصلها: سنوة لقولهم: سنوات وسُنَيَّة وسَانَيْت. والثاني: أنها من "سَنَهَة" لقولهم: سَنَهَاتٌ وسُنَيْهَةٌ وسَانَهْتُ، واللّغتان ثابتتان عن العرب كما ذكرت لك. قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} في هذا الضمير خمسة أقوال: أحدها: أنه عائد على "أحد" وفيه حينئذ وجهان: أحدهما: أنه اسم "ما" الحجازية، و "بمزحزحه" خبر "ما"، فهو محل نصب والباء زائدة. و "أن يعمر" فاعل بقوله: "بمزحزحه" والتقدير: وما أحدهم مزحزحهُ تَعْمِيرُه. الثاني: من الوجهين في "هو": أن يكون مبتدأ، و "بمزحزحه" خبره، و "أن يعمر" فاعل به كما تقدم، وهذا على كون "ما" تميمية، والوجه الأول أحسن لنزول القرآن بلغة الحجاز، وظهور النصب في قوله: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً}تفسير : [يوسف:31]، {أية : مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ}تفسير : [المجادلة:2]. الثاني: من الأقوال: أن يعود على المصدر المفهوم من "يُعَمَّر"، أيك وما تعميره، ويكون قوله: "أن يعمر" بدلاً منه، ويكون ارتفاع "هو" على الوجهين المتقدمين أي قوله: اسم "ما" أو متبدأ. الثالث: أن يكون كناية عن التعمير، ولا يعود على شيء قبله، ويكون "أن يعمّر" بدلاً منه مفسراً له، والفرق بين هذا وبين القول الثاني أن ذاك تفسيره شيء متقدم مفهوم من الفعل، وهذا مُفَسَّرٌ بالبدل بعده، وقد تقدم أن في ذلك خلافاً، وهذا ما عنى الزمخشري بقوله: ويجوز أن يكون "هو" مبهماً، و "أن يعمر" موضحه. الرابع: أنه ضمير الأمر والشأن وإليه نحا الفارسي في "الحلبيَّات" موافقة للكوفيين، فإنّهم يفسرون ضمير الأمر بغير جملة إذا انتظم من ذلك إسناد مَعْنوي، نحو: ظننته قائماً الزيدان، وما هو بقائم زيد؛ لأنه في قوة: ظننته يقوم الزيدان، وما هو يقوم زيد، والبصريون يأبون تفسيره إلاَّ بجماعة مصرح بجزئيها سالمة من حرف جر، وقد تقدم تحقيق القولين. الخامس: أنه عماد، نعني به الفصل عن البصريين، نقله ابن عطيّة عن الطَّبري عن طائفة، وهذا يحتاج إلى إيْضَاح، وذلك أن بعض الكوفيين يجيزون تقديم العِمَادِ مع الخبر المقدم، يقولون في زيد هو القائم: هو القائم زيد، وكذلك هنا، فإن الأصل عند هؤلاء أن يكون "بمزحزحه" خبراً مقدماً و "أن يعمر" مبتدأ مؤخراً، و "هو" عماد، والتقدير: وما تعميره وهو بمزحزحه، فلما قدم الخبر قدم معه العماد. والبصريون لا يجيزون شيئاً من ذلك. و "من العذاب" متعلّق بقوله: "بمزحزحه" و "من" لابتداء الغاية والزحزحة: التَّنحية، تقول: زحزحته فَزَحْزَح، فيكون قاصراً ومتعدياً فمن مجيئه متعدياً قوله: [البسيط] شعر : 674ـ يَا قَابِضَ الرُّوحِ مِنْ نَفْسِي إِذَا احْتَضَرَتْ وَغَافِرَ الذَّنْبِ زَحْزِحْنِي عَنِ النَّارِ تفسير : وأنشده ذو الرُّمَّة: [البسيط] شعر : 675ـ يَا قَابِضَ الرُّوح مِن جِسْمٍ عَصَى زَمَناً .............................. تفسير : ومن مجيئه قاصراً قول الآخر: [الطويل] شعر : 676ـ خَلِيلَيَّ مَا بَالُ الدُّجَى لاَ يُزَحْزَحُ وَمَا بَالُ ضَوْءِ الصُّبْحِ لاَ يَتَوَضَّحُ تفسير : قوله: "أَنْ يُعَمَّرَ": إما أن يكون فاعلاً أو بدلاً من "هو"، أو مبتدأ حسب ما تقدم من الإعراب في "هو". {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} مبتدأ وخبر، و "بما" يتعلّق ببصير. و "ما" يجوز أن تكون موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف أي: يعملونه، ويجوز أن تكون مصدرية أي: بعملهم. والجمهور "يعملون" بالياء، نسقاً على ما تقدم، والحسن وغيره "تعملون" بالتاء، وللخطاب على الالتفات، وأتى بصيغة المضارع، وإن كان علمه محيطاً بأعمالهم السَّالفة مراعاة لرءوس الآي، وختم الفواصل. قال ابن الخطيب: "والبصير قد يراد به العليم، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها، وكلا الوصفين يصحّان عليه ـ سبحانه ـ إلاَّ أن من قال: إن في الأعمال ما لا يصحّ أن يرى حمل هذا البصر على العلم لا محالة" [قال العلماء رحمهم الله تعالى: وصف الله ـ تعالى ـ نفسه بأنه بصير على معنى أنه عالم بخفيَّات الأمور، والبصير في كلام العرب العالم بالشيء الخبير به. ومنه قولهم: فلان خبير بالطب، وبصير بالفقه، وبصير بُمَلاَقاةِ الرجال. وقيل: وصف تعالى نفسه بأنه بصير على معنى أنه جاعل الأشياء المبصرة ذوات أبصار أي: مدركة للمبصرات بما خلق لها من الآلة المدركة].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله {‏ولتجدنهم أحرص الناس على حياة‏}‏ قال‏:‏ اليهود ‏{‏ومن الذين أشركوا‏} ‏ قال‏:‏ الأعاجم‏.‏ وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ولتجدنهم أحرص الناس على حياة‏}‏ يعني اليهود ‏{‏ومن الذين أشركوا‏}‏ وذلك أن المشرك لا يرجو بعثاً بعد الموت فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي بما صنع ما عنده من العلم ‏{‏وما هو بمزحزحه‏}‏ قال‏:‏ بمنجيه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم عن ابن عباس في قوله ‏{‏يودّ أحدهم لو يعمر ألف سنة‏}‏ قال‏:‏ هو قول الأعاجم إذا عطس أحدهم زه هزا رسال يعني ألف سنة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {‏وما هو بمزحزحه‏}‏ قال‏:‏ هم الذين عادوا جبريل‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ} من الوُجدان العقليّ، وهو جار مجرىٰ العلم خلا أنه مختصٌّ بما يقع بعد التجربة ونحوِها، ومفعولاه الضميرُ وأحرصَ، والتنكيرُ في قوله تعالى: {عَلَىٰ حَيَوٰةٍ} للإيذان بأن مرادهم نوعٌ خاص منها وهي الحياة المتطاولة، وقرىء بالتعريف {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} عطفٌ على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل: أحرصَ من الناس ومن الذين أشركوا، وإفرادُهم بالذكر مع دخولهم في الناس للإيذان بامتيازهم من بـينهم بشدة الحرصِ، للمبالغة في توبـيخ اليهودِ، فإن حرصَهم وهم معترفون بالجزاء لمّا كان أشدَّ من حرص المشركين المنكرين له دلّ ذلك على جزمهم بمصيرهم إلى النار، ويجوز أن يُحملَ على حذف المعطوف ثقةً بإنباء المعطوفِ عليه عنه، أي وأحرصَ من الذين أشركوا فقوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ} بـيان لزيادة حرصِهم على طريقة الاستئناف ويجوز أن يكون في حيز الرفعِ صفةً لمبتدإٍ محذوفٍ خبرُه الظرفُ المتقدم على أن يكون المرادُ بالمشركين اليهودَ لقولهم عزيرٌ بنُ الله، أي ومنهم طائفة يودُّ أحدُهم أيَّهم كان، أي كلُّ واحد منهم {لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} وهو حكاية لودادتهم كأنه قيل: ليتني أُعَمَّرُ، وإنما أُجريَ على الغَيبة لقوله تعالى يود كما تقول حلف بالله ليفعلَنّ، ومحلُه النصبُ على أنه مفعولُ يود إجراءً له مُجرىٰ القول لأنه فعل قلبـيٌّ {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} ما حجازيةٌ والضميرُ العائد على (أحدُهم) اسمُها وبمُزَحْزحِه خبرُها والباء زائدة و{أَن يُعَمَّرَ} فاعلُ مزحزحِه أي وما أحدهم بمَنْ يزحزِحُه أي يُبعده وينْجيه من العذاب تعميرُه، وقيل: الضمير لما دل عليه يُعمَّر من المصدر، و(أن يعمر) بدلٌ منه وقيل: هو مبهم، وأن يعمّر مفسرةٌ والجملةُ حال من أحدهم والعامل يود لا يُعمَّر على أنها حالٌ من ضميره لفساد المعنى، أو اعتراض. وأصلُ سنة سَنْوَة لقولهم سنَوَات وسَنْية وقيل: سَنْهة كجبهة لقولهم سانهتُه وسُنَيهة وتسنّهت النخلة إذا أتت عليها السنون {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} البصيرُ - في كلام العرب - العالمُ بكنه الشيء الخبـيرُ به، ومنه قولهم فلان بصيرٌ بالفقه، أي عليم بخفيات أعمالهم فهو مجازيهم بها لا محالة، وقرىء بتاء الخطاب التفاتاً وفيه تشديد للوعيد.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ} [الآية: 96]. قال بعض الخراسانيين وهو محمد بن الفضل: لعلمهم بما قدمُوا مِن الآثام والخلاف وهذا حال الكفار فواجبٌ على الموحى أن يكونَ حاله ضدّ هذا أن يكون مشتاقًا إلى الموت لمكاشفةِ الغيوب ودفع حجاب الوحشة والوُصُول إلى محلِّ الأُنسِ، ألا ترى النبىَّ صلى الله عليه وسلم يقول: " حديث : مَن أحب لقاء الله أحب الله لقاءهُ "تفسير : . وأن بلالاً لما حُضِرَ قالت امرأتهُ: واحزناه فقال: يا وَاطَرباه غدًا نلقى الأحِبَّة... الحديث. قال الواسطى رحمه الله: جعل الموت يقظةً للعالم فمن هابه حُجِبَ عن المميت ومتى تكونُ فى قلبكَ هيبة إذا هبتَ طوارق الموت.

القشيري

تفسير : حُبُّ الحياة في الدنيا نتيجة الغفلة عن الله، وأشد منه غفلة أَحبُّهم للبقاء في الدنيا.. وحالُ المؤمن من هذا على الضدِّ. وأما أهل الغفلة وأصحاب التهتك فإنما حرصهم على الحياة لعلمهم بما فقدوا فيها من طاعتهم؛ فالعبد الآبِق لا يريد رجوعاً إلى سَيِّده. والانقلابُ إلى مَنْ هو خيرُه مَرجوٌ خيرٌ للمؤمنين من البقاء مع مَنْ شَرُّه غيرُ مأمون، ثم إن امتداد العمر مع يقين الموت (لا قيمة له) إذا فَاجَأ الأمرُ وانقطع العُمْرُ. وكلُّ ما هو آتٍ فقريب، وإذا انقضت المُدَّةُ فلا مردَّ لهجوم الأجل على أكتاف الأمل.

