Verse. 104 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيْلَ فَاِنَّہٗ نَزَّلَہٗ عَلٰي قَلْبِكَ بِـاِذْنِ اللہِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْہِ وَھُدًى وَّبُشْرٰى لِلْمُؤْمِنِيْنَ۝۹۷
Qul man kana AAaduwwan lijibreela fainnahu nazzalahu AAala qalbika biithni Allahi musaddiqan lima bayna yadayhi wahudan wabushra lilmumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» لهم «من كان عدوّاً لجبريل» فليمت غيظاً «فإنه نزَّله» أي القرآن «على قلبك بإذن» بأمر «الله مصدقاً لما بين يديه» قلبه من الكتب «وهدىً» من الضلالة «وبشرى» بالجنة «للمؤمنين».

97

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا النوع أيضاً من أنواع قبائح اليهود ومنكرات أقوالهم وأفعالهم وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن قوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } لا بد له من سبب وأمر قد ظهر من اليهود حتى يأمره تعالى بأن يخاطبهم بذلك لأنه يجري مجرى المحاجة، فإذا لم يثبت منهم في ذلك أمر لا يجوز أن يأمره الله تعالى بذلك والمفسرون ذكروا أموراً، أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا فقال: يا محمد كيف نومك، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان؟ فقال عليه السلام: «حديث : تنام عيناي ولا ينام قلبي»تفسير : قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة؟ فقال: أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر، فمن المرأة فقال صدقت. فما بال الرجل يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه؟ فقال: أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له، قال: صدقت فقال: أخبرني أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه؟ فقال عليه السلام: «حديث : أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر لله نذراً لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب، وهو لحمان الإبل وألبانها؟ فقالوا: نعم. فقال له:بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك، أي ملك يأتيك بما تقول عن الله؟ قال جبريل: قال إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك،تفسير : فقال عمر: وما مبدأ هذه العداوة؟ فقال ابن صوريا مبدأ هذه العداوة أن الله تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب في زمان رجل يقال له: بختنصر ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً فدفع عنه جبريل وقال: إن سلطكم الله على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر الله عنه أنه سيخرب بيت المقدس، فلا فائدة في قتله، ثم إنه كبر وقوى وملك وغزانا وخرب بيت المقدس وقتلنا، فلذلك نتخذه عدواً، وأما ميكائيل فإنه عدو جبريل فقال عمر؛ فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل وهما عدوان لمن عداهما فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين. وثانيها: روي أنه كان لعمر أرض بأعلى المدينة وكان ممره على مدراس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال: والله ما أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم، ثم سألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدونا يطلع محمداً على أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلم فقال لهم: وما منزلتهما من الله؟ قالوا: أقرب منزلة، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وميكائيل عدواً لجبريل فقال عمر: لئن كان كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدو لأحدهما كان عدواً للآخر ومن كان عدواً لهما كان عدواً الله، ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوحي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد وافقك ربك يا عمر»تفسير : قال عمر: لقد رأيتني في دين بعد ذلك أصلب من الحجر، وثالثها: قال مقاتل زعمت اليهود أن جبريل عليه السلام عدونا، أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا فأنزل الله هذه الآيات. واعلم أن الأقرب أن يكون سبب عداوتهم له أنه كان ينزل القرآن على محمد عليه السلام لأن قوله: {مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة وتقرير هذا من وجوه، أولها: أن الذي نزله جبريل من القرآن بشارة المطيعين بالثواب وإنذار العصاة بالعقاب والأمر بالمحاربة والمقاتلة لما لم يكن ذلك باختياره بل بأمر الله الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره ولا سبيل إلى مخالفته فعداوة من هذا سبيله توجب عداوة الله وعداوة الله كفر، فيلزم أن عداوة من هذا سبيله كفر، وثانيها: أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب فإما أن يقال: إنه كان يتمرد أو يأبى عن قبول أمر الله وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين أو كان يقبله ويأتي به على وفق أمر الله فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة؟ وثالثها: أن إنزال القرآن على محمد كما شق على اليهود فإنزال التوراة على موسى شق على قوم آخرين، فإن اقتضت نفرة بعض الناس لإنزال القرآن قبحه فلتقتض نفرة أولئك المتقدمين إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه ومعلوم أن كل ذلك باطل فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه. المسألة الثانية: من الناس من استبعد أن يقول قوم من اليهود: إن جبريل عدوهم قالوا: لأنا نرى اليهود في زماننا هذا مطبقين على إنكار ذلك مصرين على أن أحداً من سلفهم لم يقل بذلك، واعلم أن هذا باطل لأن حكاية الله أصدق، ولأن جهلهم كان شديداً وهم الذين قالوا؛ {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } تفسير : [الأعراف: 138]. المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير: «جبريل» بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بفتح الجيم والراء مهموزاً والباقون بكسر الجيم والراء غير مهموز بوزن قنديل وفيه سبع لغات ثلاث منها ذكرناها، وجبرائيل على وزن جبراعل وجرائيل على وزن جبراعيل وجبرايل على وزن جبراعل وجبرين بالنون ومنع الصرف للتعريف والعجمة. المسألة الرابعة: قال بعضهم: جبريل معناه عبد الله، فـ «جبر» عبد و «إيل» الله: وميكائيل عبد الله وهو قول ابن عباس وجماعة من أهل العلم، قال: أبو علي السوسي: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه لا يعرف من أسماء الله «أيل» والثاني: أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجروراً. أما قوله تعالى: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: الهاء في قوله تعالى: «فإنه» وفي قوله: «نزله» إلى ماذا يعود؟ الجواب فيه قولان: أحدهما: أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية: على القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم كقوله: {أية : مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } تفسير : [فاطر: 45] يعني على الأرض وهذا قول ابن عباس وأكثر أهل العلم. أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن الله. قال صاحب «الكشاف»: إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته، وثانيهما: المعنى فإن الله نزل جبريل عليه السلام لا أنه نزل نفسه. السؤال الثاني: القرآن: إنما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فما السبب في قوله نزله على قلبك؟ الجواب: هذه المسألة ذكرناها في سورة الشعراء في قوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193] وأكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه لا على قلبه إلا أنه خص القلب بالذكر لأجل أن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظاً حتى أداه إلى أمته، فلما كان سبب تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظاً جاز أن يقال: نزله على قلبك وإن كان في الحقيقة نزله عليه لا على قلبه. السؤال الثالث: كان حق الكلام أن يقال على قلبي، والجواب: جاءت على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي، من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك. السؤال الرابع: كيف استقام قوله: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ } جزاء للشرط؟ والجواب فيه وجهان: الأول: أنه سبحانه وتعالى بين أن هذه العداوة فاسدة لأنه ما أتى إلا أنه أمر بإنزال كتاب فيه الهداية والبشارة فأنزله، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذوراً، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يجب أن يكون مشكوراً فكيف تليق به العداوة، والثاني: أنه تعالى بين أن اليهود إن كانوا يعادونه فيحق لهم ذاك، لأنه نزل عليك الكتاب برهاناً على نبوتك، ومصداقاً لصدقك وهم يكرهون ذلك فكيف لا يبغضون من أكد عليهم الأمر الذي يكرهونه. أما قوله تعالى: {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } فالأظهر بأمر الله وهو أولى من تفسيرة بالعلم لوجوه. أولها؛ أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن. وثانيها: أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم. وثالثها: أن ذلك الإنزال إذا كان عن أمر لازم كان أوكد في الحجة. أما قوله تعالى: {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } فمحمول على ما أجمع عليه أكثر المفسرين من أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء ولا معنى لتخصيص كتاب دون كتاب، ومنهم من خصه بالتوراة وزعم أنه أشار إلى أن القرآن يوافق التوراة في الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: أليس أن شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكتب، فلم صار بأن يكون مصدقاً لها لكونها متوافقة في الدلالة على التوحيد ونبوة محمد أولى بأن يكون غير مصدق لها؟ قلنا: الشرائع التي تشتمل عليها سائر الكتب كانت مقدرة بتلك الأوقات ومنتهية في هذا الوقت بناء على أن النسخ بيان انتهاء مدة العبادة، وحينئذ لا يكون بين القرآن وبين سائر الكتب اختلاف في الشرائع. أما قوله تعالى: {وهدى} فالمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين. أحدهما: بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهو من هذا الوجه هدى. وثانيهما: بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى، ولما كان الأول مقدماً على الثاني في الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى، فإن قيل: ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؟ الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى إنما خصهم بذلك، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ }. والثاني: أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين، فلهذا خصهم الله به. أما الآية الثانية وهي قوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلـئِكَتِهِ } فاعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى: {مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد، وجب أن يكون عدواً لله تعالى، بين في هذه الآية أن من كان عدواً لله كان عدواً له، فبين أن في مقابلة عداوتهم ما يعظم ضرر الله عليهم وهو عداوة الله لهم، لأن عداوتهم لا تؤثر ولا تنفع ولا تضر، وعداوته تعالى تؤدي إلى العذاب الدائم الأليم الذي لا ضرر أعظم منه، وههنا سؤالات: السؤال الأول: كيف يجوز أن يكونوا أعداء الله ومن حق العداوة الإضرار بالعدو، وذلك محال على الله تعالى؟ والجواب: أن معنى العداوة على الحقيقة لا يصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به، وذلك محال على الله تعالى، بل المراد منه أحد وجهين، إما أن يعادوا أولياء الله فيكون ذلك عداوة لله كقوله: {أية : إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [المائدة: 33] وكقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [الأحزاب: 57] لأن المراد بالآيتين أولياء الله دونه لاستحالة المحاربة والأذية عليه، وإما أن يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وعبادته وبعدهم عن التمسك بذلك فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له شبه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة، فأما عداوتهم لجبريل والرسل فصحيحة لأن الإضرار جائز عليهم لكن عداوتهم لا تؤثر فيهم لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم، وعداوتهم مؤثرة في اليهود لأنها في العاجل تقتضي الذلة والمسكنة، وفي الآجل تقتضي العذاب الدائم. السؤال الثاني: لما ذكر الملائكة فلم أعاد ذكر جبريل وميكائيل مع اندراجهما في الملائكة؟ الجواب لوجهين، الأول: أفردهما بالذكر لفضلهما كأنهما لكمال فضلهما صارا جنساً آخر سوى جنس الملائكة، الثاني: أن الذي جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما والآية إنما نزلت بسببهما، فلا جرم نص على اسميهما، واعلم أن هذا يقتضي كونهما أشرف من جميع الملائكة وإلا لم يصح هذا التأويل، وإذا ثبت هذا فنقول: يجب أن يكون جبريل عليه السلام أفضل من ميكائيل لوجوه، أحدها: أنه تعالى قدم جبريل عليه السلام في الذكر، وتقديم المفضول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفاً فوجب أن يكون مستقبحاً شرعاً لقوله عليه السلام: «حديث : ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن»تفسير : ، وثانيها: أن جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن والوحي والعلم وهو مادة بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار وهي مادة بقاء الأبدان، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل، وثالثها: قوله تعالى في صفة جبريل: {أية : مُّطَـٰعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } تفسير : [التكوير:21] ذكره يوصف المطاع على الإطلاق، وظاهره يقتضي كونه مطاعاً بالنسبة إلى ميكائيل فوجب أن يكون أفضل منه. المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم ميكال بوزن قنطار، ونافع ميكائل مختلسة ليس بعد الهمزة ياء على وزن ميكاعل، وقرأ الباقون ميكائيل على وزن ميكاعيل، وفيه لغة أخرى ميكئيل على وزن ميكعيل، وميكئيل كميكعيل، قال ابن جنّي: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه. المسألة الثالثة: الواو في جبريل وميكال، قيل: واو العطف، وقيل: بمعنى أو يعني من كان عدواً لأحد من هؤلاء فإن الله عدو لجميع الكافرين. المسألة الرابعة: {عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ } أراد عدو لهم إلا أنه جاء بالظاهر ليدل على أن الله تعالى إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر.

القرطبي

تفسير : سبب نزولها أن اليهود قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: إنه ليس نبيّ من الأنبياء إلا يأتيه مَلَك من الملائكة من عند ربّه بالرسالة وبالوَحْي، فمَن صاحبك حتى نتابعك؟ قال: «جبريل» قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال، ذاك عدوّنا! لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك؛ فأنزل الله الآية إلى قوله: «للْكَافِرِينَ» أخرجه الترمذي. وقوله تعالى: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} الضمير في «إنه» يحتمل معنيين؛ الأوّل: فإن الله نزّل جبريل على قلبك. الثاني: فإن جبريل نزل بالقرآن على قلبك. وخصّ القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقّي المعارف. ودلّت الآية على شرف جبريل عليه السلام وذمّ معاديه. وقوله تعالى: {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بإرادته وعلمه. {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني التوراة. {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} تقدّم معناه، والحمد لله.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ} نزل في عبد الله بن صوريا، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن ينزل عليه بالوحي؟ فقال: جبريل، فقال: ذاك عدونا عادانا مراراً، وأشدَّها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر، فبعثنا من يقتله فرآه ببابل فدفع عنه جبريل. وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه وإلا فيم تقتلونه؟. وقيل: دخل عمر رضي الله تعالى عنه مدارس اليهود يوماً، فسألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدونا يطلع محمداً على أسرارنا وإنه صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلام، فقال: وما منزلتهما من الله؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة، فقال؛ لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدو أحدهما فهو عدو الله. ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال عليه الصلاة والسلام «حديث : لقد وافقك ربك يا عمر»تفسير : وفي جبريل ثمان لغات قرىء بهن أربع في: المشهور «جبرئل» كسلسبيل قراءة حمزة والكسائي، و {جبريل} بكسر الراء وحذف الهمزة قراءة ابن كثير، و «جبرئل» كجحمرش قراءة عاصم برواية أبي بكر، و {جبريل} كقنديل قراءة الباقين. وأربع في الشواذ: «جبرائيل» كجبراعيل، و «جبريـل» و«جبرين» ومنع صرفه للعجمة، والتعريف، ومعناه عبد الله. {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ} البارز الأول لجبريل، والثاني للقرآن، وإضماره غير مذكور يدل على فخامة شأنه كأنه لتعينه وفرط شهرته لم يحتج إلى سبق ذكره. {عَلَىٰ قَلْبِكَ } فإنه القابل الأول للوحي، ومحل الفهم والحفظ، وكان حقه على قلبي لكنه جاء على حكاية كلام الله تعالى كأنه قال: قل ما تكلمت به. {بِإِذُنِ ٱللَّهِ} بأمره، أو تيسيره حال من فاعله نزله. {مُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} أحوال من مفعوله، والظاهر أن جواب الشرط {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ }، والمعنى من عادى منهم جبريل فقد خلع ربقة الإنصاف، أو كفر بما معه من الكتاب بمعاداته إياه لنزوله عليك بالوحي، لأنه نزل كتاباً مصدقاً للكتب المتقدمة، فحذف الجواب وأقيم علته مقامه، أو من عاداه فالسبب في عداوته أنه نزله عليك. وقيل محذوف مثل: فليمت غيظاً، أو فهو عدو لي وأنا عدو له. كما قال:

