٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
91
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا النوع أيضاً من قبائح أفعالهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } يعني به اليهود: {آمنوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ } أي بكل ما أنزل الله، والقائلون بالعموم احتجوا بهذه الآية على أن لفظة «ما» بمعنى الذي تفيد العموم، قالوا: لأن الله تعالى أمرهم بأن يؤمنوا بما أنزل الله فلما آمنوا بالبعض دون البعض ذمهم على ذلك ولولا أن لفظة «ما» تفيد العموم لما حسن هذا الذم، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم لما أمروا بذلك: {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } يعني بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى عليه السلام ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم يكفرون بما وراءه وهو الإنجيل والقرآن. وأورده هذه الحكاية عنهم على سبيل الذم لهم وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم آمنوا بما أنزل الله إلا ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلاً من عند الله وإلا كان ذلك تكليف ما لا يطاق وإذا دل الدليل على كونه منزلاً من عند الله وجب الإيمان به، فثبت أن الإيمان ببعض ما أنزل الله دون البعض تناقض. أما قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ } فهو كالإشارة إلى ما يدل على وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبيانه من وجهين: الأول: ما دل عليه قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ } أنه لما ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات التي ظهرت عليه، إنه عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله تعالى وأنه أمر المكلفين بالإيمان به وكان الإيمان به واجباً لا محالة، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعض الأنبياء وبعض الكتب محال. الثاني: ما دل عليه قوله: {مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ } وتقريره من وجهين، الأول: أن محمداً صلوات الله وسلامه عليه لم يتعلم علماً ولا استفاد من أستاذ، فلما أتى بالحكايات والقصص موافقة لما في التوراة من غير تفاوت أصلاً علمنا أنه عليه الصلاة والسلام إنما استفادها من الوحي والتنزيل. الثاني: أن القرآن يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق للتوراة وجب اشتمال التوراة على الإخبار عن نبوته، وإلا لم يكن القرآن مصدقاً للتوراة بل مكذباً لها وإذا كانت التوراة مشتملة على نبوة محمد عليه الصلاة والسلام وهم قد اعترفوا بوجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد عليه الصلاة والسلام. أما قوله تعالى: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء ٱللَّهِ مِن قَبْلُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه سبحانه وتعالى بين من جهة أخرى أن دعواهم كونهم مؤمنين بالتوراة متناقضة من وجوه أخر، وذلك لأن التوراة دلت على أن المعجزة تدل على الصدق ودلت على أن من كان صادقاً في ادعاء النبوة فإن قتله كفر، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي في قتل يحيى وزكريا وعيسى عليهم السلام كفراً فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة. المسألة الثانية: هذه الآية دالة على أن المجادلة في الدين من حرف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن إيراد المناقضة على الخصم جائز. المسألة الثالثة: قوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ } وإن كان خطاب مشافهة لكن المراد من تقدم من سلفهم ويدل عليه وجوه، أحدها: أن الأنبياء في ذلك الزمان ما كانوا موجودين. وثانيها: أنهم ما أقدموا على ذلك، وثالثها: أنه لا يتأتى فيه من قبل. فأما المراد به الماضي فظاهر لأن القرينة دالة عليه. فإن قيل قوله: {ءامَنُواْ } خطاب لهؤلاء الموجودين: {ولم تَقْتُلُونَ } حكاية فعل أسلافهم فكيف وجه الجمع بينهما؟ قلنا معناه: أنكم بهذا التكذيب خرجتم من الإيمان بما آمنتم كما خرج أسلافكم بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بالباقين. المسألة الرابعة: يقال كيف جاز قوله: لم تقتلون من قبل ولا يجوز أن يقال: أنا أضربك أمس؟ والجواب فيه قولان. أحدهما: أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله: ويحك لم تكذب؟ كأنك قلت: لم يكن هذا من شأنك. قال الله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ } تفسير : [البقرة: 102] ولم يقل ما تلت لأنه أراد من شأنها التلاوة. والثاني: كأنه قال: لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم آمنتم بالتوراة،والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ} أي صدّقوا {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} يعني القرآن {قَالُواْ نُؤْمِنُ} أي نصدّق {بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا} يعني التوراة. {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ} أي بما سواه؛ عن الفرّاء. وقتادة: بما بعده؛ وهو قول أبي عُبيدة، والمعنى واحد. قال الجوهري: وراء بمعنى خلف؛ وقد تكون بمعنى قدّام. وهي من الأضداد؛ قال الله تعالى: {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ} أي أمامهم؛ وتصغيرها وُرَيِّئَة (بالهاء) وهي شاذّة. وٱنتصب «وراءه» على الظرف. قال الأخفش: يقال لَقِيته من وراءُ؛ فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما وهو غير متمكّن؛ كقولك: مِن قبلُ ومِن بعدُ؛ وأنشد:شعر : إذا أنا لم أُومَن عليكَ ولم يكن لقاؤكَ إلا مِن وراءُ وراءُ تفسير : قلت: ومنه قول إبراهيم عليه السلام في حديث الشفاعة: «حديث : إنما كنتُ خليلاً مِن وراءَ وراءَ»تفسير : . والوراء: ولد الولد أيضاً. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} ابتداء وخبر. {مُصَدِّقاً} حال مؤكّدة عند سيبويه. {لِّمَا مَعَهُمْ} ما في موضع خفض باللام، و «معهم» صلتها، و «معهم» نصب بالاستقرار؛ ومن أسكن جعله حرفاً. قوله تعالى: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ} رَدٌّ من ٱلله تعالى عليهم في قولهم إنهم آمنوا بما أنزل عليهم، وتكذيبٌ منه لهم وتوبيخ؛ المعنى: فكيف قتلتم وقد نَهيتم عن ذلك! فالخطاب لمن حضر محمداً صلى الله عليه وسلم والمراد أسلافهم. وإنما توجَّه الخطاب لأبنائهم؛ لأنهم كانوا يتولَّون أولئك الذين قتلوا، كما قال: {أية : وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ}تفسير : [المائدة: 81] فإذا تولَّوهم فهم بمنزلتهم. وقيل: لأنهم رَضُوا فعلهم فنُسب ذلك إليهم. وجاء «تقتلون» بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضيّ لما ٱرتفع الإشكال بقوله: «مِنْ قَبْلُ». وإذا لم يشكِل فجائز أن يأتي الماضي بمعنى المستقبل، والمستقبل بمعنى الماضي، قال الحُطَيئة:شعر : شَهِد الحُطَيئةُ يوم يلقَى رَبَّه أن الوليد أحقّ بالعذر تفسير : شهد بمعنى يشهد. {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي إن كنتم معتقدين الإيمان فلِم رضيتم بقتل الأنبياء! وقيل: «إنْ» بمعنى ما، وأصل «لِم» لِما، حذفت الألف فرقاً بين الاستفهام والخبر؛ ولا ينبغي أن يوقف عليه؛ لأنه إن وقف عليه بلا هاء كان لحناً، وإن وقف عليه بالهاء زيد في السواد.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} يعم الكتب المنزلة بأسرها. {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } أي بالتوراة {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ } حال من الضمير في قالوا، ووراء في الأصل جعل ظرفاً، ويضاف إلى الفاعل فيراد به ما يتوارى به وهو خلفه، وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو قدامه، ولذلك عد من الأضداد. {وَهُوَ ٱلْحَقُّ } الضمير لما وراءه، والمراد به القرآن {مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ } حال مؤكدة تتضمن رد مقالهم، فإنهم لما كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } اعتراض عليهم بقتل الأنبياء مع إدعاء الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوغه، وإنما أسنده إليهم لأنه فعل آبائهم، وأنهم راضون به عازمون عليه. وقرأ نافع وحده أن «أنباء الله» مهموزاً في جميع القرآن.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أي لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب: {ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ} على محمد صلى الله عليه وسلم وصدقوه، واتبعوه {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا} أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل، ولا نقر إلا بذلك {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ} يعني: بما بعده {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ} أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ} منصوباً على الحال، أي: في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك، كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ}تفسير : [البقرة: 146] ثم قال تعالى: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاؤوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم، والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغياً وعناداً واستكباراً على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي، كما قال تعالى: {أية : أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنفُسُكُم ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}تفسير : [البقرة: 87] وقال السدي: في هذه الآية يعيرهم الله تبارك وتعالى: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} وقال أبو جعفر بن جرير: قل يا محمد ليهود بني إسرائيل، إذا قلت لهم آمنوا بما أنزل الله، قالوا: نؤمن بما أنزل علينا: لم تقتلون إن كنتم مؤمنين بما أنزل الله، أنبياء الله يا معشر اليهود؟ وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم، بل أمركم باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم، وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، وتعيير لهم {وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي: بالآيات الواضحات والدلائل القاطعات على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله، والآيات البينات هي: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد، وفرق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمن والسلوى، والحجر، وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها، ثم اتخذتم العجل، أي: معبوداً من دون الله في زمان موسى وأيامه، وقوله: من بعده، أي: من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله عز وجل، كما قال تعالى: {أية : وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ}تفسير : [الأعراف: 148]، {وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ}، أي: وأنتم ظالمون في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَمَّا سُقِطَ فَىۤ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 149].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ } القرآن وغيره {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } أي التوراة قال تعالى: {وَيَكْفُرونَ } الواو للحال {بِمَا وَرَاءَهُ } سواه أو بعده من القرآن {وَهُوَ ٱلْحَقُّ } حال {مُصَدِّقاً } حال ثانية مؤكدة {لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ } لهم {فَلِمَ تَقْتُلُونَ } أي قتلتم {أَنبِيَاءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } بالتوراة وقد نهيتم فيها عن قتلهم؟ والخطاب للموجودين في زمن نبينا بما فعل آباؤهم لرضاهم به.
الماوردي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: ءَامِنُوا بِمَا أَنَزَلَ اللهُ} يعني القرآن. {قَالُواْ: نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا} يعني التوراة. {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} يعني بما بعده. {وَهُوَ الْحَقُّ} يعني القرآن. {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} يعني التوراة، لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضاً. {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِن قَبْلُ} معناه فلم قتلتم، فعبر عن الفعل الماضي بالمستقبل، وهذا يجوز، فيما كان بمنزلة الصفة، كقوله تعالى: {وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ} أي ما تلت، وقال الشاعر: شعر : وإني لآتيكم بشكر ما مضى من الأمر واستحباب ما كان في غد تفسير : يعني ما يكون في غد، وقيل معناه: فلم ترضون بقتل أنبياء الله، إن كنتم مؤمنين؟
ابن عبد السلام
تفسير : {بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ} القرآن. {بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا} التوارة ـ {بِمَا وَرَآءَهُ} بما بعده. {مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ} من التوراة، وكتب الله ـ تعالى ـ يصدق بعضها بعضاً. {فَلِمَ تَقْتُلُونَ} فَلِمَ قتلتم، أو فَلِمَ ترضون بقتلهم.
الخازن
تفسير : {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله} يعني بالقرآن وقيل: بكل ما أنزل الله {قالوا نؤمن بما أنزل علينا} يعني التوارة وما أنزل على أنبيائهم {ويكفرون بما وراءه} أي بما سواه من الكتب وقيل: بما بعده يعني الإنجيل والقرآن {وهو الحق} يعني القرآن {مصدقاً لما معهم} يعني التوراة {قل} يا محمد {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل} إنما أضاف القتل للمخاطبين من اليهود، وإن كان سلفهم قتلوا لأنهم رضوا بفعلهم قيل: إذا عملت المعصية في الأرض فمن كرهها وأنكرها بريء منها، ومن رضيها كان من أهلها {إن كنتم مؤمنين} أي بالتوراة وقد نهيتم فيها عن قتل الأنبياء. قوله عز وجل {ولقد جاءكم موسى بالبينات} أي بالدلالات الواضحة والمعجزات الباهرة {ثم اتخذتم العجل من بعده} أي من بعد موسى لما ذهب إلى الميقات {وأنتم ظالمون} إنما كرره تبكيتاً لهم وتأكيداً للحجة عليهم {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا} أي استجيبوا وأطيعوا أي فيما أمرتم به {قالوا سمعنا} يعني قولك {وعصينا} يعني أمرك وقيل إنهم لم يقولوا بألسنتهم، ولكن لما سمعوه وتلقوه تلقوه بالعصيان فنسب ذلك إليهم {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} أي تداخل حبه في قلوبهم والحرص على عبادته كما يتداخل الصبغ في الثوب. وقيل: إن موسى أمر أن يبرد العجل ويذرى في النهر وأمرهم أن يشربوا منه فمن بقي في قلبه شيء من حب العجل، ظهر سحالة الذهب على شاربه {قل بئسما يأمركم به إيمانكم} أي بأن تعبدوا العجل والمعنى بئس الإيمان إيمان يأمر بعبادة العجل {إن كنتم مؤمنين} أي بزعمكم وذلك أنهم قالوا: نؤمن بما أنزل علينا فكذبهم الله تعالى بذلك.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ...} إما معطوف على "قَالُواْ نُؤْمِنُ" فيكون جوابا لـِ "إذا"، أي إِذَا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله يكفرون بما وراء كتابهم، وإما حال مع أن المضارع لا يأتي حالا بالواو إلا قليلا، لكنه هنا على إضمار المبتدإ أي وهم يكفرون بما وراءه. أخبر الله عن تناقضهم بأن إيمانهم بكتابهم يستلزم إيمانهم بما سواه من الكتب التي من جملتها القرآن، وكفرهم بالقرآن يستلزم كفرهم بكتابهم المنزل عليهم، لأنّ الكتب كلّها يصدق بعضها بعضا. قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ...} أبو حيان "مُصَدِّقاً" حال مؤكدة. قال ابن عرفة: بل هي مبنية، لأن الحقّ قد يكون مصدقا لما معهم، وقد لا يكون مصدقا ولا مكذبا، لأن النّبي عليه الصلاة والسلام أتى بشرائع بعضها في كتابهم، وبعضها ليس موجودا في كتابهم (بوجه)، فكتابنا حق (ومصدق لما في كتابهم) (بالنسبة إلى ما تكرر في الكتابين)، وليس بمصدق أو مكذب بالنسبة إلى ما زاد به على كتابهم، وأما أنه مكذب فَلاَ لأن كلا الكتابين حق، فليس من لوازم كون القرآن حقا يصدق ما معهم إنّما من لوازمه أنْ لا يكذبه لأن الحق لا يكذب الحق.
ابن عادل
تفسير : {وإذا قيل لهم}: يعني اليهود. {ءَامنوا بما أنزل الله}: أي بكل ما أنزل الله، والقائلون بالعموم احتجّوا بهذه الآية على أن لفظه "ما" بمعنى "الذي" تفيد العموم، قالوا: لأن الله ـ تعالى ـ أمرهم أن يؤمنوا بما أنزل الله، فلما آمنوا بالبعض دون البعض ذمهم على ذلك، ولولا أنَّ لفظة "ما" تفيد العموم لما حسن هذا الذم، ثم إنه ـ تعالى ـ أمرهم بذلك {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا} يعني: التوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقدير شَرْع موسى ـ عليه السلام ـ ثم أخبر الله ـ تعالى ـ عنهم أنهم يكفرون بما وراءه، وهو الإنجيل والقرآن، وأورد هذه الحكاية عنهم على سبيل الذَّم لهم، وذلك أنه لا يجوز أن يقال لهم: آمنوا بما أنزل الله إلاَّ ولهم طريق إلى أن يعرفوا كونه منزلاً من عند الله، وإلاَّ كان ذلك تكليف ما لا يُطَاق، وإذ أول الدليل على كونه منزلاً من عند الله وجب الإيمان به، فإيمانهم بالبَعْضِ دون البَعْضِ تناقض، ويجاب بوجهين: أحدهما: أن العموم إنما استفيد من عموم العلّة، وهو كونه من عند الله؛ لأن كلّ ما أنزله الله يجب الإيمان بكونه منزلاً من عند الله لا لكون "ما" يقتضي العموم. الثاني: أنا لا نمنع أن "ما" استعمل للعموم؛ لأن ذلك مجال لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في كونها هل هي موضوعة للعموم أو لا؟ فالقائل بأنها ليست موضوعةً للعموم أنها إنما استعملت للعموم مجازاً هاهنا. فإن قيل: الأصل في الاستعمال الحقيقة. فالجواب: أنها لو كانت للعموم حقيقةً لما جاز إدخال لفظة "كل" عليها. فإن قيل: إنما دخلت "كلّ" للتوكيد. فالجواب: أن أصل المؤكّد يأتي بعد ما يؤكده لا قبله. قوله: {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ} يجوز في هذه الجملة وَجْهَان: أحدهما: أن تكون [استئنافية استؤنفت] للإخبار بأنهم يكفرون بما عدا التَّوْراة، فلا محل لها من الإعراب. والثاني: أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف، أي: وهم يكفرون، والجملة في محلّ نصب على الحال، والعامل فيها "قالوا"، أي قالوا: نؤمن حال كونهم كافرين بكذا، ولا يجوز أن يكون العامل فيها "نؤمن". قال أبو البقاء: إذا لو كان كذلك لكان لفظ الحال ونكفر، أي ونحن نكفر. يعني: فكان يجب المُطَابقة. ولا بد من إضمار هذا المبتدأ لما تقدم من أن المضارع المثبت لا يقترن بالواو، وهو نظير قوله: [المتقارب] شعر : 662ـ................ نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُمْ مَالِكَا تفسير : وحُذِفَ الفاعل من قوله تعالى: "بِمَا أُنْزِلَ" وأقيم المفعولُ مقامه للعلم به، إذ لا يُنَزِّل الكتب السماوية إلا الله، أو لتقدم ذكره في قوله: {بِمَآ أَُنزَلَ ٱللهُ}. قوله: "بِمَا وَرَاءَهُ" متعلّق بـ "يكفرون" و "ما" موصولة، والظروف صلتها، فمتعلّقةُ فعل ليس إلا ـ و "الهاء" في "وراءه" تعود على "ما" في قوله: {نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ}. و "وَرَاء" من الظروف المتوسّطة التصرف، وهو ظرف مكان، والمشهور أنه بمعنى "خلف" وقد يكون بمعنى "أمام" قال تعالى: {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً}تفسير : [الكهف:79]. وقال: {أية : وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً}تفسير : [الإنسان:27] فهو من الأضداد، وفسره الفراء ـ هُنَا ـ بمعنى "سوى" التي بمعنى "غير". وفسره أبو عبيدة وقتادة بمعنى "بعد". وفي همزه قولان: أحدهما: أنه أصل بنفسه [وإليه ذهب ابن جني مستدلاً] بثبوتها في التصغير في قولهم: "وريئة". الثاني: أنها مبدلة من ياء، لقولهم: تواريت. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون الهمزة بدلاً من واو؛ لأن ما فاؤه واو، لا تكون لامه واواً إلاّ ندوراً نحو: "واو" اسم حرف هجاء، وحكم "وَرَاء" حكم "قَبْلُ" و"بَعْدُ" في كونه إذا أضيف أعرب، وإذا قطع بني على الضم. وأنشد الأخفش على ذلك قول الشاعر: [الطويل] شعر : 663ـ إِذَا أَنَا لَمْ أُومَنْ عَلَيْكَ وَلَمْ يَكُنْ لِقَاؤُكَ إِلاَّ مِنْ وَرَاءُ وَرَاءُ تفسير : وفي الحديث عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: "حديث : كُنْتُ خَلِيْلاً مِنْ وَرَاءُ وَرَاءُ ". تفسير : وثبوت الهاء في تصغيرها شاذّ؛ لأن ما زاد من المؤنث على ثلاثة لا تثبت الهاء في مصغره إلا في لفظتين شذتا وهما: "وريئة" و "قديديمة": تصغير "وراء" و "قدام". وقال ابن عصفور: لأنهما لم يتصرفا فلو لم يُؤنَّثَا في التصغير لتُوُهِّمَ تذكيرهما. والوراء: ولد الولد أيضاً. قوله: "وَهُوَ الْحَقُّ" مبتدأ أو خبر، والجملة في محلّ نصب على الحال، والعامل فيها قوله "يكفرون" [وصاحبها فاعل يكفرون] وأجاز أبو البقاء أن يكون العامل الاستقرار الذي في قوله: "بما وراءه" أي بالذي استقرّ وراءه، وهو الحق. وهذا إشارة إلى وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما ثبت نبوّته بالمعجزات التي ظهرت عليه، ثم إنه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ أخبر أن هذا القرآن منزّل من عند الله، وأن فيه أمر المكلفين به، فكان الإيمان به محقّق لا مَحَالة. قوله: "مُصَدِّقاً" حال مؤكدة، لأن قوله: "وَهُوَ الْحَقُّ" قد تضمّن معناها، والحال المؤكدة: إما أن تؤكد عاملها، نحو: {أية : وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ}تفسير : [البقرة:60] وإما أن تؤكد مضمون جملة، فإن كان الثاني التزم بإضمار عاملها، وتأخيرها عن الجملة، ومثله أنشد سيبويه: [البسيط] شعر : 664ـ أَنا ابْنُ دَارَةَ مَعْرُوفاً بِهَا نَسَبِي وَهَلْ بِدَارَةَ يَا لَلنَّاسِ مِنّ عَارِ تفسير : والتقدير: وهو الحق أحُقّه مصدقاً ـ وابنَ دَارَةَ أعْرَف معروفاً، هذا تقرير كلام النحويين، وأما أبو البقاء، فإنه قال: مصدقاً حال مؤكِّدة، والعامل فيها ما في "الحق" من معنى الفعل، إذ المعنى: وهو ثابت مصدقاً، وصاحب الحال الضمير المستتر في "الحَقّ" عند قوم، وعند آخرين صاحب الحال ضمير دلّ عليه الكلام، و "الحق": مصدر لا يتحّمل الضمير على حسب تحمّل اسم الفاعل له عندهم. فقوله: "وعند آخرين" هو القول الذي قدّمناه وهو الصواب، و "ما" في قوله: "لِمَا مَعَهُمْ" في موضع خفض باللام، و "معهم" صلتها، و "معهم" نصب بالاستقرار. فصل في بيان ما تشير إليه الآية وهذا أيضاً إشارة إلى وجوب الإيمان بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من وَجْهَيْنِ: الأول: أن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يتعلم [علماً]، ولا استفاد من أُسْتاذ، فلما أخبر بالحكايات والقصص موافقاً لما في التوراة من غير تفاوت أصلاً علمنا أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ إنما استفادها من الوَحْي والتنزيل. والثاني: أن القرآن يدلّ على نبوته ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ فلما أخبر الله ـ تعالى ـ عنه أنه مصدق للتوراة، وجب اشتمال التَّوْراة على الإخبار عن نبوته، وإلاَّ لم يكن القرآن مصدقاً للتوراة، بل مكذباً لها، وإذا كانت التوراة مشتملةً على نبوته عليه الصَّلاة والسَّلام، وهم قد اعترفوا بموجوب الإيمان بالتوراة لزمهم من هذه الجهة وجوب الإيمان بالقرآن. قوله: "فلم تقتلون" الفاء جواب شرط مقدر وتقديره: إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلم قتلتم الأنبياء؟ وهذا تكذيب لهم؛ [لأن الإيمان بالتوراة مناف لقتل أشرف خلقه وذلك] لأن التوراة دلّت على أن المعجزات تدلّ على الصدق، وتدل على أنّ من كان صادقاً في ادعاء النبوة كان قتله كفراً، وإذا كان الأمر كذلك كان السعي في قَتْل يحيى وزكريا وعيسى ـ عليهم السلام ـ كفراً فلم سعيتم في ذلك إن صدقتم في ادّعائكم كونكم مؤمنين بالتوراة؟ و "لم" جار ومجرور، واللام حرف، و "ما" استفهامية في محلّ جر، أي: لأي شيء؟ ولكن حذفت ألفها فرقاً بينها وبين "ما" الخبرية. وقد تحمل الاستفهامية على الخبرية فتثبت ألفها؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 665ـ عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمٌ كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ تفسير : وهذا ينبغي أن يُخَصَّ بالضرورة، كما نص عليه بعضهم، والزمخشري يجيز ذلك، ويخرج عليه بعض أي القرآن، كما قد تحمل الخبرية على الاستفهامية في الحَذْف في قولهم: اصنع بم شئت وهذا لمجرد التشبيه اللفظي. وإذا وُقِفَ على "ما" الاستفهامية المجرورة، فإن كانت مجرورة باسم وَجَبَ لَحاقُ هاء السَّكْت نحو مجيء "مه"، وإن كانت مجرورة بحرف فالاختيار اللحاق، والفرق أن الحرف يمتزج بما يدخل عليه فتقوى به الاستفهامية، بخلاف الاسم المضاف إليها، فإنه في نيّة الانفصال، وهذا الوَقْف إنما يجوز ابتداء، أو بقطع نفس، ولا جَرَمَ أن بعضهم منع الوَقْف على هذا النحو قال: "إنه إن وقف بغير هاء كان خطأ؛ لنقصان الحرف، وإن وقف بها خالف السَّواد". لكن البزي قد وقف بالهاء، ومثل ذلك لا يُعد مخالفة للسَّواد، ألا ترى إلى إثباتهم بعضَ ياءات الزوائد. والجار متعلق بقوله: "تقتلون"، ولكنه قُدِّم عليه وجوباً، لأن مجروره له صدر الكلام، والفاء وما بعدها من "تقتلون" في محلّ جزم، وتقتلون ـ وإن كان بصيغة المضارع، فهو في معنى الماضي [لفهم المعنى]، وأيضاً فمعه قوله "مِنْ قَبْل" [وأيضاً فإن الأنبياء ـ عليهم السلام ـ إنما كانوا في ذلك الزمان، وأيضاً فالحاضرون لم يفعلوا ذلك ولا يتأتى لهم قتل الماضيين]، وجاز إسناد القتل إليهم وإن لم يَتَعَاطَوه؛ لأنهم لما كانوا راضين بفعل أَسْلاَفهم جعلوا كأنهم فعلوا هم أنفسهم. فإن قيل: كيف جاز قوله: "فَلِمَ تَقْتُلُونَ" من قبل، ولا يجوز أن يقال: أنا أضربك أمس؟ فالجواب من وَجْهَيْن: الأول: أن ذلك جائز فيما كان بمنزلة الصّفة اللازمة كقولك لمن تعرفه بما سلف من قبح فعله: ويحك لم تكذب؟ كأنك قلت: لم يكن هذا من شأنك. قال الله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ}تفسير : [البقرة:102] ولم يقل: ما تلت الشياطين؛ لأنه أراد من شأنها التلاوة. والثاني: كأنه قال: لم ترضون بقتل الأنبياء من قبل إن كنتم مؤمنين بالتوراة؟ قال بعضهم: جاء "تقتلون" بلفظ الاستقبال، وهو بمعنى المُضِيّ لما ارتفع الإشكال بقوله: "من قبل" وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بمعنى المستقبل وبالعكس. قال الحطيئة: [الكامل] شعر : 666ـ شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ تفسير : شهد بمعنى يشهد. قوله: {إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. في: "إنْ" قولان: أحدهما: أنها شرطية، وجوابه محذوف تقديره: إن كنتم مؤمنين فلم فعلتم ذلك؟ ويكون الشرط وجوابه قد ذكر مرتين فَحُذِفَ الشَّرْط من الجملة الأولى، وبقي جوابه وهو: فلم تقتلون، وحذف الجواب من الثَّانية، وبقي شرطه، فقد حذف من كلّ واحدة ما أثبت في الأخرى. قال ابن عطية رحمه الله: جوابها متقدم، وهو قوله "فلم" وهذا إنما يتأتى على قول الكُوفيين، وأبي زيد. والثاني: أن "إن" نافية بمعنى "ما" أي: ما كنتم مؤمنين لمُنَافَاةِ ما صدر منكم الإيمان.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله {ويكفرون بما وراءه} قال: بما بعده. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {ويكفرون بما وراءه} قال: القرآن.
القشيري
تفسير : الإشارة فيه: إذا قيل لهم حَقِّقُوا ما أظهرتم من حكم الوفاق بتحقيق الحال وإقامة البرهان سَمَحَتْ نفوسُهم ببعض ما التبس عندهم لما يوافق أهواءهم، ثم يكفرون بما وراء حظوظهم، (....) بُعداً عن زمرة الخواص، غير معدودين في جملة أرباب الاختصاص.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا قيل لهم} اى واذا قال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليهود اهل المدينة ومن حولها ومعنى اللام الانهاء والتبليغ {آمنوا بما أنزل الله} من الكتب الآلهية جميعا {قالوا نؤمن} اى نستمر على الايمان {بما انزل علينا} يعنون به التوراة وما انزل على انبياء بنى اسرائيل لتقرير حكمها ويدسون فيه ان ما عدا ذلك غير منزل عليهم واسندوا الانزال على انفسهم لان المنزل على نبى منزل على امته معنى لانه يلزمهم {و} هم {يكفرون بما وراءه} اى سوى ما انزل {وهو} اى والحال ان ما وراء التوراة {الحق} اى المعروف بالحقية الحقيق بان يخص به اسم الحق على الاطلاق {مصدقا لما معهم} من التوراة غير مخالف له حال مؤكدة من الحق والعامل فيها ما فى الحق من معنى الفعل وصاحب الحال ضمير دل عليه الكلام اى احقه مصدقا اى حال كونه موافقا لما معهم وفيه رد لمقالتهم لانهم اذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ثم اعترض عليهم بقتلهم الانبياء مع ادعائهم الايمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل نبى بقوله تعالى {قل} يا محمد تبكيتا لهم من جهة الله تعالى ببيان التناقض بين اقوالهم وافعالهم {فلم} اصله لما لامه للتعليل دخلت على ما التى للاستفهام وسقطت الالف فرقا بين الاستفهامية والخبرية {تقتلون أنبياء الله من قبل} صيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية وهو جواب شرط محذوف اى قل لهم ان كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون فلاى شىء تقتلون انبياء الله من قبل وهو فيها حرام واسند فعل الآباء وهو القتل الى الابناء للملابسة بين الآباء والابناء. قال ابو الليث فى تفسيره وفى الآية دليل على ان من رضى بالمعصية فكانه فاعل لها لان اليهود كانوا راضين بقتل آبائهم فسماهم الله قاتلين حيث قال فلم تقتلون الآية {ان كنتم مؤمنين} جواب الشرط محذوف لدلالة ما سبق عليه اى ان كنتم مؤمنين فلم تقتلونهم وهو تكرير للاعتراض لتأكيد الالزام وتشديد التهديد.
الطوسي
تفسير : المعنى: قوله: {بما أنزل الله} يعني القرآن. {قالوا نؤمن بما أنزل علينا} يعنون التوراة. {ويكفرون بما وراءه} يعني بما بعده قال الشاعر: شعر : تمني الاماني ليس شيء وراءها كموعد عرقوب اخاه بيثرب تفسير : وقال الفراء: معنى {وراءه} ها هنا سواه. كما يقال للرجل يتكلم بالحسن: ما وراء هذا الكلام شيء يراد به، ليس عند المتكلم شيء سوى ذلك الكلام. ومعنى قوله: {ويكفرون بما وراءه وهو الحق} وبما سوى التوراة وبما بعده من كتب الله عز وجل التي انزلها الله إلى رسله. قوله: {هو الحق مصدقاً} يعني القرآن مصدقاً لما معهم ـ ونصب على الحال ـ ويسميه الكوفيون علي القطع. وقوله: {من قبل} ضم على الغاية، وكذلك اخواتها نحو بعد وتحت وفوق اذا جعلت غاية ضمت. وفي ذلك خبر من الله تعالى ذكره انهم من التكذيب في التوراة على مثل الذي هم عليه من التكذيب بالانجيل والقرآن عناداً وخلافاً لأمره، وبغياً على رسله. وقوله: {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} يعني قل يا محمد ليهود بني اسرائيل اذا قلت لهم آمنوا ـ قالوا لك نؤمن بما انزل علينا: لم تقتلون ان كنتم مؤمنين بما أنزل الله عليكم ـ انبياءه ـ وقد حرم عليكم في الكتاب الذي انزل عليكم قتلهم، بل امركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم. وفي ذلك تكذيب لهم في قولهم نؤمن بما انزل علينا، وتغيير عليهم. وقوله: {فلم تقتلون} وان كان بلفظ الاستقبال المراد به الماضي، بدلالة قوله: من قبل. وذلك لما مضى، كما قال: {أية : واتبعوا ما تتلوا الشياطين} تفسير : اي ما تلت. قال الشاعر: شعر : ولقد امر على اللئيم يسبنى فمضيت عنه وقلت لا يعنيني تفسير : وفي رواية اخرى ثمت. قلت يريد بقوله ولقد امر بدلالة قوله: فمضيت ولم يقل فأمضى وقال آخر: شعر : واني لأتيكم تشكر ما مضى من الامر واستيجاب ما كان في غد تفسير : يعنى بذلك ما يكون في غد. قال الحطيئة: شعر : شهد الحطيئة حين يلقى ربه ان الوليد احق بالعذر تفسير : يعني يشهد وقال آخر: شعر : فما أضحى ولا امسيت إلا اراني منكم في كوفان تفسير : فقال: اضحى، ثم قال: ولا امسيت. ومثله {أية : يحسب أن ماله أخلده } تفسير : اي يستخلده. وقال بعض الكوفيين انما قال: {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل} واراد به الماضي كما يقول القائل ـ موبخاً لغيره، ومكذباً له: لم تكذب، ولم تبغض نفسك إلى الناس. قال الشاعر: شعر : اذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ولم تجدي من ان تقري به بداً تفسير : فالجزاء المستقبل، والولادة كلها قد مضت، وجاز ذلك لأنه معروف. وقال قوم: معناه فلم ترضون بقتل انبياء الله إن كنتم مؤمنين. وقالت فرقة ثانية: فلم تقاتلون انبياء الله فعبر عن القتال بالقتل، لأنه يؤول اليه.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} عطف باعتبار المعنى كأنّه قيل: انّهم كفروا بما أنزل الله عليهم لان ينزّل الله على محمّد (ص) واذا قيل، او عطف على جملة باؤا بغضبٍ، او حال عن فاعل ان يكفروا، او عن فاعل باؤا، او جملة مستأنفة على جواز مجيء الواو للاستئناف لابداء ذمّ آخر وتسجيل سفاهتهم باتيان التّناقض فى دعواهم، وهذه العبارة كثيراً ما تستعمل فى مقام المدح والذّمّ منسلخة عن خصوص زمان الاستقبال مفيدة للاستمرار فى الماضى والحال والاستقبال كأنّه قيل: شيمتهم انّه كلّما قيل لهم {آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} على محمّد (ص) من القرآن او على الانبياء من الكتب السّماويّة والوحى الالهىّ كذّبوا صريحاً {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا} يعنى التّوراة {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ} ولو كانوا يؤمنون بالتّوراة لم يكفروا بالقرآن ولا بسائر الكتب لانّ فى التّوراة اثباتاً لحقّيّة القرآن وسائر الكتب السّماويّة {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} اى ما وراءه وهو القرآن حقّ، ناسخ للتّوراة ولجميع الكتب الأخُر لا حقّ بعد نسخه للكتب سواه {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} من التّوراة {قُلْ} ردّاً لادّعائهم الباطل من الايمان بالتّوراة ان كنتم مؤمنين بالتّوراة وفيها وجوب تعظيم الانبياء وحرمة قتلهم {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ} نسبة فعل الاسلاف الى الحاضرين والاتيان بالمستقبل مع التّقييد بالمضىّ للاشعار بمجانسة الحاضرين للماضين وأنّ قتل الانبياء كان سجيّة لهم قدروا عليه ام لم يقدروا {مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} بالتّوراة ومخالفتها تدلّ على عدم الايمان بها.
اطفيش
تفسير : {وإذا قيلَ لَهم}: لليهود. {آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللهُ}: وهو القرآن لأن ما تقدم مسوق لتكذيبهم بالنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتكذيب به تكذيب بالقرآن، وكذبوا بالقرآن خصوصاً أيضاً، ويجوز أن يراد بما أنزل الله القرآن والإنجيل معاً، لأنهم ـ قبحهم الله ـ كذبوا أيضاً بعيسى والإنجيل، ويناسب هذا أيضاً قوله: {أية : فبآءوا بغضب على غضب}تفسير : ، إذا فسر بتعديد مساوئهم، ويجوز أن يراد بذلك القرآن والإنجيل، وجميع ما أنزل الله ويناسبه أيضاً قوله: {أية : فبآءوا بغضب على غضب} تفسير : إذا فسر بالتعديد المذكور أيضاً، وإن قلت: ما وجه أمرهم بما أنزل الله على العموم مع أنهم لم يكفروا به عموماً؟ قلت: وجهه إلزام أن يؤمنوا بما أنزل الله كله كأنه قيل آمنوا بما أنزل الله كله لا ببعضه وحده، وفيه فائدة أخرى هى أن كفرهم بالإنجيل والقرآن كفر بجميع ما أنزل الله، فكأنه قيل: قد كفرتم بجميع ما أنزل الله فآمنوا بجميعه، ثم رأيت بعد ذلك ثلاثة أقوال مجردة عن التعليل فى تفسير ما أنزل الله، فقيل القرآن، وقيل الإنجيل، وقيل جميع ما أنزل الله والحمد لله إذ وافقن الاحتمالات التى ذكرت. {قَالوا نُؤْمِنُ بما أُنْزِل عَلَيْنَا}: وهو التوراة فيحتمل وجهين: أحدهما تقدير المضاف أى بما أنزل على نبينا لا بما لم ينزل أصلا، وهو القرآن فى زعمهم أصلا فضلا عن أن يكون على نبى، والآخر أن يريدوا نؤمن بما أنزل فى شأننا خطاباً وتكليفاً لنا، وأما القرآن فلم ينزل فضلا عن أن نكلف به هذا فى زعمهم ـ لعنهم الله ـ ثم ظهر لى وجه آخر هو أن هذه مقالة من زعم منهم أنه مرسل إلى العرب خاصة، أى نؤمن بما أنزل علينا، وأما ما يقول محمد فعلى العرب. {وَيَكْفُرُونَ بما وَرَاءه}: هذا من كلام الله سبحانهُ وتعالى لا من كلامهم والجملة مستأنفة أو حال من واو قالوا على تقدير قد التحقيقية، أى وقد يكفرون أو المبتدأ أى وهم يكفرون، وقيل بجواز وقوع الجملة المضارعية المثبتة المجردة من قد حالا. قال الفراء: بما وراءه بما سواه، وقال قتادة: بما بعده وما واقعه على ما من قوله آمنوا بما أنزل الله وهو القرآن، أو هو والإنجيل، والهاء عائدة إلى التوراة أو جميع ما أنزل، ووراء فى الأصل مصدر من ورى بمعنى الستر والخفاء، وهو كالمواراة استعمل ظرف مكان ويضاف إلى المفعول، ويراد به ما يوارى ذلك المفعول، والمفعول قدامه كما هنا إذا جعلنا التوراة مفعولة للمواراة، ومرجع الهاء وهو التوراة وهو الذى يقال فيه لأنه بعد، واعتبرنا أن ما قبل الشئ المستقبل هو الذى يقال إنه قدام، ويضاف إلى فاعل المواراة فيراد به ما يتوارى به الفاعل والفاعل خلفه {وَهُوَ}: أى ما وراءه وهو القرآن أو هو والإنجيل أو جميع ما أنزل. {الحقُّ}: الثابت من الله والجملة حال من ما فى قوله {بما وراءه}. {مُصدِّقاً}: حال من الحق وغير مؤكدة، لأنه لا يلزم من كون الشئ حقاً كونه مصدقاً لغيره، والقرآن مثلا ولو كان مصدقاً لما قبله، لكن لفظ الحق لا يفيد أنهُ مصدقاً، لأنه إذا نظرنا إلى اللغة أمكن أن يكون القرآن لم ينزل فيه شئ مما نزل قبله أصلا، وإنما نعرف الاتفاق بين القرآن وغيره فى أشياء من خارج، وكذا إذا جعلنا مصدقاً حالا مما فليس كما قيل إنه حال مؤكدة للحق أو لمانع هى مؤكدة بالنظرة إلى ما علمنا من الشرع، أن كل ما أنزل الله حق وأنه يصدق بعضه بعضاً، وقد أطلق سيبويه وله اليد الطولى فى الحديث والتفسير والنحو مشارك لغيره فى سائر العلوم الموجودة فى زمانه، كما أشار إلى بعض ذلك الخضرى فى حاشية ابن عقيل أن {مصدقاً} حال مؤكدة. {لِمَا مَعَهُم}: وهو التوراة والإنجيل، لأنهم ولو كذبوا الإنجيل لكنه موجود فى زمانهم، كلفوا به فجاز أن يقال معهم، وفى قوله: {وهو الحق مصدق لما معهم} رد لقولهم: نؤمن بما أنزل علينا، لأنهم إذا كفروا بما يصدق التوراة من القرآن وغيره، فقد كفروا أيضاً بما أنزل عليهم وهو التوراة ثم رد عليهم بقوله: {قُلْ}: يا محمد لهم. {فَلِم تَقْتُلون أنْبِيَاءَ اللهِ مِن قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤمنينَ}: أى لم قتلتم أنبياء الله قبل هذا الزمان أو قبل بعثة هذا النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن كنتم مؤمنين بالتوراة، إذ هى محرمة لقتل الأنبياء ناهية عنه فتقتلون بمعنى الماضى، ويناسبه قوله: {من قبل}، ويجوز كونه للحال استحضاراً للقتل وزمانه الماضى، أو تنزيلا لزمانهم منزلة زمانه، لأنهم أو لما كانوا راضين بفعل آبائهم من القتل، ومتولين لهم مع ذلك ومستمرين على طريقتهم إذ أرادوا قتل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صح أن يوصفوا بالملابسة فى حالهم للقتل، وقوله: {من قبل} دليل على أن القتل الحقيق واقع فى الزمان الماضى فهو كالتجريد فى الاستعارة، وأسند القتل إليهم مع أنه فعل أسلافهم لما ذكرت آنفاً من رضاهم بفعل أسلافهم وتوليهم إياهم، واستمرارهم على طريقتهم، وفى الأثر إذا علمت المعصية فى أرض فمن أنكرها وكرهها فهو برئ منها، ومن رضيها كان من فعلها، وكانوا ـ لعنهم الله ـ يقولون إنك لم تأتنا بمثل الذى آتانا به نبينا، ولم يكن لنا نبى إلا يأتنا بقربان تأكله النار.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَآ أَنْزَلَ اللهُ} القرآن، أو القرآن والتوراة وغيرهما من كتب الله ووحيه، وهذا إشارة إلى أنهم كفروا بكتب الله ووحيه كلها، إذ كفروا ببعض التوراة، فإنه من كفر بكتاب أو ببعضه أو بنبى فقد كفر بجيمع الكتب والأنبياء {قَالُوا نُؤْمِنُ} نستمر على الإيمان {بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا} أى كلفنا به فى كتبنا، مع أنهم لم يؤمنوا بها، إذ كفروا ببعضها {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} أى سورى ما أنزل إلينا، وهو التوراة، كقوله، ليس وراء الله منتهى، أو بمعنى بعده، والمراد على الوجهين القرآن لقوله تعالى {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} فإن هذا فى القرآن مستعمل للقرآن، ولا مانع من أن يراد بما وراءه كتب الله، فإنها كلها حق مصدق للتوراة، لأنها كلها أمر بالتوحيد وطاعة الله، واتباع كتبه ورسله، أو يقال: ما وراءه هو القرآن والإنجيل، كما أن التوراة مصدقة أيضاً لغيرها من كتب الله، ثم إنه إما أن يخصص ما أنزل الله بالتوراة والقرآن أو يعمم وهو الحق لجميع ما سوى التوراة، وعلى كل حال تناقض كلامهم، لأن كفرهم بما وراءه حال الإيمان بالتوراة يستلزم عدم الإيمان به، وجه الحص التقييد بالحال. وهو مصدقاً، فإن غير القرآن والإنجيل ولو صدق ما عندهم، لكن لم يذكر فيه تصديق ما عنده باسمه، ولكن فيه، أن التصديق بالموافقة يكفى، لعل الحصر هنا غير مراد، أو يراد حصر غير ما شهر، وهى معنى هو الحق لا غير الحق {قُلْ} لهم يا محمد، أو من يصلح للمناظرة {فَلِمَ تَقْتُلُونَ} يقتل آباؤكم، ورضيتم بقتلهم وصوبتم، تتعاطون مثل فعلهم لو وجدتم {أَنْبِيَاءَ اللهِ مِن قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} بالتوراة، ولقد نهيم فيما عن قتل الأنبياء، غيرهم، وعن سائر الظلم، أو أن نافية، أى ما كنتم مؤمنين بها، إذ خالفتموهما، ويجوز أن يكون قولهم {نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا} بمعنى نؤمن به نحن وأسلافنا، أى نؤمن به كما آمن أسلافنا، فلما ادعوا إيمانهم وإيمان أسلافهم توجه لاعتراض عليهم بأنكم وآباءكم إن آمنتم بالتوراة فلم قتلوا الأنبياء، فيكون فلت تقتلون تغليبا.
الخليلي
تفسير : جملتا الشرط والجزاء معطوفتان بالواو على قوله: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ...} الآية، أو على ما عطف عليه وهو قوله: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ}، وفي هذا وذاك سرد لما يعتذرون به في إعراضهم عن دعوة الإِسلام، ويتذرعون به إلى إصرارهم على الكفر وإخلادهم إلى العناد، فإذا دعاهم داعي الحق قالوا: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}، وإذا تليت عليهم آيات الكتاب ولوا معرضين حسدا من عند أنفسهم لأن أنزل على رجل من غير بني جنسهم بعد أن كانوا يستفتحون به على من حولهم من عبدة الأوثان، وإذا دعوا إلى الإِيمان بهذا المنزل من عند الله والنظر في براهينه والتأميل في إعجازه، وكونه غير مناف لما أنزل من قبل على موسى عليه السلام، بل هو مصدق له، قالوا حسبنا أن نتمسك بما في أيدينا فإنه منزل على نبينا، ولأجل هذا العناد المتسلسل في أحوالهم جاء القرآن بهذه المناقشة المستفيضة في هذه الآية وما بعدها لهتك أستارهم وتبديد معاذيرهم. والمراد بما أنزل الله في الآية القرآن المنزل على محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، والتعبير عنه "بما أنزل الله" للحض على الايمان به وقطع عذر من أعرض عنه مهما جاء بالتعلات، وتعلق بالمعاذير فإنه ما دام منزلا من عند الله فالإِيمان به واجب على جميع عباد الله بقطع النظر عن حال من أنزل عليه من قرب النسب وبعده، ووجود الصلة به أو عدمها فإن الحق يجب التسليم له واتباعه والتزامه وقبوله ممن جاء به لأنه نجاة من اتبعه وعصمة من تمسك به. ومرادهم: (بما أنزل عليهم) التوراة المنزلة على موسى، أو هي وما عززها مما أنزل على أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى، فالإِنزال في حقيقته إنما هو على الأنبياء غير أنهم نسبوه إلى أنفسهم لأن الخطاب بالمنزل موجه إليهم، والمطالبة بالعمل به مخصوصة بهم. ووجه التشبث بهذا العذر الواهي في الإِعتذار عن الإِيمان بما أنزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن ما بأيديهم هو أيضا منزل من عند الله وهم في استغناء به عما في سواه. وجيء بالمضارع في قوله تعالى: {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ} مع أن الكفر واقع منهم قبل نزول الآية لمناسبة قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا}، وللتصريح بما لوحوا إليه من أن إيمانهم بما أنزل اليهم يقتضي الكفر بما سواه، ولبيان حالهم التي هم دائمون عليها، والتعجيب منها. والوراء هنا بمعنى السوى، وهو في الأصل اسم للجهة الخلفية مشتق من المواراة لأن الإِدبار يواري عن نظر المدبر ما كان خلفه، وذهب كثير إلى أنه من الألفاظ ذوات المعاني المتضادة، فهو يطلق على الأمام كما يطلق على الخلف، واستدلوا له بقوله تعالى: {أية : وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ} تفسير : [الكهف: 79]، وبقول لبيد: شعر : أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصى تحنى عليها الأصابع تفسير : فإن أصحاب السفينة كانوا متجهين نحو هذا الملك فهو أمامهم كما أن لزوم العصى مستقبل حال المرء إذا تراخت منيته، فهو أمر مقبل عليه، وليس أمرا أدبر عنه، ولا يخفى أن جواز ذلك إنما هو فيما كان بعيدا بحيث يواريه البعد عن بصر من هو متجه نحوه أو ما كان كالبعيد إن كان استعماله كذلك فيما هو من المعقولات. وأنكر ابن عاشور التضاد في معنى الوراء وحمل الآية وبيت لبيد على التجوز بمعنى الطلب والتعقب كما يقال فلان ورائي بمعنى يطلبني ويتعقبني. ومؤدى كلامه أن أصحاب السفينة كانوا مهددين ببطش الملك الذي: {أية : يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} تفسير : [الكهف: 79]، وأن المعمر مهدد بالهرم المؤدى به الى زلوم العصى، فجاز استعمال الوراء في الموضعين لإِفادة التهديد المشار إليه، لأن المهدِّد - بالكسر - بالنسبة إلى المهدَّد - بالفتح - كالمتعقب الآتي من الخلف. وما وراءه هنا هو القرآن وقيل: هو المعاني التي وراء ألفاظ الكتاب الذي آمنوا به، ومعنى ذلك أن إيمانهم محصور في شكل ما أنزل إليهم دون جوهره لعدم عملهم بمقتضاه، ومن ذلك اتباعهم النبي الأمي الذي سُطر نعته في نفس ذلك الكتاب؛ وعلى هذا القول الثاني فلفظة الوراء مستعملة في بابها، وليست بمعنى السوى. ويؤيد القول الأول قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} فإن ذلك يصدق على القرآن، ولم ترد بالحصر فيه حقيقته، فإن كل ما أنزل الله على أنبيائه حق، وإنما أوثر التعريف الدال على الحصر في التعبير على {وَهُوَ ٱلْحَقُّ}، بالتنكير للتنبيه على أنه في ذروة الحق لاستجماعه أبوابه ووجوهه كما سبق نحوه في قوله: {ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ}، وهو شائع في الاستعمال عند العرب في المنثور والمنظوم، ومنه قول حسان: شعر : وإن سنام الملك من آل هاشم بنو بنت مخزوم ووالدك العبد تفسير : وجملة: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} للحال من المجرور وهو (ما)، و(مصدقا) حال تأكيدية من المبتدأ فيها، وقيل: تأسيسية لإِفادتها معنى زائدا على مضمون {وَهُوَ ٱلْحَقُّ}، إذ قد يكون الكتاب حقا ولا يصدق كتابا آخر ولا يكذبه. ووصفه بتصديقه لما قبله دون تصديقه بما قبله لبلوغه أوج الكمال ومنتهى الوضوح بحيث كان غيره بحاجة إلى أن يصدق به، ولم يكن هو بحاجة إلى أن يصدق بغيره وذلك لأنه في حقيقته آية باهرة ومعجزة ظاهرة تقطع لسان كل متحد، وتستأصل شبهة كل معاند، وهذا مما تميزت به رسالة خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة والسلام عن سائر الرسالات، فإن سائر المرسلين كانوا مقرونين في دعواتهم بمعجزات خارجة عن رسالاتهم، بينما كانت رسالته صلى الله عليه وسلم معجزتها في ذاتها لأنها احتوت أم المعجزات، وهو هذا القرآن الدامغة حجته الساطعة آيته. وتصديقه لما معهم هو تصديقه لما تضمنه من توحيد الله وتنزيهه عن كل ما ينافي قدسيته وجلاله، ومن أخبار النبوات وقصص النبيين وأنباء المعاد، وما تحقق بنزوله من الوعد الذي بشرت به التوراة والإِنجيل. وفي وصهفم بهذا رد ضمني عليهم، فإنه لو كانوا مؤمنين حقا لآمنوا بكل ما أنزل الله من غير تفريق بين تنزيل وآخر، فإن الكل من عند الله يصدق بعضه بعضا، فالكفر ببعضه كفر بجميعه. وبعد هذا التلويح بالرد جاء صريحا في قوله: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} فإنهم قتلوا قبل ذلك الأوان الذي أنزل فيه القرآن مجموعة من النبيين كما تقدم، وهو عمل ينافي دعوى الإِيمان بما أنزل عليهم، ومع أن أولئك النبيين الذين قتلوهم بُعثوا بنفس ما يدعون الإِيمان به، وقد أرسلوا مؤكدين العمل بالتوراة، مبشرين بها ومنذرين، فكيف استساغوا قتلهم وهم يدعون التمسك بها. وإسناد الخطاب إلى الحاضرين مع أنه من فعل أسلافهم لأنهم يوالونهم عليه ويدعون أنهم على حق، والتعبير بتقتلون دون قتلتم لأجل تصوير بشاعة القتل وفظاعة ما أحدثوا في صورة ما يعاين بالأبصار وليس الخبر كالعيان. وفي هذا الرد تعليم من الله لعباده كيف ينقضون شهب أهل الباطل، ويردون على دعاواهم، فهو من الجدل المحمود الذي يقصد به إحقاق الحق وإزهاق الباطل.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} ظرف لقالوا والجملة عطف على {أية : قَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ }تفسير : [البقرة: 88] ولا غرض يتعلق بالقائل، فلذا بني الفعل لما لم يسم فاعله، والظاهر أنه من جانب المؤمنين. {آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} الجمهور على أنه القرآن، وقيل: سائر ما أنزل من الكتب الإلۤهية إجراء لما على العموم ومع هذا: جُلّ الغرض الأمر بالإيمان بالقرآن لكن سلك مسلك التعميم منه إشعاراً بتحتم الامتثال من حيث مشاركته لما آمنوا به فيما في حيز الصلة وموافقته له في المضمون، وتنبيهاً على أن الإيمان بما عداه من غير إيمان به ليس إيماناً بما أنزل الله. {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} أي نستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها مما أنزل لتقرير حكمها، وحذف الفاعل للعلم به إذ من المعلوم أنه لا ينزل الكتب إلا هو سبحانه، ولجريان ذكره في الخطاب ومرادهم بضمير المتكلم إما أنبياء بني إسرائيل ـ وهو الظاهر ـ وفيه إيماء إلى أن عدم إيمانهم بالقرآن كان بغياً وحسداً على نزوله على من ليس منهم ـ وإما أنفسهم ـ ومعنى الإنزال عليهم تكليفهم بما في المنزل من الأحكام، وذموا على هذه المقالة لما فيها من التعريض بشأن القرآن ـ ودسائس اليهود مشهورة ـ أو لأنهم تأولوا الأمر المطلق العام ونزلوه على خاص هو الإيمان بما أنزل عليهم كما هو ديدنهم في تأويل الكتاب بغير المراد منه. {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ} عطف على {قَالُواْ}؛ والتعبير بالمضارع لحكاية الحال استغراباً للكفر بالشيء بعد العلم بحقيته أو للتنبيه على أن كفرهم مستمر إلى زمن الإخبار، وقيل: استئناف ـ وعليه ابن الأنباري ـ ويجوز أن يكون حالاً إما على مذهب من يجوز وقوع المضارع المثبت حالاً مع الواو، وإما على تقدير مبتدأ أي وهم/ يكفرون، والتقييد بالحال حينئذٍ لإفادة بيان شناعة حالهم بأنهم متناقضوا في إيمانهم لأن كفرهم بما وراءه حال الإيمان بالتوراة يستلزم عدم الإيمان به ـ وهذا أدخل في رد مقالتهم ـ ولهذا اختار هذا الوجه بعض الوجوه، ـ ووراء ـ في الأصل مصدر لاشتقاق المواراة والتواري منه، والمزيد فرع المجرد إلا أنه لم يستعمل فعله المجرد أصلاً ثم جعل ظرف مكان ويضاف إلى الفاعل فيراد به المفعول وإلى المفعول فيراد به الفاعل أعني الساتر، ولصدقه على الضدين ـ الخلف، والأمام ـ عد من الأضداد وليس موضوعاً لهما، وفي «الموازنة» للأموي تصريح بأنه ليس منها وإنما هو من المواراة والاستتار فما استتر عنك فهو وراء ـ خلفاً كان أو قداماً ـ إذا لم تره فأما إذا رأيته فلا يكون وراءك. والمراد هنا بما بعده قاله قتادة ـ أو بما سواه ـ وبه فسر {أية : وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَٰلِكُمْ }تفسير : [النساء: 24] وأريد به القرآن كما عليه الجمهور. وقال الواحدي: هو والإنجيل، واحتمال أن يراد بما وراءه باطن معاني ما أنزل عليهم التي هي وراء ألفاظها، وفيه إشعار بأن إيمانهم بظاهر اللفظ ليس بشيء إلا أن يراد بذلك الباطن القرآن ولا يخفى بعده. {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} الضمير عائد لما وراءه حال منه، وقيل: من فاعل (يكفرون) والجملة الحالية المقترنة بالواو لا يلزم أن يعود منها ضمير إلى ذي الحال ـ كجاء زيد والشمس طالعة ـ وعلى فرض اللزوم ينزل وجود الضمير فيما هو من تتمتها منزلة وجوده فيها، والمعنى وهم مقارنون لحقيته أي عالمون بها وهو أبلغ في الذم من كفرهم بما هو حق في نفسه، والأول أولى لظهوره ولا تفوت تلك الأبلغية عليه أيضاً إذ تعريف الحق للإشارة إلى أن المحكوم عليه مسلم الاتصاف به معروفه من قبيل ـ والدك العبد ـ فيفيد أن كفرهم به كان لمجرد العناد، وقيل: التعريف لزيادة التوبيخ والتجهيل بمعنى أنه خاصة الحق الذي يقارن تصديق كتابهم ولولا الحال أعني (مصدقاً) لم يستقم الحصر لأنه في مقابلة كتابهم وهو حق أيضاً، وفيه أنه لا يستقيم ولو لوحظ الحال بناءً على تخصيص ذي الضمير بالقرآن لأن الإنجيل حق مصدق للتوراة أيضاً، نعم لو أريد بالحق الثابت المقابل للمنسوخ لاستقام الحصر مطلقاً إلا أنه بعيد. {مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ} حال مؤكدة لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضاً، فالتصديق لازم لا ينتقل، وقد قررت مضمون الخبر لأنها كالاستدلال عليه، ولهذا تضمنت رد قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } حيث إن من لم يصدق بما وافق التوراة لم يصدق بها، واحتمال أن يراد مما معهم التوراة والإنجيل كما في «البحر» لأنهما أنزلا على بني إسرائيل وكلاهما غير مخالف للقرآن مخالف لما يقتضيه الذوق سباقاً وسياقاً. {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء ٱللَّهِ مِن قَبْلُ} أمر للنبـي صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك تبكيتاً لهم حيث قتلوا الأنبياء مع ادعاء الإيمان بالتوراة وهي لا تسوّغه، ويحتمل أن يكون أمراً لمن يريد جدالهم كائناً من كان. والفاء جواب شرط مقدر أي: إن كنتم مؤمنين {فَلَمْ} الخ، و (ما) استفهامية حذفت ألفها لأجل ـ لام ـ الجر ويقف البزيّ في مثل ذلك بالهاء وغيره بغير هاء، وإيراد صيغة المضارع مع الظرف الدال على المضي للدلالة على استمرارهم على القتل في الأزمنة الماضية، وقيل: لحكاية تلك الحال، والمراد بالقتل معناه الحقيقي وإسناده إلى الأخلاف المعاصرين له صلى الله عليه وسلم مع أن صدوره من الأسلاف مجاز للملابسة بين الفاعل الحقيقي وما أسند إليه، وهذا كما يقال لأهل قبيلة ـ أنتم قتلتم زيداً ـ إذا كان القاتل آباءهم، وقيل: القتل مجاز عن الرضا أو العزم عليه، ولا يخفى أن الاعتراض على الوجه الأول أقوى تبكيتاً منه على الآخرين فتدبر، وفي إضافة (أنبياء) إلى الاسم الكريم تشريف عظيم وإيذان بأنه كان ينبغي لمن جاء من عند الله تعالى أن يعظم وينصر لا أن يقتل. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} / تكرير للاعتراض لتأكيد الإلزام وتشديد التهويل أي: إن كنتم مؤمنين فلم تقتلونهم وقد حذف من كل واحدة من الشرطيتين ما حذف ثقة بما أثبت في الأخرى على طريق الاحتباك، وقيل: إن المذكور قبل جواب لهذا الشرط بناءً على جواز تقديمه وهو رأي الكوفيين وأبـي زيد، واختاره في «البحر»، وقال الزجاج: (إن) هنا نافية ولا يخفى بعده.
ابن عاشور
تفسير : معطوف على قوله: {أية : ولما جاءهم كتاب من عند الله}تفسير : [البقرة: 89] المعطوف على قوله: {أية : وقالوا قلوبنا غلف}تفسير : [البقرة: 88] وبهذا الاعتبار يصح اعتباره معطوفاً على {وقالوا قلوبنا غلف} على المعروف في اعتبار العطف على ما هو معطوف وهذا كله من عطف حكايات أحوالهم في معاذيرهم عن الإعراض عن الدعوة الإسلامية فإذا دعوا قالوا: قلوبنا غلف وإذا سمعوا الكتاب أعرضوا عنه بعد أن كانوا منتظريه حسداً أن نزل على رجل من غيرهم، وإذا وعظوا وأنذروا ودعوا إلى الإيمان بالقرآن وبأنه أنزله الله وأن ينظروا في دلائل كونه منزلاً من عند الله أعرضوا وقالوا: نؤمن بما أنزل علينا أي بما أنزله الله على رسولنا موسى، وهذا هو مجمع ضلالاتهم ومنبع عنادهم فلذلك تصدى القرآن لتطويل المحاجة فيه بما هنا وما بعده تمهيداً لقوله الآتي: {أية : ما ننسخ من آية}تفسير : [البقرة: 106] الآيات. وقولهم: {نؤمن بما أنزل علينا} أرادوا به الاعتذار وتعلة أنفسهم لأنهم لما قيل لهم {آمنوا بما أنزل الله} علموا أنهم إن امتنعوا امتناعاً مجرداً عدت عليهم شناعة الامتناع من الإيمان بما يدعى أنه أنزله الله فقالوا في معذرتهم ولإرضاء أنفسهم {نؤمن بما أنزل علينا} أي أن فضيلة الانتساب للإيمان بما أنزل الله قد حصلت لهم أي فنحن نكتفي بما أنزل علينا وزادوا إذ تمسكوا بذلك ولم يرفضوه. وهذا وجه التعبير في الحكاية عنهم بلفظ المضارع {نؤمن} أي ندوم على الإيمان بما أنزل علينا وقد عرضوا بأنهم لا يؤمنون بغيره لأن التعبير بنؤمن بما أنزل علينا في جواب من قال لهم {آمنوا بما أنزل الله} وقد علم أن مراد القائل الإيمان بالقرآن مشعر بأنهم يؤمنون بما أنزل عليهم فقط لأنهم يرون الإيمان بغيره مقتضياً الكفر به فههنا مستفاد من مجموع جملتي {آمنوا بما أنزل الله} وجوابها بقولهم {نؤمن بما أنزل علينا}. وقوله تعالى: {ويكفرون بما وراءه} جيء بالمضارع محاكاة لقولهم {نؤمن بما أنزل علينا} وتصريح بما لوحوا إليه ورد عليهم أي يدومون على الإيمان بما أنزل عليهم ويكفرون كذلك بما وراءه فهم يرون أن الإيمان به مقتض للكفر بغيره على أن للمضارع تأثيراً في معنى التعجب والغرابة. وفي قرنه بواو الحال إشعار بالرد عليهم وزاد ذلك بقوله {وهو الحق مصدقاً لما معهم}. والوراء في الأصل اسم مكان للجهة التي خلف الشيء وهو عريق في الظرفية وليس أصله مصدراً. جعل الوراء مجازاً أو كناية عن الغائب لأنه لا يبصره الشخص واستعمل أيضاً مجازاً عن المجاوز لأن الشيء إذا كان أمام السائر فهو صائر إليه فإذا صاروا وراءه فقد تجاوزه وتباعد عنه قال النابغة:شعر : وليس وراء الله للمرء مطلب تفسير : واستعمل أيضاً بمعنى الطلب والتعقب تقول ورائي فلان بمعنى يتعقبني ويطلبني ومنه قول الله تعالى: {أية : وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً}تفسير : [الكهف: 79] وقول لبيد:شعر : أليس ورائي أن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع تفسير : فمن ثم زعم بعضهم أن الوراء يطلق على الخلف والأمام إطلاق اسم الضدين واحتج ببيت لبيد وبقرآن وكان أمامهم ملك وقد علمت أنه لا حجة فيه ولذلك أنكر الآمدي في «الموازنة» كونه ضداً. فالمراد بما وراءه في الآية بما عداه وتجاوزه أي بغيره والمقصود بهذا الغير هنا خصوص القرآن بقرينة السياق لتقدم قوله: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله} ولتعقيبه بقوله: {وهو الحق مصدقاً}. وجملة {وهو الحق} حالية واللام في (الحق) للجنس والمقصود اشتهار المسند إليه بهذا الجنس أي وهو المشتهر بالحقية المسلم ذلك له على حد قول حسان:شعر : وإن سنام المجد من آل هشام بنو بنت مخزوم ووالدك العبد تفسير : لم يرد حسان انحصار العبودية في الوالد وإنما أراد أنه المعروف بذلك المشتهر به فليست اللام هنا مفيدة للحصر لأن تعريف المسند باللام لا تطرد إفادته الحصر على ما في «دلائل الإعجاز». وقيل يفيد الحصر باعتبار القيد أعني قوله {مصدقاً} أي هو المنحصر في كونه حقاً مع كونه مصدقاً فإن غيره من الكتب السماوية حق لكنه ليس مصدقاً لما معهم ولعل صاحب هذا التفسير يعتبر الإنجيل غير متعرض لتصديق التوراة بل مقتصراً على تحليل بعض المحرمات وذلك يشبه عدم التصديق. ففي الآية صد لبني إسرائيل عن مقابلة القرآن بمثل ما قابلوا به الإنجيل وزيادة في توبيخهم. وقوله: {مصدقاً} حال مؤكدة لقوله: {وهو الحق} وهذه الآية علم في التمثيل للحال المؤكدة وعندي أنها حال مؤسسة لأن قوله {مصدقاً لما معهم} مشعر بوصف زائد على مضمون {وهو الحق} إذ قد يكون الكتاب حقاً ولا يصدق كتاباً آخر ولا يكذبه وفي مجيء الحال من الحال زيادة في استحضار شؤونهم وهيئاتهم. وقوله: {قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} فصله عما قبله لأنه اعتراض في أثناء ذكر أحوالهم قصد به الرد عليهم في معذرتهم هذه لإظهار أن معاداة الأنبئاء دأب لهم وأن قولهم: {نؤمن بما أنزل علينا} كذب إذ لو كان حقاً لما قتل أسلافهم الأنبئاء الذين هم من قومهم ودعوهم إلى تأييد التوراة والأمر بالعمل بها ولكنهم يعرضون عن كل ما لا يوافق أهواءهم. وهذا إلزام للحاضرين بما فعله أسلافهم لأنهم يرونهم على حق فيما فعلوا من قتل الأنبئاء. والإتيان بالمضارع في قوله: {تقتلون} مع أن القتل قد مضى لقصد استحضار الحالة الفظيعة وقرينة ذلك قوله: {من قبل} فذلك كما جاء الحطيئة بالماضي مراداً به الاستقبال في قوله:شعر : شهد الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر تفسير : بقرينة قوله يوم يلقى ربه. والمراد بأنبئاء الله الذين ذكرناهم عند قوله تعالى: {أية : ويقتلون النبيئين بغير الحق}تفسير : [البقرة: 61].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: بما أنزل الله: من القرآن. بما أنزل علينا: التوراة. وهو الحق مصدقاً: القرآن الكريم مقرر لأصول الأديان الإِلهية كالتوحيد والنبوات والبعث والجزاء في الدار الآخرة. البينات: المعجزات. اتخذتم العجل: يريد إلهاً عبدتموه في غيبة موسى عليه السلام. وأشربوا في قلوبهم العجل: أي حب العجل الذي عبدوه بدعوة السامري لهم بذلك. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في بني إسرائيل وتقريعهم على سوء أفعالهم ففي الآية الأولى [91] يخبر تعالى أن اليهود إذا دعوا إلى الإِيمان بالقرآن يدّعون أنهم في غير حاجة إلى إيمان جديد بحجة أنهم مؤمنون من قبل بما أنزل الله تعالى في التوراة وبهذا يكفرون بغير التوراة وهو القرآن مع أن القرآن حق والدليل أنه مصدق لما معهم من حق في التوراة ثم أمر الله رسوله أن يبطل دعواهم موبخاً إياهم بقوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} إذ قتل الأنبياء يتنافى مع الإِيمان تمام المنافاة. وفي الآية الثالثة [93] يذكِّر تعالى اليهود بما أخذه على أسلافهم من عهد وميثاق بالعمل بما جاء في التوراة عندما رفع الطور فوق رؤوسهم تهديداً لهم غير أنهم لم يفوا بما عاهدوا عليه كأنهم قالوا سمعنا وعصينا، فعبدوا العجل وأشربوا حبه في قلوبهم بسبب كفرهم ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقبّح ما ادّعوه من أن إيمانهم هو الذي أمرهم بقتل الأنبياء وعبادة العجل، والتمرد والعصيان. هداية الآيات: 1- مشروعية توبيخ أهل الجرائم على جرائمهم إذا أظهروها. 2- جرأة اليهود على قتل الأنبياء والمصلحين من الناس. 3- وجوب أخذ أمور الشرع بالحزم والعزم والقوة. 4- الإِيمان الحق لا يأمر صاحبه إلا بالمعروف، والإِيمان الباطل المزيف يأمر صاحبه بالمنكر.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمِنُواْ} (91) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إنَّ اليَهُودَ إذا قيلَ لَهُمْ: آمنُوا بِمُحَمَّدٍ وَصَدِّقُوهُ وَاتَّبِعُوهُ، قَالُوا: يَكْفِينَا الإِيمَانُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا (التَّورَاةُ) وَلا يُقرُّونَ بِغَيْرِ ذلِكَ (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَ ذلِكَ) مِمَّا جَاءَ بَعْدَهُ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنَّ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ هُوَ الحَقُّ، وَهُوَ يُصَدِّقُ مَا جَاءَتْ بِهِ التَّورَاةُ، وَأنَّ كُفْرَهُمْ بِالقُرْآنِ وَبِمُحَمَّدٍ هُوَ كُفْرٌ بِكِتَابِهِمْ نَفْسِهِ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ قَائِلاً: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَدَّعُونَ الإِيمَانَ بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ عَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِكُمْ، فَلِمَاذَا كُنْتُمْ تَقْتُلُونَ أنبيَاءَ اللهِ، وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيكُمْ ذلِكَ في كُتُبِكُمْ وَقَدْ أَمَرَكُمْ بِاتِبَاعِهِمْ؟ وَقَتْلُكُمُ الأنْبِيَاءَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلَى أَنَّكُمْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِرِسَالَةِ رَبِّكُمْ. (وَقَدْ نَسَبَ اللهُ تَعَالَى القَتْلَ للْيَهُودِ الذِينَ كَانُوا في زَمَنِ مَحَمَّدٍ عَلَيهِ السَّلامُ، مَعَ أَنَّ القَتْلَ ارْتَكَبَهُ أسْلاَفُهُمْ، وَهذَا يُقْصَدُ بِهِ وَحْدَةُ الأُمَّةِ وَتَكَافُلُها، وَأنَّها في الطَّبَائِعِ وَالأخْلاَقِ المُشْتَرَكَةِ كَالشَّخْصِ الوَاحِدِ). وَرَاءَ - سِوَى أوْ غَيْرَ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} يعني القرآن. {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا} يعني التوراة. {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ} أي بما سواه وبعده. {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} يعني القرآن. {مُصَدِّقاً} نصب على الحال. {لِّمَا مَعَهُمْ} قل لهم يا محمّد: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ} ولمَ أصله ولما فحذفت الألف فرقاً بين الخبر والأستفهام كقولهم: فيم وبم ولم وممّ وعلام وحقام، وهذا جواب لقولهم: نؤمن بما أنُزل علينا. فقال الله عزّ وجلّ {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ}. {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} بالتوراة وقد خنتم فيها من قتل الأنبياء {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} بالدلالات اللايحات - والعلامات الواضحات. {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ} أي من بعد انطلاقه إلى الجبل {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُواْ} أي استجيبوا واطيعوا سميت الطاعة سمعاً على المجاز لأنّه سبب الطّاعة والأجابة ومنه قولهم: سَمِع الله لمن حمده أي أجابه، وقال الشاعر: شعر : دعوت الله حتّى خفتُ ألاّ يكون الله يسمع ما أقول تفسير : أي يجب. {قَالُواْ سَمِعْنَا} قولك. {وَعَصَيْنَا} أمرك [أو سمعنا بالآذان وعصينا بالقلوب]. قال أهل المعاني: إنّهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، ولكن لما سمعوا الأمر وتلقوه بالعصيان نُسب ذلك عنهم إلى القول أتساعاً، كقول الشاعر شعر : ومنهل ذبّابة في عيطل يقلن للرائد عشبت أنزل تفسير : {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ} أي حبّ العجل، كقوله تعالى {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]، وقال النابغة: شعر : فكيف يواصل من اصبحت خلالة كأني مرحب تفسير : أي لخلاله أني مرحب، ومعناه أدخل في قلوبهم حبّ العجل، وخالطها ذلك كاشراب اللون لشدة الملازمة. {بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} أن تعبدوا العجل من دون الله [فالله لا يأمر بعبادة العجل]. {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} بزعمكم وذلك إنّهم قالوا: نؤمن بما أُنزل علينا، فكذبهم الله تعالى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يبين لنا الحق سبحانه وتعالى موقف اليهود .. من عدم الإيمان برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. مع أنهم أُمِرُوا بذلك في التوراة .. فيقول جل جلاله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [البقرة: 91] أي إذا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا بالإسلام وأن يؤمنوا بالقرآن رفضوا ذلك {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا} [البقرة: 91] أي نؤمن بالتوراة ونكفر بما وراءه، أي بما نزل بعده. ونحن نعرف أن الكفر هو الستر .. ولو أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء يناقض ما عندهم ربما قالوا: جاء ليهدم ديننا ولذلك نكفر به .. ولكنه جاء بالحق مصدقاً لما معهم. إذن حين يكفرون بالقرآن يكفرون أيضاً بالتوراة .. لأن القرآن يصدق ما جاء في التوراة. وهنا يقيم الله تبارك وتعالى عليهم الحجة البالغة .. إن كفركم هذا وسلوككم ضد كل نبي جاءكم .. ولو أنكم تستقبلون الإيمان حقيقة بصدر رحب .. فقولوا لنا لِمَ قتلتم أنبياء الله؟ .. ولذلك يقول الحق: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ} [البقرة: 91] .. هل هناك في كتابكم التوراة أن تقتلوا أولياء الله .. كأن الحق سبحانه وتعالى قد أخذ الحجة من قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ} [البقرة: 91] .. إذا كان هذا صحيحاً وأنكم تؤمنون بما أنزل عليكم فهاتوا لنا مما أنزل إليكم وهي التوراة ما يبيح لكم قتل الأنبياء إن كنتم مؤمنين بالتوراة .. وطبعاً لم يستطيعوا رداً لأنهم كفروا بما أنزل عليهم .. فهم كاذبون في قولهم نؤمن بما أنزل علينا .. لأن ما ينزل عليهم لم يأمرهم بقتل الأنبياء .. فكأنهم كفروا بما أنزل عليهم .. وكفروا بما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام. والقرآن يأتينا بالحجة البالغة التي تخرس أفواه الكافرين وتؤكد أنهم عاجزون غير قادرين على الحجة في المناقشة .. وهنا لابد أن نتنبه إلى قوله تعالى: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ} [البقرة: 91] .. قوله تعالى: "من قبلُ" طمأنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قتلهم الأنبياء انتهى، وفي الوقت نفسه قضاء على آمال اليهود في أن يقتلوا محمداً عليه الصلاة والسلام .. والله يريد نزع الخوف من قلوب المؤمنين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ما جرى للرسل السابقين من بني إسرائيل لن يجري على رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وبذلك قطع القرآن خط الرجعة على كل من يريد أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. لأن ذلك كان عهداً وانتهى .. وأنهم لو تآمروا على قتله عليه الصلاة والسلام فلن يفلحوا ولن يصلوا إلى هدفهم. واليهود بعد نزول هذه الآية الكريمة لم يتراجعوا عن تآمرهم ولن يكفوا عن بغيهم في قتل الرسل والأنبياء .. فحاولوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة .. مرة وهو في حيهم ألقوا فوقه حجراً ولكن جبريل عليه السلام أنذره فتحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانه قبل إلقاء الحجر .. ومرة دسوا له السم، ومحاولات أخرى فشلت كلها. إذن فقوله تعالى: "من قبل" معناها .. إن كنتم تفكرون في التخلص من محمد صلى الله عليه وسلم بقتله كما فعلتم في أنبيائكم نقل لكم: إنكم لن تستطيعوا أن تقتلوه. ولقد كانت هذه الآية كافية لإلقاء اليأس في نفوسهم حتى يكفوا عن أسلوبهم في قتل الأنبياء ولكنهم ظلوا في محاولاتهم، وفي الوقت نفسه كانت الآية تثبيتاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. بأن اليهود مهما تآمروا فلن يمكنهم الله من شيء .. وقوله تعالى: {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 91] .. أي بما أنزل إليكم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: وإذا أمر اليهود بالإيمان بما أنزل الله على رسوله، وهو القرآن استكبروا وعتوا، و { قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } أي: بما سواه من الكتب، مع أن الواجب أن يؤمن بما أنزل الله مطلقا، سواء أنزل عليهم، أو على غيرهم، وهذا هو الإيمان النافع، الإيمان بما أنزل الله على جميع رسل الله. وأما التفريق بين الرسل والكتب، وزعم الإيمان ببعضها دون بعض، فهذا ليس بإيمان، بل هو الكفر بعينه، ولهذا قال تعالى: {أية : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا } . تفسير : ولهذا رد عليهم تبارك وتعالى هنا ردا شافيا، وألزمهم إلزاما لا محيد لهم عنه، فرد عليهم بكفرهم بالقرآن بأمرين فقال: { وَهُوَ الْحَقُّ } فإذا كان هو الحق في جميع ما اشتمل عليه من الإخبارات، والأوامر والنواهي، وهو من عند ربهم، فالكفر به بعد ذلك كفر بالله، وكفر بالحق الذي أنزله. ثم قال: { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ } أي: موافقا له في كل ما دل عليه من الحق ومهيمنا عليه. فلم تؤمنون بما أنزل عليكم، وتكفرون بنظيره؟ هل هذا إلا تعصب واتباع للهوى لا للهدى؟ وأيضا، فإن كون القرآن مصدقا لما معهم، يقتضي أنه حجة لهم على صدق ما في أيديهم من الكتب، قلا سبيل لهم إلى إثباتها إلا به، فإذا كفروا به وجحدوه، صاروا بمنزلة من ادعى دعوى بحجة وبينة ليس له غيرها، ولا تتم دعواه إلا بسلامة بينته، ثم يأتي هو لبينته وحجته، فيقدح فيها ويكذب بها; أليس هذا من الحماقة والجنون؟ فكان كفرهم بالقرآن، كفرا بما في أيديهم ونقضا له. ثم نقض عليهم تعالى دعواهم الإيمان بما أنزل إليهم بقوله: { قُلْ } لهم: { فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ } أي: بالأدلة الواضحات المبينة للحق، { ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ } أي: بعد مجيئه { وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } في ذلك ليس لكم عذر. { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا } أي: سماع قبول وطاعة واستجابة، { قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } أي: صارت هذه حالتهم { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ } بسبب كفرهم. { قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } أي: أنتم تدعون الإيمان وتتمدحون بالدين الحق، وأنتم قتلتم أنبياء الله، واتخذتم العجل إلها من دون الله، لما غاب عنكم موسى، نبي الله، ولم تقبلوا أوامره ونواهيه إلا بعد التهديد ورفع الطور فوقكم، فالتزمتم بالقول، ونقضتم بالفعل، فما هذا الإيمان الذي ادعيتم، وما هذا الدين؟. فإن كان هذا إيمانا على زعمكم، فبئس الإيمان الداعي صاحبه إلى الطغيان، والكفر برسل الله، وكثرة العصيان، وقد عهد أن الإيمان الصحيح، يأمر صاحبه بكل خير، وينهاه عن كل شر، فوضح بهذا كذبهم، وتبين تناقضهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):