البقلي

تفسير : {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ} لانّهم مجوبون عن مشاهدة الاخرة ومكاشفة الحضرة لغطاء الغفلة والشهوة وقال محمد بن الفضل لعلمهم بما قدموا من الاثام والخلاف وهذا حال الكفار فوجب على المؤمن من ان يكون حاله ضد هذا مشتاقاً الى الموت بمكاشفة الغيوب روفع حجاب الوحشة والوصول الى محل الانس الا ترى ان النبي لى الله عليه وسلم يقول من احبّ لقاء الله احب الله لقاءه وان بلالا لما محضر قالت امراته واخزناه فقال بل واطرباه بلقاء الاحبّة وقال الواسطىُّ جعل الموت يقة للعالم فيمن جحبها به حَجَبَ عن الميت ومتى يكون فى قلبك هيبة المميت اذاهب طوارق الموت.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولتجدنهم احرص الناس} من الوجدان العقلى وهو جار مجرى العلم خلا انه مختص بما يقع بعد التجربة ونحوها واللام لام القسم اى والله لتجدن اليهود يا محمد احرص من الناس {على حياة} لا يتمنون الموت والتنكير للنوع وهى الحياة المخصوصة المتطاولة وهى حياتهم التى هم فيها لانها نوع من مطلق الحياة {ومن الذين اشركوا} عطف على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل احرص من الناس وافرد المشركون بالذكر وان كانوا من الناس لشدة حرصهم على الحياة. وفيه توبيخ عظيم لان الذين اشركوا لا يؤمنون بعاقبة وما يعرفون الا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لانها جنتهم فاذا زاد عليهم فى الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقا بأعظم التوبيخ. فان قلت لم زاد حرصهم على حرص المشركين قلت لانهم علموا لعلمهم بحالهم انهم صائرون الى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك {يود احدهم} بيان لزيادة حرصهم على طريقة الاستئناف اى يريد ويتمنى ويحب احد هؤلاء المشركين {لو يعمر ألف سنة} حكاية لودادهم ولو فيه معنى التمنى كأنه قيل ليتنى اعمر وكان القياس لو اعمر الا انه جرى على لفظ الغيبة لقوله تعالى يود احدهم كقولك حلف بالله ليفعلن ومحله النصب على انه معمول يود اجراء له مجرى القول لانه فعل قلبى والمعنى تمنى احدهم ان يعطى البقاء والعمر الف سنة وهى للمجوس وخص هذا العدد لانهم يقولون ذلك فيما بينهم عند العطاس والتحية عش الف سنة والف نوروز والف مهرجان وهى بالعجمية "زى هزارسال" وصح اطلاق المشركين على المجوس لانهم يقولون بالنور والظلمة {وما} حجازية {هو} اى احدهم اسم ما {بمزحزحه} خبر ما والباء زائدة والزحزحة التبعيد والانجاء {من العذاب} من النار {أن يعمر} فاعل مزحزحه اى تعميره {والله بصير بما يعملون} البصير فى كلام العرب العالم بكنه الشىء الخبير به اى عليم بخفيات اعمالهم من الكفر والمعاصى لا يخفى عليه فهو مجازيهم بها لا محالة بالخزى والذل فى الدنيا والعقوبة فى العقبى وهذه الحياة العاجلة تنقضى سريعة وان عاش المرء الف سنة او ازيد عليها فمن احب طول العمر للصلاح فقد فاز قال عليه السلام "حديث : طوبى لمن طال عمره وحسن عمله ". تفسير : ومن احبه للفساد فقد ضل ولا ينجو مما يخاف فان الموت يجيئ البتة واجتمعت الامة على ان الموت ليس له سن معلوم ولا اجل معلوم ولا مرض معلوم وذلك ليكون المرء على اهبة من ذلك وكان مستعدا لذلك بعض الصالحين ينادى بالليل على سور المدينة الرحيل الرحيل فلما توفى فقد صوته امير تلك المدينة فسأل عنه فقيل انه مات فقال شعر : ما زال لهج بالرحيل وذكره حتى اناخ ببابه الجمال فأصابه متيقظا متشمرا ذا اهبة لم تلهه الآمال بانك طبلت نمى كند بيدار تومكر مرده نه درخوابى توجراغى نهاده درردباد خانه در مر سيلابى تفسير : فاصابة الموت حق وان كان العيش طويلا والعمر مديدا وهو ينزل بكل نفس راضية كانت او كارهة. روى شارح الخطب عن وهب بن منبه انه قال مر دانيال عليه السلام ببرية فسمع يا دانيال قف تر عجبا فلم ير شيأ ثم نودى الثانية قال فوقفت فاذا بيت يدعونى الى نفسه فدخلت فاذا سرير مرصع بالدر والياقوت فاذا النداء من السرير اصعد يا دانيال تر عجبا فارتقيت السرير فاذا فراش من ذهب مشحون بالمسك والعنبر فاذا عليه شاب ميت كأنه نائم واذا عليه من الحلى والحلل ما لا يوصف وفى يده اليسرى خاتم من ذهب وفوق رأسه تاج من ذهب وعلى منطقته سيف اشد خضرة من البقل فاذا النداء من السرير ان احمل هذا السيف واقرأ ما عليه قال فاذا مكتوب عليه هذا سيف صمصام بن عوج بن عنق بن عام بن ارم وانى عشت الف عام وسبعمائة سنة وافتضضت اثنى عشر الف جارية وبنيت اربعين الف مدينة وخرجت بالجور والعنف والحمق عن حد الانصاف وكان يحمل مفاتح الخزائن اربعمائة بغل وكان يحمل الى خراج الدنيا فلم ينازعنى احد من اهل الدنيا فادعيت الربوبية فاصابنى الجوع حتى طلبت كفا من ذرة بالف قفيز من در فلم اقدر عليه فمت جوعا يا اهل الدنيا اذكروا امواتكم ذكرا كثيرا واعتبروا بى ولا تغرنكم الدنيا كما غرتنى فان اهلى لم يحملوا من وزرى شيأ انتهى: قال السعدى شعر : جون همه نيك و بد ببايد مرد خنك آنكس كه كوى نيكى برد برك عيشى بكور خويش فرست كس نيارد زبس زبيش فرست عمر برفست آفتاب تموز اند كى ماند وخواجه غره هنوز تفسير : فعلى اهل القلوب القاسية ان يعالجوا قلوبهم بامور. احدها الاقلاع عما هى عليه بحضور مجالس العلم والوعظ والتذكير والتخفيف والترغيب واخبار الصالحين فان ذلك مما يلين القلوب وينجح فيها. والثانى ذكر الموت فيكثر من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات وميتم البنين والبنات. والثالث مشاهدة المحتضرين فان فى النظر الى الميت ومشاهدة سكراته ونزعاته وتأمل صورته بعد مماته ما يقطع عن النفوس لذاتها ويطرد عن القلوب مسراتها ويمنع الاجفان من النوم والراحة من الابدان ويبعث على العمل فيزيد فى الاجتهاد والتعب ويستعد للموت قبل النزول فانه اشد الشدائد. قيل لكعب الاحبار يا كعب حدثنا عن الموت قال هو كشجرة الشوك ادخلت فى جوف ابن آدم فاخذت كل شوكة بعرق ثم اجتذبها رجل شديد الجذب فقطع ما قطع وابقى ما ابقى وفى الحديث "حديث : لو ان شعرة من وجع الميت وضعت على اهل السموات والارضين لماتوا اجمعين وان فى يوم القيامة لسبعين هولا وان ادنى هول ليضعف على الموت سبعين ضعفا "

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ومن الذين أشركوا}: على حذف مضاف، أي: وأحرص من الذين أشركوا، فيوقف عليه، و {لو يعمر} مصدرية، أي: يود أحدهم تعمير ألف سنة. و {أن يعمر} فاعل لمزحزحه، أي: وما هو بمزحزحه من العذاب تعميره. يقول الحقّ جلَ جلاله: ولتجدن يا محمد اليهود {أحرص الناس} على البقاء في هذه الدار الدنية، فكيف يزعمون أنهم أولى الناس بالجنة، ولتجدنهم أيضاً أحرص من المشركين على البقاء، مع كونهم لا يقرون بالجزاء، فدلَّ ذلك على أنهم صائرون إلى النار، فلذلك كرهوا اللقاء وحرصوا على البقاء، يتمنى أحدهم لو يعيش {ألف سنة} وليس ذلك {بمزحزحه} أي: مبعده من العذاب، بل زيادة له في العقاب {والله بصير بما يعملون}: تهديد وتخويف. الإشارة: يفهم من سر الخطاب أن كل من قصر أمله، وحسن عمله، وطيب نفسه للقاء الحبيب، واشتغل في هذه اللحظة القصيرة بما يقربه من القريب، كان قربه من الله بقدر محبته للقائه، وكل من طوّل أمله، وحرص على البقاء في هذه الدار الفانية، كان بُعده من الله بقدر محبته للبقاء، إلا من أحب البقاء لزيادة الأعمال، أو الترقي في المقامات والأحوال، فلا بأس به، ويفهم منه أيضاً أن مَن اشتد حرصه على الحياة الفانية كانت فيه نزعة يهودية. واعلم أن الناس، في طول الأمل وقصره، على قسمين: منهم من طوّل في أمله فازداد في كسله، ودخله الوهن في عمله، وآخر قد قصر أملُه وجعل التقوى بضاعته، والعبادة صناعته، ولم يتجاوز بأمله ساعته، ومثل هذا قد رفع التوفيق عليه لواءه، وألبسه رداءه، وأعطاه جماله وبهاءه، فانظر رحمك الله أيّ الرجلين تريد أن تكون، وأي العملين تريد أن تعمل، وبأي الرداءين أن تشتمل؟ فلست تلبس هناك إلا ما تلبس هنا. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : المعنى: قال ابن عباس، وابو العالية: ومجاهد، والربيع: ان المعني بقوله احرص الناس على حياة اليهود واحرص من الذين اشركوا وهم المجوس وهم الذين يود احدهم لو يعّمر الف سنة وما هو بمزحزحه لانه اذا دعا بعضهم لبعض يقول له: هزار سال بده: اي عشرة الاف سنة واليهود احرص على الحياة منهم {وما هو بمزحزحه} اي بمباعده من العذاب ان يعمر لأنه لو عمر ما تمنى لما دفعه طول العمر من عذاب الله تعالى على معاصيه وانما وصف الله اليهود بانهم احرص الناس على حياة لعلمهم بما قد اعدّ الله لهم في الآخرة على كفرهم، مما لا يقر به اهل الشرك الذين لا يؤمنون بالبعث ويعلمون ما هناك من العذاب. وان المشركين لا يصدقون ببعث ولا عقاب. واليهود احرص منهم على الحياة واكره للموت. وقوله: {وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر} يعنى وما التعمير وطول البقاء بمزحزحه من عذاب الله، وهو عماد لطلب (ما) الاسم اكثر من طلبها الفعل كما قال الشاعر: شعر : وهل هو مرفوع بما ها هنا راس تفسير : وان في قوله: {يعمر} رفع بمزحزحه وحسنت الباء في قوله {بمزحزحه} كما تقول: ما عبد الله بملازمة زيد وهي التي مع (ما) ذكره عماد للفعل، لاستفتاح العرب النكرة قبل المعرفة. وقال قوم: ان هو التي مع (ما) كناية عن ذكر العمر وجعل ان يعمر مترجما عن هو يريد ما هو بمزحزحه من العذاب ان يعمر: اي وان عمر قال الزجاج: وما هو كناية عن احدهم كانه قال: وما احدهم بمزحزحه من العذاب كانه قال: يود احدهم ان يعمر الف سنة وما ذلك العمر بمزحزحه من العذاب وقوله: {بمزحزحه} اي بمبعده قال الحطيئة: شعر : فقالوا تزحزح لا بنا فضل حاجة اليك ولا منا لو هيك رافع تفسير : يعنى تباعد يقال منه: زحزحه يزحزحه زحزحة وزحزاحاً. فتأويل الآية: وما طول العمر بمبعده من عذاب الله، ولا منجيه منه، لأنه لا بد للعمر من الفناء فيصير إلى الله تعالى، وقال الفراء: {أحرص الناس على حياة، ومن الذين أشركوا} ايضا والله اعلم كقولك هو اسخى الناس. من حاتم ومن هرم لان تأويل قولك: اسخى الناس انما هو اسخى من الناس. وقوله: {والله بصير بما يعملون} قرىء بالتاء والياء معاً: اي لا يخفى عليه شيء من اعمالهم، بل هو بجميعها محيط، ولها حافظ حتى يذيقهم بها العذاب ومعنى بصير مبصر عند اهل اللغة وسميع بمعنى مسمع، لكنه صرف إلى فعيل في بصير وسميع، ومثله {عذاب أليم} بمعنى مؤلم و {بديع السماوات} بمعنى مبدع. وعند المتكلمين المبصر: هو المدرك للمبصرات، والبصير هو الحي الذي لا آفة به، لانه يجب ان يبصر المبصرات اذا وجدت. وليس احدهما هو الآخر وكذلك سميع ومسمع. وقوله: {يود} تقول وددت الرجل أود وداً ووداً ووداداً وودادة ومودة واود: لا يكون ماضيه، الا وددت وقال بعض المفسرين: ان تأويل قوله {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة} اي من الناس اجمع، ثم قال واحرص من الذين اشركوا على وجه التخصيص، لان من لا يؤمن بالبعث، والنشور، يكون حرصه على البقاء في الدنيا اكثر ممن يعتقد الثواب، والعقاب. فان قيل: أليس نجد كثيراً من المسلمين يحرصون على الحياة، ويكرهون الموت؟ فكيف تدل هذه الآية على ان اليهود لم يكونوا على ثقة مما كانوا يدّعونه من انهم اولى به من المسلمين ـ مع ان المسلمين يشاركونهم في الحرص على الحياة ـ وهم على يقين من الآخرة، وما فيها من الثواب، والعقاب؟ قيل: ان المسلمين لا يدّعون أن الدار الآخرة لهم خالصة، ولا انهم احباء الله، ولا انهم من اهل الجنة قطعاً، كما كانت اليهود تدعي ذلك، بل هم مشفقون من ذنوبهم، يخافون أن يعذبوا عليها في النار، فلهذا يشفقون من الموت، ويحبون الحياة، ليتوبوا من ذنوبهم التي يخافون ان يعذبوا عليها في النار، فلهذا يشفقون من الموت ويحبون الحياة ليتوبوا من ذنوبهم، ويصلحوا اعمالهم. ومن كان على يقين مما يصير اليه، لم يؤثر الحياة على الموت. كما روي عن علي (ع) انه قال: لا ابالي سقط الموت عليّ او سقطت على الموت، وقال: اللهم سئمتهم، وسئموني: فابدلني بهم خيراً منهم، وابدلهم بي شراً مني. وقوله: اللهم عجل اليّ الراحة، وعجل لهم الشقوة. وكما روي عن عمار (ره) انه قال يوم صفين: القى الأحبة: محمداً وصحبه. وكما قال حذيفة عند الموت: حبيب جاء على فاقة لا افلح من ندم.