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعاً أن هذه الآية نزلت جواباً لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدوٌّ لهم، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك، فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك، من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر نبوته (ذكر من قال ذلك) حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس ابن بكير عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس، أنه قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم عن شيء، فعرفتموه، لتتابعنني على الإسلام»تفسير : فقالوا: ذلك لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سلوا عما شئتم»تفسير : قالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن، أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل، وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في التوراة، ومن وليه من الملائكة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعنني؟»تفسير : فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق، فقال: «حديث : نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضاً شديداً، فطال سقمه منه، فنذر لله نذراً لئن عافاه الله من مرضه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه: لحوم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟»تفسير : فقالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم اشهد عليهم، وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل غليظ أبيض، وأن ماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله عز وجل، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكراً بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله عز وجل؟»تفسير : قالوا: اللهم نعم، «حديث : قال اللهم أشهد، وأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟»تفسير : قالوا: اللهم نعم، قال: «حديث : اللهم اشهد»تفسير : ، قالوا: أنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك، قال: «حديث : فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه»تفسير : قالوا: فعندها نفارقك، ولو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك، قال: «حديث : فما يمنعكم أن تصدقوه؟»تفسير : قالوا: إنه عدونا، فأنزل الله عز وجل: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} - إلى قوله - {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} فعندها باؤوا بغضب على غضب، وقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي النضر هاشم بن القاسم وعبد الرحمن بن حميد في تفسيره عن أحمد بن يونس، كلاهما عن عبد الحميد بن بهرام به، ورواه أحمد أيضاً عن الحسين بن محمد المروزي عن عبد الحميد بنحوه، وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، فذكره مرسلاً، وزاد فيه: قالوا: فأخبرنا عن الروح، قال: «حديث : فأنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني»تفسير : ؟ قالوا: اللهم نعم، ولكنه عدو لنا، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء، فلولا ذلك اتبعناك، فأنزل الله تعالى فيهم: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ - إلى قوله - لاَ يَعْلَمُون} وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي، واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: والله على ما نقول وكيل، قال: «حديث : هاتوا»تفسير : قالوا: فأخبرنا عن علامة النبي؟ قال: «حديث : تنام عيناه ولا ينام قلبه»تفسير : قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة؟ وكيف يذكر الرجل؟ قال: «حديث : يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت»تفسير : قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: «حديث : كان يشتكي عرق النسا، فلم يجد شيئاً يلائمه إلا ألبان كذا وكذا»تفسير : قال أحمد: قال بعضهم: يعني: الإبل، فحرم لحومها، قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: «حديث : ملك من ملائكة الله عز وجل موكل بالسحاب بيديه أو في يديه مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله تعالى»تفسير : قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: «حديث : صوته»تفسير : قالوا: صدقت، قالوا: إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، أنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: «حديث : جبريل عليه السلام»تفسير : قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان، فأنزل الله تعالى: { قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} إلى آخر الآية، ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد، به، وقال الترمذي: حسن غريب. وقال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد عن ابن جريج: أخبرني القاسم بن أبي بزة أن يهوداً سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي، قال: «حديث : جبريل»تفسير : قالوا: فإنه عدو لنا، ولا يأتي إلا بالحرب والشدة والقتال، فنزلت: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} الآية، قال ابن جرير: قال مجاهد: قالت يهود: يا محمد ما نزل جبريل إلا بشدة وحرب وقتال، فإنه لنا عدو، فنزل: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} الآية، قال البخاري: قوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} قال عكرمة: جبر، وميك، وإسراف: عبد إيل: الله. حدثنا عبد الله بن منير سمع عبد الله بن بكر، حدثنا حميد عن أنس بن مالك، قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الوالد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: «حديث : أخبرني بهذه جبرائيل آنفاً»تفسير : قال: جبريل؟ قال: «حديث : نعم»تفسير : قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} «حديث : وأما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب. وأما أول طعام يأكله أهل الجنة، فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة، نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت»تفسير : قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟»تفسير : قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: «حديث : أرأيتم إن أسلم» تفسير : قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. قالوا: هو شرنا وابن شرنا، وانتقصوه، فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله انفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد أخرجاه من وجه آخر عن أنس بنحوه، وفي صحيح مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريب من هذا السياق كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، وحكاية البخاري كما تقدم عن عكرمة هو المشهور أن إيل هو الله، وقد رواه سفيان الثوري عن خصيف، عن عكرمة، ورواه عبد بن حميد عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، ورواه ابن جرير عن الحسين بن يزيد الطحان عن إسحاق بن منصور عن قيس بن عاصم عن عكرمة أنه قال: إن جبريل اسمه عبد الله، وميكائيل اسمه عبد الله، إيل: الله، ورواه يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس مثله سواء، وكذا قال غير واحد من السلف كما سيأتي قريباً، ومن الناس من يقول: إيل عبارة عن عبد، والكلمة الأخرى هي اسم الله، لأن كلمة إيل لا تتغير في الجميع، فوزانه عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، عبد القدوس، عبد السلام، عبد الكافي، عبد الجليل، فعبد موجودة في هذا كله، واختلفت الأسماء المضاف إليها، وكذلك جبرائيل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل ونحو ذلك، وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف، والله أعلم. ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين عمر بن الخطاب في أمر النبي صلى الله عليه وسلم (ذكر من قال ذلك): حدثني محمد بن المثنى، حدثني ربعي بن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: نزل عمر الروحاء، فرأى رجالاً يبتدرون أحجاراً يصلون إليها، فقال: ما بال هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ههنا، قال: فكفر ذلك، وقال: إنما رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة بواد صلاها، ثم ارتحل فتركه، ثم أنشأ يحدثهم، فقال: كنت أشهد اليهود يوم مدارسهم، فأعجب من التوراة كيف تصدق القرآن، ومن القرآن كيف يصدق التوراة، فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا: يابن الخطاب؟ ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك (قلت): ولمَ ذلك؟ قالوا: لأنك تغشانا وتأتينا، فقلت: إني آتيكم فأعجب من القرآن كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق القرآن، قالوا: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يابن الخطاب، ذاك صاحبكم، فالحق به، قال: فقلت لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه، وما استودعكم من كتابه، هل تعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا، فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه، قالوا: فأنت عالمنا وكبيرنا، فأجبه أنت، قال: أما إذ نشدتنا بما نشدتنا، فإنا نعلم أنه رسول الله، قلت: ويحكم إذاً هلكتم، قالوا: إنا لم نهلك، قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله، ولا تتبعونه ولا تصدقونه؟ قالوا: إن لنا عدواً من الملائكة، وسلماً من الملائكة، وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة، قلت: ومن عدوكم، ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل، قالوا: إن جبرائيل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة والتخفيف ونحو هذا، قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما عز وجل؟ قالوا: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، قال: فقلت: فو الذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما، وما ينبغي لجبرائيل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبرائيل، قال: ثم قمت، فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته، وهو خارج من خوخة لبني فلان، فقال: «حديث : يابن الخطاب ألا أقرئك آيات نزلن قبل»تفسير : ؟ فقرأ عليّ: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} حتى قرأ الآيات، قال: قلت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لقد جئت أنا أريد أن أخبرك، وأنا أسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن مجالد، أنبأنا عامر، قال: انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود، فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون محمداً في كتبكم؟ قالوا: نعم، قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولاً إلا جعل له من الملائكة كفلاً، وإن جبرائيل كَفِلَ محمداً، وهو الذي يأتيه، وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا، لو كان ميكائيل الذي يأتيه أسلمنا، قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما منزلتهما عند الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، قال عمر: وإني أشهد ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبرائيل، وما كان جبرائيل ليسالم عدو ميكائيل، فبينما هو عندهم، إذ مر النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذا صاحبك يابن الخطاب، فقام إليه عمر، فأتاه، وقدأنزل الله عز وجل: { مَن كَانَ عَدُوًّا لّلَّهِ وَمَلٰـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ} وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر؛ فإنه لم يدرك زمانه، والله أعلم، وقال ابن جبير: حدثنا بشير، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد عن قتادة، قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما انصرف، ورحبوا به، فقال لهم عمر: أما والله ما جئتكم لحبكم، ولا لرغبة فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم، فسألهم وسألوه، فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم: جبرائيل، فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء يطلع محمداً على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسنة، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالخصب والسلم، فقال لهم عمر: هل تعرفون جبرائيل، وتنكرون محمداً صلى الله عليه وسلم؟ ففارقهم عمر عند ذلك، وتوجه نحو النبي صلى الله عليه وسلم ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} الآيات. ثم قال: حدثني المثنى، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، حدثنا قتادة، قال: بلغنا أن عمر أقبل إلى اليهود يوماً، فذكر نحوه، وهذا في تفسير آدم، وهو أيضاً منقطع، وكذلك رواه أسباط عن السدي عن عمر مثل هذا أو نحوه، وهو منقطع أيضاً، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن، يعني الدشتكي، حدثنا أبو جعفر عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن، وهو عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن يهودياً لقي عمر بن الخطاب، فقال: إن جبرائيل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا، فقال عمر { مَن كَانَ عَدُوًّا لّلَّهِ وَمَلٰـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ} قال: فنزلت على لسان عمر رضي الله عنه، ورواه عبد بن حميد عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر، هو الرازي، وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثني هشيم، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان هو الذي ينزل عليكم اتبعناكم، فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبرائيل ينزل بالعذاب والنقمة، فإنه عدو لنا، قال: فنزلت هذه الآية. حدثنا يعقوب، أخبرنا هشيم، أخبرنا عبد الملك عن عطاء بنحوه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} قال: قالت اليهود: إن جبرائيل عدو لنا؛ لأنه ينزل بالشدة والسنة، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب، فجبرائيل عدو لنا. فقال الله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} الآية. وأما تفسير الآية فقوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} فإنه نزل على قلبك بإذن الله، أي: من عادى جبرائيل، فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله ملكي، ومن عادى رسولاً، فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول، يلزمه الإيمان بجميع الرسل، وكما أن من كفر برسول، فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} تفسير : [النساء: 150] الآيتين، فحكم عليهم بالكفر المحقق، إذ آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم، وكذلك من عادى جبرائيل؛ فإنه عدو لله؛ لأن جبرائيل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه، كما قال: {أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} تفسير : [مريم: 64] الآية، وقال تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ }تفسير : [الشعراء: 192 - 194]، وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من عادى لي ولياً فقد بارزني بالحرب»تفسير : ولهذا غضب الله لجبرائيل على من عاداه، فقال تعالى: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي: من الكتب المتقدمة: {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} أي: هدى لقلوبهم، وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين، كما قال تعالى: {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ}تفسير : [فصلت: 44] الآية: وقال تعالى: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [الإسراء: 82] الآية، ثم قال تعالى: { مَن كَانَ عَدُوًّا لّلَّهِ وَمَلٰـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ} يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي، ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الحج: 75]. {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ} وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة في عموم الرسل، ثم خصصا بالذكر؛ لأن السياق في الانتصار لجبرائيل، وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ، لأن اليهود زعموا أن جبرائيل عدوهم، وميكائيل وليهم، فأعلمهم الله تعالى أن من عادى واحداً منهما، فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضاً، ولأنه أيضاً ينزل على أنبياء الله بعض الأحيان، كما قرن برسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر، ولكن جبرائيل أكثر، وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالنبات والقطر، هذا بالهدى، وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل بالنفخ في الصور للبعث يوم القيامة، ولهذا جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يقول: «حديث : اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»تفسير : وقد تقدم ما حكاه البخاري، ورواه ابن جرير عن عكرمة وغيره أنه قال: جبر، وميك، وإسراف: عبيد، وإيل: الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن أبي رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: إنما كان قوله: جبرائيل كقوله: عبد الله، وعبد الرحمن. وقيل: جبر: عبد، وإيل: الله. وقال محمد بن إسحاق عن الزهري، عن علي بن الحسين، قال: أتدرون ما اسم جبرائيل من أسمائكم؟ قلنا: لا، قال: اسمه عبد الله، وكل اسم مرجعه إلى إيل، فهو إلى الله عز وجل. قال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد والضحاك ويحيى بن يعمر، نحو ذلك. ثم قال: حدثني أبي حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثني عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبرائيل في الملائكة خادم الله، قال: فحدثت به أبا سليمان الداراني، فانتفض، وقال: لهذا الحديث أحب إلي من كل شيء، في دفتر كان بين يديه. وفي جبرائيل وميكائيل لغات وقراءات تذكر في كتب اللغة والقراءات، ولم نطول كتابنا هذا بسرد ذلك إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة وهو المستعان، وقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ} فيه إيقاع المظهر مكان المضمر؛ حيث لم يقل: فإنه عدوه، بل قال: {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ} كما قال الشاعر:شعر : لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ سبق الموتُ ذا الغِنى والفقيرا تفسير : وقال الآخر:شعر : ليت الغرابَ غداةَ ينعَبُ دائِباً كانَ الغرابُ مُقَطَّعَ الأوداجِ تفسير : وإنما أظهر الله هذا الاسم ههنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى ولياً لله، فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدم الحديث: «حديث : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالمحاربة»تفسير : وفي الحديث الآخر:«حديث : إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب»تفسير : وفي الحديث الصحيح: «حديث : من كنت خصمه خصمته».

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } لهم {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ } فليمت غيظاً {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ } أي القرآن {عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ } بأمر {ٱللَّهِ مُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } قبله من الكتب {وَهُدَىٰ } من الضلالة {وَبُشْرَىٰ } بالجنة {لِلْمُؤْمِنِينَ }.

الشوكاني

تفسير : هذه الآية قد أجمع المفسرون على أنها نزلت في اليهود. قال ابن جرير الطبري: وأجمع أهل التأويل جميعاً أن هذه الآية نزلت جواباً على اليهود إذ زعموا أن جبريل عدوّ لهم، وأن ميكائيل وليّ لهم. ثم اختلفوا ما كان سبب قولهم ذلك؟ فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر نبوّته، ثم ذكر روايات في ذلك ستأتي آخر البحث إن شاء الله. والضمير في قوله: {فَإِنَّهُ } يحتمل، وجهين: الأوّل: أن يكون لله، ويكون الضمير في قوله: {نَزَّلَهُ } لجبريل، أي: فإن الله سبحانه نزل جبريل على قلبك، وفيه ضعف كما يفيده قوله: {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ }. الثاني أنه لجبريل، والضمير في {نزله} للقرآن، أي: فإن جبريل نزل القرآن على قلبك، وخص القلب بالذكر؛ لأنه موضع العقل، والعلم. وقوله: {بِإِذُنِ ٱللَّهِ } أي: بعلمه، وإرادته، وتيسيره، وتسهيله، و{مَا بَيْنَ يَدَيْهِ } هو: التوراة كما سلف، أو جميع الكتب المنزلة، وفي هذا الدليل على شرف جبريل، وارتفاع منزلته، وأنه لا وجه لمعاداة اليهود له، حيث كان منه ما ذكر من تنزيل الكتاب على قلبك، أو من تنزيل الله له على قلبك، وهذا هو وجه الربط بين الشرط، والجواب، أي: من كان معادياً لجبريل منهم، فلا وجه لمعاداته له، فإنه لم يصدر منه إلا ما يوجب المحبة دون العداوة، أو من كان معادياً له، فإن سبب معاداته أنه وقع منه ما يكرهونه من التنزيل، وليس ذلك بذنب له، وإن نزهوه، فإن هذه الكراهة منهم له بهذا السبب ظلم، وعدوان؛ لأن هذا الكتاب الذي نزل به هو مصدق لكتابهم، وهدى، وبشرى للمؤمنين. ثم أتبع سبحانه هذا الكلام بجملة مشتملة على شرط، وجزاء يتضمن الذمّ لمن عادى جبريل بذلك السبب، والوعيد الشديد له فقال: {مَن كَانَ عَدُوّاً لّلَّهِ وَمَلـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ } والعداوة من العبد هي: صدور المعاصي منه لله، والبغض لأوليائه، والعداوة من الله للعبد هي: تعذيبه بذنبه، وعدم التجاوز عنه، والمغفرة له، وإنما خص جبريل، وميكائيل بالذكر بعد ذكر الملائكة؛ لقصد التشريف لهما، والدلالة على فضلهما، وأنهما، وإن كانا من الملائكة، فقد صارا باعتبار ما لهما من المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة، تنزيلاً للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما ذكره صاحب الكشاف، وقرره علماء البيان. وفي جبريل عشر لغات ذكرها ابن جرير الطبري، وغيره، وقد قدّمنا الإشارة إلى ذلك. وفي ميكائيل ست لغات، وهما اسمان عجميان، والعرب إذا نطقت بالعجمي تساهلت فيه. وحكى الزمخشري عن ابن جني أنه قال: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه. وقوله: {لِلْكَـٰفِرِينَ } من وضع الظاهر موضع المضمر، أي: فإن الله عدوّ لهم، لقصد الدلالة على أن هذه العداوة موجبة لكفر من وقعت منه. وقد أخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نعيم، والبيهقي عن ابن عباس قال: «حضرت عصابة من اليهود النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهنّ لا يعلمهنّ إلا نبيّ، قال:"حديث : سلوني عما شئتم"تفسير : فسألوه، وأجابهم، ثم قالوا: فحدثنا مَنْ وليك من الملائكة، فعندها نجامعك، أو نفارقك، فقال: "حديث : وليي جبريل، ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه"تفسير : قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة لاتبعناك، وصدقناك، قال: "حديث : فما يمنعكم أن تصدقوه؟"تفسير : قالوا: هذا عدوّنا. فعند ذلك أنزل الله الآية. وأخرج نحو ذلك ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الشعبي عن عمر بن الخطاب في قصة جرت له معهم، وإسنادها صحيح، ولكن الشعبي لم يدرك عمر وقد رواها عكرمة وقتادة، والسدّي، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن عمر. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، والنسائي، وغيرهم، عن أنس؛ قال: «سمع عبد الله بن سلام بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلا نبيّ؟ ما أوّل أشراط الساعة؟ وما أوّل طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه، أو إلى أمه؟ فقال: "حديث : أخبرني بهنّ جبريل آنفاً"تفسير : فقال جبريل؟ قال "حديث : نعم"تفسير : : قال: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: {مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } قال: "حديث : أما أوّل أشراط الساعة، فنار تخرج من المشرق، فتحشر الناس إلى المغرب، وأما أوّل ما يأكل أهل الجنة، فزيادة كبد حوت، وأما ما ينزع الولد إلى أبيه أو أمه، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع إليه الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع إليها؛تفسير : قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله» وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } يقول: فإن جبريل نزل القرآن بأمر الله يشدد به فؤادك، ويربط به على قلبك: {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } يقول: لما قبله من الكتب التي أنزلها والآيات، والرسل الذين بعثهم الله. وقد ذكر السيوطي في هذا الموضع من تفسيره: «الدرّ المنثور» أحاديث كثيرة واردة في جبريل، وميكائيل، وليست مما يتعلق بالتفسير حتى نذكرها.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ} وسبب نزول هذه الآية، أن ابن صوريا وجملة من يهود (فدك)، لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة سألوه، فقالوا: يا محمد كيف نومك؟ فإنه قد أخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في آخر الزمان، فقال: "حديث : تَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي يَقْظَانُ" تفسير : قالوا: صدقت يا محمد، فأخبرنا عن الولد يكون من الرجل أو المرأة؟ فقال: "حديث : أَمَّا العِظَامُ وَالعَصَبُ وَالعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُلِ، وَأَمَّا اللَّحْمُ وَالدَّمُ وَالظُّفْر وَالشَّعْر فَمِنَ المَرْأَةِ"، تفسير : قالوا: صدقت يا محمد، فما بال الولد يشبه أعمامه، ليس فيه من شبه أخواله شيء، أو يشبه أخواله، ليس فيه من شبه أعمامه شيء؟ فقال: "حديث : أيهما علا ماؤه كان الشبه له"، تفسير : قالوا: صدقت يا محمد، فأخبرنا عن ربك ما هو؟ فأنزل الله تعالى: قال {أية : هُوَ اللهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص الآية: 1] إلى آخر السورة، قال له ابن صوريا: خصلة إن قلتها آمنتُ بك واتبعتُك، أي ملك يأتيك بما يقول الله؟ قال: "جبريل"، قال: ذاك عدونا، ينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل بالبشر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك، فقال: عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند ذلك: فإني أشهد أن من كان عدّواً لجبريل، فإنه عدو لميكائيل، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأما جبريل وميكائيل فهما اسمان، أحدهما عبد الله والآخر عبيد الله، لأن إيل هو الله وجبر هو عبد، وميكا هو عبيد، فكان جبريل عبد الله، وميكائيل عبيد الله، وهذا قول ابن عباس، وليس له من المفسرين مخالف. فإن قيل: فلم قال: {مَن كَانَ عَدُوَّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌ لِلْكَافِرِينَ} وقد دخل جبريل وميكائيل في عموم الملائكة فلِمَ خصهما بالذكر؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنهما خُصَّا بالذكر تشريفاً لهما وتمييزاً. والثاني: أن اليهود لما قالوا جبريل عدوّنا، وميكائيل ولينا، خُصَّا بالذكر، لأن اليهود تزعم أنهم ليسوا بأعداء لله وملائكته، لأن جبريل وميكائيل مخصوصان من جملة الملائكة، فنص عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص، ثم قال تعالى: {فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ}، ولم يقل لهم، لأنه قد يجوز أن ينتقلوا عن العداوة بالإيمان.

