Verse. 107 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اَوَكُلَّمَا عٰھَدُوْا عَہْدًا نَّبَذَہٗ فَرِيْقٌ مِّنْھُمْ۝۰ۭ بَلْ اَكْثَرُھُمْ لَا يُؤْمِنُوْنَ۝۱۰۰
Awakullama AAahadoo AAahdan nabathahu fareequn minhum bal aktharuhum la yuminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أو كلما عاهدوا» الله «عهداً» على الإيمان بالنبي إن خرج، أو النبيَّ أن لا يعاونوا عليه المشركين «نبذه» طرحه «فريق منهم» بنقضه، جواب كلما وهو محل الاستفهام الإنكاري «بل» للانتقال «أكثرهم لا يؤمنون».

100

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {أَوَ كُلَّمَا عَـٰهَدُواْ عَهْدًا } واو عطف دخلت عليه همزة الاستفهام وقيل الواو زائدة وليس بصحيح لأنه مع صحة معناه لا يجوز أن يحكم بالزيادة. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: الواو للعطف على محذوف معناه: أكفروا بالآيات والبينات وكلما عاهدوا، وقرأ أبو السماك بسكون الواو على أن الفاسقون بمعنى الذين فسقوا فكأنه قيل وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهد الله مراراً كثيرة وقرىء عوهدوا وعهدوا. المسألة الثالثة: المقصود من هذا الاستفهام، الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه لأن مثل ذلك إذا قيل بهذا اللفظ كان أبلغ في التنكير والتبكيت ودل بقول: {أَوَ كُلَّمَا عَـٰهَدُواْ } على عهد بعد عهد نقضوه ونبذوه، بل يدل على أن ذلك كالعادة فيهم فكأنه تعالى أراد تسلية الرسول عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم، بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم على ما بينه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالاً بعد حال لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك. المسألة الرابعة: في العهد وجوه، أحدها: أن الله تعالى لما أظهر الدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صحة شرعه كان ذلك كالعهد منه سبحانه وقبولهم لتلك الدلائل كالمعاهدة منهم لله سبحانه وتعالى، وثانيها: أن العهد هو الذي كانوا يقولون قبل مبعثه عليه السلام لئن خرج النبي لنؤمنن به ولنخرجن المشركين من ديارهم، وثالثها: أنهم كانوا يعاهدون الله كثيراً وينقضونه، ورابعها: أن اليهود كانوا قد عاهدوه على أن لا يعينوا عليه أحداً من الكافرين فنقضوا ذلك وأعانوا عليه قريشاً يوم الخندق، قال القاضي: إن صحت هذه الرواية لم يمتنع دخوله تحت الآية لكن لا يجوز قصر الآية عليه بل الأقرب أن يكون المراد ما له تعلق بما تقدم ذكره من كفرهم بآيات الله، وإذا كان كذلك فحمله على نقض العهد فيما تضمنته الكتب المتقدمة والدلائل العقلية من صحة القول ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم أقوى. المسألة الخامسة: إنما قال: {نَّبَذَهُ فَرِيقٌ } لأن في جملة من عاهد من آمن أو يجوز أن يؤمن فلما لم يكن ذلك صفة جميعهم خص الفريق بالذكر، ثم لما كان يجوز أن يظن أن ذلك الفريق هم الأقلون بين أنهم الأكثرون فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } وفيه قولان، الأول: أكثر أولئك الفساق لا يصدقون بك أبداً لحسدهم وبغيهم، والثاني: لا يؤمنون: أي لا يصدقون بكتابهم لأنهم كانوا في قومهم كالمنافقين مع الرسول يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسولهم ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً} الواو واو العطف، دخلت عليها ألف الاستفهام كما تدخل على الفاء في قوله:{أية : أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ}تفسير : [المائدة:50]، {أية : أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} تفسير : [يونس: 42]، {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ}تفسير : [الكهف: 50]. وعلى ثُمّ كقوله: {أية : أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ} تفسير : [يونس: 51] هذا قول سيبويه. وقال الأخفش: الواو زائدة. ومذهب الكسائي أنها أو، حُرّكت الواو منها تسهيلاً. وقرأها قوم أوْ، ساكنة الواو فتجيء بمعنى بل؛ كما يقول القائل: لأضربنك؛ فيقول المجيب: أو يكفي الله. قال ٱبن عطية: وهذا كله متكلّف؛ والصحيح قول سيبويه. «كلما» نصب على الظرف؛ والمَعْنّي في الآية مالك بن الصّيف، ويقال فيه ٱبن الضيف؛ كان قد قال: والله ما أخذ علينا عهدٌ في كتابنا أن نؤمن بمحمد ولا ميثاق؛ فنزلت الآية. وقيل: إن اليهود عاهدوا لئن خرج محمد لنؤمنن به ولنكونن معه على مشركي العرب؛ فلما بُعث كفروا به. وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين النبيّ صلى الله عليه وسلم وبين اليهود فنقضوها، كفعل قُريظة والنَّضير؛ دليله قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ}تفسير : [الأنفال: 56]. قوله تعالى: {نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم} النبذ: الطرح والإلقاء؛ ومنه النَّبيذ والمنبوذ، قال أبو الأسْود:شعر : وخبّرني مَن كنت أرسلتُ إنما أخذتَ كتابي معرضاً بشمالكا نظرتَ إلى عنوانه فنبذتَه كنبذك نعلاً أخلقتْ من نعالكا تفسير : آخر:شعر : إن الذين أمرتهم أن يعدلوا نبذوا كتابك وٱستحلّوا المَحْرَمَا تفسير : وهذا مَثَل يُضَرب لمن ٱستخفّ بالشيء فلا يعمل به؛ تقول العرب: ٱجعل هذا خَلْفَ ظهرك، ودَبْراً منك، وتحت قدمك؛ أي ٱتركه وأعرض عنه؛ قال الله تعالى: {أية : وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً}تفسير : [هود: 92]. وأنشد الفراء:شعر : تَميمُ بنُ زيد لا تكوننّ حاجتي بظَهْرٍ فلا يَعْيَا عليّ جوابُها تفسير : {بَلْ أَكْثَرُهُمْ} ابتداء. {لاَ يُؤْمِنُونَ } فعل مستقبل في موضع الخبر.

البيضاوي

تفسير : {أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُواْ عَهْدًا} الهمزة للإنكار، والواو للعطف على محذوف تقديره أكفروا بالآيات كلما عاهدوا، وقرىء بسكون الواو على أن التقدير إلا الذين فسقوا، {أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُواْ}، وقرىء «عوهدوا» و «عهدوا». {نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم } نقضه، وأصل النبذ الطرح، لكنه يغلب فيما ينسى، وإنما قال فريق لأن بعضهم لم ينقض {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } رد لما يتوهم من أن الفريق هم الأقلون، أو أن من لم ينبذ جهاراً فهم مؤمنون به خفاء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أ}كفروا بها { وكُلَّمَا عَٰهَدُواْ } الله {عَهْداً } على الإيمان بالنبي إن خرج، أو النبي أن لا يعاونوا عليه المشركين {نَّبَذَهُ } طرحه {فَرِيقٌ مّنْهُمُ } بنقضه، جواب (كلّما) وهو محل الاستفهام الإنكاري {بَل} للانتقال {أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }.

