Verse. 99 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَلَقَدْ جَاۗءَكُمْ مُّوْسٰى بِالْبَيِّنٰتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِـجْلَ مِنْۢ بَعْدِہٖ وَاَنْتُمْ ظٰلِمُوْنَ۝۹۲
Walaqad jaakum moosa bialbayyinati thumma ittakhathtumu alAAijla min baAAdihi waantum thalimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد جاءكم موسى بالبينات» بالمعجزات كالعصا واليد وفلق البحر «ثم اتخذتم العجل» إلَهاً «من بعده» من بعد ذهابه إلى الميقات، «وأنتم ظالمون» باتخاذه.

92

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن تكرير هذه الآية يغني عن تفسيرها والسبب في تكريرها أنه تعالى لما حكى طريقة اليهود في زمان محمد صلى الله عليه وسلم ووصفهم بالعناد والتكذيب ومثلهم بسلفهم في قتلهم الأنبياء الذي يناسب التكذيب لهم بل يزيد عليه، أعاد ذكر موسى عليه السلام وما جاء به من البينات وأنهم مع وضوح ذلك أجازوا أن يتخذوا العجل إلهاً وهو مع ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه فكذلك القول في حالي معكم وإن بالغتم في التكذيب والإنكار.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} اللام لام القَسَم. والبينات قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} تفسير : [الإسراء: 101] وهي العصا، والسُّنون، واليد، والدّم، والطُّوفان، والجراد، والقُمّل، والضفادع، وفلق البحر. وقيل: البينات التوراة، وما فيها من الدلالات. قوله تعالى: {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} توبيخ، و «ثُمّ» أبلغ من الواو في التقريع؛ أي بعد النظر في الآيات والإتيان بها ٱتخذتم. وهذا يدلّ على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآيات؛ وذلك أعظم لجرمهم.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ } يعني الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ } {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ } أي إلَهاً {مِن بَعْدِهِ } من بعد مجيء موسى، أو ذهابه إلى الطور {وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ } حال، بمعنى اتخذتم العجل ظالمين بعبادته، أو بالإخلال بآيات الله تعالى، أو اعتراض بمعنى وأنتم قوم عادتكم الظلم. ومساق الآية أيضاً لإبطال قولهم {نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } والتنبيه على أن طريقتهم مع الرسول طريقة أسلافهم مع موسى عليهما الصلاة والسلام، لا لتكرير القصة وكذا ما بعده.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ } بالمعجزات كالعصا واليد وفلق البحر {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ } إلهاً {مِن بَعْدِهِ } من بعد ذهابه إلى الميقات {وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ } بإتخاذه.

ابن عطية

تفسير : البينات التوراة والعصا وفرق البحر وغير ذلك من آيات موسى عليه السلام وقوله تعالى: {ثم اتخذتم} تدل ثم على أنهم فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآيات، وذلك أعظم في دينهم، وقد تقدمت قصة اتخاذهم العجل، والضمير في قوله {من بعده} عائد على موسى عليه السلام، أي من بعده حين غاب عنكم في المناجاة، ويحتمل أن يعود الضمير في {بعده} على المجيء. وهذه الآية رد عليهم في أن من آمن بما نزل عليه لا يتخذ العجل، وقد تقدم ذكر أخذ الميثاق ورفع الطور. وقوله تعالى: {خذوا ما آتيناكم بقوة} يعني التوراة والشرع، و {بقوة} أي بعزم ونشاط وجد. {واسمعوا} معناه هنا: وأطيعوا، وليس معناه الأمر بإدراك القول فقط. وقالت طائفة من المفسرين: إنهم قالوا {سمعنا وعصينا}. ونطقوا بهذه الألفاظ مبالغة في التعنت والمعصية. وقالت طائفة: ذلك مجاز ولم ينطقوا بــ {سمعنا وعصينا}، ولكن فعلهم اقتضاه، كما قال الشاعر[الرجز]: شعر : امتلأ الحوض وقال قطني تفسير : وهذا أيضاً احتجاج عليهم في كذب قولهم {أية : نؤمن بما أنزل علينا} تفسير : [البقرة: 91]، وقوله تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} التقدير حب العجل، والمعنى جعلت قلوبهم تشربه، وهذا تشبيه ومجاز، عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم، وقال قوم: إن معنى قوله {وأشربوا في قلوبهم العجل} شربهم الماء الذي ألقى فيه موسى برادة العجل، وذلك أنه برده بالمبرد ورماه في الماء، وقيل لبني إسرائيل: اشربوا من ذلك الماء فشرب جميعهم، فمن كان يحب العجل خرجت برادة الذهب على شفتيه. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قول يرده قوله تعالى: {في قلوبهم}، وروي أن الذين تبين فيهم حب العجل أصابهم من ذلك الماء الجبن، وقوله تعالى {بكفرهم} يحتمل أن تكون باء السبب، ويحتمل أن تكون بمعنى مع، وقوله تعالى: {قل بِئسما} الآية أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم بأنه بئس هذه الأشياء التي فعلتم وأمركم بها إيمانكم الذي زعمتم في قولكم {أية : نؤمن بما أنزل علينا} تفسير : [البقرة: 91]، و"ما" في موضع رفع والتقدير: بئس الشيء قتل واتخاذ عجل وقول {سمعنا وعصينا}، يجوز أن تكون "ما" في موضع نصب، و {إن كنتم مؤمنين} شرط. وقد يأتي الشرط والشارط يعلم أن الأمر على أحد الجهتين، كما قال الله تعالى عن عيسى عليه السلام: {أية : إن كنت قلته فقد علمته} تفسير : [المائدة: 116]، وقد علم عيسى عليه السلام أنه لم يقله، وكذلك {إن كنتم مؤمنين}، والقائل يعلم أنهم غير مؤمنين، لكنه إقامة حجة بقياس بيّن، وقال قوم {إن} هنا نافية بمنزلة "ما" كالتي تقدمت، وقرأ الحسن ومسلم بن جندب: "يأمركم بهو إيمانكم" برفع الهاء. وقوله تعالى: {قل إن كانت لكم الدار الآخرة} الآية أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يوبخهم، والمعنى: إن كان لكم نعيمها وحظوتها وخيرها فذلك يقتضي حرصكم على الوصول إليها {فتمنوا الموت}، و{الدار} اسم {كانت}، و{خالصة} خبرها، ويجوز أن يكون نصب {خالصة} على الحال، و {عند الله} خبر كان، و {من دون الناس}: يحتمل أن يراد بــ {الناس} محمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعه، ويحتمل أن يراد العموم التام وهو قول اليهود فيما حفظ عنهم، وقرأ ابن أبي إسحاق بكسر الواو من "تمنوا" للالتقاء، وحكى الأهوازي عن أبي عمرو أنه قرأ " تمنوا الموت" بفتح الواو، وحكي عن غيره اختلاس الحركة في الرفع، وقراءة الجماعة بضم الواو. وهذه آية بينة أعطاها الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم لأن اليهود قالت: نحن أبناء الله وأحباؤه، وشبه ذلك من القول، فأمر الله نبيه أن يدعوهم إلى تمني الموت، وأن يعلمهم أنه من تمناه منهم مات، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فعلم اليهود صدقه، فأحجموا عن تمنيه، فرقاً من الله لقبح أعمالهم ومعرفتهم بكذبهم في قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وحرصاً منهم على الحياة. وقيل إن الله تعالى منعهم من التمني وقصرهم على الإمساك عنه، لتظهر الآية لنبيه صلى الله عليه وسلم. والمراد بقوله "تمنوا" أريدوه بقلوبكم واسألوه، هذا قول جماعة من المفسرين، وقال ابن عباس: المراد فيه السؤال فقط وإن لم يكن بالقلب، وقال أيضاً هو وغيره: إنما أمروا بالدعاء بالموت على أردأ الحزبين من المؤمنين أو منهم، وذكر المهدوي وغيره أن هذه الآية كانت مدة حياة النبي صلى الله عليه وسلم وارتفعت بموته. والصحيح أن هذه النازلة من موت من تمنى الموت إنما كانت أياماً كثيرة عند نزول الآية، وهي بمنزلة دعائه النصارى من أهل نجران إلى المباهلة، وقالت فرقة: إن سبب هذا الدعاء إلى تمني الموت أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد به هلاك الفريق المكذب أو قطع حجتهم، لا أن علته قولهم نحن أبناء الله. ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم وأنهم لا يتمنونه، و {أبداً} ظرف زمان وإذا كانت "ما" بمعنى الذي فتحتاج إلى عائد تقديره قدمته، وإذا كانت مع قدمت بمثابة المصدر غنيت عن الضمير، هذا قول سيبويه، والأخفش يرى الضمير في المصدرية، وأضاف ذنوبهم واجترامهم إلى الأيدي وأسند تقديمها إليها إذ الأكثر من كسب العبد الخير والشر إنما هو بيديه، فحمل جميع الأشياء على ذلك. وقوله تعالى: {والله عليم بالظالمين} ظاهرها الخبر ومضمنها الوعيد، لأن الله عليم بالظالمين وغيرهم، ففائدة تخصيصهم حصول الوعيد.

