Verse. 108 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَلَمَّا جَاۗءَھُمْ رَسُوْلٌ مِّنْ عِنْدِ اللہِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَھُمْ نَبَذَ فَرِيْـقٌ مِّنَ الَّذِيْنَ اُوْتُوا الْكِتٰبَ۝۰ۤۙ كِتٰبَ اللہِ وَرَاۗءَ ظُہُوْرِھِمْ كَاَنَّھُمْ لَا يَعْلَمُوْنَ۝۱۰۱ۡ
Walamma jaahum rasoolun min AAindi Allahi musaddiqun lima maAAahum nabatha fareequn mina allatheena ootoo alkitaba kitaba Allahi waraa thuhoorihim kaannahum la yaAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولما جاءهم رسول من عند الله» محمد «مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله» أي التوراة «وراء ظهورهم» أي لم يعملوا بما فيها من الإيمان بالرسول وغيره «كأنهم لا يعلمون» ما فيها من أنه نبي حق أو أنها كتاب الله.

101

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن معنى كون الرسول مصدقاً لما معهم هو أنه كان معترفاً بنبوة موسى عليه السلام وبصحة التوراة أو مصدقاً لما معهم من حيث إن التوراة بشرت بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فإذا أتى محمد كان مجرد مجيئه مصدقاً للتوراة. أما قوله تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ } فهو مثل لتركهم وإعراضهم عنه بمثل ما يرمي به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات إليه. أما قوله تعالى: {مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } ففيه قولان، أحدهما: أن المراد ممن أوتي علم الكتاب من يدرسه ويحفظه، قال هذا القائل: الدليل عليه أنه تعالى وصف هذا الفريق بالعلم عند قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }، الثاني: المراد من يدعي التمسك بالكتاب سواء علمه أو لم يعلمه، وهذا كوصف المسلمين بأنهم من أهل القرآن لا يراد بذلك من يختص بمعرفة علومه، بل المراد من يؤمن به ويتمسك بموجَبه. أما قوله تعالى: {كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } فقيل: إنه التوراة، وقيل: إنه القرآن، وهذا هو الأقرب، لوجهين، الأول: أن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولاً وأما إذا لم يلتفتوا إليه لا يقال إنهم نبذوه، الثاني: أنه قال: {نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } ولو كان المراد به القرآن لم يكن لتخصيص الفريق معنى لأن جميعهم لا يصدقون بالقرآن، فإن قيل: كيف يصح نبذهم التوراة وهم يتمسكون به؟ قلنا: إذا كان يدل على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لما فيه من النعت والصفة وفيه وجوب الإيمان ثم عدلوا عنه كانوا نابذين للتوراة. أما قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } فدلالة على أنهم نبذوه عن علم ومعرفة لأنه لا يقال ذلك إلا فيمن يعلم، فدلت الآية من هذه الجهة على أن هذا الفريق كانوا عالمين بصحة نبوته إلا أنهم جحدوا ما يعلمون، وقد ثبت أن الجمع العظيم لا يصح الجحد عليهم فوجب القطع بأن أولئك الجاحدين كانوا في القلة بحيث تجوز المكابرة عليهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} نعتٌ لرسول، ويجوز نصبه على الحال. {نَبَذَ فَرِيقٌ} جواب «لما». {مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ كِتَابَ ٱللَّهِ} نصب بـ «ـنَبَذَ»، والمراد التوراة؛ لأن كفرهم بالنبيّ عليه السلام وتكذيبَهم له نبذٌ لها. قال السُّدّى: نبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسِحْرِ هاروت وماروت. وقيل: يجوز أن يعني به القرآن. قال الشَّعْبِيّ: هو بين أيديهم يقرءونه؛ ولكن نبذوا العمل به. وقال سفيان بن عُيَيْنة: أدرجوه في الحرير والديباج، وحلَّوه بالذهب والفضة، ولم يُحِلُّوا حلاله ولم يحرّموا حرامه؛ فذلك النَّبذ. وقد تقدّم بيانه مستوفى. {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} تشبيهٌ بمن لا يعلم، إذ فعلوا فعل الجاهل، فيجيء من اللفظ أنهم كفروا على علْم.

البيضاوي

تفسير : {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ } كعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. {نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ} يعني التوراة، لأن كفرهم بالرسول المصدق لها كفر بها فيما يصدقه، ونبذ لما فيها من وجوب الإيمان بالرسل المؤيدين بالآيات. وقيل ما مع الرسول صلى الله عليه وسلم هو القرآن. {وَرَاء ظُهُورِهِمْ} مثل لإِعراضهم عنه رأساً، بالإعراض عما يرمي به وراء الظهر لعدم الالتفات إليه. {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أنه كتاب الله، يعني أن علمهم به رصين ولكن يتجاهلون عناداً. واعلم أنه تعالى دل بالآيتين على أن جيل اليهود أربع فرق: فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب وهم الأقلون المدلول عليهم بقوله: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}. وفرقة جاهروا بنبذ عهودها وتخطي حدودها تمرادً وفسوقاً، وهم المعنيون بقوله: {أية : نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم }تفسير : [البقرة: 100] وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوا لجهلهم بها وهم الأكثرون. وفرقة تمسكوا بها ظاهراً ونبذوها خفية عالمين بالحال، بغياً وعناداً وهم المتجاهلون.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ } محمد صلى الله عليه وسلم {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ } أي التوراة {وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } أي لم يعملوا بما فيها من الإيمان بالرسول وغيره {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ما فيها من أنه نبي حق أو أنها كتاب الله.

الخازن

تفسير : {ولما جاءهم رسول من عند الله} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {مصدق لما معهم} يعني مصدق بصحة التوراة ونبوة موسى عليه الصلاة والسلام وقيل: إن التوراة بشرت بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم كان مجرد مبعثه مصدقاً للتوراة {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم} قيل: أراد بالكتاب القرآن. وقيل: التوراة وهو الأقرب لأن النبذ لا يكون إلاّ بعد التمسك، ولم يتمسكوا بالقرآن. أما نبذهم التوراة فإنهم كانوا يقرؤونها ولا يعملون بها. وقيل: إنهم أدرجوها في الحرير وحلوها بالذهب ولم يعملوا ما فيها {كأنهم لا يعلمون} يعني أنهم نبذوا كتاب الله ورفضوه عن علم به ومعرفة، وإنما حملهم على ذلك عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وهم علماء اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكتموا أمره وكان أولئك النفر قليلاً. قوله عز وجل: {واتبعوا ما تتلو الشياطين} يعني اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلوا الشياطين، ومعنى تتلو تقرأ من التلاوة وقيل معناه تفتري وتكذب {على ملك سليمان} وهو قولهم: إن سليمان ملك الناس بالسحر وقيل: على ملك سليمان أي على عهده وزمانه. وقصة ذلك أن الشياطين كتبوا السحر والنيرنجيات على لسان آصف: هذا ما علم آصف بن برخيا سليمان الملك وكتبوه ودفنوه تحت كرسيه وذلك حين نزع الله عنه الملك ولم يشعر بذلك وقيل: إن بني إسرائيل اشتغلوا بتعليم السحر في زمانه فمنعهم سليمان من ذلك وأخذ كتبهم ودفنها تحت سريره، فلما مات استخرجها الشياطين. وقالوا للناس إنما ملككم سليمان بهذا فتعلموه فأما صلحاء بني إسرائيل وعلماؤهم فأنكروا ذلك. وقالوا: معاذ الله أن يكون هذا العلم من علم سليمان وأما السفلة منهم. فقالوا: هذا هو علم سليمان وأقبلوا على تعليمه وتركوا كتب أنبيائهم وفشت الملامة لسليمان. فلم تزل هذه حالهم إلى أن بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه براءة سليمان عليه السلام فقال تعالى: {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان} {وما كفر سليمان} يعني بالسحر ولم يعمل به، وفيه تنزيه سليمان عن السحر، وذلك أن اليهود أنكروا نبوة سليمان، وقالوا: إنما حصل له هذا الملك وسخرت الجن والإنس له بسبب السحر وقيل: إن السحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان فبراه الله من ذلك، وقيل إن بعض أحبار اليهود قال ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبياً وما كان إلاّ ساحراً فأنزل الله تعالى: {وما كفر سليمان} يعني أن سليمان كونه نبياً ينافي كونه ساحراً كافراً ثم بين الله تعالى أن الذي برأه منه لاحق بغيره فقال {ولكن الشياطين كفروا} يعني أن الذين اتخذوا السحر لأنفسهم هم الذين كفروا ثم بين سبب كفرهم فقال تعالى: {يعلمون الناس السحر} يعني ما كتب لهم الشياطين من كتب السحر. وقيل: يحتمل أن يكون يعلمون يعني اليهود الذين عنوا بقوله: واتبعوا. وسمي السحر سحراً لخفاء سببه، فلا يفعل إلاّ في خفية وقيل: معنى السحر الإزالة وصرف الشيء عن وجهه تقول العرب ما سحرك عن كذا أي ما صرفك عنه فكأن الساحر لما رأى الباطل في صورة الحق فقد سحر الشيء عن وجهه أي صرفه هذا أصله من حيث اللغة، وأما حقيقته فقد قيل: إنه عبارة عن التمويه والتخييل، ومذهب أهل السنة أن له وجوداً أو حقيقة والعمل به كفر وذلك إذا اعتقد أن الكواكب هي المؤثرة في قلب الأعيان وروي عن الشافعي أنه قال: السحر يخيل ويمرض وقد يقتل حتى أوجب القصاص على من قتل به وقيل إن السحر يؤثر في قلب الأعيان فيجعل الإنسان على صورة الحمار، والحمار على صورة الكلب وقد يطير الساحر في الهواء، وهذا القول ضعيف عند أهل السنة لأنهم قالوا: إن الله تعالى هو الخالق الفاعل لهذه الأشياء عند عمل الساحر لذلك إلاّ أن الساحر هو الفاعل لها المؤثر فيها والأصح، أن السحر يخيل ويؤثر في الأبدان بالأمراض والجنون والموت، ويدل على ذلك أن للكلام تأثيراً في الطباع فقد يسمع الإنسان ما يكره فيحم، وقد مات قوم بكلام سمعوه فالسحر بمنزلة العلل في الأبدان وأما حكمه فإنه من الكبائر التي نهى عنها، ويحرم تعلمه لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اجتنبوا السبع الموبقات قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: الإشراك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلاّ بالحق، وأكل مال اليتيم والزنا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" تفسير : أخرجاه في الصحيحين. فعند رسول الله صلى الله عليه وسلم السحر من الكبائر وثناه بالشرك وأمرنا باجتنابه، وقوله: الموبقات يعني المهلكات والسحر على قسمين: أحداهما، يكفر به صاحبه وهو أن يعتقد أن القدرة لنفسه في ذلك، وهو المؤثر أو يعتقد أن الكواكب هي المؤثرة الفعالة فإذا انتهى به السحر إلى هذه الغاية صار كافراً بالله تعالى، ويجب قتله لما روي عن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : حد الساحر ضربه بالسيف" تفسير : أخرجه الترمذي. والقسم الثاني، من السحر وهو التخييل الذي يشاكل النيرنجيات والشعبذة، ولا يعتقد صاحبه لنفسه فيه قدرة ولا أن الكواكب هي المؤثرة ويعتقد أن القدرة لله تعالى، وأنه هو المؤثر فهذا القدر لا يكفر به صاحبه ولكنه معصية وهو من الكبائر، ويحرم فعله فإن قتل بسحره قتل قصاصاً لما روي عن مالك أنه بلغه أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جارية لها سحرتها وقد كانت دبرتها، فأمرت بها فقتلت أخرجه في الموطأ. قوله عز وجل: {وما أنزل على الملكين} أي ويعلمون الذي أنزل على الملكين والإنزال هنا بمعنى الإلهام والتعليم أي ما ألهما وعلما وقرئ في الشاذ الملكين بكسر اللام. قال: هما رجلان ساحران كانا ببابل. وقيل: علجان ووجهه أن الملائكة لا يعلمون السحر والقراءة المشهورة بفتح اللام. فإن قلت: كيف يجوز أن يضاف إلى الله تعالى إنزال ذلك على الملائكة وكيف يجوز للملائكة تعليم السحر؟ قلت: قال ابن جرير الطبري إن الله تعالى عرف عباده جميع ما أمرهم به وجميع ما نهاهم عنه ثم أمرهم ونهاهم بعد العلم منهم بما يؤمرون به وينهون عنه، ولو كان الأمر على غير ذلك لما كان للأمر والنهي معنى مفهوم، والسحر مما نهى عباده من بني آدم عنه فغير منكر أن يكون الله تعالى علمه الملكين اللذين سماهما في تنزيله وجعلهما فتنة لعباده من بني آدم كما أخبر عنهما أنهم يقولان: لمن جاء يتعلم ذلك منهما: إنما نحن فتنة فلا تكفر ليختبر بهما عباده الذين نهاهم عن السحر وعن التفريق بين المرء وزوجه فيتمحض المؤمن بتركه التعليم منهما، ويجري للكافر بتعلمه الكفر والسحر منهما ويكون الملكان في تعليمهما ما علما من ذلك مطيعين لله تعالى إذ كان عن إذن الله تعالى، لهما بتعليم ذلك غير ضارهما سحر من سحر ممن تعلم ذلك منهما ما بعد نهيهما إياه عنه بقولهما إنما نحن فتنة فلا تكفر، إذ كانا قد أديا ما أمرا به. وقال غيره؛ إنهما لا يتعمدان ذلك بل يصفان السحر ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه فالشقي من ترك نصحهما، وتعلم السحر من وصفهما، والسعيد من قبل نصحهما وترك تعلم السحر منهما. وقيل: إن الله تعالى امتحن الناس بهما في ذلك الزمان فالشقي من تعلم السحر منهما فيكفر به والسعيد من تركه فيبقى على إيمانه، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بني إسرائيل بنهر طالوت بقوله: {أية : فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني} تفسير : [البقرة: 249] {ببابل} قيل: هي بابل العراق بأرض الكوفة سميت بذلك لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود. وقيل: إنها بابل نهاوند والأول أصح وأشهر {هاروت وماروت} اسمان سريانيان. وقصة الآية على ما ذكره ابن عباس وغيره. قالوا: إن الملائكة لما رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة في زمن إدريس عليه السلام عيروهم. وقالوا: هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض واخترتهم وهم يعصونك فقال الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لركبتم مثل ما ركبوا قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك قال الله تعالى: وركبت فيكم ما ركبت فيهم ركبتهم مثل ما ركبوا قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا ان نعصيك قال الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم وكان اسم هاروت عزا وماروت عزايا، فغير اسمهما لما قارفا الذنب وركب الله فيهما الشهوة وأهبطهما إلى الأرض وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك، والقتل بغير الحق والزنا وشرب الخمر، فكانا يقضيان بين الناس يومهما فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء فما مر عليهما شهر حتى افتتنا. وقيل: بل افتتنا في أول يوم وذلك أنه اختصم إليهما امرأة يقال لها: الزهرة وكانت من أجمل أهل فارس. وقيل: كانت ملكة فلما رأياها أخذت بقلوبهما فقال أحدهما لصاحبه هل سقط في نفسك مثل الذي سقط في نفسي. قال: نعم فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت. ثم عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ذلك فأبت وقالت: لا إلاّ أن تعبدا هذا الصنم وتقتلا النفس وتشربا الخمر فقالا: لا سبيل إلى هذ الأشياء فإن الله تعالى قد نهانا عنها. فانصرفت ثم عادت في اليوم الثالث، ومعها قدح خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا: الصلاة لغير الله عظيم وقتل النفس عظيم وأهون الثلاثة شرب الخمر فشربا فلما انتشيا وقعا بالمرأة فزنيا بها فرآهما إنسان فقتلاه خوف الفضيحة. وقيل: إنهما سجدا للصنم. وقيل: جاءتهما امرأة من أحسن الناس تخاصم زوجها. فقال: أحداهما للآخر هل سقط في نفسك مثل الذي سقط في نفسي؟ قال: نعم قال هل لك أن تقضي لها على زوجها. فقال له صاحبه أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب؟ فقال له صاحبه: أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة؟ فسألاها نفسها فقالت: لا إلاّ أن يقضيا لي على زوجي فقضيا. ثم سألاها نفسها فقالت: لا إلاّ أن تقتلاه فقال أحدهما: لصاحبه أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب؟ فقال له صاحبه أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة؟ فقتلاه ثم سألاها نفسها فقالت: لا إلاّ أن لي صنماً أعبده إن أنتما صليتما معي عنده فعلت. فقال أحدهما: لصاحبه مثل القول الأول فرد عليه مثله فصليا معها عنده فمسخت شهاباً. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: قالت لهم لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء فقالا: اسم الله الأكبر. قالت: فما أنتما بمدركي حتى تعلماني إياه فقال أحدهما للآخر: علمها. فقال: إني أخاف الله فقال الآخر فأين رحمة الله فعلمها ذلك فتكلمت به وصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكباً، فذهب بعضهم إلى أنها هي الزهرة بعينها وأنكر آخرون ذلك وقالوا: إن الزهرة من الكواكب السيارة السبعة التي أقسم الله بها فقال: {أية : فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس} تفسير : [التكوير: 15-16] والتي فتنت هاروت وماروت كانت امرأة تسمى الزهرة لجمالها وحسنها فلما بغت مسخها الله تعالى شهاباً. قالوا: فلما أمسى هاروت وماروت بعد ما قارفا الذنب، هما بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حل بهما فقصدا إدريس النبي عليه السلام وأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما إلى الله عز وجل. وقالا له: رأينا يصعد لك من العبادة مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض فاشفع لنا إلى ربك ففعل ذلك إدريس فخيرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختاروا عذاب الدنيا إذ علما أنه ينقطع، فهما ببابل يعذبان قيل: إنهما معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة. وقيل: إنهما منكوسان يضربان بسياط الحديد. وقيل: إن رجلاً قصدهما ليتعلم السحر فوجدهما معلقين بأرجلهما مزرقة عيونهما مسودة جلودهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلاّ قدر أربع أصابع وهما يعذبان بالعطش، فلما رأى ذلك هاله فقال: لا إله إلاّ الله فلما سمعا كلامه قالا: لا إله إلاّ الله من أنت؟ قال: رجل من الناس. فقالا: من أي أمة أنت؟ قال: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قالا؟ أو قد بعث محمد صلى الله عليه وسلم قال: نعم فقال: الحمد لله وأظهر الاستبشار فقال الرجل مم استبشاركما؟ قالا: إنه نبي الساعة وقد دنا انقضاء عذابنا. فصل: في القول بعصمة الملائكة أجمع المسلمون على أن الملائكة معصومون فضلاً، واتفق أئمة المسلمين على أن حكم الرسل من الملائكة حكم النبيين، سواء في العصمة في باب البلاغ عن الله عز وجل وفي كل شيء ثبتت فيه عصمة الأنبياء فكذلك الملائكة وأنهم مع الأنبياء في التبليغ إليهم، كالأنبياء مع أممهم، ثم اختلفوا في غير المرسلين من الملائكة فذهب طائفة من المحققين. وجميع المعتزلة إلى عصمة جميع الملائكة عن جميع الذنوب والمعاصي، واحتجوا على ذلك بوجوه سمعية وعقلية، وذهب طائفة إلى أن غير المرسلين من الملائكة غير معصومين، واحتجوا على ذلك بوجوه سمعية وعقلية منها قصة هاروت وماروت عن علي وما نقله أهل الأخبار والسير. ونقله ابن جرير الطبري في تفسيره عن جماعة من الصحابة والتابعين فنقل قصة هاروت وماروت بألفاظ متقاربة. عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وكعب الأحبار والسدي والربيع ومجاهد. وأجاب من ذهب إلى عصمة جميع الملائكة عن قصة هاروت وماروت، بأن ما نقله المفسرون وأهل الأخبار في ذلك لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء وهذه الأخبار إنما أخذت من اليهود، وقد علم افتراؤهم على الملائكة والأنبياء وقد ذكر الله عز وجل في هذه الآيات، افتراء اليهود على سليمان أولاً، ثم عطف على ذلك قصة هاروت وماروت ثانياً، قالوا: ومعنى الآية وما كفر سليمان يعني بالسحر الذي افتعله عليه الشياطين، واتبعتهم في ذلك اليهود فأخبر عن افترائهم وكذبهم، وذكروا أيضاً في الجواب عن هذه القصة وأنها باطلة وجوهاً: الأول: إن في القصة أن الله تعالى قال: للملائكة لو ابتليتم بما ابتليت به بنو آدم لعصيتموني، قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك وفيه رد على الله تعالى وذلك كفر وقد ثبت أنهم كانوا معصومين قبل ذلك فلا يقع هذا منهم. الوجه الثاني: أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك فاسد لأن الله تعالى لا يخير من أشرك، وإن كان قد صحت توبتهما فلا عقوبة عليهما. الوجه الثالث أن المرأة لما فجرت فكيف يعقل أنها صعدت إلى السماء وصارت كوكباً وعظم الله قدرها بحيث أقسم بها في قوله: {أية : فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس} تفسير : [التكوير: 15-16] فبان بهذه الوجوه ركة هذه القصة، والله أعلم بصحة ذلك وسقمه. والأولى تنزيه الملائكة عن كل ما لا يليق بمنصبهم وقوله تعالى: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا} يعني وما يعلمان أحداً حتى ينصحاه أولاً ويقولا {إنما نحن فتنة} أي ابتلاء ومحنة {فلا تكفر} أي لا تتعلم السحر فتعمل به فتكفر، قيل: يقولان إنما نحن فتنة فلا تكفر سبع مرات فإن أبى قبول نصحهما وصمم على التعليم يقولان له: ائت هذا الرماد فبل عليه فإذا فعل ذلك خرج منه نور ساطع في السماء فذلك الإيمان والمعرفة. وينزل شيء أسود مثل الدخان حتى يدخل مسامعه وذلك غضب الله تعالى: {فيتعلمون منهما} يعني من الملكين {ما يفرقون به بين المرء وزوجه} أي علم السحر الذي يكون سبباً في التفريق بين الزوجين، كالتمويه والتخييل والنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده البغضاء والنشوز، والخلاف بين الزوجين ابتلاء من الله تعالى لا أن السحر له تأثير في نفسه بدليل قوله: {وما هم} يعني السحرة {بضارين به} أي بالسحر {من أحد} أي أحداً {إلاّ بإذن الله} أي بعلمه وقضائه وتكوينه فالساحر يسحر والله تعالى يقدر ويكون ذلك بقضائه تعالى وقدرته ومشيئته {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} يعني السحر لأنهم يقصدون به الشر {ولقد علموا} يعني اليهود {لمن اشتراه} أي اختار السحر {ما له في الآخرة من خلاق} يعني ما له نصيب في الجنة {ولبئس ما شروا به أنفسهم} أي باعوا حط أنفسهم حيث اختاروا السحر والكفر على الدين والحق {لو كانوا يعلمون} فإن قلت: كيف أثبت الله لهم العلم أولاً في قوله: ولقد علموا على التوكيد القسمي ثم نفاه عنهم آخر في قوله لو كانوا يعلمون. قلت: قد علموا أن من اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق ثم مع هذا العلم خالفوا واشتغلوا بالسحر وتركوا العمل بكتاب الله تعالى وما جاءت به الرسل عناداً منهم وبغياً، وذلك على معرفة منهم بما لمن فعل ذلك منهم من العقاب فكأنهم حين لم يعملوا بعلمهم كانوا منسلخين منه.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ...} قال الفخر: يحتمل أن يكون التصديق بموافقته لما في التوراة. فرده ابن عرفة بأن التصديق هو نسبة المخبر إلى الصدق فهو من عوارض الخبر، والتصديق بالصفة مجاز لا حقيقة، وإنما ينسب للصفة الصدق والتصديق. قوله تعالى: {كِتَابَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} قال ابن عرفة: كان الفقيه أبو العباس أحمد بن علوان يقول: مقتضى هذا أنهم طرحوه بين أيديهم، لأن الظهر بالنسبة إلى الوجه خلف، والوجه بالنسبة إلى الظهر خلف، فالظهر خلف الوجه، والوجه خلف الظهر، وإذا طرحوه وراء ظهورهم لزم أنهم طرحوه أمامهم فلا ذم عليهم. قال ابن عرفة: وأجيب بأن المراد المبالغة في إبعاده عنهم فهم جعلوه وراء الوراء كما جاء في الحديث الصحيح: "حديث : مِنْ وَرَاءِ وَرَائِهِمْ" تفسير : جعلوا للوراء وراء ونبذوه خلف ذلك الوراء وهو أبلغ في كمال النبذ. قلت: والحديث خرجه مسلم في أواخر كتاب الإيمان من أحاديث الشفاعة من رواية ربعي بن خراش عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : يجمع الله الناس فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول: وهل أخرجكم منها إلا خطيئة أبيكم آدم؟ لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله، فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى عليه السلام الذي كلمه الله تكليماتفسير : . الحديث بكماله انفرد به مسلم.

