Verse. 106 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَلَقَدْ اَنْزَلْنَاۗ اِلَيْكَ اٰيٰتٍؚبَيِّنٰتٍ۝۰ۚ وَمَا يَكْفُرُ بِہَاۗ اِلَّا الْفٰسِقُوْنَ۝۹۹
Walaqad anzalna ilayka ayatin bayyinatin wama yakfuru biha illa alfasiqoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد أنزلنا إليك» يا محمد «آيات بينات» أي واضحات حال، رد لقول ابن صوريا للنبي ما جئتنا بشيء «وما يكفر بها إلا الفاسقون» كفروا بها.

99

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم قال ابن عباس: إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعث من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه: فقال لهم معاذ بن جبل يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته، فقال بعضهم ما جاءنا بشيء من البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله تعالى هذه الآية وههنا مسائل: المسألة الأولى: الأظهر أن المراد من الآيات البينات القرآن الذي لا يأتي بمثله الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وقال بعضهم: لا يمتنع أن يكون المراد من الآيات البينات القرآن مع سائر الدلائل نحو امتناعهم من المباهلة ومن تمني الموت وسائر المعجزات نحو إشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ونبوع الماء من بين أصابعه وانشقاق القمر. قال القاضي: الأولى تخصيص ذلك بالقرآن؛ لأن الآيات إذا قرنت إلى التنزيل كانت أخصَّ بالقرآن؛ والله أعلم. المسألة الثانية: الوجه في تسمية القرآن بالآيات وجوه، أحدها: أن الآية هي الدالة وإذا كانت أبعاضُ القرآن دالةً بفصاحتها على صدق المدعي كانت آيات، وثانيها: أن منها ما يدل على الإخبار عن الغيوب فهي دالة على تلك الغيوب، وثالثها: أنها دالة على دلائل التوحيد والنبوة والشرائع فهي آيات من هذه الجهة، فإن قيل: الدليل لا يكون إلا بيناً فما معنى وصف الآيات بكونها بينة، وليس لأحد أن يقول المراد كون بعضها أبين من بعض لأن هذا إنما يصح لو أمكن في العلوم أن يكون بعضها أقوى من بعض وذلك محال، وذلك لأن العالم بالشيء إما أن يحصل معه تجويز نقيض ما اعتقده أو لا يحصل، فإن حصل معه ذلك التجويز لم يكن ذلك الاعتقاد علماً وإن لم يحصل استحال أن يكون شيء آخر آكد منه. قلنا: التفاوت لا يقع في نفس العلم بل في طريقه؛ فإن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصول إليه أصعب، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب، وهذا هو الآية البينة. المسألة الثالثة: الإنزال عبارة عن تحريك الشيء من الأعلى إلى الأسفل وذاك لا يتحقق إلا في الجسمي فهو على هذا الكلام محال لكن جبريل لما نزل من الأعلى إلى الأسفل وأخبر به سمي ذلك إنزالاً. أما قوله: {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: الكفر بها من وجهين. أحدهما: جحودها مع العلم بصحتها. والثاني: جحودها مع الجهل وترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها وليس في الظاهر تخصيص فيدخل الكل فيه. المسألة الثانية: الفسق في اللغة خروج الإنسان عما حد له قال الله تعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } تفسير : [الكهف: 50] وتقول العرب للنواة: إذا خرجت من الرطبة عند سقوطها فسقت النواة، وقد يقرب من معناه الفجور لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع الذي يفسد [إذا صار إليه] فشبه تعدي الإنسان ما حد له إلى الفساد بالذي فجر السد حتى صار إلى حيث يفسد. فإن قيل: أليس أن صاحب الصغيرة تجاوز أمر الله ولا يوصف بالفسق والفجور؟ قلنا: إنه إنما يسمى بهما كل أمر يعظم من الباب الذي ذكرنا لأن من فتح من النهر نقباً يسيراً لا يوصف بأنه فجر ذلك النهر وكذلك الفسق إنما يقال: إذا عظم التعدي. إذا ثبت هذا فنقول في قوله: {إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقُونَ } وجهان، أحدهما: أن كل كافر فاسق ولا ينعكس فكأن ذكر الفاسق يأتي على الكافر وغيره فكان أولى. الثاني: أن يكون المراد ما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره والمعنى أن هذه الآيات لما كانت بينة ظاهرة لم يكفر بها إلا الكافر الذي يبلغ في الكفر إلى النهاية القصوى وتجاوز عن كل حد مستحسن في العقل والشرع.