ابن عطية

تفسير : قال سيبويه: الواو واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، وقال الأخفش: هي زائدة، وقال الكسائي: هي "أو" وفتحت تسهيلاً، وقرأها قوم "أوْ" ساكنة الواو فتجيء بمعنى بل، وكما يقول القائل: لأضربنك فيقول المجيب: أوْ يكفي الله. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا كله متكلف، واو في هذا المثل متمكنة في التقسيم، والصحيح قول سيبويه وقرىء "عهدوا عهداً" وقرأ الحسن وأبو رجاء "عوهدوا" و {عهداً} مصدر، وقيل: مفعول بمعنى أعطوا عهداً، والنبذ: الطرح والإلقاء، ومنه النبيذ والمنبوذ، والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه، ويقع على اليسير والكثير من الجمع، ولذلك فسرت كثرة النابذين بقوله: {بل أكثرهم} لما احتمل الفريق أن يكون الأقل، و{لا يؤمنون} في هذا التأويل حال من الضمير في {أكثرهم}، ويحتمل الضمير العود على الفريق، ويحتمل العود على جميع بني إسرائيل وهو أذم لهم، والعهد الذي نبذوه هو ما أخذ عليهم في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مصحف ابن مسعود " نقضه فريق". وقوله تعالى: {ولما جاءهم رسول من عند الله}، يعني به محمد صلى الله عليه وسلم، وما {معهم} هو التوراة، و {مصدق} نعت لــ {رسول}، وقرأ ابن أبي عبلة "مصدقاً" بالنصب، و {لما} يجب بها الشيء لوجوب غيره، وهي ظرف زمان، وجوابها {نبذ} الذي يجيء، و {الكتاب} الذي أتوه: التوراة، و {كتاب الله} مفعول بـ {نبذ}، والمراد القرآن، لأن التكذيب به نبذ، وقيل المراد التوراة، لأن مخالفتها والكفر بما أخذ عليهم فيها نبذ، و {وراء ظهورهم} مثل لأن ما يجعل ظهرياً فقد زال النظر إليه جملة، والعرب تقول جعل هذا الأمر وراء ظهره ودبر أذنه، وقال الفرزدق: شعر : تميم بنَ مرٍّ لا تكونَنَّ حاجتي بظهرٍ فلا يعيى عليَّ جوابُها تفسير : و {كأنهم لا يعلمون} تشبيه بمن لا يعلم، إذ فعلوا فعل الجاهل، فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على علم. وقوله تعالى: {واتبعوا ما تتلو الشياطين} الآية، يعني اليهود، قال ابن زيد والسدي: المراد من كان في عهد سليمان، وقال ابن عباس: المراد من كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل الجميع، و {تتلو} قال عطاء: معناه تقرأ من التلاوة، وقال ابن عباس: {تتلو} تتبع، كما تقول: جاء القوم يتلو بعضهم بعضاً، وتتلو بمعنى تلت، فالمستقبل وضع موضع الماضي، وقال الكوفيون: المعنى ما كانت تتلو، وقرأ الحسن والضحاك: "الشياطون" بالواو. وقوله: {على ملك سليمان} أي على عهد ملك سليمان، وقيل المعنى في ملك سليمان بمعنى في قصصه وصفاته وأخباره، وقال الطبري: {اتبعوا} بمعنى فضلوا، و {على ملك سليمان} أي على شرعه ونبوته وحاله، والذي تلته الشياطين: قيل إنهم كان يلقون إلى الكهنة الكلمة من الحق معها المائة من الباطل حتى صار ذلك علمهم، فجمعه سليمان ودفنه تحت كرسيه، فلما مات قالت الشياطين: إن ذلك كان علم سليمان، وقيل: بل كان الذي تلته الشياطين سحراً وتعليماً فجمعه سليمان عليه السلام كما تقدم، وقيل إن سليمان عليه السلام كان يملي على كاتبه آصف بن برخيا علمه ويختزنه، فلما مات أخرجته الجن وكتبت بين كل سطرين سطراً من سحر ثم نسبت ذلك إلى سليمان، وقيل إن آصف تواطأ مع الشياطين على أن يكتبوا سحراً وينسبوه إلى سليمان بعد موته، وقيل إن الجن كتبت ذلك بعد موت سليمان واختلقته ونسبته إليه، وقيل إن الجن والإنس حين زال ملك سليمان عنه اتخذ بعضهم السحر والكهانة علماً، فلما رجع سليمان إلى ملكه تتبع كتبهم في الآفاق ودفنها، فلما مات قال شيطان لبني إسرائيل، هل أدلكم على كنز سليمان الذي به سخرت له الجن والريح، هو هذا السحر، فاستخرجته بنو إسرائيل وانبث فيهم، ونسبوا سليمان إلى السحر وكفروا في ذلك حتى برأه الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر سليمان في الأنبياء قال بعض اليهود: انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحراً. وقوله تعالى: {وما كفر سليمان} تبرئة من الله تعالى لسليمان، ولم يتقدم في الآيات أن أحداً نسبه إلى الكفر، ولكنها آية نزلت في السبت المتقدم أن اليهود نسبته إلى السحر، والسحر والعمل به كفر، ويقتل الساحر عند مالك رضي الله عنه كفراً، ولا يستتاب كالزنديق، وقال الشافعي: يسأل عن سحره فإن كان كفراً استتيب منه فإن تاب وإلا قتل، وقال مالك: فيمن يعقد الرجال عن النساء يعاقب ولا يقتل، واختلف في ساحر أهل الذمة فقيل: يقتل، وقال مالك: لا يقتل إلا إن قتل بسحره ويضمن ما جنى، ويقتل إن جاء منه بما لم يعاهد عليه، وقرأ نافع وعاصم وابن كثير وأبو عمرو بتشديد النون من "لكنّ" ونصب الشياطين، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر بتخفيف النون ورفع " الشياطينُ"، قال بعض الكوفيين: التشديد أحب اليّ إذا دخلت عليها الواو لأن المخففة بمنزلة بل، وبل لا تدخل عليها الواو، وقال أبو علي: ليس دخول الواو عليها معنى يوجب التشديد، وهي مثقلة ومخففة بمعنى واحد إلا أنها لا تعمل إذا خففت، وكفر الشياطين إما بتعليمهم السحر، وإما بعلمهم به، وإما بتكفيرهم سليمان به، وكل ذلك كان، والناس المعلمون أتباع الشياطين من بني إسرائيل، و {السحر} مفعول ثان بـ {يعلمون}، وموضع {يعلمون} نصب على الحال، أو رفع على خبر ثان. وقوله تعالى: {وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت}: {ما} عطف على {السحر} فهي مفعولة، وهذا على القول بأن الله تعالى أنزل السحر على الملكين فتنة للناس ليكفر من اتبعه ويؤمن من تركه،أو على قول مجاهد وغيره: إن الله تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين المرء وزوجه دون السحر، أو على القول إنه تعالى أنزل السحر عليهما ليعلم على جهة التحذير منه والنهي عنه. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والتعليم على هذا القول إنما هو تعريف يسير بمبادئه، وقيل إن {ما} عطف على {ما} في قوله: {ما تتلو}، وقيل: {ما} نافية، رد على قوله: {وما كفر سليمان}، وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائل بالسحر فنفى الله ذلك، وقرأ ابن عباس والحسن والضحاك وابن أبزى "الملِكين" بكسر اللام، وقال ابن أبزى: هما داود وسليمان، وعلى هذا القول أيضاً فــ {ما} نافية، وقال الحسن: هما علجان كانا ببابل ملكين، {فما} على هذا القول غير نافية، وقرأها كذلك أبو الأسود الدؤلي، وقال: هما {هاروت وماروت}، فهذا كقول الحسن. و {بابل} لا ينصرف للتأنيث والتعريف، وهي قطر من الأرض، واختلف أين هي؟ فقال قوم: هي بالعراق وما والاه، وقال ابن مسعود لأهل الكوفة: أنتم بين الحيرة وبابل، وقال قتادة: هي من نصيبين إلى رأس العين، وقال قوم: هي بالمغرب. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف، وقال قوم: هي جبل دماوند، و {هاروت وماروت} بدل من {الملكين} على قول من قال: هما ملكان، ومن قرأ "ملِكين" بكسر اللام وجعلهما داود وسليمان أو جعل الملكين جبريل وميكائل، جعل {هاروت وماروت} بدلاً من {الشياطين} في قوله {ولكن الشياطين كفروا}، وقال هما شيطانان، ويجيء {يعلمون}: إما على أن الاثنين جمع، وإما على تقدير أتباع لهذين الشيطانين اللذين هما الرأس، ومن قال كانا علجين قال: {هاروت وماروت} بدل من قوله {الملكين}، وقيل هما بدل من {الناس} في قوله {يعلمون الناس}، وقرأ الزهري {هاروتُ وماروتُ} بالرفع، وجهه البدل من {الشياطين} في قوله {تتلو الشياطين} أو من {الشياطين} الثاني على قراءة من خفف "لكنْ" ورفع، أو على خبر ابتداء مضمر تقديره هما {هاروت وماروت}. وروى من قال إنهما ملكان أن الملائكة مقتت حكام بني إسرائيل وزعمت أنها لو كانت بمثابتهم من البعد عن الله لأطاعت حق الطاعة، فقال الله لهم: اختاروا ملكين يحكمان بين الناس، فاختاروا هاروت وماروت، فكانا يحكمان، فاختصمت إليهما امرأة ففتنا بها فراوداها، فأبت حتى يشربا الخمر ويقتلا، ففعلا، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها إياه، فتكلمت به فعرجت، فمسخت كوكباً فهي الزهرة، وكان ابن عمر يلعنها. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا كله ضعيف وبعيد على ابن عمر رضي الله عنهما، وروي أن الزهرة نزلت إليهما في صورة امرأة من فارس فجرى لهما ما ذكر، فأطلع الله عز وجل الملائكة على ما كان من هاروت وماروت، فتعجبوا، وبقيا في الأرض لأنهما خُيِّرا بين عذاب الآخرة وعذاب الدنيا فاختارا عذاب الدنيا، فهما في سرب من الأرض معلقين يصفقان بأجنحتهما، وروت طائفة أنهما يعلمان السحر في موضعهما ذلك، وأخذ عليهما أن لا يعلما أحداً حتى يقولا له: {إنما نحن فتنة فلا تكفر}. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا القصص يزيد في بعض الروايات وينقص في بعض، ولا يقطع منه بشيء، فلذلك اختصرته. ذكر ابن الأعرابي في الياقوتة أن {يعلمان} بمعنى يعلمان ويشعران كما قال كعب بن زهير [الطويل]. شعر : تَعَلَّمْ رسولَ اللَّهِ أنَّك مدركي وأنّ وعيداً منك كالأخذِ باليدِ تفسير : وحمل هذه الآية على أن الملكين إنما نزلا يعلمان الناس بالسحر وينهيان عنه، وقال الجمهور: بل التعليم على عرفه، و "لا تكفر" قالت فرقة: بتعلم السحر، وقالت فرقة: باستعماله، وحكى المهدوي أن قولهما: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله، و {من} في قوله {من أحد} زائدة بعد النفي.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم...} قال ابن عرفة: ذمّ الإنسان على عدم العمل بما كان التزم العَمَلَ به أشد من ذمه على إنكار ما يعلم صحّته. وقال بعضهم: النّبذ طرح خاص، وهو عدم الاعتناء بالشيء لحقارته وذمامته وانظر تنبيهات القاضي عياض من العتق الثاني. قال ابن عرفة: وهذه تسلية له صلى الله عليه وسلم لأنه لما تقدم ذكر إنزال الآيات البينات وكفرهم بها عقبه ببيان أن ذلك شأنهم وعادتهم فلا يلحقك/ بسببه (ضجر) ولا حزن بوجه. فإن قلت: هل يؤخذ منه أن العهد لا يقبل النقض لأجل ذمهم على نقضه؟ فالجواب من وجهين: إما بما تقرر في كتاب الأيمان والنذور من أنه في الحكم الشرعي على قسمين: عهد يقبل النّقض، وعهد لا يقبله، وهذا من الذي لا يقبله، وإما بأن الذي وقع فيه الكلام (إنما هو) العهد المطلق الذي هو غير متكرر، وأما هذا فهو عهد مؤكد متكرر فلا يقبل النقض بوجه فلذلك ذمّوا على نقضه. فإن قلت: هلا قيل: أَوَ كُلَّمَا عَاهَد فريق منهم عهدا نقضه، لئلا يلزم عليه ذم الجميع بعصيان البعض؟ فالجواب: أنّ الجميع ذمّوا بسبب رضاهم بفعل البعض وإمّا بأن الذم للفريق الناقض للعهد فقط، وأتت الآية على هذا الأسلوب لأن نقض العهد من فريق عاهدوهم وغيرهم، فثبت غيرهم ونقضوا هم فاتّسع في الذّم لهم في نقضهم عهدا اختصوا به. قوله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} قال ابن عطية: الضمير في "أكْثَرهُمْ" إما عائد على بني إسرائيل أو على الفريق النابذين. وضعفه ابن عرفة لأنه يلزم عليه أن يكون بعض الذين نبذوا العهد مؤمنا؟ وأجيب باحتمال كون المنبذ راجعا لعدم الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فبعضهم (آمن بكتابه) ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد نبذ العهد (مع أنه مؤمن بكتابه). قال ابن عرفة: و"أَكْثَرُهُمْ" إما أن يراد به الفريق، أو (هو) أعم منه. ولما كان الفريق يصدق على القليل والكثير بين بالأكثر. (قيل) لابن عرفة: (عدم) إيمانهم هو نفس نقضهم للعهد فلا يصح أن يكون الأكثر غير مؤمنين والأقل ناقضين للعهد؟ وأجاب بأنّه يصحّ لأن هؤلاء اليهود منهم من هو متبع لكتابه ومنهم من هو مخالف له. قال ابن الخطيب: وقيل: المراد بنبذ العهد عدم إيمانهم بالقرآن. قال: وهذا مردود بأن مادة النبذ تقتضي تمسكهم به قبل ذلك مع أنهم لم يكونوا قط متمسكين بالقرآن. وأجاب ابن عرفة بأنهم كانوا قابلين للتّمسّك (به) وكانوا قبل البعثة متمسكين (به) لأن كتابهم أخبر به على وفقه بدليل أن من مات منهم قبل ذلك مات مسلما حنيفيا.