ابن عادل

تفسير : قال القرطبي: "مصدّق لما معهم" نعت للرَّسول، ويجوز نصبه على الحال. واعلم أن معنى كون الرسول مصدقاً لما معهم هو أنه كان معترفاً بنبوّة موسى ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ وبصحة التوراة، أو مصدقاً لما معهم من حيث إنّ التوراة بشرت بمقدم محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإذا جاء محمد كان مجرد مجيئه مصدقاً للتوراة. وقوله: {مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} فيه وجهان: أحدهما: أن المراد ممن أوتي علم الكتاب من يدرسه ويحفظه بدليل قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. والثاني: المراد من يدعي التمسّك بالكتاب، سواء علمه أم لم يعلمه، وهذا كوصف المسلمين بأنهم من أهل [القرآن] لا يختص بذلك من يعرف علومه، بل المراد من يؤمن به. قوله تعالى: {ٱلْكِتَابَ كِتَابَ ٱللهِ}: "الكتاب" مفعول ثان لـ "أوتوا"؛ لأنه يتعدى في الأصل إلى اثنين، فأقيم الأول مقام الفاعل، وهو "الواو"، وبقي الثاني منصوباً، [وقد تقدم أنه عند السهيلي مفعول أول] و"كتاب الله" مفعول نبذ، و"وراء" منصوب على الظرف وناصبه "نَبَذ"، وهذا مثل لإهمالهم التوراة؛ تقول العرب: "جعل هذا الأمر وَرَاءَ ظَهْره، ودَبْرَ أُذُنِه" أي: أهمله؛ قال الفرزدَقُ: [الطويل] شعر : 691ـ تَمِيمُ بْنَ مُرِّ لاَ تَكُونَنَّ حَاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعْيَا عَلَيَّ جَوَابُهَا تفسير : والمراد بكتاب الله: القرآن. وقيل: إنه التوراة لوجهين: الأول: أن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولاً، وأما إذا لم يلتفتوا إليه فلا يقال: إنهم نبذوه. والثاني: أنه قال تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} ولو كان المراد به: القرآن لم يكن لتخصيص الفريق معنى؛ لأنَّ جميعهم لا يصدقون بالقرآن. فإن قيل: كيف يصحّ نَبْذهم التوراة، وهم متمسّكون بها؟ قلنا: إنها لما كانت تدلّ على نبوة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ بنعته، ووجوب الإيمان به، ثم عدلوا عنه كانوا نابذين للتَّوْرَاة. قال السّدي ـ رحمه الله تعالى ـ نبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب "آصف"، وسحر "هاروت وماروت". قوله: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} جملة في محلّ نصب على الحال، وصاحبها: فريق، وإن كان نكرة لتخصيصه بالوصف، والعامل فيها "نبذ"، والتقدير: مُشْبِهِيْنَ للجُهَّال، ومتعلق العلم محذوف تقديره: أنه كتاب الله لا يُدَاخلهم فيه شكّ، والمعنى: أنهم كفروا عناداً؛ لأنهم نبذوه عن علم ومعرفة؛ لأنه لا يقال ذلك إلاَّ فيمن يعلم. قال ابن الخطيب: ودلّت الآية من هذه الجِهَةِ على أن هذا الفريق كانوا عالمين بصحة نبوته إلا أنهم جحدوا ما يعلمون وقد ثبت أن الجمع العظيم لا يصح الجحد عليهم، فوجب القطع بأن أولئك الجاحدين كانوا في القلّة بحيث تجوز المُكَابرة عليهم.

