٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
102
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو اشتغالهم بالسحر وإقبالهم عليه ودعاؤهم النّاسَ إليه. أما قوله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {وَٱتَّبِعُـواْ } حكاية عمن تقدم ذكره وهم اليهود، ثم فيه أقوال، أحدها: أنهم اليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، وثانيها: أنهم الذين تقدموا من اليهود، وثالثها: أنهم الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام من السحرة لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان عليه السلام ويعدونه من جملة الملوك في الدنيا، فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر، ورابعها: أنه يتناول الكل وهذا أولى لأنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، إذ لا دليل على التخصيص. قال السدي: لما جاءهم محمد عليه الصلاة والسلام عارضوه بالتوراة فخاصموه بها فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن، فهذا قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } تفسير : [البقرة: 101] ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحر. المسألة الثانية: ذكروا في تفسير: {تَتْلُواْ } وجوهاً، أحدها: أن المراد منه التلاوة والإخبار، وثانيها: قال أبو مسلم (تتلوا) أي تكذب على ملك سليمان. يقال: تلا عليه إذا كذب وتلا عنه، إذا صدق وإذا أبهم جاز الأمران. والأقرب هو الأول لأن التلاوة حقيقة في الخبر، إلا أن المخبر يقال في خبره إذا كان كذباً إنه تلا فلان وإنه قد تلا على فلان ليميز بينه وبين الصدق الذي لا يقال فيه، روي عن فلان، بل يقال: روي عن فلان وأخبر عن فلان وتلا عن فلان وذلك لا يليق إلا بالأخبار والتلاوة، ولا يمتنع أن يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان مما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف. المسألة الثالثة: اختلفوا في الشياطين فقيل: المراد شياطين الجن وهو قول الأكثرين، وقيل: شياطين الإنس وهو قول المتكلمين من المعتزلة، وقيل: هم شياطين الإنس والجن معاً. أما الذين حملوه على شياطين الجن قالوا: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دونوها في كتب يقرءونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون: هذا علم سليمان وما تم له ملكه إلا بهذا العلم وبه يسخر الجن والإنس والريح التي تجري بأمره. وأما الذين حملوه على شياطين الإنس قالوا: روي في الخبر أن سليمان عليه السلام كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصه الله تعالى بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنه إن هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثم بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان وأنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلا بسبب هذه الأشياء فهذا معنى: «ما تتلوا الشياطين»، واحتج القائلون بهذا الوجه على فساد القول الأول بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف محققاً فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع وذلك يفضي إلى الطعن في كل الأديان. فإن قيل: إذا جوزتم ذلك على شياطين الإنس فلم لا يجوز مثله على شياطين الجن؟ قلنا: الفرق أن الذي يفعله الإنسان لا بد وأن يظهر من بعض الوجوه، أما لو جوزنا هذا الافتعال من الجن وهو أن نزيد في كتب سليمان بخط مثل خط سليمان فإنه لا يظهر ذلك ويبقى مخفياً فيفضي إلى الطعن في جميع الأديان. المسألة الرابعة: أما قوله: {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ } فقيل في ملك سليمان، عن ابن جريج، وقيل على عهد ملك سليمان والأقرب أن يكون المراد واتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان لأنهم كانوا يقرءون من كتب السحر ويقولون إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب هذا العلم، فكانت تلاوتهم لتلك الكتب كالافتراء على ملك سليمان. المسألة الخامسة: اختلفوا في المراد بملك سليمان، فقال القاضي: إن ملك سليمان هو النبوة، أو يدخل فيه النبوة وتحت النبوة الكتاب المنزل عليه والشريعة. وإذا صح ذلك ثم أخرج القوم صحيفة فيها ضروب السحر وقد دفنوها تحت سرير ملكه ثم أخرجوها بعد موته وأوهموا أنها من جهته صار ذلك منهم تقولاً على ملكه في الحقيقة. والأصح عندي أن يقال: إن القوم لما ادعوا أن سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء كالافتراء على ملك سليمان. المسألة السادسة: السبب في أنهم أضافوا السحر إلى سليمان عليه السلام وجوه. أحدها: أنهم أضافوا السحر إلى سليمان تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره وترغيباً للقوم في قبول ذلك منهم، وثانيها: أن اليهود ما كانوا يقرون بنبوة سليمان بل كانوا يقولون إنما وجد ذلك الملك بسبب السحر. وثالثها: أن الله تعالى لما سخر الجن لسليمان فكان يخالطهم ويستفيد منهم أسراراً عجيبة فغلب على الظنون أنه عليه الصلاة والسلام استفاد السحر منهم. أما قوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ } فهذا تنزيه له عليه السلام عن الكفر، وذلك يدل على أن القوم نسبوه إلى الكفر والسحر: قيل فيه أشياء، أحدها: ما روي عن بعض أخبار اليهود أنهم قالوا: ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبياً وما كان إلا ساحراً، فأنزل الله هذه الآية. وثانيها: أن السحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان فنزهه الله تعالى منه. وثالثها: أن قوماً زعموا أن قوام ملكه كان بالسحر فبرأه الله منه لأن كونه نبياً ينافي كونه ساحراً كافراً، ثم بين تعالى أن الذي برأه منه لاصق بغيره فقال: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ } يشير به إلى ما تقدم ذكره ممن اتخذ السحر كالحرفة لنفسه وينسبه إلى سليمان، ثم بين تعالى ما به كفروا فقد كان يجوز أن يتوهم أنهم ما كفروا أولاً بالسحر فقال تعالى: {يُعَلّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسّحْرَ } واعلم أن الكلام في السحر يقع من وجوه. المسألة الأولى: في البحث عنه بحسب اللغة فنقول: ذكر أهل اللغة أنه في الأصل عبارة عما لطف وخفي سببه والسحر بالنصب هو الغذاء لخفائه ولطف مجاريه، قال لبيد:شعر : ونسحر بالطعام وبالشراب تفسير : قيل فيه وجهان، أحدهما: أنا نعلل ونخدع كالمسحور المخدوع، والآخر: نغذي وأي الوجهين كان فمعناه الخفاء وقال:شعر : فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير من هذا الأنام المسحر تفسير : وهذا البيت يحتمل من المعنى ما احتمله الأول، ويحتمل أيضاً أن يريد بالمسحر أنه ذو سحر، والسحر هو الرئة، وما تعلق بالحلقوم وهذا أيضاً يرجع إلى معنى الخفاء ومنه قول عائشة رضي الله عنها: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري»، وقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ } تفسير : [الشعراء: 153]، يعني من المخلوقين الذي يطعم ويشرب يدل عليه قولهم: {أية : مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } تفسير : [الشعراء: 154] ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا، وقال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال للسحرة: {أية : مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ } تفسير : [يونس: 81] وقال: {أية : فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ } تفسير : [الأعراف: 116] فهذا هو معنى السحر في أصل اللغة. المسألة الثانية: اعلم أن لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل على غير حقيقته ويجري مجرى التمويه والخداع، ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله. قال تعالى: {أية : سَحَرُواْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [الأعراف: 66] يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى وقال تعالى: {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ } تفسير : [طه: 66] وقد يستعمل مقيداً فيما يمدح ويحمد. روي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، فقال لعمرو: خبرني عن الزبرقان، فقال: مطاع في ناديه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره، فقال الزبرقان: هو والله يعلم أني أفضل منه، فقال عمرو: إنه زمن المروءة ضيق العطن أحمق الأب لئيم الخال يا رسول الله صدقت فيهما، أرضاني فقلت: أحسن ما علمت وأسخطني فقلت أسوأ ما علمت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من البيان لسحراً» تفسير : فسمى النبي صلى الله عليه وسلم بعض البيان سحراً لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه وبليغ عبارته، فإن قيل: كيف يجوز أن يسمى ما يوضح الحق وينبيء عنه سحراً؟ وهذا القائل إنما قصد إظهار الخفى لا إخفاء الظاهر ولفظ السحر إنما يفيد إخفاء الظاهر؟ قلنا: إنما سماه سحراً لوجهين، الأول: أن ذلك القدر للطفه وحسنه استمال القلوب فأشبه السحر الذي يستميل القلوب، فمن هذا الوجه سمي سحراً، لا من الوجه الذي ظننت . الثاني: أن المقتدر على البيان يكون قادراً على تحسين ما يكون قبيحاً وتقبيح ما يكون حسناً فذلك يشبه السحر من هذا الوجه. المسألة الثالثة: في أقسام السحر: اعلم أن السحر على أقسام. الأول: سحر الكلدانيين والكسدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام مبطلاً لمقالتهم وراداً عليهم في مذهبهم. أما المعتزلة فقد اتفقت كلمتهم على أن غير الله تعالى لا يقدر على خلق الجسم والحياة واللون والطعم، واحتجوا بوجوه ذكرها القاضي ولخصها في تفسيره وفي سائر كتبه ونحن ننقل تلك الوجوه وننظر فيها. أولها: وهو النكتة العقلية التي عليها يعولون أن كل ما سوى الله إما متحيز وإما قائم بالمتحيز، فلو كان غير الله فاعلاً للجسم والحياة لكان ذلك الغير متحيزاً، وذلك المتحيز لا بد وأن يكون قادراً بالقدرة، إذ لو كان قادراً لذاته لكان كل جسم كذلك بناء على أن الأجسام متماثلة لكن القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الجسم والحياة، ويدل عليه وجهان. الأول: أن العلم الضروري حاصل بأن الواحد منا لا يقدر على خلق الجسم والحياة ابتداء، فقدرتنا مشتركة في امتناع ذلك عليها، فهذا الامتناع حكم مشترك فلا بد له من علة مشتركة ولا مشترك ههنا إلا كوننا قادرين بالقدرة، وإذا ثبت هذا وجب فيمن كان قادراً بالقدرة أن يتعذر عليه فعل الجسم والحياة. الثاني: أن هذه القدرة التي لنا لا شك أن بعضها يخالف بعضاً، فلو قدرنا قدرة صالحة لخلق الجسم والحياة لم تكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض، فلو كفى ذلك القدر من المخالفة في صلاحيتها لخلق الجسم والحياة لوجب في هذه القدرة أن يخالف بعضها بعضاً، وأن تكون صالحة لخلق الجسم والحياة، ولما لم يكن كذلك علمنا أن القادر بالقدرة لا يقدر على خلق الجسم والحياة. وثانيها: أنا لو جوزنا ذلك لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات لأنا لو جوزنا استحداث الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية لم يمكنا القطع بأن هذه الخوارق التي ظهرت على أيدي الأنبياء عليهم السلام صدرت عن الله تعالى، بل يجوز فيها أنهم أتوا بها من طريق السحر، وحينئذ يبطل القول بالنبوات من كل الوجوه. وثالثها: أنا لو جوزنا أن يكون في الناس من يقدر على خلق الجسم والحياة والألوان لقدر ذلك الإنسان على تحصيل الأموال العظيمة من غير تعب، لكنا نرى من يدعي السحر متوصلاً إلى اكتساب الحقير من المال بجهد جهيد، فعلمنا كذبه وبهذا الطريق نعلم فساد ما يدعيه قوم من الكيمياء، لأنا نقول: لو أمكنهم ببعض الأدوية أن يقلبوا غير الذهب ذهباً لكان إما أن يمكنهم ذلك بالقليل من الأموال، فكان ينبغي أن يغنوا أنفسهم بذلك عن المشقة والذلة أو لا يمكنهم إلا بالآلات العظام والأموال الخطيرة، فكان يجب أن يظهروا ذلك للملوك المتمكنين من ذلك، بل كان يجب أن يفطن الملوك لذلك لأنه أنفع لهم من فتح البلاد الذي لا يتم إلا بإخراج الأموال والكنوز، وفي علمنا بانصراف النفوس والهمم عن ذلك دلالة على فساد هذا القول، قال القاضي: فثبت بهذه الجملة أن الساحر لا يصح أن يكون فاعلاً لشيء من ذلك. واعلم أن هذه الدلائل ضعيفة جداً. أما الوجه الأول: فنقول: ما الدليل على أن كل ما سوى الله، إما أن يكون متحيزاً، وإما قائماً بالمتحيز، أما علمتم أن الفلاسفة مصرون على إثبات العقول والنفوس الفلكية والنفوس الناطقة، وزعموا أنها في أنفسها ليست بمتحيزة ولا قائمة بالمتحيز، فما الدليل على فساد القول بهذا؟ فإن قالوا: لو وجد موجود هكذا لزم أن يكون مثلاً لله تعالى، قلنا: لا نسلم ذلك لأن الاشتراك في الأسلوب لا يقتضي الاشتراك في الماهية، سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون بعض الأجسام يقدر على ذلك لذاته؟ قوله: الأجسام متماثلة. فلو كان جسم كذلك لكان كل جسم كذلك، قلنا: ما الدليل على تماثل الأجسام، فإن قالوا: إنه لا معنى للجسم إلا الممتد في الجهات، الشاغل للأحياز ولا تفاوت بينها في هذا المعنى، قلنا: الامتداد في الجهات والشغل للأحياز صفة من صفاتها ولازم من لوازمها، ولا يبعد أن تكون الأشياء المختلفة في الماهية مشتركة في بعض اللوازم، سلمنا أنه يجب أن يكون قادراً بالقدرة، فلم قلتم إن القادر بالقدرة لا يصح منه خلق الجسم والحياة؟ قوله: لأن القدرة التي لنا مشتركة في هذا الامتناع وهذا الامتناع حكم مشترك، فلا بد له من علة مشتركة ولا مشترك سوى كوننا قادرين بالقدرة، قلنا: هذه المقدمات بأسرها ممنوعة فلا نسلم أن الامتناع حكم معلل وذلك لأن الامتناع عدمي والعدم لا يعلل، سلمنا أنه أمر وجودي، ولكن من مذهبهم أن كثيراً من الأحكام لا يعلل، فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك، سلمنا أنه معلل، فلم قلتم: إن الحكم المشترك لا بد له من علة مشتركة، أليس أن القبح حصل في الظلم معللاً بكونه ظلماً وفي الكذب بكونه كذباً، وفي الجهل بكونه جهلاً؟ سلمنا أنه لا بد من علة مشتركة، لكن لا نسلم أنه لا مشترك إلا كوننا قادرين بالقدرة، فلم لا يجوز أن تكون هذه القدرة التي لنا مشتركة في وصف معين وتلك القدرة التي تصلح لخلق الجسم تكون خارجة عن ذلك الوصف، فما الدليل على أن الأمر ليس كذلك؟ وأما الوجه الأول: وهو أنه ليست مخالفة تلك القدرة لبعض القدر أشد من مخالفة بعض هذه القدر للبعض، فنقول: هذا ضعيف، لأنا لا نعلل صلاحيتها لخلق الجسم بكونها مخالفة لهذه القدر، بل لخصوصيتها المعينة التي لأجلها خالفت سائر القدر وتلك الخصوصية معلوم أنها غير حاصلة في سائر القدر. ونظير ما ذكروه أن يقال: ليست مخالفة الصوت للبياض بأشد من مخالفة السواد للبياض، فلو كانت تلك المخالفة مانعة للصوت من صحة أن يرى لوجب لكون السواد مخالفاً للبياض أن يمتنع رؤيته. ولما كان هذا الكلام فاسداً فكذا ما قالوه، والعجب من القاضي أنه لما حكى هذه الوجوه عن الأشعرية في مسألة الرؤية وزيفها بهذه الأسئلة، ثم إنه نفسه تمسك بها في هذه المسألة التي هي الأصل في إثبات النبوة والرد على من أثبت متوسطاً بين الله وبيننا. أما الوجه الثاني وهو أن القول بصحة النبوات لا يبقى مع تجويز هذا الأصل فنقول: إما أن يكون القول بصحة النبوات متفرعاً على فساد هذه القاعدة أو لا يكون. فإن كان الأول امتنع فساد هذا الأصل بالبناء على صحة النبوات، وإلا وقع الدور، وإن كان الثاني فقد سقط هذا الكلام بالكلية. وأما الوجه الثالث: فلقائل أن يقول الكلام في الإمكان غير، ونحن لا نقول بأن هذه الحالة حاصلة لكل أحد بل هذه الحالة لا تحصل للبشر إلا في الأعصار المتباعدة فكيف يلزمنا ما ذكرتموه؟ فهذا هو الكلام في النوع الأول من السحر. النوع الثاني من السحر: سحر أصحاب الأوهام والنفس القوية، قالوا: اختلف الناس في أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله: «أنا» ما هو؟ فمن الناس من يقول: إنه هو هذه البنية، ومنهم من يقول: إنه جسم صار في هذه البنية، ومنهم من يقول: بأنه موجود وليس بجسم ولا بجسماني. أما إذا قلنا إن الإنسان هو هذه البنية، فلا شك أن هذه البنية مركبة من الأخلاط الأربعة، فلم لا يجوز أن يتفق في بعض الأعصار الباردة أن يكون مزاجه مزاجاً من الأمزجة في ناحية من النواحي يقتضي القدرة على خلق الجسم والعلم بالأمور الغائبة عنا والمتعذرة، وهكذا الكلام إذا قلنا الإنسان جسم سار في هذه البنية، أما إذا قلنا: إن الإنسان هو النفس فلم لا يجوز أن يقال: النفوس مختلفة فيتفق في بعض النفوس إن كانت لذاتها قادرة على هذه الحوادث الغريبة مطلعة على الأسرار الغائبة، فهذا الاحتمال مما لم تقم دلالة على فساده سوى الوجوه المتقدمة، وقد بان بطلانها، ثم الذي يؤكد هذا الاحتمال وجوه. أولها: أن الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعاً على الأرض لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر على هاوية تحته، وما ذاك إلا أن تخيل السقوط متى قوي أوجبه، وثانيها: اجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان والدوران، وما ذاك إلا أن النفوس خلقت مطيعة للأوهام، و ثالثها: حكى صاحب الشفاء عن «أرسطو» أن طبائع الحيوان: أن الدجاجة إذ تشبهت كثيراً بالديكة في الصوت وفي الحراب مع الديكة نبت على ساقها مثل الشيء النابت على ساق الديك، ثم قال صاحب الشفاء: وهذا يدل على أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية، ورابعها: أجمعت الأمم على أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل العمل عديم الأثر، فدل ذلك على أن للهمم والنفوس آثاراً وهذا الاتفاق غير مختص بمسألة معينة وحكمة مخصوصة، وخامسها: أنك لو أنصفت لعلمت أن المبادىء القريبة للأفعال الحيوانية ليست إلا التصورات النفسانية لأن القوة المحركة المغروزة في العضلات صالحة للفعل وتركه أو ضده، ولن يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح وما ذاك إلا تصور كون الفعل جميلاً أو لذيذاً أو تصور كونه قبيحاً أو مؤلماً فتلك التصورات هي المبادىء لصيرورة القوى العضلية مبادىء للفعل لوجود الأفعال بعد أن كانت كذلك بالقوة، وإذا كانت هذه التصورات هي المبادىء لمبادىء هذه الأفعال فأي استبعاد في كونها مبادىء لأفعال أنفسها وإلغاء الواسطة عن درجة الاعتبار، وسادسها: التجربة والعيان شاهدان بأن هذه التصورات مبادىء قريبة لحدوث الكيفيات في الأبدان فإن الغضبان تشتد سخونة مزاجه حتى أنه يفيده سخونة قوية. يحكى أن بعض الملوك عرض له فالج فأعيا الأطباء مزاولة علاجه، فدخل عليه بعض الحذاق منهم على حين غفلة منه وشافهه بالشتم والقدح في العرض، فاشتد غضب الملك وقفز من مرقده قفزة اضطرارية لما ناله من شدة ذلك الكلام فزالت تلك العلة المزمنة والمرضة المهلكة. وإذا جاز كون التصورات مبادىء لحدوث الحوادث في البدن فأي استبعاد من كونها مبادىء لحدوث الحوادث خارج البدن. وسابعها؛ أن الإصابة بالعين أمر قد اتفق عليه العقلاء وذلك أيضاً يحقق إمكان ما قلناه. إذا عرفت هذا فنقول: النفوس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جداً فتستغني في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات والأدوات وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات. وتحقيقه أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم (السماء) كانت كأنها روح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف ألبتة إلا في هذه البدن، فإذا أراد هذا الإنسان صيرورتها بحيث يتعدى تأثير من بدنها إلى بدن آخر اتخذ تمثال ذلك الغير ووضعه عند الحس واشتغل الحس به فيتبعه الخيال عليه وأقبلت النفس الناطقة عليه فقويت التأثيرات النفسانية والتصرفات الروحانية، ولذلك أجمعت الأمم على أنه لا بد لمزاولة هذه الأعمال من انقطاع المألوفات والمشتهيات وتقليل الغذاء والانقطاع عن مخالطة الخلق. وكلما كانت هذه الأمور أتم كان ذلك التأثير أقوى، فإذا اتفق أن كانت النفس مناسبة لهذا الأمر نظراً إلى ماهيتها وخاصيتها عظم التأثير، والسبب المتعين فيه أن النفس إذا أشتغلت بالجانب الأول اشغلت جميع قوتها في ذلك الفعل وإذا اشتغلت بالأفعال الكثيرة تفرقت قوتها وتوزعت على تلك الأفعال فتصل إلى كل واحد من تلك الأفعال شعبة من تلك القوة وجدول من ذلك النهر. ولذلك نرى أن إنسانين يستويان في قوة الخاطر إذا اشتغل أحدهما بصناعة واحدة واشتغل الآخر بصناعتين. فإن (ذا الفن) الواحد يكون أقوى من ذي الفنين، ومن حاول الوقوف على حقيقة مسألة من المسائل فإنه حال تفكره فيها لا بد وأن يفرغ خاطره عما عداها، فإنه عند تفريغ الخاطر يتوجه الخاطر بكليته إليه فيكون الفعل أسهل وأحسن، وإذا كان كذلك فإذا كان الإنسان مشغول الهم والهمة بقضاء اللذات وتحصيل الشهوات كانت القوة النفسانية مشغولة بها مستغرقة فيها، فلا يكون انجذابها إلى تحصيل الفعل الغريب الذي يحاوله انجذاباً قوياً لا سيما وههنا آفة أخرى وهي أن مثل هذه النفس قد اعتادت الاشتغال باللذات من أول أمرها إلى آخره، ولم تشتغل قط باستحداث هذه الأفعال الغريبة، فهي بالطبع حنون إلى الأول عزوف إلى الثاني، فإذا وجدت مطلوبها من النمط الأول فأنى تلتفت إلى الجانب الآخر؟ فقد ظهر من هذا أن مزاولة هذه الأعمال لا تتأتى إلا مع التجرد عن الأحوال الجسمانية وترك مخالطة الخلق والاقبال بالكلية على عالم الصفاء والأرواح. وأما الرقى فإن كانت معلومة فالأمر فيها ظاهر لأن الغرض منها أن حس البصر كما شغلناه بالأمور المناسبة، لذلك الغرض فحس السمع نشغله أيضاً بالأمور المناسبة لذلك الغرض، فإن الحواس متى تطابقت على التوجه إلى الغرض الواحد كان توجه النفس إليه حينئذ أقوى، وأما إن كانت بألفاظ غير معلومة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة، فإن الإنسان إذا اعتقد أن هذه الكلمات إنما تقرأ للاستعانة بشيء من الأمور الروحانية ولا يدري كيفية تلك الاستعانة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة، ويحصل للنفس في أثناء ذلك انقطاع عن المحسوسات وإقبال على ذلك الفعل وجد عظيم، فيقوى التأثير النفساني فيحصل الغرض، وهكذا القول في الدخن، قالوا: فقد ثبت أن هذا القدر من القوة النفسانية مشتغل بالتأثير، فإن انضم إليه النوع الأول من السحر وهو الاستعانة بالكواكب وتأثيراتها عظم التأثير، بل ههنا نوعان آخران، الأول: أن النفوس التي فارقت الأبدان قد يكون فيها ما هو شديد المشابهة لهذه النفوس في قوتها وفي تأثيراتها، فإذا صارت تلك النفوس صافية لم يبعد أن ينجذب إليها ما يشابهها من النفوس المفارقة ويحصل لتلك النفوس نوع ما من التعلق بهذا البدن فتتعاضد النفوس الكثيرة على ذلك الفعل، وإذا كملت القوة وتزايدت قوى التأثير، الثاني: أن هذه النفوس الناطقة إذا صارت صافية عن الكدورات البدنية صارت قابلة للأنوار الفائضة من الأرواح السماوية والنفوس الفلكية، فتقوى هذه النفوس بأنوار تلك الأرواح، فتقوى على أمور غريبة خارقة للعادة فهذا شرح سحر أصحاب الأوهام والرقى. النوع الثالث من السحر: الاستعانة بالأرواح الأرضية، واعلم أن القول بالجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة، أما أكابر الفلاسفة فإنهم ما أنكروا القول به إلا أنهم سموها بالأرواح الأرضية وهي في أنفسها مختلفة منها خيرة ومنها شريرة، فالخيرة هم مؤمنوا الجن والشريرة هم كفار الجن وشياطينهم، ثم قال الخلف منهم: هذه الأرواح جواهر قائمة بأنفسها لا متحيزة ولا حالة في المتحيز وهي قادرة عالمة مدركة للجزئيات، واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، إلا أن القوة الحاصلة للنفوس الناطقة بسبب اتصالها بهذه الأرواح الأرضية أضعف من القوة الحاصلة إليها بسبب اتصالها بتلك الأرواح السماوية، أما أن الاتصال أسهل فلأن المناسبة بين نفوسنا وبين هذه الأرواح الأرضية أسهل، ولأن المشابهة والمشاكلة بينهما أتم وأشد من المشاكلة بين نفوسنا وبين الأرواح السماوية، وأما أن القوة بسبب الاتصال بالأرواح السماوية أقوى فلأن الأرواح السماوية هي بالنسبة إلى الأرواح الأرضية كالشمس بالنسبة إلى الشعلة، والبحر بالنسبة إلى القطرة، والسلطان بالنسبة إلى الرعية. قالوا: وهذه الأشياء وإن لم يقم على وجودها برهان قاهر فلا أقل من الاحتمال والإمكان، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن والتجريد، فهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل تسخير الجن. النوع الرابع من السحر: التخيلات والأخذ بالعيون، وهذا الأخذ مبني على مقدمات: إحداها: أن أغلاط البصر كثيرة، فإن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركاً. وذلك يدل على أن الساكن يرى متحركاً والمتحرك يرى ساكناً، والقطرة النازلة ترى خطاً مستقيماً، والذبالة التي تدار بسرعة ترى دائرة، والعنبة ترى في الماء كبيرة كالإجاصة، والشخص الصغير يرى في الضباب عظيماً، وكبخار الأرض الذي يريك قرص الشمس عند طلوعها عظيماً، فإذا فارقته وارتفعت عنه صغرت، وأما رؤية العظيم من البعيد صغيراً فظاهر، فهذه الأشياء قد هدت العقول إلى أن القوة الباصرة قد تبصر الشيء على خلاف ما هو عليه في الجملة لبعض الأسباب العارضة، وثانيها: أن القوة الباصرة إنما تقف على المحسوسات وقوفاً تاماً إذا أدركت المحسوس في زمان له مقدار ما، فأما إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جداً ثم أدركت بعده محسوساً آخر وهكذا فإنه يختلط البعض بالبعض ولا يتميز بعض المحسوسات عن البعض، وذلك فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطاً كثيرة بألوان مختلفة ثم استدارات، فإن الحس يرى لوناً واحداً كأنه مركب من كل تلك الألوان، وثالثها: أن النفس إذا كانت مشغولة بشيء، فربما حضر عند الحس شيء آخر ولا يشعر الحس به ألبتة كما أن الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان آخر ويتكلم معه، فلا يعرفه ولا يفهم كلامه، لما أن قلبه مشغول بشيء آخر، وكذا الناظر في المرآة فإنه ربما قصد أن يرى قذاة في عينه فيراها ولا يرى ما هو أكبر منها، إن كان بوجهه أثر أو بجبهته أو بسائر أعضائه التي تقابل المرآة، وربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستو أم لا فلا يرى شيئاً مما في المرآة، إذا عرفت هذه المقدمات سهل عند ذلك تصور كيفية هذا النوع من السحر، وذلك لأن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه حتى إذا استغرقهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة شديدة، فيبقى ذلك العمل خفياً لتفاوت الشيئين، أحدهما: اشتغالهم بالأمر الأول، والثاني: سرعة الإتيان بهذا العمل الثاني وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه فيتعجبون منه جداً، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله، فهذا هو المراد من قولهم: إن المشعبذ يأخذ بالعيون لأنه بالحقيقة يأخذ العيون إلى غير الجهة التي يحتال فيها وكلما كان أخذه للعيون والخواطر وجذبه لها إلى سوى مقصوده أقوى كان أحذق في عمله، وكلما كانت الأحوال التي تفيد حس البصر نوعاً من أنواع الخلل أشد كان هذا العمل أحسن، مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جداً، فإن البصر يفيد البصر كلالاً واختلالاً، وكذا الظلمة الشديدة وكذلك الألوان المشرقة القوية تفيد البصر كلالاً واختلالاً، والألوان المظلمة قلما تقف القوة الباصرة على أحوالها، فهذا مجامع القول في هذا النوع من السحر. النوع الخامس من السحر: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على النسب الهندسية تارة وعلى ضروب الخيلاء أخرى، مثل: فارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر، وكفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد، ومنها الصور التي يصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصورونها ضاحكة وباكية، حتى يفرق فيها ضحك السرور وبين ضحك الخجل، وضحك الشامت، فهذه الوجوه من لطيف أمور المخايل، وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب، ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال وهو أن يجر ثقيلاً عظيماً بآلة خفيفة سهلة، وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر لأن لها أسباباً معلومة نفيسة من اطلع عليها قدر عليها، إلا أن الاطلاع عليها لما كان عسيراً شديداً لا يصل إليه إلا الفرد بعد الفرد، لا جرم عد أهل الظاهر ذلك من باب السحر، ومن هذا الباب عمل «أرجعيانوس» الموسيقار في هيكل أورشليم العتيق عند تجديده إياه وذلك أنه اتفق له أنه كان مجتازاً بفلاة من الأرض فوجد فيها فرخاً من فراخ البراصل، والبراصل هو طائر عطوف وكان يصفر صفيراً حزيناً بخلاف سائر البراصل وكانت البراصل تجيئه بلطائف الزيتون فتطرحها عنده فيأكل بعضها عند حاجته ويفضل بعضها عن حاجته فوقف هذا الموسيقار هناك وتأمل حال ذلك الفرخ وعلم أن في صفيره المخالف لصفير البراصل ضرباً من التوجع والاستعطاف حتى رقت له الطيور وجاءته بما يأكله فتلطف بعمل آلة تشبه الصفارة إذا استقبل الريح بها أدت ذلك الصفير ولم يزل يجرب ذلك حتى وثق بها وجاءته البراصل بالزيتون كما كانت تجيء إلى ذلك الفرخ لأنها تظن أن هناك فرخاً من جنسها، فلما صح له ما أراد أظهر النسك وعمد إلى هيكل أورشليم وسأل عن الليلة التي دفن فيها «أسطرخس» الناسك القيم بعمارة ذلك الهيكل فأخبر أنه دفن في أول ليلة من آب فاتخذ صورة من زجاج مجوف على هيئة البرصلة ونصبها فوق ذلك الهيكل، وجعل فوق تلك الصورة قبة وأمرهم بفتحها في أول آب وكان يظهر صوت البرصلة بسبب نفوذ الريح في تلك الصورة وكانت البراصل تجيء بالزيتون حتى كانت تمتلىء تلك القبة كل يوم من ذلك الزيتون والناس اعتقدوا أنه من كرامات ذلك المدفون ويدخل في الباب أنواع كثيرة لا يليق شرحها في هذا الموضع. النوع السادس من السحر: الاستعانة بخواص الأدوية مثل أن يجعل في طعامه بعض الأدوية البلدة المزيلة للعقل والدخن المسكرة نحو دماغ الحمار إذا تناوله الإنسان تبلد عقله وقلت فطنته. واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص فإن أثر المغناطيس مشاهد إلا أن الناس قد أكثروا فيه وخلطوا الصدق بالكذب والباطل بالحق. النوع السابع من السحر: تعليق القلب وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه، بذلك وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، وإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل حينئذ ما يشاء وإن من جرب الأمور وعرف أحوال أهل العلم علم أن لتعلق القلب أثراً عظيماً في تنفيذ الأعمال وإخفاء الأسرار. النوع الثامن من السحر: السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفيفة لطيفة وذلك شائع في الناس، فهذا جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه والله أعلم. المسألة الرابعة: في أقوال المسلمين في أن هذه الأنواع هل هي ممكنة أم لا؟ أما المعتزلة فقد اتفقوا على إنكارها إلا النوع المنسوب إلى التخيل والمنسوب إلى إطعام بعض الأدوية المبلدة والمنسوب إلى التضريب والنميمة، فأما الأقسام الخمسة الأول فقد أنكروها ولعلهم كفروا من قال بها وجوزوا وجودها، وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر على أن يطير في الهواء ويقلب الإنسان حماراً والحمار إنساناً، إلا أنهم قالوا: إن الله تعالى هو الخالق لهذه الأشياء عندما يقرأ الساحر رقى مخصوصة وكلمات معينة. فأما أن يكون المؤثر في ذلك الفلك والنجوم فلا. وأما الفلاسفة والمنجمون والصابئة فقولهم على ما سلف تقريره، واحتج أصحابنا على فساد قول الصابئة إنه قد ثبت أن العالم محدث فوجب أن يكون موجده قادراً والشيء الذي حكم العقل بأنه مقدور إنما يصح أن يكون مقدوراً لكونه ممكناً والإمكان قدر مشترك بين كل الممكنات، فإذن كل الممكنات مقدور لله تعالى ولو وجد شيء من تلك المقدورات بسبب آخر يلزم أن يكون ذلك السبب مزيلاً لتعلق قدرة الله تعالى بذلك المقدور فيكون الحادث سبباً لعجز الله وهو محال، فثبت أنه يستحيل وقوع شيء من الممكنات إلا بقدرة الله وعنده يبطل كل ما قاله الصابئة، قالوا: إذا ثبت هذا فندعي أنه يمتنع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة فقد احتجوا على وقوع هذا النوع من السحر بالقرآن والخبر. أما القرآن فقوله تعالى في هذه الآية: {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ }، والاستثناء يدل على حصول الآثار بسببه، وأما الأخبار فهي واردة عنه صلى الله عليه وسلم متواترة وآحاداً، أحدها ما روي أنه عليه السلام سحر، وأن السحر عمل فيه حتى قال: «حديث : إنه ليخيل إلى أني أقول الشيء وأفعله ولم أقله ولم أفعله»تفسير : وأن امرأة يهودية سحرته وجعلت ذلك السحر تحت راعوفة البئر، فلما استخرج ذلك زال عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك العارض وأنزل المعوذتان بسببه، وثانيها: أن امرأة أتت عائشة رضي الله عنها فقالت لها: إني ساحرة فهل لي من توبة؟ فقالت: وما سحرك؟ فقالت: صرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت ببابل لطلب علم السحر فقالا: لي يا أمة الله لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا فأبيت، فقالا لي: اذهبي فبولي على ذلك الرماد، فذهبت لأبول عليه ففكرت في نفسي فقلت لا أفعل وجئت إليهما فقلت: قد فعلت، فقالا لي: ما رأيت لما فعلت؟ فقلت ما رأيت شيئاً، فقالا لي: أنت على رأس أمر فاتقي الله ولا تفعلي، فأبيت فقالا لي: اذهبي فافعلي، فذهبت ففعلت، فرأيت كأن فارساً مقنعاً بالحديد قد خرج من فرجي فصعد إلى السماء فجئتهما فأخبرتهما فقالا: إيمانك قد خرج عنك وقد أحسنت السحر، فقلت: وما هو؟ قالا: ما تريدين شيئاً فتصوريه في وهمك، إلا كان فصورت في نفسي حباً من حنطة، فإذا أنا بحب، فقلت: أنزرع فانزرع فخرج من ساعته سنبلاً فقلت: انطحن فانطحن من ساعته، فقلت: أنخبز فانخبز وأنا لا أريد شيئاً أصوره في نفسي إلا حصل، فقالت عائشة: ليس لك توبة، وثالثها: ما يذكرونه من الحكايات الكثيرة في هذا الباب وهي مشهورة. أما المعتزلة فقد احتجوا على إنكاره بوجوه، أحدها: قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ } تفسير : [طه: 69]، وثانيها: قوله تعالى في وصف محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَقَالَ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً } تفسير : [الفرقان:8] ولو صار عليه السلام مسحوراً لما استحقوا الذم بسبب هذا القول، وثالثها: أنه لو جاز ذلك من السحر فكيف يتميز المعجز عن السحر ثم قالوا: هذه الدلائل يقينية والأخبار التي ذكرتموها من باب الآحاد فلا تصلح معارضة لهذه الدلائل. المسألة الخامسة: في أن العلم بالسحر غير قبيح ولا محظور: اتفق المحققون على ذلك لأن العلم لذاته شريف وأيضاً لعموم قوله تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الزمر: 9] ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجز، والعلم بكون المعجز معجزاً واجب وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجباً وما يكون واجباً كيف يكون حراماً وقبيحاً. المسألة السادسة: في أن الساحر قد يكفر أم لا، اختلف الفقهاء في أن الساحر هل يكفر أم لا؟ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقهما بقول فقد كفر بما أنزل على محمد» تفسير : عليه السلام واعلم أنه لا نزاع بين الأمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم وهي الخالقة لما فيه من الحوادث والخيرات والشرور، فإنه يكون كافراً على الاطلاق وهذا هو النوع الأول من السحر. أما النوع الثاني: وهو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الإنسان في التصفية والقوة إلى حيث يقدر بها على إيجاد الأجسام والحياة والقدرة وتغيير البنية والشكل، فالأظهر إجماع الأمة أيضاً على تكفيره. أما النوع الثالث: وهو أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في التصفية وقراءة الرقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله تعالى عقيب أفعاله على سبيل العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل فههنا المعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك قالوا لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه أن يعرف صدق الأنبياء والرسل، وهذا ركيك من القول. فإن لقائل أن يقول إن الإنسان لو ادعى النبوة وكان كاذباً في دعواه فإنه لا يجوز من الله تعالى إظهار هذه الأشياء على يده لئلا يحصل التلبيس، أما إذا لم يدع النبوة وأظهر هذه الأشياء على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس فإن المحق يتميز عن المبطل بما أن المحق تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة والمبطل لا تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة. وأما سائر الأنواع التي عددناها من السحر فلا شك أنه ليس بكفر. فإن قيل: إن اليهود لما أضافوا السحر إلى سليمان قال الله تعالى تنزيهاً له عنه: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ } وهذا يدل على أن السحر كفر على الإطلاق وأيضاً قال: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسّحْرَ } وهذا أيضاً يقتضي أن يكون السحر على الإطلاق كفراً. وحكي عن الملكين أنهما لا يعلمان أحداً السحر حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر وهو يدل على أن السحر كفر على الإطلاق، قلنا: حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة فتحملها على سحر من يعتقد إلهية النجوم. المسألة السابعة: في أنه هل يجب قتلهم أم لا؟ أما النوع الأول: وهو أن يعتقد في الكواكب كونها آلهة مدبرة. والنوع الثاني: وهو أن يعتقد أن الساحر قد يصير موصوفاً بالقدرة على خلق الأجسام وخلق الحياة والقدرة والعقل وتركيب الأشكال، فلا شك في كفرهما، فالمسلم إذا أتى بهذا الاعتقاد كان كالمرتد يستتاب فإن أصر قتل. وروي عن مالك وأبي حنيفة أنه لا تقبل توبته، لنا أنه أسلم فيقبل إسلامه لقوله عليه السلام: «حديث : نحن نحكم بالظاهر»تفسير : ، أما النوع الثالث: وهو أن يعتقد أن الله تعالى أجرى عادته بخلق الأجسام والحياة وتغيير الشكل والهيئة عند قراءة بعض الرقي وتدخين بعض الأدوية، فالساحر يعتقد أنه يمكن الوصول إلى استحداث الأجسام والحياة وتغيير الخلقة بهذا الطريق، وقد ذكرنا عن المعتزلة أنه كفر قالوا: لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه الاستدلال بالمعجز على صدق الأنبياء، وهذا ركيك لأنه يقال: الفرق هو أن مدعي النبوة إن كان صادقاً في دعواه أمكنه الإتيان بهذه الأشياء وإن كان كاذباً تعذر عليه ذلك فبهذا يظهر الفرق. إذا ثبت أنه ليس بكافر وثبت أنه ممكن الوقوع فإذا أتى الساحر بشيء من ذلك فإن اعتقد أن إتيانه به مباح كفر، لأنه حكم على المحظور بكونه مباحاً، وإن اعتقد حرمته فعند الشافعي رضي الله عنه أن حكمه حكم الجناية، إن قال: إني سحرته وسحري يقتل غالباً، يجب عليه القود، وإن قال: سحرته وسحري قد يقتل وقد لا يقتل فهو شبه عمد وإن قال سحرت غيره فوافق اسمه فهو خطأ تجب الدية مخففة في ماله لأنه ثبت بإقراره إلا أن تصدقه العاقلة فحينئذ تجب عليهم هذا تفصيل مذهب الشافعي رضي الله عنه، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: يقتل الساحر إذا علم أنه ساحر ولا يستتاب ولا يقبل قوله: إني أترك السحر وأتوب منه، فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه وإن شهد شهدان على أنه ساحر أو وصفوه بصفة يعلم أنه ساحر قتل ولا يستتاب وإن أقر بأني كنت أسحر مرة وقد تركت ذلك منذ زمان قبل منه ولم يقتل، وحكى محمد بن شجاع عن علي الرازي قال: سألت أبا يوسف عن قول أبي حنيفة في الساحر: يقتل ولا يستتاب لم يكن ذلك بمنزلة المرتد، فقال: الساحر جمع مع كفره السعي في الأرض بالفساد ومن كان كذلك إذا قتل قتل، واحتج أصحابنا بأنه لما ثبت أن هذا النوع ليس بكفر فهو فسق فإن لم يكن جناية على حق الغير كان الحق هو التفصيل الذي ذكرناه. الثاني: أن ساحر اليهود لا يقتل لأنه عليه الصلاة والسلام سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن أعصم وامرأة من يهود خيبر يقال لها زينب، فلم يقتلهما فوجب أن يكون المؤمن كذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين»تفسير : . واحتج أبو حنيفة رحمه الله على قوله بأخبار، أحدها: ما روى نافع عن ابن عمر أن جارية لحفصة سحرتها وأخذوها فاعترفت بذلك فأمرت عبد الرحمن بن زيد فقتلها فبلغ عثمان فأنكره فأتاه ابن عمر وأخبره أمرها فكأن عثمان إنما أنكر ذلك لأنها قتلت بغير إذنه، وثانيها: ما روى عمرو بن دنيار أنه ورد كتاب عمر رضي الله عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلنا ثلاث سواحر، وثالثها: قال علي بن أبي طالب: إن هؤلاء العرافين كهان العجم، فمن أتى كاهناً يؤمن له بما يقول: فقد برىء مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم. والجواب: لعل السحرة الذين قتلوا كانوا من الكفرة فإن حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة، وأما سائر أنواع السحر أعني الإتيان بضروب الشعبذة والآلات العجيبة المبنية على ضروب الخيلاء، والمبنية على النسب الهندسية وكذلك القول فيمن يوهم ضروباً من التخويف والتقريع حتى يصير من به السوداء محكم الاعتقاد فيه ويتمشى بالتضريب والنميمة ويحتال في إيقاع الفرقة بعد الوصلة، ويوهم أن ذلك بكتابة يكتبها من الاسم الأعظم فكل ذلك ليس بكفر، وكذلك القول في دفن الأشياء الوسخة في دور الناس، وكذا القول في إيهام أن الجن يفعلون ذلك، وكذا القول فيمن يدس الأدوية المبلدة في الأطعمة فإن شيئاً من ذلك لا يبلغ حد الكفر ولا يوجب القتل ألبتة، فهذا هو الكلام الكلي في السحر والله الكافي والواقي ولنرجع إلى التفسير. أما قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسّحْرَ } فظاهر الآية يقتضي أنهم إنما كفروا لأجل أنهم كانوا يعلمون الناس السحر، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية وتعليم ما لا يكون كفراً لا يوجب الكفر، فصارت الآية دالة على أن تعليم السحر كفر، وعلى أن السحر أيضاً كفر، ولمن منع ذلك أن يقول: لا نسلم أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، بل المعنى أنهم كفروا وهم مع ذلك يعلمون الناس السحر، فإن قيل: هذا مشكل لأن الله تعالى أخبر في آخر الآية أن الملكين يعلمان الناس السحر، فلو كان تعليم السحر كفراً لزم تكفير الملكين، وإنه غير جائز لما ثبت أن الملائكة بأسرهم معصومون وأيضاً فلأنكم قد دللتم على أنه ليس كل ما يسمى سحراً فهو كفر. قلنا: اللفظ المشترك لا يكون عاماً في جميع مسمياته، فنحن نحمل هذا السحر الذي هو كفر على النوع الأول من الأشياء المسماة بالسحر، وهو اعتقاد إلهية الكواكب والاستعانة بها في إظهار المعجزات وخوارق العادات، فهذا السحر كفر، والشياطين إنما كفروا لإتيانهم بهذا السحر لا بسائر الأقسام. وأما الملكان فلا نسلم أنهما علما هذا النوع من السحر، بل لعلهم يعلمان سائر الأنواع على ما قال تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَزَوْجِهِ } وأيضاً فبتقدير أن يقال: إنهما علما هذا النوع لكن تعليم هذا النوع إنما يكون كفراً إذا قصد المعلم أن يعتقد حقيته وكونه صواباً، فأما أن يعلمه ليحترز عنه فهذا التعليم لا يكون كفراً، وتعليم الملائكة كان لأجل أن يصير المكلف محترزاً عنه على ما قال تعالى حكاية عنهما: {وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } وأما الشياطين الذين علموا الناس السحر فكان مقصودهم اعتقاد حقية هذه الأشياء فظهر الفرق. المسألة الثامنة: قرأ نافع وابن كثير وعاصم وأبو عمرو بتشديد «لكن» و «الشياطين» بالنصب على أنه اسم «لكن» والباقون «لكن» بالتخفيف و «الشياطين» بالرفع والمعنى واحد، وكذلك في الأنفال: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ }. {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ } تفسير : [الأنفال: 17] والاختيار أنه إذا كان بالواو كان التشديد أحسن، وإذا كان بغير الواو فالتخفيف أحسن، والوجه فيه أن «لكن» بالتخفيف يكون عطفاً فلا يحتاج إلى الواو لاتصال الكلام، والمشددة لا تكون عطفاً لأنها تعمل عمل «إن». أما قوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: «ما» في قوله: {وَمَا أَنَزلَ } فيه وجهان. الأول: أنه بمعنى الذي ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال. الأول: أنه عطف على (السحر) أي يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضاً. وثانيها: أنه عطف على قوله: {مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ } أي واتبعوا ما تتلوه الشياطين افتراء على ملك سليمان وما أنزل على الملكين لأن السحر منهما هو كفر وهو الذي تلته الشياطين، ومنه ما تأثيره في التفريق بين المرء وزوجه وهو الذي أنزل على الملكين فكأنه تعالى أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا كلا الأمرين ولم يقتصروا على أحدهما، وثالثها: أن موضعه جر عطفاً على (ملك سليمان) وتقديره ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وعلى ما أنزل على الملكين وهو اختيار أبي مسلم رحمه الله، وأنكر في الملكين أن يكون السحر نازلاً عليهما واحتج عليه بوجوه. الأول: أن السحر لو كان نازلاً عليهما لكان منزله هو الله تعالى، وذلك غير جائز لأن السحر كفر وعبث ولا يليق بالله إنزال ذلك، الثاني: أن قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسّحْرَ } يدل على أن تعليم السحر كفر، فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر، وذلك باطل. الثالث: كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بطريق الأولى، الرابع: أن السحر لا ينضاف إلا إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة، وكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه ويتوعد عليه بالعقاب؟ وهل السحر إلا الباطل المموه وقد جرت عادة الله تعالى بإبطاله كما قال في قصة موسى عليه السلام: {أية : مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ } تفسير : [يونس: 81] ثم إنه رحمه الله سلك في تفسير الآية نهجاً آخر يخالف قول أكثر المفسرين، فقال: كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرأ عنه، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر مع أن المنزل عليهما كان مبرأ عن السحر، وذلك لأن المنزل عليهما كان هو الشرع والدين والدعاء إلى الخير، وإنما كانا يعلمان الناس ذلك مع قولهما: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } توكيداً لبعثهم على القبول والتمسك، وكانت طائفة تتمسك وأخرى تخالف وتعدل عن ذلك ويتعلمون منهما أي من الفتنة والكفر مقدار ما يفرقون به بين المرء وزوجه، فهذا تقرير مذهب أبي مسلم. الوجه الثاني: أن يكون «ما» بمعنى الجحد ويكون معطوفاً على قوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ } كأنه قال: لم يكفر سليمان ولم ينزل على الملكين سحر لأن السحرة كانت تضيف السحر إلى سليمان وتزعم أنه مما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، فرد الله عليهم في القولين قوله: {وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ } جحد أيضاً أي لا يعلمان أحداً بل ينهيان عنه أشد النهي. أما قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } أي ابتلاء وامتحان فلا تكفر وهو كقولك ما أمرت فلاناً بكذا حتى قلت له إن فعلت كذا نالك كذا، أي ما أمرت به بل حذرته عنه. وأعلم أن هذه الأقوال وإن كانت حسنة إلا أن القول الأول أحسن منها، وذلك لأن عطف قوله: {وَمَا أَنَزلَ } على ما يليه أولى من عطفه على ما بعد عنه إلا لدليل منفصل، أما قوله: لو نزل السحر عليهما لكان منزل ذلك السحر هو الله تعالى. قلنا: تعريف صفة الشيء قد يكون لأجل الترغيب في إدخاله في الوجود وقد يكون لأجل أن يقع الاحتراز عنه كما قال الشاعر:شعر : عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه تفسير : قوله ثانياً: إن تعليم السحر كفر لقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسّحْرَ }، فالجواب: أنا بينا أنه واقعة حال فيكفي في صدقها صورة واحدة وهي ما إذا اشتغل بتعليم سحر من يقول بإلهية الكواكب ويكون قصده من ذلك التعليم إثبات أن ذلك المذهب حق. قوله ثالثاً: إنه لا يجوز بعثة الأنبياء عليهم السلام لتعليم السحر فكذا الملائكة. قلنا: لا نسلم أنه لا يجوز بعثة الأنبياء عليهم السلام لتعليمه بحيث يكون الغرض من ذلك التعليم التنبيه على إبطاله. قوله رابعاً: إنما يضاف السحر إلى الكفرة والمردة فكيف يضاف إلى الله تعالى ما ينهى عنه؟ قلنا: فرق بين العمل وبين التعليم فلم لا يجوز أن يكون العمل منهياً عنه؟ وأما تعليمه لغرض التنبيه على فساده فإنه يكون مأموراً به. المسألة الثانية: قرأ الحسن: (ملكين) بكسر اللام وهو مروي عن الضحاك وابن عباس ثم اختلفوا، فقال الحسن: كانا علجين أقلفين ببابل يعلمان الناس السحر، وقيل: كانا رجلين صالحين من الملوك. والقراءة المشهورة بفتح اللام وهما كانا ملكين نزلا من السماء، وهاروت وماروت اسمان لهما، وقيل: هما جبريل وميكائيل عليهما السلام، وقيل غيرهما: أما الذين كسروا اللام فقد احتجوا بوجوه، أحدها: أنه لا يليق بالملائكة تعليم السحر، وثانيها: كيف يجوز إنزال الملكين مع قوله: {أية : وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ ٱلأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } تفسير : [الأنعام: 8]، وثالثها: لو أنزل الملكين لكان إما أن يجعلهما في صورة الرجلين أو لا يجعلهما كذلك، فإن جعلهما في صورة الرجلين مع أنهما ليسا برجلين كان ذلك تجهيلاً وتلبيساً على الناس وهو غير جائز، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن كل واحد من الناس الذين نشاهدهم لا يكون في الحقيقة إنساناً، بل ملكاً من الملائكة؟ وإن لم يجعلهما في صورة الرجلين قدح ذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } تفسير : [الأنعام: 9] والجواب عن الأول أنا سنبين وجه الحكمة في إنزال الملائكة لتعليم السحر، وعن الثاني: أن هذه الآية عامة وقراءة الملكين بفتح اللام متواترة وخاصة والخاص مقدم على العام، وعن الثالث: أن الله تعالى أنزلهما في صورة رجلين وكان الواجب على المكلفين في زمان الأنبياء أن لا يقطعوا على من صورته صورة الإنسان بكونه إنساناً، كما أنه في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام كان الواجب على من شاهد دحية الكلبي أن لا يقطع بكونه من البشر بل الواجب التوقف فيه. المسألة الثالثة: إذا قلنا بأنهما كانا من الملائكة فقد اختلفوا في سبب نزولهما فروي عن ابن عباس أن الملائكة لما أعلمهم الله بآدم وقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء } فأجابهم الله تعالى بقوله: {أية : إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 30] ثم إن الله تعالى وكل عليهم جمعاً من الملائكة وهم الكرام الكاتبون فكانوا يعرجون بأعمالهم الخبيثة فعجبت الملائكة منهم ومن تبقية الله لهم مع ما ظهر منهم من القبائح، ثم أضافوا إليهما عمل السحر فازداد تعجب الملائكة فأراد الله تعالى أن يبتلي الملائكة، فقال لهم: اختاروا ملكين من أعظم الملائكة علماً وزهداً وديانة لأنزلهما إلى الأرض فأختبرهما، فاختاروا هاروت وماروت، وركب فيهما شهوة الإنس وأنزلهما ونهاهما عن الشرك والقتل والزنا والشرب، فنزلا فذهبت إليهما امرأة من أحسن النساء وهي الزهرة فراوداها عن نفسها فأبت أن تطيعهما إلا بعد أن يعبدا الصنم، وإلا بعد أن يشربا الخمر، فامتنعا أولاً، ثم غلبت الشهوة عليهما فأطاعاها في كل ذلك، فعند إقدامهما على الشرب وعبادة الصنم دخل سائل عليهم فقالت: إن أظهر هذا السائل للناس ما رأى منا فسد أمرنا، فإن اردتما الوصول إلي فاقتلا هذا الرجل، فامتنعا منه ثم اشتغلا بقتله فلما فرغا من القتل وطلبا المرأة فلم يجداها، ثم إن الملكين عند ذلك ندما وتحسرا وتضرعا إلى الله تعالى فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا وهما يعذبان ببابل معلقان بين السماء والأرض يعلمان الناس السحر، ثم لهم في الزهرة قولان، أحدهما: أن الله تعالى لما ابتلى الملكين بشهوة بني آدم أمر الله الكوكب الذي يقال له الزهرة وفلكها أن اهبطا إلى الأرض إلى أن كان ما كان، فحينئذ ارتفعت الزهرة وفلكها إلى موضعهما من السماء موبخين لهما على ما شاهداه منهما. والقول الثاني: أن المرأة كانت فاجرة من أهل الأرض وواقعاها بعد شرب الخمر وقتل النفس وعبادة الصنم، ثم علماها الاسم الذي كانا به يعرجان إلى السماء فتكلمت به وعرجت إلى السماء وكان اسمها «بيدخت» فمسخها الله وجعلها هي الزهرة، واعلم أن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة لأنه ليس في كتاب الله ما يدل على ذلك، بل فيه ما يبطلها من وجوه، الأول: ما تقدم من الدلائل الدالة على عصمة الملائكة عن كل المعاصي، وثانيها: أن قولهم إنهما خيرا بين عذاب الدنيا وبين عذاب الآخرة فاسد، بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة والعذاب لأن الله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره، فكيف يبخل عليهما بذلك؟ وثالثها: أن من أعجب الأمور قولهم: إنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما يعاقبان ولما ظهر فساد هذا القول فنقول: السبب في إنزالهما وجوه. أحدها: أن السحرة كثرت في ذلك الزمان واستنبطت أبواباً غريبة في السحر، وكانوا يدعون النبوة ويتحدون الناس بها، فبعث الله تعالى هذين الملكين لأجل أن يعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الذين كانوا يدعون النبوة كذباً، ولا شك أن هذا من أحسن الأغراض والمقاصد، وثانيها: أن العلم بكون المعجزة مخالفة للسحر متوقف على العلم بماهية المعجزة وبماهية السحر، والناس كانوا جاهلين بماهية السحر، فلا جرم هذا تعذرت عليهم معرفة حقيقة المعجزة، فبعث الله هذين الملكين لتعريف ماهية السحر لأجل هذا الغرض، وثالثها: لا يمتنع أن يقال: السحر الذي يوقع الفرقة بين أعداء الله والألفة بين أولياء الله كان مباحاً عندهم أو مندوباً، فالله تعالى بعث الملكين لتعليم السحر لهذا الغرض، ثم إن القوم تعلموا ذلك منهما واستعملوه في الشر وإيقاع الفرقة بين أولياء الله والألفة بين أعداء الله، ورابعها: أن تحصيل العلم بكل شيء حسن ولما كان السحر منهياً عنه وجب أن يكون متصوراً معلوماً لأن الذي لا يكون متصوراً امتنع النهي عنه، وخامسها: لعل الجن كان عندهم أنواع من السحر لم يقدر البشر على الإتيان بمثلها، فبعث الله الملائكة ليعلموا البشر أموراً يقدرون بها على معارضة الجن، وسادسها: يجوز أن يكون ذلك تشديداً في التكليف من حيث أنه إذا علمه ما أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة ثم منعه من استعمالها كان ذلك في نهاية المشقة فيستوجب به الثواب الزائد كما ابتلي قوم طالوت بالنهر على ما قال: {أية : فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } تفسير : [البقرة: 249] فثبت بهذه الوجوه أنه لا يبعد من الله تعالى إنزال الملكين لتعليم السحر والله أعلم. المسألة الرابعة: قال بعضهم: هذه الواقعة إنما وقعت في زمان إدريس عليه السلام لأنهما إذا كانا ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض فلا بد من رسول في وقتهما ليكون ذلك معجزة له، ولا يجوز كونهما رسولين لأنه ثبت أنه تعالى لا يبعث الرسول إلى الإنس ملكاً. المسألة الخامسة: «هاروت وماروت» عطف بيان للملكين، علمان لهما وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف، ولو كانا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم لانصرفا، وقرأ الزهري: هاروت وماروت بالرفع على: هما هاروت وماروت. أما قوله تعالى: {وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } فاعلم أنه تعالى شرح حالهما فقال: وهذان الملكان لا يعلمان السحر إلا بعد التحذير الشديد من العمل به وهو قولهما: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } والمراد ههنا بالفتنة المحنة التي بها يتميز المطيع عن العاصي، كقولهم: فتنت الذهب بالنار إذا عرض على النار ليتميز الخالص عن المشوب، وقد بينا الوجوه في أنه كيف يحسن بعثة الملكين لتعليم السحر فالمراد أنهما لا يعلمان أحداً السحر ولا يصفانه لأحد ولا يكشفان له وجوه الاحتيال حتى يبذلا له النصيحة، فيقولا له: «إنما نحن فتنة» أي هذا الذي نصفه لك وإن كان الغرض منه أن يتميز به الفرق بين السحر وبين المعجز، ولكنه يمكنك أن تتوصل إلى المفاسد والمعاصي، فإياك بعد وقوفك عليه أن تستعمله فيما نهيت عنه أو تتوصل به إلى شيء من الأغراض العاجلة. أما قوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَزَوْجِهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير هذا التفريق وجهين. الأول: أن هذا التفريق إنما يكون بأن يعتقد أن ذلك السحر مؤثر في هذا التفريق فيصير كافراً، وإذا صار كافراً بانت منه امرأته فيحصل تفرق بينهما، الثاني: أنه يفرق بينهما بالتمويه والحيل والتضريب وسائر الوجوه المذكورة. المسألة الثانية: أنه تعالى لم يذكر ذلك لأن الذي يتعلمون منهما ليس إلا هذا القدر، لكن ذكر هذه الصورة تنبيهاً على سائر الصور، فإن استكانة المرء إلى زوجته وركونه إليها معروف زائد على كل مودة، فنبه الله تعالى بذكر ذلك على أن السحر إذا أمكن به هذا الأمر على شدته فغيره به أولى. أما قوله تعالى: {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ } فإنه يدل على ما ذكرناه لأنه أطلق الضرر، ولم يقصره على التفريق بين المرء وزوجه، فدل ذلك على أنه تعالى إنما ذكره لأنه من أعلى مراتبه. أما قوله تعالى: {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } فاعلم أن الإذن حقيقة في الأمر والله لا يأمر بالسحر ولأنه تعالى أراد عيبهم وذمهم، ولو كان قد أمرهم به لما جاز أن يذمهم عليه فلا بد من التأويل وفيه وجوه، أحدها: قال الحسن: المراد منه التخلية، يعني السحر إذا سحر إنساناً فإن شاء الله منعه منه وإن شاء خلى بينه وبين ضرر السحر، وثانيها: قال الأصم: المراد إلا بعلم الله وإنما سمي الأذان أذاناً لأنه إعلام للناس بوقت الصلاة وسمي الأذان إذناً لأن بالحاسة القائمة به يدرك الأذن، وكذلك قوله تعالى: {أية : وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجّ } تفسير : [التوبة: 3] أي إعلام، وقوله: {أية : فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 279] معناه: فاعلموا وقوله: {أية : آذنتكم عَلَىٰ سَوَاء } تفسير : [الأنبياء: 109] يعني أعلمتكم، وثالثها: أن الضرر الحاصل عند فعل السحر إنما يحصل بخلق الله وإيجاده وإبداعه وما كان كذلك فإنه يصح أن يضاف إلى إذن الله تعالى كما قال: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [النحل: 40]. ورابعها: أن يكون المراد بالإذن الأمر وهذا الوجه لا يليق إلا بأن يفسر التفريق بين المرء وزوجه بأن يصير كافراً والكفر يقتضي التفريق، فإن هذا حكم شرعي، وذلك لا يكون إلا بأمر الله تعالى. أما قوله تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: إنما ذكر لفظ الشراء على سبيل الاستعارة لوجوه، أحدها: أنهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وأقبلوا على التمسك بما تتلوا الشياطين فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله، وثانيها؛ أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة فلما استعمل السحر فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا. وثالثها: أنه لما استعمل السحر علمنا أنه إنما تحمل المشقة ليتمكن من ذلك الاستعمال فكأنه اشترى بالمحن التي تحملها قدرته على ذلك الاستعمال. المسألة الثانية: قال الأكثرون: «الخلاق» النصيب، قال القفال: يشبه أن يكون أصل الكلمة من الخلق ومعناه التقدير ومنه خلق الأديم، ومنه يقال: قدر للرجل كذا درهماً رزقاً على عمل كذا. وقال آخرون: الخلاق الخلاص ومنه قول أمية بن أبي الصلت:شعر : يدعون بالويل فيها لاخلاق لهم إلا سرابيل قطران وأغلال تفسير : بقي في الآية سؤال: وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولاً في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ } ثم نفاه عنهم في قوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } والجواب من وجوه، أحدها: أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه وهم الذين قال الله في حقهم: {نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } وأما الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر فهم الذين لا يعلمون، وهذا جواب الأخفش وقطرب. وثانيها: لو سلمنا كون القوم واحداً ولكنهم علموا شيئاً وجهلوا شيئاً آخر، علموا أنهم ليس لهم في الآخرة خلاق ولكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة، وما حصل لهم من مضارها وعقوباتها. وثالثها: لو سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد ولكنهم لم ينتفعوا بعلمهم بل أعرضوا عنه فصار ذلك العلم كالعدم كما سمى الله تعالى الكفار: {أية : عُمياً وبُكماً وصُمّاً }تفسير : [الإسراء: 97] إذ لم ينتفعوا بهذه الحواس. ويقال للرجل في شيء يفعله لكنه لا يضعه موضعه: صنعت ولم تصنع.