ابن عبد السلام

تفسير : {عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} نزلت لما قال ابن صوريا للرسول صلى الله عليه وسلم: أي ملك يأتيك بما يقول الله تعالى قال: "حديث : جبريل ـ عليه السلام ـ" تفسير : قال: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة، وميكائيل يأتي باليسر والرخاء. فلو كان هو الذي يأتيك آمناً بك فنزلت. وجبر: عبد، وميكا: عُبيد، وأيل: هو الله ـ تعالى ـ، وهما عبد الله وعُبيد الله، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ: ولم يخالف فيه أحد، وخُصا بالذكر وإن دخلا في عموم الملائكة تشريفاً وتكريماً، أو نص عليهما لأنهم يزعمون أنهم ليسوا بأعداء الله ـ تعالى ـ ولملائكته أجمع بل هم أعداء لجبريل وحده, فأبطل مثل هذا التأويل بذكر جبريل ـ عليه السلام ـ.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قل من كان عدواً لجبريل} قال ابن عباس سبب نزول هذه الآية أن عبدالله بن صوريا حبر من أحبار اليهود قال للنبي صلى الله عليه وسلم أي ملك يأتيك من السماء؟ قال جبريل قال ذلك عدونا ولو كان ميكائيل لآمنا بك إن جبريل ينزل بالعذاب والشدّة والخسف، وإنه عادانا مراراً وأشد ذلك علينا أن الله أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له: بختنصر فلما كان زمنه بعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاماً مسكيناً، فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وقال: إن كان الله أمره بهلاككم فلن تسلط عليه وإن لم يكن هو فعلى أي حق تقتله فلما كبر ذلك الغلام وقوى غزانا وخرب بيت المقدس، فلهذا نتخذه عدواً فأنزل الله هذه الآية وقيل: قالوا إن الله أمره أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا فاتخذناه عدواً. وقيل إن عمر بن الخطاب كان له أرض بأعلى المدينة وكان ممره إليها على مدارس اليهود فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا يوماً ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك وإنا لنطمع فيك فقال عمر والله ما آتيكم لحبكم ولا أسألكم، لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم فقالوا من صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة قال جبريل قالوا ذلك عدونا يطلع محمداً على سرنا وهو صاحب كل عذاب وخسف وشدة، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلامة، فقال لهم: تعرفون جبريل وتنكرون محمداً صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نعم قال فأخبروني عن منزلة جبريل وميكائيل من الله تعالى قالوا: جبريل عن يمنيه وميكائيل عن يساره وميكائيل عدو لجبريل فقال عمر أشهد أن من كان عدواً لأحدهما كان عدواً للآخر. ومن كان عدواً لهما كان عدواً لله ثم رجع عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقرأ رسول صلى الله عليه وسلم هذه الآيات وقال: لقد وافقك ربك يا عمر، فقال عمر: والله لقد رأيتني بعد ذلك في ديني أصلب من الحجر. والأقرب أن سبب هذه العداوة كون جبريل كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي لأن قوله: فإنه نزله على قلبك مشعر بذلك وقوله {فإنه نزله} يعني جبريل نزل بالقرآن كناية عن غير مذكور {على قلبك} يا محمد وإنما خص القلب بالذكر لأنه محل الحفظ {بإذن الله}أي بأمره {مصدقاً} أي موافقاً {لما بين يديه} أي لما قبله من الكتب {وهدى وبشرى للمؤمنين} أي في القرآن هداية للمؤمنين إلى الأعمال الصالحة التي يترتب عليها الثواب وبشرى لهم بثوابها إذا أتوا بها.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ...} قال الزمخشري! روي أنه كان (لعمر) أرض بأعلى المدينة وكان (ممرّه) على {مدارس) اليهود، فسألهم عن جبريل، فقالوا: ذلك عدوّ لنا يطلع محمدا على أسرارنا. وقال ابن عطية: سبب نزول الآية أنّهم سألوا النّبي صلى الله عليه وسلم عن أربعة أشياء (منها: أنهم) سألوه عمّن يجيئه من الملائكة بالوحي؟ فقال: جبريل. فقالوا: ذلك عدوّ لنا لأنه ملك الحروب والشدائد. قال ابن عرفة: هذا جهل ومحض مكابرة، ولقائل أن يقول: إن السبب غير مطابق للآية، لأنهم أخبروا أن جبريل عدو لهم، والآية اقتضت أنهم أعداء لجبريل، (ولا يلزم) من عداوة أحد الشخصين للآخر أن يكون الآخر عدوا له. وأجيب بأن هذا خرج مخرج الوعيد لهم، لأن جبريل ذو قوة وسطوة، فإذا خالفوه ودافعوه مع علمهم بقوته فقد عادوه. قال ابن عرفة؛ الظاهر أن "مَنْ" موصولة لأن الشرطية لا تقتضي وجود شروطها ولا إمكان وجوده، والعداوة ثابتة موجودة كما تقدم فهى موصولة. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح قوله: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} جزاء للشرط؟ وأجاب بوجهين: أحدهما أنهم لو أنصفوا لشكروا جبريل على إنزاله كتابا ينفعهم ويصحح كتابهم. الثاني إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزَّل عليك القرآن مصدقا لكتابهم. قال ابن عرفة: إنما احتاج إلى هذا (السؤال) لأنه فهم أن الارتباط بين الشرط والجزاء لا يكون إلا لزوميا، وهو عند الأصوليين يكون لزوميا. ويكون اتفاقيا، لكنّه في محل الاستدلال لا يصح أن يكون إلا لزوميا. وفي الخبر يصح فيه الأمران. (نعم لا بد من المناسبة وصحة ترّتبه على الشرط) كقولك: إن تكرم زيدا فقد أكرمه غيرك. فإنه لا ارتباط بينهما إلا في الزمان أو في الذّكر خاصة فهو اتّفاقي. قلت: ولما ذكر ابن عرفة في الختمة الأخرى هذين الجوابين قال: أو يقال: إن في هذا ردا على من زعم أن جبريل غلط في الرسالة، وهي مسألة العتبية في كتاب المرتدين والمحاربين في رسم (يدير) ماله من سماع ابن القاسم. قال: فيمن قال: إن جبريل أخطأ بالوحي وإنما كان النّبي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يستتاب فإن تاب وإلا قتل. ابن رشد:هذا كفر صريح فإن أعلنه استُتِيب، وأن أسرّه بلا استتابة كالزنديق. قوله تعالى: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ...} قيل لابن عرفة: يؤخذ منه تسمية بعض القرآن قرآنا لأنه لم يكن حينئذ أنزل جميعه بل بعضه؟ فقال: يجاب إما بإيقاع الماضي موقع المستقبل أو بأن الضمير في "نَزَّلَهُ" عائد على المتلوّ من القرآن لا (على) نفس القرآن. (أقول: أو إن الضمير يعود على ما أخبر به جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسرارهم الّذي كان سببا في عداوتهم، له كما تقدم في سبب النزول من قولهم لعمر رضي الله عنه، وهو قريب من الجواب الثاني)، وتقدم في الختمة الأخرى. قال بعض الطلبة (لابن عرفة): اعتزل الزمخشري فقال: إذا كانت عداوة الأنبياء كفرا فما بالك بعداوة الملائكة وهم أشرف! فجعله أشرف من بني آدم ولا ينبني عليه كفر ولا إيمان؟ قال ابن عرفة: فقوله على هذا {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ} تفسير : تدل، وهو من باب التذييل لما قبله، ومعناه أن يكون اللّفظ بزيادة قوله تعالى: {أية : وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ } تفسير : فيه دليل على أن الاستثناء من النفي إثبات. قيل لابن عرفة: من (عاداك) فقد عاديته فما أفاد قوله: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ } تفسير : فقال (العداوة) ليست متعاكسة النسبة بدليل قول الله عز وجلّ! {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ} تفسير : مع أن الآباء ليسوا أعداء لأولادهم. قيل له: هي متعاكسة؟ فقال: "من" خارج بالدليل العقلي لا من جهة اللفظ والمادة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {جبريل} مفتوحة الجيم مكسورة الراء غير مهموز: ابن كثير. وقرأ حمزه وعلي وخلف وعاصم غير حفص ويحيى مفتوحة الراء والجيم مهموزة مشبعاً. وقرأ يحيى مختلساً. الباقون: مكسورة الراء والجيم غير مهموز. {ميكال} أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص، وقرأ أبو جعفر ونافع مختلساً مهموزاً. الباقون: ميكائيل مهموزاً مشبعاً. الوقوف: {للمؤمنين} (ه) {للكافرين} (ه) {بينات} (ج) لأن هذه الواو للابتداء أو الحال والحال أوجه لاتحاد القصة {الفاسقون} (ه) {فريق منهم} (ط) لأن "بل" للإعراض عن الأول {لا يؤمنون} (ه) {أوتوا الكتاب} (ط) قد قيل يوقف لبيان أن كتاب الله مفعول "نبذ" لا بدل مما قبله {لا يعلمون} (ه) قد يجوز للآية، والوصل للعطف على {نبذ} لإتمام سوء اختيارهم في النبذ والاتباع. التفسير: هذا نوع آخر من قبائح أفعال اليهود، والسبب في نزوله أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا من أحبار فدك فقال: يا محمد، كيف نومك؟ فقد أخبرنا عن نوم النبي صلى الله عليه وسلم الذي يجيء في آخر الزمان، فقال صلى الله عليه وسلم تنام عيناي ولا ينام قلبي. قال: صدقت يا محمد، فأخبرنا عن الولد من الرجل يكون أو من المرأة؟ فقال: أما العظام والعصب والغضروف فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة. فقال صدقت. قال: فما بال الولد يشبه أعمامه دون أخواله، أو يشبه أخواله دون أعمامه؟ فقال: أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له. قال: صدقت. قال: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه، فقال صلى الله عليه وسلم:حديث : أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر لله نذراً إن عافاه الله من سقمه ليحرّمن أحب الطعام والشراب على نفسه وهو لحمان الإبل وألبانها؟تفسير : فقالوا: اللهم نعم. فقال له: بقيت خصلة إن قلتها آمنت بك. أيّ ملك يأتيك بما تقول عن الله؟ قال: جبريل قال: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي باليسر والرخاء. فإن كان هو يأتيك آمنا بك. فقال عمر: ما مبدأ هذا العداوة؟ فقال ابن صوريا: إن الله أنزل على نبينا أن بيت المقدس يخرب في زمان رجل يقال له بختنصر، ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً فدفع عنه جبريل وقال: إن سلطكم الله على قتله. فهذا ليس هو ذاك وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه. ثم إنه كبر وقوي وملك وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدواً. وأما ميكائيل فإنه عدو لجبريل. فقال عمر: فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل، وهما عدوان لمن عاداهما، فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين. وقيل: كان لعمر أرض بالمدينة أعلاها، وكان ممره على مدراس اليهود، وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم. فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك. فقال: والله لا أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم. ثم سألوه فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال عمر: جبريل. فقالوا: ذاك عدوّنا يطلع محمداً على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلام. فقال لهم: وما منزلتهما من الله؟ قالوا: أقرب منزلة جبريل وهو عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدوّ لجبريل. فقال عمر: إن كان كما تقولون فما هما بعدوّين، ولأنتم أكفر من الحمير. ومن كان عدواً لأحدهما كان عدواً للآخر، ومن كان عدواً لهما كان عدواً لله. ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : لقد وافقك ربك يا عمر. تفسير : قال: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر. وعن مقاتل: زعمت اليهود أن جبريل عدونا أمر بأن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا. والأقرب في سبب عداوتهم إياه أنه كان ينزل بالقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم كما يشعر بذلك قوله {فإنه نزله} أي إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقاً لكتابهم وموافقاً له وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرّفونه ويجحدون موافقته له كقولك "إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه" أو إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في النزول بما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم. ويمكن أن يتوجه الجزاء إلى قوله {بإذن الله} إلى آخره. أي إن عاداه أحد فلا وجه لعداوته لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وباختياره وإنما جاء به بإذن الله وأمره الذي لا محيص عنه ولا سبيل إلى مخالفته وجاء به مصدقاً هادياً مبشراً، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذوراً، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يلزم أن يكون مشكوراً. فعداوة من هذا سبيله عداوة الله، ولو أنه تعالى أمر ميكائيل بذلك لانقاد لأمره أيضاً لا محالة ولتوجه الإشكال عليه، فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة؟ وجبريل ممتنع من الصرف للعلمية والعجمة بشرطها. وعن ابن عباس وغيره أن معناه عبد الله، والضمير في نزله للقرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم مثل قوله تعالى {أية : ما ترك على ظهرها من دابة} تفسير : [فاطر: 45] وهذا النوع من الإضمار فيه فخامة لشأن صاحبه حيث جعله لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه. وأكثر الأمة على أن القرآن إنما نزل على محمد لا على قلبه، لكن خص القلب بالذكر لأن السبب في تمكنه صلى الله عليه وسلم من الأداء ثباته في قلبه، فمعنى على قلبك حفظه إياك وفهمه. وقيل: أي جعل قلبك متصفاً بأخلاق القرآن ومتأدباً بآدابه كما في حديث عائشة "كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن" وكان حق الكلام أن يقال على قلبي إلا أنه جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي {من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك} ومعنى {مصدقاً لما بين يديه} موافقاً لما قبله من كتب الأنبياء فيما يرجع إلى المبادئ والغايات دون الأوساط التي يتطرق إليها الاختلاف بتبدل الأزمان والأوقات. ومعنى قوله {وهدى وبشرى} أن القرآن يشتمل على أمرين. أحدهما بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأفعال الجوارح فهو من هذا الوجه هدى، وثانيهما بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه فهو من هذا الوجه بشرى، والأول مقدم على الثاني في الوجود فقدم في الذكر أيضاً. ولا ريب أن البشرى تختص بالمؤمنين، وأما الهدى فلأنهم هم المنتفعون به كما مر في {هدى للمتقين}. ولما بين في الآية المتقدمة أن من كان عدواً لجبريل لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد صلى الله عليه وسلم وجب أن يكون عدواً لله تعالى، بين في الآية التالية أن من كان عدواً لله وللمخصوصين بكرامته فإن الله يعاديهم وينتقم منهم. والعداوة بالحقيقة لا تصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به، وهذا التصور يستحيل في حقه تعالى من العاقل المتفطن لا الغافل المتغابي. فمعنى قوله {من كان عدواً لله} أي لأولياء الله كقوله {أية : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} تفسير : [المائدة: 33] {أية : إن الذين يؤذون الله ورسوله} تفسير : [الأحزاب: 57]. أو يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وبعدهم عن التمسك بدينه، لأن العدو لا يكاد يوافق عدوه وينقاد لأمره. قال أهل التحقيق: عداوتهم لله وملائكته نتيجة عداوة الله لهم ونظره إليهم في الأزل بالقهر " هؤلاء في النار ولا أبالي" كما أن محبة المؤمنين لله نتيجة محبة الله إياهم {أية : يحبهم ويحبونه} تفسير : [المائدة: 54] وذلك أن صفات الله تعالى قديمة وصفات الخلق محدثة، والأولى علة الثانية. وأفرد الملكان بالذكر دلالة على فضلها كأنهما من جنس آخر، فإن التغاير في الوصف قد ينزل منزلة التغاير في الذات، ولأن الآية نزلت فيما يتعلق بهما فحسن أن ينص على اسميهما. وتقديم جبريل في الذكر يدل على أنه أفضل من ميكائيل وأيضاً أن جبريل ينزل بالوحي والعلم وذلك سبب بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والرزق وهو سبب بقاء الأبدان. والواو في جبريل وميكائيل بمعنى "أو" لأن عداوة أحد هؤلاء توجب عداوة الله كما أن عداوة كلهم توجب ذلك، ويحتمل أن يكون الواو على الأصل ويعرف ما ذكرنا من القرينة. وقوله {للكافرين} من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن عداوة هؤلاء كفر. الآيات البينات هي آيات القرآن، ولا يبعد أن تشمل سائر معجزاته وإن كان لفظ الإنزال نابياً عنه بضع النبوّ. ومعنى كون الآية بينة أن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله، والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصل إليه أصعب، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب وهذا هو الآية البينة. والكفر بها إما جحودها مع العلم بصحتها، وإما جحودها مع الجهل وترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها، وليس في الظاهر تخصيص فيدخل الكل فيه، والفسق هو خروج الإنسان عما حد له إلى الفساد ويقرب منه الفجور، لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع الذي يفسد. عن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره. ولهذا لا يوصف صاحب الصغيرة بالفسق وإن تجاوز عن أمر الله تعالى كمن فتح من النهر نقباً صغيراً لا يقال: إنه فجر النهر. وفي قوله {إلا الفاسقون} وجهان: أحدهما أن كل كافر فاسق ولا ينعكس، وكان ذكر الفاسق أولى ليأتي على الكافر وغيره. الثاني أن المراد وما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره. وهذه الآيات لما كانت بينة لم يكفر بها إلا الكافر الذي بلغ في الكفر النهاية القصوى، وهذا نوع آخر من فضائح اليهود. عن ابن عباس أنهم كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعث صلى الله عليه وسلم من العرب كفروا به وجحدوا بما كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ بن جبل: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل الشرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته. فقال بعضهم: ما جاءنا بشيء من البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فنزلت. واللام في {الفاسقون} للجنس أو إشارة إلى أهل الكتاب. {أو كلما} الواو للعطف على محذوف معناه أكفروا بالآيات البينات؟ وكلما عاهدوا واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفوا الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة. وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس من مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك. والنبذ الرمي بالذمام ورفضه، وإنما قيل {فريق منهم} لأن منهم من لم ينقض بل أكثرهم لا يؤمنون بالتوراة وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدون نقض المواثيق ذنباً. {ولما جاءهم رسول} أي كتاب لتلازمهما بدليل كتاب الله وهو القرآن، نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، يعني أن علمهم بذلك رصين من قبل التوراة ولكن المكابرة هجيراهم، ونبذه وراء ظهورهم مثل لإعراضهم عنه وتركهم العمل به. وقيل: كتاب الله التوراة لأنهم لكفرهم برسول الله كافرون بها. وعن سفيان: أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب ولم يحلوا حلاله ولم يحرّموا حرامه. اللهم ارزقنا العلم بكتابك والعمل به.