القرطبي

تفسير : قال ٱبن عباس رضي الله عنهما: هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية بيّنة فنتبعك بها؟ فأنزل الله هذه الآية؛ ذكره الطبري.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقُونَ} أي المتمردون من الكفرة، والفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي دل على عظمه كأنه متجاوز عن حده. نزل في ابن صوريا حين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل عليك من آية فنتبعك.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ} الآية، أي: أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات، دالات على نبوتك، وتلك الآيات هي ماحواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرّفه أوائلهم وأواخرهم وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة، فأطلع الله الناس عليها في كتابه الذي أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف من نفسه، ولم يدعها إلى هلاكها الحسد والبغي، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات التي وصف من غير تعلم تعلمه من بشر، ولاأخذ شيئاً منه عن آدمي، كما قال الضحاك عن ابن عباس {وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ} يقول: فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية، وبين ذلك، وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتاباً، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه، يقول الله تعالى: لهم في ذلك عبرة وبيان، وعليهم حجة لوكانوا يعلمون. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال ابن صوريا القطويني لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك، فأنزل الله في ذلك من قوله: { وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقُونَ} وقال مالك بن الصيف حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد صلى الله عليه وسلم والله ما عهد إلينا في محمد، وما أخذ علينا ميثاقاً، فأنزل الله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم} وقال الحسن البصري: في قوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} قال: نعم، ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم، وينقضون غداً. وقال السدي: لا يؤمنون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وقال قتادة: نبذه فريق منهم، أي: نقضه فريق منهم. وقال ابن جرير: أصل النبذ: الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط منبوذاً، ومنه سمي النبيذ، وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء، قال أبو الأسود الدؤلي:شعر : نَظَرْتُ إلى عُنْوانِه فَنَبَذْتُهُ كَنَبْذِكَ نَعْلاً أَخْلَقَتْ مِنْ نِعالِكا تفسير : قلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم؛ في التمسك بها، والقيام بحقها، ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم، وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره، وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ونصرته، كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ}تفسير : [الأعراف: 157] الآية، وقال ههنا: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} الآية، أي: طرح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم، أي: تركوها كأنهم لا يعلمون ما فيها، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه، ولهذا أرادوا كيداً برسول الله صلى الله عليه وسلم وسحروه في مشط ومشاقة وجف طلعة ذكر تحت راعوفة ببئر أروان، وكان الذي تولى ذلك منهم رجل يقال له: لبيد بن الأعصم، لعنه الله وقبحه، فأطلع الله على ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم وشفاه منه وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطاً في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، كما سيأتي بيانه. قال السدي: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} قال: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة، فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن، فذلك قوله: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وقال قتادة في قوله: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} قال: إن القوم كانوا يعلمون، ولكنهم نبذوا علمهم، وكتموه وجحدوا به. وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ} الآية، وكان حين ذهب ملك سليمان، ارتد فئات من الجن والإنس، واتبعوا الشهوات، فلما أرجع الله إلى سليمان ملكه، وقام الناس على الدين كما كان، وأن سليمان ظهر على كتبهم، فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان عليه السلام حدثان ذلك، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان فأخفاه عنا، فأخذوا به، فجعلوه ديناً، فأنزل الله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} الآية، واتبعوا الشهوات التي كانت تتلو الشياطين، وهي المعازف واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان، أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها. قال: فأكفره جهال الناس وسبوه، ووقف علماء الناس، فلم يزل جهال الناس يسبونه حتى أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب سلم بن جنادة السوائي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يأتي شيئاً من نسائه، أعطى الجرادة، وهي امرأة، خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان عليه السلام بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال: هاتي خاتمي، فأخذه ولبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس. قال: فجاءها سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فقالت: كذبت، لست سليمان، قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال: فانطلقت الشياطين، فكتبت في تلك الأيام كتباً فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها وقرؤوها على الناس وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، قال فبرىء الناس من سليمان، وكفروه حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم فأنزل عليه: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} ثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران، وهو ابن الحارث، قال: بينما نحن عند ابن عباس رضي الله عنهما، إذ جاء رجل فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق، قال: من أية؟ قال: من الكوفة، قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن علياً خارج إليهم، ففزع، ثم قال: ما تقول لا أبا لك؟ لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني سأحدثكم عن ذلك، إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء، فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا جرت منه وصدق، كذب معها سبعين كذبة، قال: فتشربها قلوب الناس، قال: فأطلع الله عليها سليمان عليه السلام، فدفنها تحت كرسيه، فلما توفي سليمان عليه السلام، قام شيطان الطريق، فقال: هل أدلكم على كنزه الممنع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي. فأخرجوه، فقال: هذا سحر، فتناسخها الأمم حتى بقاياها ما يتحدث به أهل العراق، فأنزل الله عز وجل: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} الآية، وروى الحاكم في مستدركه عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام عن إسحق بن إبراهيم عن جرير به. وقال السدي في قوله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ} أي على عهد سليمان، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض من موت أو غيب أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس، فيجدونه كما قالوا، فلما أمنتهم الكهنة، كذبوا لهم، وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا ذلك في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحداً يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه، فلما مات سليمان، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خلف، تمثل الشيطان في صورة إنسان، ثم أتى نفراً من بني إسرائيل فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً؟ قالوا: نعم، قال: فاحفروا تحت الكرسي، فذهب معهم، وأراهم المكان، وقام ناحيته، فقالوا له: فادن، فقال: لا، ولكنني ههنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني، فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر، ثم طار وذهب وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ}، وقال الربيع بن أنس: إن اليهود سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم زماناً عن أمور من التوراة لا يسألونه عن شيء من ذلك إلاأنزل الله سبحانه وتعالى ما سألوه عنه، فيخصمهم به، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا. وإنهم سألوه عن السحر، وخاصموه به، فأنزل الله عز وجل: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ} وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب، فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت كرسي مجلس سليمان، وكان عليه السلام لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر، وخدعوا الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه، ويحسد الناس عليه، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث، فرجعوا من عنده وقد أدحض الله حجتهم. وقال مجاهد في قوله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ} قال: كانت الشياطين تستمع الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها، فأرسل سليمان عليه السلام إلى ما كتبوا من ذلك، فلما توفي سليمان، وجدته الشياطين، وعلمته الناس، وهو السحر. وقال سعيد بن جبير: كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر، فيأخذه منهم، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدنت إلى الإنس، فقالوا لهم: أتدرون ما العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم، قالوا: فإنه في بيت خزانته، وتحت كرسيه، فاستثار به الإنس، واستخرجوه، وعملوا بها، فقال أهل الحجاز: كان سليمان يعلم بهذا، وهذا سحر، فأنزل الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم براءة سليمان عليه السلام، فقال تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} وقال محمد بن إسحاق بن يسار: عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود عليه السلام، فكتبوا أصناف السحر، من كان يحب أن يبلغ كذا فليفعل كذا وكذا، حتى إذا صنفوا أصناف السحر، جعلوه في كتاب، ثم ختموه بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم. ثم دفنوه تحت كرسيه، واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان ملك سليمان إلا بهذا، فأفشوا السحر في الناس، فتعلموه وعلموه، فليس هو في أحد أكثر منه في اليهود، لعنهم الله، فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نزل عليه من الله سليمان بن داود، وعده فيمن عد من المرسلين، قال من كان بالمدينة من اليهود: ألا تعجبون من محمد يزعم أن ابن داود كان نبياً؟ والله ما كان إلا ساحراً. وأنزل الله في ذلك من قولهم: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} الآية، وقال ابن جرير: حدثنا القاسم: حدثنا حسين بن الحجاج عن أبي بكر عن شهر بن حوشب، قال: لما سلب سليمان ملكه، كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان، فكتبت: من أراد أن يأتي كذا وكذا، فليستقبل الشمس، وليقل: كذا وكذا، ومن أراد أن يفعل كذا وكذا، فليستدبر الشمس، وليقل: كذا وكذا، فكتبته، وجعلت عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود عليهما السلام من ذخائر كنوز العلم. ثم دفنته تحت كرسيه، فلما مات سليمان عليه السلام، قام إبليس لعنه الله خطيباً فقال: يا أيها الناس إن سليمان لم يكن نبياً، إنما كان ساحراً، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته، ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه، فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحراً، هذا سحره، بهذا تعبدنا، وبهذا قهرنا، فقال المؤمنون: بل كان نبياً مؤمناً، فلما بعث الله النبي محمداً صلى الله عليه وسلم وذكر داود وسليمان، فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء، إنما كان ساحراً يركب الريح، فأنزل الله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ} الآية، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عمران بن حدير عن أبي مجلز قال: أخذ سليمان عليه السلام من كل دابة عهداً، فإذا أصيب رجل فسأل بذلك العهد، خلي عنه، فزاد الناس السجع والسحر، فقالوا: هذا يعمل به سليمان بن داود عليهما السلام، فقال الله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ}، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن رواد حدثنا آدم حدثنا المسعودي عن زياد مولى ابن مصعب عن الحسن: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ} قال: ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة، وقال: حدثنا الحسن بن أحمد حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور عن الحسن: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ} وتبعته اليهود على ملكه، وكان السحر قبل ذلك في الأرض، ولم يزل بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان. فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفهم، والله الهادي. وقوله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ} أي: واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم، ومخالفتهم لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ما تتلوه الشياطين، أي: ما ترويه وتخبر به وتحدثه الشياطين على ملك سليمان، وعداه بعلى لأنه تضمن تتلو تكذب، وقال ابن جرير «على» ههنا بمعنى في، أي: تتلو في ملك سليمان، ونقله عن ابن جريج وابن إسحاق (قلت): والتضمن أحسن وأولى، والله أعلم. وقول الحسن البصري رحمه الله: وكان السحر قبل زمان سليمان بن داود صحيح لا شك فيه، لأن السحرة كانوا في زمان موسى عليه السلام وسليمان بن داود بعده، كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِىۤ إِسْرءِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰۤ}تفسير : [البقرة: 246] الآية، ثم ذكر القصة بعدها، وفيها: {أية : وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [البقرة: 251] وقال قوم صالح، وهم قبل إبراهيم الخليل عليه السلام لنبيهم صالح: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ} تفسير : [الشعراء: 153] أي: المسحورين، على المشهور، وقوله تعالى: {وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} اختلف الناس في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى أن «ما» نافية، أعني: التي في قوله: {وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} قال القرطبي: ما نافية ومعطوف على قوله {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ} ثم قال: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل وميكائيل، فأكذبهم الله، وجعل قوله: {هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ} بدلاً من الشياطين، قال: وصح ذلك؛ إما لأن الجمع يطلق على الاثنين كما في قوله تعالى: {أية : فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ}تفسير : [النساء: 11] أو لكونهما لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم؛ لتمردهما، تقدير الكلام عنده: يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية، وأصح، ولا يتلفت إلى ما سواه، وروى ابن جرير بإسناده من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ} الآية، يقول: لم ينزل الله السحر. وبإسناده عن الربيع بن أنس في قوله {وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} قال: ما أنزل الله عليهما السحر. قال ابن جرير فتأويل الآية على هذا {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ} من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون قوله: ببابل هاروت وماروت من المؤخر الذي معناه المقدم، قال: فإن قال لنا قائل: كيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ} من السحر، وما كفر سليمان، وما أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنياً بالملكين جبريل وميكائيل عليهما السلام؛ لأن سحرة اليهود فيما ذكرت كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان عليه السلام مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان: اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس، ورداً عليهم. هذا لفظه بحروفه. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثت عن عبيد الله بن موسى، أخبرنا فضيل بن مرزوق عن عطية: {وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} قال: ما أنزل الله على جبريل وميكائيل السحر، قال ابن أبي حاتم: وأخبرنا الفضل بن شاذان، أخبرنا محمد بن عيسى، أخبرنا يعلى، يعني ابن أسد، أخبرنا بكر، يعني ابن مصعب، أخبرنا الحسن بن أبي جعفر: أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها: {وما أنزل على الملكين داود وسليمان} وقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر، يقول: علما بالإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشد النهي، رواه ابن أبي حاتم، ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول، وأن ما بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر اختباراً لعباده وامتحاناً بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك، لأنهما امتثلا ما أمرا به، وهذا الذي سلكه غريب جداً، وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن، كما زعمه ابن حزم، وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقرؤها {وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} ويقول: هما علجان من أهل بابل، ووجه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق، لا بمعنى الايحاء؛ كما في قوله تعالى {وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} كما قال تعالى: {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَاجٍ}تفسير : [الزمر: 6] {أية : وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} تفسير : [الحديد: 25]، {أية : وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزقَاً}تفسير : [غافر: 13] وفي الحديث: «حديث : ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء»تفسير : وكما يقال: «أنزل الله الخير والشر» وحكى القرطبي عن ابن عباس وابن أبزى والحسن البصري أنهم قرؤوا: {وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} بكسر اللام، قال ابن أبزى: وهما داود وسليمان، قال القرطبي: فعلى هذا تكون ما نافية أيضاً، وذهب آخرون إلى الوقف على قوله: {يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ} وما نافية، قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد وسأله رجل عن قول الله {يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ} فقال: الرجلان يعلمان الناس ما أنزل عليهما، ويعلمان الناس ما لم ينزل عليهما، فقال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت. ثم روى عن يونس عن أنس بن عياض عن بعض أصحابه أن القاسم قال في هذه القصة: لا أبالي أي ذلك كان، إني آمنت به، وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده رحمه الله كما سنورده إن شاء الله، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصاً لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، وفي قوله: إنه كان من الملائكة؛ لقوله تعالى {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ} تفسير : [طه: 116] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أن شأن هاروت وماروت على ما ذكر أخف مما وقع من إبليس لعنه الله تعالى. وقد حكاه القرطبي عن علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وكعب الأحبار والسدي والكلبي. ذكر الحديث الوارد في ذلك إن صح سنده ورفعه وبيان الكلام عليه قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في مسنده: أخبرنا يحيى بن بكير، حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه سمع نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن آدم عليه السلام لما أهبطه الله إلى الأرض، قالت الملائكة: أي رب {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض، فننظر كيف يعملان؟ قالوا: ربنا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله شيئاً أبداً، فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا: لا والله لا نقتله أبداً، فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا، فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا، قالت المرأة: والله ما تركتما شيئاً أبيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا»تفسير : . وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن الحسن بن سفيان عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن بكير به، وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا، هو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء، وروى عن ابن عباس وأبي أمامة ابن سهل بن حنيف ونافع وعبد الله بن كعب بن مالك، وروى عنه ابنه عبد السلام، وبكر بن مضر، وزهير بن محمد، وسعيد بن سلمة، وعبد الله بن لهيعة، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب، وروى له أبو داود، وابن ماجه، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يحك فيه شيئاً من هذا، ولا هذا فهو مستور الحال، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروي له متابع من وجه آخر عن نافع، كما قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد حدثنا هشام بن علي بن هشام حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا سعيد بن سلمة حدثنا موسى بن سرجس عن نافع عن ابن عمر: سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول، فذكره بطوله.وقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله: حدثنا القاسم، أخبرنا الحسين، وهو سنيد بن داود صاحب التفسير، أخبرنا الفرج بن فضالة عن معاوية بن صالح عن نافع، قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل، قال: يا نافع انظر طلعت الحمراء؟ قلت: لا، مرتين أو ثلاثاً، ثم قلت: قد طلعت، قال: لا مرحباً بها، ولا أهلاً، قلت: سبحان الله نجم مسخر سامع مطيع، قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الملائكة قالت: يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم، قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك، قال: فاختاروا ملكين منكم، قال: فلم يألوا جهداً أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت»تفسير : وهذان أيضاً غريبان جداً. وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلاً، وليس بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئاً، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر، قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه. رواه ابن جرير من طريقين عن عبد الرزاق به، ورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن عصام عن مؤمل عن سفيان الثوري به، ورواه ابن جرير أيضاً: حدثني المثنى أخبرنا المعلى وهو ابن أسد أخبرنا عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار، فذكره، فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في أبيه من مولاه نافع، فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم. (ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين) قال ابن جرير: حدثني المثنى حدثنا الحجاج أخبرنا حماد عن خالد الحذاء عن عمير ابن سعيد، قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: كانت الزهرة امرأة جملية من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به أحد يعرج به إلى السماء، فعلماها، فتكلمت به، فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكباً. وهذا الإسناد رجاله ثقات، وهو غريب جداً. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا الفضل بن شاذان أخبرنا محمد بن عيسى أخبرنا إبراهيم بن موسى أخبرنا معاوية عن أبي خالد عن عمير بن سعيد عن علي رضي الله عنه قال: هما ملكان من ملائكة السماء، يعني: {وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بسنده عن مغيث عن مولاه جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي مرفوعاً، وهذا لا يثبت من هذا الوجه. ثم رواه من طريقين آخرين عن جابر عن أبي الطفيل عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لعن الله الزهرة؛ فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت»تفسير : وهذ أيضاً لا يصح، وهو منكر جداً، والله أعلم. وقال ابن جرير: حدثني المثنى بن إبراهيم أخبرنا الحجاج بن منهال حدثنا حماد عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قالا جميعاً: لما كثر بنو آدم وعصوا، دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال: ربنا لا تمهلهم، فأوحى الله إلى الملائكة: إني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم، وأنزلت الشهوة والشيطان في قلوبهم، ولو نزلتم لفعلتم أيضاً. قال: فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم، فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس يسمونها بيذخت، قال: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا: ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً، فلما وقعا بالخطيئة، استغفروا لمن في الأرض، ألا إن الله هو الغفور الرحيم، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي أخبرنا عبيد الله، يعني ابن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال ابن عمرو ويونس بن خباب عن مجاهد، قال: كنت نازلاً على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة، قال لغلامه: انظر، هل طلعت الحمراء؟ لا مرحباً بها ولا أهلاً، ولا حياها الله، هي صاحبة الملكين، قالت الملائكة: يا رب كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك، ويفسدون في الأرض؟ قال: إني ابتليتهم، فلعل إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به، فعلتم كالذي يفعلون، قالوا: لا، قال: فاختاروا من خياركم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إني مهبطكما إلى الأرض، وعاهد إليكما أن لا تشركا ولا تزنيا ولا تخونا، فأهبطا إلى الأرض، وألقى عليهما الشهوة، وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة امرأة، فتعرضت لهما، فراوداها عن نفسها، فقالت: إني على دين لا يصح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله، قالا: وما دينك؟ قالت المجوسية، قالا: الشرك، هذا شيء لا نقر به، فمكثت عنهما ما شاء الله تعالى، ثم تعرضت لهما، فراوداها عن نفسها، فقالت: ما شئتما، غير أن لي زوجاً، وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني، وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء، فعلت، فأقرا لها بدينها، وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا بها إلى السماء، اختطفت منهما، وقطعت أجنحتهما، فوقعا خائفين نادمين يبكيان، وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب، فقالا: لو أتينا فلاناً فسألناه فطلب لنا التوبة، فأتياه فقال: رحمكما الله، كيف يطلب التوبة أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا: إنا قد ابتلينا، قال: ائتياني يوم الجمعة، فأتياه، فقال: ما أجبت فيكما بشيء، ائتياني في الجمعة الثانية، فأتياه، فقال: اختارا، فقد خيرتما إن اخترتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله، فقال أحدهما: إن أمد الدنيا لم يمض منه إلا القليل. وقال الآخر: ويحك إني قد أطعتك في الأمر الأول، فأطعني الآن، إن عذاباً يفنى ليس كعذاب يبقى. فقال: إننا يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا، قال: لا. إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة أن لا يجمعهما علينا، قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار، عاليهما سافلهما - وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر - وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث معاوية بن صالح عن نافع عنه رفعه، وهذا أثبت وأصح إسناداً، ثم هو - والله أعلم - من رواية ابن عمر عن كعب كما تقدم بيانه من رواية سالم عن أبيه. وقوله: إن الزهرة نزلت في صورة امرأة حسناء، وكذا في المروي عن علي، فيه غرابة جداً. وأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا عصام بن رواد، أخبرنا آدم، أخبرنا أبو جعفر، حدثنا الربيع بن أنس عن قيس بن عباد عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما وقع الناس من بعد آدم عليه السلام فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: يا رب هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وركبوا الكفر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والزنا والسرقة، وشرب الخمر، فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم، فقيل: إنهم في غيب، فلم يعذروهم، فقيل لهم: اختاروا من أفضلكم ملكين آمرهما، وأنهاهما، فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئاً، ونهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر، فلبثا في الأرض زماناً يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمن إدريس عليه السلام، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وإنهما أتيا عليها، فخضعا لها في القول، وأراداها على نفسها، فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها، فسألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنماً، فقالت: هذا أعبده، فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا، فذهبا، فغبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها، فأراداها على نفسها، ففعلت مثل ذلك، فذهبا، ثم أتيا عليها، فأراداها على نفسها، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم، قالت لهما: اختارا أحد الخلال الثلاث: إما أن تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذه النفس، وإما أن تشربا هذه الخمر، فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر، فشربا الخمر، فأخذت فيهما، فواقعا المرأة، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما، فقتلاه، فلما ذهب عنهما السكر، وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة، أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه، فعجبوا كل العجب، وعرفوا أنه من كان في غيب، فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فنزل في ذلك: {أية : وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الأَرضِ}تفسير : [الشورى: 5] فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا ببابل، فهما يعذبان، وقد رواه الحاكم في مستدركه مطولاً عن أبي زكريا العنبري عن محمد بن عبد السلام عن إسحاق بن راهوية عن حكام بن سلم الرازي، وكان ثقة، عن أبي جعفر الرازي به، ثم قال: صحيح الإسناد لم يخرجاه، فهذا أقرب ما روي في شأن الزهرة، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا مسلم أخبرنا القاسم بن الفضل الحذائي أخبرنا يزيد، يعني الفارسي، عن ابن عباس: أن أهل سماء الدينا أشرفوا على أهل الأرض، فرأوهم يعملون بالمعاصي، فقالوا: يا رب أهل الأرض كانوا يعملون بالمعاصي، فقال الله: أنتم معي، وهم في غيب عني، فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة، فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض على أن يحكموا بين أهل الأرض، وجعل فيهما شهوة الآدميين، فأمروا أن لا يشربوا خمراً، ولا يقتلوا نفساً، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن، فاستقال منهم واحد فأقيل، فأهبط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها: مناهية، فهوياها جميعاً، ثم أتيا منزلها، فاجتمعا عندها، فأراداها، فقالت لهما: لا، حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني، فقالا: لا نسجد، ثم شربا من الخمر، ثم قتلا، ثم سجدا، فأشرف أهل السماء عليهما، وقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما، فأخبراها فطارت، فمسخت جمرة، وهي هذه الزهرة، وأما هما، فأرسل إليهما سليمان بن داود، فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما مناطان بين السماء والأرض، وهذا السياق فيه زيادة كثيرة وإغراب ونكارة، والله أعلم بالصواب. وقال عبد الرزاق: قال معمر: قال قتادة والزهري، عن عبيد الله بن عبد الله: {وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ} كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس، وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فحافا لها، ثم ذهبا يصعدان، فحيل بينهما وبين ذلك، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. قال معمر: قال قتادة: فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما أن لا يعلما أحداً حتى يقولا: إنما نحن فتنة، فلا تكفر. وقال أسباط عن السدي أنه قال: كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم، فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشراً من الشهوات، فبها يعصونني، قال هاروت وماروت: ربنا لو أعطيتنا تلك الشهوات، ثم نزلنا، لحكمنا بالعدل. فقال لهما: انزلا، فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس، فنزلا ببابل دنباوند، فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عرجا، فإذا أصبحا هبطا، فلم يزالا كذلك، حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما حسنها، واسمها بالعربية الزهرة، وبالنبطية بيدخت، وبالفارسية أناهيد، فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني، قال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك، فقال الآخر: هل لك أن أذكرها لنفسها. قال: نعم، ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا لنرجو رحمة الله. فلما جاءت تخاصم زوجها، ذكرا إليها نفسها، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي، فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خربة من الخرب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان منها، فأخبراها، فتكلمت، فصعدت، فأنساها الله تعالى ما تنزل به، فثبتت مكانها، وجعلها الله كوكباً، فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها، وقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت، فلما كان الليل، أرادا أن يصعدا، فلم يطيقا، فعرفا الهلكة، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فعلقا ببابل، وجعلا يكلمان الناس كلامها، وهو السحر. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: أما شأن هاروت وماروت، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم تعالى: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض، فاختاروا فلم يألوا هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: أعجبتما من بني آدم من ظلمهم ومعصيتهم، وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء وراء، وإنكما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا وكذا، فأمرهما بأمور ونهاهما، ثم نزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما، فحكما فعدلا، فكانا يحكمان في النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان، فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم، فقضيا عليها، فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل الذي وجدت؟ قال: نعم، فبعثا إليها أن ائتيانا نقض لك، فلما رجعت قالا: وقضيا لها، فأتتهما، فكشفا لها عن عورتيهما، وإنما كانت سوآتهما في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذاتها، فلما بلغا ذلك، واستحلا، افتتنا، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت، فلما أمسيا، عرجا، فزجرا، فلم يؤذن لهما، ولم تحملهما أجنحتهما، فاستغاثا برجل من بني آدم، فأتياه فقالا: ادع لنا ربك، فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء، فوعدهما يوماً، وغدا يدعو لهما، فدعا لهما، فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال: ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟ فأمرا أن ينزلا ببابل فتم عذابهما، وزعم أنهما معلقان في الحديد، مطويان يصفقان بأجنحتهما، وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال. وقد ورد في ذلك أثر غريب وسياق عجيب في ذلك، أحببنا أن ننبه عليه، قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى: أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا ابن وهب أخبرنا ابن أبي الزناد حدثني هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: قدمت علي امرأة من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته حداثة ذلك، تسأله عن أشياء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به، وقالت عائشة رضي الله عنها لعروة: يابن أختي فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفيها، فكانت تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت، كان لي زوج، فغاب عني، فدخلت عليّ عجوز، فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك، فلما كان الليل، جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما، وركبت الآخر، فلم يكن شيء حتى وقفنا ببابل، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ قلت: نتعلم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة، فلا تكفري، فارجعي، فأبيت، وقلت: لا، قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت، ففزعت ولم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا: أفعلت؟ فقلت: نعم، فقالا: هل رأيت شيئاً؟ فقلت: لم أر شيئاً، فقالا: لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فأرببت وأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت فاقشعررت وخفت، ثم رجعت إليهما وقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ قلت: لم أر شيئاً، فقالا: كذبت لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك، ولا تكفري، فإنك على رأس أمرك، فأرببت وأبيت، فقالا: اذهبي إلى التنور فبولي فيه، فذهبت إليه، فبلت فيه، فرأيت فارساً مقنعاً بحديد خرج مني فذهب في السماء، وغاب حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارساً مقنعاً خرج مني، فذهب في السماء، وغاب حتى ما أراه، فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئاً، وما قالا لي شيئاً، فقالت: بلى لم تريدي شيئاً إلا كان، خذي هذا القمح فابذري، فبذرت وقلت: أطلعي فأطلعت، وقلت: أحقلي فأحقلت، ثم قلت: أفركي فأفركت، ثم قلت: أيبسي فأيبست، ثم قلت: أطحني فأطحنت، ثم قلت: أخبزي فأخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئاً إلا كان، سقط في يدي، وندمت، والله يا أم المؤمنين ما فعلت شيئاً، ولا أفعله أبداً، ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن سليمان به مطولاً كما تقدم، وزاد بعد قولها: ولا أفعلها أبداً: فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حداثة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يومئذ متوافرون، فما دروا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده: لو كان أبواك حيين أو أحدهما. قال هشام: فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان. قال ابن أبي الزناد: وكان هشام يقول عنهم: كانوا من أهل الورع والخشية من الله، ثم يقول هشام: لو جاءتنا مثلها اليوم، لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم، فهذا إسناد جيد إلى عائشة رضي الله عنها. وقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن الساحر له تمكن في قلب الأعيان؛ لأن هذه المرأة بذرت واستغلت في الحال. وقال آخرون: بل ليس له قدرة إلا على التخييل؛ كما قال تعالى {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}تفسير : [الأعراف: 116] وقال تعالى:{أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}تفسير : [طه: 66] استدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق، لا بابل دنباوند كما قاله السدي وغيره، ثم الدليل على أنها بابل العراق ما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين أخبرنا أحمد بن صالح حدثني ابن وهب حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مر ببابل وهو يسير، فجاء المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها، أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي بأرض المقبرة، ونهاني أن أصلي ببابل؛ فإنها ملعونة. وقال أبو داود: أخبرنا سليمان بن داود أخبرنا ابن وهب حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أن علياً مرّ ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها، أمر المؤذن، فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي بأرض بابل؛ فإنها ملعونة. حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن حجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري عن علي، بمعنى حديث سليمان بن داود، قال: فلما خرج منها برز، وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود؛ لأنه رواه وسكت عنه. ففيه من الفقه كراهية الصلاة بأرض بابل كما تكره بديار ثمود الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى منازلهم إلا أن يكونوا باكين. قال أصحاب الهيئة: وبعد ما بين بابل وهي من إقليم العراق عن البحر الميحط الغربي، ويقال له أوقيانوس، سبعون درجة، ويسمون هذا طولاً، وأما عرضها، وهو بعد ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب، وهو المسامت لخط الاستواء، اثنان وثلاثون درجة، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عن قيس بن عباد عن ابن عباس قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر، نهياه أشد النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة، فلا تكفر، وذلك أنهما علما الخير والشر، والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر، قال: فإذا أبى عليهما، أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه، فإذا تعلمه خرج منه النور، فنظر إليه ساطعاً في السماء فيقول: يا حسرتاه يا ويله ماذا صنع؟ وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: نعم، أنزل الملكان بالسحر ليعلما الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحداً حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر، رواه ابن أبي حاتم، وقال قتادة: كان أخذ عليهما أن لا يعلما أحداً حتى يقولا: إنما نحن فتنة، أي: بلاء ابتلينا به، فلا تكفر. وقال السدي: إذا أتاهما إنسان يريد السحر، وعظاه، وقالا له: لا تكفر، إنما نحن فتنة، فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد فبل عليه، فإذا بال عليه خرج منه نور، فسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان، وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه، وكل شيء، وذلك غضب الله، فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر، فذلك قول الله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} الآية، وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج في هذه الآية: لا يجترىء على السحر إلا كافر، وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار، ومنه قول الشاعر:شعر : وقد فتن الناس في دينهم وخلى ابن عفان شراً طويلاً تفسير : وكذلك قوله تعالى إخباراً عن موسى عليه السلام حيث قال: {أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} تفسير : [الأعراف: 155] أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك {أية : تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ}تفسير : [الأعراف: 155] وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، واستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش، عن إبراهيم عن همام عن عبد الله قال: «حديث : من أتى كاهناً أو ساحراً، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم»تفسير : وهذا إسناد صحيح، وله شواهد أخر، وقوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت؛ من علم السحر، وما يتصرفون به فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين، مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف، وهذا من صنيع الشياطين. كما رواه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الشيطان ليضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، ويجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا، فيقول إبليس: لا، والله ما صنعت شيئاً ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه، ويقول: نعم أنت»تفسير : وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر؛ من سوء منظر، أو خلق، أو نحو ذلك، أو عقد، أو بغضة، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة. والمرء: عبارة عن الرجل، وتأنيثه امرأة، ويثنى كل منهما، ولا يجمعان، والله اعلم. وقوله تعالى: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله، وقال محمد بن إسحاق: إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد، وقال الحسن البصري: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} قال: نعم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضرَّ أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى. وفي رواية عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه، وقوله تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ} أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لمن فعل فعلهم ذلك أنه ما له في الآخرة من خلاق، قال ابن عباس ومجاهد والسدي: من نصيب، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ما له في الآخرة من جهة عند الله، وقال عبد الرزاق: وقال الحسن: ليس له دين، وقال سعد عن قتادة {مَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ} قال: ولقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة، وقوله تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وٱتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } يقول تعالى: {وَلَبِئْسَ} البديل ما استبدلوا به من السحر عوضاً عن الإيمان ومتابعة الرسول لو كان لهم علم بما وعظوا به {وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وٱتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ} أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله، واتقوا المحارم، لكان مثوبة الله على ذلك خيراً لهم مما استخاروا لأنفسهم، ورضوا به؛ كما قال تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّـٰبِرُونَ }تفسير : [القصص: 80]. وقد استدل بقوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ وٱتَّقَوْا} من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف، وقيل: بل لا يكفر، ولكن حده ضرب عنقه، لما رواه الشافعي وأحمد بن حنبل، قالا: أخبرنا سفيان، هو ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، أنه سمع بجالة ابن عبدة يقول: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال: فقتلنا ثلاث سواحر. وقد أخرجه البخاري في صحيحه أيضاً، وهكذا صح أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها، فقتلت. قال الإمام أحمد بن حنبل: صح عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قتل الساحر. وروى الترمذي من حديث إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حد الساحر ضربه بالسيف»تفسير : ثم قال: لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث، والصحيح عن الحسن عن جندب موقوفاً. قلت: قد رواه الطبراني من وجه آخر عن الحسن عن جندب مرفوعاً، والله أعلم. وقد روي من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل، ثم يصيح به، فيرد إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى، ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد، جاء مشتملاً على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه، فضرب عنق الساحر، وقال: إن كان صادقاً فليحي نفسه، وتلا قوله تعالى: {أية : أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الأنبياء: 3]، فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك، فسجنه، ثم أطلقه، والله أعلم. وقال الإمام أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي أخبرنا يحيى بن سعيد، حدثني أبو إسحاق عن حارثة قال: كان عند بعض الأمراء رجل يلعب، فجاء جندي مشتملاً على سيفه فقتله، قال: أراه كان ساحراً، وحمل الشافعي رحمه الله قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركاً، والله أعلم. (فصل) حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كفروا من اعتقد وجوده، قال: وأما أهل السنة، فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حماراً، والحمار إنساناً، إلا أنهم قالوا: إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم، فلا، خلافاً للفلاسفة والمنجمين والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر، وأنه بخلق الله تعالى، بقوله تعالى: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} ومن الأخبار بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر، وأن السحر عمل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة رضي الله عنها، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر. قال: وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثير، ثم قال بعد هذا: (المسألة الخامسة) في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور اتفق المحققون على ذلك؛ لأن العلم لذاته شريف، وأيضاً لعموم قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 9] ولأن السحر لو لم يكن يعلم، لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز معجزاً واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجباً، وما يكون واجباً، فكيف يكون حراماً وقبيحاً؟ هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه، أحدها قوله: العلم بالسحر ليس بقبيح عقلاً، فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا، وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعاً، ففي هذه الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر، وفي الصحيح: «حديث : من أتى عرافاً أو كاهناً فقد كفر بما أنزل على محمد»تفسير : ، وفي السنن: «حديث : من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر»تفسير : وقوله: ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك، كيف لا يكون محظوراً مع ما ذكرناه من الآية والحديث؟ واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص إلى هذه المسألة أئمة العلماء، أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله علم السحر في عموم قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 9] فيه نظر، لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين العلم الشرعي، ولما قلت: إن هذا منه، ثم ترقيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إِلا به، ضعيف، بل فاسد، لأن أعظم معجزات رسولنا عليه الصلاة والسلام هي القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ثم إِن العلم بأنه معجزة لا يتوقف على علم السحر أصلاً، ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم، كانوا يعلمون المعجز، ويفرقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر، ولا تعلموه، ولا علموه، والله أعلم. ثم ذكر أبو عبد الله الرازي، أن أنواع السحر ثمانية: (الأول) سحر الكذابين والكشدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم، وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث الله إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم مبطلاً لمقالتهم وراداً لمذهبهم، وقد استقصي في (كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم) المنسوب إليه، كما ذكره القاضي ابن خلكان وغيره، ويقال: إنه تاب منه، وقيل: بل صنفه على وجه إظهار الفضيلة، لا على سبيل الاعتقاد، وهذا هو المظنون به، إِلا أنه ذكر فيه طريقهم في مخاطبة كل من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلونه وما يلبسونه وما يتنسكون به. قال: (والنوع الثاني) سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدل على أن الوهم له تأثير بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إِذا كان ممدوداً على نهر أو نحوه، قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إِلى الأشياء الحمر، والمصروع إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذلك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام. قال: وقد اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق، وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين»تفسير : قال: فإذا عرفت هذا، فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جداً، فتستغني في هذه الأفاعيل عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة، فتحتاج إِلى الاستعانة بهذه الآلات، وتحقيقه أن النفس إِذا كانت متعلية عن البدن، شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات، صارت كأنها روح من الأوراح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، وإِذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات البدنية، فحينئذ لا يكون لها تأثير ألبتة إِلا في هذا البدن، ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن الناس والرياء (قلت): وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو على قسمين، تارة تكون حالاً صحيحة شرعية، يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويترك ما نهى الله تعالى عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم فهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحراً في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة، لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتصرف بها في ذلك، فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إِياهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال له من الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعاً، لعنه الله، وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وبسط هذا يطول جداً، وليس هذا موضعه. قال: (والنوع الثالث) من السحر، الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن، خلافاً للفلاسفة والمعتزلة، وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار، وهم الشياطين، وقال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية؛ لما بينها من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن والتجريد، وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير. قال: (النوع الرابع) من السحر التخيلات والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه على أن البصر قد يخطىء، ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى ذا الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إِذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديث ونحوه، عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه جداً، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إِلى ضد ما يريد أن يعلمه، ولم تتحرك النفوس والأوهام إِلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله. (قال): وكلما كانت الأحوال تفيد حسن البصر نوعاً من أنواع الخلل أشد، كان العمل أحسن، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جداً أو مظلم، فلا تقف القوة الناظرة على أحوالها والحالة هذه. (قلت): وقد قال بعض المفسرين: إِن سحر السحرة بين يدي فرعون إِنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} وقال تعالى: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر، والله أعلم. (النوع الخامس من السحر): الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب آلات مركبة على النسب الهندسية؛ كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار، ضرب بالبوق من غير أن يمسه أحد، ومنها الصور التي تصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان حتى يصورونها ضاحكة وباكية، إِلى أن قال: فهذه الوجوه من لطيف أمور التخاييل، قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل (قلت): يعني ما قاله المفسرون: إنهم عمدوا إلى تلك الحبال والعصي، فحشوها زئبقاً، فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها. قال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال بالآلات الخفيفة. قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من السحر؛ لأن لها أسباباً معلومة يقينية، من اطلع عليها قدر عليها. (قلت): ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم بما يرونهم إياه من الأنوار؛ كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببلد المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على العوام منهم. وأما الخواص فهم معترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغاً لهم. وفيهم شبهة على الجهلة الأغبياء من متعبدي الكرامية الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: «حديث : من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»تفسير : وقوله: «حديث : حدثوا عني ولا تكذبوا عليَّ، فإنه من يكذب عليّ يلج النار»تفسير : ثم ذكر ههنا حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين الصوت ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترق له، فتذهب فتلقي في وكره من ثمر الزيتون ليتبلغ به، فعمد هذا الراهب إِلى صنعة طائر على شكله، وتوصل إِلى أن جعله أجوف، فإذا دخلته الريح يسمع منه صوت كصوت الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإِذا كان زمان الزيتون، فتح باباً من ناحيته، فيدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فيسمع صوتها كل طائر في شكله أيضاً، فتأتي الطيور، فتحمل من الزيتون شيئاً كثيراً، فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه، ففتنهم بذلك، وأوهم أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. (قال الرازي: النوع السادس من السحر) الاستعانة بخواص الأدوية، يعني في هذا الأطعمة والدهانات. قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص؛ فإن تأثير المغناطيس مشاهد. (قلت): يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص مدعياً أنها أحوال له؛ من مخالطة النيران، ومسك الحيات، إلى غير ذلك من المحالات. قال: (النوع السابع من السحر) التعليق للقلب، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإِذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل، قليل التمييز، اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، فإذا ما حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء. (قلت): هذا النمط يقال له: التنبلة، وإِنما يروج على ضعفاء العقول من بني آدم. وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان المتنبل حاذقاً في علم الفراسة، عرف من ينقاد له من الناس من غيره. قال: (النوع الثامن من السحر) السعي بالنميمة، والتقريب من وجوه خفيفة لطيفة، وذلك شائع في الناس. (قلت): النميمة على قسمين، تارة تكون على وجه التحريش بين الناس وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس وائتلاف كلمة المسلمين كما جاء في الحديث: «حديث : ليس بالكذاب من ينم خيراً»تفسير : أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب؛ كما جاء في الحديث: «حديث : الحرب خدعة»تفسير : ، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريق كلمة الأحزاب وبني قريظة: جاء إلى هؤلاء فنمى إليهم عن هؤلاء كلاماً، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئاً آخر، ثم لأم بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت، وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء ذو البصيرة النافذة، والله المستعان. ثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر، وشرح أنواعه وأصنافه، (قلت): وإِنما أدخل كثيراً من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخفي سببه، ولهذا جاء في الحديث: «حديث : إن من البيان لسحراً»تفسير : وسمي السحور لكونه يقع خفياً آخر الليل، والسحر: الرئة، وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن وغضونه، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سحره، أي: انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة رضي الله عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري، وقال تعالى: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [الأعراف: 116] أي: أخفوا عنهم علمهم، والله أعلم. وقال أبو عبد الله القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة، يخلق الله عنده ما يشاء، خلافاً للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية، حيث قالوا: إنه تمويه وتخييل. قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة، والشعوذي: البريد؛ لخفة سيره، قال ابن فارس: وليست هذه الكلمة من كلام أهل البادية، قال القرطبي: ومنه ما يكون كلاماً يحفظ، ورقى من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية وأدخنة، وغير ذلك، قال: وقوله عليه السلام: «حديث : إن من البيان لسحراً»تفسير : يحتمل أن يكون مدحاً كما تقول طائفة، ويحتمل أن يكون ذماً للبلاغة. قال: وهذا أصح، قال: لأنها تصوب الباطل حتى توهم السامع أنه حق؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له»تفسير : الحديث. (فصل) وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة رحمه الله في كتابه (الإشراف على مذاهب الأشراف) باباً في السحر فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة، إلا أبا حنيفة، فإنه قال: لا حقيقة له عنده. واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكفر بذلك. ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إن تعلمه ليتقيه أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقداً جوازه أو أنه ينفعه كفر، وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر. وقال الشافعي رحمه الله: إذا تعلم السحر قلنا له: صف لنا سحرك، فإِن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لايوجب الكفر، فإِن اعتقد إباحته، فهو كافر، قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد: نعم، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا. فأما إن قتل بسحره إنساناً، فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: يقتل حين يتكرر منه ذلك، أو يقر بذلك في حق شخص معين، وإذا قتل، فإِنه يقتل حداً عندهم، إلا الشافعي، فإِنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصاً. قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في المشهور عنهم: لا تقبل، وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل، وأما ساحر أهل الكتاب، فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل الساحر المسلم، وقال مالك وأحمد والشافعي: لا يقتل، يعني: لقصة لبيد بن الأعصم. واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل، ولكن تحبس، وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل، والله أعلم. وقال أبو بكر الخلال: أخبرنا أبو بكر المروزي قال: قرأ على أبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - عمر بن هارون أخبرنا يونس عن الزهري: قال يقتل ساحر المسلمين، ولا يقتل ساحر المشركين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحرته امرأة من اليهود، فلم يقتلها. وقد نقل القرطبي عن مالك رحمه الله، أنه قال في الذمي: يقتل إن قتل سحره، وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر: إحداهما أنه يستتاب، فإِن أسلم، وإِلا قتل، والثانية أنه يقتل، وإن أسلم، وأما الساحر المسلم، فإِن تضمن سحره كفراً كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم؛ لقوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ}. لكن قال مالك: إذا ظهر عليه، لم تقبل توبته؛ لأنه كالزنديق، فإِن تاب قبل أن يظهر عليه، وجاءنا تائباً، قبلناه، فإن قتل سحره، قتل، قال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل، فهو مخطىء تجب عليه الدية. (مسألة) وهل يسأل الساحر حلاً لسحره؟ فأجاز سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري، وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة، وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة أنها قالت: يارسول الله هلا تنشرت، فقال: «حديث : أما الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شراً» تفسير : وحكى القرطبي عن وهب: أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر، فتدق بين حجرين، ثم تضرب بالماء، ويقرأ عليها آية الكرسي، ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه، فإِنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته. (قلت): أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في ذهاب ذلك، وهما المعوذتان، وفي الحديث: «حديث : لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما»تفسير : وكذلك قراءة آية الكرسي؛ فإنها مطردة للشياطين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } يا محمد {آيَاتٍ بَيّنَاتٍ } أي واضحات، حال. ردّ لقول ابن صوريا للنبي: ما جئتنا بشيء {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ ٱلْفَٰسِقُونَ }.