القرطبي
تفسير : فيه أربع وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} هذا إخبار من الله تعالى عن الطائفة الذين نبذوا الكتاب بأنهم ٱتبعوا السحر أيضاً، وهم اليهود. وقال السُّدّى: عارضت اليهود محمداً صلى الله عليه وسلم بالتوراة فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وبسحرِ هاروت وماروت. وقال محمد بن إسحٰق: لما ذَكر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سليمانَ في المرسلين قال بعض أحبارهم: يزعم محمد أن ٱبن داود كان نبياً! والله ما كان إلا ساحراً؛ فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} أي ألقت إلى بني آدم أن ما فعله سليمان من ركوب البحر وٱستسخار الطير والشياطين كان سحراً. وقال الكلبي: كتبت الشياطين السحر والنِّيرَنْجِيّات على لسان آصف كاتب سليمان، ودفنوه تحت مصلاّه حين ٱنتزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان؛ فلما مات سليمان ٱستخرجوه وقالوا للناس: إنما ملَكَكم بهذا فتعلّموه؛ فأما علماء بني إسرائيل فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان! وأما السِّفْلة فقالوا: هذا علم سليمان؛ وأقبلوا على تعليمه ورفضوا كتب أنبيائهم حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله عز وجل على نبيّه عذر سليمان وأظهر براءته مما رُمي به فقال: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ}. قال عطاء: «تتلو» تقرأ من التلاوة. وقال ٱبن عباس: «تتلو» تتبع؛ كما تقول: جاء القوم يتلو بعضهم بعضاً. وقال الطبري: «ٱتبعوا» بمعنى فضّلوا. قلت: لأن كل من اتبع شيئاً وجعله أمامه فقد فضّله على غيره، ومعنى «تتلو» يعني تلت، فهو بمعنى المضيّ؛ قال الشاعر:شعر : وإذا مررتَ بقبره فٱعْقِر به كُومَ الهِجان وكلّ طرف سابح وٱنضح جوانبَ قبره بدمائها فلقد يكون أخا دَمٍ وذبائح تفسير : أي فلقد كان. و «ما» مفعول بـ «ـاتبعوا»؛ أي ٱتبعوا ما تقوّلته الشياطين على سليمان وتلته. وقيل: «ما» نفيٌ، وليس بشيء لا في نظام الكلام ولا في صحته؛ قاله ابن العربي. {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} أي على شَرعه ونبوّته. قال الزجاج: المعنى على عهد مُلك سليمان. وقيل: المعني في ملك سليمان؛ يعني في قصصه وصفاته وأخباره. قال الفرّاء: تصلح على وفي، في مثل هذا الموضع. وقال «علَى» ولم يقل بَعْدَ لقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ}تفسير : [الحج: 52] أي في تلاوته. وقد تقدّم معنى الشيطان وٱشتقاقه، فلا معنى لإعادته. والشياطين هنا قيل: هم شياطين الجن؛ وهو المفهوم من هذا الاسم. وقيل: المراد شياطين الإنس المتمرّدون في الضلال؛ كقول جرير:شعر : أيام يَدعوننِي الشيطان من غَزلِي وكنّ يَهويْننِي إذ كنتُ شيطانَا تفسير : الثانية: قوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} تبرئة من الله لسليمان؛ ولم يتقدّم في الآية أن أحداً نسبه إلى الكفر، ولكن اليهود نسبته إلى السحر، ولكن لما كان السحر كفراً صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر، ثم قال: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} فأثبت كفرهم بتعليم السحر. و «يُعَلِّمُونَ» في موضع نصب على الحال، ويجوز أن يكون في موضع رفع على أنه خبر ثان. وقرأ الكوفيون سوى عاصم «ولكنِ الشّياطينُ» بتخفيف «لكن»، ورفع النون من «الشياطين»؛ وكذلك في الأنفال {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال: 18] ووافقهم ٱبن عامر. الباقون بالتشديد والنصب. و «لكن» كلمة لها معنيان: نفي الخبر الماضي، وإثبات الخبر المستقبل؛ وهي مبنيّة من ثلاث كلمات: لا، ك، إن. «لا» نفي، و «الكاف» خطاب، و «إن» إثبات وتحقيق؛ فذهبت الهمزة ٱستثقالاً، وهي تثقَّل وتخفَّف؛ فإذا ثُقِّلت نصبت كإنّ الثقيلة، وإذا خُفّفت رفعت بها كما ترفع بإن الخفيفة. الثالثة: السحر، قيل: السحر أصله التمويه بالحيل والتخاييل، وهو أن يفعل الساحر أشياء ومعاني، فيُخيَّل للمسحور أنها بخلاف ما هي به؛ كالذي يرى السراب من بعيد فيُخيّل إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائرة سيراً حثيثاً يُخيّل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه. وقيل: هو مشتقّ من سَحرتُ الصبيَّ إذا خدعته، وكذلك إذا عللَّته. والتسحير مثله؛ قال لبيد:شعر : فإنْ تسألينا فِيمَ نحن فإنَّنا عصافيرُ من هذا الأنام المُسَحَّرِ تفسير : آخر:شعر : أُرانا مُوضِعين لأمرِ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بالطعام وبالشَّرابِ عصافيرٌ وذِبّانٌ ودُودٌ وأَجْرأ مِن مُجَلِّحَة الذئاب تفسير : وقوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ}تفسير : [الشعراء: 153] يقال: المُسَحَّر الذي خُلق ذا سَحَر؛ ويقال من المعلَّلين؛ أي ممن يأكل الطعام ويشرب الشراب. وقيل: أصله الخفاء، فإن الساحر يفعله في خُفية. وقيل: أصله الصَّرف؛ يقال: ما سَحَرك عن كذا، أي ما صرفك عنه؛ فالسّحر مصروف عن جهته. وقيل: أصله الاستمالة؛ وكلُّ مَن ٱستمالك فقد سحرك. وقيل: في قوله تعالى: {أية : بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ}تفسير : [الحجر: 15] أي سُحرنا فأزلنا بالتخييل عن معرفتنا. وقال الجوهري: السِّحر الأُخْذة؛ وكلُّ ما لَطُف مأخذه ودَقّ فهو سحر؛ وقد سحره يسحره سِحراً. والساحر: العالم، وسحره أيضاً بمعنى خدعه؛ وقد ذكرناه. وقال ٱبن مسعود: كنّا نُسَمِّي السحر في الجاهلية العِضَة.. والعِضَهُ عند العرب: شدّة البَهْت وتمويه الكذب؛ قال الشاعر:شعر : أعوذ بربِّي من النّافثا تِ فِي عِضَهِ العاضِه المُعْضِه تفسير : الرابعة: واختلف هل له حقيقة أم لا؛ فذكر الغَزْنَوِيّ الحنفي في عيون المعاني له: أن السحر عند المعتزلة خدع لا أصل له، وعند الشافعي وسوسة وأمراض. قال: وعندنا أصله طِلّسْم يُبنى على تأثير خصائص الكواكب؛ كتأثير الشمس في زئبق عصيّ فرعون، أو تعظيم الشياطين ليسهّلوا له ما عَسُر. قلت: وعندنا أنه حقّ وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء، على ما يأتي. ثم من السحر ما يكون بخفّة اليد كالشَّعْوذة. والشَّعْوَذِيّ: البريد لخفَّة سيره. قال ٱبن فارس في المُجْمَل: الشَّعوذة ليست من كلام أهل البادية، وهي خفة في اليدين وأُخْذَةٌ كالسحر؛ ومنه ما يكون كلاماً يُحفظ، ورُقىً من أسماء الله تعالى. وقد يكون من عهود الشياطين؛ ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك. الخامسة: سَمَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الفصاحةَ في الكلام واللِّسانة فيه سِحْراً؛ فقال: «حديث : إنّ من البيان لَسحْراً»تفسير : أخرجه مالك وغيره. وذلك لأن فيه تصويب الباطل حتى يتوهّم السامع أنه حق؛ فعلى هذا يكون قوله عليه السلام: «حديث : إنّ من البيان لَسِحْراً»تفسير : خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة، إذ شبّهها بالسحر. وقيل: خرج مخرج المدح للبلاغة والتفضيل للبيان؛ قاله جماعة من أهل العلم. والأوّل أصح، والدليل عليه قوله عليه السلام: «حديث : فلعلّ بعضَكم أن يكون أَلْحَنَ بحجّته من بعض»تفسير : ، وقوله: «حديث : إنّ أبغضكم إليّ الثَّرْثَارون المُتَفَيْهِقُون»تفسير : . الثَّرثرة: كثرة الكلام وترديده؛ يقال: ثرثر الرجل فهو ثَرثار مِهذار. والمُتَفَيْهِقُ نحوه. قال ٱبن دُريد. فلان يتفَيْهَق في كلامه إذا تَوَسّع فيه وتنطّع؛ قال: وأصله الفَهْق وهو الامتلاء؛ كأنه ملأ به فمه. قلت: وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسّره عامر الشعبيّ راوي الحديث وصَعْصَعة بن صُوحان فقالا: أمّا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ من البيان لسحراً"تفسير : فالرجل يكون عليه ألحق وهو ألْحَنُ بالحجج من صاحب الحق فَيَسْحَرُ القومَ ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه؛ وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ما لم تخرج إلى حدّ الإسهاب والإطناب، وتصوير الباطل في صورة الحق. وهذا بيّن، والحمد لله. السادسة: مِن السِّحر ما يكون كُفْراً من فاعله؛ مثل ما يدّعون من تغيير صُوَر الناس، وإخراجهم في هيئة بهيمة، وقطع مسافة شهر في ليلة، والطيران في الهواء؛ فكل مَن فعل هذا ليُوهِم الناس أنه محقّ فذلك كفر منه؛ قاله أبو نصر عبد الرحيم القُشَيري. قال أبو عمرو: من زعم أن الساحر يُقلب الحيوان من صورة إلى صورة، فيجعل الإنسان حماراً أو نحوه، ويقدر على نقل الأجساد وهلاكها وتبديلها؛ فهذا يرى قتل الساحر لأنه كافر بالأنبياء، يدّعي مثل آياتهم ومعجزاتهم، ولا يتهيّأ مع هذا علم صحة النبوّة إذ قد يحصل مثلها بالحيلة. وأما من زعم أن السحر خُدَع ومخاريق وتمويهات وتخييلات فلم يجب على أصله قتل الساحر، إلا أن يقتل بفعله أحداً فيُقتل به. السابعة: ذهب أهل السُّنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة. وذهب عامّة المعتزلة وأبو إسحاق الاسترابادي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تموِيه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به، وأنه ضَرْب من الخفّة والشّعْوَذة؛ كما قال تعالى: {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}تفسير : [طه: 66] ولم يقل تسعى على الحقيقة، ولكن قال «يُخَيَّل إليْهِ». وقال أيضاً: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [الأعراف: 116]. وهذا لا حجة فيه؛ لأنا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من جملة السحر، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوّزها العقل ووَرَد بها السمع؛ فمن ذلك ما جاء في هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه، ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلّمونه الناس، فدلّ على أن له حقيقة. وقوله تعالى في قصة سَحَرة فرعون: {وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} وسورة «الفلق»؛ مع ٱتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لَبيد بن الأعْصَم، وهو مما خرّجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: "حديث : سَحر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يهوديٌّ من يهود بني زُرَيق يقال له لبيد بن الأعصم الحديث. وفيه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لما حُلّ السّحر: «إن الله شفاني»»تفسير : . والشفاء إنما يكون برفع العِلّة وزوال المرض؛ فدلّ على أن له حقاً وحقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه. وعلى هذا أهل الحلّ والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع ٱتفاقهم بحُثَالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق. ولقد شاع السِّحر وذاع في سابق الزمان وتكلّم الناس فيه، ولم يَبْدُ من الصحابة ولا من التابعين إنكار لأصله. وروى سفيان عن أبي الأعور عن عكرمة عن ٱبن عباس قال: عُلِّم السحر في قرية من قرى مصر يقال لها: «الفَرَما» فمن كذّب به فهو كافر، مكذِّب لله ورسوله، منكرٌ لما عُلم مشاهدةً وعِياناً. الثامنة: قال علماؤنا: لا يُنكر أن يظهر على يد الساحر خَرْق العادات مما ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق وزوال عقل وتعويج عِضْو، إلى غير ذلك مما قام الدليل على ٱستحالة كونه من مقدورات العباد. قالوا: ولا يبعد في السحر أن يستدِقَّ جسم الساحر حتى يتولّج في الكُوّاتِ والخوخات والانتصاب على رأس قصبة، والجَرْي على خيط مستدقّ، والطيران في الهواء والمشي على الماء وركوب كلب وغير ذلك. ومع ذلك فلا يكون السحر موجباً لذلك، ولا علّةً لوقوعه ولا سبباً مولداً، ولا يكون الساحر مستقلا به، وإنما يخلق الله تعالى هذه الأشياء ويُحدِثها عند وجود السّحر؛ كما يخلق الشبع عند الأكل، والرّي عند شرب الماء. روى سفيان عن عمار الذّهبي أن ساحراً كان عند الوليد بن عُقْبة يمشي على الحبل، ويدخل في ٱسْت الحمار ويخرج من فيه؛ فٱشتمل له جُنْدُب على السيف فقتله جندب ـ هذا هو جُنْدَب بن كعب الأزدي ويقال البَجَلي ـ وهو الذي قال في حقه النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يكون في أمتي رجل يقال له جندب يضرب ضربة بالسيف يفرّق بين الحق والباطل»تفسير : . فكانوا يرونه جُنْدَباً هذا قاتل الساحر. قال علي بن المديني: روى عنه حارثة بن مُضَرِّب. التاسعة: أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقُمّل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام. فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون ولا يفعله الله عند إرادة الساحر. قال القاضي أبو بكر بن الطيّب: وإنما منعنا ذلك بالإجماع ولولاه لأجزناه. العاشرة: في الفرق بين السحر والمعجزة؛ قال علماؤنا: السحر يوجد من الساحر وغيره، وقد يكون جماعة يعرفونه ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد. والمعجزة لا يمكن الله أحداً أن يأتي بمثلها وبمعارضتها؛ ثم الساحر لم يَدّع النبوّة فالذي يصدر منه متميَّز عن المعجزة؛ فإن المعجزة شرطها ٱقتران دعوى النبوّة والتحدّي بها، كما تقدّم في مقدّمة الكتاب. الحادية عشرة: وٱختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم والذِّميّ؛ فذهب مالك إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفراً يُقتل ولا يُستتاب ولا تُقبل توبته؛ لأنه أمْرٌ يستَسِرّ به كالزنديق والزاني، ولأن الله تعالى سَمَّى السحر كفراً بقوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} وهو قول أحمد بن حنبل وأبي ثَور وإسحٰق والشافعي وأبي حنيفة. ورُوي قتل الساحر عن عمر وعثمان وٱبن عمر وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين. ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : حَدُّ الساحر ضَرْبهُ بالسيف»تفسير : خرّجه الترمذي وليس بالقوِيّ؛ ٱنفرد به إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف عندهم، رواه ٱبن عُيَيْنة عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن مُرْسَلاً؛ ومنهم من جعله عن الحسن عن جُنْدَب. قال ٱبن المنذر: وقد رَوَينا عن عائشة أنها باعت ساحرة كانت سحرتها وجعلت ثمنها في الرِّقاب. قال ٱبن المنذر: وإذا أقرّ الرجل أنه سحر بكلام يكون كفراً وجب قتله إن لم يَتُب، وكذلك لو ثبتت به عليه بيّنة ووصفت البينة كلاماً يكون كفراً. وإن كان الكلام الذي ذكر أنه سَحَرَ به ليس بكفر لم يجز قتله، فإن كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص ٱقتُصّ منه إن كان عَمَد ذلك؛ وإن كان مما لا قصاص فيه ففيه دِيَة ذلك. قال ٱبن المنذر: وإذا ٱختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسألة وجب ٱتباع أشبههم بالكتاب والسُّنة؛ وقد يجوز أن يكون السِّحر الذي أمَر من أمر منهم بقتل الساحر سحراً يكون كفراً فيكون ذلك موافقاً لسُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتملَ أن تكون عائشة رضي الله عنها أمرت ببيع ساحرة لم يكن سحرها كفراً. فإن ٱحتجّ محتجّ بحديث جُنْدَب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : حدُّ الساحر ضربه بالسيف»تفسير : فلو صحّ لاحتمل أن يكون أمر بقتل الساحر الذي يكون سحره كفراً، فيكون ذلك موافقاً للأخبار التي جاءت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يحلّ دَمُ ٱمرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث...».تفسير : قلت: وهذا صحيح، ودماء المسلمين محظورة لا تُستباح إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف والله تعالى أعلم. وقال بعض العلماء: إن قال أهل الصناعة أن السحر لا يتمّ إلا مع الكفر ولاستكبار؛ أو تعظيم الشيطان فالسحر إذاً دالٌّ على الكفر على هذا التقدير؛ والله تعالى أعلم. وروي عن الشافعي: لا يُقتل الساحر إلا أن يَقتل بسحره ويقول تعمّدت القتل، وإن قال لم أتعمده لم يُقتل، وكانت فيه الدّية كقتل الخطأ؛ وإن أضرّ به أُدِّب على قدر الضرر. قال ٱبن العربي: وهذا باطل من وجهين؛ أحدهما: أنه لم يعلم السحر، وحقيقته أنه كلام مؤلف يُعظّم به غير الله تعالى، وتُنسب إليه المقادير والكائنات. الثاني: أن الله سبحانه قد صرّح في كتابه بأنه كُفر فقال: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} بقول السحر {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} به وبتعليمه. وهاروت وماروت يقولان: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} وهذا تأكيد للبيان. احتج أصحاب مالك بأنه لا تُقبل توبته؛ لأن السحر باطن لا يُظهره صاحبه فلا تعرف توبته كالزنديق؛ وإنما يستتاب من أظهر الكفر مرتدًّا. قال مالك: فإن جاء الساحر أو الزنديق تائباً قبل أن يُشهد عليهما قُبلت توبتهما؛ والحجة لذلك قوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}تفسير : [غافر: 85] فدلّ على أنه كان ينفعهم إيمانهم قبل نزول العذاب، فكذلك هذان. الثانية عشرة: وأما ساحر الذِّمة؛ فقيل يُقتل. وقال مالك: لا يُقتل إلا أن يَقتل بسحره ويضمن ما جَنَى، ويُقتل إن جاء منه ما لم يُعاهد عليه. وقال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: فأمّا إذا كان ذِميًّا فقد ٱختلفت الرواية عن مالك؛ فقال مرّة: يُستتاب وتوبتُه الإسلام. وقال مَرّة: يُقتل وإن أسلم. وأما الحربيّ فلا يُقتل إذا تاب؛ وكذلك قال مالك في ذِميّ سبّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم: يُستتاب وتوبتُه الإسلام. وقال مَرّة: يُقتل ولا يُستتاب كالمسلم. وقال مالك أيضاً في الذِّمي إذا سَحَر: يُعاقب؛ إلا أن يكون قَتل بسحره، أو أحدث حَدثاً فيؤخذ منه بقدره. وقال غيره: يُقتل؛ لأنه قد نقض العهد. ولا يرث الساحرَ ورثتُه؛ لأنه كافر إلا أن يكون سِحْره لا يُسمَّى كفراً. وقال مالك في المرأة تَعقِد زوجها عن نفسها أو عن غيرها: تُنَكَّل ولا تُقتل. الثالثة عشرة: وٱختلفوا هل يُسئل الساحر حلّ السحر عن المسحور؛ فأجازه سعيد بن المسيّب على ما ذكره البخاري، وإليه مال المُزَنِيّ وكرهه الحسن البصري. وقال الشّعبي: لا بأس بالنُّشْرة. قال ٱبن بَطّال: وفي كتاب وَهْب بن مُنَبّه أن يأخذ سبع ورقات من سِدْر أخضر فيدقّه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي، ثم يَحْسُو منه ثلاث حَسَوات ويغتسل به؛ فإنه يذهب عنه كل ما به، إن شاء الله تعالى، وهو جيّد للرجل إذا حُبس عن أهله. الرابعة عشرة: أنكر معظم المعتزلة الشياطين والجن؛ ودلّ إنكارهم على قلّة مبالاتهم وركاكة دياناتهم، وليس في إثباتهم مستحيل عقليّ؛ وقد دلّت نصوص الكتاب والسُّنة على إثباتهم، وحقّ على اللبيب المعتصم بحبل الله أن يثبت ما قضى العقل بجوازه، ونصّ الشّرع على ثبوته؛ قال الله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} وقال: {أية : وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ} تفسير : [الأنبياء: 82] إلى غير ذلك من الآي، وسورة «الجنّ» تقضي بذلك؛ وقال عليه السلام: «حديث : إن الشيطان يجري من ٱبن آدم مَجْرَى الدم»تفسير : . وقد أنكر هذا الخبر كثير من الناس، وأحالوا روحين في جسد؛ والعقل لا يحيل سلوكهم في الإنس إذا كانت أجسامهم رقيقة بسيطة على ما يقوله بعض الناس بل أكثرهم؛ ولو كانوا كثافاً لصحّ ذلك أيضاً منهم، كما يصح دخول الطعام والشراب في الفراغ من الجسم، وكذلك الدِّيدان قد تكون في بني آدم وهي أحياء. الخامسة عشرة: قوله تعالى: {وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} «ما» نفي؛ والواو للعطف على قوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر؛ فنفى الله ذلك. وفي الكلام تقديم وتأخير، التقدير وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت؛ فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ}. هذا أوْلَى ما حُملت عليه الآية من التأويل، وأصحّ ما قيل فيها ولا يلتفت إلى سواه؛ فالسحر من ٱستخراج الشياطين للطافة جوهرهم، ودِقّة أفهامهم؛ وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساءُ وخاصّةً في حال طَمْثِهِنَّ؛ قال الله تعالى: {أية : وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ}تفسير : [الفلق: 4]. وقال الشاعر:شعر : أعوذ بربيِّ من النَّافثا ت............... تفسير : السادسة عشرة: إن قال قائل: كيف يكون ٱثنان بدلاً من جَمع والبدلُ إنما يكون على حدّ المبدَل منه؛ فالجواب من وجوه ثلاثة؛ الأوّل: أن الاثنين قد يُطلق عليهما ٱسم الجمع؛ كما قال تعالى: {أية : فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ}تفسير : [النساء: 11] ولا يحجبها عن الثلث إلى السّدس إلا ٱثنان من الإخوة فصاعداً؛ على ما يأتي بيانه في «النساء». الثاني: أنهما لمّا كانا الرأس في التعليم نصّ عليهما دون ٱتباعهما؛ كما قال تعالى: {أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} تفسير : [المدثر: 30]. الثالث: إنما خُصّا بالذّكر من بينهم لتمرّدهما؛ كما قال تعالى: {أية : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}تفسير : [الرحمن: 68] وقوله: «وجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ». وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب، فقد ينصّ بالذكر على بعض أشخاص العموم إمّا لشرفه وإمّا لفضله؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ}تفسير : [آل عمران: 68] وقوله: «أية : وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ»تفسير : [البقرة: 98] وإمّا لطيبه كقوله: {أية : فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}تفسير : [الرحمن: 68]؛ وإمّا لأكثريته؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : جُعلت ليَ الأرضُ مسجداً وتربتها طهوراً»تفسير : ، وإمّا لتمرّده وعُتُوّه كما في هذه الآية، والله تعالى أعلم. وقد قيل: إن «ما» عطف على السِّحر وهي مفعولة؛ فعلى هذا يكون «ما» بمعنى الذي، ويكون السحر منزلاً على الملكين فتنة للناس وٱمتحاناً، ولله أن يمتحن عباده بما شاء؛ كما ٱمتحن بنهر طالوت، ولهذا يقول المَلَكان: إنما نحن فتنة؛ أي مِحْنَة من الله، نخبرك أن عمل الساحر كُفر فإن أطعتنا نجوْت، وإن عصيْتنا هلكت. وقد روي عن عليّ وٱبن مسعود وٱبن عباس وٱبن عمر وكعب الأحبار والسُّدّي والكلبي ما معناه: أنه لما كثر الفساد من أولاد آدم عليه السلام ـ وذلك في زمن إدريس عليه السلام ـ عيرّتهم الملائكة؛ فقال الله تعالى: أمَا إنكم لو كنتم مكانهم ورَكّبت فيكم ما رَكّبت فيهم لَعِملتم مثل أعمالهم؛ فقالوا: سبحانك! ما كان ينبغي لنا ذلك؛ قال: فٱختاروا مَلَكين من خياركم؛ فٱختاروا هاروت وماروت، فأنزلهما إلى الأرض فركّب فيهما الشّهوة، فما مرّ بهما شهر حتى فُتِنا بٱمرأة ٱسمها بالنّبطيّة «بيدخت» وبالفارسية «ناهيل» وبالعربية «الزُّهَرَة» ٱختصمت إليهما، وراوداها عن نفسها فأبتْ إلاّ أن يدخلا في دينها ويشربا الخمر ويقتلا النفس التي حرّم الله؛ فأجاباها وشربَا الخمر وألمّا بها؛ فرآهما رجل فقتلاه، وسألتهما عن الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلّماها فتكلّمت به فَعَرجت فمُسِخت كوكباً. وقال سالم عن أبيه عن عبد اللَّه: فحدّثني كعب الحِبر أنهما لم يستكملا يومهما حتى عَمِلاَ بما حرّم الله عليهما. وفي غير هذا الحديث: فخُيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فٱختارا عذاب الدنيا؛ فهما يُعذَّبان ببابل في سَرَب من الأرض. قيل: بابل العراق. وقيل: بابل نهاوند. وكان ٱبن عمر فيما يُروَى عن عطاء أنه كان إذا رأى الزُّهَرة وسُهيلاً سبّهما وشتمهما؛ ويقول: إن سُهَيْلاً كان عشاراً باليمن يظلم الناس، وإن الزُّهرة كانت صاحبةَ هاروت وماروت. قلنا: هذا كلّه ضعيف وبعيد عن ٱبن عمر وغيره، لا يصحّ منه شيء؛ فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وَحْيه، وسُفراؤه إلى رسله{أية : لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم: 6] {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}. تفسير : [الأنبياء: 26-27]{أية : يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}تفسير : [الأنبياء:20]. وأما العقل فلا يُنكر وقوع المعصية من الملائكة ويوجد منهم خلاف ما كلفوه، ويخلق فيهم الشهوات؛ إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم؛ ومن هذا خوف الأنبياء والأولياء الفضلاء العلماء، لكن وقوع هذا الجائز لا يُدرك إلا بالسمع ولم يصح. ومما يدلّ على عدم صحته أن الله تعالى خلق النجوم وهذه الكواكب حين خلق السماء؛ ففي الخبر: «أن السماء لما خلقت خلق فيها سبعة دَوّارة زُحَل والمُشْتَرِي وبَهْرام وعُطارد والزُّهَرة والشمس والقمر». وهذا معنى قول الله تعالى: {أية : وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [الأنبياء: 33]. فثبت بهذا أن الزّهرة وسُهيلاً قد كانا قبل خلق آدم؛ ثم إن قول الملائكة: «ما كان ينبغي لنا» عورة: لا تقدر على فتنتنا؛ وهذا كُفر نعوذ بالله منه ومن نسبته إلى الملائكة الكرام صلوات الله عليهم أجمعين؛ وقد نزّهناهم وهم المنزهون عن كل ما ذكره ونقله المفسرون، سبحان ربِّك رَبِّ العِزّة عما يَصفون. السابعة عشرة: قرأ ٱبن عباس وٱبن أَبْزَى والضحاك والحسن: «المِلكين» بكسر اللام. قال ٱبن أَبْزَى: هما داود وسليمان. فـ «ـما» على هذا القول أيضاً نافية؛ وضعّف هذا القول ٱبن العربي. وقال الحسن: هما عِلْجان كانا ببابل مَلِكين؛ فـ «ـما» على هذا القول مفعولة غير نافية. الثامنة عشرة: قوله تعالى: {بِبَابِلَ} بابل لا ينصرف للتأنيث والتعريف والعُجْمة، وهي قُطر من الأرض؛ قيل: العراق وما والاه. وقال ٱبن مسعود لأهل الكوفة: أنتم بين الحِيرة وبابل. وقال قتادة: هي من نَصِيبين إلى رأس العين. وقال قوم: هي بالمغرب. قال ٱبن عطية: وهذا ضعيف. وقال قوم: هو جبل نهاوَنْد؛ فالله تعالى أعلم. وٱختلف في تسميته ببابل؛ فقيل: سُمِّي بذلك لتبلبل الألسن بها حين سقط صَرْح نمروذ. وقيل: سُمّيَ به لأن الله تعالى لما أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحاً فحشرتهم من الآفاق إلى بابل؛ فبلبل الله ألسنتهم بها؛ ثم فرّقتهم تلك الريح في البلاد. والبَلْبَلة: التفريق، قال معناه الخليل. وقال أبو عمر بن عبد البر: من أخصر ما قيل في البلبلة وأحسنه ما رواه داود بن أبي هند عن عِلْبَاء بن أحمر عن عكرمة عن ٱبن عباس أن نوحاً عليه السلام لما هبط إلى أسفل الجُودِيّ ٱبتنى قرية وسمّاها ثمانين؛ فأصبح ذات يوم وقد تَبَلْبلَت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها اللسان العربي، وكان لا يفهم بعضهم عن بعض. التاسعة عشرة: روى عبد اللَّه بن بشر المازني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اتّقُوا الدنيا فوالذي نفسي بيده إنها لأسحر من هاروت وماروت»تفسير : . قال علماؤنا: إنما كانت الدنيا أسحر منهما لأنها تسحرك بخدعها، وتكتمك فتنتَها، فتدعوك إلى التّحارص عليها والتنافس فيها، والجمع لها والمنع، حتى تفرّق بينك وبين طاعة الله تعالى، وتفرّق بينك وبين رؤية الحق ورعايته؛ فالدنيا أسحر منهما، تأخذ بقلبك عن الله، وعن القيام بحقوقه، وعن وعده ووعيده. وسحر الدنيا: محّبتها وتلذّذك بشهواتها، وتمنّيك بأمانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حُبّك الشيء يُعْمِي ويُصِمّ».تفسير : الموفية عشرين: قوله تعالى: {هَارُوتَ وَمَارُوتَ} لا ينصرف «هاروت»؛ لأنه أعجميّ معرفة، وكذا «ماروت»؛ ويجمع هواريت ومواريت؛ مثل طواغيث؛ ويقال: هوارتة وهوار، وموارتة وموار، ومثله جالوت وطالوت؛ فٱعلم. وقد تقدّم هل هما ملكان أو غيرهما؟ خلاف. قال الزّجاج: ورُوي عن عليّ رضي الله عنه أنه قال: أيْ والذي أُنزل على الملكين، وأن الملكين يعلّمان الناس تعليم إنذار من السّحر لا تعليم دعاء إليه. قال الزجاج: وهذا القول الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر، ومعناه أنهما يعلّمان الناس على النهي فيقولان لهم: لا تفعلوا كذا، ولا تحتالوا بكذا لتفرّقوا بين المرء وزوجه. والذي أُنزِل عليهما هو النّهي، كأنه قولاً للناس: لا تعملوا كذا؛ فـ «ـيُعَلّمان» بمعنى يُعْلِمان؛ كما قال: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» أي أكرمنا. الحادية والعشرون: قوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} «من» زائدة للتوكيد، والتقدير: وما يعلمان أحداً. {حَتَّىٰ يَقُولاَ} نصب بحتى فلذلك حذفت منه النون؛ ولغة هُذيل وثَقيف «عتّى» بالعين غير المعجمة. والضمير في «يُعلْمان» لهاروت وماروت. وفي «يُعَلّمان» قولان؛ أحدهما: أنه على بابه من التعليم. الثاني: أنه من الإعلام لا من التعليم؛ فـ «ـيُعَلّمان» بمعنى يُعْلِمان، وقد جاء في كلام العرب تعلّم بمعنى أعلم؛ ذكره ٱبن الأعرابي وٱبن الأنباري. قال كعب بن مالك:شعر : تعلّم رسول الله أنك مُدْرِكي وأنّ وعيداً منك كالأخذ باليد تفسير : وقال القُطَامِيّ:شعر : تعلّم أن بعد الغَيّ رشدا وأن لذلك الغيّ ٱنقشاعا تفسير : وقال زُهير:شعر : تَعلّمَنْ ها لعَمْرُ الله ذا قسماً فٱقدِر بذرعك وٱنظر أين تَنْسَلِكُ تفسير : وقال آخر:شعر : تعلّم أنه لا طير إلا على مُتَطيِّر وهو الثُّبُور تفسير : {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} لمّا أنبأا بفتنتهما كانت الدنيا أسحر منهما حين كتمت فتنتها. {فَلاَ تَكْفُرْ} قالت فرقة بتعليم السحر، وقالت فرقة بٱستعماله. وحكى المهدوِيّ أنه ٱستهزاء؛ لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحقّقَا ضلاله. الثانية والعشرون: قوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} قال سيبويه: التقدير فهم يتعلمون؛ قال ومثله {كُن فَيَكُونُ}. وقيل: هو معطوف على موضع «مَا يُعَلِّمَانِ»؛ لأن قوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ} وإن دخلت عليه ما النافية فمضمَّنه الإيجاب في التعليم. وقال الفرّاء: هي مردودة على قوله: {يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ} فيتعلمون؛ ويكون «فيتعلّمون» متصلة بقوله {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} فيأتون فيتعلمون. قال السُّدّى: كانا يقولان لمن جاءهما: إنما نحن فتنة فلا تكفر؛ فإن أبى أن يرجع قالا له: ائت هذا الرَّماد فَبُلْ فيه؛ فإذا بال فيه خرج منه نور يسطع إلى السماء، وهو الإيمان؛ ثم يخرج منه دخان أسود فيدخل في أذنيه وهو الكفر؛ فإذا أخبرهما بما رآه من ذلك علّماه ما يفرّقون به بين المرء وزوجه. ذهبت طائفة من العلماء إلى أن الساحر ليس يقدر على أكثر مما أخبر الله عنه من التفرقة؛ لأن الله ذكر ذلك في معرض الذمّ للسحر والغاية في تعليمه؛ فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره. وقالت طائفة: ذلك خرج على الأغلب، ولا ينكر أن السحر له تأثير في القلوب، بالحب والبُغْض وبإلقاء الشرور حتى يفرّق الساحر بين المرء وزوجه، ويحول بين المرء وقلبه، وذلك بإدخال الآلام وعظيم الأسقام؛ وكل ذلك مدرك بالمشاهدة وإنكاره معاندة؛ وقد تقدّم هذا، والحمد لله. الثالثة والعشرون: قوله تعالى: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} «مَا هُمْ» إشارة إلى السحرة. وقيل إلى اليهود، وقيل إلى الشياطين. {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ} أي بالسحر. {مِنْ أَحَدٍ} أي أحداً؛ ومن زائدة. {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي بإرادته وقضائه لا بأمره؛ لأنه تعالى لا يأمر بالفحشاء ويقضي على الخلق بها. وقال الزجاج: {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} إلا بعلم الله. قال النحاس: وقول أبي إسحٰق {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} إلا بعلم الله غلط؛ لأنه إنما يقال في العلم أَذَنٌ، وقد أَذِنْت أَذَناً. ولكن لما لم يحل فيما بينهم وبينه وظلوا يفعلونه كان كأنه أباحه مجازاً. الرابعة والعشرون: قوله تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ} يريد في الآخرة وإن أخذوا بها نفعاً قليلاً في الدنيا. وقيل: يضرهم في الدنيا؛ لأن ضرر السحر والتفريق يعود على الساحر في الدنيا إذا عثر عليه؛ لأنه يُؤدّب ويُزجَر، ويلحقه شؤم السحر. وباقي الآي بين لتقدّم معانيها. واللام في {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} لام توكيد. {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ} لام يمين، وهي للتوكيد أيضاً. وموضع «من» رفع بالابتداء؛ لأنه لا يعمل ما قبل اللام فيما بعدها. و«من» بمعنى الذي. وقال الفرّاء: هي للمجازاة. وقال الزجاج: ليس هذا بموضع شرط، و «مَن» بمعنى الذي؛ كما تقول: لقد علمت، لمن جاءك ما له عقل. {مِنْ خَلاَقٍ} «من» زائدة، والتقدير ما له في الآخرة خلاق، ولا تزاد في الواجب؛ هذا قول البصريين. وقال الكوفيون: تكون زائدة في الواجب؛ وٱستدلوا بقوله تعالى: {أية : يَغْفِرْ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ} تفسير : [نوح:4] والخَلاَق: النصيب؛ قاله مجاهد. قال الزجاج: وكذلك هو عند أهل اللغة، إلا أنه لا يكاد يستعمل إلا للنصيب من الخير. وسئل عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} فأخبر أنهم قد علموا؛ ثم قال: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} فأخبر أنهم لا يعلمون؛ فالجواب وهو قول قُطْرُب والأخفش: أن يكون الذين يعلمون الشياطين، والذين شَرَوْا أنفسهم ـ أي باعوها ـ هم الإنس الذين لا يعلمون. قال الزجاج وقال عليّ بن سليمان: الأجود عندي أن يكون {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} للمَلَكَين؛ لأنهما أولى بأن يعلموا. وقال: «علموا» كما يقال: الزيدان قاموا. وقال الزجاج: الذين علموا علماء اليهود؛ ولكن قيل: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي فدخلوا في محل من يقال له: لست بعالم؛ لأنهم تركوا العمل بعلمهم وٱسترشدوا من الذين عمِلوا بالسحر.
البيضاوي
تفسير : {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ} عطف على نبذ، أي نبذوا كتاب الله واتبعوا كتب السحر التي تقرؤها، أو تتبعها الشياطين من الجن، أو الإنس، أو منهما. {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ} أي عهده، وتتلو حكاية حال ماضية، قيل: كانوا يسترقون السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب، ويلقونها إلى الكهنة وهم يدونونها ويعلمون الناس، وفشا ذلك في عهد سليمان عليه السلام حتى قيل: إن الجن يعلمون الغيب، وأن مُلْكَ سليمان تَمَّ بهذا العلم، وأنه تُسَخَّرُ به الجن والإِنس والريح له. {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ } تكذيب لمن زعم ذلك، وعبر عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفر، وأن من كان نبياً كان معصوماً منه. {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} باستعماله، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي و {لَكِنِ } بالتخفيف، ورفع {ٱلشَّيـٰطِينِ }. {يُعَلّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسّحْرَ } إغواءً وإضلالاً، والجملة حال من الضمير، والمراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس. فإن التناسب شرط في التضام والتعاون، وبهذا تميز الساحر عن النبي والولي، وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم، وتسميته سحراً عمل التجوز، أو لما فيه من الدقة لأنه في الأصل لما خفي سببه. {وَمَا أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ } عطف على السحر والمراد بهما واحد، والعطف لتغاير الاعتبار، أو المراد به نوع أقوى منه، أو على ما تتلو. وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس، وتمييزاً بينه وبين المعجزة. وما روي أنهما مثلاً بشرين، وركب فيهما الشهوة فتعرضا لامرأة يقال لها: زهرة، فحملتهما على المعاصي والشرك، ثم صعدت إلى السماء بما تعلمت منهما فمحكي عن اليهود ولعله من رموز الأوائل وحله لا يخفى على ذوي البصائر. وقيل: رجلان سميا ملكين باعتبار صلاحهما، ويؤيده قراءة الملكين بالكسر. وقيل: ما أنزل نفي معطوف على ما كفر سليمان تكذيب لليهود في هذه القصة. {بِبَابِلَ} ظرف، أو حال من الملكين، أو الضمير في أنزل والمشهور أنه بلد من سواد الكوفة. {هَـٰرُوتُ وَمَـٰرُوتُ} عطف بيان للملكين، ومنع صرفهما للعلمية والعجمة، ولو كانا من الهرت والمرت بمعنى الكسر لانصرفا. ومن جعل ما نافية أبدلهما من الشياطين بدل البعض، وما بينهما اعتراض. وقرىء بالرفع على هما {هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ }. {وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} فمعناه على الأول ما يعلمان أحداً حتى ينصحاه ويقولا له إنما نحن ابتلاء من الله، فمن تعلم منا وعمل به كفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان، فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به. وفيه دليل على أن تعلم السحر وما لا يجوز اتباعه غير محظور، وإنما المنع من اتباعه والعمل به. وعلى الثاني ما يعلمانه حتى يقولا إنما نحن مفتونان فلا تكن مثلنا. {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} الضمير لما دل عليه من أحد. {مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} أي من السحر ما يكون سبب تفريقهما. {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } لأنه وغيره من الأسباب غير مؤثرة بالذات، بل بأمره تعالى وجعله. قرىء {بضاري} على الإضافة إلى أحد، وجعل الجار جزء منه والفصل بالظرف. {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ} لأنهم يقصدون به العمل، أو لأن العلم يجر إلى العمل غالباً {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} إذ مجرد العلم به غير مقصود ولا نافع في الدارين. وفيه أن التحرز عنه أولى {وَلَقَدْ عَلِمُواْ } أي اليهود. {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ } أي استبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله تعالى، والأظهر أن اللام لام الإبتداء علقت علموا عن العمل {مَا لَهُ فِى ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ } نصيب {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } يحتمل المعنيين على ما مر. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } يتفكرون فيه، أو يعلمون قبحه على التعيين، أو حقية ما يتبعه من العذاب، والمثبت لهم أولاً على التوكيد القسمي العقل الغريزي أو العلم الإجمالي يقبح الفعل، أو ترتب العقاب من غير تحقيق وقيل: معناه لو كانوا يعملون بعلمهم، فإن من لم يعمل بما علم فهو كمن لم يعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱتَّبِعُواْ } عطف على نبذ {مَا تَتْلُواْ } أي تلت {ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى } عهد {مُلْكِ سُلَيْمَٰنَ } من السحر وكانت دفنته تحت كرسيه لما نُزِعَ ملكه أو كانت تسترق السمع وتضم إليه أكاذيب وتلقيه إلى الكهنة فيدوّنونه وفشا ذلك وشاع أنّ الجن تعلم الغيب فجمع سليمان الكتب ودفنها فلما مات دلت الشياطين عليها الناس فاستخرجوها فوجدوا فيها السحر فقالوا إنما ملككم بهذا فتعلموه ورفضوا كتب أنبيائهم. قال تعالى- تبرئة لسليمان ورداً على اليهود في قولهم انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحراً-: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَٰنُ } أي لم يعمل السحر لأنه كفر {وَلَٰكِنِ } بالتشديد والتخفيف {ٱلشَّيْٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسّحْرَ } الجملة حال من ضمير (كفروا) {وَ} يعلمونهم {مَا أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ } أي أُلْهِمَاه من السحر وقرىء بكسر اللام الكائنين {بِبَابِلَ } بلد في سواد العراق {هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَ } بدل أو عطف بيان للملكين قال ابن عباس هما ساحران كانا يعلمان السحروقيل ملكان أُنْزِلاَ لتعليمه ابتلاء من الله إلى الناس {وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ } زائدة {أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ } له نصحاً {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } بلية من الله إلى الناس ليمتحنهم بتعليمه فمن تعلمه كفر ومن تركه فهو مؤمن {فَلاَ تَكْفُرْ } بتعلمه فإن أبى إلا التعليم علماه {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَزَوْجِهِ } بأن يُبَغِّضَ كلاًّ إلى الآخر {وَمَا هُمْ } أي السحرة {بِضَارّينَ بِهِ } بالسحر {مِنْ } زائدة {أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بإرادته {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ } في الآخرة {وَلاَ يَنفَعُهُمْ } وهو السحر {وَلَقَدْ } لام قسم {عَلِمُواْ } أي اليهود {لِمَنِ} لام ابتداء معلقة لما قبلها (وَمَنْ) موصولة {ٱشْتَرَاهُ } اختاره أو استبدله بكتاب الله {مَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍ } نصيب في الجنة {وَلَبِئْسَ مَا } شيئاً {شَرَوْاْ } باعوا {بِهِ أَنفُسَهُمْ } أي الشارين: أي حظها من الآخرة إن تعلموه حيث أوجب لهم النار {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } حقيقة ما يصيرون إليه من العذاب ما تعلموه.
ابن عطية
تفسير : وقوله تعالى: {فيتعلمون}: قال سيبويه: التقدير فهم يتعلمون، وقيل هو معطوف على قوله {يعلمون الناس}، ومنعه الزجاج، وقيل: هو معطوف على موضع {وما يعلمان} لأن قوله {وما يعلمان} وإن دخلت عليه ما النافية فمضمنه الإيجاب في التعليم، وقيل التقدير فيأتون فيتعلمون، واختاره الزجاج، والضمير في {يعلمان} هو لهاروت وماروت الملكين أو الملكين العلجين على ما تقدم، والضمير في {منهما} قيل: هو عائد عليهما، وقيل: على {السحر} وعلى الذي أنزل على الملكين، و {يفرقون} معناه فرقة العصمة، وقيل معناه: يؤخِّذون الرجل عن المرأة حتى لا يقدر على وطئها فهي أيضاً فرقة. وقرأ الحسن والزهري وقتادة: "المرِء" براء مكسورة خفيفة، وروي عن الزهري تشديد الراء، وقرأ ابن أبي إسحاق " المُرء" بضم الميم وهمزة وهي لغة هذيل، وقرأ الأشهب العقيلي " المِرء" بكسر الميم وهمزة، ورويت عن الحسن، وقرأ جمهور الناس "المَرء" بفتح الميم وهمزة، والزوج هنا امرأة الرجل، وكل واحد منهما زوج الآخر، ويقال للمرأة زوجة قال الفرزدق. [الطويل] شعر : وإن الذي يسعى ليفسِدَ زوجتي كساعٍ إلى أُسْد الشرى يسْتبيلها تفسير : وقرأ الجمهور " بضارين به"، وقرأ الأعمش "بضاري به من أحد" فقيل: حذفت النون تخفيفاً، وقيل: حذفت للإضافة إلى {أحد} وحيل بين المضاف والمضاف إليه بالمجرور، و {بإذن الله} معناه. بعلمه وتمكينه، و {يضرهم} معناه في الآخرة {ولا ينفعهم} فيها أيضاً، وإن نفع في الدنيا بالمكاسب فالمراعى إنما هو أمر الآخرة، والضمير في {علموا} عائد على بني إسرائيل حسب الضمائر المتقدمة، وقيل: على {الشياطين}، وقيل على {الملكين} وهما جمع، وقال {اشتراه} لأنهم كانوا يعطون الأجرة على أن يعلموا، والخلاق النصيب والحظ، وهو هنا بمعنى الجاه والقدر، واللام في قوله {لمن} المتقدمة للقسم المؤذنة بأن الكلام قسم لا شرط، وتقدم القول في "بئسما"، و {شروا} معناه باعوا، وقد تقدم مثله، والضمير في {يعلمون} عائد على بني إسرائيل باتفاق، ومن قال إن الضمير في {علموا} عائد عليهم خرج هذا الثاني على المجاز، أي لما عملوا عمل من لا يعلم كانوا كأنهم لا يعلمون، ومن قال إن الضمير في {علموا} عائد على {الشياطين} أو على {الملكين} قال: إن أولئك علموا أن لا خلاق لمن اشتراه وهؤلاء لم يعلموا فهو على الحقيقة، وقال مكي: الضمير في {علموا} لعلماء أهل الكتاب، وفي قوله {لو كانوا يعلمون} للمتعلمين منهم. وقوله تعالى: {ولو أنهم آمنوا}: موضع "أن" رفع، المعنى لو وقع إيمانهم، ويعني الذين اشتروا السحر، {ولو} تقتضي جواباً، فقالت فرقة جوابها {لمثوبة}، لأنها مصدر للمضي والاستقبال، وجواب {لو} لا يكون إلا ماضياً أو بمعناه، وقال الأخفش: لا جواب لــ {لو} في هذه مظهراً ولكنه مقدر، أي لو آمنوا لأثيبوا. وقرأ قتادة وأبو السمال وابن بريدة "لمثْوَبة" بسكون الثاء وفتح الواو، وهو مصدر أيضاً كمشورة ومشورة، ومثوبة رفع بالابتداء و {خير} خبره والجملة خبر أن، والمثوبة عند جمهور الناس بمعنى الثواب والأجر، وهذا هو الصحيح، وقال قوم: معناه لرجعة إلى الله من ثاب يثوب إذا رجع، واللام فيها لام القسم لأن لام الابتداء مستغنى عنها، وهذه لا غنى عنها، وقوله تعالى: {لو كانوا يعلمون} يحتمل نفي العلم عنهم، ويحتمل أن يراد: لو كانوا يعلمون علماً ينفع. وقرأ جمهور الناس "راعِنا" من المراعاة بمعنى فاعلنا أي أرعنا نرعك، وفي هذا جفاء أن يخاطب به أحد نبيه، وقد حض الله تعالى على خفض الصوت عنده وتعزيره وتوقيره، فقال من ذهب إلى هذا المعنى إن الله تعالى نهى المؤمنين عنه لهذه العلة، ولا مدخل لليهود في هذه الآية على التأويل، بل هو نهي عن كل مخاطبة فيها استواء مع النبي صلى الله عليه وسلم: وقالت طائفة: هي لغة كانت الأنصار تقولها، فقالها رفاعة بن زيد بن التابوت للنبي صلى الله عليه وسلم ليّاً بلسانه وطعناً كما كان يقول: اسمع غير مسمع، فنهى الله المؤمنين أن تقال هذه اللفظة. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ووقف هذه اللغة على الأنصار تقصير، بل هي لغة لجميع العرب فاعل من المراعاة. فكانت اليهود تصرفها إلى الرعونة، يظهرون أنهم يريدون المراعاة ويبطنون أنهم يريدون الرعونة التي هي الجهل، وحكى المهدوي عن قوم أن هذه الآية على هذا التأويل ناسخة لفعل قد كان مباحاً؛ وليس في هذه الآية شروط النسخ لأن الأول لم يكن شرعاً متقرراً. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن أبي ليلى وابن محيصن وأبو حيوة "راعناً" بالتنوين، وهذه من معنى الجهل، وهذا محمول على أن اليهود كانت تقوله فنهى الله تعالى المؤمنين عن القول المباح سد ذريعة لئلا يتطرق منه اليهود إلى المحظور، إذ المؤمنون إنما كانوا يقولون "راعنا" دون تنوين، وفي مصحف ابن مسعود "راعونا"، وهي شاذة، ووجهها أنهم كانوا يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم كما تخاطب الجماعة، يظهرون بذلك إكباره وهم يريدون في الباطن فاعولاً من الرعونة. و {انظُرنا} مضمومة الألف والظاء معناها انتظرنا وأمهل علينا، ويحتمل أن يكون المعنى تفقدنا من النظر، وهذه لفظة مخلصة لتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم على المعنيين، والظاهر عندي استدعاء نظر العين المقترن بتدبر الحال، وهذا هو معنى {راعنا}، فبدلت للمؤمنين اللفظة ليزول تعلق اليهود، وقرأ الأعمش وغيره "أنظِرنا" بقطع الألف وكسر الظاء بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقى منك. ولما نهى الله تعالى في هذه الآية وأمر، حض بعد على السمع الذي في ضمنه الطاعة، واعلم أن لمن خالف أمره فكفر عذاباً أليماً، وهو المؤلم، {واسمعوا} معطوف على {قولوا} لا على معمولها.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ} نزلت، لأن كاتب سليمان "آصف بن برخيا" واطأ نفراً من الجن على أن دفنوا كتاب سحر تحت كرسي سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ ثم أخرجوه بعد موت سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقالوا: هذا سحر سليمان، فبرأه الله ـ تعالى ـ من ذلك، أو استرقت الشياطين السمع، واستخرجت السحر، فاطلع عليه سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ فنزعه منهم ودفنه تحت كرسيه، فلم يقدر الشياطين أن يدنوا إلى الكرسي في حياته، فلما مات قالت: للإنس: إن العلم الذي سخر به سليمان الريح والجن تحت كرسيه فأخرجوه، وقالوا: كان ساحراً، ولم يكن نبياً، فتعلموه وعلموه، فبرأه الله ـ تعالى ـ من ذلك. {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ} بنسبتهم سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى السحر "أو بما استخرجوه من السحر" {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} بإلقائه في قلوبهم "أو بدلالتهم عليه حتى أخرجوه". {وَمَآ أُنزِلَ} "ما" بمعنى الذي، أو نافيه. {الْمَلَكَيْنِ} بالكسر علجان من علوج بابل، والقراءة المشهورة بالفتح، زعمت سحرة اليهود أن جبريل وميكائيل أُنزل السحر على لسانهما إلى سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ فأكذبهم الله، والتقدير: وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس {بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} وهما رجلان ببابل، أو هاروت وماروت ملكان أُهبطا إلى الأرض في زمن إدريس ـ عليه الصلاة والسلام ـ فلما عصيا لم يقدرا على الرقي إلى السماء فكانا يعلمان السحر. {السِّحْرَ} خدع ومعانٍ تحول الإنسان حماراً وتُقلَب بها الأعيان وتنشأ بها الأجسام، أو هو تخييل ولا يقدر الساحر على قلب الأعيان ولا إنشاء الأجسام، قال الله تعالى {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ } تفسير : [طه: 66]، ولما سحر الرسول صلى الله عليه وسلم كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يكن فعله قال الشافعي ـ رضي الله تعالى عنه ـ "الساحر يوسوس ويمرض ويقتل"، إذ التخيل بدو الوسوسة، والوسوسة بدو المرض، والمرض بدو التلف. {بِبَابِلَ} الكوفة وسوادها، سميت بذلك لتبلبل الألسن بها، أو من نصيبين إلى رأس عين، أو جبل نهاوند. {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} على هاروت وماروت أن لا يعلما أحداً حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر بما تتعلمه من السحر. {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} من هاروت وماروت، أو من السحر والكفر أو من الشياطين والملكين ـ السحر من الشياطين، وما يفرق بين الزوجين من الملكين. {بِإِذْنِ} ما يضرون بالسحر أحداً {إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} بأمره، أو بعلمه. {مَا يَضُرُّهُمْ} في الآخرة {وَلا يَنفَعُهُمْ} في الدنيا، {مِنْ خَلاقٍ} لا نصيب لمن اشترى السحر، أو لا جهة له، أو الخلاق: الدين. {شَرَوْاْ} باعوا {بِهِ أَنفُسَهُمْ} من السحر والكفر بفعله وتعليمه، أو من إضافتهم السحر إلى سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ...} أي عملوا بمقتضاه، وليس هو من الاتباع الحقيقي، لأن متلو الشياطين لا يتبع إنما يتبع التالي وهو الشيطان لا متلوه. قوله تعالى: {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ...} قيل؛ أى على عهد سليمان، ويحتمل أن يراد اتّباعهم ما سمعوا أنّ الشيطان كان يتلوه في عهد سليمان، وأنهم يتبعون في عهد سليمان ما يتلوه الشيطان إذّاك؟ قال ابن عرفة: وتعلّم السّحر واعتقاده حقا كفر. وأما تعلمه من غير اعتقاد حقيقة ففي التكفير به قولان، وظاهر المتكلّمين أنّ التكفير إنّما هو بأحد ثلاثة أمور: إما بقول كلمة الكفر، أو بالسّجود لصنم، أو بالفعل كلبس الزّنار ونحوه. وجعل الفخر (هنا) من السحر (الشعوذة). وكان شيخنا ابن عبد السلام يستضعف ذلك وينكره ويقول: إنما ذلك من خفة اليد، وليس بسحر، بخلاف ما يحكى عن غالب العجائبي من أنه كان يزرع الفقوس (ويجنيه) في ساعة واحدة فإنه سحر. قال ابن عطية: روي أنهما (ملكان) اختصمت إليهما إمرأة، وحكى القصة، وضعفه ابن عطية من جهة السند. قال ابن عرفة: بل هو ضعيف من جهة الاستدلال، فإنه قد قام الدّليل على عصمة الملائكة. ولا يقال: إنهما كانا معصومين، ثم انتفت العصمة عنهما حينئذ، فإنّ ذلك إنما هو فيمن يتّصف بالحفظ لا بالعصمة، فيصح أن يحفظ تارة دون تارة، أما العصمة فلا تزول عمن ثبتت له أبدا (وقد) كان الشيوخ/ يخطئون ابن عطية في هذا الموضوع لأجل (ذكره) هذه الحكاية. ونقل بعضهم عن القرافي أن (مالكا) أنكر ذلك في حق هاروت وماروت. قال ابن عرفة؛ وكان تَعلم السحر في (زمن) هاروت وماروت (جائزا)، وكانوا مأمورين بتعليم النّاس على جهة الابتلاء من الله تعالى لخلقه، فالطائع لا يتعلمه، والعاصي (يبادر) إليه ويتعلمه كما خلق الله السّم القاتل والحديد وغير ذلك مع أنه لا يجوز تناوله. فقوله على هذا: (فلا) يكفر، إما أن يراد به العمل أي تعلمه ولا تعمل به فتكفر، أو يرادُ به نفس العلم أي نحن يجوز لنا تعليمه وغيرنا لا يجوز له أن يتعلمه منا فلا نتعلمه فنكفر، فهم مباح لهم تعليمه للغير، وذلك الغير لا يباح له أن يتعلمه منهم، وكان التعليم حينئذ جائزا ثم نسخ فصار حراما. وقال الزمخشري: أي فلا نتعلمه (معتقدا) أنه حق فنكفر. ومنهم من قال: إن تعلمه جائز أو مطلوب ليفرق بينه وبين المعجزة والكرامة، ولكن ذلك في تعلمه على الجملة لا تعلمه مفصلا، وكلام الزمخشري هنا أنسب من كلام ابن عطية إلا في كلمة واحدة. (وبقوله) تعالى: "فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا" استشهد ابن التلمساني في كتاب القياس على أن الفاء تكون للاستئناف. قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ...} ابن عطية: الضمير عائد على بني إسرائيل. قال ابن عرفة: إمّا عموما أو على علمائهم. وقيل: على الشيطان، وقيل: على الملكين. وضعفه ابن عرفة، لأنه جمع فلا يصح إلا على القول بأن أقل الجمع اثنان. فإن قلت: هلا قيل فحفظه في الآخرة جهنم، فهاذ أدل على (الخسران) في الآخرة، لأن فاعل المباح يصدق عليه أنه ليس له في الآخرة نصيب إذ لا ثواب فيه؟ قلنا: السياق يهدي إلى (أن) المراد له العذاب، وأن هذا القسم (منتف عنهم). قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} قال ابن عرفة: جواب "لو" مقدر، أي لو كانوا يعلمون لما شَرَوْا، ولا يصح أنْ يكون جوابها: "لَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ" لأنه مذموم سواء شروه أو لم يشتروه، وسواء علموا أو لَم يَعلموا. ابن عطية: من أَعَاد الضمير في "وَلَقَدْ عَلِمُواْ" على بني إسرائيل وينتقض ذلك عليه بقوله: "لوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ". فظاهره (أنّهم) لم يعلموا (ويمكن) أن يجاب عنه بأنه مجاز لأنّهم عملوا عمل من لا يعلم، فكأنهم لم يعملوا. قال ابن عرفة: قال بعضهم: أو يجاب بأنّ قولك: كأن زيدا يعلم كذا، أخص من قولك: علم زيد كذا لاقتضاء (الأول) تكرّر العلم له ودوامه حتى تطبع به، فأثبت في أول الآية لهم مطلق العلم الصادق بأدنى شيء وقال في آخرها: "لوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ" علما ثابتا حقيقيا لما باعوا أنفسهم بذلك. وشروا بمعنى بَاعُوا.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {ولكن} خفيفاً {الشياطين} بالرفع: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وكذلك قوله {ولكن الله قتلهم} {ولكن الله رمى} {الملكين} بكسر اللام ههنا وفي سورة الأعراف: قتيبة. على أن المنزل عليهما علم السحر كانا ملكين ببابل. الوقوف: {علىملك سليمان} (ج) لأن الواو قد تصلح حالاً لبيان نزاهة سليمان وردّ ما افتروا عليه {السحر} (ط) قيل: على جعل "ما" نافية ولا يتضح لمناقضته ما في سياق الآية من إثبات السحر بل "ما" خبرية معطوفة على قوله {السحر} على أنها وإن كانت نافية يحتمل كون الواو حالاً على تقدير: يعلمون الناس السحر غير منزل فلا يفصل. وفي الآية عشر "ماآت" إحداها كافة في {إنما} والأخيرة نكرة منصوبة في {لبئسما} والباقية خبرية ثم نافية ثم خبرية على التعاقب {وماروت} (ط) {فلا تكفر} (ط) {وزوجه} (ط) {بإذن الله} (ط) {ولا ينفعهم} (ط) {من خلاق} (ط) يجوز الوقف لابتداء اللام {أنفسهم} (ط) {يعلمون} (ه) {خير} (ط) {يعلمون} (ه). التفسير: من قبائح أفعالهم أنهم نبذوا كتاب الله وأقبلوا على السحر ودعوا الناس إليه، وهذا شأن اليهود الذين كانوا في زمن محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: إنهم الذين تقدموا من اليهود. وقيل: إنهم الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام من السحرة لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان ويعدّونه من جملة ملوك الدنيا، فالذين كانوا منهم في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر. والأولى أن يقال: اللفظ يتناول الكل. قال السدي: لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت. ومعنى "تتلو" تقرأ، أو {على ملك سليمان} أي على عهده وفي زمانه. وقيل: تلا عليه أي كذب. فالقوم لما ادعوا أن سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء كالافتراء على ملك سليمان. وأما الشياطين فالأكثرون على أنهم شياطين الجن، وأنهم كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها ويلقونها إلى الكهنة، وقد دوّنوها ويقرأونها ويعلمونها الناس وفشا ذلك في زمان سليمان حتى قالوا: إن الجن تعلم الغيب وكانوا يقولون: هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم. وقيل: إنهم شياطين الإنس لما روي في الخبر أن سليمان كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصه الله تعالى بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنه إن هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثم من بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان وأنه ما وصل إلى ما وصل إلا بهذه الأشياء. وزيفوا قول الأكثرين بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء وشرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف مخيفاً فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع، وهذا بخلاف ما يفعله الإنسان فإنه لا يكاد يخفى على بني نوعه. واختلف في سبب إضافتهم السحر إلى سليمان فقيل: ليروج ذلك منهم. وقيل: لأنهم ما كانوا مقرين بنبوته. وقيل: لأنه لما خالط الجن وأظهر أسراراً عجيبة غلب على ظنونهم أنه استفاد ذلك من الجن. وقوله {وما كفر سليمان} تنزيه له عما نسب القوم إليه من السحر المستلزم للكفر، فإن كونه نبياً ينافي كونه ساحراً كافراً. ثم بين أن الذي برأه منه لاصق بغيره فقال {ولكن الشياطين كفروا} ثم ذكر ما به كفروا فقد كان من الجائز أن يتوهم أنهم كفروا لا بالسحر فقال {يعلمون الناس السحر وما أنزل} أي ويعلمونهم الذي أنزل على الملكين. وهاروت وماروت عطف بيان للملكين علمان لهما ممتنعان من الصرف للعلمية والعجمة، وليسا من الهرت والمرت وهو الكسر كما زعم بعضهم، لأنهما لو كانا منهما لانصرفا. وقيل: بدلان منهما. ولنذكر ههنا حقيقة السحر وقصة هاروت وماروت. أما السحر ففي اللغة عبارة عن كل ما لطف مأخذه وخفي سببه ومنه الساحر للعالم. وسحره خدعه، والسحر الرئة، وفي الشرع: مختص بكل أمر يخفى سببه ويتخيل من غير حقيقة ويجري مجرى التمويه والخداع. ومتى أطلق ولم يقيد أفاد ذم فاعله قال تعالى {أية : سحروا أعين الناس}تفسير : [الأعراف: 116] يعني موّهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم وعصيهم تسعى. وقد يستعمل مقيداً فيما يمدح ويحمد وهو السحر الحلال قال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن من البيان لسحراً"تفسير : سمى صلى الله عليه وسلم بعض البيان سحراً لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه ولطف عبارته، ويقدر على تحسين القبيح وتقبيح الحسن، يسخط تارة فيقول أسوأ ما يمكن، ويرضى تارة فيقول أحسن ما يعلم. ثم السحر على أقسام: منها سحر الكلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر وهو قوم يعبدون الكواكب ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور والسعادة والنحوسة، ويستحدثون الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية، وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم عليه السلام مبطلاً لمقالتهم وراداً عليهم مذاهبهم. ومنها سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية بدليل أن الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعاً على الأرض لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر، وما ذاك إلا لأن تخيل السقوط متى قوي أوجبه. وقد اجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام. وحكي في الشفاء عن أرسطو أن الدجاجة إذا تشبهت كثيراً بالديكة في الصوت وفي الحراب مع الديكة في الصوت تنبت على ساقها مثل الشيء النابت على ساق الديك. وهذا يدل على أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية. واجتمعت الأمم على أن الدعاء مظنة الإجابة، وأن الدعاء باللسان من غير طلب نفساني قليل الأثر. ويحكى أن بعض الملوك عرض له فالج، فدخل عليه بعض الحذاق من الأطباء على حين غفلة منه وشافهه بالشتم والقدح في العرض، فاشتد غضب الملك وقفز من مرقده قفزة اضطرارية وزالت تلك العلة المزمنة. والإصابة بالعين مما اتفق عليه العقلاء، والتحقيق فيه أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السموات، كانت كأنها روح من الأرواح السماوية، وكانت قوية التأثير في مواد هذا العالم. أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف ألبتة إلا في هذا البدن. فإذا أراد أن يتعدى تأثيرها إلى بدن آخر اتخذ تمثال ذلك الغير ووضعه عند الحس فاشتغل الحس به وتبعه الخيال عليه وأقبلت النفس الناطقة بالكلية على ذلك، فقويت التأثيرات النفسانية والتصرفات الروحانية، ويعضده الانقطاع عن المألوف والمشتهيات وتقليل الغذاء والاعتزال عن الناس، ثم إن كانت النفس مناسبة لهذا الأمر بحسب ماهيتها وخاصيتها عظم التأثير. وأما الرقى فإن كانت بألفاظ معلومة فالأمر فيها ظاهر لأن الغرض منها أن حسن البصر كما اشتغل بالأمور المناسبة للغرض، فحس السمع أيضاً يشتغل بها، فإن الحواس متى تطابقت متوجهة إلى الغرض الواحد كان توجه النفس إليه أقوى وإن كانت بألفاظ غير معلومة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة والدهشة، ويحصل لها إذ ذاك انجذاب وانقطاع عن المحسوسات وإقبال على ذلك الفعل، فيقوى التأثير النفساني فيحصل الغرض. وهكذا القول في الدخن قالوا: فثبت أن هذا القدر من القوة النفسانية مستقل بالتأثير فإن انظم إليه الاستعانة بالقسم الأول وهو تأثيرات الكواكب قوي الأثر جداً، لا سيما إن حصل لهذه النفس مدد من النفوس المفارقة المشابهة لها أو من الأنوار الفائضة من النفوس الفلكية. ومنها سحر من يستعين بالأرواح الأرضية وهو المسمى بالعزائم، وتسخير الجن ومنه التخييلات الآخذة بالعيون وتسمى الشعوذة. وذلك أن أغلاط البصر كثيرة، فإن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركاً، والقطرة النازلة ترى خطاً مستقيماً، والعنبة ترى في الماء كالزجاجة، ويرى العظيم من البعيد صغيراً. وقد لا تقف القوة الباصرة على المحسوس وقوفاً تاماً إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جداً فيخلط البعض بالبعض ولا يتميز، فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطاً كثيرة بألوان مختلفة ثم أديرت، فإن البصر يرى لوناً واحداً كأنه مركب من كل تلك الألوان. وأيضاً النفس إذا كانت مشغولة بشيء فربما حضر عند الحس شيء آخر، فلا يشعر الحس به ألبتة كما أن الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان ويتكلم معه فلا يعرفه ولا يفهم كلامه لما أن قلبه مشغول بشيء آخر، وكذا الناظر في المرآة ربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستوٍ أم لا، فلا يرى شيئاً مما في المرآة. فالمشعوذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استقر بهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه، عمل شيئاً آخر عملاً بسرعة فيبقى ذلك العمل خفياً لتعاون الشيئين اشتغالهم بالأول وسرعة إتيانه بالثاني. ومنها الأعمال العجيبة التي تظهر من الآلات المركبة على النسب الهندسية، أو لضروب الخيلاء كفارسين يقتتلان فيقتل احدهما الآخر، ومنه الصور التي يصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، وقد يصورونها ضاحكة أو باكية. وقد يفرق بين ضحك السرور وضحك الخجل، ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات وعلم جر الأثقال وهذا لا يعد من السحر عرفاً، لأن لها أسباباً معلومة يقينية. ومنها الاستعانة بخواص الأدوية والأحجار، ومنها تعليق القلب وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم وأن الجن ينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن كان السامع ضعيف القلب قليل التمييز اعتقد أنه حق وتعلق قلبه بذلك وحصل في قلبه نوع من الرعب، وحينئذ تضعف القوى الحساسة فيتمكن الساحر من أن يفعل فيه ما شاء. وإن من جرب الأمور وعرف أحوال الناس علم أن لتعليق القلب أثراً عظيماً في تنفيذ الأعمال وإخفاء الأسرار. ومنها السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفية لطيفة وذلك شائع في الناس. فهذه جملة الكلام في أقسام السحر، وعند المسلمين كلها مستندة إلى قدرة الله، فإنه لا يمنتع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة. واتفقوا على أن العلم به ليس بقبيح ولا محظور، لأن العلم لذاته شريف ولعموم قوله تعالى {أية : قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}تفسير : [الزمر: 9] ولأن الفرق بينه وبين المعجز يمكن به إلا أن اجتنابه أقرب إلى السلامة كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية. وأما أن الساحر هل يكفر أم لا فلا نزاع بين الأمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم وهي الخالقة لما فيه من الحوادث والخيرات والشرور، فإنه يكون كافراً على الإطلاق، وهذا هو القسم الأول من السحر. وأما النوع الثاني وهو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الإنسان في التصفية والقوة إلى حيث يقدر على إيجاد الأجسام وإعدامها وتغيير البنية والشكل، فالأظهر إجماع الأمة أيضاً على تفكيره، وأما أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في التصفية وقراءة الرقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله تعالى عقيب أفعاله على سبيل العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل، فالمعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك قالوا: لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه أن يعرف صدق الأنبياء والرسل، وزيف بأن الإنسان لو ادعى النبوة وكان كاذباً في دعواه فإنه لا يجوز من الله تعالى إظهار الخوارق على يده لئلا يحصل التلبيس، أما إذا لم يدع النبوة فظهرت الخوارق على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس، فإن المحق يتميز عن المبطل بما أن المحق تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة والمبطل لا تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة، وإن حصلت لم يتم فصوله الباطل كنار العرفج. وأما سائر أنواع السحر فلا شك أنها ليست بكفر، وحكم من كفر بالسحر حكم المرتد. وإذا سحر إنساناً فمات فإن قال: إني سحرته وسحري يقتل غالباً وجب عليه القود، وإن قال: سحرته وسحري قد يقتل وقد لا يقتل، فهو شبه عمد، وإن قال: سحرت غيره فوافق اسمه اسمه فخطأ. وعن أبي حنيفة أنه قال: يقتل الساحر إذا علم أنه ساحر ولا يستتاب ولا يقبل قوله "إني أترك السحر وأتوب منه" فإذا أقر أنه ساحر فقد حل دمه. وإن شهد شاهدان علي أنه ساحر أو وصفوه بصفة يعلم أنه ساحر قتل ولا يستتاب، وإن أقر بأني كنت أسحر مرة وقد تركت ذلك منذ زمان قبل منه ولم يقتل. وأما قصة هاروت وماروت فقد يروى عن ابن عباس أن الملائكة لما قالت {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} فأجابهم الله بقوله {أية : إني أعلم ما لا تعلمون} تفسير : [البقرة: 31] ثم وكل عليهم جمعاً من الملائكة وهم الكرام الكاتبون وكانوا يعرجون بأعمالهم الخبيثة، فعجبت الملائكة منهم ومن تبقية الله لهم مع ما ظهر منهم من القبائح. ثم أضافوا إليهما عمل السحر فازداد تعجب الملائكة، فأراد الله أن يبتلي الملائكة فقال لهم: اختاروا ملكين من أعظم الملائكة علماً وزهداً وديانة لأنزلهم إلى الأرض فأختبرهم. فاختاروا هاروت وماروت، وركب فيهما شهوة الإنس وأنزلهما ونهاهما عن الشرك والقتل والزنا والشرب. فنزلا، فأمر الله تعالى الكوكب المسمى بالزهرة والملك الموكل به فهبطا إلى الأرض، فجعلت الزهرة في صورة امرأة، والملك في صورة رجل. ثم إن الزهرة اتخذت منزلاً وزينت نفسها ودعتهما إليها، ونصب الملك نفسه في منزلها في مثال صنم فأقبلا عليها وطلبا الفاحشة فأبت عليهما إلا أن يشربا الخمر فقالا: لا نشرب الخمر. ثم غلبت الشهوة عليهما فشربا ثم دعواها إلى ذلك فقالت: بقيت خصلة لست أمكنكما من نفسي حتى تفعلاها. قالا: وما هي؟ قالت: تسجدان لهذا الصنم. فقالا: لا نشرك بالله شيئاً. ثم غلبت الشهوة عليهما فقالا: نفعل ثم نستغفر. فسجدا للصنم. ثم دخل سائل عليهم فقالت: إن أظهر هذا السائل للناس ما رأى منا فسد أمرنا، فإن أردتما الوصول إليّ فاقتلا هذا الرجل. فامتنعا منه، ثم اشتغلا بقتله. فلما فرغا من القتل ارتفعت الزهرة وملكها إلى موضعهما من السماء فعرفا حينئذ أنه إنما أصابهما بسبب تعيير بني آدم. وفي رواية أخرى أن الزهرة كانت فاجرة من أهل الأرض، وأنهما واقعاها بعد أن شربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للصنم وعلماها الاسم الأعظم الذي كانا يعرجان به إلى السماء، فتكلمت المرأة بذلك الاسم فعرجت إلى السماء فمسخها الله تعالى وصيرها هذا الكوكب ثم إن الله تعالى خيرهما بين عذاب الآخرة آجلاً وبين الدنيا عاجلاً، فاختارا عذاب الدنيا فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة وهما يعلمان الناس السحر ويدعوان إليه ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع ليعلم السحر خاصة. وهذه القصة عند المحققين غير مقبولة، فليس في كتاب الله ما يدل عليها، ولأن الدلائل الدالة على عصمة الملائكة تنافيها، ولاستبعاد كونهما معلمين للسحر حال العذاب، ولأن الفاجرة كيف يعقل أنها صعدت إلى السماء وجعلها الله تعالى كوكباً مضيئاً، ولأنه ذكر في القصة أن الله تعالى قال لهما لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا: لو فعلت بنا يا رب لما عصيناك وهذا منهم تكذيب الله وتجهيل. فإذن السبب في إنزالهما أن السحرة كثرت في ذلك الزمان واستنبطت أبواباً غريبة من السحر وكانوا يدعون النبوة، فبعث الله هذين الملكين ليعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكاذبين، ولا شك أن هذا من أحسن الأغراض والمقاصد. وأيضاً تعريف حقيقة السحر ليميز بينه وبين المعجزة حسن، وكذا السحر لإيقاع الفرقة بين أعداء الله والألفة بين أوليائه. ولعل للجن أنواعاً من السحر لا يقدر البشر على معارضتها إلا بإعانة الملك وإرشاده، ويجوز أن يكون ذلك تشديداً في التكليف من حيث إنه إذا علمه ما أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة ثم يمنعه من استعماله، كان ذلك في نهاية المشقة فيستوجب مزيد الثواب كما ابتلي قوم طالوت بالنهر {أية : فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني} تفسير : [البقرة: 249] ويقال: هذه الواقعة كانت في زمان إدريس لأنهما إذا كانا ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض، فلا بد من رسول في وقتهما ليكون ذلك معجزة له، ولا يجوز كونهما رسولين لأن رسول الإنس ثبت أنه لا يكون إلا منهم. قوله تعالى {وما يعلمان} أي وما يعلم الملكان أحداً حتى ينهياه وينصحاه ويقولا له {إنما نحن فتنة} ابتلاء واختبار من الله {فلا تكفر} بأن تتعلمه معتقداً له أنه حق أو متوصلاً به إلى شيء من المعاصي والأعراض العاجلة {فيتعلمون} الضمير لما دل عليه العموم في {من أحد} أي فيتعلم الناس من الملكين {ما يفرقون به بين المرء وزوجه} إما لأنه إذا اعتقد أن السحر حق كفر فبانت منه امرأته، وإما لأنه يفرّق بينهما بالتمويه والاحتيال كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز ابتلاء منه، لا أن السحر له أثر في نفسه بدليل قوله {وما هم بضارّين به من أحد إلا بإذن الله} بإدارته وقدرته، لأنه إن شاء أحدث عند ذلك شيئاً من أفعاله وإن شاء لم يحدث، وكان الذي يتعلمونه منهما لم يكن مقصوراً على هذه الصورة، ولكن سكون المرء وركونه إلى زوجه لما كان أشد خصت بالذكر ليدل بذلك على أن سائر الصور بتأثير السحر فيها أولى وقرأ الأعمش {وما هم بضارين به من أحد} فجعل الجارّ جزءاً من المجرور وهو "أحد" وأضاف إلى المجموع وفصل بينهما بالظرف. ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم لأنهم يستعملونه في وجوه المفاسد {ولقد علموا} علم هؤلاء اليهود اللام فيه للابتداء وكذا في {لمن اشتراه} استبدل ما تتلو الشياطين واختاره على كتاب الله {ما له في الآخرة من خلاق} من نصيب كأنه قدر له هذا المقدار، وقيل: الخلاق الخلاص. وقيل معنى الآية أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة، فلما استعمل السحر للدنيا فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا {ولبئسما شروا به أنفسهم} أي باعوها والمخصوص محذوف وهو السحر أو منافع الدنيا، وجواب "لو" محذوف يدل على ما قبله أي لو كانوا يعلمون لعلموا قبح ما شروا. ويجوز أن يكون "لو" للتمني مجازاً كما تقدم من الترجي في {لعلكم تتقون} وحينئذ لا يحتاج إلى الجواب. بقي ههنا سؤال وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولاً في قوله {ولقد علموا} على سبيل التوكيد بالقسم إجمالاً ثم نفاه عنهم في قوله {لو كانوا يعلمون}؟ فإن "لو" لامتناع الثاني لامتناع الأول، وكذا لو كان للتمني فإن التمني استدعاء أمر هو كالممتنع. والجواب أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، والذين لا يعلمون هم الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر. سلمنا أن القوم واحد، ولكنهم علموا شيئاً وجهلوا شيئاً آخر، علموا أنه لا خلاق لهم في الآخرة، وجهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة وما حصل لهم من مضارّها وعقوباتها، سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد، ولكنهم نسبوا إلى الجهل حيث لم يعملوا بعلمهم ولم ينتفعوا به كما قيل: إنهم صم بكم عمي حيث لم ينتفعوا بالحواس. ولما أوعدهم بقوله {ولقد علموا} أتبع ذلك الوعد جامعاً بين الترهيب والترغيب ليكون أدعى إلى الطاعة وأنهى عن المعصية فقال {ولو أنهم آمنوا} بعين ما نبذوه من كتاب الله وهو القرآن أو التوراة التي يصدقها القرآن أو كلاهما، واتقوا فعل المنهيات وترك المأمورات، أو اتقوا الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين {لمثوبة من عند الله} لشيء من ثوابه {خير} ولا بد من تقدير فعل يكون "أن" مع ما بعده فاعلاً له، أي لو ثبت أنهم آمنوا، وجواب "لو" محذوف أيضاً ويدل عليه هذه الجملة الاسمية المصدرة باللام أي لأثيبوا وإنما تركت الفعلية إلى هذه ليدل على ثبات المثوبة واستقرارها. ويجوز أن يكون القسم مقدراً وقوله {لمثوبة} جوابه ساداً مسد جواب الشرط مغنياً عنه، ودخول اللام الموطئة في الشرط غير واجب في القسم المقدر وإن كان هو الأكثر، على أن دخول اللام الموطئة "لو" مستثقل فيشبه أن يكون الأكثر بل الواجب ههنا عدم الدخول. ويجوز أن يكون "لو" للتمني مجازاً عن إرادة الله إيمانهم كأنه قيل: وليتهم آمنوا. ثم ابتدئ {لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون} أن ثواب الله خير مما هم فيه لآمنوا واتقوا، وقد علموا لكنه جهلهم لترك العلم بالعلم. ويجوز أن يكون "لو" بمعنى التمني كما تقرر والله تعالى أعلم. التأويل: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} النفوس {على ملك سليمان} الروح الذي هو خليفة الله في أرضه {وما كفر سليمان} الروح {ولكن الشياطين} النفس والهوى {كفروا يعلمون الناس السحر} من تخييلات الهواجس وتمويهات الوساوس {وما أنزل على الملكين} فتنة وخذلاناً من العلوم الضارة غير النافعة كشبهات الفلاسفة والمبتدعة على ملكي الروح والقلب {ببابل} الجسد {هاروت} الروح {وماروت} القلب فإنهما من العالم العلوي الروحاني أهبطا إلى الأرض العالم الجسماني بالخلافة لإقامة الحق وإزهاق الباطل فافتتنا بزهرة الحياة الدنيا واتبعا خداعها فوقعا في شبكة الشهوة التي تركت فيها ابتلاء وامتحاناً، وشربا خمر الحرص والغفلة التي تخامر العقل، وزنيا ببغي الدنيا الدنية، وعبدا صنم الهوى فعذبا منكسين برؤوسهما بالالتفات إلى السفليات وإعراضهما عن العلويات، فحرما استماع خطاب الحق وكشف حقائق العلوم النافعة الموجبة للجمعية، ومع هذا من خصوصية الملائكة الروحانية ما يعلمان أحداً من الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية. والقوى البشرية حتى يلهماها {إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء} القلب {وزوجه} دينه.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ}: هذه الجملة معطوفة على مجموع الجملة السابقة من قوله: "ولما جاءهم" إلى آخرها. وقال أبو البقاء: إنها معطوفة على "أشربوا" أو على "نبذ فريق"، وهذا ليس بظاهر؛ لأن عطفها على "نبذ" يقتضي كونها جواباً لقوله تعالى: {أية : وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ} تفسير : [البقرة:101]. واتِّباعُهُم لما تتلو الشياطين ليس مترتباً على مجيء الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام ـ بل كان اتباعهم لذلك قبله، فالأولى أن تكون معطوفة على جملة "لما" كما تقدم، و "ما" موصولة، وعائدها محذوف، والتقدير: تتلوه. وقيل: "ما" نافية، وهو غلط فاحش لا يقتضيه نظم الكلام، [ذكره] ابن العربي. و "يتلو" في معنى "تلت" فهو مضارع واقع موقع الماضي؛ كقوله: [الكامل] شعر : 692ـ وَإِذَا مَرَرْتَ بِقَبْرِهِ فَاعْقِرْ بِهِ كُومَ الهِجَانِ وَكُلَّ طَرْفٍ سَابِحِ وانْضَحْ جَوَانِبَ قَبْرهِ بِدِمَائِهَا فَلَقَدْ يَكُونُ أَخَا دَمٍ وَذَبَائِحِ تفسير : أي: فلقد كان. وقال الكوفيون: الأصل: وما كانت تتلو الشياطين، ولا يريدون بذلك أن صلة "ما" محذوفة، وهي "كانت" و "تتلو" في موضع الخبر، وإنما قصدوا تفسير المعنى، وهو نظير: "كان زيد يقوم" المعنى على الإخبار، وبقيامه في الزمن الماضي، وقرأ الحسن والضحاك "الشياطون" إجراء له مجرى جمع السَّلامة، قالوا: وهو غلط. وقال بعضهم: لحن فاحش. وحكى الأصمعي "بُسْتَانُ فُلاَنٍ حَوْلَهُ بساتون" وهو يقوي قراءة الحسن. قوله تعالى: {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} فيه قولان: أحدهما: أنه على معنى "في"، أي: في زمن ملكه، والمُلْكُ هنا شَرْعه. والثاني: أن يضمن تتلو معنى تَتقوَّل أي: تتقول على ملك سليمان، وتَقَوَّل يتعدى بعلى، قال تعالى: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ}تفسير : [الحاقة:44]. وهذا الثاني أولى، فإن التجوّز في الأفعال أولى من التجوّز في الحروف، وهو مذهب البصْريين ـ كما تقدم ـ وإنما أحْوَجَ إلى هذين التأويلين؛ لأن تلا إذا تعدَّى بـ "على" كان المجرور بـ "على" شيئاً يصحّ أن يتلى عليه نحو: تلوت على زيد القرآن، والملك ليس كذلك. قال أبو مسلم: "تتلو" أي: تكذب على ملك سليمان يقال: تلا عليه: إذا كذب وتلا عنه إذا صدق. وإذا أبهم جاز الأمران. قال ابن الخطيب: أي يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان مما يتلى ويقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف، والتلاوة: الاتباع أو القراءة وهو قريب منه. قال أبو العباس المقرىء: و "على" ترد على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى "في" كهذه الآية. وبمعنى "اللام"، قال تعالى {أية : ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ}تفسير : [الأنعام:154] أي: للذي. وبمعنى "من"، قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ}تفسير : [المطففين:2] أي: من الناس يستوفون. و"سليمان" علم أعجمي، فلذلك لم ينصرف. وقال أبو البقاء رحمه الله تعالى: "وفيه ثلاثة أسباب: العُجْمة والتَّعريف والألف والنون"، وهذا إنما يثبت بعد دخول الاشتقاق فيه، والتصريف حتى تعرف زيادتها، وقد تقدَّم أنهما لا يَدْخُلان في الأسماء الأعجميّة، وكرر قوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} بذكره ظاهراً؛ تفْخِيماً له، وتعظيماً؛ كقوله: [الخفيف] شعر : 693ـ لا أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ .................... تفسير : وقد تقدم تحقيق ذلك. فصل في المراد بقوله تعالى: "واتبعوا" المراد بقوله: "وَاتَّبَعُوا" هم اليهود. فقيل: هم الذين كانوا في زمن محمد عليه الصلاة والسلام. وقيل: هم الذين كانوا في زمن سليمان صلى الله عليه وسلم من السَّحَرة؛ لأن أكثر اليهود ينكرون نبوّة سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ ويعدونه من جُمْلة الملوك في الدنيا، وهؤلاء ربما اعتقدوا فيه أنه إنما وجد الملك العظيم بسبب السحر. وقيل: إنه يتناول الكل وهو أولى. قال السّدي: لما جاءهم محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والفرقان، فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب "آصف" وسِحْر "هاروت وماروت" فلم يوافق القرآن، فهذا هو قوله تعالى: {وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ كِتَابَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَٰنَ} أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السّحر. واختلفوا في المراد من الشياطين. فقال المتكلمون من المعتزلة: هم شياطينُ الإنس، وهم المتمرِّدون في الضلال؛ كقول جرير: [البسيط] شعر : 694ـ أَيَّامَ يَدْعُونَنِي الشَّيْطَانُ مِنْ غَزَلِي وَكُنَّ يَهْوَيْنَنِي إِذْ كُنْتُ شَيْطَانَا تفسير : وقيل: هم شياطين الإنس والجن. قال السدي: إن الشياطين كانوا يسترقون السَّمع، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلقونها إلى الكَهَنَةِ، وقد دوّنوها في كتب يقرءونها ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقالوا: إن الجنّ تعلم الغيب، وكانوا يقولون: هذا علم سليمان، وما تم له ملكه إلاَّ بهذا العلم، سخّر الجن والإنس [والطير] والريح التي تجري بأمره. وأما القائلون بأنهم شياطين الإنس فقالوا: روي أن سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصّه الله ـ تعالى ـ بها تحت سرير ملكه حرصاً على أنه إن هلك الظَّاهر منها يبقى ذلك المدفون، فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السِّحْر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه، ثم بعد موته واطّلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان، وأنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلاّ بسبب هذه الأشياء. فصل في الباعث على نسبتهم السحر لسليمان إنما أضافوا السِّحْر إلى سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ لوجوه: أحدها: أضافوه تفخيماً لشأنه، وتعظيماً لأمره، وترغيباً للقوم في قبول ذلك منهم. وثانيها: أن اليهود كانوا يقولون: إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب السّحر. وثالثها: أنه ـ تعالى ـ لما سخر الجن لسليمان، فكان يخالطهم، ويستفيد منهم أسراراً عجيبة غلب على الظنون أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ استفاد السحر منهم فقوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} تنزيه له ـ عليه الصلاة والسلام ـ عن الكفر، وذلك يدلّ على أن القوم نسبوه إلى الكُفْرِ والسحر، فروي عن بعض أَحْبَار اليهود أنهم قالوا: ألا تعجبون من محمد ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ يزعم أن سليمان كان نبياً وما كان إلا ساحراً، فأنزل الله ـ تعالى ـ هذه الآية، وروي أن السَّحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان، فبرأه الله ـ تعالى ـ من ذلك، وبين أن الذي برأه الله منه لاصق بغيره، وهو قوله تعالى: "وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ". هذه الواو عاطفة جملة الاستدراك على ما قبلها. وقرأ ابن عامر، والكسائي وحمزة بتخفيف "لكن" ورفع ما بعدها، والباقون بالتشديد، والنصب وهو واضح. وأما القراءة الأولى، فتكون "لكن" مخففة من الثقيلة جيء بها لمجرّد الاستدراك، وإذا خففت لم تعمل عند الجمهور ونُقِل جواز ذلك عن يونس [والأخفش. وهل تكون عاطفة؟ الجمهور على أنها تكون عاطفة إذا لم يكن معها "الواو"، وكان ما بعدها مفرداً وذهب يونس] إلاَّ أنها لا تكون عاطفةً وهو قوي، فإنه لم يسمع في لسانهم: ما قام زيد لكن عمرو، وإن وجد ذلك في كتب النحاة فمن تمثيلاتهم، ولذلك لم يمثل بها سيبويه ـ رحمه الله ـ إلا مع الواو وهذا يدل على نفيه. وأما إذا وقعت بعدها الجمل فتارة تقترن بالواو، وتارة لا تقترن. قال زهير: [البسيط] شعر : 695ـ إنَّ ابْنَ وَرْقَاءَ لاَ تُخْشَى بَوَادِرُهُ لَكِنْ وَقَائِعُهُ في الحَرْبِ تُنتَظَرُ تفسير : وقال الكسائي والفراء: الاختيار تشديدها إذا كان قبلها "واو" وتخفيفها إذا لم يكن، وهذا جنوح منهما إلى القول بكونها حرف عَطْف، وأبعد من زعم أنها مركّبة من ثلاث كلمات: لا النافية، وكاف الخطاب، وإن التي للإثبات، وإنما حذفت الهمزة تخفيفاً. قوله: {يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ} "الناس" مفعول أول، و "السِّحْر" مفعول ثان، واختلفوا في هذه الجملة على خمسة أقوال: أحدها: أنها حال من فاعل "كفروا" أي مُعَلِّمين. الثاني: أنها حال من الشياطين، وردّه أبو البقاء ـ رحمه الله تعالى ـ بأن "لكن" لا تعمل في الحال، وليس بشيء فإن "لكن" فيها رائحة الفعل. الثالث: أنها في محلّ رفع على أنها خبر ثان للشياطين. الرابع: أنها بَدَلٌ من "كفروا" أبدل الفعل من الفعل. الخامس: أنها استئنافية، أَخْبر عنهم بذلك، وهذا إذا أعدنا الضمير من "يعملون" على الشَّيَاطين. أما إذا أعدناه على "الذين اتَّبَعُوا ما تتلوا الشَّياطين" فتكون حالاً من فاعل "اتبعوا"، أو استئنافية فقط. والسِّحْر: كلّ ما لَطف ودَقَّ سِحْرُهُ، إذا أَبْدَى له أمراً يدقُّ عليه ويخفى. قال: [الطويل] شعر : 696ـ................ أَدَاءٌ عَرَانِي مِنْ حُبَابِكِ أمْ سِحْرُ تفسير : ويقال: سَحَرَهُ: أي خَدَعَهُ وعلَّله؛ قال امرؤ القيس: [الوافر] شعر : 697ـ أَرَانَا مُوضِعِينَ لأَمْرٍ غَيْبٍ ونُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وبِالشَّرَابِ تفسير : أي: نُعَلَّلُ، وهو في الأصل: مصدر يقال: سَحَرَهُ سِحْراً، ولم يجىء مصدر لـ "فَعَلَ" يَفْعَلُ على فِعْلٍ إلا سِحْراً وَفِعْلاً. والسَّحر بالنصب هو الغذاء لخفائه ولطف مَجَاريه، والسّحر هو الرئة وما تعلق بالحُلْقُوم [ومنه قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري] وهذا أيضاً يرجع إلى معنى الخفاء. ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلْمُسَحَّرِينَ}تفسير : [الشعراء:153] يعني من المخلوقين الذي يطعم ويشرب بدليل قولهم: {أية : مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا}تفسير : [الشعراء:154]، ويحتمل أنه ذو سحر مثلنا. وقال تعالى: {أية : فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ}تفسير : [الأعراف:116]. وقال تعالى: {أية : وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ}تفسير : [طه:69]، والسّحر في عرف الشرع مختصّ بكل أمر يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التَّمويه والخداع، وهو عند الإطلاق يذم فاعله، ويستعمل مقيداً فيما يمدح وينفع، فقال رسول الله صلى الله عليه "حديث : إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً ". تفسير : فسمى النبي صلى الله عليه وسلم بعض البيان سحراً؛ لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل، ويكشف عن حقيقته بحسن بيانه، وبليغ عبارته، فعلى [هذا] يكون قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً"تفسير : خرج مخرج المدح. وقال جماعة من أهل العلم: خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة، إذ شبهها بالسّحر يدلّ عليه قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ". تفسير : وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : إنَّ أَبْغَضَكُمْ إلَيَّ الثَّرْثَارُونَ المُتَفَيْهِقُونَ ". تفسير : [الثرثرة: كثرة الكلام وتردده، يقال: ثرثر الرجل فهو ثَرْثار مِهْذَار والمتفيهق نحوه] قال ابن دريد: فلان يتفيهق في كلامه إذا توسّع وتنطّع، قال: "وأصله الفَهْقُ، وهو الامتلاء كأنه ملأ به فمه". قال القرطبي رحمه الله تعالى: وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسره عامر الشعبي راوي الحديث وصعصعة بن صوحان، فقالا: أما قوله صلى لله عليه وسلم: "حديث : إنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً"تفسير : ، فالرجل عليه الحق وهو ألحن بالحُجَج من صاحب الحقّ [فيسحر] القوم ببيانه، فيذهب بالحق، وهو عليه، وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسان ما لم تخرج إلى حدّ الإسهاب والإطناب، وتصوير الباطل في صورة الحق. فإن قيل: كيف يجوز أن يسمى ما يوضح إظهار الحقّ سِحْراً، وهو إنما قصد إظهار الخفي لا إخفاء الظاهر، ولفظ السحر إنما يفيد الظاهر؟ فالجواب: إنما سمي السّحر سحراً لوجهين: الأول: أن ذلك القَدْر لِلُطْفه وحسنه استمال القلوب، فأشبه السّحر الذي يستميل القلوب من هذا الوجه. الثاني: أنَّ القادر على البيان يكون قادراً على تحسين ما يكون قبيحاً، وتقبيح ما يكون حسناً فأشبه السحر من هذا الوجه. فصل في ماهية السحر قال بعض العلماء: إن السِّحر تخيُّل لا حقيقة له، لقوله تعالى: {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}تفسير : [طه:66]. وقيل: إنه حقيقة؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سحره لبيد بن الأعصم فإن السحر أخرج من بئر، وحلت عقوده، وكلما انحلت عقدة خفَّ عنه عليه السلام إلى أن سار كما نشط من عقال. وذهب ابن عمر إلى "خيبر" ليخرص ثمرها فسحره بعض اليهود فانكشفت يده، فأجلاهم عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ وجاءت امرأة لعائشة ـ رضي الله عنها ـ فقالت: يا أم المؤمنين ما على المرأة إذا عقلت بعيرها، فقالت عائشة: ليس عليها شيء، فقالت: إني عقلت زوجي عن النساء، فقالت عائشة: أخرجوا عني هذه الساحرة. وأجابوا عن الآية بأنها لا تمنع بأنَّ من السحر ما هو تخيّل، وغير تخيل. فإن قيل: إن الله ـ تعالى ـ قال في حقّه عليه السَّلام: {أية : واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} تفسير : [المائدة:67] فكيف أثر فيه السحرُ؟ فالجواب أن قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [المائدة:67] المراد به عصمة القلب والإيمان لا عصمة الجسد عما يرد عليه من الأمور الحادثة الدنيوية، فإنه ـ عليه السلام ـ قد سحر وكسرت رباعيته، ورُمي عليه الكرش والثرب، وآذاه جماعة من قريش. قال ابن الخطيب: السِّحر على أقسام: الأول: سحر الكلدانيين الذين كانوا في قديم الدهر يعبدون الكواكب، ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها يصدر الخير والشر والفرح والسرور والسعادة والنحوسة، وهم الذين بعث الله ـ تعالى ـ إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ مبطلاً لمقالتهم ورادًّا عليهم وهم ثلاث فرق: الأولى: الذين زعموا أن الأفلاك والكواكب واجبة في ذواتها، وأنه لا حاجة بها إلى موجد ومدبر وخالق، وهي المدبّرة لعالم الكون والفساد، وهم الصَّابئة الدهرية. والفريق الثاني: القائلون بإلاهية الأفلاك، وقالوا: إنها هي المؤثّرة للحوادث باستدارتها وتحرّكها، فعبدوها وعظّموها، واتخذوا لكل واحد منهما هيكلاً مخصوصاً وصنماً معيناً، واشتغلوا بخدمتها، فهذا دين عبدة الأصنام والأوثان. والفريق الثالث: الذين أثبتوا لهذه الأفلاك والنُّجوم فاعلاً مختاراً خلقها وأوجدها بعد العدم إلاَّ أنهم قالوا: إن الله ـ تعالى عز وجلّ ـ أعطاهم قوة عالية نافذة في هذا العالم، وفوض تدبير هذا العالم إليها. النوع الثاني: سحر أصحاب الأَوْهَام، والنفوس القوية. النوع الثالث: الاستعانة بالأرواح الأرضية. واعلم أن القول بالجنّ مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة. أما أكابر الفلاسفة فإنهم لم ينكروا القول به إلا أنهم سمّوها بالأرواح الأرضية، وهي في أنفسها مختلفة منها خيرة، ومنها شريرة، فالخيرة هم مؤمنو الجن، والشريرة هم كفار الجن وشياطينهم. النوع الرابع: التخيُّلات والأخذ بالعيون، وذلك أن أغلاط البَصَرِ كثيرة، فإن راكب السَّفينة ينظر السفينة واقفة والشَّط متحركاً، وذلك يدلّ على أن السَّاكن متحرك والمتحرك يُرَى ساكناً، والقطرة النازلة ترى خطّاً مستقيماً، والذّبالة التى تدار بسرعة ترى دائرة، والعنبة ترى فى الماء كبيرة كالأجَّاصَة، والشخص الصغير يرى فى الضَّباب عظيماً. النوع الخامس: الأعمال العجيبة التى تظهر من تركيب الآلات على النُّصُب الهندسية مثل صورة فارس على فرس في يده بُوق، فإذا مضت ساعة من النهار صوت بالبوق من غير أن يمسه أحد، ومثل تصاوير الروم على اختلاف أحوال الصور من كونها ضاحكة وباكية، حتى يفرق فيها بين ضحك السرور، وضحك الخَجلِ، وضحك الشَّامت، وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب، ومن هذا الباب تركيب صندوق السَّاعات، ويندرج فى هذا الباب علم جَرَّ الأثقال وهو أن يجر ثقلاً عظيماً بآلة خفيفة سهلة، وهذا فى الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر؛ لأن لها أسباباً معلومة يقينية من اطّلع عليها قدر عليها. النوع السادس: الاستعانة بخواصّ الأدوية المبلّدة المزيلة للعقل والدّخن المسكرة. النوع السابع: تعليق القلب وهو أن يدعي السَّاحر أنه يعرف الاسم الأعظم، وأن الجن تطيعه، وينقادون له، فإذا كان السامع ضعيف العَقْل قليل التمييز اعتقد أنه حق، وتعلّق قلبه بذلك، وحصل فى نفسه نوع من الرُّعب والخوف، فحينئذ يُمكّن الساحر من أن يفعل به حينئذ ما شاء. فصل فى مذهب الشافعي فى السحر حكي عن الشافعي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: السحر يخيل ويمرض ويقتل وأوجب القصاص على من يقتل به فهو من عمل الشيطان يتلقَّاه الساحر منه بتعليمه إيَّاه، فإذا تلقاه منه استعمله فى غيره. وقيل: إنه يؤثر فى قَلْبِ الأعيان، والأصح أن ذلك تخييل. قال: تعالى: {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}تفسير : [طه:66]، لكنه يؤثر فى الأبدان بالأمراض والموت والجنون، وللكلام تأثير فى الطِّباع والنفوس، كما إذا سمع الإنسان ما يكره فيحمرّ [وربما يحمّ منه} ويغضب وقد مات قوم بكلام سمعوه فهو بمنزلة العلَل التي تؤثر فى الأبدان. فصل فى خرق الساحر للعادات قال القرطبى رحمه الله تعالى: قال علماؤنا: لا ينكر أن يظهر على يد السّاحر خَرْقُ العادات مما ليس في مقدور البشر من مرض وتفريق، وزوال عقل وتَعْويج عُضْو، إلى غير ذلك مما قام الدليل على استحالة كونه من مقدورات العباد. قالوا: ولا يبعد فى السِّحر أن يَسْتَدِقّ جسم السَّاحر حتى [يلج} فى الكُوَّات والانتصاب على رأس قَصَبَةٍ، والجري على خيط مستدق، والطيران فى الهواء، والمشي على الماء، وركوب كلب وغير ذلك. ولا يكون السحر علة لذلك، ولا موجباً له، وإنما [يخلق] الله ـ تعالى ـ هذه الأشياء، ويحدثها عند وجود السحر، كما يخلق الشبع عند الأكل، والرِّي عند شرب الماء [روى سفيان عن عمار الدهنى أن ساحراً كان عند الوليد بن عقبة يمشي على الحبل، ويدخل فى اسْت الحمار، ويخرج من فيه، فاستل جندب السيف فقلته. هذا هو جندب بن كعب الأسدي ويقال: البجلي وهو الذى قال فى حقه النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يكُونُ فى أُمَّتي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُنْدب يَضْرِبُ ضَرْبَةً بالسَّيْفِ يَفْرُقُ فيها بَيْنَ الحَقّ والبَاطِلِ"تفسير : فكانوا يرونه جندباً هذا قاتل السّاحر. قال علي بن المديني: وروى عنه حارثة من مُضَرِّب]. فصل في إمكان السحر واختلف المسلمون في إمكان السحر، فأما المعتزلة فقد أنكروه ـ أعنى: الأقسام الثلاثة الأولى ـ ولعلهم كَفّروا من قال بها وبوجودها. أما أهل السّنة فقد جَوّزوا أن يقدر الساحر على أن يطير فى الهواء، ويقلب الإنسان حماراً، والحمار إنساناً؛ إلاَّ أنهم قالوا: إن الله ـ تعالى ـ هو الخالق لهذه الأشياء عندما يقرأ الساحر كلماتٍ معينة، و يدل على ذلك قوله تعالى: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [البقرة:102]. وقد روي أنه عليه الصلاة والسلام سُحِرَ، وأن السحر عمل فيه حتى قال: "حديث : إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إلَيَّ أنِّي أقُولُ الشَّيْءَ وَأَفْعَلُهُ وَلَمْ أَفْعَلْهُ ". تفسير : وأن امرأة يهودية سحرته، وجعلت ذلك السحر تحت رَاعُونَةِ البئر، فلما استخرج ذلك زال عن النبى صلى الله عليه وسلم ذلك العارض، ونزلت المُعَوِّذَتَان بسببه. وروي أن امرأة أتت عائشة رضي الله عنها: فقالت لها: إني ساحرة فهل لي من توبة؟ فقالت عائشة: وما سحرك؟ فقالت: صرت إلى الموضع الذي فيه هاروت وماروت بـ"بابل" أطلب علم السحر، فقالا لي: يا أمة الله لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا فأبيت، فقالا لي: اذهبي فَبُولِي على ذلك الرماد، فذهبت لأبول عليه ففكرت في نفسي فقلت لا أفعله وجئت إليهما فقلت قد فعلت، فقالا لي ما رأيت لما فعلت؟ فقلت: ما رأيت شيئاً فقالا لي: أنت على رأس أمر، فاتقي الله ولا تفعلي فأبيت فقالا لي: اذهبي فافعلي فذهبت ففعلت، فرأيت كأن فارساً مقنّعاً بالحديد قد خرج من فرجي، فصعد إلى السماء فجئتهما فأخبرتهما فقالا: إيمانك قد خرج عنك، وقد أحسنت السحر. فقلت: وما هو؟ قالا: ما تريدين شيئاً فَتُصَوّريه فى وَهْمك إلا كان، فصورت في نفسي حباً من حِنْطة فإذا أنا بحبّ فقلت: انزرع فانزرع، فخرج من ساعته سُنْبُلاً فقلت: انطحن فانطحن من ساعته، فقلت: انخبز فانخبز، وأنا لا أريد شيئاً أصوره فى نفسي إلا حصل، فقالت عائشة: ليس لك توبة. فصل فى أنّ معجزات الله ليست من قبيل السّحر قال القرطبي رحمه الله تعالى: أجمع المسلمون على أنه ليس من السحر ما يفعل الله عند إنزال الجراد والقمل، والضفادع، وفلق البحر، وقلب العصا، وإحياء الموتى، وإنطاق العَجْمَاء وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام، والفرق بين السحر والمعجزة أن السحر يأتي به الساحر وغيره، وقد يكون جماعة يعرفونه، ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد، والمعجزة لا يمكن الله أحداً أن يأتي بمثلها. فصل في أن العلم بالسحر ليس بمحظور قال ابن الخطيب: اتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس قبيحاً ولا بمحظور؛ لأن العلم لذاته شريف وأيضاً لقوله تعالى: {حديث : هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الزمر:9] ولأن الساحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المُعْجزة، والعلم بكون المعجز معجزاً واجب، [وما يتوقّف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجباً، وما يكون واجباً] كيف يكون حراماً وقبيحاً. [ونقل بعضهم وجوب نقله عن المفتي حتى يعلم ما يقتل فيه وما لا يقتل فيفتي به في وجوب القصاص]. فصل في أمور لا تكون من السرح ألبتة قد تقدم عن القرطبي قوله: أجمع المسلمون على أنه ليس فى السحر ما يفعل الله عند إنزال الجراد والقمل والضفادع وفلق البحر وقلب العصا وإحياء الموتى [وإنطاق العجماء]، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم السلام فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون، ولا يفعله الله عند إرادة الساحر. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: وإنما منعنا ذلك بالإجماع، ولولاه لأجزناه نقله القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ فى تفسيره، وأورد عليه قوله تعالى عن حبال سحرة فرعون وعصيهم: {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ}تفسير : [طه:66]، فأخبر عن إقلاب العِصِيّ والحبال بأنها حيّات. فصل فى أن الساحر كافر أم لا؟ اختلف العلماء فى الساحر هل يكفر أو لا؟ اعلم أنه لا نزاع في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبّرة لهذا العالم، وهي [الخالقة] لما فيه من الحوادث، فإنه يكون كافراً مطلقاً، وهو النوع الأول من السحر. وأما النوع الثاني: وهو أن يعتقد [أن الإنسان تبلغ روحه] فى التصفية والقوة إلى حيث يقدر بها على إيجاد الأجسام والحياة والقدرة وتغيير البِنْيَةِ والشكل، [فالظاهر] إجماع الأمة أيضاً على تكفيره. وإما النوع الثالث: وهو أن يعتقد السَّاحر أنه [بلغ] فى التصفية وقراءة الرّقى وتدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله ـ تعالى ـ عقيب أفعاله على سبيل خرق العادة الأجسام والحياة والعقل وتغيير البنية والشكل، فالمعتزلة كفروه وغيرهم لم يكفروه. فإن قيل: إن اليهود لما أضافوا السِّحر إلى سليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال الله تعالى تنزيهاً له عنه: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ} [البقرة:102] فظاهر الآية يقتضي أنهم كفروا لأجل أنهم إنما كانوا يعلمون السحر؛ لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وتعليم ما لا يكون كفراً لا يوجب الكفر، وهذا يقتضي أنّ السحر على الإطلاق كفر، وأيضاً قوله: "عَلَى المَلَكَيْنِ" {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} [البقرة:102]. قلنا: حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة، فيحمل على سحر من يعتقد إلاهية النجوم وأيضاً فلا نسلم أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلّية، بل المعنى أنهم كفروا، وهم مع ذلك يعلمون السحر. فصل فى سؤال الساحر حلّ السحر عن المسحور قال القرطبي رحمه الله تعالى: هل يسأل الساحر حل السحر عن المسحور؟ اختلفوا: فقال سعيد بن المسيّب: يجوز. ذكره "البخاري"، وإليه مال المزني، وكرهه الحسن البصري. وقال الشعبي: لا بأس بِالنُّشْرَةِ. قال ابن بَطّال: وفى كتاب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سِدْرٍ أخضر ويدقه بين حَجَرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ عليه آية الكرسي ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل به، فإنه يذهب عنه كلّ ما به إن شاء الله تعالى، وهو جيّد للرجل إذ حُبِسَ عن أهله. فصل في أن الساحر هل يقتل أم لا؟ هل يجب قتل الساحر أم لا. أما النوعان الأولان فلا شكّ في [قتل] معتقدهما. قال ابن الخطيب: يكون كالمرتد يُسْتَتَاب فإن أصر قتل. وروي عن مالك وأبي حنيفة ـ رضي الله عنهما ـ توبته. لنا أنه إن أسلم فيقبل إسلامه لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ ". تفسير : وأما النوع الثالث: فإن اعتقد أن إتيانه به مباح كفر؛ لأنه حكم على المحظور بكونه مباحاً، وإن اعتقد حرمته، فعند الشَّافعي ـ رضي الله عنه ـ حكمه حكم الجِنَاية، إن قال: إني سحرته وسحري يَقْتُلُ غالباً، يجب عليه القَوَدُ. وإن قال: سحرته وسحري قد يقتل وقد لا يقتل، فهو شبه عمد. وإن قال: سحرت غيره فوافق اسمه فهو خطأ يجب عليه الدِّيَةُ مخففة في ماله؛ لأنه ثبت بإقراره إلاّ أن تصدقه العاقلة، فحينئذ يجب عليهم. هذا تفصيل مذهب الشافعي رضي الله عنه. وروى الحسن بن زياد عن أبى حنيفة ـ رحمه الله ـ أنه قال يقتل السَّاحر إذا علم أنه ساحر، ولا يستتاب ولا يقبل قوله: إني أترك السحر وأتوب منه، فإذا أقر أنه ساحر فقد حلّ دمه، وإن شهد شاهدان على أنه ساحر أو وصفوه بصفة يعلم أنه ساحر قتل ولا يُسْتَتَاب، وإن أقر بأني كنت أسحر مرة، وقد تركت ذلك منذ زمان قبل منه، ولم يقتل. وحكى محمد بن شجاع عن علي الرازي قال: سألت أبا يوسف عن قول أبي حنيفة فى السَّاحر: يقتل ولا يُسْتَتَاب لم يكن ذلك بمنزلة المرتد، فقال الساحر جمع مع كفره السعي فى الأرض بالفساد، ومن كان كذلك إذا قَتَل قُتل. واحتج أصحاب الشافعي بأنه لما ثبت أن هذا النوع ليس بكفر، فهو فسق، فإن لم يكن جناية على حق الغير كان فيه التفضيل المتقدم. وأيضاً فإن ساحر اليهود لا يقتل؛ لأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ سحره رجل من اليهود يقال له: لبيد من أعصم، وامرأة من يهود "خيبر" يقال لها: زينب فلم يقتلهما، فوجب أن يكون المؤمن كذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى المُسْلِمِينَ ". تفسير : واحتج أبو حنيفة بما روى نافع عن ابن عمر ـ رضى الله عنه ـ أن جارية لحفصة سحرتها، وأخذوها فاعترفت بذلك فأمرت عبد الرحمن بن زيد، فقتلها فبلغ ذلك عثمان، فأنكره فأتاه ابن عمر وأخبره أمرها فكأن عثمان إنما أنكر ذلك، لأنها قتلت بغير إذن، وبما روى عمرو بن دينار أن عمر ـ رضي الله عنه ـ قال: "اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلنا ثلاث سَوَاحر". والجواب: لعل السحرة الذين قتلوا كانوا من الكفرة، فإن حكاية الحال تكفي في صدقها صورة واحدة، وأما بقية [أنواع] السحر من الشَّعْوذة، والآلات العجيبة المبينة، على النسب الهندسية، وأنواع التخويف، والتقريع والوهم، فكل ذلك ليس بكفر، ولا يوجب القتل. قوله: "وَمَا أُنزِلَ" فيه أربعة أقوال: أظهرها: أن "ما" موصولة بمعنى "الذي" محلّها النصب عطفاً على "السحر"، والتقدير: يعلّمون الناس السحر، والمنزل على الملكين. الثاني: أنها موصولة أيضاً، ومحلها النصب لكن عطفاً على {مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ}، والتقدير: واتبعوا ما تتلو الشياطين، وما أنزل على الملكين. وعلى هذا فما بينهما اعتراض، ولا حاجة إلى القول بأن في الكلام تقديماً وتأخيراً. الثالث: أن "ما" حرف نفي، والجملة معطوفة على الجملة المنفية قَبْلَها، وهي {وما كفر سُلَيْمان} والمعنى: وما أنزل على الملكين إباحة السحر. قال القرطبي: و "ما" نافية، والواو للعطف على قوله: [{وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَٰنُ}، وذلك أن اليهود قالوا: إن الله أنزل جبريل، وميكائيل بالسحر، فنفى الله ذلك. وفي الكلام تقديم وتأخير والتقدير: وما كفر سليمان]، وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السِّحر ببابل هَارُوت وماروت، فهاروت وماروت بدل من الشَّيَاطين فى قوله: {وَلَكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُوا} قال: وهذا أولى ولا يلتفت إلى سواه، فالسحر استخراج الشياطين للطافة جوهرهم، وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء، وخاصة فى حالة طَمْثهن؛ قال الله تعالى: {أية : وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ}تفسير : [الفلق:4]. فإن قيل: كيف يكون اثنان بدلاً من الجميع والبدل إنما يكون على حد المبدل منه؟ فالجواب من وجوه ثلاثة: الأول: أن الاثنين قد يطلق عليهما اسم الجمع؛ كما قال تعالى: {أية : فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ}تفسير : [النساء:11]. الثاني: أنهما لما كانا الرأس في التعليم نصّ عليهما دون أتباعهما كقوله تعالى: {أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}تفسير : [المدثر:30]. الثالث: إما خُصَّا بالذكر من بينهم لتمرّدهما، كتخصيصه ـ تعالى ـ النخل [والرمان] فى قوله: {أية : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}تفسير : [الرحمن؛68] فقد ينص على بعض أشخاص العموم إما لشرفه؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ}تفسير : [آل عمران:68] وإما لطيبه كقوله: {أية : فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} تفسير : [الرحمن:68] وإما لأكثريته؛ كقوله صلى الله عليه سلم: "حديث : جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَتُرَابُهَا طَهُوراً"تفسير : وإما لتمردهم كهذه الآية. الرابع: أن محلّها الجر عطفاً على "ملك سليمان"، والتقدير: افتراء على ملك سليمان وافتراء على ما أنزل على الملكين، وهو اختيار أبي مسلم. وقال أبو البقاء: "تقديره" وعلى عهد الّذي أنزل. واحتج أبو مسلم: بأن السحر لو كان نازلاً عليهما لكان مُنْزله هو الله تعالى، وذلك غير جائز، كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السِّحر، كذلك في الملائكة بطريق الأولى. وأيضاً فإن تعليم السحر كفر بقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ}. وأيضاً فإنما يضاف السحر إلى الكفرة والمردة، فكيف يضاف إلى الله ـ تعالى ـ ما ينهى عنه؟ والمعنى: أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرأ عنه، فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر، مع أن المنزل عليهما كانا مبرّأين عن السحر؛ لأن المنزل عليهما هو الشرع والدين، وكانا يعلمان الناس ذلك مع قولهما: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} توكيداً لبعثهم على [قبوله] والتمسّك به، فكانت طائفة تتمسّك، وأخرى تخالف. قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى: والأول أولى؛ لأن عطف "وَمَا أُنزِلَ" على ما يليه أولى من عطفه على ما بعد عنه إلا لدليل، أما قوله: "لو كان منزلاً عليهما لكان مُنَزِّلهُ هو الله تعالى". قلنا: تعريف صفة الشيء قد يكون لأجل الترغيب فى إدخاله في الوجود، وقد يكون لأجل أن يقع الاحتراز عنه؛ قال: [الهزج] شعر : 698ـ عَرَفْتُ الشَّرَّ لا لِلشَّرْ رِ لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ تفسير : وقوله: لا يجوز بعثة الأنبياء [لتعليم السحر، فكذا الملائكة]. قلنا: الغرض من ذلك التعليم التَّنبيه على إبطاله. وقوله: "تعليم السِّحْر كفر". قلنا: إنه واقعة حال فيكفي في صدقها سورة واحدة. وقوله: يضاف السحر للكفرة والمردة. قلنا: فرق بين العمل والتعليم، فيجوز أن يكون العمل منبهاً عنه، والتعليم لغرض التنبيه على فساده فلا يكون مأموراً به. والجمهور على فتح لام "المَلَكين" على أنهما من الملائكة. وقرأ ابن عباس وأبو الأسود والحسن والضحاك بكسرها على أنهما رجلان من الناس، وسيأتي تقريره. قوله: "بِبَابِلَ" متعلق بـ "أنزل"، والباء بمعنى "في" أي: في "بابل". ويجوز أن يكون فى محلّ نصب على الحال من المَلَكين، أو من الضمير في "أنزل" فيتعلق بمحذوف. ذكر هذين الوجهين أبو البقاء رحمه الله. و "بابل" لا ينصرف للعُجْمة والعلمية، فإنها اسم أرض، وإن شئت للتأنيث والعلمية وسميت بذلك قيل: لِتَبَلْبُلِ ألسنة الخلائق بها، وذلك أن الله ـ تعالى ـ أمر ريحاً، فحشرتهم بهذه الأرض، فلم يدر أحد ما يقول الآخر، ثم فرقتهم الريح في البلاد فتكلم كل واحد بلغة، والبَلْبَلَة التفرقة. وقيل: لما أُهْبِط نوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ نزل فبنى قرية، وسماها "ثمانين"، فأصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة. وقيل: لتبلبل ألسنة الخلق عند سقوط صرح نمرود. وهي بابل "العراق". وقال ابن مسعود: "بابل" أرض "الكوفة". وقيل: "جبل نهاوَند". قوله: "هَارُوتَ وَمَارُوتَ" الجمهور على فتح تائها. واختلف النحاة في إعرابها، وذلك مبني على القراءتين في "الملكين"، فمن فتح لام "الملكين"، وهم الجمهور كان في هاروت وماروت أربعة أوجه: أظهرها: أنها بدل من "الملكين"، وجُرَّا بالفتحة لأنهما ينصرفان للعجمة والعلمية. الثاني: أنهما عطف بيان لهما. الثالث: أنهما بدل من "الناس" في قوله تعالى: {يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ} وهو بدل بعض من كل، أو لأن أقل الجمع اثنان. الرابع: أنهما بدل من "الشياطين" في قوله: {ولكن الشياطين كفروا} في قراءة من نصب، وتوجيه البدل كما تقدم. وقيل: هاروت وماروت اسمان لقبيلتين من الجن، فيكون بدل كل من كل، والفتحة على هذين القولين للنصب. وأما من قرأ برفع "الشياطين"، فلا يكون "هاروت وماروت" بدلاً منهم، بل يكون منصوباً في هذا القول على الذم أي: أذم هاروت وماروت من بين الشياطين كلها؛ كقوله: [الطويل] شعر : 699ـ أقَارعُ عَوْفٍ لا أُحَاوِلُ غَيْرَهَا وُجُوهَ قُرُودٍ تَبْتَغِي مَنْ تُجَادِعُ تفسير : أي: أذم وجوه قرود، ومن كسر لامهما، فيكون بدلاً منهما كالقول الأول إلاَّ إذا فسر الملكان بداود وسليمان ـ عليهما الصلاة والسلام ـ كما ذكره بعض المفسرين، فلا يكونان بدلاً منهما، بل يكونان متعلّقين بالشياطين على الوجهين السَّابقين في رفع الشياطين ونصبه، أو يكونان بدلاً من "النّاس" كما تقدم. وقرأ الحسن "هَارُوتُ وماروتُ" برفعهما، وهما خبر لمبتدأ محذوف أي: هما هاروت وماروت، ويجوز أن يكون بدلاً من "الشياطين" الأولى وهو قوله: {ما تَتْلُوا الشياطين}، أو الثاني على قراءة من رفعه. ويُجْمَعَان على هَوَاريت ومَوَاريت، وهَوَارتة ومَوَارتة، وليس من زعم اشتقاقهما من الهَرْتِ والمَرْتِ وهو الكسر بمصيب لعدم انصرافهما، ولو كانا مشتقّين كما ذكر لانصرفا. فصل في توجيه قراءة فتح اللام أما القراءة بفتح لام "الملكين"، فقيل: هما ملكان من السماء اسمهما هاروت وماروت. وقيل: هما جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسلام. وقيل غيرهما. وأما من كسر اللام فقيل: إنهما اسم لقبيلتين من الجن. وقيل: هما داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام. وقيل: هما رجلان صالحان. وقيل: كانا رجلين ساحرين. وقيل: كانا علجين أقنعين بـ "بابل" يعلمان الناس السحر. قوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} هذه الجملة عطف على ما قبلها، والجمهور على "يُعَلِّمَان" مضعفاً. واختلف فيه على قولين: أحدهما: أنه على بابه من التعليم. والثاني: أنه بمعنى يعلمان من "أعلم"، فالتضعيف والهمزة متعاقبان. قالوا: لأن المَلَكين لا يعلمان الناس السحر، إنما يُعْلِمانِهِمْ به، ويَنْهَيَانِهِم عنه، وإليه ذهب طحلة بن مصرف، وكان يقرأ "يُعْلِمَان" من الأعلام. ومن حكى أن تَعَلَّمْ بمعنى "اعْلَم" ابنُ الأعرابي، وابن الأنباريِّ؛ وأنشدوا قول زُهَيْر: [البسيط] شعر : 700ـ تَعَلَّمَنْ ها ـ لَعَمْرُ اللهِ ـ ذا قَسَماً فَاقْدِرْ بِذَرْعِكَ وَانْظُرْ أَيْنَ تَنْسَلِكُ؟ تفسير : وقول القُطَامِيُّ: [الوافر] شعر : 701ـ تَعَلَّمْ أَنَّ بَِعْدَ الْغَيِّ رُشْداً وَأَنَّ لِذَلِكَ الغَيِّ انْقِشَاعَا تفسير : وقول كعب بن مالك: [الطويل] شعر : 702ـ تَعَلَّمْ رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ مُدْرِكِي وَأَنَّ وَعِيداً مِنْكَ كَالأَخْذِ بِالْيَدِ تفسير : وقول الآخر: [الوافر] شعر : 703ـ تَعَلَّمْ أَنَّهُ لاَ طَيْرَ إِلاَّ عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثُّبُورُ تفسير : والضمير في "يعلمان" فيه قولان: أحدهما: أنه يعود على هاروت وماروت. والثاني: أنه عائد على [الملكين، ويؤيده قراءة أُبَيّ بإظهار الفاعل: "وَمَا يُعَلِّم الملكان". والأول هو الأصح؛ لأن الاعتماد إنما هو على البدل] دون المبدل منه، فإنه في حكم المطَّرح، فمراعاته أولى؛ تقول: "هِنْدٌ حُسْنُهَا فَاتِنٌ" ولا تقول: "فَاتِنَةٌ" مراعاة لِهِنْد، إلاّ في قليل من الكلام؛ كقوله: [الكامل] شعر : 704ـ إنَّ السُّيُوفَ غُدُوَّهَا ورَواحَهَا تَرَكَتْ هَوَازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الأَعْضَبِ تفسير : وقال الآخر: [الكامل] شعر : 705ـ فَكَأَنَّهُ لَهِقُ السَّراة كَأَنَّهُ مَا حَاجِبَيْهِ مُعَيَّنٌ بِسَوادِ تفسير : فراعى المُبْدَلَ منه في قوله: "تَرَكَتْ"، وفي قوله: "مُعَيَّن"، ولو راعى البَدَل، وهو الكثير، لقال "تَرَكَا" و "مُعَيَّنَان"؛ كقول الآخر: [الطويل] شعر : 706ـ فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ وَاحِدٍ وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا تفسير : ولو لم يراع البدل للزم الإخبار بالمعنى عن الجُثَّة. وأجاب أبو حيان عن البيتين بأن "رَوَاحها وغدوها" منصوب على الظرف، وأن قوله: "مُعَيَّن" خبر عن "حَاجِبَيْهِ"، وجاز ذلك؛ لأن كل اثنين لا يغني أحدهما عن الآخر، يجوز فيهما ذلك؛ قال: [الهزج] شعر : 707ـ....................... بِهَا العَيْنَان تَنْهَلُّ تفسير : وقال: [الكامل] شعر : 708ـ لَكَأَنَّ فِي الْعَيْنَيْنِ حَبَّ قَرَنْفُلٍ أَوْ سُنْبُلٍ كُحِلَتْ بِهِ فَانْهَلَّتِ تفسير : ويجوز عكسه؛ قال: [الطويل] شعر : 709ـ إِذَا ذَكَرَتْ عَيْنِي الزَّمَانَ الّّذِي مَضَى بِصَحْرَاءَ فَلْجٍ ظَلَّتَا تَكِفَانِ تفسير : و "من" زائدة لتأكيد الاستغراق لا للاستغراق؛ لأن "أحداً" يفيده بخلاف: "ما جاء من رجل" فإنها زائدة للاستغراق. و "أحد" هنا الظاهر أنه الملازم للنفي، وأنه الذي همزته أصل بنفسها. وأجاز أبو البقاء أن يكون بمعنى واحد، فتكون همزته بدلاً من الواو. فصل فيمن قال بأنهما ليسا من الملائكة القائلون بأنهما ليسا من الملائكة احتجوا بأن الملائكة ـ عليهم السلام ـ لا يليق بهم تعليم السحر، وقالوا: كيف يجوز إنزال الملكين مع قوله: {أية : وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ}تفسير : [الأنعام:8]. وأيضاً لو أنزل الملكين، فإما أن يجعلهما فى صورة الرجلين، أو لا يجعلهما كذلك، فإن جعلهما في صورة الرجلين مع أنهما ليسا برجلين كان ذلك تجهيلاً وتلبيساً على الناس وهو لا يجوز، ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن كل واحد من الناس الذين تشاهدهم أنه لا يكون في الحقيقة إنساناً، بل يكون ملكاً من الملائكة؟ وإن لم يجعلهما في صورة الرجلين قدح ذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً}تفسير : [الأنعام:9]. وأجاب القائلون بأنهما من الملائكة عن الأول بأنا سنبين وجه الحكمة في إنزال [الملكين] لتعليم السحر وعن الثاني: بأن هذه الآية عامة، [وقراءة المَلَكين بفتح اللام متواترة وتلك] خاصة والخاص مقدم على العام. وعن الثالث: أن الله ـ تعالى ـ أنزلهما في صورة رَجُلين، كان الواجب على الملكين في زمان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أن يقطعوا على من صورته صورة الإنسان بكونه إنساناً، كما أنه في زمان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان الواجب على من شاهد حية الكَلْبي ألاَّ يقطع بكونه من البشر، بل الواجب التوقف فيه. فصل في فساد رواية الزهرة رووا قصة الزُّهَرة وما جرى لها مع الملكين. ولهم في الزهرة قولان: أحدهما: أنها الكوكب المعروف. والثاني: أنها من بنات آدم ومسخت إلى هذا الكوكب. وقيل: مسخت بها. قال ابن الخطيب: وهذه الرواية فاسدة مردودة؛ لأنه ليس في كتاب الله ـ تعالى ـ ما يدل عليها، بل فيه ما يبطلها من وجوه: الأول: الدلائل الدالة على عِصْمَةِ الملائكة عليهم السلام من كل المعاصي. الثاني: أن قولهم: إنهما خُيِّرا بَيْن عذاب الدنيا، وبين عذاب الآخرة فاسد، بل كان الأولى أن يُخَيَّرا بَيْنَ التوبة والعذاب؛ لأن الله ـ تعالى ـ خير بينهما من أشرك به طول عمره، فكيف يبخل عليهما بذلك؟ الثالث: أن من أعجب الأمور قولهم: إنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين، ويدعوان إليه، وهما يعاقبان [ولما ظهر فساد هذا القول فنقول: السبب] في إنزالهما وجوه: أحدها: أن السحرة كثرت في ذلك الزمان، واستنبطت أبواباً غريبة من السحر، وكانوا يَدَّعُون النبوة، ويتحَدَّون الناس بها، فبعث الله ـ تعالى ـ هذين الملكين لأَجْلِ أن يعلّما الناس أبواب السِّحر حتى يتمكّنوا من معارضة أولئك الذين كانوا يدعون النبوة كذباً، ولا شك أن هذا من أحسن الأغراض والمقاصد. وثانيها: أن العلم بكون المعجزة مخالفة للسّحر متوقّف على العلم بماهية المعجزة، وبماهية السحر، والناس كانوا جاهلين بماهية السِّحر، فلا جرم تعذّرت عليهم معرفة حقيقة المعجزة، فبعث الله ـ تعالى ـ هذين الملكين لتعريف ماهية السحر لأجل هذا الغرض. وثالثها: لا يمتنع أن يقال: السحر الذي يوقع الفرقة بين أعداء الله، والألفة بين أولياء الله كان مباحاً عندهم، أو مندوباً، فالله ـ تعالى ـ بعث مَلَكين لتعليم السِّحر لهذا الغرض، ثم إن القوم تعلموا ذلك منهما، واستعملوه في الشر، وإيقاع الفُرْقة بين أولياء الله، والألفة بين أعداء الله. ورابعها: أن تحصيل العلم بكل شيء حسن، ولما كان السِّحر منهياً عنه وجب أن يكون متصوراً معلوماً؟ لأن الذي لا يكون متصوراً يمتنع النهي عنه. وخامسها: لعل الجن كان عندهم أنواع من السحر لم يقدر البشر على الإتيان بمثلها، فبعث الله الملائكة ليعلموا البشر أموراً يقدرون بها على معارضة الجن. وسادسها: يجوز أن يكون ذلك تشديداً في التكليف من حيث إنه إذا علمه ما أمكنه أن يتوصّل به إلى اللَّذات العاجلة، ثم منعه من استعمالها كان ذلك في نهاية المشقّة، فيستوجب به الثواب الزائد، كما ابتلي قوم طالوت بالنهر على ما قال: {أية : فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ}تفسير : [البقرة:249] فثبت بهذه الوجوه أنه لا يبعد من الله ـ تعالى ـ إنزال الملكين لتعليم السّحر، والله أعلم. فصل في زمن وقوع هذه القصة. قال بعضهم: هذه الواقعة إنما وقعت في زمان إدريس عليه الصَّلاة والسلام. قوله: {حَتَّىٰ يَقُولاَ: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ}. "حتى": حرف غاية ونصب، وهي هنا بمعنى "إلى"، والفعل بعدها منصوب بإضمار "أن" ولا يجوز إظهارها، وعلامة النصب حذف النون، والتقدير: إلى أن يقولا، وهي متعلقة بقوله: "وَمَا يُعَلِّمَانِ"، والمعنى أنه ينتفي تعليمهما أو إعلامهما على ما مضى من الخلاف إلى هذه الغاية، وهي قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُر}. وأجاز أبو البقاء ـ رحمه الله ـ أن تكون "حتى" بمعنى "إلا" قال: والمعنى: وما يعلمان من أحد إلاّ أن يقولا وهذا الذي أجازه لا يعرف عن أكثر المتقدمين، وإنما قاله ابن مالك؛ وأنشد: [الكامل] شعر : 710ـ لَيْسَ الْعَطَاءُ مِنَ الْفُضُولِ سَمَاحَةً حَتَّى تَجُودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ تفسير : قال: تقديره: إلا أن تَجُودَ. و"حتى" تكون حرف جر بمعنى "إلى" كهذه الآية، وكقوله: {أية : حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ}تفسير : [القدر:5]، وتكون حرف عطف، وتكون حرف ابتداء فتقع بعدها الجمل؛ كقوله: [الطويل] شعر : 711ـ فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا بِدَجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دَجْلَةَ أَشْكَلُ تفسير : والغاية معنى لا يفارقها في هذه الأحوال الثلاثة، فلذلك لا يكون ما بعدها إلا غاية لما قبلها: إما في القوة، أو الضعف، أو غيرهما، ولها أحكام أُخر ستأتي إن شاء الله تعالى. و "إنما" مكفوفة بـ "ما" الزائدة، فلذلك وقع بعدها الجملة، وقد تقدم أن بعضهم يجيز إعمالها، والجملة في محلّ نصب بالقول، وكذلك: "فَلاَ تَكْفُر". فصل في المراد بالفتنة المراد هاهنا بالفتنة المحنة التي بها يتيمز المطيع عن العاصي، كقولهم: فتنت الذهب بالنار أذا عرض على النار ليتميز الخاصّ عن المشوب، وقد بَيّنا الحكمة في بعثة الملكين لتعليم السحر. فالمراد أنهما لا يعلمان أحداً السحر ولا يصفانه لأحد، ولا يكشفان له وجوه الاحتيال حتى يبذلا له النَّصيحة فيقولا له: {إِنَّمَا نَحْنُ فَتْنَةٌ} أي: هذا الذي نصفه لك، وإن كان الغرض منه أن يتميز به الفرق بين السحر عن المعجزة، ولكنه يمكنك أن تتوصّل به إلى المفاسد والمعاصي، فإياك أن تستعمله فيما نهيت عنه، أو تتوصل به إلى شيء من الأعراض العاجلة. قوله تعالى: "فَيَتَعَلَّمُونَ" في هذه الجملة سبعة أقوال: أظهرها: أنها معطوفة على قوله تعالى: "وما يعلمان" والضمير في "فيتعلّمون" عائد على "أحد"، وجمع حملاً على المعنى، كقوله تعالى: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة:47]. فإن قيل: المعطوف عليه منفي، فيلزم أن يكون "فيتعلّمون" منفياً أيضاً لعطفه عليه، وحينئذ ينعكس المعنى. فالجواب ما قالوه، وهو أن قوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ}، وإن كان منفياً لفظاً فهو موجب معنى؛ لأن المعنى: يعلمان الناس السحر بعد قولهما: إنما نحن فتنة، وهذا الوجه ذكره الزجاج وغيره. الثَّاني: أنه معطوف على {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السَّحْر} قاله الفراء. وقد اعترض الزجاج هذا القول بسبب لفظ الجمع في "يعلمون" مع إتيانه بضمير التثنية في "منهما" يعني: فكان حقه أن يقال: "منهم" لأجل "يعلمون" وأجازه [أبو علي] وغيره، وقالوا: لا يمتنع عطف "فيتعلمون" على "يعلِّمون"، وإن كان التعليم من الملكين خاصّة، والضمير في "منهما" راجع إليهما، فإن قوله: "منهما" إنما جاء بعد تقدّم ذكر المَلَكَيْنِ. وقد اعترض على قول الفراء من وجه آخر: وهو أنه يلزم منه الإضمار قبل الذكر، وذلك أن الضمير في "منهما" عائد على الملكين، وقد فرضتم أن "فيتعلمون منهما" عطف على "يعلمون"، [فيكن التقدير: "يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا"] فيلزم الإضمار في "منهما" قبل ذكر المَلَكَيْن، وهو اعتراض وَاهٍ فإنهما متقدمان لفظاً، وتقدير تأخرهما لا يضرّ؛ إذ المحذور عَوْدُ الضمير على غير مذكور في اللفظ. الثالث: وهو أحد قولي سيبويه أنه عطف على "كفروا"، فعل في موضع رفع، فلذلك عطف عليه فعل مرفوع. قال سيبويه: [وارتفع] "فيتعلمون"؛ لأنه لم يُخْبِرْ عن الملكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعلموا ليَجْعَلا كفره سبباً لتعلم غيره، ولكنه على: كفروا فيتعلمون، وشَرْحُ ما قاله هو أنه يريد أن ليس "فيتعلمون" جواباً لقوله: فلا تكفر فينتصب في جواب النهي، كما انتصب: {أية : فَيُسْحِتَكُم}تفسير : [طه:61]، بعد قوله: "لاَ تَفْتَرُوا" لأن كُفْرَ من نهياه أن يكفر ليس سبباً لتعلّم من يتعلم. واعترض على هذا بما تقدّم من لزوم الإضمار قبل الذكر، وتقدم جوابه. الرابع: وهو القول الثاني لـ "سيبويه" أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: "فهم يتعلمون"، فعطف جملة اسمية على فعلية. الخامس: قال الزَّجَّاج أيضاً: والأجود أن يكون معطوفاً على "يعلّمان فيتعلّمون" فاستغني عن ذكر "يعلمون" على ما في الكلام من الدليل عليه [واعتراض أبو علي قول الزجاج؛ فقال: "لا وجه لقوله: استغني عن ذكر "يعلمان"؛ لأنه موجود في النص". وهذا الاعتراض من أبي علي تحامل عليه لسبب وقع بينهما؛ فإن الزجاج لم يرد أن "فيتعلمون" عطف على "يعلمان" المنفي بـ "ما" في قوله: "وما يعلمان" حتى يكون مذكوراً في النص، وإنما أراد أن ثم فعلاً مضمراً يدل عليه قوة الكلام وهو: "يعلمان فيتعلمون"]. السَّادس: أنه عطف على معنى ما دلّ عليه أول الكلام، والتقدير: فيأتون فيتعلّمون، ذكره الفراء والزجاج أيضاً. السَّابع: قال أبو البقاء: وقيل: هو مستأنف، وهذا يحتمل أن يريد أنه خبر مبتدأ مضمر كقول سيبويه رحمه الله وأن يكون مستقلاًّ بنفسه غير محمول على شيء قبله، وهو ظاهر كلامه. قوله: "مِنْهُمَا" متعلّق بـ "يعلمون". و "من" لابتداء الغاية، وفي الضمير ثلاثة أقوال: أظهرها: عوده إلى المَلَكين، سواء قرىء بكسر اللام أو فتحها. والثاني: يعود على السّحر وعلى المنزل على الملكين. والثالث: أنه يعود على الفتنة، وعلى الكفر المفهوم من قوله: "فلا تكفر"، وهو قول أبي مسلم. قوله: {مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ} الظَّاهر في "ما" أنها موصولة اسمية. وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرة موصوفة، وليس بواضح، ولا يجوز أن تكون مصدرية لعود الضمير في "به" عليها، والمصدرية حرف عند جمهور النحويين كما تقدم غير مَرّة. و "بَيْنَ الْمَرْءِ" ظرف لـ "يُقَرّقُونَ". والجمهور على فتح ميم "المَرْءِ" مهموزاً، وهي اللغة العالية. وقرأ ابن أبي أسحاق: "المُرْء" بضم الميم مهموزاً. وقرأ الأشهب العقيلي والحسن: "المِرْءُ" بكسر الميم مهموزاً. فأما الضم فلغة محكية. وأما الكسر فيحتمل أن يكون لغة مطلقاً، ويحتمل أن يكون للإتباع، وذلك أن في "المرء" لغة وهي أن "فاءه" تَتْبَعُ "لامه"، فإن ضم ضمت، وإن فتح فتحت، وإن كسر كسرت، تقول: "ما قام المُرْءُ" بضم الميم و "رأيت المَرْءَ" بفتحها، و "مررت بالمِرْءِ" بكسرها، وقد يجمع بالواو والنون، وهو شاذ. قال الحسن في بعض مواعظه: "أحْسِنُوا مَلأَكُمْ أَيُّهَا المَرْؤون" أي: أخلاقكم. وقرأ الحسن، والزهري "المَرِ" بفتح الميم وكسر الراء خفيفة، ووجهها أنه نقل حركة الهمزة على "الواو" وحذف الهمزة تخفيفاً وهو قياس مطّرد. وقرأ الزهري أيضاً: "المَرِّ" بتشديد الرَّاء من غير همز، ووجهها أنه نقل حركة الهمزة إلى الرَّاء، ثم رأى الوقف عليها مشدّداً، كما روي عن عاصم {أية : مُّسْتَطَرٌّ}تفسير : [القمر:53] بتشديد الراء ثم أجرى الوَصْل مجرى الوقف. فصل في تفسير التفريق ذكروا في تفسير التفريق هاهنا وجهين: الأول: أن هذا التفريق إنما يكون بأن يعتقد بأن ذلك السحر مؤثر في هذا التفريق، فيصير كافراً، وإذا صار كافراً بَانَتْ منه امرأته، فيحصل تفريق بينهما. الثاني: أنه يفرق بينهما بالتمويه والحِيَل، والتَّضْريب وسائر الوجوه المذكورة. وذكره التفريق دون سائر الصُّور التي يتعلّمونها تنبيهاً على الباقي، فإن ركون الإنسان إلى زوجته معروف زائد على مودّة قريبة، فإذا وصل بالسحر إلى هذا الأمر مع شدّته فغيره أولى، يدلّ عليه قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ} فإنه أطلق الضرر، ولم يقصره على التفريق، فدلّ على أنه إنما ذكره؛ لأنه من أعلى مراتبه. قوله: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ} يجوز في "ما" وجهان. أحدهما: أن تكون الحجازية، فيكون "هم" اسمها، و "بِضارين" خبرها، و "الباء" زائدة، فهو في محل نصب. والثاني: أن تكون التميمية، فيكون "هم" مبتدأ، و "بِضَارِّينَ" خبره، و "الباء" زائدة أيضاً فهو في محل رفع. والضمير فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه عائد على السَّحرة العائد عليهم ضمير "فَيَتَعَلَّمُونَ". الثاني: يعود على اليهود العائد عليهم ضمير "واتبعوا". الثالث: يعود على الشياطين والضمير في "به" يعود على "ما" في قوله: {وَمَا يُفَرِّقُونَ بِهِ}. والجمهور على "بَضَارِّينَ" بإثبات النون و "مِنْ أَحَدٍ" مفعول به، وقرأ الأعمش: "بِضَارِّي" من غير نون، وفي توجيه ذلك قولان: أظهرهما: أنه أسقط النون تخفيفاً، وإن لم يقع اسم الفاعل صلةً لـ "أل"؛ مثل قوله: [الطويل] شعر : 712ـ وَلَسْنَا إِذَا تَأْبَوْنَ سِلْماً بِمُذْعِنِي لَكُمْ غَيْرَ أَنَّا إِنْ نُسَالَمْ نُسَالمِ تفسير : أي: بمذعنين ونظيره في التَّثْنية: "قَطَا قَطَا بَيْضُك ثِنْتَا، وَبِيْضِي مِائَتَا" يريدون ثِنْتَانِ وَمِائَتَانِ. والثاني ـ وبه قال الزَّمخشري، وأبن عطية ـ أن النُّونَ حذفت للإضافة إلى "أحدٍ"، وفصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور، وهو "به"؛ كما فصل به في قوله الآخر: [الطويل] شعر : 713ـ هُمَا أَخَوَا فِي الْحَرْبِ مَنْ لاَ أَخَا لَهُ إِذَا خَافَ يَوْماً نَبْوةً فَدَعَاهُمَا تفسير : وفي قوله: [الوافر] شعر : 714ـ كَمَا خُطَّ الْكِتَابُ بِكَفِّ يَوْماً يَهُودِيِّ يُقارِبُ أَوْ يُزِيلُ تفسير : ثم استشكل الزمخشري ذلك فقال: فإن [قلت] كيف يضاف إلى "أحد" وهو مجرور؟ قلت: جعل الجار جزءاً من المجرور. قال أبو حيان: وهذا التخريج ليس يجوز؛ لأن الفصل بين المتضايفين بالظَّرف والمجرور من ضَرَائر الشعر، وأقبح من ذلك ألا يكون ثم مضاف إليه؛ لأنه مشغول يعامل جَرّ، فهو المؤثر فيه لا الإضافة. وأما جعله حرف الجر جزءاً من المجرور فليس بشيء؛ لأن هذا مؤثر فيه، وجزء الشيء لا يؤثر فيه. وأجيب بأن الفصل من ضرائر الشعر فليس كما قال، لأنه قد فصل بالمفعول به في قراءة ابن عامر، فباظرف وشبهه أولى، وسيأتي تحقيق ذلك في الأنعام. وأما قوله: لأن جزء الشيء لا يؤثر فيه. فإنما ذلك في الجزء الحقيقي، وهذا إنما قال: ننزله منزلة الجزء، ويدلّ على ذلك قول [النجاة] الفعل كالجزء من الفاعل، ولذلك أنّث لتأنيثه، ومع ذلك فهو مؤثِّر فيه. و "من" في "من أحد" زائدة لتأكيد الاستغراق كما تقدم في: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ}. وينبغي أن يجيء قول أبي البقاء: إن "أحداً" يجوز أن يكون بمعنى واحد، والمعهود زيادة "من" في المفعول به المعمول لفعل منفي نحو: ما ضربت من أحد، إلا أنه حملت الجملة الاسمية الدَّاخل عليها حرف النفي على الفعليّة المنفية في ذلك؛ لأن المعنى: وما يضرون من أحد، إلا أنه عدل إلى هذه الجملة المصدرة بالمبتدأ المخبر عنه باسم الفاعل الدّال على الثبوت، والاستقرار المزيد فيه باء الجر للتوكيد االمراد الذي لم تفده الجملة الفعلية. قوله: {إِلاَّ بإِذْنِ ٱللهِ} هذا استثناء مفرّغ من الأحوال، فهو في محل نَصْب على الحال، فيتعلّق بمحذوف، وفي صاحب هذه الحال أربعة أوجه: أحدها: أنه الفاعل المستكن في "بضارين". الثاني: أنه المفعول هو "أحد" وجاءت الحال من النكرة؛ لاعتمادها على النفي. والثالث: أن الهاء في "به" أي بالسحر، والتقدير: وما يضرون أحداً بالسحر إلا ومعه علم الله، أو مقروناً بإذن الله ونحو ذلك. والرابع: أنه المصدر المعروف وهو الضرر، إلا أنه حذف للدلالة عليه. فصل في تأويل الإذن قال ابن الخطيب: الإذن حقيقة في الأمر والله لا يأمر بالسحر، لأنه ـ تعالى ـ أراد عيبهم وذمهم عليه، ولو كان قد أمرهم به لما جاز أن يذمهم عليه، فلا بد من التأويل، وفيه وجوه: أحدها: قال الحسن: المراد منه التَّخْلية يعنى الساحر إذا سحر إنساناً، فإن شاء الله تعالى منعه منه، وإن شاء خَلَّى بينه وبين ضرر السحر. وثانيها: قال الأصم: المراد: "إِلاَّ بعلم الله"، وإنما سمي الأذان أذاناً، لأنه إعلام للناس بدخول وقت الصلاة، وسمي الإيذان إيذاناً؛ لأن بالحاسة به تدرك الإذن، وكذلك قوله تعالى: {أية : وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ}تفسير : [التوبة:3] أي: إعلام، وقوله تعالى {أية : فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}تفسير : [البقرة:279] معناه: فاعلموا، وقوله: {أية : ءَاذَنتُكُمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ}تفسير : [الأنبياء:109] يعنى: أعلمتكم. وثالثها: أن الضرر الحاصل عند فعل السِّحر إنما يحصل بخلق الله، وإيجاده وإبداعه، وما كان كذلك فإنه يصح أن يضاف إلى الله ـ تعالى ـ كما قال: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [النحل:40]. ورابعها: أن يكون المراد بالإذن الأمر، وهذا الوجه لا يليق إلاَّ بأن يُفَسّر التفريق بين المرء وزوجه بأن يصير كافراً، والكفر يقتضي التفريق، فإنَّ هذا حكم شرعي، وذلك لا يكون إلا بأمر الله تعالى. قوله: "وَلاَ يَنْفَعُهُمْ" في هذه الجملة وجهان. أحدهما: وهو الظاهر أنها عطف على "يضرهم" فتكون صلة لـ "ما" أيضاً، فلا محلّ لها من الإعراب. والثاني، وأجازه أبو البقاء: أن تكون خبراً لمبتدأ مضمر تقديره: وهو لا ينفعهم، وعلى هذا فتكون "الواو" للحال، والحملة من المبتدأ والخبر في محلّ نصب على الحال، وهذه الحال تكون مؤكّدة؛ لأن قوله: "ما يضرهم" يفهم منه عدم النفع. قال أبو البقاء: ولا يصح عطفه على "ما"؛ لأن الفعل لا يعطف على الاسم. وهذا من المواضع المستغنى عن النصّ على منعها لوضوحها، وإنما ينص على منع شيء يتوهم جوازه. وأتى هنا بـ "لا" لأنها ينفى بها الحال والاستقبال، وإن كان بعضهم خصّها بالاستقبال، والضُّرُّ والنفع معروفان، يقال ضَرَّهُ يَضُرُّهُ بضم الضاد، وهو قياس المضاعف المتعدِّي، والمصدر: الضُّر والضَّر بالضم والفتح، والضَّرَر بالفك أيضاً، ويقال: ضَارَةُ يَضِيرُهُ بمعناه ضَيراً؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 715ـ تَقُولُ أُنَاسٌ لاَ يَضِيرُكَ نَأْيُهَا بَلَى كُلُّ ما شَفَّ النُّفُوسَ يَضِيْرُهَا تفسير : وليس حرف العلة مبدلاً من التضعيف. ونقل بعضهم: أنه لا يبنى من نفع اسم مفعول فيقال: منفوع، والقياس لا يأباه. قوله: "ولقد علموا" تقدم أن هذه اللاَّم جواب قسم محذوف. و "علم" يجوز أن تكون متعدية إلى اثنين أو إلى واحد، وعلى كلا التقديرين فهي مُعَلَّقة عن العمل فيما بعدها لأجل اللام، فالجملة بعدها في محل نصب؛ إما سادّة مسدَّ مفعولين، أو مفعول واحد على حسب ما تقدم، ويظهر أثر ذلك في العطف عليها، فإن اعتقدنا تعديها لاثنين عطفنا على الجملة بعدها مفعولين، وإلا عطفنا واحداً، ونظيره في الكلام: علمت لزيد قائم وعمراً ذاهباً، أو علمت لزيد قائم وذهاب عمرو. والذي يدل على أن الجملة المعلقة بعد علم في محل نصب وعَطْفَ المنصوب على محلها قولُ الشاعر: [الطويل] شعر : 716ـ وَمَا كُنْتُ أَدْرِي قَبْلَ عَزَّةَ مَا الْهَوَى وَلاَ مُوجِعَاتِ القَلْبِ حَتَّى تَوَلَّتِ تفسير : روي بنصب "موجعاتِ" على أنه عطف على محل "ما الهَوَى"، وفي البيت كلام إذ يحتمل أن تكون "ما" زائدة، "والهوى" مفعول به، فعطف "موجعاتِ" عليه، ويحتمل أن تكون "لا" نافية للجنس و "موجعاتِ" اسمها، والخبر محذوفٌ كأنه قال: ولا موجعاتِ القلبِ عنْدِي حتى تولَّتِ. والضمير في "علموا" فيه خمسة أقوال: أحدها: ضمير اليهود الذين بحضرة محمد صلى الله عليه وسلم، أو ضمير من بحضرة سليمان، أو ضمير جميع اليهود، أو ضمير الشياطين أو ضمير الملكين عند من يرى أن الاثنين جمع. قوله: "لَمَنِ اشْتَرَاهُ" في هذه اللام قولان: أحدهما: وهو ظاهر قول النحاة أنها لام الابتداء المُعَلِّقة لـ "عَلِمَ" عن العمل كما تقدم، و "مَنْ" موصولة في محلّ رفع بالابتداء، و "اشتراه" صلتها وعائدها. و {مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} جملة من مبتدأ وخبر، و "من" زائدة في المبتدأ، والتقدير: ما له خلاق في الآخرة. وهذه الجملة في محل رفع خبر لـ "من" الموصولة، فالجملة من قوله: "ولقد علموا" مقسم عليها كما تقدم، و "لَمَن اشْتَرَاهُ" غير مقسم عليها، هذا مذهب سيبويه رحمه الله تعالى والجمهور. الثاني: وهو قول الفراء، وتبعه أبو البقاء: أن تكون هذه اللام هي الموطّئة للقسم، و "مَنْ" شرطية في محل رفع بالابتداء، و {مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} جواب القسم، فـ "اشتراه" على القول الأول صلة، وعلى الثاني خبر لاسم الشرط، ويكون جواب الشرط محذوفاً؛ لأنه إذا اجتمع شرط وقسم،ولم يتقدمهما ذو خبر أجيب سابقهما غالباً، وقد يجاب الشرط مطلقاً كقوله: [الطويل] شعر : 717ـ لَئِنْ كَانَ مَا حُدِّثْتُهُ الْيَوْمَ صَادِقاً أَصُمْ فِي نَهَارِ الْقَيْظِ لِلشَّمْسِ بَادِيَا تفسير : ولا يحذف جواب الشرط إلا وفعله ماض، وقد يكون مضارعاً كقوله: [الطويل] شعر : 718ـ لَئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْكُمْ بُيُوتُكُمْ لَيَعْلَمُ رَبِّي أَنَّ بَيْتِيَ وَاسِعُ تفسير : فعلى قول الفَرَّاء تكون الجملتان من قوله: "وَلَقَدْ عَلِمُوا"، و "لَمَنِ اشْتَرَاهُ" مُقْسَماً عليهما ونقل عن الزجاج منع قول الفراء فإنه قال: هذا ليس موضع شرط ولم يوجه منع ذلك، والذي يظهر في منعه، أن الفعل بعد "مَنْ" وهو "اشْتَرَاهُ" ماض لفظاً ومعنى، فإن الاشتراء قد وقع وانفصل، فجعله شرطاً لا يصح؛ لأن فعل الشرط وإن كان ماضياً لفظاً، فلا بد أن يكون مستقبلاً معنى. فصل في أوجه استعارة لفظ الشراء واستعير لفظ الشراء لوجوه: أحدها: أنهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظُهُورهم، وأقبلوا على التمسُّك بما تتلو الشَّياطين، فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله تعالى. وثانيها: أن المَلَكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة، فلما استعمل السحر، فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا. وثالثها: أنهم تحملوا مشقة تعليمه ليستعملوه، فكأنهم أبدلوا الراحة في مقابلة التعليم لأجل الاستعمال. والخَلاَق: النصيب. قال الزّجاج: أكثر استعماله في الخير. فأما قول أميّة بن أبي الصلت: [البسيط] شعر : 719ـ يَدْعُونَ بالْوَيْلِ فِيهَا لاَ خَلاَقَ لَهُمْ إِلاَّ سَرَابِيلُ مِنْ قَطْرٍ وَأَغْلاَلُ تفسير : فيحتمل ثلاثة أوجه. أحدها: أنه على سبيل التهكُّم بهم؛ كقوله: [الوافر] شعر : 720ـ...................... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ تفسير : والثاني: أنه استثناء منقطع، أي: لكن لهم السَّرَابيل من كذا. الثالث: أنه استعمل في الشر على قلة. والخلاق: القَدْر؛ قال: [المتقارب] شعر : 721ـ فَمَا لَكَ بَيْتٌ لَدَى الشَّامِخَاتِ وَمَا لَكَ فِي غَالِبٍ مِنْ خَلاَقْ تفسير : أي: من قَدر ورتبة، وهو قريب من الأول. قال القَفَّال رحمه الله تعالى: يشبه أن يكون أصل الكلمة من الخلق، ومعناه التقدير، ومنه: خلق الأديم، ومنه يقال: قدر للرجل كذا درهماً رزقاً على عمل كذا. والضمير المنصوب في "اشتراه" فيه أربعة أقوال: يعود على السحر، أو الكفر، أو كَيْلهم الذى باعوا به السحر، أو القرآن لتعويضهم كتب السحر عنه. وتقدم الكلام على قوله: "وَلَبِئْسَ مَا" وما ذكر الناس فيها، واللام في "لبئسما" جواب قسم محذوف تقديره: والله لبئسما، والمخصوص بالذّّم محذوف أي: السحر أو الكفر. قوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} جواب "لو" محذوف تقديره: لو كانوا يعلمون ذم ذلك لما باعوا به أنفسهم، وهذا أحسن من تقدير أبي البقاء: لو كانوا ينتفعون بعلمهم لامتنعوا من شراء السحر؛ لأن المقدر كلما كان مُتصَيَّداً من اللفظ كان أَوْلَى. والضمير في "به" يعود على السحر، أو الكفر، وفي "يعلمون" يعود على اليَهُودِ باتفاق. قال الزمخشري: فإن قلت كيف أثبت لهم العلم أولاً في: "وَلَقَدْ عَلِمُوا" على سبيل التوكيد القسمي، ثم نفاه عنهم في قوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}. قلت: معناه: لو كانوا يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه، وهذا بناء منه على أن الضميرين في "عَلِمُوا" و "يَعْلَمُونَ" لشيء واحد. وأجاب غيره على هذا التقدير بأن المراد بالعلم الثاني العَقْل؛ لأن العلم من ثمرته، فلما انتفى الأصل انتفى ثمرته، فصار وجود العلم كالعدم حيث لم ينتفعوا به كما سمى الله ـ تعالى ـ الكفار "صُمّاً وبُكْماً وعُمْياً" إذ لم ينتفعوا [بهذه الحواس] أو يغاير بين متعلّق العلمين أي: علموا ضرره في الآخرة، ولم يعلموا نفعه في الدنيا. وأما إذا أعدت الضمير في "علموا" على الشياطين، أو على مَنْ بحضرة سليمان، أو على الملكين، فلا إشكال لاختلاف المسند إليه العلم حينئذ.