النسفي

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ بالْبَيِّنَـٰتِ } بالآيات التسع وأدغم الدال في الجيم حيث كان أبو عمرو وحمزة وعلي. {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ } إلهاً {مِن بَعْدِهِ } من بعد خروج موسى عليه السلام إلى الطور. {وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ } هو حال أي عبدتم العجـل وأنتم واضعون العبادة غير موضعها، أو اعتراض أي وأنتم قوم عادتكم الظلم. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ ما آتيناكُمْ بِقُوَّةٍ } كرر ذكر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى. {وَٱسْمَعُواْ } ما أمرتم به في التوراة. {قَالُواْ سَمِعْنَا } قولك {وَعَصَيْنَا } أمرك وطابق قوله جوابهم من حيث إنه قال لهم اسمعوا وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة. {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ } أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب، وقوله: «في قلوبهم»، بيان لمكان الإشراب والمضاف وهو الحب محذوف. {بِكُفْرِهِمْ } بسبب كفرهم واعتقادهم التشبيه. {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَـٰنُكُمْ } بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة العجل، وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم وكذا إضافة الإيمان اليهم. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم له. {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ } أي الجنة. {عَندَ ٱللَّهِ } ظرف، و «لكم» خبر «كان» {خَالِصَةً } حال من الدار الآخرة أي سالمة لكم ليس لأحد سواكم فيها حق يعني إن صح قولكم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً {مّن دُونِ ٱلنَّاسِ } هو للجنس. {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَـٰدِقِينَ } فيما تقولون لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها تخلصاً من الدار ذات الشوائب كما نقل عن العشرة المبشرين بالجنة أن كل واحد منهم كان يحب الموت ويحن إليه. {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } هو نصب على الظرف أي لن يتمنوه ما عاشوا {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بما أسلفوا من الكفر بمحمد عليه السلام وتحريف كتاب الله وغير ذلك وهو من المعجزات لأنه إخبار بالغيب وكان كما أخبر به كقوله {أية : وَلَن تَفْعَلُواْ }تفسير : [البقرة: 24]، ولو تمنوه لنقل ذلك كما نقل سائر الحوادث. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ } تهديد لهم. {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ } مفعولاً وجد - «هم» - و «أحرص» - {عَلَىٰ حَيَوٰةٍ } التنكير يدل على أن المراد حياة مخصوصة وعلى الحياة المتطاولة ولذا كانت القراءة بها أوقع من قراءة «أبي» على الحياة {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } هو محمول على المعنى لأن معنى أحرص الناس أحرص من الناس، نعم قد دخل الذين أشركوا تحت الناس ولكنهم أفردوا بالذكر لأن حرصهم شديد كما أن جبريل وميكائيل خصا بالذكر وإن دخلا تحت الملائكة، أو أريد وأحرص من الذين أشركوا فحذف لدلالة أحرص الناس عليه، وفيه توبيخ عظيم لأن الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنها جنتهم فإذا زاد في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقاً بأعظم التوبيخ، وإنما زاد حرصهم على الذين أشركوا لأنهم علموا أنهم صائرون إلى النار لعلمهم بحالهم والمشركون لا يعلمون ذلك. وقوله: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف. وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم عش ألف نيروز. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: هو قول الأعاجم زي هزارسال. وقيل: «ومن الذين أشركوا» كلام مبتدأ أي ومنهم ناسٌ يود أحدهم على حذف الموصوف، والذين أشركوا على هذا مشار به إلى اليهود لأنهم قالوا عزيز ابن الله. والضمير في {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } لأحدهم. وقوله {أَن يُعَمَّرَ } فاعل «بمزحزحه» أي وما أحدهم بمن يزحزحه من النار تعميره، ويجوز أن يكون «هو» مبهماً و«أن يعمر» موضحه. والزحزحة التبعيد والإنحاء. قال في جـامع العلوم وغيره: «لو يعمر» بمعنى «أن يعمر»، فـ «لو» هنا نائبة عن «أن» و «أن» مع الفعل في تأويل المصدر وهو مفعول «يود» أي يود أحدهم تعمير ألف سنة. {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } أي بعمل هؤلاء الكفار فيجـازيهم عليه. وبالتاء: يعقوب. {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } بفتح الجيم وكسر الراء بلا همز: مكي. وبفتح الراء والجيم والهمز مشبعاً: كوفي غير حفص. وبكسر الراء والجيم بلا همز: غيرهم. ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة ومعناه عبد الله لأن «جبر» هو العبد بالسريانية و «إيل» اسم الله. روي أَن ابن صوريا من أحبار اليهود حاجّ النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عمن يهبط عليه بالوحي فقال: جبريل. فقال: ذاك عدونا ولو كان غيره لآمنا بك وقد عادانا مراراً، وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاماً مسكيناً فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه، وإن لم يكن إياه فعلى أي ذنب تقتلونه. {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ } فإن جبريل نزل القرآن، ونحو هذا الإضمارـ أعني إضمار ما لم يسبق ذكره ـ فيه فخامة حيث يجـعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته. {عَلَىٰ قَلْبِكَ } أي حفظه إياك. وخص القلب لأنه محل الحفظ كقوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ }تفسير : [الشعراء: 193-194]، وكان حق الكلام أن يقال على قلبي ولكن جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به، وإنما استقام أن يقع فإنه «نزله» جزاء للشرط لأن تقديره إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم. وقيل: جواب الشرط محذوف تقديره من كان عدواً لجبريل فليمت غيظاً فإنه نزل الوحي على قلبك {بِإِذْنِ ٱللَّهِ } بأمره {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } رد على اليهود حين قالوا إن جبريل ينزل بالحرب والشدة فقيل: فإنه ينزل بالهدى والبشرى أيضاً.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ...} إن قلت: لِم أقسم على مجِيئه لهم بالبينات، وهم موافقون عليه. وإنما يتوهم مخالفتهم في اتخاذهم العجل فقط؟ فهلاَ قيل: ولقد اتخذتم العجل من بعد ما جَاءكم موسى بالبينات؟ فالجواب: أنه ظهرت عليه مخائل الإنكار لمجيئه لهم بالبيّنات بسبب اتخاذهم العجل، فلذلك عطفه عليه (بيانا لسببه) الموجب للقسم. قال ابن عطية: البينات: التوراة، والعصا، وفرق البحر، وغير ذلك من آيات موسى عليه الصّلاة والسلام. قال ابن عرفة: إن أراد بالبينات الظاهرة فظاهر، وإن أراد المعجزات فليست التوراة منها، لأنها غير معجزة وإنما الإعجاز بالقرآن فقط. فإن قلتم: إنّها معجزة باعتبار اشتمالها على الإخبار بالمغيبات. قلنا: الإعجاز فيها حينئذ (ليس هو من حيث المجيء بها بل من حيث الإخبار بالمغيبات فقط). قال ابن عرفة: وذمهم أولا بكفرهم فيما يرجع إلى النّبوة بقوله: {أية : قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ} تفسير : ثم ذمهم بكفرهم فيما يرجع إلى الألوهية باتخاذهم العجل إلاها فهو ترق في الذم. قال: ومفعول "اتّخَذْتُمُ" محذوف أي العجل إلاها، وحذفه مناسب، لأنه مستكره مذموم، فحذفه إذا دل السياق عليه أحسن من ذكره.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ولقد جاءكم} مدغمة الدال في الجيم كل القرآن: أبو عمرو وحمزة وعلي خلف وهشام {جاءكم} وبابه بالإمالة: حمزة وخلف وابن ذكوان {قلوبهم العجل} بكسر الهاء والميم: أبو عمرو وسهل ويعقوب، وقرأ حمزة وعلي وخلف بضم الهاء والميم، الباقون بكسر الهاء وضم الميم وكذلك كل ما لقي الميم حرف ساكن وقبل الهاء كسرة {بما تعملون} بتاء الخطاب: يعقوب. والوقوف: {ظالمون} (ه) {الطور} (ط) لتقدير القول {واسمعوا} (ط) {بكفرهم} (ط) {مؤمنين} (ه) {صادقين} (ه) {أيديهم} (ط) {بالظالمين} (ه) {على حياة} (ج) على تقدير: ومن الذين أشركوا قوم يود أحدهم، ومن وقف على {أشركوا} فتقديره أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا و {يود} مستأنف للبيان وإنما لم يدخل من في الناس وأدخل في الذين أشركوا لأن اليهود من الناس وليسوا من المشركين كقولك "الياقوت أفضل الحجارة وأفضل من الديباج" {سنة} (ط) لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً {أن يعمر} (ط) {يعملون} (ه). التفسير: السبب في تكرير قصة اتخاذ العجل ههنا القدح بوجه آخر في قولهم {أية : نؤمن بما أنزل علينا} تفسير : [البقرة: 91] وبيان وصفهم بالعناد والتكذيب تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيتاً له، فإن قوم موسى عليه السلام بعد ظهور المعجزات الواضحات على يده اتخذوا العجل إلهاً ومع ذلك صبر وثبت على الدعاء إلى ربه والتمسك بدينه وشرعه. وكرر ذكر رفع الطور للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قولهم {سمعنا وعصينا} الدال على نهاية لجاجهم وذلك أنه قال لهم: اسمعوا سماع تقبل وطاعة. فقالوا: سمعنا ولكن لا سماع طاعة، وظاهر الآية يدل على أنهم قالوا هذا القول أعني سمعنا وعصينا وعليه الأكثرون. وعن أبي مسلم أنه يجوز أن يكون المعنى سمعوه وتلقوه بالعصيان، فعبر عن ذلك بالقول مثل {أية : قالتا أتينا طائعين} تفسير : [فصلت: 11] {وأشربوا في قلوبهم العجل} أي تداخلهم حبه والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ. وقوله تعالى {في قلوبهم} بيان لمكان الإشراب كقوله {أية : إنما يأكلون في بطونهم ناراً} تفسير : [النساء: 10] وفي هذه الاستعارة لطيفة وهي أنه كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض فكذا تلك المحبة كانت مادة للقبائح الصادرة عنهم. وفي قوله {واشربوا} دلالة على أن فاعلاً غيرهم فعل ذلك بهم كالسامري وإبليس وشياطين الجن والإنس، وذلك بسبب كفرهم واعتقادهم التشبيه على الله تعالى ولا ريب أن جميع الأسباب تنتهي إلى الله تعالى وقد عرفت التحقيق في أمثال ذلك مراراً. {بئسما يأمركم} المخصوص بالذم محذوف أي بئس شيئاً يأمركم به إيمانكم بالتوراة عبادة العجل، فليس في التوراة عبادة العجاجيل. وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم كما قال قوم شعيب {أية : أصلاتك تأمرك}تفسير : [هود: 87] وكذلك إضافة الإيمان إليهم. واعلم أن الإيمان عرض ولا يصح منه الأمر والنهي، لكن الداعي إلى الفعل والسبب فيه قد يشبه بالأمر كقوله {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} تفسير : [العنكبوت: 45] {قل إن كانت لكم الدار الآخرة} الدار اسم "كان" وفي الخبر ثلاثة أوجه: الأول: {خالصة} و {عند} ظرف لخالصة أو للاستقرار الذي في {لكم} ويجوز أن يكون {عند} حالاً من الدار والعامل فيها "كان" أو الاستقرار. وأما {لكم} فيكون على هذا متعلقاً بـ "كان" لأنها تعمل في حروف الجر، ويجوز أن يكون للتبيين فيكون موضعها بعد {خالصة} أي خالصة لكم فيتعلق بنفس خالصة، ويجوز أن يكون صفة لخالصة قدمت عليها فيتعلق حينئذ بمحذوف. الثاني: أن يكون خبر كان {لكم} و {عند الله} ظرف و {خالصة} حال والعامل "كان" أو الاستقرار. الثالث: أن يكون {عند الله} هو الخبر و {خالصة} حال والعامل فيها إما عند، و ما يتعلق به أو "كان" أو "لكم" وسوغ أن يكون {عند} خبر {كانت لكم} إذ كان فيه تخصيص وتبيين نحو {أية : ولم يكن له كفواً أحد} تفسير : [الإخلاص: 4] وقوله {من دون الناس} نصب بـ {خالصة} لأنك تقول: خلص كذا من كذا. والمراد بالدار الآخرة الجنة لأنها هي المطلوبة من الدار الآخرة دون النار. والمراد بقوله {عند الله} الرتبة والمنزلة، وحمله على عندية المكان ممكن ههنا إذ لعلهم كانوا مشبهة. ومعنى خالصة لكم أي سالمة خاصة بكم لا حق لأحد فيها سواكم. "ودون" ههنا يفيد التجاوز والتخطي في المكان كما تقول لمن وهبته منك ملكاً: هذا لك من دون الناس. أي لا يتجاوز منك إلى غيرك. والناس للجنس وقيل للعهد وهم المسلمون والجنس أولى لقوله {أية : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} تفسير : [البقرة: 111] ولأنه لم يوجد ههنا معهود. فإن قلت: من أين ثبت أنهم ادعوا ذلك؟ قلنا: لأنه لا يجوز أن يقال في معرض الاستدلال على الخصم إن كان كذا وكذا فافعل كذا إلا والأول مذهبه ليصح إلزامه بالثاني، ولقوله تعالى {أية : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} تفسير : [البقرة: 111] {أية : نحن أبناء الله وأحباؤه}تفسير : [المائدة: 18] ولما اعتقدوا في أنفسهم أنهم هم المحقون، لأن النسخ غير جائز عندهم، ولزعمهم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ويوصلونهم إلى ثواب الله فلهذه الأسباب عظموا شأن أنفسهم وكانوا يفتخرون على العرب، وربما جعلوه كالحجة في أن النبي صلى الله عليه وسلم المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب، وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فبين الله تعالى فساد معتقدهم بالآية. وبيان الملازمة أن متاع الدنيا قليل في جنب نعم الآخرة، وذلك القليل كان أيضاً منغصاً عليهم بعد ظهور محمد صلى الله عليه وسلم ومنازعته معهم بالجدال والقتال. فالموت خير لهم لا محالة لأنه يوصل إلى الخيرات الكثيرة الدائمة الصافية عن النغص، ولا يفوت إلا القليل النكد. والوسيلة وإن كانت مكروهة نظراً إلى ذاتها لكنه لا يتركها العاقل نظراً إلى غايتها كالفصد ونحوه. والنهي عن تمني الموت في قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به وإن كان ولا بد فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً إليّ وأمتني ما كانت الوفاة خيراً لي"تفسير : محمول على تمن سببه عدم الصبر على الضر ونكد العيش كما قال قائل: شعر : ألا مـــوت يبــــاع فــأشتــريــه فهــذا العيــش مــا لا خيــر فيــه ألا رحــم المهيمــن روح عبـد تصــدق بــالــوفـاة علــى أخيــه تفسير : فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقضاء ويدل على الجزع وضيق العطن وينافي قضية التوكل والتسليم، أو على تمن سببه الجزم بالوصول إلى نعيم الآخرة فإن ذلك خارج عن قانون الأدب، ونوع من الأخبار بالغيب لا يليق إلا ببعض أولياء الله. روي أن علياً عليه السلام كان يطوف بين الصفين في غلالة وهي شعار يلبس تحت الثوب وتحت الدرع أيضاً. فقال له ابنه الحسن: ما هذا بزي المحاربين. فقال: يا بني، لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت. وعن حذيفة أنه رضي الله عنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال رضي الله عنه: حبيب جاء على فاقة لا يفلح من ندم. يعني على التمني. وقال عمار بصفين: الآن ألاقي الأحبة، محمداً وحزبه. وكان كل واحد من العشرة المبشرة بالجنة يحب الموت ويحن إليه لجزمهم بلقاء الله و نيل ثوابه وذلك لمكان البشارة، فأما أحدنا فلا يليق به تمني الموت إلا على سبيل الرجاء وحسن الظن بالله "حديث : أنا عند ظن عبدي بي"تفسير : وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه وما بقي على الأرض يهودي" تفسير : وليس لهم أن يقلبوا هذا السؤال على محمد صلى الله عليه وسلم فيقولوا: إنك تدعي أن الدار الآخرة خالصة لك ولأمتك دون من ينازعك في الأمر، فارض بأن نقتلك ونقتل أمتك فإنا نراك وأمتك في الضر الشديد والبلاء العظيم، وبعد الموت تتخلصون إلى دار الكرامة والنعيم، لأنه صلى الله عليه وسلم بعث لتبليغ الشرائع وتنفيذ الأحكام ولا يتم المقصود إلا بحياته وحياة أمته، فله صلى الله عليه وسلم أن يقول لأجل هذا لا أرضى بالقتل مع أن المؤمن من هذه الأمة قلما يخلو من النزاع والشوق إلى لقاء ربه، فالعبد المطيع يحب الرجوع إلى سيده، والعبد الآبق يكره العود إلى مولاه، ولهذا جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وبذلوا أرواحهم دون الدين والذب عن الملة الحنيفية {أية : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر} تفسير : [الأحزاب: 23] عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقالت عائشة أو بعض أزواجه إنا لنكره الموت قال ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه. وإن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه" تفسير : ثم إنه تعالى بين انتفاء اللازم بقوله {ولن يتمنوه أبداً} وبرهن عليه بقوله{بما قدمت أيديهم} أي بما أسلفوا من موجبات النار كالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن وكتحريف كتاب الله وسائر قبائح أفعالهم. وذكر الأيدي مجاز لأن أكثر الأعمال يتم بمباشرة اليد. وقوله {ولن يتمنوه أبداً} من المعجزات لأنه إخبار بالغيب، وكان كما أخبر به كقوله {أية : ولن تفعلوا} تفسير : [البقرة: 24] وذلك أن التمني ليس من أعمال القلب حتى لا يطلع عليه أحد، وإنما هو قول الإنسان بلسانه تمنيت أو ليت لي كذا، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب. فلو إنهم تمنوا لنقل ذلك كما ينقل سائر الحوادث العظام، ولكان ناقلوه من أهل الكتاب وغيرهم من أولى المطاعن أكثر من الذرّ. وأيضاً لو كان التمني بالقلوب وتمنوا لقالوا قد تمنينا الموت في قلوبنا ولم ينقل أنهم قالوا ذلك. وأيضاً لولا أنه تعالى أوحى إليه أنهم لم يتمنوا لم يكن في العقل رخصة الإقدام على مثل هذا الإلزام، لأنه في غاية السهولة، وإذا ثبت انتفاء اللازم ثبت انتفاء الملزوم بالضرورة وهو أن لا تكون الدال الآخرة لهم خالصة، وأما أنها ليست لهم بالاشتراك أيضاً، فيستفاد من الآية التالية. وفي قوله {والله عليم بالظالمين} إشارة أيضاً إلى ذلك لأنه إذا كان محيطاً بسرهم وعلانيتهم وقد قدموا من القبائح ما قدموا فيجازيهم بما يحقون له. وفي وضع الظاهر وهو بالظالمين مقام المضمر وهو بهم إشارة أخرى إلى سوء منقلبهم {أية : وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} تفسير : [الشعراء: 227] واللام إما للعهد وإما للجنس، فيشملهم أولاً وغيرهم من الظلمة ثانياً. فإن قيل: ما الفائدة في قوله ههنا {ولن يتمنوه} وفي سورة الجمعة {أية : ولا يتمنونه} تفسير : [الجمعة: 7]؟ قلنا: لأن الدعوى هنا كون الدار الآخرة خالصة لهم، وهناك كونهم أولياء لله من دون الناس، والأول مطلوب بالذات، والثاني وسيلة إليه، فناسب أن ينفي الأول بما هو أبلغ في إفادة النفي وهو "لن"، أو لأن الدعوى الثانية أخص فإنه لا يلزم أن يكون كل من له الدار الآخرة ولياً بمعنى أنه يلي النبي في الكمال والإكمال، ونفي العام أبعد من نفي الخاص كما أن إثبات الخاص في قولك "فلان ابن فلان موجود" أبعد من إثبات العام في قولك "الإنسان موجود". فحيث كانت الدعوى الأولى أبعد احتيج إلى أداة هي في باب النفي أبلغ. ثم إنه سبحانه لما أخبر عنهم في الآية المتقدمة أنهم لا يتمنون الموت، أخبر بعد ذلك أنهم في غاية الحرص على الحياة، لأن ههنا قسماً ثالثاً وهو أن لا يتمنى الحياة ولا الموت فقال {ولتجدنهم أحرص الناس} مؤكداً باللام والنون والقسم المقدر وهو من وجد بمعنى علم. وقوله {على حياة} بالتنكير لأنه أراد نوعاً من الحياة مخصوصاً وهي الحياة المتطاولة أو حياة وأيّ حياة. وفي جعلهم أحرص من الذين أشركوا توبيخ عظيم، لأن المشركين لا يؤمنون بمعاد وعاقبة وما يعرفون إلا الحياة الدنيا فهي جنتهم، فلا يستبعد حرصهم عليها. فإذا ازداد عليهم في الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان خليقاً بالتوبيخ. وسبب زيادة حرصهم هو علمهم بأنهم صائرون إلى النار لا محالة والمشركون غافلون عن ذلك. وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز وألف مهرجان. وعن ابن عباس: هو قول الأعاجم "زي هزار سال"، ويحسن أن يقال {ومن الذين أشركوا} كلام مبتدأ أي ومنهم ناس يودّ على حذف الموصوف كقوله {أية : وما منا إلا له مقام معلوم}تفسير : [الصافات: 164] أي وما منا ملك لقوة الدلالة عليه بذكر ما اشتمل عليه قبله، فكأنه مذكور، وعلى هذا يلزم توبيخ اليهود من جهة أخرى وهي انضمامهم في زمرة المشركين وكونهم بعضاً منهم وذلك كقولهم {أية : عزير ابن الله}تفسير : [التوبة: 30]. وقال أبو مسلم: في الآية تقديم وتأخير أي ولتجدنهم طائفة من الذين أشركوا وأحرص الناس على حياة، ثم فسر بقوله {يود أحدهم} أي كل واحد يغرض لو يعمر. و "لو" في معنى التمني و {لو يعمر} حكاية لودادتهم، وكان يجوز "لو أعمر" على الحكاية إلا أنه جرى على لفظ الغيبة لقوله {يود أحدهم} مثل "حلف بالله ليفعلن" وتخصيص الألف بالذكر بناء على العرف ولأنه أول عقد يستحيل وقوعه في أعمار بني آدم أو يندر. والضمير في قوله {وما هو} يعود إلى أحدهم و {أن يعمر} فاعل {بمزحزحه} أي وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره. ويجوز أن يكون الضمير لما دل عليه {يعمر} من مصدره و {أن يعمر} بدل منه كأنه قيل: وما التعمير بمزحزحه من العذاب أن يعمر. ويجوز أن يكون {هو} مبهماً و {أن يعمر} موضحه. والزحزحة المباعدة والتنحية. {والله بصير بما يعملون} فيه تهديد لأهل البغي والعناد، وزجر للعصاة عن الفساد. والبصر قد يراد به العلم يقال فلان بصير بهذا الأمر أي عارف به، وقد يراد به أنه على صفة لو وجدت المبصرات لأبصرها، وكلا الوصفين يصح عليه سبحانه ما لم يثبت له جارحة. فإن قلنا: إن من الأعمال ما لا يصح أن يرى، تعين حمل البصر فيه على العلم والله أعلم بالصواب. وإليه المرجع والمآب.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ}: {ٱلْبَيِّنَـٰتُ}: التوراةُ، والعصَا، وفَرْقُ البَحْرِ، وسَائِرُ الآياتِ، وَ {خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم }: يعني: التوراةَ والشرْعَ {بِقُوَّةٍ}، أي: بعزمٍ، ونشاطٍ. وجِدٍّ. {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ }: أي: حبَّ العجْلِ، والمعنى: جُعِلَتْ قلوبهم تَشْربه، وهذا تشبيهٌ ومجازٌ عبارة عن تمكُّن أمر العِجْل في قلوبهم. وقوله تعالى: {بِكُفْرِهِمْ } يحتمل أن تكون باء السببِ، ويحتمل أن تكون بمعنى «مَعَ». وقوله تعالى: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَـٰنُكُمْ} أمر لمحمَّد صلى الله عليه وسلم أن يوبِّخهم؛ لأنَّه بئس هذه الأشياء التي فَعَلْتُمْ، وأمركم بها إِيمانُكُم الذي زعمتُمْ في قولكم: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا}. وقوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ...} الآية: أمر لمحمَّد صلى الله عليه وسلم أنْ يوبِّخهم، والمعنَىٰ: إِن كان لكم نعيمُهَا وحُظْوَتُهَا، وخيرها، فذلك يقتضي حرْصَكُم على الوصُول إِليها، {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ}، والدَّارُ: اسمُ «كان»، و «خَالِصَة»: خبرها و{مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ} يحتملُ أن يراد بـــ «النَّاس»: محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، ومن تبعه، ويحتمل أن يراد العموم، وهذه آية بيِّنة أعطاها اللَّه رسولَهُ محمَّداً صلى الله عليه وسلم؛ لأن اليهود قالَتْ: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ }، تفسير : [المائدة:18] وشبه ذلك من القول، فأمر اللَّه نبيَّه أن يدعوهم إلى تمنِّي الموت، وأن يعلمهم أنه من تمنَّاه منهم مات، ففعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم ذلك، فعلموا صدْقَهُ، فَأَحْجَمُوا عن تمنِّيه فَرَقاً من اللَّه؛ لِقبحِ أفعالهم ومعرفتهم بكذبِهم، وحرصاً منهم على الحَيَاة، وقيل: إِن اللَّه تعالى منعهم من التمنِّي، وقصرهم على الإِمساك عنه؛ لتظهر الآية لنبيِّه صلى الله عليه وسلم. * ت *: قال عِيَاضٌ: ومن الوجوه البَيِّنة في إِعجاز القُرْآن آيٌ وردتْ بتعجيز قومٍ في قضايا، وإعلامهم أنهم لا يفعلونها، فما فَعَلُوا ولا قَدَرُوا علَىٰ ذلك؛ كقوله تعالى لليهود: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلأَخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً...} الآية: قال أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَاج في هذه الآية: أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحَّة الرسالة؛ لأنهُ قال لهم: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} وأعلمهم أنهم لَنْ يتمنَّوْهُ أبداً، فلم يتمنَّهُ وَاحِدٌ منهم، وعن النبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم «حديث : والَّذي نَفُسِي بيَدِهِ، لا يقولها رجُلٌ منهم إلا غصَّ بِرِيقِهِ»تفسير : ، يعني: يموتُ مكانه، قال أبو محمَّدٍ الأصيليُّ: من أَعجب أمرهم؛ أنَّهُ لا تُوجَدُ منهم جماعةٌ ولا واحدٌ من يومِ أَمَرَ اللَّهُ تعالَىٰ بذلك نبيَّهُ يقدَّم عليه، ولا يجيب إليه، وهذا موجودٌ مشاهَدٌ لمن أراد أن يمتحنه منهم. انتهى من «الشِّفَا». والمراد بقوله: {تَمَنَّواْ }: أريدوهُ بقلوبكم، واسْألوهُ، هذا قَوْلُ جماعة من المفسِّرين، وقال ابن عبَّاس: المراد به السؤالُ فقطْ، وإِن لم يكن بالقَلْب، ثم أخبر تعالَىٰ عنهم بعجزهم، وأنهم لا يتمنَّونه أبداً، وأضاف ذنوبهم وٱجترامهم إِلى الأيدي؛ إِذ الأَكْثَرُ من كسب العبد الخير والشرَّ، إِنما هو بِيَدَيْهِ، فحمل جميعُ الأشياء على ذلك. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّـٰلِمينَ }: ظاهره الخبر، ومضمَّنه الوعيدُ؛ لأن اللَّه سبحانه عليمٌ بالظالمينَ، وغيرهمْ، ففائدة تخصيصهم حصولُ الوعيد.