ابن عادل

تفسير : الجمهور على تحريك واو "أَوَكلما"، واختلف النحويون في ذلك على ثلاثة أقوال: فقال الأخفش: إن الهمزة للاستفهام، والواو زائدة وهذا على رأيه في جواز زيادتها. وقال الكسائي هي "أو" العاطفة التي بمعنى "بل" وإنما حركت الواو. ويؤيده قراءة من قرأها ساكنة. وقال البصريون: هي واو العطف قدمت عليها همزة الاستفهام على ما عرف. قال القرطبي: كما دخلت همزة الاستفهام على "الفاء" في قوله: {أية : أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} تفسير : [المائدة:50]، {أية : أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ}تفسير : [يونس:42]، {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ}تفسير : [الكهف:50]. وعلى "ثم" كقوله: {أية : أَثُمَّ إِذَا مَا} تفسير : [يونس:51]. وقد تقدم أن الزمخشري يقدر بين الهمزة وحرف العطف شيئاً يعطف عليه ما بعده، لذلك قدره هُنَا: أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا. وقرأ أبو السّمَال العدوي: "أوْ كلما" ساكنة الواو، وفيها ثلاثة أقوال: فقال الزمخشري: إنها عاطفة على "الفاسقين"، وقدره بمعنى إلا الذين فسقوا أو نقضوا، يعني به: أنه عطف الفعل على الاسم؛ لأنه في تأويله كقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ وَٱلْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ}تفسير : [الحديد:18] أي: الذين اصَّدَّقُوا وأقرضوا. وفي هذا كلام يأتي في سورته إن شاء الله تعالى. وقال المهدوي: "أو" لانقطاع الكلام بمنزلة "أم" المنقطعة، يعني أنها بمعنى "بل"، وهذا رأى الكوفيين، وقد تقدم تحريره وما استدلّوا به من قوله: [الطويل] شعر : 687ـ................ ..... أَوْ أَنْتَ فِي الْعَيْنِ أَمْلَحُ تفسير : في أول السورة. وقال بعضهم: هي بمعنى "الواو" فتتفق القراءتان، وقد وردت "أو" بمنزلة "الواو" كقوله: [الكامل] شعر : 688ـ........................ مَا بَيْنَ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أَوْ سَافِعِ {أية : خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً}تفسير : [النساء:112] {أية : آثِماً أَوْ كَفُوراً}تفسير : [الإنسان:24] فلتكن [هنا] كذلك، وهذا أيضاً رأي الكوفيين. والناصب لـ "كلّما" بعده، وقد تقدم تحقيق القول فيها، وانتصاب "عَهْداً" على أحد وجهين: إما على المصدر الجاري على غير المصدر وكان الأصل: "مُعَاهَدَة" أو على المفعول به على أن يضمن عاهدوا معنى "أَعْطوْا" ويكون المفعول الأول محذوفاً، والتقدير: عاهدوا الله عَهْداً. وقرىء: "عَهِدُوا" فيكون"عَهْداً" مصدراً جارياً على صدره. وقرىء أيضاً: "عُوهِدُوا" مبيناً للمفعول. قال ابن الخطيب: المقصود من هذا الاستفهام، الإنكار، وإعظام ما يقدمون عليه، ودلّ قوله: "أو كلما عاهدوا" على عهد بعد عهد نقضوه، ونبذوه، ويدل على أن ذلك كالعادة فيهم، فكأنه ـ تعالى ـ أراد تسلية الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ عن كفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم، بل هو سجيّتهم وعادتهم، وعادة سَلَفهم على ما بيّنه فيما تقدم من نَقْضهم العهود والمواثيق حالاً بعد حال؛ لأن من يعتاد منه هذه الطريقة، فلا يصعب على النفس مُخَالفته كصعوبة مَنْ لم تَجْرِ عادته بذلك. وفي العهد وجوه: أحدها: أن الله ـ تعالى ـ لما أظهر الدَّلائل الدَّالة على نبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى صحّة شرعه كان ذلك كالعهد منه ـ سبحانه وتعالى ـ وقبولهم لتلك الدلائل كالمعاهدة منهم لله ـ سبحانه وتعالى ـ. وثانيها: قولهم قبل مبعثه: لئن خرج النبي لنؤمنن به، ولنخرجن المشركين من ديارهم [قال ابن عباس: لما ذكرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أخذ الله ـ تعالى ـ عليهم، وعهد إليهم في مُحَمّد أن يؤمنوا به قال مالك بن الصيف: والله ما عهد إلينا من محمد عهد فنزلت هذه. قال القرطبي: ويقال فيه: "ابن الصّيف" ويقال: "ابن الضَّيْف"]. وثالثها: أنهم كانوا يعاهدون الله كثيراً وينقضونه. ورابعها: قال عطاء: إن اليهود كَانُوا قد عاهدوا على ألاَّ يعينوا عليه أحداً من الكافرين، فنقضوا ذلك، وأعانوا عليه قريشاً يوم "الخندق" [ودليله قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ}تفسير : [الأنفال:56]] إنما قال: {نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم} لأن في جملة من عاهد من آمن، أو يجوز أن يؤمن، فلما لم يكن ذلك صفة جميعهم خص الفريق بالذكر، ثم لما كان يجوز أن يظن أن ذلك الفريق هم الأقلّون بين أنهم الأكثر فقال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} وفيه قولان: الأول: أن أكثر أولئك الفسّاق لا يصدقون بك أبداً لحسدهم وبغيهم. [والثاني: لا يؤمنون] أي: لا يصدقون بكتابهم، لأنهم في قومهم كالمُنَافقين مع الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يظهرون لهم الإيمان بكتابهم ورسوله، ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه. قوله تعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فيه قولان: أحدهما: أنه من باب عَطْف الجمل، وتكون "بل" لإضراب الانتقال لا الإبطال، وقد [علم] أن "بل" لا تسمَّى عاطفة حقيقية إلا في المفردات. الثاني: أنه يكون من عطف المفردات، ويكون "أكثرهم" معطوفاً على "فريق"، و "لاَ يُؤْمِنُونَ" جملة في محلّ نصب على الحال من "أكثرهم". وقال ابن عطيَّة: من الضمير في "أكثرهم"، وهذا الذي قاله جائز، لا يقال: إنها حال من المضاف إليه؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه، وذلك جائز. وفائدة هذا الإضراب ما تقدم ذكره آنفاً. والنَّبْذُ: الطرح ومنه النَّبِيذ والمَنْبُوذ، وهو حقيقة في الأجْرَام وإسناده إلى العَهْد مَجَاز. وقال بعضهم: النَّبْذ والطَّرْح الإلقاء متقاربة، إلاّ أن النبذ أكثر ما يقال فيما يبس والطَّرح أكثر ما يُقال في المبسوط والجاري مجراه، والإلقاء فيما يعتبر فيه مُلاَقاة بين شيئين؛ ومن مجيء النبذ بمعنى الطَّرْح قوله: [الكامل] شعر : 689ـ إِنَّ الَّذِينَ أَمَرتَهُمْ أَنْ يَعْدِلُوا نَبَذُوا كِتابَكَ وَاسْتَحَلُّوا الْمَحْرَما تفسير : وقال أبو الأسود: [الطويل] شعر : 690ـ وَخَبَّرَنِي مَنْ كُنْتُ أَرْسَلْتُ أَنَّما أَخَذْتَ كِتَابِي مُعْرضاً بشِمَالِكا نَظَرْتَ إِلَى عُنْوَانِهِ فَنبَذْتَهُ كَنَبْذِكَ نَعْلاً أَخْلَقَتْ مِنْ نِعَالِكَا

ابو السعود

تفسير : {أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُواْ عَهْدًا} الهمزةُ للإنكار والواوُ للعطف على مقدرٍ يقتضيه المقامُ أي أكفَــروا بها وهي في غاية الوضوحِ وكلما عاهدوا عهداً ومن جملة ذلك ما أشير إليه في قــوله تعالى: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} تفسير : [البقرة، الآية 89] من قولهم للمشركين: قد أظل زمانُ نبـيٍّ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلُكم معه قتلَ عادٍ وإرَمَ. وقرىء بسكون الواو علـــى أن تقدير النظم الكريم، وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهودَهم مراراً كثيرة، وقرىء عوُهِدوا وعهِدوا، وقوله تعالى: عهداً إما مصدرٌ مؤكد لعاهَدوا من غير لفظِه أو مفعولٌ له على أنه بمعنى أعطَوُا العهدَ {نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم} أي رمَوْا بالزِّمام ورفضوه، وقرىء نَقَضَه وإسنادُ النبذِ إلى فريق منهم لأن منهم من لم ينبِذْه {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي بالتوراة وهذا دفعٌ لما يُتوَهَّم من أن النابذين هم الأقلون، وأن من لم ينبِذْ جِهاراً فهم يؤمنون بها سراً {وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ} هو النبـي صلى الله عليه وسلم، والتنكيرُ للتفخيم {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} متعلق بجاءَ أو بمحذوفٍ وقعَ صفةً لرسول لإفادة مزيدِ تعظيمِه بتأكيد ما أفاده التنكيرُ من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية {مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} من التوراة من حيث أنه صلى الله عليه وسلم قرر صِحتها وحقق حَقّيةَ نبوة موسى عليه الصلاة والسلام بما أُنزل عليه أو من حيث أنه عليه السلام جاء على وَفق ما نُعت فيها {نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} أي التوراةَ، وهم اليهودُ الذين كانوا في عهد النبـي صلى الله عليه وسلم ممن كانوا يستفتحون به قبل ذلك لا الذين كانوا في عهد سليمانَ عليه السلام كما قيل لأن النبذَ عند مجيءِ النبـي صلى الله عليه وسلم لا يُتصوَّرُ منهم، وأفرد هذا النبذُ بالذكر مع اندراجِه تحت قوله عز وجل: {أَوْ كُلَّمَا عَـٰهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم} لأنه معظمُ جناياتِهم ولأنه تمهيدٌ لذكر اتّباعهم لما تتلو الشياطينُ وإيثارِهم له عليه، والمرادُ بإيتائها إما إيتاءُ علمِها بالدراسة والحفظ والوقوفِ على ما فيها، فالموصولُ عبارة عن علمائهم وإما مجردُ إنزالِها عليهم فهو عبارةٌ عن الكل، وعلى التقديرين فوضعُه موضِع الضمير للإيذان بكمال التنافي بـين ما أُثبت لهم في حيز الصلةِ وبـين ما صدر عنهم من النبذ {كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} أي الذي أوُتوه قال السدي: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراةُ والفرقانُ فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصَفَ وسحرِ هاروتَ، وماروتَ فلم يوافق القرآنَ فهذا قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ} الخ، وإنما عَبَّر عنها بكتاب الله تشريفاً لها وتعظيماً لحقِها عليهم وتهويلاً لما اجترأوا عليه من الكفر بها وقيل: (كتابَ الله) القرآنُ نبذوه بعد ما لزِمهم تلقِّيه بالقَبول لا سيما بعد ما كانوا يستفتحون به من قبلُ فإن ذلك قَبولٌ له وتمسُّكٌ به، فيكون الكفرُ به عند مجيئه نبذاً له كأنه قيل: كتابَ الله الذي جاء به فإن مجيءَ الرسول مُعربٌ عن مجيء الكتاب {وَرَاء ظُهُورِهِمْ} مَثَلٌ لتركهم وإعراضِهم عنه بالكلية مثل بما يُرمىٰ به وارءَ الظهر استغناءً عنه وقلّةَ التفاتٍ إليه {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} جملةٌ حاليةٌ أي نبذوه وراء ظهورِهم مُشبَّهين بمن لا يعلمه، فإن أريد بهم أحبارُهم فالمعنى كأنهم لا يعلمونه على وجه الإيقان ولا يعرفون ما فيه من دلائلِ نبوتِه عليه الصلاة والسلام ففيه إيذانٌ بأن علمَهم به رصينٌ لكنهم يتجاهلون أو كأنهم لا يعلمون أنه كتابُ الله أو لا يعلمونه أصلاً كما إذا أريد بهم الكل. وفي هذين الوجهين زيادةُ مبالغةٍ في إعراضهم عما في التوراة من دلائل النبوة. هذا وإن أريد بما نبذوه من كتاب الله القرآنَ فالمرادُ بالعلم المنفيِّ في قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} هو العلمُ بأنه كتابُ الله ففيه ما في الوجه الأول من الإشعار بأنهم مُتيقِّنون في ذلك، وإنما يكفُرون به مكابرةً وعِناداً. قيل إن جيل اليهود أربعُ فرقٍ: ففِرقةٌ آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهلِ الكتاب وهم الأقلون المشارُ إليهم بقوله عز وجل: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة، الآية 100] وفِرقةٌ جاهروا بنبذ العهودِ وتعدّي الحدود تمرُّداً وفسُوقاً وهم المعنيُّون بقوله تعالى: {نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم} [البقرة، الآية 100] وفِرقةٌ لم يجاهروا بنبذها لجهلهم بها وهم الأكثرون، وفِرقةٌ تمسكوا بها ظاهراً ونبذوها خُفْيةً وهم المتجاهلون.