السيوطي
تفسير : أخرج سفيان بن عينية وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة حق كذب عليها ألف كذبة فاشربتها قلوب الناس واتخذوها دواوين، فاطلع الله على ذلك سليمان بن داود فأخذها فقذفها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع؟ قالوا: نعم. فأخرجوه فإذا هو سحر فتناسختها الأمم، وأنزل الله عذر سليمان فيما قالوا من السحر فقال {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان...} الآية. وأخرج النسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان آصف كاتب سليمان وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل به، فاكفره جهال الناس وسبوه، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبونه حتى أنزل الله على محمد {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما ذهب ملك سليمان ارتد فئام من الجن والإِنس واتبعوا الشهوات، فلما رجع إلى سليمان ملكه وقام الناس على الدين، ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي حدثان ذلك، فظهر الجن والإِنس على الكتب بعد وفاة سليمان، وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان أخفاه عنا، فأخذوه فجعلوه ديناً، فأنزل الله {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} أي الشهوات التي كانت الشياطين تتلو، وهي المعازف واللعب وكل شيء يصد عن ذكر الله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يأتي شيئاً من شأنه، أعطى الجرادة وهي امرأته خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان بالذي ابتلاه به أعطى الجرادة ذلك اليوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي. فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإِنس، فجاءها سليمان فقال: هاتي خاتمي. فقالت: كذبت لست سليمان. فعرف أنه بلاء ابتلي به، فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتباً فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها فقرأوها على الناس وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، فبرىء الناس من سليمان وأكفروه حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه {وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا} . وأخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال: قال اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء إنما كان ساحراً يركب الريح، فأنزل الله {واتبعوا ما تتلوا الشياطين...} الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: إن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم زماناً عن أمور من التوراة لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله عليه ما سألوا عنه فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا هذا أعلم بما أنزل علينا منا، وإنهم سألوه عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله {واتبعوا ما تتلوا الشياطين...} الآية. وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب فكتبوا فيه السحر والكهانة وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت مجلس سليمان، وكان سليمان لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر وخدعوا به الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسد الناس عليه، فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث، فرجعوا من عنده وقد حزنوا وأدحض الله حجتهم. وأخرج سعيد بن منصور عن خصيف قال: كان سليمان إذا نبتت الشجرة قال: لأي داء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا. فلما نبتت الشجرة الخرنوبة قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لمسجدك أخربه. فلم يلبث أن توفي، فكتب الشياطين كتاباً فجعلوه في مصلى سليمان، فقالوا: نحن ندلكم على ما كان سليمان يداوي به، فانطلقوا فاستخرجوا ذلك الكتاب، فإذا فيه سحر ورقى، فأنزل الله {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} إلى قوله {وما أنزل على الملكين} وذكر أنها في قراءة أبي (وما يتلى على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر) سبع مرار، فإن أبى إلا أن يكفر علماه فيخرج منه نور حتى يسطع في السماء قال: المعرفة التي كان يعرف. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي مجلز قال: أخذ سليمان من كل دابة عهداً، فإذا أصيب رجل فيسأل بذلك العهد خلي عنه، فرأى الناس بذلك السجع والسحر وقالوا: هذا كان يعمل به سليمان. فقال الله {وما كفر سليمان} الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ما تتلوا} قال: ما تتبع. وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله {ما تتلوا الشياطين} قال: يراد ما تحدث. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله {على ملك سليمان} يقول: في ملك سليمان. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {وما كفر سليمان} يقول: ما كان عن مشورته ولا رضا منه ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه {يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين} فالسحر سحران، سحر تعلمه الشياطين، وسحر يعلمه هاروت وماروت. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {وما أنزل على الملكين} قال: هذا سحر آخر خاصموه به، فإن كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته الإِنس فصنع وعمل به كان سحراً. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: أما السحر فإنما يعلمه الشياطين، وأما الذي يعلمه الملكان فالتفريق بين المرء وزوجه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وما أنزل على الملكين} قال: التفرقة بين المرء وزوجه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وما أنزل على الملكين} قال: لم ينزل الله السحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي في الآية قال: هما ملكان من ملائكة السماء. وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبزى. إنه كان يقرأها (وما أنزل على الملكين داود وسليمان). وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك. أنه قرأ {وما أنزل على الملكين} وقال: هما علجان من أهل بابل. وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر عن ابن عباس {وما أنزل على الملكين} يعني جبريل وميكائيل {ببابل هاروت وماروت} يعلمان الناس السحر. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية {وما أنزل على الملكين} قال: ما أنزل على جبريل وميكائيل السحر. وأما قوله تعالى: {ببابل} . أخرج أبو داود وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي قال "إن حبيبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي بأرض بابل، فإنها ملعونة". وأخرج الدينوري في المجالسة وابن عساكر من طريق نعيم بن سالم - وهو متهم - عن أنس بن مالك قال: لما حشر الله الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحاً شرقية وغربية وقبلية وبحرية فجمعتهم إلى بابل، فاجتمعوا يومئذ ينظرون لما حشروا له، إذ نادى مناد: من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره، واقتصد إلى البيت الحرام بوجهه فله كلام أهل السماء. فقام يعرب بن قحطان فقيل له: يا يعرب بن قحطان بن هود أنت هو، فكان أول من تكلم بالعربية، فلم يزل المنادي ينادي: من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا حتى افترقوا على اثنين وسبعين لساناً، وانقطع الصوت وتبلبلت الألسن فسميت بابل، وكان اللسان يومئذ بابلياً، وهبطت ملائكة الخير والشر، وملائكة الحياء والإِيمان، وملائكة الصحة والشفاء، وملائكة الغنى، وملائكة الشرف، وملائكة المروءة، وملائكة الجفاء، وملائكة الجهل، وملائكة السيف، وملائكة البأس، حتى انتهوا إلى العراق فقال بعضهم لبعض: افترقوا. فقال ملك الإِيمان: أنا أسكن المدينة ومكة. فقال ملك الحياء: أنا معك. وقال ملك الشفاء: أنا أسكن البادية. فقال ملك الصحة: وأنا معك. وقال ملك الجفاء: وأنا أسكن المغرب. فقال ملك الجهل. وأنا معك. وقال ملك السيف: أنا أسكن الشام. فقال ملك البأس: أنا معك. وقال ملك الغنى: أنا أقيم ههنا. فقال ملك المروءة: أنا معك. فقال ملك الشرف: وأنا معكما. فاجتمع ملك الغنى والمروءة والشرف بالعراق. وأخرج ابن عساكر بسند فيه مجاهيل عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله عز وجل خلق أربعة أشياء وأردفها أربعة أشياء، خلق الجدب وأردفه الزهد وأسكنه الحجاز، وخلق العفة وأردفها الغفلة وأسكنها اليمن، وخلق الرزق وأردفه الطاعون وأسكنه الشام، وخلق الفجور وأردفه الدرهم وأسكنه العراق ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن سليمان بن يسار قال: كتب عمر بن الخطاب إلى كعب الأحبار أن اختر لي المنازل. فكتب إليه يا أمير المؤمنين إنه بلغنا أن الأشياء اجتمعت فقال السخاء: أريد اليمن. فقال حسن الخلق: أنا معك. وقال الجفاء: أريد الحجاز. فقال الفقر: أنا معك. قال البأس: أريد الشام. فقال السيف: أنا معك. وقال العلم: أريد العراق. فقال العقل: أنا معك. وقال الغني: أريد مصر. فقال الذل: أنا معك. فاختر لنفسك يا أمير المؤمنين، فلما ورد الكتاب على عمر قال: العراق إذن، فالعراق إذن. وأخرج ابن عساكر عن حكيم بن جابر قال: أخبرت أن الإِسلام قال: أنا لاحق بأرض الشام. قال الموت: وأنا معك. قال الملك: وأنا لاحق بأرض العراق. قال القتل: وأنا معك. قال الجوع: وأنا لاحق بأرض العرب. قالت الصحة: وأنا معك. وأخرج ابن عساكر عن دغفل قال: قال المال: أنا أسكن العراق. فقال الغدر: أنا أسكن معك. وقالت الطاعة: أنا أسكن الشام. فقال الجفاء: أنا أسكن معك. وقالت المروءة: أنا أسكن الحجاز. فقال الفقر: وأنا أسكن معك. وأما قوله تعالى: {هاروت وماروت} قد تقدم حديث ابن عمر في قصة آدم وبقيت آثار أخر. أخرج سعيد وابن جرير والخطيب في تاريخه عن نافع قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل قال: يا نافع انظر هل طلعت الحمراء؟ قلت: لا مرتين أو ثلاثاً، ثم قلت: قد طلعت. قال: لا مرحباً بها ولا أهلاً. قلت: سبحان الله...! نجم مسخر سامع مطيع؟ قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الملائكة قالت: يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملكين منكم، فلم يألوا جهداً أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت فنزلا، فألقى الله عليهم الشبق. قلت: وما الشبق؟ قال: الشهوة. فجاءت امرأة يقال لها الزهرة، فوقعت في قلوبهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما للآخر: هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم، فطلباها لأنفسهما فقالت: لا أمكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء وتهبطان فأبيا، ثم سألاها أيضاً فأبت ففعلا، فلما استطيرت طمسها الله كوكباً وقطع أجنحتهما، ثم سألا التوبة من ربهما فخيرهما فقال: إن شئتما رددتكما إلى ما كنتما عليه فإذا كان يوم القيامة عذبتكما، وإن شئتما عذبتكما في الدنيا فإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما كنتما عليه. فقال أحدهما لصاحبه: إن عذاب الدنيا ينقطع ويزول، فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة. فأوحى الله إليهما: أن ائتيا بابل. فانطلقا إلى بابل، فخسف بهما فهما منكوسان بين السماء والأرض معذبان إلى يوم القيامة ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر في سفر فقال لي: ارمق الكوكب، فإذا طلعت أيقظني، فلما طلعت أيقظته فاستوى جالساً، فجعل ينظر إليها ويسبها سباً شديداً، فقلت: يرحمك الله أبا عبد الرحمن، نجم ساطع مطيع ما له تسبه؟! فقال: أما أن هذه كانت بغيا في بني إسرائيل، فلقي الملكان منها ما لقيا. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق موسى بن جبير عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أشرفت الملائكة على الدنيا فرأت بني آدم يعصون فقالت: يا رب ما أجهل هؤلاء! ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك! فقال الله: لو كنت في مسالخهم لعصيتموني. قالوا: كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: فاختاروا منكم ملكين، فاختاروا هاروت وماروت، ثم أهبطا إلى الأرض وركبت فيهما شهوات مثل بني آدم، ومثلت لهما امرأة فما عصما حتى واقعا المعصية، فقال الله: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه قال: ما تقول فاختر؟ قال: أقول أن عذاب الدنيا ينقطع وأن عذاب الآخرة لا ينقطع، فاختارا عذاب الدنيا فهما اللذان ذكر الله في كتابه {وما أنزل على الملكين...} الآية ". تفسير : وأخرج اسحق بن راهويه وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في العقوبات وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب قال: إن هذه الزهرة تسميها العرب الزهرة والعجم أناهيذ، وكان الملكان يحكمان بين الناس، فأتتهما فأرادها كل واحد عن غير علم صاحبه فقال أحدهما: يا أخي إن في نفسي بعض الأمر أريد أن أذكره لك. قال: اذكره لعل الذي في نفسي مثل الذي في نفسك، فاتفقا على أمر في ذلك. فقالت لهما المرأة: ألا تخبراني بما تصعدان به إلى السماء وبما تهبطان به إلى الأرض؟ فقالا: باسم الله الأعظم. قالت: ما أنا بمؤاتيتكما حتى تعلمانيه. فقال أحدهما لصاحبه: علمها إياه. فقال: كيف لنا بشدة عذاب الله؟ قال الآخر: إنا نرجو سعة رحمة الله، فعلمها إياه فتكلمت به فطارت إلى السماء، ففزع ملك في السماء لصعودها فطأطأ رأسه فلم يجلس بعد، ومسخها الله فكانت كوكبا. وأخرج ابن راهويه وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لعن الله الزهرة فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه عن أبي العباس قال: كانت الزهرة امرأة في قومها، يقال لها في قومها بيذخت. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: إن المرأة التي فتن بها الملكان مسخت، فهي هذه الكوكبة الحمراء يعني الزهرة. وأخرج موحد بن عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم وما يأتون من الذنوب، فقيل: لو كنتم مكانهم لأتيتم مثل الذي يأتون فاختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت فقيل لهما: إني أرسل إلى بني آدم رسلاً فليس بيني وبينكما رسول، أنزلكما لا تُشركا بي شيئاً، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر، قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه. وأخرج الحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر. أنه كان يقول: أطلعت الحمراء بعد فإذا رآها قال: لا مرحبا. ثم قال: إن ملكين من الملائكة هاروت وماروت سألا الله أن يهبطا إلى الأرض، فأهبطا إلى الأرض فكانا يقضيان بين الناس، فإذا أمسيا تكلما بكلمات فعرجا بها إلى السماء، فقيض الله لهما امرأة من أحسن الناس وألقيت عليهما الشهوة، فجعلا يؤخرانها وألقيت في أنفسهما، فلم يزالا يفعلان حتى وعدتهما ميعاداً فأتتهما للميعاد فقالت: كلماني الكلمة التي تعرجان بها فعلماها الكلمة، فتكلمت بها فعرجت إلى السماء فمسخت فجعلت كما ترون، فلما أمسيا تكلما بالكلمة فلم يعرجا، فبعث إليهما إن شئتما فعذاب الآخرة وإن شئتما فعذاب الدنيا إلى أن تقوم الساعة. فقال أحدهما لصاحبه: بل نختار عذاب الدنيا ألف ألف ضعف، فهما يعذبان إلى يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كنت نازلاً على عبدالله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: انظر طلعت الحمراء لا مرحباً بها ولا أهلاً ولا حياها الله هي صاحبة الملكين، قالت الملائكة: كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك، ويفسدون في الأرض؟ قال: إني قد ابتليتهم فلعل إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا: لا. قال: فاختاروا من خياركم اثنين. فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إني مهبطكما إلى الأرض، ومعاهد إليكما أن لا تشركا، ولا تزنيا، ولا تخونا. فأهبطا إلى الأرض وألقى عليهما الشبق، وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة امرأة، فتعرضت لهما فأراداها عن نفسها، فقالت: إني على دين لا يصلح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله. قالا: وما دينك؟ قالت: المجوسية. قالا: أنشرك؟ هذا شيء لا نقر به. فمكثت عنهما ما شاء الله، ثم تعرضت لهما فأراداها عن نفسها، فقالت: ما شئتما غير أن لي زوجاً وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فافتضح، وإن أقررتما لي بديني وشرطتما أن تصعدا بي إلى السماء فعلت. فأقرا لها بدينها وأتياها فيما يريان ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا إلى السماء اختطفت منهما وقطعت أجنحتهما فوقعا خائفين نادمين يبكيان. وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب فقالا: لو أتينا فلاناً فسألناه يطلب لنا التوبة. فأتياه فقال: رحمكما الله كيف تطلب أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا: إنا ابتلينا. قال: ائتياني يوم الجمعة، فأتياه فقال: ما أجبت فيكما بشيء ائتياني في الجمعة الثانية، فأتياه فقال: اختارا فقد خيرتما إن أحببتما معافاة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله. فقال أحدهما: الدنيا لم يمض منها إلا القليل، وقال الآخر: ويحك...! إني قد أطعتك في الأول فأطعني الآن، وإن عذاباً يفنى ليس كعذاب يبقى. قال: إننا يوم القيامة على حكم الله فأخاف أن يعذبنا. قال: لا إني أرجو أن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة لا يجمعهما الله علينا. قال فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار، أعاليهما أسافلهما قال ابن كثير: إسناده جيد، وهو أثبت وأصح إسناداً من رواية معاوية بن صالح عن نافع. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: لما وقع الناس من بني آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: رب هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، وقد وقعوا فيما وقعوا فيه، وركبوا الكفر، وقتل النفس، وأكل مال الحرام، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر، فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم. فقيل: إنهم في غيب فلم يعذروهم. فقيل لهم: اختاروا منكم من أفضلكم ملكين آمرهما وأنهاهما، فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما أن يعبداه ولا يشركا به شيئاً، ونهاهما عن قتل النفس الحرام، وأكل مال الحرام، وعن الزنا، وشرب الخمر، فلبثا في الأرض زماناً يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمان إدريس، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وإنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول، وأراداها عن نفسها فأبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها، فسألاها عن دينها فأخرجت لهما صنماً، فقالت: هذا أعبده. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا. فذهبا فغبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها فأراداها عن نفسها، ففعلت مثل ذلك، فذهبا ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها، فلما رأت أنهما أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا أحد الخلال الثلاث. إما أن تعبدا هذا الصنم، و إما أن تقتلا هذا النفس، وإما أن تشربا هذا الخمر، فقالا: كل هذا لا ينبغي وأهون الثلاثة شرب الخمر. فأخذت منهما فواقعا المرأة، فخشيا أن يخبر الإِنسان عنهما فقتلاه، فلما ذهب عنهما السكر وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة أرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه فعجبوا كل العجب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فنزل في ذلك {أية : والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض}تفسير : [الشورى: 5]. فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة؟ فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا فجعلا ببابل فهما يعذبان. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون بالمعاصي، فقالوا: يا رب أهل الأرض يعملون بالمعاصي! فقال الله: أنتم معي وهم غُيُبٌ عني. فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة: فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض يحكمون بين أهل الأرض وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأمروا أن لا يشربوا خمراً، ولا يقتلوا نفساً، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن. فاستقال منهم واحد فأقيل فاهبط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها أناهيلة فهوياها جميعاً، ثم أتيا منزلها فاجتمعا عندها فأراداها، فقالت لهما: لا حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني. فقالا: لا نسجد. ثم شربا من الخمر، ثم قتلا، ثم سجدا، فأشرف أهل السماء عليهما، وقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما، فأخبراها فطارت فمسخت جمرة وهي هذه الزهرة، وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود، فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فهما مناطان بين السماء والأرض. وأخرج ابن جرير من طريق أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود وابن عباس قالا: لما كثر بنو آدم وعصوا دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال: ربنا لا تمهلهم. فأوحى الله إلى الملائكة: أني أزلت الشهوة والشيطان من قلوبكم، ولو تركتكم لفعلتم أيضاً. قال: فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا لعصموا، فأوحى الله إليهم: أن اختاروا ملكين من أفضلكم. فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس يسمونها بيدخت. قال: فواقعاها بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا، فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق الزهري عن عبيدالله بن عبدالله في هذه الآية. كانا ملكين من الملائكة فاهبطا ليحكما بين الناس، وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة فخافا لها، ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك، وخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. وأخرج سعيد بن منصور عن خصيف قال: كنت مع مجاهد، فمر بنا رجل من قريش فقال له مجاهد: حدثنا ما سمعت من أبيك؟ قال: حدثني أبي: أن الملائكة حين جعلوا ينظرون إلى أعمال بني آدم وما يركبون من المعاصي الخبيثة وليس يستر الناس من الملائكة شيء، فجعل بعضهم يقول لبعض: انظروا إلى بني آدم كيف يعملون كذا وكذا ما أجرأهم على الله، يعيبونهم بذلك! فقال الله لهم: لقد سمعت الذي تقولون في بني آدم، فاختاروا منكم ملكين أهبطهما إلى الأرض، واجعل فيهما شهوة بني آدم، فاختاروا هاروت وماروت، فقالوا: يا رب ليس فينا مثلهما. فأهبطا إلى الأرض، وجعلت فيهما شهوة بني آدم، ومثلت لهما الزهرة في صورة امرأة، فلما نظرا إليها لم يتمالكا أن تناولا ما الله أعلم به، وأخذت الشهوة بأسماعهما وأبصارهما، فلما أرادا أن يطيرا إلى السماء لم يستطيعا، فأتاهما ملك فقال: إنكما قد فعلتما ما فعلتما، فاختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فقال أحدهما للآخر: ماذا ترى؟! قال: أرى أن أعذب في الدنيا ثم أعذب أحبّ إليّ من أن أعذب ساعة واحدة في الآخرة، فهما معلقان منكسان في السلاسل وجعلا فتنة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن الله أفرج السماء إلى ملائكته ينظرون إلى أعمال بني آدم، فلما أبصروهم يعملون بالخطايا قالوا: يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقت بيدك، وأسجدت له ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء، يعملون بالخطايا. قال: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا، فأمِروا أن يختاروا من يهبط إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت وأهبطا إلى الأرض، وأحل لهما ما فيها من شيء غير أنهما لا يشركا بالله شيئاً، ولا يسرقا، ولا يزنيا، ولا يشربا الخمر، ولا يقتلا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فعرض لهما امرأة قد قسم لها نصف الحسن يقال لها بيذخت، فلما أبصراها أراداها قالت: لا، إلا أن تشركا بالله، وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم. فقالا: ما كنا لنشرك بالله شيئاً! فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا، إلا أن تشربا الخمر، فشربا حتى ثملا، ودخل عليهما سائل فقتلاه، فلما وقعا فيما وقعا فيه أفرج الله السماء لملائكته، فقالوا: سبحانك...! أنت أعلم. فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، فكبلا من أكعبهما إلى أعناقهما بمثل أعناق البخت، وجعلا ببابل. وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت ". تفسير : وأخرج الخطيب في رواية مالك عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قال أخي عيسى: معاشر الحواريين احذروا الدنيا لا تسحركم، لهي والله أشد سحراً من هاروت وماروت، واعلموا أن الدنيا مدبرة والآخرة مقبلة، وإن لكل واحدة منهما بنين فكونوا من أبناء الآخرة دون بني الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً الحساب ولا عمل ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبدالله بن بسر المازني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اتقوا الدنيا، فوالذي نفسي بيده أنها لأسحر من هاروت وماروت ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: لما وقع الناس من بني آدم فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله قالت الملائكة في السماء: أي رب هذا العالم إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك وقد ركبوا الكفر، وقتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، فجعلوا يدعون عليهم ولا يعذرونهم. فقيل لهم: إنهم في غيب فلم يعذروهم، فقيل لهم: اختاروا منكم ملكين آمرهما بأمري وأنهاهما عن معصيتي. فاختاروا هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض وجعل بهما شهوات بني إسرائيل، وأمرا أن يعبدا الله وأن لا يشركا به شيئاً، ونهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، فلبثا على ذلك في الأرض زماناً يحكمان بين الناس بالحق وذلك في زمان إدريس. وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وإنها أبت عليهما فخضعا لها بالقول وأراداها على نفسها، وإنها أبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها، وإنهما سألاها عن دينها الذي هي عليه، فأخرجت لهما صنماً فقالت: هذا أعبده. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا، فذهبا فصبرا ما شاء الله ثم أتيا عليها، فخضعا لها ما شاء الله بالقول وأراداها على نفسها، فقالت: لا، إلا أن تكونا على ما أنا عليه. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا. فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث. إما أن تعبدا الصنم، أو تقتلا النفس، أو تشربا هذا الخمر، فقالا: كل هذا لا ينبغي وأهون الثلاثه شرب الخمر. وسقتهما الخمر حتى إذا أخذت الخمرة فيهما وقعا بها، فمر بهما إنسان وهما في ذلك، فخشيا أن يفشي عليهما فقتلاه. فلما أن ذهب عنهما السكر عرفا ما قد وقعا فيه من الخطيئة، وأرادا أن يصعدا إلى السماء فلم يستطيعا، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما قد وقعا فيه من الذنوب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فلما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة قيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فقالا: أما عذاب الدنيا فينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا فجعلا ببابل فهما يعذبان". وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن هاروت وماروت أهبطا إلى الأرض، فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر. وذلك أنهما علما الخير والشر والكفر والإِيمان، فعرفا أن السحر من الكفر، فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه، فإن تعلمه خرج منه النور، فينظر إليه ساطعاً في السماء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة أنها قالت: قدمت على امرأة من أهل دومة الجندل تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته حداثة ذلك تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به. قالت: كان لي زوج غاب عني، فدخلت على عجوز فشكوت إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك فأجعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل، فإذا أنا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر. فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي. فأبيت وقلت: لا. قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه ثم ائتي، فذهبت، فاقشعر جلدي وخفت، ثم رجعت إليهما فقلت: قد فعلت. فقالا: ما رأيت؟ فقلت: لم أر شيئاً. فقالا: كذبت، لم تفعلي ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فإنك على رأس أمرك، فأبيت. فقالا اذهبي إلى ذلك التنور فبولي به وذهبت فبلت فيه، فرأيت فارساً مقنعاً بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء وغاب عني حتى ما أراه، وجئتهما فقلت: قد فعلت. فقالا: فما رأيت؟ فقلت: رأيت فارساً مقنعاً خرج مني فذهب في السماء حتى ما أراه. قالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئاً ولا قالا لي شيئاً. فقالت: لا، لم تريدي شيئاً إلا كان خذي هذا القمح فابذري، فبذرت وقلت اطلعي فاطلعت، وقلت احقلي فاحقلت، ثم قلت افركي فأفركت، ثم قلت ايبسي فأيبست، ثم قلت اطحني فأطحنت، ثم قلت اخبزي فأخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئاً إلا كان سقط في يدي، وندمت والله يا أم المؤمنين ما فعلت شيئاً ولا أفعله أبداً، فسألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يومئذ متوافرون، فما دروا ما يقولون لها، وكلهم خاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس أو بعض من كان عنده، لو كان أبواك حيين أو أحدهما لكانا يكفيانك. وأخرج ابن المنذر من طريق الأوزاعي عن هارون بن رباب قال: دخلت على عبد الملك بن مروان وعنده رجل قد ثنيت له وسادة وهو متكىء عليها، فقالوا: هذا قد لقي هاروت وماروت. فقلت: هذا...! قالوا: نعم. فقلت حدثنا رحمك الله. فأنشأ يحدث فلم يتمالك من الدموع فقال: كنت غلاماً حدثاً ولم أدرك أبي، وكانت أمي تعطيني من المال حاجتي فأنفقه وأفسده وأبذره ولا تسألني أمي عنه، فلما طال ذلك وكبرت أحببت أن أعلم من أين لأمي هذه الأموال، فقلت لها يوماً: من أين لك هذه الأموال؟ فقالت: يا بني كل وتنعم ولا تسأل فهو خير لك، فألححت عليها فقالت: إن أباك كان ساحراً، فلم أزل أسألها وألح، فأدخلتني بيتاً فيه أموال كثيرة فقالت: يا بني هذا كله لك فكل وتنعم ولا تسأل عنه. فقلت: لا بد من أن أعلم من أين هذا. قال: فقالت: يا بني كل وتنعم ولا تسأل فهو خير لك. قال: فألححت عليها فقالت: إن أباك كان ساحراً وجمع هذه الأموال من السحر. قال: فأكلت ما أكلت ومضى ما مضى، ثم تفكرت قلت: يوشك أن يذهب هذا المال ويفنى، فينبغي أن أتعلم السحر فأجمع كما جمع أبي، فقلت لأمي: من كان خاصة أبي وصديقه من أهل الأرض؟ قالت: فلان لرجل في مكانٍ ما. فتجهزت فأتيته فسلمت عليه، فقال: من الرجل؟ قلت: فلان ابن فلان صديقك. قال: نعم مرحباً، ما جاء بك فقد ترك أبوك من المال ما لا يحتاج إلى أحد؟ قال: فقلت: جئت لأتعلم السحر. قال: يا بني لا تريده لا خير فيه. قلت: لا بد من أن أتعلمه. قال: فناشدني وألح علي أن لا أطلبه ولا أريده. فقلت: لا بد من أن أتعلمه. قال: أما إذا أبيت فاذهب فإذا كان يوم كذا وكذا فوافني ههنا. قال: ففعلت فوافيته قال: فأخذ يناشدني أيضاً وينهاني ويقول: لا تريد السحر لا خير فيه. فأبيت عليه، فلما رآني قد أبيت قال: فإني أدخلك موضعاً فإياك أن تذكر الله فيه...! قال: فأدخلني في سرب تحت الأرض. قال: فجعلت أدخل ثلثمائة وكذا مرقاة ولا أنكر من ضوء النهار شيئاً، قال: فلما بلغت أسفله إذا أنا بهاروت وماروت معلقان بالسلاسل في الهواء، قال: فإذا أعينهما كالترسة، ورؤوسهما ذكر شيئاً لا أحفظه، ولهما أجنحة،فلما نظرت إليهما قلت: لا إله إلا الله قال: فضربا بأجنحتهما ضربا شديداً وصاحا صياحاً شديداً ساعة ثم سكتا، ثم قلت: أيضاً لا إله إلا الله، ففعلا مثل ذلك، ثم قلت الثالثة ففعلا مثل ذلك أيضاً، ثم سكتا وسكت، فنظرا إلي فقالا لي: آدمي...؟ فقلت: نعم. قال: قلت ما بالكما حين ذكرت الله فعلتما ما فعلتما...! قالا: إن ذلك اسم لم نسمعه من حين خرجنا من تحت العرش. قالا: من أمة من؟ قلت: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قالا: أو قد بعث؟ قلت: نعم. قالا: اجتمع الناس على رجل واحد أو هم مختلفون؟ قلت: قد اجتمعوا على رجل واحد. قال: فساءهما ذلك فقالا: كيف ذات بينهم؟ قلت: سِّيىء. فسرهما ذلك فقالا: هل بلغ البنيان بحيرة الطبرية؟ قلت: لا. فساءهما ذلك فسكتا. فقلت لهما: ما بالكما حين أخبرتكما باجتماع الناس على رجل واحد ساءكما ذلك؟ فقالا: إن الساعة لم تقرب ما دام الناس على رجل واحد. قلت: فما بالكما سركما حين أخبرتكما بفساد ذات البين؟ قالا: لأنا رجونا اقتراب الساعة. قال: قلت: فما بالكما ساءكما أن البينان لم يبلغ بحيرة الطبرية؟ قالا: لأن الساعة لا تقوم أبداً حتى يبلغ البنيان بحيرة الطبرية. قال: قلت لهما: أوصياني. قالا: إن قدرت أن لا تنام فافعل فإن الأمر جد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: وأما شأن هاروت وماروت فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض بين بني آدم، فاختاروا فلم يألوا بهاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: أعجبتما من بني آدم ومن ظلمهم ومعصيتهم وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء وراء، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول فافعلا كذا وكذا ودعا كذا وكذا، فأمرهما بأمر ونهاهما، ثم نزلا على ذلك ليس أحد لله أطوع منهما، فحكما فعدلا فكانا يحكمان النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا وكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم فقضيا عليها. فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل ما وجدت؟ قال: نعم. فبعثا إليها أن ائتينا نقض لك. فلما رجعت قضيا لها،وقالا لها: ائتينا فاتتهما فكشفا لها عن عورتهما، وإنما كانت شهوتهما في أنفسهما ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها، فلما بلغا ذلك واستحلاه وافتتنا طارت الزهرة فرجعت حيث كانت، فلما أمسيا عرجا فزجرا فلم يؤذن لهما ولم تحملهما أجنحتهما، فاستغاثا برجل من بني آدم فأتياه فقالا: ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يوماً وعداً يدعو لهما، فدعا لهما فاستجيب له فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقالا: نعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد نعم، ومع الدنيا سبع مرات مثلها، فأمرا أن ينزلا ببابل فثم عذابهما، وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان يصطفقان بأجنحتهما. وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات وابن مردويه والديلمي عن علي "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسوخ فقال: هم ثلاثة عشر. الفيل، والدب، والخنزير، والقرد، والجريث، والضب، والوطواط، والعقرب، والدعموص، والعنكبوت، والأرنب، وسهيل، والزهرة، فقيل: يا رسول الله وما سبب مسخهن؟ فقال: أما الفيل فكان رجلاً جباراً لوطياً لا يدع رطباً ولا يابساً، وأما الدب فكان مؤنثاً يدعو الناس إلى نفسه، وأما الخنزير فكان من النصارى الذين سألوا المائدة فلما نزلت كفروا، وأما القردة فيهود اعتدوا في السبت، وأما الجريث فكان ديوثاً يدعو الرجال إلى حليلته، وأما الضب فكان إعرابياً يسرق الحاج بمحجنه، وأما الوطواط فكان رجلاً يسرق الثمار من رؤوس النخل، وأما العقرب فكان رجلاً لا يسلم أحد من لسانه، وأما الدعموص فكان نماماً يفرق بين الأحبة، وأما العنكبوت فامرأة سحرت زوجها، وأما الأرنب فامرأة كانت لا تطهر من حيض، وأما سهيل فكان عشاراً باليمن، وأما الزهرة فكانت بنتاً لبعض ملوك بني إسرائيل افتتن بها هاروت وماروت ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حديث : يا جبريل ما لي أراك متغير اللون؟! فقال: ما جئتك حتى أمر الله بمفاتيح النار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل صف لي النار وانعت لي جهنم. فقال جبريل: إن الله تبارك وتعالى أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة لا يضيء شررها ولا يطفأ لهبها، والذي بعثك بالحق لو أن ثقب ابرة فتح من جهنم لمات من في الأرض كلهم جميعاً من حره، والذي بعثك بالحق لو أن ثوباً من ثياب الكفار علق بين السماء والأرض لمات من في الأرض جميعاً من حره، والذي بعثك بالحق لو أن خازناً من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا فنظروا إليه لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه ومن نتن ريحه، والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لارفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حسبي يا جبريل"، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل وهو يبكي فال: تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به؟ فقال: وما لي لا أبكي أنا أحق بالبكاء، لعلي أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي ابتلي بما ابتلي به إبليس فقد كان من الملائكة، وما أدري لعلي ابتلي بما ابتلي به هاروت وماروت، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى جبريل، فما زالا يبكيان حتى نوديا: أن يا جبريل ويا محمد ان الله قد أمنكما أن تعصياه ". تفسير : وأما قوله تعالى: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة} . أخرج ابن جرير عن الحسين وقتادة قالا: كانا يعلمان السحر، فأخذ عليهما أن لا يعلما أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {إنما نحن فتنة} قال: بلاء. وأما قوله تعالى: {فلا تكفر} . أخرج البزار والحاكم وصححه عن عبدالله بن مسعود قال: من أتى كاهناً أو ساحراً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد. وأخرج البزار عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن عقد عقدة، ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من تعلم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً كان آخر عهده من الله ". تفسير : وأما قوله تعالى: {فيتعلمون منهما} الآية. أخرج عبد حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} قال: يؤخرون أحدهما عن صاحبه، ويبغضون أحدهما إلى صاحبه. وأخرج ابن جرير عن سفيان في قوله {إلا بإذن الله} قال: بقضاء الله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {ولقد علموا} قال: لقد علم أهل الكتاب فيما يقرأون من كتاب الله وفيما عهد لهم أن الساحر لا خلاق له عند الله يوم القيامة. وأخرج مسلم عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الشيطان يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة، فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئاً، ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيقربه ويدنيه ويلتزمه ويقول: نعم أنت ". تفسير : وأخرج أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني عن عمرو بن دينار قال: قال الحسن بن علي بن أبي طالب لذريح أبي قيس: أحل لك أن فرقت بين نفسي وبيني، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: ما أبالي أفرقت بين الرجل وامرأته أو مشيت إليهما بالسيف. وأخرج ابن ماجة عن أبي رهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أفضل الشفاعة أن يشفع بين اثنين في النكاح ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ما له في الآخرة من خلاق} قال: قوام. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ما له في الآخرة من خلاق} قال: من نصيب. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {ما له في الآخرة من خلاق} قال: من نصيب. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول: شعر : يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم إلا سرابيل من قطر وأغلال تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد {ما له في الآخرة من خلاق} قال: من نصيب. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن {ما له في الآخرة من خلاق} قال: ليس له دين. وأما قوله تعالى: {ولبئس ما شروا} الآية. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ولبئس ما شروا} قال: باعوا.
ابو السعود
تفسير : {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ} عطفٌ على جواب (لما) أي نبذوا كتابَ الله واتبعوا كتبَ السَحَرة التي كانت تقرؤها الشياطين وهم المتمرِّدون من الجن، و(تتلو) حكايةُ حالٍ ماضيةٍ والمرادُ بالاتباع التوغلُ والتمحُّض فيه والإقبال عليه بالكلية، وإلا فأصلُ الاتباعِ كان حاصلاً قبل مجيءِ الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يتسنّى عطفُه على جواب لما ولذلك قيل: هو معطوف على الجملة، وقيل: على على أُشربوا {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ} أي في عهد مُلكِه قيل: كانت الشياطينُ يسترقون السمعَ ويضُمُّون إلى ما سمِعوا أكاذيبَ يُلفِّقونها ويُلْقونها إلى الكهنة وهم يدوِّنونها ويعلّمونها الناسَ وفشا ذلك في عهد سليمانَ عليه السلام حتى قيل: إن الجن تعلم الغيب، وكانوا يقولون هذا عِلمُ سليمان وما تم له مُلكُه إلا بهذا العلم، وبه سَخَّر الإنسَ والجنّ والطيرَ والريحَ التي تجري بأمره، وقيل: إن سليمانَ عليه السلام كان قد دفنَ كثيراً من العلوم التي خصّه الله تعالى بها تحت سريرِ مُلكه فلما مضت على ذلك مدةٌ توصَّل إليها قومٌ من المنافقين فكتبوا في خلال ذلك أشياءَ من فنون السحرِ تناسب تلك الأشياءَ المدفونةَ من بعض الوجوه، ثم بعد موته واطلاعِ الناس على تلك الكتبِ أوهموهم أنه من عملِ سُليمانَ عليه السلام وأنه ما بلغ هذا المبلغَ إلا بسبب هذه الأشياء. {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ} تنزيهٌ لساحته عليه السلام عن السحر وتكذيبٌ لمن افترى عليه بأنه كان يعتقده ويعمل به، والتعرُّضُ لكونه كُفراً للمبالغة في إظهار نزاهتِه عليه السلام وكذِبِ باهِتيهِ بذلك {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ} وقرىء بتخفيف (لكنّ) ورفع الشياطين، والواو عاطفةٌ للجملة الاستدراكية على ما قبلها، وكونُ المخففة عند الجمهور للعطف إنما هو عند عدم الواو وكون ما بعدها مفرداً {كَفَرُواْ} باستعمال السحر وتدوينِه {يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسّحْرَ} إغواءً وإضلالاً، والجملةُ في محل النصبِ على الحالية من ضمير كفروا أو من الشياطين فإن ما في (لكنّ) من رائحة الفعل كافٍ في العمل في الحال أو في محل الرفع على أنه خبرٌ ثانٍ للكنّ أو بدلٌ من الخبر الأول، وصيغةُ الاستقبال للدَلالة على استمرار التعليمِ وتجدُّدِه أو جملةٌ مستأنفة. هذا على تقدير كونِ الضميرِ للشياطين وأما على تقدير رجوعِه إلى فاعل اتبعوا فهي إما حالٌ منه وإما استئنافيةَ فحسب واعلم أن السحرَ أنواعٌ منها سحْرَ الكَلدانيـين الذين كانوا في قديم الدهر وهم قوم يعبُدون الكواكبَ ويزعُمون أنها هي المدبِّرةُ لهذا العالم ومنها تصدرُ الخيراتُ والشرورُ والسعادةُ والنحوسةُ، ويستحدثون الخوارقَ بواسطة تمزيج القُوى السماوية بالقوىٰ الأرضية وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام لإبطال مقالتهم وهم ثلاثُ فِرقٍ ففِرقةٌ منهم يزعُمون أن الأفلاكَ والنجومَ واجبةُ الوجود لذواتها وهم الصابئة، وفرقةٌ يقولون بإلٰهية الأفلاكِ ويتخذون لكل واحدٍ منها هيكلاً ويشتغلون بخدمتها وهم عبَدَةُ الأوثان، وفرقة أثبتوا للأفلاك وللكواكب فاعلاً مختاراً لكنهم قالوا إنه أعطاها قوةً عالية نافذةً في هذا العالم وفَوَّضَ تدبـيرَه إليها، ومنها سحْرَ أصحابِ الأوهام والنفوسِ القوية فإنهم يزعُمون أن الإنسانَ تبلُغُ روحُه بالتصفية في القوة والتأثير إلى حيث يقدِرُ على الإيجاد والإعدام والإحياءِ والإماتةِ وتغيـيرِ البُنية والشكل، ومنها سحرُ من يستعين بالأرواحِ الأرضيةِ وهو المسمّى بالعزائم. وتسخيرِ الجن، ومنها التخيـيلاتُ الآخذة بالعيون وتسمَّى الشَّعْوذةَ. ولا خلاف بـين الأمة في أن من اعتقد الأول فقد كفر وكذا من اعتقد الثانيَ وهو سحرُ أصحاب الأوهامِ والنفوسِ القويةِ وأما من اعتقد أن الإنسان يبلُغ بالتصفية وقراءةِ العزائم والرُقىٰ إلى حيث يخلق الله سبحانه وتعالى عَقيبَ ذلك على سبـيل جَرَيان العادةِ بعضَ الخوارق فالمعتزلةُ اتفقوا على أنه كافر، لأنه لا يمكنه بهذا الاعتقاد معرفةُ صدقِ الأنبـياءِ والرسلِ بخلاف غيرهم، ولعل التحقيق أن ذلك الإنسانَ إن كان خيِّراً متشرِّعاً في كل ما يأتي ويذر وكان من يستعين به من الأرواح الخيِّرة وكانت عزائمُه ورُقاه غيرَ مخالفةٍ لأحكام الشريعة الشريفةِ ولم يكن فيما ظهَرَ في يده من الخوارق ضررٌ شرعيٌّ لأحد فليس ذلك من قبـيل السحر، وإن كان شرِّيراً غيرَ متمسِّكٍ بالشريعة الشريفة فظاهرٌ أن من يستعين به من الأرواحِ الخبـيثةِ الشريرة لا محالة، ضرورةَ امتناعِ تحقق التضامن والتعاون بـينهما من غير اشتراك في الخبث والشرارة فيكون كافراً قطعاً، وأما الشعوذةُ وما يجري مجراها من إظهار الأمور العجيبةِ بواسطة ترتيبِ الآلات الهندسيةِ وخِفة اليد والاستعانة بخواصِّ الأدوية والأحجارِ فإطلاقُ السحر عليها بطريق التجوزِ أو لما فيها من الدقة لأنه في الأصل عبارةٌ عن كل ما لَطُف مأخذُه وخفيَ سببُه أو من الصرْف عن الجهة المعتادة لما أنه في أصل اللغة الصرفُ على ما حكاه الأزهري عن الفراء ويونس {وَمَا أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} عطفٌ على السحر أي ويعلمونهم ما أنزل عليهما، والمرادُ بهما واحد، والعطفُ لتغاير الاعتبارِ أو هو نوعٌ أقوى منه أو على ما تتلو وما بـينهما اعتراضٌ أي واتَّبعوا ما أنزل الخ وهما ملكانِ أنزلا لتعليم السحر ابتلاءً من الله للناس كما ابتليَ قومُ طالوتَ بالنهر أو تميـيزاً بـينه وبـين المعجزة لئلا يغترَّ به الناسُ أو لأن السحرَة كثُرتْ في ذلك الزمان واستنبطتْ أبواباً غريبةً من السحر وكانوا يدّعون النبوةَ فبعث الله تعالى هذين الملكينِ ليعلّما الناسَ أبوابَ السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكذابـين وإظهارِ أمرِهم على الناس. وأما ما يُحكى من أن الملائكة عليهم السلام لما رأَوْا ما يصعَد من ذنوب بني آدمَ عيّروهم، وقالوا لله سبحانه: هؤلاء الذين اخترتَهم لخلافة الأرضِ يعصونك فيها فقال عز وجل: لو ركّبتُ فيكم ما ركبتُ فيهم لعصيتموني، قالوا: سبحانك ما ينبغي لنا أن نعصيَك قال تعالى: فاختاروا من خياركم ملكين فاختاروا هاروتَ وماروتَ وكانا من أصلحهم وأعبدِهم فأُهبطا إلى الأرض بعد ما ركب فيهما ما ركب في البشر من الشهوة وغيرها من القوة ليقضيا بـين الناس نهاراً ويعرُجا إلى السماء مساءً وقد نُهيا عن الإشراك والقتل بغير الحق وشرب الخمر والزنا وكانا يقضيان بـينهم نهاراً فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم فصَعِدا إلى السماء فاختصمت إليهما ذاتَ يوم امرأةٌ من أجمل النساءِ تسمّى «زهرةَ» وكانت من لَخْم وقيل: كانت من أهل فارسَ ملكةً في بلدها وكانت خصومتها مع زوجها فلما رأياها افتُتنا بها فراوداها عن نفسها فأبت فألحا عليها فقالت: لا إلا أن تقضيا لي على خصمي، ففعلا، ثم سألاها ما سألا، فقالت: لا إلا أن تقتُلاه ففعلا، ثم سألاها ما سألا فقالت: لا إلا أن تشربا الخمرَ وتسجدا للصَّنم ففعلا كلاً من ذلك بعد اللتيا والتي ثم سألاها ما سألا فقالت: لا إلا أن تعلماني ما تصعَدانِ به إلى السماء فعلماها الاسمَ الأعظم فدعَتْ به وصعِدَتْ إلى السماء فمسخها سبحانه كوكباً فهمّا بالعروج حسب عادتهما فلم تطِعْهما أجنحتُهما فعلما ما حل بهما، وكانا في عهد إدريس عليه السلام فالتجأا إليه ليشفَعَ لهما ففعل فخيّرهما الله تعالى بـين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا الأول لانقطاعه عما قليل فهما معذبان ببابلَ قيل: معلقان بشعورهما وقيل: منكوسان يُضربان بسياطِ الحديد إلى قيام الساعة فمما لا تعويل عليه لما أن مدارَه روايةُ اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقلِ، ولعله من مقولة الأمثال والرموز التي قصد بها إرشادُ اللبـيب الأريبِ بالترغيب والترهيب وقيل: هما رجلان سُمِّيا ملكين لصلاحهما ويعضُده قراءة الملِكين بالكسر {بِبَابِلَ} الباء بمعنى في وهي متعلقةٌ بأنزل أو بمحذوف وقع حالاً من الملكين أو من الضمير في أنزل وهي بابلُ العراق، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: بَابِلُ أرضُ الكوفة وقيل: جبلُ دماوند ومَنعَ الصرفَ العجمةُ والعَلَمية أو للتأنيث والعلمية {هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ} عطفُ بـيان للملكين علمان لهما ومُنِعَ صرفُهما للعجُمة والعلمية، ولو كانا من الهرْت والمرْت بمعنى الكسر لانصرفا، وأما من قرأ الملِكين بكسر اللام أو قال كانا رجلين صالحين فقال: هما اسمان لهما وقيل: هما اسما قبـيلتين من الجن هما المرادُ من الملِكين بالكسر وقرىء بالرفع على هما هاروت، وماروت {وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} مِنْ مزيدة في المفعول به لإفادة تأكيد الاستغراقِ الذي يفيده (أحدٍ) لا لإفادة نفس الاستغراق كما في قولك: ما جاءني من رجل، وقرىء يُعْلِمانِ من الإعلام {حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} الفتنةُ الاختبارُ والامتحانُ وإفرادُها مع تعدّدهما لكونها مصدراً، وحملُها عليهما مواطأةٌ للمبالغة كأنهما نفسُ الفتنة، والقصرُ لبـيان أنه ليس لهما فيما يتعاطيَانِه شأنٌ سواها لينصرِفَ الناسُ عن تعلّمه أي وما يُعلّمان ما أنزل عليهما من السحر أحداً من طالبـيه حتى ينصَحاه قبل التعليم ويقولا له إنما نحن فتنةٌ وابتلاء من الله عز وجل فمن عمِل بما تعلم منا واعتقد حقّيته كفَر، ومن تَوقَّى عن العمل به أو اتخذه ذريعةً للاتقاءِ عن الاغترار بمثله بقيَ على الإيمان {فَلاَ تَكْفُرْ} باعتقاد حقّيتهِ وجوازِ العمل به، والظاهرُ أن غاية النفي ليست هذه المقالةَ فقط بل من جملتها التزامُ المخاطب بموجب النهي لكن لم يُذكَرْ لظهُوره، وكونِ الكلامِ في بـيان اعتناءِ الملكين بشأن النُصح والإرشاد، والجملةُ في محل النصب على الحالية من ضمير يعلمون لا معطوفةٌ عليه كما قيل أي ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناسَ السحرَ وما أنزل على الملكين ويحمِلونهم على العمل به إغواءً وإضلالاً، والحال أنهما ما يعلمان أحداً حتى ينهيَاهُ عن العمل به والكفرِ بسببه، وأما ما قيل من أن (ما) في قوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ} الخ نافيةٌ والجملةُ معطوفةٌ على قوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ} جيء بها لتكذيب اليهودِ في القصة أي لم يُنزَّل على الملكين إباحةُ السحر، وأن هاروتَ وماروتَ بدلٌ من الشياطين على أنهما قبـيلتان من الجن خُصتا بالذكر لأصالتهما وكونِ باقي الشياطينِ أتباعاً لهما وأن المعنى ما يعلّمان أحداً حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفرْ فتكونَ مثلَنا فيأباه أن مقام وصفِ الشياطين بالكفر وإضلال الناس مما لا يلائمه وصفُ رؤسائهم بما ذكر من النهي عن الكفر مع ما فيه من الإخلال بنظام الكلامِ فإن الإبدالَ في حُكم تنحيةِ المبدَل منه {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} عطفٌ على الجملة المنفية فإنها في قوة المثبتة كأنه قيل: يعلمانهم بعد قولِهما إنما نحن الخ والضميرُ لأحدٍ حملا على المعنى كما في قوله تعالى: {أية : فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ} تفسير : [الحاقة، الآية 47] {مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ} أي بسببه وباستعماله {بَيْنَ ٱلْمَرْءِ} وقرىء بضم الميم وكسرِها مع الهمزة وتشديد الراء بلا همزة {وَزَوْجِهِ} بأن يُحدث الله تعالى بـينهما التباغضَ والفركَ والنشوزَ عندما فعلوا ما فعلوا من السحر على حسب جري العادةِ الإلٰهية من خلق المسبَّبات عقيب حصول الأسباب العاديةِ ابتلاءً لا أن السحرَ هو المؤثرُ في ذلك وقيل: فيتعلمون منهما ما يعملون به فيراه الناسُ ويعتقدون أنه حق فيكفرون فتَبـينُ أزواجهم {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ} أي بما تعلّموه واستعملوه من السحر {مّنْ أَحَدٍ} أي أحداً ومن مزيدة كما ذكر في قوله تعالى: {وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} والمعهود وإن كان زيادتها في معمول فعلٍ منفي إلا أنه حُملت الاسميةُ في ذلك على الفعلية كأنه قيل: وما يضرون به من أحد {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} لأنه وغيرَه من الأسباب بمعزل من التأثير بالذات وإنما هو بأمره تعالى فقد يُحدِث عند استعمالهم السحرَ فعلاً من أفعاله ابتلاءً، وقد لا يُحدِثه والاستثناءُ مفرَّغٌ والباء متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من ضمير ضارِّين أو من مفعوله وإن كان نكرةً لاعتمادها على النفي أو الضمير المجرورِ في به أي وما يُضرون به أحداً إلا مقروناً بإذن الله تعالى وقرىء بضارِّي على الإضافة بجعل الجارِّ جزءاً من المجرور وفصلِ ما بـين المُضافين بالظرف {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ} لأنهم يقصِدون به العمل أو لأن العلم يجرُّ إلى العَمل غالباً {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} صرح بذلك إيذاناً بأنه ليس من الأمور المشوبة بالنفع والضرر بل هو شرٌّ بحتٌ وضررٌ محضٌ لأنهم لا يقصدون به التخلّصَ عن الاغترار بأكاذيبِ من يدّعي النبوةَ مثلاً من السَحَرة أو تخليصَ الناس منه حتى يكون فيه نفعٌ في الجملة وفيه أن الاجتنابَ عما لا يؤمن غوائلُه خيرٌ كتعلم الفلسفةِ التي يؤمن أن تجُرَّ إلى الغواية وإن قال من قال: شعر : عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ لكنْ لتوقِّيهِ ومن لا يعرِفِ الشرَّ من الناس يقَعْ فيهِ تفسير : {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} أي اليهود الذين حُكِيت جناياتُهم {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ} أي استبدلَ ما تتلو الشياطينُ بكتاب الله عز وجل واللامُ الأولى جوابُ قسمٍ محذوفٍ والثانيةُ لامُ ابتداءٍ عُلِّقَ به علِموا عن العمل ومَنْ موصولة في حيز الرفع بالابتداء واشتراه صلتها وقوله تعالى: {مَا لَهُ فِى ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ} أي من نصيبٍ، جملةٌ من مبتدإٍ وخبرٍ ومِنْ مزيدة في المبتدأ وفي الآخرة متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً منه، ولو أُخِّرَ عنه لكان صفةً له والتقدير ما له خلاقٌ في الآخرة وهذه الجملةُ في محلِّ الرفع على أنها خبرٌ للموصول والجملةُ في حيز النصبِ سادَّةٌ مسَدَّ مفعولَيْ علموا إن جُعل مُتعَدياً إلى اثنين أو مفعولِه الواحدِ إن جعل متعدياً إلى واحد، فجملة ولقد علموا الخ مُقْسَمٌ عليها دون جملة لمن اشتراه الخ هذا ما عليه الجمهورُ وهو مذهبُ سيبوبه وقال الفرّاءُ وتبعه أبو البقاء إن اللامَ الأخيرة موطئةٌ للقسم ومَنْ شرطية مرفوعةٌ بالابتداء واشتراه خبرُها، وما له في الآخرة من خلاق جوابُ القسم وجوابُ الشرطِ محذوفٌ اكتفاءً عنه بجواب القسم لأنه إذا اجتمع الشرطُ والقسمُ يُجاب سابقُهما غالباً، فحينئذ يكون الجملتان مُقْسماً عليهما {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ} أي باعوها واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي وبالله لبئسما باعوا به أنفسَهم السحرُ أو الكفرُ وفيه إيذانٌ بأنهم حيث نبذوا كتابَ الله وراء ظهورِهم فقد عرَّضوا أنفسهم للهَلكة وباعوها بما لا يزيدهم إلا تَباراً، وتجويزُ كونِ الشراء بمعنى الاشتراء [مما] لا سبـيلَ إليه لأن المشترىٰ متعين وهو ما تتلو الشياطين ولأن متعلَّق الذمِّ هو المأخوذُ لا المنبوذُ كما أشير إليه في تفسير قوله سبحانه: {أية : بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة، الآية 90] {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي يعملون بعلمهم. جُعلوا غيرَ عالمين لعدم عملِهم بموجب علمِهم،، أوْ لو كانوا يتفكرون فيه أو يعلمون قبحَه على اليقين، أو حقيقةَ ما يتْبعُه من العذاب عليه، على أن المُثبَتَ لهم أولاً على التوكيد القسميِّ العقلُ الغريزيُّ أو العلمُ الإجماليُّ بقبح الفعل أو ترتبِ العقاب من غير تحقيق، وجواب لو محذوف أي لما فعلوا ما فعلوا.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}[102] أي بعلم الله السابق فيه قبل وقوع ذلك الفعل من الفاعل. قوله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران:102] أراد فيما تعبدكم به لا فيما يستحقه الحق في ذاته عزَّ وجلَّ.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِّنْ أحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقْ}. مَنْ فرَّقَتْه الأهواء وقع في كل مطرح من مطارح الغفلة، فيستقبله كل جنس من قضايا الجهالة، ثم إن مَنْ طالت به الغيبة صار للناس عِبْرة، ولِمَنْ سلك طريقه فتنة، فمن اقتدى به في غيِّه انخرط في سِلْكِه، والتحق بجنسه، هكذا صفة هاروت وماروت فيما استقبلهما، صارا للخلْق فتنة بل عبرة، فمَنْ أصغى إلى قيلهما، ولم يعتبر بجهلهما تعلَّق به بلاؤهما، وأصابه في الآخرة عناؤهما. والإشارة من قصتهما إلى مَنْ مآلَ في هذه الطريقة إلى تمويهٍ وتلبيس، وإظهار دعوى بتدليس، فهو يستهوي مَنْ اتّبعه، ويلقيه في جهنم بباطله، (......). ومن تهتك بالجنوح إلى أباطيله تهتكت أستارُه، وظهر لذوي البصائر عوارُه. وإن هاروت وماروت لما اغتَّرا بحاصل ما اعتاداه من المعصية بَسَطَا لسان الملامة في عُصاة بني آدم، فَلِمَا رُكِّب فيهما من نوازع الشهوات، ودواعي الفتن والآفات، اقتحما في العصيان، وظهر منهما ما انتشر ذِكْرُه على ألسنة القصاص، وهما مُنَكَّسَان إلى يوم القيامة ولولا الرفق بهما وبشأنهما لَمَا انتهى في القيامة عذابُهما، ولكنَّ لطفَ الله مع الكافة كثيرٌ. ولَمَّا قال الله تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ} عَلِم أهل التحصيل أن العلم بكل معلوم - وإن كان صفةَ مدح - ففيه غيرُ مرغوبٍ فيه، بل هو مستعاذٌ منه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعوذ بك من علم لا ينفع ". تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. لو علم المغبونُ ماذا أبقى وماذا أبلى لتقطعت أحشاؤه حسراتٍ، ولكن سيعلم: {أية : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}تفسير : [الطارق: 9] الذي فاته من الكرائم.