ابن عادل

تفسير : هذا نوع آخر من قَبَائح اليهود، ومنكرات أقوالهم، فلا بد من أمر قد ظهر من اليهود حتى أمره ـ تعالى ـ بمخاطبتهم بذلك؛ لأنه يجري مجرى المُحَاجّة، والمفسرون ذكروا أموراً: أحدها: حديث : أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما قدم "المدينة" أتاه عبد الله بن صوريا فقال يا محمد: كيف نومك، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "تَنَامُ عَيْنَايَ وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي" قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة؟ فقال: "أَمَّا العِظَامُ وَالعَصَبُ وَالعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُل، وأَمَّا اللَّحْمُ وَالدَّمُ وَالظِّفْرُ وَالشَّعْرُ فِمنَ المَرْأَةٍ" فقال: صدقت يا محمد فما بال الولد يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه؟ فقال: "أَيُّهُمَا غَلَبَ مَاؤُهُ صَاحِبَهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ"، قال: صدقت فقال: أخبرني أي الطعام حَرَّمَ إسرائيل على نفسه، وفي التوراة أن النبي الأمي بخبر عنه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "أَنْشُدُكُمْ بَاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيْلَ مَرِضَ مَرضاً شَدِيْداً فطَالَ سَقَمُهُ فَنَذَرَ للَّهِ نَذْراً لَئِنْ عَافَاهُ اللهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ عَلَى نَفْسِهِ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهُوَ لُحْمَانُ الإِبِلِ وَأَلْبَانُهَا" فقالوا: اللهم نعم. فقال له: بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك أي ملك يأتيك بما تقول عن الله عز وجل؟ قال: "جِبْريلُ عليه السلام" . قال: إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدّة، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرَّخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك فقال عمر رضي الله تعالى عنه: وما مبدأ هذه العداوة؟ فقال ابن صوريا أول هذه العداوة أن الله ـ تعالى ـ أنزل على نبينا أن"بيت المقدس" سيخرب في زمان رجل يقال له: بخت نصرّ ووصفه لنا [وأخبرنا بالجنّ الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رَجُلاً من قوم بني إسرائيل في طلبه ليقتله، فانطلق حتى لقي بـ "بابل" غلاماً مسكيناً فأخذه ليقتله]. [فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً] فدفع عنه جبريل وقال: إن سلطكم الله ـ تعالى ـ على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر الله عنه أنه سيخرب "بيت المقدس" فلا فائدة من قتله، ثم إنه كبر وقوي وملك، وغزانا وخرّب "بيت المقدس"، فلذلك نتّخذه عدوّاً [فأنزل الله تعالى هذه الآية قالهتفسير : ابن عباس ـ رضي الله تعالى ـ عنهما، وفي هذا القول نظر؛ لأنهم قالوا في هذه الرواية: إن رسولهم ميكائيل، وهو الذي يأتي بالبِشْر والرخاء، وأنهم يحبونه، ثم إنه ـ تعالى ـ أثبت عدواتهم لميكائيل أيضاً في الآية التي تليها فقال: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} [البقرة:98] وهذا مناقض لهذه الآية المذكورة هاهنا]. وثانيها: قال قتادة وعكرمة والسّدي: كان لعمر بن الخَطَّاب ـ رضي الله عنه ـ أرض بأعلى "المدينة" وممرها على مِدْرَاس اليهود، وكان إذا أتى على أرضه يأتيهم، وسمع منهم، فقالوا له ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك، فإنهم يمرّون علينا فيؤذوننا وأنت لا تؤذينا، وإنا لنطمع فيك فقال عمر رضي الله عنه: والله ما آتيكم لحيّكم ولا أسألكم لأني شاكّ في ديني، وإني أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأرى أثاره في كتابكم فقالوا: مَنْ صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة فقال: جبريل فقالوا: ذلك عدونا يُطْلع محمداً على أَسْرَارنا، وهو صاحب كل عذاب وخَسْف وشدّة، وإن ميكائيل يأتي بالخِصْبِ والسّلامة، فقال لهم عمر رضي الله عنه: تعرفون جبريل، وتنكرون محمداً ـ عليه الصَّلاة السَّلام ـ فقالوا: نعم قال: فأخبروني عن منزلة جبريل وميكائيل من الله ـ عز وجل ـ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره وميكائيل عدوّ لجبريل، قال: فإن كان كما تقولون فما هما بعدوين، ولأنتم أكفر [ من الحمير، وإني أشهد أنّ من كان عدوّاً لجبريل فهو عدو لميكائيل، ومن كان عدواً لميكائيل فهو عدو لجبريل، ومن كان عدواً لهما فإن الله ـ تعالى ـ عدوّ له، ثم رجع عمر فوجد جبريل ـ عليه السلام ـ قد سبقه بالوَحْي، فقرأ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه الآيات وقال: لقد وافقك ربك يا عمر، فقال عمرـ رضي الله عنه ـ فقد رأيتني بعد ذلك في دين الله ـ تعالى ـ أَصْلَبَ من الحجر]. وثالثها: قال مقاتل: زعمت اليهود أن جبريل ـ عليه السلام ـ عدوّنا، أمر أن يجعل النبوة فينا، فجعلها في غيرنا فأنزل الله ـ تعالى ـ هذه الآيات. قال ابن الخطيب: والأقرب أن يكون سبب عداوتهم لا أنه كان ينزل القرآن على محمد ـ صلى الله عليه وسلم لأن قوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [البقرة:97] مشعر بأن هذا التنزيل [لا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة؛ لأن إنما فعل ذلك بأمر الله، فلا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة، وتقرير هذا من وجوه: أولها: أن الذي نزله جبريل من] القرآن [ الذي نزل به فيه] بشارة المطيعين بالثواب، وإنذار العصاة بالعقاب، والأمر بالمُحَاربة والمقاتلة لم يكن ذلك باختياره، بل بأمر الله تعالى الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره، ولا سبيل إلى مُخَالفته فعداوة مَنْ هذا سبيله توجب عداوة الله ـ تعالى ـ وعداوة الله ـ تعالى ـ كفر، فيلزم أن معاداة مَنْ هذا سبيله كفر. ثانيها: أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب، فإما أن يقال: إنه كان [يتمرد أو يأبى] عن قبول أمر الله، وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين، أو كان يقبله وينزل به على وفق أمر الله، فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل ـ عليهما السلام ـ فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة؟ وثالثها: أن إنزال القرآن على محمد ـ عليه السلام ـ كما شق على اليهود، فإنزال التوراة على موسى ـ عليه السلام ـ شق على قوم آخرين، فإن اقتضت نَفْرة هؤلاء لإنزال القرآن قُبْحه فلتقتض نَفْرة أولئك المتقدمين قبح إنزال التوراة على موسى ـ عليه السلام ـ قبحه، ومعلوم أن كل ذلك باطل، فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه. فإن قيل: إنا نرى اليهود في زماننا مُطبقين على إنكار ذلك مصرّين على أن أحداً مِنْ سَلَفهم لم يقل بذلك. فالجواب: أن هذا باطل، لأن كلام الله أصدق، ولأن جهلهم كان شديداً، وهم الذين قالوا: {أية : ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}تفسير : [الأعراف:138]. قوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ} "مَنْ" شرطية في محلّ رفع بالابتداء، و "كان" خبره على ما هو الصحيح كما تقدم، وجوابه محذوف تقديره: من كان عدوّاً لجبريل فلا وجه لعداوته، أو فليمت غيظاً ونحوه. ولا جائز أن يكون "فَإِنَّهُ نَزَّلهُ" جواباً للشرط لوجهين: أحدهما: من جهة المعنى. والثاني: من جهة الصناعة. أما الأول: فلأن فعل التنزيل متحقّق المضي؛ والجزاء لا يكون إلا مستقبلاً. ولقاتل أن يقول: هذا محمول على التَّبيين، والمعنى: فقد تبين أنه نزله، كما قالوا في قوله: {أية : وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ}تفسير : [يوسف:27] ونحوه. وأما الثاني: فلأنه لا بد في جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط فلا يجوز: مَنْ يقم فزيد منطلق، ولا ضمير في قوله: "فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ" يعود على "مَنْ" فلا يكون جواباً للشرط، وقد جاءت مواضع كثيرة من ذلك، ولكنهم أَوَّلُوهَا على حذف العائد، فمن ذلك قوله: [الوافر] شعر : 677ـ فَمَنْ تَكُنِ الْحَضَارَةُ أَعْجَبَتْهُ فَأَيَّ رِجَالِ بَادِيَةٍ تَرَانَا تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 678ـ فَمَنْ يِكُ أَمْسَى بِالْمَدينَةِ رَحْلُهُ فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ تفسير : وينبغي أن يبنى ذلك على الخلاف في خبر اسم الشَّرْط. فإن قيل: إنَّ الخبر هو الجزاء وحده ـ أو هو الشَّرْط ـ فلا بدّ من الضمير، وإن قيل بإنه فعل الشَّرْط، فلا حاجة إلى الضمير، وقد تقدم قول أبي البقاء وغيره في ذلك عند قوله تعالى: {أية : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} تفسير : [البقرة:38]، وقد صّرح الزمخشري ـ رحمه الله ـ بأنه جواب الشَّرْط، وفيه النَّظر المذكور، وجوابه ما تقدم. و "عَدُوّاً" خبر "كان"، ويستوي فيه الواحد وغيره، قال: {أية : هُمُ ٱلعَدُوُّ}تفسير : [المنافقون:4] ـ والعَدَاوَةُ: التجاوز قال الرَّاغب: فبالقلب يقال: العداوة وبالمشي يقال: العدو، وبالإخلال في العدل يقال: العدوان وبالمكان أو النسب يقال: قوم عِدًى أي غرباء. و "لِجْبِريلَ" يجوز أن يكون صفة لـ "عَدُوّاً" فيتعلّق بمحذوف، وأن تكون اللام مقوية لتعدية "عَدُوّاً" إليه. و "جبريل" اسم ملك وهو أعجمي، فلذلك لم ينصرف، وقول من قال: "إنّه مشتقّ من جبروت الله" بعيد؛ لأن الاشتقاق لا يكون في الاسماء الأعجمية، وكذا قول من قال: إنه مركّب تركيب الإضافة، وأن "جبر" معناه: عبد، و "إيل" اسم من أسماء الله ـ تعالى ـ فهو بمنزلة عبد الله؛ لأنه كان ينبغي أن يجرى الأول بوجوه الإعراب وأن ينصرف الثاني [وهذا القول مَرْوِيّ عن ابن عَبَّاس، وجماعة من أهل العلم، فقال أبو علي السّنوي: وهذا لا يصحّ لوجهين: أحدهما: أنه لا يعرف من أسماء الله "إيل". والثاني: أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجروراً]. وقال المهدوي: إنه مركّب تركيب مزج نحو: حضرموت وهذا بعيد أيضاً؛ لأنه كان ينبغي أن يبنى الأول على الفتح ليس إلاّ. وَرَدَّ عليه أبو حَيَّان بأنه لو كان مركباً تركيب مزج لجاز فيه أن يعرب إعراب المُتَضَايفين، أو يبنى على الفَتْح كأحد عشر، فإن كلّ ما ركب تركيب المزج [يجوز فيه هذه الأوجه، وكونه لم يسمع فيه البناء، ولا جريانه مجرى المتضايفين دليل على عدم تركيبه تركيب المزج] وهذا الرد لا يحسن ردًّا؛ لأنه جاء على أحد الجائزين، واتفق أنه لم يستعمل إلا كذلك. قال القرطبي رحمه الله تعالى: والصَّحيح في هذه الألفاظ أنها عربية نزل بها جبريل ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ بلسان عربي مبين. قال النحاس: ويجمع جبريل على التكسير جباريل، وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في الأسماء الأعجمية، فجاءت فيه بثلاث عشرة لغة. أشهرها وأفصحها: "جبريل" بزنة قِنْديل، وهي قراءة أبي عمرو، ونافع وابنِ عامرٍ وحفْصٍ عن عاصم، وهي لغة "الحجاز"؛ قال ورقةُ بنُ نَوْفَلٍ: [الطويل] شعر : 679ـ وَجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ وَمِيكَالُ مَعْهُمَا مِنَ اللهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ تفسير : وقال حَسَّان: [الوافر] شعر : 680ـ وَجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللهِ فِينَا وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَه كِفَاءُ تفسير : وقال عمران بن حِطَّان: [البسيط] شعر : 681ـ وَالرُّوحُ جِبْرِيلُ مِنْهُمْ لاَ كِفَاءَ لَهُ وَكَانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ اللهِ مأْمُونَا تفسير : الثانية: كذلك إلا أنه بفتح الجيم، وهي قراءة ابن كثير والحسن، وقال الفَرَّاء: "لا أحبها؛ لأنه ليس في كلامهم فَعْلِيلٌ" وما قاله ليس بشيء؛ لأن ما أدخلته العرب في لسانها على قسمين قسم ألحقوه بأبنيتهم كـ"لِجَامٍ"، وقسم يلحقوه كـ "إِبْرَيْسَمٍ"، على أنه قيل: إنه نظير شَمويل اسْمَ طائر. وعن ابن كثير أنه رأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يقرأ "جَبْرِيلَ ومِيكَائيلَ"، قال: فلا أزال أقرؤهما كذلك. الثالثة: جَبْرَئِيل كَعْنتَريس، وهي لغة قيس وتميم، وبها قرأ حمزة والكسائيُّ؛ وقال حسَّان: [الطويل] شعر : 682ـ شَهِدْنَا فَمَا تَلْقَى لَنَا مِنْ كَتِيبَةٍ يَدَ الدَّهْرِ إِلاَّ جَبْرَئِيلُ أمَامَهَا تفسير : وقال جريرٌ: [الكامل] شعر : 683ـ عَبَدُوا الصَّلِيبَ وَكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ وَبِجَبْرئِيلَ وَكَذَّبُوا مِيكَالاَ تفسير : الرابعة: كذلك إلاَّ أنه لا ياء بعد الهمزة، وتروى عن عاصم ويحيى بن يعمر الخامسة: كذلك إلاّ أن اللام مشددة، وتروى أيضاً عن عاصم ويحيى بن يعمر أيضاً قالوا: و"إِلٌّ" بالتشديد اسم الله تعالى. وفي بعض التفاسير: {أية : لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}تفسير : [التوبة:10] قيل: معناه: الله وروي عن أبي بكر لما سمع بِسَجْع مسيلمة: هذا كلام لم يخرج من إِلٍّ. السادسة: جَبْرَائِل بألف بعد الرَّاء، وهمزة مكسورة بعد الألف، وبها قرأ عكرمة. السابعة: مثلها إلا أنها بياء الهمزة. الثامنة: جِبْرَاييل بياءين بعد الألف من غير همزة، وبها قرأ الأعمش ويحيى أيضاً. التاسعة: جِبْرَال. العاشرة: جِبْرَايل بالياء والقصر، وهي قراءة طلحة بن مُصَرِّف. الحادية عشرة: جَبْرِينَ بفتح الجيم والنون. والثانية عشرة: كذلك إلا أنه بكسر الجيم. والثالثة عشرة: جَبْرايين. والجملة من قوله: "مَنْ كَانَ" في محلّ نصب بالقول، والضمير في قوله "فإنّه" يعود على جبريل وفي قوله: "نزله" يعود على القرآن، وهذا موافق لقوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ}تفسير : [الشعراء:193] في قراءة من رفع "الروح" ولقوله: "مصدقاً". وقيل: الأول يعود على الله، والثاني يعود على جبريل، وهو موافق لقراءة من قرأ "نَزَّل بهِ الرُّوحَ" بالتشديد والنصب، وأتى بـ "على" التي تقتضي الاستعلاء دون "إلى" التي تقتضي الانتهاء، وخصّ القلب بالذكر؛ لأنه خزانة الحِفْظ، وبيت الربّ عز وجل [وأكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه، لا على قلبه، إلاَّ أنه خصّ القلب بالذكر؛ لأن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظاً حتى أدَّاه إلى أمّته، فلمّا كان سبب تمكّنه من الأداء ثبات حفظه في قلبه جاز أن يقال: نزله على قلبك، وإن كان في الحقيقة نزل عليه لا على قلبه، ولأنه أشرف الأعضاء. قال عليه الصَّلاة السَّلام: "حديث : أَلاَ إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ"تفسير : ] وأضافه إلى ضمير المخاطب دون ياء المتكلم، وإن كان ظاهر الكلام يقتضي أن يكون "على قلبي" لأحد الأمرين: إما مراعاة لحال الأمر بالقول فَتَسْرُد لفظة بالخطاب كما هو نحو قولك: قل لقومك: لا يهينوك، ولو قلت: لا تهينوني لجاز، ومنه قول الفرزدق: [الطويل] شعر : 684ـ أَلَمْ تَرَ أَنِّي يَوْمَ جَوِّ سُوَيْقَةٍ دَعَوْتُ فَنَادَتْنِي هُنَيْدَةُ: مَا لِيَا تفسير : فأحرز المعنى ونَكَّبَ عن نداء هندية "ما لك"؟، وإما لأن ثَمَّ قولاً آخر مضمراً بعد "قل" والتقدير، قل يا محمد: قال الله "من كان عدوًّا لجبريل فإنه نزله على قلبك"، [وإليه نحا الزمخشري بقوله: جاءت على حكاية كلام الله، قل: ما تكلمت به من قولي: من كان عدوًّا لجبريل، فإنه نزله على قلبك] فعلى هذا الجملة الشرطية معمولة لذلك القول المضمر، والقول المضمر معمول للفظ "قل"، والظاهر ما تقدم من كون الجملة معمولة للفظ "قل" بالتأويل المذكور أولاً، ولا ينافيه قول الزمخشري، فإنه قصد تفسير المعنى لا تفسير الإعراب. والضمير في "أنه" يحتمل معنيين: الأول: فإن الله نزل جبريل على قلبك. الثاني: فإن جبريل نزل بالقرآن على قلبك، ودلت الآية على شرف جبريل ـ عليه السلام ـ وذمّ معاديه قاله القُرْطبي رحمه الله تعالى. قوله تعالى: "بإِذْن اللهِ" في محلّ نصب على الحال من فاعل: "نزله" إن قيل: إنهُ ضمير جبريل، أو من مفعوله إن قيل: إن الضمير المرفوع في "نزل" يعود على الله، والتقدير: فإنه نزل مأذوناً له أو معه إذن الله، والإذن في الأصل العلم بالشَّيء، والإيذان، كالإعلام، آذن به: علم به، وآذنته بكذا: أعلمته به، ثم يطلق على التمكين، أذن في كذا: أمكنني منه، وعلى الاختيار، فعلته بإذنك: أي باختيارك، وقول من قال بإذنه أي بتيسّره راجع إلى ذلك. قال ابن الخطيب: تفسير الإذن هُنا بالأمر أي بأمر الله، وهو أولى من تفسيره بالعلم لوجوه: أولها: أنَّ الإذن حقيقة في الأمر، ومجاز في العلم، واللَّفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن. وثانيها: أن إنزاله كان من الواجبات، والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم. وثالثها: أن ذلك الإنزال إذا كان من أمر لازم كان أوكد في الحجة. قوله تعالى: "مُصَدِّقاً" حال من الهاء في "نزّله" إن كان يعود الضمير على القرآن، وإن عاد على جبريل ففيه احتمالان: أحدهما: أن يكون من المجرور المحذوف لفهم المعنى، والتقدير: فإن الله نزّل جبريل بالقرآن مصدقاً. الثاني: أن يكون من جبريل بمعنى مصدقاً لما بين يديه من الرسل، وهي حال مؤكدة، والهاء في "بين يديه" يجوز أن تعود على "القرآن" أو على "جبريل". وأكثر المفسرين على أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام ـ لا يخصّ كتاباً دون كتاب، ومنهم من خصَّه بالتوراة، وزعم أنه إشارة إلى أن القرآن يوافق التوراة في الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قيل: أليس أن شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكُتب فلم صار مصدقاً لها؟ فالجواب: أنها كلها متوافقة في الدلالة على التوحيد وأصول الدين. قوله تعالى: "هُدًى وَبُشْرى" حالان معطوفان على الحال قبلهما، فهما مصدران موضوعان موضع اسم الفاعل، أو على المبالغة أو على حَذْف مضاف أي: ذا هدى و"بشرى" ألفها للتأنيث، وجاء هذا التَّرتيب اللفظي في هذه الأحوال مطابقاً للترتيب الوجودي، وذلك أنه نزل مصدّقاً للكتب؛ لأنها من ينبوع واحد، وحصلت به الهداية بعد نزوله، وهو بشرى لمن حصلت له به الهداية، وخصّ المؤمنين، لأنهم المنتفعون به دون غيرهم، كقوله: بشرى للمتقين، أو لأن البشرى لا تكن إلاَّ للمؤمنين؛ لأن البُشْرَى هي الخبر الدَّال على الخير العظيم، وهذا لا يحصل إلا للمؤمنين. قوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا}: الكلام في "مَنْ" كما تقدم، إلاَّ أن الجواب هنا يجوز أن يكون {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ}. فإن قيل: وأين الرَّابط؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الاسم الظاهر قام مقام المضمر، وكان الأصل: فإن الله عَدُوّ لهم، فأتى بالظَّاهر تنبيهاً على العلة. والثاني: أن يراد بالكافرين العموم، والعموم من الرَّوَابط، لاندراج الأول تحته، ويجوز أن يكون محذوفاً تقديره: من كان عدوّاً لله فقد كفر ونحوه. وقال بعضهم: الواو في قوله: {وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} بمعنى"أو"، قال: لأن من عادى واحداً من هؤلاء المذكورين، فالحكم فيه كذلك. وقال بعضهم: هي للتفصيل، ولا حاجة إلى ذلك، فإن هذا الحكم معلوم، وذكر جبريل وميكال بعد اندراجهما أولاً تنبيهٌ على فضلهما على غيرهما من الملائكة، وهكذا كُلّ ما ذكر خاص بعد عام، ويحتمل أن يكون أعاد ذكرهما بعد اندراجهما؛ لأن الذي جرى بين الرَّسول وبين اليهود هو ذكرهما، والآية إنما نزلت بسببهما، فلا جَرَمَ نصّ على اسميهما، واعلم أنَّ هذا يقتضي كونهما أشرف من جميع الملائكة، وبعضهم يسمي هذا النوع بالتجريد، كأنه يعني به أنه جرد من العموم الأول بعض أفراده اختصاصاً له بمزية، وهذا الحكم ـ أعني ذكر الخاصّ بعد العام ـ مختصّ بالواو ولا يجوز في غيرها من حروف العطف. وجعل بعضهم مثل هذه الآية ـ أعني: في ذكر الخاصّ بعد العام تشريفاً له ـ قوله: {أية : فِيهِمَا فَٰكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}تفسير : [الرحمن:68] وهذا فيه نظر، فإن "فاكهة" من باب المطلق؛ لأنها نكرة في سياق الإثبات، وليست من العموم في شيء، فإن عنى أن اسم الفاكهة يطلق عليهما من باب صِدْق اللَّفظ على ما يحتمله، ثم نص عليه فصحيح، وأتى باسم الله ظاهراً في قوله: {فإِنَّ ٱللهَ عَدُوٌّ}؛ لأنه لو أُضمر فقيل: "فإنه" لأوهم عوده على اسم الشرط، فينعكس المعنى، أو عوده على ميكال؛ لأنه أقرب مذكور. وميكائيل اسم أعجمي، والكلام فيه كالكلام في "جبريل" من كونه مشتقّاً من ملكوت الله عز وجل، أو أن "ميك" بمعنى عبد، و"إيل" اسم الله، وأن تركيبه تركيب إضافة أو تركيب مزج، وقد عرف الصحيح من ذلك. وفيه سبع لغات: "مِيكَال" بزنة "مِفْعَال" وهي لغة "الحجاز"، وبها قرأ أبو عمر وحفص عن عاصم، وأهل "البصرة"؛ قالوا: [البسيط] شعر : 685ـ وَيَوْمَ بَدْرٍ لَقِينَاكُمْ لَنَا عُدَدٌ فِيهِ مَعَ النَّصْرِ مِيكَالٌ وَجِبْرِيلُ تفسير : وقال جرير: [الكامل] شعر : 686ـ عَبَدُوا الصَّلِيبَ وَكَذَّبُوا بمُحَمَّد وَبِجَبْرَئِيلَ وَكَذَّبُوا مِيْكَالاَ تفسير : الثانية: كذلك، إلاَّ أن بعد الألف همزة، وبها قرأ نافع وأهل "المَدينة" بهمزة واختلاس ميكائيل. الثالثة: كذلك، إلا أنه بزيادة ياء بعد الهمزة بوزن "ميكائيل"، وهي قراءة الباقين. الرابعة: ميكئيل مثل ميكعيل، وبها قرأ ابن محيصن. الخامسة: كذلك، إلاَّ أنه لا ياء بعد الهمزة، فهو مثل: مِيكَعِل، وقرىء بها. السادسة: ميكاييل بياءين بعد الألف، وبها قرأ الأعمش. السابعة: ميكاءَل بهمزة مفتوحة بعد الألف كما يقال: "إسراءَل"، وحكى المَاوَرْدِيّ عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أن "جَبْر" بمعنى عَبْد بالتكبير، و "ميكا" بمعنى عُبَيْد بالتصغير، فمعنى جبريل: عبد الله، ومعنى ميكائيل: عبيد الله قال: ولا يعلم لابن عباس في هذا مخالف. وقال القرطبي رحمه الله تعالى: وزاد بعض المفسّرين: وإسرافيل عبد الرحمن. قال النحاس: ومن قال: "جبر" عبد، و "إل" الله وجب عليه أن يقول: هذا جَبْرُئِل، ورأيت جَبْرَئِل، ومررت بِجَبْرِئِل، وهذا لا يقال، فوجب أن يكون مسمى بهذا. وقال غيره: ولو كان كما قالوا لكان مصروفاً، فترك الصرف يدلّ على أنه اسم واحد مفرد ليس بمضاف. قال ابن الخطيب: يجب أن يكون جبريل ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ أفضل من ميكائيل لوجوه: أحدها: أنه قدمه في الذّكر، وتقديم المَفْضُول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفاً. وثانيها: أن جبريل ينزل بالقرآن والوحي والعلم، وهو مادة بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار، وهي مادة بقاء الأبدان، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل. وثالثها: قوله ـ تعالى ـ في صفة جبريل عليه الصلاة والسلام: {أية : مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}تفسير : [التكوير:21] ذكره بوصف المطاع على الإطلاق، وظاهره يقتضي كونه مطاعاً بالنسبة إلى ميكائيل ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ فوجب أن يكون أفضل منه. فإن قيل: حقّ العَدَاوة الإضرار بالعدو، وذلك مُحَال على الله تعالى، فكيف يجوز أن يكونوا أعداء الله؟ فالجواب: أن معنى العداوة على الحقيقة لا يصح إلاّ فينا؛ لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المَضَارِّ به، وذلك مُحَال على الله ـ تَعَالى ـ بل المراد أحد وجهين: إما أن يعادوا أولياء الله، فيكون ذلك عداوة الله، كقوله: {أية : إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}تفسير : [المائدة:33]، وكقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}تفسير : [الأحزاب:57]؛ لأن المراد بأولياء الله دونه لاستحالة المحاربة والأذيّة عليه، وإما أن يراد بذلك كراهيتهم القيام بطاعته وعبادته، وبعدهم عن الطريقة، فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له شبه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة.