البقاعي

تفسير : ثم أتبع هذا الإنكار ذكر الكتاب والرسول كما فعل في الإنكار الأول غير أنه صرح هنا بما طواه هناك فقال: {ولما جاءهم رسول} أي عظيم محيطة دعوته بما أشعر به الاسم الأعظم في قوله {من عند الله} أي الملك الذي له جميع الملك والأمر {مصدق لما معهم} لكونه أتى بكتاب محقق أنه من عند الله لإعجاز نظمه وتصديق معناه لكتابهم {نبذ} أي رمى رمي استخفاف {فريق من الذين أوتوا الكتاب} الأول {كتاب الله} الملك الأعلى الذي أخذ عليهم فيه الميثاق على لسان نبيهم باتباع النبي الأمي أسوأ النبذ بجعله لاستخفافهم به {وراء ظهورهم} بتركهم العمل به وإن حلوه بالذهب ووضعوه على الكراسي بين أيديهم. وأشعر بعنادهم بقوله: {كأنّهم لا يعلمون} ولما كانت سنة الله جارية بأنه ما أمات أحد سنة إلا زاد في خذلانه بأن أحيى على يده بدعة أعقبهم نبذهم لكلام الله أولى الأولياء إقبالهم على كلام الشياطين الذين هم أعدى الأعداء فقال تعالى: {واتبعوا ما تتلوا} أي تقرأ أو تتبع، وعبر بالمضارع إشارة إلى كثرته وفشوه واستمراره {الشياطين على ملك} أي زمن ملك {سليمان} من السحر الذي هو كفر. قال الحرالي: من حيث إن حقيقته أمر يبطل بذكر اسم الله ويظهر أثره فيما قصر عليه من التخييل والتمريض ونحوه بالاقتصار به من دون اسم الله الذي هو كفر - انتهى. وكأن السحر كان في تلك الأيام ظاهراً عالياً على ما يفهمه التعبير بعلى، وأحسن من هذا أن يضمن {تتلوا} تكذب، فيكون التقدير: تتلو كذباً على ملكه، كما أشار إليه ما رواه البغوي وغيره عن الكلبي وكذا ما روي عن السدي، وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة: وروى في الحديث: " حديث : أنه لما مات سليمان عليه السلام عمدت الشياطين فكتبت أصناف السحر: من كان يحب أن يبلغ كذا فليفعل كذا، وجعلوه في كتاب ثم ختموه بخاتم سليمان وكتبوا في عنوانه: هذا كتاب آصف بن برخيا الصديق لسليمان بن داود عليهما السلام من ذخائر كنوز العلم، ثم دفنوه تحت كرسيه؛ فاستخرجه بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: ما كان ملك سليمان إلا بهذا، فأفشوا السحر في الناس، فليس هو في أحد أكثر منه في يهود " تفسير : انتهى. وسليمان - على ما ذكر في أول إنجيل متّى أثناء إنجيل لوقا - هو ابن داود بن لَسَّى ابن عونيد بن باعاز بن سلمون بن يصون بن عميناداب بن أرام بن يورام بن حصرون بن فارض بن يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام والحاصل أنهم مع تركهم للكتب المصدقة لما معهم، الكفيلة بكل هدى وبركة، الآتية من عند الله المتحبب إلى عباده بكل جميل، على ألسنة رسله الذين هم أصدق الناس وأنصحهم وأهداهم، لا سيما هذا الكتاب المعجز الذين كانوا يتباشرون بقرب زمن صاحبه، اتبعوا السحر الذي هو أضر الأشياء وأبشعها، الآتي به الشياطين الذين هم أعدى الأعداء وأفظعها، وأعجب ما في ذلك أنهم نسبوا السحر إلى سليمان عليه السلام كذباً وفجوراً وكفروه به ثم كانوا هم أشد الناس تطلباً له ومصاحبة علماً وعملاً وأكثر ما يوجد فيهم، فكانوا بذلك شاهدين على أنفسهم بالكفر؛ ومن المحاسن أيضاً أنه لما كان قوله: { أية : ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل } تفسير : [البقرة: 87] وما بعده في الكتب والأنبياء والرسل من البشر والملائكة كانت فذلكته أن الكفرة من أهل الكتاب نبذوا ذلك كله ونابذوه وأقبلوا على السحر الذي كان إبطاله من أول معجزات نبيهم وأعظمها؛ فهو أشد شيء منافاة لشرعهم مع علمهم بأن ذلك يضرهم في الدارين ولا ينفعهم. ولما اعتقد أهل الكتاب بعد موت سليمان عليه السلام أن السحر منه، وأن انتظام ملكه على الإنس والجن والطير والوحش والريح إنما كان به، نفى الله تعالى ذلك عنه بقوله: {وما كفر سليمان}، قال الحرالي: يقال هو من السلامة، فإنه من سلامة صدره من تعلقه بما خوله الله تعالى من ملكه { أية : هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر } تفسير : [النمل: 40] وهو واحد كمال في ملك العالم المشهود من الأركان الأربعة وما منها من المخلوقات - انتهى. أي ما وقع منه كفر ما فضلاً عن أن يكون بالسحر الذي هو أبعد الأشياء عن آيات الأنبياء {ولكن الشياطين كفروا}. ثم بين كفرهم بقوله: {يعلمون الناس} أي المضطرين الذين لم يصلوا إلى سِنّ الذين آمنوا {السحر} أي الذي ولدوه هم بما يزينونه من حاله ليعتقد أنه مؤثر بنفسه ونحو ذلك، كما أن الأنبياء وأتباعهم يعلمون الناس الحق بما يبينونه من أمره. والسحر قال الحرالي: هو قلب الحواس في مدركاتها عن الوجه المعتاد لها في صحتها عن سبب باطل لا يثبت مع ذكر الله عليه. وقال الكرماني: أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا تتعذر معارضته. وقال الأصفهاني: اختلفوا في تعلمه على ثلاثة أوجه: أحدها أنه حرام، الثاني أنه مكروه، الثالث أنه مباح، والحق أنه إن كان تعلمه للعمل فهو حرام، وإن كان لتوقيه وعدم الاغترار به فهو مباح، وقال: والمراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس، فإن التناسب شرط في التضام والتعاون وبهذا يميز الساحر عن الولي والنبي؛ وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير حرام، وتسميته سحراً على التجوز لما فيه من الدقة، لأنه في الأصل لما خفي سببه. وقوله: {وما}، أي واتبعوا أو ويعلمون {ما أنزل على الملكين} قال الحرالي: فيه إنباء بأن هذا التخييل ضربان: مودع في الكون هو أمر الشياطين، ومنزل من غيب هو المتعلم من الملكين؛ وقال: {ببابل} تحقيقاً لنزولهما إلى الأرض {هاروت وماروت} بدل من الملكين، كأنهما لما كانا مع الحاجة إليهما لا يحتاجان إلى أحد وُصفا أيضاً بكونهما ملكين - بكسر اللام، وعبارة الحرالي: ملَكان جعلا ملِكين في الأرض، والآية من إظهار الله للملائكة أفضل الخليفة. ثم بين نصيحة الملكين بقوله: {وما} فأنبأ أن التقدير: وما كفر الملكان كما كفر الشياطين فإنهما ما {يعلمان}، وزيادة من في قوله: {من أحد} لتأكيد الاستغراق {حتى يقولا إنما نحن فتنة} أي على صورة الاختبار من الله لعباده، فإنه يعلم نبأ من يختار السحر لما فيه من النفع العاجل على أمر النبوة فيكفر، ومن يعلم حقيقته لئلا يقع فيه وهو لا يشعر ثم يتركه إقبالاً على دين الله؛ ووحد والمخبر عنه اثنان لأنها مصدر وهو لا يثنى ولا يجمع. قال الحرالي: وأصل معناها من فتن الذهب وهو تسخيره ليظهر جوهره ويتخلص طيبه من خبيثه - انتهى. {فلا تكفر} بالعمل بما نعلمكه، فإن العمل به كفر، أو باعتقاد أنه حق مغن عما جاء عن الله، أو مؤثر بنفسه {فيتعلمون منهما ما يفرقون به} مخالفة للملكين في النهي عن ذلك، وذكر الفرقة في أشد الاتصال ليفهم منه ما دونه فقال: {بين المرء وزوجه}، والمرء اسم سن من أسنان الطبع يشارك الرجل به المرأة ويكون له فيه فضل ما ويسمى معناه المروة - قاله الحرالي. ولما ذكر السبب القريب للضرر رده إليه ترقية للذهن الثاقب إلى أعلى المراتب وصوناً له عن اعتقاده ما لا يناسب فقال: {وما هم بضارين} وهو من الضر - بالفتح والضم - وهو ما يؤلم الظاهر من الجسم وما يتصل بمحسوسه، في مقابلة الأذى وهو إيلام النفس وما يتصل بأحوالها، وتشعر الضمة في الضر بأنه عن علو وقهر، والفتحة بأنه ما يكون عن مماثل ونحوه، وقل ما يكون عن الأدنى إلا أذى ومنه { أية : لن يضروكم إلا أذى } تفسير : [آل عمران: 111] قاله الحرالي: {به من أحد}. ولما أكد استغراقه بضروب من التأكيد تلاه بمعيار العموم فقال: {إلا بإذن الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلماً ولا كفؤ له، وفيه إعلام لهم بأن ضرره لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الضرر الضعيف حيث سحره لبيد بن الأعصم إنما هو كضرر غيره من الأسباب التي قد تخفى فيضاف الأمر في ضررها إلى الله تعالى، وقد تعرف فيضاف الضرر إليها كما كان يحصل لغيره من إخوانه من الأنبياء منهم ومن غيرهم، والعلم حاصل بأن المؤثر في الجميع في الحقيقة هو الله تعالى، وسيأتي عند قوله تعالى: { أية : وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها } تفسير : [الأنعام: 97] في سورة الأنعام ما ينفع استحضاره هنا. ولما كان هذا الذي تقدم وإن كان للعامل به نفع على زعمه فضره أكبر من نفعه اتبعه قسماً آخر ليس للعامل به شيء غير الضر؛ فليس الحامل على تعلمه إلا إيثاراً للحاق بإبليس وحزبه فقال: {ويتعلمون}، أي من السحر الذي ولده الشياطين لا من الملكين {ما يضرهم} لأن مجرد العمل به كفر أو معصية ثم حقق أنه ضرر كله لا شائبة للنفع فيه بقوله: {ولا ينفعهم} لأنه لا تأثير له أصلاً، والنفع وصول موافق الجسم الظاهر وما يتصل به في مقابلة الضر، ولذلك يخاطب به الكفار كثيراً لوقوع معنيهما في الظاهر الذي هو مقصدهم من ظاهر الحياة الدنيا - قاله الحرالي. ثم أتبعه ما يعرف أنهم ارتكبوه على علم فقال محققاً مؤكداً: {ولقد علموا}، بياناً لأنهم أسفه الناس {لمن اشتراه} أي آثره على ما يعلم نفعه من الإيمان {ما له في الآخرة} الباقية الباقي نفعها {من خلاق} أي نصيب موافق أصلاً، والخلاق الحظ اللائق لمن يقسم له النصيب من الشيء كأنه موازن به خلق نفسه وخلق جسمه - قاله الحرالي. ثم جمع لهم المذامّ على وجه التأكيد فقال: {ولبئس ما شروا}، أي باعوا على وجه اللجاجة {به أنفسهم} إشارة إلى أنه مما أحاط بهم فاجتثت نفوسهم من أصلها فأوجب لهم الخلود في النار، ثم قال بعد إثبات العلم لهم: {لو كانوا يعلمون}، أي لو كان لهم قابلية لتلقي واردات الحق، إشارة إلى أن هذا لا يقدم عليه من له أدنى علم، فعلمهم الذي أوجب لهم الجرأة على هذا عدم بل العدم خير منه. ولما بين ما عليهم فيما ارتكبوه من المضار اتبعه ما في الإعراض عنه من المنافع فقال: {ولو أنهم آمنوا} أي بما دعوا إليه من هذا القرآن، ومن اعتقاد أن الفاعل في كل شيء إنما هو الله لا السحر {واتقوا} ما يقدح في الإيمان من الوقوف مع ما كان حقاً فنسخ من التوراة فصار باطلاً، ومن الإقدام على ما لم يكن حقاً أصلاً من السحر لأثيبوا خيراً مما تركوا، لأن من ترك شيئاً عوضه الله خيراً منه؛ هكذا الجواب ولكنه عبر عنه بما يقتضي الثبوت والدوام والشرف إلى غير ذلك مما يقصر عنه الأذهان من بلاغات القرآن فقال: {لمثوبة} صيغة مفعلة من الثواب وهو الجزاء بالخير، وفي الصيغة إشعار بعلو وثبات - قاله الحرالي، وشرفها بقوله: {من عند الله} الذي له جميع صفات الكمال، وزادها شرفاً بقوله: {خير}، مع حذف المفضل عليه. قاله الحرالي: وسوى بين هذه المثوبة ومضمون الرسالة في كونهما من عند الله تشريفاً لهذه المثوبة وإلحاقاً لها بالنمط العلي من علمه وحكمته ومضاء كلمته - انتهى. وهذه المثوبة عامة لما يحصل في الدنيا والأخرى من الخيرات التي منها ما يعطيه الله لصالحي عباده من التصرف بأسماء الله الحسنى على حسب ما تعطيه مفهوماتها من المنافع، ومن ذلك واردات الآثار ككون الفاتحة شفاء وآية الكرسي حرز من الشيطان ونحو ذلك من منافع القرآن والأذكار والتبرك بآثار الصالحين ونحوه. ثم أكد الخبر بأن علمهم جهل بقوله: {لو كانوا يعلمون} وقال الحرالي: فيه إشعار برتبة من العلم أعلى وأشرف من الرتبة التي كانت تصرفهم عن أخذ السحر، لأن تلك الرتبة تزهد في علم ما هو شر وهذه ترغب في منال ما هو خير؛ وفيه بشرى لهذه الأمة بما في كيانها من قبول هذا العلم الذي هو علم الأسماء ومنافع القرآن يكون لهم عوضاً من علم السيميا الذي هو باب من السحر، وعساه أن يكون من نحو المنزل على الملكين، قال صلى الله عليه وسلم: " حديث : من اقتبس علماً من النجوم اقتبس باباً من السحر، زاد ما زاد ".تفسير : وحقيقة السيميا أمر من أمر الله أظهر آثاره في العالم الأرضي على سبيل أسماء وأرواح خبيثة من مواطن الفتن في العلويات من النيرات والكواكب والصور، وما أبداه منه في علوم وأعمال لا يثبت شيء منه مع اسمه تعالى، بل يشترط في صحته إخلاؤه عن اسم الله وذكره والقيام بحقه وصرف التحنثات والوجهة إلى ما دونه، فهو لذلك كفر موضوع فتنة من الله تعالى لمن شاء أن يفتنه به، حتى كانت فتنة اسم السيميا من هدى الاسم بمنزلة اسم اللات والعزى من هداية اسم الله العزيز، ولله كلية الخلق والأمر هدى وإضلالاً إظهاراً لكلمته الجامعة الشاملة لمتقابلات الأزواج التي منتهاها قسمة إلى دارين: دار نور رحماني من اسمه العزيز الرحيم، ودار نار انتقامي من اسمه الجبار المنتقم { أية : ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } تفسير : [الروم: 14]. ولما جعل سبحانه من المضرة في السحر ونحوه كان من المثوبة لمن آمن واتقى من هذه الأمة سورة الفلق والناس والمعوذتان حرزاً وإبطالاً وتلقفاً لما يأفك سحر الساحرات عوضاً دائماً باقياً لهذه الأمة من عصا موسى، فهما عصا هذه الأمة التي تلقف ما يأفك سحر الساحرات عوضاً دائماً بما فيهما من التعويذ الجامع للعوذة من شر الفلق الذي من لمحة منه كان السحر مفرقاً، فهما عوذتان من وراء ما وراء السحر ونحوه، وذلك من مثوبة الدفع مع ما أوتوا من مثوبة النفع، ويكاد أن لا يقف من جاءه هذه الآية لهذه الأمة عند غاية من منال الخيرات ووجوه الكرامات - انتهى. ولما كان من الحق كما قال الحرالي إجراء الأمور على حكم ما أثبتها الحق لأنها بذلك حق هو مثال للحق المبين وصرفها إلى من لم يثبتها الحق في حيزه إفك وقلب عن وجهه فهو خيال باطل هو في باب الرأي بمنزلة السحر في الحس فهو خيال لما صحة النسبة فيه مثال اتبع الآيات الذامة للسحر الحقيقي التنبيه على السحر المجازي الذي حيلوا به الخير وقصدوا به الشر ليكون النهي عنه نهياً عن الأول بطريق الأولى فقال ملتفتاً عن ذكرهم إلى خطاب المؤمنين الذي هو أخص من {يا بني إسرائيل} الأخص من { أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم } تفسير : [البقرة: 21] {يا أيها الذين آمنوا}، أي أقروا بالإيمان صدقوا إقراركم به بأن {لا تقولوا} للنبي صلى الله عليه وسلم: {راعنا} التي تقصدون بها الرعاية والمراقبة لمقصد الخير وخفض الجانب، فاغتنمها اليهود لموافقة كلمة سيئة عندهم فصاروا يلوون بها ألسنتهم ويقصدون بها الرعونة وهي إفراط الجهالة فنهاهم عن موافقتهم في القول منعاً للصحيح الموافق في الصورة لشبهه من القبيح وعوضهم منها ما لا يتطرق إليه فساد فقال: {وقولوا انظرنا} فأبقى المعنى وصرف اللفظ. قال الحرالي: ففيه إلزام تصحيح الصور لتطابق تصحيح المقاصد وليقع الفرق بين الصورتين كما وقع الفرق بين المعنيين فهي آية فرقان خاصة بالعرب. قال الأصفهاني: وهذا النهي اختص بهذا الوقت، قال الواحدي لإجماع الأمة على جواز المخاطبة بهذا اللفظ الآن وقال: {واسمعوا} أي قولوا ما أمرتكم به وامتثلوا جميع أوامري ولا تكونوا كاليهود في حملهم السماع على حقيقته وقولهم {سمعنا وعصينا} وعطف {وللكافرين} على غير معطوف عليه مذكور مرشد إلى أن التقدير: فإن السماع أي القبول إيمان وللسامعين نعيم كريم والإعراض كفر وللكافرين من اليهود وغيرهم {عذاب أليم}. ولما أرشد ختم الآية إلى العلة الحاملة على الامتثال علل بعلة أخرى فقال: {ما يود الذين كفروا} مطلقاً {من أهل الكتاب} اليهود والنصارى {ولا} من المشركين بأي نوع كان من أنواع الشرك بغضاً فيكم حسداً لكم {أن ينزل عليكم} وأكد الاستغراق بقوله: {من خير من ربكم} أي المحسن إليكم، فكأنه قيل: للسماع علتان حاملتان عليه داعيتان إليه: إحداهما أخروية وهي النعيم للمطيع والعذاب للعاصي، والأخرى دنيوية وهي مخالفة الأعداء، فإنهم ما يودون أن ينزل عليكم شيء لكم فيه خير فضلاً عن أن تمتثلوه، ومخالفة الأعداء من الأغراض العظيمة للمتمكنين في الأخلاق الفاضلة من ذوي الأدوات الكاملة، ولم يعطف {ما يود} لأنه مع ذلك علة للعلة، فكأنه قيل: لهم عذاب أليم لأنهم يودون لكم خيراً؛ فسماعكم من جملة عذابهم، لأنه واقع على خلاف ودادتهم مع ما يدخر لهم في الآخرة بكفرهم وتمنيهم كفركم، ولا يخفى ما فيها وفي التي بعدها من التحريض على الكتاب الذي لا ريب فيه. ولما بين سبحانه ما يودون أتبعه التعريف بأن له التصرف التام، رضي من رضي وسخط من سخط فقال معلقاً الأمر بالاسم الأعظم الجامع: {والله} أي ما يودون والحال أن ذا الأسماء الحسنى {يختص} ولما كان المنزل أتم الرحمة عبر عنه بقوله: {برحمته} التي وسعت كل شيء من الهداية والعلم وغير ذلك {من يشاء} أي يجعله مختصاً أي منفرداً بها من بين الناس، ولو كان عند غيره بمحل الاحتقار كما كان العرب عند بني إسرائيل لما كانوا يرون من جهلهم وضلالهم وجفائهم واختلال أحوالهم؛ و "الاختصاص" عناية تعين المختص لمرتبة ينفرد بها دون غيره، و "الرحمة" نحلة ما يوافي المرحوم في ظاهره وباطنه، أدناه كشف الضر وكف الأذى، وأعلاه الاختصاص برفع الحجاب - قاله الحرالي. ولما كان ذلك ربما أوهم أنه إذا فعله لم يبق من رحمته ما يسع غير المختص نفاه بقوله مصدراً له بالاسم الأعظم أيضاً عاطفاً على ما أفهمه الاختصاص من نحو أن يقال تعريضاً باليهود: فالله بمن يزوي عنه الرحمة عليم {والله} أي الملك الأعلى الذي له جميع العظمة والرحمة فلا كفؤ له {ذو الفضل العظيم} أي الذي لا يحصر بحد ولا يدخل تحت عد.

القشيري

تفسير : جحدوا رُسلَ الحق إلى قلوبهم من حيث الخواطر، وكذَّبوا رسلهم الذين أتوهم في الظاهر، فيا جهلاً ما فيه شظية من العرفان! ويا حرماناً قَارَنَه خِذلان!

اسماعيل حقي

تفسير : {ولما جاءهم رسول} هو النبى صلى الله عليه وسلم {من عند الله} متعلق بجاء {مصدق لما معهم} من التوراة {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب} اى التوراة {كتاب الله} مفعول نبذ اى الذى اوتوه وهو التوراة لانهم لما كفروا بالرسول المصدق لما معهم فقد نبذوا التوراة التى فيها ان محمدا رسول الله وقد علموا انها من الله {وراء ظهورهم} يعنى رموا بالعناد كتاب الله وراء ظهورهم ولم يعملوا به مثل لتركهم واعراضهم عنه بالكلية بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات اليه {كأنهم لا يعلمون} جملة حالية اى نبذوه وراء ظهورهم متشبهين بمن لا يعلمه انه كتاب الله. قيل اصل اليهود اربع فرق ففرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمنى اهل الكتاب وهم الاقلون المشار اليهم بقوله عز وجل {أية : بل أكثرهم لا يؤمنون} تفسير : [البقرة: 100]. وفرقة جاهروا بنبذ العهود تمردا وفسوقا وهم المعنيون بقوله سبحانه {أية : نبذه فريق منهم} تفسير : [البقرة: 100]. وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوها لجهلهم بها وهم الاكثرون وفرقة تمسكوا بها ظاهرا ونبذوها خفية وهم المتجاهلون. وفيه اشارة الى ان من فعل فعل الجاهل وتعمد الخلاف مع علمه يلتحق بالجهال وهو والجاهل سواء فكما ان الجاهل لا يجيئ منه خير فكذا العالم الذى لا يعمل ولذا قال النبى عليه الصلاة والسلام "حديث : واعظ اللسان ضائع كلامه وواعظ القلب نافذ سهامه ". تفسير : فالاول هو العالم الغير العامل والثانى هو العالم العامل الذى يؤثر كلامه فى القلوب وتنتج كلمته ثمرات الحكمة والعبرة والفكرة * فعلى العاقل ان يسارع الامتثال خوفا من بطش يد ذى الجلال. ويقال الندامة اربع ندامة يوم وهى ان يخرج الرجل من منزله قبل ان يتغدى وندامة سنة وهى ترك الزراعة فى وقتها وندامة عمر وهو ان يتزوج امرأة غير موافقة وندامة الابد وهو ان يترك امر الله ومجرد قراءة الكتاب بترياق الظاهر لا يدفع سم الباطن فلا بد من العمل كما ان من كان ينظر الى كتب الطب وكان مريضا فما دام لم يباشر العلاج لا يفيد نظره بالادوية وكان خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن يعنى يعمل باوامره وينتهى عن نواهيه. واعلم ان العمل بالعلوم الظاهرة لا يمكن الا بعد معرفة المراتب الاربع مثلا يعرف بالعلم الظاهر ان حكم الزنى الرجم والجلد ولكن فى الوجود الانسانى محل يقتضى الوقاع والسفاح فاهل الارشاد يقمعون المقتضى المذكور عن ذلك المحل وكذا الحال فى الاكل والشرب وغيرهما والمرء وان كان متبحرا فى العلوم ومتفننا فى القوانين والرسوم فان كان لم يصلح حاله بالعمل فى تزكية النفس وتصفية القلب فانه لا يعتبر بل جهله اغلب ونعم ما قيل حفظت شيأ وغابت عنك اشياء ـ حكى ـ ان نصير الدين الطوسى دخل على ولى من اولياء الله تعالى لاجل الزيارة فقيل له هذا عالم الدنيا نصير الدين الطوسى قال الولى ما كماله قيل ليس له عديل فى علم النجوم قال الولى الحمار الابيض اعلم منه فانحرف الطوسى وقام من مجلسه فاتفق انه نزل تلك الليلة على باب بيت طاحونة فقال الطحان ادخل البيت فانه سيكون الليلة مطر عظيم حتى لو لم يغلق الباب لاخذه السيل فسأل الطحان عن وجهه فقال لى حمار ابيض اذا حرك ذنبه الى جانب السماء ثلاثا لم تمطر السماء واذا حركه الى جانب الارض يقع المطر فلما سمعه اعترف بعجزه وصدق الولى وزال غيظه ـ وحكى ـ ان وليا قال لابن سينا افنيت عمرك فى العلوم العقلية فالى أى مرتبة وصلت قال وجدت ساعة من ساعات الايام يكون الحديد فيها كالخمير فقال الولى اخبرنى عن تلك الساعة فلما جاءت الساعة اخبره واخذ بيده حديدا فنفذ فيه اصبعه فبعد مضى الساعة قال الولى هل تقدر على تنفيذ اصبعك ايضا قال لا فانه من خصائص تلك الساعة ولا يمكن فاخذه الولى ونفذ اصبعه فيه وقال ينبغى للعاقل ان لا يصرف عمره الى الزائل الفانى فكما ان ابن سينا ادعى استقلال العقل فى طريق الوصول فالقى فى جهنم كذلك اليهود خذلهم الله انفوا من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم والعمل بما جاء به من عند الله وادعوا الاستقلال فخابوا وخسروا بوقا فى ظلمة الجهل والكفر: قال فى المثنوى شعر : اى كه اندر جشمهء شوراست جات توجه دانى شط وجيحون وفرات واى آن زنده كه بارمرده نشست مرده كشت وزنده كى ازوى بجست