اسماعيل حقي

تفسير : {أو} الهمزة للانكار والعطف على مقدر يقتضيه المقام اى أكفروا بآيات البينات وهى فى غاية الوضوح {كلما عاهدوا عهدا} مصدر مؤكد لعاهدوا من غير لفظه {نبذه فريق منهم} اى رموا بالذمام اى العهد ورفضوه والفريق الطائفة ويكون للقليل والكثير واسناد النبذ الى فريق منهم لان منهم من لم ينبذه {بل اكثرهم لا يؤمنون} بالتوارة وليسوا من الدين فى شىء فلا يعدون نقض المواثيق ذنبا ولا يبالون به وهذا رد لما يتوهم من ان النابذين هم الاقلون.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الهمزة للإنكار، والواو للعطف على محذوف تقديره: أَكفروا بالآيات وكلما عاهدوا عهداً، و {كُلَّمَا} منصوب على الظرفية، وهي متضمنة معنى الشرط فتفتقر للجواب، وهو العامل فيها. والنبذ: الطرح، لكنه يغلب فيما ينسى، قاله البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: في شأن اليهود والإنكار عليهم: {أَوَ كُلَّمَا} أعطوا عهداً وعقدوه على أنفسهم طرحه {فَرِيقٌ مِّنْهُمْ}؟ فقد أعطوا العهد أنهم إن أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم ليؤمنن به ولينصرنه، فلما أدركوه نبذوا ذلك العهد ونسوه. وكذلك أعطوا العهد للنبيَ صلى الله عليه وسلم ألا يعاونوا المشركين عليه، فنبذه بنو قريظة والنضير، ولم ينقضه جميعهم بل فريق منهم، وهم الأكثر، ولذلك قال: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}، فالأكثر هم الناقضون للعهود، المجاوزون للحدود. والله تعالى أعلم. الإشارة: نقض العهد مع الله أو مع عباده من علامة النفاق، ومن شيم أهل البعاد والشقاق، والوفاء بالعهد من علامة الإيمان، ومن شيم أهل المحبة والعرفان. قال تعالى في صفة المفلحين:{أية : وَالَّذِينَ هُمْ لأَمانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ }تفسير : [المؤمنون: 8]، ولا سيما عهود الشيوخ؛ أهل التمكين والرسوخ، فمن أخذ عقد الصحبة مع الشيخ الذي هو أهل للتربية؛ فيحذر مِنْ حَلّ العقدة بينه وبينه، فإنَّ ذلك يقطع الإمداد، ويوجب الطرد والبعاد، والالتفات إلى غيره تسويس لبذرة الإرادة، وموجب لقطع الزيادة والإفادة، ثم إن الانجماع على الشيخ، وقطع النظر والالتفات إلى غيره هو سبب للكون – كذلك – مع الله، فبقدر الانقطاع إلى الشيخ يحصل الانقطاع إلى الله، وبقدر ترك الاختيار وسلب الإرادة مع الشيخ يحصل كذلك مع الله، وبقدر الوفاء بعهود شيوخ التربية يحصل الوفاء بعهود حقوق الربوبية. فمن كانت غيبته في الشيخ أقوى، وانحياشه أليه أكثر، وجمعه عليه أدوم، كان كذلك مع ربه، وكذلك التعظيم والأدب، والله يعامل العبد على حسب ذلك. قال الشيخ زَرُّوق رضي الله عنه: (ولا تنتقلْ عنه، ولو رأيت من هو أعلى منه، فتحرمَ بركة الأول والثاني)، ولذلك كان المشايخ يمنعون أصحابهم من صحبة غيرهم، بل من زيارتهم، وأنشدوا: شعر : خُذْ مَا تَراهُ ودَعْ شَيْئاً سَمِعتَ بِهِ في طلْعَةِ البدرِ ما يُغنيكَ عن زُحَلِ تفسير : وحاصل أمر الزيارة لغير شيخه أن فيه تفصيلاً: فمن كَمُل صدقه، وتوفر عقله، بحيث إذا زار لا يستنقص شيخه، ولا الذي زاره، جاز له أن يزور من شاء، ومن لم يكمل صِدقُهُ وعقله، بحيث إذا زار: إما يستنقص شيخه، أو الشيخ الذي زاره، فليكف عن زيارة غير شيخه. وقال محيي الدين بن العربي: ويجب على المريد أن يعتقد في شيخه أنه عالم بالله، ناصح لخلق الله، ولا ينبغي له أن يعتقد في شيخه العصمة. وقد قيل للجنيد: أيزني العارف؟ فقال:{أية : وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}تفسير : [الأحزَاب: 38]. وصحب تلميذ شيخاً، فرآه يوماً قد زنا بامرأة، فلم يتغير من خدمته، ولا أخلّ في شيء من مرسومات شيخه، ولا ظهر منه نقص في احترامه. وقد عرف الشيخ أنه رآه، فقال له يوماً: يا بني قد عَرَفْتُ أنك رأيتني حين فسقتُ بتلك المرأة، وكنت أنتظر فراقك عني من أجل ذلك: فقال له التلميذ: يا سيدي الإنسان معرض لمجاري أقدار الله عليه، وإني من الوقت الذي دخلت فيه إلى خدمتك ما خدمتك على أنك معصوم، وإنما خدمتك على أنك عارف بطريق الله تعالى، عارف بكيفية السلوك عليه الذي هو طلبي، وكونك تعصي أو لا تعصي شيء بينك وبين الله عزّ وجلّ، لا يرجع من ذلك شيء عَلَيَّ، فما وقع منك يا سيدي شيء لا يوجب نفاري وزوالي عنك، وهذا هو عَقْدي، فقال له الشيخ: وفقت وسعدت هكذا وإلا فلا... فربح ذلك التلميذ، وجاء منه ما تَقَرُّ بِهِ العين من حسن الحال وعُلوِّ المقام. هـ.

الطوسي

تفسير : الاعراب: الواو في قوله {أو كلما} عند سيبويه واكثر النحويين واو العطف. الا ان الف الاستفهام دخلت عليها، لان لها صدر الكلام، وهي او الاستفهام بدلالة ان الواو يدخل على هل، لان الالف اقوى منها. قال الزجاج وغيره تقول: وهل زيد عاقل، ولا يجوز وأزيد عاقل. وقال بعضهم يحتمل ان تكون زائدة. كزيادة الفاء في قولك: أفالله لتصنعن. والاول ـ اصح لانه لا يحكم بالزيادة مع وجود معنى من غير ضرورة، والعطف على قوله: {أية : خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا }تفسير : {أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم} وانما اتصل ذكر العهد بما قبله لاحد امرين: احدهما ـ بقوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم}. والثاني ـ انهم كفروا بنقض العهد كما كفروا بالآيات. المعنى: والمراد بالعهد ها هنا: الميثاق الذي اخذه الله ليؤمننّ بالنبي الاميّ ـ على قول ابن عباس ـ وقال ابو علي: المعني به العهود التي كانت اليهود اعطوها من انفسهم ـ في ايام انبيائهم، وفي ايام نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، لانهم كانوا عاهدوه انهم لا يعينوا عليه احداً فنقضوا ذلك واعانوا عليه قريشاً يوم الخندق. اللغة: وقوله: {نبذه} النبذ والطرح والالقاء نظائر. قال صاحب العين: والنبذ طرحك الشيء عن يدك امامك، او خلفك. والمنابذة: انتباذ الفريقين للحرب. تقول نبذنا إليهم على سواء: اي نابذناهم الحرب. والمنبوذون هم الاولاد الذين يطرحون ـ والنبيذ معروف ـ والفعل نبذت لي، ولغيري، وانبذت: خاصة لنفسي. والمنابذة في البيع منهي عنها وهي كالرمي، كأنه اذا رمى اليه. وجب له، وسمي النبيذ: نبيذاً، لأن التمر كان يلقى في الجرة وغيرها. وهي فعيل بمعنى مفعول. واصاب الارض نبذة من المطر: اي قليل. المعنى: قال قتادة: معنى نبذه في الآية: نقضه، وقيل: تركه. وقيل ألقاه، والمعنى متقارب ـ قال ابو الاسود الدؤلي: شعر : نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلاً اخلقت من نعالكا تفسير : وقوله: {بل أكثرهم} الهاء، والميم عائدتان على المعاهدين، ولا يصلح على الفريق اذ كانوا كلهم غير مؤمنين. واما المعاهدون: فمنهم من آمن كعبد الله ابن سلام، وكعب الاحبار وغيرهما. وانما دخلت بل على قوله: {اكثرهم لا يؤمنون}، لامرين: احدهما ـ انه لما قال: {نبذه فريق منهم} دل على انه كفر ذلك الفريق بالنقض، وحسن هذا التفصيل، لان منهم من نقض عناداً. ومنهم من نقض جهلاً. والوجه الثاني ـ كفر فريق منهم بالنقض، وكفر اكثرهم بالجحد للحق، وهو امر النبي "صلى الله عليه وسلم" وما يلزم من اتباعه، والتصديق به. وقيل بل يعني ان الفريق وان كانوا هم المعاندون، والجميع كافرون. كما تقول: زيد كريم بل قومه جميع كرام. وقوله: {أو كلما} نصب على الظرف، والعامل فيه نبذ، ولا يجوز ان يعمل فيه عاهدوا، لانه متمم [لما]: اما صلة، واما صفة.

الجنابذي

تفسير : {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ} اى الا يراعوا هؤلاء اليهود الّذين أنكروا رسالة محمّدٍ (ص) وخلافة علىٍّ (ع) بعد الآيات الواضحات الدّالاّت على الرّسالة والامامة وكلّما عاهدوا {عَهْداً} مع الرّسول بمحاكمة واحد منهم مثل عبد الله بن سلام مثلاً او هؤلاء النّصّاب كلّما عاهدوا بمبايعة محمّد (ص) مثل بيعة الرّضوان بالتّسليم فى جميع أوامره وترك الرّدّ عليه وترك مخالفته ومثل البيعة مع محمّد (ص) بغديرخمّ بخلافة علىّ (ع) ومع علىّ بخلافته، وكلّما عاهدوا بدون البيعة ان لا يخالفوا محمّداً (ص) وان يسلموا لعلىٍّ (ع) {نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} اى فى مستقبل أعمارهم لا يرعوون ولا يتوبون مع مشاهدتهم للآيات ومعاينتهم للدّلالات، او المعنى بل اكثرهم لا يصدّقون ولا يذعنون حين المعاهدة، والاتيان بالشّرطيّة كلّيّة يدلّ على أنّ هذه عادتهم قديماً وجديداً لا تنفّك عنهم، نسب الى رسول الله (ص) انّه قال: حديث : اتّقوا عباد الله واثبتوا على ما أمركم به رسول الله (ص) من توحيد الله ومن الايمان بنبوّة محمّدٍ (ص) رسول الله، ومن الاعتقاد بولاية علىّ (ع) ولىّ الله، ولا يغرّنّكم صلاتكم وصيامكم وعباداتكم السّالفة أنّها تنفعكم ان خالفتم العهد والميثاق فمن وفى وُفى له، ومن نكث فانّما ينكث على نفسه، والله ولىّ الانتقام منه، وانّما الاعمال بخواتيمها .