ابن عادل

تفسير : "بِالْبَيِّنَاتِ" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون حالاً من "موسى" أي: جاءكم ذا بيِّنات وحُجَج، أو ومعه البينات. وثانيهما: أن يكون مفعولاً، أي: بسبب إقامة البَيّنات، وهي قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ}تفسير : [الإسراء:101] وهي: العصا والسّنون واليد والدم والطّوفان والجراد والقمل والضفادع وفلق البحر. وقيل: البينات التوراة وما فيها من الدّلالات. واللام في "لقد" لام القسم. {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} توبيخ، وهو أبلغ من "الواو" في التَّقريع بها والنظر في الآيات، أي بعد النظر في الآيات والإتيان بها اتّخذتم، [وهذا يدّل على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مُهْلة من النظر في الآيات، وذلك أعظم لجُرْمهم]. وما بعده من الجمل قد تقدم مثله، والسبب في تكريرها أنه ـ تعالى ـ لما حكى طريقة اليَهُودِ في زمان محمد عليه الصَّلاة والسَّلام، وصفهم بالعِنَادِ والتكذيب، ومثلهم بسلفهم في [قتلهم] الأنبياء الذي يناسب التكذيب؛ بل يزيد عليه إعادة ذكر موسى ـ عليه السلام ـ وما جاء به من البيّنات، وأنهم مع وضوح ذلك أجازوا أن يتخذوا العجل إلهاً وهو مع ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه، والتمسّك بدينه، فكذلك القول في حالي معكم وإن بالغتم في التَّكذيب والإنكار.

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} من تمام التبكيت والتوبـيخِ، داخلٌ تحت الأمر، لا تكريرٌ لما قُصَّ في تضاعيف تعدادِ النعم التي من جملتها العفوُ عن عبادة العجلِ، واللامُ للقسم أي: وبالله لقد جاءكم موسى متلبّساً بالمعجزات الظاهرةِ التي هي العصا واليدُ والسِّنونَ ونقصُ الثمراتِ والدمُ والطوفانُ والجَرادُ والقُمّلُ والضفادعُ وفلْقُ البحرِ وقد عُدَّ منها التوراةُ وليس بواضح، فإن المجيءَ بها بعد قصةِ العجل {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} أي إلٰهاً {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد مجيئِه بها، وقيل: من بعد ذهابِه إلى الطور فتكونُ التوراةُ حينئذ من جملة البـيناتِ وثم للتراخي في الرُتبة والدلالة على نهايةِ قُبْحِ ما صنعوا {وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ} حالٌ من ضمير اتخذتم بمعنى اتخذتمُ العجلَ ظالمين بعبادته واضعين لها في غير موضِعِها أو بالإخلال بحقوق آياتِ الله تعالى أو اعتراض أي وأنتم قوم عادتُكم الظلمُ.