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ} يعني اليهود {رَسُولٌ مّشنْ عِندِ اللّهِ} محمد صلى الله عليه وسلم {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} من التوراة بموافقته له في بعض الأخبار {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أثوتُوا الْكِتابَ}، وهم من كفر من أحبار يهود، {كِتَابَ اللّهِ}: التوراة، {وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ}، حيث لم يعملوا بما فيه من الأمر بالإيمان بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وغيروا صفته التي فيه، وكتموها، فكأنهم طرحوه وراء ظهورهم، وكأنهم لا علم لهم بشيء من ذلك. قال البيضاوي: اعلم أن الحق تعالى دل على أن حال اليهود أربع فرق: فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب، وهم الأقلون المدلول عليهم بقوله:{أية : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [البَقَرة: 100]، وفرقة جاهروا بنبذ عهودها، وتخطي حدودها، تمرداً وفسوقاً، وهم المعنيون بقوله تعالى:{أية : نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم}تفسير : [البَقَرَة: 100]، وفرقة لم يجاهروا بنبذها، ولكن نبذوا لجهلهم بها، وهم الأكثرون، وفرقة تمسكوا بها ظاهراً، ونبذوها خفية، عالمين بالحال بَغْياً وعناداً، وهم المتجاهلون. هـ. قلت: ولعلهم المنافقون منهم.

الطوسي

تفسير : المعنى: قال السدي واكثر المفسرين: المعني بالرسول محمد "صلى الله عليه وسلم". وقال بعضهم: يجوز أن يعنى به ها هنا الرسالة. كما قال كثير: شعر : فقد كذب الواشون ما بحت عندهم بليلى ولا ارسلتهم برسول تفسير : وهذا ضعيف، لأنه خلاف الظاهر، قليل الاستعمال. والكتاب يحتمل ان يراد به التوراة. ويحتمل ان يراد به القرآن. قال السدي: نبذوا التوراة، واخذوا بكتاب اصف، وسحر هاروت وماروت: يعني انهم تركوا ما تدل عليه التوراة من صفة النبي "صلى الله عليه وسلم". وقال قتاده وجماعة من اهل العلم: إن ذلك الفريق كانوا معاندين. وقال ابو علي: لا يجوز على جماعتهم ان يكتموا ما علموا مع كثرة عدّوهم، واختلاف هممهم، لانه خلاف العادة، ولكن يجوز على الجمع الكثير ان يتواطوا على الكتمان، ولذلك قال: {فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله}. وقوله: {مصدق لما معهم} يحتمل أمرين: احدهما ـ مصدق لما معهم، لانه جاء على الصفة التي تقدمت بها البشارة. والثاني ـ انه مصدق بالتوراة انها حق من عند الله ـ والاول احسن، ـ لان فيه حجة عليهم، وعبرة لهم. وقال الحسن: {مصدق لما معهم} من التوراة، والانجيل. وقال غيره: يصدق بالتوراة، لان الاخبار ها هنا عن اليهود دون النصارى. وانما قال: {نبذ فريق منهم من الذين أوتوا الكتاب} ولم يقل منهم، اذ تقدم ذكرهم، لاحد امرين: احدهما ـ انه لما اريد علماء اهل الكتاب، اعيد ذكرهم لاختلاف المعنى ـ على قول البلخي. والثاني ـ انه للبيان. وكان يجوز النصب في مصدق، لان كتاباً قد وصف، لانه من عند الله ـ على ما قاله الزجاج وقوله: {كأنهم لا يعلمون} فمعناه انهم يعلمون وكأنهم لكفرهم وكتمانهم لا يعلمون.

الجنابذي

تفسير : {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} عطف باعتبار لازم قوله {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ} فانّه يفيد أنّ هذه ديدنهم فكأنّه تعالى قال: لمّا كان هذا ديدنهم استمرّوا عليه {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} وضمير جاءهم راجع الى اليهود لكنّه تعريض بمنافقى الامّة، او هو راجع الى اليهود الّذين سبق ذكرهم والى منافقى الامّة ابتداء، ولمّا كان مجيء الرّسول (ص) مستلزماً للاتيان بالاحكام الّتى أرسل بها وقد سبق انّ تلك كتاب الله سواء كانت مكتوبة فى كتاب او لم تكن ظهر وجه صحّة التّفسير المنسوب الى الصّادق (ع) من قوله: ولمّا جاءهم جاء اليهود ومن يليهم من النّواصب كتاب من عند الله القرآن مشتملاً على وصف محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) ووجوب ولايتهما وولاية أوليائهما وعداوة أعدائهما {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} مع اليهود ممّا فى التّوراة وممّا وصل اليهم من أسلافهم من أوصافهما وأخبارهما، ولما مع منافقى الامّة من الدّلائل الواضحة الدّالّة على صدق محمّدٍ (ص) وصدق كتابه وفضل علىٍّ (ع)، وممّا فى كتاب محمّدٍ (ص) من الآيات المصرّحة بفضل علىٍّ (ع) وخلافته، وممّا قاله محمّد (ص) فى فضله وخلافته {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ} وهم اليهود ومنافقو الامّة فانّهم أوتوا أحكام الرّسالة والكتاب التّدوينىّ الّذى هو التّوراة والقرآن {كِتَابَ ٱللَّهِ} اى المنزل فى وصف محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) فى التّوراة والقرآن او جملة التّوراة والقرآن {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} النّبذ الطّرح والتّقييد بقوله {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} اشارة الى الاعراض عنه وعدم الاعتداد به {كَأَنَّهُمْ} اليهود ونواصب الامّة {لاَ يَعْلَمُونَ} انّ الكتاب او محمّداً (ص) ونبوّته او عليّاً وامامته حقّ من الله مع أنّهم يعلمون ذلك فهم أشدّ ممّن خالف من غير علمٍ او كأنّهم ليس لهم علم وادراك حتّى يميزوا بعلمهم أنّه حقّ او باطل.

اطفيش

تفسير : {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ}: وهو محمد صلى الله عليه وسلم. {مُصَدِّقٌ}: بما معه من القرآن والوحى. {لِمَا مَعَهُمْ}: من التوراة والوحى إلى موسى ونبوة موسى عليه السلام وقيل إن التوراة مصرحة بنبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما بعث كان مجرد بعثه مصدقا للتوراة، ويجوز أن يراد بالرسول عيسى فإنهُ مُصَدِّقٌ للتوراة بالوحى والإنجيل. {نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أوتُوا الكِتَابَ}: التوراة. {كِتَابَ اللهِ}: التوراة لما كفروا بذلك الرسول وما معهُ كانوا كافرين بها لأنه وما معهُ مصدقان للتوراة، ولأنه مذكور فى التوراة ومبشر به موسى، وإذا كفروا ببعض التوراة كانوا كمن كفر بها كلها، ومن كفر ببعض كتاب صدق عليه أنه كافر به، فالرسول وبعض ما معه ووجوب الإيمان بالرسل مذكورة فيها، وإنما قال {من الذين أوتوا الكتاب} ولم يقل منهم ليشنع عليهم بأنهم أوتوا الكتاب فلم ينتفعوا به، ففعلوا ما فعل غيرهم من الكفرة الذين لم يؤتوه، وكتاب الله هو الكتاب الأول معرف بأل، والثانى بالإضافة والمعرفة المتكررة يراد بها مدلول واحد غالبا، فالمراد بقولهِ: الكتاب، وقولهِ: كتاب الله التوراة، ويدل لذلك لفظ النبذ، لأن طرح الشئ فرع إمساكه، فيطرح بعد الإمساك وهم إنما لا بسوا التوراة وقرءوها، فكانت كشئ فى يد طرح لأنهم لا يعملون بها، فترك العمل بها والإعراض عنها نبذ، ولو كانوا يقرءونها. قال الشعبى: الكتاب بين أيديهم يقرءونه لكن نبذوا العمل به. قال سفيان الثورى: أدرجوه فى الديباج والحرير، وحلوه بالذهب ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه، وقيل الكتاب التوراة، وكتاب الله القرآن وضح أنهم نبذوه ولو لم يقرءوه لأن ترك العمل به وتكذيبه نبذ له وإعراض عنه. فالمعرفة الثانية ليست بالأولى، ويحتمل أن يراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى، وبالكتاب الجنس الصادق فى كتابين التوراة والإنجيل، ولو كان الضمير فى جاءهم لليهود فقط. كما تقول: لما جاء أمير بنى تميم قام إليه بنو تميم، والحجازيون وكتاب الله على هذا الاحتمال القرآن إذ لم يؤمن به النصارى، كما لم يؤمن به اليهود، غير أن النصارى كثر فيهم الإيمان بعد وهو التوراة والإنجيل اللذين أشير إليهما بالكتاب المعروف بأل، أى نبذوا التوراة والإنجيل بعدم إيمانهم بمحمد والقرآن ووحيه، لأن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ مذكور فى التوراة والإنجيل مبشر به فيهما مع القرآن. {وَرَاء ظُهُورهِم}: شبه ترك العمل بالقرآن أو بالتوراة والإنجيل أو بهما وعدم الإيمان بما لم يؤمنوا به بما رمى وراء الظهر، وأعرض عنه ولم يلتفت إليه، تقول العرب جعل هذا الامر وراء ظهره ودبر أذنه. {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}: أن محمداً رسول الله وأنهُ جاء به، وأن التوراة كتاب اللله، وأن الإنجيل كذلك مع أنهم قد علموا بذلك علماً جازماً لكن كفروا عنادا ومعادا لمحمد وعيسى عليهما السلام، هذا فى جانب اليهود، وكفروا مع النصارى بمحمد عنادا. واليهود خمس فرق: فرقة لم يصلهم خبر بعثه، صلى الله عليه وسلم، فهو معذور إن عمل بالتوراة عند بعضنا وعند إنكار قومنا، وغير معذور عند الباقين، وفرقة آمنوا وعملوا بما معه لما وصلهم خبر بعثه، وفرقة كفروا به فى الجهر تمردا وفسوقا، وفرقة لم يجهروا بهذا ولكن جهلهم نفس الكفر، وفرقة علموا أنه رسول وجحدوا بألسنتهم، وكذا الكلام فى نبذ التوراة، ومن جهل نزول التوراة وغيرها، وكان على شريعة من الله فهو معذور على ما مر.

اطفيش

تفسير : {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ} عيسى عليه السلام {مِّنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} من التوراة والإنجيل {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَٰبَ} التوراة {كِتَٰبَ اللهِ} الإنجيل، وهذا لأسلافهم، عوتبوا به لأنهم على ملتهم، إذ جاءهم محمد بالقرآن مصدقا للتوراة فنبذه فريق منهم، وهم الأكثر، أو الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكتاب الله القرآن، أو كتاب الله الذى نبذوه هو التوراة نبذوها بإنكار القرآن أو الإنجيل، نبذهما الذين على عهده صلى الله عليه وسلم، وليس المراد الذين على عهد سليمان، كما قال بعض محتجا بقوله تعالى بعد ذلك، {أية : واتبعوا ما تتلوا...} تفسير : [البقرة: 102] إلخ لأن النبذ عند مجيء محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتصور منهم. وقال السدى: لما جاءهم محمد عارضوه بالتوراة. فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة لموافقة القرآن لها، وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن، فهذا قوله تعالى: ولما جاءهم رسول. إلخ {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} لم يعتنوا به، إذ لم يعملوا بما فيه من الفرائض والإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينتهوا عما نهوا فيه، كالشىء الحقير الملقى وراء الظهر، بجامع عدم المبالاة فلم ينفعهم، أن أدرجوه فى الحرير، وحلوه بالفضة والذهب الإبريز، وقد سماه الله كتاب الله تعظيما له، وتهويلا لما اجترأوا عليه من نبذه وراء الظهر {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن التوراة كتاب الله، وأن فيها نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم خمس فرق، فرقة آمنوا بها وقاموا بحقها، وعملوا بما لم ينسخه الإنجيل منها، كعبدالله بن سلام، وهم الأقلون المفهمون مفهوم مخالفة من قوله أكثرهم، كأنه صرح بهم، إذ فهموا بالقيد، وفرقة نبذوها جهرا، وهم المذكورون بقوله نبذه فريق وهم عالمون بأنها حق، وفرقة نبذوها فى خفاء جهلا بأنها حق، وهم الأكثرون فى قوله تعالى: "أية : بل أكثرهم لا يؤمنون"تفسير : [البقرة: 100] وفرقة علموا أنها حق وتمسكوا بها ظاهرا ونبذوها خفية، عنادا أو تجاهلا، وهم فى قوله، كأنهم لا يعلمون، وفرقة علموا أنها حق ولا يتمسكون بها ظاهرا، وهذه قسمة متعينة، صحت بالعناية المقصودة فى التقسيم، فلا يضرنا جواز دخول الخامسة فيما قبلها، والعدد من حكم المجموع المتوزع فى الآيات مع أن الضمائر فيها لليهود مطلقا.

الالوسي

تفسير : {وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ} ظرف لنبذ والجملة عطف على سابقتها داخلة تحت الإنكار، والضمير لبني إسرائيل لا لعلمائهم فقط، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والتنكير للتفخيم، وقيل: عيسى عليه السلام، وجعله مصدراً بمعنى الرسالة كما في قوله:شعر : لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بليلى ولا أرسلتهم برسول تفسير : خلاف الظاهر {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} متعلق بـ (جاء) أو بمحذوف وقع صفة للرسول لإفادة مزيد تعظيمه إذ قدر الرسول على قدر المرسل {مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} أي من التوراة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم جاء على الوصف الذي ذكر فيها، أو أخبر بأنها كلام الله تعالى المنزل على نبيه موسى عليه السلام، أو صدق ما فيها من قواعد التوحيد وأصول الدين، وإخبار الأمم والمواعظ والحكم، أو أظهر ما سألوه عنه من غوامضها، وحمل بعضهم (ما) على العموم لتشمل جميع الكتب الإلۤهية التي نزلت قبل، وقرأ ابن أبـي عبلة: {مُصَدّقاً} بالنصب على الحال من النكرة الموصوفة. {نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ} أي التوراة وهم اليهود الذين كانوا في عهده صلى الله عليه وسلم لا الذين كانوا في عهد سليمان عليه السلام ـ كما توهمه بعضهم من اللحاق ـ لأن ـ النبذ ـ عند مجىء النبـي صلى الله عليه وسلم لا يتصور منهم، وإفراد هذا ـ النبذ ـ بالذكر مع اندراجه في قوله تعالى: {أية : أَوْ كُلَّمَا عَـٰهَدُواْ }تفسير : [البقرة: 100] الخ، لأنه معظم جناياتهم، ولأنه تمهيد لما يأتي بعد. والمراد ـ بالإيتاء ـ إما إيتاء علمها فالموصول عبارة عن علمائهم، وإما مجرد إنزالها عليهم فهو عبارة عن الكل، ولم يقل: فريق منهم إيذاناً بكمال التنافي بين ما ثبت لهم في حيز الصلة وبين ما صدر عنهم من النبذ. {كِتَـٰبِ ٱللَّهِ} مفعول {نَبَذَ} والمراد به التوراة لما روي عن السدي أنه قال: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراة والفرقان فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم توافق القرآن، فهذا قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ} الخ، ويؤيده أن النبذ يقتضي سابقة الأخذ في الجملة ـ وهو متحقق بالنسبة إليها ـ وأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول، وأن مذمتهم في أنهم نبذوا الكتاب الذي أوتوه واعترفوا بحقيته أشد فإنه يفيد أنه كان مجرد مكابرة وعناد، ومعنى نبذهم لها اطراح أحكامها، أو ما فيها من صفة النبـي صلى الله عليه وسلم، وقيل: القرآن، وأيده أبو حيان بأن الكلام مع الرسول فيصير المعنى أنه يصدق ما بأيديهم من التوراة، وهم بالعكس/ يكذبون ما جاء به من القرآن ويتركونه ولا يؤمنون به بعدما لزمهم تلقيه بالقبول، وقيل: الإنجيل ـ وليس بشيء ـ وأضاف الكتاب إلى الاسم الكريم تعظيماً له وتهويلاً لما اجترءوا عليه من الكفر به. {وَرَاء ظُهُورِهِمْ} جمع ـ ظهر ـ وهو معروف، ويجمع أيضاً على ـ ظهران ـ وقد شبه تركهم كتاب الله تعالى وإعراضهم عنه بحالة شيء يرمى به وراء الظهر، والجامع عدم الالتفات وقلة المبالاة، ثم استعمل هٰهنا ما كان مستعملاً هناك ـ وهو النبذ وراء الظهر ـ والعرب كثيراً ما تستعمل ذلك في هذا المعنى، ومنه قوله:شعر : تميم بن مر لا تكونن حاجتي بظهر ـ ولا يعيى عليك جوابها تفسير : ويقولون أيضاً: جعل هذا الأمر دُبُرَ أذنه ويريدون ما تقدم. {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} جملة حالية، أي نبذوه مشبهين بمن لا يعلم أنه كتاب الله تعالى أو لا يعلمه أصلاً أو لا يعلمونه على وجه الإيقان، ولا يعرفون ما فيه من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، وهذا على تقدير أن يراد الأحبار، وفيه إيذان بأن علمهم به رصين لكنهم يتجاهلون؛ وفي الوجهين الأولين زيادة مبالغة في إعراضهم عما في التوراة من دلائل النبوة، ومن فسر كتاب الله تعالى بالقرآن جعل متعلق العلم أنه كتاب الله أي كأنهم لا يعلمون أن القرآن كتاب الله تعالى مع ثبوت ذلك عندهم وتحققه لديهم، وفيه إشارة إلى أنهم نبذوه لا عن شبهة ولكن بغياً وحسداً، وجعل المتعلق ـ أنه نبـي صادق ـ بعيد، وقد دل الآيتان قوله تعالى: {أية : أَوْ كُلَّمَا عَـٰهَدُواْ }تفسير : [البقرة: 100] الخ، وقوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءهُمُ} الخ بناءً على احتمال أن يكون الأكثر غير النابذين، على أن جُلّ اليهود أربع فرق، ففرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب، وهم الأقلون المشار إليهم بـ {أية : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [البقرة: 100] وفرقة جاهروا بنبذ العهود وتعدي الحدود، وهم المعنيون بقوله تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ} وفرقة لم يجاهروا، ولكن نبذوا لجهلهم ـ وهم الأكثرون ـ وفرقة تمسكوا بها ظاهراً ونبذوها سراً؛ وهم المتجاهلون.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيراً من اليهود نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولم يؤمنوا به. وبين في موضع آخر أن هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالكتاب هم الأكثر. وذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [آل عمران: 110].

