٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
98
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ} شرط، وجوابه {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ}. وهذا وعيد وذمٌ لمُعَادى جبريل عليه السلام، وإعلانٌ أن عداوة البعض تقتضي عداوة الله لهم. وعداوة العبد لله هي معصيته وٱجتناب طاعته، ومعادات أوليائه. وعداوةُ الله للعبد تعذيبه وإظهار أثر العداوة عليه. فإن قيل: لِم خصّ الله جبريل وميكائيل بالذكر وإن كان ذكر الملائكة قد عَمّهما؟ قيل له: خصّهما بالذكر تشريفاً لهما؛ كما قال: {أية : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}تفسير : [الرحمن: 68]. وقيل: خُصًّا لأن اليهود ذكروهما، ونزلت الآية بسببهما؛ فذِكْرُهما واجبٌ لئلا تقول اليهود: إنا لم نعاد الله وجميع ملائكته؛ فنصّ الله تعالى عليهما لإبطال ما يتأوّلونه من التخصيص. ولعلماء اللسان في جبريل وميكائيل عليهما السلام لغات؛ فأما التي في جبريل فَعَشْر: الأولى: جبريل؛ وهي لغة أهل الحجاز؛ قال حسان بن ثابت:شعر : وجِبْرِيلٌ رسولُ الله فِينَا تفسير : الثانية: جَبْرِيل (بفتح الجيم) وهي قراءة الحسن وٱبن كَثير؛ ورُوِيَ عن ٱبن كَثير أنه قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقرأ جبريل وميكائيل فلا أزال أقرؤهما أبداً كذلك. الثالثة: جَبْرَئِيل (بياء بعد الهمزة، مثال جبرعيل)، كما قرأ أهل الكوفة؛ وأنشدوا:شعر : شَهدنا فما تلقى لنا من كتيبة مَدَى الدهر إلا جَبْرَئيلُ أمامُها تفسير : وهي لغة تميم وقيس. الرابعة: جَبْرِئل (على وزن جَبْرَعِل) مقصور، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم. الخامسة: مثلها، وهي قراءة يحيى بن يَعْمر، إلا أنه شدّد اللام. السادسة: جبرائل (بألف بعد الراء ثم همزة) وبها قرأ عِكرمة. السابعة: مثلها؛ إلا أن بعد الهمزة ياء. الثامنة: جبرئييل (بياءين بغير همزة) وبها قرأ الأعمش ويحيى بن يعمر أيضاً. التاسعة: جَبْرئِين (بفتح الجيم مع همزة مكسورة بعدها ياء ونون). العاشرة: جِبْرين (بكسر الجيم وتسكين الياء بنون من غير همزة) وهي لغة بني أسد. قال الطبري: ولم يُقرأ بها. قال النحاس ـ وذكر قراءة ٱبن كَثير ـ: «لا يُعرف في كلام العرب فَعْلِيل؛ وفيه فِعْلِيل؛ نحو دِهليز وقِطمير وبِرطيل؛ وليس ينكر أن يكون في كلام العجم ما ليس له نظير في كلام العرب، وليس ينكر أن يكثر تغيّره، كما قالوا: إبراهيم وإبْرَهَم وإبراهِمُ وإبراهام». قال غيره: جبريل ٱسم أعجمي عرّبته العرب، فلها فيه هذه اللغات ولذلك لم ينصرف. قلت: قد تقدّم في أوّل الكتاب أن الصحيح في هذه الألفاظ عربية نزل بها جبريل بلسان عربيّ مبين. قال النحاس: ويجمع جبريل على التكسير جباريل. وأمّا اللغات التي في ميكائيل فِستّ: الأولى: ميكاييل، قراءة نافع. وميكائيل (بياء بعد الهمزة) قراءة حمزة. ميكال، لغة أهل الحجاز، وهي قراءة أبي عمرو وحفص عن عاصم. ورُوِيَ عن ٱبن كَثير الثلاثة أوجه؛ قال كعب بن مالك:شعر : ويوم بَدْرٍ لقيناكم لنا مَدَدٌ فيه مع النصر ميكالٌ وجبريلُ تفسير : وقال آخر:شعر : عبدوا الصّليب وكذّبوا بمحمد وبجبرئيل وكذّبوا ميكالاَ تفسير : الرابعة: ميكئيل، مثل ميكعيل؛ وهي قراءة ٱبن مُحَيْصِن. الخامسة: ميكاييل (بياءين) وهي قراءة الأعمش باختلاف عنه. السادسة: ميكاءَل؛ كما يقال (إسراءل بهمزة مفتوحة)، وهو ٱسم أعجمي فلذلك لم ينصرف. وذكر ٱبن عباس أن جَبْر ومِيكَا وإسراف هي كلها بالأعجمية بمعنى: عبد ومملوك. وإيل: ٱسم الله تعالى: ومنه قول أبي بكر الصّديق رضي الله عنه حين سمع سَجْع مُسَيْلِمة: هذا كلام لم يخرج من إلٍّ؛ وفي التنزيل: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً} في أحد التأويلين، وسيأتي. قال الماوردي: إن جبريل وميكائيل اسمان؛ أحدهما عبد اللَّه، والآخر عبيد الله؛ لأن إيل هو الله تعالى، وجبر هو عبد، وميكا هو عبيد؛ فكأن جبريل عبد اللَّه، وميكائيل عبيد الله؛ هذا قول ٱبن عباس، وليس له في المفسرين مخالف. قلت: وزاد بعض المفسرين: وإسرافيل عبد الرحمن. قال النحاس: ومن تأوّل الحديث «جبر» عبد، و «إلّ» الله وجب عليه أن يقول: هذا جَبْرُئل ورأيت جبرَئل ومررت بجبرئِل؛ وهذا لا يقال؛ فوجب أن يكون معنى الحديث أنه مُسَمَّى بهذا. قال غيره: ولو كان كما قالوا لكان مصروفاً، فتركُ الصرف يدلّ على أنه ٱسم واحد مفرد ليس بمضاف. وروى عبد الغني الحافظ من حديث أَفْلَت بن خليفة ـ وهو فُليت العامري وهو أبو حسان ـ عن جَسْرة بنت دَجَاجة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللَّهُمّ ربّ جبريل وميكايل وإسرافيل أعوذ بك من حَرّ النار وعذاب القبر»
البيضاوي
تفسير : {مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ} أراد بعداوة الله مخالفته عناداً، أو معاداة المقربين من عباده، وصدر الكلام بذكره تفخيماً لشأنهم كقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ }تفسير : [الأنعام: 113] وأفرد الملكين بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر، والتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر واستجلاب العداوة من الله تعالى، وأن من عادى أحدهم فكأنه عادى الجميع، إذ الموجب لعداوتهم ومحبتهم على الحقيقة واحد، ولأن المحاجة كانت فيهما. ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنه تعالى عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة والرسل كفر. وقرأ نافع «ميكائل» كميكاعل، وأبو عمرو ويعقوب وعاصم برواية حفص {ميكال} كميعاد، والباقون «ميكائيل» بالهمزة والياء بعدها. وقرىء «ميكئل» كميكعل، و «ميكئيل» كميكعيل، وميكايل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ } بكسر الجيم وفتحها بلا همز[جَبْريل] وبه بياء جَبْرَئيل ودونها[جَبْرَئل] {وَمِيكَٰلَ } عطف على الملائكة من عطف الخاص على العام وفي قراءة (ميكائيل) بهمز وياء[ميكائل] وفي أخرى بلا ياء {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَٰفِرِينَ } أوقعه موقع (لهم) بياناً لحالهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {عَدُوٌ لِّلْكَافِرِينَ} لم يقل عدو لهم لجواز انتقالهم عن العداوة بالإيمان.
النسفي
تفسير : {مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلـٰئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ } بصري وحفص. و «ميكائل» باختلاس الهمزة كـ «ميكاعل»: مدني. و«ميكائيل» بالمد وكسر الهمزة مشبعة: غيرهم. وخص الملكان بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر إذ التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات. {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ } أي لهم فجاء بالظاهر ليدل على أن الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر كعداوة الأنبياء ومن عاداهم عاداه الله {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقُونَ } المتمردون من الكفرة واللام للجنس والأحسن أن تكون إشارة إلى أهل الكتاب. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية فنتبعك بها فنزلت الواو في {أَوَكُلَّمَا } الواو للعطف على محذوف تقديره أكفروا بالآيات البينات. وكلما {عَـٰهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ } نقضه ورفضه وقال {فَرِيقٌ مّنْهُمُ } لأن منهم من لم ينقض {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بالتوراة وليسوا من الدين في شيء فلا يعدون نقض المواثيق ذنباً ولا يبالون به. {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } محمد صلى الله عليه وسلم {مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } أي التوراة والذين أوتوا الكتاب اليهود {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ } يعني التوراة لأنهم بكفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم المصدق لما معهم كافرون بها نابذون لها، أو كتاب الله القرآن نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول. {وَرَاء ظُهُورِهِمْ } مثل لتركهم وإعراضهم عنه مثل بما يرمى به وراء الظهور استغناء عنه وقلة التفات إليه {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أنه كتاب الله. {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ } أي نبذ اليهود كتاب الله واتبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ } أي على عهد ملكه في زمانه، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما يسمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة وقد دونوها في كتب يقرأونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم وبه سخر الجن والإنس والريح. {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ } تكذيب للشياطين ودفع لما بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ } هم الذين {كَفَرُواْ } باستعمال السحر وتدوينه. و«لكن» بالتخفيف «الشياطين» بالرفع: شامي وحمزة وعلي. {يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ } في موضع الحال أي كفروا معلمين الناس السحر قاصدين به إغواءهم وإضلالهم {وَمَا أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ } الجمهور على أن «ما» بمعنى «الذي» هو نصب عطف على «السحر» أي ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أو على «ما تتلوا» أي واتبعوا ما أنزل على الملكين {بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ } علمان لهما وهما عطف بيان للملكين، والذي أنزل عليهما هو علم السحر ابتلاء من الله للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافراً إن كان فيه رد ما لزم في شرط الإيمان، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه لئلا يغتر به كان مؤمناً، قال الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه الله: القول بأن السحر على الإطلاق كفر خطأ بل يجب البحث عن حقيقته، فإن كان في ذلك رد ما لزم في شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا. ثم السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور لا الإناث، وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه المذكر والمؤنث، وتقبل توبته إذا تاب. ومن قال لا تقبل فقد غلط فإن سحرة فرعون قبلت توبتهم. وقيل: أنزل أي قذف في قلوبهما مع النهي عن العمل. قيل: إنهما ملكان اختارتهما الملائكة لتركب فيهما الشهوة حين عيرت بني آدم فكانا يحكمان في الأرض ويصعدان بالليل، فهويا زهرة فحملتهما على شرب الخمر فزنيا فرآهما إنسان فقتلاه فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فهما يعذبان منكوسين في جب ببابل وسميت ببابل لتبلبل الألسن بها. {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ } وما يعلم الملكان أحداً {حَتَّىٰ يَقُولاَ } حتى ينبهاه وينصحاه ويقولا له {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } ابتلاء واختبار من الله. {فَلاَ تَكْفُرْ } بتعلمه والعمل به على وجه يكون كفراً {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا } الفاء عطف على قوله «يعلمون الناس السحر» أي يعلمونهم فيتعلمون من السحر والكفر اللذين دل عليهما قوله «كفروا» - و - «يعلمون الناس السحر» أو على مضمر والتقدير: فيأتون فيتعلمون. والضمير لما دل عليه «من أحد» أي فيتعلم الناس من الملكين ما {يفرِّقون به بين المرء وزوجه} أي علم السحر الذي يكون سبباً في التفريق بين الزوجين بأن يحدث الله عنده النشوز والخلاف ابتلاء منه. وللسحر حقيقة عند أهل السنة كثرهم الله وعنده المعتزلة هو تخييل وتمويه. {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ } بالسحر {مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بعلمه ومشيئته {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } في الآخرة وفيه دليل على أنه واجب الاجتناب كتعلم الفلسفة التي تجر إلى الغواية. {وَلَقَدْ عَلِمُواْ } أي اليهود {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ } أي استبدل ما تتلو الشياطين من كتاب الله {مَالَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ } من نصيب {وَلَبِئْسَ ما شَرواْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } باعوها وإنما نفى العلم عنهم بقوله {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } مع