اسماعيل حقي
تفسير : {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} اى نبذ اليهود كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا كتب السحرة التى تقرأها وتعمل بها الشياطين وهم المتمردون من الجن وتتلو حكاية حال ماضية والمراد بالاتباع التوغل والتمحض فيه والاقبال عليه بالكلية {على ملك سليمان} اى على عهد مكله وفى زمانه فحذف المضاف وعلى بمعنى فى. قال السدى كانت الشياطين تصعد الى السماء فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون فى الارض من موت وغيره ويأتون الكهنة ويخلطون بما سمعوا فى كل كلمة سبعين كذبة ويخبرونهم بها فاكتتب الناس ذلك وفشا فى بنى اسرائيل ان الجن تعلم الغيب وبعث سليمان فى الناس وجمع تلك الكتب وجعلها فى صندوق ودفنه تحت كرسيه وقال لا اسمع احدا يقول ان الشيطان يعلم الغيب الا ضربت عنقه فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون امر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف تمثل الشيطان على صورة انسان فاتى نفرا من بنى اسرائيل فقال هل ادلكم على كنز لا تأكلونه ابدا قالوا نعم قال فاحفروا تحت الكرسى وذهب معهم فاراهم المكان وقام ناحية فقالوا ادن قال لا ولكنى ههنا فان لم تجدوه فاقتلونى وذلك انه لم يكن احد من الشياطين يدنو من الكرسى الا احترق فحفروا واخرجوا تلك الكتب قال الشيطان ان سليمان كان يضبط الجن والانس والشياطين والطير بهذه ثم طار الشيطان وفشا فى الناس ان سليمان كان ساحرا واخذ بنوا اسرائيل تلك الكتب فلذلك اكثر ما يوجد السحر فى اليهود فلما جاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم برأ الله سليمان عليه السلام من ذلك وانزل فى عذر سليمان واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان {وما كفر سليمان} بالسحر وعلمه يعنى لم يكن ساحرا لان الساحر كافر والتعرض لكونه كفرا للمبالغة فى اظهار نزاهته عليه السلام وكذبه باهتيه بذلك {ولكن الشياطين كفروا} باستعمال السحر وتعليمه وتدوينه {يعلمون الناس السحر} اى كفروا والحال انهم يعلمونه اغواء واضلالا روى ان السحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة افهامهم {وما} اى ويعلمون الناس الذى {انزل على الملكين} اى ما الهما وعلما وهو علم السحر انزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافرا ومن تجنبه او تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه كان مؤمنا كما قيل عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه وهذا كما اذا اتى عرافا فسأله عن شىء ليمتحن حاله ويختبر باطن امره وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز. قال الامام فخر الدين كان الحكمة فى انزالهما ان السحرة كانوا يسترقون السمع من الشياطين ويلقون ما سمعوا بين الخلق وكان بسبب ذلك يشتبه الوحى النازل على الانبياء فانزلهما الله الى الارض ليعلما الناس كيفية السحر ليظهر بذلك الفرق بين كلام الله وكلام السحرة {ببابل} الباء بمعنى فى وهى متعلقة بانزل او بمحذوف وقع حالا من الملكين وهى بابل العراق او بابل ارض الكوفة ومنع الصرف للعجمة والعلمية واحسن ما قيل فى تسميتها ببابل ان نوحا عليه السلام لما هبط الى اسفل الجودى بنى قرية وسماها ثمانين فاصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة احديها اللسان العربى وكان لا يفهم بعضهم من بعض كذا فى تفسير القرطبى {هاروت وماروت} كف بيان للملكين علمان لهما ومنع صرفها للعجمة والعلمية وما روى فى قصتهما من انهما شربا الخمر وسفكا الدم وزنيا وقتلا وسجدا للصنم فمما لا تعويل عليه لان مداره رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة لادلة العقل والنقل ولعله من مقولة الامثال والرموز التى قصد بها ارشاد اللبيب الاريب وبالترغيب وذلك لان المراد بالملكين العقل النظرى والعقل العملى والمرأة المسماة بالزهرة هي النفس الناطقة الطاهرة فى اصل نشأتها وتعرضهما لها تعليمهما لها ما تسعد به فى النشأة الآخرة وحملها اياهما على المعاصى تحريضها اياهما بحكم الطبيعة المزاجية الى السفليات المدنسة لجوهرهما وصعودها الى السماء بما تعلمت منهما هو عروجها الى الملأ الاعلى ومخالطتها مع القدسيين بسبب انتصافها ونصحها كذا ذكره وجوه القوم من المفسرين. يقول الفقير جامع هذه المجالس الشريفة قد تصفحت كتب ارباب الخبر والبيان واصحاب الشهود والعيان فوجدت عامتها مشحونة بذكر ما جرى من قصتهما وكيف يجوز الاتفاق من الجم الغفير على ما مداره رواية اليهود خصوصا فى مثل هذا الامر الهائل فاقول وصف الملائكة بانهم لا يعصون ولا يستكبرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ويفعلون ما يؤمرون دليل تصور العصيان منهم ولولا ذلك لما مدحوا به اذ لا يمدح احد على الممتنع لكن طاعتهم طبع وعصيانهم تكلف على عكس حال البشر كما فى التيسير فهذا يقتضى جواز الوقوع مع ان فيما روى فى سبب نزولهما ما يزيل الاشكال قطعا وهو انهم لما عيروا بنى آدم بقلة الاعمال وكثرة الذنوب فى زمن ادريس عليه السلام قال الله تعالى لو انزلتكم الى الارض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لفعلتم مثل ما فعلوا فقالوا سبحانك ربنا ما كان ينبغى لنا ان نعصيك قال الله تعالى فاختاروا ملكين من خياركم اهبطهما الى الارض فاختاروا هاروت وماروت وكانا من اصلح الملائكة واعبدهم فاهبطا بالتركيب البشرى ففعلا ما فعلا وهذا ليس ببعيد اذ ليس مجرد هبوط الملك مما يقتضى العصيان وذلك ظاهر والا لظهر من جبريل وغيره ألا ترى ان ابليس له الشهوة والذرية مع انه كان من الملائكة على احد القولين لانها مما حدثت بعد ان محى من ديوانهم فيجوز ان تحدث الشهوة فى هاروت وماروت بعد ان اهبطا الارض لاستلزام التركيب البشرى ذلك. وقد قال فى آكام المرجان ان الله تعالى باين بين الملائكة والجن والانس في الصورة والاشكال فان قلب الله الملك الى صورة الانسان ظاهرا وباطنا خرج عن كونه ملكا وكذلك لو قلب الشيطان الى بنية الانسان خرج بذلك عن كونه شيطانا ـ روى ـ انه لما استشفع لهما ادريس عليه السلام خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا لكونه ايسر من عذاب الآخرة فهما فى بئر بابل معلقان فيه بشعورهما الى يوم القيامة. قال مجاهد ملئ الجب نارا فجعلا فيه وقيل معلقان بارجلهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء الا اربع اصابع فهما يعذبان بالعطش. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره رائحة الشمع الذى يعمل من الشحم كريهة تتألم منها الملائكة حتى يقال ان هاروت وماروت يعذبان برائحته واما الشمع العسلى فرائحته طيبة كذا فى واقعات الهدائى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : اتقوا الدنيا فوالذي نفسى بيده انها لاسحر من هاروت وماروت ". تفسير : قال العلماء انما كانت الدنيا اسحر منهما لانها تدعوك الى التحارص عليها والتنافس فيها والجمع لها والمنع حتى تفرق بينك وبين طاعة الله وتفرق بينك وبين رؤية الحق ورعايته وسحر الدنيا محبتها وتلذذك بشهواتها وتمنيك بامانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : حبك الشئ يعمى ويصم ". تفسير : اراد النبى عليه الصلاة والسلام ان من الحب ما يعمى عن طريق الحق والرشد ويصمك عن استماع الحق وان الرجل اذا غلب الحب على قلبه ولم يكن له رادع من عقل او دين اصمه حبه عن العذل واعماه عن الرشد او يعمى العين عن النظر الى مساويه ويصم الاذن عن استماع العذل فيه او يعمى ويصم عن الآخرة وفائدته النهى عن حب ما لا ينبغى الاغراق فى حبه: قال خسرو الدهلوى شعر : بهراين مردار جندت كاه زارى كاه زور جون غليواجى كه شش مه مادة وشش مه نراست تفسير : ثم فى هذه القصة اشارة الى انه لا يجوز الاعتماد الا على فضل الله ورحمته فان العصمة من آثار حفظ الله تعالى كمال: قال فى المثنوى شعر : همجو هاروت وجو ماروت شهير ازبطر خوردند زهر آلوده تير اعتمادى بودشان برقدس خويش جيست بر شير اعتماد كاوميش كرجه او باشاخ صد جاره كند شاخ شاخش شير نرباره كند كرشود بر شاخ همجون خاربشت شير خواهد كاورا ناجار كشت تفسير : {وما يعلمان من أحد} من مزيدة فى المفعول به لافادة تأكيد الاستغراق الذى يفيده احد والمعنى ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ما انزل على الملكين ويحملونهم على العمل به أغواء واضلالا والحال ان الملكين ما يعلمان ما انزل عليهما من السحر احدا من طالبيه {حتى} ينصحاه اولا وينهياه عن العمل به والكفر بسببه و{يقولا انما نحن فتنة} وابتلاء من الله تعالى فمن عمل بما تعلم منا واعتقد حقيته كفر ومن توقى عن العمل به او اتخذه ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله بقى على الايمان والفتنة الاختبار والامتحان يقال فتنت الذهب بالنار اذا جربته بها لتعلم انه خالص او مشوب وهى من الافعال التى تكون من الله ومن العبد كالبلية والمعصية والقتل والعذاب وغير ذلك من الافعال الكريهة وقد تكون الفتنة فى الدين مثل الارتداد والمعاصى واكراه الغير على المعاصى وافردت الفتنة مع تعدد الملكين لكونها مصدرا وحملها عليهما مواطأة للمبالغة كأنهما نفس الفتنة والقصر لبيان انه ليس لهما فيما يتعاطيانه شأن سواها لينصرف الناس عن تعلمه {فلا تكفر} باعتقاد حقيته بمعنى انه ليس بباطل شرعا وجواز العمل به ويقولان ذلك سبع مرات فان ابى الا التعليم علماه {فيتعلمون} عطف على الجملة المنفية فانها فى قوة المثبتة كأنه قيل يعلمانهم بعد قولهما انما نحن الخ والضمير لاحد حملا على المعنى اى فالناس يتعلمون {منهما} اى من الملكين {ما يفرقون به} اى بسببه واستعماله {بين المرء وزوجه} بان يحدث الله تعالى بينهما التباغض والفرك والنشوز عند ما فعلوا من السحر على حسب جرى العادة الآلهية من خلق المسببات عقيب حصول الاسباب العادية ابتلاء لا ان السحر هو المؤثر فى ذلك. قال السدى كانا يقولان لمن جاءهما انما نحن فتنة فلا تكفر فان ابى ان يرجع قالا له ائت هذا الرماد فبل فيه فاذا بال فيه خرج نور يسطع الى السماء وهو الايمان والمعرفة وينزل شىء اسود شبه الدخان فيدخل فى اذنيه ومسامعه وهو الكفر وغضب الله فاذا اخبرهما بما رآه من ذلك علماه ما يفرق به بين المرء وزوجه ويقدر الساحر على اكثر مما اخبر الله عنه من التفريق لان ذلك خرج على الاغلب قيل يؤخذ الرجل على المرأة بالسحر حتى لا يقدر على الجماع. قال فى نصاب الاحتساب ان الرجل اذا لم يقدر على مجامعة اهله واطاق ما سواها فان المبتلى بذلك يأخذ حزمة قصبات ويطلب فأسا ذا فقارين ويضعه فى وسط تلك الحزمة ثم يؤجج نارا فى تلك الحزمة حتى اذا احمى الفأس استخرجه من النار وبال على حده يبرأ باذن الله تعالى {وما هم} اى ليس الساحرون {بضارين به} اى بما تعلموه واستعملوه من السحر {من أحد} اى احدا {إلا بإذن الله} الاستثناء مفرغ والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير ضارين او من مفعوله وان كان نكرة لاعتمادها على النفى او الضمير المجرور فى به اى ما يضرون به احدا الا مقرونا بعلم الله وارادته وقضائه لا بامره لانه لا يأمر بالكفر والاضرار والفحشاء ويقضى على الخلق بها فالساحر يسحر والله يكوّن فقد يحدث عند استعمالهم السحر فعلا من افعاله ابتلاء وقد لا يحدثه وكل ذلك بارادته ولا ينكر ان السحر له تأثير فى القلوب بالحب والبغض وبالقاء الشرور حتى يحول بين المرء وقلبه وذلك بادخال الآلام وعظيم الاسقام وكل ذلك مدرك بالحس والمشاهدة وانكاره معاندة وان اردت التفصيل وحقيقة الحال فاستمع لما نتلو عليك من المقال وهو ان السحر اظهار امر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة بمباشرة اعمال مخصوصة يجرى فيه التعلم والتعليم وبهذين الاعتبارين يفارق المعجزة والكرامة. واختلف العلماء فى حقيقة السحر بمعنى ثبوته فى الخارج فذهب الجمهور الى ثبوته فيه. وقالت المعتزلة لا ثبوت له ولا وجود له فى الخارج بل هو تمويه وتخييل ومجرد اراءة مالا حقيقة له يرى الحبال حيات بمنزلة الشعوذة التى سببها خفة حركات اليد او اخفاء وجه الحيلة وتمسكوا بقوله تعالى {أية : يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} تفسير : [طه: 66]. ولنا وجهان الاول يدل على الجواز والثانى يدل على الوقوع اما الاول فهو امكان الامر فى نفسه وشمول قدرة الله فانه الخالق وانما الساحر فاعل وكاسب واما الثانى فهو قوله تعالى {ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} وفيه اشعار بانه ثابت حقيقة ليس مجرد اراءة وتمويه وبان المؤثر والخالق هو الله تعالى وحده واما الشعوذة وما يجرى مجراها من اظهار الامور العجيبة بواسطة ترتيب آلات الهندسة وخفة اليد والاستعانة بخواص الادوية والاحجار فاطلاق السحر عليها مجاز او لما فيها من الدقة لانه فى الاصل عبارة عن كل ما لطف مأخذه وخفى سببه ولذا يقال سحر حلال واكثر من يتعاطى السحر من الانس النساء وخاصة فى حال حيضهم والارواح الخبيثة ترى غالبا للطبائع المغلوبة والنفوس الرذيلة وان لم يكن لهم رياضة كالنساء والصبيان والمخنثين والانسان اذا فسد نفسه او مزاجه يشتهى ما يضره ويتلذذ به بل يعشق ذلك عشقا يفسد عقله ودينه وخلقه وبدنه وماله والشيطان خبيث فاذا تقرب صاحب العزائم والاقسام وكتب الروحانيات السحرية وامثال ذلك اليهم بما يحبونه من الكفر والشرك صار ذلك كالرشوة والبرطيل لهم فيقضون بعض اغراضهم كمن يعطى رجلا مالا ليقتل من يريد قتله او يعينه على فاحشة او ينال منه فاحشة ولذلك يكتب السحرة والمعزمون فى كثير من الامور كلام الله تعالى بالنجاسة والدماء ويتقربون بالقرابين من حيوان ناطق وغير ناطق والبخور وترك الصلاة والصوم واباحات الدماء ونكاح ذوات المحارم والقاء المصحف فى القاذورات وغير ذلك مما ليس لله فيه رضى فاذا قالوا كفرا او كتبوه او فعلوه اعانتهم الشياطين لاغراضهم او بعضها اما بتغوير ماء واما بان يحمل فى الهواء الى بعض الامكنة واما ان يأتيه بمال من اموال الناس كما يسرقه الشياطين من اموال الخائنين ومن لم يذكر اسم الله عليه ويأتى به واما غير ذلك من قتل اعدائهم او امراضهم او جلب من يهوونه وكثيرا ما يتصور الشيطان بصورة الساحر ويقف بعرفات ليظن من يحسن به الظن انه وقف بعرفات وقد زين لهم الشيطان ان هذا كرامات الصالحين وهو من تلبيس الشيطان فان الله تعالى لا يعبد الا بما هو واجب او مستحب وما فعلوه ليس بواجب ولا مستحب شرعا بل هو منهى حرام ونعوذ بالله من اعتقاد ما هو حرام عبادة ولاهل الضلال الذين لهم عبادة على غير الوجه الشرعى مكاشفات احيانا وتأثيرات يأوون كثيرا الى مواضع الشياطين التى نهى عن الصلاة فيها كالحمام والمزبلة واعطان الابل وغير ذلك مما هو من مواضع النجاسات لان الشياطين تنزل عليهم فيها وتخاطبهم ببعض الامور كما يخاطبون الكفار وكما كانت تدخل فى الاصنام وتكلم عابدى الاصنام. قال العلماء ان كان فى السحر ما يخل شرطا من شرائط الايمان من قول وفعل كان كفرا والا لم يكن كفرا وعامة ما بايدى الناس من العزائم والطلاسم والرقى التى لا تفهم بالعربية فيها ما هو شرك وتعظيم للجن ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التى لا يفهم بالعربية معناها لانها مظنة الشرك وان لم يعرف الراقى انها شرك. وفى الصحيح عن النبى عليه السلام انه رخص فى الرقى ما لم تكن شركا وقال "حديث : من استطاع ان ينفع اخاه فليفعل ". تفسير : ولذا نقول انه يجوز ان يكتب للمصاب وغيره من المرضى شئ من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقى او يعلق عليه وفى اسماء الله تعالى وذكره خاصية قمع الشياطين واذلالهم ولأنفاس اهل الحق تأثيرات عجيبة لانهم تركوا الشهوات ولزموا العبادات على الوجه الشرعى وظهر لهم حكم قوله تعالى {أية : وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض} تفسير : [الجاثية: 13]. ولذا يطيعهم الجن والشياطين ويستعبدونهم كما استعبدها سليمان عليه السلام بتسخير الله تعالى واقداره ـ حكى ـ حضرة الهدائى قدس سره فى واقعاته عن شيخه حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى انه ارسل ورقة الى سلطان الجن لاجل مصروع فامتثل امره وعظمه وضرب عنق الصارع فخلص المصروع: قال فى المنثوى شعر : هر بيمبر فرد آمد درجهان فرد بود وصد جهانش درنهان عالم كبرى بقدرت سحره كرد كرد خودرا دركهين نقشى نورد ابلهانش فرد ديدند وضعيف كى ضعيفست آنكه باشد شد حريف تفسير : واعلم ان حكم الساحر القتل ذكرا كان او انثى اذا كان سعيه بالافساد والاهلاك فى الارض واذا كان سعيه بالكفر فيقتل الذكر دون الانثى فتضرب وتحبس لان الساحرة كافرة والكافرة ليست من اهل الحرب فاذا كان الكفر الاصلى يدفع عنها القتل فكيف الكفر العارضى والساحر ان تاب قبل ان يؤخذ تقبل توتبه وان اخذ ثم تاب لا تقبل كما فى الاشباه كل كافر تاب فتوبته مقبولة فى الدنيا والآخرة الا الكافر بسب نبى وبسب الشيخين او احدهما وبالسحر ولو امرأة وبالزندقة اذا اخذ قبل توبته والزنديق هو الذى قال بقدم الدهر واسناد الحوادث اليه مع اعتراف النبوة واظهار الشرع هذا واكثر المنقول الى هنا من كتاب آكام المرجان وهو الذى ينبغى ان يكتب على الاحداق لا على القراطيس والاوراق {ويتعلمون ما يضرهم} لانهم يقصدون به العمل او لان العلم يجر الى العمل غالبا {ولا ينفعهم} صرح بذلك ايذانا بانه ليس من الامور المشوبة بالنفع والضرر بل هو شر بحت وضرر محض لانهم لا يقصدون به التخلص عن الاغترار باكاذيب من يدعى النبوة مثلا من السحرة او تخليص الناس منه حتى يكون فيه نفع فى الجملة وفيه ان الاجتناب عما لا يؤمن غوائله خير كتعلم الفلسفة التى لا يؤمن ان تجر الى الغواية وان قال من قال. عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه. وذكر فى التجنيس ان تعلم النجوم حرام الا ما يحتاج اليه للقبلة وفيء الزوال ومن احاديث المصابيح (من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر) واذا لم يكن فى تعلم مثل هذه العلوم خير فكذا امساك الكتب التى اشتملت عليها من كتب الفلاسفة وغيرها بل لا يجوز النظر اليها كما فى نصاب الاحتساب {ولقد علموا} اى هؤلاء اليهود فى التوراة {لمن اشتراه} اى من اختار السحر واستبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله واللام الاولى جواب قسم محذوف والثانية لام ابتداء {ما له فى الآخرة من خلاق} اى نصيب {ولبئس ما شروا به أنفسهم} اى باعوها لان الشراء من الاضداد واللام جواب قسم محذوف والمخصوص بالذم محذوف اى والله لبئس ما باعوا به انفسهم السحر او الكفر وعبر عن ايمانهم بانفسهم لان النفس خلقت للعلم والعمل والايمان {لو كانوا يعلمون} جواب لو محذوف اى لما فعلوا ما فعلوا من تعلم السحر وعمله اثبت لهم العلم اولا بقوله ولقد علموا ثم نفى عنهم لانهم لما لم يعملوا بعلمهم فكأنهم لم يعلموا فهذا فى الحقيقة نفى الانتفاع بالعلم لا نفى العلم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} على حذف مضاف، أي: على عهد ملك سليمان، أو {عَلَى} بمعنى {في}، وقوله: {وَمَا أُنزِل} عطفٌ على السحر، عَطْفَ تفسير، والفتنة في الأصل: الاختبار، تقول: فتنت الذهب والفضة إذا أدخلتهما النار لتعلم جودتهما من رداءتهما، وقوله: {لَمَثُوبَةٌ} جواب {لَّوْ}، والأصل: لأثِيبوا، ثم عَدَلَ إلى الجملة الاسمية لتدل على الثبوت. يقول الحقّ جلّ جلاله: في شأن اليهود: ولما جاءهم كتاب من عند الله نبذوه {وَاتَّبَعُوا} ما تقرأ {الشَّيَاطِينُ} على الناس من السحر {عَلَى} عهد {مُلْكِ سُلَيْمَانَ}، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب، ويلقونها إلى الكهنة، وهم يدونونها ويعلمونها الناس، وفَشَا ذلك في عهد سليمان حتى قيل: إن الجن يعلم الغيب، وإن ملك سليما إنما قام بهذا، وأنه به سخر الجن والإنس والريح، فجمع سليمان ما دُوِّن منه ودفنه، فاستخرجته الشياطين بعد موته، فردَّ الله تعالى قولهم بقوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} باستعمال السحر؛ لأنه تعظيم غير الله بالتقرب للشيطان، والنبيّ معصوم {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ} هم الذين {كَفَرُوا} باستعماله {يُعلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} إغواء وإضلالاً، ويعلمون {مَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ} في بلد بابل من سواد الكوفة، وهما {هَارُوتَ وَمَارُوتَ}. كانا ملكين من أعبد الملائكة، ولما رأت الملائكة ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة في زمن إدريس عليه السلام عيروهم بذلك، وقالوا: يا ربنا هؤلاء الذين جعلهم خليفة في الأرض يعصونك؟ فقال الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض، وركَّبْتُ فيكم ما ركبت ُ فيهم لارتكبتم ما ارتكبوا، قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك. فقال الله تعالى: فاختاروا ملكين من خِياركم أُهبطهما إلى الأرض. فاختاروا هاروت وماروت، وكانا من أعبد الملائكة، فركّب الله تعالى فيهما الشهوة، وأمرهما أن يحكما في الأرض بين الناس بالحق، في الأرض بين الناس بالحق، ونهاهما في الشرك والقتل بغير الحق، والزنا وشرب الخمر، فكانا يقضيان بين الناس يومهما، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء، فاختصمت إليهما ذات يوم امرأة يقال لها الزهرة: وكانت من أجمل النساء من أهل فارس، فأخذت بقلبيهما، فراوداها عن نفسها، فأبت ثم عاودت في اليوم الثاني، ففعلا مثل ذلك فأبت، وقالت: إلا أن تعبدا ما أعبد، وتصليا لهذا الصنم، وتقتلا النفس وتشربا الخمر، فأبيا هذه الأشياء، وقالا: إن الله نهاهنا عنها، فانصرفت، ثم عادت في اليوم الثالث، فراداها، فعرضت عليهما ما قالت بالأمس، فقالا: الصلاة لغير الله ذنب عظيم، وأهونُ الثلاث شرب الخمر، فشربا، وانتشيا، ووقعا بالمرأة، فلما فرغا رآهما إنسان فخاف أن يظهر عليهما فقتلاه. وفي رواية عن سيّدنا عليّ – كرّم الله وجهه – أنه قال: (قالت لهما: لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء، فقالا: باسم الله الأعظم، فعلماها ذلك، فتكلمت به، وصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكباً). ولذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى سهيلاً قال:"حديث : لَعَنَ اللّهُ سُهيلاً؛ كَانَ عَشَّاراً بِاليمن، ولَعَنَ اللّهُ الزهْرةَ، وقال: إِنَها فتنت مَلَكَين ". تفسير : قلت: قصة هارون وماروت ذكرها المنذري في شرب الخمر، وقال في حديثها: رواه أحمد وابن حبان في صحيحه من طريق زهير بن محمد، وقد قيل: إن الصحيح وقفه على كعب. هـ. وقال ابن حجر: قصة هاروت وماروت جاءت بسند حسن، خلافاً لمن زعم بطلانها كعياض ومن تبعه. وتمام قصتهما: أنهما لما قارفا الذنب وجاء المساء همّا بالصعود، فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حلّ بهما، فقصدا إدريس عليه السلام، فأخبراه، وسألاه الشفاعة إلى الله تعالى فشفع فيهما، فخيّرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا لانقطاعه، فهما يعذبان في بئر ببابل، منكسان معلقان بالسلاسل من أجر لهما، مزرقة أعينهما، ليس بينهما وبين الماء إلا قدر أربعة أصابع، وهما يعذبان بالعطش. هـ. فإن قلت: الملائكة معصومون فكيف يصح هذا من هاروت وماروت؟ قلنا: لما ركب الله فيهما الشهوة النسلخا من حكم المَلَكيَّة إلى حكم البشرية ابتلاء من الله تعالى لهما، فلم يبق لهما حكم الملائكة من العصمة. {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدِ} السحر حتى ينصحاه ويقولا: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} لكم، واختبار من الله تعالى لعباده، ليظهر من يصبر عنه ومن لا يصبر، وكان تعلمه في ذلك الوقت كفراً، فيقولان له: {فَلا تَكْفُرْ} بتعلُّمه، فكانوا يتعلمون {مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ} وقدرته، فلا تأثير لشيء إلا بإذن الله، ويتعلمون منهما {مَا يَضُرُّهُمْ} يوم القيامة {وَلا يَنفَعُهُمْ}، ولقد علم بنو إسرائيل أن من اشتراه واستبدله بكتاب الله والعلم بما فيه {مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ} نصيب، {وَلَبِئْسَ} ما باعوا به حظ أنفسهم من النعيم {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}، ولكن لما لم يعملوا بعلمهم كانوا كمن لا علم عنده. {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمنُوا} بالله ورسوله {وَاتَّقَوْا} الكفر والسحر، لأثيبوا ثواباً كبيراً، وكان ذلك خيراً لهم ما استوجبوه من العقاب {لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. الإشارة: كل من أكَبُّ على دنياه وتتبع حظوظه وهواه، وترك العمل بما جاء من عند الله، يصدق عليه أنه نبذ كتاب الله، واشتغل بما سواه من حب الدنيا والرئاسة والجاه، فالدنيا سحارة غرارة، تسحر القلوب وتغيبها عن حضرة علام الغيوب وفي الحديث:"حديث : اتَقُوا الدُّنْيَا فإنْهَا أسْحَرُ مِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ"تفسير : ، ولا شك أنها تفرق بين الأحباب وبين العشائر والأصحاب، ولقد علم من أخذ الدنيا ونعيمها، وأكب عليها ما له في الآخرة من نصيب، فبقدر ما يأخذ من نعيم الدنيا وشهواتها ينقص له من نعيم الآخرة. ولبئس ما شروا به أنفسهم – حيث آثروا الحياة الدنيا على الآخرة – لو كانوا يعلمون. ولو أنهم آمنوا بالله، واتقوا كل ما يشغل عن الله لكانوا من أولياء الله، وتلك المثوبة – التي صاروا إليها – خير لو كان يعلمون. قال عبد الواحد بن زيد: سمعت أن جارية مجنونة في خراب الأُبُلَّةِ تنطق بالحِكَم، فطلبتها حتى وجدتها، وهي محلوقة الرأس، وعليها جبة صوف، فلما رأتني قال: مَرحباً بك يا عبد الواحد، ثم قالت: يا عبد الواحد ما جاء بك؟ فقلت: تعظينني، فقالت: واعجباً لواعظ، يوعظ، يا عبد الواحد... اعلم أن العبد إذا كان في كفاية، ومال إلى شيء من الدنيا، سلبه الله حلاوة الزهد، وظل حيراناً وَلِهاً، فإن كان له عند الله نصيب عاتبه وَحْياً في سره، فيقول له: عبدي أردت رفع قدرك عند ملائكتي، وأجعلك دليلاً لأوليائي، ومرشداً لأهل طاعتي، فملت إلى عرض الدنيا وتركتني، فأورثك ذلك الوحشة بعد الأنس، والذل بعد العز، والفقر بعد الغنى، ارْجَعْ إلى ما كنت عليه أُرجع إليك ما كنت تعرفه من نفسك. ثم انصرفت عني وتركتني وبقيت حسرتها في قلبي. هـ. ولما كان المسلمون يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: راعنا يا رسول الله وأرْعِنا سَمْعَكَ، يَعْنُون من المراعاة والأنتظار، وهي عند اليهود سب من الرعونة، ففرحت اليهود، وقالوا: كنا نسب محمداً سرّاً، فأعلنوا له بالشتم، فكانوا يقولون: يا محمد راعنا ويضحكون، نهى الله تعالى المسلمين عن هذه اللفظة.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ ابن عامر، وحمزة،، والكسائي، وخلف: {ولكن الشياطين} {أية : ولكن الله قتلهم } {أية : ولكن الله رمى } تفسير : بتخفيف النون من (لكن) وكسرها في الوصل، ورفع الاسم بعدها. الباقون بالتشديد. وروي تثنية {الملكين} بكسر اللام، ها هنا حسب. المعنى: واختلفوا في المعني بقوله {واتبعوا} على ثلاثة اقوال: فقال ابن جريج، وابو اسحاق: المراد به اليهود الذين كانوا في زمن النبي "صلى الله عليه وسلم" وقال الجبائي: المراد به اليهود الذين كانوا في زمن سليمان. وقال قوم: المراد به الجميع وهو قول المتأخرين، قال:، لان مبتغي السحر من اليهود لم يزالوا منذ عهد سليمان إلى ان بعث محمد "صلى الله عليه وسلم". وروي عن الربيع: أنّ اليهود سألوا محمداً "صلى الله عليه وسلم" زماناً عن امور من التوراة ـ لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا انزل الله عليه ما سألوا عنه ـ فيخبرهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما انزل علينا منا وانهم سألوه عن السحر، وخاصموه به، فأنزل الله عز وجل {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} ومعنى {تتلوا} قال ابن عباس: تتبع، لان التالي تابع. وقال بعضهم: يُدّعى ـ وليس بمعروف ـ وقال قتادة، وعطا: معناه تقرأ من تلوت كتاب الله: اي قراته. وقال تعالى: {أية : هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت} تفسير : اي تتبع وقال حسان بن ثابت: شعر : بنيّ يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد تفسير : والذي تتلوه هو السحر ـ على قول ابن اسحاق، وغيره من اهل العلم: ـ وقال بعضهم: الكذب. ومعنى قوله: {على ملك سليمان} على عهد سليمان. قال ابن اسحاق وابن جريج: في ملك سليمان حين كان حياً. وهو قول المبرد وقال قوم: إنما قال تتلو {على ملك} لانهم كذبوا عليه بعد وفاته كما قال: {أية : ويقولون على الله الكذب }تفسير : وقال: {أية : أتقولون على الله ما لا تعلمون } تفسير : وقال الشاعر: شعر : عرضت نصيحة من ليحيى فقال غششتني والنصح مرّ وما بي ان اكون اعيب يحيى ويحيى طاهر الاخلاق برّ ولكن قد اتاني ان يحيى يقال عليه في نفعاء شرّ تفسير : فاذا صدق، قيل: تلا عنه. واذا كذب، قيل تلا عليه، واذا أبهم، جاز فيه الامران. قوله: {الشياطين} قال قوم: هم شياطين الجن، لان ذلك هو المستفاد من اطلاق هذه اللفظة. وقال بعضهم: المراد به الشياطين الانس المتمرّدة في الضلالة. كما قال جرير: شعر : ايام يدعونني الشيطان من غزلي وكنّ يهوينني اذ كنت شيطانا تفسير : وقوله: {وما كفر سليمان} وإن لم يجر لذلك ذكر، يكون هذا تكذيباً له. فمعناه ان اليهود اضافوا إلى سليمان السحر، وزعموا ان ملكه كان به، فبرّأه الله مما قالوا. وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة. وقال ابن اسحاق: قال بعض أحبار اليهود: ألا تعجبون من محمد "صلى الله عليه وسلم" يزعم أن سليمان كان نبياً، والله ما كان إلا ساحرا فانزل الله تعالى: {وما كفر سليمان} وقيل: تقدير الكلام واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر، فتضيفه إلى سليمان. وما كفر سليمان. لان السحر لما كان كفرا، نفى الله تعالى عنه ذلك على المعنى ـ وان كانوا لم يضيفوا اليه كفرا ـ والسبب الذي لاجله اضافت اليهود إلى سليمان السحر، ان سليمان جمع كتب السحر تحت كرسيه. وقيل في خزائنه، لئلا يعمل به فلما مات وظهر عليه قالت الشياطين: بهذا كان يتمّ ملكه، وشاع في اليهود وقبلوه، لعداوتهم لسليمان. وقيل انهم وضعوا كتاب السحر بعد سليمان واضافوه اليه وقالوا: بهذا كان يتمّ له مكان فيه، فكذبهم الله تعالى في ذلك، ونفى عنه ذلك. اللغة: والسحر والكهانة والحيلة نظائر. يقال سحره يسحره سحرا، واسحرنا اسحارا، وسّحره تسحيراً. قال صاحب العين: السحر عمل يقرّب إلى الشيطان. كل ذلك يكتبونه السحر. ومن السحر الاخذة التي تأخذ العين حتى يظن ان الامر كما ترى وليس الأمر كما ترى ـ والجمع الاخذ. والسحر البيان من اللفظ كما قال النبي "صلى الله عليه وسلم": حديث : ان من البيان لسحراًتفسير : ، والسحر فعل السحر في شيء يلعب به الصبيان اذا مد خرج على لون، فاذا مد من جانب آخر خرج على لون آخر يسمى السحارة والسحر العدو قال لبيد: شعر : ارانا موضعين لامر غيب ونسحر بالطعام وبالشراب تفسير : وقال آخر: شعر : فان تسلينا مم نحن فاننا عصافير من هذا الانام المسحر تفسير : وقوله: {أية : إنما أنت من المسحرين}تفسير : يعنى من المخلوقين. وفي تمييز العربية هو المخلوق الذي يطعم، ويسقى، والسحَر اخر الليل. بالتنوين. قال الطرماح: شعر : بان الخليط بسحرة فتبددوا والدار تشعب بالخليط وتبعد تفسير : وتسحّرنا اكلنا سحوراً، واسحرنا كقولك اصبحنا. والسحر الرئة مخفف، وما يتعلق بالحلقوم. ويقال للجبان اذا جبن انتفخ مسحره واستحر الطائر اذا غلبه بسحر. واصل الباب الخفاء، والسحر قيل: الخفاء سببه توهم قلب الشيء عن حقيقته كفعل السحرة في وقت موسى ـ لما اوهموا ان العصا والحبال صارت حيوانا ـ فقال: {أية : يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى}. تفسير : وقوله: {لكن الشياطين كفروا} قيل فيه ثلاثة اقوال: احدها ـ انهم كفروا بما نسبوه إلى سليمان من السحر. والثاني ـ انهم كفروا بما استخرجوه من السحر. والثالث ـ معناه ولكن الشياطين سحروا فعبر عن السحر بالكفر. وقوله: {يعلمون الناس السحر} قيل فيه قولان: احدهما ـ انهم القوا السحر اليهم فتعلموه. [والثاني ـ انهم دلوه على استخراجه من تحت الكرسي فتعلموه] وقوله: {وما أنزل على الملكين} قال ابن عباس وقتادة وابن زيد والسدي: ان (ما) بمعنى الذي. وقال الربيع في احدى الروايتين عن ابن عباس: انها بمعنى الجحد. وروي عن القاسم بن محمد: انها تحتمل الامرين. وموضع (ما) نصب لفظها على السحر، وقيل انها عطف على (ما) في قوله: {ما تتلوا الشياطين} وقال بعضهم: موضعها جر عطف على ملك سليمان، وعلى ما انزل. ومن قرأ بكسر اللام في الملكين قال: هما من ملوك بابل، وعلوجها. وهو قول ابي الاسود الدؤلي، والربيع، والضحاك، وبه قرأ الحسن البصري، ورواها عن ابن عباس، واختلف من قال بهذا فقال قوم: كانا مؤمنين، ولذلك نهيا عن الكفر. وقال قوم: انهما كانا نبيين من انبياء الله. ومن قرأ بالفتح. قال قوم منهم: كانا ملكين وقال آخرون: كانا شيطانين. وقال قوم: هما جبريل وميكائيل خاصة. واختلفوا في بابل فقال قوم: هي بابل العراق، لانها تبلبل بها الالسن: وروي ذلك عن عائشة وابن مسعود. وقيل: بابل دماوند. ذكره السدي. وقال قتادة: هي من نصيبين إلى رأس العين. وقال الحسن ان الملكين ببابل الكوفة إلى يوم القيامة، وان من اتاهما سمع كلامهما. ولا يراهما وبابل بلد لا ينصرف. وقيل في معنى السحر اربعة اقوال: احدها ـ انه خدع ومخاريق، وتمويهات لا حقيقة لها يخيل إلى المسحور أن لها حقيقة. والثاني ـ انه اخذ بالعين على وجه الحيلة. والثالث ـ انه قلب الحيوان من صورة إلى صورة، وانشاء الاجسام على وجه الاختراع فيمكن الساحر ان يقلب الانسان حماراً وينشىء اجساماً. والرابع ـ انه ضرب من خدمة الجن كالذي يمسك له التجدل فيصرع، واقرب الاقوال الاول، لان كل شيء خرج عن العادة الخارقة، فانه لا يجوز أن يتأتى من الساحر. ومن جوز للساحر شيئاً من هذا، فقد كفر لانه لا يمكنه مع ذلك العلم بصحة المعجزات الدالة على النبوات، لانه اجاز مثله من جهة الحيلة والسحر. وقوله: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} يتصل قوله: {فلا تكفر} باحد ثلاثة أشياء: احدها ـ فلا تكفر بالعمل بالسحر والثاني ـ فلا تكفر بتعلم السحر ويكون مما امتحن الله عز وجل به كما امتحن بالنهر في قوله: {أية : فمن شرب منه فليس منى} تفسير : وثالثها ـ فلا تكفر بواحد منهما للتعلم للسحر والعمل به فان قيل كيف يجوز ان يعلم الملكان السحر؟ قيل يعّلمان ما السحر وكيف الاحتيال به، ليجتنب، ولئلا يتموه على الناس انه من جنس المعجزات التي تظهر على يد الانبياء فيبطل الاستدلال بها. وقال جماعة من المفسرين منهم: ابو علي وغيره: انزلهما الله من السماء وجعلهما بهيئة الانس، حتى بينا للناس بطلان السحر. وقال الحسن وقتادة: اخذ عليهما ألا يعلماه {حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر}. وقوله: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر} على قول من جعل ما جحداً. وقوله: {وما أنزل على الملكين} يحتمل ان يكون ذلك من قولِ هاروت وماروت وليسا ملكين. كما يقول الغاوي الخليع لنا انك في ضلال فلا تردّ ما انا فيه، فيقرّ بالذنب وهو يأتيه. والتقدير على هذا: {ولكن الشياطين كفروا} هاروت وماروت. فمن قرأ الملكين بفتح اللام ـ وهو قراءة الجمهور، اختلفوا فمنهم من قال: ان سحرة اليهود زعموا ان الله انزل السحر على لسان جبريل، وميكايل إلى سليمان، فاكذبهم الله بذلك وفي الكلام تقديم وتأخير، فتقديره وما كفر سليمان وما انزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا. يعلمان الناس السحر. ببابل هاروت وماروت ـ وهما رجلان ببابل غير الملكين اسم احدهما ـ هاروت والآخر ماروت، ويكون هاروت وماروت بياناً عن الناس. وقال قوم: ان هاروت وماروت ملكان من الملائكة. واختلفوا في سبب هبوطهما ـ على قولين. فقال قوم: ان الله اهبطهما ليامرا بالدين، وينهيا عن السحر، لان السحر كان كثيراً في ذلك الوقت، ثم اختلفوا فقال قوم: كانا يعلمان الناس كيفية السحر وينهيانهم عن فعله، ليكون النهي بعد العلم به، لان من لا يعرف الشيء فلا يمكنه اجتنابه. وقال قوم آخرون: لم يكن للملكين تعليم السحر، ولا اظهاره، لما في تعليمه من الاغراء بفعله. والثالث هبطا لمجرد النهي ـ اذ كان السحر فاشيا ـ. وقال قوم: كان سبب هبوطهما ان الملائكة تعجبت من معاصي بني آدم مع كثرة نعم الله عليهم، فقال لهم: اما لو كنتم مكانهم لعملتم مثل اعمالهم، فقالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا، فامرهم ان يختاروا ملكين ليهبطا إلى الارض فاختاروا هاروت وماروت، فاهبطا إلى الارض، ورّكب فيهما شهوة الطعام والشراب والنكاح، واحلّ لهما كل شيء بشرط الا يشركا بالله ولا يشربا الخمر ولا يزنيا، ولا يقتلا النفس التي حرم الله فعرضت لهما امرأة للحكومة فمالا اليها، فقالت لهما لا اجيبكما حتى تعبدا صنماً وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، فعبدا الصنم وواقعاها، وقتلا سائلاً مرّ بهما خوفاً ان يشهر امرهما في حديث طويل، لا فائدة في ذكره. قال كعب فوالله ما امسيا من يومهما الذي اهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نهيا عنه فتعجبت الملائكة من ذلك ثم لم يقدر هاروت وماروت على الصّعود إلى السماء وكانا يعلمان الناس السحر ومن قال: بعصمة الملائكة، لم يجز هذا الوجه. وقال قوم من اهل التأويل: ان ذلك على عهد ادريس. وانما قوله: {إنما نحن فتنة}. اللغة: فالامتحان والفتنة والاختبار نظائر. يقال فتنه فتنة وافتتن افتتانا. وقال ابو العباس، فتن الرّجل وأفتن بمعنى اختبر. وتقول: فتنت الرجل، وافتنته. ولغة قريش: فتنته قال الله تعالى: {أية : وفتناك فتونا} تفسير : وقال {أية : ولقد فتنا سليمان }، تفسير : وقال اعشى همدان: شعر : لئن فتنتنى فهي بالامس افتنت سعيداً فأمسى قد قلا كل مسلم تفسير : فجاء باللغتين. وقوله تعالى: {أية : فظن داود أنما فتناه} تفسير : اي اختبرناه. ويقال فتنت الذهب في النار: اذا اختبرته فيها، لتعلم اخالص هوام مشوب. فقيل ـ لكل ما أحميته في النار: ـ فتنته. وتقول فتنت الخبزة في النار: اذا أنضجتها. ومثله يقال في اللحم. قوله: {أية : والفتنة أشدّ من القتل } تفسير : اي الكفر أشد من القتل. والفتن في الدين والحروب وقولهم: فتنة السوط أشد من فتنة السيف، ومعناه اختبار السوط أشد لان فيه تغذيباً متطاولاً. وقوله: {أية : يوم هم على النار يفتنون } تفسير : اي يشوون. ومن قولك فتنت الخبز والمعنى الصحيح انهم يعذبون بكفرهم. يقال فتن الكافر، العذاب وافتنته اي جزاه بفتنته. كقولك: كذب واكذبته. وكل من صبأ فقد فتن. وقوله: {أية : بأيكم المفتون } تفسير : قال الاخفش: معناه الفتنة: فهو مصدر، كقولك: رجل ليس له معقول، وخذ ميسوره ودع معسوره. وابى ذلك سيبويه. وقال: خذ ميسوره اي ما تيسر له. وليس له مرفوع: اي ما يرفع. قال صاحب العين: فتن فلان فتوناً فهو فاتن: اي مفتن. وقوله: {أية : وما أنتم عليه بفاتنين} تفسير : اي مضلّين ـ عن الحسن ومجاهد. ـ وأصل الباب الاختبار. ومعناه في الآية: انما نحن اختبار وبلوى وامتحان، فلا تكفر. وقال قتادة: {إنما نحن فتنة} اي بلاء. ويحتمل أن يكون معناه انهما كانا كافرين، فيكون معنى قولهما: {إنما نحن فتنة} اي شيء عجيب مستطرف كما يقال للمرأة الحسناء انها فتنة من الفتن. ويكون قوله: {فلا تكفر} على هذا الوجه يعني بما جئناك به، بل صدّق به واعمل عليه. وقوله: {حتى يقولا} يحتمل امرين: احدهما ـ ان حتى، بمعنى إلا وتقديره وما يعلمان من احد إلا أن يقولا: انما نحن فتنة، فلا تكفر ويكون ذلك زيادة في الابتلاء من الله في التكليف. والثاني ـ انه نفي لتعليمهما الناس السحر، وتقديره ولا يعلمان أحداً السحر، فيقولان: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} فعلى هذا يكون تعليم السحر من الشياطين، والنهي عنه من الملكين. وقوله: {فيتعلمون} قال قوم: معنى تعلم واعلم واحد. كما جاء علمت، واعلمت، وفهمت، وافهمت كما قال كعب بن زهير: شعر : تعلم رسول الله إنك مدركي وان وعيداً منك كالاخذ باليد تفسير : وقال القطامي: شعر : تعلم ان بعد الغي رشداً وان لهذه الغير انقشاعا تفسير : ومنهم من قال: تعلم بمنزلة تسبب إلى ما به تعلم من النظر في الادلة. وليس في اعلم ذلك، لانه قد ينبئهم على ما يعلمه بالتأمل له: كقوله: اعلم ان الفعل يدل على الفاعل. وما لم يسبق المحدث فهو محدث. والأول كقوله: تعلم النحو والفقه. فان قيل كيف يفرق بين المرء وزوجه؟ قلنا فيه ثلاثة اقوال: احدها ـ انه اذا تعلم السحر كفر فحرمت عليه امرأته. والثاني ـ ان يمشي بينهما بالنميمة حتى يفسد بينهما، فيفضي إلى الطلاق والبينونة. والثالث ـ قال قتادة وغيره: يوجد كل واحد منهما على صاحبه ويبغضه اليه. وقيل: انه كان من شرع سليمان أن من تعلم السحر، بانت منه زوجته. وقوله: {منهما} الضمير ـ قيل: ـ انه راجع إلى الملكين. وقيل بل إلى الكفر والسحر. لانه تقدم الدليل عليهما في قوله: {ولكن الشياطين كفروا} كما جاء {أية : سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى} تفسير : اي يتجنب الذكرى. ومن قال الملائكة معصومون، يقول الكناية ترجع إلى الكفر والسحر لا غير دون الملكين. فكأنه قيل: {فيتعلمون} مكان ما علماهم {ما يفرقون به بين المرء وزوجه}، كقول القائل: ليت لنا من كذا، وكذا كذا: اي بدله. قال الشاعر: شعر : جمعت من الخيرات وطباً وعُلبة وصراً لأخلاف المزممة البزل ومن كل اخلاق الكرام نميمة وسعياً على الجار المجاور بالنَّجل تفسير : يريد جمعت مكان خيرات الدنيا هذه الخيرات الرديئة، والافعال الدنيئة. اللغة: وقوله: {يفرقون بين المرء وزوجه} فالمرء تأنيثه المرأة. قال صاحب العين: امرأة تأنيث المرء ويقال مرأة بلا ألف. والمرأة مصدر الشيء المريء الذي يستمرأ يقال ما كان مريئاً، ولقد مرؤ واستمرأته، وهو المرىء، للطعام وأصل الباب المرىء، فقولهم مرأة كقولهم جارية اي جرت في النور والشباب. فأمّا امراء الطعام فانه يجري وينفذ في مجاريه، ولا يقف. وكذلك المرأة تجري في السن إلى حد. وفرق في الشواذ ما بين المرء ـ بضم الميم ـ وهي لغة هذيل. قوله: {وما هم بضارين به من أحد} فالضرر والالم والاذى نظائر. والضر نقيض النفع. يقال ضره يضره ضراً، واضر به اضراراً، واستضر استضراراً، واضّطّر اضطراراً. وضاره مضارّة وضراراً. قال صاحب العين: الضَّر والضٌّر لغتان، فاذا جمعت الضر والنفع. فتحت الضاد. والضرر نقصان يدخل في الشيء. يقال دخل عليه ضرر في ماله. والضرورة اسم لمصدر الاضطرار. والضرير: الذاهب البصر من الناس. تقول: رجل ضرير بين الضرارة. والضراء من الضر. وقوم اضراء. والضرر مصدر اضره مضارة وفي الحديث "حديث : لا ضرر ولا ضرار" تفسير : واذا ضرّ به المرض قيل: ضرير، وامرأة ضريرة. والضرير: اسم للمضارة، واكثر ما يستعمل في الغيرة تقول: ما اشد ضريره عليها. قال الشاعر يصف حماراً وحشياً: ـ شعر : حتى اذا مالان من ضريره تفسير : والضرتان: امرأتان للرجل، والجمع الضرائر. والضرتان: الالية من جانبي عظمها، وهما الشحمتان اللتان تهدلان من جانبيها. وضرة الابهام: لحمة تحتها. وضرة الضرع: لحمة تحتها. والضر: الهزال. وضرير الوادي: جانباه وكل شيء دنا منك حتى يزحمك: فقد اضربك. وأصل الباب: الانتقاص. وقوله: {من أحد إلا بإذن الله} يحتمل امرين: احدهما ـ بتخلية الله. والثاني ـ الا بعلم الله من قوله: {فأذنوا بحرب من الله} معناه اعلموا. بلا خلاف ويقال: انت آذن اذناً. قال الحطيئة: شعر : الا يا هند إن جددت وصلا والا فاذنيني بانصرامي تفسير : وقال الحارث بن حلزّة: شعر : آذنتنا ببينها اسماء تفسير : معناه اعلمتنا. والاذن في اللغة على ثلاثة أقسام: احدها ـ بمعنى العلم وذكرنا شاهده. والثاني ـ الاباحة والاطلاق كقوله {أية : فانكحوّهن بإذن أهلهن}. تفسير : وقوله: {أية : يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم}. تفسير : والثالث ـ بمعنى الامر: كقوله: {أية : نزله على قلبك بإذن الله } تفسير : وقد اجمعت الأمة على انه لم يأمر بالكفر، ولم يتجه نفي القسم الثالث. ولا يجوز أن يكون المراد {إلا بإذنه} الا بارادته، ومشيئته، لأن الارادة لا تسمى إذناً. الا ترى أن من اراد الشيء من غيره أن يفعله، لا يقال أذن له فيه؟ فبطل ما قالوه. وقد روي عن سفيان إلا بقضاء الله. وقال بعض من لا معرفة له: الاذن بمعنى العلم بفتح الهمزة والذال دون الاذن بكسر الهمزة وسكون الذال ـ وهذا خطأ، لان الاذن مصدر يقال فيه اذن واذن مثل حذر وحذر. وقال تعالى: {أية : خذوا حذركم} تفسير : ويجوز فيه لغتان مثل: شِبه وشَبه ومِثل ومَثل. وقال هذا القائل: من شاء الله يمنعه، فلم يضره السّحر. من شاء خلى بينه، وبينه، يضره. وقوله: {ولا ينفعهم}. اللغة: فالنفع نقيض الضر. والنفع والمنفعة واللذة نظائر. يقال نفع ينفع نفعا، فهو نافع. وانتفع فلان بكذا وكذا. ورجل نفاع ينفع الناس. وأصل النفع: ضد الضر. وحد النفع هو كل فعل يكون الحيوان به ملتذا: اما لانه لذة، او يؤدي إلى اللذة. والمضرة كل معنى يكون الحيوان به ألما: اما لانه ألم، او يؤدي إلى الالم. والهاء في قوله {لمن اشتراه} عائدة إلى السحر. المعنى: والمعنى لقد علمت اليهود أن من استبدل السحر بدين الله، ما له في الآخرة من خلاق. وهو قول ابن زيد، وقتادة. وقال قوم من المفسرين، كأبي علي، وغيره. كانوا يعطون عليه الأجرة، فلذلك اشتراؤهم له. والخلاق: النصيب من الخير، وهو قول مجاهد، وسفيان. وقال قوم: ما له من جهة. وقال الحسن: ما له من دين. قال امية بن ابي الصلت: شعر : يدعون بالويل فيها لاخلاق لهم إلا سرابيل من قطر واغلال تفسير : يعني لا نصيب لهم في الآخرة من الخير. ومعنى {شروا به أنفسهم} باعوا به انفسهم في قول السدي، وغيره ـ فان قيل: كيف قال: {لو كان يعلمون} وقد قال قبله {ولقد علموا لمن اشتراه}؟ قلنا عنه ثلاثة اجوبة: احدها ـ إنهم فريقان: فريق علموا. وعاندوا وفريق علموا وضيعوا. والثاني ـ انهم فريق واحد إلا انهم ذُمّوا في أحد الكلامين بنفي العلم، لانه بمنزلة المنتفي. واخبر عن حالهم في الاخرة وتقديره أنهم علموا قدر السّحر، ولم يعلموا ان هلاكهم بتصديقه، واستعماله، اولم يعلموا كنه ما اعد الله من العذاب على ذلك وان علموه على وجه الجملة. [والثالث] وقال قوم: هو مقدّم ومؤخر. وتقديره وما هم بضارين به من احد الا باذن الله، ويتعلمون ما يضرّهم ولا ينفعهم ولبئس ما شروا به انفسهم لو كانوا يعلمون. ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق وقال بعضهم: هما جميعاً خبر عن فريق واحد، واراد بقوله: {ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} اي لو كانوا يعلمون بما علموه فعبر عن المعلوم بالعلم، كما قال كعب بن زهير المزني يصف ذئباً وغرابا تبعاه، لينالا من طعامه، وزاده: شعر : اذا حضراني قلت لو تعلمانه الم تعلما اني من الزاد مرمل تفسير : فاخبر انه قال لهما: لو تعلمانه فنفى عنهما العلم، ثم استخبرهما، فقال: الم تعلما، وكذلك الآية. وقال قوم: إن الذين علموا الشياطين والذين لم يعلموا الناس دون الشياطين، فان قيل: ما معنى لمن اشتراه، واين جوابها ان كانت شرطا؟ قلنا عنه جوابان احدهما ـ انها بمعنى الجزاء. والآخر بمعنى الذي في قول الزجاج، وجوابها مكتفى منه جواب القسم. كما قال: {أية : لئن أخرجوا لا يخرجون معهم } تفسير : ولذلك وقع قالوا: ولا يجوز الجزم إلا في ضرورة الشعر، كما قال الشاعر: شعر : لئن كان ما حدثته اليوم صادقاً اصم في نهار الفيظ للشمس باديا تفسير : والوجه، لاصومنْ. ولا يجوز لاصوم إلا في ضرورة الشعر كما قال: شعر : لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم ليعلم ربي ان بيتي واسع تفسير : قالوا وان جزمت الاول، جاز جزم الثاني، كقولك: لئن تقم لا نقم إليك. وقوله: {فيتعلمون} يجوز ان يكون عطفاً على فيأتون فيتعلمون، وقد دل اول الكلام على يأتون. وقيل: فيعلمون الناس السحر فيتعلمون ـ وكلاهما ذكره الكسائي والفراء ـ وانكر الزجاج القول الاخير، لاجل قوله: {منهما} اي من الملكين، واجاز القول الاول، واختار قولاً ثالثاً: وهو يعلمان، فيتعلمون، والذي انكره يجوز إذا كان {منهما} راجعاً إلى السحر والكفر، ولا يجوز ان يكون {فيتعلمون} جواباً لقوله: {فلا تكفر} فينصب، لان تقديره لا يكن كفر فتعلم، كما تقول: لا تدن من الأسد فيأكلك: اي لا يكن دنو فأكل. فهذا نهي عن دنو يقع بعده اكل. وانما النهي في الاول عن الكفر بتعلم السحر، للعمل وليس يصلح للجواب على هذا المعنى. ولا يجوز ان يكون جواباً للنفي في قوله: {وما يعلمان}، لان لفظه على النفي، ومعناه الايجاب كانه قيل: يعلمان اذا قالا نحن فتنة فلا تكفر. فان قيل: ما اللام الاولى في قوله: {ولقد علموا} وما الثانية في قوله: {لمن اشتراه} ومثله قوله: {أية : ولئن جئتهم بآية ليقولن } تفسير : قيل: الثانية لام القسم بالاجماع قال الزجاج: لانك إنما تحلف على فعلك لا على فعل غيرك ـ في قولك: والله لئن جئنني لا كرمّنك ـ فأمّا الاولى فزعم بعض النحويين أنها لما دخلت في اول الكلام اشبهت لام القسم، فاجيبت بجوابه ـ قال الزجاج: هذا خطأ، لأن جواب القسم لا يشبه القسم، ولكن اللام الاولى دخلت إعلاماً ان الجملة بكاملها معقودة بالقسم، لان الجزاء ـ وان كان القسم عليه ـ، فقد صار للشرط فيه حظ، ولذلك دخلت اللام. قال الرماني: هذا الذي ذكره، لا يبطل شبهها بالقسم، لأنها للتوكيد، كما انه للتوكيد، فكأنه قال: والله إن اتيتني لاكرمنّك والظاهر في ورايات اصحابنا ان الساحر يجب قتله وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. وقال ابو علي من قال: انه بقلب الاجسام، وينشئها، يجب قتله ان لم يتب، لأنه مرتد كافر بالانبياء، لانه لا يجد بين ما ادعى وبين آياتهم فضلاً واما من قال: إنه يموه ويمخرق، فانه يؤدب، فلا يقتل. واما الروايات التي في ان الملكين اخطأا، وركبا الفواحش، فانها اخبار آحاد. من اعتقد عصمة الملائكة، يقطع على كذبها ومن لم يقطع على ذلك، جوز ان تكون صحيحة، ولا يقطع على بطلانها. والذي نقوله ان كان الملكان رسولين فلا يجوز عليهما ذلك، وان لم يكونا رسولين، جاز ذلك ـ وان لم نقطع به ـ وقد بينا الكلام عليه فيما مضى. فأما ما روي من أن النبي "صلى الله عليه وسلم" سحر ـ وكان يرى انه يفعل ما لم يفعله ـ وانه لم يفعله فأخبار آحاد، لا يلتفت اليها. وحاشى النبي "صلى الله عليه وسلم" من كل صفة نقص، اذ تنفر من قبول قوله، لانه حجة الله على خلقه، وصفيه من عباده، واختاره الله على علم منه. فكيف يجوز ذلك مع ما جنبه الله من الغظاظة والغلظة، وغير ذلك من الاخلاق في الدنيئة، والخلق المشينة، ولا يجّوز ذلك على الانبياء الا من لم يعرف مقدارهم ولا يعرفهم حقيقة معرفتهم. وقد قال الله تعالى: {أية : والله يعصمك من الناس } تفسير : وقد اكذب الله من قال: ان يتبعوا إلا رجلاً مسحوراً. فقال: {أية : وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً } تفسير : فنعوذ بالله من الخذلان، ونحمده على التوفيق لما يرضاه. و "لكن" مشدّدة، ومخففة معناهما واحد. قال الكسائي: والذي أختارته العرب اذا كانت (ولكن) بالواو مشددة، واذا كانت بلا واو اختاروا التخفيف ـ وكل صواب ـ وقرىء بغير ما اختاروه اتباعاً للاخبار في القراءة.
الجنابذي
تفسير : {وَٱتَّبَعُواْ} عطف على نبذ فريق يعنى أعرضوا عن الحقّ واتّبعوا {مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} تلا يتلو تلواً تبعه تبعاً وتلا عليه يتلو تلاوة قرأه عليه وتلا عليه يتلو كذب عليه. حكاية ملك سليمان وكونه فى خاتمه ورمز ذلك الى الصادق (ع) اعلم أنّ اكثر قصص سليمان كان من مرموزات الأوائل وأخذها المتأخّرون بطريق الأسمار وأخذوا منها ظاهرها الّذى لا يليق بشأن الانبياء وورد عن المعصومين (ع) تقرير ما أخذوه أسماراً نظراً الى ما رمزها الاقدمون؛ وامثال هذه ورد عنهم تكذيبها نظراً الى ظاهر ما أخذها العوام، وتصديقها نظراً الى ما رمزوا اليه فقد نسب فى مجمع البحرين انّه قال: جعل الله تعالى ملك سليمان فى خاتمه فكان اذا لبسه حضرته الجنّ والانس والطّير والوحش وأطاعوه، ويبعث الله رياحاً تحمل الكرسىّ بجميع ما عليه من الشّياطين والطّير والانس والدّوابّ والخيل؛ فتمرّ بها فى الهواء الى موضعٍ يريده سليمان وكان يصلّى الغداة بالشّام والظّهر بفارس، وكان اذا دخل الخلاء دفع خاتمه الى بعض من يخدمه فجاء شيطانٌ فخدع خادمه وأخذ منه الخاتم ولبسه فخرّت عليه الشّياطين والجنّ والانس والطّير والوحش فلمّا خاف الشّيطان ان يفطنوا به ألقى الخاتم فى البحر فبعث الله سمكة فالتقمه ثمّ انّ سليمان خرج فى طلب الخاتم فلم يجده فهرب ومرّ على ساحل البحر تائباً الى الله تعالى فمرّ بصيّادٍ يصيد السّمك فقال له: اُعينك على ان تعطينى من السّمك شيئاً فقال: نعم فلمّا اصطاد دفع الى سليمان سمكة فأخذها وشقّ بطنها فوجد الخاتم فى بطنها، فلبسه فخرّت عليه الشّياطين والوحش ورجع الى مكانه فطلب ذلك الشّيطان وجنوده الّذين كانوا معه فقتلهم وحبس بعضهم فى جوف الماء وبعضهم فى جوف الصّخرة؛ فهم محبوسون الى يوم القيامة. ونقل أنّه كان عسكر سليمان مائة فرسخ؛ خمسة وعشرون من الانس، وخمسة وعشرون من الجنّ، وخمس وعشرون من الطّير، وخمسة وعشرون من الوحش. وروى انّه أخرج مع سليمان من بيت المقدّس ستّمائة الف كرسىٍّ عن يمينه وشماله وأمر الطّير فأظلّتهم وأمر الرّيح فحملتهم حتّى وردت بهم مدائن كسرى ثمّ رجع فبات فى فارس فقال بعضهم لبعضٍ: هل رأيتم ملكاً اعظم من هذا او سمعتم؟ - قالوا: لا؛ فنادى ملك من السّماء: تسبيحة فى الله أعظم ممّا رأيتم ونسب الى الباقر (ع) انّه قال: لمّا هلك سليمان (ع) وضع ابليس السّحر ثمّ كتبه فى كتابٍ فطواه وكتب على ظهره: هذا ما وضع آصف بن برخيا لملك سليمان (ع) بن داود (ع) من ذخائر كنوز العلم من أراد كذا وكذا فليفعل كذا وكذا، ثمّ دفنه تحت السّرير ثمّ استبان لهم فقرأه فقال الكافرون: ما كان يغلبنا سليمان (ع) الاّ بهذا، وقال المؤمنون: بل هو عبد الله ونبيّه فعلى ما سبق من سلطنة الشّياطين وفرار سليمان كان معنى الآية كما فى تفسير الامام (ع): انّ هؤلاء اليهود الملحدين والنّواصب المشاركين لهم لمّا سمعوا من رسول الله (ص) فضائل علىّ بن ابى طالبٍ (ع) وشاهدوا منه (ص) ومن علىٍّ (ع) المعجزات الّتى أظهرها الله تعالى لهم عليها نبذوا التّوراة والقرآن وأفضى بعض اليهود والنّصاب الى بعضٍ وقالوا: ما محمّد (ص) الاّ طالب الدّنيا بحيلٍ ومخاريق وسحر ونير نجاتٍ تعلّمها وعلّم عليّاً بعضها فهو يريد ان يتملّك علينا فى حياته ويعقد الملك لعلىٍّ (ع) بعده، وليس ما يقول عن الله بشيءٍ انّما هو قوله ليعقد علينا وعلى ضعفاء عباد الله بالسّحر والنّيرنجات الّتى يستعملها، وكان أوفر النّاس حظّاً من هذا السّحر سليمان (ع) بن داود (ع) الّذى ملك بسحره الدّنيا كلّها والجنّ والانس والشّياطين ونحن اذا تعلّمنا بعض ما كان يعلمه سليمان تمكّنا من اظهار مثل ما يظهره محمّد (ص) وعلىّ (ع) وادّعينا لأنفسنا ما يدّعيه محمّد (ص) ويجعله لعلىٍّ (ع) واتّبعوا ما تتلوه الشّياطين اى تتبعه او تكذبه او تقرأه مستولين على مملكة سليمان (ع) او غالبين على سلطنته من السّحر والنّيرنجات الّتى لا يدرك مداركها أحد، او اتّبعوا ما تفترى الشّياطين على سلطنة سليمان (ع) من أنّه بالسّحر الّذى نحن عالمون به، او اتّبعوا ما تقرأه الشّياطين من السّحر والأوراد الّتى بها يقع تمزيج القوى الرّوحانيّة والطّبيعيّة ويظهر به الخوارق الّتى يعجز عن مثلها البشر وتنفثه على مملكة سليمان لادامته لهم، وزعم هؤلاء اليهود والنّواصب والشّياطين انّ سليمان كفر {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} ولا استعمل السّحر كما قال: هؤلاء الكافرون {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} حال كونهم {يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ} او كفروا لتعليمهم السّحر على ان يكون جواباً لسؤالٍ مقدّر. تحقيق السّحر والسّحر اسم لقول او فعل او نقش فى صفحة يؤثّر فى عالم الطّبع تأثيراً خارجاً عن الأسباب والمعتاد وذلك التّأثير يكون بسبب مزج القوى الرّوحانيّة مع القوى الطّبيعيّة، او بتسخير القوى الرّوحانيّة بحيث تتصرّف على ارادة المسخّر السّاحر وهذا أمر واقع فى نفس الأمر ليس محض تخييل كما قيل، وتحقيقه ان يقال: انّ عالم الطّبع واقع بين الملكوت السّفلى والملكوت العليا كما مرّ، وانّ لاهل العالمين تصرّفاً باذن الله فى عالم الطّبع بأنفسهم او بأسبابٍ من قبل النّفوس البشريّة، وانّ النّفوس البشريّة اذا تجرّدت من علائقها وصفت من كدوراتها بالرّياضات الشّرعيّة او غير الشّرعيّة وناسبت المجرّدات العلويّة او السّفلية تؤثّر بالأسباب او بغير الأسباب فى أهل العالمين بتسخيرها ايّاهم وجذبها لهم الى عالمها وتوجيههم فى مراداتها شرعيّةً كانت او غير شرعيّةٍ، واذا كان التّأثير من أهل العالم السّفلىّ تسمّى أسبابه سحراً وقد يسمّى ذلك التّأثير والأثر الحاصل سحراً، وذا كان من أهل العالم العلوىّ يسمّى ذلك التّأثير والاثر الحاصل به معجزة وكرامةً، وقد تتقوّى فى الجهة السّفليّة او العلويّة فتؤثّر بنفسها من دون حاجةٍ الى التّأثير فى الارواح ويسمّى ذلك التّأثير والاثر ايضاً سحراً ومعجزةً، فالسّحر هو السّبب المؤثّر فى الارواح الخبيثة الّذى خفى سببيّته او تأثير تلك الارواح وآثارها فى عالم الطّبع بحيث خفى مدركها ثمّ أطلق على كلّ علم وبيان دقيق قلّما يدرك مدركه، ويطلق على العالم بذلك العلم اسم السّاحر؛ ومنه {أية : يٰأَيُّهَا ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ} تفسير : [الزخرف:49] على وجهٍ فيستعمل السّاحر على هذا فى المدح والذّمّ. حكاية هاروت وماروت ورموزها {وَمَآ أُنْزِلَ} ويعلّمون النّاس ما أنزل، او هو عطف على ما تتلوا الشّياطين، او لفظ ما نافية وهو عطف على ما كفر سليمان، او حال عن السّحر اى لم ينزل السّحر {عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} هما اسمان أعجميّان ولذا لم ينصرفا او عربيّان مأخوذان من هرت ومرت كما قيل بمعنى كسر ولا وجه حينئذٍ لعدم صرفهما، وقيل من هرى بمعنى انضج اللّحم، ومن مرى من المرية او من المماراة، ووزنهما فلعوت مقلوب هريوت ومريوت مثل طاغوت، ويجوز ان يكون من مار يمور بمعنى تحرّك وتموّج، او من مار يمير بمعنى جلب الطّعام الى اهله، او من هار الجُرْف بمعنى انصدع ووزنهما حينئذٍ فلعوت من غير قلبٍ، ومنع صرفهما لمكان التّاء والعلميّة. وعن الصّادق (ع) أنّه قال كان بعد نوحٍ قد كثر السّحرة والممّوهون فبعث الله ملكين الى نبىّ ذلك الزّمان بذكر ما يسحر به السّحرة وذكر ما يبطل به سحرهم ويردّ به كيدهم فتلقّاه النّبىّ عن الملكين وأدّاه الى عباد الله بأمر الله عزّ وجلّ وأمرهم ان يقفوا به على السّحر وان يبطلوه ونهاهم ان يسحروا به النّاس وهذا كما يدلّ على السّمّ ما هو، وعلى ما يدفع به غائلة السّمّ، ثمّ يقال لمتعلّم ذلك: هذا السّمّ؛ من رأيته سمّ فادفع غائلته بكذا؛ وايّاك ان تقتل بالسّمّ أحداً، قال: وذلك النّبىّ أمر الملكين ان يظهرا للنّاس بصورة بشرين ويعلّماهم ما علّمهما الله من ذلك ويعظاهم ونسب الى أبى جعفر (ع) انّه قال: انّ الملائكة كانوا ينزلون من السّماء الى الارض (الى ان قال) فقالت طائفة من الملائكة: يا ربّنا اما تغضب ممّا يعمل خلقك فى أرضك وممّا يصفون فيك الكذب (الى ان قال) فأحبّ الله ان يرى الملائكة القدرة ونفاذ أمره فى جميع خلقه فأوحى الله الى الملائكة ان انتدبوا منكم ملكين حتّى أهبطهما الى الارض ثمّ أجعل فيهما من طبائع المطعم والمشرب والشّهوة والحرص والأمل مثل ما جعلته فى ولد آدم ثمّ أختبرهما فى الطّاعة لى، قال: فندبوا لذلك هاروت وماروت وكانا من أشدّ الملائكة قولاً فى العيب لولد آدم (ع) فأوحى الله اليهما: ان اهبطا الى الارض فقد جعلت لكما مثل ما جعلت لولد آدم ثمّ أوحى الله اليهما: انظرا الاّ تشركا بى شيئاً ولا تقتلا النّفس الّتى حرّم الله ولا تزنيا ولا تشربا الخمر؛ فهبطا ناحية بابل فرفع لهما مشرف فأقبلا نحوه واذا بحضرته امرأةٌ جميلة حسناء متزيّنة عطرة مسفرة مقبلة نحوهما، قال: فلمّا نظرا اليها وناطقاها وتأمّلاها وقعت فى قلوبهما موقعاً شديداً فرجعا اليها رجوع فتنة وخذلان وراوداها عن نفسها، واجمال الخبر أنّها أمرتهما بسجود الصّنم وشرب الخمر ليتوسّلا بهما الى الزّنا معها، فتوامرا بينهما وقالا: هذه ثلاثة خصالٍ ممّا نهينا عنه، فغلبت عليهما الشّهوة فأجاباها فشربا الخمر وسجدا الصّنم فلمّا تهيّأت لهما وتهيّئا لها دخل عليهما سائلٌ يسأل فلمّا ان رآهما ورأياه ذعرا منه فقال لهما: انّكما لمريبان ذعران قد خلوتما بهذه المرأة انّكما لرجلا سوء وخرج عنهما، فقالت لهما؛ لا والهى ما تصلان الان الىّ وقد اطّلع هذا الرّجل على حالكما ويخبر بخبركما ولكن بادرا الى هذا الرّجل واقتلاه قبل ان يفضحكما ثمّ دونكما فاقضيا حاجتكما فقتلا الرّجل ثمّ رجعا اليها فلم يرياها وبدت لهما سوآتهما قال الله: اختارا عذاب الآخرة او عذاب الدّنيا، فاختارا عذاب الدّنيا وكانا يعلّمان النّاس السّحر فى أرض بابل ثمّ لمّا علّما النّاس السّحر رفعا من الارض الى الهواء فهما معذّبان منكّسان معلّقان فى الهواء الى يوم القيامة وقيل: انّ هذه القضيّة وقعت بعد رفع ادريس (ع) الى السّماء فقالت الملائكة: ما يصنع هذا الخاطئ فينا فلم يرضه الله تعالى منهم وجعلهم معرضاً لامتحانه ثمّ قال: اختاروا من بينكم من هو أصلح منكم فاختاروا ثلاثة من الملائكة أحدهم عزرائيل فهبطوا الى الارض واختلط بهم طباع أهلها ولبسوا لباسهم ثمّ استعفى عزرائيل من الحكومة فى الارض فقبل الله منه ورفعه الى السّماء وبقى هاروت وماروت فى الارض بناحية بابل يحكمان بين النّاس فى النّهار واذا جاء اللّيل خلع منهما طباع البشر ورفعا الى السّماء فجاءت ذات يوم امرأة حسناء لمهمّ لها عندهما فوقعت فى قلوبهما فراوداها الى ان قتلا السّائل وعلّما الاسم الاعظم لها فلمّا أرادا الاختلاط بها صعدت الى السّماء بواسطة الاسم الاعظم ومسخت كوكباً وهى هذه الزّهرة المعروفة؛ والزّهرة كانت اسماً لها، وبقيا فى الارض بعد التّنبّه بأنّهما عصيا واختارا عذاب الدّنيا على عذاب الآخرة بمشورة جبرئيل فعلّقا فى بئرٍ فى مغارة جبل من بابل. وقيل: كانت القضيّة فى عهد ادريس (ع) واختيار عذاب الدّنيا كان بمشورة ادريس (ع) ومسئلته من الله. وقيل: انّهما كانا رجلين صالحين كانا فى النّاس يحكمان بينهم وسمّيا ملكين لصلاحهما، ويؤيّده قراءة الملكين بكسر اللاّم. اعلم أنّ أمثال هذه من مرموزات الانبياء والحكماء السّلف ولذا اختلف الأخبار وكتب السّير فى نقلها ولمّا كانت من المرموزات وقد حملها العامّة على مفاهيمها العرفيّة الّتى لا يمكن تصحيحها بالنّسبة الى مقام الانبياء والملائكة المعصومين عن الخطاء قرّرها المعصومون تارةً وأنكروها أخرى فانّه نسب الى الامام الحسن العسكرى (ع) انّه سئل عن هاروت وماروت وما نسب اليهما ممّا ذكر سابقاً فقال الامام (ع): معاذ الله من ذلك انّ ملائكة الله معصومون من الخطاء محفوظون من الكفر والقبائح بألطاف الله (الى آخر ما قال فيهم) ووجه صحّتها انّ المراد بالملكين القوّتان العّلامة والعمّالة اللّتان أنزلهما الله من عالم الأرواح وجعل فيهما ما جعل فى البشر من الطبائع المتضادّة والشّهوات المتخالفة والآراء المتناقضة وابتلاهما بالمرأة المتعطّرة المتزيّنة الّتى هى النّفس الانسانيّة وقد عبّر عنها فى الأخبار بالمرأة ودعت النّفس القوّتين الى متابعتها وقد افتتنتا بشهواتها ولذّاتها ولم يتيسّر لهما التّمتع بها الاّ بشرب خمر الغفلة وسجدة وثن الهوى وقتل الملك الزّاجر لهما الّذى أنزله الله تعالى معهما زاجراً لهما عن متابعة النّفس فى أوّل الامر ثمّ لمّا عزمتا على مخالطة النّفس واستحكم ذلك فيهما زال عنه قوّة الزّجر والمنع بغلبتهما عليه فصار سائلاً متضرّعاً، ولمّا لم يتيسّر لهما التّمتع بها مع مسئلته قتلتاه بأمرها ثمّ وضعتا للوصول الى شهواتها الطرائق الخفيّة الّتى بها تتصرّفان فى الطّبيعيّات باستمداد من الارواح الخبيثة وبهذا الاعتبار يسمّى سحراً ثمّ تعلّمت منهما ما ترتقى به عن عالم الملك وتتّصل بروحانيّات الكواكب العلويّة خصوصاً روحانيّة الزّهرة الّتى هى المربّية للنّسأ والمزيّنة والمراد بالمسخ المسخ الملكوتىّ لا الملكىّ، ولمّا اتّصلت بروحانيّة الزّهرة قالوا مسخت بها وبقيتا فى عالم الطّبع معذّبتين بأمره تعالى فى خدمة الجسد ولوازمه فى بئرٍ له سبعمائة درجةٍ باعتبارٍ وفى الهواء باعتبارٍ {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} من ذلك السّحر وابطاله {حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} امتحان للخلق جعلنا الله امتحاناً لهم حتّى يعلم من يجاهد فى سبيله ولا يتعلّم ما يضرّ بدينه او لا يستعمل ما يتعلّمه ممّا يضرّ ممّن لا يجاهد {فَلاَ تَكْفُرْ} بترك المجاهدة وتعلّم ما يضرّك او استعماله وبادّعاء الانانيّة لنفسك ونسبة ما تعلّمته اليها مع انّه عارية من الله لها {فَيَتَعَلَّمُونَ} بترك نصحهما {مِنْهُمَا} من الملكين او من الصّنفين اى السّحر وما أنزل على الملكين {مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} من الاعمال والاقوال والرّقىّ ويتركون نصائح الملكين ويضرّون بعباد الله {وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ} وما المتعلّمون بضارّين بما يفرّقون به بين المرء وزوجه او بما يتعلّمونه {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} لمّا توهّم من نبذ الكتاب واتّباع ما تتلو الشّياطين على ملك سليمان وتلاوة الشّيطان واستيلائه على ملك سليمان بما تلاه وتعليم الشّيطان النّاس السّحر وبالجملة من انتساب الافعال الى المذكورين استقلالهم بها واستبدادهم فيها رفع ذلك التّوهّم بانّ هذه ابتلاءات من الله على أيدى هؤلاء وليس يقع بدون اذنه شيءٌ {وَيَتَعَلَّمُونَ} من الملكين او من الصّنفين {مَا يَضُرُّهُمْ} من انواع السّحر والنّير نجات سوى ما يفرّقون به بين المرء وزوجه، او المراد أنّهم يتعلّمون ما يضرّهم أعمّ من التّفريق وغيره من قبيل ذكر العامّ بعد الخاصّ للاهتمام بالخاصّ ولتطويل مقام الذّمّ ولذا أتى بالعاطف، او المراد أنّهم يتعلّمون من غير الملكين ومن غير الصّنفين ما يضرّهم من العلوم والحرف، او أنّهم يتعلّمون من كلّ ما يتعلّمون جهته الدّنيويّة الّتى تضرّهم فى دينهم وفى دنياهم تبعاً لدينهم، ولا يتعلّمون الجهة الّتى تنفعهم فى دينهم فتنفعهم فى دنياهم أيضاً {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} مع أنّهم أمروا بالتّعلّم لينتفعوا والملكين أنزلا ليتعلّموا منهما ما ينفعهم {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ} اى اشترى ما تتلو الشّياطين بكتاب الله كأنّ كتاب الله بحسب فطرته كان مملوكاً له بخلاف ما تتلو الشّياطين لانّ التّدوينىّ من كتاب الله صورة كتابه التّكوينىّ والصّورة الانسانيّة مختصرة من التّكوينىّ وما تتلو الشّياطين ليس منسوباً الى الانسانيّة بل هو ضدّ ونافرٌ منها فاشتراءه بكتاب الله شراء مبيع خسيس رديءٍ بثمنٍ نفيسٍ مملوكٍ له مملوكيّة ذات الشّيء للشّيء ولذا قال بُعَيْد ذلك ولبئس ما شروا به أنفسهم، او المعنى انّهم علموا لمن اشترى ما يضرّه بما ينفعه كأنّ ما ينفعه مملوكٌ له فجعله ثمناً {مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} نصيب {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} كتاب الله فانّه أنفسهم كما عرفت، او ما ينفعهم فانّه أيضاً من شؤن أنفسهم وشأن الشّيء هو الشّيء بوجهٍ، او المقصود أنّهم باشتراء ما تتلو الشّياطين بكتاب الله عرضوا أنفسهم فى معرض البيع للشّيطان فباعوها منه بالأعراض والأغراض الفانية، او المعنى لبئس ما اشتروا به انانيّتهم كما سبق فى نظير الآية {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} لانتهوا عمّا ارتكبوه او لما اشتروه، او المعنى على التّمنّى. تحقيق العلم وصدقه وحقيقته اعلم انّ العلم يطلق على مطلق الادراك الانسانىّ سواء كان بالمدارك الظّاهرة او الباطنة، وسواء كان جزئيّاً او كلّيّاً تصوّراً او تصديقاً، ولا يطلق على ادراك سائر الحيوان لانّه ليس مطلق الادراك بل الادراك المأخوذ فى مفهومه الشّعور بالشّعور فى عرف العامّ والادراك الموصوف بالاشتداد اى المستعقب لادراكٍ آخر فوق ذلك الادراك فى طريق الانسان فى عرف الشّارعين، ويطلق على الادراك الكلّىّ او المركّب مقابل المعرفة الّتى تطلق على الادراك الجزئىّ او البسيط، وعلى التّصديق ظنيّاً او علميّاً تقليديّاً او عاديّاً او برهانيّاً، وعلى الفنون العلميّة والصّناعات والحرف العلميّة من دون اعتبار ادراك مدركٍ لها، وعلى الملكة الحاصلة للانسان من ممارستها ومدارستها علماً ومواظبتها عملاً الّتى يقتدر بها على تفصيل مسائلها واتقان عملها، ولمّا كان العلوم والادراكات متخالفة متضادّة والفنون والصّناعات مختلفة والعلوم والجهالات متشابهة غير متمايزةٍ الاّ عند من له بصيرة بدارى العلم والجهل، وانّ أىّ الادراكات صدر من دار العلم وأيّها من دار الجهل، وأيّها يؤدّى الى العلم وأيّها يؤدّى الى العلم وأيّها يؤدّى الى الجهل، وهذا البصير نادر الوجود ولكن طالب تلك البصيرة كثير ولتشابه العلوم والجهالات يضلّ كثير من الطّلاب عن طريق الحقّ ويحسب العلم فى الجهل واليقين فى الظّنّ حتّى أنّه يحسب ان ليس وراء مظنونه علم وادراك كان التّعرّض لتحقيق العلم وأقسامه وتمييزه عن الجهل وأفنانه من المهمّات فنقول: العلم كالوجود وكذا سائر الصّفات الحقيقيّة الالهيّة حقيقة مشكّكة ذات مراتب عديدةٍ فمرتبة منه واجب الوجود تعالى شأنه، ومرتبة منه فعله المسمّى بالمشيئة والحقيقة المحمّديّة (ص) وعلويّة علىّ (ع) ونفس الرّحمن ومقام المعروفيّة وهو الواسطة بين الخلق والحقّ ولذا سمّى بالحقّ المخلوق به، ومرتبة منه الاقلام العالية بأنواعها ومراتبها، ومرتبة منه اللواح النّوريّة بمراتبها الكلّيّة والجزئيّة، ومرتبة منه الالواح العينيّة بسماواتها وسماويّاتها وارضيها وارضيّاتها والعلم فى المراتب العالية لظهور الوجود فيها وخفاء المهيّات وانغمار التّعيّنات وانمحاء الكثرات وظهورها بأنفسها وانكشاف غيرها لها وانكشافها لدى غيرها وادراكها لادراكها يسمّى علماً وعقلاً كما يسمّى وجوداً ونوراً، وامّا فى مراتب المادّيّات وخصوصاً الأرضيّات فلخفاء الوجود وغلبة الاعدام والتّعيّنات وغيبتها عن أنفسها وعن غيرها بحقائقها لا يسمّى شعورها الضّعيف الخفىّ علماً فانّ للكلّ شعوراً بقدر وجوده ولكن لا شعور له بشعوره كما فى قوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء:44] يعنى انّ للكلّ تسبيحاً وشعوراً ولكن لا شعور لهم بتسبيحهم (على قراءة لا يفقهون بالغيبة) وهكذا الحال فى ادراك الحيوان مع انّ له احساساً بالمدارك الظّاهرة وادراكاً بالمدارك الباطنة لعدم شعوره بشعوره، والسّرّ فى ذلك انّ المادّة الاولى فعليّة وجوده عين القوّة وعدم الوجود الشأنىّ فليس لها وجودٌ فى نفسها حتّى يكون لها وجود لنفسها، او يكون لغيرها وجود لها فلا يكون لها علم بنفسها ولا بغيرها لانّ العلم بالشيء عبارة عن وجود ذلك الشّيء للعالم به وحضوره عنده، والمادّة الثّانية الّتى هى الامتداد الجسمانىّ والصّور المنطبعة فيها من صور العناصر والجمادات والنّباتات لها فعليّة ما ووجود فى أنفسها ووجود لأنفسها لكن فعليّتها مختفية تحت القوّة ووجوداتها فى أنفسها عين أعدامها وتكوّناتها نفس تصرّماتها على ما تقرّر عند الصّوفيّة وبعض ما قلّدهم من الفلاسفة من الحركات الجوهريّة والتّجدّدات الذّاتيّة وانّ موجودات عالم الطّبع بتمامها موادّها وصورها وأوصافها وأعراضها من قبل أنفسها فى الفناء والعدم ومن قبل موجدها فى البقاء والوجود، ووجوداتها لانفسها بعينها أعدامها وغيبوبتها عن أنفسها، على انّ الامتداد الجسمانىّ كلّ جزءٍ من أجزائه الغير المتناهية المفروضة فى الغيبة عمّا سواه وعن الكلّ والكلّ فى الغيبة عن الاجزاء، وما كان كذلك لم يكن له حضور عند غيره ولا لغيره حضور عنده، فلم يكن عالماً بنفسه ولا بغيره ولا معلوماً لغيره الاّ لمن كان الامتداد الجسمانىّ متقوّماً به ومتبدّلاً غيبته بالحضور وتجدّده بالثّبات عنده، وغير الانسان من الحيوان لتجرّد نفسه الحيوانيّة عن المادّة تجرّداً ما كان له وجود فى نفسه ولنفسه فكان عالماً ومعلوماً لنفسه وكان لغيره أيضاً وجودٌ ماله بصورته المجرّدة عن المادّة تجرّداً مثل تجرّد النّفس الحيوانيّة فكان عالماً بغيره أيضاً لكن لمّا كان علمه وادراكه مجرّداً عن الشّعور بالشّعور وعن الاشتداد لا يسمّى علماً بل احساساً وادراكاً، والانسان من اوّل انفصال مادّته واستقرارها فى مقرّها حاله حال الجماد البرزخ بين الجماد والنّبات، وبعد ذلك يصير نباتاً، وبعد ذلك يصير حيواناً كالخراطين له قوّة ضعيفة للحركة الخفيفة وادراك ضعيف بالّلامسة، فاذا تولّد صار حيواناً كاملاً بحسب المدارك الظّاهرة لكن مداركه الباطنة الحيوانيّة بعد فى ضعفٍ حتّى بلغ الى عامين او ثلاثة فيصير حينئذٍ حيواناً كاملاً فى مداركه الظّاهرة والباطنة، ولا فرق بينه وبين الاجناس الثلاثة فى تلك المراتب الاّ انّه واقع فى طريق الانسان غير واقف على شيءٍ من المراتب الثلاث ووجوده لا بشرط شيءٍ بخلافها فانّها واقفة فى مقاماتها غير مستعدّةٍ للتّجاوز عنها لكن شعوره البسيط فى المراتب كشعورها لا يسمّى علماً وان كان فى الاشتداد؛ لما عرفت انّ الجماد والنّبات شعورهما كلا شعورٍ ولا يسمّى ادراكاً وشعوراً فكيف يسمّى علماً، وانّ الحيوان وان كان شعوره شعوراً وادراكاً لكن لانفكاك الاشتداد والشّعور بالشّعور عنه لا يسمّى علماً فاذا بلغ او ان التميز وادراك المعقولات من البديهيّات سمّى عالماً وادراكه علماً لحصول الشّعور بالشّعور له مع الاشتداد لادراكه فى الطّريق الانسانىّ فعلم من ذلك انّ اسم العلم وقع على الادراك بعد ما سُلب عنه حين صيرورته قريناً للشّعور بالشّعور حال كونه مشتدّاً فى الطّريق الانسانىّ، ودوران اطلاق العلم على الادراك وسلبه عنه على وجود الشّعور بالشّعور وعدمه دليلٌ على اعتباره فى اطلاق العلم، واعتبار اشتداد الادراك فى صدق العلم يستفاد من اشارات الآيات والاخبار وانّ الفطرة قاضية بأنّ العلم يقتضى العمل بمقتضاه لانّ الانسان العطشان اذا علم انّ خلف الجدار ماءً وعلم أنّه لا يصل اليه الاّ بالحركة اليه؛ فعلمه يدعوه الى الحركة اليه، على أنّ فى الاخبار اشاراتٍ اليه والعمل يورث العلم بنصوص الاخبار مثل: من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم، وباشارات الكتاب مثل قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} حيث جعل التّعليم المورث للعلم ميراث التّقوى، فالعلم على هذا يقتضى العلم، وما فى سورة التّكاثر صريح فى اقتضاء العلم الاشتداد والازدياد من قوله تعالى: {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر:5-7] وقد ذكر المولوى قدّس سرّه اقتضاء العلم الاشتداد بقوله. شعر : اين عجب ظنّى است درتواى مهين كه نمى برّد ببستان يقين هركَمان تشنه يقين است اى بسر ميزند اندر تزايد بال و بر جون رسد درعلم بسن بويا شود مر يقين را علم او جويا شود علم جوياى يقين باشد بدان وين يقين جوياى ديدست وعيان تفسير : فاذا سمع الانسان نباح الكلب مثلاً وانتقل منه الى تسخّره للغضب ومنه الى تسخّر الغضب لربّ نوعه، ومنه الى تسخّره لربّ الارباب كان سماعه علماً، واذا سمع نبىّ وقته يقول: يا قوم اتّقوا الله وأطيعونى فانّ فى طاعتى وسماع قولى فلاح الدّنيا والآخرة، وأدرك منه لموافقة شاكلته أنّ فلاح الدّنيا بكثرة المال والتّرأّس على العباد والتّبسّط فى البلاد سواء حمل ذلك القول من النّبىّ على طلبه ذلك او لم يحمل لم يكن ادراكه علماً بل كان جهلاً، وهكذا الحال فى تعلّم الصّناعات العلميّة فانّه اذا تعلّم السّحر للاطّلاع على طرقه الخفيّة لحفظ دين الله وضعفاء عباد الله وابطال السّحر به، او تعلّم الشّطرنج للتنبّه على كيفيّة السّير فى البيوت والغلبة على الخصم منتقلاً به الى سير قواه فى مدارج الآخرة والغلبة على الخصم الّذى هو الشّيطان وجنوده كان ادراكه علماً، واذا تعلّم الفقه او علم الأخلاق او علم العقائد الدّينيّة ولم يكن المقصود منه العمل وامتثال الاوامر والنّواهى وتبديل الأخلاق ولا التّرقّى من حضيض العلم الى اوج اليقين والشّهود بل كان مقصوده التحبّب الى النّاس او التّرأّس عليهم او الصّيت فى بلادهم او التّصرّف فى الاوقاف والوصول الى المناصب الشّرعيّة او غير الشّرعيّة او غير ذلك من الأغراض النّفسانيّة كان ادراكه جهلاً لا علماً فمدار علميّة الادراك وجهليّته شاكلة الانسان لا صورة المدرك والصّناعات فربّ متعلّمٍ للفقه كان عبداً للشّيطان بل ابناً له، وربّ متعلّمٍ للسّحر والشّطرنج والموسيقار الّتى قالوا بحرمة تعلّمها كان ادراكه علماً؛ وبالجملة كلّما أخذ النّاقص بدون الاذن والانقياد للكامل صار فى وجوده نقصاً وعلّة، وما أخذه الكامل او النّاقص باذن الكامل وانقياده كان كمالاً وفضيلةً؛ ونعم ما قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : دست ناقص دست شيطان است وديو زانكه اندر دام تكليف است وريو كاملى كَر خاك كَيرد زر شود ناقص ار زر برد خاكستر شود جهل آيد بيش او دانش شود جهل شد علمى كه در ناقص رود هرجه كَيرد علّتى علّت شود كفر كَيرد ملّتى ملّت شود تفسير : والحاصل أنّ كلّ ادراكٍ يكون سبباً للادبار عن الدّنيا والاقبال على الآخرة يسمّى عند أهل الله علماً، وكلّ ادراكٍ لم يكن كذلك لم يكن علماً، والعالم من كان يعلم ما يحتاج اليه فى معاشه ومعاده مع اقباله على الآخرة، والمتعلّم من كان طالباً لادراك ما يحتاج اليه مع اقباله على الآخرة، ومن كان مقبلاً على الدّنيا لم يكن عالماً ولو كان مدركاً لجميع المسائل الشّرعيّة والمطالب الخلقيّة والعقائد الدّينيّة بالبرهان المتقن؛ ونعم ما قيل: انّ العلم هو الّذى لم يجتمع مع الأغراض الدّنيويّة والاهواء النّفسانيّة؛ وما اجتمع مع تلك فهو جهل مشابهٌ للعلم وليس بعلمٍ، فقول المعصوم (ع): طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة؛ اشارة الى هذا الادراك سواء كان مع الجلوس فى المدرسة او مع الاكتساب للمعيشة والاّ كان أكثر النّاس محروماً من هذه الفضيلة، وكذا قوله (ع): كن عالماً او متعلّماً ولا تكن ثالثاً فتهلك، اشارة الى هذا العلم وطلبه والاّ كان الأمر به أمراً بالمحال لأغلب النّاس. وما ورد فى أخبارٍ كثيرة من أقسام العلم وطلبته وأقسام العالم يدلّ على ما ذكر مثل ما روى:"حديث : انّ رسول الله (ص) دخل المسجد فاذاً جماعة قد أطافوا برجلٍ فقال (ص): ما هذا؟ - فقيل: علاّمة، فقال (ص): وما العّلامة؟ - فقالوا: أعلم النّاس بأنساب العرب ووقائعها وأيّام الجاهليّة والاشعار العربيّة، فقال النّبىّ (ص): ذاك علمٌ لا يضرّ من جهله ولا ينفع من علمه، ثمّ قال النّبىّ (ص): انّما العلم ثلاثةٌ؛ آية محكمة، او فريضة عادلة، او سنّة قائمة، وما خلاهنّ فهو فضلٌ"تفسير : . فانّه اشارة الى الاقسام الثّلاثة للعلم العقلانىّ والنّفسانىّ والجسمانىّ بحيث يكون مشتملاً على الاقبال على المعلوم والعمل المستلزم للاشتداد فانّ الآية المحكمة عبارة عن العلوم العقلانيّة الّتى يجد العالم شيئاً من حقائق المعلومات ويستلذّ به والاّ لم تكن آياتٍ ومرائى، والّتى لم يكن للرّيب والشّكّ والزّوال مجالٌ فيها والاّ لم تكن محكمة، وهذا بخلاف العلوم الخياليّة الّتى حصّلها الفلسفىّ والمتكلّم باستخدام الخيال للعاقلة وجعلتها أنفسهم الزّائغة وسائل لمآربها النّفسانيّة من الأعراض الدّنيويّة او الأغراض النّفسانيّة من الرّاحة عن كلفة الطّاعات الشّرعيّة فانّها ليست آياتٍ ولا محفوظة عن الرّيب والشّكّ والزّوال لكونها مأخوذة بالتّقليد من أمثالهم، والفريضة العادلة عبارة عن العلوم النّفسانيّة المتعلّقة بالرّذائل والخصائل بحيث يصير العالم بها متخلّياً عن الرّذائل متحلّياً بالخصائل لانّ اطلاق الفريضة على هذا العلم انّما هو باعتبار تلك التّخلية والتّحلية وكذا اطلاق العادلة فانّ معنى العلم العادل ان يكون العالم به عادلاً او معلومه متوسّطاً ولا يكون المعلوم من الاخلاق متوسّطاً الا اذا صار جزئيّاً موجوداً فى وجود العالم به، وهذا معنى استلزام العلم للعمل المستلزم لعلمٍ آخر اللاّزم للاقبال على الآخرة، والسنّة القائمة عبارة عن العلوم القالبيّة المأخوذة من النّبىّ (ص) او خليفته العامل صاحبها بها بحيث ينتصب عن اعوجاجه او يعتدل عن الافراط والتّفريط، او تكفى مهامّ صاحبها فى الدّنيا والآخرة لانّ السّنّة بحسب العرف واللّغة لها معان عديدة لكنّها فى عرف الشّارعين اسم للعلوم المتعلّقة بالاعمال الجسمانيّة بحيث تؤدّى صاحبها الى العمل لانّ تسمية العلوم بالسّنّة ليست الاّ باعتبار العمل، والقائمة امّا من قام بمعنى انتصب او اعتدل وبكلا المعنيين تكون وصفاً بحال المتعلّق اى سنّة قائم صاحبها، او من قام المرأة وعليها بمعنى مأمنها وكفى أمورها وبهذا المعنى يكون وصفاً بحال الموصوف فالعمل والاقبال الى الآخرة مأخوذان فى مفهوم الكلمتين. ومثل ما روى عن الصّادق (ع) فى أقسام طلبة العلم من قوله (ع) طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم؛ صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف يطلبه للاستطالة والختل، وصنفٌ يطلبه للفقه والعقل، فصاحب الجهل والمراء موذٍ ممارٍ متعرّض للمقال فى أندية الرّجال بتذاكر العلم وصفة الحلم قد تسربل بالخشوع وتخلّى من الورع فدّق الله من هذا خيشومه وقطع منه حيزومه، وصاحب الاستطالة والختل ذو خِبّ وملق يستطيل على مثله من أشباهه ويتواضع للاغنياء من دونه فهو لحلوائهم هاضم ولدينه حاطمٍ، فأعمى الله على هذا خبره وقطع من آثار العلماء اثره، وصاحب الفقه والعقل ذو كأبة وحزن وسهر قد تحنّك فى برنسه وقام اللّيل فى حندسه، يعمل ويخشى وجلاً داعياً مشفقاً مقبلاً على شأنه، عارفاً بأهل زمانه، مستوحشاً من أوثق اخوانه، فشدّ الله من هذا أركانه، وأعطاه الله يوم القيامة أمانه. وهذا الحديث يدلّ على ما ذكرنا من انّ اعتبار جهليّة الادراك وعلميّته انّما هو بشأن المدرك ونيّته لا بحال المدرك المعلوم وشرافته وخساسته فانّ المراد بالعلم فى قوله (ع): طلبة العلم؛ مطلق الادراك المطلق عليه العلم بمفهومه العرفىّ، وقوله (ع) صنف يطلبه للجهل يعنى يطلب العلم اى الادراك او المدرك للجهل يعنى يجعل غاية طلبه للعلم الجهل وهذا بظاهره متناقض وبيانه بحيث لا يتوهّم تناقض ان نقول: انّ الانسان له قوّة داركة ويعبّر عنها بالقوّة العّلامة والقوّة النظريّة، وقوّة عمليّة ويعبّر عنها بالقوّة العمّالة، والقوّة العمّالة تنشعب الى الشّهويّة الّتى تجذب المنافع والملاذّ والغضبيّة الّتى تدفع المضارّ والمولمات وهذه الثّلاث امّا مسخّرة للعاقلة وخادمة لها ولا يكون تسليمها للعاقلة الّتى هى رسول باطنىّ الاّ اذا صارت منقادة لولىّ أمره الّذى هو عقل خارجىّ او مسخّرة للشيطان وخادمة له فان كانت خادمة للعاقلة كان ادراك العّلامة علماً ومورثاً للعمل الاخروىّ وللعلم الآخر وكان عمل العمّالة للآخرة سواء كان شهوانياً او غضبيّاً، ومورثاً لعلم آخر غير العلم الّذى صار محرّكاً له على العمل، وان كانت مسخّرة للشيطان كان ادراكه مورثاً لازدياد جهله فانّ الجهل الحقيقىّ هو ملك الشّيطان وليس المراد به الجهل الّذى هو عدم لملكة العلم بل المراد به ازدياد الادراك الّذى يصير سبباً لسعة النّفس الّتى سعتها قبل التّسليم سعة ملك الشّيطان، وكثيراً ما يورث هذا الادراك ادراكاً آخر هو جهل آخر. وقول علىٍّ عليه السّلام فى حديث اقسام النّاس: انّ الناس آلوا بعد رسول الله (ص) الى ثلاثة؛ آلوا الى عالمٍ على هدىً من الله قد أغناه الله بما علم عن علم غيره، وجاهلٍ مدّعٍ للعلم لا علم له معجبٍ بما عنده قد فتنته الدّنيا وفتن غيره، ومتعلّمٍ من عالمٍ على سبيل هدىً من الله ونجاة؛ (الى آخر الحديث) اشارة الى ما ذكرنا؛ فانّ المراد بالجاهل المدّعى للعلم المعجب بما عنده المفتن بالدّنيا؛ والمفتّن غيره ليس الجاهل السّاذج بل الّذى سمّاه أشباه النّاس عالماً واكتنز من قشر العلوم كنوزاً وجعلها لمآربه معدّة، ولا علم له بالمعنى الّذى ذكر مع انّه مليءٌ بالادراكات الجهليّة المورثة لازدياد ملك الشّيطان الّذى هو ملك الجهل، وكان عمله بتسخير الشّيطان جلباً لما اشتهته نفسه، ودفعاً لما لا يلائم نفسه من غير اعتبار للتّأدية الى الآخرة وهذا المسخّر للشّيطان بقوّته الداركة وحيلته الشّيطانيّة يريد مداماً ارائة مدّخراته للخلق فيتعرّض للمقال فى أندية الرّجال ويؤذى جليسه باعجابه بنفسه وإظهاره مزخرفاته ويمارى من يظنّه مثله او فوقه؛ ونعم ما قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : علم تقليدى وتعليمى است آن كز نفور مستمع دارد فغان جون بى دانش نه بهر روشنى است همجو طالب علم دنياى دنى است طالب علم است بهر عام وخاص نى كه تايابد ازاين عالم خلاص علم وكَفتارى كه آن بى جان بود عاشق روى خريداران بود كَرجه باشدوقت بحث اين علم زفت جون خريدارش نباشد مردو رفت تفسير : وعلامة العلم ان يكون العالم طالباً للخلوة مع معلومه نافراً من هذه الجهة من أوثق اخوانه فكيف بغيرهم، وان كان من جهة الحبّ فى الله طالباً للسّلاّك الى الله بل لتمام خلق الله قائلاً: شعر : مشترىّ من خداى است و مرا ميكشد بالا كه الله اشترى خونبهاى من جمال ذو الجلال خونبهاى خود خورم كسب حلال تفسير : وبقوّته السّبعيّة يريد الاستطالة على من يمكن له الاستطالة عليه فيستطيل على أمثاله الّذين لا يظن حصول ملائمات قوّته البهيميّة منهم ويتملّق لمن يظنّ حصول ملائماتها منه سواء كانوا أدنى منه فى الشّرف او أمثاله او أشرف منه، فمعنى الحديث صنفٌ من طلبة العلم يطلبه لازدياد مدركاته الحاصلة باستمداد الشّيطنة الموجب لازدياد جهله؛ وصفة هذا الصّنف ما ذكره (ع)، وصنفٌ يطلبه لتقوية قوّته الغضبيّة الظّاهرة بالاستطالة على الخلق ولتقوية قوّته البهيميّة الظّاهرة بالختل مع الخلق والتملّق، وصنفٌ يطلبه للفقه وازدياد العلم الاخروىّ واشتداده، والعقل يعنى كمال الادراك الّذى هو التعقّل مقابل نقصان الادراك الّذى هو الشّيطنة والجهل. وروى عن امير المؤمنين (ع) فى عبّاد العامّة وجهّالهم الّذين سمّاهم أشباه النّاس عالمين انّه قال: انّ من أبغض الخلق الى الله تعالى لرجلين، رجل وكله الله تعالى الى نفسه وهو جائر عن قصد السّبيل مشعوف بكلام بدعة قد لهج بالصّوم والصّلاة فهو فتنة لمن افتتن به، ضالّ عن هدى من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به فى حياته وبعد موته، حمّال خطايا غيره، رهنٌ بخطيئته، ورجل قمش جهلاً فى جهّال النّاس عانٍ بأغباش الفتنة قد سمّاه أشباه النّاس عالماً ولم يغن فيه يوماً سالماً، بكّر فاستكثر ما قلّ منه خير ممّا كثر حتّى اذا ارتوى من ماءٍ آجن واكتنز من غير طائل جلس بين النّاس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره، وان خالف قاضياً سبقه لم يأمن ان ينقض حكمه من يأتى بعده لفعله بمن كان قبله، وان نزلت به احدى المبهمات المعضلات هيّأ لها حشواً من رأيه ثمّ قطع به فهو من لبس الشّبهات فى مثل غزل العنكبوت لا يدرى أصاب ام أخطأ، لا يحسب العلم فى شيءٍ ممّا أنكر، ولا يرى انّ وراء ما بلغ فيه مذهباً، ان قاس شيئاً بشيءٍ لم يكذّب نظره وان اظلم عليه امر اكتتم به لما يعلم من جهل نفسه لكيلا يقال له: لا يعلم، ثمّ جسر فقضى فهو مفتاح عشوات ركّاب شبهات خبّاط جهالات، لا يعتذر ممّا لا يعلم فيسلم، ولا يعضّ فى العلم بضرسٍ قاطع فيغنم، يذرى الرّوايات ذرو الرّيح الهشيم، تبكى منه المواريث وتصرخ منه الدّماء، يستحلّ بقضائه الفرج الحرام، ويحرّم بقضائه الفرج الحلال، لا مليءٌ باصدار ما عليه ورد، ولا هو أهلٌ لما منه فرط من ادّعائه علم الحقّ. والاوّل من الرّجلين اشارة الى من لم يدخل فى باب الهدى ولم يأخذ علمه من أهله الّذين أمر الله العباد بالأخذ منهم، فصار حريصاً على الصّوم والصّلاة فافتتن النّاس بهم من حيث انّهم رأوهم متعبّدين فظنّوا أنّهم من خواصّ أهل الله فاقتدوا بهم، والثّانى اشارة الى علمائهم الّذين لم يدخلوا فى باب الولاية ولم يأخذوا علمهم من أهله بل جمعوه من الصّحف وأخذوه من الرّجال فهم جمعوا سواقط خيالات النّاس ولذا استعمل فيه القمش الّذى هو جمع القماش الّتى هى ما سقط على وجه الارض، وسمّى سواقط خيالات النّاس ممّا سمّوه مسائل علميّة بالجهل فقال: قمش جهلاً فى جهّال النّاس اى جمع ما سمّوه علماً فى بين علماء النّاس الّذين سمّاهم أشباه النّاس علما، فمعنى الآية على ما عرفت من معنى العلم وإطلاقاته، {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} اى أدركوا ادراكاً يسمّى فى عرف أهل الله بالجهل {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} حقيقتة لامتنعوا.