القشيري

تفسير : أي دعاكم إلى التوحيد، وإفراد المعبود عن كل معبود ومحدود، ولكنكم لم تجنحوا إلا إلى عبادة ما يليق بكم من عِجْلٍ اتخذتموه، وصنمٍ تمنيتموه. فرفع ذلك من بين أيديهم، ولكن بقيت آثاره في قلوبهم وقلوب أعقابهم، ولذلك يقول أكثرُ اليهود بالتشبيه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد جاءكم موسى بالبينات} من تمام التبكيت والتوبيخ داخل تحت الامر واللام للقسم اى بالله قد جاءكم موسى ملتبسا بالمعجزات الظاهرة من العصا واليد وفلق البحر ونحو ذلك {ثم اتخذتم العجل} اى آلها {من بعده} اى من بعد مجيئه بها وثم للتراخى فى الرتبة والدلالة على نهاية قبح ما فعلوا {وانتم ظالمون} حال من ضمير اتخذتم اى عبدتم العجل وانتم واضعون العبادة فى غير موضعها.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: جملة: {وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} حال من {اتخذتم}. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى} بالمعجزات الواضحات: كالعصا واليد وفلق البحر، ثم لم ينجح ذلك فيكم، فاتخذتم العجل إلهاً تعبدونه من بعد ذهابه إلى الطور {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} في ذلك، فأين دعواكم الإيمان بالتوراة؟ الإشارة: ويقال لمن أقام على عبيه، ورضي بمرض قلبه، حتى لقي الله بقلب سقيم: لقد جاءتكم أوليائي بالآيات الواضحات، ولو لم يكن إلا شفاء المرضى على أيديهم - أعني مرضى القلوب - لكان كافياً، ثم اتخذتم الهوى إلهكم، وعبدتم العاجلة بقلوبكم، وعزَّتْ عليكم نفوسكم وفلوسكم، وأنتم ظالمون في الإقامة على مساوئكم وعيوبكم، مع وجود الطبيب لمن طلب الشفاء، وحسّن الظن وشهد الصفاء. (كن طالباً تجد مرشداً) وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : المعنى: {ولقد جاءكم موسى} يعني جاء اليهود موسى {بالبينات} الدالة على صدقه وصحة نبوته. كقلب العصاحية، وانبجاس الماء من الحجر، واليد البيضاء، وفلق البحر، والجراد، والقمل، والضفادع، وغيرها من الآيات. وسماها بينات، لظهورها وتبينها للناظرين اليها انها معجزة لا يقدر على أن يأتي بمثلها بشر. وانما هي جمع بينة مثل طيبة وطيبات وقوله: {ثم اتخذتم العجل من بعده} يعني بعد "موسى" لما فارقهم ومضى إلى ميقات ربه. ويجوز ان تكون الهاء كناية عن المجيء. فيكون التقدير: ثم اتخذتم العجل من بعد مجيء موسى بالبينات {وأنتم ظالمون} كما يقول القائل: جئتني فكرهتك: اي كرهت مجيئك. وليس المراد بثم ها هنا النسق، وانما المراد بها التوبيخ، والتعجب والاستعظام لكفرهم مع ما رأوا من الآيات. وقوله: {وأنتم ظالمون} يعني انكم فعلتم ما فعلتم من عبادة العجل. وليس ذلك لكم، وعبدتم غير الله، وكان ينبغي لكم ان تعبدوا الله، لان العبادة لا تكون لغير الله، فانتم بفعل ذلك ظالمون انفسكم.

الجنابذي

تفسير : {وَ} قل {لَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} اى بالمعجزات الدّالّة على صدقه وحقّيّة نبوّته فلم تؤمنوا به {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} الهاً {مِن بَعْدِهِ} اى من بعد مجيء موسى (ع) بالبيّنات او من بعد ذهابه الى جبل الطّور وهو دليلٌ على انّكم مفطورون على تكذيب الحقّ واتّباع الباطل {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} واضعون الباطل موضع الحقّ او ظالمون على انفسكم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالبَيِّنَاتِ} يعني أوليهم {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} قد فسَّرنا أمر العجل قبل هذا الموضع. قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا ءَاتَيْنَاكُم بَقُوَّةٍ} وقد فسّرناه قبل هذا الموضع. قوله: {وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} سمعنا ما تقول، وعصينا أمرك. {وَأُشْرِبُوا فَِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}. قال الحسن: ليس كلهم تاب وقَبِل ذلك: فمن لم يتب فهم الذين بقي حبُّ العجلَ في قلوبهم، وهم الذين قال الله فيهم: (أية : إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا...) تفسير : [الأعراف:152]. قوله: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. أي لو كان الإِيمان في قلوبكم لحجزكم عن عبادة العجل. يقول: بئسما يأمركم به إيمانكم أن تعبدوا العجل. وهو مثل قوله: (أية : وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً)تفسير : [الأنفال:35] وأشباه ذلك يقول: إن كنتم مؤمنين فإن إيمانكم لا يأمركم بعبادة العجل. ثم رجع إليهم لقولهم: (أية : لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى)تفسير : [البقرة:111]، ولقولهم: (أية : لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً) تفسير : [البقرة: 80]. فقال: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي أنكم من أهل الجنة حتى تدخلوا الجنة بزعمكم. قال: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: بما أسلفوا من الأعمال الخبيثة، لأنهم يعلمون أنهم معذَّبون، يعني به الخاصة الذين جحدوا وكفروا حسداً وبغياً من بعد ما تبيّن لهم. {وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَى بالبيِّنات}: الآيات الواضحات وهى التوراة، فيكون هذا ترشيحاً وتقوية فى الرد عليهم فى ادعائهم الإيمان بالتوراة، كأنه قيل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين بالتوراة، ولقد جاءكم موسى بها ثم رد عليهم رداً آخر بقوله: {ثُم اتَّخذتُم العِجْلَ}: والمفعول الثانى محذوف أى ثم اتخذتم العجل إلهاً. {مِنْ بَعْدِهِ}: أى من بعد موسى فيقدر مضاف أى من بعد ذهابه إلى الطور، أو من بعد مجيئه بالتوراة، وليس فيها جواز اتخاذ العجل إلهاً، وفيها تحريم الشرك، فاتخاذه كفر بها، فلم يصح إيمانكم بها، وتعود الهاء إلى المحى المفهوم من جاءكم، ويجوز كون قوله: {ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده} رداً مستأنفاً كقولك: لو كنت كريماً لم يبت عيالك جياعاً، لو كنت كريماً لم تحرم ضيفك، وجوز أن يراد بالبينات المعجزات كالعصى فى حالها مع السحرة وغيرهم، واليد البيضاء، وفرق البحر، وتفجير الحجر ماءاً وغير ذلك كالآيات التسع فى قوله: {أية : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات} تفسير : وغيرهن وهذا أيضاً رد عليهم لو صح إيمانكم بالتوراة لما كفرتم بعد هذه المعجزات، أو المراد بالآيات المعجزات والتوراة معاً. {وَأنتُم ظالمُون}: ناقصون أنفسكم حظوظها فى الدنيا والآخرة باتخاذ العجل إلهاً أو جائرون بوضع العبادة فى غير موضعها، إذ عبدتم العجل أو أوقعتم أنفسكم فى المضرة، أو ظالمون بالإخلال بآيات لم تعملوا بها، والجملة حال من التاء فى اتخذتم، أو مستأنفة على معنى أنتم قوم عادتكم الظلم، فتكون معترضة بين شيئين وقع الرد عليهم بهما فى ادعائهم الإيمان بالتوراة لأن قوله:{وإذ أخَذْنا ميثاقَكُم..}

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُّوسَى بِالْبَيِّنَٰتِ} كفلق البحر، والمن والسلوى، وتظليل الغمام، وإحياء القتيل، ورفع الطور فوقهم، وانفجار الماء من الحجر، والآيات التسع، وهذا أولى من تفسير بعض العلماء البينات بدلائل التوحيد، والعموم أولى وليس هذا وما بعده تكريراً لما تقدم، لأنه أمر أن يقوله لهم، فهو من جملة المحكى بقل فى قوله، قل، فلم تقتلون، مشيرا إلى أن طريقتهم مع محمد طريقتهم مع موسى عليهما السلام، وأيضا سبقت لإبطال دعواهم فى الإيمان بالتوراة، وللتلويح بأن كفرهم بمحمد ليس بأعجب من كفرهم بموسى {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} عجل السامرى إلها تعبدونه، أو اتخذتم العجل بمعنى صورتموه، ونص التوراة لا تعملوا صورا، فتصوير الرأس أو مع الجسد محرما ولو لم يعبد، والتوراة نزلت بعد اتخاذه بمدة قريبة، وثم للاستبعاد، أو لأنهم فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر فى الآيات، وذلك فعل آبائهم، خوطبوا به، فجرى الخطاب على مقتضى أنهم فعلوه وبهذا الاعتبار يصح أن يراد بالبينات التوراة، فلا يعترض بأن اتخاذ العجل قبل التوراة {مِنْ بَعْدِهِ} بعد ذهابه إلى الميقات، أو بعد مجيئه بالبينات، كما قال، ولقد جاءكم موسى بالبينات، وقيل الاتخاذ بعد رجوعه من الميقات، وهو ضعيف {وَأَنْتُمْ ظَٰلِمُونَ} أنفسكم باتخاذ العجل، وظالمون لمن يقتدى بكم، ولدين الله، والزمان والمكان، ولنعم الله، إذ وضعتموها فى غير محلها. وهكذا تستحضر بعد، أو أنتم عادتكم الظلم قبل الاتخاذ فينتج منه الاتخذ وغيره.