السيوطي

تفسير : أخرج الطيالسي والفريابي وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي‏.‏ قال ‏"حديث : ‏سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعني‏؟ قالوا‏:‏ فذلك لك‏.‏ قالوا‏:‏ أربع خلال نسألك عنها‏:‏ أخبرنا أي طعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وأخبرنا كيف ماء الرجل من ماء المرأة وكيف الأنثى منه والذكر، وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم، ومن وليه من الملائكة، فأخذ عليهم عهد الله لئن أخبرتكم لتتابعني، فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق‏.‏ قال‏:‏ فأنشدكم بالذي أنزل التوراة هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً طال سقمه، فنذر نذراً لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحب الطعام إليه لُحْمَان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها‏؟‏ فقالوا‏:‏ اللهم نعم‏.‏ فقال‏: اللهم اشهد‏. قال‏:‏ أنشدكم بالذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ وأن ماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، إن علا ماء الرجل كان ذكراً بإذن الله وإن علا ماء المرأة كان أنثى بإذن الله‏؟ قالوا‏:‏ اللهم نعم‏.‏ قال‏:‏ اللهم اشهد قال‏: فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن النبي الأمي هذا تنام عيناه ولا ينام قلبه‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏: اللهم اشهد عليهم‏. قالوا‏:‏ أنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نتابعك أو نفارقك‏؟‏ قال‏: وليي جبريل ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه‏. قالوا‏:‏ فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة لا تبعناك وصدقناك‏.‏ قال‏: فما يمنعكم أن تصدقوه‏؟‏ قالوا‏:‏ هو عدوّنا‏.‏ فأنزل الله تعالى ‏{‏من كان عدواً لجبريل‏}‏ إلى قوله ‏ {‏كأنهم لا يعلمون‏}‏ فعند ذلك باؤوا بغضب على غضب ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وإسحاق بن راهويه في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي قال ‏"حديث : ‏نزل عمر رضي الله عنه بالروحاء، فرأى ناساً يبتدرون أحجاراً فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏ فقالوا‏:‏ يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى هذه الأحجار، فقال‏:‏ سبحان الله‏.‏‏.‏‏.‏‏‏ ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاَّ راكباً مر بواد فحضرت الصلاة فصلَّى، ثم حدث فقال‏:‏ إني كنت أغشى اليهود يوم دراستهم فقالوا‏:‏ ما من أصحابك أحد أكرم علينا منك لأنك تأتينا‏.‏ قلت‏:‏ وما ذاك إلا أني أعجب من كتب الله كيف يصدق بعضها بعضاً، كيف تصدق التوراة الفرقان والفرقان التوراة، فمر النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وأنا أكلمهم فقلت‏:‏ أنشدكم بالله وما تقرأون من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ فقلت‏:‏ هلكتم والله، تعلمون أنه رسول الله ثم لا تتبعونه‏؟‏ فقالوا‏:‏ لم نهلك ولكن سألناه من يأتيه بنبوّته فقال‏:‏ عدوّنا جبريل، لأنه ينزل بالغلظة والشدة والحرب والهلاك ونحو هذا، فقلت فمن سلمكم من الملائكة‏؟‏ فقالوا‏:‏ ميكائيل ينزل بالقطر والرحمة وكذا‏.‏ قلت‏:‏ وكيف منزلتهما من ربهما‏؟‏ فقالوا‏:‏ أحدهما عن يمينه والآخر من الجانب الآخر‏.‏ قلت‏:‏ فإنه لا يحل لجبريل أن يعادي ميكائيل، ولا يحل لميكائيل أن يسالم عدوّ جبريل، وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن أخبره، فلما لقيته قال‏: ألا أخبرك بآيات أنزلت عليّ‏؟ قلت‏:‏ بلى يا رسول الله فقرأ ‏ {‏من كان عدواً لجبريل‏} ‏ حتى بلغ ‏ {الكافرين‏} ‏ قلت‏:‏ والله يا رسول الله ما قمت من عند اليهود إلا إليك لأخبرك بما قالوا لي، وقلت لهم فوجدت الله قد سبقني"‏تفسير : .‏ صحيح الإِسناد ولكن الشعبي لم يدرك عمر‏.‏ وأخرج سفيان بن عيينة عن عكرمة قال ‏"‏كان عمر يأتي يهود يكلمهم فقالوا‏:‏ إنه ليس من أصحابك أحد أكثر إتياناً إلينا منك، فأخبرنا من صاحب صاحبك الذي يأتيه بالوحي‏؟‏ فقال‏:‏ جبريل‏.‏ قالوا‏:‏ ذاك عدونا من الملائكة، ولو أن صاحبه صاحب صاحبنا لاتبعناه، فقال عمر‏:‏ من صاحب صاحبكم‏؟‏ قالوا‏:‏ ميكائيل‏.‏ قال‏:‏ وما هما‏؟‏ قالوا‏:‏ أما جبريل فينزل بالعذاب والنقمة وأما ميكائيل فينزل بالغيث والرحمة وأحدهما عدو لصاحبه‏.‏ فقال عمر‏.‏ وما منزلتهما‏؟‏ قالوا‏:‏ إنهما من أقرب الملائكة منه أحدهما عن يمينه وكلتا يديه يمين والآخر على الشق الآخر‏.‏ فقال عمر‏:‏ لئن كانا كما تقولون ما هما بعدوّين، ثم خرج من عندهم فمر بالنبي صلى الله عليه وسلم فدعاه فقرأ عليه ‏ {‏من كان عدوّاً لجبريل‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ فقال عمر‏:‏ والذي بعثك بالحق أنه الذي خاصمتهم به آنفاً‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة قال‏:‏ ذكر لنا عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما أبصروه رحبوا به فقال عمر‏:‏ والله ما جئت لحبكم ولا للرغبة فيكم ولكني جئت لأسمع منكم، وسألوه فقالوا‏:‏ من صاحب صاحبكم‏؟‏ فقال لهم‏:‏ جبريل، قالوا‏:‏ ذاك عدوّنا من الملائكة يطلع محمداً على سرنا، وإذا جاء، جاء بالحرب والسنة ولكن صاحبنا ميكائيل، وإذا جاء جاء بالخصب والسلم‏.‏ فتوجه نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنزل هذه الآية ‏ {‏قل من كان عدوّاً لجبريل‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي قال ‏"‏لما كان لعمر أرض بأعلى المدينة فكان يأتيها، وكان ممره على مدارس اليهود، وكان كلما مر دخل عليهم فسمع منهم، وإنه دخل عليهم ذات يوم فقال لهم‏:‏ أنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتجدون محمداً عندكم‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، إنا نجده مكتوباً عندنا ولكن صاحبه من الملائكة الذي يأتيه بالوحي جبريل وجبريل عدونا، وهو صاحب كل عذاب وقتال وخسف، ولو كان وليه ميكائيل لآمنا به، فإن ميكائيل صاحب كل رحمة وكل غيث‏.‏ قال عمر‏:‏ فأين مكان جبريل من الله‏؟‏ قالوا‏:‏ جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره‏.‏ قال عمر‏:‏ فأشهدكم أن الذي عدوّ للذي عن يمينه عدوّ للذي هو عن يساره والذي هو عدوّ للذي هو عن يساره عدوّ للذي هو عن يمينه، وأنه من كان عدوّهما فإنه عدوّ لله، ثم رجع عمر ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه ‏{‏قل من كان عدوّاً لجبريل‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏.‏ فقال عمر‏:‏ والذي بعثك بالحق لقد جئت وما أريد إلا أن أخبرك‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى‏.‏ أن يهودياً لقي عمر فقال‏:‏ إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا‏.‏ فقال عمر ‏ {‏من كان عدوّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوّ للكافرين‏}‏ قال‏:‏ فنزلت على لسان عمر، وقد نقل ابن جرير الاجماع على أن سبب نزول الآية ذلك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي في الدلائل عن أنس قال ‏"‏حديث : سمع عبد الله بن سلام بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف، فأتى صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي‏.‏ ما أول اشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه‏؟‏ قال‏:‏ أخبرني جبريل بهن آنفا‏ً.‏ قال‏:‏ جبريل‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ذاك عدو اليهود من الملائكة‏.‏ فقرأ هذه الآية ‏{‏من كان عدوّاً لجبريل فإنه نزله على قلبك‏} ‏ قال‏:‏ أما أوّل أشراط الساعة فنار تخرج من المشرق فتحشر الناس إلى المغرب، وأما أول ما يأكل أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما ما ينزع الولد إلى أبيه وأمه فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع إليه الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع إليها‏. ‏ قال‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏فإنه نزله على قلبك بإذن الله‏} ‏ يقول‏:‏ جبريل نزل القرآن بإذن الله يشدد به فؤادك، ويربط به على قلبك ‏ {‏مصدقاً لما بين يديه‏} ‏ يقول‏:‏ لما قبله من الكتب التي أنزلها، والآيات والرسل الذين بعثهم الله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏مصدقاً لما بين يديه‏} ‏ قال‏:‏ من التوراة والإِنجيل ‏ {‏وهدى وبشرى للمؤمنين‏}‏ قال‏:‏ جعل الله هذا القرآن هدى وبشرى للمؤمنين، لأن المؤمن إذا سمع القرآن حفظه، ووعاه، وانتفع به، واطمأن إليه، وصدق بموعود الله الذي وعده فيه، وكان على يقين من ذلك‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق عبيد الله العكي عن رجل من قريش قال‏:‏ سأل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود فقال ‏"حديث : ‏أسألكم بكتابكم الذي تقرأون هل تجدونه قد بشر بي عيسى أن يأتيكم رسول اسمه أحمد‏؟ فقالوا‏:‏ اللهم وجدناك في كتابنا ولكنا كرهناك لأنك تستحل الأموال وتهرق الدماء، فأنزل الله ‏{‏من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله‏}‏ الآية‏ ". تفسير : وأما قوله تعالى ‏ {‏وجبريل وميكال‏}‏‏.‏ أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ جبريل كقولك عبد الله جبر عبد وايل الله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان والخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عباس قال‏:‏ جبريل عبد الله، وميكائيل عبيد الله، وكل اسم فيه ايل فهو معبد لله‏.‏ وأخرج الديلمي عن أبي أمامة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏اسم جبريل عبد الله، واسم اسرافيل عبد الرحمن ". تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن علي بن حسين قال‏:‏ اسم جبريل عبد الله، واسم ميكائيل عبيد الله، واسم اسرافيل عبد الرحمن، وكل شيء راجع إلى ايل فهو معبد لله عز وجل‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال‏:‏ جبريل اسمه عبد الله، وميكائيل اسمه عبيد الله، قال‏:‏ والإِل الله، وذلك قوله ‏{أية : ‏لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة‏}‏تفسير : ‏[‏التوبة: 10‏] قال‏:‏ لا يرقبون الله‏.‏ وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأها جبرال، ويقول جبر هو عبد وال هو الله‏.‏ وأخرج وكيع عن علقمة أنه كان يقرأ مثقلة ‏ {‏جبريل وميكائيل‏}‏‏ .‏ وأخرج وكيع ابن جبرير عن عكرمة قال‏:‏ جبر عبد وايل الله، وميك عبد وايل الله، واسراف عبد وايل الله‏.‏ وأخرج الطبراني وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان بسند حسن عن ابن عباس قال ‏"‏حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل يناجيه إذ انشق أفق السماء، فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الأرض، فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً وبين أن تكون نبياً عبداً‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ فأشار جبريل إليّ بيده أن تواضع، فعرفت أنه لي ناصح فقلت‏:‏ عبد نبي‏.‏ فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت‏:‏ يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا، فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ هذا اسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافاً قدميه لا يرفع طرفه، بينه وبين الرب سبعون نوراً ما منها نور يدنو منه إلا احترق، بين يديه اللوح المحفوظ فإذا أذن الله في شيء في السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح فضرب جبهته فينظر فيه، فإذا كان من عملي أمرني به، وإن كان من عمل ميكائيل أمره به، وإن كان من عمل ملك الموت أمره به‏.‏ قلت‏:‏ يا جبريل على أي شيء أنت‏؟‏ قال‏:‏ على الرياح والجنود‏.‏ قلت‏:‏ على أي شيء ميكائيل‏؟‏ قال‏:‏ على النبات والقطر‏.‏ قلت‏:‏ على أي شيء ملك الموت‏؟‏ قال‏:‏ على قبض الأنفس، وما ظننت أنه هبط إلا بقيام الساعة، وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفاً من قيام الساعة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل، وأفضل النبيين آدم، وأفضل الأيام يوم الجمعة، وأفضل شهر رمضان، وأفضل الليالي ليلة القدر، وأفضل النساء مريم بنت عمران‏‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عبد العزيز بن عمير قال‏:‏ اسم جبريل في الملائكة خادم الله عز وجل‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عكرمة قال‏:‏ قال جبريل عليه السلام‏:‏ إن ربي عز وجل ليبعثني على الشيء لأمضيه فأجد الكون قد سبقني إليه‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن موسى بن عائشة قال‏:‏ بلغني أن جبريل إمام أهل السماء‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن مرة قال‏:‏ جبريل على ريح الجنوب‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ثابت قال‏:‏ بلغنا أن الله تعالى وكَّل جبريل بحوائج الناس، فإذا دعا المؤمن قال ‏"‏حديث : يا جبريل احبس حاجته فإني أحب دعاءه، وإذا دعا الكافر قال‏:‏ يا جبريل اقض حاجته فإني أبغض دعاءه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة من طريق ثابت عن عبدالله بن عبيد قال ‏"‏إن جبريل موكل بالحوائج، فإذا سأل المؤمن ربه قال‏:‏ احبس احبس حبا لدعائه أن يزداد، وإذا سأل الكافر قال‏:‏ أعطه أعطه بغضاً لدعائه‏"‏‏.‏ وأخرج البيهقي والصابوني في المائتين عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏إن جبريل موكل بحاجات العباد، فإذا دعا المؤمن قال‏:‏ يا جبريل احبس حاجة عبدي فإني أحبه وأحب صوته، وإذا دعا الكافر قال‏:‏ يا جبريل اقض حاجة عبدي فإني أبغضه وأبغض صوته‏‏‏ ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عائشة قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل‏:‏"حديث : وددت أني رأيتك في صورتك قال‏:‏ وتحب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم. قال‏:‏ موعدك كذا وكذا من الليل بقيع الغرقد، فلقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم موعده، فنشر جناحاً من أجنحته فسد أفق السماء حتى ما يرى من السماء شيء‏ ". تفسير : وأخرج أحمد وأبو الشيخ عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : رأيت جبريل مهبطاً قد ملأ ما بين الخافقين، عليه ثياب سندس معلق بها اللؤلؤ والياقوت ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن شريح بن عبيد ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد إلى السماء رأى جبريل في خلقته منظومة أجنحته بالزبرجد واللؤلؤ والياقوت، قال‏: فخيل إلي أن ما بين عينيه قد سد الأفق، وكنت أراه قبل ذلك على صور مختلفة، وأكثر ما كنت أراه على صورة دحية الكلبي، وكنت أحياناً أراه كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن حذيفة وابن جرير وقتادة‏.‏ دخل حديث بعضهم لبعض لجبريل جناحان، وعليه وشاح من در منظوم، وهو براق الثنايا، أجلى الجبينين، ورأسه حُبكَ حبكاً مثل المرجان، وهو اللؤلؤ كأنه الثلج، وقدماه إلى الخضرة‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : ما بين منكبي جبريل مسيرة خمسمائة عام للطائر السريع الطيران‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن وهب بن منبه‏.‏ أنه سئل عن خلق جبريل‏؟‏ فذكر أن ما بين منكبيه من ذي إلى ذي خفق الطير سبعمائة عام‏.‏ وأخرج ابن سعد والبيهقي في الدلائل عن عمار بن أبي عمار‏.‏ إن حمزة بن عبد المطلب قال‏:‏ يا رسول الله أرني جبريل على صورته‏.‏ قال "حديث : ‏إنك لا تستطيع أن تراه‏. قال‏:‏ بلى فأرنيه‏.‏ قال‏: فاقعد‏. فقعد فنزل جبريل على خشبة كانت الكعبة يلقي المشركون عليها ثيابهم إذا طافوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ارفع طرفك‏.‏ فانظر فرفع طرفه، فرأى قدميه مثل الزبرجد الأخضر، فخر مغشياً عليه‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن المبارك في الزهد عن ابن شهاب ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل أن يتراءى له في صورته فقال جبريل‏:‏ إنك لن تطيق ذلك‏.‏ قال‏:‏ إني أحب أن تفعل‏.‏ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى في ليلة فأتاه في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته، فغشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه، ثم أفاق وجبريل مسنده وواضع إحدى يديه على صدره والآخرى بين كتفيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما كنت أرى أن شيئاً من الخلق هكذا‏! ‏فقال جبريل‏:‏ فكيف لو رأيت إسرافيل، إن له لاثني عشر جناحاً، منها جناح في المشرق، وجناح في المغرب، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل أحياناً لعظمة الله عز وجل حتى يصير مثل الوصع، حتى ما يحمل عرشه إلا عظمته‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أبي جعفر قال‏:‏ كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يراه‏.‏ وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال‏:‏ قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لما رأيت جبريل لم يره خلق الأعمى إلا أن يكون نبياً، ولكن أن يجعل ذلك في آخر عمرك‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : إن في الجنة لنهرا ما يدخله جبريل من دخلة فيخرج فينتفض إلا خلق الله من كل قطرة تقطر ملكا‏ً "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن أبي العلاء بن هرون قال‏:‏ لجبريل في كل يوم انغماسة في نهر الكوثر، ثم ينتفض فكل قطرة يخلق منها ملك‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : إن جبريل ليأتيني كما يأتي الرجل صاحبه في ثياب بيض مكفوفة باللؤلؤ والياقوت، رأسه كالحبك، وشعره كالمرجان، ولونه كالثلح، أجلى الجبين، براق الثنايا، عليه وشاحان من در منظوم، وجناحاه أخضران، ورجلاه مغموستان في الخضرة، وصورته التي صور عليها تملأ ما بين الأفقين، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ أشتهي أن أراك في صورتك يا روح الله‏.‏ فتحوّل له فيها فسدَّ ما بين الأفقين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل‏"حديث : ‏هل ترى ربك‏؟‏ قال‏:‏ إن بيني وبينه لسبعين حجاباً من نار أو نور، لو رأيت أدناها لاحترقت ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية بسند واه عن أبي هرير‏ة.‏ ‏ ‏"‏حديث : أنَّ رجلاً من اليهود أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله هل احتجب الله بشيء عن خلقه غير السموات‏؟‏ قال‏: نعم، بينه وبين الملائكة الذين حول العرش سبعون حجاباً من نور، وسبعون حجاباً من نار، وسبعون حجاباً من ظلمة، وسبعون حجاباً من رفارف الاستبرق، وسبعون حجاباً من رفارف السندس، وسبعون حجاباً من در أبيض، وسبعون حجاباً من در أحمر، وسبعون حجاباً من در أصفر، وسبعون حجاباً من در أخضر، وسبعون حجاباً من ضياء، وسبعون حجاباً من ثلج، وسبعون حجاباً من برد، وسبعون حجاباً من عظمة الله التي لا توصف، قال‏:‏ فأخبرني عن ملك الله الذي يليه‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن الملك الذي يليه إسرافيل، ثم جبريل، ثم ميكائيل، ثم ملك الموت عليهم السلام‏‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني‏ ‏"حديث : ‏أنه بلغه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: وما يبكيك‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ وما لي لا أبكي‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فوالله ما جفت لي عين منذ خلق الله النار، مخافة أن أعصيه فيقذفني فيها‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن رباح قال ‏"‏حديث : حدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل‏:‏ لم تأتني إلا وأنت صار بين عينيك‏؟‏ قال‏:‏ إني لم أضحك منذ خلقت النار ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أحمد في مسنده وأبو الشيخ عن أنس ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل‏:‏ ما لي لم أر ميكائيل ضاحكاً قط‏؟‏ قال‏:‏ ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن عبد العزيز بن أبي رواد قال ‏"‏نظر الله إلى جبريل وميكائيل وهما يبكيان، فقال الله‏:‏ ما يبكيكما وقد علمتما إني لا أجور‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ فقالا‏:‏ يا رب إنا لا نأمن مكرك‏.‏ قال‏:‏ هكذا فافعلا فإنه لا يأمن مكري إلا كل خاسر‏"‏‏.‏ وأخرج أبو الشيخ من طريق الليث عن خالد بن سعيد قال‏:‏ بلغنا أن إسرافيل يؤذن لأهل السماء فيؤذن لأثنتي عشرة ساعة من النهار، ولاثنتي عشرة ساعة من الليل لكل ساعة تأذين، يسمع تأذينه من في السموات السبع ومن في الأرضين السبع إلا الجن والإِنس، ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة فيصلي بهم‏.‏ قال‏:‏ وبلغنا أن ميكائيل يؤم الملائكة في البيت المعمور‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي عن زيد بن رفيع قال ‏"‏دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل وميكائيل وهو يستاك، فناول رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل السواك، فقال جبريل‏:‏ كبر‏.‏ قال جبريل‏:‏ ناول ميكائيل فإنه أكبر‏"‏‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد ‏"حديث : ‏أن رجلاً قال‏:‏ يا رسول الله أي الخلق أكرم على الله عز وجل‏؟‏ قال‏:‏ لا أدري‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فجاءه جبريل عليه السلام فقال‏:‏ يا جبريل أي الخلق أكرم على الله‏؟ قال‏:‏ لا أدري‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فعرج جبريل ثم هبط، فقال‏:‏ أكرم الخلق على الله جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فأمَّا جبريل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين، وأما ميكائيل فصاحب كل قطرة تسقط وكل ورقة تنبت وكل ورقة تسقط، وأما ملك الموت فهو موكل بقبض كل روح عبد في بر أو بحر، وأما إسرافيل فأمين الله بينه وبينهم ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن جابر بن عبدالله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل وهم منه مسيرة خمسين ألف سنة، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وإسرافيل بينهما‏‏ ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن خالد بن أبي عمران قال‏:‏ جبريل أمين الله إلى رسله، وميكائيل يتلقى الكتب التي تلقى من أعمال الناس، وإسرافيل كمنزلة الحاجب‏"‏‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن أبي داود في المصاحف وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : إسرافيل صاحب الصور، وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وهو بينهما‏‏ ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال‏:‏ إن أدنى الملائكة من الله جبريل ثم ميكائيل، فإذا ذكر عبداً بأحسن عمله قال‏:‏ فلان ابن فلان عمل كذا وكذا من طاعتي صلوات الله عليه، ثم سأل ميكائيل جبريل ما أحدث ربنا‏؟‏ فيقول‏:‏ فلان ابن فلان ذكر بأحسن عمله فصلى عليه صلوات الله عليه، ثم سأل ميكائيل من يراه من أهل السماء فيقول‏:‏ ماذا أحدث ربنا‏؟‏ فيقول‏:‏ ذكر فلان ابن فلان بأحسن عمله فصلى عليه صلوات الله عليه، فلا يزال يقع إلى الأرض‏.‏ وإذا ذكر عبداً بأسوأ عمله قال‏:‏ عبدي فلان ابن فلان عمل كذا وكذا من معصيتي فلعنتي عليه، ثم سأل ميكائيل جبريل ماذا أحدث ربنا‏؟‏ فيقول‏:‏ ذكر فلان ابن فلان بأسوأ عمله فعليه لعنة الله، فلا يزال يقع من سماء إلى سماء حتى يقع إلى الأرض‏.‏ وأخرج الحاكم عن أبي سعيد قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏وزيراي من السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر‏‏ ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن الله أيدني بأربعة وزراء، اثنين من أهل السماء جبريل وميكائيل، واثنين من أهل الأرض أبي بكر وعمر‏ ". تفسير : وأخرج الطبراني بسند حسن عن أم سلمة‏.‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : إن في السماء ملكين أحدهما يأمر بالشدة والآخر يأمر باللين وكل مصيب جبريل وميكائيل‏.‏ ونبيان أحدهما يأمر باللين والآخر يأمر بالشده وكل مصيب وذكر إبراهيم ونوحاً، ولي صاحبان أحدهما يأمر باللين والآخر يأمر بالشدة وكل مصيب وذكر أبا بكر وعمر‏‏ ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبدالله بن عمرو قال ‏"‏حديث : جاء فئام الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ يا رسول الله زعم أبو بكر أن الحسنات من الله والسيئات من العباد، وقال عمر‏:‏ الحسنات والسيئات من الله فتابع هذا قوم وهذا قوم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لأقضين بينكما بقضاء إسرافيل بين جبريل وميكائيل، إن ميكائيل قال بقول أبي بكر، وقال جبريل بقول عمر‏.‏ فقال جبريل لميكائيل‏:‏ إنا متى تختلف أهل السماء تختلف أهل الأرض فلنتحاكم إلى إسرافيل، فتحاكما إليه فقضى بينهما بحقيقة القدر خيره وشره وحلوه ومره كله من الله، ثم قال‏:‏ يا أبا بكر إن الله لو أراد أن لا يعصى لم يخلق إبليس‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ صدق الله ورسوله‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج الحاكم عن أبي المليح عن أبيه ‏"‏حديث : أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتي الفجر، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين خفيفتين قال‏:‏ فسمعته يقول‏:‏ اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل ومحمد أعوذ بك من النار ثلاث مرات‏‏ ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن عائشة ‏"حديث : ‏أن النبي صلى الله عليه وسلم أغمي عليه ورأسه في حجرها، فجعلت تمسح وجهه وتدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال‏:‏ لا بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام ".