الجنابذي

تفسير : {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ} حقيرة دانية لا ينظر اليها حتّى تعرف، وهذا دليل على أنّهم مقبلون على الدّنيا ومدبرون عن الآخرة ونعيمها فلا يريدونها فكيف يتمنّونها {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} عطف على النّاس فانّه بتقدير من وتخصيص المشركين بعد النّاس لانّهم احرص من سائر النّاس على الحيوة الدّنيا {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ} كلّ واحد منهم فانّ الاضافة تفيد العموم البدلىّ {لَوْ يُعَمَّرُ} لو مصدريّة {أَلْفَ سَنَةٍ} غفلة عن الله وعن الآخرة ونعيمها واطمئناناً بالدّنيا ونعيمها وليس هذا شأن أولياء الله ولا أصحاب الآخرة ونعيمها {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} هو راجع الى أحدهم وان يعمّر فاعل مزحزحه او هو راجع الى التّعمير المستفاد من يعمّر وفاعل مزحزحه راجع الى مرجع هو ومفعوله راجع الى أحدهم وان يعمّر بدل منه؛ او هو ضمير مبهم كضمير الشّأن وان يعمّر تفسيره {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} تهديدٌ لهم على مخالفة أفعالهم لاقوالهم. واعلم أنّه كان من أقوال اليهود انّ جبرئيل عدوٌّ لنا فانّه ملك موكّلٌ على القتل والشّدّة والحرب والجدب وأنّه أعان على خراب بيت المقدّس لانّه منع دانيال عن قتل بختنصّر وأعان على قتل بنى اسرائيل وخراب بيت المقدّس وقالوا لمحمّد (ص) على اختلافٍ فى الرّوايات: ان كان ميكائيل يأتيك نؤمن بك وان كان جبرئيل يأتيك لا نؤمن بك فانّه عدوٌّ لنا فقال الله تعالى {قُلْ} يا محمّد (ص) لهم {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ}.

الأعقم

تفسير : {قل من كان عدوا لجبريل} الآية، قيل: "حديث : ان حبراً من أحبار اليهود يقال له عبد الله بن صوريا من فدك جاء الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يسأله عن أشياء فلما اتجهت الحجة عليه قال اي ملك يأتيك من السماء قال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "جبريل". قال: ذلك عدونا من الملائكة فلو كان ميكايل مكانه لآمنا بك" تفسير : هذا عن ابن عباس، فإن جبريل ينزل علينا بالعذاب والشدة، ويطلع محمد على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف، وقيل: نزلت في اليهود وذلك انهم قالوا: ان جبريل عدونا اُمر ان يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا، وميكايل يجيء بالخصب والسلام، فقالَ لهم: وما منزلتهما من الله؟ قالوا: أقرب منزلة جبريل عن يمينه، وميكايل عن يساره وميكايل عدوّ لجبريل فقال لهم عمر: لئن كان كما تقولون لأنتم اكفر من الحمير، من كان عدوّاً لأحدهما كان عدوّاً للآخر، ومن كان عدوّاً لهما كان عدوّاً لله. {من كان عدوا لله} الآية معنى ذلك "حديث : أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سأله اليهود: من الذي يأتيه؟ فقال لهم: "جبريل" فقالوا له: نحن أعداء جبريل وهو عدوّنا لأنه لا ينزل عليك الا بالابطال لأمرنا"تفسير : ، ومعنى {عدوّ للكافرين} فإنه مهلكهم ومحريهم، ومعنى ميكايل فانهم سألوا: من اين يأخذ جبريل الوحي؟ فقال: من ميكايل فقالوا: وهو ايضاً عدونا. {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} الآية، نزلت في اليهود، وقيل نزلت في عبد الله بن صوريا، قيل: قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما كان بينهما من المحاجَّة وفي حديث جبريل (عليه السلام): ما جئتنا بشيء نعرفه، وما انزل عليك من آية بينة فنتعبك، فنزلت الآية {ولقد أنزلنا إليك} يا محمد. {آيات} معجزات قيل: القرآن، وقيل: علم التوراة والانجيل، كما قال تعالى: {أية : يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب}تفسير : [المائدة: 15]. {وما يكفر بها إلا الفاسقون} المتمردون في كفرهم. {وكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم} نزلت في بني قريظة، عاهدوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عهوداً منها ان لا يعينوا عليه الكفار ثم نقضوا العهد يوم الخندق، واعانوا قريشاً وارادوا ان يلقوا عليه حجراً، فاخبر الله تعالى بذلك، {نبذ فريق} هذا مثل لمن يستخف الشيء والعمل به، والنبذ هو الطرح، وقيل: نبذوا العمل به، ولم يحلوا حلاله، ولا حرموا حرامه. {كأنهم لا يعلمون} انه كتاب الله تعالى. {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} أي نبذوا كتاب الله، واتبعوا ما تتلوا الشياطين يعني اتبعوا كتب السحرة التي كانوا يقرؤونها. {على ملك سليمان} أي على عهد ملكه في زمانه، وذلك ان الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمُّون الى ما سمعوا أكاذيب، ويلقونها الى الكهنة، وقد دونوها في كتب يقرؤونها، ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان حتى قالوا: ان الجن تعلم الغيب، وكانوا يقولون: هذا علم سليمان، وما تم لسليمان ملكه الاّ بهذا العلم، وبه يسحر الانس والجن والرياح {وما كفر سليمان} تكذيب للشياطين. {ولكن الشياطين كفروا} باستعمال السحر. {يعلمون الناس السحر} ويقصدون به اغواءهم وإضلالهم. {وما أنزل على الملكين} عطف على السحر، أي يعلمونهم ما انزل الله على الملكين. {ببابل هاروت وماروت} عطف بيان للملكين والذي انزل عليهما هو علم السحر، ابتلاء من الله للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافراً، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه وان لا يعتريه كان مؤمناً، قال الشاعر: شعر : عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيهِ ومن لم يعرف الشر من الخير يقع فيه تفسير : روى ذلك جار الله وقرأ الحسن الملِكين بكسر اللام، وهو ايضاً قراءة ابن عباس، وقال ابن عباس: وهما رجلان ساحران كانا ببابل لأن الناس لا يعلمون الناس السحر، وقيل: انهما نزلا ليعلمان الناس كيفية السحر وابطاله، لانك لا تعلم بابطال الشيء مهما لم تعلمه في نفسه. {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} دليل على انهم استعملوه على خلاف ما أُمِروا به من تعليمه، وقد روي في سبب نزولهما وجوه: أحدها: ان السحر كثر في زمن ادريس واستنبطت ابوابا غريبَة، فأنزل الله تعالى ملكين يعلمان الناس السحر، وقد قيل: ان ما نافية. {ولقد علموا لمن اشتراه} بمعنى علم هؤلاء اليهود لمن اشتراه، أي استبدل ما تتلوا الشياطين على كتاب الله تعالى. {ما له في الآخرة من خلاق} اي من نصيب، وقيل: من وجه عند الله، وقيل: كذا عن دين. {ولبئس ما شروا به أنفسهم} أي باعوها. {لو كانوا يعلمون} اي ثواب الله خير مما هم فيه، ولقد علموا لكنهم لجهلهم لترك العمل بالعلم كأنهم منسلخون عنه.

الهواري

تفسير : قال: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ}. قال الحسن: يعني مشركي العرب. و[قال ابن عباس: الذين أشركوا هم المجوس، وذلك أن المجوس كانوا يلقون الملك بالتحية في النَّيْرُوزِ والمَهرجان فيقولون له: عش أيها الملك ألف سنة كلها مثل يومك هذا]. وذكر سعيد بن جبير عن ابن عباس: [هو قول أحدهم إذا عطس: "زه هزار سال"]. قال: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} أي: وما عمره بمزحزحه أي بمنجيه من العذاب {وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}. قوله: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ} قال الحسن: إن اليهود قالوا: إن جبريل لا يأتينا إلا بالشتم والذمّ، وإنما يفعل ذلك لعداوة بيننا وبينه، وميكائيل ليِّن؛ فعادَوا جبريلَ. فأنزل الله: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ}. أي نزّل القرآن الذي فيه شتم اليهود وعيبهم بإذن الله {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من كتب الله المتقدّمة. وقال بعضهم: "حديث : إن اليهود قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: من صاحبك الذي يأتيك بالوحي؟ فقال:جبريل. فقالت: ذلك عدوّنا من الملائكة، وإنه ينزل بالعذاب والنقمة، وإن ميكائيل ينزل باللّين والرحمة"تفسير : ، أو كما قالوا. وقال بعضهم: فإنه نزله على قلبك، أي نَزَّل القرآنَ على قلبك. قال: وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى نفراً من اليهود. فلما أبصروه رحّبوا به، فقال: أما والله ما جئتكم لحبّكم، ولا لرغبة فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم. فسألهم وسألوه. فقالوا له: من صاحب صاحبكم؟ فقال: جبريل. قالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يطلع محمداً على سرنا، وهو إذا جاء جاء بالحرب والسنة. وكان صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالسلام وبالخصب. فقال لهم عمر: أفتعرفون جبريل وتنكرون محمداً. ففارقهم عند ذلك، وتوجه نحو النبي عليه السلام ليحدثه حديثهم فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ...} إلى أخر الآية. وقال بعضهم: جادلهم عمر حين قالوا إن جبريل عدوّنا من الملائكة وميكائيل وليُّنا. فقال لهم: حدثوني عن وليّكم من الملائكة، هل يتولّى عدوّكم من الملائكة. فإن كان يتولى وليُّكم من الملائكة عدوَّكم من الملائكة فلِمَ عاديتم من يتولاه وليّكم؟ فمن عادى جبريل فهو عدو الله والملائكة والمؤمنين. فأنزل الله مصداق عمر: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} قال الكلبي: إنَّ اليهود قالت: إِنَّ جبريل عدوٌّ لنا. فلو أنَّ محمداً يزعم أنَّ ميكائيل هو الذي يأتيه صدَّقناه. وإن جبريل عدوٌّ لميكائيل؛ فقال عمر: فإني أشهد أن من كان عدوّاً لجبريل فإنه عدوٌّ لميكائيل؛ فأنزل الله هذه الآية. قوله: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفَاسِقُونَ} يعني جميع من كفر بها.