الخليلي

تفسير : سبق ذكر قصتي اتخاذهم العجل ورفع الطور فوقهم في هذه السورة وليست إعادتهما هنا تكرارا وإنما لما يترتب عليها مما لم يذكر فيما سبق من الفوائد، والواو عاطفة والمعطوف عليه قوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ} والقصد منه تعليم الإِنتقال في مجادلتهم إلى ما يزيد إبطال دعواهم الإِيمان بما أنزل اليهم خاصة، وذلك أنه بعد أن كذبهم في ذلك بقوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ} أتى بأسلوب الترقي إلى ذكر أحوالهم في مقابلتهم دعوة موسى الذي قد قابلوا دعوته بالعصيان قولا وفعلا أفاده العلامة بن عاشور. وهو مبني على جواز عطف الخبر على الإِنشاء والعكس، وحجته ظاهرة لوفرة شواهده من القرآن؛ ومن كلام العرب وسيأتي بيان فائدة إعادة القصتين في تفصيل تفسير الآيتين إن شاء الله. والبينات هي الآيات التسع التي ذكرها الله في قوله: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} تفسير : [الإِسراء: 101]، وقوله: {أية : فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} تفسير : [النمل: 12]، فإنها حجة على بني إسرائيل كما أنها حجة على فرعون وآله، ومن بين هذه الآيات العصى واليد، وقيل هي دلائل توحيد الله عز وجل، وقيل: هي التوراة، وصدر به القطب - رحمه الله - في الهيميان، وأيده بقوله: "فيكون هذا ترشيحا وتقوية في الرد عليهم في ادعائهم الإِيمان بالتوراة، كأنه قيل فلم تقتلون أنيباء الله من قبل إن كنتم مؤمنين بالتوراة. ولقد جاءكم موسى بها، ثم رد عليهم ردا آخر بقوله: {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ}". ويرده أن الله عطف اتخاذهم العجل على مجيء موسى إليهم بالبينات ب "ثم" الدالة على المهلة مع أن هذا الاتخاذ سابق على المجيء بالتوراة وقد كان إبان ذهابه عليه السلام إلى ميقات ربه لتلقيها. فإن قيل إن المهلة هنا رتبية وليست زمنية كما هو شأن ثم غالبا عندما تعطف الجمل، وهو الذي يقتضيه كلام القطب - رحمه الله - حيث قال: ثم رد عليهم ردا آخر بقوله: {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ}. فالجواب أن جعلها للمهلة الرتبية دون الزمنية مخالف لما تدل عليه البعدية المنصوص عليها بقوله: {مِن بَعْدِهِ} فإنها ظاهرة الدلالة على أن اتخاذهم العجل كان بعد مجيئه عليه السلام إليهم بالبينات، وهو أبلغ في التشهير بسوء صنيعهم وإقامة الحجة عليهم. وقد تقدم شرح قصة اتخاذهم العجل، وقد ذكرت هنالك في معرض الامتنان عليهم بعفوه عنهم بعد ارتكابهم هذه الفعلة النكراء، وأعيدت هنا في معرض إقامة الحجة عليهم ودحض شبهتهم التي يتشبثون بها في ترك إيمانهم بخاتم النبيين وذلك أنهم لو كانوا مؤمنين حقا بما أنزل عليهم لما اتخذوا العجل إلها من دون الله، وقد دعاهم موسى عليه السلام إلى توحيد الله عقيدة وعبادة، وأجرى الله تعالى على يديه من الآيات ما يكفي لاستئصال شبهة كل ممار في توحيده، والآيات التسع الموسومة هنا بالبينات، كما أنها حجة على فرعون وآله هي حجة على بني اسرائيل لمعاينتهم لها، وقد كانت مقدمات لخلاصهم مما كانوا يعانونه تحت وطأة قهر المتكبرين، كفرانهم بالله باتخاذهم أندادا له بعد هذه المعاينة أوغل في الظلم وأبعد في الضلالة، وأشد تنافيا مع ما يدعونه من الإِيمان بما أنزل عليهم أي على الأنبياء الذين هم من بني جلدتهم، فإن أولئك النبيين جميعا ما كانوا إلا دعاة توحيد، فأي انحراف عن منهجه كفر برسالتهم وجحد لما أنزل عليهم. وإسناد الاتخاذ إلى هؤلاء المخاطبين مع كونه من فعل أسلافهم الغابرين، لأنهم يتولونهم عليه، وما زالوا يترسمون خطواتهم في المكابرة والعناد. ويؤكد وضوح عدم اعتبار اعادة هذه القصة تكرارا فهم مقاصد القرآن في الخطاب، فإنه متعدد المقاصد يأتي خطابه في معارض مختلفة، منها التذكير والامتنان، ومنها التقريع والاحتجاج، ومنها الوعد والوعيد، ومنها الأمر والنهي؛ فلا غرو إذا أعيدت اقصة الواحدة في معرض هذه الأغراض المتنوعة لأنها في كل مقام ذات فائدة جديدة. والضمير في (بعده) عائد إلى المجيء المفهوم من جاءكم، أو إلى موسى نفسه، المراد ببعده بعد ذهابه إلى الطور، والأول هو الأنسب بالمقام والأبلغ في الاحتجاج عليهم. وجملة: {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} تذييل، اي وشأنكم الظلم، فالواو عاطفة وليست للحال، أو أنها حالية، أي أتيتم ما أتيتم متلبسين بالظلم، والأول أظهر لأن اتخاذ الند لله سبحانه لا يكون إلا ظلما. وقد تقدم بيان الظلم أنه وضع الشيء في غير موضعه، وأبشعه الإِشراك بالله الذي خلق كل شيء فقدر تقديرا، ومَنَّ على الإِنسان بأن خلق له ما في الأرض جميعا، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض، جميعا منه، فمن أشرك به شيئا فقد بلغ من الظلم غايته، لأنه أبطل جميع مواهبه، وتجاهل جميع دلائله. وإعادة قصة رفع الطور فوقهم وأخذ الميثاق منهم لغير ما ذكرت من أجله من قبل فإنها سيقت من قبل في معرض تذكيرهم بنعم الله، ومقابلتهم إياها بالكفران، وذكرت هنا لعدة أغراض: أولها: قطع حبل الشبهة التي يتشبثون بها في عدم استجابتهم لخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه كما سبق. ثانيها: تسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، فإنه صلوات الله وسلامه عليه كان شديد الحرص على إيمانهم لأنهم أعلم من غيرهم بالنبوات ودعوات الأنبياء، وقد كان عندهم من البشائر به صلى الله عليه وسلم ما يبعثهم على المسارعة إلى الإِيمان به لولا الأهواء التي رانت على قلوبهم وغشيت أبصارهم بما حجبها عن الحق، ووجه التسلية أن موسى عليه السلام من بني جلدتهم وقد بعث في وسطهم في أحلك الظروف وهم يتجرعون مرارة العذاب من فرعون وآله، فكان خلاصهم على يديه، وشاهدوا منه من المعجزات ما يستأصل شأفة كل ريب ويسكن اضطراب كل نفس، ولكنهم مع ذلك كانوا أقسى قلبا وأشد عتوا، إذ قابلوا كل ذلك بالعناد وصارحوه عليه السلام بالرفض لما كان يدعوهم إليه من الحق، فلا يستغرب إذا رفضوا الإِيمان برسول بعث من جنس غير جنسهم، وفي بيئة غير بيئتهم فإن الإِصرار على الباطل ديدنهم، والكفر بالنبيين وما جاءوا به سبيلهم. ثالثها: استئصال ما عسى أن يلابس النفوس الضعيفة الإِيمان من الريب بسبب هذا العناد منهم، فرب أحد تحدثه نفسه بأن هذه الدعوة لو كانت حقا لكانوا أسرع الناس إلى قبولها والالتفات حولها لما يتميزون به من علم الكتاب، فإذا ذكر بمواقفهم مع أنبيائهم انجلى عنه ما كان غاشيا من الارتياب، فإن موقفهم من دعوة خاتم النبيين ليس إلا صورة مكررة من مواقفهم مع أنبيائهم الذين جاءوهم بالخلاص والهدى والبرهان. وقد اختلفت العبارة في ذكر هذه القصة هنا عما تقدم فقد أمروا هناك - بعد فرض أخذ ما أوتوه بقوة - بذكر ما فيه، وأمروا هنا بالسمع، ومؤدى العبارتين واحد، فإن الذكر المأمور به هناك ليس هو تحريك اللسان بألفاظ ما أوتوا من الكتاب فحسب ولكنه التلاوة الحقة المقرونة بالتفهم والتدبر حتى يتحول المتلو إلى أمر واقع راسخ في حياتهم الفكرية، ظاهر في حياتهم العملية، والسمع الذي أمروا به هنا ليس هو مجرد إصغاء الأذن وإنما هو الطاعة والقبول والتطبيق، فإن السمع يطلق على القبول في الاستعمال العربي، ومنه قول المصلي: "سمع الله لمن حمده"، ومثله قول الشاعر: شعر : دعوت الله حتى خفت ألا يكون الله يسمع ما أقول تفسير : فإنه من المعلوم بداهة أنه لا يعني به عدم السمع من الله لصوت ما يقول، وإنما قصد به عدم التقبل والاستجابة. وقد سيقت القصة من أولها مساق الخطاب للحاضرين كما ترون في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُواْ}، ثم التفت عن الخطاب إلى الحكاية عن الماضين عندما جاء الجواب حيث قال: {قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}، واختلف المفسرون في هذا الجواب أكان نطقا منهم باللسان أم كان مفهوما من واقع حالهم؛ فجمهور السلف على أنه كان قولا صريحا، وأنهم قالوا له سمعنا قولك عصينا أمرك. قال الزمخشري: "فإن قلت كيف طابق قوله جوابهم قلت طابقه من حيث انه قال لهم اسمعوا وليكن سماعكم سماع تقبل وطاعة، فقالوا سمعنا ولكن لا سماع طاعة". ونقل الفخر عن أبي مسلم قوله: "وجائز أن يكون المعنى سمعوه فتلقوه بالعصيان فعبر عن ذلك بالقول وإن لم يقولوه، كقوله تعالى: {أية : أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]، وكقوله: {أية : قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} تفسير : [فصلت: 11]. قال الفخر: "والأول أولى لأن صرف الكلام عن ظاهره بغير الدليل لا يجوز". وهذا الذي جوزه أبو مسلم، قطع به الإِمام محمد عبده حيث قال: "وليس المراد أنهم نطقوا بهاتين الكلمتين (سمعنا وعصينا) بل المراد أنهم بمثابة من قال ذلك، ومثل هذا التجوز معروف في عهد العرب وفي هذا العهد يعبرون عن حال الإِنسان وغيره بقول يحكيه عن نفسه حتى حكى مثله ذلك عن الحيوانات والطيور وعن الجمادات أيضا، وهو أسلوب أظن أنه يوجد في كل لغة أو في اللغات الراقية فقط". وجزم بهذا أيضا الإِمام ابن عاشور غير أنه قصره على (عصينا)، وحمل عليه ما نقله الفخر عن أبي مسلم، وعبارته "فالوجه في معنى هذه الآية هو ما نقله الفخر عن أبي مسلم أن قولهم (عصينا) كان بلسان الحال، يعين فيكون قالوا، مستعملا في حقيقته ومجازه، أي قالوا سمعنا وعصوا، فكأن لسانهم يقول عصينا". والجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد في الاستعمال الواحد مرفوض عند أكثر المحققين، لأن التجوز لا يصار إليه إلا مع قرينة، وهي ناقلة لمفهوم اللفظ في الاستعمال عما وُضع له، فلا يجوز معها أن يراد به أصله الموضوع له، وحمل كلام أبي مسلم الي نقله الفخر على قصد هذا المعنى غير واضح. هذا ويرجح قول من ذهب إلى أن المراد بهذا القول واقع حالهم استحالة أن يكونوا في حالة رفع الطور فوقهم قادرين على المصارحة بالعصيان، فإن ذلك مما لا تطاوع عليه طبائع البشر، كما يستأنس له بقوله تعالى فيما سبق: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} فإن العصيان المذكور هنا هو عين التولي المذكور هناك، والأصل في البعدية أن تكون زمانية. وذكر الإِمام ابن عاشور احتمال أن يكون قولهم: (عصينا) وقع في زمن متأخر عن وقت نزول التوراة بأن قالوا عصينا في حثهم على بعض الأوامر مثل قولهم لموسى حين قال لهم ادخلوا القرية: {أية : لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً} تفسير : [المائدة: 24]. ثم قفى ذلك بيان ما خلفته في نفوسهم عبادة العجل من أثر إذ قال {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ}، والإِشراب المزج بين شيئين، وأصله في مزج الجامد بالمائع، واستعمل في الخلط بين المائعين، وتوسع فيه حتى أطلق على اللونين كقولهم بياض مشرب بحمرة، وهذه العبارة أدل على تغلغل حب العجل وعبادته في أعماق نفوسهم بحيث صور كالماء الساري في منافذ الجسم حتى تخلل جميع قلوبهم، واستولى على كل جانب منها، وذلك أقصى ما يصل إليه حب شيء كما قال الشاعر: شعر : إذ ما القلب أشرب حب شيء فلا تأمل له عنه انصرافا تفسير : وإيثار عبارة الإِشراب على غيرها كالإِطعام، لأن الماء يسري حيث لا يسري الطعام، ولذلك قال الأطباء الماء مطية الطعام والدواء، لأنه ينقل ما يتحلل فيه من عناصرهما إلى جوانب الجسم؛ وإذا أرادت العرب المبالغة في وصف الحب أو نحوه من الأعراض استعملت هذه العبارة ونحوها كما في البيت المتقدم، وقول أحد النابغتين: شعر : تغلغل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور تفسير : وقول غيره: شعر : جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي فأصبح لي عن كل شغل بها شغل تفسير : وذهب أسراء الألفاظ إلى أن معنى إشرابهم العجل أنهم شربوا من ماء البحر المختلط ببرادته عدما نسف فيه كما أخبر الله تعالى، وذلك أنهم قالوا: إن موسى عليه السلام ذبح العجل ثم برده بالمبرد وألقاه في البحر فاختلط بمائه وأمر بني إسرائيل بالشرب منه، فكل من كان في قلبه حب له خرج على شاربه الذهب؛ وقد رد المحققون هذا القول، وهو جدير بالرد، إذ لو كان المراد بالإِشراب سقيهم ذلك الماء لما عُدِّيَ إلى القلوب، فإن الماء أولى به مجاريه في البطن من القلوب، ولم يثبت هذا القول عمن نُسب إليهم من الصحابة والتابعين، وإنما أسنده ابن جرير إلى السدي المشهور بنقل الإِسرائيليات، وإلى ابن جريج وله في هذا الشأن عجائب، فلا يترك ما ذهب إليه الجمهور ودل عليه اللفظ لأجل ما رُوي عنهما. وربط سبحانه هذا الإِشراب بكفرهم لأن اتخاذهم العجل معبودا من دون الله تعالى من أعظم الكفر، ومن شأن المعصية أن ترين على القلب حتى تجر إلى أمثالها، وقد جر عليهم هذا الإِتخاذ حب العجل حتى استمر ذلك في نفوسهم بعد ذبحه ونسفه في البحر لتتضاعف أوزارهم، فالباء للسببية. وبعد التوطئة للرد على دعواهم الإِيمان بذكر طائفة من أعمالهم المنافية له جاء بالرد الصريح في قوله: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}، وإسناد الأمر إلى الإِيمان تهكم على حد قوله تعالى حكاية عن أصحاب الأيكة: {أية : يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ}تفسير : [هود: 87]. وأضاف الإِيمان إلى ضميرهم ولم يعرفه بأداة التعريف المشهورة لأن شأن الإِيمان أن يقي صاحبه الإِصرار على الباطل، وأي باطل أفظع مما أسند إليهم هنا من قتلهم النبيين واتخاذهم العجل ونقضهم الميثاق، فلو كانوا مؤمنين حقا لما وقع ذلك منهم، فإن كل ذلك ينافي كل المنافاة ما أنزل عليهم. وبما أن هذا التذييل الذي ختمت به الآية هو مناط الرد عليهم كان في حكم التقرير لما قبله من الردود فلذلك فصل عنه. وقد أتى الإِمام ابن عاشور في خاتمة تفسيره لهذا الكلام الإِلهي بما يجدر نقله بنصه وفصه لتعميم فائدته؛ قال: "وإنما جعل هذا مما أمرهم به إيمانهم مع أنهم لم يدعوا ذللك لأنهم لما فعلوه وهم يزعمون أنهم متصلبون في التمسك بما أنزل اليهم حتى أنهم لا يخالفونه قيد فتر، ولا يستمعون لكتاب جاء من بعده، فلا شك أن لسان حالهم ينادي بأنهم لا يفعلون فعلا إلا وهو مأذون فيه من كتابهم، هذا وجه الملازمة. وأما كون هذه الأفعال مذمومة شنيعة فذلك معلوم بالبداهة فأنتج ذلك أن إيمانهم بالتوراة يأمرهم بارتكاب الفظائع، هذا ظاهر الكلام، والمقصود منه القدح في دعواهم الإِيمان بالتوراة، وإبطال ذلك بطريق يستنزل طائرهم، ويرمي بهم في مهواة الإِستسلام للحجة، فأظهر إيمانهم المقطوع بعدمه في مظهر الممكن المفروض ليتوصل من ذلك إلى تبكيتهم وإفحامهم نحو: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ}تفسير : [الزخرف: 81]، ولهذا أضيف الإِيمان إلى ضميرهم لإِظهار أن الإِيمان المذموم هو إيمانهم الذي دخله التحريف والإِضطراب لما هو معلوم من أن الإِيمان بالكتب والرسل وإنما هو لصلالح الناس، والخروج بهم من الظلمات إلى النور، فلا جرم من أن يكون مرتكبو هذه الشنائع ليسوا من الإِيمان بالكتاب الذي فيه هدى ونور في شيء، فبطل بذلك كونهم مؤمنين وهو المقصود. فقوله: {بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ} جواب الشرط مقدم عليه، أو قل دليل الجواب، ولأجل هذا جيء في هذا الشرط بإن التي من شأن شرطها أن يكون مشكوك الحصول، وينتقل من الشك في حصوله إلى كونه مفروضا كما يفرض المحال، وهو المراد هنا، لأن المتكلم عالم بانتفاء الشرط، ولأن المخاطبين يتوقعون وقوع الشرط، فكان مقتضى ظاهر حال المتكلم أن لا يؤتى بالشرط التمضمن لكونه مؤمنين إلا منفيا، ومقتضى ظاهر حال المخاطب أن لا يؤتى به إلا مع إذا، ولكن المتكلم مع علمه بانتفاء الشرط فرضه كما يفرض المحال استنزالا لطائرهم، وفي الإِتيان بإن إشعار بهذا الغرض حتى يقعوا في الشك في حالهم، وينتقلوا من الشك إلى اليقين بأنهم غير مؤمنين حين مجيء الجواب وهو (بئسما يأمركم) وإلى هذا أشار صاحب الكشاف كما قال التفتازاني، وهو لا ينافي كون القصد التبكيت لأنها معان متعاقبة يفضي بعضها إلى بعض، فمن الفرض يولد التشكيك ومن التشكيك يظهر التبكيت. ولا معنى لجعل، {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} ابتداء كلام وجوابه محذوفا تقديره وإيمانكم لا يأمركم بقتل الأنبياء وعبادة العجل... الخ، لأنه قطع لأواصر الكلام مع أن قوله: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ...} الخ يتطلبه مزيد تطلب، ونظائره في آيات القرآن كثيرة، على أن معنى ذلك التقدير لا يلاقي الكلام المتقدم المثبت أن إيمانهم أمرهم بهذه المذام، فكيف ينفي بعد ذلك أن يكون إيمانهم يأمرهم. و(بئسما) هنا نظير (بئسما) المتقدم في قوله: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} سوى أن هذا لم يؤت له باسم مخصوص بالذم لدلالة قوله: {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} والتقدير بئسما يأمركم به إيمانكم عبادة العجل".