ابو السعود

تفسير : {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ} (نزل في عبد اللَّه بن صوريا من أحبار فدَك حاجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عمن نزل عليه بالوحي فقال عليه السلام: جبريلُ عليه السلام فقال: هو عدوُّنا لو كان غيرُه لآمنّا بك. وفي بعض الروايات ورسولُنا ميكائيلُ فلو كان هو الذي يأتيك لآمنا بك، وقد عادانا مِراراً وأشدُّها أنه أنزل على نبـينا أن بـيت المقدِس سيُخْرِبُه بُخْتَ نَصَّرُ فبعثنا من يقتلُه فلقِيه ببابل غلاماً مسكيناً فدفع عنه جبريل عليه السلام، وقال: إن كان ربكم آمِرَه بهلاككم فإنه لا يسلِّطكم عليه وإلا فبأيِّ حق تقتلونه) وقيل: أمره الله تعالى أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا، وروي أنه كان لعمرَ رضي الله عنه أرض بأعلى المدينة، وكان ممرُّه على مدارس اليهود فكان يجلس إليهم ويسمع كلامَهم فقالوا: يا عمرُ قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال: والله ما أجيئكم لحبّكم، ولا أسألكم لشكٍ في ديني وإنما أدخُلُ عليكم لأزداد بصيرةً في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأرى آثارَه في كتابكم ثم سألهم عن جبريلَ عليه السلام فقالوا: ذاك هو عدوُّنا يُطلِعُ محمداً على أسرارنا وهو صاحبُ كلِّ خسفٍ وعذاب، وميكائيلُ يجيء بالخِصْب والسلام فقال لهم: وما منزلتُهما عند الله تعالى قالوا: جبريلُ أقربُ منزلةً هو عن يمينه وميكائيلُ عن يساره وهما متعاديان فقال عمر رضي الله عنه: إن كانا كما تقولون فما هما بعدوَّيْن ولأنتم أكفرُ من الحمير، ومن كان عدواً لأحدهما فهو عدوٌّ للآخر، ومن كان عدواً لهما كان عدو الله سبحانه، ثم رجع عمرُ فوجد جبريلَ عليه السلام قد سبقه بالوحي فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: لقد وافقك ربُّك يا عمرُ فقال عمرُ رضي الله عنه: لقد رأيتُني في ديني بعد ذلك أصلبَ من الحَجَر. وقرىء جَبرَئيلَ كسلسبـيل وجَبْرَئِلَ كجَحْمَرِشٍ وجِبريلَ وجِبْرئلَ وجِبرائيل كجبراعيلَ وجبرائِلَ كجبراعل، ومَنْعُ الصرفِ فيه للتعريف والعُجمة، وقيل: معناه عبد اللَّه {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ} تعليل لجواب الشرط قائم مقامَه، والبارزُ الأولُ لجبريل عليه السلام والثاني للقرآن، أُضمر من غير ذكر إيذاناً بفخامة شأنِه واستغنائه عن الذكر لكمالِ شهرتِه ونباهتِه لا سيما عند ذكر شيءٍ من صفاته {عَلَىٰ قَلْبِكَ} زيادةُ تقريرٍ للتنزيل ببـيان محلِّ الوحي فإنه القائلُ الأول له، ومدارُ الفهم والحفظ، وإيثارُ الخطاب على التكلم المبنيّ على حكاية كلام الله تعالى بعينه كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [الزمر، الآية 53] لما في النقل بالعبارة من زيادة تقريرٍ لمضمون المقالةِ {بِإِذُنِ ٱللَّهِ} بأمره وتيسيرِه مستعارٌ من تسهيل الحجاب وفيه تلويحٌ بكمال توجُّه جبريلَ عليه السلام إلى تنزيله وصدقِ عزيمتِه عليه السلام، وهو حال من فاعل نزّله وقوله تعالى: {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من الكتب الإلهية التي معظمُها التوراةُ حالٌ من مفعوله وكذا قوله تعالى: {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} والعاملُ في الكل نزّله، والمعنى من عادى جبريلَ من أهل الكتاب فلا وجهَ لمعاداته بل يجب عليه محبتُه فإنه نزله عليك كتاباً مصدِّقاً لكُتُبهم أو فالسبب في عداوته تنزيلُه لكتاب مصدّقٍ لكتابهم موافقٍ له وهم له كارهون، ولذلك حرفوا كتابهم وجحَدوا موافقتَه له لأن الاعترافَ بها يوجب الإيمانَ به، وذلك يستدعي انتكاسَ أحوالِهم وزوالَ رياستهم وقيل: إن الجواب فقد خلَع رِبْقةَ الإنصافِ، أو فقد كفر بما معه من الكتاب أو فليمُتْ غيظاً أو فهو عدوٌّ لي، وأنا عدوٌّ له.

القشيري

تفسير : زعمت اليهود أن جبريل لا يأتي بالخير، وأنهم لا يحبونه، ولو كان ميكائيل لكانوا آمنوا به، فأكذبهم الحقُّ سبحانه فقال: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} لأنه لا يأتي بالخير فأي خير أعظم مما نزل به من القرآن؟! ثم قال إن مَنْ عادى جبريل وميكائيل فإِن الله عدو له، فإنَّ رسولَ الحبيبِ إلى الحبيبِ العزيزِ المَوْرِد - كريمُ المنزلة، عظيم الشرف. وما ضرَّتْ جبريلَ - عليه السلام - عداوةُ الكفار، والحق سبحانه وتعالى وليُّه، ومَنْ عَادَى جبريلَ فالحقُّ عَدُوُّه، وما أَعْزِزِ بهذا الشرف وما أَجَلَّه! وما أكبر علوه!

اسماعيل حقي

تفسير : {قل من كان عدوا لجبريل} حديث : لما قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة اتاه عبد الله بن صوريا من اليهود بسكن فدك فقال يا محمد كيف نومك فانا اخبرنا عن نوم النبى الذى يجىء فى آخر الزمان فقال النبى صلى الله عليه وسلم "تنام عيناى وقلبى يقظان" قال صدقت فاخبرنى عن الولد أمن الرجل يكون أو من المرأة قال "اما العظم والعصب والعروق فمن الرجل واما الدم واللحم والظفر والشعر فمن المرأة" قال صدقت يا محمد قال فما بال الولد يشبه اعمامه ليس فيه من شبه اخواله شىء او يشبه اخواله ليس فيه من شبه اعمامه شىء قال "ايهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له" قال صدقت يا محمد وسأله عن الطعام الذى حرم اسرائيل على نفسه قال "ان يعقوب مرض مرضا شديدا فنذر ان شفاه الله حرم على نفسه احب الطعام اليه وهو لحم الابل واحب الشراب اليه وهو ألبانها" قال صدقت يا محمد وسأله عن اول نزل الجنة قال "الحوت" قال صدقت يا محمد ثم قال بقيت خصلة ان قلتها آمنت بك واتبعتك اى ملك يأتيك بما تقول من الله تعالى فقال "جبريل" تفسير : قال ذاك عدونا لانه ملك العذاب ينزل بالقتال والعذاب وكسر السفن والشدائد ورسولنا ميكائيل لانه ملك الرحمة ينزل بالغيث والبشر والرخاء فقال له عمر ما بدء عداوتكم له فقال عادانا مرارا كثيرة وكان من اشد عداوته لنا ان الله تعالى انزل على نبينا موسى عليه السلام ان البيت المقدس سيخرب فى زمان رجل يقال له بخت نصر واخبرنا بالحين الذى يخرب فيه فلما كان الحين الذى يخرب فيه بعثنا رجلا من اقوياء بنى اسرائيل فى طلبه فانطلق حتى لقيه غلاما مسكينا ببابل ليست له قوة فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وقال لصاحبنا ان هو امره بهلاككم لا يسلطكم عليه وان لم يكن هذا فعلى اى حق تقتلونه فصدقه صاحبنا فتركه وكبر بخت نصر وقوى فملك ثم غزانا فخرب بيت المقدس وقتلنا وامر جبريل بوضع النبوة فينا فوضعها فى غيرنا فلهذا اتخذناه عدوا وميكائيل عدو جبريل فقال عمر رضى الله عنه لئن كانا كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم اكفر من الحمير ومن كان عدوا لاحدهما كان عدوا للآخر ومن كان عدوا لهما كان عدوا لله تعالى وجواب من محذوف اى من عادى جبريل من اهل الكتاب فلا وجه لمعاداته بل يجب عليه محبته {فإنه} يعنى جبريل {نزله} اى القرآن اضمره لكمال شهرته {على قلبك} زيادة تقرير للتنزيل ببيان محل الوحى فانه القابل الاول له ومدار الفهم والحفظ اى حفظه اياك ففهمكه وحق الكلام ان يقال على قلبى لكنه جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به لما فى النقل بالعبارة من زيادة تقرير لمضمون المقالة يعنى قل كما تكلمت به من قولى انه نزله على قلبك {بإذن الله} بامره وتيسيره {مصدقا لما بين يديه} اى موافقا لما قبله من الكتب الآلهية فى التوحيد وبعض الشرائع حال من مفعول نزله {وهدى} اى هاديا الى دين الحق {وبشرى} اى مبشر بالجنة {للمؤمنين} فلا وجه لمعاداته فلو انصفوا لاحبوه وشكروا له صنيعه فى انزاله ما ينفعهم ويصح المنزل عليهم ثم عمم الشرط والجزاء ردا عليهم بقوله.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {من} شرطية وجوابها محذوف، أي: فليمت غيظاً، أو {فإنه نزله} على معنى: مَن عادى منهم جبريل فقد خلع ريقة الإنصاف، أو كفر بما معه من الكتاب؛ لأنه نزل بكتاب مصدقاً لما قبله من الكتب، وجبريل فيه ثماني لغات، أربع قرئ بهن. وهي: جَبْرَئِيل كسلسبيل. وجَبْرَئِل كجحْمرش، وجَبْريل – بفتح الجيم – بلا همز، وجِبْرِيل بكسرها، وأربع شواذ: جِبْرَالُ، وجَبْرَائِيل، وجَبْرِائل، وجَبْرين بالنون، ومعناه: عبد الله. وفي ميكائيل أربع لغات: مكيائيل ممدود، وميكائل مقصور، وميكئل مهموز مقصور، وميكال على وزن ميعاد. يقول الحقّ جلّ جلاله: في الرد على اليهود، كابن صُوريا وغيره، حيث قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: من الذي يأتيك بالوحي؟ فقال:حديث : جبريلتفسير : ، فقالوا: ذلك عدونا من الملائكة؛ لأنه ينزل بالشدة والعذاب، ولو كان ميكائيل لاتبعناك؛ لأنه ينزل بالخصب والسلم، فقال تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْريلَ} فليمت غيظاً، فإنه هو الذي نزَّل القرآن {عَلَى قَلْبِكَ بإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب، وهداية {وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}، فإن كان ينزل بالشدة والعذاب على الكافرين، فإنه ينزل بالهداية والبشارة على المؤمنين. ومن كان عدواً لجبريل فإنه عدو لله، إذ هو رسوله للأنبياء، وصفيه من الملائكة، وعدو أيضاً لميكائيل فإنه وزيره، وللرسل أيضاً فإنه سفيرهم، و {مَن كَانَ عَدُوّاً للّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} فإن الله عدو له. وعطف جبريل وميكائيل من عطف الخاص على العام لزيادة شرفهما، ووضع الظاهر موضع الضمير في قوله: {عَدُوٌّ لِّلْكَافِرينَ} ولم يقل: لهم، تسجيلاً عليهم بالكفر، وبيان أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة والرسل كفر، عصمنا الله من موارد الردى، آمين. الإشارة: إذا كانت معاداة الملائكة والرسل هي معاداة الله، فكذلك معاداةُ أوليائه هي معاداة الله أيضاً، ولذلك قال تعالى:"حديث : مَنْ عَادَى لِي وَليّاً فقد آذنني بالحَرْب"تفسير : . فالبعض هو الكل، ويؤخذ بالمفهوم أن محبة الملائكة والرسل هي محبة الله. وكذلك محبة أولياء الله هي محبة الله، وكذلك أيضاً محبة عباد الله هي محبة الله، ومعاداتهم معاداة الله. "الخَلقُ عِيَالُ الله، وأحبُّ الخَلقِ إلى اللّهِ أنفعهُمْ لِعيَاله". وكل مَن ادعى أنه يحب الله وفي قلبه عداوة لمسلم فهو كاذب، وكل مَن ادعى أنه يعرف الله وفي قلبه إنكار على مخلوق فهو في دعواه أيضاً كاذب، فالواجب على العبد أن يُحب جميع العباد، من كان طائعاً فظاهر، ومَن كان عاصياً أحب له التوبة والإنابة، ومَن كان كافراً أحب له الإسلام والهداية، ولا يكره من العبد إلا فعله، ولله دَر القائل: شعر : ارْحَمْ بُنَيَّ جَميعَ الخلقِ كُلِّهمُ وانْظُرْ إليْهمْ بعين الحِلمِ والشّفَقَهْ وَقَّرْ كَبيرَهُم وارْحَمْ صغِيرَهُمْ وَراع في كُلّ خَلْقٍ مَنْ خَلَقَهْ تفسير : وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ ابن كثير: (جبريل) بفتح الجيم وكسر الراء وبعدها ياء ساكنة من غير همزة مكسورة. وقرأ حمزة والكسائي وخلف وابو بكر إلا يحيى: بفتح الجيم والراء بعدها همزة مكسورة بعدها ياء ساكنة على وزن (جبرعيل). وروى يحيى كذلك إلا انه حذف بعده الهمزة فيصير (جبريل). الباقون بكسر الجيم والراء، وبعدها ياء ساكنة من غير همز. وقرأ اهل البصرة (ميكال) بغير همز، ولا ياء. وقرأ اهل المدينة بهمزة مكسورة بعد الالف. مثل (ميكاعل) الباقون باثبات ياء ساكنة بعد الهمزة على وزن (ميكاعيل). اللغة: قال ابو الحسن الاخفش: في (جبريل) ست لغات: جِبرائيل، وجَبرئيل، وجَبرال، وجبريل، وجبرال، وجبريل. وحكى الزجاج بالنون ايضاً بدل اللام، وهي لغة بني أسد. وبتشديد اللام. النزول: اجمع اهل التأويل على ان هذه الآية نزلت جواباً لليهود ـ حين زعموا أن جبريل عدوّ لهم، وان ميكال وليّ لهم ـ لما أخبروا ان جبريل هو الذي نزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) ـ قالوا: جبريل عدو لنا، ياتي بالحرب والجدب. وميكائيل ياتي بالسلام والخصب: فقال الله تعالى: {قل من كان عدوا لجبريل} اذ كان هو المنزل الكتاب عليه، فانه انما أنزله على قلبه باذن الله، لا من تلقاء نفسه، وانما انزل لما هو مصدق بين يديه من الكتب التي في ايديهم، لا مكذباً لها، وانه وإن كان فيما أنزل الامر في الحرب، والشدة على الكافرين. فانه هدىً وبشرى للمؤمنين. المعنى: وقوله: {على قلبك} ولم يقل على قلبي. كقولك للذي تخاطبه: لا تقل للقوم إن الخبر عندك، ويجوز ان تقول: لا تقل: ان الخبر عندي. وكما تقول: قال القوم: جبرائيل عدونا، ويجوز ان تقول: قالوا: جبرائيل عدوهم. ولا ينبغي أن يستنكر أحد أن اليهود يقولون: إن جبرائيل عدونا، لان الجهل في هؤلاء أكثر من ان يحصى. وهم الذين اخبر الله عنهم بعد مشاهدة فلق البحر، والمعجزات الباهرة {أية : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} تفسير : وقالوا: {أية : أرنا الله جهرة} تفسير : ومثل ذلك طائفة من النصارى تعادي سليمان فلا تذكره ولا تعظمه، ولا تقرّ نبوته. الاعراب: وجبرائيل، وميكائيل: اسمان اعجميان أعربا. وقيل: ان جبر عبد وايل الله مثل عبد الله. وضعف ذلك ابو علي الفارسي من وجهين: احدهما ـ ان ايل لا يعرف في اسماء الله في لغة العرب. والثاني ـ انه لو كان كذلك لأعرب آخر الكلمة. كما فعل ذلك في سائر الاسماء المضافة: والامر بخلافه. سبب النزول: وكان سبب نزول هذه الآية ما روي أن صوريا، وجماعة من يهود اهل فدك، لما قدم النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة سألوه، فقالوا: يا محمد كيف نومك، فقد اخبرنا عن نوم النبي الذي يأتي في اخر الزمان؟ فقال: تنام عيناي وقلبي يقظان، فقالوا: صدقت يا محمد، فاخبرنا عن الولد يكون من الرجل او من المرأة؟ فقال: اما العظام والعصب والعروق، فمن الرجل، واما اللحم والدم والظفر والشعر: فمن المرأة. قالوا: صدقت يا محمد، فما بال الولد يشبه اعمامه، ليس فيه من شبه اخواله شيء، او يشبه اخواله ليس فيه من شبه اعمامه شيء؟ فقال: ايهما علا ماؤه كان الشبه له، قالوا: صدقت يا محمد، فاخبرنا عن ربك ما هو؟ فانزل الله تعالى: {أية : قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } تفسير : فقال ابن صوريا: خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك، واتبعتك، اي ملك يأتيك بما ينزل الله لك، قال: جبريل. قالوا: ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب، وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك: آمنا بك. فأنزل الله عز وجل هذه الآية. المعنى: وقوله: {مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين} يعني القرآن. ونصب مصدقاً على الحال. والهاء في قوله: {نزله على قلبك} يا محمد {مصدقاً لما بين يديه} يعني القرآن، ويعني مصدقاً لما سلف من كتب الله امامه التي انزلها على رسله، وتصديقاً لها: موافقةً لمعانيها في الامر باتباع النبي (صلى الله عليه وسلم)، وما جاء به من عند الله. وانما اضافه {هدىً وبشرى للمؤمنين} من حيث كانوا المهتدين به، والعالمين العاملين به ـ على ما بيناه فيما مضى. ـ