اطفيش
تفسير : {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا}: لحكاية الحال الماضية، فالمضارع للحال تنزيلا لا تحقيقاً، والأصل أن يقال ما تلت. {الشَّيَاطِينُ}: عطف على جملة نبذ فريق، أى نبذوا كتاب الله واتبعوا كتاب السحر التى تقرؤها شياطين الإنس والجن، ويجوز أن يكون تتلوا بمعنى تتبع، أى اتبعوا ما تتبع الشياطين من السحر شياطين الإنس والجن، وبه قال ابن عباس. وقيل: تتلوا تفترى وتكذب، وقيل: فصلوا، ويترجح كون الشياطين شياطين الجن. قالوا: من كتب {واتبعوا} إلى قوله {يعلمون} فى طست من نحاس أحمر طاهر الجسم والثياب وبخرها بلبان، ومحاها بالماء وشربها فى بيت، بطل ما به وزال عنه، وإن كتبت سحرا فى أربع أوراق زيتون ودفنت فى أربعة أركان البيت الذى فيه البق مات، ومن كتبها فى إناء وغسلها بماء كرفس وشربها على الريق نفعت من نزف الدم ووجع الأرياح. {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ}: أى على عهده وذلك أن الشياطين دفنوا كتب السحر تحت كرسيه ومصلاه وبيت خزانته حين نزع ملكه، وتأتى قصة نزعه ورده فى محلها، وقيل قبل نزعه ولم يشعر بذلك وقرءوه واتبعوه ورسموه على لسان آصف كذبا عنه، هذا ما علم آصف بن برخيا من خزانة بيت المقدس سليمان الملك، ولم يشعر سليمان بذلك، وقيل كانت الشياطين تسترق السمع، بل تدخل السماء وتضم إليه الأكاذيب كلمة بمائة كذبة، وقيل سبعين وتلقيه إلى الكهنة فيكتبونه، وفشا ذلك وشاع بيان أنّ الجن تَعْلم الغيب، واشتغلوا بالسحر وكتبوه، روى الحاكم عن ابن عباس: كانوا يسترقون السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب ويلقونها إلى الكهنة، وهم يدونونها، فجمع سليمان الكتب ودفنها تحت سريره، وقال: لا أسمع أحداً يقول إن الجن يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه، فلما مات دلت الشياطين عليها الناس فاستخرجوها. وروى أن إبليس دلهم عليها تحت كرسيه، وهو بصورة رجل من الإنس وقعد بعيدا، وقالوا له: ادْنُ، فقال: إنى صادق ولا أدنو ولكن احفرا فإن لم تجدوا فاقتلونى، وسبب تباعده أنه لا يدنو من كرسيه شيطان إلا احترق وهذا ينافى ما ذكر من أنه الشياطين دفنوها تحت كرسيه فوجدوا فيها السحر والشرك، فقالوا: إنما ملككم سخرت له الجن والإنس والريح والدواب والطير بهذا فتعلموه ورفضوا كتب أنبيائهم، وأنكر عليهم صلحاؤهم وقالوا معاذ الله أن يكون هذا العلم من علم سليمان، وفشت الملامة لسليمان فكان بعضهم يبرئ منه سليمان، وبعض ينسبه لسليمان، ويقول: إنه ساحر ويلومه قبل رجوع ملكه وبعده فى نفسه، ومع صاحبه وشاع، وبعض كان يقبله ويعلم أنه سحر ولا يسبه به حتى قالت السحرة من اليهود أخذنا السحر عن سليمان، وأنه كان خيراً منا يتعلم ما تعلمنا، ويفعل ما نفعل، ولذلك كان أكثر ما يوجد السحر فى اليهود، قال بعض اليهود فى زمان رسول الله، صلى الله عليه وسلم: انظروا إلى محمد يذكر سليمان فى الأنبياء وما هو إلا ساحر، فنزل قوله تعالى رد عليهم: {وَمَا كَفَرَ}: ما عمل كبيرة شرك ولا كبيرة دونه. {سُلَيْمَانُ}: بالسحر أى لم يعمل السحر ولم يعلمه فضلا عن أن يكفر به، وكان مقتضى الرد أن يقول وما عمل سليمان السحر، ولكن قال بدل ذلك {ومَا كَفَرَ} إيذانا بأن السحر كفر، وبأن من كان نبياً معصوم عنه إذ كان كفراً. {ولكنّ الشَّيَاطِينَ}: بالتشديد والفتح فى لكن، ونصب الشياطين وكذا التشديد فى قوله تعالى: {ولكنّ الله قتَلهم}، {ولكن الله رمى} وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائى بكسر النون مخففة، ورفع ما بعدها، وقرأ الحسن: الشياطون بالواو وفتح النون، لأن من العرب من يعرب مثل ذلك كجمع المذكر السالم وهو مخفف لنون لكن، وسمع بستان فلان حوله بساتون. {كَفَرُوا}: بتعلم السحر للعمل به وتعلمه وكفراً يعم الشرك وما دونه، فإنما كان من السحر مناقضا للتوحيد أو النبوة أو الرسالة أو الوحى شكر كاعتقاد أن الكوكب هو المؤثر كما يدل له حديث مسند الربيع أصبح من عبادى مؤمن وكافر، أو إن فعله مؤثر بنفسه لا بالله، عزَّ وجل ـ ما كان غير ذلك فكبيرة دون الشرك، وأما تعلمه لا للعمل به، فقيل مكروه وقيل حرام وقيل حلال وقيل إن تعلمه ليعمل به فحرام أو ليتوقاه فمباح وإلا فمكروه، بل تعلمه لئلا يغتر به، أو ليتوقاه يكون عبادة إذا أحتاج إلى ذلك، وعن أبى حنيفة وأحمد ومالك: يكفر بتعلم السحر وبتعليمه، وقال بعض الحنفية: إن تعلمه ليجتنبه لم يكفر، وإن تعلمه معتقداً جوازه أو أنه ينفع كفر، وإن اعتقد أن الشياطين تفعل للساحر ما يشاء كفر، وعن الشافعى: من تعلم السحر قلنا له صف لنا سحرك؟ فإن وصف ما يوجب الكفر كفر، مثل ما يعتقد أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها وإلا فلا، إلا أن اعتقد إباحة السحر، ولفظ الكفر شامل لذلك، وليس من استعمال الكلمة فى معنييها، لأن الكفران موجود فى الشرك وفى الكبيرة التى دونه جميعا. {يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ}: هذا تبيين لسبب وصفه إياهم بالكفر، وهو تعليم السحر وهو سبب ظاهر يتضمن سبباً آخر، وهو تعلمه، فإن تعليمك الشئ فرع علمك أو تعلمك، ويراد بالشياطين شياطين الإنس والجن كما مر، وتترجح كونهم شياطين الجن، ويجوز أن يراد هنا بالشياطين اليهود المعنيون بقوله: {واتبعوا}. وإن قلت: فما تعليم الجن للسحر، قلت: كتابتهم إياه، فإن الكتابة تعليم لقارئها وسامعها ووسوستهم أيضاً به فى الصدور، ومشافهتهم أيضا، والجملة حال من واو كفروا أو مستأنفة. وإنما يتم السحر بالتقرب إلى الشياطين، ولا يتصور ممن ليست نفسه شريرة خبيثة، فإن فعله لم يتم له، ومثل ذلك عين المعيان واستخدام الجان والتصرف بالأعمال معهم لا يتم بالعمل فى الأسباب لمن ليست نفسه كذلك، أما استخدامهم والتصرف بالتقوى فكثير واقع مثل ما وقع لإمام العلم والدين الشيخ أبى عبدالله محمد بن بكر ـ رحمهُ الله ـ وغيره من أصحابنا رحمهم الله، قال القاضى: المراد بالسحر ما يستعان فى تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يستقيم إلا لمن يناسبه فى الشرارة وخبث النفس، فإن التناسب شرط فى التضام والتعاون، وبهذا يميز الساحر عن النبى والمولى. انتهى وذلك ما فيه تخييل غير الموجود موجود، أو تخييل موجود غير موجود، وتخييل قلب الأعيان وما يمرض أو يميت أو يجن ونحو ذلك، وأما ما يكون بحدة الفطنة والفكر والتخييل مع معونة الآلة والأدوية والعقاقير وخفة اليد، فليس بالسحر المذموم شرعاً، ولكن سحرا حقيقاً فى اللغة، لأن السحر فيها كلما دق من أعلم أو علم أو عمل وخفى سببه، ومن ذلك سحر سحرة فرعون رضى الله عنهم، لأنهم طَلوا خشبا وعصيا وحبالا بالزئبق وأدخلوه فيها فتحركت بالزئبق بواسطة حرارة الشمس، فتسمية مثل هذا سحرا بالنظر إلى اللغة، وإنما كفروا قبل التوبة بمكابرة موسى بذلك، وقيل تسمية ما كان كذلك سحرا مجازا، وليس كما قيل إلا إن أراد أنهُ مجاز شرعا، فإن السحر لغة هو ما تقدم من العلم أو العمل الدقيق الخفى، وزعم شيخ الإسلام عن روضة النووى وغيرها من كتب النووى أن ذلك النوع مذموم محرم، وليس كذلك فإن مراد النووى غير ما ذكر، وإنما يحرم إن قارنه إيهام أنه سحر أو نحو ذلك من المحرمات، ويطلق لغة أيضا على إلا زالت، وصرف الشئ عن وجهه تقول العرب: ما سحرك عن كذا، أى ما صرفك، وذلك معنى حاصل فى السحر المحرم، وعرف بعضهم بأنه عبارة عن التمويه والتخييل، وليس بجامع لأنه لا يشمل سحرا سحر التمريض والإجنان والإمامة إذا كان بلا تخييل، وقيل السحر علم بكيفية استعداد تقتدر بها النفوس البشرية على ظهور التأثير فى عالم العناصر، أى فى نوع الطبائع، والصحيح أن السحر حق بمعنى أنه شئ ثابت يكون سببا فى المضرة والتخيل، وخالق المضرة والتخييل هو الله هل من خالق غير الله، وقد بسطت الكلام على ذلك فى تحفة الجب فى أصل الطب، ويدل لذلك حديث سحر اليهود رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذا مذهبنا ومذهب الشافعى وأحمد ومالك، وزعم أبو حنيفة أنه لا حقيقة له ولا تأثير فى الجسم، وبه قال أبو جعفر الأشتراباذى من الشافعية وهو حرام. قال: صلى الله عليه وسلم، "حديث : اجتنبوا السبع الموبقات" قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الإشراك بالله، والسحر، وقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والزنى والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" تفسير : رواه البخارى ومسلم عن أبى هريرة. وفى الحديث: "حديث : اقتلوا الساحر" تفسير : وروى جندب أنهُ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : حد الساحر ضربه بالسيف" تفسير : رواه الترمذى، وأخرج مالك فى الموطأ أن حفصة رضى الله عنها، زوج النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها، فأمرت بها فقتلت، فما كان شركا قتل به الساحر لكفره: فإن تاب لم يقتل، وما لم يكن شركا فلا يقتل به، بل ينكل أو يعزر إلا أن قتل أحداً بسحره وتبين فإنهُ يقتل به قصاصا، إلا أن عفى الولى فيعزر أو ينكل هذا ما عندى وهو المناسب للمذهب، وهو قول الشافعى وأحمد ومالك: وقال أبو حنيفة: لا يقتل إلا إن تكرر منه القتل به. وعنهُ: أنهُ لا يُقتل إلا إن أقر أنهُ قَتل إنسانا بعينه، وقيل: يُقتل الساحر ولو لم يكن فى سحره شكر ولا قتل، وقد قتل بعض السلف رجلا يخيل أنهُ يكون الرجل حمارا بسبب يفعله، وعلى هذا القول تقتل هؤلاء المغاربة التى فوق مغربنا، هذا من السوس أو غيره يخيلون أنهم يضربون وجوههم بحديد، ويتعلق بها ويمشون على حبل فى الجو ونحو ذلك مما يقال لهُ النيرنجات والشعبذة ومشهور الشافعية أن مثل هذا يعزر به أو ينكل ولا يقتل إلا إن قارنهُ شرك أو قتل مثل ما نقول، وقيل: يقتل الساحر ولو تاب. كما يُرْجم الزانى ولو تاب. وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة وجماعة من الصحابة. وقال مالك فى من يعقد الرجال عن النساء: يعاقب ولا يقتل. وعن مالك وأحمد: يقتل بمجرد تعلمه واستعماله، وفى رواية عن أبى حنيفة وأحمد أنهُ لا يقتل الساحر إن تاب، ووجه القول يقتل الساحر مطلقاً ولو لم يقتل، ولو تاب، حديث: "حديث : اقتلوا الساحر" تفسير : ووجه تقييد الحديث بمن أشرك بسحره أو قتل أنهُ ليس بأعظم من سائر المشركين، ولا من مشرك قاتل، وقد صحت توبتهما أو سقط القتل بالعفو، فإن تاب غير نصوح وكان فى إبقائه ضرر قتل فيما قيل، وسواء فى قتل الساحر الموحد والمشرك على ما مر، والرجل والمرأة، وقال الشافعى وأحمد ومالك: إنهُ لا يقتل الكتابى. وقال أبو حنيفة: تحبس الساحرة ولا تقتل. {وَمَا أنْزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ}: عطف على السحر، والمراد واحد فإن ما أنزل عليهِِ ما هو السحر، ولكن عطف عليهِ للتغاير باللفظ أو بالاعتبار فإن الفعلة الواحدة إذا صدرت من إنسان غير التى صدرت من آخر، ولو تماثلتا، فإن الفعل الواحد لا يقدر من فاعلين، ويجوز أن يكون المراد بالسحر غير ما أنزل عليهما، ثم عطف عليه ما أنزل عليهما بأن يكون السحر المذكور نوعاً، وما أنزل عليهما نوعا آخر منه كالتفريق بين المرء وزوجه، ويجوز عطفه على ما تتلو الشياطين، والملكان أنزلهما الله سبحانه وتعالى إلى الأرض، وأنزل عليهما السحر بواسطة ملك آخر بإلهام ليعلماه الناس ابتلاء من الله جل وعلا للناس، ويميز بين السحر والمعجزة إذ خفى على أهل بابل الفرق بينهما، فقد يدعى واحد منهم النبوة بالسحر فيظهر بتعليمهِ أنه سحر، أو خفى على أهل الأرض فيؤخذ من بابل فيتميز مدعى النبوة من الساحر، ويفضح أهل بابل مدعيها بالسحر ولو من غير أرضهم، وتعليم الملكين الناس السحر عبادة منهما إذا نزل عليهما ليؤدياه للناس، وابتلاء للناس هل يجدون السحر كما خلق الخنزير ونهى عن أكله، وخلق المعاصى ونهى عنها، وخلق ما يعصى به ونهى عنه، وله أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بنى إسرائيل بنهر طالوت كما قال: {أية : فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده} تفسير : وليس فى ذلك تلبيس الدين لغيره لأنه تعالى قد خلق الطاعة وأمر بها، وبين الحلال والحرام، وكان الملكان بإذنه تعالى لا يعلمان أحدا السحر حتى يقولا:{إنما نحن فتنة فلا تكفر} هذا هو الحق عندى، ويحتمل على بعد أن يكونا متعمدين تعليم السحر بالذات، بل يعلمانه بالغرض بأن يريا الناس يدعون النبوة بالسحر، ويخوضونه لغير ادعاء النبوة أيضا، فكانا يصفان السحر للناس ليعرفوا بطلان ادعاء النبوة ممن يدعيها به، وليتركوه فلا يفعلوا فيه إذ قد يفعل الإنسان فعلا أو قولا يكون سحرا ولا يدرى أنه سحر، ويقولان قبل أن يصفاه للناس: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} لأنها قد علما أنهما إذا وصفاه للناس على جهة التحذير عنه تعلموه ليعلموه، وما ذكر على أن ما موصولة أو موصوفة، وضمير أنزل عائد إلى ما، وقيل هى نافية وضمير أنزل عائد إلى السحر وعليه فهى وما بعدها جملة معطوفة على قوله: {ما كفر سليمان} قلت: هذا ينافى قوله: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا} إنه يقتضى أنه نزل عليهما السحر فكانا يعلمانه الناس، ولعل صاحب هذا القول يقول: إن المعنى ما أنزل على الملكين السحر على أنه حلال لمن يتعلمه أو يعلمه لغيره، ولكنه أنزل ابتلاء وفرقا بين الساحر والنبى. وقال مجاهد وغيره إن الله أنزل على الملكين ما يفرق به بين المرء وزوجه فقط دون السحر. انتهى. فتكون ما موصولة وفى عطفها ما مر من كونه على السحر أو على ما تتلو، وقيل إن اليهود قالوا: إن السحر أنزل على جبريل وميكائيل فى بابل، ورد عليهم الله فتكون ما نافية، ويرده أنه لم يصح تسميتها بهاروت وماروت إلا إن كانت تسمية من اليهود محدثة فذكرها الله، وقيل المراد بالملكين رجلين صالحين سميا ملكين باعتبار صلاحهما، وعليه فما موصولة أو موصوفة أو نافية على ما مر أيضاً، ويؤيده قراءة الحسن: الملكين (بكسر اللام) فهما سلطانان عادلان ببابل يتعلق بأنزل، أو بمحذوف حال من الملكين ويضعف كونه حالا من المستتر فى أنزل، وبابل بلد من أعمال الكوفة من العراق، سمى لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود، كما يأتى بمحله، وقيل هو بلد فى نهاوند، والأول أصح وأشهر. {هَارُوتَ ومَارُوتَ}: عطف بيان أو بدل من الملكين، ومنع صرفهما للعلمية والعجمة، ولو كانا بحسب الأصل وصفى مبالغة من الهرت والمرت بمعنى الكسر، ثم كانا علمين على الملكين كما قيل لا تصرفا لبقائهما على العلمية وحدها، وقد يقال أنهما كذلك من الهرت والمرت بمعنى الكسر فى لغة بعض العجم، كما أن المرت فى لغة بعض الروم قريب من معنى الكسر، ويدل على البيان والبدل قراءة بعضهم بالرفع، أى هما هاروت وماروت، وهى قراءة الزهرى. ومن جعل ما نافية فى قوله: {وما أنزل على الملكين} جعل هاروت وماروت فى قراءة الفتح بدل بعض من الشياطين فى قوله: {ولكن الشياطين} على أنهما من الشياطين لا من الملائكة، فيكون ما بين ذلك معترضا، أو النصب على الذم، وإن قلت إذا كان الملكان ببابل فلم لا نسمع أن أهل تلك البلاد اليوم ومن قاربها يصلونها، وكذا من يأتيها، قلت: قال الحسن: إن الملكين ببابل إلى يوم القيامة وإن من عزم على السحر ثم أتاهما سمع كلامهما من غير أن يراهما ويلقاهما بالنظر، انتهى. وحفظت أن امرأة جاءتها على عهد عائشة ثم جاءت تسألها، وقد تابت من السحر، وقالت تعلمته ولم أعمل به ولم أحفظ أنها رأتهما، وحفظت أيضا أن يهوديا ذهب إليهما بمسلم وقال: لا تذكر الله، فلما دخل إليهما فى منحدر من الأرض كفار فرأياهما فذكر المسلم الله فتحرك تحريكاً شديداً له صوت مفزع فرجعا هاربين، وحفظت أنهما ألبسا حديدا من ركبهما إلى مناكبهما، وأن عجوزا رأتهما وتعلمت منهما فزعمت عن نفسها أنها تزرع وتحصد فى ساعة، وما تحب شيئاً إلا كان، وحفظت أنهما منكوسان على رءوسهما معلقان بأرجلهما بينهما وبين الماء شئ قليل، وقد قيل إنهما منكوسان يضربان بسياط الحديد، وبه قال عمر بن سعيد، وقال عطاء بن أبى رباح: رءوسهما مطوية تحت أجنحتهما، وقال قتادة: جعلت فى جب ملئت ناراً وأنه قصدهما رجل ليتعلم السحر فوجدهما معلقين بأرجلهما مزرقّة أعينهما مسودّة جلودهما، ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا قدر أربع أصابع، يعذبان بالعطش، فلما رأى ذلك هاله فقال: لا إله إلا الله، فلما سمعا كلامه قالا: لا إله إلا الله من أنت؟ قال: رجل من الناس، فقالا: من أى أمة؟ قال: من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالا: أوقد بعث محمد؟ قال: نعم. فقالا: الحمد لله وأظهرا الاستبشار، فقال الرجل: مم استبشاركما؟ قالا: إنه نبى الساعة، وقد دنا انقضاء عذابنا، فيحتمل أنهما كانا يريان ثم أخفيا أو يظهران لأحد من الناس، بأن يقصد قاصد محلهما، فقد يظهران، وقد لا يظهران له، وتعذيبهما بالعطش يدل أنهما من البشر أو من الملائكة، طبُعا طبع البشر فى الأكل والشرب كما قد قيل، وكذا وصفهما بالجلد وزرقة العيون، ويروى أنهما متعلقان بشعورهما فوصفا بالشعر، ولا يكفر قائل ذلك لا يعصى، لأنه من جملة ما يروى فى الآثار من الفروع وإنما قلت من الفروع، لأن من وصف بلفظ الملائكة مطلقا بلحم ودم أو نحوهما، وغير صفات الملك عاص عندى، ولا أحكم بكفره إلا أن وصف الملائكة عموما بذلك، فإنه كافر لأن وصفه إياهم بذلك إبطال لجملة الملائكة. وقد ذكر الشيخ هود ـ رحمه الله ـ عن مجاهد: أن الملائكة عجبت من ظلم بنى آدم، وقد جاءتهم الرسل بالكتب، فقال لهم ربهم: اختاروا منكم اثنين يحكمان فى الأرض، فكانا هاروت وماروت فحكما فعدلا، حتى نزلت عليهم الزهرة فى صورة امرأة حسناء، فقالا لها تعالَىْ فى البيت، فكشفا لها عن عورتهما، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت فى السماء، فزجرا فاستشفعا برجل من بنى أدم فقالا له: سمعنا ربك يذكرك بخير، فقال: كيف يشفع أهل الأرض فى أهل السماء؟ ثم واعدهما يوما يدعو لهما فدعا لهما، فخيِّرا بين عذاب الدنيا وبين عذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى الأخر فقال: ألم تعلم أن أفواج عذاب الله فى الآخرة كذا وكذا فى الخلد أيضاً فاختارا عذاب الدنيا، فهما يعذبان ببابل. انتهى. وفيه دليل على خلود الفاسق، إذ كشف العورة فسق دون الشرك، وقد تجنبا الخلود به. اختارا عذاب الدنيا. قال رحمه الله: ذكروا عن على بن أبى طالب أنه قال: كانت الزهرة امرأة جميلة معجبة ملكت أهل فارس فخاصمت إلى الملكين فراوداها، فقالت لا أفعل حتى تعلمانى الاسم الذى إذا تُكلِّم به عرج إلى السماء، فعلماها إياه فعرجت فمسخها الله كوكبا، وذكروا عن ابن عباس أنه قال: أتتهما امرأة تخاصم إليهما فافتتنا بها فراوداها على نفسها فقالت لا أمكنكما من نفسى حتى تشربا هذه الخمرة وتعبدا هذا الصنم، وجاءهما رجل فقتلاه فخافت أن تقول عليهما، ذكروا عن صفوان ابن سليم أنه قال: ما نهض ملك من الأرض إلى السماء حتى يقول لا حول ولا قوة إلا بالله. وذكروا عن ابن عمر أنه كان يقول إذا رأى الزهرة: لا مرحبا بك ولا أهلا، وذكروا عن ابن عباس أنه قال: أتدرون ما كانت تسمى هذه الكوكبة الحمراء فى قومها يعنى الزهرة؟ قال: كانت تسمى نبدوحة، وذكروا عن على أنها كانت تسمى أناهية. ونقل عنه وعن ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار والسدى والربيع ـ غير الربيع بن حبيب راوى أبى عبيدة ـ بألفاظ متقاربة يزيد بعضها على بعض أن الملائكة لما رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بنى آدم الخبيثة فى زمان إدريس عليهِ السلام، فقالوا: لربهم: هؤلاء الذين جعلتهم فى الأرض واخترتهم وهم يعصونك، فقال الله عز وجل: لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لركبتم مثل ما ركبوا. قالوا: سبحانك ما كان ينبغى لنا أن نعصيك. قال الله تعالى: اختاروا ملكين من خياركم أهبطهما، وكان اسم هاروت غرا واسم ماروت عراما فغير اسمهما لما قارفا الذنب، وركب الله فيهما الشهوة وأهبطهما إلى الأرض، وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق، ونهاهما عن الشرك والقتل بغير الحق، والزنى وشرب الخمر، فكانا يقضيان بين الناس يومهما، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء، فما مر عليهما شهر حتى افتتنا، وقيل: افتتنا فى أول يومهما، وذلك أنهُ اختصمت إليهما امرأة، يقال لها الزهرة، وكانت من أجمل أهل فارس، وقيل: كانت ملكة، فلما رأياها أخذت بقلوبهما، فقال أحدهما لصاحبه: هل سقط فى نفسك مثل الذى سقط فى نفسى؟ قال: نعم، فراوداها عن نفسها، فأبت وانصرفت، ثم عادت فى اليوم الثانى ففعلا مثل ذلك، فأبت وقالت: لا إلا أن تعبدا هذا الصنم وتقتلا النفس وتشربا الخمر، فقالا: لا سبيل إلى هذه الأشياء فإن الله تعالى قد نهانا عنها، فانصرفت ثم عادت فى اليوم الثالث ومعها قدح خمر، وفى أنفسهما من الميل ما فيها، فراوداها عن نفسها فعرضت ما قالت بالأمس، فقالا: الصلاة لغير الله عظيم وقتل النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر، فشربا فلما سكرا زنيا بها فرآهما إنسان فقتلاه خوف الفضيحة، وقيل إنهما سجدا للصنم، وقيل: جاءتهما امرأة من أحسن النساء تخاصم زوجها، فقال أحدهما للآخر: هل سقط فى نفسك مثل الذى سقط فى نفسى؟ قال: نعم. قال: هل لك أن تقضى لها على زوجها؟ فقال له صاخبه: أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب؟ فقال له صاحبه: أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة؟ فسألاها نفسها. فقالت: لا إلا أن تقضيا لى على زوجى، فقضينا. ثم سألاها نفسها. قالت: لا، إلا أن تقتلاه، فقال أحدهما لصاحبه: أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب، فقال له صاحبه: أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة فسألاها نفسها فقالت: لا، إلا أن صليتما معى عند صنم لى، فقال أحدهما لصاحبه مثل القول الأول، فرد عليه مثله فصليا معها عنده، فمسخت شهاباً. وقال على بن أبى طالب: قالت بعدما صليا عنده لن تدركانى حتى تخبرانى بالذى تصعدان به إلى السماء فقالا: الاسم الأكبر، فقالت: فما أنتما بمدركانى حتى تعلمانى إياه، فقال أحدهما للآخر: علمها. فقال: إنى أخاف الله. فقال الآخر: فأين رحمة الله؟ فعلمها ذلك فتكلمت به فصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكبا، فقيل: إنها هى الزهرة، وقيل إن الزهرة من الذرارى التى أقسم الله بها، قال: {أية : فلا أقْسِمُ بالخُنَّس الجَوَارِى الكُنَّس} تفسير : ولا يقسم الله بامرأة كافرة، والتى فتنتهما تسمى الزهرة لجمالها تشبيها بذلك الكوكب، ومسخت شهابا لما بلغت، فلما قارفا الذنب همّا بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتها، فعلما ما حل بهما فصعدا إلى إدريس النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما عند الله ـ تعالى ـ وقالا له: رأينا أنهُ يصعد لك من العبادة مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض، فاشفع لنا عند ربك، ففعل ذلك إدريس، فخيَّرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا إذ علما أنهُ ينقطع، فهما ببابل يعذبان معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة. هذه رواية، وعن القاضى البيضاوى وعياض وابن عرفة والفخر الرازى: ما يروى فى ذلك من مراودتهما المرأة، وشرب الخمر، وقتل النفس والصلاة، للصنم، غير صحيح عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا عن على وابن عباس وغيرهما من الصحابة، بل كذب عنهم وإنما ذلك من أخبار اليهود وكتبهم وافترائهم، ولا يؤخذ ذلك بقياس، وأنكر كثير من السلف ذلك أيضا. قال القاضى: ولعله من رموز الأوائل، وحله لا يخفى على ذوى البصائر، يعنى أنه مثل كلام الصوفية وإشارتهم، وأن بيانه لا يخفى على ذوى البصيرة، قال زكريا الملقب بشيخ الإسلام: يعنى أنه عبر عن العقل والنفس المطمئنة بالملكين، وعن النفس الأمارة بالسوء بالزهرة، وعن مفارقتهما بالموت بالصعود إلى السماء. انتهى. وأقول: حمل القرآن على أمثال هذا جهل وضلال، وإخلال بإعجازه وبلاغته، ولا أرى شيئا من طريق الصوفية صحيحا إلا ما وافق القرآن والسنة، ولم يوقع فى إيهام وإلباس، وذكر ان حجر أن ذلك المروى عن هاروت وماروت له طريق بعيد العلم بصحته، وإن أحمد بن حنبل وابن حيان والبيهقى وغيرهم، وأنه ثبت عن على وابن مسعود مرفوعا بأسانيد صحيحة، وأظن أن الفخر والقاضى ومن ذكر معهما، قد أنكروه، مع علمهم برواية أحمد وابن حيان وغيرهما، لعلمهم أن فى الإسناد ضعفا وبطلانا، ولأن الملائكة معصومون على الإطلاق، كما هو مذهبنا ومذهب محققى مخالفينا وجميع المعتزلة من الكبائر والصغائر، وزعمت طائفة أنهم غير معصومين، محتجين بقصة هاروت وماروت، فنجيب بأنها لم تصح كما مر لم آنفا، وأنها مأخوذة من اليهود، وهم كاذبون على أنبيائهم وغيرهم، وقد حكى الله ـ جل وعلا ـ فى الآية، كذبهم على سليمان بقوله سبحانه: {أية : لا يَعْصونَ اللهَ ما أَمَرَهَمُ}، تفسير : وهذه حجة قوية على العصمة، وأما الاستدلال على بطلان القصة كما فعل بعض بأن قولهم: سبحانك ما كان ينبغى لنا أن نعصيك بعد قول الله لهم: لو ابتليتكم بما ابتليت به بنى آدم لعصيتمونى فيه، رد على الله عز وجل وذلك كفر، وقد فرض الكلام أنه عصموا فإنّهُ يصح للخصم أن يقول: مرادهم مجرد تنزيهه عن أن يكون أهلا للمعصية لا الرد على قوله لعصيتمونى، نعم يصح الاستدلال على بطلان القصة بأن فيها ما لا يصلح، وهو تخييرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، مع أنهما قد تابا، فإن من تاب لا يعذب بالنار، إلا أن تكلف الخصم بأن المراد عذاب الحشر وتألمه، فإن الملائكة لا ينالهم فيقول إنهما ينالهما تطهيرا من الذنب فعوضا عنه عذاب الدنيا، أو بأنهما يدخلان النار ويخرجان منها، وعوضا عن ذلك عذاب الدنيا، وهذا يمكن أن يكلف به من يسقط الخلود عن الموحد إذا فسق، ونحن لا نقول بذلك. ومما يضعف القصة فيما قيل إن فيها أن المرأة مسخت كوكبا هو الزهرة، وقد أقسم الله ـ جل وعلا ـ بالزهرة فإنهُ لا يقسم بمشرك، وما لا قَدْر له، ويبحث بأن الخصم قد لا يسلم أن الزهرة داخلة فى قوله: {أية : بالخُنَّس الجَوَارِى الكُنَّس} تفسير : وبأنها لما مسخت زهرة بقيت ثلاثة أيام أو أقل، ثم فنيَتْ وخلق الله نجما من مثل ذلك يسمى زهرة، كالنجم الذى تبدل منها، وأما رسل الملائكة فقد اتفقوا على عصمتهم فى جانب الإبلاغ، كاتفاقهم على عصمة الرسل فى جانب الإبلاغ، واختلفوا فى غير الإبلاغ والحق عصمتهم فى غيره أيضاً. {ومَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أحَدٍ}: صلة للتأكيد وأحد المفعول الأول والثانى محذوف أى وما يعلمان أحدا السحر، أى ما يُلقنانه أحدا ويُفهمانه إياه، وهذا على أنهما يعلِّمان الناس السحر ابتلاء من الله للناس، ويجوز أن يكون المعنى: وما يعلمان من أحد السحر وتحريمه والنهى عنه، وهذا على أنهما يصفانه للناس ليعرفوه فيتقوه، ويردوا على مُدّعى النبوة أو علم الغيب به، وابن الأعرابى لما أراد هذا الاحتمال الثانى، وقد اقتصر عليه جعل يَعلِّمان فى الآية بمعنى يَعْلَمان بإسكان العين وتخفيف اللام، أى يشعران الناس ويخبرانهم بالسحر وينهيانهم عنه: وأقول: يؤيده قراءة طلحة يعْلمان بإسكان العين، ويرده أن تَعَلّم بفتح التاء والعين واللام مشددة، وإسكان الميم بمعنى اعلم، لا يتصرف فيهِ بإسقاط تائه وبناء علم بالتشديد وفتح الميم، ولا ما يتصرف من علم بالتشديد ولا بزيادة حرف المضارعة وتصييره مضارعا بأن يقول يتعلم بمعنى يعلم ولا بما يتصرف من يتعلم. قال ابن هشام: وتعلم بمعنى اعلم لا يتصرف فيهِ، ومنهُ قول زهير: شعر : تَعلّمْ رسول الله أنك مدركى وأن وعيدا منك كالأخذ باليد تفسير : وقول زهير: شعر : فقلت تعلم أن للصيد غرة تفسير : وقول زياد بن يسار: شعر : تعلم شفاء النفس قهر عدوها تفسير : وأما ما رواه الدمامينى والشيخ خالد عن يعقوب بن الكسيت أن من العرب [من] قد يقول تعلمت أن زيدا خارج بمعنى علمت، فقيل لا ينهض حجة لقتله وعدم ورود غيره من التصاريف بعد الأمر على ابن هشام، والأعلم قبله فلا يحمل عليه القرآن. {حَتَّى يَقُولاَ إنّما نَحْنُ فِتْنَةٌ}: يقولون هذا نصحا لمن جاءهما لتعلم السحر، أى إنما نحن ابتلاء من الله للناس، أرسلنا الله نعلم السحر لمن جاءنا، فيسعد من اتقى الله ولم يجئنا للسحر، أو جاء ليعلمهم فيتوقاه ويميزه عن المعجزة، ويشقى من جاء ليتعلمه فيعمل به أو ليعلمه لمن يعمل به، ففى الآية دليل على جواز تعلم ما لا يجوز عمله، بنية توقيه وتمييزه والعلم به، لينهى عنه إذا رآه، كمعرفة الأزلام والأنصاب والميسر، وما معرفة ذلك إلا كما نعرف مذهب المخالفين لنتوقاه ما وجدنا عنه سعة، وكما نعرف ديانتهم المختصين بها لنتوقاها أصلا، وكما نعرف الخمر لنتركها ونهرقها وننهى عنها ونحد، ونميزها عن الخل، فإن معرفة الشئ تزداد بمعرفة ضده ونقيضه، ولا يجب عندى بعد استفراغ وسعى، معرفة مذهب المخالفين وديانتهم، بل الواجب معرفة الحق فقط ما لم يقارف سواه مما يدرك بالعلم، ويجوز أن يكون المعنى: إنما نحن مفتونون ولسنا على حق، بل على باطل، لكن هذا الوجه إنما يتم إذا قلنا إنهما رجلان لا ملكان، والوجه الأول على أنهما ملكان. {فَلاَ تَكْفُرْ}: بعمل السحر واعتقاد جوازه والدخول فيه، كما لا يجوز وهذا على أنهما ملكان أو رجلان، ويجوز على أنهما رجلان أن يكون المعنى: فلا تكن كافرا مثلنا، وإذا قالا إنما نحن فتنة فلا تكفر وأبى إلا التعلم علماه، وقيل يقولان له سبع مرات فإن أبى علماه، وحفظت أن امرأة جاءتهما لتعلم السحر، فقالا لها ذلك، وقالا لها: ارجعى، فأبت، فقالا لها: بولى فى ذلك التنور، فذهبت إليه ورجعت وقالت: قد فعلت، فقالا لها: فماذا رأيت قالت: ما رأيت شيئا، فقالا لها: كذبت ارجعى وبولى فيه، فبالت فرجعت إليهما فقالت لهما: قد بلت. فقالا: ما رأيت، قالت: رأيت فارسا خرج منى مقنعا بحديد وصعد إلى السماء، فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك، وذكروا أنهما يقولان لمن أراد السحر بعد ما ينهيانه عنه ويأبى: اذهب إلى ذلك الرماد فبُلْ فيه، فإذا فعل ذلك خرج منه نور ساطع فى السماء وهو الإيمان والمعرفة، وينزل شئ أسود شبه الدخان حتى يدخل مسامعه، وذلك غضب الله، فترى يا أخى متعاطى السحر يقع فى الشرك من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم، ولا سيما من يتناوله من اليهود أو يتعلمهُ منهم، ولا نحكم عليه بالشرك حتى يتبين فى فعله أو قوله شرك، وقد ذكر بعض الأئمة أن السحر لا يصح إلا من كافر، لأن الأرواج التى تعينهم على القتل قد أخذ أكابرها عليها العهود أنها لا تعين ساحرا، إلا إن خرج من دين الإسلام، وأنه يؤيد ذلك ما قصّهُ الله تعالى عن هاروت وما روت أنهما لا يعلمان أحدا السحر حتى يقولا له إنما نحن فتنة فلا تكفر، قال أبو المعالى عبد الملك إمام الحرمين صاحب الورقات: لا يظهر السحر إلا على يد فاسق، كما لا تظهر الكرامة إلا على يد ولى، ولا نسلم أن الكرامة لا تظهر إلى على يد ولى، بل تكون بكثرة اليقين والتجرد، ولو من مخالف أو من موافق غير متولى، ولا تكون دليلا على كونه وليا لله عز وجل: وعن مالك: السحر زندقة قال: وإذا قال رجل أنا أحسن السحر قتل ولم تقبل توبته، وعن سفيان الثورى: إتيان الكاهن وتعلم الكهانة والتنجيم، والضرب بالرمل والشعير وتعلمها حرام بالنص الصريح. وعن ابن قدامة الحنبلى: حكم الكاهن وضارب الرمل عند أحمد أن يحبسا حتى يموتا أو يقتلا، قال: وأما الذى يعزم على المصروع ويزعم أنه يجمع الجن وأنهم يطيعونه، فذكره الحنابلة فى السحرة، وتوقف أحمد فيهما قلت لا كفر بمجرد علم التنجيم إلا أن قال صاحبه إنه يعلم الغيب قطعاً أو ذكر ما يفسق به أو يشرك، إما أن اعتقد إنما يظهر له إنما هو إمارة فلا معصية فيه، وقد تمهر فيه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم ومن قبله الإمام عبد الوهاب والإمام أفلح وغيرهما، وكذا من يعزم على المصروع لا يكفر إن لم يشرك بفعل أو قول، وليس الشرك بفعل غير واقع. بل واقع مثل أن يقول له الشيطان: أنا ربك أو نحو ذلك من الشرك، فيشير برأسه نعم، أو ينكر بإشارة رأسه أو عضو من أعضائه إلى بطلان الوحدانية، أو الرسالة أو الكتاب، أو نحو ذلك مما إنكاره شرك. وقد سئل سعيد بن المسيب عن الرجل يوجد عنده من يداويه، فقال: إنما نهى الله عما يضر فإن استطعت أن تنفع أخاك فافعل. {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ}: من السحر. {بَيْنَ الْمَرءِ وَزَوْجِهِ}: كتغطية الشئ فى نظر العين بما ليس من نوعه، وتخييل غير الموجود أو إلقاء ريق قيل جدا على مواضع من خيط عند عقد تلك المواضع ونحو ذلك، مما يكون سبباً للبغضاء بين الزوجين والنشوز والغضب والتخالف، وخالق ذلك السبب وأثره هو الله سبحانه وتعالى، والمراد بالتفريق بينهما التسبب المؤثر بإذن الله فيها بالطلاق أو الفداء ونحو ذلك، ويحتمل أن يراد به التسبب المؤثر به تعالى فى ألا يقدر على وطئها، ويحتمل ذلك جميعا. وليس فى الآية حظر التعلم منهم فى تعلم ما يفرق بين الزوجين، وقد روى تعلم غير ذلك منهما، واقتصر بعض على ما ذكر من التفريق بينهما: فقال: لا يعلمان إلا التفريق بينهما ولا يعلم منهما إلا ذلك، وقرئ بضم الميم وكسرها مع الهمزة وبالمد بالتشديد على تقدير التخفيف بحذف الهمزة والوقف على لغة تشديد الموقوف عليهِ، وعلى إجراء الوصف مجرى الوقف، والواو فى يتعلمون عائدة إلى أحد لأنه فى سياق النفى فعم عموما شموليا ولا سيما قد دخلت عليه من التى هى صلة للتأكيد، وكذا ضمير الجمع فى قوله: {وما هم بِضَارِّينَ بِهِ}: أى بالسحر أو بما يفرقون به بين المرء وزوجه ويجوز عود ضمير الجماعة إلى السحر المعلومة من المقام، وليس هذا الوجه عين الأول، لا يلزم من كون الإنسان متعلما للسحر كونه ساحرا. {مِنْ أَحَدٍ}: مفعول ضارين ومن صلة للتأكيد. وقرأ الأعمش: وما هم بضارى من أحد بحذف النون للتخفيف أو للإضافة إلى أحد، ولم يعتد بالفصل بالجار والمجرور لتعلقه بالمضاف ولا بمن الجارة، لأنها زائدة ولأن الجار بمنزلة جزء من مجروره. {إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ}: بإرادته وخلقه لتلك المضرة، وفى الآية رد على أبى حنيفة إذ زعم أنه لا أثر للسحر فإن الآية قد أثبتت المضرة بالسحر، وقيدته بإذن الله، ولعله يقول: إن المضرة عند وقوع السحر من الله، بسبب دخول الساحر فى عمل السحر لا بما يفعله من السحر، وأن المراد وما هم بضارين به بملابسة السحر والدخول فيه إلا بإذن الله، ومثل هذا على ما ترجيته لأبى حنيفة: ضربك إنسانا بخشبة عند رؤيتك عبدك مشيرا إليه بسيف من غير وقوع سيفه عليه، والمتبادر هو ما ذكرته أولا، وقال الحسن: معنى الآية لا يضر كل ساحر مسحوره كلما سحره، بل يسلط الله المضرة على من يشاء ويمنعها عمن يشاء ويوقعها مرة ويمنعها أخرى. {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ولاَ يَنْفَعُهُم}: هو السحر، لأن تعلمه يجر إلى العمل به والعمل به كفر يؤدى إلى النار، ولأنهم يقصدون به العمل، وقصد عمل السوء سوء، ولأن تعلمه قد يجر إلى إباحته، وإباحته كفر، ولأن منه ما هو شرك بالله فالضرر يحصل به فى الآخرة، وقد يحصل به فى الدنيا والآخرة، كما إذا سحر فعوقب بسحر أو بغيره كضرب وقتل، ولا نفع فيه فى الآخرة أصلا، ولا فى الدنيا إلا نفعا قليلا غير معتبر، زائلا لا بركة فيه، كما إذا سحروا بأجرة، بل أجرة الحرام ممحقة، وقد تفسر الآية بمجرد التعلم فإنه لا نفع فيه أصلا، وفى الآية الإشارة إلى أن تركه أولى، أعنى ترك تعلمه ولو بلا عمل به لأنه قد يجر إلى العمل به، وضمائر الجمع عائدة إلى ما عاد إليه الضمير فى قوله: {وما هم} أى اليهود كما فى قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}: أى اليهود. {لَمَن اشْتَرَاهُ}: أى اشترى السحر أو ما تتلو الشياطين، والمعنى واحد، والأول أقرب لقرب ذكر السحر بالنسبة إلى ذكر ما تتلوا، ولقرب ضمائره، والثانى أنسب بلفظ الاشتراء، وكلاهما صحيح، فإن المعنى لمن استبدل ما تتلوا الشياطين بما يتلى من كتاب الله، والمراد بالاشتراء الاستبدال كما رأيت والاختيار، وهو ملزوم الاشتراء. واللام فى لمن: لام الابتداء، لا لام قسم كما قيل، ومن مبتدأ وجملة قوله: {مَا لَهُ فى الآخِرَةِ مِنْ خَلاَق}: خبر المبتدأ والمبتدأ والخبر مفعولان لعلم علق عن نصب لفظهما إلى نصب محل مجموعهما بلام الابتداء، والخلاق النصيب أو الجاه والقدر، ولا يتعين الجاه والقدر هنا كما قال بعضهم: والآخرة يوم القيامة أى المدة الأبدية الآخرة أو الدار الآخرة وهى الجنة. قال الكلبى: ماله فى الآخرة نصيب من الجنة، وله خبر وخلاق مبتدأ أو متعلق بمحذوف وجوبا وخلاق فاعله، وفى تتعلق بله لنيابته عما يتعلق فيه أو بمحذوف حال من خلاق إذا جعلنا خلاق فاعلا. {وَلَبِئْسَ}: اللام للابتداء داخلة على الفعل الجامد لكونه كالاسم، أو واقعة فى جواب قسم محذوف. ذكر الوجهين ابن هشام قولين مرجحا ثانيهما {مَا شَرَواْ بِهِ}: الهاء عائدة إلى ما، وما واقعة على السحر قيل أو الكفر. {أَنْفُسَهُمْ}: باعوا به أنفسهم إذ سلموا أنفسهم للنار، وأخذوا السحر عوضها أو تعلم السحر والمخصوص بالذنب محذوف، أى تعلمهم إياه أو السحر أو الكفر، وقد سبق كلام فى نحو ذلك، وذكر الشيخ هود رحمه الله: أن كل شئ فى القرآن شروا وشروه فهو بيع، وكل شئ فيه اشتروه واشترى فهو الشراء إلا قوله: {بئس ما اشتروا به أنفسهم} فإنه يعنى به بئس ما باعوا به أنفسهم انتهى. وليس ذلك متعيناً بل ذلك كله محتمل فى مواضع. {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}: حقيقة يصيرون بالسحر إليه من العذاب أو يعلمون قبحه على اليقين أو يتفكرون فى ذلك، وجواب لو محذوف دل عليه ما سبق على معنى قولك، ليس عندهم لو كانوا يعلمون، أو محذوف هكذا أى ما تعلموه. قال الحسن: لو كانوا يعلمون علما حقيقاً علم الأتقياء والأبرار ما اختاروا السحر، قيل الضمير فى يعلمون لليهود إجماعا، والإجماع على هذا فرع الإجماع عليه فى علموا. وإن قلت: قوله: {لقد علموا} إثبات للعلم لهم على سبيل التأكيد، وقوله لو كانوا يعلمون نفى له عنهم لأن لو امتناعية والامتناع نفى. قلت: لا منافاة، لأن المعنى لقد علموا علماً عزيزيا، وهو مجرد الإدراك والفهم الظاهر، وليس عندهم ما اشتروا به أنفسهم لو كان يعلمون العلم الحقيقى وهو المتتبع بالامتثال، ولقد علموا بقبح ذلك وترتب العقاب من غير يقين، ولبئس ما شروا به أنفسهم ول يتقنوا وحققوا، أو المعنى لو كانوا يتفكرون كما مر، أو المعنى لو كانوا يعملون بتقديم الميم على اللام، فعبر عن عدم العمل بما وضع لعدم العلم، فإن من لم يعمل بما علم كمن لم يعلم.
اطفيش
تفسير : {واتَّبَعُواْ} معطوف على قوله ولما جاهم... إلخ، عطف قصة على أخرى [مَا] أى السحر، ما تأخذ الكهنة من الشياطين، وما تضم إليه من الأكاذيب {تَتْلُواْ الشَّيَٰطِينُ} تتبع، أو تقرأ على الناس، أى، ما تلت، ولكن نزل الحال الماضية منزلة الحاضرة، كأنهم تشاهد، فليس مما يترتب على نبذ الذى هو جواب لما إلا على ما مر من أن القرآن وافق التوراة فنبذوها، وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن، فهذا قوله تعالى "أية : ولما جاءهم رسول من عند الله..." تفسير : [البقرة: 101] الآية {عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَٰنَ} فى عهد ملكه، أى زمانه، أو على بظاهرها، فيضمن معنى تتلو معنى تتقول، أى تكذب، قالت اليهود، انظروا إلى محمد، يخلط الحق بالباطل يذكر سليمان فى الأنبياء، إنما كان ساحرا، يركب الريح، وكانوا لا يسألونه عن شىء إلا أنزل عليه، فقالوا، محمد أعلم بما أنزل إلينا منا، فسألوه عن السحر فنزل، واتبعوا ما تتلوا الآية، محمد أعلم بما أنزل إلينا منا، فسألوه عن السحر فنزل، واتبعوا ما تتلو الآية، وقيل ملك سليمان كرسية {وَمَا كَفَرَ} أشرك {سُلَيْمَٰنُ} فإن السحر الذى تتلوه الشياطين تضمن إشراكا، كدعوى، أن الساحر خلق كذا، أو حول الشيخ شابا، أو الإنسان حمارا أو الطبيعة علة تغنى عن الله، وكدعوى أن السحر حلال وما لم يكن فيه شرك ففسق، فلا ما نع من أن الكفر شامل لذلك كله، وهذا كما عنده هذه الأمة، ويحتمل أنه عند من قبلنا شرك مطلقا، وما فعل سليمان ذلك وما علمه {وَلَكِنَّ الشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ} إذ فعلوه وعلموه الناس، كما فسر الكفر بقوله {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} والمراد بالشياطين فى الموضعين متمردو الجن، والمعنى الموجود فى الحقيقة، وهى هنا متمردو الجن، وفى المجاز وهو هنا متمرد الإنس، وذلك المعنى هو مطلق التمرد، وذلك عموم معنى الجميع بين الحقيقة والمجاز، وهو الصحيح، وقيل: شياطين الإنس، وتعلم السحر للعمل به أو لتعليمه، أو الرئاء به حرام، وللحذر منه، أو لتعليمه من لا يعصى به فمباح، أو لغيره فمكروه أو مباح أو حرام، أقوال. وعن أحمد، أن السحر شكر ولو لم يعتقد حله، ولا تضمن خصلة شرك، دفن سليمان عليه السلام كتب السحر، وما يلقيه مسترقو السمع من الملائكة إلى الكهنة من صدق وكذب فى صندوق تحت كرسيه، وقد شاع فى الناس أن الشياطين تعلم الغيب، وقال: من قال ذلك قتلته، ولما مات قال شيطان فى صورة إنسان لنفر من بنى إسرائيل: احفروا تحت الكرسى تستخرجوا منه لا يفنى، وأراهم المكان، فقالوا: دن، فقال: من هنا، وإن لم تجدوا فاقتلونى، وكان لا يدنو منه شيطان إلا احترق، فأخرجوها، وقال لهم، إن سليمان ضبط الثقلين والطير بها، وفشا فى الناس أنه ساحر، ورفضوا كتب الله إلا العلماء والصالحين، فعلموا أن ذلك ليس من علمه، بل نبى يعمل بتأييد الله، وما زال قول السوء عليه حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل عليه براءته من السحر، وقيل: دفنها صخر تحت الكرسى حين قبض الخاتم من زوجه الأمينة، وكان يضعه عندها بجنابته أو حاجة الإنسان، وقال: أعطنى الخاتم، فأعطته، ظنته سليما، فلبسه، وقعد على الكرسى، وأذعن له الخلق، وجاء سليمان يطلب منها، فقالت: ما أنت هو، قد أخذ سليمان وطر بعد أربعين يوماً، وألقاه فى البحر على طريقه، فبلعته سمكة فوقعت فى يد سليما، فأخذه منها، ولما مات ستخرجوها من تحت الكرسى على ما مر، ولا مانع من ذلك. وأما ما يقال إنه كان صخر يدخل على زوج سليمان فيطؤها فمنكر لا يصح، لأن أزواج الأنبياء محفوظة من ذلك، ولو كن مشركات، وأمر الجن فأحضروه فحبسه فى صخرة، فسد عليه بالرصاص والحديد فى قعر البحر {وَمَآ أُنْزِلَ} عطف على ما تتلوا أو على السحر، كأنه قيل، ويعلمونهم ما أنزل {عَلَى الْمَلَكَيْنِ} من ملائكة الله، أو رجلين كالملكين فى الصلاح، والإنزال على ظاهره، أو بمعنى الإلهام، وما أنزل عليهما نوع من السحر قوى، بل نوع غير السحر. كما يدل له العطف، وعلى أنه من السحر فالعطف لتنزيله بالقوة منزلة تغاير الذات {بِبَابِلَ} فى بابل، بلد فى سواد الكوفة، وعن ابن مسعود، هو أرض الكوفة، قيل من نصيبين إلى رأس العين، سميت لتبلبل ألسنة الناس عند وقوع صرح نمروذا، ولأن الله حشر الناس بالريح لهذه الأرض، فلم يدر أحد ما يقول الآخرة، ثم فرقتهم الريح فى البلاد، كل بلغته، فالبلبلة تفرقهم عن بابل، أو تغاير الألسنة فيها، والتغاير تفرق، ونزل نوح بلدة بثمانين إنسانا، سميت بهم فأصبحوا يوما وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، وقيل سميت بهذه الثمانين لغة {هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَ} لفظان عجميان، وقيل عربيان من الهربت والمرت بمعنى الكسر، ويرى منع الصرف، وسامها غرا وغرايا، فلما أذنبا سميا باسم الكسر، أباح الله لهما ملكين، أو بشرين تعليم السرح ابتلاء من الله عز وجل للناس، هل يتعلمونه، وهل يعلمون به، كما أن الله خلق المعصية، ونهى عنها، وخلق المحرمات كالخنزير، ونهى عن تناولها، وكما ابتلى قوم طالوت بالشرب من النهر، أو ليتميز السحر من المعجزة، إذ كثر فى ذلك الزمان مع ادعاء النبوة به. وأما ما روى أنهما ملكان من أعيد الملائكة تعجبت الملائكة من كثرة ذنوب الناس وعظمها، فقال الله: لو ركبت فيكم ما ركبت فيهم من الشهاوى لعصيتم مثلهم، فقالوا: سبحانك ما كان ينبغى لنا ذلك، فقال: اختاروا من هو أعبدكم، فاختاروهما، فركبها فيهما، وأمرهما بالقضاء بين الناس، ويصعدان مساء، فاختصمت إليهما امرأة من لخم، أو فارسية ملكة مع زوجهان فراوداها فشرطت أن يقضيا لها عليه، فقضيا لها، ثم أن يقتلاه فقتلاه، وأن يشربا خمرا، ويسجدا للصنم ففعلا، وأن تعلمانى الاسم الذى تصعدان به فعلماها، فصعدت، فمسخت زهرة، فلم يقدروا على الطلوع فالتجآ إلى إدريس فى عصرها، فشفع لهما أن يختارا عذاب الدنيا أو الآخرة، فاختارا الأولى، لأنه ينقطع، وعلقا بشعورهما، أو منكوسين يضربان بسياط الحديد إلى قيام الساعة فبعيد، وهو ممكن، ولا يحكم بالكفر على قائله، لأنه لم يثبت لها تلك المعاصى مطلقا، بل قال، ركب لله فيهما ما ركب فى البشر من الشهوة، وذلك من حين أنزلا، وليس متأخرا إلى وقت القضاء بين المرأة وزوجها، فلا يعارض بعصمة الملائكة، لأن الله أخرجها من شأنهما إلى شأن البشر، وقول الملائكة، سبحانك. ما ينبغى لنا تعظيم الله. لا رد لقوله لو ركبت فيكم الشهوة لعصيتم، وهما ملكان، ولو ركب فيهما ذلك فلا ينافى تسميتها ملكين فى الآية، وإن سلم ذلك فهما ملكان قيل: فهو مجاز بلا ضعف، والشاهد الأحاديث، والكلام فى العصمة مع البقاء على شأنها بلا إخراج، وأما مع الإخراج عن شأنها لله أن يخرج من يشاء من أهلها إلى غيره، فلا يكون معصوما. وأما الزهرة فالظاهر أنها قل ذلك لكم بلا نص على قبيلتها، فجاءت هذه الرواية بحدوثها، بنسخ المرة إليها. وقد روى أن امرأة دخلت على عائشة رضى الله عنها تطلب التوبة من تعلم السحر منهما، وأن رجلا من هذه الأمة أتاها ليتعلم، فوجدهما معلقين بأرجلهما، مزرقة أعينهما، مسودة جلودهما، بين ألسنتهما وبين الماء أربع أصابع، يعذبان بالعطش، وقد أثبت قصتهما الشيخ يوسف بن إبراهيم، ورواها مرفوعة أحمد وابن حبان والبيهقى، وموقوفة عن على وابن مسعود وابن عباس، وصحح السيوطى الرواية. {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ} له مرة، وهو الثابت، وقيل ثلاثا، وقيل سبعا، وقيل تسعا {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} ابتلاء من الله للناس، فمن تعلمه كفر، أو من تعلمه وعمل به كفر، وكذا من اعتقد أنه حق جائز، من لم يتعلمه، أو تعلمه ليتقى ضره، أو يدفع به دعوة النبوة عن من ادعاها به، وكان مؤمنا، فهو باق على إيمانه {فَلاَ تَكْفُرْ} بتعلمه أو بالعمل به أو دعوى النبوة به، فإن لم يرتدع بهذه النصيحة علماه {فَيَتَعَلَّمُونَ} أى الناس المعبر عنهم بأحد فى سياق السلب، عطف على ما يعلمان، كأنه قيل، يعلمان الناس بعد قولهما، إنما نحن... إلخ فيعلمون أو على يعلمون {مِنْهُمَا} من الملكين أنفسهما، وقيل، بتوسط شياطين، يأخذان عنهما مرة فى السنة ويعلمان الناس، أو من السحر وما أنزل على الملكين، أو من الفتنة والكفر، أى يتعلمون بعضا من كل منهما، وعلى الثانى العطف على اتبعوه، أو الوجه الأول أحق {مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ} الإنسان {وَزَوْجِهِ} أى قرينه، حليلته وحليلها، أو صاحبا وصاحبة مطلقا، بأن ببغض كلا إلى الآخرة، ولا مؤثر إلا الله، والله يؤثر السحر ويطبع الطبائع ويؤثر أثرها ومن قال باستقلال شىء أشرك {وَمَا هُمْ} أى السحرة، وهذا أولى من رد الضمير إلى اليهود أو الشياطين {بِضَارِّينَ بِهِ} أى بالسحر، أو ما يفرقون به {مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللهِ} متعلق بضارين، أى إلا بتقديره، ومن قال بتخليته بينه وبين المسحور لم يرد أن السحر مستغن عن الله ومستقل، فإنه لا تأثير لشىء إلا بالله، وكل شىء مستأنف من الله {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ} فى الآخرة، أو مع الدنيا، وهو السحر {وَلاَ يَنْفَعُهُمْ} زاده. لأنه قد يضر الشىء، ومعه نفع فالسحر ضر محض، وأما تعلمه لدفع الشبهة عن دعوى النبوة وليتقيه فنفى تعلمه خير على ما مر، والذى عندى، أنه لا يجوز تعلمه إلا لمن استوثق من نفسه أنه لا يستعمله ولا يعلمه لمن يعلم أنه يستعمله، أولا يعلم حاله، لأن للعلم بالشىء قوة داعية للعمل به ولا سيما مثل هذا، والنفس داعية {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} أى اليهود المذكورون بالسوء فى عهده صلى الله عليه وسلم، أو عهد سليمان، والشياطين، والكلام متعلق بقوله، ولما جاءهم فصل بقصة السحر {لَمَنِ اشْتَرَٰهُ} استبدله، أو اشتراه بدينه، اللام للابتداء، والجملة جواب القسم، {مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍ} نصيب فى الجنة لبيعه بالسحر أو تعلمه {وَلَبِئْسَ} اللام لام جواب القسم، والجملة معطوفة على الجواب السابق وهو، لقد علموا {مَا شَرَوْا} باعوا {بِهِ أَنْفُسَهُمْ} وهو الكفر مطلقا، أو السحر أو تعلمه، أو نبذوا كتاب الله المنجى من الهلاك إلى ذلك الهلاك {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أى حقيقة ما يصيرون إليه من العذاب للكفر أو السحر، أو تعلمه ما فعلوه، وإلا فقد أثبت لهم العلم فى قوله، ولقد علموا، فالعلم المثبت الظن أو هو العلم بأن اشتروا النفس بالسحر مثلا مذموم بدون علم أن منه ما يفعلونه، فإن حب الشىء يعمى ويصم، والعلم المنفى بلو العلم بحقيقة ما يصيرون إليه. وملزم له فى الجنة، ويجوز كون لو للتمنى فلا جواب لها.