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} داخل تحت الأمر فهو من تمام التبكيت والتوبيخ وكذا ما يأتي بعد لا تكرير لما قص من قبل، والمراد بالبينات الدلائل الدالة على صدقه عليه السلام في دعوته والمعجزات المؤيدة لنبوته كالعصا واليد، وانفلاق البحر مثلاً؛ وقيل: الأظهر أن يراد بها الدلائل الدالة على الوحدانية فإنه أدخل في التقريع بما بعد، وعندي الحمل على العموم بحيث يشمل ذلك أيضاً أولى وأظهر. {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} أي الذي صنعه لكم السامري من حليكم إلهاً {مِن بَعْدِهِ} أي بعد مجىء موسى عليه السلام بها ومن عد التوراة وانفجار الماء منها لم يرد الجميع بل الجنس لأن ذلك كان بعد قصة العجل وكلمة (ثم) على هذا للاستبعاد لئلا يلغو القيد. وقد يقال: الضمير لمتقدم معنى وهو الذهاب إلى الطور فكلمة (ثم) على حقيقتها، وعد ما ذكرنا من البينات حينئذٍ ظاهر، ويشير هذا العطف على أنهم فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآيات وذلك أعظم ذنباً وأكثر شناعة لحالهم، والتزم بعضهم ـ رجوع الضمير إلى البينات بحذف المضاف أي من بعد تدبر الآيات ليظهر ذلك، وعود الضمير إلى العجل، والمراد بعد وجوده أي عبدتم الحادث الذي حدث بمحضركم ليكون فيه التوبيخ العظيم ـ لا يخفى ما فيه من البعد العظيم المستغنى عنه بما أشرنا إليه. {وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ} أي واضعون الشيء في غير محله اللائق به أو مخلون بآيات الله تعالى، والجملة حال مؤكدة للتوبيخ والتهديد وهي جارية مجرى القرينة على إرادة العبادة من الاتخاذ، وفيها تعريض بأنهم صرفوا العبادة عن موضعها الأصلي إلى غير موضعها وإيهام المبالغة من حيث إن إطلاق الظلم يشعر بأن عبادة العجل كل الظلم وأن من ارتكبها لم يترك شيئاً من الظلم. واختار بعضهم كونها اعتراضاً لتأكيد الجملة بتمامها دون تعرض لبيان الهيئة الذي تقتضيه الحالية أي وأنتم قوم عادتكم الظلم واستمر منكم، ومنه عبادة العجل، والذي دعاه إلى ذلك زعم أنه يلزم على الحالية أن يكون تكراراً محضاً فإن عبادة العجل لا تكون إلا ظلماً بخلافه على هذا فإنه يكون بياناً لرذيلة لهم تقتضي ذلك، وفيه غفلة عما ذكرنا، وإذا حمل الاتخاذ على الحقيقة نحو ـ اتخذت خاتماً ـ تكون الحالية أولى بلا شبهة لأن الاتخاذ لا يتعين كونه ظلماً إلا إذا قيد بعبادته كما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : عطف على قوله: {أية : فلم تقتلون أنبياء الله}تفسير : [البقرة: 91] والقصد منه تعليم الانتقال في المجادلة معهم إلى ما يزيد إبطال دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم خاصة، وذلك أنه بعد أن أكذبهم في ذلك بقوله: {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل} كما بينا، ترقى إلى ذكر أحوالهم في مقابلتهم دعوة موسى الذي يزعمون أنهم لا يؤمنون إلا بما جاءهم به فإنهم مع ذلك قد قابلوا دعوته بالعصيان قولاً وفعلاً فإذا كانوا أعرضوا عن الدعوة المحمدية بمعذرة أنهم لا يؤمنون إلا بما أنزل عليهم فلماذا قابلوا دعوة أنبيائهم بعد موسى بالقتل؟ ولماذا قابلوا؟ دعوة موسى بما قابلوا. فهذا وجه ذكر هذه الآيات هنا وإن كان قد تقدم نظائرها فيما مضى، فإن ذكرها هنا في محاجة أخرى وغرض جديد، وقد بينتُ أن القرآن ليس مثل تأليف في علم يُحال فيه على ما تقدم بل هو جامع مواعظ وتذكيرات وقوارع ومجادلات نزلت في أوقات كثيرة وأحوال مختلفة فلذلك تتكرر فيه الأغراض لاقتضاء المقام ذكرها حينئذ عند سبب نزول تلك الآيات. وفي «الكشاف» أن تكرير حديث رفع الطور هنا لما نيط به من الزيادة على ما في الآية السابقة معنى في قوله: {قالوا سمعنا وعصينا} الآية وهي نكتة في الدرجة الثانية. وقال البيضاوي إن تكرير القصة للتنبيه على أن طريقتهم مع محمد صلى الله عليه وسلم طريقة أسلافهم مع موسى وهي نكتة في الدرجة الأولى وهذا إلزام لهم بعمل أسلافهم بناءً على أن الفرع يَتْبَع أصله والولد نسخة من أبيه، وهو احتجاج خطابي. والقول في هاته الآيات كالقول في سابقتها [البقرة: 63] وكذلك القول في (البينات). إلا أن قوله: {واسمعوا} مراد به الامتثال فهو كناية كما تقول فلان لا يسمع كلامي أي لا يمتثل أمري إذ ليس الأمر هنا بالسماع بمعنى الإصغاء إلى التوراة فإن قوله: {خذوا ما آتيناكم بقوة} يتضمنه ابتداء لأن المراد من الأخذ بالقوة الاهتمام به وأول الاهتمام بالكلام هو سماعه والظاهر أن قوله: {خذوا ما آتيناكم بقوة} لا يشمل الامتثال فيكون قوله: {واسمعوا} دالاً على معنى جديد وليس تأكيداً، ولك أن تجعله تأكيداً لمدلول {خذوا ما آتيناكم بقوة} بأن يكون الأخذ بقوة شاملاً لنية الامتثال وتكون نكتة التأكيد حينئذ هي الإشعار بأنهم مظنة الإهمال والإخلال حتى أكد عليهم ذلك قبل تبين عدم امتثالهم فيما يأتي ففي هذه الآية زيادة بيان لقوله في الآية الأولى: {أية : واذكروا ما فيه}تفسير : [البقرة: 63]. واعلم أن من دلائل النبوة والمعجزات العلمية إشارات القرآن إلى العبارات الني نطق بها موسى في بني إسرائيل وكتبت في التوراة فإن الأمر بالسماع تكرر في مواضع مخاطباتتِ موسى لملإ بني إسرائيل بقوله: اسمع يا إسرائيل، فهذا من نكت اختيار هذا اللفظ للدلالة على الامتثال دون غيره مما هو أوضح منه وهذا مثل ما ذكرنا في التعبير بالعهد. وقوله: {قالوا سمعنا وعصينا} يحتمل أنهم قالوه في وقت واحد جواباً لقوله: {واسمعوا} وإنما أجابوه بأمرين لأن قوله: {اسمعوا} تضمن معنيين معنى صريحاً ومعنى كنائياً فأجابوا بامتثال الأمر الصريح وأما الأمر الكنائي فقد رفضوه وذلك يتضمن جواب قوله: {خذوا ما آتيناكم بقوة} أيضا لأنه يتضمن ما تضمنه {واسمعوا} وفي هذا الوجه بعد ظاهر إذ لم يعهد منهم أنهم شافهوا نبيهم بالعزم على المعصية وقيل: إن قوله: {سمعنا} جواب لقوله: {خذوا ما آتيناكم} أي سمعنا هذا الكلام، وقوله: {وعصينا} جواب لقوله: {واسمعوا} لأنه بمعنى امتثلوا ليكون كل كلام قد أجيب عنه ويبعده أن الإتيان في جوابهم بكلمة {سمعنا} مشير إلى كونه جواباً لقوله: {اسمعوا} لأن شأن الجواب أن يشتمل على عبارة الكلام المجاب به وقوله: ليكون كل كلام قد أجيب عنه قد علمت أن جعل {سمعنا وعصينا} جواباً لقوله: {واسمعوا} يغني عن تطلب جواب لقوله: {خذوا} ففيه إيجاز، فالوجه في معنى هذه الآية هوما نقله الفخر عن أبي مسلم أن قولهم: {عصينا} كان بلسان الحال يعني فيكون {قالوا} مستعملاً في حقيقته ومجازه أي قالوا: سمعنا وعصوا فكأن لسانهم يقول عصينا. ويحتمل أن قولهم {عصينا} وقع في زمن متأخر عن وقت نزول التوراة بأن قالوا عصينا في حثهم على بعض الأوامر مثل قولهم لموسى حين قال لهم: ادخلوا القرية {أية : لن ندخلها أبداً}تفسير : [المائدة: 24] وهذان الوجهان أقرب من الوجه الأول. وفي هذا بيان لقوله في الآية الأولى: {أية : ثم توليتم من بعد ذلك}تفسير : [البقرة: 64]. والإشراب هو جعل الشيء شارباً، واستعير لجعل الشيء متصلاً بشيء وداخلاً فيه ووجه الشبه هو شدة الاتصال والسريان لأن الماء أسرى الأجسام في غيره ولذا يقول الأطباء الماء مطية الأغذية والأدوية ومَركبها الذي تسافر به إلى أقطار البدن فلذلك استعاروا الإشراب لشدة التداخل استعارة تبعية قال بعض الشعراء:شعر : تغلغل حب عثمة في فؤادي فباديه مع الخافي يسير تغلغل حيث لم يبلغ شراب ولا حزن ولم يبلغ سرور تفسير : ومنه قولهم أشرب الثوب الصبغ، قال الراغب: من عادتهم إذا أرادوا مخامرة حب وبغض أن يستعيروا لذلك اسم الشراب اهـ. وقد اشتهر المعنى المجازي فهجر استعمال الإشراب بمعنى السقي وذكر القلوب قرينة على أن إشراب العجل على تقدير مضاف من شأن القلب مثل عبادة العجل أو تأليه العجل. وإنما جعل حبهم العجل إشراباً لهم للإشارة إلى أنه بلغ حبهم العجل مبلغ الأمر الذي لا اختيار لهم فيه كأن غيرهم أشربهم إياه كقولهم أُولِع بكذا وشُغِف. والعجلَ مفعول {أشربوا} على حذف مضاف مشهور في أمثاله من تعليق الأحكام وإسنادها إلى الذوات مثل {أية : حُرِّمت عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3] أي أكل لحمها. وإنما شغفوا به استحساناً واعتقاداً أنه إلٰههم وأن فيه نفعهم لأنهم لما رأوه من ذهب قدسوه من فرط حبهم الذهب. وقد قوي ذلك الإعجاب به بفرط اعتقادهم ألوهيته ولذلك قال تعالى: {بكفرهم} فإن الاعتقاد يزيد المعتقد توغلاً في حب معتقده. وإسناد الإشراب إلى ضمير ذواتهم ثم توضيحه بقوله: {في قلوبهم} مبالغة وذلك مثل ما يقع في بدل البعض والاشتمال وما يقع في تمييز النسبة. وقريب منه قوله تعالى: {أية : إنما يأكلون في بطونهم ناراً}تفسير : [النساء: 10] وليس هو مثل ما هنا لأن الأكل متمحض لكونه منحصراً في البطن بخلاف الإشراب فلا اختصاص له بالقلوب. وقوله: {قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين} تذييل واعتراض ناشىء عن قولهم {سمعنا وعَصَيْنا} هو خلاصة لإبطال قولهم: {أية : نؤمن بما أنزل علينا}تفسير : [البقرة: 91] بعد أن أبطل ذلك بشواهد التاريخ وهي قوله: {أية : قل فلم تقتلون أنبئاء الله}تفسير : [البقرة: 91] وقوله: {ولقد جاءكم موسى بالبينات} وقوله: {قالوا سمعنا وعصينا} ولذلك فَصَله عن قوله: {قل فلم تقتلون أنبئاء الله} لأنه يجري من الأول مجرى التقرير والبيان لحاصله، والمعنى قل لهم إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم كما زعمتم يعني التوراة فبئسما أمركم به هذا الإيمان إذ فعلتم ما فعلتم من الشنائع من قتل الأنبياء ومن الإشراك بالله في حين قيام التوراة فيكم فكيف وأنتم اليوم لا تعرفون من الشريعة إلا قليلاً، وخاصة إذا كان هذا الإيمان بزعمهم يصدهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فالجملة الشرطية كلها مقول {قل} والأمر هنا مستعمل مجازاً في التسبب. وإنما جعل هذا مما أمرهم به إيمانهم مع أنهم لم يدعوا ذلك لأنهم لما فعلوه وهم يزعمون أنهم متصلبون في التمسك بما أنزل إليهم حتى أنهم لا يخالفونه قيد فتر ولا يستمعون لكتاب جاء من بعده فلا شك أن لسان حالهم ينادي بأنهم لا يفعلون فعلاً إلا وهو مأذون فيه من كتابهم، هذا وجه الملازمة وأما كون هذه الأفعال مذمومة شنيعة فذلك معلوم بالبداهة فأنتج ذلك أن إيمانهم بالتوراة يأمرهم بارتكاب الفظائع وهذا ظاهر الكلام والمقصود منه القدح في دعواهم الإيمان بالتوراة وإبطال ذلك بطريق يستنزل طائرهم ويرمي بهم في مهواة الاستسلام للحجة فأظهر إيمانهم المقطوع بعدمه في مظهر الممكن المفروض ليتوصل من ذلك إلى تبكيتهم وإفحامهم نحو: {أية : قل إن كان للرحمٰن من ولد فأنا أول العابدين}تفسير : [الزخرف: 81] ولهذا أضيف الإيمان إلى ضميرهم لإظهار أن الإيمان المذموم هو إيمانهم أي الذي دخله التحريف والاضطراب لما هو معلوم من أن الإيمان بالكتب والرسل إنما هو لصلاح الناس والخروج بهم من الظلمات إلى النور فلا جرم أن يكون مرتكبو هاته الشنائع ليسوا من الإيمان بالكتاب الذي فيه هدى ونور في شيء فبطل بذلك كونهم {مؤمنين} وهو المقصود فقوله: {بئسما يأمركم} جواب الشرط مقدم عليه أو {قل} دليل الجواب ولأجل هذا جيء في هذا الشرط بإن التي من شأن شرطها أن يكون مشكوك الحصول وينتقل من الشك في حصوله إلى كونه مفروضاً كما يفرض المحال وهو المراد هنا؛ لأن المتكلم عالم بانتفاء الشرط ولأن المخاطبين يعتقدون وقوع الشرط فكان مقتضى ظاهر حال المتكلم أن لا يؤتى بالشرط المتضمن لكونهم {مؤمنين} إلا منفياً ومقتضى ظاهر حال المخاطب أن لا يؤتى به إلا مع إذا ولكن المتكلم مع علمه بانتفاء الشرط فرضه كما يفرض المحال استنزالاً لطائرهم. وفي الإتيان بإن إشعار بهذا الفرض حتى يقعوا في الشك في حالهم وينتقلوا من الشك إلى اليقين بأنهم غير مؤمنين حين مجيء الجواب وهو {بئسما يأمركم} وإلى هذا أشار صاحب «الكشاف» كما قاله التفتزاني وهو لا ينافي كون القصد التبكيت لأنها معان متعاقبة يفضي بعضها إلى بعض فمن الفرض يتولد التشكيك ومن التشكيك يظهر التبكيت. ولا معنى لجعل {إن كنتم مؤمنين} ابتداء كلام وجوابه محذوفاً تقديره فإيمانكم لا يأمركم بقتل الأنبياء وعبادة العجل إلخ لأنه قطع لأواصر الكلام وتقدير بلا داع مع أن قوله: {قل بئسما يأمركم به إيمانكم} إلخ يتطلبه مزيد تطلب ونظائره في آيات القرآن كثيرة. على أن معنى ذلك التقدير لا يلاقي الكلام المتقدم المثبت أن إيمانهم أمَرهم بهذا المذام فكيف ينفي بَعْد ذلك أن يكون إميانهم يأمرهم؟ و{بئسما} هنا نظير بئسما المتقدم في قوله: {أية : بئسما اشتروا به أنفسهم}تفسير : [البقرة: 90] سوى أن هذا لم يؤت له باسممٍ مخصوص بالذم لدلالة قوله: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} والتقدير بئسما يأمركم به إيمانكم عبادةُ العجل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ}. لم يبين هنا ما هذه البينات وبينها في مواضع أخر كقوله: {أية : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ آيَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ} تفسير : [الأعراف: 133]، وقوله: {أية : فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ} تفسير : [الأعراف: 107-108] الآية، وقوله: {أية : فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ} تفسير : [الشعراء: 63] الآية. إلى غير ذلك من الآيات.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 92- بل لقد كفرتم - أيها اليهود - كفراً صريحاً بكتبكم، ورجعتم إلى الشرك فى عهد موسى نفسه، فلقد جاءكم موسى بالبينات والمعجزات الناطقة بصدقه، لكنكم حين تغيب موسى لمناجاة ربه عبدتم العجل ورجعتم إلى سابق وثنيتكم وأنتم ظالمون مبطلون. 93- وحينما جاءكم بالتوراة، ورأيتم ما فيها من تكاليف شاقة، فاستثقلتم أعباءها وارتبتم فيها، أراكم الله آية على صدق هذا الكتاب وفائدة تعاليمه لكم، فرفع جبل الطور فوق رءوسكم حتى صار كأنه ظُلَّة وظننتم أنه واقع بكم، وحينئذٍ أعلنتم القبول والطاعة، فأخذنا عليكم ميثاقاً ألا يأخذكم هوى فى الامتثال لما جاء فى هذا الكتاب، فقلتم: آمنا وسمعنا، ولكن أعمالكم تكشف عن عصيانكم وتمردكم، وأن الإيمان لم يخالط قلوبكم، ولا يمكن أن يكون الإيمان قد خالط قلوب قوم شغفوا حباً بعبادة العجل. فلبئس ما دفعكم إليه إيمانكم إن كنتم مؤمنين. 94- ولقد زعمتم أن الله سيخصكم من بين سائر الناس بنعيم الجنة بعد الممات، فإن كنتم مؤمنين حقاً بما تقولون فليكن الموت محبباً إليكم، ولتتمنوه حتى لا يبطئ عنكم هذا النعيم الذى تدَّعون. 95- ولكنهم فى الواقع لا يرغبون فى الموت أبداً لما اقترفوه من ظلم لا يخفى أمره على الله، الذى يُعلِمُهُم أنهم كاذبون فيما يدعون، وأن النعيم يوم القيامة للمتقين، لا للفجار أمثالهم. 96- بل إنك لتجدنهم أحرص الناس جميعاً على حياتهم على أى شكل عزيزة أو ذليلة، وحرصهم أكثر من حرص المشركين الذين لا يؤمنون ببعث ولا جنة، ولذلك يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، ولن يبعد عنه تعميره - مهما طال - ما ينتظر من عذاب الله، إنه عليم بالظالمين وسيذيقهم جزاء ما اقترفوه.