اطفيش

تفسير : {وَلَتَجِدَنَّهُم}: تعلمنهم والمضارع هنا للحال المستمرة قبل وبعد أو للاستقبال، أى تعلم بعد وقتك هذا أنهم أحرص الناس بعد عدم علمك بحرصهم أو بعد علمك بأنهم حريصون، لأنهم أحرص عن جميع الناس والضمير المنصوب محلا لليهود. {أَحْرَصَ النَّاسِ}: أى أحرص من غيرهم من الناس كلهم، وإنما يضاف اسم التفضيل لما هو بعضه وهم بعض الناس فى الجملة لا فى الآية، ومرادى أن يضاف إلى لفظ شامل له بحسبه وضع اللغة لا بحسب المراد منه فى المقام، فإن لفظ الناس بحسب اللغة شامل لليهود ولا يشملهم فى الآية ونحوها، إذ لا يفضل الشئ على نفسه وغيره، كما لا يفضل على غيره، وأجاز الكوفيون أن يضاف إلى ما ليس هو بعضه، ولما أضيف إلى معرفة جاز إفراده، ولو وقع على جماعة ولو طابق ما وقع عليهِ لقيل أحرصى الناس بياء الجمع، ويحذف نونه للإضافة، قال ابن هشام والغالب ترك المطابقة كما فى الآية، وابن السراج يوجبه يعنى يوجب تركها ويرده إلى أكابر مجرميها، وإن جعل أكابر غير مضاف لمجرميها بل مفعولا ثانياً ومجرمى أولا لزمه ثبوت المطابقة مع التجرد من أول الإضافة لمعرفة إذا قيل أكابر الأكبر وذلك لا يجوز. انتهى بصرف وزيادة إيضاح. {عَلَى حَيَاةٍ}: نكر الحياة للتعظيم وللدلالة على النوع. والنوع فرد الجنس، وإن شئت فقل للدلالة على فرد من أفراد الحياة، والمراد حياة متطاولة، فالتنكير أبلغ من قراءة أبى، أحرص الناس على الحياة بالتعريف، وإقسام الله على أنهم أحرص الناس على حياة، تذييل وتقرير بقوله: {ولن يتمنوه أبداً}. {وَمِنَ الذينَ أُشْرِكُوا}: عطف على من التى يتضمنها قوله أحرص الناس وعلى الناس فهو من العطف على المعنى المسمى فى غير القرآن عطف التوهم، إذ المعنى أحرص من الناس والذين أشركوا العرب والمجوس ونحوهم ممن أنكر البعث للثواب والعقاب، فإن العرب تنكره والمجوس كذلك، وتقول المجوس بالنور والظلمة، وقيل لم يقولوا أيهما، وقيل المراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون ملوكهم عشر ألف نيروز وألف مهرجان يعنون أعيادهم، وعن ابن عباس هو قول الأعاجم زه هزار سال، أى عش ألف سنة، وقال الحسن: المراد مشركو العرب، وخص المشركين المنكرين للبعث بالذكر مع شمول لفظ الناس لهم، ومع أن النصارى أيضاً حريصون على الحياة، وكذا غيرهم للمبالغة، إذ حرص من ينكر البعث على الحياة شديد لاقتصار همتهم على الحياة الدنيا وعدم اعتقادهم الجنة والنار، فضلا عن أن يرجو الحياة الآجلة والجنة، أو خصهم بالذكر لزيادة توبيخ اليهود، والتقريع عليهم وإيضاح كذبهم، لأنهم مقرون بالجنة مدعون أنها لهم، فلو صحت دعواهم لأحبوا الموت ليدخلوها، ولكانوا غير حراص على الحياة، فلما كانوا أحرص عليها ممن لا يعتقد الجنة، علمنا أنهم كرهوا الموت لعلمهم أنهُ لا خير لهم فى الآخرة، وما لهم فيها إلا النار، فكرهوا الموت لئلا يدخلوها بخلاف من أنكر البعث، فإن حرصه على الدنيا إنما هو لزوال لذتها عنه بالموت لا لخوفه من النار، لعدم اعتقاده إياها فلم يكن حرصه كحرص هؤلاء الأراجس اليهود، بل دونه ولم يستبعد حرصهم مع دعواهم الجنة مستبعد لأنهم لم يحرصوا ليزيلوا عبادة فكانوا أحقاء بالتوبيخ الشديد، ويجوز كون المعطوف محذوفاً أى وأحرص من الذين أشركوا دل عليهِ أحراص الناس، وذكر ابن هشام أنهُ يحذف المعطوف، ويجب أن يتبعه العاطف.. انتهى، ويفيد قوله بما إذا لم يبق المعمول وقوله: {يَوَدُّ أَحَدُهم}: أى أحد اليهود مستأنف لبيان زيادة حرصهم، ويحتمل أن تجعل قوله: {من الذين أشركوا} خبرا لمبتدأ محذوف منعوت بجملة: {يود أحدهم} أى ومن الذين أشركوا ناس يود أحدهم أى أحد الناس المحذوفين، قال ابن هشام: يجوز حذف المنعوت إن علم وكان النعت صالحاً لمباشرة العامل أو بعض اسم مقدم مخفوض بمن أو فى، فلفظ الناس المحذوف أريد به اليهود، ودخلوا على هذا الوجه فى قوله: {الذين أشركوا} إذ هم بعض المشركين لأنهم أنكروا القرآن ومحمداً وعيسى والإنجيل، وقالوا: عزير ابن الله سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وليس كما قال بعض إن المشركين فى هذا الوجه هم اليهود، لأن من التبعيضية فى هذا الوجه تنافيه إلا إن أراد أنه أشير بلفظ الذين أشركوا إلى اليهود أنهم من المشركين. {لوْ يُعَمِّرُ ألفَ سَنَةٍ}: أى لو يحيى فى ألف سنة أو يعطى ألف سنة، فألف ظرف على الأول ومفعول ثان ليعمر على الثانى لتضمنه معنى يعطى، ولو مصدرية والمصدر مفعول لم يرد وليس كما قال غيرى إنها حرف تمنى لأن التمنى إنما يفيده قوله: {يود} اللهم إلا أن قدر مفعول: {يود} والقول أى يود أحدهم التعمير بقول لو يعمر ألف سنة، أى لو أعمر أنا ألف سنة فالتفت إلى غيبة يقول من تكلم أعمر أو ضمن يود معنى القول بأن ود بلسانه وقلبه، فجعل لو يعمر ألف سنة مقولا اليهود، وممن ذكر أن لو هذه مصدرية، ابن هشام قال: تكون لو مصدرية وأكثرها بعد ود ويود، وأكثرهم لم يثبت مجيئها مصدرية، والذى أثبته الفراء وأبو البقاء والتبريزى، وابن مالك، ويقول المانعون فى نحو {يود أحدهم لو يعمر} أنها شرطية، ومفعول يود وجواب لو محذوفان، والتقدير يود أحدهم التعمير لو يعمر ألف سنة، فسره ذلك، ولا يخفى ما فى ذلك من التكلف.. إلخ، ولا التفات فى يعمر إلا أن ضمن يود معنى يقول، أو قدر القول، فحينئذ يكون من الالتفات السكاكى، إذ مقتضى الظاهر أن يقول أعمر بالتكلم، وكل سنة مذكورة فى القرآن فمعناها اثنى عشر شهراً إلا السنة العجمية، والمذكورة هنا اثنى عشر شهراً إلا على ما تقدم أن المراد عشر ألف نيروز وألف مهرجان وزه هز إرسال، فالسنة العجمية وخص الألف لأنها نهاية العقود، ولأنها تحية المجوس كما رأيت، وأصل سنة سنوة أو سنهة لقولهم: سنوات وسنهات. وسانهت، عاملته بالسنين أو ماثلته فيها. أو تسنهت النخلة أتت عليها سنون، ولما حذفت الواو أو الهاء كانت التاء عوضاً عنها، أو علامة تأنيث بعد أن كانت علامة تأنيث فقط وقوله. {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذَابِ أن يُعَمَّرَ}: مستأنف أو حال من أحدهم وقوله: {هو} عائد إلى قوله: {أحدهم} اسم وما ومزحزح خبرها أو الباء صلة التأكيد، وأن يعمر فاعل مزحزح، ومعنى مزحزح مبعد أى لا يبعده التعمير الطويل من عذاب الآخرة، أى لا يمنعه بل لا بد يصله، ويجوز أن يعود لفظ هو إلى التعمير المفهوم من يعمر فى قوله: {لو يعمر}، ويدل لهذا قول ابن جبير عن ابن عباس ما عمره بمنجيه من العذاب، فإن يعمر بدل منه بدل مطابق أو عطف بيان وإن يعود إلى مبهم مثل شئ مفسر بقوله: إن يعمر. مع إبقاء أن يعمر على الفاعلية لمزحزح، وقيل هو ضمير الشأن، وأن يعمر مبتدأ، ومزحزح خبر، قال ابن هشام، ولو كان كذلك لم تدخل الباء فى الخبر، لأنه لا يكون مزحزح خبر ما حينئذ.. انتهى بزيادة منى وإيضاح. {وَاللهُ بَصِيرٌ بما يَعْمَلُون}: فيجازيهم، وقرئ بالمثناة الفوقية.

اطفيش

تفسير : {وَلَتَجِدَنَّهُمْ} الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لمن يصلح، وكذا فى جميع القرآن بحسب الإمكان، والأول أولى، والهاء لليهود المخاطبين، ويلتحق بهم اليهود الباقون وقيل للجنس {أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَٰوةٍ} نوع من الحياة، وهو المتطاولة لقوله تعالى: {يود أحدهم لو يعمر ألف سنة} والآية تدل أن لغيرهم أيضاً حرصاً على الحياة الطويلة إلا أنهم أحرص، لأن أحرص اسم تفضيل، فإن الحرص على الحياة فى طباع المؤمن وغيره، وفى الحديث القدسى: "حديث : إن المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته" تفسير : وأيضاً، قد يحرص المؤمن على الحياة ليكثر العبادة، إلا أنه ليس ذلك منه مذموما، وقد يحمل الحديث عليه {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} المجوس وعبدة الأصنام من العرب وكانت المجوس يقولون للعاطس، أحرص الناس من الناس، أى من سائرهم، أو يقدر أحرص من الذين اشركوا، أو يقدر، ومن الذين أشركوا أناس يود أحدهم، وعلى الوجهين الأولين يكون يود... إلخ مستأنفا، أو حالا من الذين، أو واو أشركوا، أو من الهاء، وذكرهم مع دخولهم فى الناس زيادة فى التوبيخ لهم، بأنهم مع إقرارهم بالبعث والحساب أشد حرصاً ممن يعبد الصنم وينكر البعث، وبين حرص اليهود بقوله {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ} أى أحد اليهود، ليس واحدا خاصا، ولكن تمثيل بالواحد، كأنه معين مخصوص مشاهد {لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} أى يود تعميره ألف سنة، والنصب على الظرفية، أو لو حرف تمنّ، محكياً مع ما بعده بيود، لتضمين معنى القول، أو لو شرطية، جوابها لسرَّه ذلك، والألف هى تمثيل للكثرة، لا خصوص هذا العدد، أو بيّن حرصهم بقوله: {ومن الذين أشركوا} إلخ، على أن يراد بالذين أشركوا اليهود تصريحاً بشركهم، وجاء الظاره فى موضع الضمير لذلك على معنى، ومن المشركين ناس يود.. إلخ، فيود... إلخ نعت لمبتدأ محذوف على هذا {وَمَا هُوَ} أى أحدهم {بِمُزَحْزِحِهِ} مبعده، خبر ما والياء صلة أصله زحح، أبدلت الحاء المدغم فيها من جنس الفاء بوزن فعل بشد العين، وقيل: كررت الفاء، فوزنه فعقل {مِنَ} أى من {الْعَذَابِ} بالنار وغيرها من حين يموت إلى ما ينتهى {أَنْ يُعَمَّرَ} تعميره ألف سنة، فاعل مزحزح، كقولك ما زيد قائماً أبوه {وَاللهُ بَصِيرٌ} عليم {بِمَا يَعْمَلُونَ} كله، يعذبهم على كل صغير وكبير. قال عبدالله بن صوريا، حبر من اليهود، للنبى صلى الله عليه وسلم: أىّ ملك يأتيك من السماء؟ قال: جبريل، قال: هو عدونا، ينزل بالعذاب، والشدة والخسف، عادانا مراراً، لو كان ميكائيل لآمنا بك. وقيل: سأل عبدالله بن صوريا عمر: من يأتى محمداً من السماء؟ فقال: جبريل، فقال: هو عدونا... إلخ، وقيل: كان لعمر أرض بأَعلى المدينة، ويمر على اليهود فى مدارسهم، ويجلس إليهم ويسأَلهم ويسمع كلامهم، فقالوا: ما فى أصحاب محمد أحب إلينا منك، وإنا نطمع فيك، فقال: والله ما آتيكم لحبى لكم، ولا لأنى شاك فى دينى، بل لأزداد بصيرة فى أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأرى أثره فى كتابكم، فقالوا: من يأتيه من السماء؟ قال: جبريل، قالوا: هو عدونا، يطلع محمداً على سرنا، وهو صاحب عذاب وخسف وشدة، وأن ميكائيل يأتى بالخصب والسلامة، ولو كان يأتيه هو لآمنا، وأن محمداً رسول الله، وأن بين جبريل وميكائيل عداوة. وقال عمر: أشهد أنهم سلم، ومع الله سلم، ومن عادى جبريل فهو حرب لله ولميكائيل، ولأنتم أكفر من الحمير، أى أجهل. وقيل: سأَلهم عمر عن جبريل، فقالوا: يأتى بالشر، ولو كان يأتى محمداً ميكائيل لآمنا به، وعن عبدالله بن صوريا عادانا مراراً، أشدها أن نبينا بعث من يقتل بخثت نصر، وهو طفل، لأنه يخرب من بيت المقدس، فرده، فقال: إن قضى الله خرابه لم تقتلوه، وإلا فلم تقتلونه، فرجع، فكبر بخت نصر، فخربه وعلى كل حال نزل فى ذلك قوله تعالى: {قُلْ} لهم {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} الخ، وجبريل علم عجمى، وزعم بعضهم أنه علم عربى مركب من جبروت الله، وفيه: أنه لو كان كذلك لورد فيه وجهان آخران: البناء وإضافة الجزء الأول للثانى، كنظائره، قال صلى الله عليه وسلم لعمر رضى الله عنه، وقد سبقه الوحى: لقد وافقتك ربك يا عمر، قال عمر: لقد كنت بعد ذلك أصلب من الحديد، والمعنى: مَن كان عدوّاً لجبريل لمجيئه بالعذاب والقرآن الفاضح لهم فهو عدو لله، لأنه هو الذى أرسله، أو فليمت غيظاً، أو فلا وجه لعداوته وجه، أنه نزله على قلبك، كقولك: إن عاداك فقد آذيته أمس، وناب عن الجواب علته، وهو قوله {فَإِنَّهُ} أى، لأن جبريل أو الشأن أو الله، لأنه {نَزَّلَهُ} أى القرآن المستتر فى نزل لجبريل، أو الله عز وجل {عَلَى قَلْبِكَ} مقتضى الظاهر على قلبى، لقوله قل، لكن قال:على قلبك، لأن المعنى قل ذلك، لأنه نزل على قلبك، وقيل: التقدير، قال الله: من كان... إلخ، ولم يقل علىَّ أو عليك، تصريحاً بالقلب الذى هو محل النزول، وبيت لوحى الله، والفهم والحفظ، ولا يجوز أن يكون فإنه... إلخ تعليل لما قبله، ويقدر الجوبا، فليمت غيظاً، أو فالله عدوه، لأن فاء التعليل عاطفة على جملة، ولا يصح العطف على كان عدوّاً لجبريل، ولو صح معنى قولك لأنه نزله... إلخ {بِإِذْنِ اللهِ} بأمره، فى صورة القول وتيسيره فى صورة الفعل، وأصل الإذن الإباحة والعلاقة اللزوم {مُصَدِّقاً} حال من هاء نزله العائدة إلى جبريل أو إلى القرآن، أو من ضمير نزل {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من كتب الله، والتوراة وغيرها، والموجود هو ما بين اليدين، وأما ما سيوجد فهو مفقود، لا يصح أنه موجود بين اليدين، ويصح بمعنى أنه مستقبل {وَهُدًى} من الوقوف لعدم العلم، ومن العمل بغير علم، وكذا فى غير هذا المحل {وَبُشْرَى} بالجنة، ذا هدى وتبشير، أو هادياً ومبشراً، أو مبالغة {لِلْمُؤمِنِينَ} .