الهواري

تفسير : قوله: {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ} أي: نقضه {فَرِيقٌ مِّنْهُم} يعني اليهود. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} كقوله: (أية : فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ) تفسير : [البقرة:88]. قوله: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} يعني محمداً عليه السلام {نَبَذَ} أي نقض {فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي كأنهم ليس عندهم من الله فيه عهد، وعندهم من الله فيه العهد، يعني من كفر منهم. قوله: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}. ذكر بعض المفسرين أن الشياطين ابتدعت كتاباً فكتبت فيه سحراً وأمراً عظيماً، ثم أفشته في الناس وعلَّموهم [إياه]. فبلغ ذلك سليمان فتتبع تلك الكتب، فدفنها تحت كرسيه كراهة أَن يتعلَّمها الناس. فلما قبض الله سليمان عمدت الشياطين فاستخرجوها من مكانها وعلّموها الناس، وقالت: هذا علم كان سليمان يستأثر به ويكتمه. فعذر الله سليمان، وأخبر أن الشياطين هي التي كتبت تلك الكتب. فقال: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ}. أي من الكهانة والسحر، {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ. وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ}. أي: وما كان ذلك عن مشورته ولا عن أمره، ولا عن رضى منه، ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه، ولكن الشياطين الذين افتعلوا ذلك هم الذين كفروا يعلّمون الناس السحر. قال الكلبي: إن سليمان كان أصاب ذنباً فأَحبّ الله أن يعجِّل عقوبتَه في الدينا. فابتلاه بما كان من أمر الشيطان الذي كان خَلَفَه، وذهب ملك سليمان. فلما انقضت المُدَّة ونزلت رحمة الله عليه ألقى الله في نفس الناس استنكار الشيطان، فمشوا إلى أصف، أحدِ الثلاثة خزان بيت المقدس، فقالوا: يا أصف، إنا قد أنكرنا قضاء الملك وعِلمَه، فلا ندري أنكرت ما أنكرنا أم لا. فقال نعم. ولكني سوف أدخل على نسائه، فإن كُنَّ أنكرن منه مثل الذي أنكرنا فذلك أمر عمّ الناس، فاصبروا حتى يكشف الله عنكم، وإن لم ينكرن منه مثل الذي أنكرنا فهو أمر خُصِصنا به، فادعوا الله لملكِكم بالصلاح والعافية. فانطلق أصف فدخل على نسائه، فسألهن عنه، فقلن: إن كان هذا سليمانَ فقد هلكنا وهلكتم. فخرج أصف إلى الناس فأخبرهم، فدعوا الله ربهم أن يكشف عنهم. فلما رأت الشياطين الذي فيه الناس من الغفلة كتبوا سحراً كثيراً على لسان أصف، ثم دفنوه في مصلّى سليمان وفي بيت خزانته وتحت كرسيه وضربوا عنه. وفشا الاستنكار من الناس للشيطان وانقضت أيامه، ونزلت الرحمة من الله لسليمان. فعمد الشيطان إلى الخاتم فألقاه في البحر. فأخذه حوت من حيتان البحر. وكان سليمان يؤاجر نفسه من أصحاب السفن، ينقل السمك من السفن إلى البَرِّ، على أن له سمكتين كل يوم. فأخذ سليمان في أجرته يوماً سمكتين فباع إحداهما برغيفين، وشقَّ بطن الأخرى، فجعل يغسلها، فإذا هو بالخاتم. فأخذَه، والتفت إليه الملاّحون فعرفوه، فأقبلوا إليه فسجدوا له. وتفسير السجود في سورة يوسف. فقال: ما أحمدكم الآن على السجود، ولا ألومكم على ما كنتم تفعلون. وذلك أنه كان إذا أصابه الجهد استطعم وقال: أنا سليمان بن داود فيكذبونه ويستخِفّون به. فأقبل سليمان إلى ملكه فعرفه الناس واستبشروا به، وأخبرهم أنه إنما فعله به الشيطان. فاستغفر سليمان ربه فقال: (أية : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَِحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ) تفسير : [ص:35]. فسخَّر الله له الريح والشياطين، وسخّر له الشيطان الذي فعل به ذلك الفعل، واسمه صخر، فأخذه سليمان فجعله في تخت من رخام، ثم أطبق عليه، وسدّ عليه بالنحاس، ثم ألقاه في عرض البحر. فمكث سليمانُ في ملكه راضياً مطمئنّاً حتى قبضه الله إليه حميداً، صلّى الله عليه وسلم. ثم أتت الشياطين إلى أوليائهم من الأنس فقالوا: ألا ندلكم على ما كان سليمان يملك به الأنس، وتدين له به الجن، وتُسخَّر له الرياح؟ فقالوا: بلى. قالوا: احفروا في مصلاّه وبيت خزائنه وتحت كرسيه. ففعلوا. فاستخرجوا كتباً كثيرة مكتوباً [عليها]: "هذا ما عمل آصف للملك سليمان. فلما قرأوها إذا هي الشرك بالله. وقال صلحاء بني إسرائيل: معاذ الله أن نتعلمه! ولئن كان سليمان يعمل بهذا ويدين الله به فقد هلك سليمان. فتعلَّمه سفلةُ الناس من بني إسرائيل وقالوا: الملك خير منا يتعلم ما كنا نتعلم. وفشت اللائمة والقالة السيئة لسليمان في بني إسرائيل حتى عذره الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فقال: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ}. قوله: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}. وهذا الكلام موصول بما قبله. يقول: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} واتبعوا {وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ} يعني الفرقة بين المرء وزوجه. قال بعض المفسرين: إن السحر سحران: سحر تعلِّمه الشياطين، وسحر يعلِّمه هاروت وماروت. وقال الحسن: إن المَلَكَين ببابل إلى يوم القيامة. وإن من عزم على تعلُّم السحر ثم أتاهما سمع كلامهما من غير أن يراهما ويلقاهما بالنظر. ذكر مجاهد أن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم وقد جاءتهم الرسل بالكتب فقال لهم ربهم: اختاروا منكم اثنين أنزلهما يَحكُمَان في الأرض، فكانا هاروتَ وماروتَ. فحكما فعدلا حتى نزلت عليهما الزُّهرة في صورة أحسن امرأة تخاصم. فقالا لها: ائتينا في البيت. فكشفا لها عن عوراتهما وافتتنا بها. فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت. ورجعا إلى السماء فزُجِرا فاستشفعا برجل من بني آدم، فقالا له: سمعنا ربَّك يذكرك بخير [فاشفع لنا]. فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ ثم واعدهما يوماً يدعو لهما فيه. فدعا لهما. فخيِّرا بين عذاب الدنيا وبين عذاب الآخرة. فنظر أحدهما إلى الآخر فقال: ألم تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا وفي الخلد أيضاً؟ فاختارا عذاب الدنيا. فهما يعذَّبان ببابل. ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال: كانت الزهرة امرأة جميلة معجبة؛ فخاصمت إلى الملكين فراوداها فقالت: لا أفعل حتى تعلِّماني الاسمَ الذي إذا تُكُلِّم به عُرِجَ إلى السماء. فعلَّماها إياه. فعرجت، فمسخها الله كوكباً. ذكروا عن ابن عباس في هاروت وماروت أنه قال: أتتهما امرأة تخاصم إليهما، فافتتنا بها، فأراداها على نفسها، فقالت: لا أمكنكما من نفسي حتى تشربا هذا الخمر، وتعبدا هذا الصنم؛ وجاءهما رجل فقتلاه مخافة أن يقول عليهما. ذكروا عن صفوان بن سليم أنه قال: ما نهض ملك من الأرض إلى السماء حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ذكروا عن ابن عمر أنه كان يقول إذا رأى الزهرة: لا مرحباً بك ولا أهلاً. ذكرواعن ابن عباس أنه قال: أتدرون ما كانت تسمّى هذه الكوكب الحمراء في قومها؟ يعني الزهرة، كانت تسمى بيدخت. ذكروا عن علي أنه قال: كان يقال لها أناهيذ. قوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ}. قال بعض المفسرين: كان أخذ عليهما ألا يعلما أحداً حتى يقولا له: إنما نحن فتنة، أي بلاء، فلا تكفر. قال: {فَيَتَعَلََّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} وهو أن يُؤَخَّذَ كل واحد منهما عن صاحبه، ويُبَغَّضَ كلُّ واحد منهما إلى صاحبه. قوله: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ} قال الحسن: من شاء الله سلّطهم عليه، ومن شاء مَنَعهم منه، وقال بعضهم: إلا بأمر الله. قوله: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ} أي: لمن استحبه، أي اختاره على التوراة {مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}. قال بعض المفسرين: قد علم أهل الكتاب في عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة عند الله يوم القيامة. وقال الكلبي: ما له في الآخرة من خلاق، أي ما له من نصيب. قال وهو مثل قوله: (أية : وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ) تفسير : [الشورى: 20] أي من الجنة. {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ} أي: باعوا به أنفسهم. وكل شيء في القرآن شروا وشروه فهو بيع. وكل شيء فيه اشترى واشتروا فهو الشراء إلا قوله: (أية : بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ) تفسير : [البقرة:90] فإنه يعني بئسما باعوا به أنفسهم. قوله: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} قال الحسن: لو كانوا علماء أتقياء ما اختاروا السحر.

اطفيش

تفسير : {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}: قال سيبويه: الواو للعطف دخلت على ألف الاستفهام، انتهى. وهو محتمل لأن تكون الهمزة من المعطوف بالواو لكن قد حلت على الواو، والعطف على {وما يكفر بها إلا الفاسقون} ومحتمل لأن تكون على محذوف معطوف عليه، أى كفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا عهداً، والعطف على الأول عطف إنشاء على أخبار، وعلى الثانى عطف أخبار على إنشاء، وعندى يجوز كون الواو للاستئناف والهمزة مما بعدها، وأصل واو الاستئناف العطف عندى، وقرأ ابن السمال (بسين مهملة وميم مشددة ولام بعد ألف) أو كلما بإسكان الواو، فهى أو العاطفة، وهى لتنويع من يكفر بها، وكأنهُ قيل وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهد الله مراراً كثيرة، كلما عاهدوا نقضوا، لا بمعنى بل، وقال الكوفيون وأبو على وأبو الفتح وابن برهان: إنها للإضراب كبل، أى كلما عاهدوا. ذكره ابن هشام. وإنما يجوز هذا عند سيبويه أن تقدم نفى أو نهى، وأعيد مع العامل نحو ما قام زيد أو ما قام عمر، ولا يقم زيد أو لا يقم عمر، ونقله ابن هشام عن ابن عصفور عن سيبويه، وكل ظرف متعلق بنبذ على حد ما مر، وقرئ عوهدوا، وقرئ عهدوا، أى كلما عاهدوا الله عهداً، أو كلما أخذ الله منهم العهد أن يؤمنوا بمن يبعث الله رسولا وينصروه على المشركين، ويعملوا بما أوحى إليه، أو كلما عاهدوا نبيا بعد إرسال الله إياه أن يعينوه على المشركين. وقال العهد الذى أخذ عنهم ونبذوه هو ما أخذ عليهم فى التوراة من أمر النبى، صلى الله عليه وسلم، ومعنى نبذوه طرحوه، والنبذ الطرح، والغالب استعماله فما ينسى، والمراد الإعراض والترك لذلك العهد ونقضهُ، وقد قرأ ابن مسعود: أوَ كلما عاهدوا عهدا نقضه فريق منهم، أى من اليهود. ومحط الاستفهام التوبيخ الإنكارى، هو قوله: {نبذه} وإنما قال فريق لأنه منهم من لم ينقض وهم قليل، وإطلاق الفريق على الأكثر جائز، فإن الأكثر هم الناقضون كما قال الله جل وعلا: {بَلْ أَكْثَرُهُم لاَ يُؤمِنُونَ}: وفيه إشارة إلى إشارة إلى أنهُ لم ينبذ سرا لأن ما يفعلهُ جمهور القوم من شأنه الشهرة والظهور، وبل للانتقال، والمعنى ليس من شأن أكثرهم الإيمان، أو لايؤمنون بالتوراة فلا يأخذون الوفاء بالعهد ديانة، وهونوا نقضهُ ولم يروه ذنبا، ودأب اليهود نقضه، وكم أخذ منهم ومن آبائهم فنقضوه، وكم عاهدهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم يفوا. قال الله جل وعلا: {أية : الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم فى كل مرة وهم لا يتقون}،تفسير : قال ابن عباس رضى الله عنهما: لما ذكرهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أخذ عليهم من العهود فى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يؤمنوا به، قال مالك بن الصيف: والله ما عهد إلينا فى محمد عهد فنزلت الآية {أو كلما عاهدوا عهدا} ومن عهودهم قولهم: أظل زمان نبى مبعوث فى كتابنا.

الالوسي

تفسير : {أَوْ كُلَّمَا عَـٰهَدُواْ عَهْدًا} نزلت في مالك بن الصيف قال: والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا ميثاق، وقيل: في اليهود عاهدوا إن خرج لنؤمنن به ولنكونن معه على مشركي العرب فلما بعث كفروا به، وقال عطاء: في اليهود عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير، والهمزة للإنكار بمعنى ما كان ينبغي، وفيه إعظام ما يقدمون عليه من تكرر عهودهم ونقضها حتى صار سجية لهم وعادة، وفي ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى أنه ينبغي أن لا يكترث بأمرهم وأن لا يصعب عليه مخالفتهم، والواو للعطف على محذوف أي أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا، وهو من عطف الفعلية على الفعلية لأن {كُلَّمَا} ظرف {نَّبَذَهُ} والقرينة على ذلك المحذوف قوله تعالى: {أية : وَمَا يَكْفُرُ بِهَا } تفسير : [البقرة: 99] الخ، وبعضهم يقدر المعطوف مأخوذاً من الكلام السابق ويقول بتوسط الهمزة بين المعطوف والمعطوف عليه لغرض يتعلق بالمعطوف خاصة، والتقدير عنده نقضوا هذا العهد وذلك العهد {أَوْ كُلَّمَا عَـٰهَدُواْ} وفيه مع ارتكاب ما لا ضرورة تدعو إليه أن الجمل المذكورة بقربه ليس فيها ذكر نقض العهد، وقال الأخفش: هي زائدة، والكسائي هي ـ أوْ ـ الساكنة حركت واوها بالفتح وهي بمعنى بل ولا يخفى ضعف القولين، نعم قرأ ابن السماك العدوي وغيره (أو) بالإسكان وحينئذٍ لا بأس بأن يقال: إنها إضرابية بناءً على رأي الكوفيين وأنشدوا:شعر : بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها (أو) أنت في العين أملح تفسير : والعطف ـ على هذا ـ على صلة الموصول الذي هو ـ اللام ـ في {أية : ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [البقرة: 99] ميلاً إلى جانب المعنى وإن كان فيه مسخ ـ اللام ـ الموصولة، كأنه قيل: إلا الذين فسقوا بل كلما عاهدوا والقرينة على ذلك {بَلْ أَكْثَرُهُمْ} الخ، وفيه ترق إلى الأغلظ فالأغلظ، ولك أن لا تميل مع المعنى بل تعطف على الصلة ـ وأل ـ تدخل على الفعل بالتبعية في السعة كثيراً كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ وَأَقْرَضُواْ } تفسير : [الحديد: 18] لاغتفارهم في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل. ومن الناس من جوّز هذا العطف باحتماليه على القراءة الأولى أيضاً ـ ولم يحتج إلى ذلك المحذوف ـ وقرأ الحسن وأبو رجاء {عوهدوا} وانتصاب (عهداً) على أنه مصدر على غير الصدر أي ـ معاهدة ـ ويؤيده أنه قرىء {مَا عَـٰهَدُواْ} أو على أنه مفعول به بتضمين (عاهدوا) معنى أعطوا. {نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم} أي نقضه وترك العمل به، وأصل ـ النبذ ـ/ طرح ما لا يعتد به ـ كالنعل البالية ـ لكنه غلب فيما من شأنه أن ينسى لعدم الاعتداد به، ونسبة ـ النبذ ـ إلى ـ العهد ـ مجاز ـ والنبذ ـ حقيقة إنما هو في المتجسدات نحو {أية : فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمّ } تفسير : [القصص: 40] ـ والفريق ـ اسم جنس لا واحد له يقع على القليل والكثير، وإنما قال: (فريق) لأن منهم من لم ينبذه. وقرأ عبد الله {نقضه} قال في «البحر»: وهي قراءة تخالف سواد المصحف ـ فالأولى حملها على التفسير ـ وليس بالقوي إذ لا يظهر للتفسير دون ذكر المفسر خلال القراءة وجه. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يحتمل أن يراد ـ بالأكثر النابذون ـ وأن يراد من عداهم فعلى الأول: يكون ذلك رداً لما يتوهم أن ـ الفريق ـ هم الأقلون بناءً على أن المتبادر منه القليل وعلى الثاني: رد لما يتوهم أن من لم ينبذ جهاراً يؤمنون به سراً، والعطف على التقديرين من عطف الجمل، ويحتمل أن يكون من عطف المفردات بأن يكون أكثرهم معطوفاً على {فَرِيقٌ} وجملة {لاَ يُؤْمِنُونَ} حال من {أَكْثَرُهُمْ} والعامل فيها {نَّبَذَهُ}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم}. ذكر في هذه الآية أن اليهود كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم، وصرح في موضع آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المعاهد لهم وأنهم ينقضون عهدهم في كل مرة، وذلك في قوله: {أية : إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ} تفسير : [الأنفال: 55-56]، وصرح في آية أخرى بأنهم أهل خيانة إلا القليل منهم. وذلك في قوله: {أية : وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} تفسير : [المائدة: 13].