الشوكاني

تفسير : الضمير في قوله: {إِلَيْكَ } للنبيّ صلى الله عليه وسلم: أي: أنزلنا إليك علامات واضحات دالة على نبوتك. وقوله: {إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقُونَ } قد تقدّم تفسيره، والظاهر أن المراد جنس الفاسقين، ويحتمل أن يراد اليهود؛ لأن الكلام معهم، والواو في قوله: {أَوْ كُلَّمَا } للعطف دخلت عليها همزة الاستفهام كما تدخل على الفاء، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ }تفسير : [المائدة: 50] {أية : أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ }تفسير : [الزخرف: 40]{أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ }تفسير : [الكهف: 50] وكما تدخل على ثم، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ }تفسير : [يونس: 51] وهذا قول سيبويه. وقال الأخفش: الواو زائدة. وقال الكسائي: إنها "أو" حركت الواو تسهيلاً. قال ابن عطية: وهذا كله متكلف، والصحيح قول سيبويه، والمعطوف عليه محذوف، والتقدير: أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا. قوله: {نَبَذَ فَرِيقٌ } قال ابن جرير: أصل النبذ الطرح، والإلقاء، ومنه سمى اللقيط منبوذاً، ومنه سمي النبيذ، وهو التمر، والزبيب إذا طرحا في الماء، قال أبو الأسود:شعر : نظرتَ إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلاً أخلقت من نعالكا تفسير : وقال آخر:شعر : إن الَّذين أمَرْتَهم أن يَعْدِلُوا نبذوا كتابك واستحل المحرمَا تفسير : وقوله: {وَرَاء ظُهُورِهِمْ } أي: خلف ظهورهم، وهو: مثل يُضرب لمن يستخف بالشيء، فلا يعمل به، تقول العرب: اجعل هذا خلف ظهرك، ودبر أذنك، وتحت قدمك: أي اتركه، واعرض عنه، ومنه ما أنشده الفراء: شعر : تميم بنُ زيدٍ لا تكوننَّ حَاجَتِي بظَهرٍ فلا يَعْيَا عليّ جوابُها تفسير : وقوله: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ } أي: التوراة؛ لأنهم لما كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل عليه بعد أن أخذ الله عليهم في التوراة الإيمان به، وتصديقه، واتباعه، وبين لهم صفته، كان ذلك منهم نبذاً للتوراة، ونقضاً لها، ورفضاً لما فيها، ويجوز أن يراد بالكتاب هنا: القرآن، أي: لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم من التوراة نبذوا كتاب الله الذي جاء به هذا الرسول، وهذا أظهر من الوجه الأول. وقوله: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } تشبيه لهم بمن لا يعلم شيئاً، مع كونهم يعلمون علماً يقيناً من التوراة بما يجب عليهم من الإيمان بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لما لم يعملوا بالعلم بل عملوا عمل من لا يعلم من نبذ كتاب الله وراء ظهورهم، كانوا بمنزلة من لا يعلم. قوله: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُو ٱلشَّيَـٰطِينُ } معطوف على قوله: {نبذوا} أي: نبذوا كتاب الله، واتبعوا ما تتلوا الشياطين من السحر ونحوه. قال الطبري: اتبعوا بمعنى فعلوا. ومعنى: {تتلو} تتقوّله، وتقرؤه و{عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ } على عهد ملك سليمان، قاله الزجاج، وقيل المعنى في ملك سليمان: يعني في قصصه، وصفاته، وأخباره. قال الفراء: تصلح «على»، وفي «في» هذا الموضع، والأوّل أظهر، وقد كانوا يظنون أن هذا هو: علم سليمان، وأنه يستجيزه، ويقول به، فردّ الله ذلك عليهم، وقال: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ } ولم يتقدم أنّ أحداً نسب سليمان إلى الكفر، ولكن لما نسبته اليهود إلى السحر صاروا بمنزلة من نسبه إلى الكفر؛ لأن السحر يوجب ذلك، ولهذا أثبت الله سبحانه كفر الشياطين فقال: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ } أي: بتعليمهم. وقوله: {يُعَلّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسّحْرَ } في محل نصب على الحال، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر بعد خبر. وقرأ ابن عامر، والكوفيون سوى عاصم: «ولكن الشياطين» بتخفيف لكن، ورفع الشياطين، والباقون بالتشديد والنصب. والسحر هو: ما يفعله الساحر من الحيل والتخيلات التي تحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماء، وما يظنه راكب السفينة، أو الدابة من أن الجبال تسير، وهو مشتق من سحرت الصبيّ: إذا خدعته. وقيل: أصله الخفاء، فإن الساحر يفعله خفية. وقيل أصله الصرف؛ لأن السحر مصروف عن جهته. وقيل أصله الاستمالة؛ لأن من سحرك، فقد استمالك. وقال الجوهري: السحر الأخذة، وكل ما لطف مأخذه ودقَّ، فهو سحر. وقد سحره يسحره، سحراً. والساحر: العالم، وسحره أيضاً بمعنى خدعه. وقد اختلف: هل له حقيقة أم لا؟ فذهبت المعتزلة، وأبو حنيفة إلى أنه خدع لا أصل له، ولا حقيقة. وذهب من عداهم إلى أن له حقيقة مؤثرة. وقد صح أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، سحره لُبيد بن الأعصم اليهودي، حتى كان يخيل إليه أنه يأتي الشيء ولم يكن قد أتاه، ثم شفاه الله سبحانه، والكلام في ذلك يطول. وقوله: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ } أي: ويعلمون الناس ما أنزل على الملكين، فهو معطوف على السحر، وقيل: هو معطوف على قوله: «ما تتلو الشياطين» أي: واتبعوا ما أنزل على الملكين. وقيل إن «ما» في قوله: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ } نافية، والواو عاطفة على قوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ } وفي الكلام تقديم، وتأخير، والتقدير: وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت، وماروت، فهاروت، وماروت بدل من الشياطين في قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ } ذكر هذا ابن جرير، وقال: فإن قال لنا قائل: وكيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان وما أنزل الله على الملكين، ولكنّ الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنياً بالملكين جبريل وميكائيل؛ لأن سحرة اليهود، فيما ذكر، كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل، إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان أحدهما هاروت، والآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت، على هذا التأويل ترجمة عن الناس وردّاً عليهم. انتهى. وقال القرطبي في تفسيره، بعد أن حكى معنى هذا الكلام، ورجح أن هاروت وماروت بدل من الشياطين، ما لفظه: هذا أولى ما حملت عليه الآية، وأصح ما قيل فيها، ولا يلتفت إلى سواه، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم، ودقة أفهامهم، وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء، وخاصة في حال طمثهن، قال الله: {أية : وَمِن شَرّ ٱلنَّفَّـٰثَـٰتِ فِى ٱلْعُقَدِ }تفسير : [الفلق: 4] ثم قال: إن قيل كيف يكون اثنان بدلاً من جمع، والبدل إنما يكون على حدّ المبدل؟ ثم أجاب عن ذلك بأن الاثنين قد يطلق عليهما الجمع، أو أنهما خُصا بالذكر دون غيرهما لتمردهما، ويؤيد هذا أنه قرأ ابن عباس والضحاك والحسن: «الملكين» بكسر اللام، ولعل وجه الجزم بهذا التأويل مع بعده، وظهور تكلفه، تنزيه الله سبحانه أن ينزل السحر إلى ارضه، فتنة لعباده على ألسن ملائكته. وعندي أنه لا موجب لهذا التعسف المخالف لما هو الظاهر، فإن لله سبحانه أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بنهر طالوت، ولهذا يقول الملكان: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } قال ابن جرير: وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان، وبابل قيل: هي العراق، وقيل نهاوند، وقيل نصيبين. وقيل المغرب: وهاروت وماروت اسمان أعجميان لا ينصرفان. وقوله: {وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ } قال الزجاج: تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه، قال: وهو الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر، ومعناه: أنهما يعلمان على النهي، فيقولان لهم: لا تفعلوا كذا. و«من» في قوله: {من أحد} زائدة للتوكيد، وقد قيل: إن قوله: {يعلمان} من الإعلام لا من التعليم، وقد جاء في كلام العرب تعلم بمعنى أعلم، كما حكاه ابن الأنباري، وابن الأعرابي، وهو كثير من أشعارهم كقول كعب بن مالك:شعر : تعلَّم رسول اللهِ أنَّك مُدْرِكي وَأنَّ وَعِيداً مْنِك كالأخْذِ باليَدِ تفسير : وقال القطامي:شعر : تعلَّم أن بعد الغَيّ رُشداً وأن لذلك الغيّ انْقِشاعاً تفسير : وقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } هو: على ظاهره، أي: إنما نحن ابتلاء، واختبار من الله لعباده. وقيل: إنه استهزاء منهما؛ لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله. وفي قولهما: {فَلاَ تَكْفُرْ } أبلغ إنذار، وأعظم تحذير، أي: أن هذا ذنب يكون مَنْ فعله كافراً، فلا تكفر، وفيه دليل على أن تعلم السحر كفر، وظاهره عدم الفرق بين المعتقد، وغير المعتقد، وبين من تعلمه ليكون ساحراً، ومن تعلمه ليقدر على دفعه. وقوله: {فَيَتَعَلَّمُونَ } فيه ضمير يرجع إلى قوله: «مِنْ أحَدٍ» قال سيبويه: التقدير، فهم يتعلمون، قال: ومثله {أية : كُنْ فَيَكُونُ }تفسير : [يس: 82] وقيل هو: معطوف على موضع ما يعلمان؛ لأنه وإن كان منفياً، فهو يتضمن الإيجاب. وقال الفراء: هي مردودة على قوله: «يعلمون الناس السحر» أي: يعلمون الناس، فيتعلمون، وقوله: {مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَزَوْجِهِ } في إسناد التفريق إلى السحرة، وجعل السحر سبباً لذلك دليل على أن للسحر تأثيراً في القلوب بالحبّ والبغض، والجمع، والفرقة، والقرب، والبعد. وقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر لا يقدر على أكثر مما أخبر الله به من التفرقة؛ لأن الله ذكر ذلك في معرض الذمّ للسحر، وبين ما هو الغاية في تعليمه، فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره. وقالت طائفة أخرى: إن ذلك خرج مخرج الأغلب، وأن الساحر يقدر على غير ذلك المنصوص عليه، وقيل ليس للسحر تأثير في نفسه أصلاً لقوله تعالى: {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } والحق أنه لا تنافي بين قوله: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَزَوْجِهِ } وبين قوله: {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر تأثيراً في نفسه، ولكنه لا يؤثر ضرراً إلا فيمن أذن الله بتأثيره فيه، وقد أجمع أهل العلم على أن له تأثيراً في نفسه، وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة، وأبو حنيفة كما تقدم، وقوله: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } فيه تصريح بأن السحر لا يعود على صاحبه بفائدة، ولا يجلب إليه منفعة بل هو: ضرر محض، وخسران بحت، واللام في قوله: {وَلَقَدْ } جواب قسم محذوف، وفي قوله: {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ } للتأكيد و«مَنْ» موصولة، وهي في محل رفع على الابتداء، والخبر قوله: {مَالَهُ فِى ٱلأخِرَةِ مِنَ خَلَـٰقٍ } وقال الفراء: إنها شرطية للمجازاة. وقال الزجاج: ليس هذا بموضع شَرط، ورجح أنها موصولة كما ذكرنا. والمراد بالشراء هنا: لاستبدال أي من استبدل ما تتلوا الشياطين على كتاب الله. والخَلاق: النصيب عند أهل اللغة، كذا قال الزجاج. والمراد بقوله: {مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } أي: باعوها. وقد أثبت لهم العلم في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ } ونفاه عنهم في قوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } واختلفوا في توجيه ذلك، فقال قطرب، والأخفش: إن المراد بقوله: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ } الشياطين، والمراد بقوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } الإنس. وقال الزجاج: إن الأول للملكين، وإن كان بصيغة الجمع، فهو مثل قولهم: الزيدان قاموا، والثاني: المراد به علماء اليهود. وإنما قال: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } لأنهم تركوا العمل بعلمهم. وقوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ } أي بالنبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من القرآن، {وَٱتَّقَوْاْ } ما وقعوا فيه من السحر، والكفر. واللام في قوله: {لَمَثُوبَةٌ } جواب "لو"، والمثوبة: الثواب. وقال الأخفش: إن الجواب محذوف، والتقدير، ولو أنهم آمنوا، واتقوا لأثيبوا، فحذف لدلالة قوله: {لمثوبة} عليه. وقوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } هو: إما للدلالة على أنه لا علم لهم، أو لتنزيل علمهم مع عدم العمل منزلة العدم. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس: «قال ابن صوريا للنبي صلى الله عليه وسلم يا محمد ما جئتنا بشيء يعرف، وما أنزل الله عليك من آية بينة، فأنزل الله تعالى في ذلك: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقُونَ } وقال مالك بن الصيف، حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد: والله ما عهد إلينا في محمد، ولا أخذ علينا شيئاً، فأنزل الله: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} الآية. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {آيات بَيّنَاتٍ} يقول: فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة، وعشية، وبين ذلك، وأنت عندهم أميّ لم تقرأ الكتاب، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه، ففي ذلك عبرة لهم، وحجة عليهم {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله: {نبذة} نقضه. وأخرج أيضاً عن السدي في قوله: {مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } قال: لما جاءهم محمد عارضوه بالتوراة، واتفقت التوراة، والقرآن، فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت، كأنهم لا يعلمون بما في التوراة من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وتصديقه. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة حقّ كذب معها ألف كذبة، فأشْرِبَتْها قلوب الناس، واتخذوها دواوين، فأطلع الله على ذلك سليمان بن داود، فأخذها، فدفنها تحت الكرسي. فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق، فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع؟ قالوا: نعم، فأخرجوه فإذا هو: سحر، فتناسختها الأمم، وأنزل الله عذر سليمان، فيما قالوا من السحر، فقال: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُو ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ } الآية. وأخرج النسائي وابن أبي حاتم عنه قال: كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها، فأكفره جهال الناس، وسبوه، ووقف علماؤهم، فلم يزل جهالهم يسبونه حتى أنزل الله على محمد: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُو ٱلشَّيَـٰطِينُ } الآية، وأخرج ابن جرير، عنه قال: كان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يأتي شيئاً من شأنه أعطى الجرادة، وهي: امرأته، خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فأخذه، فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين، والجنّ، والإنس، فجاء سليمان، فقال: هاتي خاتمي، فقالت له: كذبت لست سليمان، فعرف أنه بلاء ابتلى به، فانطلقت الشياطين، فكتبت في تلك الأيام كتباً فيها سحر، وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها، فقرءوها على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، فبرىء الناس من سليمان، وأكفروه حتى بعث الله محمداً، وأنزل عليه: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُو} وأخرج ابن جرير، عنه في قوله: {وَمَا تَتْلُو} قال: ما تتبع. وأخرج أيضاً عن عطاء في قوله: {مَا تَتْلُواْ } قال: نراه ما تحدث. وأخرج أيضاً عن ابن جريج في قوله: {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ } يقول: في ملك سليمان. وأخرج أيضاً عن السدي في قوله: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ } قال: هذا سحر آخر خاصموه به، فإن كلام الملائكة، فيما بينهم إذا علمته الإنس، فصنع، وعمل به كان سحراً. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ } قال: لم ينزل الله السحر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عليّ قال: هما ملكان من ملائكة السماء. وأخرج نحوه ابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعاً. وأخرج البخاري في تاريخه، وابن المنذر عن ابن عباس: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ } يعني جبريل وميكائيل: {بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ } يعلمان الناس السحر. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن، بن أبزي أنه كان يقرؤها وما أنزل على الملكين داود، وسليمان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: هما علجان من أهل بابل. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان من حديث، ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أشرفت الملائكة على الدنيا، فرأت بني آدم يعصون، فقالت يا رب ما أجهل هؤلاء، ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك؟ فقال الله: لو كنتم في محلاتهم لعصيتموني، قالوا: كيف يكون هذا، ونحن نسبح بحمدك، ونقدس لك؟ قال: فاختاروا منكم ملكين، فاختاروا هاروت وماروت، ثم أهبطا إلى الأرض، وركبت، فيهما شهوات بني آدم، ومثلت لهما امرأة، فما عصما حتى واقعا المعصية، فقال الله: اختارا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة، فنظر أحدهما لصاحبه قال ما تقول؟ قال: أقول إن عذاب الدنيا ينقطع، وإن عذاب الآخرة لا ينقطع، فاختارا عذاب الدنيا، فهما اللذان ذكر الله في كتابه: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ } الآية"تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر، أنه كان يقول: أطلعت الحمراء بعد، فإذا رآها قال: لا مرحباً، ثم قال: إن ملكين من الملائكة هاروت وماروت سألا الله أن يهبطهما إلى الأرض، فأهبطا إلى الأرض فكانا يقضيان بين الناس، فإذا أمسيا تكلما بكلمات، فعرجا بها إلى السماء، فقيض لهما امرأة من أحسن النساء، وألقيت عليهما الشهوة، فجعلا يؤخرانها، وألقيت في أنفسهما، فلم يزالا يفعلان حتى وعدتهما ميعاداً، فأتتهما للميعاد فقالت: علماني الكلمة التي تعرجان بها، فعلماها الكلمة فتكلمت بها فعرجت إلى السماء، فمسخت فجُعلت كما ترون، فلما أمسيا تكلما بالكلمة، فلم يعرجا، فبعث إليهما: إن شئتما فعذاب الآخرة، وإن شئتما، فعذاب الدنيا إلي أن تقوم الساعة على أن تلقيا الله، فإن شاء عذبكما، وإن شاء رحمكما، فنظر أحدهما إلي صاحبه، فقال: بل نختار عذاب الدنيا ألف ألف ضعف، فهما يعذبان إلى يوم القيامة. وقد رويت هذه القصة عن ابن عمر بألفاظ، وفي بعضها أنه يروي ذلك ابن عمر عن كعب الأحبار. كما أخرجه عبد الرزاق، وابن شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب من طريق الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم، وما يأتون من الذنوب، فقيل لو كنتم مكانهم لأتيتم مثل ما يأتون، فاختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلاً، فليس بيني، وبينكم رسول. انزلا لا تشركا بي شيئاً، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر، قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استعملا جميع ما نهيا عنه. قال ابن كثير: وهذا أصح، يعني من الإسنادين اللذين ذكرهما قبله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، والحاكم وصححه عن عليّ بن أبي طالب، قال: إن هذه الزهرة تسميها العربُ الزهرةَ، والعجمُ أناهيدَ، وذكر نحو الرواية السابقة عن ابن عمر، عند الحاكم. قال ابن كثير: وهذا الإسناد رجاله ثقات، وهو غريب جداً. وقد أخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه عن ابن عباس، قال: كانت الزهرة امرأة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، عنه؛ أن المرأة التي فتن بها الملكان مسخت، فهي هذه الكوكبة الحمراء؛ يعني الزهرة. وأخرج ابن المنذر، وابن أبـي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عنه، فذكر قصة طويلة، وفيها التصريح بأن الملكين شربا الخمر، وزنيا بالمرأة، وقتلاها. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود، وابن عباس هذه القصة، وقالا: إنها أنزلت إليهما الزهرة في صورة امرأة، وأنهما وقعا في الخطيئة. وقد روي في هذا الباب قصص طويلة وروايات مختلفة استوفاها السيوطي في الدرّ المنثور. وذكر ابن كثير في تفسيره بعضها، ثم قال: وقد روى في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد، والسدّي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين، والمتأخرين. وحاصلها راجع في تفصليها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد، إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط، ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال. انتهى. وقال القرطبي بعد سياق بعض ذلك: قلنا هذا كله ضعيف، وبعيد عن ابن عمر، غيره لا يصح منه شيء، فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم: أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله {أية : لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون}تفسير : [التحريم: 6]، ثم ذكر ما معناه: أن العقل يجوِّز وقوع ذلك منهم، لكن وقوع هذا الجائز لا يدرى إلا بالسمع، ولم يصح. انتهى. وأقول هذا مجرد استبعاد. وقد ورد الكتاب العزيز في هذا الموضع بما تراه، ولا وجه لإخراجه عن ظاهره بهذه التكلفات، وما ذكره من أن الأصول تدفع ذلك، فعلى فرض، وجود هذه الأصول، فهي مخصصة بما وقع في هذه القصة، ولا وجه لمنع التخصيص، وقد كان إبليس يملك المنزلة العظيمة، وصار أشرّ البرية، وأكفر العالمين. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } قال: بلاء. وأخرج البزار بإسناد صحيح، والحاكم وصححه عن ابن مسعود، قال: «من أتى ساحراً، أو كاهناً، وصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد». وأخرج البزار عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من تطير، أو تُطير له، أو تكهنَّ، تُكهن له أو سحر، أو سحَر له، ومن عقد عقدة، ومن أتى كاهناً، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد» تفسير : وأخرج عبد الرزاق، عن صفوان بن سُليمْ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من تعلم شيئاً من السحر قليلاً، أو كثيراً كان آخر عهده من الله»تفسير : . وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {مِنْ خَلَـٰقٍ } قال: قوام. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه قال: {مِنْ خَلَـٰقٍ } من نصيب، وكذا روى ابن جرير، عن مجاهد. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن الحسن: {مَا لَهُ فِى ٱلأخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ } قال: ليس له دين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ } قال: باعوا. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {لَمَثُوبَةٌ } قال: ثواب.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} اختلف أهل التفسير في سبب ذلك، على قولين: أحدهما: أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويستخرجون السحر، فَأَطْلَعَ الله سليمان ابن داود عليه، فاستخرجه من أيديهم، ودفنه تحت كرسيه، فلم تكن الجن تقدر على أن تدنو من الكرسي، فقالت الإنس بعد موت سليمان: إن العلم الذي كان سليمان يُسَخِّر به الشياطين والرياح هو تحت كرسيه، فاستخرجوه وقالوا: كان ساحراً ولم يكن نبياً، فتعلموه وعلّموه، فأنزل الله تعالى براءة سليمان بهذه الآية. والثاني: أن "آصف بن برخيا" وهو كاتب سليمان وَاطَأَ نَفَراً من الشياطين على كتاب كتبوه سحراً ودفنوه تحت كرسي سليمان، ثم استخرجوه بعد موته وقالوا هذا سحر سليمان، فبرأه الله تعالى من قولهم، فقال: {وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ}، وهم ما نسبوه إلى الكفر، ولكنهم نسبوه إلى السحر، لكن لما كان السحر كفراً صاروا بمنزلة من نسبه إلى الكفر. قال تعالى: {وَلَكْنَّ الشَيَاطِينَ كَفَرُوا} فيه قولان: أحدهما: أنهم كفروا بما نسبوه إلى سليمان من السحر. والثاني: أنهم كفروا بما استخرجوه من السحر. {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} فيه وجهان: أحدهما: أنهم ألقوه في قلوبهم فتعلموه. والثاني: أنهم دلوهم على إخراجه من تحت الكرسي فتعلموه. {وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} وفي {مَا} ها هنا وجهان: أحدهما: بمعنى الذي، وتقديره الذي أنزل على الملكين. والثاني: أنها بمعنى النفي، وتقديره: ولم ينزل على الملكين. وفي الملكين قراءتان: إحداهما: بكسر اللام، كانا من ملوك بابل وعلوجها هاروت وماروت، وهذا قول أبي الأسود الدؤلي، والقراءة الثانية: بفتح اللام من الملائكة. وفيه قولان: أحدهما: أن سحرة اليهود زعموا، أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، وهما رجلان ببابل. والثاني: أن هاروت وماروت مَلَكان، أَهْبَطَهُما الله عز وجل إلى الأرض، وسبب ذلك، أن الله تعالى لما أطلع الملائكة على معاصي بني آدم، عجبوا من معصيتهم له مع كثرة أَنْعُمِهِ عليهم، فقال الله تعالى لهم: أما أنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم، فقالوا: سبحانك ما ينبغي لنا، فأمرهم الله أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت فأُهْبِطَا إلى الأرض، وأحل لهما كل شيء، على ألا يُشْرِكا بالله شيئاً، ولا يسرقا، ولا يزنيا، ولا يشربا الخمر، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فعرضت لهما امرأة ـ وكان يحكمان بين الناس ـ تُخَاصِمُ زوجها واسمها بالعربية: الزهرة، وبالفارسية: فندرخت، فوقعت في أنفسهما، فطلباها، فامتنعت عليهما إلا أن يعبدا صنماً ويشربا الخمر، فشربا الخمر، وعبدا الصنم، وواقعاها، وقتلا سابلاً مر بهما خافا أن يشهر أمرهما، وعلّماها الكلام الذي إذا تكلم به المتكلم عرج إلى السماء، فتكلمت وعرجت، ثم نسيت ما إذا تكلمت به نزلت فمسخت كوكبا، قال: كعب فوالله ما أمسيا من يومهما الذي هبطا فيه، حتى استكملا جميع ما نهيا عنه، فتعجب الملائكة من ذلك. ثم لم يقدر هاروت وماروت على الصعود إلى السماء، فكانا يعلّمان السحر. وذكر عن الربيع أن نزولهما كان في زمان (إدريس). وأما السحر فقد اختلف الناس في معناه: فقال قوم: يقدر الساحر أن يقلب الأعيان بسحره، فيحول الإنسان حماراً، وينشئ أعياناً وأجساماً. وقال آخرون: السحر خِدَع وَمَعَانٍ يفعلها الساحر، فيخيل إليه أنه بخلاف ما هو، كالذي يرى السراب من بعيد، فيخيل إليه أنه ماء، وكواكب السفينة السائرة سيراً حثيثاً، يخيل إليه أن ما عاين من الأشجار والجبال سائرة معه. وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: سَحَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يهوديٌ من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخيّل إليه أنه يفعل الشيءَ وما فعله. قالوا: ولو كان في وسع الساحر إنشاء الأجسام وقلب الأعيان عما هي به من الهيئات، لم يكن بين الباطل والحق فصل، ولجاز أن يكون جميع الأجسام مما سحرته السحرة، فقلبت أعيانها، وقد وصف الله تعالى سحرة فرعون {... فَإِذَا حِبَالُهُمُ وَعِصِيُّهُمُ يُخَيَّلُ إِليْهِ مِن سِحْرِهِم أَنَّهَا تَسْعَى}. وقال آخرون:ـ وهو قول الشافعي ـ إن الساحر قد يوسوس بسحره فيمرض وربما قتل، لأن التخيل بدء الوسوسة، والوسوسة بدء المرض، والمرض بدء التلف. فأما أرض {ببابل} ففيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها الكوفة وسوادها، وسميت بذلك حيث تبلبلت الألسن بها وهذا قول ابن مسعود. والثاني: أنها من نصيبين إلى رأس عين، وهذا قول قتادة. والثالث: أنها جبل نهاوند. وهي [فطر] من الأرض. {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ: إِنَّمَا نَحنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُر} بما تتعلمه من سحرنا. {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} في المراد بقوله "منهما" ثلاثة أوجه: أحدها: يعني من هاروت وماروت. والثاني: من السحر والكفر. والثالث: من الشيطان والملكين، فيتعلمون من الشياطين السحر، ومن الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه. {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ} يعني السحر. {إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني بأمر الله. والثاني: بعلم الله. {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} يعني ما يضرهم في الآخرة، ولا ينفعهم في الدنيا. {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ} يعني السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه. {مَا لهُ فِي الأَخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن الخلاق النصيب، وهو قول مجاهد والسدي. والثاني: أن الخلاق الجهة، وهو قول قتادة. والثالث: أن الخلاق الدين، وهو قول الحسن. قوله عز وجل: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَواْ بِهِ أَنفُسَهُم لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني ولبئس ما باعوا به أنفسهم من السحر والكفر في تعليمه وفعله. والثاني: من إضافتهم السحر إلى سليمان، وتحريضهم على الكذب.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ...} قيل لابن عرفة: إن أريد المعجزات فظاهر، وإن أريد آيات القرآن فيؤخذ منه امتناع تخصيص السنة بالقرآن، والقرآن بالسّنة لأنّه كله بيّن؟ فقال: نقول إن القرآن بين من حيث دلالته على صدقه من جهة لفظه المعجز وفصاحته، وإن كان معناه (مجملا) لا يفهم فلا يمتنع فيه بيان (القرآن) بالسّنة.