الالوسي
تفسير : {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ} عطف على {أية : نَبَذَ }تفسير : [البقرة: 101] والضمير لفريق من الذين أوتوا الكتاب ـ على ما تقدم عن السدي، وقيل: عطف على مجموع ما قبله عطف القصة على ـ القصة، والضمير للذين تقدموا من اليهود، أو الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام، أو الذين كانوا في زمن نبينا صلى الله عليه وسلم، أو ما يتناول الكل لأن ذاك غير ظاهر إذ يقتضي الدخول في حيز لـ (ما) واتباعهم هذا ليس مترتباً على مجىء الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيه أن ما علمت من قول السدي يفتح باب الظهور، اللهم إلا أن يكون المبني غيره، وقيل: عطف على {أية : َأُشْرِبُواْ}تفسير : [البقرة: 93] وهو في غاية البعد، بل لا يقدم عليه من جرع جرعة من الإنصاف، والمراد ـ بالاتباع ـ التوغل والإقبال على الشيء بالكلية، وقيل: الاقتداء، و {مَا} موصولة و {تَتْلُواْ} صلتها، ومعناه تتبع أو تقرأ ـ وهو حكاية حال ماضية، والأصل ـ تلت ـ وقول الكوفيين إن المعنى: ما كانت تتلوا محمول على ذلك ـ لا أن كان هناك مقدرة ـ والمتبادر من الشياطين مردة الجن وهو قول الأكثرين، وقيل: المراد بهم شياطين الإنس، وهو قول المتكلمين من المعتزلة. وقرأ الحسن والضحاك (الشياطون) على حد ما رواه الأصمعي عن العرب ـ بستان فلان حوله بساتون ـ وهو من الشذوذ بمكان حتى قيل: إنه لحن. {عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ} متعلق بـ {تَتْلُواْ} وفي الكلام مضاف محذوف أي عهد ملكه وزمانه، أو الملك مجاز عن العهد، وعلى التقديرين {عَلَىٰ} بمعنى ـ في ـ كما أن ـ في ـ بمعنى على في قوله تعالى: {أية : لاَصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ } تفسير : [طه: 71] وقد صرح في «التسهيل» بمجيئها للظرفية ومثل له بهذه الآية لأن الملك/ وكذا العهد لا يصلح كونه مقروءاً عليه، ومن الأصحاب من أنكر مجىء ـ على ـ بمعنى ـ في ـ وجعل هذا من تضمين تتلو معنى تتقول، أو الملك عبارة عن الكرسي لأنه كان من آلات ملكه، فالكلام على حد قرأت على المنبر، والمراد بما يتلونه السحر، فقد أخرج سفيان بن عيينة وابن جرير والحاكم، وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة كذب عليها ألف كذبة، فأشربتها قلوب الناس واتخذوها دوادوين فأطلع الله تعالى على ذلك سليمان بن داود فأخذها وقذفها تحت الكرسي فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع؟ قالوا: نعم فأخرجوه فإذا هو سحر فتناسختها الأمم فأنزل الله تعالى عذر سليمان فيما قالوا من السحر» وقيل: روي أن سليمان كان قد دفن كثيراً من العلوم التي خصه الله تعالى بها تحت سرير ملكه خوفاً على أنه إذا هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه ثم بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أوهموهم أنها من علم سليمان، ولا يخفى ضعف هذه الرواية. ((وسليمان ـ كما في «البحر» ـ اسم أعجمي، وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة، ونظيره من الأعجمية في أن آخره ألف ونون ـ هامان وماهان وشامان ـ وليس امتناعه من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون كعثمان لأن زيادتهما موقوفة على الاشتقاق والتصريف، وهما لا يدخلان الأسماء الأعجمية)) وكثير من الناس اليوم على خلافه. {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ} اعتراض لتبرئة سليمان عليه السلام عما نسبوه إليه، فقد أخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال: قال اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل يذكر سليمان مع الأنبياء، وإنما كان ساحراً يركب الريح، وعبر سبحانه عن السحر بالكفر بطريق الكناية رعاية لمناسبة {لَكِنَِّ} الاستدراكية في قوله تعالى {وَلَـٰكِنِ ٱلشَّيـٰطِينِ كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسّحْرَ} فإن (كفروا) معها مستعمل في معناه الحقيقي وجملة (يعلمون) حال من الضمير، وقيل: من الشياطين، ورد بأن (لكن) لا تعمل في الحال، وأجيب بأن فيها رائحة الفعل وقيل: بدل من (كفروا)، وقيل: استئناف والضمير ـ للشياطين ـ أو ـ للذين اتبعوا ـ. والسحر في الأصل مصدر سحر يسحر بفتح العين فيهما إذا أبدى ما يدق ويخفى وهو من المصادر الشاذة، ويستعمل بما لطف وخفي سببه، والمراد به أمر غريب يشبه الخارق ـ وليس به ـ إذ يجري فيه التعلم ويستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان بارتكاب القبائح، قولاً كالرقى التي فيها ألفاظ الشرك ومدح الشيطان وتسخيره، وعملاً كعبادة الكواكب؛ والتزام الجناية وسائر الفسوق، واعتقاداً كاستحسان ما يوجب التقرب إليه ومحبته إياه وذلك لا يستتب إلا بمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس فإن التناسب شرط التضام والتعاون فكما أن الملائكة لا تعاون إلا أخيار الناس المشبهين بهم في المواظبة على العبادة والتقرب إلى الله تعالى بالقول والفعل كذلك الشياطين لا تعاون إلا الأشرار المشبهين بهم في الخباثة والنجاسة قولاً وفعلاً واعتقاداً، وبهذا يتميز الساحر عن النبـي والولي، فلا يرد ما قال المعتزلة: من أنه لو أمكن للإنسان من جهة الشيطان ظهور الخوارق والإخبار عن المغيبات لاشتبه طريق النبوة بطريق السحر، وأما ما يتعجب منه ـ كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات المركبة على النسبة الهندسية تارة، وعلى صيرورة الخلاء ملاء أخرى، وبمعونة الأدوية كالنارنجيات أو يريه صاحب خفة اليد ـ فتسميته سحراً على التجوز وهو مذموم أيضاً/ عند البعض، وصرح النووي في «الروضة» بحرمته، وفسره الجمهور بأنه خارق للعادة يظهر من نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة. والجمهور على أن له حقيقة وأنه قد يبلغ الساحر إلى حيط يطير في الهواء ويمشي على الماء ويقتل النفس ويقلب الإنسان حماراً، والفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله تعالى ولم تجر سنته بتمكين الساحر من فلق البحر وإحياء الموتى وإنطاق العجماء وغير ذلك من آيات الرسل عليهم السلام، والمعتزلة وأبو جعفر الاستراباذي من أصحابنا على أنه لا حقيقة له وإنما هو تخييل، وأكفر المعتزلة من قال ببلوغ الساحر إلى حيث ما ذكرنا زعماً منهم أن بذلك انسداد طريق النبوة وليس كما زعموا على ما لا يخفى، ومن المحققين من فرق بين السحر والمعجزة باقتران المعجزة بالتحدي بخلافه فإنه لا يمكن ظهوره على يَدِ مدعي نبوة كاذباً كما جرت به عادة الله تعالى المستمرة صوناً لهذا المنصب الجليل عن أن يتسور حماه الكذابون. وقد شاع أن العمل به كفر حتى قال العلامة التفتازاني: لا يروى خلاف في ذلك، وعدُّه نوعاً من الكبائر مغاير الإشراك لا ينافي ذلك لأن الكفر أعم والإشراك نوع منه وفيه بحث: أما أولاً: فلأن الشيخ أبا منصور ذهب إلى أن القول بأن السحر كفر على الإطلاق خطأ بل يجب البحث عن حقيقته فإن كان في ذلك رد ما لزم من شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا، ولعل ما ذهب إليه العلامة مبني على التفسير أولاً فإنه عليه مما لا يمتري في كفر فاعله، وأما ثانياً: فلأن المراد من الإشراك فيما عدا الكبائر مطلق الكفر وإلا تخرج أنواع الكفر منها. ثم السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور لا الإناث وما ليس بكفر، وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوي فيه الذكور والإناث وتقبل توبته إذا تاب، ومن قال لا تقبل فقد غلط فإن سحرة موسى قبلت توبتهم كذا في «المدارك»، ولعله إلى الأصول أقرب، والمشهور عن أبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه أن الساحر يقتل مطلقاً إذا علم أنه ساحر ولا يقبل قوله: أَتْرُكُ السحر وأتوب عنه فإن أقرّ بأني كنت أسحر مدة وقد تركت منذ زمان قبل منه ولم يقتل؛ واحتج بما روي أن جارية لحفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها سحرتها فأخذوها فاعترفت بذلك فأمرت عبد الرحمن بن زيد فقتلها، وإنكار عثمان رضي الله تعالى عنه إنما كان لقتلها بغير إذنه. وبما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلوا ثلاث سواحر، والشافعية نظروا في هذا الاحتجاج واعترضوا على القول بالقتل مطلقاً بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقتل اليهودي الذي سحره، فالمؤمن مثله لقوله عليه السلام: «حديث : لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين»تفسير : وتحقيقه في الفروع. واختلف في تعليمه وتعلمه فقيل: كفر لهذه الآية إذ فيها ترتيب الحكم على الوصف المناسب وهو مشعر بالعلية، وأجيب بأنا لا نسلم أن فيها ذلك لأن المعنى أنهم كفروا وهم مع ذلك يعلمون السحر، وقيل: إنهما حرامان ـ وبه قطع الجمهور ـ وقيل: مكروهان ـ وإليه ذهب البعض ـ وقيل: مباحان، والتعليم المساق للذم هنا محمول على التعليم للإغواء والإضلال، وإليه مال الإمام الرازي قائلاً: اتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور لأن العلم لذاته شريف لعموم قوله تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }تفسير : [الزمر: 9] ولو لم يعلم السحر لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة والعلم بكون المعجز معجزاً واجب وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجباً وما يكون واجباً كيف يكون حراماً وقبيحاً. ونقل بعضهم وجوب تعلمه على المفتي حتى يعلم ما يقتل به وما لا يقتل به، فيفتي به في وجوب القصاص انتهى. والحق عندي الحرمة تبعاً للجمهور إلا لداع شرعي، وفيما قاله رحمه الله تعالى نظر. أما أولاً: فلأنا لا ندعي أنه قبيح لذاته، وإنما قبحه باعتبار ما يترتب عليه، فتحريمه/ من باب سد الذرائع ـ وكم من أمر حرم لذلك ـ وفي الحديث: «حديث : من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه»تفسير : . وأما ثانياً: فلأن توقف الفرق بينه وبين المعجزة على العلم به ممنوع، ألا ترى أن أكثر العلماء أو كلهم ـ إلا النادر ـ عرفوا الفرق بينهما ولم يعرفوا علم السحر ـ وكفى فارقاً بينهما ما تقدم، ولو كان تعلمه واجباً لذلك لرأيت أعلم الناس به الصدر الأول مع أنهم لم ينقل عنهم شيء من ذلك، أفتراهم أخلوا بهذا الواجب وأتى به هذا القائل، أو أنه أخل به كما أخلوا وأما ثالثاً: فلأن ما نقل عن بعضهم غير صحيح، لأن إفتاء المفتي بوجوب القوَد أو عدمه لا يستلزم معرفته علم السحر لأن صورة إفتائه ـ على ما ذكره العلامة ابن حجر ـ إن شهد عدلان عرفا السحر وتابا منه أنه يقتل غالباً قتل الساحر وإلا فلا ـ. هذا وقد أطلق بعض العلماء السحر على المشي بين الناس بالنميمة لأن فيها قلب الصديق عدواً والعدو صديقاً، كما أطلق على حسن التوسل باللفظ الرائق العذب لما فيه من الاستمالة، ويسمى سحراً حلالاً، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من البيان لسحراً» تفسير : والقول بأنه مخرّج مخرج الذم للفصاحة والبلاغة بعيد ـ وإن ذهب إليه عامر الشعبـي راوي الحديث ـ وظاهر قوله تعالى: {يَعْلَمُونَ} الخ أنهم يفهمونهم إياه بالإقراء والتعليم، وقيل: يدلونهم على تلك الكتب، فأطلق على تلك الدلالة تعليماً إطلاقاً للسبب على المسبب، وقيل: المعنى يوقرون في قلوبهم أنها حق تضر وتنفع، وأن سليمان عليه السلام إنما تم له ما تم بذلك ـ والإطلاق عليه هو الإطلاق ـ وقيل: {يَعْلَمُونَ} بمعنى يعلمون من الإعلام وهو الإخبار، أي يخبرونهم بما أو بمن يتعلمون به أو منه (السحر). وقرأ نافع وعاصم وابن كثير وأبو عمرو {لََكِنَِّ} بالتشديد وابن عامر وحمزة والكسائي ـ بالتخفيف وارتفاع ما بعدها بالابتداء والخبر ـ وهل يجوز إعمالها إذا خففت؟ فيه خلاف، والجمع على المنع ـ وهو الصحيح ـ وعن يونس والأخفش الجواز، والصحيح إنها بسيطة ومنهم: من زعم أنها مركبة من (لا) النافية ـ وكاف الخطاب ـ (وأن) المؤكدة المحذوفة الهمزة للاستثقال، وهو إلى الفساد أقرب. {وَمَا أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ} المراد: الجنس، وهو عطف على {ٱلسِّحْرُ } وهما واحد إلا أنه نزّل تغاير المفهوم منزلة تغاير الذات كما في قوله:شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام تفسير : البيت، وفائدة العطف التنصيص بأنهم ـ يعلمون ـ ما هو جامع بين كونه سحراً وبين كونه منزلاً على الملكين للابتلاء، فيفيد ذمهم بارتكابهم النهي بوجهين، وقد يراد بالموصول المعهود ـ وهو نوع آخر أقوى ـ فيكون من عطف الخاص على العام إشارة إلى كماله، وقال مجاهد: هو دون السحر وهو ـ ما يفرّق به بين المرء وزوجه ـ لا غير والمشهور الأول، وجوّز العطف على {مَا تَتْلُواْ} فكأنه قيل: اتبعوا السحر المدوّن في الكتب وغيره، وهذان الملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله تعالى للناس، فمن تعلم وعمل به كفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن قوم طالوت بالنهر، وتمييزاً بينه وبين المعجزة حيث أنه كثر في ذلك الزمان، وأظهر السحرة أموراً غريبة وقع الشك بها في النبوّة، فبعث الله تعالى الملكين لتعليم أبواب السحر حتى يزيلا الشبه ويميطا الأذى عن الطريق، قيل: كان ذلك في زمن إدريس عليه السلام، وأما ما روي أن الملائكة تعجبت من بني آدم في مخالفتهم ما أمر الله تعالى به، وقالوا له تعالى: لو كنا مكانهم ما عصيناك، فقال: اختاروا ملكين منكم، فاختاروهما، فهبطا إلى الأرض ومثلا بشرين، وألق الله تعالى عليهما الشبق، وحكما بين الناس، فافتتنا بأمرأة يقال لها زهرة، فطلباها وامتنعت إلا أن يعبدا صنماً، أو يشربا خمراً، أو يقتلا/ نفساً ففعلاً ثم تعلمت منهما ما صعدت به إلى السماء، فصعدت ومسخت هذا ـ النجم ـ وأرادا العروج فلم يمكنهما فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة ـ فاختارا عذاب الدنيا ـ فهما الآن يعذبان فيها، إلى غير ذلك من الآثار التي بلغت طرقها نيفاً وعشرين، فقد أنكره جماعة منهم القاضي عياض، وذكر أن ما ذكره أهل الأخبار ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت لم يرد منه شيء ـ لا سقيم ولا صحيح ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وليس هو شيئاً يؤخذ بالقياس ـ وذكر في «البحر» أن جميع ذلك لا يصح منه شيء، ولم يصح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلعن الزهرة، ولا ابن عمر رضي الله تعالى عنهما خلافاً لمن رواه، وقال الإمام الرازي بعد أن ذكر الرواية في ذلك إن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة، ونص الشهاب (العراقي) على أن من اعتقد في هاروت وماروت أنهما ملكان يعذبان على خطيئتهما مع الزهرة فهو كافر بالله تعالى العظيم، فإن الملائكة معصومون {أية : لاَّ يَعْصُونَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [التحريم: 6] {أية : لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } تفسير : [الأنبياء: 19ـ20] والزهرة كانت يوم خلق الله تعالى السمٰوات والأرض، والقول بأنها تمثلت لهما فكان ما كان وردت إلى مكانها غير معقول ولا مقبول. واعترض الإمام السيوطي على من أنكر القصة بأن الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي وغيرهم رووها مرفوعة وموقوفة على عليّ وابن عباس وابن عمر وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم بأسانيد عديدة صحيحة يكاد الواقف عليها يقطع بصحتها لكثرتها وقوة مخرجيها، وذهب بعض المحققين أن ما روي مروي حكاية لما قاله اليهود ـ وهو باطل في نفسه ـ وبطلانه في نفسه لا ينافي صحة الرواية، ولا يردّ ما قاله الإمام السيوطي عليه، إنما يردّ على المنكرين بالكلية، ولعل ذلك من باب الرموز والإشارات، فيراد من الملكين العقل النظري والعقل العملي اللذان هما من عالم القدس، ومن المرأة المسماة بالزهرة ـ النفس الناطقة ـ ومن تعرضهما لها تعليمهما لها ما يسعدها، ومن حملها إياهما على المعاصي تحريضها إياهما بحكم الطبيعة المزاجية إلى الميل إلى السفليات المدنسة لجوهريهما، ومن صعودها إلى السماء بما تعلمت منهما عروجها إلى الملأ الأعلى ومخالطتها مع القدسيين بسبب انتصاحها لنصحهما، ومن بقائهما معذبين بقاؤهما مشغولين بتدبير الجسد وحرمانهما عن العروج إلى سماء الحضرة، لأن طائر العقل لا يحوم حول حماها. ومن الأكابر من قال في حلّ هذا الرمز: إن الروح والعقل للذين هما من عالم المجردات قد نزلا من سماء التجرد إلى أرض التعلق، فعشقا البدن الذي هو كالزهرة في غاية الحسن والجمال لتوقف كمالهما عليه، فاكتسبا بتوسطه المعاصي والشرك وتحصيل اللذات الحسية الدنية، ثم صعد إلى السماء بأن وصل بحسن تدبيرهما إلى الكمال اللائق به، ثم مسخ بأن انقطع التعلق وتفرقت العناصر، وهما بقيا معذبين بعذاب الحرمان عن الاتصال بعالم القدس متألمين بالآلام الروحانية منكوسي الحال حيث غلب التعلق على التجرد وانعكس القرب بالبعد، وقيل: المقصود من ذلك الإشارة إلى أن من كان ملكاً إن اتبع الشهوة هبط عن درجة الملائكة إلى درجة البهيمة، ومن كان امرأة ذات شهوة إذا كسرت شهوتها، وغلبت عليها صعدت إلى درج الملك واتصلت إلى سماء المنازل والمراتب، وكتب بعضهم لحله.شعر : مل وأيم الله نفسي نفسي وطال في مكث حياتي حبسي أصبح في مضاجعي وأمسي أمسي كيومي وكيومي أمسي يا حبذا يوم نزولي رمسي مبدأ سعدي وانتهاء نحسي وكل جنس لاحق بالجنس من جوهر يرقى بدار الأنس / وعرض يبقى بدار الحس تفسير : هذا ومن قال: بصحة هذه القصة في نفس الأمر وحملها على ظاهرها فقد ركب شططاً وقال غلطاً، وفتح باباً من السحر يضحك الموتى، ويبكي الأحياء، وينكس راية الإسلام، ويرفع رؤوس الكفرة الطغام كما لا يخفى ذلك على المنصفين من العلماء المحققين. وقرأ ابن عباس والحسن وأبو الأسود والضحاك (الملكين) بكسر اللام، وحمل بعضهم قراءة الفتح على ذلك فقال هما رجلان إلا أنهما سميا ملكين باعتبار صلاحهما، ويؤيده ما قيل: إنهما داود وسليمان، ويرده قول الحسن: إنهما علجان كانا ببابل العراق، وبعضهم يقول إنهما من الملائكة ظهرا في صورة الملوك ـ وفيه حمل الكسر على الفتح على عكس ما تقدم و ـ الإنزال ـ إما على ظاهره أو بمعنى القذف في قلوبهما. {بِبَابِلَ} الباء بمعنى في وهي متعلقة ـ بأنزل ـ أو بمحذوف وقع حالاً من (الملكين) أو من الضمير في (أنزل) وهي كما قال ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما: بلد في سواد الكوفة، وقيل: بابل العراق، وقال قتادة: هي من نصيبين إلى رأس العين، وقيل: جبل دماوند، وقيل: بلد بالمغرب ـ والمشهور اليوم الثاني ـ وعند البعض هو الأول، قيل وسميت بابل لتبلبل الألسنة فيها عند سقوط صرح نمرود، وأخرجه الدينوري في «المجالسة». وابن عساكر من طريق نعيم بن سالم ـ وهو متهم ـ عن أنس بن مالك قال: ((لما حشر الله تعالى الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحاً شرقية وغربية وقبلية وبحرية فجمعتهم إلى بابل فاجتمعوا يومئذ ينظرون لما حشروا له إذ نادى مناد من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره واقتصد إلى البيت الحرام بوجهه فله كلام أهل السماء فقام يعرب بن قحطان فقيل له: يا يعرب بن قحطان بن هود أنت هو فكان أول من تكلم بالعربية فلم يزل المنادي ينادي من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا حتى افترقوا على اثنين وسبعين لساناً وانقطع الصوت وتبلبلت الألسن فسميت بابل وكان اللسان يومئذ بابلياً))، وعندي في القولين تردد بل عدم قبول، والذي أميل إليه أن بابل اسم أعجمي كما نص عليه أبو حيان لا عربـي كما يشير إليه كلام الأخفش، وأنه في الأصل اسم للنهر الكبير في بعض اللغات الأعجمية القديمة وقد أطلق على تلك الأرض لقرب الفرات منها، ولعل ذلك من قبيل تسمية بغداد دار السلام بناء على أن السلام اسم لدجلة، وقد رأيت لذلك تفصيلاً لا أدريه اليوم في أي كتاب، وأظنه قريباً مما ذكرته فليحفظ. ومنع بعضهم الصلاة بأرض بابل احتجاجاً بما أخرج أبو داود وابن أبـي حاتم والبيهقي في «سننه» على علي كرم الله تعالى وجهه أن حبيبـي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة، وقال الخطابي: في إسناد هذا الحديث مقال، ولا أعلم أحداً من العلماء حرم الصلاة بها، ويشبه إن ثبت الحديث أن يكون نهاه عن أن يتخذها وطناً ومقاماً فإذا أقام بها كانت صلاته فيها وهذا من باب التعليق في علم البيان، أو لعل النهي له خاصة ألا ترى قال: نهاني، ومثله حديث آخر «حديث : نهاني [أن] أقرأ ساجداً أو راكعاً ولا أقول نهاكم»تفسير : ، وكان ذلك إنذاراً منه بما لقي من المحنة في تلك الناحية. {هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ } عطف بيان ـ للملكين ـ وهما اسمان أعجميان لهما منعا من الصرف للعلمية والعجمة وقيل: عربيان من الهرت والمرت بمعنى الكسر؛ وكان اسمهما قبل عزا وعزايا فلما قارفا الذنب سميا بذلك؛ ويشكل عليه منعهما من الصرف، وليس إلا العلمية، وتكلف له بعضهم بأنه يحتمل أن يقال: إنهما معدولان من الهارت والمارت، وانحصار العدل في الأوزان المحفوظة غير مسلم وهو كما ترى، وقرأ الحسن والزهري برفعهما على أن التقدير هما هاروت وماروت، ومما يقضي منه العجب ما قاله الإمام القرطبي: «إن هاروت وماروت/ بدل من الشياطين على قراءة التشديد، و {مَا} في {وَمَا أَنَزلَ} نافية، والمراد من الملكين جبرائيل وميكائيل لأن اليهود زعموا أن الله تعالى أنزلهما بالسحر، وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: (وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين هاروت وماروت كفروا يعلمون الناس السحر ببابل) وعليه فالبدل إما بدل بعض من كل، ونص عليهما بالذكر لتمردهما، ولكونهما رأساً في التعليم، أو بدل كل من كل إما بناء على أن الجمع يطلق على الإثنين أو على أنهما عبارتان عن قبيلتين من الشياطين لم يكن غيرهما بهذه الصفة، وأعجب من قوله هذا قوله: وهذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل وأصح ما قيل فيها، ولا تلتفت إلى ما سواه. ولا يخفى لدي كل منصف أنه لا ينبغي لمؤمن حمل كلام الله تعالى ـ وهو في أعلى مراتب البلاغة والفصاحة ـ على ما هو أدنى من ذلك وما هو إلا مسخ لكتاب الله تعالى عز شأنه وإهباط له عن شأواه ومفاسد قلة البضاعة لا تحصى، وقيل إنهما بدل من الناس أي: يعلمون الناس خصوصاً هاروت وماروت والنفي هو النفي. {وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} أي ما يعلم الملكان أحداً حتى ينصحاه ويقولا له إنما نحن ابتلاء من الله عز وجل فمن تعلم منا وعمل به كفر ومن تعلم وتوقى ثبت على الإيمان فلا تكفر باعتقاده وجواز العمل به، وقيل: فلا تتعلم معتقداً أنه حق حتى تكفر، وهو مبني ـ على رأي الاعتزال ـ من أن السحر تمويه وتخييل، ومن اعتقد حقيته يكفر، و {مِنْ} مزيدة في المفعول به لإفادة تأكيد الاستغراق، وإفراد ـ الفتنة ـ مع تعدد المخبر عنه لكونها مصدراً، والحمل مواطأة للمبالغة، والقصر لبيان أنه ليس لهما فيما يتعاطيانه شأن سواها لينصرف الناس عن تعلمه، و {حَتَّىٰ} للغاية وقيل: بمعنى إلا، والجملة في محل النصب على الحالية من ضمير {يَعْلَمُونَ} والظاهر أن القول مرة واحدة والقول: بأنه ثلاث أو سبع أو تسع لا ثبت له. واختلف في كيفية تلقي ذلك العلم منهما فقال مجاهد إنهما لا يصل إليهما أحد من الناس وإنما يختلف إليهما شيطانان في كل سنة اختلافة واحدة فيتعلمان منهما، وقيل وهو الظاهر: إنهما كان يباشران التعليم بأنفسهما في وقت من الأوقات، والأقرب أنهما ليسا إذ ذاك على الصورة الملكية، وأما ما أخرجه ابن جرير وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في «سننه» عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قدمت عليّ امرأة من أهل دومة الجندل تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به قالت: كان لي زوج غاب عني فدخلت على عجوز فشكوت إليها فقالت: إن فعلت ما آمرك اجعله يأتيك فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل، فإذا أنا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ فقلت أتعلم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي، فأبيت وقلت: لا، قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي به، إلى أن قالت: فذهبت فبلت فيه، فرأيت فارساً مقنعاً بحديد خرج مني حتى ذهب إلى السماء وغاب عني حتى ما أراه، فجئتهما وذكرت لهما فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك، اذهبـي فلن تريدي شيئاً إلا كان ـ الخبر بطوله ـ فهو ونظائره ـ مما ذكره المفسرون من القصص في هذا الباب ـ مما لا يعول عليه ذوو الألباب، والإقدام على تكذيب مثل هذه الامرأة الدوجندية أولى من اتهام العقل في قبول هذه الحكاية التي لم يصح فيها شيء عن رسول رب البرية صلى الله عليه وسلم، ويا ليت كتب الإسلام لم تشتمل على هذه الخرافات التي لا يصدقها العاقل ولو كانت أضغاث أحلام. واستدل بالآية من جوّز تعلم السحر، ووجهه أن فيها دلالة على وقوع التعليم من الملائكة مع عصمتهم، والتعلم مطاوع له، بل هما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار كالإيجاب/ والوجوب، ولا يخفى أنه لا دليل فيها على الجواز مطلقاً لأن ذلك التعليم كان للابتلاء والتمييز كما قدمنا، وقد ذكر القائلون بالتحريم: إن تعلم السحر إذا فرض فُشُوّهُ في صقع، وأريد تبيين فساده لهم ليرجعوا إلى الحق غير حرام كما لا يحرم تعلم الفلسفة للمنصوب للذب عن الدين برد الشبه ـ وإن كان أغلب أحواله التحريم ـ وهذا لا ينافي إطلاق القول به، ومن قال: إن هاروت وماروت من الشياطين قال: إن معنى الآية ما يعلمان السحر أحداً حتى ينصحاه ويقولا إنا مفتونان باعتقاد جوازه والعمل به فلا تكن مثلنا في ذلك فتكفر، وحينئذ لا استدلال أصلاً، وما ذكرنا أن القول على سبيل النصح في هذا الوجه هو الظاهر، وحكى المهدوي أنه على سبيل الاستهزاء لا النصيحة وهو الأنسب بحال الشياطين، وقرأ طلحة بن مصرف (يعلمان) بالتخفيف من الإعلام وعليها حمل بعضهم قراءة التشديد، وقرأ أبيّ بإظهار الفاعل. {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} عطف على الجملة المنفية لأنها في قوة المثبتة كأنه قال: يعلمانهم بعد ذلك القول فيتعلمون، وليس عطفاً على المنفي بدون هذا الاعتبار كما توهمه أبو علي من كلام الزجاج، وعطفه بعضهم على {يُعَلّمَانِ} محذوفاً، وبعضهم على (يأتون) كذلك، والضمير المرفوع لما دل عليه (أحد) وهو الناس أو ـ لأحد ـ حملاً له على المعنى كما في قوله تعالى: {أية : فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ }تفسير : [الحاقه: 47] وحكى المهدوي جواز العطف على {يُعَلّمُونَ ٱلنَّاسَ } فمرجع الضمير حينئذ ظاهر، وقيل: في الكلام مبتدأ محذوف أي فهم يتعلمون فتكون جملة ابتدائية معطوفة على ما قبلها من عطف الاسمية على الفعلية ـ ونسب ذلك إلى سيبويه ـ وليس بالجيد، وضمير (منهما) عائد على (الملكين)، و من الناس من جعله عائداً إلى السحر والكفر أو الفتنة والسحر، وعطف (يتعلمون) على (يعلمون) وحمل (ما يعلمان) على النفي، و {حَتَّىٰ يَقُولاَ} على التأكيد له أي لا يعلمان السحر لأحد بل ينهيانه حتى يقولا الخ فهو كقولك: ما أمرته بكذا حتى قلت له إن فعلت نالك كذا وكذا، وجعل ـ ما أنزل ـ أيضاً نفياً معطوفاً على ـ ما كفر ـ وهو كما ترى. {مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْء وَزَوْجِهِ} أي الذي أو شيئاً يفرقون به وهو السحر المزيل بطريق السببية الألفة والمحبة بين الزوجين الموقع للبغضاء والشحناء الموجبتين للتفرق بينهما؛ وقيل: المراد: ما يفرق لكونه كفراً لأنه إذا تعلم كفر فبانت زوجته أو إذا تعلم عمل فتراه الناس فيعتقدون أنه حق فيكفرون فتبين أزواجهم، و ـ المرء ـ الرجل، والأفصح فتح الميم مطلقاً، وحكي الضم مطلقاً، وحكي الاتباع لحركة الإعراب، ومؤنثة المرأة، وقد جاء جمعه بالواو والنون فقالوا: المرؤُون، والزوج امرأة الرجل، وقيل: المراد به هنا القريب والأخ الملائم، ومنه {أية : مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ }تفسير : [الحج: 5] و {أية : ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوٰجَهُمْ } تفسير : [الصافات: 22] وقرأ الحسن والزهري وقتادة المر بغير همز مخففاً، وابن أبـي اسحق ـ المرء ـ بضم الميم مع الهز، والأشهب بالكسر والهمز، ورويت عن الحسن، وقرأ الزهري أيضاً ـ المر ـ بالفتح وإسقاط الهمزة وتشديد الراء. {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ} الضمير للسحرة الذين عاد إليهم ضمير {فَيَتَعَلَّمُونَ} وقيل: لليهود الذين عاد إليهم ضمير {وَٱتَّبَعُـواْ} وقيل ـ للشياطين ـ وضمير (به) عائد لما، و {مِنْ} زائدة لاستغراق النفي كأنه قيل: وما يضرون به أحداً، وقرأ الأعمش ـ بضاري ـ محذوف النون، وخرج على أنها حذفت تخفيفاً وإن كان اسم الفاعل ليس صلة ـ لأل ـ فقد نص ابن مالك على عدم الاشتراط لقوله:شعر : ولسنا إذا تأتون سلمى بمدعي لكم غير أنا أن نسالم نسالم تفسير : وقولهم: قطاقطا بيضك ثنتا وبيضي مائتا، وقيل: إنها حذفت للإضافة إلى محذوف مقدر لفظاً على حد قوله: يا تيم تيم عدي في أحد الوجوه، وقيل: للإضافة إلى (أحد) على جعل الجار جزأ منه والفصل بالظرف/ مسموع كما في قوله:شعر : هما أخوا في الحرب من لا أخاله وإن خاف يوماً كبوة فدعاهما تفسير : واختار ذلك الزمخشري، وفيه أن جعل الجار جزءاً من المجرور ليس بشيء لأنه مؤثر فيه، وجزء الشيء لا يؤثر فيه، وأيضاً الفصل بين المتضايفين بالظرف وإن سمع من ضرائر الشعر كما صرح به أبو حيان ولظن تعين هذا مخرجاً قال ابن جني: إن هذه القراءة أبعد الشواذ. {إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} استثناء مفرغ من الأحوال والباء متعلقة بمحذوف وقع حالاً من ضمير ـ ضارين ـ أو من مفعوله المعتمد على النفي أو الضمير المجرور في {بِهِ} أو المصدر المفهوم من الوصف، والمراد من الاذن هنا التخلية بين المسحور وضرر السحر ـ قاله الحسن ـ وفيه دليل على أن فيه ضرراً مودعاً إذا شاء الله تعالى حال بينه وبينه، وإذا شاء خلاه وما أودعه فيه، وهذا مذهب السلف في سائر الأسباب والمسببات، وقيل: الإذن بمعنى الأمر ويتجوز به عن التكوين بعلاقة ترتب الوجود على كل منهما في الجملة، والقرينة عدم كون القبائح مأموراً بها ففيه نفي كون الأسباب مؤثرة بنفسها بل يجعله إياها أسباباً إما عادية أو حقيقية، وقيل: إنه هنا بمعنى العلم، وليس فيه إشارة إلى نفي التأثير بالذات كالوجهين الأولين. {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ} لأنهم يقصدون به العمل قصداً جازماً وقصد المعصية كذلك معصية أو لأن العلم يدعو إلى العمل ويجر إليه لا سيما عمل الشر الذي هو هوى النفس، فصيغة المضارع للحال على الأول وللاستقبال على الثاني {وَلاَ يَنفَعُهُمْ} عطف على ما قبله للإيذان بأنه شر بحت وضرر محض لا كبعض المضار المشوبة بنفع وضرر لأنهم لا يقصدون به التخلص عن الاغترار بأكاذيب السحرة ولا إماطة الأذى عن الطريق حتى يكون فيه نفع في الجملة، وفي الاتيان بـ (لا) إشارة إلى أنه غير نافع في الدارين لأنه لا تعلق له بانتظام المعاش ولا المعاد وفي الحكم بأنه ضار غير نافع تحذير بليغ ـ لمن ألقى السمع وهو شهيد ـ عن تعاطيه وتحريض على التحرز عنه، وجوز بعضهم أن يكون {لاَ يَنفَعُهُمْ} على إضمار هو فيكون في موضع رفع وتكون الواو للحال ولا يخفى ضعفه. {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} متعلق بقوله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَاءهُمُ } تفسير : [البقرة: 101] الخ، وقصة السحر مستطردة في البين فالضمير لأولئك اليهود، وقيل: الضمير لليهود الذين كانوا على عهد سليمان عليه السلام، وقيل: للملكين لأنهما كانا يقولان: {فَلاَ تَكْفُرْ} وأتى بضمير الجمع على قول من يرى ذلك {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ} أي استبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله، واللام للابتداء وتدخل على المبتدأ، وعلى المضارع ودخولها على الماضي مع قد كثير وبدونه ممتنع، وعلى خبر المبتدأ إذا تقدم عليه، وعلى معمول الخبر إذا وقع موقع المبتدأ؛ والكوفيون يجعلونها في الجميع جواب القسم المقدر وليس في الوجود عندهم لام ابتداء كما يشير إليه كلام الرضى، وقد علقت هنا ـ علم ـ عن العمل سواء كانت متعدية لمفعول أو مفعولين ـ فمن ـ موصولة مبتدأ و (اشتراه) صلتها وقوله تعالى: {مَا لَهُ فِى ٱلأَخِرَةِ مِنْ خُلِقَ} جملة ابتدائية خبرها، و ـ من ـ مزيدة في المبتدأ، و {فِى ٱلأَخِرَةِ} متعلق بما تعلق به الخبر أو حال من الضمير فيه أو من مرجعه، و ـ الخلاق ـ النصيب ـ قاله مجاهد ـ أو القوام ـ قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما، أو القدر ـ قاله قتادة ـ ومنه قوله:شعر : فمالك بيت لدى الشامخات ومالك في غالب من (خلاق) تفسير : / قال الزجاج: وأكثر ما يستعمل في الخير، ويكون للشر على قلة، وذهب أبو البقاء تبعاً للفراء إلى أن اللام موطئة للقسم، و (من) شرطية مبتدأ و (اشتراه) خبرها و (ماله) الخ جواب القسم، وجواب الشرط محذوف دل هو عليه لأنه إذا اجتمع قسم وشرط يجاب سابقهما غالباً، وفيه ما فيه لأنه نقل عن الزجاج ردّ من قال بشرطية (من) هنا بأنه ليس موضع شرط، ووجهه أبو حيان بأن الفعل ماض لفظاً ومعنى، لأن الاشتراء قد وقع فجعله شرطاً لا يصح لأن فعل الشرط إذا كان ماضياً لفظاً فلا بد أن يكون مستقبلاً معنى، وقد ذكر الرضى في ـ لزيد قائم ـ أن الأولى كون اللام فيه لام الابتداء مفيدة للتأكيد ولا يقدر القسم كما فعله الكوفية لأن الأصل عدم التقدير، والتأكيد المطلوب من القسم حاصل من اللام، والقول بأن اللام تأكيد للأولى أو زائدة مما لا يكاد يصح، أما الأول: فلأن بناء الكلمة إذا كان على حرف واحد لا يكرر وحده بل مع عماده إلا في ضرورة الشعر على ما ارتضاه الرضى، وأما الثاني: فلأن المعهود زيادة اللام الجارة وهي مكسورة في الاسم الظاهر. {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ} اللام فيه لام ابتداء أيضاً، والمشهور أنها جواب القسم، والجملة معطوفة على القسمية الأولى، و (ما) نكرة مميزة للضمير المبهم في ـ بئس ـ والمخصوص بالذمّ محذوف، و (شروا) يحتمل المعنيين والظاهر هو الظاهر ـ أي والله لبئس شيئاً شروا به حظوظ أنفسهم ـ أي باعوها أو شروها في زعمهم ذلك الشراء، وفي «البحر» بئسما باعوا أنفسهم السحر أو الكفر. {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي مذمومية الشراء المذكور لامتنعوا عنه، ولا تنافي بين إثبات العلم لهم أولاً ونفيه عنهم ثانياً إما لأن المثبت لهم هو العقل الغريزي والمنفي عنهم هو الكسب الذي هو من جملة التكليف، أو لأن الأول: هو العلم بالجملة والثاني: هو العلم بالتفصيل، فقد يعلم الإنسان مثلاً قبح الشيء ثم لا يعلم أن فعله قبيح فكأنهم علموا أن شراء النفس بالسحر مذموم لكن لم يتكفروا في أن ما يفعلونه هو من جملة ذلك القبيح أو لأنهم علموا العقاب ولم يعلموا حقيقته وشدته، وإما لأن الكلام مخرج على تنزيل العالم بالشيء منزلة الجاهل ووجود الشيء منزلة عدمه لعدم ثمرته أنهم لم يعملوا بعلمهم، أو على تنزيل العالم بفائدة الخبر ولازمها منزلة الجاهل بناء على أن قوله تعالى: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} معناه لو كان لهم علم بذلك الشراء لامتنعوا منه أي ليس لهم علم فلا يمتنعون، وهذا هو الخبر الملقى إليهم، واعتراض العلامة بأن هذا الخبر لو فرض كونه ملقى إليهم فلا معنى لكونهم عالمين بمضمونه كيف وقد تحقق في {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} نقيضه وهو أن لهم علماً به وبعد اللتيا والتي لا معنى لتنزيلهم منزلة الجاهل بأن ليس لهم علم بأن من اشتراه ـ ماله في الآخرة من خلاق ـ بل إن كان فلا بد أن ينزلوا منزلة الجاهل بأن لهم علماً بذلك يجاب عنه: أما أولاً: فبأن الخطاب صريحاً للرسول صلى الله عليه وسلم وتعريضاً لهم ولذا أكد، وأما ثانياً: فبأن المستفاد من {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} ثبوت العلم لهم حقيقة والمستفاد من الخبر الملقى لهم نفي العلم عنهم تنزيلاً ولا منافاة بينهما، وأما ثالثاً: فبأن العالم إذا عمل بخلاف علمه كان عالماً بأنه بمنزلة الجاهل في عدم ترتب ثمرة علمه، ومقتضى هذا العلم أن يمتنع عن ذلك العمل ففيما نحن فيه كانوا عالمين فيه بأن ليس لهم علم وأنهم بمنزلة الجاهل في ذلك الشراء، ومقتضى هذا العلم أن يمتنعوا عنه وإذا لم يمتنعوا كانوا بمنزلة الجاهل في عدم جريهم على مقتضى هذا العلم فألقى الخبر إليهم بأن ليس لهم علم مع علمهم به كذا قيل، ولا يخفى ما فيه من شدة التكلف. وأجاب بعضهم عما يتراءى من التنافي بأن مفعول {يَعْلَمُونَ} ما دل عليه {لبِئْسَ ما شَرَوْاْ} الخ أعنى مذمومية الشراء، ومفعول {عَلِمُواْ} أنه لا نصيب لهم/ في الآخرة، والعلم بأنه لا نصيب لهم في الآخرة لا ينافي نفي العلم بمذمومية الشراء بأن يعتقدوا إباحته ـ فلا حاجة حينئذ إلى جميع ما سبق ـ وفيه أن العلم بكون الشراء المذكور موجباً للحرمان في الآخرة بدون العلم بكونه مذموماً غاية المذمومية ـ مما لا يكاد يعقل عند أرباب العقول ـ والقول بأن مفعول {عَلِمُواْ} محذوف، أي لقد علموا أنه يضرهم ولا ينفعهم، و {لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ} مرتبط بأول القصة، وضمير {لبِئْسَ ما شَرَوْاْ} (لمن اشتراه) ركيك جداً، و (بئسما) يشتري، ودفع التنافي بأنه أثبت أولاً: العلم بسوء ما شروه بالكتاب بحسب الآخرة، ثم ذم بالسوء مطلقاً في الدين والدنيا، لأن بئس للذم العام، فالمنفى ـ العلم بالسوء المطلق ـ يعني: لو كانوا يعلمون ضرره في الدين والدنيا لامتنعوا، إنما غرهم توهم النفع العاجل، أو بأن المثبت أولاً العلم بأن ما شروه ما لهم في الآخرة نصيب منه، لا أنهم شروا أنفسهم به وأخرجوها من أيديهم بالكلية، بل كانوا يظنون أن آباءهم الأنبياء يشفعونهم في الآخرة والعلم المنفي هو هذا العلم لا يخفى ما فيه. أما أولاً: فلأن عموم الذم في (بئس) وإن قيل به لكنه بالنسبة إلى إفراد الفاعل في نفسها من دون تعرض للأزمنة والأمكنة ـ والتزام ذلك لا يخلو عن كدر ـ وأما ثانياً: فلأن تخصيص النصيب ـ بمنه ـ مع كونه نكرة مقرونة بـ (من) في سياق النفي المساق للتهويل مما لا يدعو إليه إلا ضيق العطن، والجواب ـ بإرجاع ضمير (علموا) (للناس) أو (الشياطين) و (اشتروا) لليهود ـ ارتكاب للتفكيك من غير ضرورة تدعو إليه، ولا قرينة واضحة تدل عليه، وبعد كل حساب ـ الأولى عندي في الجواب ـ كون الكلام مخرجاً على التنزيل، ولا ريب في كثرة وجود ذلك في الكتاب الجليل، والأجوبة التي ذكرت من قبل ـ مع جريان الكلام فيها على مقتضى الظاهر ـ لا تخلو في الباطن عن شيء فتدبر.
ابن عاشور
تفسير : قوله: {واتبعوا} عطف على جملة الشرط وجوابه في قوله: {أية : ولما جاءهم رسول من عند الله}تفسير : [البقرة: 101] الآية بذكر خصلة لهم عجيبة وهي أخذهم بالأباطيل بعد ذكر خصلة أخرى وهي نبذهم للكتاب الحق، فذلك هو مناسبة عطف هذا الخبر على الذي قبله. فإن كان المراد بكتاب الله في قوله: {أية : كتاب الله وراء ظهورهم}تفسير : [البقرة: 101] القرآن فالمعنى أنهم لما جاءهم رسول الله مصدقاً لما معهم نبذوا كتابه بعلة أنهم متمسكون بالتوراة فلا يتبعون ما خالف أحكامها وقد اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وهو مخالف للتوراة لأنها تنهى عن السحر والشرك فكما قيل لهم فيما مضى {أية : أفتؤمنون ببعض الكتاب}تفسير : [البقرة: 85] يقال لهم أفتؤمنون بالكتاب تارة وتكفرون به تارة أخرى. وإن كان المراد بكتاب الله التوراة فالمعنى لما جاءهم رسول الله نبذوا ما في التوراة من دلائل صدق هذا الرسول وهم مع ذلك قد نبذوها من قبل حين {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} مع أن ذلك مخالف لأحكام التوراة. قال القرطبي: قال ابن إسحاق لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم سليمان في الأنبياء قالت اليهود: إن محمداً يزعم أن سليمان نبي وما هو بنبي ولكنه ساحر فنزلت هذه الآية. و{الشياطين} يحتمل أن يكونوا شياطين من الجن وهو الإطلاق المشهور، ويحتمل أن يراد به ناس تمردوا وكفروا وأتوا بالفظائع الخفية فأطلق عليهم الشياطين على وجه التشبيه كما في قوله تعالى: {أية : وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن}تفسير : [الأنعام: 112] وقرينة ذلك قوله: {يعلمون الناس السحر} فإنه ظاهر في أنهم يدرسونه للناس وكذلك قوله بعده: {ولكن الشياطين كفروا} إذ هذا الاستدراك في الإخبار يدل على أنهم من الإنس لأن كفر الشياطين من الجن أمر مقرر لا يحتاج للإخبار عنه. وعن ابن إسحاق أيضاً أنه لما مات سليمان عليه السلام عمدت الشياطين فكتبوا أصنافاً من السحر وقالوا: من أحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا لأصناف من السحر وختموه بخاتم يشبه نقش خاتم سليمان ونسبوه إليه ودفنوه وزعموا أن سليمان دفنه وأنهم يعلمون مدفنه ودلوا الناس على ذلك الموضع فأخرجوه فقالت اليهود: ما كان سليمان إلا ساحراً وما تم له الملك إلا بهذا. وقيل كان آصف ابن برخيا كاتب سليمان يكتب الحكمة بأمر سليمان ويدفن كتبه تحت كرسي سليمان لتجدها الأجيال فلما مات سليمان أغرت الشياطين الناس على إخراج تلك الكتب وزادوا في خلال سطورها سحراً وكفراً ونسبوا الجميع لسليمان فقالت اليهود: كفر سليمان. والمراد من الآية مع سبب نزولها ـــ إن نزلت عن سبب ـــ أن سليمان عليه السلام لما مات انقسمت مملكة إسرائيل بعده بقليل إلى مملكتين إحداهما مملكة يهوذا وملكها رحبعام ابن سليمان جعلوه ملكاً بعد أبيه وكانت بنو إسرائيل قد سئمت ملك سليمان لحمله إياهم على ما يخالف هواهم فجاءت أعيانهم وفي مقدمتهم يربعام بن نباط مولى سليمان ليكلموا رحبعام قائلين: إن أباك قاس علينا وأما أنت فخفف عنا من عبودية أبيك لنطيعك فأجابهم اذهبوا ثم ارجعوا إلي بعد ثلاثة أيام واستشار رحبعام أصحاب أبيه ووزراءه فأشاروا عليه بملاينة الأمة لتطيعه. واستشار أصحابه من الفتيان فأشاروا عليه أن يقول للأمة إن خنصري أغلظ من متن أبي فإذا كان أبي قد أدبكم بالسياط فأنا أؤدبكم بالعقارب فلما رجع إليه شيوخ بني إسرائيل في اليوم الثالث وأجابهم بما أشار به الأحداث خلعت بنو إسرائيل طاعته وملكوا عليهم يربعام ولم يبق على طاعة رحبعام إلا سبطا يهوذا وبنيامن واعتصم رحبعام بأورشليم وكل أمته لا تزيد على مائة وثمانين ألف محارب يعني رجالاً قادرين على حمل السلاح وانقسمت المملكة من يومئذ إلى مملكتين مملكة يهوذا وقاعدتها أورشليم، ومملكة إسرائيل ومقرها السامرة، وذلك سنة 975 قبل المسيح كما قدمناه عند الكلام على قوله تعالى: {أية : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابين}تفسير : [البقرة: 62] الآية ولا يخفى ما تكون عليه حالة أمة في هذا الانتقال فإن خصوم رحبعام لما سلبوا منه القوة المادية لم يغفلوا عما يعتضد به من القوة الأدبية وهي كونه ابن سليمان بن داود من بيت الملك والنبوءة والسمعة الحسنة فلم يأل أعداؤه جهدهم من إسقاط هاته القوة الأدبية وذلك بأن اجتمع مدبرو الأمر على أن يضعوا أكاذيب عن سليمان يبثونها في العامة ليقضوا بها وطرين أحدهما نسبة سليمان إلى السحر والكفر لتنقيص سمعة ابنه رحبعام كما صنع دعاة الدولة العباسية فيما وضعوه من الأخبار عن بني أمية والثاني تشجيع العامة الذين كانوا يستعظمون ملك سليمان وابنه على الخروج عن طاعة ابنه بأن سليمان ما تم له الملك إلا بتلك الأسحار والطلاسم وأنهم لما ظفروا بها فإنهم يستطيعون أن يؤسسوا ملكاً يماثل ملك سليمان كما صنع دعاة انقلاب الدول في تاريخ الإسلام من وضع أحاديث انتظار المهدي وكما يفعلونه من بث أخبار عن الصالحين تؤذن بقرب زوال الدولة. ولا يخفى ما تثيره هذه الأوهام في نفوس العامة من الجزم بنجاح السعي وجعلهم في مأمن من خيبة أعمالهم ولحاق التنكيل بهم فإذا قضى الوطر بذلك الخبر التصق أثره في الناس فيبقى ضر ضلاله بعد اجتناء ثماره. والاتباع في الأصل هوالمشي وراء الغير ويكون مجازاً في العمل بقول الغير وبرأيه وفي الاعتقاد باعتقاد الغير تقول اتبع مذهب مالك واتبع عقيدة الأشعري، والاتباع هنا مجاز لا محالة لوقوع مفعوله مما لا يصح اتباعه حقيقة. والتلاوة قراءة المكتوب والكتاب وعرض المحفوظ عن ظهر قلب وفعلها يتعدى بنفسه {أية : يتلون عليكم آيات}تفسير : [الزمر: 71] فتعديته بحرف الاستعلاء يدل على تضمنه معنى تكذب أي تتلو تلاوة كذب على ملك سليمان كما يقال تقوّل على فلان أي قال عليه ما لم يقله، وإنما فهم ذلك من حرف (على). والمراد بالملك هنا مدة الملك أو سبب الملك بقرينة أن التلاوة لا تتعلق بنفس الملك وحذف المضاف مع ما يدل على تعيين الوقت شائع في كلام العرب كقولهم وقع هذا في حياة رسول الله أو في خلافة عمر بن الخطاب وقول حميد بن ثور:شعر : وما هي إلا في إزار وعِلقة مُغارَ ابن همام على حي خثعما تفسير : يريد أزمان مغار ابن همام. وكذلك حذف المضاف إذا أريد به الحوادث أو الأسباب كما تقول تكلم فلان على خلافة عُمر أو هذا كتاب في مُلك العباسيين وذلك أن الاسم إذا اشتهر بصفة أو قصة صح إطلاقه وإرادة تلك الصفة أو القصة بحيث لو ظهرت لكانت مضافة إلى الاسم، قال النابغة:شعر : وليلٍ أقاسيه بطىء الكواكب تفسير : أراد متاعب ليل لأن الليل قد اشتهر عند أهل الغرام بأنه وقت الشوق والأرق. والشياطين قيل أريد بها شياطين الإنس أي المضللون وهو الظاهر. وقيل: أريدت شياطين الجن. وأل للجنس على الوجهين. وعندي أن المراد بالشياطين أهل الحيل والسحرة كما يقولون فلان من شياطين العَرب وقد عد من أولئك ناشب الأعور أحد رجال يوم الوقيط. وقوله: {تتلوا} جاء بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية على ما قاله الجماعة، أو هو مضارع على بابه على ما اخترناه من أن الشياطين هم أحبارهم فإنهم لم يزالوا يتلون ذلك فيكون المعنى أنهم اتبعوا اعتقدوا ما تلته الشياطين ولم تزل تتلوه. وسليمان هو النبي سليمان بن داود بن يسي من سبط يهوذا ولد سنة 1032 اثنتين وثلاثين وألف قبل المسيح وتوفي في أورشليم سنة 975 خمس وسبعين وتسعمائة قبل المسيح وولي ملك إسرائيل سنة 1014 أربع عشرة وألف قبل المسيح بعد وفاة أبيه داود النبي ملك إسرائيل، وعظم ملك بني إسرائيل في مدته وهو الذي أمر ببناء مسجد بيت المقدس وكان نبيئاً حكيماً شاعراً وجعل لمملكته أسطولاً بحرياً عظيماً كانت تمخر سفنه البحار إلى جهات قاصية مثل شرق إفريقيا. وقوله: {وما كفر سليمان} جملة معترضة أثار اعتراضها ما أشعر به قوله: {ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان} من معنى أنهم كذبوا على سليمان ونسبوه إلى الكفر فهي معترضة بين جملة {واتبعوا} وبين قوله: {وما أنزل على الملكين} إن كان {وما أنزل} معطوفاً على {ما تتلوا} وبين {اتبعوا} وبين {ولقد علموا لَمَن اشتراه} إلخ إن كان {وما أنزل} معطوفاً على السحر، ولك أن تجعله معطوفاً على {واتبعوا} إذا كان المراد من الشياطين أحبار اليهود لأن هذا الحكم حينئذ من جملة أحوال اليهود لأن مآله واتبعوا وكفروا وما كفر سليمان ولكنه قدم نفي كفر سليمان لأنه الأهم تعجيلاً بإثبات نزاهته وعصمته ولأن اعتقاد كفره كان سبب ضلال للذين اتبعوا ما كتبته الشياطين فلا شك أن حكم الأتباع وحكم المتبوعين واحد فكان خبراً عن اليهود كذلك. وقد كان اليهود يعتقدون كفر سليمان في كتبهم فقد جاء في سفر الملوك الأول أن سليمان في زمن شيخوخته أمالت نساؤه المصريات والصيدونيات والعمونيات قلبَه إلى آلهتهن مثل (عشتروت) إلٰه الصيدونيين (ومُولوك) إلٰه العمونيين (الفينيقيين) وبنى لهاته الآلهة هياكل فغضب الله عليه لأن قلبه مال عن إلٰه إسرائيل الذي أوصاه أن لا يتبع آلهة أخرى. وقوله: {يعلمون الناس السحر} حال من ضمير {كفروا} والمقصد منه تشنيع حال كفرهم إذ كان مصحوباً بتعليم السحر على حد قوله: كفرٌ دون كفر فهي حال مؤسسة. والسحر الشعوذة وهي تمويه الحيل بإخفائها تحت حركات وأحوال يظن الرائي أنها هي المؤثرة مع أن المؤثر خفي قال تعالى: {أية : ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون}تفسير : [الحجر: 14، 15] ولذلك أطلق السحر على الخديعة تقول: سحرت الصبي إذا عللته بشيء، قال لبيد:شعر : فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافيرُ من هذا الأنامِ المسحّر تفسير : ثم أطلق على ما علم ظاهره وخفي سببه وهو التمويه والتلبيس وتخييل غير الواقع واقعاً وترويج المحال، تقول العرب: عنز مسحورة إذا عظم ضرعها وقل لبنها وأرض مسحورة لا تنبت، قال أبو عطاء:شعر : فوالله ما أدري وإني لصادق أداء عراني من حبابك أم سحر تفسير : أي شيء لا يعرف سببه. والعرب تزعم أن الغيلان سحرة الجن لما تتشكل به من الأشكال وتعرضها للإنسان. والسحر من المعارف القديمة التي ظهرت في منبع المدنية الأولى أعني ببلاد المشرق فإنه ظهر في بلاد الكلدان والبابلين وفي مصر في عصر واحد وذلك في القرن الأربعين قبل المسيح مما يدل على أنها كانت في تينك الأمتين من تعاليم قوم نشأوا قبلهما فقد وجدت آثار مصرية سحرية في عصر العائلة الخامسة من الفراعنة والعائلة السادسة (3951 ـــ 3703) ق.م. وللعرب في السحر خيال واسع وهو أنهم يزعمون أن السحر يقلب الأعيان ويقلب القلوب ويطوع المسحور للساحر ولذلك كانوا يقولون إن الغول ساحرة الجن ولذلك تتشكل للرائي بأشكال مختلفة. وقالت قريش: لما رأوا معجزات رسول الله: إنه ساحر، قال الله تعالى: {أية : وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر}تفسير : [القمر: 2] وقال الله تعالى: {أية : ولوفتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون}تفسير : [الحجر: 14، 15]. وفي حديث البخاري عن عمران بن حصين أن القوم عطشوا في سفر مع رسول الله فطلبوا الماء فوجدوا امرأة على بعير لها مزاداتان من ماء فأتيا بها رسول الله فسقى رسول الله جميع الجيش ثم رد إليها مزادتيها كاملتين فقالت لقومها: فوالله إنه لأَسْحَرُ من بين هذه وهذه، تعني السماء والأرض. وفي الحديث: «حديث : إن من البيان لسحراً»تفسير : . ولم أر ما يدل على أن العرب كانوا يتعاطون السحر فإن السحر مستمد من خصائص الأمور الطبيعية والتركيب ولم يكن للعرب ضلاعة في الأمور اليدوية بل كانت ضلاعتهم فكرية محضة، وكان العرب يزعمون أن أعلم الناس بالسحر اليهود والصابئة وهم أهل بابل، ومساق الآية يدل على شهرة هؤلاء بالسحر عند العرب. وقد اعتقد المسلمون أن اليهود في يثرب سحروهم فلا يولد لهم فلذلك استبشروا لما ولد عبدالله بن الزبير وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة كما في «صحيح البخاري»، ولذلك لم يكثر ذِكْر السحر بين العرب المسلمين إلا بعد أن هاجروا إلى المدينة إذ قد كان فيها اليهود وكانوا يوهمون بأنهم يسحرون الناس. ويداوى من السحر العراف ودواء السحر السلوة وهي خرزات معروفة تحك في الماء ويشرب ماؤها. وورد في التوراة النهي عن السحر فهو معدود من خصال الشرك وقد وصفت التوراة به أهل الأصنام فقد جاء في سفر التثنية في الإصحاح 18 «إذا دخلتَ الأرض التي يعطيك الرب إلٰهُك لا تتعلمْ أن تفعل مثل رجس أولئك الأمم لا يوجد فيك من يَزج ابنَه أو ابنته في النار ولا مَن يَعْرُف عِرَافَة ولا عائف ولا متفائل ولا ساحر ولا من يَرقي رقية ولا من يسأل جانّاً أو تابعة ولا من يستشير الموتى لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب». وفي سفر اللاويين الإصحاح 20 «(6) والنفس التي تلتفت إلى الجان وإلى التوابع لتزني وراءهم أَجْعل وجهي ضد تلك النفس وأَقطعُها من شعبها (27) وإذا كان في رجل أو امرأة جانٌّ أو تابعة فإنه يُقتل بالحجارة يرجمونه دمُه عليه». وكانوا يجعلونه أصلاً دينياً لمخاطبة أرواح الموتى وتسخير الشياطين وشفاء الأمراض وقد استفحل أمره في بلد الكلدان وخلطوه بعلوم النجوم وعلم الطب. وأرجع المصريون المعارف السحرية إلى جملة العلوم الرياضية التي أفاضها عليهم «طوط» الذي يزعمون أنه إدريس وهو هرمس عند اليونان. وقد استخدم الكلدان والمصريون فيه أسراراً من العلوم الطبيعية والفلسفية والروحية قصداً لإخراج الأشياء في أبهر مظاهرها حتى تكون فاتنة أو خادعة وظاهرة، كخوارق عادات، إلا أنه شاع عند عامتهم وبَعُدَ ضَلالهم عن المقصد العلمي منه فصار عبارة عن التمويه والتضليل وإخراج الباطل في صورة الحق، أو القبيح في صورة حسنة أو المضر في صورة النافع. وقد صار عند الكلدان والمصريين خاصية في يد الكهنة وهم يومئذ أهل العلم من القوم الذين يجمعون في ذواتهم الرئاسة الدينية والعلمية فاتخذوا قواعد العلوم الرياضية والفلسفية والأخلاقية لتسخير العامة إليهم وإخضاعهم بما يظهرونه من المقدرة على علاج الأمراض والاطلاع على الضمائر بواسطة الفراسة والتأثير بالعين وبالمكائد. وقد نقلته الأمم عن هاتين الأمتين وأكثر ما نقلوه عن الكلدانيين فاقتبسه منهم السريان (الأشوريون) واليهود والعرب وسائر الأمم المتدينة والفرس واليونان والرومان. وأصول السحر ثلاثة: الأول: زجر النفوس بمقدمات توهيمية وإرهابية بما يعتاده الساحر من التأثير النفساني في نفسه ومن الضعف في نفس المسحور ومن سوابقَ شاهدَها المسحور واعتقدها فإذا توجه إليه الساحر سُخر له وإلى هذا الأصل الإشارة بقوله تعالى في ذكر سحرة فرعون {أية : سَحَرُوا أَعْيُنَ الناسِ واسْتَرْهَبُوهُمْ}تفسير : [الأعراف: 116]. الثاني: استخدام مؤثرات من خصائص الأجسام من الحيوان والمعدن وهذا يرجع إلى خصائص طبيعية كخاصية الزئبق ومن ذلك العقاقير المؤثرة في العقول صلاحاً أو فساداً والمفترة للعزائم والمخدرات والمرقدات على تفاوت تأثيرها، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى في سحرة فرعون: {أية : إنَّ ما صنعوا كيدُ ساحر}تفسير : [طه: 69]. الثالث: الشعوذة واستخدام خفايا الحركة والسرعة والتموج حتى يخيل الجماد متحركاً وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : يُخَيَّل إليه من سحرهم أنها تسعى}تفسير : [طه: 66]. هذه أصول السحر بالاستقراء وقد قسمها الفخر في «التفسير» إلى ثمانية أقسام لا تَعْدُو هذه الأصول الثلاثة وفي بعضها تداخل. ولعلماء الأفرنج تقسيم آخر ليس فيه كبير جدوى. وهذه الأصول الثلاثة كلها أعمال مباشرة للمسحور ومتصلة به ولها تأثير عليه بمقدار قابلية نفسه الضعيفة وهو لا يتفطن لها، ومجموعها هو الذي أشارت إليه الآية، وهو الذي لا خلاف في إثباته على الجملة دون تفصيل، وما عداها من الأوهام والمزاعم هو شيء لا أثر له وذلك كل عمل لا مباشرة له بذات من يراد سحره ويكون غائباً عنه فيدعي أنه يؤثر فيه، وهذا مثل رسم أشكال يعبر عنها بالطلاسم، أو عقد خيوط والنفث عليها برقيات معينة تتضمن الاستنجاد بالكواكب أو بأسماء الشياطين والجن وآلهة الأقدمين، وكذا كتابة اسم المسحور في أشكال، أو وضع صورته أو بعض ثيابه وعلائقه وتوجيه كلام إليها بزعم أنه يؤثر ذلك في حقيقة ذات المسحور، أو يستعملون إشارات خاصة نحو جهته أونحو بلده وهوما يسمونه بالأرصاد وذكر أبو بكر ابن العربي في «القبس» أن قريشاً لما أشار النبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه في التشهد قالوا: هذا محمد يسحر الناس، أو جمع أجزاء معينة وضم بعضها إلى بعض مع نية أن ذلك الرسم أو الجمع لتأثير شخص معين بضر أو خير أو محبة أو بغضة أو مرض أو سلامة، ولا سيما إذا قرن باسم المسحور وصورته أو بطالع ميلاده، فذلك كله من التوهمات وليس على تأثيرها دليل من العقل ولامن الطبع ولا ما يثبته من الشرع، وقد انحصرت أدلة إثبات الحقائق في هذه الأدلة، ومن العجائب أن الفخر في «التفسير» حاول إثباته بما ليس بمقنع. وقد تمسك جماعة لإثبات تأثير هذا النوع من السحر بما روي في «الصحيحين» ــــ عن قول عائشة أن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم ــــ ورؤيا النبي صلى الله عليه وسلم أن ملكين أخبراه بذلك السحر، وفي النسائي عن زيد بن أرقم مثله مختصراً، وينبغي التثبت في عباراته ثم في تأويله، ولا شك أن لبيداً حاول أن يسحر النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان اليهود سحرة في المدينة وأن الله أطلع رسوله على ما فعله لبيد لتكون معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم ــــ في إبطال سحر لبيد وليعلم اليهود أنه نبي لا تلحقه أضرارهم وكما لم يؤثر سحر السحرة على موسى كذلك لم يؤثر سحر لبيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما عرض للنبي صلى الله عليه وسلم عارض جسدي شفاه الله منه فصادف أن كان مقارناً لما عمله لبيد بن الأعصم من محاولة سحره وكانت رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم إنباء من الله له بما صنع لبيد، والعبارة عن صورة تلك الرؤيا كانت مجملة فإن الرأي رموز ولم يرد في الخبر تعبير ما اشتملت عليه فلا تكون أصلاً لتفصيل القصة. ثم إن لتأثير هاته الأسباب أو الأصول الثلاثة شروطاً وأحوالاً بعضها في ذات الساحر وبعضها في ذات المسحور، فيلزم في الساحر أن يكون مفرط الذكاء منقطعاً لتجديد المحاولات السحرية جسوراً قوى الإرادة كتوماً للسر قليل الاضطراب للحوادث سالم البنية مرتاض الفكر خفي الكيد والحيلة، ولذلك كان غالب السحرة رجالاً ولكن كان الحبشة يجعلون السواحر نساء وكذلك كان الغالب في الفرس والعرب قال تعالى: {أية : ومن شر النفاثات في العقد}تفسير : [الفلق: 4] فجاء بجمع الإناث وكانت الجاهلية تقول إن الغيلان عجائز من الجن ساحرات فلذلك تستطيع التشكل بأشكال مختلفة، وكان معلمو السحر يمتحنون صلاحية تلامذتهم لهذا العلم بتعريضهم للمخاوف وأمرهم بارتكاب المشاق تجربة لمقدار عزائمهم وطاعتهم. وأما ما يلزم في المسحور فخور العقل، وضعف العزيمة، ولطاقة البنية، وجهالة العقل، ولذلك كان أكثر الناس قابلية له النساء والصبيان والعامة ومن يتعجب في كل شيء. ولذلك كان من أصول السحر إلقاء أقوال كاذبة على المسحور لاختبار مقدار عقله في التصديق بالأشياء الواهية والثقة بالساحر، قال تعالى: {أية : ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إنْ هذا إلا سحر مبين}تفسير : [هود: 7] فجعلوا ذلك القول الغريب سحراً. ثم تحف بالسحر أعمال، القصد منها التمويه وهذه الأعمال أنواع: نوع: الغرض منه تقوية اعتقاد الساحر في نجاح عمله لتقوى عزيمته فيشتد تأثيره على النفوس وهذا مثل تلقين معلمي هذا الفن تلامذتهم عبادة كواكب ومناجاتها لاستخدام أرواحها والاستنجاد بتلك الأرواح على استخدام الجن والقوى المتعاصية ليعتقد المتعلم أن ذلك سبب نجاح عمله فيقدم عليه بعزم، وفي ذلك تأثير نفساني عجيب ولذلك يسمون تلك الأقوال والمناجاة عزائم ـــ جمع عزيمة ـــ ويقولون فلان يعزِّم إذا كان يسحر، ثم هو إذا استكمل المعرفة قد يتفطن لقلة جدوى تلك العزائم وقد لا يتفطن وعلى كلتا الحالتين فمعلموه لا يتعرضون له في نهاية التعليم بالتنبيه على فساد ذلك لئلا يدخلوا عليه الشكوك في مقدرته، فلذلك بقيت تلك الأوهام يتلقاها الأخلاف عن أسلافهم، ومن هذا النوع ضروب هي في الأصل تجارب لمقدار طاعة المتعلم لمعلمه بقيت متلقاة عندهم عن غير بصيرة مثل ارتكاب الخبائث وإهانة الصالحات والأمور المقدسةِ إيهاماً بأنها تُبلِّغ إلى مرضاة الشياطين وتسخيرها، وذلك في الواقع اختبار لمقدار خضوع المتعلم، لأن أكبر شيء على النفس نبذ أعز الأشياء وهو الدين، ولأن السحرة ليسوا من المليين فهم يبلغون بمريديهم إلى مبالغهم السافلة، وقد سمعنا أن كثيراً ممن يتعاطون السحر في المسلمين يزعمون أنهم لا يتأتى لهم نجاح إلا بعد أن يلطخوا أيديهم بالنجاسات أونحو من هذا الضلال. ونوع: الغرض منه إخفاء الأسباب الحقيقية لتمويهاتهم حتى لا يطلعَ الناس على كنهها، فيستندون في تعليل أعمالهم إلى أسباب كاذبة كندائهم بأسماء سموها لا مسميات لها ووضعهم أشكالاً على الورق أو في الجدران يزعمون أن لها خصائص التأثير، واستنادهم لطوالع كواكب في أوقات معينة لا سيما القمر، ومن هذا تظاهرهم للناس بمظهر الزهد والهمة. ونوع: يستعان به على نفوذ السحر وهو التجسس والتطلع على خفايا الأشياء وأسرار الناس بواسطة السعي بالنميمة وإلقاء العداوات بين الأقارب والأصحاب والأزواج حتى يُفْشِيَ كل منهم سر الآخر فيتخذ الساحر تلك الأسرار وسيلة يُلقى بها الرعب في قلوب أصحابها بإظهار أنه يعلم الغيب والضمائرَ، ثم هو يأمر أولئك الذين أرهبهم ويستخدمهم بما يشاء فيطيعونه فيأمر المرأة بمغاضبة زوجها وطلب فراقه ويأمر الزوج بطلاق زوجته وهكذا، وفي هذا القسم تظهر مقدرة الساحر الفكرية وبه تكثر أضراره وأخطاره على الناس وجرأته على ارتكاب المرعبات والمطوِّعات باستئصال الأموال بالسرقة يسرقها من لا يتهمه المسروق، ومنه أنه يفعل ذلك من خاصته وأبنائه وزوجه الذين يستهويهم السحرة ويسخرونهم للإخلاص لهم، وينتهي فعل السحرة في هذا إلى حد إزهاق النفوس التي يشعرون بأنها تفطنت لخديعتهم أو التي تعاصت عن امتثال أوامرهم يُغرون بها من هي آمن الناس منه، ثم استطلاع ضمائر الناس بتقريرات خفية وأسئلة تدريجية يوهمه بها أنه يسأله عنها ليعلمه بمستقبله. ونوع: يُجعل اختباراً لمقدار مراتب أذهان الناس في قابلية سحره وذلك بوضع أشياء في الأطعمة خيفة الظهور ليرى هل يتفطن لها من وضَعها، وبإبراز خيالات أو أشباح يوهم بها الناظر أنها جن أو شياطين أو أرواح، وماهي إلا أشكال مموهة أو أعوان من أعوانه متنكرة، لينظر هل يقتنع رائِيها بما أخبره الساحر عنها أم يتطلب كشف حقيقتها أو استقصاء أثرها. فكان السحر قرين خباثة نفس، وفسادِ دين، وشرِّ عمل، وإرعابٍ وتهويلٍ على الناس، من أجل ذلك ما فتئت الأديان الحقة تحذر الناس منه وتعد الاشتغال به مروقاً عن طاعة الله تعالى لأنه مبني على اعتقاد تأثير الآلهة والجِن المنسوبين إلى الآلهة في عقائد الأقدمين، وقد حذر موسى قومه من السحرِ وأهله ففي سفر التثنية الإصحاح 18 أن مما خاطب به موسى عليه السلام قومه: «متى دخلتَ الأرضَ التي يعطيك الربُ إلٰهك لا تتعلم أن تفعل مثل رجس أولئك الأمم لا يوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته في النار ولا من يَعْرُف عِرَافة ولا عائفٌ ولا متفائلٌ ولا ساحرٌ ولا من يَرقى رُقية ولا من يسأل جاناً أو تابعة ولا من يستثير الموتى». وجعلت التوراة جزاء السحرة القتل ففي سفر اللاويين الإصحاحين 20 ــــ 27 «وإذا كان في رجل أو امرأة جان أو تابعة فإنه يقتل». وذكروا عن مالك أنه قال: الأسماء التي يكتبها السحرة في التمائم أسماء أصنام. وقد حذر الإسلام من عمل السحر وذمه في مواضع وليس ذلك بمقتضى إثبات حقيقة وجودية للسحر على الإطلاق ولكنه تحذير من فساد العقائد وخلع قيود الديانة ومن سخيف الأخلاق. وقد اختلف علماء الإسلام في إثبات حقيقة السحر وإنكارها وهو اختلاف في الأحوال فيما أراه فكل فريق نظر إلى صنف من أصناف ما يُدعَى بالسحر. وحكى عياض في «إكمال المعلم» أن جمهور أهل السنة ذهبوا إلى إثبات حقيقته. قلت وليس في كلامهم وصف كيفية السحر الذي أثبتوا حقيقته فإنما أثبتوه على الجملة. وذهب عامة المعتزلة إلى أن السحر لا حقيقة له وإنما هو تمويه وتخييل وأنه ضرب من الخفة والشعوذة ووافقهم على ذلك بعض أهل السنة كما اقتضته حكاية عياض في «الإكمال»، قلت وممن سُمِّي منهم أبو إسحاق الاسترابادي من الشافعية. والمسألة بحذافرها من مسائل الفروع الفقهية تدخل في عقاب المرتدين والقاتلين والمتحيلين على الأموال، ولا تدخل في أصول الدين. وهو وإن أنكره الملاحدة لا يقتضى أن يكون إنكاره إلحاداً. وهذه الآية غير صريحة. وأما الحديث فقد علمتَه آنفاً. وشدد الفقهاء العقوبة في تعاطيه. قال مالك: يقتل الساحر ولا يستتاب إن كان مسلماً وإن كان ذمياً لا يقتل بل يؤدب إلا إذا أدخل بسحره أضراراً على مسلم فإنه يقتل لأنه يكون ناقضاً للعهد لأن من جملة العهد أن لا يتعرضوا للمسلمين بالأذى قال الباجي في «المنتقي» رأى مالك أن السحر كفر وشرك ودليلٌ عليه وأنه لما كان يستتر صاحبه بفعله فهو كالزندقة لأجل إظهار الإسلام وإبطان الكفر ولذلك قال ابن عبد الحكم وابن المواز وأصبغ هو كالزنديق إن أسر السحر لا يستتاب وإن أظهره استتيب وهو تفسير لقول مالك لا خلافٌ له قال الباجي فلا يقتل حتى يثبت أن ما يفعله من السحر هو الذي وصفه الله بأنه كفر قال أصبغ يَكشف ذلك من يعرف حقيقته ويثبت ذلك عند الإمام. وفي «الكافي» لابن عبد البر إذا عمل السحر لأجل القتل وقتَل به قُتل وإن لم يكن كفراً، وقد أدخل مالك في «الموطأ» السحر في باب الغيلة، فقال ابن العربي في «القبس» وجه ذلك أن المسحور لا يَعلم بعمل السحر حتى يقع فيه، قلت لا شك أن السحر الذي جُعل جزاؤه القتل هو ما كان كفراً صريحاً مع الاستتار به أو حصل به إهلاك النفوس وذلك أن الساحر كان يَعِد من يأتيه للسحر بأن فلاناً يموت الليلة أو غداً أو يصيبه جنون ثم يتحيل في إيصال سموم خفية من العقاقير إلى المسحور تُلقى له في الطعام بواسطة أناس من أهل المسحور فيصبح المسحور ميتاً أو مختل العقل فهذا هو مراد مالك بأن جزاءه القتل أي إن قتل ولذلك قال: لا تقبل توبته وبدون هذا التأويل لا يصح فقه هذه المسألة، فقول مالك في السحر ليس استناداً لدليل معين في خصوص السحر ولكنه من باب تحقيق المناط بتطبيق قواعد التعزير والإضرار، ولبعض فقهاء المذهب في حكاية هذه المسألة إطلاقات عجيب صدورها من أمثالهم، على أن السحر أكثر ما يتطلب لأجل تسخير المحبين محبوبيهم فهو وسيلة في الغالب للزنا أو للانتقام من المحبوب أو الزوج. سئل مالك عمن يعقد الرجال عن النساء وعن الجارية تطعم رجلاً شيئاً فيذهب عقله فقال: لا يقتلان فأما الذي يعقد فيؤدب وأما الجارية فقد أتت أمراً عظيماً قيل أفتقتل فقال: لا قال ابن رشد في «البيان» رأى أن فعلها ليس من السحر اهـ. وقال أبو حنيفة: يقتل الرجل الساحر ولا يستتاب وأما المرأة فتحبس حتى تتركه فجعل حكمه حكم المرتد ووجَّه أبو يوسف بأنه جمع مع كفره السعي في الأرض بالفساد. وعن الشيخ أبي منصور أن القول بأن السحر كفر على الإطلاق خطأ بل يجب البحث عن حقيقته فإن كان في ذلك رد ما لزم من شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا، وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قُطاع الطريق ويستوي فيه الذكور والإناث وتقبل توبته إذا تاب ومن قال: لا تقبل فقد خلط فإن سحرة فرعون قبلت توبتهم اهـ. وهذا استدلال بشرع من قبلنا. وقال الشافعي يُسأل الساحر عن سحره فإن ظهر منه ما هو كفر فهو كالمرتد يستتاب فإن أصر قتل وإن ظهر منه تجويز تغيير الأشكال لأسباب قراءة تلك الأساطير أو تدخين الأدوية وعَلِم أنه يفعل محرماً فحكمه حكم الجناية فإن اعترف بسحر إنسان وأنَّ سحره يقتل غالباً قُتل قوداً (يعني إذا ثبت أنه مات بسببه) وإن قال: إن سحْري قد يقتل وقد لا يقتل فهو شِبه عمد، وإن كان سِحره لغير القتل فمات منه فهو قتل خطأ تجب الدية فيه مخففة في ماله. ويجب أن يستخلص من اختلافهم ومن متفرق أقوالهم ما يكون فيه بصيرة لإجراء أعمال ما يسمى بالسحر وصاحبُه بالساحر مُجْرَى جنايات أمثاله ومقدار ما أثره من الاعتداء دون مبالغة ولا أوهام، وقد يطلق اسم الساحر اليوم على اللاعب بالشعوذة في الأسمار وذلك من أصناف اللهو فلا ينبغي عد ذلك جناية. يتعين أن (مَا) موصولة وهو معطوف على قوله: {مُلْكِ سليمان} أي وما تتلوا الشياطين عَلى ما أنزل على المَلكين، والمراد بما أنزل ضرب من السحر لكنه سحر يشتمل على كفر عظيم وتعلم الخضوع لغير الله مع الاستخفاف بالدين ومع الإضرار بالناس كما بيناه آنفاً فيكون عطفاً على {ما تتلوا} الذي هو صادق على السحر فعُطف (ما أنزل) عليه لأنه نوع منه أشد مما تتلوه الشياطين الذين كانوا يعلِّمونه الناس مع السحر الموضوع منهم، فالعطف لتغاير الاعتبار أو للتنبيه على أن أصل السحر مقتبس مما ظهر ببابل في زمن هذين المعلِّمَيْن وعطف شيء على نفسه باعتبار تغاير المفهوم والاعتبار وارد في كلامهم كقول الشاعر: (وهو من شواهد النحو):شعر : إلى المَلك القَرْم وابنِ الهُمَا م ولَيثِ الكتيبة في المُزْدَحَم تفسير : وقيل: أريد من السحر أخَفُّ مما وضعته الشياطين على عهد سليمان لأن غاية ما وصف به هذا الذي ظهر ببابل في زمن هذين المعلمين أنه يُفرق بين المرء وزوجه وذلك ليس بكفر وفيه ضعف. والقراءة المتواترة (المَلكين) بفتح لام الملكين وقرأه ابن عباس والضحاك والحَسن وابن أَبْزَى بكسر اللام. وكل هاته الوجوه تقتضي ثبوت نزول شيء على الملكين ببابل وذلك هو الذي يعنيه سياق الآية إذا فَصَّلت كيفية تعليم هذين المعلمين عِلم السحر. فالوجه أن قوله: {وما أنزل} عطف على {مُلك سليمان} فهو معمول لتتلوا الذي هو بمعنى تكذب فيكون المراد عدم صحة هذا الخبر أي ما تكذبه الشياطين على ما أنزل على المَلكين ببابل، أي ينسبون بعض السحر إلى ما أنزل ببابل. قال الفخر وهو اختيار أبي مسلم وأنكر أبو مسلم أن يكون السحر نازلاً على المَلَكين إذ لا يجوز أمر الله به وكيف يتولى الملائكة تعليمه مع أنه كفر أو فسق. وقيل: (ما) نافية معطوفة على (ما كفر سليمان) أي وما كفر سليمان بوضع السحر كما يزعم الذين وضعوه، ولا أنزل السحر على المَلكين ببابل. وتعريف الملكين تعريف الجنس أوهو تعريف العهد بأن يكون الملكان معهودين لدى العارفين بقصة ظهور السحر، وقد قيل إن (هاروت وماروت) بدل من (الشياطين) وإن المراد بالشياطين شيطانان وضعا السحر للناس هما هاروت وماروت، على أنه من إطلاق الجمع على المثنى كقوله: {أية : قلوبكما}تفسير : [التحريم: 4] وهذا تأويل خطأ إذ يصير قوله: {على الملكين} كلاماً حشواً. وعلى ظاهر هذه الآية إشكال من أربعة وجوه: أحدها كون السحر مُنْزَلاً إن حمل الإنزال على المعروف منه وهو الإنزال من الله، الثاني كون المباشر لذلك ملكين من الملائكة على القراءة المتواترة، الثالث كيف يَجْمَع المَلكان بين قولهما {نحن فتنة} وقولهما {فلا تكفر} فكيف يجتمع قصد الفتنة مع التحذير من الوقوع فيها الرابع كيف حصرا حالهما في الاتصاف بأنهما فتنة فما هي الحكمة في تصديهما لذلك لأنهما إن كانا ملَكين فالإشكال ظاهر وإن كانا ملِكين بكسر اللام فهما قد علما مضرة الكفر بدليل نهيهما عنه وعلِما معنى الفتنة بدليل قولهما {إنما نحن فتنة} فلماذا تورطا في هذه الحالة؟ ودفع هذا الإشكال برمته أن الإنزال هو الإيصال وهو إذا تعدى بعلى دل على إيصال من علو واشتهر ذلك في إيصال العلم من وحي أو إلهام أونحوهما، فالإنزال هنا بمعنى الإلهام وبمعنى الإيداع في العقل أو في الخلقة بأن يكون الملكان قد برعا في هذا السحر وابتكرا منه أساليب لم يسبق لهما تلقيها من معلم شأن العلامة المتصرف في علمه المبتكر لوجوه المسائل وعللها وتصاريفها وفروعها. والظاهر عندي أن ليس المراد بالإنزال إنزال السحر إذ السحر أمر موجود من قبل ولكنه إنزال الأمرِ للملَكين أو إنزال الوحي أو الإلهام للملِكين بأن يتصديا لبث خفايا السحر بين المتعلمين ليبطل انفراد شرمذة بعلمه فيندفع الوجهان الأول والثاني. ثم إن الحكمة من تعميم تعليمه أن السحرة في بابل كانوا اتخذوا السحر وسيلة لتسخير العامة لهم في أبدانهم وعقولهم وأموالهم ثم تطلعوا منه إلى تأسيس عبادة الأصنام والكواكب وزعموا أنهم ــــ أي السحرة ــــ مترجمون عنهم وناطقون بإرادة الآلهة فحدث فساد عظيم وعمت الضلالة فأراد الله على معتاد حكمته إنقاذ الخلق من ذلك فأرسل أو أوحى أو ألْهم هاروت وماروت أن يكشفا دقائق هذا الفن للناس حتى يشترك الناس كلهم في ذلك فيعلموا أن السحرة ليسوا على ذلك ويرجع الناس إلى صلاح الحال فاندفع الوجه الثالث. وأما الوجه الرابع فستعرف دفعه عند تفسير قوله: {وما يعلمان من أحد} الآية. وفي قراءة ابن عباس والحسن (الملِكين) بكسر اللام وهي قراءة صحيحة المعنى فمعنى ذلك أن ملكين كانا يملكان ببابل قد علما علم السحر، وعلى قراءة فتح اللام فالأظهر في تأويله أنه استعارة وأنهما رجلان صالحان كان حكما مدينة بابل وكانا قد اطلعا على أسرار السحر التي كانت تأتيها السحرة ببابل أو هما وضعا أصله ولم يكن فيه كفر فأدخل عليه الناس الكفر بعد ذلك. وقيل هما ملكان أنزلهما الله تعالى تشكلاً للناس يعلمانهم السحر لكشف أسرار السحرة لأن السحرة كانوا يزعمون أنهم آلهة أو رسل فكانوا يسخرون العامة لهم فأراد الله تكذيبهم ذباً عن مقام النبوءة فأنزل ملكين لذلك. وقد أجيب بأن تعلم السحر في زمن هاروت وماروت جائز على جهة الابتلاء من الله لخلقه فالطائع لا يتعلمه والعاصي يبادر إليه وهو فاسد لمنافاته عموم قوله: {يعلمون الناس} قالوا: كما امتحن الله قوم طالوت بالنهر إلخ ولا يخفى فساد التنظير. وبابل بلد قديم من مدن العالم وأصل الاسم باللغة الكلدانية باب إيلو أي باب الله ويرادفه بالعبرانية باب إيل وهو بلد كائن على ضفتي الفرات بحيث يخترقه الفرات يقرب موضعه من موقع بلد الحلة الآن على بعد أميال من ملتقى الفرات والدجلة. كانت من أعظم مدن العالم القديم بناها أولاً أبناء نوح بعد الطوفان فيما يقال ثم توالى عليها اعتناء أصحاب الحضارة بمواطن العراق في زمن الملك النمروذ في الجيل الثالث من أبناء نوح ولكن ابتداء عظمة بابل كان في حدود سنة 3755 ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وخمسين قبل المسيح فكانت إحدى عواصم أربعة لمملكة الكلدانيين وهي أعظمها وأشهرها ولم تزل همم ملوك الدولتين الكلدانية والأشورية منصرفة إلى تعمير هذا البلد وتنميقه فكان بلد العجائب من الأبنية والبساتين ومنبع المعارف الأسيوية والعجائب السحرية وقد نسبوا إليها قديماً الخمر المعتقة والسحر قال أبو الطيب:شعر : سقى الله أيام الصِّبا ما يسرها ويفعل فعل البابلي المعتَّق تفسير : ولاشتهار بابل عند الأمم القديمة بمعارف السحر كما قدمنا في تعريف السحر صح جعل صلة الموصول قوله:{أنزل على الملكين ببابل} إشارة إلى قصة يعلمونها. و(هاروت وماروت) بدل من (الملكين) وهما اسمان كلدانيان دخلهما تغيير التعريف لإجرائهما على خفة الأوزان العربية، والظاهر أن هاروت معرب (هاروكا) وهو اسم القمر عند الكلدانيين وأن ماروت معرب (ما روداخ) وهو اسم المشتري عندهم وكانوا يعدون الكواكب السيارة من المعبودات المقدسة التي هي دون الآلهة لا سيما القمر فإنه أشد الكواكب تأثيراً عندهم في هذا العالم وهو رمز الأنثى، وكذلك المشتري فهو أشرف الكواكب السبعة عندهم ولعله كان رمز الذكر عندهم كما كان بعل عند الكنعانيين الفنيقيين. ومن المعلوم أن إسناد هذا التقديس للكواكب ناشىء عن اعتقادهم أنهم كانوا من الصالحين المقدسين وأنهم بعد موتهم رفعوا للسماء في صورة الكواكب فيكون (هاروكا) و(ماروداخ) قد كانا من قدماء علمائهم وصالحيهم والحاكمين في البلاد وهما اللذان وضعا السحر ولعل هذا وجه التعبير عنهما في القصة بالملكين بفتح اللام. ولأهل القصص هنا قصة خرافية من موضوعات اليهود في خرافاتهم الحديثة اعتاد بعض المفسرين ذكرها منهم ابن عطية والبيضاوي وأشار المحققون مثل البيضاوي والفخر وابن كثير والقرطبي وابن عرفة إلى كذبها وأنها من مرويات كعب الأحبار وقد وهم فيها بعض المتساهلين في الحديث فنسبوا روايتها عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن بعض الصحابة بأسانيد واهية والعجب للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كيف أخرجها مسندة للنبي صلى الله عليه وسلم ولعلها مدسوسة على الإمام أحمد أو أنه غرَّه فيها ظاهر حال رواتها مع أن فيهم موسى بن جبير وهو متكلم فيه واعتذر عبد الحكيم بأن الرواية صحيحة إلا أن المروي راجع إلى أخبار اليهود فهو باطل في نفسه ورواته صادقون فيما رووا وهذا عذر قبيح لأن الرواية أسندت إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عرفة في «تفسيره» وقدكان الشيوخ يخطئون ابن عطية في هذا الموضع لأجل ذكره القصة ونقل بعضهم عن القرافي أن مالكاً رحمه الله أنكر ذلك في حق هاروت وماروت. وقوله: {ويما يعلمان من أحد} جملة حالية من «هاروت وماروت» و(ما) نافية والتعبير بالمضارع لحكاية الحال إشارة إلى أن قولهما لمتعلمي السحر {إنما نحن فتنة} قول مقارن لوقت التعليم لا متأخر عنه. وقد علم من هذا أنهما كانا معلمين وطوى ذلك للاستغناء عنه بمضمون هاته الجملة فهو من إيجاز الحذف أو هو من لحن الخطاب مفهوم للغاية. وقوله: {إنما نحن فتنة} الفتنة لفظ يجمع معنى مرج واضطراب أحوال أحد وتشتت باله بالخوف والخطر على الأنفس والأموال على غير عدل ولا نظام وقد تخصص وتعمم بحسب ما تضاف إليه أو بحسب المقام يقال فتنة المال وفتنة الدين. ولما كانت هذه الحالة يختلف ثبات الناس فيها بحسب اختلاف رجاحة عقولهم وصبرهم ومقدرتهم على حسن المخارج منها كان من لوازمها الابتلاء والاختبار فكان ذلك من المعاني التي يكنى بالفتنة عنهاكثيراً ولذلك تسامح بعض علماء اللغة ففسر الفتنة بالابتلاء وجرأه على ذلك قول الناس فتنت الذهب أو الفضة إذا أذابهما بالنار لتمييز الردىء من الجيد وهذا الإطلاق إن لم يكن مولداً فإن معنى الاختبار غير منظور إليه في لفظ الفتنة وإنما المنظور إليه ما في الإذابة من الاضطراب والمرج وقد سمى القرآن هاروت وماروت فتنة وقال: {أية : إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات}تفسير : [البروج: 10] وقال: {أية : لا يفتننكم الشيطان}تفسير : [الأعراف: 27]. والإخبار عن أنفسهم بأنهم فتنة إخبار بالمصدر للمبالغة وقد أكّدت المبالغة بالحصر الإضافي والمقصد من ذلك أنهما كانا يصرحان أن ليس في علمهما شيء من الخير الإلٰهي وأنه فتنة محضة ابتلاء من الله لعباده في مقدار تمسكهم بدينهم وإنما كانا فتنة لأن كل من تعلم منهما عمل به. فلا تكفر كما كفر السحرة حين نسبوا التأثيرات للآلهة وقد علمت سرها. وفي هذا ما يضعف أن يكون المقصد من تعليمهما الناس السحر إظهار كذب السحرة الذين نسبوا أنفسهم للألوهية أو النبوءة. والذي يظهر في تفسير هذه الجملة أن قولهما: {إنما نحن فتنة} قصر ادعائي للمبالغة فجعلا كثرة افتتان الناس بالسحر الذي تصديا لتعليمه بمنزلة انحصار أوصافهما في الفتنة ووجه ابتدائهما لمن يعلمانه بهذه الجملة أن يبينا له أن هذا العلم في مبادئه يظهر كأنه فتنة وشر فيوشك أن يكفر متعلمه عند مفاجأة تلك التعاليم إياه إذا كانت نفسه قد توطنت على اعتقاد أن ظهور خوارق العادات علامة على ألوهية من يظهرها، وقولهما: {فلا تكفر} أي لا تعجل باعتقاد ذلك فينا فإنك إذا توغلت في معارف السحر علمت أنها معلولة لعلل من خصائص النفوس أو خصائص الأشياء فالفتنة تحصل لمن يتعلم السحر حين يرى ظواهره وعجائبه على أيدي السحرة ولمن كان في مبدأ التعليم فإذا تحقق في علمه اندفعت الفتنة فذلك معنى قولهما {فلا تكفر} فالكفر هو الفتنة وقولهما {فلا تكفر} بمنزلة فلا تفتتن وقد اندفع الإشكال الرابع المتقدم. تفريع عما دل عليه قوله: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا} المقتضي أن التعليم حاصل فيتعلمون، والضمير في {فيتعلمون} راجع لأحد، الواقع في حيز النفي مدخولاً لمن الاستغراقية في قوله تعالى: {وما يعلمان من أحد} فإنه بمعنى كل أحد فصار مدلوله جمعاً. قوله: {ما يفرقون به بين المرء وزوجه} إشارة إلى جزئي من جزئيات السحر وهو أقصى تأثيراته إذ فيه التفرقة بين طرفي آصرة متينة إذ هي آصرة مودة ورحمة قال تعالى: {أية : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة}تفسير : [الروم: 21] فإن المودة وحدها آصرة عظيمة وهي آصرة الصداقة والأخوة وتفاريعهما، والرحمة وحدها آصرة منها الأبوة والبنوة، فما ظنكم بآصرة جمعت الأمرين وكانت بجعل الله تعالى وما هو بجعل الله فهو في أقصى درجات الإتقان وقد كان يشير إلى هذا المعنى شيخنا الجليل سالم أبو حاجب في قوله تعالى: {وجعل بينكم مودة ورحمة}. وهذا التفريق يكون إما باستعمال مفسدات لعقل أحد الزوجين حتى يبغض زوجه وإما بإلقاء الحيل والتمويهات والنميمة حتى يفرق بينهما. وقوله: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} جملة معترضة. وضمير {هم} عائد إلى (أحد) من قوله: {وما يعلمان من أحد} لوقوعه في سياق النفي فيعم كل أحد من المتعلمين أي وما المتعلمون بضارين بالسحر أحداً. وهذا تنبيه على أن السحر لا تأثير له بذاته وإنما يختلف تأثير حيله باختلاف قابلية المسحور، وتلك القابلية متفاوتة ولها أحوال كثيرة أجملتها الآية بالاستثناء منقوله: {إلا بإذن الله} أي يجعل الله أسباب القابلية لأثر السحر في بعض النفوس فهذا إجمال حسن مناسب لحال المسلمين الموجه إليهم الكلام لأنهم تخلقوا بتعظيم الله تعالى وقدرته وليس المقام مقام تفصيل الأسباب والمؤثرات ولكن المقصود إبطال أن تكون للسحر حالة ذاتة وقواعد غير مموهة، فالباء في قوله: {بإذن الله} للملابسة. وأصل الإذن في اللغة هو إباحة الفعل، واستأذن طلب الإذن في الفعل أو في الدخول للبيت وقد استعمله القرآن مجازاً في معنى التمكين إما بخلق أسباب الفعل الخارقة للعادة نحو قوله: {أية : وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني}تفسير : [المائدة: 110] وإما باستمرار الأسباب المودعة في الأشياء والقوى كقوله تعالى: {أية : وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله}تفسير : [آل عمران: 166] فقوله: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} أي إلا بما أعد الله في قابل السحر من استعداد لأن يضر به فإن هذا الاستعداد وإمكان التأثر مخلوق في صاحبه فهو بإذن الله ومشيئته كذا قرره الراغب وهو يرجع إلى استعمال مما تستعمل فيه كلمة إذن (ومن هذا القبيل ونظيره لفظة الأمر في قوله تعالى: {أية : له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله}تفسير : [الرعد: 11] أي مما خلق الله من الأشياء التي تلحق أضرارها للناس وقد اشتهر هذا الاستعمال في لسان الشرع حتى صار حقيقة عرفية في معنى المشيئة والإرادة فينبغي أن يلحق بالألفاظ التي فرق المتكلمون بين مدلولاتها وهي الرضا والمحبة والأمر والمشيئة والإرادة). فليس المعنى أن السحر قد يضر وقد لا يضر بل المعنى أنه لا يضر منه إلا ما كان إيصال أشياء ضار بطبعها وقوله: {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} يعني ما يضر الناس ضراً آخر غير التفرقة بين المرء وزوجه فضمير (يضرهم) عائد على غيرما عاد عليه ضمير (يتعلمون) والمعنى أن أمور السحر لا يأتي منها إلا الضر أي في الدنيا فالساحر لا يستطيع سحر أحد ليصير ذكياً بعد أن كان بليداً أو ليصير غنياً بعد الفقر وهذا زيادة تنبيه على سخافة عقول المشتغلين به وهو مقصد الآية وبهذا التفسير يكون عطف قوله: {ولا ينفعهم} تأسيساً لا تأكيداً والملاحظ في هذا الضر والنفع هو ما يحصل في الدنيا وأما حالهم في الآخرة فسيفيده قوله: {ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق} وقد أفادت الآية بجمعها بين إثبات الضر ونفي النفع الذي هو ضده مفاد الحصر كأنه قيل ويتعلمون ما ليس إلا ضراً كقول السموءل وعبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:شعر : تسيل على حد الظُّبات نفوسنا وليس على غير الظُّبات تسيل تفسير : وعدل عن صيغة القصر لتلك النكتة المتقدمة وهي التنبيه على أنه ضر. وإعادة فعل {يتعلمون} مع حرف العطف لأجل ما وقع من الفصل بالجملة المعترضة. عطف على قوله: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين} أي اتبعوا ذلك كله وهم قد علموا إلخ والضمير لليهود تبعاً لضمير {واتبعوا}، أو الواو للحال أي في حال أنهم تحقق علمهم. واللام في {لقد علموا} يجوز أن تكون لام القسم وهي اللام التي من شأنها أن تدخل على جواب القسم لربطه بالقسم ثم يحذفون القسم كثيراً استغناء لدلالة الجواب عليه دلالة التزامية لأنه لا ينتظم جواب بدون مجاب. ويجوز أن تكون لام الابتداء، وهي لام تفيد تأكيد القسم ويكثر دخولها في صدر الكلام فلذلك قيل لها لام الابتداء والاحتمالان حاصلان في كل كلام صالح للقسم وليس فيه قسم فإن حذف لفظ القسم مشعر في المقام الخطابي بأن المتكلم غير حريص على مزيد التأكيد كما كان ذكر إن وحدها في تأكيد الجملة الاسمية أضعف تأكيداً من الجمع بينها وبين لام الابتداء لأنهما أداتا تأكيد. قال الرضى إن مواقع لام القسم في نظر الجمهور هي كلها لامات الابتداء. والكوفيون لا يثبتون لام الابتداء ويحملون مواقعها على معنى القسم المحذوف والخلاف في هذا متقارب. واللام في قوله: {لمن اشتراه} يجوز كونها لام قسم أيضاً تأكيداً للمعلوم أي علموا تحقيق أنه لا خلاق لمشتري السحر ويجوز كونها لام ابتداء والاشتراء هو اكتساب شيء ببذل غيره فالمعنى أنهم اكتسبوه ببذل إيمانهم المعبر عنه فيما يأتي بقوله أنفسهم. والخلاق الحظ من الخير خاصة. ففي الحديث: «حديث : إنما يلبس هذا من لا خلاق له» تفسير : وقال البعيث بن حريث:شعر : ولست وإن قربت يوماً ببائع خلاقي ولا ديني ابتغاء التحبب تفسير : ونفي الخلاق وهو نكرة مع تأكيد النفي بمن الاستغراقية دليل على أن تعاطي هذا السحر جرم كفر أو دونه فلذلك لم يكن لمتعاطيه حظ من الخير في الآخرة وإذا انتفى كل حظ من الخير ثبت الشر كله لأن الراحة من الشر خير وهي حالة الكفاف وقد تمناها الفضلاء أو دونه خشية من الله تعالى. قوله: {ولبئس ما شروا به أنفسهم} عطف على {ولقد علموا} عطف الإنشاء على الخبر و{شروا} بمعنى باعوا بمعنى بذلوا وهو مقابل قوله: {لمن اشتراه} ومعنى بذل النفس هو التسبب لها في الخسار والبوار. وقوله: {لو كانوا يعلمون} مقتض لنفي العلم بطريق لو الامتناعية والعلم المنفي عنهم هنا هو غير العلم المثبت لهم في قوله: {ولقد علموا} إلا أن الذي علموه هو أن مكتسب السحر ماله خلاق في الآخرة والذي جهلوه هنا هو أن السحر شيء مذموم وفيه تجهيل لهم حيث علموا أن صاحبه لا خلاق له ولم يهتدوا إلى أن نفي الخلاق يستلزم الخسران إذ ما بعد الحق إلا الضلال وهذا هو الوجه لأن {لو كانوا يعلمون} ذيل به قوله: {ولبئس ما شروا به أنفسهم} فدل على أنه دليل مفعوله وبذلك يندفع الإشكال عن إثبات العلم ونفيه في معلوم واحد بناءً على أن العلم بأنه لا خلاق لصاحب السحر عين معنى كون السحر مذوماً فكيف يعدون غير عالمين بذمه وقد علمت وجهه وهذا هو الذي تحمل عليه الآية. ولهم في الجواب عن دفع الإشكال وجوه أخرى أحدها ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» وتبعه صاحب «المفتاح» من أن المراد من نفي العلم هو أنهم لما كانوا في علمهم كمن لا يعلم بعدم عملهم به نفي العلم عنهم لعدم الاعتداد به أي فيكون ذلك على سبيل التهكم بهم. الثاني أن المراد بالعلم المنفي هو علم كون ما يتعاطونه من جملة السحر المنهي عنه فكأنهم علموا مذمة السحر علماً كلياً ولم يتفطنوا لكون صنيعهم منه كما قالوا إن الفقيه يعلم كبرى القياس والقاضي والمفتي يعلمان صغراه وأن الفقيه كالصيدلاني والقاضي والمفتي كالطبيب وهذا الوجه الذي اخترناه. الثالث أن المراد لو كانوا يعلمون ما يتبعه من العذاب في الآخرة أي فهم ظنوا أن عدم الخلاف لا يستلزم العذاب وهذا قريب من الذي ذكرناه. الرابع أن المراد من العلم المنفي التفكر ومن المثبت العلم الغريزي وهذا وجه بعيد جداً إذ لايمكن أن يكون علمهم بأن من اكتسب السحر لا خلاق له علماً غريزياً فلو قيل العلم التصوري والعلم التصديقي. وفي الجمع بين {لقد علموا} و{لو كانوا يعلمون} طباق عجيب. وهنالك جواب آخر مبني على اختلاف معاد ضمير {علموا} وضمير {لو كانوا يعلمون} فضمير {لقد علموا} راجع إلى الجن الذين يعلمون السحر وضميرا {لو كانوا يعلمون} راجعان إلى الإنس الذين تعلموا السحر وشروا به أنفسهم، قاله فطرب والأخفش وبذلك صار الذين أثبت لهم العلم غير المنفي عنهم.
الواحدي
تفسير : {ما تتلوا الشياطين} أَيْ: ما كانت الشَّياطين تُحدِّث وتقصُّ من السِّحر {على ملك سليمان} في عهده وزمان مُلْكه، وذلك أنَّ سليمان عليه السَّلام لما نُزع ملكه دفنت الشَّياطين في خزانته سحراً ونيرنجات، فلمَّأ مات سليمان دلَّت الشياطين عليها النَّاس حتى استخرجوها، وقالوا للنَّاس: إنَّما مَلَكَكُم سليمان بهذا فتعلَّموه، فأقبل بنو إسرائيل على تعلُّمها، ورفضوا كتب أنبيائهم، فبرَّأ الله سليمان عليه السَّلام فقال: {وما كفر سليمان} أَيْ: لم يكن كافراً ساحراً يسحر {ولكنَّ الشياطين كفروا} بالله {يعلمون الناس السحر} يريد: ما كتب لهم الشَّياطين من كُتب السِّحر {وما أنزل على الملكين} أَيْ: ويُعلِّمونهم ما أُنزل عليهما، أَيْ: ما عُلِّما وأُلْهِمَا، وقُذِف في قلوبهما من علم التَّفرقة، وهو رقيةٌ وليس بسحرٍ، وقوله: {وما يعلِّمان} يعني: المَلَكَيْن السِّحر {من أحدٍ} أحداً {حتى يقولا إنما نحن فتنة} ابتلاءٌ واختبارٌ {فلا تكفر} وذلك أنَّ الله عزَّ وجلَّ امتحن النَّاس بالملكين في ذلك الوقت، وجعل المحنة في الكفر والإيمان أن يقبل القابلُ تعلُّم السِّحر، فيكفر بتعلُّمه ويؤمن بتركه، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء، وهذا معنى قوله: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} أَيْ: محنةٌ من الله نخبرك أنَّ عمل السِّحر كفرٌ بالله، وننهاك عنه، فإنْ أطعتنا نجوت وإن عصيتنا هلكت، وقوله تعالى {فيتعلمون} أَيْ: فيأتون فيتعلَّمون من الملكين {ما يفرّقون به بين المرء وزوجه} وهو أن يؤخذ كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبه ويُبغَّض كلُّ واحدٍ منهما إلى الآخر {وما هم} أَيْ: السَّحَرة الذين يتعلَّمون السِّحر {بضارين به} بالسِّحر {من أحدٍ} أحداً {إلاَّ بإذن الله} بإرادته كون ذلك، أَيْ: لا يضرُّون بالسِّحر إلاَّ مَنْ أراد الله أن يلحقه ذلك الضَّرر {ويتعلمون ما يضرُّهم} في الآخرة {ولا ينفعهم} [في الدُّنيا] {ولقد علموا} يعني: اليهود {لمن اشتراه} من اختار السِّحر {ما له في الآخرة من خلاقٍ} من نصيب [في الجنة]، ثمَّ ذمَّ صنيعهم فقال: {ولبئس ما شروا به أنفسهم} أَيْ: بئس شيءٌ باعوا به حظَّ أنفسهم حيث اختاروا السِّحر ونبذوا كتاب الله {لو كانوا يعلمون} كُنه ما يصير إليه مَنْ يخسر الآخرة من العقاب. {ولو أنَّهم آمنوا} بمحمَّدٍ عليه السَّلام والقرآن {واتقوا} اليهوديَّة والسِّحر، لأثيبوا ما هو خيرٌ لهم من الكسب بالسِّحر، وهو قوله تعالى: {لمثوبةٌ من عند الله خيرٌ لو كانوا يعلمون}. {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا} كان المسلمون يقولون للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: راعنا سمعك، وكان هذا بلسان اليهوديَّة سبَّاً قبيحاً، فلمَّا سمعوا هذه الكلمة يقولونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعجبتهم، فكانوا يأتونه ويقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك، وأنزل هذه الآية، وأمرهم أن يقولوا بدل راعنا {انظرنا} أَيْ: انظر إلينا حتى نُفهمك ما نقول {واسمعوا} أيْ: أطيعوا واتركوا هذه الكلمة؛ لأنَّ الطَّاعة تجب بالسَّمع {ما يودُّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خيرٍ من ربكم} أَيْ: خيرٌ من عند ربكم. {والله يختص برحمته} يخصُّ بنبوَّته {مَنْ يشاء والله ذو الفضل العظيم}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 102- ولقد صدَّقوا ما تَتَقَوَّله شياطينهم وفجرتهم على ملك سليمان، إذ زعموا أن سليمان لم يكن نبياً ولا رسولاً ينزل عليه الوحى من الله، بل كان مجرد ساحر يستمد العون من سحره، وأن سحره هذا هو الذى وطَّد له الملك وجعله يسيطر على الجن والطير والرياح، فنسبوا بذلك الكفرَ لسليمان، وما كفر سليمان، ولكن هؤلاء الشياطين الفجرة هم الذين كفروا، إذ تقوَّلوا عليه هذه الأقاويل، وأخذوا يعلِّمون الناس السحر من عندهم ومن آثار ما أنزل ببابل على الملكين هاروت وماروت، مع أن هذين الملكين ما كانا يعلِّمان أحداً حتى يقولا له: إنما نعلِّمك ما يؤدى إلى الفتنة والكفر فاعرفه واحذره وتَوَقَّ العمل به. ولكن الناس لم ينتصحوا بهذه النصيحة، فاستخدموا ما تعلَّموه منهما فيما يفرقون به بين المرء وزوجه. نعم كفر هؤلاء الشياطين الفجرة إذ تقوَّلوا هذه الأقاويل من أقاويلهم وأساطيرهم ذريعة لتعليم اليهود السحر، وما هم بضارين بسحرهم هذا من أحد، ولكن الله هو الذى يأذن بالضرر إن شاء، وأن ما يؤخذ عنهم من سحر سيضر من تعلَّمه فى دينه ودنياه ولا يفيده شيئاً، وهم أنفسهم يعلمون حق العلم أن من اتجه هذا الاتجاه لن يكون له حظ فى نعيم الآخرة، ولبئس ما اختاروه لأنفسهم لو كانت بهم بقية من علم. 103- ولو أنهم آمنوا بالحق وخافوا مقام ربهم لأثابهم الله ثواباً حسناً، ولكان ذلك خيراً مما يلقونه من أساطير ويضمرونه من خبث لو كانوا يميزون النافع من الضار. 104- يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم من هؤلاء اليهود فلا تقولوا للرسول حينما يتلوا عليكم الوحى: (راعنا) قاصدين أن يجعلكم موضع رعايته، ويتمهل عليكم فى تلاوته حتى تعوه وتحفظوه، لأن خبثاء اليهود يتظاهرون بمحاكاتكم فى ذلك، ويلوون ألسنتهم بهذه الكلمة حتى تصير مطابقة لكلمة سباب يعرفونها ويوجهونها للرسول ليسخروا منه فيما بينهم، ولكن استخدموا كلمة أخرى لا يجد اليهود فيها مجالا لخبثهم وسخريتهم: فقولوا: (انظرنا) وأحسنوا الإصغاء إلى ما يتلوه عليكم الرسول، وأن الله ليدخر يوم القيامة عذاباً أليماً لهؤلاء المستهزئين بالرسول.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ما تتلوا الشياطين: الذي تتبعه وتقول به الشياطين من كلمات السحر. على ملك سليمان: على عهد ملك سليمان ووقت حكمه. الشياطين: جمع شيطان وهو من خبث وتمرد ولم يبق فيه قابلية للخير. السحر: هو كل ما لطف مأخذه وخفي سببه مما له تأثير على أعين الناس أو نفوسهم أو أبدانهم. هاروت وماروت: ملكان وجدا للفتنة. فلا تكفر: لا تتعلمْ منا السحر لتضر به فتكفرْ بذلك. بين المرء وزوجه: بين الرجل وامرأته. اشتراه: اشترى السحر بتعلمه والعمل به. الخلاق: النصيب والحظ. ما شروا: ما باعوا به أنفسهم. لمثوبة: ثواب وجزاء. معنى الآيتين: ما زال السياق الكريم في بيان ما عليه اليهود من الشر والفساد ففي الآية الأولى [102] يخبر تعالى أن اليهود لما نبذوا التوراة لتقريرها بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتأكيدها لصحة دينه اتبعوا الأباطيل والترهات التي جمعها شياطين الإِنس والجن في صورة رُقىً وعزائم وكانوا يحدثون بها، ويدّعون أنها من عهد سليمان بن داود عليهما السلام وأنها هي التي كان سليمان يحكم بها الإِنس والجن، ولازم هذا أن سليمان لم يكن رسولاً ولا نبياً وإنما كان ساحراً كافراً فلذا نفى الله تعالى عنه ذلك بقوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ} وأثبته للشياطين فقال: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ}. كما يعلمونهم ما أُلهِمَهُ الملكان هاروت وماروت ببابل العراق من ضروب السحر وفنونه وهنا أخبرنا تعالى عن ملكي الفتنة أنهما يقولان لمن جاءهما يريد تعلم السحر: إنما نحن فتنة فلا تكفر بتعلمك السحر وهذا القول منهما يفهم منه بوضوح أن أقوال الساحر وأعماله التي يؤثر بها على الناس منها ما هو كفر في حكم الله وشرعه قطعاً. كما أخبر تعالى في هذه الآية أن ما يتعلمه الناس من الملكين إنما يتعلمونه ليفرقوا بين الرجل وامرأته، وأن ما يحدث به من ضرر هو حاصل بإذن الله تعالى حسب سنته في الأسباب والمسببات، ولو شاء الله أن يوجد مانعاً يمنع من حصول الأمر بالضرر لفعل وهو على كل شىء قدير. فبهذا متعلموا السحر بسائر أنواعه إنما هم يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم. وفي آخر الآية يقرر تعالى علم اليهود بكفر الساحر ومتعلم السحر ومتعاطيه حيث أخبر تعالى أنهم لا نصيب لهم في الآخرة من النعيم المقيم فيها فلذا هم كفار قطعاً. وأخيراً يقبح تعالى ما باع به اليهود أنفسهم، ويسجل عليهم الجهل بنفي العلم إذ قال تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}. وفي الآية الثانية [103] يفتح تعالى على اليهود باب التوبة فيعرض عليهم الإِيمان والتقوى فيقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ وٱتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- الإعراض عن الكتاب والسنة لتحريمهما الشر والفساد والظلم يفتح أمام المعرضين أبواب الباطل من القوانين الوضعية، والبدع الدينية، والضلالات العقلية قال تعال:{أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [الزخرف: 36-37] (سبيل السّعادة والكمال) {أية : وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ}تفسير : [الزخرف: 37]. 2- كفر الساحر وحرمة تعلم السحر، وحرمة استعماله. 3- الله تعالى خالق الخير وَالضَّيْرِ ولا ضرر ولا نفع إلا بإذنه فيجب الرجوع إليه في جلب النفع، ودفع الضر بدعائه والضراعة إليه. 4- العلم المبهم كالظَّن الذي لا يقين معه لا يغير من نفسية صاحبه شيئاً فلا يحمله على فعل خير ولا على ترك شر بخلاف الرسوخ في العلم فإن صاحبه يكون لديه من صادق الرغبة وعظيم الرهبة ما يدفعه إلى الإِيمان والتقوى ويجنبه الشرك والمعاصي. وهذا ظاهر في نفي الله تعالى العلم عن اليهود في هاتين الآيتين.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّيَاطِينُ} {سُلَيْمَانَ} {هَارُوتَ} {وَمَارُوتَ} {ٱشْتَرَاهُ} {خَلاَقٍ} {تَتْلُواْ} (102) - وَلَقَدْ صَدَّقُوا مَا تَتَقَوَّلُهُ الشَّيَاطِينُ وَالفَجَرَةُ مِنُهُمْ عَلَى مَلْكِ سُلَيمَانَ، إِذْ زَعَمَوا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيّاً وَلاَ رَسُولاً يَنْزِلُ عَلَيهِ الوَحْيُ مِنَ اللهِ، بَلْ كَانَ سَاحِراً يَسْتَمِدُّ العَوْنَ مِن سِحْرِهِ، وَأنَّ سِحْرَهُ هَذا هُوَ الذِي وَطَّدَ لَهُ المُلْكَ، وَجَعَلَهُ يُسَيْطِرُ عَلَى الجِنِّ وَالطَّيْرِ وَالرِّيَاحِ، فَنَسَبُوا بِذَلِكَ الكُفْرَ لِسُلَيْمَانَ، وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ، وَلَكِنَّ هَؤُلاءِ الشَّيَاطِينَ الفَجَرَةَ هُمُ الذِينَ كَفَرُوا، إِذْ تَقَوَّلُوا عَلَيْهِ الأَقَاوِيلَ، وَأَخَذُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَمِنْ آثَارِ مَا أُنْزِلَ بِبَابِلَ عَلَى المَلَكَيْن هَارُوتَ وَمَارُوتَ. مَعَ أنَّ هَذينِ المَلَكِينِ مَا كَانَا يُعَلِّمَانِ أَحَداً حَتَّى يَقُولا لَهُ: إِنَّمَا نُعَلِّمُكَ مَا يُؤَدِّي إلَى الفِتْنَةِ وَالكُفْرِ فَاعْرِفْهُ وَاحْذَرْهُ، وَتَوَقَّ العَمَلَ بِهِ. وَلَكِنَّ النَّّاسَ لَمْ يَأْخُذُوا بِهَذِهِ النَّصِيحَةِ، فَاسْتَخْدَمُوا، مِمَّا تَعَلَّمُوهُ مِنْهُمَا، مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المْرِءِ وَزَوْجِهِ. لَقَدْ كَفَرَ هَؤُلاءِ الشَّياطِينُ الفَجَرَةُ إذْ تَقَوَّلُوا هَذِهِ الأقَاوِيلَ، وَاتَّخَذُوا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ وَأَسَاطِيرِهِمْ ذَرِيعَةً لِتَعْلِيمِ اليَهُودِ السِّحْرَ، وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِسِحْرِهِمْ هذا أحَداً، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الذِي يَأْذَنُ بِالضَّرَرِ إنْ شَاءَ، وَأنَّ مَا يُؤَخَذُ عَنْهُمْ مِنْ سِحْرٍ لَيَضُرُّ مَنْ تَعَلَّمَهُ في دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَلاَ يُفِيدُهُ شَيْئاً، وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَعْلَمُونَ حَقَّ العِلْمِ أَنَّ مَنِ اتَّجَهَ هذا الاتِّجَاهَ لَنْ يَكُونَ لَهُ حَظٌّ أوْ نَصِيبٌ فِي نَعِيمِ الآخِرَةِ، وَلَبِئْسَ مَا اخْتَارَهُ هُؤُلاءِ لأِنْفُسِهِمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. السِّحْرَ - الخَدْعَ. شَرَوْا - بَاعُوا. الإِنْزالُ - الإِلْهَامُ. عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَان - فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يخبرنا الحق تبارك وتعالى أن فريقاً من اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين .. لأن النبذ يقابله الاتباع .. واتبعوا يعني اقتدوا وجعلوا طريقهم في الاهتداء هو ما تتلوه الشياطين على ملك سليمان .. وكان السياق يقتضي أن يقال ما تلته الشياطين على ملك سليمان .. ولكن الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم أن هذا الاتباع مستمر حتى الآن كأنهم لم يحددوا المسألة بزمن معين. إنه حتى هذه اللحظة هناك من اليهود من يتبع ما تلته الشياطين على ملك سليمان، ونظراً لأن المعاصرين من اليهود قد رضوا وأخذوا من فعل أسلافهم الذين اتبعوا الشياطين فكأنهم فعلوا. الحق سبحانه يقول: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ} [البقرة: 102] ولكن الشياطين تلت وانتهت .. واستحضار اليهود لما كانت تتلوه الشياطين حتى الآن دليل على أنهم يؤمنون به ويصدقونه .. الشياطين هم العصاة من الجن .. والجن فيهم العاصون والطائعون والمؤمنون .. وإقرأ قوله تعالى: {أية : وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً} تفسير : [الجن: 11]. وقوله سبحانه عن الجن: {أية : وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَاسِطُونَ ..} تفسير : [الجن: 14]. إذن الجن فيهم المؤمن والكافر .. والمؤمنون من الجن فيهم الطائع والعاصي .. والشياطين هم مردةُ الجنِ المتمردون على منهج الله .. وكل متمرد على منهج الله نسميه شيطاناً .. سواء كان من الجن أو من الإنس .. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ..} تفسير : [الأنعام: 112]. إذن فالشياطين هم المتمردون على منهج الله .. قوله تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 102] .. يعني ما كانت تتلو الشياطين أيام ملك سليمان.. ولكن ما هي قصة ملك سليمان والشياطين؟ .. الشياطين كانوا قبل مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله قد مكنهم من قدرة الاستماع إلى أوامر السماء وهي نازلة إلى الأرض .. وكانوا يستمعون للأوامر تلقى من الملائكة وينقلونها إلى أئمة الكفر ويزيدون عليها بعض الأكاذيب والخرافات .. فبعضها يكون على حق والأكثر على باطل .. ولذلك قال الله تبارك وتعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 121]. وكان الشياطين قبل نزول القرآن يسترقون السمع، ولكن عند بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنع ذلك كله، حتى لا يضع الشياطين خرافاتهم في منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في القرآن .. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} تفسير : [الجن: 9]. أي أن الشياطين كانت لها مقاعد في السماء تقعد فيها لتستمع إلى ما ينزل من السماء إلى الأرض ليتم تنفيذه .. ولكن عند نزول القرآن أرسل الله سبحانه وتعالى الشهب - وهي النجوم المحترقة - فعندما تحاول الشياطين الاستماع إلى ما ينزل من السماء ينزل عليهم شهاب يحرقهم .. ولذلك فإن عامة الناس حين يرون شهاباً يحترق في السماء بسرعة يقولون: سهم الله في عدو الدين .. كأن المسألة في أذهان الناس وجعلتهم يقولون: سهم الله في عدو الدين .. الذي هو الشيطان. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً} تفسير : [الجن: 8]. {أية : وَأَنَّا لاَ نَدْرِيۤ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً} تفسير : [الجن: 10]. أي أن الأمر اختلط على الشياطين لأنهم لم يعودوا يستطيعون استراق السمع .. ولذلك لم يعرفوا هل الذي ينزل من السماء خير أو شر؟ .. انظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: {أية : وَأَنَّا لَمَسْنَا ٱلسَّمَآءَ} تفسير : [الجن: 8] .. كأنهم صعدوا حتى بلغوا السماء لدرجة أنها أصبحت قريبة لهم حتى كادوا يلمسونها .. فالله تبارك وتعالى في هذه الحالة - وهي اتباع اليهود لما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر والتعاويذ والأشياء التي تضر ولا تفيد - أراد أن يبرئ سليمان من هذا كله .. فقال جل جلاله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} [البقرة: 102].. وكان المنطق يقتضي أن يخص الله سبحانه وتعالى حكاية الشياطين قبل أن يبرئ سليمان من الكفر الذي أرادوا أن ينشروه .. ولكن الله أراد أن ينفي تهمة الكفر عن سليمان ويثبتها لكل من اتبع الشياطين فقال جل جلاله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ} [البقرة: 102]. إذن الشياطين هم الذين نشروا الكفر .. وكيف كفر الشياطينُ وبماذا أغروا أتباعهم بالكفر؟ .. يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة: 102]. ما قصة كل هذا؟ .. اليهود نبذوا عهد الله واتبعوا ما تتلو الشياطين أيام سليمان، وأرادوا أن ينسبوا كل شيء في عهد سليمان على أنه سحر وعمل شياطين، وهكذا أراد اليهود أن يوهموا الناس أن منهج سليمان هو من السحر ومن الشياطين. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يبرئ سليمان من هذه الكذبة .. سليمان عليه السلام حين جاءته النبوة طلب من الله سبحانه وتعالى أن يعطيه ملكاً لا يعطيه لأحد من بعده .. واقرأ قوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ * وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} تفسير : [ص: 35-38]. وهكذا أُعْطِيَ سليمان الملك على الإنس والجن ومخلوقات الله كالريح والطير وغير ذلك .. حين أخذ سليمان الملك كان الشياطين يملأون الأرض كفراً بالسحر وكتبه. فأخذ سليمان كل كتب السحر وقيل أنه دفنها تحت عرشه .. وحين مات سليمان وعثرت الشياطين على مخبأ كتب السحر أخرجتها وأذاعتها بين الناس .. وقال أولياؤهم من أحبار اليهود إن هذه الكتب من السحر هي التي كان سليمان يسيطر بها على الإنس والجن، وأنها كانت منهجه، وأشاعوها بين الناس .. فأراد الله سبحانه وتعالى أنْ يبرئ سليمان من هذه التهمة ومن أنه حكم بالسحر ونشر الكفر .. قال جل جلاله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ}. ما هو السحر؟ .. الكلمة مشتقة من سحر وهو آخر ساعات الليل وأول طلوع النهار .. حيث يختلط الظلام بالضوء ويصبح كل شيء غير واضح .. هكذا السحر شيء يخيل إليك أنه واقع وهو ليس بواقع .. إنه قائم على شيئين .. سحر العين لترى ما ليس واقعاً على أنه حقيقة .. ولكنه لا يغير طبيعة الأشياء .. ولذلك قال الله تبارك وتعالى في سحرة فرعون: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الأعراف: 116]. إذن فالساحر يسيطر على عين المسحور ليرى ما ليس واقعاً وما ليس حقيقة .. وتصبح عين المسحور خاضعة لإرادة الساحر .. ولذلك فالسحر تخيل وليس حقيقة .. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 66]. إذن ما دام الله سبحانه وتعالى قال: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ} .. فهي لا تسعى .. إذن فالسحر تخيل .. وما الدليل على أن السحر تخيل؟ .. الدليل هو المواجهة التي حدثت بين موسى وسحرة فرعون .. ذلك أن الساحر يسحر أعين الناس ولكن عينيه لا يسحرهما أحد .. حينما جاء السحرة وموسى .. اقرأ قوله سبحانه: {أية : قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ * قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 65-66]. عندما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم خُيِّل للموجودين إنها حيات تسعى .. ولكن هل خُيل للسحرة أنها حيات؟ طبعاً لا .. لأن أحدا لم يسحر أعين السحرة .. ولذلك ظل ما ألقوه في أعينهم حبالاً وعِصِيّاً .. حين ألقى موسى عصاه واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ * فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 69-70]. هنا تظهر حقيقة السحر .. لماذا سجد السحرة؟ لأن حبالهم وعصيهم ظلت كما هي حبالاً وعصيا .. ذلك أن أحدا لم يسحر أعينهم .. ولكن عندما ألقى موسى عصاه تحولت إلى حية حقيقية .. فعرفوا أن هذا ليس سحراً ولكنها معجزة من الله سبحانه وتعالى .. لماذا؟ لأن السحر لا يغير طبيعة الأشياء، وهم تأكدوا أن عصا موسى قد تحولت إلى حية .. ولكن حبالهم وعصيهم ظلت كما هي وإن كان قد خيل إلى الناس أنها تحولت إلى حيات. إذن فالسحر تخيل والساحر يرى الشيء على حقيقته لذلك فإنه لا يخاف .. بينما المسحورون الذين هم الناس يتخيلون أن الشيء قد تغيرت طبيعته .. ولذلك سجد السحرة لأنهم عرفوا أن معجزة موسى ليست سحراً .. ولكنها شيء فوق طاقة البشر. السحر إِذن تخيل والشياطين لهم قدرة التشكل بأي صورة من الصور، ونحن لا نستطيع أن ندرك الشيطان على صورته الحقيقية، ولكنه إذا تشكل نستطيع أن نراه في صورة مادية .. فإذا تشكل في صورة إنسان رأيناه إنساناً، وإذا تشكل في صورة حيوان رأيناه حيواناً، وفي هذه الحالة تحكمه الصورة .. فإذا تشكل كإنسان وأطلقت عليه الرصاص مات، وإذا تشكل في صورة حيوان ودهمته بسيارتك مات، ذلك لأن الصورة تحكمه بقانونها .. وهذا هو السر في إنه لا يبقى في تشكله إلا لمحة ثم يختفي في ثوان .. لماذا؟ لأنه يخشى ممن يراه في هذه الصورة أن يقتله خصوصاً أن قانون التشكل يحكمه .. ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تشكل له الشيطان في صورة إنسان قال: (حديث : ولقد هممت أن أربطه في سارية المسجد ليتفرج عليه صبيان المدينة ولكني تذكرت قَول أخي سليمان: "رب هب لي مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدي". فتركته) تفسير : الحديث لم يُخَرَّجْ. ومن رحمة الله بنا أنه إذا تشكل الشيطان فإن الصورة تحكمه .. وإلا لكانوا فزعونا وجعلوا حياتنا جحيماً .. فالله سبحانه وتعالى جعل الكون يقوم على التوازن حتى لا يطغى أحد على أحد .. بمعنى أننا لو كنا في قرية وكلنا لا نملك سلاحاً وجد التوازن .. فإذا ملك أحدنا سلاحاً وادعى أنه يفعل ذلك ليدافع عن أهل القرية، ثم بعد ذلك استغل السلاح ليسيطر على أهل القرية ويفرض عليهم إتاوات وغير ذلك، يكون التوازن قد اختل وهذا ما لا يقبله الله. السحر يؤدي لاختلال التوازن في الكون .. لأن الساحر يستعين بقوة أعلى في عنصرها من الإنسان وهو الشيطان وهو مخلوق من نار خفيف الحركة قادر على التشكل وغير ذلك .. الإنسان عندما يطلب ويتعلم كيف يسخر الجن .. يدعي أنه يفعل ذلك لينشر الخير في الكون، ولكنها ليست حقيقة .. لأن هذا يغريه على الطغيان .. والذي يخل بأمن العالم هو عدم التكافؤ بين الناس .. إنسان يستطيع أن يطغى فإذا لم يقف أمامه المجتمع كله اختل التوازن في المجتمع .. والله سبحانه وتعالى يريد تكافؤ الفرص ليحفظ أمن وسلامة الكون .. ولذلك يقول لنا لا تطغوا وتستعينوا بالشياطين في الطغيان حتى لا تفسدوا أمن الكون. ولكن الله جل جلاله شاءت حكمته أن يضع في الكون ما يجعل كل مخلوق لا يغتر بذاتيته .. ولا يحسب أنه هو الذي حقق لنفسه العلو في الأرض .. ولقد كانت معصية إبليس في أنه رفض أن يسجد لآدم. إنه قال: {أية : قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12]. إذن فقد أخذ عنصر الخلق ليدخل الكبر إلى نفسه فيعصي، ولذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلم البشر من القوانين، ما يجعل هذا الأعلى في العنصر - وهو الشيطان - يخضع للأدنى وهو الإنسان، حتى يعرف كل خلق الله أنه إن ميزهم الله في عنصر من العناصر، فإن هذا ليس بإرادتهم ولا ميزة لهم .. ولكنه بمشيئة الله سبحانه وتعالى .. فأرسل الملكين ببابل هاروت وماروت ليعلما الناس السحر. الذي يخضع الأعلى عنصراً للأدنى. واقرأ قوله سبحانه: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} [البقرة: 102] .. فالله تبارك وتعالى أرسل الملكين هاروت وماروت ليعلما الناس السحر .. ولقد رويت عن هذين الملكين قصص كثيرة .. ولكن ما دام الله سبحانه وتعالى قد أرسل ملكين ليعلما الناس السحر .. فمعنى ذلك أن السحر علم يستعين فيه الإنسان بالشياطين .. وقيل إن الملائكة قالوا عن خلق آدم كما يروي لنا القرآن الكريم: {أية : قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ..} تفسير : [البقرة: 30]. حينئذ طلب الحق جل جلاله من الملائكة .. أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض لينظروا ماذا يفعلان؟ فاختاروا هاروت وماروت .. وعندما نزلا إلى الأرض فتنتهما امرأة فارتكبا الكبائر .. هذه القصة برغم وجودها في بعض كتب التفسير ليست صحيحة .. لأن الملائكة بحكم خلقهم لا يعصون الله .. ولأنه من تمام الإيمان أن يؤدي المخلوق كل ما كُلِّف به من الله جل جلاله .. وهذان الملكان كلفا بأن يعلما الناس السحر .. وأن يحذرا بأن السحر فتنة تؤدي إلى الكفر وقد فعلا ذلك .. والفتنة هي الامتحان .. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} [البقرة: 102] .. إذن فهذان الملكان حذرا الناس من أن ما يعلمانه من السحر فتنة تؤدي إلى الكفر .. وإنها لا تنفع إلا في الشر وفي التفريق بين الزوج وزوجه .. وإن ضررها لا يقع إلا بإذن الله .. فليس هناك أي قوى في هذا الكون خارجة عن مشيئة الله سبحانه وتعالى .. ثم يأتي قول الحق تبارك وتعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] .. إن الله سبحانه وتعالى يخبرنا أن تعلم السحر يضر ولا ينفع .. فهو لا يجلب نفعاً أبداً حتى لمن يشتغل به .. فتجد من يشتغل بالسحر يعتمد في رزقه على غيره من البشر فهم أفضل منه .. وهو يظل طوال اليوم يبحث عن إنسان يغريه بأنه يستطيع أن يفعل له أشياء ليأخذ منه مالاً، وتجد شكله غير طبيعي وحياته غير مستقرة وأولاده منحرفين. وكل من يعمل بالسحر يموت فقيراً لا يملك شيئاً وتصيبه الأمراض المستعصية، ويصبح عبرة في آخر حياته. إذن فالسحر لا يأتي إلا بالضرر ثم بالفقر ثم بلعنة الله في آخر حياة الساحر .. والذي يشتغل بالسحر يموت كافراً ولا يكون له في الآخرة إلا النار .. ولذلك قد اشتروا أنفسهم بأسوأ الأشياء لو كانوا يعلمون ذلك .. لأنهم لم يأخذوا شيئاً إلا الضر .. ولم يفعلوا شيئاً إلا التفريق بين الناس .. وهم لا يستطيعون أن يضروا أحداً إلا بإذن الله. والله سبحانه وتعالى إذا كانت حكمته قد اقتضت أن يكون السحر من فتن الدنيا وابتلاءاتها .. فإنه سبحانه قد حكم على كل من يعمل بالسحر بأنه كافر .. ولذلك لا يجب أن يتعلم الإنسان السحر أو يقرأ عنه .. لأنه وقت تعلمه قد يقول سأفعل الخير ثم يستخدمه في الشر .. كما أن الشياطين التي يستعين بها الساحر غالباً ما تنقلب عليه لتذيقه وبال أمره وتكون شراً عليه وعلى أولاده .. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ ٱلإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} تفسير : [الجن: 6]. أي أن الذي يستعين بالجن ينقلب عليه ويذيقه ألواناً من العذاب ..
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ} معناهُ تَتبعُ. وتَتْلوا أيضاً: تَقرأ. تفسير : وقولهُ تعالى: {مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ} [معناهُ] من نَصِيبٍ خَيرٍ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: معناهُ بَاعوا بِهِ أَنفُسَهُمْ.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ} [102] 13- أنا محمد بن العلاء، نا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: كان الذي أصاب سليمان بن داود عليه السلام في سبب امرأة من أهله - يُقال لها جَرادة - وكانت أحبَّ نسائه إليه، وكان إذا أراد أن يأتي نساءه أو يدخل الخلاء أعطاها الخاتم، فجاء أُناس من أهل الجَرادة يُخَاصمون قوما إلى سليمان بن داود عليه السلام، فكان هوى سليمان أن يكون الحقُّ لأهل الجَرادة، فيقضي لهم، فعُوقب حين لم يكن هواه فيهم [واحداً]، فجاء حين أراد الله أن يبتليه فأعطاها الخاتم ودخل الخلاء، ومثل الشيطان في صورة سليمان قال: هاتي خاتمي، فأعطته خاتمه، فلبسه فلما لبسه دانت له الشياطين، والإنس، والجن، وكلُّ شيء، جاءها سليمان قال: هاتي خاتمي، قالت: اخرج، لست بسليمان، قال سليمان عليه السلام: إن ذاك من أمر الله [إنه بلاء] أُبْتَلى به، (فخرج) فجعل إذا قال: أنا سليمان رجموه حتى يُدمون عَقِبه، فخرج يحمل على شاطيء البحر، ومكث هذا الشيطان فيهم مقيم ينكح نساءه ويقضي بينهم، فلما أراد الله عز وجل أن يُرد على سليمان ملكه انطلت الشياطين، وكتبوا كُتبا فيها سحر وفيها كفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان عليه السلام ثم أَثَاروها، وقالوا: هذا كان يفتن الجن والإنس، قال: فأَكْفَر الناس سليمان حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل على محمد عليه السلام {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ} يقول: الذي صنعوا، فخرج سليمان يحمل على شاطيء البحر، قال: ولما أنكر الناس - لما أراد الله أن يُرد على سليمان ملكه أنكروا - انطلقت الشياطين جاءوا إلى نسائه فسألوهن/ فقلن: إنه ليأتينا، ونحن حُيَّض، وما كان يأتينا قبل ذلك، فلما رأى الشيطان أنه حضر هلاكه هرب، وأرسل به فألقاه في البحر، وفي الحديث - فتلقَّاه سمكُهُ فأخذه، وخرج الشيطان حتى لحق بجزيرة في البحر، وخرج سليمان عليه السلام يحمل لرجل سمكا قال: بكم تحمل، قال/ بسمكة من هذا السمك فحمل معه حتى بلغ به، أعطاه السمكة التي في بطنها الخاتم، فلما أعطاه السمكة، شق بطنها يريد يشويها، فإذاالخاتم فلبسه، فأقبل إليه الإنس والشياطين، فأرسل في طلب الشيطان فجعلوا لا يُطيقونه فقال: احتالوا له فذهبوا فوجدوه نائما قد سَكِرَ، فبنوا عليه بيتا من رصاص، ثم جاءوا ليأخذوه فوثب، فجعل لا يثب في ناحية إلا أماط الرصاص معه فأخذوه فجاءوا به إلى سليمان،ـ فأمر بحنت من رُخام، فنُقر، ثم أدخله في جوفه، ثم سدَّه بالنحاس، ثم أمر به فطُرح في البحر. 14- أنا محمد بن العلاء، عن أبي أسامة ، نا الأعمش، عن المِنْهال، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: كان آصِف كاتب سليمان بن داود عليه السلام، وكان يعلم الاسم [الأعظم] كان يكتب كل شيء يأمره به سليمان عليه السلام، ويدفنه تحت كرسيِّه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطر من سحر وكذب وكفر، فقالوا: هذا الذي كان يعمل سليمان بها، فأكفره جهَّال الناس وسفهاؤُهم وسبُّوه علماؤُهم، فلم يزل جهَّالهم يسبُّونه حتى أنزل الله جلَّ وعزَّ:{ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ}.
همام الصنعاني
تفسير : 93- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معْمَر عَنْ قَتَادة، قال: كَتَبت الشياطينُ كتباً فِيهَا كفرٌ وشِرْكٌ، ثم دفنت تِلْكَ الكُتُب تحت كرسي سليمان، فلمّا ماتَ سليمان اسْتخْرَج الناس تِلْكَ الكتب فقالُوا، هذا عِلْمٌ كتمناه سُلَيْمان فقال اللهُ: {وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ}: [الآية: 102]. 94- عبد الرزّاق، قال معمر، وقال قَتادة والزهرِيّ عن عبيد الله قالَ: كانا ملكين مِنَ الملائكةِ، فأُهْبِطا ليَحْكُما بين النَّاسِ ذلك أن الملائكة سخرُوا من أحكام بني آدم. فتحاكمت إليْهما امرأةٌ فحابيا لها ثم ذَهَبا يَصْعدانِ، فحِيلَ بينهما وبين ذلِكَ، وخُيِّرا بينَ عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذا الدُّنيا. 95- عبد الرزّاق، قال معمر، وقال قتادة: كانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما أن لا يعلما أحداً حتى يقولا: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ}: [الآية: 102]. 96- عبد الرزّاق، قال معمر، وقالَ الكلبي: لا يُعلِّمانِ إِلاَّ الفُرْقَة، قالَ: وأخذ علَيْهِما أنْ لا يُعلِّمَا أحداً حتَّى يَتَقدَّمَا إِلَيْهِ، فيَقُولا: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ}. 97- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعْب، قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم، وما يأتُونَ مِنَ الذنوب، فقيل لهم: اختاروا ملكين. فاختاروا هارُوتَ ومارُوتَ. قال: فقال لهما: إني أرسل رُسلي إلى الناس، وَلَيْس بيْني وبَيْنُكُما رسُول: انْزِلا، ولا تُشْرِكا بي شيئاً، ولا تَزنيا، ولا تَسْرِقا. قال عبد الله بن معمر. قال كعْبٌ: فما استكملا يوْمَهُما الذي أنْزِلا فيه حتَّى عَمِلا ما حرَّم الله علَيْهما. 98- عبد الرزّاق، قالَ: أخبرنا ابن التّيمي، عنْ أبيه، عن أبي عثمان، عن ابن عبَّاس: أنَّ المرأة التي فُتِنض بهَا الملكان مسخت فهي هذه الكوكبة الحمْراء؛ يعْني الزّهْرة. 99- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {مَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلَٰـقٍ}: [الآية: 102]، أيّ ليس لَهُ في الآخِرة عند الله . 100- قال معمرَ وقال الحسن: لَيْسَ لَهُ دِينٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):