القطان

تفسير : السحر: ما لطف مأخذه وخفي سببه. وسحره: خدعه، ويقال أحيانا للشيء المعجب أو الحديث اللطيف. وقد جاء في الحديث "حديث : ان من البيان لسحرا ". تفسير : لما جاء محمد صلى الله عليه وسلم الى اليهود، وهو رسول من الله اليهم والى الخلق كافة، مصدقاً لما معهم من التوراة التي فيها أوصافه ومتفقاً مع ما في التوراة من أصول التشريع، كالتوحيد بالله، والأخذ بجميع القيم ـ نبذ فريق من اليهود القرآن وراء ظهورهم، أي جحدوه وأعرضوا عنه كأنهم لا يعلمونه. وماذا عملوا بعد ذلك! لقد آثروا السِّحر واتبعوا ما يقصُّه الشياطين عن عهد سليمان، وما يضللون به الناس من دعاوى مكذوبة، كزعمهم ان سليمان كان ساحراً، وانه سخر الانس والجن عن طريق السحر الذي يستخدمه. وما كفَر سليمان وما كان ساحراً بل رسولاً من عند الله. ولكن الشياطين هم الذين كفروا وتقوّلوا على سليمان هذه الأقاويل وأخذوا يعلّمون الناس السحر من عندهم. {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} في هذه الآية تفسيران، فبعض المفسرين يقول ان معناها: ولم ينزل الله على هاروت وماروت في بابل أيَّ سحر. ويكون المعنى: واتَّبعوا الذي تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا... وقال بعضهم وهم أكثرون: يكون المعنى السحرَ الذي أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت. مع ان هذين الملكين ما كانا يعلّمان احداً حتى يقولا له انما نعلّمك ما يؤدي الى الفتنة والكفر فاعرفه ولا تعمل به. ومن هنا أخذ بعض العلماء جواز تعلُّم السحر للعلم به وعدم العمل به. ولكن الناس لم ينتصحوا بهذه النصيحة التي كان الملكان يقولانها لهم فاستخدموا ما يتعلّمون منهما وجعلوا يفرقون به بين المرء وزوجه. وما هم بضارّين به من احد الا باذن الله. وهذه قاعدة عظمى يقررها القرآن وهي: ان الضرر والنفع بإذن الله. ولا يزال في وقتنا هذا مع ما تقدم العلم به من أبحاث كثيرٌ من السحر والشعوذة وغير ذلك من التنويم المغناطيسي، والتلبثة. ونحن نجد كثيراً من الناس يملكون خصائق لم يكشف العلم عن كنهها بعد. ولقد رأيت كثيراً من هؤلاء المنوِّمين يأتون بالعجب العجاب، وقرأت الكثير من القصص عن أناس عندهم خصائص عجيبة. وكل ما استطاع العلم ان يقوله تجاه هذه الأمور وهذه القوى انه اعترف بها وأعطاها أسماء، ولكنه عجز عن تفسيرها. وصدق الله العظيم: {وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}. أما من هما الملكان: هاروت وماروت؟ وهل هما رجلان حقيقة؟ فلا يوجد خبر صحيح يثبت شخصيتهما أو حقيقة جنسهما. وانما كانت قصتهما معروفة مشهورة ووردت في القرآن اشارات مجملة عنها، ولسنا مكلفين بالاستقصاء عنهما والأفضل عدم البحث في ذلك. القراءات: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي "ولكن الشياطين كفروا" بتخفيف النون من لكن، ورفع الشياطين. وقرأ الباقون "ولكنّ" بالتشديد ونصب الشياطين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْكِتَابَ} {كِتَابَ ٱللَّهِ} (101) - فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم بِالقُرآنِ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالى، وَهُوَ يُصَدِّقُ التَّورَاةَ التي بَيْنَ أيدِيهِمْ بِمَا فِيهِ مِنْ أصُولِ التَّوحيدِ، وَقَوَاعِدِ التَّشْرِيعِ، وَأخْبَارِ الأمَمِ الغَابِرَةِ، نَبََذَ فَرِيقٌ مِنَ اليَهُودِ التَّورَاةَ وَأهْمَلُوها، وَكَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بِمَا فِيها، مَعَ أنَّها حَوَتْ صِفَاتِ مُحَمَّدٍ، وَبَشَّرَتْ بِرِسَالَتِهِ، وَلَكِنَّهُمْ كَتَمُوا ذلِكَ وَجَحَدُوهُ؛ وَاليَهُودُ حِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ، وَبِالقُرْآنِ المُصَدِّقِ لِلتَّورَاةِ، يَكُونُونَ قَدْ نَبَذُوا التَّورَاةَ التِي جَاءَ فِيها: إنَّ اللهَ سَيَبْعَثُ رَسُولاً لِلنَّاسِ مِنْ وُلْدِ إسْمَاعِيلَ. نَبَذَ - طَرَحَ وَأَلْقَى. الفَرِيقُ - العَدَدُ القَلِيلُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن تحدث الله سبحانه وتعالى عن اليهود الذين نقضوا المواثيق الخاصة بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ونقضوها وهم يعلمون .. قال الله سبحانه: {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} [البقرة: 101] .. أي أن ما جاء في القرآن مصدقاً لما جاء في التوراة .. لأن القرآن من عند الله والتوراة من عند الله .. ولكن التوراة حرفوها وكتموا بعضها وغيروا وبدلوا فيها فأخفوا ما يريدون إخفاءه .. لذلك جاء القرآن الكريم ليظهر ما أخفوه ويؤكد ما لم يخفوه ولم يتلاعبوا فيه. وقوله تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} [البقرة: 101] .. قلنا إن هناك كتاباً نبذوه أولاً وهو التوراة .. ولما جاءهم الكتاب الخاتم وهو القرآن الكريم نبذوه هو الآخر وراء ظهورهم .. ما معنى نبذه؟ .. المعنى طرحه بعيداً عنه .. إذن ما في كتابهم من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم نبذوه بعيداً .. ومن التبشير بمجيء رسول الله عليه الصلاة والسلام نبذوه هو الآخر .. لأنهم كانوا يستفتحون على الذين كفروا ويقولون أتى زمن نبي سنؤمن به ونقتلكم قتل عاد وإرم. وقوله تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ} [البقرة: 101] .. يعني نبذ جماعة وبقيت جماعة أخرى لم تنبذ الكتاب .. بدليل أن ابن سلام وهو أحد أحبار اليهود صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن به .. وكعب الأحبار مخيريق أسلم .. فلو أن القرآن عمم ولم يقل فريق لقيل إنه غير منصف لهؤلاء الذين آمنوا. وقوله تعالى: {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} [البقرة: 101] .. النبذ قد يكون أمامك .. وكونه أمامك فأنت تراه دائماً، وربما يغريك بالإقبال عليه، ولكنهم نبذوه وراء ظهورهم أي جعلوه وراءهم حتى ينسوه تماماً ولا يلتفتوا إليه. وقوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 101] .. أي يتظاهرون بأنهم لا يعلمون ببشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصافه .. وقوله تعالى: "كأنهم" .. دليل على أنهم يعلمون ذلك علم يقين .. لأنهم لو كانوا لا يعلمون .. لقال الحق سبحانه: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} [البقرة: 101] وهم لا يعلمون .. إذن هم يعلمون يقيناً ولكنهم تظاهروا بعدم العلم .. ولابد أن نتنبه إلى أن نبذ يمكن أن يأتي مقابلها فنقول نبذ كذا واتبع كذا .. وهم نبذوا كتاب الله ولكن ماذا اتبعوا؟