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} يا محمّد (ص) لهم {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} فليعاد الله {فَإِنَّهُ} اى جبرئيل {نَزَّلَهُ} اى القرآن والاتيان بضمير الشّأن من غير سبق ذكرٍ له صريحاً يدلّ على تفخيمه وأنّه غنىٌّ عن سبق ذكره لتعرفّه بنفسه {عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} ومن يعاد الرّسول فقد عادى المرسل او من كان عدوّاً لجبريل فليختنق؛ فانّ جبرئيل نزّل القرآن المصدّق لكتابكم فى اثبات نبوّتى ونسخ دينكم على قلبى وأعاننى على ذلك باذن الله، او من كان عدوّاً لجبرئيل فلا وجه له فانّ جبرئيل نزّل القرآن المصدّق لكتابكم والمصحّح لدينكم على قلبى فيلزمكم المحبّة له لا العداوة فقوله فانّه نزّله على قلبك من قبيل اقامة السّبب مقام المسبّب؛ وكان حقّ العبارة ان يقول: على قلبى لكنّه عدل الى حكاية قول الله كأنّه قال من كان عدوّاً لجبريل فانّ الله يقول انّه نزّله على قلبك، او الجزاء محذوف وقوله فانّ الله نزّله على قلبك من كلام الله لتعليل الأمر بالقول او لتعليل الجزاء المحذوف وفى جبريل لغاتٌ عديدة قرئ بثمانٍ منها جبرئيل كسلسبيل بفتح الجيم وكسرها، وجبريل كقنديل بالفتح والكسر، وجبرئل كجحمرش، وجبرائيل كميكائيل بكسر الجيم وفتحه، وجبرائل بالكسر والفتح، وجبرال بالكسر والفتح وهكذا جبرعيل باللّغات المذكورة وقد يبدّل الّلام بالنّون واسماء العجمة اذا عرّبت تغيّّر تغييراً كثيراً {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من كتب الله ومنها التّوراة {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ} عدل الى المصدر للمبالغة {لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ} استئناف من الله او من جملة ما أمره الله ان يقوله لهم روى أنّ المنافقين لمّا سمعوا ما قال النّبىّ (ص) فى علىٍّ (ع) من أنّ جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره واسرافيل من خلفه وملك الموت امامه والله تعالى من فوق عرشه ناظرٌ بالرّضوان اليه قال بعض النّصّاب: انا أبرأ من الله وجبرئيل وميكائيل والملائكة الّذين حالهم مع علىّ (ع) ما قاله محمّد (ص) فقال الله: من كان عدوّاً لله {وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} فليحذر من معاداة الله او فليتهيّأ لمعاداة الله {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} وضع الظّاهر موضع المضمر ايماءً الى أنّه كافر واظهاراً لوصفه المذموم واشعاراً بعلّة الحكم.

اطفيش

تفسير : {قُلْ}: لهم. {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لجبريلَ}: بكسر الجيم والراء، وبعدها ياء ساكنة، وقرأ ابن كثير كذلك إلا أنه فتح الجيم، وقرأ أبو بكر بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة من غير ياء، وقرأ حمزة والكسائى مثله إلا أنهما يجعلان ياء بعد الهمزة، ولا ألف فى شئ من ذلك. وقرئ شاذا جبرائيل بكسر الجيم وفتح الراء بعدها ألف وبعد الألف همزة مكسورة وبعد الهمزة ياء ساكنة، وقرئ كذلك إلا الجيم ففتحت وقرئ كذلك إلا الياء فسقطت وقرئ كذلك إلا الهمزة فسقطت وإلا الياء فكسرت وقرئ كذلك إلا الهمزة والياء، فسقطتا وقرئ جبريل بكسر الجيم والراء والياء، وتشديد اللام، وجبرائيل بكسر الجيم وبيائين بعد الألف الأولى، مكسورة والثانية ساكنة، وقرئ جبراءل بكسر الجيم وفتح الراء وبالألف فهمزة فالياء، وقرئ جبرين بفتح الجيم وكسر الراء وبياء ساكنة بعدها نون، وقرئ جبرايين بفتح الجيم والراء بعدها ألف وبعد الألف ياءان أولاهما مكسورة والثانية ساكنة بعدها نون. قال ابن جنى: العرب إذا نطقت بالأعجمى خلطت فيه، وروى عن ابن كثير أنه قال: رأيت النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم يقرأ جبريل وميكائيل بكسر الجيم وكسر الراء بلا همز، فلا أزال أقرأ بها أبداً كذلك، قال الثعلبى: الصحيح المشهور عن ابن كثير ما تقدم من فتح الجيم لاما حكى عنه فى الرؤيا من كسرها انتهى. وعلى كل قراءة فجر بمعنى عبد ولفظ إيل وما اختصر منه أو تصرف فيه بمعنى الله، قال ابن عباس وغيره: إن جبر وميك وإسرا بمعنى عبد مملوك، وإيل الله هذا نص عن ابن عباس وليس فيه قلب لإضافة، كما زعم بعض أن الإضافة مقلوبة فى لغة العجم مطلقاً وأن جبر وميك وإسرا وعزرا بمعنى الله وإيل بمعنى عبد، فإن ذلك ليس فى كل لغات العجم، فهذه لغة البربر عندنا لم تقلب فيها الإضافة. {فإنّهُ}: أى الله سبحانه وتعالى أن جبريل أو القرآن أو الشأن. {نَزَّلَهُ}: أى القرآن، أو الهاء الأولى لله جل وعلا، والثانية لجبريل، أى أن الله نزل جبريل بالقرآن وسائر الوحى. {عَلَى قَلْبِكَ}: ذكر القلب لأنه محل الفهم والقبول والحفظ، ولأنه القائل الأول، ثم تزجر النفس، ثم تعمل الجوارح، وإن قلت: كيف صح رجوع الهاء الثانية والأولى للقرآن، ولم يذكره قلت: صح لأنه دل عليه ذكر التنزيل لكثرة ذكر تنزيل القرآن فى الآيات، ولوصفه بالتصديق لما بين يديه لتقدم أنه مصدق، ولوصفه بالهدى والبشرى، وقد ذكر فى آيات صفتين له، ولأن ما فخم شأنه يرجع إليه الضمير، ولو لم يذكر لأن القلوب مملوءة به فتستحضره فى المقام بأدنى إشارة، ولأنه لفخامته وفرط شهوته لم يحتج فى رفع الضمير إليه إلى سبق ذكر، ومقتضى قوله قل أن يقول على قلبى، ففى قوله قلبك الالتفات السكاكى من التكلم إلى الخطاب، وجواب من محذوف تقديره فليمت غيظاً أو فليفعل ما بداله أو خرج من الإيمان أو خرج عن الإنصاف أو كفر بما معه من الكتاب لنزوله بالوحى الصحيح المصدق لما قبله، أو فهو عدو لى وأنا عدو له، كما قال: {من كان عدوا لله وملائكته..} إلخ ناب عنه التعليل، أى لأنه نزله على قلبك وحياً صحيحاً يقيناً، ويجوز أن تكون جملة أنه نزله على قلبك هى الجواب على معنى قولك: فإن السبب فى عداوته أنه نزل عليك. {بِإِذْنِ اللهِ}: بأمره أو بتيسيره، وقيل بعلمه متعلق بنزل أو بمحذوف حال من هاء نزله، أو من فاعل نزل المستتر إذا أعيد إلى جبريل، وإذا أعيد إلى الله سبحانه وتعالى فذكر لفظ الجلالة هنا من وضع الظاهر موضع المضمر لتلذيذه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذكر اسمه تعالى ولزيادة الإيضاح. {مُصَدِّقاً}: حال من هاء نزله، أو من فاعل نزل، والأول أولى لموافقته لسائر ما أشبه هذا من الآيات فى كون التصديق من أحوال القرآن. {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}: أى لما وجد وصار كشئ بين يد إنسان وهو التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب. {وَهُدًى وَبُشْرَى}: معطوفان على مصدقاً أى وهادياً ومبشراً، أو ذا هدى وبشرى وهو نفس الهدى والبشرى مبالغة. والمعنى إرشاد. {للْمُؤمِنِينَ}: إلى الأعمال الصالحات التى يترتب عليها الثواب، وتبشيراً لهم بثوابها إذا أتوا بها أو رشاداً لهم إلى ما لم يعلموه من الأحكام الشرعية وأخبار القرون الماضية، وإلى زيادة الإيمان وتبشيراً لهم بحسن المآب، وللمؤمنين نعت لهدى وبشرى أو تنازعاً فيه، وألف بشرى للتأنيث ولذا لم ينون كما نون هدى، ومضمون الهدى متقدم على مضمون التبشير وجود فقدم عليه لفظاً ألا ترى أن ثبوت الجنة للإنسان بعد ثبوت عمله الصالح اتفقت أصحاب التفاسير أن اليهود قالت لجبريل عدونا، واختلفوا في كيفية ذلك. حديث : فقيل إن يهود فدك قالوا للنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ نسألك عن أربعة أشياء فإن عرفتها اتبعناك؟ فسألوه عما حرم إسرائيل على نفسه؟ فقال: لحوم الإبل وألبانها، وسألوه عن الشبه فى الولد؟ فقال: إن علا ماءُ الرجل ماءَ المرأة أشبه الأب، وإن علا ماءُ المرأة أشبهها،تفسير : وروى يشبه من غلب ماؤه، حديث : وسأله عن نومه؟ فقال: تنام عينى ولا ينام قلبى، وسألوه عن من يجيئه من الملائكة؟ فقال: جبريل. فقالوا: هو عدونا لأنه ملك الحرب والشدائد والحدب، ولو كان الذى يجيئك ميكائيل ملك الرحمة والخصب والأمطار لاتبعناك.تفسير : فنزل قوله عز وجل: {قل من كان عدواً لجبريل}، وقيل حديث : إن عبدالله بن صوريا وهو يهودى من أحبار فدك، لعنة الله، سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عمن ينزل عليه؟ فقال: جبريل. فقال: ذاك عدونا عادانا مراراً وأشدها: أنه نزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بخت نصر، فبعثنا من يقتله فرآه يبال غلاماً مسكيناً، فدفعه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه، وإلا فيم تقتلونه؟ وقيل قال له: إنه عدونا لأن الله أمره أن يجعل النبوة فينا فجعلها فى غيرنا،تفسير : هذا ما روى عن ابن عباس وروى أنه كان لعمر بن الخطاب رضى الله عنه أرض بأعلى المدينة، وكان ممره على مدارس اليهود، فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم، فقالوا يا عمر: قد أحببناك وإنا لنطمع فيك، وقيل قالوا ما فى أصحاب محمد أحب إلينا منك، وإنا لنطمع فيك، فقال: والله ما أحبكم لحبكم، وما أحبكم رغبة فيكم، ولا أسألكم لأنى شاك فى دينى، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة فى أمر محمد، وأرى آثاره فى كتابكم، ثم سألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدونا يطلع محمداً على أسرارنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسبى، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن صاحبنا هو ميكائيل يجئ بالخصب والسلامة. فقال لهم: وما منزلتهما من الله؟ قالوا: أقرب منزلة جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدو لجبريل، وقال عمر: لا. إن كان كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدوّاً لأحدهما كان عدواً للآخر، ومن كان عدواً لهما كان عدواً لله، ثم رجع عمر فوجد جبريل قد نزل بقوله: {قل من كان عدواً لجبريل..} الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقد وافقك ربك يا عمر" تفسير : فقال عمر: لقد رأيتنى بعد ذلك أصلب من الحجر فى دين الله، ومعنى أكفر من الحمير أغلق وأبهم، ومن شأن ذلك فى الجملة الكفر، ولو كان الحمار لا يكفر، وروى أنهم لما قالوا بالخصب والسلام، قال لهم: أتعرفون جبريل وتنكرون محمدا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أى لا يستقيم هذا لإقراركم أنه يأتيه بالوحى، فقالوا نعم فقال: أخبرونى عن منزلة جبريل وميكائيل من الله؟ فقالوا: أقرب منزلة الخ وقيل لم يناظرهم بما ذكر ولكن لما قال لهم أتعرفون جبريل وتنكرون محمدا، صلى الله عليه وسلم، فارقهم ومضى إليه، صلى الله عليه وسلم، وروى أنهم لما قالوا: إن جبريل عدونا من أهل السماء وفى رواية من الملائكة، وميكائيل ولينا قال لهم: حدثونا عن وليكم هل عادى عدوكم أو تولاه؟ فإن كان يتولاه فلم عاديتم من يتولاه وليكم؟ وعن الكلبى أنهم قالوا: إن جبريل عدونا فلو أن محمدا يزعم أن ميكائيل هو الذى يأتيه صدقناه، وأن جبريل عدو لمكائيل، فقال وإنى أشهد أن من كان عدوا لجبريل فإنه عدو لمكائيل، فنزلت الآية. وعن الحسن: أن اليهود قالوا إن جبريل لا يأتينا إلا بالشتم والذم وإنما يفعل ذلك لعداوة بيننا وبينه. ومكائيل لين فنزلت الآية ونزل قوله:

الالوسي

تفسير : {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ} أخرج ابن أبـي شيبة في «مسنده»، وابن جرير وابن أبـي حاتم عن الشعبـي، أنه دخل عمر رضي الله تعالى عنه مِدْرَاس اليهود يوماً فسألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدونا، يطلع محمداً على أسرارنا، وأنه صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلام فقال: ما منزلتهما من الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره ـ وبينهما عداوة ـ فقال: لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين، ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدواً لأحدهما فهو عدو لله. ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقال صلى الله عليه وسلم: «لقد وافقك ربك يا عمر» قال عمر: لقد رأيتني بعد ذلك أصلب من الحجر، وقيل: نزلت في عبد الله بن صوريا ـ كان يهودياً من أحبار فدكَ ـ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن ينزل عليه فقال: «جبريل» فقال: ذاك عدونا عادانا مراراً، وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بخت نصر، فبعثنا من يقتله فرآه ببابل، فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه، وإلا فبم تقتلونه؟ وصدقه الرجل المبعوث ورجع إلينا، وكبر بختنصر وقوي/ وغزانا، وخرّب بيت المقدس، روى ذلك بعض الحفاظ، وقال العراقي: لم أقف له على سند، فلعل الأول أقوى منه ـ وإن أوهمَ صنيع بعضهم العكس ـ. و(جبريل) عَلَمُ مَلَك كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وهو اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وأبعدَ من ذهب إلى أنه مشتق من جبروت الله وجعله مركباً تركيب مزج من مضاف ومضاف إليه، فمنعه من الصرف للعلمية، والتركيب ليس بشيء لأن ما يركب هذا التركيب يجوز فيه البناء والإضافة ومنع الصرف، فكونه لم يسمع فيه الإضافة أو البناء دليل على أنه ليس من تركيب المزج، وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في تغيير الأسماء الأعجمية حتى بلغت فيه إلى ثلاث عشرة لغة، أفصحها وأشهرها (جبريل) كقنديل، وهي قراءة أبـي عمرو ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم وهي لغة الحجاز، قال ورقة بن نوفل:شعر : (وجبريل) يأتيه وميكال معهما من الله وحي يشرح الصدر منزل تفسير : الثانية: كذلك إلا أنها ـ بفتح الجيم ـ وهي قراءة ابن كثير والحسن وابن محيصن قال الفراء: لا أحبها لأنه ليس في الكلام فعليل ـ وليس بشيء ـ لأن الأعجمي إذ عربوه قد يلحقونه بأوزانهم ـ كلجام ـ وقد لا يحلقونه بها ـ كإبريسم ـ وجبريل من هذا القبيل، مع أنه سمع ـ سَمْوِيل ـ لطائر، الثالث: جبرئيل كسلسبيل، وبها قرأ حمزة والكسائي وحماد عن أبـي بكر عن عاصم، وهي لغة قيس وتميم وكثير من أهل نجد، وحكاها الفراء، واختارها الزجاج، وقال: هي أجود اللغات، وقال حسان:شعر : شهدنا فما يلقى لنا من كتيبة مدى الدهر إلا (جبرئيل) أمامها تفسير : الرابعة: كذلك إلا أنها بدون ـ ياء بعد الهمزة ـ وهي رواية يحيـى بن آدم عن أبـي بكر عن عاصم، وتروى عن يحيـى بن يعمر الخامسة: كذلك إلا أن ـ اللام مشددة ـ وهي قراءة أبان عن عاصم، ويحيـى بن يعمر أيضاً السادسة: (جبرائل) ـ بألف وهمزة بعدها مكسورة بدون ياء ـ وبها قرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعكرمة السابعة: مثلها مع زيادة ـ ياء بعد الهمزة ـ الثامنة: (جبراييل) بياءين بعد الألف، وبها قرأ الأعمش وابن يعمر، ورواها الكسائي عن عاصم التاسعة: (جبرال) العاشرة: (جبريل) ـ بالياء والقصر ـ وهي قراءة طلحة بن مصرف الحادية عشرة: (جبرين) ـ بفتح الجيم والنون ـ الثانية عشرة: كذلك إلا أنها ـ بكسر الجيم ـ وهي لغة أسد الثالثة عشر: (جبراين) قال أبو جعفر النحاس: جمع (جبريل) جمع تكسير على ـ جبارين ـ على اللغة العالية، واشتهر أن معناه عبد الله، على أن ـ جبر ـ هو الله تعالى ـ وإيل ـ هو العبد، وقيل: عكسه، ورده بعضهم بأن المعهود في الكلام العجمي تقديم المضاف إليه على المضاف، وفيه تأمل. {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} جواب الشرط إما نيابة أو حقيقة والمعنى من عاداه منهم فقد خلع ربقة الإنصاف أو كفر بما معه من الكتاب بمعاداته إياه لنزوله عليك بالوحي لأنه نزل كتاباً مصدقاً للكتب المتقدمة، أو فالسبب في عداوته أنه نزل عليك، وليس المبتدأ على هذا الأخير محذوفاً، و ـ أنه نزله ـ خبره حتى يرد أن الموضع للمفتوحة بل أن ـ الفاء ـ داخلة على السبب، ووقع جزاءاً باعتبار الإعلام والإخبار بسببيته لما قبله فيؤول المعنى إلى من عاداه فأعلمكم بأن سبب عداوته كذا فهو كقولك: إن عاداك فلان فقد آذيته أي فأخبرك بأن سبب عداوتك أنك آذيته، وقيل: الجزاء محذوف بحيث لا يكون المذكور نائباً وعنه يقدر مؤخراً عنه ويكون هو تعليلاً وبياناً لسبب العداوة والمعنى من عاداه ـ لأنه نزله على قلبك ـ فليمت غيظاً، أو فهو عدوّ لي وأنا عدوه/ والقرينة على حذف الثاني الجملة المعترضة المذكورة بعده في وعيدهم، واحتمال أن يكون {مَن كَانَ عَدُوّا} الخ استفهاماً للاستبعاد، أو التهديد ويكون فإنه تعليل العداوة وتقييداً لها أو تعليل الأمر بالقول مما لا ينبغي أن يرتكب في القرآن العظيم، والضمير الأول البارز لجبريل، والثاني: للقرآن كما يشير إليه الأحوال لأنها كلها من صفات القرآن ظاهراً، وقيل: الأول لله تعالى والثاني لجبريل أي ـ فإن الله نزل جبريل بالقرآن على قلبك ـ وفي كل من الوجهين إضمار يعود على ما يدل عليه السياق، وفي ذلك من فخامة الشأن ما لا يخفى، ولم يقل سبحانه عليك كما في قوله تعالى: {أية : مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ لِتَشْقَىٰ }تفسير : [طه: 2] بل قال: {عَلَىٰ قَلْبِكَ} لأنه القابل الأول للوحي إن أريد به الروح، ومحل الفهم والحفظ إن أريد به العضو بناءً على نفي الحواس الباطنة، وقيل: كنى بالقلب عن الجملة الإنسانية كما يكنى ببعض الشيء عن كله، وقيل: معنى {نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} جعل قلبك متصفاً بأخلاق القرآن ومتأدباً بآدابه كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: «حديث : كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويغضب لغضبه» تفسير : وكان الظاهر أن يقول على قلبـي لأن القائل رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه حكى ما قال الله تعالى له وجعل القائل كأنه الله تعالى لأنه سفير محض. {بِإِذُنِ ٱللَّهِ} أي بأمره أو بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة أو باختياره، أو بتيسيره وتسهيله، وأصل معنى ـ الإذن ـ في الشيء الإعلام بإجازته والرخصة فيه فالمعاني المذكورة كلها مجازية، والعلاقة ظاهرة، والمنتخب كما في «المنتخب» ـ المعنى الأول، والمعتزلة ـ لما لم يقولوا بالكلام النفسي وإسناد الإذن إليه تعالى باعتبار الكلام اللفظي يحتاج إلى تكلف ـ اقتصر الزمخشري على الوجه الأخير، والقول: إن الإذن بمعنى الأمر إن أريد بالتنزيل معناه الظاهر، وبمعنى التيسير إن أريد به التحفظ والتفهيم مما لا وجه له. {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب الإلۤهية التي معظمها التوراة وانتصاب {مُصَدّقاً} على الحال من الضمير المنصوب في {نَزَّلَهُ} إن كان عائداً للقرآن وإن كان لجبريل فيحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون حالاً من المحذوف لفهم المعنى كما أشرنا إليه، والثاني: أن يكون حالاً من جبريل، والهاء إما للقرآن أو لجبريل فإنه مصدق أيضاً لما بين يديه من الرسل والكتب. {وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} معطوفان على {مُصَدّقاً} فهما حالان مثله، والتأويل غير خفي، وخص المؤمنين ـ بالذكر لأنه على غيرهم عمى. وقد دلت الآية على تعظيم جبريل والتنويه بقدره حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة، ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة العظيمة الرفيعة عند الله تعالى، قيل: وتعلقت الباطنية بهذه الآية وقالوا: إن القرآن إلهام والحروف عبارة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورد عليهم بأنه معجزة ظاهرة بنظمه وإن الله تعالى سماه قرآناً وكتاباً وعربياً، وإن جبريل نزل به والملهم لا يحتاج إليه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} الآية. ظاهر هذه الآية أن جبريل ألقى القرآن في قلب النَّبي صلى الله عليه وسلم من غير سماع قراءة، ونظيرها في ذلك قوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ} تفسير : [الشعراء: 193-194] الآية. ولكنه بين في مواضع أخر أن معنى ذلك أن الملك يقرؤه عليه حتى يسمعه منه، فتصل معانيه إلى قلبه بعد سماعه، وذلك هو معنى تنزيله على قلبه، وذلك كما في قوله تعالى: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} تفسير : [القيامة: 16-19]، وقوله: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً} تفسير : [طه: 114].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 97- ولقد زعم بعضهم أنهم يعادونك ويكفرون بكتابك لأنهم أعداء لجبريل الذى يبلغك هذا الكتاب، فقل أيها النبى لهم: من كان عدواً لجبريل فهو عدو الله، لأن جبريل ما يجئ بهذا الكتاب من عنده، وإنما ينزله بأمر الله مصدقاً لما سبقه من الكتب السماوية، ومصدقاً لكتابهم نفسه، وهدى وبشرى للمؤمنين. 98- فمن كان عدواً لجبريل أو ميكائيل أو لأى ملك أو رسول من ملائكة الله ورسله الذين لا يفعلون ولا يبلغون إلا ما يأمرهم به الله، فإنه بذلك يكون عدواً لله وكافراً به، والله عدو الكافرين. 99- وما ينزل جبريل على قلبك إلا بآيات بينات لا يسع طالب الحق إلا الإيمان بها، وما يكفر بمثلها إلا المعاندون الخارجون عن سنة الفطرة. 100- وكما تذبذبوا فى العقيدة والإيمان، تذبذبوا كذلك فيما يبرمونه من عهود، فكانوا كلما عاهدوا المسلمين وغيرهم عهداً نبذه فريق منهم. لأن معظمهم لا يؤمن بحرمة عهد ولا بقداسة ميثاق. 101- ولما جاءهم رسول من عند الله مطابقة أوصافه لما فى أسفارهم - وهو محمد ـ صلى الله عليه وسلم - نبذ فريق منهم ما ذكر فى كتبهم عن هذا الرسول، كأنه لم يرد فيها ولم يعلموا شيئاً عنه.

القطان

"حديث : روي ابن جرير في تفسيره أَن عصابة من اليهود حضرت عند الرسول الكريم فقالوا: يا أبا القاسم، حدِّثنا عن خلالٍ نسألك عنهن لا يعلمهن إِلا نبي. فقال: سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه: لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعُنّي على الاسلام. فقالوا: ذلك لك. فلما سألوه وأجابهم وعرفوا أَنه صادق، قالوا: حدثْنا من وليّك من الملائكة، وعندها نتابعك أو نفارقك. قال: ان وليِّي جبريل، ولم يبعث الله نبياً الا وهو وليه. قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة لتابعناك وصدّقناك. قال: فما يمنعكم ان تصدقوه؟ قالوا: انه عدوُّنا ينزل بالعذاب والنقمة ويأتي بالشدة وسفك الدماء. ولو ان ميكائيل كان ينزل عليك لتابعناك وصدّقناك، لأنه ينزل بالرحمة والغيث"تفسير : . فأنزل الله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ}، لأن جبريل ما يجيء بهذا الكتاب من عنده وانما ينزله بأمر الله. وكل هذه حجج ومعاذير واهية اعتذروا بها عن الايمان بمحمد عليه السلام، ولا تصلح ان تكون مانعة من الايمان بكتاب. انزله الله جامعٍ لكل صفات شريفة. القراءات قرأ حمزة والكسائي "جبرئيل"، وقرأ ابن كثير "جبريل" بفتح الجيم وكسر الراء، وقرأ عاصم برواية أبي بكر "جبرئل"، وقرأ الباقون "جبريل" كقنديل.

د. أسعد حومد

تفسير : (97) - حديث : نَاظَرَ اليَهُودُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي أَمْرِ نُبُوَّتِهِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أبَا القَاسِمِ أخْبِرْنَا عَنْ خَمْسَةِ أشْيَاءَ فَإن أنْبَأَتَنَا بِهَا عَرَفْنَا أنَّكَ نَبِيٌّ وَاتّبَعْنَاكَ. فَأَخَذَ النَّبِيُّ عَلَيهِمِ المِيثَاقَ إِذْ قَالَ: (وَاللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ). ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: هَاتُوا. فَسَألُوهُ أَسْئِلَةً أَرْبَعَةً أَجَابَهُمْ عَلَيْها، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَلَهُ مَلَكٌ يَأتِيهِ بِالخَبَرِ، فَأخْبِرْنَا مَنْ صَاحِبُكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: (صَاحِبِي جِبْرِيلُ عَلَيهِ السَّلامُ). قَالُوا جِبْرِيلُ ذَاكَ الذِي يَنْزِلُ بِالحَرْبِ وَالقِتَالِ وَالعَذَابِ عَدُوُّنَا، وَإِنَّهُ أنْذَرَ اليَهُودَ بِخَرَابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَكَانَ مَا أنْذَرَ بِهِ، لَوْ قُلْتَ: إنَّ صَاحِبَكَ مِيكَائِيلُ لاتَّبَعْنَاكَ، لأَنَّهُ المَلَكُ الذِي يَنْزِلُ بِالرَّحْمَةِ وَالغَيْثِ. تفسير : فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ. وَمَعْنَى الآيَةِ: إنَّ مَنْ عَادَى جِبْرِيلَ فَإنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الرُّوحُ الأمَينُ الذِي أنْزَلَ القُرآنَ عَلَى قَلبِكَ يَا مُحَمَّدُ، بأمْرِ اللهِ، مُصَدِّقاً لِمَا سَبَقَهُ مِنَ الكُتُبِ المَنَزَّلةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَمِنْهَا التَّورَاةُ، وَهُوَ هُدًى لِلْمُؤْمِنينَ وَبُشْرَى لِقُلُوبِهِمْ بِالجَنَّةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الله تبارك وتعالى أراد أن يلفتنا إلى أن اليهود لم يقتلوا الأنبياء ويحرفوا التوراة ويشتروا بآيات الله جاه الدنيا فقط .. ولكنهم عادوا الملائكة أيضاً .. بل إنهم أضمروا العداوة لأقرب الملائكة إلى الله الذي نزل بوحي القرآن وهو جبريل عليه السلام .. وأنهم قالوا جبريل عدو لنا. الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. ولقد جلس ابن جوريا أحد أحبار اليهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له من الذي ينزل عليك بالوحي؟ فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام جبريل .. فقال اليهودي لو كان غيره لآمنا بك .. جبريل عدونا لأنه ينزل دائماً بالخسف والعذاب .. ولكن ميكائيل ينزل بالرحمة والغيث والخصب .. وأيضاً هو عدوهم لأنهم اعتقدوا أن بيت المقدس سيخربه رجل اسمه بختنصر، فأرسل اليهود إليه من يقتله .. فلقى اليهودي غلاماً صغيراً وسأله الغلام ماذا تريد؟ قال إني أريد أن أقتل بختنصر لأنه عندنا في التوراة هو الذي سيخرب بيت المقدس .. فقال الغلام إن يكن مقدراً أن يخرب هذا الرجل بيت المقدس فلن تقدر عليه .. لأن المقدر نافذ سواء رضينا أم لم نرضى .. وإن لم يكن مقدراً فلماذا تقتله؟ أي أن الطفل قال له إذا كان الله قد قضى في الكتاب أن بختنصر سيخرب بيت المقدس .. فلا أحد يستطيع أن يمنع قضاء الله .. ولن تقدر عليه لتقتله وتمنع تخريب بيت المقدس على يديه .. وإن كان هذا غير صحيح فلماذا تقتل نفساً بغير ذنب .. فعاد اليهودي دون أن يقتل بختنصر .. وعندما رجع إلى قومه قالوا له إن جبريل هو الذي تمثل لك في صورة طفل وأقنعك ألا تقتل هذا الرجل. ويروى أن سيدنا عمر بن الخطاب كان له أرض في أعلى المدينة .. وكان حين يذهب إليها يمر على مدارس اليهود ويجلس إليهم .. وظن اليهود أن مجلس عمر معهم إنما يعبر عن حبه لهم .. فقالوا له إننا نحبك ونحترمك ونطمع فيك .. ففهم عمر مرادهم فقال والله ما جالستكم حباً فيكم .. ولكني أحببت أن أزداد تصورا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلم عنه ما في كتابكم .. فقالوا له ومن يخبر محمداً بأخبارنا وأسرارنا؟ فقال عمر إنه جبريل ينزل عليه من السماء بأخباركم .. قالوا هو عدونا .. فقال عمر كيف منزلته من الله؟ قالوا إنه يجلس عن يمين الله وميكائيل يجلس عن يسار الله .. فقال عمر ما دام الأمر كما قلتم فليس أحدهما عدواً للآخر لأنهما عند الله في منزلة واحدة .. فمن كان عدواً لأحدهما فهو عدو لله .. فلن تشفع لكم عداوتكم لجبريل ومحبتكم لميكائيل لأن منزلتهما عند الله عالية. إن عداوتهم لجبريل عليه السلام تؤكد ماديتهم .. فهم يقيسون الأمر على البشر .. إن الذي يجلس على يمين السيد ومن يجلس على يساره يتنافسان على المنزلة عنده .. ولكن هذا في دنيا البشر .. ولكن عند الملائكة لا شيء من هذا .. الله عنده ما يجعله يعطي لمن يريد المنزلة العالية دون أن ينقص من الآخر .. ثم إن الله سبحانه وتعالى اسمه الحق .. وما ينزل به جبريل حق وما ينزل به ميكائيل حق .. والحق لا يخاصم الحق .. وقال لهم عمر أنتم أشدّ كفراً من الحمير .. ثم ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكد الرسول يراه حتى قال له وافقك ربك يا عمر .. وتنزل قول الله تبارك وتعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 97] فقال عمر يا رسول الله .. إني بعد ذلك في إيماني لأصلب من الجبل. إذن فقولهم ميكائيل حبيبنا وجبريل عدونا من الماديات، والله تبارك وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم .. إنهم يُعَادُون جبريل لأنه نزل على قلبك بإذن الله .. وما دام نزل من عند الله على قلبك .. فلا شأن لهم بهذا .. وهو مصدق لما بين يديهم من التوراة .. وهو هدى وبشرى للمؤمنين .. فأي عنصر من هذه العناصر تنكرونه على جبريل .. إن عداوتكم لجبريل عداوة لله سبحانه وتعالى.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} فجبرُ: عبدٌ وإيلٌ: هو الله تعالى: مِثلُ عبدُ الله.

الأندلسي

تفسير : {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} جبريل: اسم ملك علم ممنوع الصرف للعلمية والعجمة وليس مشتقاً ولا مركباً تركيب حضرموت. وأجمع أهل التفسير أن اليهود قالوا: جبريل عدونا لكونه يأتي بالهلاك والخسف والجدب ولدفاعه عن بخت نصّر، حين أردنا قتله حتى خرّب بيت المقدس وأهلكنا، ولكونه يطلع محمداً على سرّنا والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم بقل ومن شرطية. {فَإِنَّهُ} أي جبريل. {نَزَّلَهُ} أي القرن. وصرح الزمخشري: بأن الجواب فإِنه نزله وهو خطأ لعرو الجملة من ضمير يعود على اسم الشرط بل الجواب محذوف لدلالة ما بعده عليه، أي فعداوته لا وجه لها ولا يبالي بها. و{مُصَدِّقاً} حال من مفعول نزله ومناسبة دليل الجزاء للشرط هو أن من كان عدواً لجبريل فعداوته لا وجه لها لأنه هو الذي نزل القرآن المصدق للكتب والهادي والمبشر لمن آمن ومن كان بهذه المثابة فينبغي أن يحب ويشكر إذ كان به سبب الهداية والتنويه بما في أيديهم من كتب الله وأتى بلفظ على التي تقتضي الاستعلاء، إذ هو حمليه متابع لما يلقى إليه مطيع بالعمل بما يقتضيه والقلب محل العقل والعلم وتلقي الواردات وجاء قلبك بكاف الخطاب تشرفاً له عليه السلام. {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بأمره وتمكينه إياه من هذه المنزلة. {مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ} عداوة العبد لله مجاز ومعناه مخالفة الأمر. {وَمَلاۤئِكَتِهِ} اندرج فيهم جبريل. {وَرُسُلِهِ} أي من بني آدم وممن أرسله الله من الملائكة. {وَجِبْرِيلَ} قرنه تعالى باسمه واندرج تحت عموم الملائكة والرسل، ثم أفرده بالذكر تخصيصاً له وتشريفاً. ونص على ميكال وهو الذي قالت اليهود: لو كان ميكائيل صاحب محمد لابتغاه لأنه يأتي بالخصب والسلم وقرنهما معاً تنويهاً بهما وإن من بغض جبريل ببغض ميكال وقرىء جبريل وجَبريل وجبرئيلُ وجبرئل وجبرييلّ وجبرآئيل وجبرايل وجبرال وجبرين وجبرآئن. وقال أبو جعفر النحاس: جمع جبريل جمع التكسير على جباريل على اللغة العالية، وميكال اسم ملك. وقرىء: وميكال وميكاييل وميكائيل وميكايل وميكييل وجواب الشرط محذوف أي فهو كافر لدلالة ما بعده عليه أو فإِن الله وأقام الظاهر مقام المضمر أي عدو له وفيه نص على علة العداوة وعداوة الله للعبد مجازاته على مخالفته.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: قل لهؤلاء اليهود، الذين زعموا أن الذي منعهم من الإيمان بك، أن وليك جبريل عليه السلام، ولو كان غيره من ملائكة الله، لآمنوا بك وصدقوا، إن هذا الزعم منكم تناقض وتهافت، وتكبر على الله، فإن جبريل عليه السلام هو الذي نزل بالقرآن من عند الله على قلبك، وهو الذي ينزل على الأنبياء قبلك، والله هو الذي أمره، وأرسله بذلك، فهو رسول محض. مع أن هذا الكتاب الذي نزل به جبريل مصدقا لما تقدمه من الكتب غير مخالف لها ولا مناقض، وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالات، والبشارة بالخير الدنيوي والأخروي، لمن آمن به، فالعداوة لجبريل الموصوف بذلك، كفر بالله وآياته، وعداوة لله ولرسله وملائكته، فإن عداوتهم لجبريل، لا لذاته بل لما ينزل به من عند الله من الحق على رسل الله. فيتضمن الكفر والعداوة للذي أنزله وأرسله، والذي أرسل به، والذي أرسل إليه، فهذا وجه ذلك.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} [97] 12- أنا محمد بن المُثنَّى، نا خالد - يعني ابن الحارث، عن حُميد، عن أنس - إن شاء الله - قال: حديث : جاء عبد الله بن سلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقدمَهُ إلى المدينة فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وأول ما يأكل أهل الجنة؟ والولد ينزع إلى أبيه وإلى أمه؟ فقال: "أخبرني بهن جبريل عليه السلام آنفا" قال عبد الله: ذلك رَذلة عدو لليهود من الملائكة، قال: "أما أول أشراط الساعة، فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد، فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإذا سبق ماء المرأة نزعت". قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْت، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيُّ رجل فيكم عبد الله بن سلام؟" قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا. قال: "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟" قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، قالوا: شرُّنا، وابن شرِّنا، وانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف/ يا رسول الله .

همام الصنعاني

تفسير : 92عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن قَتَادة في قَوْلِهِ تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ}: [الآية: 97]، قال: قالت اليهُودُ إِنَّ جبريل يأتي محمَّداً وهُوَ عدُوّنا. لأنه يأتي بالشدَّة والحرب، والسنة، وإِنَّ ميكائيل ينزل بالرَّخاء والعَافية والخِصْبِ، فَجبْريلُ عَدوّنا فَقَال: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ}.