الالوسي

تفسير : {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ} الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم، و ـ تجد ـ من وجد بعقله بمعنى علم المتعدية إلى مفعولين، والضمير مفعول أول، و (أحرص) مفعول ثان، واحتمال أنها من وجد بمعنى لقي وأصاب فتتعدى إلى واحد، و (أحرص) حال لا يتأتى على مذهب من يقول إن إضافة أفعل محضة كما سيأتي، والضمير عائد على اليهود الذين أخبر عنهم بأنهم لا يتمنون الموت، وقيل: على جميعهم، وقيل: على علماء بني إسرائيل و ـ أل ـ في الناس للجنس، وهو الظاهر، وقيل: للعهد، والمراد جماعة عرفوا بغلبة الحرص عليهم، وتنكير (حياة) لأنه أريد بها فرد نوعي، وهي الحياة المتطاولة، فالتنوين للتعظيم، ويجوز أن يكون للتحقير فإن الحياة الحقيقية هي الأخروية و {أية : وِإنٍ ٱلدَّارَ ٱلأَخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ }تفسير : [العنكبوت: 64] ويجوز أن يكون التنكير للإبهام، بل قيل: إن الأوجه أي على حياة مبهمة غير معلومة المقدار، ومنه يعلم حرصهم على الحياة المتطاولة من باب الأولى وجوز أبو حيان أن يكون الكلام على حذف مضاف أو صفة أي طول حياة أو حياة طويلة، وأنت تعلم أنه لا يحتاج إلى ذلك، والجملة إما حال من فاعل {أية : قُلْ} تفسير : [البقرة: 94] ـ وعليه الزجاج ـ وإما معترضة لتأكيد عدم تمنيهم الموت، وقرأ أبـيّ (على الحياة) بالألف واللام. {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} هم المجوس ووصفوا بالإشراك لأنهم يقولون بالنور والظلمة وكانت تحيتهم إذا عطس العاطس عش ألف سنة، وقيل: مشركو العرب الذين عبدوا الأصنام وهذا من الحمل على المعنى كأنه قال: أحرص من الناس ومن الذين الخ بناءً على ما ذهب إليه ابن السراج وعبد القاهر والجزولي وأبو علي من أن إضافة أفعل المضاف إذا أريد الزيادة على ما أضيف إليه لفظية لأن المعنى على إثبات (من) الابتدائية، والجار والمجرور في محل نصب مفعوله، وسيبويه يجعلها معنوية بتقدير اللام، والمراد بالناس على هذا التقدير ما عدا اليهود لما تقرر أن المجرور ـ بمن ـ مفضول عليه بجميع أجزائه أو الأعم ولا يلزم تفضيل الشيء على نفسه لأن أفعل ذو جهتين ثبوت أصل المعنى والزيادة فكونه من جملتهم بالجهة الأولى دون الثانية وجىء ـ بمن ـ في الثانية لأن من شرط أفعل المراد به الزيادة على المضاف إليه أن يضاف إلى ما هو بعضه لأنه موضوع لأن يكون جزءاً من جملة معينة بعده مجتمعة منه ومن أمثاله، ولا شك أن اليهود غير داخلين في الذين أشركوا فإن الشائع في القرآن ذكرهما/ متقابلين، ويجوز أن يكون ذلك من باب الحذف أي ـ وأحرص من الذين ـ وهو قول مقاتل؛ ووجه الآية على مذهب سيبويه، وعلى التقديرين ذكر ـ المشركين ـ تخصيص بعد التعميم على الوجه الظاهر في ـ اللام ـ لإفادة المبالغة في حرصهم والزيادة في توبيخهم وتقريعهم حيث كانوا مع كونهم أهل كتاب يرجون ثواباً ويخافون عقاباً، أحرص ممن لا يرجو ذلك، ولا يؤمن ببعث ولا يعرف إلا الحياة العاجلة، وإنما كان حرصهم أبلغ لعلمهم بأنهم صائرون إلى العذاب، ومن توقع شراً كان أنفر الناس عنه، وأحرصهم على أسباب التباعد منه. ومن الناس من جوّز كون (من الذين) صفة لمحذوف معطوف على الضمير المنصوب في {لتجدنهم} والكلام على التقديم والتأخير، أي: لتجدنهم وطائفة من ـ الذين أشركوا أحرص الناس ـ ولا أظن يقدم على مثل ذلك في كتاب الله تعالى من له أدنى ذوق، لأنه ـ وإن كان معنى صحيحاً في نفسه ـ إلا أن التركيب ينبو عنه، والفصاحة تأباه، ولا ضرورة تدعو إليه لا سيما على قول من يخص التقديم والتأخير بالضرورة، نعم يحتمل أن يكون هناك محذوف ـ هو مبتدأ ـ والمذكور صفته، أو المذكور خبر مبتدأ محذوف صفته. {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ} وحذف موصوف الجملة فيما إذا كان بعضاً من سابقه المجرور بمن أو ـ في ـ جائز في السعة، وفي غيره مختص بالضرورة نحو:شعر : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا تفسير : وحينئذٍ يراد بالذين أشركوا اليهود لأنهم قالوا عزير ابن الله ووضع المظهر موضع المضمر نعياً عليهم بالشرك، وجوّز بعضهم أن يراد بذلك الجنس، ويراد بمن يود أحدهم اليهود، والمراد كل واحد منهم ـ وهو بعيد ـ وجملة {يَوَدُّ} الخ، على الوجهين الأولين مستأنفة، كأنه قيل: ما شدة حرصهم، وقيل: حال من (الذين) أو من ضمير (أشركوا) أو من الضمير المنصوب في {لتجدنهم}. {لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} جواب {لَوْ} محذوف ـ أي لسر بذلك ـ وكذا مفعول {يَوَدُّ} أي طول الحياة، وحذف لدلالة {لَوْ يُعَمَّرُ} عليه كما حذف الجواب لدلالة {يَوَدُّ} عليه، وهذا هو الجاري على قواعد البصريين في مثل هذا المكان، وذهب بعض الكوفيين ـ في مثل ذلك ـ إلى أن {لَوْ} مصدرية بمعنى ـ أن ـ فلا يكون لها جواب، وينسبك منها مصدر هو مفعول {يَوَدُّ} كأنه قال: يود أحدهم تعمير ألف سنة، وقيل: {لَوْ} بمعنى ليت ولا يحتاج إلى جواب والجملة محكية بيود في موضع المفعول، وهو ـ وإن لم يكن قولاً ولا في معناه ـ لكنه فعل قلبـي يصدر عنه الأقوال فعومل معاملتها، وكان أصله ـ لو أعمر ـ إلا أنه أورد بلفظ الغيبة لأجل مناسبة {يَوَدُّ} فإنه غائب، كما يقال: حلف ليفعلن ـ مقام لأفعلن ـ وهذا بخلاف ما لو أتى بصريح القول، فإنه لا يجوز قال: ليفعلن، وإذا قلنا: إن (لو) التي للتمني مصدرية لا يحتاج إلى اعتبار الحكاية، وابن مالك رضي الله تعالى عنه يقول: إن (لو) في أمثال ذلك مصدرية لا غير، لكنها أشبهت ـ ليت ـ في الإشعار بالتمني، وليست حرفاً موضوعاً له ـ كليت ـ ونحو لو تأتيني فتحدثني ـ بالنصب ـ أصله وددت لو تأتيني الخ، فحذف فعل التمني لدلالة (لو) عليه، وقيل: هي (لو) الشرطية أشربت معنى التمني، ومعنى {أَلْفَ سَنَةٍ} الكثرة ليشمل من (يود) أن لا يموت أبداً، ويحتمل أن يراد ألف سنة حقيقة ـ والألف ـ العدد المعلوم من الألفة، إذ هو مؤلف من أنواع الأعداد بناءً على متعارف الناس، وإن كان الصحيح أن العدد مركب من الوحدات التي تحته ـ لا الأعداد ـ وأصل (سنة) سنوة، لقولهم: سنوات، وقيل: سنهة ـ كجبهة ـ لقولهم: سانهته، وتسنهت النخلة إذا أتت عليها السنون، وسمع أيضاً في الجمع سنهات. {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} {مَا} حجازية أو تميمية، وهو ضمير عائد إلى {أَحَدِهِمْ} اسمها ـ أو مبتدأ ـ و {بِمُزَحْزِحِهِ} خبرها أو خبره ـ والباء ـ زائدة، و {أَن يُعَمَّرَ} / فاعل (مزحزحه) والمعنى ـ ما أحدهم يزحزحه من العذاب تعميره ـ وفيه إشارة إلى ثبوت من ـ يزحزحه التعمير ـ وهو (من آمن وعمل صالحاً) ولا يجوز عند المحققين أن يكون الضمير المرفوع للشأن لأن مفسره جملة، ولا تدخل ـ الباء في خبر {مَا} وليس إلا إذا كان مفرداً عند غير الفراء، وأجاز ذلك أبو علي، وهو ميل منه إلى مذهب الكوفيين من أن مفسر ضمير الشأن يجوز أن يكون غير جملة إذا انتظم إسناداً معنوياً نحو ما هو بقائم زيد؛ نعم جوّزوا أن يكون لما دل عليه {يُعَمَّرُ} و {أَن يُعَمَّرَ} بدل منه، أي: ما تعميره بمزحزحه من العذاب واعترض بأن فيه ضعفاً للفصل بين البدل والمبدل منه، وللإبدال من غير حاجة إليه، وأجاب بعض المحققين أنه لما كان لفظ ـ التعمير ـ غير مذكور، بل ضميره حسن الإبدال؛ ولو كان التعمير مذكوراً بلفظه لكان الثاني تأكيداً ـ لا بدلاً ـ ولكونه في الحقيقة تكريراً يفيد فائدته من تقرير المحكوم عليه اعتناءً بشأن الحكم بناءً على شدة حرصه على التعمير ـ ووداده إياه ـ جاز الفصل بينه وبين المبدل منه بالخبر، كما في التأكيد في قوله تعالى: {أية : وَهُمْ بِٱلأَخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ }تفسير : [هود: 19] وقيل: هو ضمير مبهم يفسره البدل فهو راجع إليه لا إلى شيء متقدم مفهوم من الفعل، والتفسير بعد الإبهام ليكون أوقع في نفس السامع، ويستقر في ذهنه كونه محكوماً عليه بذلك الحكم والفصل بالظرف بينه وبين مفسره جائز ـ كما يفهمه كلام الرضي في بحث أفعال المدح والذم ـ واحتمال أن يكون (هو) ضمير فصل قدم مع الخبر بعيد ـ والزحزحة ـ التبعيد، وهو مضاعف من زح يزح زحاً، ككبكب من كب ـ وفيه مبالغة ـ لكنها متوجهة إلى النفي على حد ما قيل: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [فصلت: 46] فيؤول ـ إلى أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير ـ التعمير، وصح ذلك مع أن التعمير يفيد رفع العذاب مدة البقاء، لأن الإمهال بحسب الزمان وإن حصل، لكنهم لاقترافهم المعاصي بالتعمير زاد عليهم من حيث الشدة فلم يؤثر في إزالته أدنى تأثير بل زاد فيه حيث استوجبوا بمقابلة (أيام معدودة) عذاب الأبد. {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي عالم بخفيات أعمالهم ـ فهو مجازيهم لا محالة ـ وحمل ـ البصر ـ على ـ العلم ـ هنا وإن كان بمعنى الرؤية صفة لله تعالى أيضاً لأن بعض الأعمال لا يصح أن يرى ـ على ما ذهب إليه بعض المحققين ـ وفي هذه الجملة من التهديد والوعيد ما هو ظاهر، و(ما) إما موصولة أو مصدرية، وأتى بصيغة المضارع لتواخي الفواصل، وقرأ الحسن وقتادة والأعرج ويعقوب {تَعْمَلُونَ} ـ بالتاء ـ على سبيل الالتفات.