الصابوني

تفسير : [1] موقف الشريعة من السحر التحليل اللفظي {نَبَذَ}: النبذ: الطرح والإلقاء قال تعالى: {أية : فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} تفسير : [القصص: 40] ومنه النبيذ للشيء المسكر، وسميَ نبيذاً، لأن الذي يتخذه يأخذ تمراً أو زبيباً فينبذه في وعاء أو سقاء، ويتركه حتى يصير مسكراً، والمنبوذُ: ولد الزنى، لأنهُ يُنْبذُ على الطريق، قال أبو الأسود: شعر : وخبّرني من كنتُ أرسلتُ أنما أخذتَ كتابي معرضاً بشمالكا نظرتَ إلى عنوانه فنبذتَه كنبذكَ نعلاً أخْلقتْ من نعالكا تفسير : وقال آخر: شعر : أنّ الذين أمرتهم أن يعدلوا نبذوا كتابك واستحلوا المحرما تفسير : {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ}: هذا مثل يضرب لمن استخفّ بالشيء وأعرض عنه جملة، تقول العرب: جعل هذا الأمر وراء ظهره، ودبر أذنه، قال تعالى: {أية : وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} تفسير : [هود: 92] وأنشد الفرّاء: شعر : تميم بن زيد لا تكوننّ حاجتي بظهرٍ ولا يعيا عليك جوابها تفسير : {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}: تشبيه لهم بمن يجهل، لأن الجاهل بالشيء لا يحفل به ولا يهتم، لأنه لا شعور له بما فيه من المنفعة. والمعنى: نبذوا كتاب الله وتركوا العمل به، على سبيل العناد والمابرة، كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله المنزّل على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. {وَٱتَّبَعُواْ} الضمير لفريق من الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود. قال الزمخشري: أي نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين. والمراد بالاتباع: التوغّلُ والإقبال على الشيء بالكليّة، وقيل: الاقتداء. {تَتْلُواْ}: بمعنى تلت مضارع بمعنى الماضي، فهو حكاية لحال ماضية، قال الشاعر: شعر : وانضحْ جوانبَ قبره بدمائها فلقد يكونُ أخا دمٍ وذبائحِ تفسير : أي فلقد كان. وتتلو يعني: تُحدّث، وتروي، وتتكلم به من التلاوة بمعنى القراءة. قال الطبري: ولقول القائل "هو يتلو كذا" في كلام العرب معنيان: أحدهما: الاتباع كما تقول: "تلوت فلاناً" إذا مشيت خلفه وتبعت أثره. والآخر: القراءة والدراسة كما تقول: فلان يتلو القرآن بمعنى أنه يقرؤه ويدرسه، كما قال (حسان بن ثابت): شعر : نبيّ يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد تفسير : والمعنى: طرحوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتّبعوا كتب السحر والشعوذة التي كانت تقرؤها الشياطين وتحدّث وتروي بها في عهد سليمان. {ٱلشَّيَـٰطِينُ}: المتبادر من لفظ (الشياطين) أن المراد بهم مردة الجن، وبه قال بعض المفسرين وقال بعضهم: المراد بهم شياطين الإنس، والأرجح أن المراد بهم شياطين (الإنس والجن) كما قال تعالى: {أية : شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً}تفسير : [الأنعام: 112]. {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ}: أي على عهد مكله وفي زمانه، فهو على حذف مضاف. قال المبرّد: "على" بمعنى "في" أي في عهد ملكه، كما أنّ "في" بمعنى "على" كما في قوله تعالى: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71] أي على جذوع النخل. و(سليمان) اسم عبراني، وقد تكلمت به العرب في الجاهلية، واستعمله الحطيئة، اضطراراً فجعله بلفظ (سلاّم) حين قال: شعر : فيه الرماح وفيه كل سابغة جدلاء محكمة من نسج سلاّم تفسير : قال الألوسي: وسليمان اسم أعجمي، وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة، ونظيره (هامان) و (ماهان) و (شامان) وليس امتناعه من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. {ٱلسِّحْرَ}: في اللغة: كلّ ما لطف مأخذه ودقّ، قال الأزهري: وأصل السّحر صرفُ الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأنّ الساحر لمّا أرى الباطل في سورة الحقّ، وخيّل الشيء على غير حقيقته، قد سحر الشيء عن وجهه اي صرفه. وقال الجوهري: والسّحر: الأُخْذةُ، وكلّ ما لطُف مأخذه، ودقّ فهو سحرٌ وسَحَره أيضاً بمعنى خدعه. وقال القرطبي: السّحر أصلُه التمويهُ بالحيل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيُخيّل للمسحور أنها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السّراب من بعيد فيخيّل إليه أنه ماء، وهو مشتق من سحرتُ الصبي إذا خدعته، قال لبيد: شعر : فإنْ تسألينا فيمَ نحن فإنّنا عصافيرُ من هذا الأنام المسحّر تفسير : وقال امرؤ القيس: شعر : أُرانا مُوضعين لأمر غيبٍ ونُسحَرُ بالطعام وبالشراب عصافيرٌ وذبّانٌ ودودٌ وأجرأ من مجلّحة الذئاب تفسير : وقال الألوسي: السّحر في الأصل مصدر سَحَر يسَحْر بفتح العين فيهما إذا أبدى ما يدّق ويخفى، وهو من المصادر الشاذة، ويستعمل بما لطف وخفي سببه، والمراد به أمر غريب يشبه الخارق. وفي الحديث "حديث : إنّ من البيان لسحراً ". تفسير : {فِتْنَةٌ}: الفتنةُ الاختبار والابتلاء، ومنه قولهم: فتنتُ الذهب في النار، إذا امتحنته لتعرف جودته من رداءته. قال الأزهري: جِماعُ معنى الفتنة: الابتلاء والامتحان، والاختبار، قال تعالى: {أية : أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} تفسير : [الأنفال: 28] وقال تعالى {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}تفسير : [العنكبوت: 3] أي اختبرنا وابتلينا. قال الجصّاص: الفتنةُ: ما يظهر به حال الشيء في الخير والشر، تقول العرب: فتنتُ الذهب إذا عرضته على النار لتعرف سلامته أو غشّه، والاختبار كذلك أيضاً لأن الحال تظهر فتصير كالمخبرة عن حالها. {فَلاَ تَكْفُرْ}: أي بتعلم السّحر واستعماله، وفي الآية إشارة إلى أنّ تعلم السّحر كفرٌ. قال الزمخشري: {فَلاَ تَكْفُرْ} أي فلا تتعلم السّحر معتقداً أنه حق فتكفر. {بِإِذْنِ ٱللَّهِ}: أي بإرادته ومشيئته، وفيه دليل على أن في السحر ضرراً مودعاً، إذا شاء الله تعالى حال بينه وبين المسحور، وإذا شاء خلاّه حتى يصيبه ما قدّره الله تعالى له، وهذا مذهب السلف في الأسباب والمسببات. {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ}: قال الألوسي: أي استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله، واللام للابتداء وتدخل على المبتدأ وعلى المضارع، ودخولها على الماضي مع (قد) كثير، كقوله تعالى: {أية : لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} تفسير : [آل عمران: 181]. {خَلَٰـقٍ}: الخلاقُ في اللغة بمعنى النصيب قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ} تفسير : [آل عمران: 77] ويأتي بمعنى القدر قال الشاعر: شعر : فما لكَ بيتٌ لدى الشامخات وما لك في غالب من خلاق تفسير : قال الزّجاج: هو النصيب الوافر من الخير، وأكثر ما يستعمل في الخير، ويكون للشر على قلّة. {شَرَوْاْ}: أي باعوا أنفسهم به، يقال: شرى بمعنى اشترى، وشرى بمعنى باع من الأضداد، قال الشاعر: شعر : وشريتُ بُرْداً ليتني من بعد بُرْدٍ كنتُ هامة تفسير : {لَمَثُوبَةٌ}: المثوبة: الثواب والجزاء، أي لثواب وجزاء عظيم من الله تعالى على إيمانهم وتقواهم. المعنى الإجمالي يخبر المولى جلّ ثناؤه أنّ أحبار اليهود وعلماءهم نبذوا كتابه الذي أنزله على عبده ورسوله (موسى) عليه السلام وهو التوراة، كما نبذ أحفادهم الكتاب الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، مع أنّ الرسول جاء مصدّقاً لما بين أيديهم من التوراة، فلا عجب أن يكون الأحفاد مثل الأجداد، في الاستكبار والعناد، فهؤلاء ورثوا عن أسلافهم البغي، والإفساد، والعناد. لقد نبذ أولئك كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم واتبعوا طرق السحر والشعوذة التي كانت تحدّثهم بها الشياطين في عهد ملك سليمان، وما كان (سليمان) عليه السلام ساحراً، ولا كفر بتعلمه السحر، ولكنّ الشياطين هم الذين وسوسوا إلى الإنس وأوهموهم أنهم يعلمون الغيب، وعَلَّموهم السحر حتى فشا أمره بين الناس. وكما اتبّع رؤساء اليهود (السحر) و(الشعوذة) كذلك اتّبعوا ما أُنزل على الرجلين الصالحين، أو الملكَيْن: (هاروت) و(ماروت) بمملكة بابل، فقد أنزلهما الله تعالى إلى الأرض، لتعليم السحر، ابتلاءً من الله للناس، وما يعلّمان السّحر من أجل السّحر، وإنّما من أجل إبطاله، ليُظْهرا للناس الفرق بين (المعجزة) و(السّحر)، ولله أن يبتلي عباده بما شاء، كما امتحن قوم طالوت بالنهر، وقد كثر السحر في ذلك الزمان، وأظهر السّحَرة أموراً غريبة وقع بسببها الشكّ في (النبوّة)، فبعث الله تعالى الملكَين لتعليم أبواب السحر، حتى يزيلا الشّبَه، ويميطا الأذى عن الطريق.. ومع ذلك فقد كانا يحذّران الناس من تعلّم السحر واستخدامه في الأذى والضرر، وكانا إذا علَّما أحداً قالا له: إنما هذا امتحان من الله وابتلاء فلا تكفر بسببه واتّق الله فلا تستعمله في الإضرار، فمن تعلّمه ليتوقّى ضرره ويدفع أذاه عن الناس فقد نجا وثبت على الإيمان، ومن تعلّمه معتقداً صحته ليُلحق الأذى بالناس فقد ضلّ وكفر، فكان الناس فريقين: فريق تعلّمه عن نيّة صالحة ليدفع ضرره عن الناس، وفريق تعلّمه عن نيّة خبيثة ليفرّق به بين الرجل وأهله، وبين الصديق وصديقه، ويوقع العداوة والبغضاء بين الناس، وهؤلاء قد خسروا دنياهم وآخرتهم، لأنهم عرفوا أنّ من تجرّد لهذه الأمور المؤذية، ما له في الآخرة من نصيب ولبئسما باعوا به أنفسهم لو كان عندهم فهم وإدراك. ولو أن هؤلاء الذين يتعلمون السحر آمنوا بالله، وخافوا عذابه، لأثابهم الله جزاء أعمالهم مثوبة أفضل ممّا شغلوا به أنفسهم، من هذه الأمور الضارّة التي لا تعود عليهم إلاّ بالويل والخسار والدمار. سبب النزول قال ابن الجوزي رحمه الله: في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما: أن اليهود كانوا لا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء من التوراة إلاّ أجابهم، فسألوه عن السحر وخاصموه به فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية. والثاني: أنه لما ذكر سليمان في القرآن قالت يهود المدينة: ألا تعجبون لمحمد يزعم أن (ابن داود) كان نبيّاً؟ والله ما كان إلا ساحراً فنزلت هذه الآية {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ...} ذكره ابن إسحاق. وجوه القراءات أولاً: قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ}. قرأ الجمهور: (ولكنّ الشياطينَ) بتشديد نون (لكنّ) ونصب نون (الشياطين) وقرأ حمزة والكسائي: (ولكن الشياطينُ) بتخفيف النون من (لكن) ورفع نون (الشياطين). ثانياً: قوله تعالى: {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ}. قرأ الجمهور: (المَلَكَيْن) بفتح اللام والكاف مثنّى (مَلَك) وقرأ ابن عباس، وسعيد بن جبير (الملِكَيْن) بكسر اللام مثنىّ (ملِك) قال ابن الجوزي: وقراءة الجمهور أصح. قال القرطبي: وحُكي عن بعض القرّاء أنه كان يقرأ: {وما أُنْزل على الملِكَيْن} يعني به رجلين من بني آدم. ثالثاً: قوله تعالى: {هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ} قرأ الجمهور بفتح التاء قرأ الحسن والزهري برفعهما على تقدير (هما هاروتُ وماروتُ). وجوه الإعراب أولاً - قوله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ} الواو للعطف، و{ٱتَّبَعُواْ} معطوف على قوله تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ} من عطف الجملة على الجملة، والضمير في {ٱتَّبَعُواْ} لليهود، و{مَا} اسم موصول مفعول به و{تَتْلُواْ} صلة الموصول و{ٱلشَّيَـٰطِينُ} فاعل مرفوع وهو إخبار عن حالهم في اتباعهم ما لا ينبغي أن يتبّع، لأن الاتباع ليس مترتباً على مجيء الرسول، بخلاف نبذ كتاب الله فإنه مترتب على مجيء الرسول. ثانياً - قوله تعالى: {يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ....} جملة {يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ} في محل نصب على الحال من الضمير في {كَفَرُواْ} أي كفروا معلميّن الناس السحر، وقيل: هو بدل من {كَفَرُواْ} لأن تعليم السحر كفر في المعنى و{مَآ أُنْزِلَ} اسم الموصول {مَا} معطوف على {مَا تَتْلُواْ} فهو في موضع نصب، والمعنى: اتبعوا ما تتلوه الشياطين، واتبعوا ما أُنزل على الملكين، وقيل: {مَآ أُنْزِلَ} ما: نافية أي لم ينزل على الملكين، قال ابن الأنباري: وهذا الوجه ضعيف جداً، لأنه خلاف الظاهر والمعنى، فكان غيره أولى. ثالثاً: قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ}. اللام في {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ} لام الابتداء، و(مَنْ) بمعنى الذي في موضع رفع لأنه مبتدأ، وخبره جملة {مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ} و{مِنْ} في قوله: {مِنْ خَلَٰـقٍ} زائدة لتأكيد النفي، وتقديره: ما له في الآخرة خلاق. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: تضمنت هذه الآيات الكريمة ما كان عليه اليهود من الخبث وفساد النيّة، والسعي للإضرار بعباد الله، فالسّحر لم يُعرف إلاّ عند اليهود، فتاريخه مشتهر بظهورهم، فهم الذين نبذوا كتاب الله وسلكوا طريق السحر، وعملوا على إفساد عقول الناس وعقائدهم بطريق السحر، والشعوذة، والتضليل، وهذا يدلّ على أنّ اليهود أصل كل شرّ، ومصدر كلّ فتنة وقد صوّر القرآن الكريم نفسيّة اليهود بهذا التصوير الدقيق {أية : كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ} تفسير : [المائدة: 64]. اللطيفة الثانية: قال أبو حيان: كما كانت الآيات السابقة فيها ما يتضمّن الوعيد في قوله تعالى: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 98] وقوله: {أية : وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [البقرة: 99] وذكر نبذ العهود من اليهود، ونبذ كتاب الله، واتباع الشياطين، وتعلم ما يضر ولا ينفع، أتبع ذلك بآية تتضمن الوعد الجميل لمن آمن واتقى. فجمعت هذه الآيات بين الوعيد والوعد، والترغيب والترهيب، والإنذار والتبشير، وصار فيها استطراد من شيء إلى شيء، وإخبار بمغيّب يعد مغيّب، متناسقةٌ تناسق اللآلئ في عقودها، متضمنة اتضاح الدّراري في مطالع سعودها، معلمة صدق من أتى بها، وهو ما قرأ الكتب ولا دارس، ولا رحل، ولا عاشر الأحبار ولا مارس {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} تفسير : [النجم: 3-4] صلى الله وسلّم عليه، وأوصل أزكى تحية إليه. اللطيفة الثالثة: قَوله تعالى: {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} التعبيرُ بالنبذ وراء الظهور، فيه زيادة تشنيع وتقبيح على اليهود، حيث تركوا العمل بكتاب الله، وأعرضوا عنه بالكلّية، شأن المستخف بالشيء، المستهزئ به، وتمسكوا بأساطير من فنون السحر والشعوذة. يقول سيّد قطب رحمه الله: "والذين أوتوا الكتاب هم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، والمقصودُ طبعاً أنهم جحدوه وتركوا العمل به، ولكنّ التعبير المصوّر ينقل المعنى من دائرة الذهن، إلى دائرة الحسن، ويمثّل عملهم بحركةٍ مادية متخيّلة، تصوّر هذا التصرف تصويراً بشعاً زرياً، ينضح بالكنود والجحود، ويتسّم بالغلظة والحماقة، ويفيض بسوء الأدب والقحة، ويدع الخيال يتملّى هذه الحركة العنيفة، حركة الأيدي تنبذ كتاب الله وراء الظهور". اللطيفة الرابعة: وجه المقارنة بين ذكر {ٱلشَّيَـٰطِينُ} و{ٱلسِّحْرَ} في الآية الكريمة، هو أنّ السحر فيه استعانة بأرواح خبيثةٍ شرّيرة من الجن، والشياطينُ تزعم أنها تعلم الغيب وتوهم الناس بذلك، وقد كان بعض الناس يصدّقونهم فيما يزعمون، ويلجأون إليهم عند الكرب كما قال تعالى: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} تفسير : [الجن: 6] ولهذا اشتهر السّحر عن طريق الاتصال بهذه الأرواح الخبيثة. أخرج ابن جرير والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إنّ الشياطين كانوا يسترقون السّمع من السّماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة، كذب عليها ألف كذبة، فأشربتها قلوب الناس واتخذوها دواوين، فأطلع الله على ذلك "سليمان بن داود" فأخذها وقذفها تحت الكرسي، فلمّا مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحدٍ مثل كنزه الممنّع؟ قالوا: نعم فأخرجوه فإذا هو سحر، فتناسختها الأمم فأنزل الله تعالى عذر سليمان فيما قالوا من السحر". اللطيفة الخامسة: عبّر القرآن الكريم عن (السحر) بـ (الكفر) في قوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ} وسياقُ اللفظ يدل على أن المراد منه السحر أي: وما سحر سليمان وإنما عبّر عنه بالكفر تقبيحاً وتشنيعاً، كما قال تعالى فيمن ترك الحجّ مع القدرة عليه {أية : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِين} تفسير : [آل عمران: 97]. وفي هذا التعبير تنفير للنّاس من السحر، ودلالة على أنه من الكبائر الموبقات، بل هو قرين الكفر والإشراك بالله، وقد دلّ عليه قوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ}. اللطيفة السادسة: روي أنّ رجلاً تكلّم بكلام بليغ عند (عمر بن عبد العزيز) فقال عمر: هذا والله السّحر الحلال. ورُوي حديث : أنّ (الزبرقان بن بدر) و(عَمْر بن الأهتم) و(قيس بن عاصم) قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعَمْرو: خبّرني عن الزبرقان؟ فقال: مُطاع في ناديه، شديد العارضة، مانعٌ لما وراء ظهره.. فقال الزبرقان: هو والله يعلمُ أني أفضلُ منه، فقال عمرو: إنه زمر المروءة، ضيّق العَطَن، أحمقُ الأب، لئيم الخال.. ثم قال: يا رسول الله، صدقتُ فيهما، أرضاني أحسن ما علمتُ، وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت، فقال عليه السلام: "إن من البيان لسحراً" . تفسير : ورُوي أن رجلين قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب أحدهما فعجب الناس من فصاحته وبلاغته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ من البيان لسحراً"تفسير : . فإن قيل: كيف سمّى عليه السلام روعة البيان سحراً مع أنّ السحر مذموم عقلاً ونقلاً؟! فالجواب: أنّ هذا على (المجاز) لا على (الحقيقة) فالخطيب يستميل القلوب بحسن بيانه وروعة أدائه، وجمال تعبيره، كما يستميل الساحر قلوب الحاضرين إليه بخفته ورشاقته وتمويهه على الحاضرين، فمن هذا الوجه سمّي البيان سحراً. اللطيفة السابعة: فإن قيل: كيف كان الملكان يعلّمان الناس السحر مع أنه حرام، ومعتقده كافر؟! فالجواب: أنهما ما كانا يعلمان الناس السّحر للعمل به، وإنما للتخلُّص من ضرره، والاحتراز منه، لأنّ تعريف الشر للزجر عنه حسن وقد قيل: شعر : عرفتُ الشرّ لا للشرّ لكــن لتــوقّـيـــه ومن لا يعرف الشرّ من الناس يقـع فيــه تفسير : وقد قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه إنّ فلاناً لا يعرف الشر، قال: أجدر أن يقع فيه. والصحيح كما قال الألوسي: أن ذلك كان للابتلاء والتمييز بين (المعجزة) و(السحر) والله أعلم. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل للسّحر حقيقة وتأثير في الواقع؟ اختلف العلماء في أمر (السحر) هل له حقيقة أم هو شعوذة وتخييل؟ فذهب جمهور العلماء: من أهل السنة والجماعة إلى أن السحر له حقيقة وتأثير. وذهب المعتزلة وبعض أهل السُنّة: إلى أنّ السحر ليس له حقيقة في الواقع وإنما هو خداع، وتمويه، وتضليل، وأنه باب من أبواب الشعوذة، وهو عندهم على ضروب. ضروب السحر أولاً: التخييل والخداع: وذلك كما يفعله بعض المشعوذين، حيث يريك أنه ذبح عصفوراً، ثم يريك العصفور بعد ذبحه قد طار، وذلك لخفة حركته، والمذبوحُ غير الذي طار لأنه يكون معه اثنان، قد خبأ أحدهما وهو المذبوح وأظهر الآخر. قالوا: وقد كان سحر سحرة فرعون من هذا النوع، فقد كانت العصيّ مجوَّفة، قد ملئت زئبقاً، وكذلك الحبال كانت من أدم (جلد) محشوّة زئبقاً، وقد حفروا تحت المواضع أسراباً وملؤها ناراً، فلمّا طرحت عليها الحبال والعصيّ وحمى الزئبق تحركت، لأنّ من شأن الزئبق إذا أصابته الحرارة أن يتمدّد، فتخيّل الناس أنّ هذه الحبال والعصي تتحرك وتسير. ثانياً: الكهانة والعرافة بطريق التواطؤ وذلك كما يفعله بعض العَرّافين والكُهان حيث يوكلون أناساً بالاطلاع على أسرار الناس، حتى إذا جاء أصحابها أخبروهم بها، ويزعمون أنها من حديث الجنّ والشياطين لهم، وأنهم يتصلون بهم ويطيعونهم بواسطة الرّقي والعزائم، وأن الشياطين تخبرهم بالمغيبات فيصدقهم الناس، وما هي إلا مواطأة مع أشخاصٍ قد أعدّوهم لذلك. قال الجصاص: كانت أكثر مخاريق الحلاّج بالمواطأة، فكان يتفق مع جماعة فيضعون له خبزاً ولحماً وفاكهة في مواضع يعيّنها لهم، ثمّ يمشي مع أصحابه في البرية، ثم يأمر بحفر هذه المواضع، فيخرج ما خبئ من الخبز واللحم والفاكهة، فيعدّونها من الكرامات. ثالثاً: وضربٌ آخر من السّحر عن طريق النميمة، والوشاية، والإفساد من وجوه خفيّة لطيفة، وذلك عام شائع في كثير من الناس.. وقد حُكي أنّ امرأة أرادت إفساد ما بين زوجين، فجاءت إلى الزوجة فقالت لها: إنّ زوجك معرضٌ عنك، وهو يريد أن يتزوج عليك، وسأسحره لك حتى لا يرغب عنك، ولا يريد سواك، ولكن لا بد أن تأخذي من شعر حلقه بالموسى ثلاث شعرات إذا نام وتعطينيها حتّى يتم سحره، فاغترت المرأة بقولها وصدقتها، ثمّ ذهبت إلى الرجل وقالت له: إن امرأتك قد أحبّت رجلاً وقد عزمت على أن تذبحك بالموسى عند النوم لتتخلص منك، وقد أشفقت عليك ولزمني نصحك، فتيقّظ لها هذه الليلة وتظاهر بالنوم فستعرف صدق كلامي، فلما جاء الليل تناوم الرجل في بيته فجاءت زوجته بالموسى لتحلق بعض شعرات من حلقه، ففتح الرجل عينه فرآها وقد أهوت بالموسى إلى حلقه، فلم يشكّ في أنها أرادت قتله فقام إليها فقتلها، فبلغ الخبر إلى أهلها فجاءوا فقتلوه، وهكذا كان الفساد بسبب الوشاية والنميمة. رابعاً: وضرب آخر من السحر وهو الاحتيال وذلك بإطعام الإنسان بعض الأدوية المؤثرة في العقل، أو إعطائه بعض الأغذية التي لها تأثير على الفكر والذكاء، كإطعامه (دماغ الحمار) الذي إذا أطعمه إنسان تبلّد عقله، وقلّت فطنته مع أدوية أخرى معروفة في كتب الطب، فإذا أكله الإنسان تصرّف تصرفاً غير سليم فيقول الناس: به مسّ أو إنه مسحور. فأنت ترى أنهم يُرجعون السحر إمّا إلى تمويه وتخييل، وإمّا إلى مواطأة، وإمّا إلى سعي ونميمة، وإمّا إلى احتيال، ولا يرون الساحر يقدر على شيء ممّا يثبته له الآخرون من التأثير في الأجسام، ومن قطع المسافات البعيدة في الزمن اليسير. قال أبو بكر الجصاص: وحكمةٌ كافية تبيّن لك أن هذا كله مخاريق وحيل، لا حقيقة لما يدّعون لها أنّ الساحر والمعزّم لو قدرا على ما يدعيانه من النفع والضرر، وأمكنهما الطيران، والعلم بالغيوب، وأخبار البلدان النائية، والخبيثات والسّرَق، والإضرار بالناس من غير الوجوه التي ذكرنا، لقدروا على إزالة الممالك واستخراج الكنوز، والغلبة على البلدان بقتل الملوك بحيث لا ينالهم مكروه، ولا ستغنوا عن الطلب لما في أيدي الناس. فإذا لم يكن كذلك، وكان المدّعون لذلك أسوأ الناس حالاً، وأكثرهم طمعاً واحتيالاً، وتوصلاً لأخذ دراهم الناس وأظهرهم فقراً وإملاقاً علمتَ أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك. أدلة المعتزلة: استدل المعتزلة على أن السحر ليس له حقيقة بعدة أدلة نوجزها: أ - قوله تعالى: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ} تفسير : [الأعراف: 116]. ب - قوله تعالى: {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 66]. جـ - قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ} تفسير : [طه: 69]. فالآية الأولى: تدل على أن السحر إنما كان للأعين فحسب، والثانية: تؤكد أنَّ هذا السحر كان تخييلاً لا حقيقة، والثالثة: تثبت أن الساحر لا يمكن أن يكون على حق لنفي الفلاح عنه. د - وقالوا: لو قدر الساحر أن يمشي على الماء، أو يطير في الهواء، أو يقلب التراب إلى ذهب على الحقيقة، لبطل التصديق بمعجزات الأنبياء، والتبس الحق بالباطل، فلم يعد يعرف (النبي) من (الساحر) لأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء، وفعل السحرة، وأنه جميعه من نوع واحد. أدلة الجمهور: واستدل الجمهور من العلماء على أنّ السّحر له حقيقة وله تأثير بعدة أدلة نوجزها فيما يلي: أ - قوله تعالى: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الأعراف: 116]. ب - قوله تعالى: {أية : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} تفسير : [البقرة: 102]. جـ - قوله تعالى: {أية : وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 102]. د - قوله تعالى: {أية : وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ} تفسير : [الفلق: 4]. فالآية الأولى دلّت على إثبات حقيقة السحر بدليل قوله تعالى: {أية : وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الأعراف: 116] والآية الثانية أثبتت أن السحر كان حقيقياً حيث أمكنهم بواسطته أن يفرّقوا بين الرجل وزوجه، وأن يوقعوا العداوة والبغضاء بين الزوجين فدلت على أثره وحقيقته، والآية الثالثة أثبتت الضرر للسحر، ولكنّه متعلق بمشيئة الله، والآية الرابعة تدل على عظيم أثر السحر حتى أمرنا أن نتعوذ بالله من شرّ السّحرة الذين ينفثون في العقد. هـ - واستدلوا بما روي حديث : أن يهودياً سحر النبي صلى الله عليه وسلم فاشتكى لذلك أياماً، فأتاه جبريل فقال: إنّ رجلاً من اليهود سحرك، عقد لك عقداً في بئر كذا وكذا، فأرسل صلى الله عليه وسلم فاستخرجها فحلّها، فقام كأنّما نَشِطَ من عقال . تفسير : الترجيح: ومن استعراض الأدلة نرى أنّ ما ذهب إليه الجمهور أقوى دليلاً فإن السحر له حقيقة وله تأثير على النفس، فإن إلقاء البغضاء بين الزوجين، والتفريق بين المرء وأهله الذي أثبته القرآن الكريم ليس إلا أثراً من آثار السحر، ولو لم يكن للسحر تأثير لما أمر القرآن بالتعوذ من شرّ النفاثات في العقد، ولكنْ كثيراً ما يكون هذا السحر بالاستعانة بأرواح شيطانية فنحن نقر بأنّ له أثراً وضرراً ولكنّ أثره وضرره لا يصل إلى الشخص إلاّ بإذن الله، فهو سبب من الأسباب الظاهرة، التي تتوقف على مشيئة مسبّب الأسباب، ربّ العالمين جلّ وعلا. وأما استدلالهم: بأنه يلتبس الأمر بين (المعجزة) و(السحر) إذا أثبتنا للسّحر حقيقة فنقول: إنّ الفرق بينهما واضح فإنّ معجزات الأنبياء عليهم السلام هي على حقائقها، وظاهرُها كباطنها، وكّلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها، وأما السّحر فظاهره غير باطنه، وصورته غير حقيقته، يعرف ذلك بالتأمل والبحث، ولهذا أثبت القرآن الكريم للسحرة أنهم استرهبوا الناس وجاءوا بسحرٍ عظيم، مع إثباته أَنّ ما جاءوا به إنما كان عن طريق التمويه والتخييل. قال العلامة القرطبي: "لا ينكر أحدٌ أن يظهر على يد الساحر خرق العادات، بما ليس في مقدور البشر، من مرضٍ، وتفريق، وزوال عقل، وتعويج عضو، إلى غير ذلك ممّا قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات البشر. قالوا: ولا يبعد في السحر أن يستدقّ جسم الساحر حتى يلج في الكُوّات، والخوخات، والانتصاب على رأس قصبة، والجري على خيط مستدق، والطيران في الهواء، والمشي على الماء، وركوب كلب وغير ذلك، ومع ذلك فلا يكون السحر موجباً لذلك، ولا علةً لوقوعه، ولا سبباً مولوداً، ولا يكون الساحر مستقلاً به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء، ويحدثها عند وجود السحر، كما يخلق الشبع عند الأكل، والرّيّ عند شرب الماء. ثم قال: قد أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده من إنزال الجراد، والقمل، والضفادع وفلق البحر، وقلب العصا، وإحياء الموتى، وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام، فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر. وقال أبو حيان: واختلف في حقيقة السحر على أقوال: الأول: أنه قلب الأعيان واختراعها بما يشبه المعجزات والكرامات كالطيران، وقطع المسافات في ليلة. الثاني: أنه خدع وتمويهات وشعوذة لا حقيقة لها وهو قول المعتزلة. الثالث: أنه أمرٌ يأخذ بالعين على جهة الحيلة، كما كان فعل سحرة فرعون حيث كانت حبالهم وعصيّهم مملوءة زئبقاً، فجّروا تحتها ناراً فحميت الحبال والعصي فتحرّكت وسعت. الرابع: أنه نوع من خدمة الجن والاستعانة بهم، وهم الذين استخرجوه من جنس لطيف فلطف ودقّ وخفي. الخامس: أنه مركب من أجسام تُجمع وتحرق، ويتلى عليها أسماء وعزائم، ثم تستعمل في أمور السحر. السادس: أن أصله طلسمات تبنى على تأثير خصائص الكواكب، أو استخدام الشياطين لتسهيل ما عسُر. السابع: أنه مركّب من كلمات ممزوجة بكفر، وقد ضمّ إليها أنواع من الشعبذة، والنارنجيات، والعزائم، وما يجري مجرى ذلك. ثم قال: وأما في زماننا الآن فكلما وقفنا عليه في الكتب فهو كذب وافتراء، ولا يترتب عليه شيء، ولا يصح منه شيء البتة، وكذلك العزائم وضرب المندل، والناس يصدقون بهذه الأشياء ويصغون إلى سماعها. الحكم الثاني: هل يباح تعلّم السحر وتعليمه؟ ذهب بعض العلماء: إلى أن تعلُّم السحر مباح، بدليل تعليم الملائكة السحر للناس كما حكاه القرآن الكريم عنهم، وإلى هذا الرأي ذهب (الفخر الرازي) من علماء أهل السنّة. وذهب الجمهور: إلى حرمة تعلم السحر، أو تعليمه، لأنّ القرآن الكريم قد ذكره في معرض الذمّ، وبيّن أنه كفر فكيف يكون حلالاً؟ كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام عدّه من الكبائر الموبقات كما في الحديث الصحيح وهو قوله صلوات الله عليه: "حديث : اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا وما هنّ يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ". تفسير : قال الألوسي: "وقيل إنّ تعلمه مباح، وإليه مال الإمام الرازي قائلاً: اتفق المحقّقون على أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور، لأن العلم لذاته شريف لعموم قوله تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 9]؟ ولو لم يُعْرف السحر لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، فكيف يكون تعلمه حراماً وقبيحاً؟ ونقل بعضهم وجوب تعلمه على المفتي حتى يعلم ما يقتل به وما لا يقتل به، فيفتي به في وجوب القصاص". انتهى. ثم قال الألوسي: "والحق عندي الحرمة تبعاً للجمهور، إلاّ لداعٍ شرعي، وفيما قاله الإمام الرازي رحمه الله نظر: أمّا أولاً: فلأنا لا ندّعي أنه قبيح لذاته، وإنما قبحه باعتبار ما يترتب عليه، فتحريمه من باب (سد الذرائع) وكم من أمرٍ حَرُم لذلك. وأمّا ثانياً: فلأنّ توقف الفرق بينه وبين المعجزة على العلم به ممنوعٌ، ألا ترى أن أكثر العلماء - أو كلّهم - عرفوا الفرق بينهما ولم يعرفوا علم السحر، ولو كان تعلمه واجباً لرأيت أعلم الناس به الصدر الأول. وأما ثالثاً: فلأن ما نُقل عن بعضهم غير صحيح، لأنّ إفتاء المفتي بوجوب القَوَد أو عدمه لا يستلزم معرفته علم السحر، لأن صورة إفتائه - على ما ذكره العلامة ابن حجر - إنْ شهد عدلان عرفا السحر وتابا منه أنه يقتل غالباً قُتل الساحر، وإلاّ لم يُقتل. وقال أبو حيان: وأما حكم السحر، فما كان منه يُعظّم به غير الله من الكواكب، والشياطين، وإضافة ما يُحدثه الله إليها فهو كفر إجماعاً، لا يحلّ تعلمه ولا العمل به، وكذا ما قصد بتعلمه سفك الدماء، والتفريق بين الزوجين والأصدقاء. وأما إذا كان لا يعلم منه شيء من ذلك بل يحتمل فالظاهر أنه لا يحل تعلمه، ولا العمل به، وما كان من نوع التخييل، والدّجل، والشعبذة فلا ينبغي تعلمه لأنه من باب الباطل، وإن قصد به اللهو واللعب وتفريج الناس على خفة صنعته فيكره". الحكم الثالث: هل يُقتل الساحر؟ قال أبو بكر الجصاص: اتفق السلف على وجوب قتل الساحر، ونصَّ بعضهم على كفره لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : من أتى كاهناً أو عرافاً أو ساحراً فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد ". تفسير : واختلف فقهاء الأمصار في حكمه: فروي عن أبي حنيفة أنه قال: الساحرُ يُقتل إذا عُلم أنه ساحر ولا يستتاب، ولا يقبل قوله إني أترك السحر منه، فإذا أقر أنه ساحر فقد حلّ دمه، وكذلك العبد المسلم، والحر الذميّ من أقر منهم أنه ساحر فقد حلّ دمه، وهذا كله قول أبي حنيفة. قال ابن شجاع: فحَكَمَ في الساحر والساحرة حكم المرتد والمرتدة، وقال - نقلاً عن أبي حنيفة - إنّ الساحر قد جمع مع كفره السعيَ في الأرض بالفساد، والساعي بالفساد إذا قتَلَ قُتل. وروي عن مالك في المسلم إذا تولّى عمل السحر قتل ولا يستتاب، لأنّ المسلم إذا ارتد باطناً لم تعرف توبته بإظهاره الإسلام، فأمّا ساحر أهل الكتاب فإنه لا يقتل عند مالك إلاّ أن يضر المسلمين فيقتل. وقال الشافعي: لا يكفر بسحره، فإن قتَل بسحره وقال: سحري يقتل مثله، وتعمدت ذلك قتل قوداً، وإن قال: قد يقتل، وقد يخطئ، لم يُقتل وفيه الدية. وقال الإمام أحمد: يكفر بسحره قتل به أو لم يقتل، وهل تقبل توبته؟ على روايتين، فأمّا ساحر أهل الكتاب فإنه لا يُقتل إلا أن يضر بالمسلمين. والخلاصة: فإنّ أبا حنيفة يذهب إلى كفر الساحر، ويبيح قتله ولا يستتاب عنده، والساحر الكتابي حكمه كالساحر المسلم. والشافعي يقول: بعدم كفره ولا يقتل عنده إلا إذا تعمّد القتل. ومالك يرى قتل الساحر المسلم لا ساحر أهل الكتاب ويحكم بكفر الساحر ولكلٍ وجهة هو مولّيها.. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - التوراة كتاب الله الذي أنزله على موسى عليه السلام والقرآن مصدّق للتوراة. 2 - نبذ اليهود (التوراة) ولم يعملوا بما فيها كما نبذ أخلافهم القرآن الكريم. 3 - سليمان عليه السلام كان نبياً ملكاً. ولم يكن ساحراً محترفاً للسحر. 4 - الشياطين زينوا للناس السحر، وأوهموهم أنهم يعلمون الغيب. 5 - السحر له حقيقة وتأثير على النفس، حتى يستطيع الشخص بواسطته أن يفرق بين الرجل وأهله. 6 - الله جل ثناؤه يختبر عباده بما شاء من الأمور ابتلاءً وتمحيصاً. 7 - من تبدل السحر بكتاب الله فليس له في الآخرة نصيب من رحمة الله. 8 - مدار الثواب والجزاء في الآخرة هو الإيمان بالله تعالى وإخلاص العمل له. خاتمة البحث: حكمة التشريع لقد حرص الإسلام في كل تشريعاته على سلامة العقيدة في قلب المسلم. ليكون دائماً وأبداً متصلاً بالله، معتمداً عليه، مقراً له بالربوبية، مستعيناً به على شدائد هذه الحياة، لا يتوجه لغيره في دعاء، ولا يقر لسواه بأي تأثير، أو تحكم في قانون من قوانين الطبيعة التي خلقها الله تعالى، وسيَّرها بعلمه، وقدرته، وإرادته. فالنجوم، والكواكب مسخرات بأمره - كغيرها من خلق الله - تسير وفق الخط المرسوم لها من الأزل، لا تؤثر حركتها على الإنسان الذي خلقه الله تعالى على هذه الأرض وقدّر له أرزاقه، وأعماره، فلا ينتهي عمر إنسان ما بظهور كوكب، أو اختفائه، ولا يزيد رزق امرئ، ولا ينقص عما قدره الله تعالى له، فكل شأن من شؤون الحياة مدبر بأمر الله. فإن زعم إنسان أنه يعلم الغيب باتصاله بالكواكب، وتعظيمه لها. أو اتصاله بالجن والشياطين، ويستطيع بذلك أن يؤثر في قوانين هذه الحياة ويحكم في مسيرتها الطبيعية بما يخرجها عمّا رسم لها، يكون بذلك قد خالف شرعة الله التي أوضحها في كتابه، وتجاوز الحدود التي وضعت له، وخرج عن قانون الحنيفية السمحة، فلا جرم أن يحكم عليه بالكفر لتعظيمه غير الله، واستعانته بغير الخالق وإثباته التأثير في خلق الله لغير البارئ - جل وعلا - والمسلم يعلم - بما علمه الله - أن الساحر قد يستطيع إيصال الضر، والبلاء والأذى بالناس، وقد يصل بذلك إلى التفريق بين المرء وزوجه، ولكنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا بإذن الله تعالى. وإذا كان السحر كفراً، وخروجاً عن شرعة الإسلام، فلا يمكن أن يوصف أحد من رسل الله تعالى بأنه ساحر، أو أنه كان يحكم بالسحر، ويأتي بالخوارق والمعجزات بهذا الأمر، ولهذا جاء القرآن كتاب الله المبين منزهاً سليمان بن داود عليه السلام عن أن يكون ساحراً، أو حاكماً بالسحر، أو آمراً به، فما زعمته بنو إسرائيل عن النبي الكريم - سليمان عليه السلام - زعم كاذب، وقول باطل، يدل على جهلهم، بل على ضلالهم عن سواء السبيل، وبعدهم عن الصراط المستقيم، فهم لم يعرفوا الله حق معرفته، ولم يعلموا ما يجب في حق الرسل - عليهم السلام - وما يستحيل، فالرسل الكرام منزهون عن الاستعانة بالشياطين، وإنما كان الجن مسخرين لسليمان عليه السلام بأمر الله تعالى لا بالسحر. هذا هو شرع الله المتين، تنزيهٌ لله عن أن يشركه أحد من خلقه في التأثير، وتنزيهٌ لرسله الكرام عما يبعدهم عن سواء السبيل، وبيانٌ للمسلم عما يجب أن يعتقده.