د. أسعد حومد

تفسير : {عَاهَدُواْ} (100) - وَكَانَ اليَهُودُ قَدْ قَالُوا حِينَمَا بَعَثَ اللهُ رَسُولَهَ مُحُمَّداً صلى الله عليه وسلم: وَاللهِ، مَا عَهدَ اللهُ إلينَا في مُحَمَّدٍ، وَمَا أخَذَ عَلينَا مِيثَاقاً. فَأنْزَلَ اللهُ هذِهِ الآيةَ. (وَقَالَ مُفَسِّرُونَ: إنَّ العُهودَ المَقْصُودَةَ هُنَا هِيَ عُهُودُهُمْ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ في المَدِينة). وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنَّ اليَهُودَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَقَضَهُ (نَبَذَهُ) فَرِيقٌ مِنْهُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، وَلا يُؤْمِنُونَ بِحُرْمَةِ العُهُودِ وَالمَوَاثِيقِ.

الثعلبي

تفسير : {أَوَكُلَّمَا} واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام. كما يدخل على الفاء في قوله {أية : أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ} تفسير : [يونس: 42] {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ} تفسير : [الكهف: 50] وعلى ثمّ كقوله تعالى {أية : أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ} تفسير : [يونس: 51] ونحوها. وقرأ ابن السّماك العدوي: ساكنة الواو على النسق و (كلما) نصب على الظرف.{عَاهَدُواْ عَهْداً} يعني اليهود. قال ابن عبّاس: لِمَا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخذ الله عليهم وما عهد إليهم فيه. قال مالك بن الصّيف: إنّ الله ما عهد إلينا في محمد عهد ولا ميثاق فأنزل الله تعالى هذه الآية يوضحه قراءة أبي رجاء العطاردي: أوكلما عوهدوا عهداً لعنهم الله، دليل هذا التأويل قوله {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} تفسير : الآية[آل عمران: 187]. وقال بعضهم: هو أنّ اليهود تعاهدوا لئن خرج محمّد ليؤمنن به ولنكونن معه على مشركي العرب، وننفيهم من بلادهم، فلما بعث نقضوا العهد وكفروا به دليله ونظيره قوله عزّ وجلّ {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} [البقرة: 101]. وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين رسول الله وبين اليهود فنقضوها كفعل قريظة والنّضير دليله قوله {أية : ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 56]. {نَّبَذَهُ} أي رفضه وفي قول عبد الله: نقضه. {فَرِيقٌ مِّنْهُم} طوائف من اليهود. {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} فأصل النبذ الرّمي والرفض له، وأنشد الزجاج: شعر : نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلاً اخلقت من نعالكا تفسير : وهذا مثل من يستخف بالشيء ولا يعمل به، تقول العرب: أجعل هذا خلف ظهرك، ودبر اذنك، وتحت قدمك: أي أتركه واعرض عنه قال الله تعالى: {أية : وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} تفسير : [هود: 92]، وأنشد الفراء: شعر : تميم بن قيس لا تكونن حاجتي بظهر ولا يعبأ عليَّ جوابها تفسير : قال الشعبي: هو بين أيديهم يقرؤنه ولكن نبذوا العمل به: وقال سفيان بن عيينة: أدرجوه في الحرير والدّيباج وحلّوه بالذّهب والفضّة ولم يحلّوا حلاله ولم يحرّموا حرامه فذلك النبذ. {وَٱتَّبَعُواْ} يعني اليهود. {مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ} أي ما تلت الشياطين. كقول الشّاعر: شعر : فأذا مررت بقبره فاعقر به كؤم الحجان وكلّ طرف سالح وانضح جوانب قبره بدمائها فلقد بكوه أخادم وذبائح تفسير : وحكي عن الحسين بن الفضل إنّه سئل عن هذه الآية فقال: هو مختصر مضمر تقديره واتبعوا ما كانت تتلوا الشياطين أي تقرأه. قال ابن عبّاس: يتبع ويعمل به. عطاء وأبو عبيدة: يحدّث ويتكلم به. يمان: ترويه. وقرأ الحسن: الشياطون بالواو في موضع الرفع في كل القرآن. قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا حامد الخارزنجي يقول: وسئل عن قراءة الحسن؟ قال: هو فن وحسن عند أكثر أهل الأدب. غير أن الأصمعي زعّم إنّه سمع أعرابياً يقول: بستان فلان حوله بساتون. {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} أي في ملكه وعهده كقول أبي النّجم: شعر : فهي على الأفق كعين الأحول تفسير : أي في الأفق. والملك تمام القدرة واستحكامها. قال [... الزجاج]: في قصّة الآية هي أنّ الشياطين كتبوا السّحر والنيرنجات على لسان آصف. هذا ما علّم آصف ابن برخيا سليمان الملك ثمّ وضعوها تحت مصلاه حين نزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان فلمّا مات استخرجوها من تحت مصلاّه. وقالوا النّاس: إنّما ملككم سليمان بهذا فتعلّموه فأمّا علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان وإنّ كان هذا علمه لقد هلك سليمان. وأمّا السفلة فقالوا: هذا علم سليمان فأقبلوا على تعلّمه ورفضوا كتب أنبياءهم وفشت الملامة لسليمان فلم تزل هذه حالهم حتّى بعث الله تعالى محمّداً صلى الله عليه وسلم وأنزل عذر سليمان عليه السلام على لسانه وأظهر براءته عمّا رُمي به فقالوا: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ} الآية. هذا قول الكعبي. وقال السّدي: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد السّمع فيستمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيره فيأتون الكهنة ويخلطون بما سمعوا كذباً وزوراً في كلّ سبعين كلمة سبعين كلمة ويخبرونهم بذلك فاكتتب الناس ذلك وفشا في بني اسرائيل أن الجن تعلم الغيب فبعث في النّاس فجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنها تحت كرسيّه وقال: لا أسمع أحداً يقول إنّ الشياطين تعلم الغيب إلاّ ضربت عنقه فلمّا مات سليمان وذهب العلماء الّذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف تمثّل الشيطان على صورة إنسان فأتى نفراً من بني إسرائيل فقال: هل أدلّكم على كنز لا ينفذ أبداً. قالوا: نعم. قال: فأحفروا تحت الكرسي وذهب معهم فأراهم المكان وقام ناحية وقالوا: أدُن. فقال: لا ولكن هاهنا فان لم تجدوه فاقتلوني وذلك إنّهم لم يكن أحدٌ من الشياطين يدنو من الكرسي إلاّ احترق فحفروا فوجدوا تلك الكتب فلمّا أخرجوها. قال الشيطان: إنّ سليمان كان يضبط الجنّ والأنس والطيّر بهذا ثمّ طار الشيطان وذهب وفشا في النّاس أنّ سليمان كان ساحراً فاتّخذ بنو إسرائيل تلك الكتب ولذلك فكثير ما يوجد السحر في اليهود فلمّا جاء محمّد صلى الله عليه وسلم خاصمه اليهود بها فبرأ الله تعالى سليمان من ذلك وأنزل هذه الآية. وقال عكرمة: كان سليمان عليه السلام لا يصبح يوماً إلاّ نبتت في محرابه في بيت المقدس شجرة فيسألها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: إسمي كذا، فيقول: لأيّ داء أنتِ؟ فتقول: لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع وترفع في الخزانة وتغرس منها في البساتين حتّى بعثت الخرنوبة الشّامية فقال لها: ما أنت؟ قالت أنا الخرنوبة. قال: لأي شيء نبتّ؟ قالت: لخراب مسجدك. قال سليمان: ما كان الله ليخرّبه وأنا حي أنت الّذي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها فغرسها في حائط له فلم تنبت إلى أن توفّي فجعل النّاس يقولون في رضاهم: لو كان لنا مثل سليمان، وكتبت الشياطين كتاباً فجعلوه في مصلّى سليمان. فقالوا للنّاس: من يدّلكم على ما كان يداوي به فانطلقوا فاستخرجوا ذلك الكتاب فإذا فيه سحر ورقيّ فأنزل الله في هذه الآية ما تفعل الشياطين واليهود على نبيّه محمّد صلى الله عليه وسلم {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ}. {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} بالسحر فانّ السحر كفر. {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} قرأ أهل الكوفة والشام بتخفيف النون ورفع الشياطين وكذلك في الأيمان {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} تفسير : [الأنفال: 17] {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال: 17]. الباقون: بالتشديد ونصب ما بعده، ولكن كلمة لها معنيان نفي الخبر الماضي واثبات الخبر المستقبل، وهي مبنية من ثلاث كلمات أصلها لا كان لا نفي والكاف خطاب وإنّ نصب ونسق فذهبت الهمزة استثقالاً وهي تثقّل وتخفف فإذا ثقلت نصب بها مابعدها من الاسماء كما تنصب بإن الثقيلة فإذا خففها رفعت بها ما ترفع بأنْ الخفيفة. {يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ} قال بعضهم: السحر العلم والخطابة دليله قوله: بان السّاحر: أي العالم. وقال بعضهم: هو التمويه بالشيء حتّى يتوهم المتوّهم إنّه شيء ولا حقيقة له كالسراب غير من رآه وأخلف من رجاه قال الله تعالى: {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 66]. {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} محل ما بعد اتباع التعليم عليه معناه لا يعلمون الذي أنُزل على الملكين أي [......] ويجوز أن يكون نصباً بالاتباع تقديره: واتبعوا ما أنُزل على الملكين، وجعل بعضهم ما جحداً وحينئذ لا محل له يعني لم ينزل السّحر على الملكين كما زعم اليهود، وإنّما يعلِّمونهم [......من ذات] أنفسهم والقول الأوّل أصح. وقرأ ابن عبّاس والحسن والضحّاك ويحيى بن أبي كثير: ملِكين بكسر اللام، وقالوا: هما رجلان ساحران كانا ببابل من الملائكة لا يعلمون النّاس السحر، وفسرهما الحسن فقال: غلجان ببابل وهي بابل عراق وسمّي بابل لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود أي تفرقها. أو ان الله تعالى امتحن الناس بالملكين في ذلك الوقت فمن شقى بتعلم السحر منهما فيكفر به ومن سعد بتركه فيبقى على الإيمان فيزداد المعلمان بالتعليم عذاباً ففيه ابتلاء المعلم والمتعلّم والله تعالى يمتحن عباده بما يشاء كما يشاء فله الأمر والحكم. وقال الخليل بن أحمد: إنّما سمّيت بابل لأنّ الله تعالى حين أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحاً فحفرتهم من كل أفق إلى بابل فبلبل الله ألسنتهم فلم يدري أحد ما يقول الآخر، ثمّ فرقتهم تلك الرّيح في البلاد وهو لا ينصرف؛ لأنّه اسم موضع معروف. {هَارُوتَ وَمَارُوتَ} اسمان سريانيان في محل الخفض على تفسير الملكين بدلاً منهما إلاّ أنّهما نصباً لعجمتهما ومعرفتهما وكانت قصتيهما على ما ذكره ابن عبّاس والمفسرون: إنّ الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة وذلك في زمن إدريس فعيروهم بذلك، ودعتْ عليهم قالوا: هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض واخترتهم فهم يعصونك. فقال الله عزّ وجلّ لهم: لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لارتكبتم ما ارتكبوه. فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنّا أن نعصيك. قال الله تعالى: اختاروا ملكين من خياركم ثمّ اهبطوهما إلى الأرض. فاختاروا هاروت وما روت وكانا من أصلح الملائكة وأخصهم. قال الكلبي: قال الله تعالى لهم: اختاروا ثلاثة: عزّا وهو هاروت وعزايا وهو ماروت. غيَّر اسمهما لما قارفا الذنب كما غير اسم إبليس وعزائيل فركب الله فيهم الشهوة التي ركبها في بني آدم. فاهبطهم إلى الأرض وأمرهم أن يحكموا بين النّاس بالحقّ، ونهاهم عن الشرك والقتل بغير الحقّ والزنا وشرب الخمر وأما عزائيل فأنّه لما وقعت الشهوة في قلبه استقال ربّه، وسأله أن يرفعه إلى السّماء، فأقاله ورفعه، فسجد اربعين سنة، ثمّ رفع رأسه ولم يزل بعد ذلك مطأطئاً رأسه حياءاً من الله عزّ وجلّ. وأما الآخران فإنهما ثبتا على ذلك وكانا يغضبان من النّاس يومهما فإذا أمسياً ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء. قال قتادة: فما مر عليهما شهر حتّى افتتنا قالوا جميعاً وذلك انهم اختصم عليهما ذات يوم الزهرة، وكانت من أجمل النّساء. قال علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) وكانت من أهل فارس، وكانت ملكة في بلدها. فلمّا رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها وانصرفت، ثمّ عادت في اليوم الثاني. ففعلا مثل ذلك. فأبت وقالت: لا إلاّ أن تعبدا ما أعُبد وتُصليا لهذا الصّنم وتقتلا النّفس وتشربا الخمر فقالا: لا سبيل إلى هذه الأشياء فإن الله قد نهانا عنها. فانصرفت ثمّ عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها. فراوداها عن نفسها. فعرضت عليهما ما قالت بالأمس. فقالا: الصلاة لغير الله عظيم، وقتل النّفس عظيم وأهون الثلاثة شرب الخمر فانتعشا ووقعا بالمرأة وزنيا. فلما فرغا رآهما أنسان فقتلاه. قال الربيع بن أنس: سجدا للصنم فمسخ الله الزهرة كوكباً وقال عليّ بن أبي طالب (كرم الله وجهه) والسّدي والكلبي: إنّها قالت لهما: لن تدركاني حتّى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء. فقالا: بسم الله الأكبر. قالت: فما أنتما تدركاني حتّى تعلمانيه.