القطان

تفسير : ولقد جاءكم موسى يا معشر اليهود بالآيات الواضحة المعجزات الناطقة بصدقه، والعصا التي تحولت ثعبانا، ويدهِ التي أخرجها بيضاء للناظرين. وبالمنّ والسلوى وغيرها.. فكفرتم كفراً صريحاً ورجعتم الى الشِرك وموسى حيّ بينكم وبمجرد غيابه عنكم لمناجاة ربه. لقد اتخذتم العجل إلهاً وعبدتموه رجوعاً منكم الى وثنيتكم السابقة.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلْبَيِّنَاتِ} {ظَالِمُونَ} (92) - لَقَدْ كَفَرْتُمْ يَا أيُّهَا اليَهُودُ بِكِتابِكُمْ، وَرَجْعتُمْ إلى الشِّرْكِ فِي عَهْدِ مُوسَى، فَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بالآيَاتِ الوَاضِحَاتِ، والمُعْجِزَاتِ (البَيِّنَاتِ)، وَالدَّلائِلِ القَاطِعَاتِ عَلى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وَعَلَى أنَّهُ لا إلهَ إلاَّ هُوَ، وَعَلَى أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَلَكِنَّكُمُ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مَعْبُوداً مِنْ دُونِ اللهِ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ مُوسَى لِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ فِي جَبَلِ الطُّورِ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لاَ إلهَ إلاَّ اللهُ، فِعِبَادَتُكُمْ غَيْرَهَ ظُلْمٌ كَبِيرٌ، وَكُفْرانٌ بِالنِّعَمِ. (والآيَاتُ التي جَاءَ بِهَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلامُ: هِيَ العَصَا وَاليَدُ وَالطُّوفَانُ وَالجَرَادُ وَالقُمَّلُ وانبِجَاسُ المَاءِ مِنَ الحَجَرِ وانفِلاقُ البَحْرِ، والغَمَامُ والمَنُّ والسَّلْوى والدَّمُ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن بين لنا الله سبحانه وتعالى رفضهم للإيمان بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. بحجة أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم فقط .. أوضح لنا أن هذه الحجة كاذبة وأنهم في طبيعتهم الكفر والإلحاد .. فقال سبحانه: {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 92] .. أي أن موسى عليه السلام أيده الله ببينات ومعجزات كثيرة كانت تكفي لتملأ قلوبكم بالإيمان وتجعلكم لا تعبدون إلا الله .. فلقد شق لكم البحر ومررتم فيه وأنتم تنظرون وترون .. أي أن المعجزة لم تكن غيباً عنكم بل حدثت أمامكم ورأيتموها .. ولكنكم بمجرد أن تجاوزتم البحر وذهب موسى للقاء الله .. بمجرد أن حدث ذلك اتخذتم العجل إلهاً من دون الله وعبدتموه .. فكيف تدعون أنكم آمنتم بما أنزل إليكم .. لو كنتم قد آمنتم به ما كنتم اتخذتم العجل إلهاً. والحق تبارك وتعالى يريد أن ينقض حجتهم في أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم .. ويرينا أنهم ما آمنوا حتى بما أنزل إليهم .. فجاء بحكاية قتل الأنبياء .. ولو أنهم كانوا مؤمنين حقاً بما أنزل إليهم فليأتوا بما يبيح لهم قتل أنبيائهم ولكنهم كاذبون .. أما الحجة الثانية فهي إن كنتم تؤمنون بما أنزل إليكم .. فقولوا لنا كيف وقد جاءكم موسى بالآيات الواضحة من العصا التي تحولت إلى حية واليد البيضاء من غير سوء والبحر الذي شققناه لكم لتنجوا من قوم فرعون .. والقتيل الذي أحياه لله أمامكم بعد أن ضربتموه ببعض البقرة التي ذبحتموها .. آيات كثيرة ولكن بمجرد أن ترككم موسى وذهب للقاء ربه عبدتم العجل. إذن فقولكم نؤمن بما أنزل إلينا غير صحيح .. فلا أنتم مؤمنون بما أنزل إليكم ولا أنتم مؤمنون بما أنزل من بعدكم .. وكل هذه حجج الهدف منها عدم الإيمان أصلاً. وقوله تعالى: {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة: 92] .. واتخاذ العجل في ذاته ليس معصية إذ اتخذته للحرث أو للذبح لتأكل لحمه .. ولكن المعصية هي اتخاذ العجل معبوداً .. وقوله تعالى: {ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} [البقرة: 92] .. أي أن ذلك أمر مشهود لم تعبدوا العجل سراً بل عبدتموه جهراً، ولذلك فهو أمر ليس محتاجاً إلى شهود ولا إلى شهادة لأنه حدث علناً وأمام الناس كلهم .. وذكر حكاية العجل هذه ليشعروا بذنبهم في حق الله .. كأن يرتكب الإنسان خطأ ثم يمر عليه وقت .. وكلما أردنا أن نؤنبه ذكرناه بما فعل .. وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة: 92] .. أي ظالمون في إيمانكم .. ظالمون في حق الله بكفركم به.

الأندلسي

تفسير : {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي الآيات الواضحة. {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ} أي من بعد مجيئه لكم بالآيات. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} كرر هذا لدعواهم أنهم مؤمنون بما أنزل عليهم وهم كاذبون إذ في التوراة افراد الله تعالى بالعبادة لا عبادة العجل وهناك أعقب عبادة العجل بذكر العفو عنهم وتعداد النعم عليهم وهنا أعقب ذلك بالتقريع لهم والتوبيخ. {وَٱسْمَعُواْ} أي متدبرين لما سمعتم أو أطيعوا. {قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} قال ابن عباس: كانوا إذا نظروا العذاب قالوا سمعنا وأطعنا وإذا نظروا إلى الكتاب. {قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ} معطوف على قالوا أو حال أي وقد اشربوا والعامل قالوا. {فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ} أي حب العجل والاشراب المخالطة. {بِكُفْرِهِمْ} الباء للسبب أي الحامل لهم على عبادة العجل كفرهم السابق. {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} تقدم اختيارنا في إعراب ما والمخصوص بالذم محذوف أي عصيانكم وعبادتكم العجل وإيمانكم على سبيل التهكم أو إيمانكم الذي زعموا في قلوبهم نؤمن بما أنزل علينا. {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} قد يخرج الشرط على جهة الامكان ومعلوم من خارج أنه ليس على جهة الامكان بل متعين امتناعه كقوله: {أية : إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} تفسير : [المائدة: 116] ومعلوم أنه لم يقله. وكذلك هذا معلوم أنهم غير مؤمنين. وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله أي فبئسما يأمركم به إيمانكم. (وقال ابن عطية): الجواب متقدم ولا يتمشى قوله هذا إلا على مذهب من يجيز تقدم جواب الشرط وليس مذهب جمهور البصريين ولو فرضناه جواباً للزوم دخول الفاء، لأن الفعل الجامد أو الدعاء إذا وقع جواباً لزمته الفاء. وقيل: إن نافية، قالت اليهود: إن الله لم يخلق الجنة إلا لإِسرائيل وبنيه، فنزلت: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً} والدار الآخرة الجنة وذلك معهود في إطلاقها أو على حذف مضاف أي نعيم الدار الآخرة وحضرتها ومعنى عند الله: في حكم الله. كقوله: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ}تفسير : [النور: 13]. وخالصة: مختصة بكم لاحظ لغيركم فيها وخبر كانت لكم. وخالصة حال. ولا يجوز أن يكون الظرف إذ ذاك الخبر لأنه لا ليستقل معنى الكلام به وحده ودون لفظة تستعمل للاختصاص وقطع الشركة تقول: هذا لي دونك أو من دونك، أي لا حق لك فيه ولا نصيب وفي غير هذا الاستعمال تأتي بمعنى الانتقاص في المنزلة أو المكان أو للمقدار والمراد بالناس غير اليهود. {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} أي بقلوبكم وسلوه بالقول. {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في دعواكم خلوص الجنة لكم وحدكم. وقرىء: فتمنوا الموت - بكسر الواو وبالفتح والضم - وجواب الشرط محذوف، أي فتمنوه لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اختار أن يتخلص من دار الأكدار وينتقل إلى دار القرار. {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} هذا من المعجزات لأنه اخبار بالمغيب كقوله: {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ}تفسير : [البقرة: 24]. وفي الحديث: حديث : لو تمنوا الموت لَغُصّ كل إنسان بريقه فمات مكانه ولما بقي على وجه الأرض يهودي إلا ماتتفسير : . ولما علم اليهود صدقه أحجموا عن تمنيه فرقاً من الله أن يميتهم. وابدا: يقتضي استغراق أعمارهم خلافاً لمن زعم أن ذلك مختص بعهد الرسول عليه السلام ثم ارتفع بوفاته أو كان ذلك في أيام كثيرة عند نزوله. {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من تكذيب الأنبياء وقتلهم إياهم وعبادة العجل وغير ذلك من مخازيهم وأسند التقديم لليد إذ هي عظم الأعضاء في التصرف. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ} تهديد.

الجيلاني

تفسير : {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} الواضحات المبينات في التوراة المبينات لطريق التوحيد والإيمان، فكذبتم موسى عليه السلام على جميع بيناته بالمرة {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} ألهاً {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد ما ذهب موسى إلى الطور للفوائد الأخر المتعلقة لتكميلكم {وَأَنْتُمْ} قوم {ظَالِمُونَ} [البقرة: 92] شأنكم العدول عن طريق الحق ومنهج الصواب. {وَ} إن أردت يا أكمل الرسل زيادة إلزامهم وإسكاتهم، اذكر لهم نيابة عنا وقت {إِذْ أَخَذْنَا} منكم أيها الناقضون لعهودنا والمنكرون لكتابنا {مِيثَاقَكُمْ} الذي واثقكم معنا ثم استثقلتموه وتركتموه {وَ} ألجأناكم على إيفائه بأن {رَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} معلقاً وقلنا لكم استعلاءً وتجبراً {خُذُواْ} وامتثلوا {مَآ ءَاتَيْنَٰكُم} على نبيكم من الأوامر والنواهي {بِقُوَّةٍ} جدٍ واجتهادٍ {وَٱسْمَعُواْ} من المعارف والحقائق بسمع الرضا ونية الكشف {قَالُواْ} ظاهراً: {سَمِعْنَا} ما أمرتنا به {وَ} قالوا خفية: {عَصَيْنَا} عن الامتثال بها {وَ} سبب عصيانهم أنهم لدناءتهم وسخافة طبعهم {أُشْرِبُواْ} تداخلوا وتجبلوا وتطيبوا {فِي قُلُوبِهِمُ} التي هي محل الإيمان والتوحيد منازل العرفان واليقين {ٱلْعِجْلَ} أي: محبة العجل المسترذل والمستقبح المستحدث من حليهم ما هي إلا {بِكُفْرِهِمْ} بالله وبكتبه ورسله وحصرهم ظهرو الحق في مظهر مخصوص، ومع ذلك يدعون الإيمان بموسى {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل تقريعاً لهم على وجه التعريض: {بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} من إنكار كتب الله وتكذيب رسلهم وقتلهم بغير حق واعتقادهم الشريك لله {إِنْ كُنْتُمْ} صادقين في كونكم {مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 93]. ثم لما اشتهر بين الناس قولهم: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وامتنع كثير من الناس القاصدين دين الإسلام وتغمم ضعفاء المسلمين أيضاً من هذا الكلام، أشار سبحانه إلى دفعه مخاطباً لرسوله معكم: {قُلْ} لهم نيابة عنا يا أكمل الرسل: {إِن كَانَتْ} محصورة مسلمة {لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ} التي هي منازل الشهداء والسعداء ومقام العرفاء والأمناء {خَالِصَةً} خاصة مخصوصة {مِّن دُونِ} شركة {ٱلنَّاسِ} المنسوبين إلى الأديان الأخر {فَتَمَنَّوُاْ} عن صميم القلب ومحض الرغبة {ٱلْمَوْتَ} المقرب لكم إليها والموصل إلى لذائذها، كما ينتمناه خلص المؤمنين بوحدانية الله في أكثر أوقاتهم. قال المرتضى كرم الله وجهه: "لابن أبي طالب أشوق إلى الموت من الطفل بثدي أمه"، وقال أيضاً: "لا أبالي سقطت على الموت أو سقط الموت عليَّ"، وقال أيضاً: شعر : أبربنا من كل خير وأرأف جزى الله الموت عنا خيراً فإنه ويداني إلى الدار التي هي أشرف يعجل تخليص النفوس من الأذى تفسير : وقال عمار رضي الله عنه حين استشهد: "الآن ألقى الأحبة محمداً وصحبه" وأنتم أيضاً تمنون الموت المقرب {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94] في دعواكم. {وَ} الله {لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ} كسبت {أَيْدِيهِمْ} أنفسهم من الحرص وطول الأمل والاستلذاذ باللذات الحسية والوهمية من الجاه والمنزل والمكانة بين الناس، والاستكبار عليهم، ألا تراهم يتوجهون ويرجعون إلى الله عند نزول البلاء المشعر بتعجيل الموت المقرب استكشافاً، وإذا كشف ولو على ما هم عليه مدبرين؟! {وَٱللَّهُ } المحيط بسرائرهم وضمائرهم {عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ} [البقرة: 95] القائلين بأفواههم ما ليس في قلوبهم. {وَ} الله يا أكمل الرسل، إن فتشت عن أحوالهم واستكشفت عن ضمائرهم {لَتَجِدَنَّهُمْ} أي: اليهود وجداناً صادقاً {أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ} دائمةٍ مستمرةٍ من نوع الإنسان عموماً وخصوصاً {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} واعتقدوا ألاَّ حياة إلا في دار الدنيا، بل {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} ليزيد عليه ألفاً آخر، وهكذا {وَ} الحال أنه بهذه المحبة {مَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ} بمبعد نفسه {مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} إلى غاية ما يتمناه ويحب، بل ما زاد إلا عذاباً فوق العذاب {وَٱللَّهُ} المجازي لهم أعمالهم {بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 96] أي: بجميع أعمالهم في جميع أعمارهم بحيث لا يعزب عن علمه شيء منها. لم لما ظهر الإسلام وترقى أمره وارتفع قدره واشتهر إنزال القرآن الناسخ لجميع الأديان اضطرب اليهود ووقعوا فيما وقعوا، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن أنزل عليه من الملائكة، فقال صلى الله عليه وسلم: أخونا جبريل - صلوات الرحمن عليه - قالوا: هو عدونا القديم، ليس هذا أول ظهوره بالعداوة، بل ظهر علينا بالعداوة من قبل مراراً، وهو بصدد نسخ ديننا. قال سبحانه وتعالى مخاطباً لنبيه: {قُلْ} يا أكمل الرسل {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} أي: لمن يدعي عداوة أمايننا جبرائيل بواسطة إنزال القرآن، أولئك لا وجه لاتخاذكم جبرائيل عدواً {فَإِنَّهُ} إنما {نَزَّلَهُ} أي: القرآن {عَلَىٰ قَلْبِكَ} يا أكمل الرسل الذي هو وعاء الإيمان والإسلام ومهبط الوحي والإلهام {بِإِذْنِ ٱللَّهِ} المنزل إلقاء إليه، وأمره إياه بتنزيل لا من عند نفسه حتى يتخذوه عدواً، وإن اتخذوه عدواً فاتخذوا الله المنزل عدواً مع أنه لا وجه للعداوة أصالاً؛ لكون المنزل عيه {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب المنزلة {وَهُدًى} يهتدي به إلى طريق الإيمان والتوحيد {وَبُشْرَىٰ} بالنعيم الدائم الباقي {لِلْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 97] المهتدين به، جعلنا الله ممن اقتضى أثرهم. قل لهم أيضاً يا أكمل الرسل: {مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ} ينقض عهوده، وعدم الامتثال بأوامره والاجتناب عن نواهيه {وَمَلاۤئِكَتِهِ} بنسبتهم إلى أشيائهم منزوهون عنها {وَرُسُلِهِ} بالتكذيب والقتل والاستهزاء والإهانة، وخصوصاً من الملائكة {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ} كلا الأمينين عند الله بنسبة الخيانة والعداوة إليهما فهو كافر بالله بثبوت واحدٍ منهما {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98] بكفرهم وإصرارهم وعنادهم. {وَ} من جملة كفرهم وعنادهم أنهم {لَقَدْ أَنْزَلْنَآ} من غاية لطفنا وجودنا {إِلَيْكَ} يا من وسعت مظهريته جميع أوصافنا وأخلاقنا {آيَاتٍ} دلائل {بَيِّنَاتٍ} واضحات لطريق المعرفة والإيمان والتوحيد والإيقان فكفروا بها وكذبوها {وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ} مع وضوحها وجلائها {إِلاَّ ٱلْفَاسِقُونَ} [البقرة: 99] الخارجون عن ربتة العبودية؛ لعدم الانقياد بالكتاب والنبي بل بالإنزال بل بالمنزل ألم يكونوا فاسقين دائماً؟! {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً} وثيقاً مؤكداً {نَّبَذَهُ} نقضه {فَرِيقٌ مِّنْهُم} لفسقه ثم سرى نقضه إلى الكل فنقضوا جميعاً {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100] ينقادون بالعهد والكتاب والنبي أو أمره.