الأندلسي

تفسير : {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ} أي اليهود. {رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} هو محمد صلى الله عليه وسلم ففيه التفات إذ خرج من خطاب إليك إلى اسم الغائب ووصف بأنه من عند الله تفخيماً لشأنه إذ الرسول على قدر المرسل ووصفه بأنه: {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} وتصديقه كونه على الوصف الذي ذكر في التوراة وعلى ما جاء في الكتب الالهية وكونه مصدّقاً لما معهم من الكتب الالهية. وقرىء مصدقاً على الحال. {نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ} وهو التوراة. {كِتَٰبَ ٱللَّهِ} وهو القرآن. {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} هو مثل يضرب لمن أعرض عن الشيء جملة تقول العرب: جعل هذا الأمر وراء ظهره ودُبَرَ أذنه. و{كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} جملة حالية. أي لا يعلمون أنه كتاب الله لا يداخلهم فيه شك لثبوته عندهم وإنما نبذه على سبيل المكابرة والعناد أو لا يعلمون ما أمروا به من اتباع الرسول عليه السلام. {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ} قتلوا أي تتبع أو تقرأ وهو مضارع في معنى الماضي أي ما قلت والظاهر أن الشياطين هم الجن وقرىء الشياطون. وقالت العرب: بستان فلان حوله بساتون. {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ} أي على شرعه ونبوته وحاله كتبت الشياطين السحر واختلقته ونسبته إلى سليمان وآصف. {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ} تنزيه له عليه السلام من الكفر. أي ليس ما اختلقته الجن تعاطاه سليمان لأنه كفر. وفيه نفي الشيء عن من لا يمكن وقوعه منه. وفي الحديث لما ذكر الرسول عليه السلام سليمان في الأنبياء قال بعض اليهود: انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحراً. {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ} وقرىء ولكن بالتشديد ونصب الشياطين وبالتخفيف والرفع ووقعت لكن بين نفي وإثبات وهي بسيطة وجهة الاستدراك أنه لما نفي الكفر عن سليمان وكان الشياطين قد سخرت له بحيث يستعلمهم فيما يشاء فقد يتوهم أنهم لا يكفرون إذ هم في خدمة نبي فاستدرك أنهم كفروا. {يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ} وهو الظاهر والأقرب أو اليهود العائد عليهم ضمير واتبعوا وهي استئناف اخبار واختلفوا في حقيقة السحر على أقوال ونص القرآن والحديث أنه تخييل ولا شك في وجوده في زمان الرسول عليه السلام وأما في زماننا الآن فكلما وقفنا عليه من كتبه فهو كذب وافتراء لا يترتب عليه شيء ولا يصح منه شيء البتة. {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} وما أنزل معطوف على السحر قيل أو على ما تتلو أو على ملك سليمان وهما ضعيفان للفصل بينهما بثلاث جمل والذي قال: ما نافية ينافي قوله. {وَمَا يُعَلِّمَانِ} وقرىء الملكين - بفتح اللام وكسرها - وقال ابن عباس: هما رجلان ساحران كانا ببابل لأن الملائكة لا تعلم الناس السحر. "انتهى". وعلى فتح اللام إطلاق الملكين عليهما مجاز وجه المجاز أنهما يعلمان ما قذف في قلوبهما وعبر عنه بالانزال فكأنهما ملكان يلقيان للناس ما ليس معهوداً لهم. {بِبَابِلَ} قال ابن مسعود: هي في سواد الكوفة. {هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ} عطف بيان أو بدل وهما أعجميان وقول من قال مشتقان من الهرت والمرت خطأ. {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} قرىء بالتشديد والتخفيف واحد هنا المستعمل في النفي لا بمعنى واحد. {حَتَّىٰ يَقُولاَ} غاية أي إلى أن يقولا. {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} قال علي كرم الله وجهه: كانا يعلمان تعليم إنذار لا تعليم دعاء إليه كأنهما يقولان لا تفعل كذا فيكون منه كذا. {فَيَتَعَلَّمُونَ} أي فهم يتعلمون أو هو معطوف على يعلمان المنفية لكونها موجبة في المعنى. {مِنْهُمَا} أي من هاروت وماروت. {مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} أي يفرقون الالفة والمحبة بحيث تقع البغضاء أو تفريق الذين بحيث إذا تعلم فقد كفر. وقرىء المرء بتثليث الميم وبالهمز والمر بكسر الراء وبشدها من غير همز فيهما. {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ} أي بما يفرقون. {مِنْ أَحَدٍ} وقرىء بضاري وخرج على حذف النون من اسم الفاعل وإن لم يكن فيه ألْ وله نظير في نثر العرب ونظمها وقيل حذفت لأجل الاضافة إلى أحد وفصل فيه بين المتضايفين كقوله: هما إخواني في الحرب من لا أخاله إذا خاف يوماً بنوه فدعاهما. وهذا اختيار الزمخشري ثم استشكل ذلك لأن أحداً مجرور بمن فكيف يمكن أن يعتقد فيه أنه مجرور بالاضافة فقال: فإِن قلت: كيف يضاف إلى أحد وهو مجرور بمن قلت جعل الجار جزأ من المجرور. "انتهى". وهذا التخريج ليس بجيد لأن الفصل بين المتضايفين بالظرف والجار والمجرور من ضرائر الشعر وأقبح من ذلك أن لا يكون ثم مضاف إليه لأنه مشغول بعامل آخر فهو المؤثر فيه لا الاضافة وأما جعل حرف الجر جزأً من المجرور فهذا ليس بشيء لأنه يؤثر فيه وجزء الشيء لا يؤثر في الشيء. ومن في من أحد زائدة وقياسها أن تزاد في المفعول المعمول للفعل الذي يباشره حرف النفي نحو: ما ضربت من أحد وهنا حملت الجملة من غير الفعل والفاعل على الجملة منهما لأن المعنى وما يضرون من أحد. {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} استثناء مفرع من الأحوال فهو حال من فاعل بضارين. {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ} لم يقتصر على ضرر من يفعل به ذلك بل يحصل الضرر لمن يفرق بينهما. {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} معطوف على جملة ما يضرهم والضمير في علموا عائد على من عادت عليه الضمائر. قيل: وعلموا معلقة فإِن كانت متعدية لواحد كانت الجملة في موضعه أو لاثنين كانت في موضعهما ويظهر الفرق في العطف واللام في: {وَلَقَدْ} جواب قسم محذوف. ومن، موصولة، واللام فيهما معلقة، ويبعد أن تكون من شرطاً، ولمن: جواب قسم وضمن فعل الشرط لفظاً ومعنى والضمير المنصوب في: {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ} عائد على السحر. {مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ} الجملة خبر من أن كانت موصولة وجواب القسم إن كانت شرطاً. والخلاق: النصيب. {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ} تقدم الكلام في بئسما. شروا: باعوا. {بِهِ} أي بالسحر.

الجيلاني

تفسير : {وَ} أيضاً من جملة عتوهم أنهم {لَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ} مرسل {مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} المرسل للرسل لهداية الناس إلى التوحيد مع أنه {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} من الكتب المنزلة على الرسل، الهادي لارتفاع التعدد والاختلاف عن أهل التوحيد مع أن مجيء هذا الرسول منزل مثبت في كتابهم الذي يدعون الإيمان به {نَبَذَ} طرح {فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ} وهو اليهود {كِتَٰبَ ٱللَّهِ} هو التوراة التي أدعوا الإيمان بها {وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ} ولم يلتفتوا إليه ولم يتوجهوا نحوه بل صاروا من غاية عداوتهم وعنادهم مع الرسول المبعوث {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 101] ولا يقرأون كتابهم أصلاً. {وَ} بعدما نبذوا التوراة وراء ظهورهم؛ لاشتمالها على أوصافك وظهورك يا أكمل الرسل أخذوا في معارضتك بالسحر {ٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ} تنسب وتفتري {ٱلشَّيَـٰطِينُ} المردة من الجن {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ} بأن استيلاءه وتسلطه وتسخير الجن والإنس والوحوش والطيور والريح، إنما تم بالسحر {وَ} الحال أنه {مَا كَفَرَ} وسحر {سُلَيْمَـٰنُ} قط بل أمره على الوحي والإلهام الوارد الغيبي {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ} يسترقون من الملائكة وينسبون الأمور إلى الوسائط أصالة، بواسطة ذلك {كَفَرُواْ} وبعدما كفروا {يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ} أي: الذي يسترقن منهم {وَ} خصوصاً ما يسترقون من {مَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} المحبوسين {بِبَابِلَ} المسميان: {هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ} مع أن المنزل إليهما مكر الله مع عباده وابتلاهم وفتنهم {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ} له طريقة وكيفية، بل يقول لمن ظهر له بالسحر: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} من الله وابتلاء لعباده {فَلاَ تَكْفُرْ} بنسبة الأمور إلينا، ولا تكفر بصدد التعليم أيضاً {فَيَتَعَلَّمُونَ} المسترقون {مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} مما يورث قطع المحبة والعلاقة المستلزمين لحفظ النسب إضراراً للدين والإيمان {وَ} الحال أنهم {مَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} ومشيئته وتقديره؛ إذ لا يجرى في ملكه إلا ما يشاء. وهم مع إذعانهم العلم والعقل {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ} ضراراً فاحشاً في النشأة الأولى والأخرى {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} نفعاً فيهما أصلاً {وَ} الله {لَقَدْ عَلِمُواْ} أي: اليهود {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ} أي: استبدله؛ أي: كتاب الله بالسحر {مَا لَهُ} للمستبدل {فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ} نصيب لا متنعوا عن الاستبدال، لكنهم لم يعلموا فاستبدلوا، فثبت أنهم ليسوا من العقلاء العالمين، وبعدما عيرهم سبحانه بما عيرهم وجهلهم، كرر تعييرهم مبالغة وتذكيراً للمتذكرين بها، فقال مقسماً: {وَ} الله {لَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ} وأباحوا {بِهِ أَنْفُسَهُمْ} حقائقها ومعارفها ولذاتها الروحانية بالسحر المبني على الكفر بالله وكتبه ورسله وملائكته؛ لأن المشهور من أصحاب السحر أن سحرهم لا يؤثر بالكفر والخباثة والكثافة {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] يفهمون قباحته لما ارتكبوا، لكنهم لم يعلموا فارتكبوا، فثبت أيضاً جهلهم وسخافتهم. ومن غاية جهلهم أيضاً أنهم يدعون الإيمان بالله وبالرسول والكتب {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ} يوماً بالله وكتبه ورسله بلا تفريق بين الكتب والرسل {وٱتَّقَوْا} عن القبائح الأخروية جميعاً بلا رخصة {لَمَثُوبَةٌ} فائدة جليلة عائدة إليهم { مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} عندهم {خَيْرٌ} من الدنيا ومزخرفاتها ولذاتها الفانية كما هو عند المؤمنين الموقنين بوحدانيته {لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 103] خيريته لم يكفروا بعده، لكنهم كفروا فثبت جهلهم وغباوتهم أيضاً. ثم لما سمع اليهود من المؤمنين قولهم: راعنا عند رجوعهم إليه صلى الله عليه وسلم في الخطوب، قالوا: هؤلاء ليسوا مؤمنين منقادين له مطيعين لأمره؛ لدلالة قولهم: راعنا، على أنك محتاج إلينا، فلك أن تراعنا حق الرعاية ولما كان فيه من إيهام سوء الأدب وإن كان غرضهم الترقب والالتفات، أشار سبحانه إلى نهيهم عن هذا القول رعاية لمرتبة حبيبه صلى الله عليه والسلام وتأديباً للمؤمنين فقال: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ} مع نبيكم عند الخطاب له {رَاعِنَا} وإن كان مقصودكم صحيحاً، لكن العبارة توهم للمعنى الباطل، بل الأولى لكم والأليق بحالكم أن تخاطبوا رسولكم إكراماً له وتعظيماً {وَ} إن اضطررتم إلى الخطاب {قُولُواْ} بدله {ٱنْظُرْنَا} بنظر المرحمة والشفقية {وَٱسْمَعُواْ} هذا القول بسمع الرضا والقبول وحافظوا عليه؛ لئلا تسيئوا الأدب معه {وَ} اعلموا أن {لِلكَافِرِينَ} المغتنمين للفرصة في أمثال هذه الكلمات {عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 104] لهم في الدنيا والآخرة. ثم لما عجزوا عن معارضتكم صريحاً أخذوا في التلبيس والتخمين وادعاء المحبة والمودة على وجه النفاق؛ ليحفظوا دماءهم وأموالهم عنكم، ولا تغتروا أيها المؤمنون بودادهم ولا تسمعوا منهم أقوالهم الكاذبة. {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ} لإصلاح حالكم وزيادة إنعامكم وإفضالكم {مِّنْ خَيْرٍ} وحي نازلٍ {مِّن رَّبِّكُمْ} الذي اختاركم واصطفاكم على جميع الأممم بغضاً وحسداً مركوزاً في طباعهم، وبخلاً على ما أعطاكم الله من الخير {وَ} لم يمكنهم منع إعطائه تعالى إذ {ٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} الواسعة ونعمته العامة الشاملة {مَن يَشَآءُ} من خلص عباده بلا علةٍ وغرضٍ ومرجحٍ ومخصصٍ، بل مع اختيارٍ وإرادةٍ بلا إيجاب وتوليد كما ظنه المعتزلة والحكماء الناقدون للبصيرة في الإلهيات والنبوات {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ}تفسير : [النور: 40] {وَ} لا تشكوا في سعة رحمته وفضله بحرمان البعض؛ إذ {ٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [البقرة: 105] يفضل وينعم على مقتضى مشيئته وحكمته ومصلحته المخيفة عن عقول العباد إلا من أطلعه الله على سرائر أفعاله من الكمل. جعلنا الله من محبيهم ومتبعيهم بمنة ولطفه. ثم أعلم أن الحوادث الكائنة في الآفاق كلية كانت أو جزئية، غيباً أو شهادةً، وهماً أو خيالاً إنما هي بمقتضيات الأوصاف والأسماء الإلهية الكلية المشتملة كل منها على أوصاف جزئيةٍ غير متناهيةٍ بلا تكررٍ فما من حادثة حدثت في العالم إلا بوصف خاص الذي يخصه ويرتبه لا يوجد في غيره؛ لذلك قيل: "لا يتجلى في صورة مرتين؛ لئلا يلزم التكرار المنافي للقدرة الكاملة، ولا في صورة واحدة لاثنين؛ لئلا يلزم العجز عن إتيان الصورة الأخرى". وإلى هذا أشار سبحانه بقوله: {مَا نَنسَخْ} نغير ونبدل {مِنْ آيَةٍ} نازلةٍ حاكمةٍ في وقتٍ وزمانٍ يقتضيه نزولهنا في اسم مخصوصٍ {أَوْ نُنسِهَا} من القولب، كأنه لم ينزل من قبل {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} أي: متى ننسخها أو ننسها، نأت بخير منها بحسب أقتضاء الزمان الثاني والاسم الخاص له؛ إذ سريان الوجود دائماً على الترقي في الكمال {أَوْ مِثْلِهَا} إذ التجدد ظاهراً إنما يكون بالمثل والمعاد مثل المبدأ، ثم استفهم لحبيبه؛ تذكيراً وعظة للمؤمنين فقال: {أَلَمْ تَعْلَمْ} يقيناً {أَنَّ ٱللَّهَ} المتجلي بالتجليات غير المتناهية {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من الإجراء والإعادة والإنزال والتغيير {قَدِيرٌ} [البقرة: 106] لا تنتهي قدرته عند المراد بل له التصرف فيه ما شاء بالاختيار والإرادة.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ولما جاءهم هذا الرسول الكريم بالكتاب العظيم بالحق الموافق لما معهم، وكانوا يزعمون أنهم متمسكون بكتابهم، فلما كفروا بهذا الرسول وبما جاء به، { نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ } الذي أنزل إليهم أي: طرحوه رغبة عنه { وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } وهذا أبلغ في الإعراض كأنهم في فعلهم هذا من الجاهلين وهم يعلمون صدقه، وحقيّة (1) ما جاء به. تبين بهذا أن هذا الفريق من أهل الكتاب لم يبق في أيديهم شيء حيث لم يؤمنوا بهذا الرسول، فصار كفرهم به كفرا بكتابهم من حيث لا يشعرون. ولما كان من العوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه، وأمكنه الانتفاع به فلم ينتفع، ابتلي بالاشتغال بما يضره، فمن ترك عبادة الرحمن، ابتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذل لربه، ابتلي [ ص 61 ] بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل. كذلك هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله اتبعوا ما تتلوا الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان حيث أخرجت الشياطين للناس السحر، وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله وبه حصل له الملك العظيم. { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } . وهم كذبة في ذلك، فلم يستعمله سليمان، بل نزهه الصادق في قيله: { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ } أي: بتعلم السحر، فلم يتعلمه، { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا } بذلك. { يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } من إضلالهم وحرصهم على إغواء بني آدم، وكذلك اتبع اليهود السحر الذي أنزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق، أنزل عليهما السحر امتحانا وابتلاء من الله لعباده فيعلمانهم السحر. { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى } ينصحاه، و { يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ } أي: لا تتعلم السحر فإنه كفر، فينهيانه عن السحر، ويخبرانه عن مرتبته، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدليس والإضلال، ونسبته وترويجه إلى من برأه الله منه وهو سليمان عليه السلام، وتعليم الملكين امتحانا مع نصحهما لئلا يكون لهم حجة. فهؤلاء اليهود يتبعون السحر الذي تعلمه الشياطين، والسحر الذي يعلمه الملكان، فتركوا علم الأنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين، وكل يصبو إلى ما يناسبه. ثم ذكر مفاسد السحر فقال: { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } مع أن محبة الزوجين لا تقاس بمحبة غيرهما، لأن الله قال في حقهما: {أية : وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً } تفسير : وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدري، وهو المتعلق بمشيئة الله، كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة: {أية : فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ } تفسير : وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين. ثم ذكر أن علم السحر مضرة محضة، ليس فيه منفعة لا دينية ولا دنيوية كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي، كما قال تعالى في الخمر والميسر: {أية : قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } تفسير : فهذا السحر مضرة محضة، فليس له داع أصلا فالمنهيات كلها إما مضرة محضة، أو شرها أكبر من خيرها. كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها. { وَلَقَدْ عَلِمُوا } أي: اليهود { لَمَنِ اشْتَرَاهُ } أي: رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة. { مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ } أي: نصيب، بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم إياه جهلا ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة. { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } علما يثمر العمل ما فعلوه.