ابن عادل

تفسير : قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل مبعثه، فلما بعث من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل: يا معشر اليهود اتَّقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ونحن أهل الشرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفون لنا صفته. فقال ابن صوريا: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه من الآيات، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله ـ تعالى ـ هذه الآيات، والمرادة بالآيات البينات: آيات القرآن مع سائر الدَّلائل من المُبَاهلة، ومن تمني الموت وسائر المعجزات نحو: إشباع الخَلْق الكثير من الطعام القليل [ونبع] الماء من بين أصابعه وانشقاق القمر. وقال بعضهم: الأولى تخصيص ذلك بالقرآن، لأن الآيات إذا قرنت بالتنزيل كانت أخصّ بالقرآن. فإن قيل: الإنزال عبارة عن تحريك الشَّيْ من أعلى إلى أسفل، وذلك محقّق في الأجسام، ومحال في الكلام. فجوابه: أن جبريل ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما نزل من الأعلى إلى الأسفل وأخبر به سمي ذلك إنزالاً. قوله تعالى: {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ} هذا استثناء مفرّغ، وقد تقدم أن الفراء يجيز فيه النصب. والكفر بها من وجهين: الأول: جحودها مع العلم بصحتها. والثاني: جحودها مع الجهل، وترك النظر فيها، والإعراض عن دلائلها، وليس في الظَّاهر تخصيص، فيدخل الكل فيه. قال ابن الخطيب: والفِسْقُ في اللّغة: خروج الإنسان عما حدّ له قال الله تعالى: {أية : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}تفسير : [الكهف:50]. وتقول العرب للنواة إذا خرجت من الرّطبة عند سقوطها: فسقت النواة، وقد يقرب من معناه الفُجُور؛ لأنه مأخوذ من فجور السّد الذي يمنع الماء من أن يسير من الموضع الذي يفسد، فشبه تعدّي الإنسان ما حدّ له إلى الفساد بالذي فجر السَّد حتى صار إلى حيث يفسد. فإن قيل: أليس صاحب الصغيرة تجاوز أمر الله، ولا يوصف بالفسق والفجور؟ قلنا: إنه إنما يسمى بهما كل أمر يعظم من الباب الذي ذكرنا؛ لأن من فتح من النهر نقباً يسيراً لا يوصف بأنه فجر ذلك النهر، وكذلك الفِسْق إنما يقال إذا عظم التعدّي، إذا ثبت هذا فنقول: في قوله: "إِلاَّ الْفَاسِقُونَ" وجهان: أحدهما: أن كل كافر فاسق، ولا ينعكس، فكأن ذكر الفاسق يأتي على الكافر وغيره، فكان أولى. الثاني: أن يكون المراد ما يكفر بها إلاَّ الكافر المتجاوز على كلّ حدّ في كفره، والمعنى: أن هذه الآيات لما كانت بيّنة ظاهرة لم يكفر بها إلاَّ الكافر الذي يبلغ في الكفر إلى النهاية القصوى، والأحسن في الجواب أن يقال: إنه ـ تعالى ـ لما قال: {وَمَا يَكْفُرُ بِهَا} أفهم أن مراده بالفاسق هو الكافر لا عموم الفاسق فزال الإشكال.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ‏"‏قال ابن صوريا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه ما أنزل الله عليك من آية بينة، فأنزل الله في ذلك ‏ {‏ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون‏} ‏ وقال مالك بن الصيف‏:‏ حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد إليهم في محمد، والله ما عهد إلينا في محمد ولا أخذ علينا ميثاقاً، فأنزل الله تعالى ‏ {‏أو كلما عاهدوا عهدا‏ً.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله ‏ {‏ولقد أنزلنا إليك آيات بينات‏}‏ يقول‏:‏ فأنت تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية وبين ذلك‏.‏ وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتاباً، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه، ففي ذلك عبرة لهم وبيان وحجة عليهم لو كانوا يعلمون‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏نبذه‏} ‏ قال‏:‏ نقضه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله {‏نبذه فريق منهم‏} ‏ قال‏:‏ لم يكن في الأرض عهد يعاهدون إليه إلا نقضوه ويعاهدون اليوم وينقضون غداً قال‏:‏ وفي قراءة عبدالله‏:‏ نقضه فريق منهم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏ {‏ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ ولما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت، كأنهم لا يعلمون ما في التوراة من الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه‏.‏

القشيري

تفسير : لم يكفر بواضح آياته إلا من سُدَّتْ عن الإدراك بصائرُه، وسبقت من الله بالشقاوة قِسْمَتُه، ولا عقلَ لِمَنْ يجحدُ أنَّ النهارَ نهار، وكذلك لا وَصْلَ لمن لم تساعده من الحق أنوارٌ واستبصار. أوَ كُلَّما عاهدوا عهداً سابقُ التقدير لهم كان يشوِّش عليهم، وينقض عَهْدَهُم لاحِقُ التدبيرُ منهم، والله غالبٌ على أمره.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات} واضحات الدلالة على معانيها وعلى كونها من عند الله {وما يكفر بها} اى بالآيات التى توضح الحلال والحرام وتفصل الحدود والاحكام {إلا الفاسقون} المتمردون فى الكفر الخارجون عن حدوده فان من ليس على تلك الصفة لا يجترئ على الكفر بمثل هاتيك البينات والاحسن ان يكون اللام اشارة الى اهل الكتاب. قال الحسن اذا استعمل الفسق فى نوع من المعاصى وقع على عظم ذلك النوع من كفر او غيره. واعلم ان القرآن هو النور الآلهي الذى كشف الله به الظلمات واليهود ارادوا ان يطفئوا نور الله والله متم نوره وليس لهم فى ذلك الا الفضاحة والخزى كما اذا دخل الحمام ناس فى ليل مظلم وفيهم الاصحاء واهل العيوب فجاء واحد بسراج مضىء لا يسارع الى اطفائه الا اهل العيوب مخافة ان يظهر عيوبهم للاصحاء ويلحق بهم مذمة شعر : شمع رخشنده دران جمع نخواهندكه تا عيب شان درشب تاريك بماند مستور واى آن وقت روشن شوداين رازجوروز برده برخيزد واين حال بيايد بظهور

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ} يا محمد {آيَاتٍ} واضحات، مشتملة على علوم غيبية، وأخبار نبوية، وشرائع محكمة، وأنوار قدسية، وأسرار جبروتية، وما يجحدها ويكفر بها إلا المتمرد في الكفر والطغيان، الخارج عن الطاعة والإيمان، فالفسق، إذا استعمل في نوع من المعاصي، دلّ على أعظمه وأقبحه، وهو هنا الكفر، والعياذ بالله. الإشارة: اعلم أن العبد إذا سبقت لهم من الله العناية، ألقى الله في قلبه التصديق والهداية، من غير أن يحتاج إلى علامة ولا آية، بل يكشف له الحق تعالى عن سر الخصوصية وأنوارها، فيشهد سره لصاحبها بالتقويم، وتخضع له روحه بالتعظيم، فتدبوا له أنوار الإيمان وتشرق عليه شموس العرفان، من غير توقف على دليل ولا برهان، بخلاف من سبق له الحرمان، فلا ينجح فيه دليل ولا برهان، والعياذ بالله من الخذلان. ولما ذَكّر النبيّ صلى الله عليه وسلم اليهود في شأن العهد الذي أخذه الله عليهم فيه، قال مالك بن الصيف: والله ما عهد إلينا في محمد عهدٌ ولا ميثاق.

الطوسي

تفسير : المعنى: معنى الآيات يحتمل امرين: احدهما ـ ذكره البلخي وجماعة من أهل العلم يعني سائر الآيات المعجزات التي اعطاها الله النبي (صلى الله عليه وسلم) من الآيات: القرآن، وما فيه، وغير ذلك من الدلالات وقال بعضهم: هو الاخبار عما غمض مما في كتب الله السالفة من التوراة، والانجيل، وغيرهما. وقال ابن عباس: ان ابن صوريا القطراني قال لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه، وما انزل عليك من اية بينة فنتبعك لها. فانزل الله في ذلك {ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون} فان قال بعض اليهود: انتم مقرون باياتنا ونحن نجحد بآياتكم، فحجتنا لازمة لكم لانها مردودة إلى ما تعرفونه؟ قيل لهم فيجب على هذا ألا يكون لكم حجة على الدهرية والبراهمة والثنوية، لانهم لا يعترفون باياتكم. وانما قال: {وما يكفر بها إلا الفاسقون} ولم يقل الكافرون. وان كان الكفر اعظم من الفسق، لاحد امرين: [الاول] انه عنى الخارجين عن اديانهم، وان اظهروا انهم يتمسكون بها، لان اليهود قد خرجت بالكفر بالنبي (صلى الله عليه وسلم) من شريعة موسى. والفسق هو الخروج عن امر الله إلى ما يعظم من معصيته. والثاني ـ انه اراد الفاسقين المتمردين في كفرهم، لان الفسق لا يكون الا اعظم الكبائر فان كان في الكفر، فهو اعظم الكفر، وان كان فيما دون الكفر، فهو أعظم المعاصي. هذا يجيء على مذهب الحسن، لانه ذكر ان الفاسقين: عني به جميع من كفر بها، وقد يدخل في هذا الكلام احد امرين: احدهما ـ لقوم يتوقعون الخبر او لقرب الماضي من الحال. تقول: قد ركب الامير، وجاء زيد، وقد عزم على الخروج، إي عازماً عليه، وهي ها هنا مع لام القسم على هذا تقديره قوم يتوقعون الخبر، لان الكلام اذا أُخرج ذلك المخرج كان أوكد وابلغ، والآية هي العلامة التي فيها عبرة. وقيل العلامة هي الحجة. والبينة الدلالة الفاصلة بين القضية الصادقة والكاذبة ماخوذة من ابانه احد الشيئين عن الاخر فيزول التباسه به.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ} معجزات او احكام بحسب القالب والقلب او آياتٍ من القرآن او آياتٍ من آيات الانفس او آيات الآفاق الظّاهرة فى نفسك {بَيِّنَاتٍ} واضحات دالاّت على صدقك ورسالتك وامامة علىٍّ (ع) وصيّك وفى تفسير الامام (ع): دالاّتٍ على صدقك فى نبوّتك مبيّناتٍ عن امامة علىٍّ (ع) اخيك ووصيّك وصفيّك، موضحاتٍ عن كفر من شكّ فيك او فى أخيك، وذكر الدّالات والمبيّنات والموضحات فى ذيل البيّنات ليس تفسيراً للبيّنات بل هى تفسيرٌ للآيات فانّ الآية بما هى آية ما يدلّ على شيءٍ آخر ويوضحه او هى تفسير للبيّنات {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ} وقوله ولقد أنزلنا اليك الى آخر الآية اشارة الى صغرى قياس من الشّكل الاوّل وقوله: {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ} الى آخرها اشارة الى كبرى قياس آخر من الشّكل الاوّل ترتيبها هكذا: انت رسول من الله بالآيات، وكلّ رسول معه آيات، عدوّه كافرٌ به وبآياته من حيث رسالته فأنت عدوّك كافرٌ بك وبآياتك وكلّ كافر بك وبآياتك فاسق، فأنت عدوّك فاسق والفسق الخروج عن طاعة العقل وهو الرّسول الدّاخلىّ وعن طاعة الرّسول وهو العقل الخارجىّ وفى تفسير الامام (ع) قال علىّ بن الحسين عليهما السّلام فى تفسير هذه الآية: وذلك أنّ رسول الله (ص) لمّا آمن به عبد الله بن سلام بعد مسئلته الّتى سألها رسول الله (ص) وجوابه (ص) ايّاه عنها قال: يا محمّد بقيت واحدة وهى المسئلة الكبرى والغرض الاقصى من الّذى يخلفك بعدك ويقضى ديونك وينجز اعداءك ويؤدّى اماناتك ويوضح عن آياتك وبيّناتك؟ - فقال رسول الله (ص): اولئك أصحابى قعود، فامض اليهم فيبدو لك النّور السّاطع فى دائرة غرّة ولىّ عهدى وصفحة خدّيه وسينطق طومارك بأنّه هو الوصىّ وستشهد جوارحك بذلك فصار عبد الله الى القوم فرأى عليّاً يسطع من وجهه نور يبهر نور الشّمس ونطق طوماره وأعضاء بدنه كلّه يقول: يا ابن سلام هذا علىّ بن ابى طالب (ع) المالئ جنان الله بمحبّيه ونيرانه بمعاداته، الباثّ دين الله فى أقطار الارض وآفاقها، والنّافى للكفر عن نواحيها وارجائها فتمسّك بولايته تكن سعيداً، واثبت على التّسليم له تكن رشيداً، فقال عبد الله بن سلام: أشهد ان لا اله الاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد انّ محمّداً (ص) عبده ورسوله المصطفى، وأمينه المرتضى، وأميره على جميع الورى، (الى ان قال) وأشهد أنّكما اللّذان بشّر بكما موسى (ع) ومن قبله من الانبياء ودلّ عليكما المختارون من الاصفياء ثمّ قال لرسول الله (ص): قد تمّت الحجج، وانزاحت العلل، وانقطعت المعاذير، فلا عذر لى ان تأخّرت عنك، ولا خير لى ان تركت التّعصّب لك، ثمّ قال: يا رسول الله (ص) انّ اليهود ان سمعوا باسلامى وقعوا فىّ فاخبأ بى عندك فاذا جاؤك فاسألهم عنّى تسمع قولهم فىّ قبل ان يعلموا باسلامى وبعده لتعلم أحوالهم فخبأه رسول الله فى بيته ثمّ دعا قوماً من اليهود فحضروه وعرض عليهم أمره فأبوا فقال: حديث : بمن ترضون حكماً بينى وبينكم؟ - قالوا: بعبد الله بن سلام، قال (ص): واىّ رجلٍ هو؟ - قالوا: رئيسنا وابن رئيسنا، وسيّدنا وابن سيّدنا، وعالمنا وابن عالمنا، وورعنا وابن ورعنا، وزاهدنا وابن زاهدنا، فقال رسول الله (ص): أرأيتم ان آمن بى اترضون؟ - قالوا: قد أعاذه الله من ذلك، فقال: اخرج عليهم يا عبد الله وأظهر ما قد أظهره الله لك من أمر محمّدٍ (ص) فخرج عليهم وهو يقول: أشهد ان لا اله الاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد انّ محمّداً (ص) عبده ورسوله المذكور فى التّوراة والانجيل وصحف ابراهيم وسائر كتب الله المدلول فيها عليه وعلى أخيه علىّ بن ابى طالب (ع)، فلمّا سمعوه يقول ذلك قالوا: يا محمّد (ص) سفيهنا وابن سفيهنا، وشرّنا وابن شرّنا، وفاسقنا وابن فاسقنا، وجاهلنا وابن جاهلنا، كان غائباً عنّا فكرهنا ان نغتابه فقال عبد الله: هذا الّذى كنت أخافه يا رسول الله (ص) (الى آخر ما روى) .