ابن عاشور

تفسير : معطوف على قوله: {أية : ولن يتمنوه أبداً}تفسير : [البقرة: 95] للإشارة إلى أن عدم تمنيهم الموت ليس على الوجه المعتاد عند البشر من كراهة الموت ما دام المرء بعافية بل هم تجاوزوا ذلك إلى كونهم أحرص من سائر البشر على الحياة حتى المشركين الذين لا يرجون بعثاً ولا نشوراً ولا نعيماً فنعيمهم عندهم هو نعيم الدنيا وإلى أن تمنوا أن يعمروا أقصى أمد التعمير مع ما يعتري صاحب هذا العمر من سوء الحالة ورذالة العيش. فلما في هذه الجمل المعطوفة من التأكيد لمضمون الجملة المعطوف عليها أخرت عنها، ولما فيها من الزيادة في وصفهم بالأحرصية المتجاوزة الحد عطف عليه ولم يفصل لأنه لوكان لمجرد التأكيد لفصل كما يفصل التأكيد عن المؤكد. وقوله: {لتجدنهم} من الوجدان القلبي المتعدي إلى مفعولين. والمراد من الناس في الظاهر جميع الناس أي جميع البشر فهم أحرصهم على الحياة فإن الحرص على الحياة غريزية في الناس إلا أن الناس فيه متفاوتون قوة وكيفية وأسباباً قال أبو الطيب:شعر : أرى كلنا يهوَى الحياةَ بسعيه حريصاً عليها مستهاماً بها صَبّا فحُب الجبانِ النفسَ أورده التُّقَى وحبُّ الشجاعِ النفسَ أَوْرَدَهِ الحَربا تفسير : ونكر (الحياة) قصداً للتنويع أي كيفما كانت تلك الحياة وتقول يهود تونس ما معناه «الحياة وكفى». وقوله: {ومن الذين أشركوا} عطف على (الناس) لأن المضاف إليه أفعل التفضيل تقدر معه من التفضيلية لا محالة فإذا عطف عليه جاز إظهارها ويتعين الإظهار إذا كان المفضل من غير نوع المفضل عليه لأن الإضافة حينئذ تمتنع كما هنا فإن اليهود من الناس وليسوا من الذين أشركوا. وعند سيبويه أن إضافته على تقدير اللام فيكون قوله: {ومن الذين أشركوا} ــــ على قوله ــــ عطفاً بالحمل على المعنى أو بتقدير معطوف محذوف تقديره أحرص هو متعلق من {الذين أشركوا} وإليه مال في «الكشاف». وقوله: {يود أحدهم} بيان لأحرصيتهم على الحياة وتحقيق لعموم النوعية في الحياة المنكرة لدفع توهم أن الحرص لا يبلغ بهم مبلغ الطمع في الحياة البالغة لمدة ألف سنة فإنها مع تعذرها لو تمت لهم كانت حياة خسف وأرذل عيش يظن بهم أن لا يبلغ حبهم الحياة إلى تمنيها، وقد قال الحريري:شعر : والموت خير للفتى من عيشهِ عَيْشَ البهيمة تفسير : فجيء بهاته الجملة لتحقيق أن ذلك الحرص يشمل حتى هاته الحياة الذميمة ولما في هاته الجملة من البيان لمضمون الجملة قبلها فُصلت عنها. والود المحبة و(لو) للتمني وهو حكاية للفظ الذي يودون به والمجيء فيه بلفظ الغائب مراعاة للمعنى ويجوز أن تكون (لو) مصدرية والتقدير يود أحدهم تَعمير ألفِ سنة. وقوله: {لو يعمر ألف سنة} بيان ليود أي يود ودًّا بيانه لو يعمر ألف سنة، وأصل (لو) أنه حرف شرط للماضي أو للمستقبل فكان أصل موقعه مع فعل يود ونحوه أنه جملة مبينة لجملة {يود} على طريقة الإيجاز والتقدير في مثل هذا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة لَما سَئِم أو لما كَرِهَ فلما كان مضمون شرط (لو) ومضمون مفعول {يود} واحداً استغنوا بفعل الشرط عن مفعول الفعل فحذفوا المفعول ونزل حرف الشرط مع فعله منزلة المفعول فلذلك صار الحرف مع جملة الشرط في قوة المفعول فاكتسب الاسمية في المعنى فصار فعل الشرط مؤولاً بالمصدر المأخوذ منه ولذلك صار حرف (لو) بمنزلة أَن المصدرية نظراً لكون الفعل الذي بعدها صار مؤولاً بمصدر فصارت جملة الشرط مستعملة في معنى المصدر استعمالاً غلَب على (لو) الواقعة بعد فعل {يود} وقد يلحق به ما كان في معناه من الأفعال الدالة على المحبة والرغبة. هذا تحقيق استعمال لو في مثل هذا الجاري على قول المُحَققّين من النحاة ولغلبة هذا الاستعمال وشيوع هذا الحذف ذهب بعض النحاة إلى أن (لو) تستعمل حرفاً مصدرياً وأثبتوا لها من مواقع ذلك موقعها بعد {يود} ونحوه وهو قول الفراء وأبي علي الفارسي والتبريزي والعكبري وابن مالك فيقولون: لا حذف ويجعلون (لو) حرفاً لمجرد السبك بمنزلة أن المصدرية والفعل مسبوكاً بمصدر والتقدير يود أحدهم التعمير وهذا القول أضعف تحقيقاً وأسهل تقديراً. وقوله: {وما هو بمزحزحه} يجوز أن يكون الضمير لأحدهم ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره المصدر بعده على حد قول زهير:شعر : وما الحربُ إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجَّم تفسير : ولم يجعل ضمير شأن لدخول النفي عليه كالذي في البيت لكنه قريب من ضمير الشأن لأن المقصود منه الاهتمام بالخبر ولأن ما بعده في صورة الجملة، وقيل: هو عائد على التعمير المستفاد من {لو يعمر ألف سنة}. وقوله: {أن يعمر} بدل منه وهو بعيد. والمزحزح المُبعد. وقوله: {والله بصير بما يعلمون} البصير هنا بمعنى العليم كما في قول علقمة الفحل:شعر : فإن تسألوني بالنساء فإنني بَصِيرٌ بأدواء النساء طبيبُ تفسير : وهو خبر مستعمل في التهديد والتوبيخ لأن القدير إذا علم بما يجترحه الذي يعصيه وأعلمه بأنه علم منه ذلك علم أن العقاب نازل به لا محال ومنه قول زهير:شعر : فلا تكتمُنَّ اللَّهَ ما في نفوسكم ليخفى فمهما يُكتم اللَّهُ يَعلم يؤخَّرْ فيوضَعْ في كتاب فيُدَّخرْ ليوم الحساب أو يعَجَّلْ فينقم تفسير : فجعل قوله: يَعْلم بمعنى العلم الراجع للتهديد بدليل إبداله منه قوله يؤخر، البيت وقريب من هذا قول النابغة في النعمان:شعر : علمتُك ترعاني بعين بصيرةٍ وتبعث حُرَّاساً عليَّ وناظرا تفسير : (97، 98) موقع هاته الجملة موقع الجمل قبلها من قوله: {أية : قل فلم تقتلون أنبياء الله}تفسير : [البقرة: 91]. وقوله: {أية : قل بئسما يأمركم}تفسير : [البقرة: 93]. وقوله: {أية : قل إن كانت لكم الدار الآخرة}تفسير : [البقرة: 94]. فإن الجميع للرد على ما تضمنه قولهم {أية : نؤمن بما أنزل علينا}تفسير : [البقرة: 91] لأنهم أظهروا به عذراً عن الإعراض عن الدعوة المحمدية وهو عذر كاذب ستروا به السبب في الواقع وهو الحسد على نزول القرآن على رجل من غيرهم فجاءت هاته المجادلات المصدرة بقل لإبطال معذرتهم وفضح مقصدهم. فأبطل أولاً ما تضمنه قولهم: {نؤمن بما أنزل علينا} من أنهم إنما يقبلون ما أنزل على رسلهم بأنهم قد قابلوا رسلهم أيضاً بالتكذيب والأذى والمعصية وذلك بقوله: {قل فلم تقتلون} وقوله: {قل بئسما} إلخ. وأبطل ثانياً ما تضمنه من أنهم شديدو التمسك بما أنزل عليهم حريصون على العمل به متباعدون عن البعد عنه لقصد النجاة في الآخرة بقوله: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة}. وأبطل ثالثاً أن يكون ذلك العذر هو الصارفَ لهم عن الإيمان مع إثبات أن الصارف لهم هو الحسد بقوله هنا: {قل من كان عدواً لجبريل} إلخ. ويؤيد هذا الارتباط وقوع الضمير في قوله نَزَّله عائداً على {ما أنزل الله} في الآية المجابة بهاته الإبطالات، ولذلك فصلت هذه كما فصلت أخواتها ولأنها لا علاقة لها بالجمل القريبة منها فتعطف عليها فجاءت لذلك متسأنفة. والعدو المبغض وهو مشتق من عَدَا عليه يعدو بمعنى وثب، لأن المبغض يثب على المبغوض لينتقم منه ووزنه فَعول. وجبريل اسم عبراني للمَلَك المرسل من الله تعالى بالوحي لرُسله مركب من كلمتين. وفيه لغات أشهرها جِبْرِيل كقِطمير وهي لغة أهل الحجاز وبها قرأ الجمهور. وجَبْريل بفتح الجيم وكسر الراء وقع في قراءة ابن كثير وهذا وزن فَعْليل لا يوجد له مثال في كلام العرب قاله الفراء والنحاس، وجَبْرَئِيل بفتح الجيم أيضاً وفتح الراء وبين الراء والياء همزة مكسورة وهي لغة تميم وقيس وبعضِ أهل نجد وقرأ بها حمزة والكسائي. وجَبْرَئِل بفتح الجيم والراء بينها وبين اللام همزة مكسورة قرأ بها أبو بكر عن عاصم وفيه لغات أخرى قُرِىء بها في الشواذ. وهو اسم مركب من كلمتين كلمة جبر وكلمة إِيل. فأما كلمة جبر فمعناه عند الجمهور نقلاً عن العبرانية أنها بمعنى عبد والتحقيق أنها في العبرانية بمعنى القُوة. وأما كلمة إِيل فهي عند الجمهور اسم من أسماء الله تعالى. وذهب أبو علي الفارسي إلى عكس قول الجمهور فزعم أن جبر اسم الله تعالى وإِيل العبد وهو مخالف لما في اللغة العبرانية عند العارفين بها. وقد قفا أبوالعلاء المعري رأي أبي علي الفارسي في صدر رسالته التي خاطب بها علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح وهي المعروفة «برسالة الغُفران» فقال: «قَدْ علم الجَبْر الذي نسب إليه جبريل وهو في كل الخيرات سبيل أنَّ في مسكني حَمَاطَة» إلخ. أي قد علم الله الذي نُسب جبريل إلى اسمه أي اسمه جبر يريد بذلك القَسَم وهذا إغراب منه وتنبيه على تباصره باللغة. وعدواة اليهود لجبريل نشأت من وقت نزوله بالقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: لأنه ينزل على الأمم التي كذبت رسلها بالعذاب والوعيد، نقله القرطبي عن حديث خرجه الترمذي. وقوله: {من كان عدواً لجبريل} شرط عام مراد به خاص وهم اليهود.