إثباته لهم بقوله «ولقد علموا» على سبيل التوكيد القسمي لأن معناه لو كانوا يعلمون بعلمهم جعلهم حين لم يعلموا به كأنهم لا يعلمون. {وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ } برسول الله والقرآن {وَٱتَّقَوْاْ } الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين {لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أن ثواب الله خير مما هم فيه وقد علموا، لكنه جهلهم لما تركوا العمل بالعلم والمعنى: لأثيب من عند الله ما هو خير، وأوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب «لو» لما فيها من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها. ولم يقل لمثوبة الله خير لأن المعنى لشيء من الثواب خير لهم. وقيل: «لو» بمعنى التمني كأنه قيل: وليتهم آمنوا ثم ابتدأ «لمثوبة من عند الله خير». {يَعْلَمُونَ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا } كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم: راعنا يا رسول الله أي راقبنا وانتظرنا حتى نفهمه ونحفظه، وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهي «راعينا»، فلما سمعوا بقول المؤمنين «راعنا» افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون به تلك المسبة فنهى المؤمنون عنها وأمروا بما هو في معناها وهو «انظرنا» من نظره إذا انتطره. {وَٱسْمَعُواْ } وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقي عليكم من المسائل بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا. {وَلِلْكَـٰفِرِينَ } ولليهود الذين سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم {عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم. {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم } وبالتخفيف: مكي وأبو عمرو. {مّنْ خَيْرٍ مّن رَّبِّكُمْ } «من» الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون، والثانية مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة لابتداء الغاية. والخير الوحي وكذلك الرحمة. {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } يعني أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي والله يختص بالنبوبة من يشاء {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } فيه إشعار بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم ولما طعنوا في النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً نزل:
الخازن
تفسير : {من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل} لما بين في الآية الأولى أن من كان عدواً لجبريل لأجل أنه نزل بالقرآن على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، وجب أن يكون عدواً لله. لأن الله تعالى هو الذي نزله على محمد بين في هذه الاية أن كل من كان عدواً لأحد هؤلاء، فإنه عدو لجميعهم وبين أن الله عدوه بقوله: {فإن الله عدو للكافرين} فأما عداوتهم لله فإنها لا تضره ولا تؤثر وعداوته لهم تؤديهم إلى العذاب الدائم، الذي لا ضرر أعظم منه، وقيل: المراد من عداوتهم لله وعداوتهم لأوليائه وأهل طاعته فهو كقوله {أية : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} تفسير : [المائدة: 33] أي يحاربون أولياء الله وأهل طاعته. وقوله وملائكته ورسله، يعني أن من عادى واحداً منهم فقد عادى جميعهم ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بجميعهم وجبريل وميكائيل إنما خصهما بالذكر وإن كانا داخلين في جملة الملائكة لبيان شرفهما وفضلهما وعلو منزلتهما وقدم جبريل على ميكائيل لفضله عليه لأن جبريل ينزل بالوحي الذي هو غذاء الأرواح وميكائيل ينزل بالمطر الذي هو سبب غذاء الأبدان، وجبريل وميكائيل اسمان أعجميان. ومعناهما: عبدالله وعبدالله لأن جبر وميك بالسريانية هو العبد وإيل هو الله {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} قال ابن عباس: هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك بها فأنزل الله هذه الآيات، ومعنى بينات واضحات مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام {وما يكفر بها} أي وما يجحد بهذه الآيات {إلاّ الفاسقون} أي الخارجون عن طاعتنا وما أمروا به {أو كلما عاهدوا عهداً} قال ابن عباس: لما ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخذ عليهم من العهود في محمد صلى الله عليه وسلم وأن يؤمنوا به قال مالك بن الصيف: والله ما عهد إلينا في محمد عهد فأنزل الله هذه الآية أو كلما استفهام إنكار عاهدوا عهداً هو قولهم: إنه قد أظلّ زمان نبي مبعوث وإنه في كتابنا وقيل إنهم عاهدوا الله عهوداً كثيرة ثم نقضوها {نبذه} أي طرح العهد ونقضه {فريق منهم} يعني اليهود {بل أكثرهم لا يؤمنون} يعني كفر فريق منهم بنقض العهد وكفر فريق منهم بالجحد للحق.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ...} الآيةَ: وعيدٌ وذمٌّ لمعادِي جبريلَ، وإعلام أن عداوة البعض تقتضي عداوةَ اللَّهِ لهم، وعطف جبريل وميكائل على الملائكة، وقد كان ذكْر الملائكة عمَّهما؛ تشريفاً لهما؛ وقيل: خُصَّا لأن اليهود ذكروهما، ونزلَتِ الآية بسببهما؛ فذكرا لئلا تقول اليهود: إِنا لم نُعَادِ اللَّه، وجميعَ ملائكتِهِ، وعداوةُ العبدِ للَّه هي مَعْصِيَتُهُ، وترْكُ طاعته، ومعاداةُ أوليائه، وعداوةُ اللَّه للعبْدِ تعذيبُهُ وإظهار أثر العداوة عليه. وقوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُواْ عَهْدًا...} الآيةَ: قال سيبوَيْه: «الواو للعطف، دخلت عليها ألف الاستفهام»، والنبذ: الطَّرْح، ومنه المنبوذ، والعَهْد الذي نبَذُوه: هو ما أُخِذَ عليهم في التوراة من أمر النبيِّ صلى الله عليه وسلم {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} هو محمَّد صلى الله عليه وسلم و {مُصَدِّقٌ}: نعْتٌ لرسولٍ، وكتابُ اللَّه: القُرْآن، وقيل: التوراة؛ لأن مخالفتها نبذٌ لَهَا، و {وَرَاء ظُهُورِهِمْ}؛ مَثَلٌ؛ لأن ما يجعل ظهريًّا، فقد زال النظَر إِلَيْه جملةً، والعرب تقول: جَعَلَ هذا الأمْرَ وراءَ ظهره، ودَبْرَ أُذُنِهِ. وَ {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}: تشبيهٌ بمن لا يَعْلَم فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على عِلْمٍ. وقوله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ...} الآية: يعني اليهود، و {تَتْلُواْ }: قال عطاءٌ: معناه: تقرأ، وقال ابن عبَّاس: {تَتْلُواْ}: تتبع، و {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ }، أي: على عهد مُلْكِ سليمانَ، وقال الطبريُّ: {ٱتَّبَعُواْ }: بمعنى: فَضَّلُوا، و {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ }، أي: على شرعه ونبوءته، والَّذي تلته الشياطينُ، قيل: إِنهم كانوا يلقون إِلى الكهنة الكَلِمَةَ من الحَقِّ معها المائةُ من الباطل؛ حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سُلَيْمَانُ، ودفَنَه تحْت كرسيِّه، فلما مات، أخرجته الشياطينُ، وقالت: إن ذلك كان علْمَ سُلَيْمَان. وروي أنَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لما ذَكَر سليمانَ - عليه السلام - في الأنبياء، قال بعضُ اليهود: ٱنْظُروا إِلَىٰ محمَّد يذكر سليمانَ في الأنبياء، وما كان إِلا ساحراً. وقوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ} تبرئةٌ من اللَّه تعالَىٰ لسليمان - عليه السلام. والسِّحْرُ والعمل به كفْرٌ، ويقتلُ السَّاحر عند مالك؛ كُفْراً، ولا يستتابُ؛ كالزنديقِ، وقال الشافعيُّ: يسأل عن سِحْره، فإِن كان كُفراً، استتيب منه، فإِن تاب، وإِلا قتل، وقال مالكٌ فيمَنْ يعقدُ الرجَالَ عن النساءِ: يعاقَبُ، ولا يُقْتَلُ، والناس المعلَّمون: أتباعُ الشياطين من بني إِسرائيل، {وَمَا أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ}: «مَا» عطْفٌ على السِّحْر، فهي مفعولةٌ، وهذا على القول بأن اللَّه تعالى أنزل السِّحْرَ على الملكَيْن؛ ليكفر به من اتبعه، ويؤمن به من تركه، أو على قول مجاهد وغيره؛ أنَّ اللَّه تعالى أنزل على الملكَيْن الشيْءَ الذي يفرق به بين المرء وزوجه، دون السِّحْر، أو على القول؛ أن اللَّه تعالى أنزل السحر عليهما؛ ليُعْلَم علَىٰ جهة التحذير منه، والنهْيِ عنه. قال: * ع *: والتعليمُ؛ على هذا القول، إِنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل: «إِنَّمَا» عطف علَىٰ «ما» في قوله: {مَا تَتْلُواْ }، وقيل: «ما» نافية، ردٌّ على قوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ }، وذلك أنَّ اليهود قالُوا: إن اللَّه تعالَىٰ أنزل جبريلَ وميكَائلَ بالسِّحْر، فنفى اللَّه ذلك. * ت *: قال عِيَاضٌ: والقِرَاءَةُ بكسر اللام من الملكَيْن شاذَّة، وبَابِل: قُطْر من الأرض، وهَارُوتُ ومَارُوتُ: بدل من الملكَيْن، وما يذكر في قصتهما مع الزُّهرةِ كُلُّه ضعيفٌ؛ وكذا قال: * ع *. * ت *: قال عياض: وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسِّرون في قصَّة هَارُوت ومَارُوت. وما رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما - في خَبَرِهما، وابتلائهما، فٱعلم - أكرمك اللَّه - أن هذه الأخبار لم يُرْو منها سقيمٌ ولا صحيحٌ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وليس هو شَيْئاً يؤخذ بقياسٍ، والذي منه في القرآن، ٱختلف المفسِّرون في معناه، وأنكَرَ ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود، وٱفترائهم؛ كما نصَّه اللَّه أول الآيات. انتهى. ٱنْظُرْهُ. وقوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ...} الآية: ذكر ابْنُ الأعرابيِّ في «اليَاقُوتَةِ»؛ أنَّ {يُعَلِّمَانِ } بمعنى «يُعْلِمَانِ، ويشعران»؛ كما قال كعب بن زهير: [الطويل] شعر : تَعَلَّمْ رَسُولَ اللَّهِ أنَّكَ مُدْرِكِي وَأَنَّ وَعِيداً مِنْكَ كَالأَخْذِ بِالْيَدِ تفسير : وحَمَلَ هذه الآية على أن الملكين إِنما نزلا يُعْلِمَانِ بالسَّحْر، وينهَيَان عنه، وقال الجمهورُ: بل التعليمُ على عرفه. * ص *: وقوله تعالى: {مِنْ أَحَدٍ}: «مِنْ» هنا زائدةٌ مع المفعول لتأكيد ٱستغراقِ الجنْس؛ لأن أحداً من ألفاظ العموم. انتهى. وَ {يَفْرِّقُونَ}: معناه فرقةَ العِصْمَة، وقيل: معناه يُؤْخِّذُونَ الرجُلَ عن المرأة؛ حتى لا يَقْدِرَ على وطْئها، فهي أيضاً فرقةٌ، و {بِإِذُنِ ٱللَّهِ}: معناه: بعلمه، وتمكينه، و {يَضُرُّهُمْ }: معناه: في الآخرة، والضميرُ في علموا عائدٌ على بني إِسرائيل، وقال: {ٱشْتَرَاهُ }؛ لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أنْ يعُلَّمُوا، والخَلاَقُ: النصيب والحظُّ وهو هنا بمعنى الجاه والقَدْرِ، واللامُ في قوله: «لَمَن» للقسمِ المؤذنة بأنَّ الكلام قَسَمٌ لا شرط. * م *: {وَلَبِئْسَ مَا }: أبو البقاء: جواب قسمٍ محذوفٍ، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ، أي: السحرأو الكفر، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على السحر، أو الكفر. انتهى. وَ {شَرَوْاْ }: معناه: باعوا، والضمير في «يَعْلَمُونَ» عائدٌ على بني إسرائيل ٱتفاقاً، {وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ }: يعني: الذين اشْتَرُوا السِّحْرَ، وجوابُ: «لَوْ»: {لَمَثُوبَةٌ }، والمثوبةُ؛ عند الجمهور: بمعنى الثواب. وقوله سبحانه: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } يحتمل نفْيَ العلْمِ عنهم، ويحتمل: لو كانوا يعلمون عِلْماً ينفع. وقرأ جمهورُ النَّاس: {رٰعِنَا }؛ من المراعاة؛ بمعنى: فَاعِلْنَا، أي: ٱرْعَنَا نَرْعَكَ، وفي هذا جَفَاءٌ أنْ يُخَاطِب به أحدٌ نبيِّهُ، وقد حضَّ اللَّه تعالى على خَفْض الصوت عنده، وتعزيرِهِ وتوقيرِهِ، وقالتْ طائفةٌ: هي لغةٌ للعرب، فكانت اليهودُ تصرفها إلى الرُّعُونَة؛ يظهرون أنهم يريدون المراعاة، ويُبْطِنُون أنهم يريدونَ الرُّعُونَة التي هي الجَهْلُ، فنهى اللَّه المؤمنين عن هذا القول؛ سَدًّا للذريعةِ؛ لئلاَّ يتطرق منه اليهود إِلى المحظور، و {ٱنظُرْنَا }: معناه: ٱنتظِرْنا، وأمهل علَيْنا، ويحتمل أن يكون المعنى: تفقَّدنا من النَّظَر، والظاهرُ عنْدي استدعاءُ نظر العَيْن المقترِنِ بتدبُّر الحال، ولما نهى اللَّه تعالى في هذه الآية، وأمر، حض بَعْدُ على السمع الذي في ضمنه الطاعةِ، وأَعلَمَ أنَّ لمن خالف أمره، فكفر عذاباً أليماً، وهو المؤلم، {وَٱسْمَعُواْ }: معطوفٌ على {قُولُواْ }، لا على معمولها.
ابو السعود
تفسير : {مَن كَانَ عَدُوّا ٱللَّهِ} أريد بعداوته تعالى مخالفةُ أمرِه عِناداً والخروجُ عن طاعته مكابرةً، أو عداوةُ خواصِّه ومقرَّبـيه. لكنْ صُدّر الكلامُ بذكره الجليل تفخيماً لشأنهم وإيذاناً بأن عداوتَهم عداوتُه عز وعلا كما في قوله عز وجل: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [سورة التوبة، الآية 62] ثم صرح بالمرام فقيل: {وَمَلـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ} وإنما أفردا بالذكر مع أنهما أولُ من يشمَلُه عنوانُ المَلَكية والرسالة لإظهار فضلِهما كأنهما عليهما السلام من جنسٍ آخَرَ أشرفَ مما ذكر تنزيلاً للتغايُر في الوصف منزلةَ التغايرِ في الجنس، وللتنبـيه على أن عداوةَ أحدِهما عداوةٌ للآخر حسماً لمادة اعتقادِهم الباطلَ في حقهما حيث زعَموا أنهما متعاديان، وللإشارة إلى أن معاداةَ الواحدِ والكلِّ سواءٌ في الكفر واستتباعِ العداوةِ من جهة الله سبحانه، وأن من عادىٰ أحدَهم فكأنما عادى الجميعَ، وقولُه تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ} أي لهــم جوابُ الشرط والمعنى من عاداهم عاداه الله وعاقبه أشدَّ العقاب وإيثــارُ الاسميةِ للــدلالة على التحقق والثباتِ، ووضعُ الكافرين موضعَ المضمرِ للإيذان بأن عداوةَ المذكــورين كفر، وأن ذلك بـيِّنٌ لا يحتاج إلى الإخبار به، وأن مدارَ عداوتِه تعالى لهم وسخطِه المستوجبِ لأشدِّ العقوبة والعذابِ هو كفرُهم المذكور. وقرىء ميكائِلَ كميكاعِلَ وميكائيلَ كميكاعيلَ وميكئِلَ كميكعِلَ وميكَئيلَ كميكَعيل {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ} واضحاتِ الدلالة على معانيها، وعلى كونها من عند الله تعالى، {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقُونَ} أي المتمردون في الكفر الخارجون عن حدوده فإن مَنْ ليس على تلك الصفة من الكفَرة لا يجترىء على الكفر بمثل هاتيك البـينات. قال الحسنُ: إذا استُعمل الفسقُ في نوعٍ من المعاصي وقع على أعظمِ أفرادِ ذلك النوع من كفرٍ أو غيره. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال ابنُ صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشيء نعرِفُه وما أُنزل عليك من آية فنتّبعَك لها فنزلت. واللام للعهد أي الفاسقون المعهودون وهم أهــلُ الكتــاب المحرِّفون لكتابهم الخارجون عن دينهم أو للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً.
اسماعيل حقي
تفسير : {من كان عدوا لله} اى مخالفا لامره عنادا وخارجا عن طاعته مكابرة {وملائكته ورسله وجبريل وميكال} افردهما بالذكر لاظهار فضلهما كأنهما من جنس آخر اشرف مما ذكر تنزيلا للتغاير فى الوصف منزلة التغاير فى الجنس. قال عكرمة جبروميك واسراف هى العبد بالسريانية وايل وآئيل هو الله ومعناها عبدالله او عبد الرحمن {فإن الله} جواب الشرط ولم يقل فانه لاحتمال ان يعود الى جبريل وميكائيل {عدو للكافرين} اى لهم جاء بالظاهر ليدل على ان الله انما عاداهم لكفرهم والمعنى من عاداهم عاداه الله وعاقبه اشد العقاب فقال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشىء نعرفه وما انزل عليك من آية فنتبعك لها فانزل الله.
الطوسي
تفسير : وقد بينا اختلاف القراء في جبريل وميكائيل ـ وان كانا من جملة الملائكة ـ فانما افراد بالذكر، لاجل امرين: أحدهما ـ ذكرا لفضلهما ومنزلتهما. كما قال: {أية : فيهما فاكهة ونخل ورمان} تفسير : ولما تقدم من فضلهما، وان الآية نزلت فيهما، وفيما جرى من ذكرهما. والثاني ـ ان اليهود لما قالت: جبريل عدونا، وميكال ولينا، خصا بالذكر، لئلا يزعم اليهود ان جبريل وميكال مخصوصان من جملة الملئكة، وغير داخلين في جملتهم، فنص الله تعالى عليهما، لابطال ما يتأوّلونه من التخصيص. ثم قال: {فإن الله عدو للكافرين} ولم يقل فانه، فكرر اسم الله لئلا يظن ان الكناية راجعة إلى جبرائيل، او ميكائيل. ولم يقل (لهم) لانه يجوز ان ينتقلوا عن العداوة بالايمان. وفي هذه الآية دلالة على خطأ من قال من المجبرة: ان الامر ليس بمحدث احتجاجاً بقوله: {أية : ألا له الخلق والأمر } تفسير : قالوا: فلما افرد الامر بالذكر بعد ذكره الخلق؟ على ان الامر ليس بمخلوق. ولو كان الامر على ما قالوه، لوجب ان لا يكون جبريل وميكائيل من الملائكة. ونظير ذلك أيضاً قوله: {أية : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح}.
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدّثني أحمد بن عيسى بن هارون العجلي معنعناً: عن أبي كهمس قال: قال علي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام: ينجو فيّ ثلاثة ويهلك فيّ ثلاثة، يهلك اللاعن والمستمع والمقرّ والملك المترف الذي يبرء عنده من ديني ويغضب عنده من حسبي ويتقرب إليه بلعني، إنّما حسبي حسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وديني دين رسول الله [ص. أ، ب]، وينجو فيّ ثلاثة: المحبّ الموالي والمعادي من عاداني والمحبّ من أحبني، فإذا أحبني عبدٌ أحبّ محبّي وشايع فيّ، فليمتحن الرجل منكم قلبه فإن الله لم يجعل لرجلٍ من قلبين في جوفه فيحب بهذا ويبغض بهذا، أنّه من أشرب قلبه حبّ غيرنا قاتلنا أو ألّب علينا فليعلم أنّ الله عدوه وجبريل وميكائيل والله عدوٌّ للكافرين.
اطفيش
تفسير : {مَنْ كَانَ عَدُوّاً للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وجِبريلَ وَمِيكَائيل فَإنَّ الله عَدوٌّ للْكَافِرِينَ}: معناه المخلوق لله ـ عز وجل ـ مخالفة أمره ونهيه، كما أن المتعاديين كل يناقض الآخر فيما أراد مما تنافسا فيه، ويحتمل أن يراد من كان عدوّاً لأولياء الله فحذف المضاف، ويحتمل أن يراد من كان عدوّاً لملائكته، فذكر الله قبل تفخيما لا من عداوة الملائكة كقوله تعالى: {أية : فأَن لله خمسه وللرسول} تفسير : أى فإن للرسول على وجه، وقول: {أية : بعد الله وآياته} تفسير : أى من بعد لم يات الله وقوله: {أية : والله ورسوله أحق أن يرضوه} تفسير : على وجه، وإما يحاربون الله ورسوله فأحسن مثل لو أريد بالمحاربة حقيقة القتال، لكن المتبادر أنها المخالفة، ويحتمل أن يراد من كان عدوا لملائكته فذكر الله ليدل على أن معاداة الملائكة معاداة له تعالى، وصرح بذلك فى الجواب كقولك لمن قال: لا أحب عبدك لا تأتينى إذ كرهتنى وكرهت عبدى تشير أنه كراهة عبدك كراهة لك، وذكر جبريل وميكائيل مع دخولها فى لفظ الملائكة تشريفا لهما ولمزيتهما، بوصف منزل لمغايرتهما به للملائكة منزلة تغاير الذات، حتى كأنهما من غيرهم فعطفا عليهم، ولأن اليهود ذكروهما ونزلت الآية بسببهما، فذكر لئلا تقول اليهود إنا لم نعاد الله وجميع الملائكة، وللتنبيه على أن معاداة الله أو أحد من ملائكته معاداة لله وملائكته جميعا، إذ موجب الولاية أو العداوة واحد، هو تنزيل الوحى والقرآن، وتنزيلهما كان بأمر الله ورضاً من جميع الملائكة وحبهم، وقد ذكر الله لأنه أعظم، ومنه الوحى والتنزيل اللذان هما سبب عداوة اليهود، ثم الملائكة تمهيداً لتشريف جبريل وميكائيل بذكرهما، بعد عموم لفظ الملائكة لهما، ولأن تنزيل الكتاب والوحى بتنزيل جنس الملائكة، وقدم جبريل لأنه أشرف من ميكائيل لأنه ينزل بالوحى وكتب الله، وذلك غذاء للأرواح، ودعاء لمعرفة الخالق وعبادته المخلدة فى النعيم الدائم المنجية من العذاب المقيم، وميكائيل ينزل بالأمطار وهى غذاء للأبدان، وغذاؤهما إنما قصد الغذاء الأرواح لا بالذات، وفصل بين الملائكة وجبريل وميكائيل بالرسل إيذاناً بأن الرسل كبعض الملائكة، وكأنهم ملائكة لأن الصدق جامع لهم أو للإشارة إلى أنهم أفضل من جبريل وميكائيل، وكانوا أفضل منهما فأفضل من سائر الملائكة بالأولى، وتقديم الملائكة لا ينافى هذا لأنه للتمهيد المذكور، وكون التنزيل بحبهم كما مر ولتعم الرسل بينهم حتى كأنهم بعض الملائكة السابق تعظيمها إلى النفس. وزعم صاحب الكشاف أن الملائكة أفضل من الأنبياء وعداوة الله تعذيبه للعاصى، وذلك من التغيير بالسبب الملزوم فى الجملة، فإن العداوة بين المخلوقين سبب لتعذيب الغالب منهما للمغلوب، وملزومة للتعذيب فالتعذيب أثرها والكافرون هم اليهود، ومقتضى الظاهر أن يقال: فإن الله عدو لهم ولكن عبر عنهم بالظاهر موضع المضمر، لينبه على عداوته لهم لعلة كفرهم، فإن لفظ الكافر مشتق، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن لعليته، وعلى أن عداوة الملائكة والرسل كفر. وقرأ أبو عمرو ويعقوب وعاصم فى ميكال بإسقاط الهمزة واتصال اللام بالألف، وقرئ ميكائيل بهمزة وياء، وميكائيل وميكئيل بالهمزة وإسقاط الألف قبلها، وميكئيل كذلك لكن بياء بعد همزة.
اطفيش
تفسير : {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ} بأن قال إنى عدو له أو بمخالفته {وَمَلَـٰئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكـَٰلَ} خصهما بالذكر، لأن الكلام فى عدواتهم جبريل، ومصادقتهم لميكائيل، فصرح لهم بأن ميكائيل قد عادوه أيضاً لمخالفتهم جبريل وما نزل به من الوحى، ولأن جبريل يجىء بالوحى الذى هو حياة القلوب، وميكائيل يجىء بالأرزاق التى هى حياة الأبدان، ولأنهم قالوا بين جبريل وميكائيل عداوة، ورواية أن عمر رضى الله عنه نطق بهذه الآية قبل نزولها ضعيفة، وجبريل أفضل الملائكة، لأنه رسول الله إلى الأنبياء بالكتب والدين، ولأنه ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته، ويحبهم، ولقوله صلى الله عليه وسلم: جبريل أفضل الملائكة {فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكـَٰفِرِينَ} أى لليهود لكفرهم، ولهذا لم يقل عدو لهم، وهكذا أمثاله فى سائر القرآن، ولو لم أنبه عليه، من وضع الظاهر موضع المضمر، لأن تعليق الحكم الشتق يؤذن بكونه علة للحكم. والآية دلت أن من عادى ملكا كجبريل فقد عادى الآخرين أيضاً، كميكائيل، وقد جمع الملائكة جميعاً والرسل ليفيد أن من عادى واحداً من جميع الملائكة فقد عادى الآخر، ومن عادى واحداً من الأنبياء كمحمد صلى الله عليه وسلم فقد عادى الأنبياء كلهم عليهم السلام. وأما ما روى، أن عبدالله بن سلام قال: أسألك عن ثلاثة لا يعلمن إلا نبى: أول أشراط الساعة، وأول طعام يأكله أهل الجنة، وما ينزع الولد لأبيه أو أمه؟ فقال: أتاني بهن جبريل آنفا، فقال: هو عدو اليهود، فقد نزلت قبله ولكن قرأها عليه.
الالوسي
تفسير : ـ العدو ـ للشخص ضد الصديق يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع، وقد يؤنث ويثنى ويجمع، وهو الذي يريد إنزال المضارّ به، وهذا المعنى لا يصح إلا فينا دونه تعالى فعداوة الله هنا مجاز إما عن مخالفته تعالى وعدم القيام بطاعته لما أن ذلك لازم للعداوة، وإما عن عداوة أوليائه، وأما عداوتهم لجبريل والرسل عليهم السلام فصحيحة لأن الإضرار جار عليهم، غاية ما في الباب أن عداوتهم لا تؤثر لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم، وصدر الكلام على الاحتمال الأخير بذكره لتفخيم شأن أولئك الأولياء حيث جعل عداوتهم عداوته تعالى، وأفرد الملكان بالذكر تشريفاً/ لهما وتفضيلاً كأنهما من جنس آخر تنزيلاً للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات كقوله:شعر : فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن (المسك) بعض دم الغزال تفسير : وقيل: لأن اليهود ذكروهما ونزلت الآية بسببهما، وقيل: للتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر واستجلاب العداوة من الله تعالى، وإن من عادى أحدهم فكأنما عادى الجميع لأن الموجب لمحبتهم وعداوتهم على الحقيقة واحد وإن اختلف بحسب التوهم والاعتقاد، ولهذا أحب اليهود ميكائيل وأبغضوا جبريل. واستدل بعضهم بتقديم جبريل على ميكائيل على أنه أفضل منه وهو المشهور، واستدلوا عليه أيضاً بأنه ينزل بالوحي والعلم وهو مادة الأرواح، وميكائيل بالخصب والأمطار وهي مادة الأبدان، وغذاء الأرواح أفضل من غذاء الأشباح، واعترض بأن التقديم في الذكر لا يدل على التفضيل إذ يحتمل أن يكون ذلك للترقي أو لنكتة أخرى كما قدمت الملائكة على الرسل وليسوا أفضل منهم عندنا، وكذا نزوله بالوحي ليس قطعياً بالأفضلية إذ قد يوجد في المفضول ما ليس في الفاضل فلا بد في التفضيل من نص جلي واضح، وأنا أقول بالأفضلية وليس عندي أقوى دليلاً عليها من مزيد صحبته لحبيب الحق بالاتفاق وسيد الخلق على الإطلاق صلى الله عليه وسلم وكثرة نصرته وحبه له ولأمته، ولا أرى شيئاً يقابل ذلك وقد أثنى الله تعالى عليه عليه السلام بما لم يثن به على ميكائيل بل ولا على إسرافيل وعزرائيل وسائر الملائكة أجمعين، وأخرج الطبراني ـ لكن بسند ضعيف ـ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبرائيل» تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن موسى بن عائشة قال: «حديث : بلغني أن جبريل إمام أهل السماء»تفسير : و(من) شرطية والجواب، قيل: محذوف وتقديره فهو كافر مجزى بأشد العذاب، وقيل: فإن الله الخ على نمط ما علمت، وأتى باسم الله ظاهراً ولم يقل فإنه عدو دفعاً لانفهام غير المقصود أو التعظيم، والتفخيم والعرب إذا فخمت شيئاً كررته بالاسم الذي تقدم له، ومنه {أية : لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ } تفسير : [الحج: 60] وقوله:شعر : لا أرى الموت يسبق الموت شيء تفسير : وأل في الكافرين للعهد وإيثار الاسمية للدلالة على التحقيق والثبات، ووضع المظهر موضع المضمر للإيذان بأن عداوة المذكورين كفر وأن ذلك بين لا يحتاج إلى الإخبار به وأن مدار عداوته تعالى لهم وسخطه المستوجب لأشد العقوبة والعذاب هو كفرهم المذكور، وقيل: يحتمل أنه تعالى عدل عن الضمير لعلمه أن بعضهم يؤمن فلا ينبغي أن يطلق عليه عداوة الله تعالى للمآل ـ وهو احتمال أبعد من العيوق ـ ويحتمل أن تكون ـ أل للجنس كما تقدم، ومن الناس من روى أن عمر رضي الله تعالى عنه نطق بهذه الآية مجاوباً لبعض اليهود في قوله: ذاك عدونا يعني جبريل فنزلت على لسان عمر وهو خبر ضعيف كما نص عليه ابن عطية. والكلام في منع صرف ميكائيل كالكلام في جبريل، واشتهر أن معناه عبيد الله وقيل: عبد الله، وفيه لغات، الأولى: ميكال كمفعال، وبها قرأ أبو عمرو وحفص وهي لغة الحجاز، الثانية: كذلك إلا أن بعد الألف همزة، وقرأ بها نافع وابن شنبوذ لقنبل، الثالثة: كذلك إلا أنه بياء بعد الهمزة، وبها قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وأبو بكر وغير ابن شنبوذ لقنبل والبزي، الرابعة: ميكئيل كميكعيل، وبها قرأ ابن محيصن. الخامسة: كذلك إلا أنه لا ياء بعد الهمزة وقرىء بها، السادسة: ميكائيل بياءين بعد الألف أولهما مكسورة، وبها قرأ الأعمش. ولساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم في هذين الملكين ـ بل وفي أخويهما إسرافيل وعزرائيل عليهما السلام أيضاً ـ كلام مبسوط، والمشهور أن جبرائيل هو العقل الفعال، وميكائيل هو روح الفلك السادس وعقله المفيض للنفس النباتية الكلية الموكلة بأرزاق الخلائق، وإسرافيل هو روح الفلك الرابع وعقله المفيض للنفس الحيوانية الكلية الموكلة بالحيوانات، وعزرائيل هو روح الفلك السابع الموكل بالأرواح الإنسانية كلها بعضها بالوسائط التي هي/ أعوانه وبعضها بنفسه والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
الواحدي
تفسير : {مَنْ كان عدوَّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنَّ الله عدو للكافرين} أَيْ: مَنْ كان عدوّاً لأحد هؤلاء، فإن اللَّهَ عدوٌّ له؛ لأن عدوَّ الواحدِ عدوُّ الجميع، وعدوُّ محمَّدٍ عدوُّ الله، والواو هاهنا بمعنى "أو" كقوله: {أية : ومَن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله} تفسير : الآية. لأنَّ الكافر بالواحد كافرٌ بالكلِّ، وقوله {فإنَّ الله عدوٌ للكافرين} أَيْ: إنَّه تولَّى تلك العداوة بنفسه، وكفى ملائكته ورسله أمر مَنْ عاداهم. {ولقد أنزلنا إليك آيات بيّنات} دلالاتٍ واضحاتٍ، وهذا جوابٌ لابن صوريا حين قال: يا محمد، ما أُنزل عليك من آيةٍ بيِّنةٍ فَنَتَّبعكَ بها {وما يكفر بها إلاَّ الفاسقون} الخارجون عن أديانهم، واليهود خرجت بالكفر بمحمَّد صلى الله عليه وسلم عن شريعة موسى عليه السَّلام، ولمَّا ذكر محمدٌ صلى الله عليه وسلم لهم ما أخذ الله تعالى عليهم من العهد فيه قال مالك بن الصَّيف: والله ما عُهد إلينا في محمدٍ عهدٌ ولا ميثاق، فأنزل الله تعالى. {أَوَكُلَّما عاهدوا عهداً} الآية، وقوله: {نبذة فريق منهم} يعني: الذين نقضوه من علمائهم {بل أكثرهم لا يؤمنون} لأنهم من بين ناقضٍ للعهد، وجاحدٍ لنبوَّته معاندٍ له، وقوله: {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب} يعني: علماء اليهود {كتاب الله} يعني التَّوراة {وراء ظهورهم} أَيْ: تركوا العمل به حين كفروا بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم والقرآن {كأنهم لا يعلمون} أنَّه حقٌّ، وأنَّ ما أتى به صدقٌ، وهذا إخبارٌ عن عنادهم، ثمَّ أخبر أنَّهم رفضوا كتابة واتَّبعوا السِّحر فقال: {واتبعوا} يعني: علماء اليهود.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَمَلاۤئِكَتِهِ} {وَمِيكَالَ} {لِّلْكَافِرِينَ} (98) - أعْلَمَ اللهُ تَعَالَى اليَهُودَ بِأنَّ مَنْ عَادَى اللهَ بِالكُفْرِ بِهِ وَمُخَالَفةِ أوَامِرِهِ، أوْ عَادَى أحَداً مِنْ مَلاَئِكَتِهِ، أوْ أحَداً مِنْ رُسُلِهِ أوْ جِبْرِيلَ أوْ مِيكَائِيلَ، فَإنَّهُ يَكُونُ عَدُوّاً للهِ، لأنَّهُ يَكُونُ كَافِراً، وَاللهُ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ، وَمَنْ عَادَاهُ اللهُ خَسِرَ الدُّنيا وَالآخِرَةَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهكذا أعطى الله سبحانه وتعالى الحُكْم .. فقال إن العداوة للرسل .. مثل العداوة للملائكة .. مثل العداوة لجبريل وميكائيل .. مثل العداوة لله. ولقد جاء الحق سبحانه وتعالى بالملائكة ككل .. ثم ذكر جبريل وميكائيل بالاسم. إن المسألة ليست مجزأة ولكنها قضية واحدة .. فمن كان عدواً للملائكة وجبريل وميكائيل ورسل الله .. فهو أولاً وأخيراً عدو لله .. لأنه لا انقسام بينهم فكلهم دائرون حول الحق .. والحق الواحد لا عدوان فيه .. وإنما العدوان ينشأ من تصادم الأهواء والشهوات. وهذا يحدث في أمور الدنيا. والآية الكريمة أثبتت وحدة الحق بين الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل .. ومن يعادي واحداً من هؤلاء يعاديهم جميعاً وهو عدو لله سبحانه .. واليهود أعداء الله لأنهم كفروا به .. وأعداء الرسل لأنهم كذبوهم وقتلوا بعضهم. وهكذا فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى وحدة الحق في الدين .. مصدره هو الله جل جلاله .. ورسوله من الملائكة هو جبريل .. ورسله من البشر هم الرسل والأنبياء الذين بعثهم الله .. وميكائيل ينزل بالخير والخصب لأن الإيمان أصل وجود الحياة .. فمن كان عدواً للملائكة والرسل وجبريل وميكائيل فهو كافر .. لأن الآية لم تقل إن العداوة لهؤلاء هي مجرد عداوة .. وإنما حَكَمَ الله عليهم بأنهم كافرون .. الله سبحانه وتعالى لم يخبر محمداً صلى الله عليه وسلم بهذا الحكم فقط، وإنما أمره بأن يعلنه حتى يعرفه الناس جميعاً ويعرفوا أن اليهود كافرون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):