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ أنزَلْنَا إِلَيْكَ}: يا محمد. {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}: قال ابن صوريا من اليهود لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يا محمد ما جئتنا بشئ نعرفه، وما نزلت عليك آية بينة فنتبعك بها، فأنزل الله عز وجل: {لقد أنزلنا إليك آيات بينات} رواه بعضهم عن ابن عباس، ومعنى قوله: بينات واضحات مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام، وأشار الله ـ سبحانهُ وتعالى ـ إلى فسق ابن صوريا خصوصا وغيره عموما، وإلى أنهُ قد كفر بهن بقوله: {وَمَا يَكْفُرُ بهَا إلاّ الْفَاسِقُونَ}: المبالغون فى الخروج عن الطاعة الذين توغلوا فى العناد، وإن قلت مم استفدت ما ذكرت من المبالغة والتوغل؟ قلت: من قول الحسن البصرى: إذا استعمل الفسق فى نوع من المعاصى وقع على أعظم ذلك النوع من شرك وما دونهُ من الكبائر، وهذا أصله عندى وفى مادة الفسق دلالة على ذلك، لأنها فى اللغة الخروج عن الشئ، وكان المتلبس بالشرك بكبيرة دون الشرك خارج عن الإيمان بالكلية، والملتبس بالشرك الأشنع الأقبح خارج عن حده ألا تراهم أشركوا وبين أيديهم التوراة وعاندوا وقد استيقنت أنفسهم، ثم كان يطلق عندنا على كل كبيرة، وال فى {الفاسقون} للجنس ويجوز أن تكون للعهد مشارا بها لليهود، على معنى أنهُ لا يكفر بها إلا من فسق منهم وهم الأكثرون دون من آمن منهم ودون من آمن من غيرهم.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ءَايَٰتٍ بَيِّنَٰتٍ} يا محمد القرآن المعجز، والمعجزات الآخرى، وذلك رد على قول ابن صوريا، ما جئتنا بشىء يصدقك فى دعوى النبوة فإن معنى بينات واضحات المعنى والدلالة على نبوته التى يدعيها {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ الْفَٰسِقُونَ} إلا اليهود لفسقهم، أو جنس الفاسقين، فدخلت اليهود ببرهان الفسق. وقال مالك بن الصيفى، والله ما عهد إلينا فى محمد عهد فى التوراة، فنزل: {أَوَ كُلَّمَا} أكفروا وكلما {عَهَدُواْ} لله {عَهْداً} على أن يؤمنوا بالنبى صلى الله عليه وسلم إن بعث، أو عاهدوا النبى صلى الله عليه وسلم ألا يعينوا عليه المشركين. وقد قيل: نزلت فى قوله لليهود: لئن خرج لنؤمنن به ولنقاتلن معه العرب المشركين، ولما بعث كفروا به، وقيل فى قريظة والنضير نقضوا عهدا له {نَّبَذَهُ} طرحه {فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} بنقضه، وهذا الفريق هو الأكثر والفريق الآخر لم ينقضوا، ولكن لم يؤمنوا {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} أى لكهم لا يؤمنون، من نقض ومن لم ينقض، فاستعمل الأكثر بمعنى الكل، لقلة من آمن، كاستعمال القلة بمعنى النفى، أو أراد بالأكثر ظاهره، وأن الفريق الآخر قليل لم ينقضوا، وهو آمنوا، وهم عند الله بن سلام وأهله، والذى قال، ما ننتظر، والله لقد علتم أن محمدا، هو رسول الله فأعينوه، فقال، لا تنقض السبت، فخرج وقال: لا سبت لكم، فقال يوم السبت، أو أراد أن الأكثر نقضوا جهرا والأقل خفاء.

الالوسي

تفسير : نزلت بسبب ابن صوريا كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آيات فنتبعك، وجعلت عطفاً على قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا }تفسير : [البقرة: 97] الخ عطف القصة على القصة {وَمَا يَكْفُرُ} عطف على جواب القسم فإنه كما يصدر باللام يصدر بحرف النفي، و(الآيات) القرآن والمعجزات والإخبار عما خفي وأخفي في الكتب السابقة أو الشرائع والفرائض، أو مجموع ما تقدم كله والظاهر الإطلاق، و(الفاسقون) المتمردون في الكفر الخارجون عن الحدود فإن من ليس على تلك الصفات من الكفرة لا يجترىء على الكفر بمثل هاتيك البينات، قال الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم أفراد ذلك النوع من كفر أو غيره فإذا قيل: هو فاسق في الشرب فمعناه هو أكثر ارتكاباً له وإذا قيل: هو فاسق في الزنا يكون معناه هو أشد ارتكاباً له، وأصله من فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، واللام إما للعهد لأن سياق الآيات يدل على أن ذلك لليهود، وإما للجنس وهم داخلون كما مر غير مرة.

ابن عاشور

تفسير : عطف على قوله: {أية : قل من كان عدواً لجبريل}تفسير : [البقرة: 97] عطف القصة على القصة لذكر كفرهم بالقرآن فهومن أحوالهم. وهاته الجملة جواب لقسم محذوف فعطفها على {قل من كان عدواً} من عطف الإنشاء على الإنشاء وفيه زيادة إبطال لقولهم: {أية : نؤمن بما أنزل علينا}تفسير : [البقرة: 91]. وفي الانتقال إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم إقبال عليه وتسلية له عما لقي منهم وأن ما أنزل إليه لا يكذب به إلا من لا يؤبه بتكذيبه لكون هذا المنزل دلائل واضحة لا تقصر عن إقناعهم بأحقيتها ولكنهم يظهرون أنفسهم أنهم لم يوقنوا بحقيتها. واللام موطئة لقسم محذوف فهنا جملة قسم وجوابه حذف القسم لدلالة اللام عليه. وقوله: {وما يكفر بها إلا الفاسقون} عطف على {لقد أنزلنا} فهو جواب للقسم أيضاً. والفاسق هو الخارج عن شيء من فسقت التمرة كما تقدم في قوله تعالى: {أية : وما يضل به إلا الفاسقين}تفسير : [البقرة: 26] وقد شاع إطلاقه على الخارج عن طريق الخير لأن ذلك الوصف في التمرة وصف مذموم وقد شاع في القرآن وصف اليهود به، والمعنى ما يكفر بهاته الآيات إلا من كان الفسق شأنه ودأبه لأن ذلك بهيئه للكفر بمثل هذه الآيات، فالمراد بالفاسقين المتجاوزون الحد في الكفر المتمردون فيه. والإخبار وقع بالمضارع الدال على التجدد. والتوصيف وقع باسم الفاعل المعروف باللام. وقوله: {أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم} استفهام مستعمل في التوبيخ معطوف على جملة القسم لا على خصوص الجواب وقدمت الهمزة محافظة على صدارتها كما هو شأنها مع حروف العطف. والقول بأن الهمزة للاستفهام عن مقدر محذوف والواوعاطفة ما بعدها على المحذوف علمتم إبطاله عند قوله تعالى: {أفكلما جاءكم رسول}. وتقديم (كلما) تبع لتقديم حرف الاستفهام وقد تقدم توجيهه عند قوله تعالى: {أية : أفكلما جاءكم رسول بمالا تهوى أنفسكم استكبرتم}تفسير : [البقرة: 87]. والنبذ إلقاء الشيء من اليد وهو هنا استعارة لنقض العهد شبه إبطال العهد وعدم الوفاء به بطرح شيء كان ممسوكاً باليد كما سموا المحافظة على العهد والوفاء به تمسكاً قال كعب:شعر : ولا تمسك بالوعد الذي وعدت تفسير : والمراد بالعهد عهد التوراة أي ما اشتملت عليه من أخذ العهد على بني إسرائيل بالعمل بما أمروا به أخذاً مكرراً حتى سميت التوراة بالعهد، وقد تكرر منهم نقض العهد مع أنبيائهم. ومن جملة العهد الذي أخذ عليهم أن يؤموا بالرسول المصدق للتوراة. وأسند النبذ إلى فريق إما باعتبار العصور التي نقضوا فيها العهودكما تؤذن به (كلما) أو احتراساً من شمول الذم للذين آمنوا منهم. وليس المراد أن ذلك الفريق قليل منهم فنبه على أنه أكثرهم بقوله: {بل أكثرهم لا يؤمنون} وهذا من أفانين البلاغة وهو أن يظهر المتكلم أنه يوفي حق خصمه في الجدال فلا ينسب له المذمة إلا بتدرج وتدبر قبل الإبطال. ولك أن تجعلها للانتقال من شيء إلى ما هو أقوى منه في ذلك الغرض لأن النبذ قد يكون بمعنى عدم العمل دون الكفر والأول أظهر. وقوله: {ولما جاءهم رسول} إلخ معطوف على قوله: {أو كلما} عطف القصة على القصة لغرابة هاته الشؤون. والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم لقوله: {مصدق لما معهم}. والنبذ طرح الشيء من اليد فهو يقتضي سبق الأخذ. وكتاب الله ظاهر في أنه المراد به القرآن لأنه الأتم في نسبته إلى الله. فالنبذ على هذا مراد به تركه بعد سماعه فنزل السماع منزلة الأخذ ونزل الكفر به بعد سماعه منزلة النبذ. وقيل: المراد بكتاب الله التوراة وأشار في «الكشاف» إلى ترجيحه بالتقديم لأن النبذ يقتضي سابقة أخذ المنبوذ وهم لم يتمسكوا بالقرآن، والأصل في إطلاق اللفظ المفرد أنه حقيقة لفظاً ومعنى وقيل المعرفة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى وفيه نظر لأن ذلك في إعادة الاسم المعرف باللام، أو تجعل النبذ تمثيلاً لحال قلة اكتراث المعرض بالشيء فليس مراداً به معناه. وقوله: {وراء ظهورهم} تمثيل للإعراض لأن من أعرض عن شيء تجاوزه فخلفه وراء ظهره وإضافة الوراء إلى الظهر لتأكيد بُعد المتروك بحيث لا يلقاه بعد ذلك فجعل للظهر وراء وإن كان هو هنا بمعنى الوراء. فالإضافة كالبيانية وبهذا يجاب عما نقله ابن عرفة عن الفقيه أبي العباس أحمد بن عبلون أنه كان يقول: مقتضى هذا أنهم طرحوا كتاب الله أمامهم لأن الذي وراء الظهر هو الوجه وكما أن الظهر خلف للوجه كذلك الوجه وراء للظهر قال ابن عرفة: وأجيب بأن المراد أي بذكر الظهر تأكيد لمعنى وراء كقولهم من وراءِ وراء. وقوله: {كأنهم لا يعلمون} تسجيل عليهم بأنهم عالمون بأن القرآن كتاب الله أو كأنهم لا يعلمون التوراة وما فيها من البشارة ببعثة الرسول من ولد إسماعيل.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آيات بينات: هي آيات القرآن الكريم الواضحة فيما تدل عليه من معان. يكفر بها: يجحد بكونها كتاب الله ووحيه إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. الفاسقون: الخارجون عما يجب أن يكونوا عليه من الإِيمان بالله والإِسلام له ظاهراً وباطناً. أو كلما عاهدوا: الهمزة للإِستفهام الإِنكاري والواو عاطفة على تقديره أكفروا بالقرآن ونبيه وكلما عاهدوا الخ.. العهد: الوعد الملزم. نبذه: طرحه وألقاه غير آبه به ولا ملتفت إليه. رسول: التنكير للتعظيم والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قبله عيسى عليه السلام. لما معهم: من نعتِ الرسول صلى الله عليه وسلم وتقرير نبوته، وسائر أصول الدين في التوراة. كتاب الله: التوراة لدلالتها على نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصحة دينه الإِسلام. وراء ظهورهم: أي أعرضوا عنه ولم يلتفتوا إليه لمنافاته لما هم معروفون عليه من الكفر بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم كأنهم لا يعلمون مع أنهم يعلمون حق العلم. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعموم رسالته والرد على اليهود وإظهار ما هم عليه من الفسق والكفر والظلم ففي الآية الأولى [99] يرد تعالى على قول ابن صوريا اليهودي للرسول صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشيء بقوله: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ} كالأعور بن صوريا اليهودي وفي الآية الثانية [100] ينكر الحق سبحانه وتعالى على اليهود كفرهم ونبذهم للعهود والمواثيق وليسجل عليهم عدم إيمان أكثرهم بقوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. وفي الآية الثالثة [101] ينعى البارىء عز وجل على علماء اليهود نبذهم للتوراة لما رأو فيها من تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإثباتها فقال: {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- الفسق العام ينتج الكفر، إن العبد إذا فسق وواصل الفسق عن أوامر الله ورسوله سيؤدي به ذلك إلى أن ينكر ما حرم الله وما أوجب فيكفر لذلك والعياذ بالله. 2- اليهود لا يلتزمون بوعد ولا يفون بعهد، فيجب أن لا يوثق في عهودهم أبداً. 3- التوراة أحد كتب الله عز وجل المنزلة أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران عليه السلام. 4- قبح جريمة من تنكَّر للحق بعد معرفته، ويصبح وكأنه جاهل به.

القطان

تفسير : نبذة: طرحه، نقضه. الفريق: الجماعة لا واحد له من لفظه. ثم يتجه الخطاب الى الرسول عليه السلام ليُثبّته على ما أنزل اليه من الآيات البينات مقررا انه لا يكفر بهذه الآيات الا الفاسقون من علماء بني اسرائيل وأحبارهم. وكما تذبذبوا في العقيدة والايمان، تذبذبوا كذلك فيما يبرمونه من عهود، فكانوا كلما عاهدوا النبي والمسلمين عهدا نقضه فريق منهم، لأن معظمهم لا يؤمنون بحرمة عهد ولا بقداسة ميثاق. وهذا ليس بغريب، فهو من صلب تعاليم تلمودهم. وأساسُ ما وضعه أحبارهم ان كل من عاداهم ليس له حرمة، ولا ذمة، ولا يجوز أن يُبْرَم معه عهد. كذلك لا يرجى ايمان أكثرهم، لأن الضلال قد استحوذ عليهم، كما ان غرورهم بأنفسهم وتجبرّهم قد جعلاهم في طغيانهم يعمهون.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتٍ} {بَيِّنَاتٍ} {ٱلْفَاسِقُونَ} (99) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالَى لِنَبيِّهِ الكَرِيمِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ، جَلَّ شَأنُهُ، أنْزَلَ إليهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، وَتِلْكَ الآيَاتُ هِي مَا حَوَاهُ كِتَابُ اللهِ مِنْ خَفَايَا عُلُومِ اليَهُودِ، وَمَكْنُونَاتِ سَرَائِرِهِمْ وَأَخْبَارِهِمْ، وَمَا حَرَّفَهُ أَوَائِلُهُمْ وَأوَاخِرُهُمْ، وَمَا بَدَّلُوهُ مِنَ الأَحْكَامِ التِي كَانَتْ فِي التَّورَاةِ، وَمَا يَكْفُرُ بِهذَهِ الآيَاتِ البَيِّنَاتِ، وَلاَ يَجْحَدُ بِهَا إلاّ الفَاسِقُونَ الخَارِجُونَ عَن الطَّاعَةِ، الذِينَ استَحَبُّوا العَمَى عَلَى الهُدَى حَسَداً لِلنَّبِيِّ، وَعِنَاداً وَمُكَابَرَةً مِنْهُمْ. الفَاسِقُونَ - الخَارِجُونَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : انتقل الله سبحانه وتعالى بعد ذلك إلى تأكيد صدق رسالة محمد عليه الصلاة والسلام .. وأن الآيات فيها واضحة بحيث إِن كل إنسان يعقل ويريد الإيمان يؤمن بها .. ولكن الذين يريدون الفسق والفجور .. هم هؤلاء الذين لا يؤمنون .. ما معنى الآيات البينات؟ إن الآية هي الأمر العجيب .. وهو عجيب لأنه معجز .. والآيات معجزات للرسول تدل على صدق بلاغه عن الله .. وهي كذلك الآيات في القرآن الكريم .. وبينات معناها أنها أمور واضحة لا يختلف عليها ولا تحتاج إلى بيان: {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99] .. والفسق هو الخروج عن الطاعة وهي مأخوذة من الرطبة .. البلح قبل أن يصبح رطباً لا تستطيع أن تنزع قشرته ولكن عندما يصبح رطبة تجد أن القشرة تبتعد عن الثمرة فيقال فسقت الرطبة .. ولذلك من يخرج عن منهج الله يقال له فاسق. والمعنى أن الآيات التي أيد بها اللهُ سبحانه وتعالى محمداً عليه الصلاة والسلام ظاهرة أمام الكفار ليست محتاجة إلى دليل .. فرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يقرأ كلمة في حياته .. يأتي بهذا القرآن المعجز لفظاً ومعنى .. هذه معجزة ظاهرة لا تحتاج إلى دليل .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا تغريه الدنيا كلها .. ليترك هذا الدين مهما أعطوه .. دليل على أنه صاحب مبدأ ورسالة من السماء .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يخبر بقرآن موحى من السماء عن نتيجة حرب ستقع بعد تسع سنوات .. ويخبر الكفار والمنافقين بما في قلوبهم ويفضحهم .. ويتنبأ بأحداث قادمة وبقوانين الكون .. وغير ذلك مما احتواه القرآن المعجز من كل أنواع الإعجاز علمياً وفلكياً وكونياً .. كل هذه آيات بينات يتحدى القرآن بها الكفار .. كلها آيات واضحة لا يمكن أن يكفر بها إلا الذي يريد أن يخرج عن منهج الله، ويفعل ما تهواه نفسه .. إن الإعجاز في الكون وفي القرآن وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم .. كل هذا لا يحتاج إلا لمجرد فكر محايد .. لنعرف أن هذا القرآن هو من عند الله مليء بالمعجزات لغة وعلماً .. وإنه سيظل معجزة لكل جيل له عطاء جديد.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى ما جبل عليه اليهود، من خبث السريرة ونقض العهود، والتكذيب لرسل الله ومعاداة أوليائه، حتى انتهى بهم الحال إِلى عداوة السفير بين الله وبين خلقه وهو "جبريل" الأمين عليه السلام، أعقب ذلك ببيان أن من عادة اليهود عدم الوفاء بالعقود، وتكذيب الرسل، واتباع طرق الشعوذة والضلال، وفي ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سلكوا معه هذه الطريقة، في عدم الأخذ بما انطوى عليه كتاب الله من التبشير ببعثة السراج المنير، وإِلزامهم الإِيمان به واتباعه، فنبذوا الكتاب وراء ظهورهم، واتبعوا ما ألقت إِليهم الشياطين من كتب السحر والشعوذة، ونسبوها إِلى سليمان عليه السلام وهو منها بريء، وهكذا حالهم مع جميع الرسل الكرام، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات. اللغَة: {نبذ} النبذ: الطرح والإِلقاء ومنه سمي اللقيط منبوذاً لأنه ينبذ على الطريق قال الشاعر: شعر : إنّ الذين أمرتهم أن يعدلوا نبذوا كتابك واستحلوا المَحْرما تفسير : {تَتْلُواْ} تحدّث وتروي من التلاوة بمعنى القراءة، أو من التلاوة بمعنى الاتباع قال الطبري: ولقول القائل: "هو يتلو كذا" في كلام العرب معنيان: أحدهما الاتباع كما تقول: تلوت فلاناً إِذا مشيت خلفه وتبعتَ أثره، والآخر: القراءة والدراسة كقولك: فلان يتلو القرآن أي يقرؤه {ٱلسِّحْرَ} قال الجوهري: كلُّ ما لطف مأخذه ودقَّ فهو سحر، وسحره أيضاً بمعنى خدَعه وفي الحديث "حديث : إنّ من البيان لسحراً" تفسير : {فِتْنَةٌ} الفتنة: الابتلاء والاختبار ومنه قولهم: فتنتُ الذهب إِذا امتحنته بالنار لتعرف سلامته أو غشه {خَلاَقٍ} الخلاق: النصيب قال الزجاج: هو النصيب الوافر من الخير، وأكثر ما يستعمل في الخير {لَمَثُوبَةٌ} المثوبة: الثواب والجزاء. التفسِير: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي والله لقد أنزلنا إليك يا محمد آيات واضحات دالاّت على نبوتك {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ} أي وما يجحد بهذه الآيات ويكذب بها إلا الخارجون عن الطاعة الماردون على الكفر {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم} أي أيكفرون بالآيات وهي في غاية الوضوح وكلّما أعطوا عهداً نقضه جماعة منهم؟ {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي بل أكثر اليهود لا يؤمن بالتوراة الإِيمان الصادق لذلك ينقضون العهود والمواثيق {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} أي مصدقاً للتوراة وموافقاً لها في أصول الدين ومقرراً لنبوة موسى عليه السلام {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} أي طرح أحبارهم وعلماؤهم التوارة وأعرضوا عنها بالكلية لأنها تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فجحدوا وأصروا على إِنكار نبوته {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي كأنهم لا يعلمون من دلائل نبوته شيئاً {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} أي اتبعوا طرق السحر والشعوذة التي كانت تحدثهم بها الشياطين في عهد ملك سليمان {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} أي وما كان سليمان ساحراً ولا كفر بتعلمه السحر {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ} أي ولكنّ الشياطين هم الذين علموا الناس السحر حتى فشا أمره بين الناس {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} أي وكما اتبع رؤساء اليهود السحر كذلك اتبعوا ما أنزل على الملَكيْن وهما هاروت وماروت بمملكة بابل بأرض الكوفة، وقد أنزلهما الله ابتلاءً وامتحاناً للناس {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} أي إن الملَكَيْن لا يعلمان أحداً من الناس السحر حتى يبذلا له النصيحة ويقولا إِن هذا الذي نصفه لك إِنما هو امتحان من الله وابتلاء، فلا تستعمله للإِضرار ولا تكفر بسببه، فمن تعلمه ليدفع ضرره عن الناس فقد نجا، ومن تعلمه ليلحق ضرره بالناس فقد هلك وضل.. قال تعالى {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} أي يتعلمون منهما من علم السحر ما يكون سبباً في التفريق بين الزوجين، فبعد أن كانت المودة والمحبة بينهما يصبح الشقاق والفراق {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي وما هم بما استعملوه من السحر يضرون أحداً إِلا إِذا شاء الله {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} أي والحال أنهم بتعلم السحر يحصلون على الضرر لا على النفع {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} أي ولقد علم اليهود الذين نبذوا كتاب الله واستبدلوا به السحر، أنهم ليس لهم حظ من رحمة الله ولا من الجنة لأنهم آثروا السحر على كتاب الله {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي ولبئس هذا الشيء الذي باعوا به أنفسهم لو كان لهم علم أو فهم وإِدراك {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ وٱتَّقَوْا} أي ولو أن أولئك الذين يتعلمون السحر آمنوا بالله وخافوا عذابه {لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي لأثابهم الله ثواباً أفضل مما شغلوا به أنفسهم من السحر، الذي لا يعود عليهم إِلا بالويل والخسار والدمار. سَبَبُ النّزول: لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم سليمان في المرسلين، قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون لمحمد يزعم أن ابن داود كان نبياً!! والله ما كان إِلا ساحراً فنزلت هذه الآية {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ}. البَلاَغَة: 1- {رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} التنكير للتفخيم ووصفُ الرسول بأنه آتٍ من عند الله لإِفادة مزيد التعظيم. 2- {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} مثلٌ يُضرب للإِعراض عن الشيء جملةً تقول العرب: جعل هذا الأمر وراء ظهره أي تولى عنه معرضاً، لأن ما يجعل وراء الظهر لا ينظر إِليه، فهو كناية عن الإِعراض عن التوراة بالكلية. 3- {لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} هذا جارٍ على الأسلوب المعروف في فنون البلاغة، من أن العالم بالشيء إِذا لم يجر على موجب علمه قد ينزّل منزلة الجاهل به، وينفى عنه العلم كما ينفى عن الجاهلين. 4- {لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} جيء بالجملة الإِسمية بدل الفعلية للدلالة على الثبوت والاستقرار. فَائِدَة: الحكمة من تعليم الملكين الناس السحر، أن السحرة كثروا في ذلك العهد واخترعوا فنوناً غريبة من السحر، وربما زعموا أنهم أنبياء، فبعث الله تعالى المَلكيْن ليعلما الناس وجوه السحر حتى يتمكنوا من التمييز بينه وبين المعجزة، ويعرفوا أن الذين يدّعون النبوة كذباً إِنما هم سحرة لا أنبياء.

الأندلسي

تفسير : {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ} هو التفات. {إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي واضحة الدلالة لا الباس فيها فعدم الإِيمان بها ليس بشبهة. {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ} أي الكافرون. وألْ للجنس أو للعهد في اليهود لأن سياق ما قبله وما بعده يدل عليهم. {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم} نزلت في مالك بن الصيف. ويقال: ابن الصيب، قال: والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وتدل كلما على تكرير العهد فيدخل فيه العهد الذي أخذ عليهم أن محمداً إن بعث ليؤمنن به وليكونن معه وعهد قريظة والنضير وقرىء بفتح الواو ويقدره الزمخشري اكفروا بالآيات البينات. وكلما وتقدم ان مذهب النحاة في هذا ونظائره واكلما وقدمت الهمزة لأن لها صدر الكلام وقرىء أو بسكون الواو وخرجه الزمخشري على العطف على الفاسقين وقدره وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهد الله مراراً كثيرة. "انتهى". وَيَنْبَو هذا التركيب عن إفادة هذا المعنى وخرج على أنّ أو بمعنى بلْ وهو رأي كوفي. والأولى عندي تخريج ذلك على أنّ أو بمعنى الواو إذ قد ثبت وجود ذلك في لسان العرب، وانتصب عهداً على أنه مصدر على غير المصدر أي معاهدة أو على أنه مفعول به لتضمن عاهدوا معنى أعطَوْا. نبذة: أي طرحه كناية عن نقضه كأنّ العهد شيء مجسّد رمي به فريق منهم. الفريق: اسم جمع لا واحد له يطلق على القليل والكثير وهنا استعمل في القليل لدلالة قوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} وبل للانتقال من خبر إلى خبر. والضمير في أكثرهم عائد على من عاد عليه ضمير عاهدوا أو عائد على الفريق وأكثرهم لا يؤمنون مبتدأ وخبر.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } تحصل بها الهداية لمن استهدى، وإقامة الحجة على من عاند، وهي في الوضوح والدلالة على الحق، قد بلغت مبلغا عظيما ووصلت إلى حالة لا يمتنع من قبولها إلا من فسق عن أمر الله، وخرج عن طاعة الله، واستكبر غاية التكبر.