قصد الإتيان بالشمول ليعلموا أن الله لا يعبأ بهم ولا بغيرهم ممن يعادي جبريل إن كان له معاد آخر. وقد عرف اليهود في المدينة بأنهم أعداء جبريل ففي البخاري عن أنس بن مالك قال: حديث : «سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله وهو في أرض يخترف فأتى النبي فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي «فما أول أشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال رسول الله أخبرني بهن جبريل آنفاً قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة فإنهم أبغضوه لأنه يجيء بما فيه شدة وبالأمر بالقتال» تفسير : الحديث وفي سفر دانيال من كتبهم في الإصحاحين الثامن والتاسع ذكروا أن جبريل عبر لدانيال رؤيا رآها وأنذره بخراب أورشليم. وذكر المفسرون أسباباً أخرى لبغضهم جبريل. ومن عجيب تهافت اعتقادهم أنهم يثبتون أنه ملك مرسل من الله ويبغضونه وهذا من أحط دركات الانحطاط في العقل والعقيدة ولا شك أن اضطراب العقيدة من أكبر مظاهر انحطاط الأمة لأنه ينبىء عن تظاهر آرائهم على الخطأ والأوهام. وقوله: {فإنه نزله على قلبك بإذن الله}. الضمير المنصوب بـ (نزله) عائد للقرآن إما لأنه تقدم في قوله: {أية : وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله}تفسير : [البقرة: 91] وإما لأن الفعل لا يصلح إلا له هنا على حد {أية : حتى توارت بالحجاب}تفسير : [ص: 32] {أية : فلولا إذا بلغت الحلقوم}تفسير : [الواقعة: 83]. وهذه الجملة قائمة مقام جواب الشرط لظهور أن المراد أن لا موجب لعداوته لأنه واسطة أذنه الله بالنزول بالقرآن فهم بمعاداته إنما يعادون الله تعالى فالتقدير من كان عدواً لجبريل فلا يعاده وليعاد الله تعالى. وهذا الوجه أحسن مما ذكروه وأسعد بقوله تعالى {بإذن الله} وأظهر ارتباطاً بقوله بعد {من كان عدواً لله وملائكته} كما ستعرفونه ويجوز أن يكون التقدير فإنه قد نزله عليك سواء أحبوه أم عادوه فيكون في معنى الإغاظة من باب {أية : قل موتوا بغيظكم}تفسير : [آل عمران: 119]، كقول الربيع بن زياد:شعر : من كان مسروراً بمقتل مالك فليأتِ ساحَتنا بوجه نهار يجد النساءَ حواسراً يندبنه بالليل قبل تبلج الإسفار تفسير : أي فلا يسر بمقتله فإنا قد قتلنا قاتله قبل طلوع الصباح فإن قاتله من أولياء من كان مسروراً بمقتله. ويجوز أن يكون المراد فإنه نزل به من عند الله مصدقاً لكتابهم وفيه هدى وبشرى، وهذه حالة تقتضي محبة من جاء به فمن حمقهم ومكابرتهم عداوتهم لمن جاء به فالتقدير فقد خلع ربقة العقل أو حلية الإنصاف. والإتيان بحرف التوكيد في قوله: {فإنه نزله} لأنهم منكرون ذلك. والقلب هنا بمعنى النفس وما به الحفظ والفهم، والعرب تطلق القلب على هذا الأمر المعنوي نحو: {أية : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب}تفسير : [ق: 37] كما يطلقونه أيضاً على العضو الباطني الصنوبري كما قال:شعر : كأنّ قلوب الطير رطباً ويابساً تفسير : و{مصدقاً} حال من الضمير المنصوب في {أنزله} أي القرآن الذي هو سبب عداوة اليهود لجبريل أي أنزله مقارناً لحالة لا توجب عداوتهم إياه لأنه أنزله مصدقاً لما بين يديه من الكتب وذلك التوراة والإنجيل. والمصدق المخبر بصدق أحد. وأدخلت لام التقوية على مفعول {مصدقاً} للدلالة على تقوية ذلك التصديق أي هو تصديق ثابت محقق لا يشوبه شيء من التكذيب ولا التخطئة فإن القرآن نوه بالتوراة والإنجيل ووصف كلاً بأنه هدى ونور كما في سورة المائدة. وتصديق الرسل السالفين من أول دلائل صدق المصدق لأن الدجاجلة المدعين النبوات يأتون بتكذيب من قبلهم لأن ما جاءوا به من الهدى يخالف ضلالات الدجالين فلا يسعهم تصديقهم ولذا حذر الأنبياء السابقون من المتنبئين الكذبة كما جاء في مواضع من التوراة والأناجيل. والمراد بما بين يديه ما سبقه وهو كناية عن السبق لأن السابق يجيء قبل المسبوق ولما كان كناية عن السبق لم يناف طول المدة بين الكتب السابقة والقرآن ولأن اتصال العمل بها بين أممها إلى مجيء القرآن فجعل سبقهما مستمراً إلى وقت مجيء القرآن فكان سبقهما متصلاً. والهدى وصف للقرآن بالمصدر لقصد المبالغة في حصول الهدى به. والبشرى الإخبار بحصول أمر سار أو بترقب حصوله فالقرآن بشر المؤمنين بأنهم على هدى وكمال ورضى من الله تعالى وبشرهم بأن الله سيؤتيهم خير الدنيا وخير الآخرة. فقد حصل من الأوصاف الخمسة للقرآن وهي أنه منزل من عند الله بإذن الله، وأنه منزل على قلب الرسول، وأنه مصدق لما سبقه من الكتب، وأنه هاد أبلغ هدى، وأنه بشرى للمؤمنين، الثناء على القرآن بكرم الأصل وكرم المقر وكرم الفئة ومفيض الخير على أتباعه الأخيار خيراً عاجلاً وواعد لهم بعاقبة الخير. وهذه خصال الرجل الكريم محتده وبيته وقومه، السخي بالبذل الواعد به وهي خصال نظر إليها بيت زياد الأعجم:شعر : إنَّ السماحةَ والمروءةَ والنَّدى في قبة ضُربت على ابن الحَشْرج تفسير : وقوله: {من كان عدواً لله} إلخ قد ظهر حسن موقعه بما علمتموه من وجه معنى {فإنه نزله على قلبك بإذن الله} أي لما كانت عداوتهم جبريل لأجل عداوتهم الرسول ورجعت بالأخرة إلى إلزامهم بعدواتهم الله المرسل، لأن سبب العداوة هو مجيئه بالرسالة تسنى أن سجل عليهم أنهم أعداء الله لأنه المرسل، وأعداء رسله لأنهم عادوا الرسول، وأعداء الملائكة لذلك، فقد صارت عداوتهم جبريل كالحد الوسط في القياس لا يلتفت إليه وإنما يلتفت للمقدمتين بالصغرى والكبرى فعداوتهم الله بمنزلة المقدمة الكبرى لأنها العلة في المعنى عند التأمل. وعداوتهم الرسول بمنزلة المقدمة الصغرى لأنها السبب الجزئي المثبت له فلا يرد أنه لا وجه لذكر عداوة الله تعالى هنا حتى يجاب بأن عداوة الملائكة والرسل عداوة لله على حد {أية : من يطع الرسول فقد أطاع الله}تفسير : [النساء: 80] فإن ذلك بعيد. وقد أثبت لهم عدواة الملائكة والرسل مع أنهم إنما عادوا جبريل ومحمداً لأنهم لما عادوهما عادوا جبريل لأجل قيامه بما هو من خصائص جنسه الملكي وهو تبليغ أمر الله التكليفي فإن ذلك خصيصتهم قال تعالى: {أية : وهم بأمره يعملون}تفسير : [الأنبياء: 27] كانت عداوتهم إياه لأجل ذلك آيلة إلى عداوة جنس الملائكة إذ تلك طريق ليس جبريل فيها بأوحد وكذلك لما عادوا محمداً لأجل مجيئه بالرسالة لسبب خاص بذاته، كانت عداوتهم إياه آيلة إلى عداوة الوصف الذي هو قوام جنس الرسول فمن عادى واحداً كان حقيقاً بأن يعاديهم كلَّهم وإلا كان فعله تحكماً لا عذر له فيه. وخُص جبريل بالذكر هنا لزيادة الاهتمام بعقاب معاديه وليُذكَرَ معه ميكائيل ولعلهم عادَوهما معاً أو لأنهم زعموا أن جبريل رسول الخسف والعذاب وأن ميكائيل رسول الخصب والسلام وقالوا: نحن نحب ميكائيل فلما أريد إنذارهم بأن عداوتهم الملائكة تجر إليهم عداوة الله وأعيد ذكر جبريل للتنويه به وعطف عليه ميكائيل لئلا يتوهموا أن محبتهم ميكائيل تكسب المؤمنين عداوته. وفي ميكائيل لغات إحداها ميكائيل بهمزة بعد الألف وياء بعد الهمزة وبها قرأ الجمهور. الثانية ميكائيل بهمزة بعد الألف وبلا ياء بعد الهمزة وبها قرأ نافع. الثالثة "ميكالَ" بدون همز ولا ياء وبها قرأ أبو عمرو وحفص وهي لغة أهل الحجاز. وقوله: {فإن الله عدو للكافرين} جواب الشرط. والعدو مستعمل في معناه المجازي وهو ما يستلزمه من الانتقام والهلاك وأنه لا يفلته كما قال النابغة:شعر : فإنك كالليل الذي هو مدركي البيت. تفسير : وقوله تعالى: {أية : ووجد الله عنده فوفاه حسابه}تفسير : [النور: 39] وما ظنك بمن عاداه الله. ولهذا ذكر اسم الجلالة بلفظه الظاهر ولم يقل فإني عدو أو فإنه عدو لما يشعر به الظاهر هنا من القدرة العظيمة على حد قول الخليفة: «أميرُ المؤمنين يأمر بكذا» حثًّا على الامتثال. والمراد بالكافرين جميع الكافرين وجيء بالعام ليكون دخولهم فيه كإثبات الحكم بالدليل، وليدل على أن الله عاداهم لكفرهم، وأن تلك العداوة كفر، ولتكون الجملة تذييلاً لما قبلها.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ}. معنى الآية: أن أحد المذكورين يتمنى أن يعيش ألف سنة وطول عمره لا يزحزحه، أي: لا يبعده عن العذاب، فالمصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: {أَن يُعَمَّرَ} فاعل اسم الفاعل الذي هو "مزحزحه" على أصح الأعاريب. وفي لو، من قوله: {لَوْ يُعَمَّرُ} وجهان: الأول: وهو قول الجمهور إنها حرف مصدري، وهي وصلتها في تأويل مفعول به لـ يود، والمعنى: يود أحدهم، أي: يتمنى تعمير ألف سنة، ولو قد تكون حرفاً مصدرياً لقول قتيلة بنت الحارث: شعر : ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق تفسير : أي: ما كان ضرك منك. وقال بعض العلماء: إن لو هنا هي الشرطية والجواب محذوف وتقديره: لو يعمر ألف سنة، لكان أحب شيء إليه، وحذف جواب لو مع دلالة المقام عليه واقع في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى: {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ}تفسير : [التكاثر: 5] أي: لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر، وقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ}تفسير : [الرعد: 31] أي: لكان هذا القرآن أو لكفرتم بالرحمن. ومنه في كلام العرب قول الشاعر: شعر : فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعاً تفسير : أي لو شيء أتانا رسوله سواك لدفعناه. إذا عرفت معنى الآية فاعلم أن الله قد أوضح هذا المعنى مبيناً أن الإنسان لو متع ما متع من السنين ثم انقضى ذلك المتاع وجاءه العذاب، أن ذلك المتاع الفائت لا ينفعه، ولا يغني عنه شيئاً بعد انقضائه وحلول العذاب محله. وذلك في قوله: {أية : أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ} تفسير : [الشعراء: 205-207]، وهذه هي أعظم آية في إزالة الداء العضال الذي هو طول الأمل. كفانا الله والمؤمنين شره.

د. أسعد حومد

تفسير : (96) - وَلَتَجِدَنَّ يَا مُحَمَّدُ اليَهُودَ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى البَقَاءِ في الحَيَاةِ، حَتَّى لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ مِنَ المُشْرِكِينَ الذِينَ لاَ كِتَابَ لَهُمْ، وَلاَ يَعْتَقدُونَ بِوُجُودِ بَعْثٍ وَحَشْرٍ وَحِسَابٍ عَلَى الأعْمَالِ، وَلِذلِكَ حَصَرُوا هَمَّهُمْ في الحَيَاةِ الدُّنيَا. أَمَّا اليَهُودُ فِإِنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ وَالحِسَابِ، وَيَعْلَمُونَ مَا قَدَّمَتْ أَيْدِيْهِمْ مِنْ كُفْرٍ وَخُرُوجٍ عَنْ أَمْرِ اللهِ، وَقَتْلٍ لأَنْبِيَائِهِ، وَيَعْلَمُونَ مَا يَنْتَظِرُهُمْ فِي الآخِرَةِ مِنْ مَقْتِ اللهِ وَغَضَبِهِ وَشدِيدِ عَذَابِهِ، وَلِذلِكَ فَإِنَّهُمْ يَتَمَنَّونَ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يَوْمِ القِيَامَةِ أمَدٌ بَعِيدٌ، وَأنْ يَعِيشُوا دَهْراً طَوِيلاً لِكَيْلا يَصِلُوا إلى العَذَابِ الذِي يَنْتَظِرُهُمْ في الآخِرَةِ. ويَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ قَائِلاً: وَلَوْ عَاشَ أحَدُهُمْ ألْفَ سَنَةٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُنْجِيهِ مِنَ العَذَابِ، مَا دَامَ مُقِيماً عَلَى كُفْرِهِ، وَمُصِرّاً عَلَى الإِتْيَانِ بِالأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، وَاللهُ مُبْصِرٌ وَمُشَاهِدٌ مَا يَعْمَلُونَ. (رُويَ في سَبَبِ نُزُولِ هذِهِ الآيةِ: أنَّ اليُهُودَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَقَالُوا: إنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَنْ كَانَ يَهُودِيّاً. فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى المُبَاهَلَةِ، وَالدُّعَاءِ بِالمَوْتِ وَاللَّعْنَةِ على أكْذَبِ الطَّائِفَتَينِ مِنْهُمْ وَمِنَ المُسْلِمينَ. فَنَكَلَ اليَهُودُ عَنْ ذَلِكَ وَظَهَرَ كَذِبُهُمْ فِيمَا يَدَّعُونَ). وَرَوَى ابنُ عَبَّاس (حديث : أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لليَهُودِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي مَقَالَتِكُم فَقُولُوا: اللَّهُمَّ أمِتْنَا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَقُولُهَا رَجُلٌ مِنْكُمْ إِلاّ غُصَّ بِرِيقِهِ وَمَاتَ مَكَانَهُ)تفسير : . وَهَذَا تَحَدٍّ آخَرَ لِليَهُودِ قَائِمٌ فَوْقَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى بعد أن فضح كذبهم .. في أنهم لا يمكن أن يتمنوا الموت لأنهم ظالمون .. وما داموا ظالمين فالموت أمر مخيف بالنسبة لهم .. وهم أحرص الناس على الحياة .. حتى إن حرصهم يفوق حرص الذين أشركوا .. فالمشرك حريص على الحياة لأنه يعتقد أن الدنيا هي الغاية .. واليهود أشد حرصاً على الحياة من المشركين لأنهم يخافون الموت لسوء أعمالهم السابقة .. لذلك كلما طالت حياتهم ظنوا أنهم بعيدون عن عذاب الآخرةِ .. الحياة لا تجعلهم يواجهون العذاب ولذلك فهم يفرحون بها. إن اليهود لا يبالون أن يعيشوا في ذلة أو في مسكنة .. أو أي نوع من أنواع الحياة .. المهم أنهم يعيشون في أي حياة .. ولكن لماذا هم حريصون على الحياة أكثر من المشركين؟ لأن المشرك لا آخرة له فالدنيا هي كل همه وكل حياته .. لذلك يتمنى أن تطول حياته بأي ثمن وبأي شكل .. لأنه يعتقد أن بعد ذلك لا شيء .. ولا يعرف أن بعد ذلك العذاب .. واليهود أحرص من المشركين على حياتهم. وقوله تعالى: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} [البقرة: 96] .. الود هو الحب .. أي أنهم يحبون أن يعيشوا ألف سنة أو أكثر .. ولكن هب أنه عاش ألف سنة أو حتى أكثر من ذلك .. أيزحزحه هذا عن العذاب؟ لا .. طول العمر لا يغير النهاية. فما دامت النهاية هي الموت. يتساوى من عاش سنوات قليلة ومن عاش ألوف السنين .. قوله تعالى: "يعمر" بفتح العين وتشديد الميم يقال عنها إنها مبنية للمجهول دائماً .. ولا ينفع أن يقال يعمر بكسر الميم .. فالعمر ليس بيد أحد ولكنه بيد الله .. فالله هو الذي يعطي العمر وهو الذي ينهيه .. وبما أن العمر ليس ملكاً لإنسان فهو مبني للمجهول .. والعمر هو السن الذي يقطعه الإنسان بين ميلاده ووفاته .. ومادة الكلمة مأخوذة من العمار لأن الجسد تعمره الحياة. وعندما تنتهي يصبح الجسد أشلاء وخراباً .. قوله تعالى: "ألف سنة" .. لماذا ذكرت الألف؟ لأنها هي نهاية ما كان العرب يعرفونه من الحساب. ولذلك فإن الرجل الذي أسر في الحرب أخت كسرى فقالت كم تأخذ وتتركني؟ قال ألف درهم .. قالوا له بكم فديتها؟ قال بألف .. قالوا لو طلبت أكثر من ألف لكانوا أعطوك .. قال والله لو عرفت شيئاً فوق الألف لقلته .. فالألف كانت نهاية العدد عند العرب .. ولذلك كانوا يقولون ألف ألف ولم يقولوا مليوناً .. وقوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} [البقرة: 96] .. معناها أنه لو عاش ألف سنة أو أكثر فلن يهرب من العذاب. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 96] .. أي يعرف ما يعملونه وسيعذبهم به سواء عاشوا ألف سنة أو أكثر أو أقل.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} أَي بِمُبعِدِهِ مِنْ العَذَابِ.

الأندلسي

تفسير : {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ} الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم. ووجد بمعنى علم يتعدى إلى اثنين وهو قول من وقفت على كلامه من المفسرين في تجد هنا ويحتمل أن يكون بمعنى لقي وأصاب وأحرص حال أن قلنا أن إضافته غير محضة وقد أضيفت إلى اسم معرفة فيجوز الافراد كهذا والمطابقة كقوله: أكابر مجرميها، وتعين الافراد ليس بصحيح خلافاً لمن قاله والضمير عائد على اليهود. و{ٱلنَّاسِ} ألْ فيه للجنس. {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} هم المجوس أو مشركوا العرب لأن من لا يؤمن ببعث فليس عنده إلا نعيم الدنيا أو بؤسها ونكر حياة أي أدنى حياة وهو أقل ما ينطلق عليه اللفظ وقرىء على الحياة ومن يحتمل أن يكون مندرجاً تحت ما قبله مراعاة للمعنى، إذ معناه: إحرص من الناس. أو يكون التقدير واحرص من الذين أشركوا وحذف إحرص لدلالة السابق عليه وهو تخصيص بعد تعميم وفيه أعظم توبيخ لليهود إذ هم أهل الكتاب يرجون ثواباً ويخافون عقاباً ويحتمل أن لا يكون مندرجاً بل أخبر أنه من الذين أشركوا قوم. {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ} وحذف المبتدأ كما حذف في قولهم: منا ظعن ومنا أقام. وعلى القول الأول يكون يود استئناف إخبار أحدهم، أي واحد منهم وهو عام عموم البدل. و"لو" عند بعض الكوفيين مصدرية بمعنى أن التقديران "يعمر" وعلى قواعد البصريين لو على بابها ومفعول يود محذوف أي التعمير لدلالة لو يعمر وجواب لو محذوف أي لسر لذلك وودّه. وقال الزمخشري: فإِن قلت كيف اتصل لو يعمر بيود أحدهم؟ قلت: هو حكاية لودادتهم ولو في معنى التمني وكان القياس لو أعمر إلا أنه جرى على لفظ الغيبة قوله: يود أحدهم. كقولك: حلف بالله ليفعلن. انتهى كلامه وفيه بعض إبهام وذلك أن يود فعل قلبي وليس فعلاً قولياً ولا معناه معنى القول، وإذا كان كذلك فكيف يقول هو حكاية لودادتهم إلا أن ذلك لا يسوغ إلا على تجوز وذلك أن يجري يود معنى يقول، لأن القول ينشأ عن الأمور القلبية فكأنه قال: يقول أحدهم عن ودادة من نفسه لو أعمر ألف سنة وما هو أي أحدهم وهو اسم ما إن كانت حجازية ومبتدأ إن كلت تميمية. و{بِمُزَحْزِحِهِ} في موضع الخبر. وان يعمر: فاعل بمزحزحة، أي: وما أحدهم بمزحزحة. {مِنَ ٱلْعَذَابِ} تعميره وقالت مزقة: هو عماد وذلك أن العماد في مذهب بعض الكوفيين يجوز أن يتقدم مع الخبر على المبتدأ فإِذا قلت: ما زيد هو القائم. جوزوا أن يقول: ما هو القائم زيد. فتقدير الكلام عندهم وما تعميره هو بمزحزحة ثم قدم الخبر مع العماد فجاء وما هو بمزحزحة من العذاب. {أَن يُعَمَّرَ} أي تعميره ولا يجوز ذلك عند البصريين لأن شرط الفصل عندهم أن يكون متوسطاً. وأجاز أبو علي في الحلبيات ان يكون هو ضمير الشأن وهذا ميل منه إلى مذهب الكوفيين وهو أن نفسر ضمير الشأن وهو المسمى عندهم بالمجهول يجوز أن يكون غير جملة إذا انتظم اسناداً معنوياً نحو: ظننته قائماً زيد وما هو بقائم زيد، فهو مبتدأ ضمير مجهول عندهم، وبقائم في موضع الخبر، وزيد فاعل بقائم، فكأنّ المعنى عندهم: ما هو يقوم زيد. ولا يجوز في مذهب البصريين أن يفسر إلا بجملة مصرح بجزأيها سالمة من حرف جر. وقرىء {بِمَا يَعْمَلُونَ} بالياء جرياً على الغيبة، وبالتاء على سبيل الالتفات ويتضمن التهديد والوعيد وكنى ببصير عن عليم مبالغة في إدراك الخفيات.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 27 : 128 - قال سفين في قوله {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ} قال، اليهود. [الآية 96]. 28 : 129 - سفين عن بن عباس في قوله {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} يقول أحدهم، أعيش هزار سال. [الآية 96].