فقال أحدهما لصاحبه: علّمها. قال: فأنّي أخاف الله. قال الآخر: فأين رحمة الله فعلماهما ذلك. فتكلّمت به وصعدت إلى السّماء فمسخها الله كوكباً. فعلى قول هؤلاء هي الزّهرة بعينها وقيدوها. فقالوا: هي هذه الكوكبة الحمراء واسمها بالفارسيّة ناهيد، وبالنبطية بيذخت يدلّ على صحة هذا القول ما روى جابر عن الطفيل عن علي (رضي الله عنه) قال:حديث : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رأى سهيلاً قال: لعن الله سُهيلاً إنّه كان عشاراً باليمن ولعن الله الزُّهرة فإنّها فتنت ملكين . تفسير : وقال مجاهد: كنت مع ابن عمر ذات ليلة فقال لي: أرمق بالكوكبة يعني الزّهُرة فاذا طلعت فأيقظني. فلما طلعت ايقظته فجعل ينظر إليها ويسبّها سبّاً شديداً. فقلت: رحمك الله سببت نجماً سامعاً مُطيعاً ماله ليسبّ؟ فقال: إنّ هذه كانت بغياً. فلقى ملكان منها مالقيا. وقال ابن عمر إذا رأى الزهُرة قال: لا مرحباً بها ولا أهلاً وروى أبو عثمان [المرندي] عن ابن عبّاس: إنّ المرأة التي فتنت بها الملكان مُسخت فهي هذه الكوكبة الحمراء يعني الزهرة قال: وكان يسميها بيذخت. وأنكر الآخرون هذا القول. قالوا: ان الزهرة من الكواكب السبعة السّيارة الّتي جعلها الله تعالى قواماً للعالم وأقسم بها فقال: {أية : ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ} تفسير : [التكوير: 16]. قلنا كانت هذه الّتي فتنت هاروت وماروت امرأة كانت تسمى زهرة من جمالها فلمّا بغت مسخها الله تعالى شهاباً فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزهرة ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين فلعنها، وكذلك سهيل العشار ولّما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النجمّ ذكره فلعنه ويدلّ عليه ما روى قيس ابن عبّاد عن ابن عبّاس في هذه القصّة: قال: كانت امرأة فضّلت على النّاس كما فضّلت الزّهرة على سائر الكواكب، ومثله قال كعب الأحبار والله أعلم. قالوا: فلمّا أمسى هاروت وماروت بعدما قارفا الذنب همّا بالصعود إلى السّماء فلم تُطاوعهما أجنحتهما فعلما ما حلّ بهما فقصدا إدريس النبيّ عليه السلام فأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما إلى الله عزّ وجلّ فقالا له: إنّا رأيناك يصعد لك من العبادة مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض فاستشفع لنا إلى ربّك؟ ففعل ذلك ادريس فخيرّهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فأختارا عذاب الدّنيا إذ علما إنّه ينقطع فهما ببابل يعذّبان. واختلف العلماء في كيفية عذابهما فقال عبد الله بن مسعود: هما معلّقان بشعورهما إلى قيام السّاعة. قتادة: كبّلا من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما. مجاهد: إنّ جبّاً ملئت ناراً فجعلا فيها حضيف معلّقان منكسان في السلاسل. عمير بن سعد: منكوسان يضربان بسياط الحديد. ويروى إنّ رجلاً أراد تعلّم السحر فقصد هاروت وماروت فوجدهما معلّقين بأرجلهما مزرقّة عيونهما مسودّة جلودهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلاّ قدر أربع أصابع وهما يعذبان بالعطش فلما رأى ذلك هاله مكانهما فقال: لا إله الاّ الله وقد نهي عن ذكر الله فلمّا سمعا كلامه قالا له: من أنت؟ قال: رجل من النّاس. قالا: ومَنْ أيّ أُمّة أنت؟ قال: من أُمّة محمّد صلى الله عليه وسلم قالا: وقد بعث محمّد؟ قال: نعم قالا: الحمدُ لله وأظهرا الاستبشار. فقال الرجل: ومِمَّ إستبشاركما؟ قالا: لأنّه نبي السّاعة وقد دنا إنقضاء عذابنا. قالوا ومن ثمّ استغفار الملائكة لبني آدم. وعن الأوزاعي قال: المعنىحديث : إنّ جبرئيل أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له: "يا جبرئيل صف ليّ النّار؟ فقال: إنّ الله أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتّى احمرّت ثمّ أوقد عليها ألف عام حتّى اصفرّت ثمّ أوقد عليها ألف عام حتّى اسودّت فهي سوداء مظلمة لا يضي لهيبها ولا جمرها، والّذي بعثك بالحقّ لو أنّ ثوباً من ثياب أهل النّار أظهر لأهل الأرض لماتوا جميعاً ولو أنّ ذَنوَباً من سرابها صبّت في الأرض جميعاً لقتل من ذاقه، ولو أنّ ذراعاً من السلسة التي ذكرها الله وضع على جبال الأرض جميعاً لذابت وما استقلّت ولو إنّ رجلاً دخل النّار ثمّ أخرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقه وعظمه فبكى النبيّ صلى الله عليه وسلم وبكى جبرئيل لبكائه وقال: أتبكي يا محمّد وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً"، ولم بكيت يا جبريل وأنت الروّح الأمين أمين الله على وحيه؟ قال: أخاف أن أبتلي بما أبتلي هاروت وماروت. فهو الّذي منعني عن اتكالي على منزلتي عند ربّي فأكون قد آمنت مكره فلم يزالا يبكيان حتّى نوديا من السّماء أنً يا جبرئيل ويا محمّد إنّ الله قد أمنكما أن تعصياه فيعذبكما تفسير : ففضّل محمّد على الأنبياء كفضل جبرائيل على ملائكة السّماء. {وَمَا يُعَلِّمَانِ} يعني الملكين {مِنْ أَحَدٍ} من صلة لا يعلّمان السحر أحداً حتّى ينصحاه أولاً وينهياه ويقولا {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} إبتلاء ومحنة. {فَلاَ تَكْفُرْ} بتعلم السّحر وأصل الفتنة الاختبار. تقول العرب: فتنت الذّهب إذا أدخلته النّار لتعرف جودته من رداءته. وفتنت الشمس الحجر إذا سوّدته. وإنّما وحدّ الفتنة وهما إثنان؛ لأنّ الفتنة مصدر والمصادر لا تثنّى ولا تجمع كقولهم: {وعلى سمعهم} وفي مصحف أُبي: وما يعلّم الملكان من أحد حتّى يقولا إنّما نحن فتنة فلا تكفر سبع مرّات. قال السّدي وعطاء: فإن أبى إلاّ التعلّم قالا له: إتتِ هذا الرّماد فَبُل عليه فيخرج منه نورٌ ساطع في السّماء فتلك المعرفة وينزل شيء أسود حتّى يدخل مسامعه يشبه الدّخان وذلك غضب الله عزّ وجلّ. قال مجاهد: إنّ هاروت وماروت لا يصل إليهما أحد ويختلف فيما بينهما شيطان في كل مسألة إختلافة واحدة. وقال يزيد بن الأصم: سُئل المختار: هل يرى اليوم أحدٌ هاروت وماروت؟ قال: أما منذ أئتفكت بابل إئتفاكها الآخر لم يرهما أحد. قال قتادة: السحر سحران: سحرٌ تعلّمهم الشياطين وسحر يعلّمه هاروت وماروت وهو قوله تعالى {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} وهو أن يؤخذ كلّ واحد منهما عن صاحبه ويبّغض كل واحد إلى صاحبه. وفي (المرَء) أربع قراءات: قرأ الحسن: المرَّ بفتح الميم وتشديد الرّاء جعله عوضاً عن الهمزة. وقرأ الزهري: المرُءُ بضم الميم والهمزة. وحكى يعقوب عن جدّه: بكسر الميم والهمزة. وقرأ الباقون: بفتح الميم والهمزة. وأمّا كيفية تعليمهما السّحر فقد ورد فيه خبر جامع وهو ما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبّي صلى الله عليه وسلم أنّها قالت: قدمت عليَّ امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته حَدَاثة ذلك تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السّحر قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تبكي حتّى إنّي لأرحمها بقولي واني لأخاف أنْ تكون قد هلكت، قالت كان لي زوج فغاب عنّي فدخلت على عجوز وشكوت إليها ذلك فقالت: إنْ فعلت ما أمرتك به فأجعله يأتيك فلمّا كان الليل جائتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الأخر فلم يكن حتّى وقفنا على بابل، فإذا برجلين معلّقين بأرجلهما فقالا: ما جاء بك؟ فقلت أتعلم السحر. فقالا: إنّما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي فأبيت فقلت: لا. قالا: فأذهبي إلى ذلك التنّور فبُولي فيه فذهبت ففزعت ولم أفعل فرجعت إليهما فقالا: فعلت، قلت: نعم. فقالا هل رأيت شيئاً؟ قلت: لم أرَ شيئاً. فقالا: لم تفعلي ارجعي إلى بلدك ولا تكفري فأبيت، فقالا: اذهبي إلى التنّور فبُولي فيه. فذهبت فاقشعّر جلدي وخفت ثمّ رجعت إليهما فقلت قد فعلت. قالا: فما رأيتي؟ قلت: لم أرَ شيئاً. فقالا: كذبت لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك فلا تكفري فإنّك على رأس أمرك. فأبيت. فقالا: اذهبي إلى ذلك التنّور فبُولي فيه فذهبت إليه فبلت فيه، فرأيت فارساً مقنعاً بالحديد خرج منّي حتّى ذهب في السّماء وقد غاب عنّي حتّى لم أره فجئتهما فقلت قد فعلت قالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارساً مقنّعاً بالحديد خرج منّي فذهب في السّماء حتّى ما أراه. قالا: صدقت ذلك ايمانك خرج منك إذهبي إلى المرأة وقول لها: والله ما أعلم شيئاً وما قال لي شيئاً، قالت بلى، قالا: لن تريدي شيئاً إلاّ كان. خذي هذا القمح فأبذري فبذرت فقلت: إطلعي فطلعت فقلت: إحقلي فحقلت ثمّ قلت إفركي فأفركت ثمّ قلت اطحني فطحنت ثمّ قلت اخبزي فخبزت فلمّا رأيت إنّي لا أريد شيئاً إلاّ كان سقط في يدي وندمت والله يا أُم المؤمنين ما فعلت شيئاً قط ولا أفعله أبداً. فأما كيفية جواز تعليم السّحر على الملائكة ووجه الآية وحملها على التأويل الصحيح: فقال بعضهم: إنّهما كانا لا يتعمّدان تعليم السحر ولكنّهما يصفانه ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه واعلم وعلّم بمعنى واحد وفي هذا حكمة: وهي إنّ سائلاً لو سأل عن الزّنا لوجب أن يوقف عليه ويعلّم أنّه حرام، وكذلك إعلام الملكين النّاس وأمرهما باجتنابه بعد الاعلام والأخبار إنّه كفر حرام فيتعلّم الشقي منهما وفي حلال صفتهما وترك موعظتهما ونصيحتهما ولا يكون على هذا التأويل تعلّم السحر كفراً وإنّما يكون العمل به كفراً كما إنّ من عرف الزّنا لم يأثمّ إنّما يأثمّ العامل به، والقول الآخر والأصح: إنّ الله تعالى إمتحن النّاس بالملكين في ذلك الوقت وجعل المحنة في الكفر والإيمان أن يقبل القابل تعلّم السّحر فيكفر بتعلّمه ويؤمن بترك التعلّم، لأنّ السّحر كان قد كثر في كلّ الأمة ويزداد المعلّمان عذاباً بتعليمه فيكون ذلك إبتلاء للمعلّم والمتعلّم ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بني اسرائيل بالنّهر في قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} [البقرة: 249] يدلّ عليه قوله {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} وهذان حكاهما الزجّاج واعتمدهما. قال الله تعالى: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ} أي أحداً ومن صلة. { إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [أو إلاّ بقضاء الله أو إلاّ بإذن الله أي بمرأى ومسمع] أي بعلمه وقضائه ومشيئته وتكوينه [والساحر يسحر ولا يكون شيء]. {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} أي السحر وقرأ عبيد بن عمير: ما يُضرهم من أضرّ يضرّ. {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} يعني اليهود {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ} اختار السّحر. {مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ} أي في الجنّة {مِنْ خَلاَقٍ} من نصيب. وقال الحسن: ماله في الآخرة من خلاق من دين ولا وجه عند الله. ابن عبّاس: من قوام، وقيل من خلاص. قال أميّة: يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم إلاّ السرابيل من قطر وإغلال، أي لا خلاص لهم. {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ} باعوا به حظّ {أَنْفُسَهُمْ} حين اختاروا السّحر والكفر على الدين والحق. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ} بمحمّد صلى الله عليه وسلم والقرآن. {وٱتَّقَوْا} اليهودية والسّحر. {لَمَثُوبَةٌ} [ويجوز المثوبة بفتح الميم وفتح الواو كمشوُرة وكمشوَرة وهي مصدر من الثواب] {مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} لكان ثواب الله عزّ وجلّ أياهم. {خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن بيَّنَ الحق سبحانه وتعالى أن الدين الإسلامي، وكتابه القرآن فيه من الآيات الواضحة ما يجعل الإيمان به لا يحتاج إلا إلى وقفة مع العقل، مما يجعل موقف العداء الذي يقفه اليهود من الإسلام منافياً لكل العهود التي أخذت عليهم، منافياً للإيمان الفطري، ومنافياً لأنهم عاهدوا الله ألا يكتموا ما جاء في التوراة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنافياً لعهدهم أن يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنافياً لما طلب منهم موسى أن يؤمنوا بالإسلام عندما يأتي الرسول، مصداقاً لقوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [آل عمران: 81]. وهكذا نعرف أن موسى عليه السلام الذي أُخِذَ عليه الميثاق قد أبلغه إلى بني إسرائيل، وأن بني إسرائيل كانوا يعرفون هذا الميثاق جيداً عند بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت عندهم أوصاف دقيقة للرسول عليه الصلاة والسلام .. ولكنهم نقضوه كما نقضوا كثيراً من المواثيق .. منها عهدهم بعدم العمل في السبت، وكيف تحايلوا على أمر الله بأن صنعوا مصايد للأسماك تدخل فيها ولا تستطيع الخروج وهذا تحايل على أمر الله، ثم كان ميثاقهم في الإيمان بالله إلهاً واحداً أحداً، ثم عبدوا العجل .. وكان قولهم لموسى عليه السلام بعد أن أمرهم الله بدخول واد فيه زرع .. لأنهم أرادوا أن يأكلوا من نبات الأرض بدلاً من المن والسلوى التي كانت تأتيهم من السماء .. قالوا لموسى: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24] .. وغير ذلك الكثير من المواثيق بالنسبة للحرب والأسرى والعبادة، حتى عندما رفع الله تبارك وتعالى جبل الطور فوقهم ودخل في قلوبهم الرعب وظنوا أنه واقع عليهم، ولم يكن هذا إلا ظناً وليس حقيقة .. لأن الله تبارك وتعالى يقول: {أية : وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ} تفسير : [الأعراف: 171] .. وبمجرد ابتعادهم عن جبل الطور نقضوا الميثاق. ثم نقضوا عهدهم وميثاقهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة وذلك في غزوة الخندق .. وعندما أرادوا أن يفتحوا طريقاً للكفار ليضربوا جيوش المؤمنين من الخلف. قوله تعالى {نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم} [البقرة: 100] قلنا إن هذا يسمى قانون صيانة الاحتمال .. لأن منهم من صان المواثيق .. ومنهم من صدق ما عهد الله عليه .. ومنهم مثلاً من كان يريد أن يعتنق الدين الجديد ويؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام. إذن فليسوا كلهم حتى لا يقال هذا على مطلق اليهود .. لأن فيهم أناساً لم ينقضوا العهد .. ويريد الله تبارك وتعالى أن يفتح الباب أمام أولئك الذين يريدون الإيمان، حتى لا يقولوا لقد حكم الله علينا حكماً مطلقاً ونحن نريد أن نؤمن ونحافظ على العهد، ولكن هؤلاء الذين حافظوا على العهد كانوا قلة .. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100] .. أي أن الفريق الناقض للعهد .. الناقض للإيمان هم الأكثرية من بني إسرائيل.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم} معناهُ تَرَكَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ. وجَمعُهُ أَفْرِقاءُ، وأَفْرِقَةٌ، وفِرقٌ.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ولما جحدوا رسل الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر والإلهامات، فكذبوا رسولهم الذي آتاهم في الظاهر، فيا جهلاً ما فيه شظية من العرفان، ويا حرماناً قارنه خذلان، حيث كذبوا رسله، ورفضوا بارة كتابه واتبعوا السحر. كما أخبر عنهم بقوله: {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 101]، الآيات الثلاث والإشارة في تحقيقها أن الروح الإنساني في أصل الفطرة كان مناسباً للأرواح الملكية في استماع خطاب الحق واستماع مكالمته قبل هبوط إلى العالم الجسماني، كما أخبر عنه بقوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، قالوا: {بَلَىٰ} وأخذ منهم العهد على هذا، ثم نبذ ذلك العهد فريق منهم بعد هبوطهم إلى العالم الجسماني بتعلقات الحيواني وتتبعات النفساني، ولما جاءهم رسول من إلهامات الحق موافق لما معهم من كتاب العهد والميثاق عند استماع الخطاب {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ} [البقرة: 101]، والذي أُلهِموا والذي عاهدوا عليه {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} [البقرة: 101]، بترك العمل به {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 101]، في أصل الفطرة {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ} [البقرة: 102]، النفوس {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ} [البقرة: 102]، الروح الذي هو خليفة الله في أرضه أي: ما حدثت به أنفسهم استهوتهم الشياطين وغرتهم به أنه من سليمان الروح {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ} [البقرة: 102]، الروح {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ} [البقرة: 102]، النفس والهوى {كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ} [البقرة: 102]، من تخيلات الهواجس وتمويهات الوساوس التي تملي النفس ببيان وهو بمثابة السحر لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من البيان لسحراً"تفسير : {وَمَآ أُنْزِلَ} [البقرة: 102]، فتنة وخذلاناً من العلوم {عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ} [البقرة: 102]، أي: الروح والقلب فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى أرض العالم الجسماني بالخلافة؛ لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الدنيا واتباعا خداعها؛ فوقعا في شبكة الشهوات التي ركبت فيها ابتلاء وامتحانا، وشربا خمر الحرص والغفلة التي تخامر العقل وزينا ببغي الدنيا الدنيوية، وعبدا صنم الهوى وعلقا منكسين رءوسها بالالتفات إلى السفليات، وإعراضهما عن العلويات {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ}تفسير : [الصف: 5]، وفي كبتها عن استقامتها وحرما عن سماع خطاب الحق، وكشف حقائق العلوم النافعة الموجبة للجمعية ابتليا بإنزال أباطيل العلوم الضارة المؤدية إلى التفرقة مثل شبهات زنادقة الفلاسفة من قدم العالم وسلب الاختيار عن الله ونفي العلم بالجزئيات عنه وأمثال هذه الكفريات التي زلت بهما أقدام خلق كثير عظيم في الجاهلية والإسلام، وكذلك شبهات أهل الأهواء والبدع التي يكفر بها بعضهم بعضاً ويقتلون عليها فإنها علوم يجب الاستعاذة منها لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع"،تفسير : ومع هذا من خصوصيته الروحية الملكية {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ} [البقرة: 102]، من الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية والقوى البشرية التي يلهماها {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102]، مرء القلب وزوج دينه، وفي هذه القصة إشارة أخرى إلى أن من مال في هذا الطريق إلى تمويه وتلبيس وإظهار دعوى تلبيس، فهو يستهزئ بمن اتبعه ويلقيه في جهنم بباطله ويصده بتمويه ظلماته عن طريق رشده، ومن اعتبر عبر بالسلامة فتارة ومن تهتك بالجنوح إلى أباطليه تهتك إشارة ظهر لذوي البصائر أغواره {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}؛ لأن الضار هو الله تعالى ولكن الجرم أنهم {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 102] أي: باعوا بالحظوظ النفسانية الحقوق الروحانية {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102]، غاية ما خسروا من دولة الإيمان وسعادة العرفان ونهاية ما يصيرون إليه من العقاب والحرمان {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ وٱتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 103]، بما أعد الله الخواص عباده مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ما يستمدون به إلى استجلاب الحظوظ وترك الحقوق، وأثروا الإقبال على الله ما شغلهم عن الله لا يثبتوا على ما لهم فيه خير وخير الدارين، ووصلوا إلى غير الكونين ولكنهم كبتهم وصرفهم سطوات القهر فأثبتهم في مواطن العجز. ثم أخبر عن خيانة عقائد اليهود ومكائدهم بقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 104]، الآيتين والإشارة فيهما إلى أن أثر العناية في حق الأولياء يظهر في كل شيء من أخلاق قلوبهم وأوصاف نفوسهم وأعمال أبدانهم وأقوال لسانهم، ففي عهد النبوة وأيام دولة الرسالة كان في قولهم: راعنا للنبي صلى الله عليه وسلم شائبة ترك أدب نهوا عنه وفي قولهم: انظر فاراً عن أدب أمروا به، وأما بعد عهد النبوة وانقطاع الوحي فأكرموا بخواطر الزماني وإلهامات الرباني ودلوا بها على الفجور والتقوى بقوله تعالى: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}تفسير : [الشمس: 7-8]، وعلى الضدين هذا في حق الأعداء ظهرو آثر الخذلان عليهم فإن قصورهم في جميع أحوالهم من أعمالهم وأقوالهم قصور خشية وعلى منهاجهم بينوا فيما يأتون ويذرون، ومن نتائج خذلانهم يحسدون أولياء الله على ما آتاهم الله من فضله وما يردون أن ينزل عليهم من خير من ربهم {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} [البقرة: 105]، بأصناف ألطافه {مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [البقرة: 105]، لا ينقص مثقال ذرة من بحر أفضاله بأن يفيض على العالمين سجال نواله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : وهذا فيه التعجيب (1) من كثرة معاهداتهم، وعدم صبرهم على الوفاء بها. فـ "كُلَّمَا "تفيد التكرار، فكلما وجد العهد ترتب عليه النقض، ما السبب في ذلك؟ السبب أن أكثرهم لا يؤمنون، فعدم إيمانهم هو الذي أوجب لهم نقض العهود، ولو صدق إيمانهم، لكانوا مثل من قال الله فيهم: {أية : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } .