Verse. 97 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِہٖۗ اَنْفُسَھُمْ اَنْ يَّكْفُرُوْا بِمَاۗ اَنْزَلَ اللہُ بَغْيًا اَنْ يُّنَزِّلَ اللہُ مِنْ فَضْلِہٖ عَلٰي مَنْ يَّشَاۗءُ مِنْ عِبَادِہٖ۝۰ۚ فَبَاۗءُوْ بِغَضَبٍ عَلٰي غَضَبٍ۝۰ۭ وَلِلْكٰفِرِيْنَ عَذَابٌ مُّہِيْنٌ۝۹۰
Bisama ishtaraw bihi anfusahum an yakfuroo bima anzala Allahu baghyan an yunazzila Allahu min fadlihi AAala man yashao min AAibadihi fabaoo bighadabin AAala ghadabin walilkafireena AAathabun muheenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«بئسما اشتروا» باعوا «به أنفسهم» أي حظها من الثواب، وما: نكرة بمعنى شيئاً تمييز لفاعل بئس والمخصوص بالذم «أن يكفروا» أي كفرهم «بما أنزل الله» من القرآن «بغياً» مفعول له ليكفروا: أي حسداً على «أن ينزل الله» بالتخفيف والتشديد «من فضله» الوحي «على من يشاء» للرسالة «من عباده فباءوا» رجعوا «بغضب» من الله بكفرهم بما أنزل والتنكيرُ للتعظيم «على غضب» استحقوه من قبل بتضييع التوراة والكفر بعيسى «وللكافرين عذاب مُهين» ذو إهانة.

90

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن البحث عن حقيقة بئسما لا يحصل إلا في مسائل: المسألة الأولى: أصل نعم وبئس نعم وبئس بفتح الأول وكسر الثاني كقولنا: «علم» إلا أن ما كان ثانيه حرف حلق وهو مكسور يجوز فيه أربع لغات، الأول: على الأصل أعني بفتح الأول وكسر الثاني. والثاني: اتباع الأول للثاني وهو أن يكون بكسر النون والعين، وكذا يقال: فخذ بكسر الفاء والخاء، وهم وإن كانوا يفرون من الجمع بين الكسرتين إلا أنهم جوزوه ههنا لكون الحرف الحلقي مستتبعاً لما يجاوره. الثالث: إسكان الحرف الحلقي المكسور وترك ما قبله على ما كان فيقال: نعم وبئس بفتح الأول وإسكان الثاني كما يقال: فخذ بفتح الفاء وإسكان الخاء. الرابع: أن يسكن الحرف الحلقي وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال: نعم بكسر النون وإسكان العين كما يقال: فخذ بكسر الفاء وإسكان الخاء. واعلم أن هذا التغيير الأخير وإن كان في حد الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين إلا أنهم جعلوه لازماً لهما لخروجهما عما وضعت له الأفعال الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان الماضي وصيرورتهما كلمتي مدح وذم ويراد بهما المبالغة في المدح والذم، ليدل هذا التغيير اللازم في اللفظ على التغيير عن الأصل في المعنى فيقولون: نعم الرجل زيد ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشعر كما أنشد المبرد:شعر : ففداء لبني قيس على ما أصاب الناس من شر وضر ما أقلت قدماي إنهم نعم الساعون في الأمر المبر تفسير : المسألة الثانية: أنهما فعلان من نعم ينعم وبئس ويبأس والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما، فيقال: نعمت وبئست، والفراء يجعلهما بمنزلة الأسماء ويحتج بقول حسان ابن ثابت رضي الله عنه.شعر : ألسنا بنعم الجار يؤلف بيته من الناس ذا مال كثير ومعدما تفسير : وبما روي أن أعرابياً بشر بمولودة فقيل له: نعم المولود مولودتك، فقال: والله ما هي بنعم المولودة والبصريون يجيبون عنه بأن ذلك بطريق الحكاية. المسألة الثالثة: اعلم أن «نعم وبئس» أصلان للصلاح والرداءة ويكون فاعلهما اسماً يستغرق الجنس إما مظهراً وإما مضمراً، والمظهر على وجهين، الأول: نحو قولك، نعم الرجل زيد لا تريد رجلاً دون الرجل وإنما تقصد الرجل على الإطلاق. والثاني: نحو قولك نعم غلام الرجل زيد، أما قوله:شعر : فنعم صاحب قوم لا سلاح لهم وصاحب الركب عثمان بن عفانا تفسير : فنادر وقيل: كان ذلك لأجل أن قوله: «وصاحب الركب» قد يدل على المقصود إذ المراد واحد فإذا أتى في الركب بالألف واللام فكأنه قد أتى به في القوم، وأما المضمر فكقولك: نعم رجلاً زيد، الأصل: نعم الرجل رجلاً زيد ثم ترك ذكر الأول لأن النكرة المنصوبة تدل عليه ورجلاً نصب على التمييز، مثله في قولك: عشرون رجلاً والمميز لا يكون إلا نكرة، ألا ترى أن أحداً لا يقول عشرون الدرهم ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا: نعم الرجل بالنصب لكان نقضاً للغرض، إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا وقالوا نعم الرجل وكفوا أنفسهم مؤنة الإضمار وإنما أضمروا الفاعل قصداً للاختصار، إذ كان «نعم رجلاً» يدل على الجنس الذي فضل عليه. المسألة الرابعة: إذا قلت نعم الرجل زيد فهو على وجهين: أحدهما: أن يكون مبتدأ مؤخراً كأنه قيل: زيد نعم الرجل، أخرت زيداً والنية به التقديم، كما تقول: مررت به المسكين تريد المسكين مررت به، فأما الراجع إلى المبتدأ فإن الرجل لما كان شائعاً ينتظم فيه الجنس كان زيد داخلاً تحته فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه، والوجه الآخر: أن يكون زيد في قولك: نعم الرجل زيد خبر مبتدأ محذوف كأنه لما قيل: نعم الرجل، قيل: من هذا الذي أثنى عليه؟ فقيل: زيد أي هو زيد. المسألة الخامسة: المخصوص بالمدح والذم لا يكون إلا من جنس المذكور بعد نعم وبئس كزيد من الرجال وإذا كان كذلك كان المضاف إلى القوم في قوله تعالى: {أية : سَاء مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } تفسير : [الأعراف: 177] محذوفاً وتقديره ساء مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، وإذ قد لخصنا هذه المسائل فلنرجع إلى التفسير. أما قوله تعالى: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: «ما» نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس بمعنى بئس الشيء شيئاً اشتروا به أنفسهم والمخصوص بالذم «أن يكفروا». المسألة الثانية: في الشراء ههنا قولان، أحدهما: أنه بمعنى البيع، وبيانه أنه تعالى لما مكن المكلف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة والكفر الذي يؤدي به إلى النار صار اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار تملك سلعة على سلعة فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونجاته. قيل: نعم ما اشترى، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال ملك بملك صلح أن يوصف كل واحد منهما بأنه بائع ومشتر لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما فصح تأويل قوله تعالى: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } بأن المراد باعوا أنفسهم بكفرهم لأن الذي حصلوه على منافع أنفسهم لما كان هو الكفر صاروا بائعين أنفسهم بذلك، الوجه الثاني: وهو الأصح عندي أن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنها تخلصهم من العقاب، وتوصلهم إلى الثواب فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم بها، فذمهم الله تعالى، وقال: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } وهذا الوجه أقرب إلى المعنى واللفظ من الأول، ثم إنه تعالى بين تفسير ما اشتروا به أنفسهم بقوله تعالى: {أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ } ولا شبهة أن المراد بذلك كفرهم بالقرآن لأن الخطاب في اليهود وكانوا مؤمنين بغيره، ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر بما أنزل الله فقال: {بَغِيّاً } وأشار بذلك إلى غرضهم بالكفر كما يقال يعادي فلان فلاناً حسداً تنبيهاً بذلك على غرضه ولولا هذا القول لجوزنا أن يكفروا جهلاً لا بغياً. واعلم أن هذه الآية تدل على أن الحسد حرام. ولما كان البغي قد يكون لوجوه شتى بين تعالى غرضهم من هذا البغي بقوله: {أَن يُنَزّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } والقصة لا تليق إلا بما حكيناه من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في قومهم فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد. أما قوله تعالى: {فَبَاءو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير الغضبين وجوه، أحدها: أنه لا بد من إثبات سببين للغضبين. أحدهما: ما تقدم وهو تكذيبهم عيسى عليه السلام وما أنزل عليه والآخر تكذيبهم محمد عليه الصلاة والسلام وما أنزل عليه فصار ذلك دخولاً في غضب بعد غضب وسخط بعد سخط من قبله تعالى لأجل أنهم دخلوا في سبب بعد سبب، وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة، الثاني: ليس المراد إثبات غضبين فقط بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم: {أية : عَزِيزٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30]. {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } تفسير : [المائدة: 64]. {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } تفسير : [آل عمران: 181] وغير ذلك من أنواع كفرهم، وهو قول عطاء وعبيد بن عمير، الثالث: أن المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه عظم، وهو قول أبي مسلم. الرابع: الأول بعبادتهم العجل والثاني بكتمانهم صفة محمد وجحدهم نبوته عن السدي. المسألة الثانية: الغضب عبارة عن التغير الذي يعرض للإنسان في مزاجه عند غليان دم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه وذلك محال في حق الله تعالى، فهو محمول على إرادته لمن عصاه الإضرار من جهة اللعن والأمر بذلك. المسألة الثالثة: أنه يصح وصفه تعالى بالغضب وأن غضبه يتزايد ويكثر ويصح فيه ذلك كصحته من العذاب فلا يكون غضبه على من كفر بخصلة واحدة كغضبه على من كفر بخصال كثيرة. أما قوله تعالى: {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ } له مزية على قوله ولهم عذاب مهين لأن العبارة الأولى يدخل فيها أولئك الكفار وغيرهم والعبارة الثانية لا يدخل فيها إلا هم. المسألة الثانية: العذاب في الحقيقة لا يكون مهيناً لأن معنى ذلك أنه أهان غيره وذلك مما لا يتأتى إلا فيما يعقل، فالله تعالى هو المهين للمعذبين بالعذاب الكثير إلا أن الإهانة لما حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه، فإن قيل: العذاب لا يكون إلا مع الإهانة فما الفائدة في هذا الوصف؟ قلنا: كون العذاب مقروناً بالإهانة أمر لا بد فيه من الدليل، فالله تعالى ذكر ذلك ليكون دليلاً عليه. المسألة الثالثة: قال قوم: قوله تعالى: {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ } يدل على أنه لا عذاب إلا للكافرين، ثم بعد تقرير هذه المقدمة احتج بهذه الآية فريقان، أحدهما: الخوارج قالوا: ثبت بسائر الآيات أن الفاسق يعذب، وثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر فيلزم أن يقال الفاسق كافر. وثانيها: المرجئة قالوا: ثبت بهذه الآية أنه لا يعذب إلا الكافر وثبت أن الفاسق ليس بكافر، فوجب القطع بأنه لا يعذب وفساد هذين القولين لا يخفى.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ} بئس في كلام العرب مستوفية للذّم؛ كما أن «نعم» مستوفية للمدح. وفي كل واحدة منها أربع لغات: بِئْس بَئْس بَئِسَ بِئِسَ. نِعْم نَعْم نَعِم نِعِم. ومذهب سيبويه أن «ما» فاعلة بئس، ولا تدخل إلا على أسماء الأجناس والنكرات. وكذا نِعم، فتقول نِعم الرّجلُ زيدٌ، ونعم رجلاً زيدٌ؛ فإذا كان معها ٱسم بغير ألف ولام فهو نصب أبداً؛ فإذا كان فيه ألف ولام فهو رفع أبداً؛ ونصب رجل على التمييز. وفي نعم مضمر على شريطة التفسير؛ وزيد مرفوع على وجهين: على خبر ٱبتداء محذوف؛ كأنه قيل مَن الممدوح؟ قلت هو زيد، والآخر على الابتداء وما قبله خبره. وأجاز أبو عليّ أن تليها «ما» موصولة وغير موصولة من حيث كانت مبهمة تقع على الكثرة ولا تخصّ واحداً بعينه؛ والتقدير عند سيبويه: بئس الشيء ٱشتروا به أنفسهم أن يكفروا. فـ «ـأن يكفروا» في موضع رفع بالابتداء وخبره فيما قبله؛ كقولك: بئس الرجل زيد، و «ما» على هذا القول موصولة. وقال الأخفش: «ما» في موضع نصب على التمييز؛ كقولك: بئس رجلاً زيدٌ، فالتقدير بئس شيئاً أن يكفروا. فـ «ـٱشتروْا به أنفسهم» على هذا القول صفة «ما». وقال الفراء: «بئسما» بجملته شيء واحد رُكّب كحبّذا. وفي هذا القول ٱعتراض؛ لأنه يبقى فعل بلا فاعل. وقال الكسائي: «ما» و «ٱشتروا» بمنزلة ٱسم واحد قائم بنفسه؛ والتقدير بئس ٱشتراؤهم أن يكفروا. وهذا مردود، فإن نِعم وبئس لا يدخلان على ٱسم معيّن مُعرّف؛ والشراء قد تعرّف بإضافته إلى الضمير. قال النحاس: وأبين هذه الأقوال قول الأخفش وسيبويه. قال الفراء والكسائي: «أن يكفروا» إن شئت كانت «أن» في موضع خفض رَدًّا على الهاء في به. قال الفراء: أي ٱشتروا أنفسهم بأن يكفروا بما أنزل الله. فٱشترى بمعنى باع وبمعنى ٱبتاع؛ والمعنى: بئس الشيء الذي ٱختاروا لأنفسهم حيث ٱستبدلوا الباطل بالحق، والكفر بالإيمان. قوله تعالى: {بَغْياً} معناه حسداً؛ قاله قتادة والسُّدّى، وهو مفعول من أجله، وهو على الحقيقة مصدر. الأصمعيّ: وهو مأخوذ من قولهم: قد بَغَى الجرح إذا فسد. وقيل: أصله الطلب، ولذلك سُمّيت الزانية بَغِيًّا. {أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ} في موضع نصب؛ أي لأن ينزّل، أي لأجل إنزال الله الفضل على نبيّه صلى الله عليه وسلم. وقرأ ٱبن كَثير وأبو عمرو ويعقوب وٱبن مُحَيْصِن «أن يُنْزِل» مخفّفاً، وكذلك سائر ما في القرآن، إلا «أية : وَمَا نُنَزِّلُه»تفسير : [الحجر: 21] في «الحجر»، وفي «الأنعام» «أية : عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيةً»تفسير : [الأنعام: 37]. قوله تعالى: {فباءوا} أي رجعوا؛ وأكثر ما يقال في الشر؛ وقد تقدّم. {بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ} تقدّم معنى غضب الله عليهم، وهو عقابه؛ فقيل: الغضب الأوّل لعبادتهم العجل، والثاني لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله ٱبن عباس. وقال عكرمة: لأنهم كفروا بعيسى ثم كفروا بمحمد؛ يعني اليهود. وروى سعيد عن قتادة: الأوّل لكفرهم بالإنجيل، والثاني لكفرهم بالقرآن. وقال قوم: المراد التأييد وشدّة الحال عليهم، لا أنه أراد غضبين مُعَلَّلين بمعصيتين. و {مُّهِينٌ} مأخوذ من الهوان، وهو ما ٱقتضى الخلود في النار دائماً بخلاف خلود العصاة من المسلمين؛ فإن ذلك تمحيص لهم وتطهير، كرجم الزاني وقطع يد السارق، على ما يأتي بيانه في سورة «النساء» من حديث أبي سعيد الخدريّ، إن شاء الله تعالى.

البيضاوي

تفسير : {بِئْسَ مَاٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ} ما نكرة بمعنى شيء مميزة لفاعل بئس المستكن، واشتروا صفته ومعناه باعوا، أو اشتروا بحسب ظنهم، فإنهم ظنوا أنهم خلصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا. {أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ } هو المخصوص بالذم {بَغِيّاً } طلباً لما ليس لهم وحسداً، وهو علة {أَن يَكْفُرُواْ } دون {ٱشْتَرَوُاْ } للفصل. {أَن يُنَزّلُ ٱللَّهُ } لأن ينزل، أي حسدوه على أن ينزل الله. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب بالتخفيف. {مِن فَضْلِهِ } يعني الوحي. {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } على من اختاره للرسالة {فَبَاؤوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ} للكفر والحسد على من هو أفضل الخلق. وقيل: لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد عيسى عليه السلام، أو بعد قولهم عزير ابنُ الله {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ } يراد به إذلالهم، بخلاف عذاب العاصي فإنه طهرة لذنوبه.

ابن كثير

تفسير : قال مجاهد: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ} يهود شروا الحق بالباطل وكتمان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بأن يبينوه، وقال السدي: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ} يقول: باعوا به أنفسهم، يقول: بئسما اعتاضوا لأنفسهم، فرضوا به، وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم عن تصديقه ومؤازرته ونصرته، وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية لـ {أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} ولا حسد أعظم من هذا، قال ابن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي: أن الله جعله من غيرهم {فَبَآءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ} قال ابن عباس: في الغضب على الغضب، فغضب عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة، وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي بعث الله إليهم (قلت): ومعنى {باءوا}: استوجبوا واستحقوا واستقروا بغضب على غضب، وقال أبو العالية: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب الله عليهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، وعن عكرمة وقتادة مثله، قال السدي: أما الغضب الأول، فهو حين غضب عليهم في العجل، وأما الغضب الثاني، فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس مثله. وقوله تعالى: {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرين}تفسير : [غافر: 60] أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، حدثنا ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجناً في جهنم يقال له بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار».

المحلي و السيوطي

تفسير : {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ } باعوا {بِهِ أَنفُسَهُمْ } أي حظها من الثواب، (وما) نكرة بمعنى (شيئاً) تمييز لفاعل (بئس) والمخصوص بالذمّ {أَن يَكْفُرُواْ } أي كفرهم {بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ } من القرآن {بَغِيّاً } مفعول له( ليكفروا) أي: حسداً على {أَن يُنَزّلُ ٱللَّهُ } بالتخفيف والتشديد {مِن فَضْلِهِ } الوحي {عَلَىٰ مَن يَشَاء } للرسالة {مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءو} رجعوا { بِغَضَبٍ } من الله بكفرهم بما أنزل والتنكير للتعظيم {عَلَىٰ غَضَبٍ } استحقوه من قبل بتضييع التوراة والكفر بعيسى {وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ذو إهانة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ} اشتروا بمعنى باعوا. {أن يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْياً} يعني حسداً، هكذا قال قتادة والسدي، وأبو العالية، وهم اليهود. والبغي شدة الطلب للتطاول، وأصله الطلب، ولذلك سميت الزانية بَغِياً، لأنها تطلب الزنى. وفي قوله تعالى: {فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} ثلاثة أقاويل: أحدها: أن الغضب الأول لكفرهم بعيسى، والغضب الثاني لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا قول الحسن، وعكرمة، والشعبي، وقتادة، وأبي العالية. والثاني: أنه ما تقدم من كفرهم في قولهم عُزير ابن الله، وقولهم يد الله مغلولة، وتبديلهم كتاب الله، ثم كفرهم بمحمد. والثالث: أنه لما كان الغضب لازماً لهم كان ذلك توكيداً. {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} المهين: المذل. والعذاب على ضربين: فالمهين منها عذاب الكافرين لأنه لا يمحص عنهم ذنوبهم. والثاني: غير مهين وهو ما كان فيه تمحيص عن صاحبه، كقطع يد السارق من المسلمين، وحد الزاني.

ابن عبد السلام

تفسير : {اشْتَرَوُاْ} باعوا {بَغْياً} حسداً، والبغي: شدة الطلب للتطاول، أصله الطلب، الزانية بغي، لطلبها الزنا. {بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} الأَول: كفرهم بعيسى صلى الله عليه وسلم، والثاني كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أو الأول: قولهم: عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، وتبديلهم الكتاب، والثاني: كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو عبّر بذلك عن لزوم الغضب لهم. {مَهِينٌ} مذل، عذاب الكافر مهين، لأنه لا يمحص دينه بخلاف عذاب المؤمن، لأنه ممحص لدينه.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ...} قال ابن عرفة: نص النحويون على أنّ (اسم) الممدوح في "نعم" أو المذموم في "بئس" لا يكون إلا أخص من فاعلها أو مساويا، ولا يكون أعمّ منه، والشراء والكفر بينهما عموم وخصوص من وجه، فالشّراء يطلق على المعارضة من غير الكفر وعلى المعارضة في الكفر، والكفر أيضا أعم من وجه، لأن من كفر بعد أن آمن اشترى الكفر (بالإيمان)، ومن كان كافرا بالإصالة لم يشتر شيئا بشيء. قوله تعالى: {فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ...} أي رجعوا، ومنه قولهم: بُؤْ بِشسع نعل كليب، أي ارجع بشسعِ نعل كليب وهي من كلام المهلهل أخي كليب قالها في حرب (داحس) للحارث. قال ابن عرفة: وتنكير الغضب بدل على أن الثّاني غير الأول كما قالوا في قوله تعالى: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} تفسير : لن يغلب عسر (يسرين) ووجّهوه بأن العسر معرف فكان شيئا واحدا، واليسر منكر فكان يسرين. قال ابن عرفة: وإنما قال: "عَلى غَضَبٍ"، ولم يقل بعد غضب إشعارا (بشدته)، فإنه مجتمع متراكم بعضه على بعض. قيل لابن عرفة: والغضب إن كان صفة فعل فالتعدد فيه متصور صحيح وإن كان صفة معنى امتنع فيه التعدد، لأنه في (هذه الحالة يصير) راجعا إلى الإرادة، وهي شيء واحد، فكيف يفهم أنهما غضبان؟ ثم أجاب بأنّهما متغايران باعتبار المتعلق، فمتعلّق الإرادة متعددة، وهو (أنواع) العذاب، فالمعنى على الأول: فباؤوا بعذاب على عذاب. وعلى الثاني: فباؤوا بإرادة عذاب على عذاب. وأوقع الظاهر موقع المضمر في قوله {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} ولم يقل: ولهم عذاب مهين، مبالغة في إسناد العذاب على كل من اتصف بالكفر بالإطلاق.

ابن عادل

تفسير : "بِئْس" فعل ماض غير متصرِّف، معناه الذَّمُّ، فلا يعمل إلاَّ في معرَّف بـ "أل" أو فيما أضيف إلى ما هُمَا فيه، أو في مضمر مفسَّر بنكرة، أو في "مَا" على قول سيبويه. وفيه لغات: بَئِسَ ـ بكسر العين وتخفيف ـ هذا الأصل، وبِئِسَ ـ بكسر الفاء إتباعاً للعين، وتخفيف هذا الإتباع، وهو أشهر الاستعمالات ومثلها "نِعْمَ" في جميع ما تقدم من الأحكام واللغات. قال ابن الخطيب: ما كان ثانية حرفَ حَلْق وهو مكسورٌ يجوز فيه أربع لغات: الأول: على الأصل أعني: بفتح الأول وكسر الثاني. والثاني: إتباع الأول للثاني، وهو أن يكون بكسر النون والعين، كما يقال: "فِخِذٌ" بكسر الفاء والخاء، وهم وإن كانوا يفرُّون من الجمع بين الكَسْرتين إلاَّ أنهم جَوّزوه ها هنا؛ لكون الحرف الحَلْقيِّ مستتبعاً لما يجاوره. الثالث: إسكان الحرف الحَلْقيِّ المكسور، وترك ما قبله ما كان، فيقال: نَعْمَ وَبَأْسَ بفتح الأول وإسكان الثاني؛ كما يقال: "فَخْذٌ". الرابع: أن يسكن الحرف الحَلْقيُّ، وتنقل كسرته إلى ما قبله فيقال: "نِعْم" بكسر النون وإسكان العين؛ كما يقال: "فِخْذٌ" بكسر الفاء وإسكان الخاء. واعلم أن هذا التغيير الأخير، وإن كان في حّدِّ الجواز عند إطلاق هاتين الكلمتين، إلاّ أنهم جعلوه لازماً لهما؛ لخروجهما عمَّا وضعت له الأفعالُ الماضية من الإخبار عن وجود المصدر في الزمان والماضي، وصيرورتهما كلمتي مَدْحِ وذَمٍّ، ويراد بهما المُبَالغة في المدح والذم؛ ليدلّ هذا التَّغيير اللازم في اللَّفظ على التغيير عن الأصل، وفي المعنى؛ فيقولون: "نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ" ولا يذكرونه على الأصل إلا في ضرورة الشِّعْر؛ كما أنشد المبرِّد: [الرمل] شعر : 655ـ فَفِدَاءً لِبَنِي قَيْسٍ عَلَى مَا أَصَابَ النَّاسَ مِنْ شَرٍّ وَضُرْ مَا أَقَلَّتْ قَدَمَايَ إِنَّهُمْ نَعِمَ السَّاعُونَ في الأَمْرِ المُبِرْ تفسير : وهما فعلان من نَعِمَ يَنْعَمُ وَبئِسَ يَبْأَسُ. والدليل عليه دخول التاء التي هي علامة التأنيث فيهما، فيقال: نعمتْ وبئستْ. وزعم الكوفيون أنهما اسمان؛ مستدلين بدخول حرف الجر عليهما في قول حسان: [الطويل] شعر : 656ـ أَلَسْتُ بِنِعْمَ الجَارُ يُؤْلِفُ بَيْتَهُ مِنَ النَّاسِ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَمُعْدِمَا تفسير : وبما روي أن أعرابيًّا بشر بمولودة فقيل له: نعم المولودة مولودتك! فقال: "والله ما هي بنعم المولودة: نُصْرتها بكاء، وبرّها سرقة" و "نِعْمَ السَّيْر على بِئْسَ العِيرِ". وقوله: [الرجز] شعر : 657ـ صَبَّحَكَ اللهُ بِخَيْرٍ بَاكِرِ بِنِعْمَ طَيْرٍ وَشَبَابٍ فَاخِرِ تفسير : وخرجه البصريون على حذف موصوف، قامت صفته مقامه، تقديره: والله ما هي بمولودة مَقُول فيها: نعم المولودة. فصل في نعم وبئس اعلم أنَّ "نعم وبئس" أصلان للصّلاح والرَّدَاءة، ويكون فاعلهما اسماً يستغرق الجنس إما مظهراً وإما مضمراً، فالمظهر على وجهين: الأول: كقولك: "نعم الرجل زيد" لا تريد رجلاً دون رجل، وإنما تقصد الرَّجل على الإطلاق. والثاني: نحو قولك: "نعم غلام الرَّجل زيد". وأما قوله: [البسيط] شعر : 658ـ فَنِعْمَ صَاحِبُ قَوْمٍ لاَ سِلاَحَ لَهُمْ وَصَاحِبُ الرَّكْبِ عُثْمَانُ بْنُ عَفانا تفسير : فنادر. وقيل: كان ذلك لأجل أن قوله: "وَصَاحِبُ الرَّكْبِ" قد دل على المقصود؛ إذ المراد واحد، فإذا أتى بالمركّب بالألف واللام، فكأنه قد أتى به في القوم، وأما المضمر فكقولك: "نعم رجلاً زيد" الأصل: نعم الرجل رَجُلاً زيد الأصل ثم ترك ذكر الأول؛ لأن النكرة المنصوبة تدل عليه. فـ "رجلاً" نصب على التمييز، مثله في قولك: عشرون رَجُلاً والمميّز لا يكون إلا نكرة، ألا ترى أن أحداً لا يقول: "عشرون الدّرهم" ولو أدخلوا الألف واللام على هذا فقالوا: "نعم الرجلُ" بالنصب لكان نقضاً لِلْغَرَضِ، إذ لو كانوا يريدون الإتيان بالألف واللام لرفعوا، وقالوا: "نعم الرجلُ" وكَفَوْا أنفسهم مؤنة الإضمار، وإنما أضمروا الفاعل قصداً للاختصار، إذ كان "نعم رجلاً" يدل على الجنس الذي فضل عليه. فصل في إعراب المخصوص بالمدح في أسلوب "نِعْمَ" إذا قلت: "نعم الرجل زيد" فهو على [وجهين]: أحدهما: أن يكون مبتدأ مؤخراً، كأنه قيل: "زيد نعم الرجل" أخرت "زيداً" والنية به التقديم كما تقول: مررت به المسكين تريد: المسكين ممرت به، فأما الراجع إلى المبتدأ، فإن الرجل لما كان شائعاً ينتظر فيه الجِنْس كان "زيد" داخلاً تحته، فصار بمنزلة الذكر الذي يعود إليه. والوجه الآخر: أن يكون "زيد" في قولك: "نعم الرجل زيد" خبر مبتدأ محذوف، كأنه لما قيل: نعم الرجل قيل: من هذا الذي أثنى عليه؟ فقيل: زيد، أي: هو زيد. فصل في شرط نعم وبئس ولا بد بعد هذين الفعلين من مخصوصين من المَدْح أو الذم، وقد يحذف لقرينة وأما "ما" الواقعة بعد "بئس" كهذه الآية، فاختلف فيها النحاة، هل لها محلّ من الإعراب أم لا؟ فذهب الفراء: إلى أنها مع "بئس" شيء واحد ركّب تركيب "حَبَّذا"، نقله ابن عطية عنه ونقل عنه المَهْدوي أنه يجوز أن تكون "ما" مع "بئس" بمنزلة "كلما"، فظاهر هذين النقلين أنها لا محل لها. وذهب الجمهور أن لها محلاًّ، ثم اختلفوا في محلّها هل هو رفع أو نصب؟. فذهب الأخفش إلى أنها في محلّ نصب على التمييز، والجملة بعدها في محل نصب صفة لها، وفاعل "بئس" مضمر تفسره "ما"، والمخصوص بالذم هو قوله: "أَن يَكْفُرُوا" لأنه في تأويل مصدر، والتقدير: بئس هو شيئاً اشتروا به أنفسهم كُفْرهم، وبه قال الفارسي [في أحد قوليه]، واختاره الزَّمخشري، ويجوز على هذا أن يكون المخصوص بالذَّم محذوفاً و"اشتروا" صفة له في محلّ رفع تقديره: بئس شيئاً شيء أو كفر اشتروا به، كقوله: [الطويل] شعر : 659ـ لَنِعْمَ الْفَتَى أَضْحَى بَأَكْنَافِ حَائِلٍ ................... تفسير : أي: فَتًى أَضْحَى. و "أَن يَكْفُرُوا" بدل من ذلك المحذوف أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أن يكفروا. وذهب الكسائي إلى أن "ما" منصوبة المحلّ أيضاً، [لكنه] قدر بعدها "ما" موصولة أخرى بمعنى "الذي"، وجعل الجملة من قوله: "اشْتَرَوا" صلتها، و "ما" هذه الموصولة هي المخصوص بالذم، والتقدير: بئس شيئاً الذي اشتروا به أنفسهم، فلا محلّ لـ "اشتروا" على هذا، أو يكون "أن يكفروا" على هذا القول خبراً لمبتدأ محذوف كما تقدم. فتلخّص في الجملة الواقعة بعد "ما" على القول بنصبها ثلاثة أقوال: الأول: أنها صفة لها، فتكون في محلّ نصب، أو صلة لـ"ما" المحذوفة، فلا محلّ لها، أو صفة للمخصوص بالذم فتكون في محل رفع. وذهب سيبويه: إلى أن موضعها رفع على أنها فاعل "بئس"، فقال سيبويه: هي معرفة تامّة، التقدير: بئس الشيء، والمخصوص بالذم على هذا محذوف، أي: شيء اشتروا به أنفسهم وعزي هذا القول ـ أيضاً ـ للكسائي. وذهب الفراء والكسائي ـ أيضاً ـ إلى أن "ما" موصولة بمعنى "الذي"، والجملة بعدها صلتها، ونقله ابن عطية عن سيبويه وهو أحد قولي الفارسي، والتقدير: بئس الذي اشتروا به أنفسهم أن يكفروا، فـ "أن يكفروا" هو المخصوص بالذم. قال أبو حَيَّان: وما نقله ابن عطية عن سيبويه وهم عليه ونقل المَهْدوي وابن عطيّة عن الكسائي أيضاً أن "ما" يجوز أن تكون مصدرية، والتقدير: بئس اشتراؤهم، فتكون "ما" وما في حيّزها في محل رفع. قال ابن عطية: وهذا معترض؛ لأن "بئس" لا تدخل على اسم معيّن يتعرف بالإضافة إلى الضمير. قال أبو حَيَّان: وهذا لا يلزم، إلاَّ إذا نصّ أنه مرفوع "بئس"؛ أما إذا جعله المخصوص بالذم، وجعل فاعل "بئس" مضمراً، والتمييز محذوفاً لفهم المعنى، والتقدير: بئس اشتراء اشتراؤهم، فلا يلزم الاعتراض. قال شهاب الدين: وبهذا أعني: بجعل فاعل "بئس" مضمراً فيها جوز أبو البقاء في "ما" أن تكون مصدرية، فإنه قال والرابع: أن تكون مصدرية، أي بئس شراؤهم، وفاعل "بئس" على هذا مضمر؛ لأن المصدر هنا مخصوص ليس بجنس يعني فلا يكون فاعلاً، لكن يبطل هذا القول عود الضمير في "به" على "ما" والمصدرية لا يعود عليها؛ لأنه حذف عند الجمهور. فصل في المراد بالشراء في الآية في الشراء ـ هنا ـ قولان: أحدهما: أنه بمعنى البيع، بيانه أنه ـ تعالى ـ لما مكن المكلّف من الإيمان الذي يفضي به إلى الجنة، والكفر الذي يؤدّي به إلى النَّار صار اختياره لأحدهما على الآخر بمنزلة اختيار مالك السِّلعة ثمنها على سلعته، فإذا اختار الإيمان الذي فيه فوزه ونَجَاته قيل: نعم ما اشترى، ولما كان الغرض بالبيع والشراء هو إبدال مِلْك بملك صلح أن يوصف كلّ واحد منهما بأنه بائع ومشترٍ لوقوع هذا المعنى من كل واحد منهما. الوجه الثاني: أن المكلّف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله ـ تعالى ـ يأتي بأعمال يظن أنها تخلصه من العقاب، فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب، ويوصّلهم إلى الثواب، فقد ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم به، فذمّهم الله ـ تعالى ـ وقال: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ}. قوله: "أن يكفروا" قد تقدم فيه أنه يجوز أن يكون هو المخصوص بالذم، ففيه الأوجه الثلاثة إما مبتدأ أو خبره الجملة قبله، ولا حاجة إلى الرابط؛ لأن العموم قائم مقامه، إذ الألف واللام في فاعل "نعم وبئس" للجنس، أو لأن الجملة نفس المبتدأ، وإما خبر لمبتدأ محذوف وإما مبتدأ أو خبره محذوف، وتقدم أنه يجوز أن يكون بدلاً أو خبراً لمبتدأ حسبما تقرّر وتحرر. وأجاز الفراء أن يكون في محلّ جر بدلاً من الضمير في "به" إذا جعلت "ما" تامة. قوله: {بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ} متعلّق بـ "كفروا"، وتقدّم أن "كفر" يتعدّى بنفسه تارة، وبحرف الجر أخرى، و "ما" موصولة بمعنى "الذي"، والعائد محذوف تقديره: أنزله، ويضعف جعلها نكرة موصوفة، وكذلك جعلها مصدريّة، والمصدر قائم مقام المفعول، أي: بإنزاله يعني: بالمنزل. قوله: "بَغْياً" فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أنه مفعول من أجله وهو مستوفٍ لشروط النصب، وفي الناصب له قولان: أحدهما ـ وهو الظاهر ـ أنه يكفروا، أي علة كفرهم البَغْي، وهذا تنبيه على أن كفرهم [بَغْي وحَسَد]، ولولا هذا القول لجوزنا أن يكون كفرهم جهلاً، والمراد بذلك: كفرهم بالقرآن، لأن الخطاب لليهود، وكانوا مؤمنين بغيره فبيّن تعالى غرضهم من هذا البَغْي بقوله: {أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [البقرة:90] وهذا لا يليق إلا باليهود؛ لأنهم ظنوا أن ذلك الفضل العظيم بالنبوّة المنتظرة تحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على الحَسَد والبَغْي. والقول الثاني: أن الناصب لقوله "بَغْياً" "اشْتَروا"، وإليه ينحو كلام الزمشخري، فإنه قال: "وهو علّة" اشتروا. الوجه الثاني: أنه منصوب على المصدر بفعل مَحْذوف يدل عليه ما تقدم، أي: بَغَوا بغياً. والثالث: أنه في موضع حَالٍ، وفي صاحبها القَوْلاَن المتقدّمان: إما فاعل "اشتروا"، وإما فاعل "يكفروا"، تقديره: اشتروا باغين، أو يكفروا باغين. والبَغْي: أصله الفَسَاد، من قولهم: بغي الجرح أي: فسد، قاله الأَصْمعي. وقيل: هو شدة الطلب، ومنه قوله تعالى: {أية : مَا نَبْغِي}تفسير : [يوسف:65] ـ ومنه البّغِيّ للزانية، لشدة طلبها له وقال القُرْطبي: البغي معناه: الحَسَد، قاله قتادة والسُّدي، وهو مفعول من أجله، وهو في الحقيقة مصدر. [وقال الراجز: [السريع أو الرجز] شعر : 660ـ أنْشُدُوا الْبَاغِي يُحِبُّ الْوِجْدَانْ قَلاَئِصاً مُخْتَلِفَاتِ الأَلْوَانْ] تفسير : قوله: {أَنْ يُنَزِّلَ ٱللَّهُ} فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول من أجله، والناصب له "بغياً" أي: علّة البغي إنزال الله فَضْله على محمد عليه الصلاة والسلام. والثاني: أنه على إسقاط الخافض، والتقدير: بغياً على أن ينزل، أي: حسداً على أن ينزل، فيجيء فيه الخلاف المَشْهور، أهو في موضع نصب أو جر؟ والثالث: أنه في محل جر بدلاً من "ما" في قوله تعالى: {بِمَا أَنْزَلَ ٱللَّهُ} [بدل اشتمال أي بإنزال الله] فيكون كقول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 661ـ أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى أَنْ نَأَتْكَ تَنُوصُ فَتَقْصُرُ عَنْهَا خُطْوَةً أَوْ تُبُوصُ تفسير : وقرأ أبو عمرو وابن كثير جميع المضارع مُخَففاً من "أنزل" إلا ما وقع الإجماع على تشديده في "الحجر" {أية : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ}تفسير : [الحجر:21] وقد خالفا هذا الأصل. أما أبو عمرو فإنه شدد {أية : عَلَىٰ أَن يُنَزِّلٍ ءَايَةً}تفسير : [الأنعام:37] في "الأنعام". وأما ابن كثير فإنه شدّد في الإسراء {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ}تفسير : [الإسراء:82] {أية : حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً}تفسير : [الإسراء:93] والباقون بالتشديد في جميع المضارع إلاّ حمزة والكسائي، فإنهما خالفا هذا الأصل مخففاً {أية : وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ}تفسير : آخر لقمان [لقمان:34] {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ}تفسير : في الشورى [الآية:28]. والهمزة والتضعيف للتعدية، وقد تقدم: هل بينهما فَرْق؟ وتحقيق كلّ من القولين، وقد ذكر القراء مناسبات الإجماع على الشديد في تلك المواضع، ومخالفة كلّ واحد أصله؟ لماذا بما يطول ذكره والأظهر من ذلك كله أنه جمع بين اللغات. قوله: "مِنْ فَضْلِهِ" من لابتداء الغاية، وفيه قولان: أحدهما: أنه صفة لموصوف محذوف هو مفعول "ينزل" أي: ينزل الله شيئاً كائناً من فَضْله، فيكون في محلّ نصب. والثاني: أن "من" زائدة، وهو رأي الأخفش، وحينئذ فلا تعلق له، والمجرور بها هو المفعول أي: أن ينزل الله فضله. قوله: {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} متعلّق بـ "ينزل" و "من" يجوز أن تكون موصولةً، أو نكرة موصوفة، والعائد على الموصول أو الموصوف محذوف لاستكمال الشُّروط المجوزة للحذف، والتقدير: على الذي يَشَاؤه، أو على رجل يَشَاؤه. وقدره أبو البقاء مجروراً فإنه قال ـ بعد تجوزه في "من" أن تكون موصوفة أو موصولة ـ "ومفعول يشاء محذوف، أي: يشاء نزوله عليه، ويجوز أن يكون: يشاء يختار ويَصْطفي" انتهى. وقد عرفت أن العائد المجرور لا يحذف إلاَّ بشروط، وليست موجودة هنا، فلا حاجة إلى هذا التقدير. قوله: "مِنْ عِبَادِهِ" فيه قولان. أحدهما: أنه حال من الضَّمير المحذوف الذي هو عائد على الموصوف أو الموصول، والإضافة تقتضي التشريف. والثاني: أن يكون صفةً لـ "من" بعد صفة على القول بكونها نكرة، قاله أبو البقاء وهو ضعيف؛ لأن البداية بالجار والمجرور على الجملة في باب النعت عند اجتماعهما أولى لكونه أقرب إلى المفرد فهو في محلّ نصب على الأول وجرّ على الثاني، وفي كلا القولين متعلّق بمحذوف وجوباً لما تقرر. قوله: "فَبَاءُوا بِغَضَبٍ" الباء للحال، أي: رجعوا ملتبسين بغضب، أي مغضوباً عليهم، وقد تقدم ذلك. قوله: "عَلَى غَضَبٍ" في محلّ جر؛ لأنه صفة لقوله: "بِغَضَبٍ" أي: كائن على غضب أي بغضب مترادف. فصل في تفسير الغضب في تفسير الغَضَبِ وجوه: أحدها: لا بد من إثبات سببين للغضبين: أحدهما: تكذيبهم عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وما أنزل عليه، والآخر تكذيبهم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ قاله الحسن والشَّعبي وعكرمة وأبو العالية وقتادة. وقال ابن عباس ومجاهد: الغضب الأول تضييعهم التَّوراة وتبديلهم. والثاني: كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقال عطاء، وأبو عبيد: ليس المراد إثبات الغضبين فقط، بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور مترادفة صدرت عنهم نحو قولهم: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة:30] {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ}تفسير : [المائدة:64] {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ}تفسير : [آل عمران:181] وغير ذلك من أنواع كفرهم. وقال أبو مسلم: المراد به تأكيد الغضب وتكثيره لأجل الكفر، وإن كان واحداً إلا أنه عظيم. وقال السدي: الغَضَبُ الأول بعبادتهم العِجْل والثاني بكتمانهم صفة محمد وجَحْدهم نبوّته. قوله: "مهين" صفة لـ "عذاب". وأصله: "مُهْوِن"؛ لأنه من الهوان، وهو اسم فاعل من أهان يُهِين إهانة مثل: أقام ـ يقيم ـ إقامة، فنقلت كسرة "الواو" على الساكن قبلها، فسكنت "الواو" بعد كسرة، فقلبت ياء. والإهانة: الإِذْلاَل والخِزْي. وقال "وَلِلْكَافِرِيْنَ" ولم يقل: "ولهم" تنبيهاً على العلّة المقتضية للعذاب المُهين، فيدخل فيها أولئك الكفّار وغيرهم.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏بئسما اشتروا به أنفسهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ هم اليهود كفروا بما أنزل الله وبمحمد صلى الله عليه وسلم، بغياً وحسداً للعرب {‏فباؤوا بغضب على غضب‏}‏ قال‏:‏ غضب الله عليهم مرتين بكفرهم بالإِنجيل وبعيسى، وبكفرهم بالقرآن وبمحمد‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله عز وجل ‏{‏بئسما اشتروا به أنفسهم‏} قال‏:‏ بئس ما باعوا به أنفسهم حيث باعوا نصيبهم من الآخرة بطمع يسير من الدنيا‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول‏:‏ شعر : يعطى بها ثمناً فيمنعها ويقول صاحبها ألا تشرى تفسير : وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏بغياً أن ينزل الله‏}‏ أي أن الله جعله من غيرهم ‏{‏فباؤوا بغضب‏}‏ بكفرهم بهذا النبي {‏على غضب‏} ‏كان عليهم فيما ضيعوه من التوراة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن عكرمة ‏{‏فباؤوا بغضب على غضب‏}‏ قال‏:‏ كفرهم بعيسى وكفرهم بمحمد‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد {‏فباؤوا بغضب‏} اليهود غضب بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم ‏{‏على غضب‏}‏ جحودهم النبي صلى الله عليه وسلم وكفرهم بما جاء به‏.‏

ابو السعود

تفسير : {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ} ما نكرةٌ بمعنى شيء، منصوبةٌ مفسِّرةٌ لفاعلِ بئس، واشتَروا صفتُه أو بئس شيئاً باعُوا به أنفسَهم، وقيل: اشترَوْها به في زعمهم حيث يعتقدون أنهم بما فعلوا خلّصوها من العقاب ويأباه أنه لا بد أن يكون المذمومُ ما كان حاصلاً لهم لا ما كان زائلاً عنهم، والمخصوصُ بالذم قولُه تعالى: {أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ} أي الكتابِ المصدّقِ لما معهم بعد الوقوف على حقيقته، وتبديلُ الإنزال بالمجيء للإيذان بعلوِّ شأنه الموجبِ للإيمان به {بَغِيّاً} حسداً وطلباً لما ليس لهم، وهو علةٌ لأن يكفُروا حتماً دون (اشتروا) لما قيل من الفصل بما هو أجنبـيٌّ بالنسبة إليه وإن لم يكن أجنبـياً بالنسبة إلى فعل الذمِّ وفاعلِه، ولأن البغيَ مما لا تعلقَ له بعُنوان البـيعِ قطعاً لا سيما وهو معلَّلٌ بما سيأتي من تنزيل الله تعالى من فضله على من يشاؤه وإنما الذي بـينه وبـينه علاقةٌ هو كفرُهم بما أنزل الله، والمعنى بئس شيئاً باعُوا به أنفسَهم كفرُهم المعلَّلُ بالبغي الكائنِ لأجل {أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} الذي هو الحي {عَلَىٰ مَن يَشَاءُ} أي يشاؤه ويصطفيه {مِنْ عِبَادِهِ} المستأهِلين لتحمُّل أعباءِ الرسالةِ، ومآلُه تعليلُ كفرِهم بالمنزل عليه، وإيثارُ صيغةِ التفعيل ههنا للإيذان بتجدد بغْيهم حسَب تجدُّدِ الإنزالِ وتكثُّره حسب تكثره {فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ} أي رجعوا متلبسين بغضبٍ كائن على غضب مستحقين له حسب ما اقترفوا مِنْ كفر على كفر فإنهم كفروا بنبـيّ الحقِّ وبغَوْا عليه وقيل كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام بعد عيسى، وقيل: بعد قولِهم: عزيرٌ بن الله وقولهم: يد الله مغلولة وغير ذلك من فنون كفرهم {وَلِلْكَـٰفِرِينَ} أي لهم والإظهار في موقع الإضمارِ للإشعار بعلية كفرهم لما حاق بهم {عَذَابٌ مُّهِينٌ} يراد به إهانتُهم وإذلالُهم لما أن كفرَهم بما أنزل الله تعالى كان مبـيناً على الحسد المبنيّ على طمع المنزولِ عليهم وادعاءِ الفضلِ على الناس والاستهانةِ بمن أنزل عليه عليه السلام. {وَإِذَا قِيلَ} من جانب المؤمنين {لَهُمْ} أي لليهود، وتقديمُ الجار والمجرور قد مر وجهه لا سيما في لام التبليغ {آمنوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} من الكتب الإلهية جميعاً والمرادُ به الأمرُ بالإيمان بالقرآن لكن سُلك مسلكُ التعميم إيذاناً بتحتُّم الامتثالِ من حيث مشاركتُه لما آمنوا به فيما في حيِّز الصلةِ وموافقتِه له في المضمون وتنبـيهاً على أن الإيمانَ بما عداه من غير إيمانٍ به ليس بإيمان بما أنزل الله {قَالُواْ نُؤْمِنُ} أي نستمر على الإيمان {بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} يعنون به التوراةَ وما نزَلَ على أنبـياءِ بني إسرائيلَ لتقرير حكمَها، ويدسُّون فيه أن ما عدا ذلك غيرُ منزّلٍ عليهم، ومرادُهم بضمير المتكلم إما أنفسُهم فمعنى الإنزالِ عليهم تكليفُهم بما في المنزَّل من الأحكام، وإما أنبـياءُ بني إسرائيلَ وهو الظاهرُ لاشتماله على مزيَّة الإيذانِ بأن عدمَ إيمانِهم بالفُرقان لما مرَّ من بغيهم وحَسَدِهم على نزوله على من ليس منهم، ولأن مرادَهم بالموصول وإن كان هو التوراةُ وما في حكمها خاصةً لكنّ إيرادَها بعنوان الإنزالِ عليهم مبنيٌّ على ادعاء أن ما عداها ليس كذلك على وجه التعريضِ كما أشير إليه فلو أريد بالإنزال عليهم ما ذكر من تكليفهم يلزَمُ من مغايرَةَ القرآنِ لما أُنزل عليهم حسبما يُعرب عنه قوله عز وجل: {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ} عدمُ كونِهم مكلَّفين بما فيه كما يلزَم عدمَ كونِه نازلاً على واحد من بني إسرائيلَ على الوجه الأخير، وتجريدُ الموصول عن الإضمارِ عما عرَّضوا به تعسُّفٌ لا يخفىٰ، والوراء في الأصل مصدر جُعل ظرفاً ويضاف إلى الفاعل فيرادُ به ما يتوارىٰ به وهو خلْفُه، وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو أمامُه، والجملةُ حال من ضمير قالوا بتقدير مبتدأ أي قالوا ما قالوا وهم يكفرون بما عداه وليس المرادُ مجردَ بـيانِ أن إفرادَ إيمانِهم بما أنزل عليهم بالذكر لنفي إيمانِهم بما وراءه، بل بـيانِ أن ما يدّعون من الإيمان ليس بإيمانٍ بما أنزل عليهم حقيقةً فإن قولَه عز اسمُه: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ} أي المعروفُ بالحقيقة بأن يُخَصَّ به اسمُ الحقِ على الإطلاق، حال من فاعل يكفُرون وقوله تعالى: {مُصَدّقاً} حالٌ مؤكدة لمضمون الجملةِ صاحبُها إما ضميرُ الحق وعاملَها ما فيه من معنى الفعل قاله أبو البقاء، وإما ضميرٌ دل عليه الكلامُ وعاملها فعلٌ مضمرٌ، أي أُحِقُّه مصدِّقاً {لِّمَا مَعَهُمْ} من التوراة والمعنى قالوا نؤمن بما أنزل علينا وهم يكفُرون بالقرآن والحال أنه حقٌّ مصدِّق لما آمنوا به فيلزمهم الكفرُ بما آمنوا به ومآ لُه أنهم ادَّعَوا الإيمانَ بالتوراة والحال أنهم يكفُرون بما يلزَمُ من الكفر به الكفرُ بها {قُلْ} تبكيتاً لهم من جهة الله عز من قائل ببـيان التناقضِ بـين أقوالِهم وأفعالِهم بعد بـيانِ التناقضِ في أقوالهم {فَلِمَ} أصلُه لِمَا حُذفت عنه الألفُ فرقاً بـين الاستفهامية والخبرية {تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ} الخطابُ للحاضرين من اليهود والماضين على طريق التغليب، وحيث كانوا مشاركين في العقد والعمل كان الاعتراضُ على أسلافهم اعتراضاً على أخلافِهم، وصيغةُ الاستقبال لحكايةَ الحالِ الماضية، وهو جوابُ شرطٍ محذوفٍ أي قل لهم إن كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعُمون فلأيِّ شيء كنتم تقتلون أنبـياءَ الله من قبلُ وهو فيها حرامٌ، وقرىء أنبئاءَ الله مهموزاً، وقولُه تعالى: {إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} تكريرٌ للاعتراض لتأكيد الإلزامِ وتشديدِ التهديدِ أي إن كنتم مؤمنين فلمَ تقتلونهم، وقد حُذف من كل واحدة من الشرطيتين ما حُذف ثقةً بما أُثبتَ في الأخرى وقيل: لا حذفَ فيه بل تقديمُ الجواب على الشرط وذلك لا يتأتىٰ إلا على رأي الكوفيـين وأبـي زيد وقيل: (إن) نافية أي ما كنتم مؤمنين وإلا لما قتلتموهم.

القشيري

تفسير : أنزلهم التحاسُد عن مقر العِزِّ إلى حضيض الخزي، وسامهم ذُلَّ الصّغِرَ حين لم يَرْضُوا بمقتضى الحُكْم، فأضافوا استيجاب مقتٍ آنفٍ إلى استحقاق مَقْتٍ سالف.

اسماعيل حقي

تفسير : {بئسما} ما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس اى بئس شيأ {اشتروا} صفة واشترى بمعنى باع وابتاع والمراد هنا الاول {به} اى بذلك الشىء {أنفسهم} المراد الايمان وانما وضع الانفس موضع الايمان ايذانا بانها انما خلقت للعلم والعمل به المعبر عنه بالايمان ولما بدلوا الايمان بالكفر كانوا كأنهم بدلوا الانفس به والمخصوص بالذم قوله تعالى {أن يكفروا بما أنزل الله} اى بالكتاب المصدق لما معهم بعد الوقوف على حقيقته {بغيا} علة لان يكفروا اى حسدا وطلبا لما ليس لهم كما ان الحاسد يطلب ما ليس له لنفسه مما للمحسود من جاه او منزلة او خصلة حميدة والباغى هو الظالم الذى يفعل ذلك عن حسده والمعنى بئس شيأ باعوا به ايمانهم كفرهم المعلل بالبغى الكائن لاجل {أن ينزل الله} او حسدا على ان فان الحسد يستعمل بعلى {من فضله} الذى هو الوحى {على من يشاء} اى يشاؤه ويصطفيه {من عباده} المستأهلين لتحمل اعباء الرسالة والمراد ههنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت اليهود يعتقدون نبى آخر الزمان ويتمنون خروجه وهم يظنون انه من ولد اسحق فلما ظهر انه من ولد اسماعيل حسدوه وكرهوا ان يخرج الامر من بنى اسرائيل فيكون لغيرهم {فباؤا} اى رجعوا ملتبسين {بغضب} كائن {على غضب} اى صاروا مستحقين لغضب مترادف ولعنة اثر لعنة حسبما اقترفوا من كفر على كفر فانهم كفروا بنبى الحق وبغوا عليه {وللكافرين} اى لهم والاظهار فى موضع الاضمار للاشعار بعلية كفرهم لما حاق بهم {عذاب مهين} يراد به اهانتهم واذلالهم لما ان كفرهم بما انزل الله كان مبنيا على الحسد المبنى على طمع النزول عليهم وادعاء الفضل على الناس والاستهانة بمن انزل الله عليه صلى الله عليه وسلم ودل ان عذاب المؤمنين تأديب وتطهير وعذاب الكفار اهانة وتشديد وان المراتب الدنيوية والاخروية كلها من فيض الله تعالى وفضله فليس لاحد ان يعترض عليه ويحسده على الالطاف الآلهية فان الكمالات مثل النبوة والولاية ليست من الامور الاكتسابية التى يصل اليها العبد بجهد كثير وكمال اهتمام اما النبوة اى البعثة فاختصاص آلهى حاصل لعينه الثابتة من التجلى الموجب للاعيان فى العلم وهو الفيض الاقدس واما الولاية فهو ايضا اختصاص آلهى غير كسبى بل جميع المقامات كذلك اختصاصية عطائية غير كسبية حاصلة للعين الثابتة من الفيض الاقدس وظهوره بالتدريج بحصول شرائطه واسبابه يوهم المحجوب فيطن انه كسبى بالتعمل وليس كذلك فى الحقيقة فلا معنى للحسد لكن الجاهلين بحقيقة الحال يطيلون ألسنتهم بالقيل والقال ولا ضير فانه رفع لدرجات العبد واقتضت سنة الله ان يشفع اهل الجمال باهل الجلال ليظهر الكمال: قال الحافظ شعر : درين جمن كل بيخار نجيد آرى جراغ مصطفوى باشرار بولهبيست تفسير : ـ وحكى ـ ان المولى جلال الدين لما فقد الشمس التبريزى طاف البلاد بالحرارة فى طلبه فمر يوما امام حانوت ذهبى للشيخ صلاح الدين زركوب فقال له تعال يا مولانا فدخل فى حانوته فقال لاى شىء تجزع وتدور قال الفلك اذا فقد شمسه يدور لاجله ليتخلص من ظلمه الفراق فقال الشيخ انا شمسك قال مولانا من اين اعرف انك شمسى فاخبره عن المراتب التى اوصله اليها الشيخ شمس الدين فقبل يده واعتذر فقال كان شمى ارانى اولا بطانته فالآن ارانى وجهه فاشتغل عنده فوصل الى ما وصل ثم لما سمعه بعض اتباع مولانا ارادوا قتله وحسدوا عليه فارسل اليهم مولانا ابنه سلطان ولد فقال الشيخ ان الله تعالى اعطانى قدرة على قلب السماء الى الارض فلو اردت لاهلكتهم بقدرة الله لكن الاولى ان نتحمل وندعو لاصلاح حالهم فدعا الشيخ فأمن سلطان ولد فلانت قلوبهم واستغفروا: قال فى المثنوى شعر : جون كنى بربى حسد مكر وحسد زان حسد دل را سياهيها رسد خاك شو مردان حق را زير با خاك برسر كن حسدرا همجوما تفسير : وهكذا احوال الانبياء والاولياء ألا يرى الى قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون ". تفسير : وكان الاصحاب رضى الله عنهم يبكون دما من اخلاق النفس ولا يزالون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عما به يتخلصون من الاوصاف الذميمة ويتطهرون ظاهرا وباطنا طلبا للنجاة من العذاب المهين واشده الفراق.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: بئس ونعم: فعلان جامدان مختصان بالدخول على ما يدل على العموم، إما نكرة، فتنصب على التمييز المفسر للضمير الفاعل، أو معروف بأل الجنسية، فيرتفع على الفاعلية، تقول: بئس رجلاً زيدٌ، وبئس الرجل زيد، ويذكر بعد ذلك المخصوص: إما خبر عن مبتدأ مضمر، أو مبتدأ والخبر مقدم. وإنما اخْتُصَّتَا بالدخول على ما يدل على العموم؛ لأن {نعم} مستوفية لجميع المدح، و {بئس} مستوفية لجميع الذم. فإذا قلت: نعم الرجل زيد، فكأنك قلت: استحق زيدٌ المدحَ الذي يكون في سائر جنسه، وكذلك تقول في بئس. و {ما} المتصلة ببئس ونعم: نكرة منصوبة على التمييز، أي: بئس شيئاً اشتروا به أنفسهم، وهو كفرهم، أو معرفة تامة مرفوعة على الفاعل، أي: بئس الشيء شيء اشتروا به أنفسهم. و {اشتروا} هنا بمعنى باعوا، كشَروا على خلاف الأصل، وقد يمكن ان يبقى على أصله، على ما يأتي في بيان المعنى. و {بغيا} مفعول من اجله ليكفروا، و {يكفرون} حال من الفاعل في {قالوا}، و {وراء} في الأصل: مصدر جُعل ظرفاً، ويضاف إلى الفاعل ويراد به ما يتوارى به وهو خلفه، وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو قدامه، ولذلك عد من الأضداد، قاله البيضاوي. يقول الحقّ جلّ جلاله: في شأن اليهود: بئس شيئاً باعوا به حظ أنفسهم، وهو كفرهم بما أنزر الله، أو {بئسما اشتروا به أنفسهم} بحسب ظنهم، فإنهم ظنوا أنهم خلّصوا أنفسهم من العذاب بما فعلوا، وهو كفرهم بما أنزل الله على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم بغياً وحسداً أن يكون النبيّ من غيرهم، فانقلبوا {بِغَضَبِ عَلَى غَضَبٍ} للكفر والحسد لمن هو أفضل الخلق، أو لكفرهم بمحمد - عليه الصلاة والسلام - بعد عيسى عليه السلام، أو لتضييعهم التوراة، وكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي: يذلهم ويخزيهم في الدنيا والآخرة، بخلاف عذاب العاصي فإنه كفارة لذنوبه. {وَإِذَا قِيلَ} لهؤلاء اليهود: {آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللّهُ} على محمد صلى الله عليه وسلم {قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} من التوراة، وهم {يَكْفُرُونَ بِمَا ورَاءَهُ} أي: بما سواه، وهو القرآن، حال كونه {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} من التوراة ومهيمناً عليه. {قُلْ} لهم يا محمد: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللّهِ مِن قَبْل} هذا الزمان، وهو محرم عليكم في التوراة، {إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ} به؟ فهذا يبطل دعواكم الإيمان بالتوراة؛ إذ الإيمان بالكتاب يقتضي العمل به، وإلاَّ كان دعوى، وإن فعله أسلافكم فأنتم راضون به وعازمون عليه. الإشارة: اعلم أن قاعدة تفسير أهل الإشارة هي أن كل عتاب توجه لمن ترك طريق الإيمان، وأنكر على أهله يتوجه مثله لمن ترك طريق مقام الإحسان، وأنكر على أهله. وكل وعيد توعد به أهل الكفران يتوعد به مَن ترك السلوك لمقام الإحسان، غير أن عذاب أهل الكفر حسي بدني، وعذاب أهل الحجاب معنوي قلبي. فنقول فيمن رضي بعيبه وأقام على مرض قلبه وأنكر الأطباء ووجود أهل التربية، بئسما اشتروا به أنفسهم، وهو كفرهم بما أنزل الله من الخصوصية على قلوب أوليائه بغياً وحسداً، أو جهلاً وسوء ظن، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فباؤوا بغضب الحجاب على غضب البعد والارتياب، أو بغضب سقم القلوب على غضب الإصرار على المساوئ والعيوب. (من لم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر) كما قال الشاذلي رضي الله عنه، ولا يصح التغلغل فيه إلا بصحبة أهله. وللكافرين بالخصوصية عذاب الطمع وسجن الأكوان، وهما شجرة الذل والهوان. وإذا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله من أسرار الحقيقة وأنوار الطريقة، قالوا: نؤمن بما أنزل علينا من ظواهر الشريعة، ويكفرون بما وراءه من أسرار الحقيقة، ككشف أسرار الذات وأنوار الصفات، وهو - أي: علم الحقيقة - الحق؛ لأنه خالص لب الشريعة، ولله در صاحب المباحث الأصلية حيث قال: شعر : هل ظاهِرُ الشرع وعلمُ الباطِنْ إلا كجِسمٍ فيه رُوحٌ سَاكِنْ؟ تفسير : وقال أيضاً: شعر : ما مَثلُ المعقولِ والمنقولِ إلا كَدُرِّ زاخرٍ مَجْهُولِ حتى إذا أخْرَجَهُ الغِوَّاصُ لم يكُ لِلدُرِّ إذن خَلاصُ وإنام خَلاصُهُ في الكَشْفِ عن الغِطَاءِ حيثُ لا يسْتَخْفِي فَالصّدَفُ الظاهرُ ثم الدرُّ مَعْقولُه والجهلُ ذاك البحْرُ تفسير : وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: (هل ثَمَّ شيءٌ غيرُ ما فهمناه من الكتاب والسنة؟)، كان يقول ذلك إذا قيل له: إن الشيخ الشاذلي فاض اليوم بعلوم وأسرار، فلا التقى بالشيخ وأخذ بيده، قال: (أي والله... ما قعد على قواعد الشريعة التي لا تنهدم إلا الصوفية). ويقال لمن ادعى التمسك بالشريعة وأنكر ما وراءها: فلم تشتغل بجمع الدنيا واحتكارها وتخاف من الفقر، وتهتم بأمر الرزق وتجزع من المصائب، والشريعة تنادي عليك بذم ذلك كله إن كنت مؤمناً؟!! وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : اللغة والاعراب: أصل بئس: بئس من البؤس فأسكنت الهمزة ونقلت حركتها إلى الباء. كما قالوا في ظللت ظلت، وكما قيل للكبد كبد، فنقلت حركة الباء إلى الكاف، لما سكنت الباء. ويحتمل ان تكون بئس. وان كان اصلها بئس من لغة من ينقل حركة العين من فعل إلى الفاء اذا كانت عين الفعل احد حروف الحلق الستة. كما قالوا في لَعب: لِعب. وفي سئم سيم، وهي لغه تميم. ثم جعلت دلالة على الذم والتوبيخ ووصلت ب (ما). واختلفوا في (ما) فقال قوم من البصريين: هي وحدها اسم، و {أن يكفروا} تفسير له. نحو نعم رجلا زيد و {أن ينزل الله} بدل من انزل. وقال الفراء: بئس الشيء اشتروا به انفسهم ان يكفروا. فـ (ما) اسم بئس، و {أن يكفروا} الاسم الثاني. وقوله {أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده}، إن شئت جعلت (أن) في موضع رفع، وان شئت في موضع خفض: فالرفع بئس الشيء هذا ان يكفروا، والخفض بئس الشيء إشتروا به انفسهم ان يكفروا بما انزل الله بغياً. وفي قوله: {أية : لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم }. تفسير : مثل ذلك. قال ابو عبيدة: والعرب تجعل (ما) وحدها في هذا الباب بمنزلة الاسم التام. وقوله: {فنعما هي} {وبئس ما أنت} قال الراجز: شعر : لا تعجلا بالسير وادلواها لبئسما بُطء ولا نرعاها تفسير : قال: ويقولون لبئس ما تزويج، ولا مهر: فيجعلون (ما) وحدها اسما بغير صلة. وروي عن النبي "صلى الله عليه وسلم" انه قال:حديث : نعم ما المال للرجل الصالحتفسير : ، فجعلت (ما) اسماً. وقال قوم: هذا الوجه ضعيف، لان هذا القول، يكون التقدير بئس الشيء اشتروا به انفسهم، فقد صارت ما بصلتها اسماً موقتاً، لان اشتروا فعل ماضي، واذا وصلت بفعل ماضي كانت معرفة موقتة. تقديره بئس شراؤهم كفرهم. وذلك غير جائز عنده: فبان بذلك فساد هذا القول. وبئس ونعم لا يلقاهما اسم علم كزيد وعمر، واخيك وابيك: فانما يلقاها المعرّف بالالف واللام. كقولك: الرجل والمرأة، وما اشبه ذلك. فان نزعتهما، نصبت. كقوله: {أية : بئس للظالمين بدلاً } تفسير : {أية : ساء مثلا القوم الذين كذبوا بايآتنا } تفسير : فان كانت نكرة مضافة إلى نكرة جاز الرفع والنصب. كقولك نعم غلام سفر غلامك، بالرفع والنصب ـ حكاه الفراء. وقال بعضهم: إن (ان) في موضع خفض ان شئت، وان شئت في موضع رفع: فالخفض ان ترده على الهاء في به على التكرير على كلامين، لانك قلت: اشتروا انفسهم بالكفر: والرفع ان يكون تكراراً على موضع (ما) التي تلي بئس، ولا يجوز ان يكون رفعاً على قولك بئس الرجل عبد الله. وقال بعضهم: أولى هذه الاقوال أن تجعل بئسما مرفوعاً بالراجع من الهاء في قوله: اشتروا به. كما رفعوا ذلك بعبد الله، في قولهم: بئسما عبد الله، وجعل أن يكفروا مترجماً عن بئس. فيكون التقدير بئس الشيء باع اليهود به انفسهم بكفرهم، بما انزل الله بغياً وحسداً ان ينزل الله من فضله. وتكون ان التي في قوله: {أن ينزل الله} في موضع نصب، لانه يعني به ان يكفروا بما انزل الله من اجل ان ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. وموضع (ان) جر. والكسائي جعل ان في موضع خفض بنية الباء وانما كان النصب اقوم، لتمام الخبر قبلها ولا خافض معها. وحرف الخفض اذا كان مضمراً لا تخفض به. المعنى: ومعنى قوله: {اشتروا به أنفسهم} اي باعوا به انفسهم على وزن افتعلوا ـ من الشراء وسمي البائع الشاري بهذا، لانه باع نفسه ودنياه عنده. واكثر الكلام شريت بمعنى بعت. واشتريت بمعنى ابتعت. قال الشاعر يزيد بن مفرغ الحميري: شعر : وشريت بُرداً ليتني من قبل بردٍ كنت هامة تفسير : ومعنى قوله: {وشروه بثمن بخس} باعوه وربما استعملت اشتريت بمعنى بعت. وشريت بمعنى ابتعت. والاكثر ما قلناه. وقوله: {بغياً} اي حسداً وتعدياً. فان قيل: كيف باعت اليهود انفسها بالكفر. وهل يشترى بالكفر شيء؟ قيل معنى الشراء والبيع ـ عند العرب ـ هو ازالة ملك المالك إلى غيره بعوض يعتاضه منه، ثم يستعمل ذلك في كل معتاض من عمله عوضاً ـ خيراً كان أو شراً ـ يقال نعم ما باع فلان نفسه به، وبئس ما باع به نفسه. بمعنى نعم الكسب كسبها، وبئس الكسب كسبها. وكذلك قوله: {بئس ما اشتروا به أنفسهم}، لما ابقوا انفسهم بكفرهم بمحمد "صلى الله عليه وسلم" واهلكوها. خاطبهم الله بالعرف الذي يعرفونه: فقال بئس ما اعتاضوا من كفرهم بالله، وتكذيبهم محمداً "صلى الله عليه وسلم" إذا كانوا رضوا به عوضاً من ثواب الله، وما اعدّ لهم ـ لو كانوا امنوا بالله وما انزل على انبيائه ـ بالنار، وما اعدّ لهم بكفرهم بذلك. ونظير هذه الآية قوله: في سورة النساء: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب}تفسير : إلى قوله: {أية : وآتيناهم ملكاً عظيماً}. تفسير : وكان ذلك حسداً منهم لكون النبوة في غيرهم. وقوله: "بغيا " نصب لانه مفعول له. والمعنى فساداً. قال الاصمعي: مأخوذ من قولهم: بغى الجرح اذا فسد. ويجوز ان يكون مأخوذاً من شدة الطلب للمطاول. وسميت الزانية بغيّاً لانها تطلب. واصل البغي الطلب. و {بغياً أن ينزل الله} اي لأن ينزل الله. وكذلك كل ما في القرآن. ومثله قول الشاعر: شعر : أتجزع أن بان الخليط المودع وحبل الصفا من عزة المتقطع تفسير : وقوله: {فباءوا بغضب على غضب} اي رجعوا. والمراد رجعت اليهود من بني اسرائيل بعد ما كانوا عليه من الاستنصار لمحمد "صلى الله عليه وسلم" في الاستفتاح به، وبعد ما كانوا يخبرون الناس من قبل مبعثه انه نبي مبعوث ـ مرتدين علي اعقابهم حين بعثه الله نبياً ـ بغضب من الله استحقوه منه بكفرهم به وجحدهم بنبوته، وانكارهم اياه. وقال السدي: الغضب الاول حين عبدوا العجل، والثاني ـ حين كفروا بمحمد "صلى الله عليه وسلم". وقال عطا وغيره: الغضب الاول ـ حين غيروا التوراة قبل مبعث محمد "صلى الله عليه وسلم": والغضب الثاني ـ حين كفروا بمحمد "صلى الله عليه وسلم". وقال عكرمة والحسن: الاول ـ حين كفروا بعيسى "ع": والثاني ـ حين كفروا بمحمد "صلى الله عليه وسلم". وقد بينا ان الغضب من الله هو ارادة العقاب بهم. وقوله: {وللكافرين عذاب مهين} معناه للجاحدين بنبوة محمد "صلى الله عليه وسلم" عذاب مهين من الله: إما في الدنيا، وإما في الآخرة. و {مهين} هو المذل لصاحبه المخزي لملبسه هواناً وذلة. وقيل "المهين" هو الذي لا ينتقل منه إلى اعتزاز وإكرام. وقد يكون غير مهين اذا كان تمحيصاً وتكفيراً ينتقل بعده إلى اعتزار وتعظيم: فعلى هذا من ينتقل من عذاب النار إلى الجنة، لا يكون عذابه مهيناً. قال المؤرخ: {فباءوا} استوجبوا اللعنة بلغة جرهم ـ. ولا يقال باء مفردة حتى يقول بكذا وكذا: اما بخير واما بشر. قال ابو عبيدة: {فباءوا بغضب} احتملواه واقرّوا به. واصل البواء التقرير والاستقرار. قال الشاعر: شعر : أصالحكم حتى تبوءوا بمثلها كصرخة حبلى يسرتها قبولها

الجنابذي

تفسير : {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} لفظ ما نكرة موصوفة تميزٌ عن الفاعل المستتر واشتروا صفته والتّقدير بئس هو شيئاً اشتروا به أنفسهم، او لفظ ما معرفة ناقصة فاعل بئس واشتروا صلته وامّا ما يتراءى صحّته من كون ما نكرة تامّة او معرفة تامّة واشتروا مستأنفاً فبعيد جدّاً، او الشرى يستعمل فى البيع والاشتراء والقياس يقتضى استعمال الاشتراء فى كليهما لكنّ الاغلب استعماله فى مقابل البيع فان كان المراد به هاهنا معنى البيع فلا اشكال لأنّ بيعهم أنفسهم بالكفر واشتراء الشّيطان لها فى مقابل بيعهم أنفسهم بالجنّة واشتراء الله لها ولأموالهم بأنّ لهم الجنّه، وان كان المراد به معنى الاشتراء فالمقصود أنّهم اشتروا الانانيّة الّتى هى بالاصالة حقّ الشّيطان باللّطيفة الالهيّة على ان يكون الباء فى {به} للسببيّة لا للبدليّة وما فى تفسير الامام (ع) يشعر بأنّه بمعنى البيع وانّ المخصوص بالذّمّ محذوف وهو قوله {ٱشْتَرَوْاْ} بالهدايا والفضول الّتى تصل اليهم وكان الله أمرهم بشرائها من الله بطاعتهم له ليجعل لهم أنفسهم والانتفاع بها دائماً الى آخره {أَن يَكْفُرُواْ} مخصوص بالذّمّ او تعليل والمخصوص محذوف كما يشعر به تفسير الامام (ع) اى بئس ما اشتروا به أنفسهم هداهم وفضولهم الّتى تصل اليهم {بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ} بالّذى أنزل الله او بشيءٍ أنزل الله فى كتابهم من أمر محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) وآلهما او بما أنزل الله من القرآن او من قرآن فضل علىٍّ (ع) {بَغْياً} لبغيهم وعدم انقيادهم لمحمّدٍ (ص) خليفة الله او باغين على محمّد (ص) {أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ} لان ينزّل الله او هو بدل من ما أنزل الله نحو بدل الاشتمال، ويجوز ان يكون ما فى بما أنزل الله مصدريّة وان يكون أن ينزّل الله تعليلاً او بدلاً منه {مِن فَضْلِهِ} بعضاً من فضله او كتاباً من فضله {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} يعنى محمّداً (ص) واتى بالموصول وصلته اشعاراً بأنّ المكروه لهم حيثيّة مشيئة الله للمبالغة فى تهديدهم وذمّهم، ولمّا كانت الآية تعريضاً بمنافقى الامّة وكراهتهم لما نزل فى خلافة علىّ (ع) صحّ تفسيرها كما فى الاخبار بان يقال بما أنزل الله فى علىّ (ع) بغياً على علىٍّ (ع) ان ينزّل الله من فضله على من يشاء يعنى عليّاً (ع) {فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ} هذه العبارة تستعمل لمحض التّكثير والمعنى باؤا بغضبٍ كثيرٍ متعاقبٍ متراكمٍ وقد تستعمل لبيان العدد يعنى باؤا الى الله او باؤا عن حضور محمّد (ص) {بغضبٍ} من الله لكفرهم بمحمّد (ص) {على عضبٍ} آخر من الله لكفرهم بعيسى (ع)، او {فباؤا بغضبٍ} من الله لكفرهم بما أنزل الله على محمّدٍ (ص) {على غضبٍ} لكفرهم بما أنزل الله على موسى (ع) فى نعت محمّدٍ (ص)، او {فباؤا بغضبٍ} منهم لما انزل الله على محمّد (ص) {على غضبٍ} منهم لما انزل الله على موسى (ع) فى وصف محمّدٍ (ص) هذا بحسب التّنزيل والتّصريح، وامّا بحسب التّأويل والتّعريض فباء منافقوا أمّة محمّدٍ (ص) بغضب من الله او منهم على غضب لكفرهم بمحمّد (ص) وعلىٍّ (ع) {وَلِلْكَافِرِينَ} وضع الظّاهر موضع المضمر للتّطويل المطلوب فى مقام الغضب وللتّصريح بوصف الذّمّ لهم وللاشعار بعلّة الحكم فى الآخرة {عَذَابٌ مُّهِينٌ} مذلّ لا معزّ كبلاء الانبياء، او المقصود تأكيد العذاب والمبالغة فيه.

فرات الكوفي

تفسير : {بِئْس مَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أنْ يَكْفُروا بِما أنْزَلَ الله بَغياً أنّ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ90} [وبالسند المتقدم في ح12 عن أبي جعفر الباقر عليه السلام]: وقال: نزل جبرئيل عليه السلام بهذه الآية هكذا: [وقوله. ر] {بئس ما اشتروا... بغياً} في علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] [وقال الله في علي {أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده} يعني علياً [أ: علي] قال الله تعالى. أ، ب] {فباؤوا بغضبٍ على غضب} يعني بني أمية {وللكافرين [ب: ولهم] عذابٌ مهين} [في حقهم. أ، ر].

اطفيش

تفسير : {بِئسَ مَا اشْتَرَوْا بِه أنفُسَهم أن يَكْفُروا}: المضارع للحال، لأن كفرهم واقع متصل. {بمَا أنْزَلَ اللهُ}: من القرآن ورسالة سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو القرآن أو التوراة، أو القرآن والتوراة والإنجيل، والكفر ببعض ذلك كفر بالكل، أصل بيس بئس بفتح الباء وكسر الهمزة خفيف بإسكان الهمزة، ونقلت كسرتها إلى الباء فقلب ورش الهمزة بعد ذلك ياءً مثناة، وما عند سيبويه فاعل بئس وهى نكرة موصوفة بجملة اشتروا به، وأن يكفروا فى تأويل مصدر بدل أو بيان من ما أو خبر لمحذوف، أى هو أن يكفروا وهو المخصوص بالذم، أو مفعول بمحذوف أى أعنى أن يكفروا، ويجوز عند بعضهم أن تكون ما اسماً موصولا فاعلا، وإعراب الباقى كما مر، ويجوز أن تكون ما معرفة تامة فاعلا، والجملة بعدها نعت لمخصوص محذوف، أى بئس الشئ شئ اشتروا به أنفسهم وشئ منكر بدل أو بيان أو خبر لمحذوف، وإن يكفروا فيه الأعاريب المذكورة فيه سابقاً، وليس حينئذ مخصوصاً ولكن إذا صير إلى إبداله أبدل من ما ومن المخصوص المحذوف، وقد اختلف فى الإبدال من البدل وفى تعدد البدل الصحيح عندى الجواز، وهذا الوجه ضعيف لأن فيه تقدير المخصوص مع الاستغناء عنه بقوله: {أن يكفروا} أو المشهور عن سيبويه وغيره إنما تمييز مفسر لفاعل مستتر، وجملة اشتروا به أنفسهم صفة لما، وفى أن يكفروا ما تقدم من الأعاريب، وهذا مذهب الأخفش والزجاج، وأحد قولى الفارس والزمخشرى وكثير من المتأخرين، ويضعف أن تجعل تمييز نكرة غير موصوفة مفسرة لفاعل مستتر، والجملة بعدها صفة لمخصوص محذوف لا غناء أن يكفروا عن تقدير مخصوص، وكذا يضعف أن تجعل ما كذلك والجملة بعدها صلة، لما أخرى موصولة هى المخصوص. ويبحث على الوجهين أيضاً بأن ما مساوية للضمير المستتر فى بئس فى الإبهام، فكيف تكون تمييزاً مفسرة له؟ ويجاب أن ما معناها شئ حقير بعد بئس وشئ عظيم بعد نعم، وأيضاً قد أجاز بعض أن يكون التمييز موحداً، ويجوز على الجوابين عنده مجيز جمع التمييز والفاعل الظاهر فى باب نعم وبئس أن تكون تمييزاً، وأن يكفروا فاعلا قيل معنى الآية بئس ما اشتروا به أنفسهم من عذاب النار وسخط الله، أو باعوا به أنفسهم لله عز وجل بالجنة وهو كفرهم بما أنزل الله على سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ اشتراءً أو بيعاً بحسب ظنهم فى ثبوتهما، وليسا بشئ ثابت بل شئ وجوابه النار والسخط، ورد بأنهم لم يظنوا ذلك بل فعلوا ذلك حسداً وظلماً كما قال الله جل وعلا: {بَغْياً أنْ يُنَزِّلَ اللهُ من فَضْله عَلى مَنْ يَشَاءُ}: أى طغياناً ومجاوزة للحد لأجل أن ينزل الله أو على أن ينزل الله فحرف الجر مقدر قبل أن متعلق ببغياً، والمضارع للحال لأن تنزيل الفضل واقع متصل، أى وقعوا فى الطغيان لتنزيل الله من فضله، لأن الله ينزل من فضله فيكفرون بما نزل، ويجوز جعل يكفروا وينزل بمعنى الماضى، ولا يجوز أن يكون أن ينزل مفعولاً لهُ لبغياً لاختلاف الفاعل، لأن فاعل البغى اليهود، وفاعل التنزيل هو الله ـ تبارك وتعالى ـ بل هو على تقدير لام التعليل أو على التعليلية أو غيرهما من حروف التعليل، والأصل اللام أو على تضمن بغياً معنا حسداً فى كذا، أو على كذا، أو استعمال بغياً بمعنى حسداً، أى حسداً على إنزال الله. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بإسكان نون ينزل، وتخفيف الزاى، قال أبو عمرو الدانى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ينزل وتنزل وننزل مضموم الأول مخففاً حيث وقع، واستثنى ابن كثير وما تنزله فى الحجر وننزل من القرآن وحتى ينزل علينا فى سبحان، واستثنى أبو عمرو على أن ينزل فى الأنعام والذى فى الحجر مجمع عليه بالتشديد والباقون بالتشديد، واستثنى حمزة والكسائى من ذلك حرفين: {وينزل الغيث} فى لقمان، و{الذى ينزل الغيث} فى{حم عسق} فخففاهما.. انتهى. ونصب بغياً على أنه مفعول لأجله ليكفروا، أى أن يكفروا لما فيهم من بغى، وقال جار الله مفعول لأجله لاشتروا وعارضه القاضى بفصل المخصوص، وهو أن يكفروا وهو أجنبى من تمييز الفاعل، ولو كان غير أجنبى من الفعل والفاعل ومفعول ينزل محذوف، أى ينزل الوحى من فضله، ومن زعم أن من التبعيضية اسم مضاف جعلها مفعول ينزل والفضل على هذا بمعنى الوحى، وعلى تقدير المفعول يكون الفضل العام أو بمعنى الوحى وعليه، فمن للابتداء ومن أجاز زيادة من فى الإيجاب والتعريف جعل فصله مفعولا به وهو الوحى أو عام ويجوز على الأوجه المذكورة كون الفضل مراداً به الرسالة ومن يشاء من عباده هو من اختار الرسالة. {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ}: أى رجعوا والرجوع هنا بمعنى المضى أى مضوا أو الصيرورة والباء عليها باعتبار المعنى الأصلى أى صاروا أحقاء بغضب بعد آخر أو الماضى بمعنى المضارع، أى ترجعون إلى الله بالموت أو بالبعث بغضب على غضب، وتنكير الغضب للتعظيم، ومعنى الغضب العقاب أى لهم عقاب متكرر بلا نهاية وهو العذاب لكفرهم بمحمد وحسدهم، فذلك الغضب مرتين من الاستغناء لذكر الشئ مرتين أو بالتثنية عن الجمع كقولك: دخلوا رجلا رجلا، وعلمتك الكتاب باباً باباً، ولبيك اللهم، وعلى بمعنى مع ولك أن تجعل الكلام على أسلافهم فيكون باءوا بمعنى رجعوا إلى الله بالموت، أو يرجعون إليه بالبعث وقد استحقوا عذاباً مكرراً. وقال ابن عباس: الغضب الأول بتضييعهم التوراة، والثانى بكفرهم بمحمد، صلى الله عليه وسلم ـ وقيل: الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل، والثانى بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقيل الأول بقولهم عزيرٌ ابن الله، والثانى بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو الأول قولهم يد الله مغلولة والثانى كفرهم بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقيل الأول عبادة العجل والثانى الكفر بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقيل الأول الكفر بالإنجيل والثانى بالقرآن، وهو عين القول بأنهما الكفر بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وتفسيرى هو الأول وهو ثبوت العذاب المكرر لهم لكفرهم بمحمد، أما إذا صير إلى تعديد مساوئهم فالواضح أن يفسر الغضبان بذلك كله، فيكون من إغناءِ ذكر اثنين عن ذكر الجمع، فكأنه قيل غضب مترادف متكرر من عبادة العجل، وطلب الرؤية، وقولهم {أية : يد الله مغلولة} تفسير : والكفر بالإنجيل وعيسى، والكفر بمحمد والقرآن، وقولهم {أية : عزيرٌ ابن الله} تفسير : وغير ذلك، وفعل أسلافهم فعل لهم أرضاهم به ولولا يتهم إياهم مع فعلهم ولتصويبهم. {وللكَافرينَ}: كفر نفاق أو كفر شرك، وقيل المراد هنا الكفر بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والعموم أولى. {عذابٌ}: فى الدنيا كالقتل والجزية والآخرة. {مُّهِينٌ}: مذل لهم أريد به إذلالهم إذ كعذاب المؤمن فى الدنيا بالحدود أو بالمصائب أو فى القبر أو فى المحشر، فإنهُ أريد به تطهيره من الذنوب.

اطفيش

تفسير : {بِئْسَمَا اشْتَرَواْ} استبدلوا {بِهِ أَنْفُسَهُمْ} أو باعوها باختيار الكفر، أو اشتروا أنفسهم فى زعمهم من العذاب بتصلبهم فى دينهم، جازمين، ولو عرفوا ما جاء صلى الله عليه وسلم به، كما قال الله عز وجل "أية : فلما جاءهم ما عرفوا" تفسير : [البقرة: 89] {أَنْ يَكْفُرُواْ} مخصوص بالذم، أى كفرهم {بِمَا أَنْزَلَ اللهُ} من القرآن، والكفر ماض غير مستقبل لكن قال، أن يكفروا لاستحضار الأمر الماضى بمنزلة المستقبل المترقب ليشاهد ويعاين، وإنا قلت ذلك، لأن المضارع المنصوب للاستقبال، وهذا أولى من أن يقال المضارع هنا للحال، ليكون الأمر كالمشاهد وأنه لم تخلصه أن للاستقبال {بَغْياً} طلباً لما ليس لهم، أى حسداً أو ظلماً، تعليل ليكفروا، أى أيكفروا لأجل البغى، أو تعليل لاشتروا، ولو فصل، لقلة الفاصل، أو ذوى بغى، أو باغين، ووجه تعليقه باشتروا أن المعنى على ذم الكفر الذى أوثر على الإيمان بغياً، لا على ذم الكفر المعلل بالبغى، وأيضاً إبدال أنفسهم بالكفر هو لمجرد العناد الذى هو نتيجة البغى والحسد، كأنه قيل، بئس استبدال أنفسهم بالكفر لأجل محض الحسد {أَن يُنَزِّلَ اللهُ} على أن ينزل الله الوحى أو لأن ينزل على أنه تعليل لبغيا {مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} حسدوا محمداً على رسالته صلى الله عليه وسلم، إذ كان من العرب، ومن ولد إسماعيل، ولا منهم، ولا من ولد يعقوب أو نبى من أنبيائهم {فَبَاءُو بِغَضَبٍ} هو هذا الكفر {عَلَى غَضَبٍ} استلحقوه من قبل، لتضييع التوراة، والكفر بعيسى والإنجيل، وقولهم عزير بن الله، ويد الله مغلوله، ونحو ذلك، والكفر بالإنجيل أو بعيسى، والثانى الكفر بالقرآن، أو به صلى الله عليه وسلم {وَلِلْكَٰفِرِينَ} مثل الكافرين فى الآية قبل {عَذَابٌ مُّهِينٌ} بذل، جوزا بما حاولوا من أن يذلوا المسلمين، بدعوى فضلهم عليهم، والمُذِلّ الله، وأسند لإدلال إلى المسبب.

الخليلي

تفسير : الكلام مستأنف لتسجيل مذمتهم مقرونة ببرهانها وذلك أنهم إنما استحقوا هذا الذم بإيثارهم الباطل على الحق واختيارهم الكفر على الإِيمان، لا لإِلتباس حاصل أو شك في حقيقة الحق، ولكن لإِيثار هوى النفوس على مصالحها الباقية، والبغي الذي لا يؤدي إلا إلى محاولة تشويه الحقيقة الناصعة وطمس الحق المبين. و(بئس) فعل من الأفعال الجامدة كأختها نعم، فهما لا تتصرفان الى مضارع ولا أمر ولا مصدر ولا اسم فاعل، ولا اسم مفعول، ولا صفة مشبهة، وإنما يفرق بينهما المعنى، فهذه تدل على الذم، وتلك على المدح، وكما تشتركان في الجمود تشتركان كذلك في العديد من الأحكام، منها: رفعهما الفاعل، وافتقارهما الى مخصوص بالمدح أو الذم، إما منطوق به، وإما مفهوم من المقام، وفاعلهما لا يكون إلا معرفة سواء كان مظهرا نحو نعم الرجل أبو بكر وبئس الرجل أبو جهل فالرجل في المثالين فاعل، وأبو بكر مخصوص بالمدح، وأبو جهل مخصوص بالذم أم كان مضمرا تفسره نكرة تلي الفعل منصوبة على التمييز نحو بئس رجلا أبو لهب فإن الفاعل في المثال ضمير مستتر في بئس يفسره التمييز وهو رجلا. ومع تعريفه فهو إما أن يكون معرفا بأل كما سبق في الأمثلة أو مضافا إلى ما عرف بها، كما في حديث: "بئس أخو العشيرة...."، واختلف فيما عُرف بغيرهما كالموصول، وبناء على جوازه فإن "ما" في الآية موصولة فاعلة لبئس، والجملة بعدها صلتها، وهو محكي عن سيبويه، كما نقل عن الكسائي والفراء، واليه ذهب الفارسي في أحد قوليه، والمشهور عن سيبويه أنها معرفة تامة بمعنى الشيء فاعل لبئس، والمخصوص بالذم محذوف، أي شيء اشتروا به أنفسهم وهو معزو إلى الكسائي، وقيل هي وما بعدها مسبوكة بمصدر في موضع رفع والتقدير بئس اشتراؤهم، ولابن عطية على ذلك اعتراض تعقبه أبو حيان ولم نجد داعيا إلى إيراد كلامهما، وقيل: هي موصوفة بجملة بعدها في محل نصب على التمييز من الضمير المستتر في بئس وهو فاعلها، وعليه فهي مؤولة بشيء "وأن يكفروا" هو المخصوص بالذم مؤولا بمصدر، والتقدير بئس هو شيئا اشتروا به أنفسهم كفرهم بما أنزل الله، وهذا هو أحد مذهبي الفارسي، واختاره الزمخشري، وثم مذاهب أخرى لا داعي إلى ذكرها. (واشتروا) بمعنى باعوا عند الجمهور وذلك أنهم حرموا أنفسهم من سعادة الدار الآخرة بكفرهم بما أنزل الله على عبده ورسوله مع معرفتهم بحقه، وإدراكهم أن صفقتهم خاسرة، وأنهم ضالون في سعيهم، ومن حرم نعيم الآخرة فقد حرم نفسه لأنه عرضها لأخطر المهالك وأسوأ العواقب، فكان هذا التعبير أدق في الدلالة على هذا المعنى وأبلغ في تصويره وأجدى في التحذير من الأخذ بأسباب ذلك. ويعضد هذا التفسير ما يكون في البيع والشراء من المعاوضة بين الجانبين تسوغ اعتبار كل من المتبايعين بائعا ومشتريا لأن كليهما آخذ ومعط، فآخذ السلعة مبتغ لها وقد جعل الثمن وسيلة إليها، وآخذ الثمن مبتغ له وقد جعل السلعة وسيلة إليه، فصدق على كل منهما وصف البيع والشراء، ومن هنا جاز لغة استعمال كل من العبارتين في معنى الثانية كما تقدم. واستبعد الإِمام ابن عاشور اسعمال الاشتراء بمعنى البيع بدعوى أنه يفضي إلى ادخال الغلط على السامع وإفساد ما أحكمته اللغة من التفرقة. وأبقى الاشتراء على بابه - وهو الإِبتياع المتبادر إلى الأفهام من إطلاقه - وعده هنا مجازا أطلق فيه الاشتراء على استبقاء الشيء المرغوب فيه، تشبيها لاستبقائه بابتياع شيء مرغوب فيه فهم قد آثروا أنفسهم في الدنيا فأبقوا عليها بأن كفروا بالقرآن حسدا، فإن كانوا يعتقدون بأنهم مُحقُّون في اعراضهم عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم لتمسكهم بالتوراة، وأن قولهم فيما تقدم: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ} بمعنى جاءهم ما عرفوا صفته وإن فرطوا في تطبيقها على الموصوف، فمعنى اشتراء أنفسهم جار على اعتقاد أنفسهم لآنهم نجوها من العذاب في اعتقادهم، فقولهم: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} أي بئس ما هو في الواقع، وأما كونه اشتراء فبحسب اعتقادهم، وقوله: {أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ} هو أيضا بحسب الواقع، وفيه تنبيه لهم على حقيقة حالهم، وهي أنهم كفروا برسول مرسل إليهم للدوام على شريعة نسخت. وإن كانوا معتقدين صدق الرسول، وكان إعراضهم لمجرد المكابرة كما يدل عليه قوله قبله: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ} على أحد الإِحتمالين المتقدمين، فالاشتراء بمعنى الاستبقاء الدنيوي، أي بئس العوض بذلهم الكفر ورضاهم به لبقاء الرئاسة والسمعة وعدم الاعتراف برسالة الصادق، فالآية على نحو قوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ}. هذا وقد عرفتم مما سبق جواز ترادف كملتي البيع والشراء وليس في ذلك ما يدعو إلى الغلط فهم الحقائق اللغوية، لأن القرائن الملابسة للخطاب كفيلة بإفراز المعاني المقصودة وكشف اللبس والغموض. وتوجيه الإِمام انب عاشور لمعنى الآية مع إبقائه الاشتراء فيها على معناه المشهور لا يخلو من نظر على كلا الاحتمالين اللذين ذكرهما، أما على الأول فلأن كفر بني إسرائيل برسالة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام كان كفر عناد لا كفر جهل، فإنهم - كما أخبر الله عنهم - {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} تفسير : [البقرة: 146]، وفي ما قبل هذه الآية أخبر الله عنهم بأنهم كفروا لَّما جاءهم ما عرفوا، فأي مكان للجهل هنا؟ ولا داعي الى حمل هذه المعرفة على معرفة الصفة مع التفريط في تطبيقها على الموصوف، ولئن سلم ذلك فما منشأ هذا التفريط إلا العناد والحسد دون الجهل واللبس على أن هذه الحالة فيهم ألفت قديما في سلسلة مكابراتهم لأنبيائهم الذين جاءوهم بالبينات وشاهدوا منهم ما شاهدوا من المعجزات. فما عقب ذلك منهم إلا الكفر والتكذيب، وناهيك بما شاهدوا من آية انقاذهم من فرعون وآله على يدي موسى عليه السلام، وما تبع ذلك من الآيات الحسية المتلاحقة التي لا تدع مجالا للريب في صحة نبوة موسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، ومع ذلك فإنهم ما كادوا يجتازون البحر حتى قالوا لموسى: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138]،واتخذوا العجل إلها يعبد وقالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [البقرة: 55]، وأعرضوا عن الميثاق فرفع فوقهم الطور، وقالوا لموسى: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24]، ولعمري ما مثلهم في كفرهم بنبوة النبي الخاتم صلوات الله وسلامه عليه - مع أبصروا من الآيات الدالة على صدقه - إلا كمثل فرعون وآله الذين قال الله فيهم: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النمل: 14]. وأما على الثاني فيستعبد أن يعبر القرآن - عن إيتائهم العاجلة وابتغائهم ما تهواه أنفسهم فيها من الرتب والمال - باشترائهم أنفسهم، وهو يقصد بذلك صونها وووقايتها مما يخشى إذ ذلك في حقيقته إتلاف لها وتعريضها لأسوأ أنواع التباب خصوصا مع معرفتهم بأنهم في صنيعهم مخطئون ولربهم عاصون. والتعبير بصيغة الماضي في "اشتروا" والمضارع في (أن يكفروا) مع أن اشتراءهم هو الكفر نفسه للدلالة على أن هذه الحالة سبقت منهم على نزول الآية ولا زالوا مستصحبيها بعد النزول. و(بغيا) مفعول لأجله علة ليكفروا على الظاهر لأنه أقرب ذكرا، ويجوز أن يكون علة لـ (اشتروا). وأصله من بغى يبغي بمعنى أراد كما في قوله تعالى: {أية : مَا نَبْغِي} تفسير : [يوسف: 65]، ومنه سميت الفاجرة بغيا لأنها تراد للزنى والعياذ بالله، واستعمل في قصد مجانبة طريق الحق بالإِساءة إلى الغير، وهو ينقسم إلى بغيين بهذا المفهوم لأنه إما أن يكون ابتغاء انتزاع تحق الغير أو تمني زوال نعمته، والأول يسمى ظلما والثاني حسدا، وهذه مصطلحات عرفية اشتهرت على الألسن فأصحبت جارية مجرى الحقائق الوضعية. وبغي اليهود الدافع لهم إلى الكفر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم - وهم أعرف الناس بها - من باب الحسد كما هو صريح في قولهم المحكى عنهم في القرآن: {أية : أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ} تفسير : [آل عمران: 73]، وقد مر فيما قبل هذه الآية جواب سلام بن مشكم لمن دعاه من الأنصار إلى الإِسلام وما فيه من محالوة طمس الحقيقة بعد ظهورها حسدا لأن كان النبي الخاتم صلوات الله وسلامه عليه من غير العنصر الإِسرائيلي، وقد كانوا يطمعون في كونه منهم، والله عليم بمن هو أولى بهذا الأمر وأجدر بهذا الخير: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124]، والنبوات اصطفاء من الله تعالى وليست مواريث تختص بها أجناس من البشر دون غيرها، على أن بني إسرائيل لم يعودوا أهلا لقيادة الإِنسانية، بعدما ارتكسوا في مهاوى الضلال، وتمرغوا في أوحال الدنية، وانطبعت نفوسهم بالحسد والحقد على الإِنسانية، وتلوثت أفكراهم بما تلوثت به من العقائد الزائغة والتصورات الباطلة الناتجة من مكابرة الحق والصدود عنه. و(باء) بمعنى رجع، واستعمل في الانقلاب إلى العاقبة التي تكون نتيجة لسابقتها، كما يقال في الذين آمنوا "باؤوا برحمة الله ورضوانه"، ومنه مبوأ الصدق للجنة، ويقال في الذين كفروا باءوا بعقاب الله، واختلف في الغضب الأول هنا، فقيل هو لكفرهم بالمسيح عليه السلام، وقيل: لقولهم: {أية : يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [البقرة: 55]، وقيل: لاتخاذهم العجل، وقيل: لقتلهم النبيين، وقيل: لتحريفهم الكتاب؛ والغضب الثاني لكفرهم بمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام, والصحيح أن المراد بـ "باءوا بغضب على غضب" ترادف الغضب عليهم بما أتوا من الفظائع واستحلوا من المحارم، لا حصره في غضبين كما قيل، ومثل هذا قوله تعالى في هدايته لخلقه وما نصبه لهم من معالم براهين الحق: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} تفسير : [النور: 35]، وقوله في مثل الذين كفروا: {أية : ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} تفسير : [النور: 40]. و(ال) في (الكافرين) تحتمل أن تكون للعهد، والمعهود كفار بني إسرائيل الذين بصددهم الحديث في الآيات، وأن تكون للجنس وتشمل جميع الكافرين، ويدخل هؤلاء في الوعيد دخولا أوليا كما سبق، فان الكل أحقاء بالعذاب. وأهان بمعنى أذل، وكل عذاب مذل للمعذب وإنما وُصف ما توعدوا به من عذاب بأنه مهين لزيادة التحذير منه والتنفير عن ملابسة ما يؤدي إليه من فاسد الاعتقاد وسيئات الأعمال.

الالوسي

تفسير : {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ} أي باعوا، فالأنفس بمنزلة المثمن، والكفر بمنزلة الثمن لأن أنفسهم الخبيثة لا تشترى بل تباع وهو على الاستعارة أي إنهم اختاروا الكفر على الإيمان وبذلوا أنفسهم فيه، وقيل: هو بمعناه المشهور لأن المكلف إذا خاف على نفسه من العقاب أتى بأعمال يظن أنها تخلصه فكأنه اشترى نفسه بها فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم وخلصوها فذمهم الله تعالى عليه، واعترض بأنه كيف يدعي أنهم ظنوا ذلك مع قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } تفسير : [البقرة: 89] فإذا علموا مخالفة الحق كيف يظنون نجاتهم بما فعلوا وإرادة العقاب الدنيوي كترك الرياسة غير صحيح لأنه لا يشتري به الأنفس. ويمكن الجواب بأن المراد أنهم ظنوا على ما هو ظاهر حالهم من التصلب في اليهودية والخوف فيما يأتون ويذرون وادعاء الحقية فيه فلا ينافي عدم ظنهم في الواقع على ما تدل عليه الآية، والمراد بما أنزل الله الكتاب المصدق، وفي تبديل المجىء بالإنزال المشعر بأنه من العالم العلوي مع الإسناد إليه تعالى إيذان بعلو شأنه وعظمه الموجب للإيمان به، وقيل: يحتمل أن يراد به التوراة والإنجيل وأن يراد الجميع، والكفر ببعضها كفر بكلها. واختلف في (ما) الواقعة بعد بئس ألها محل من الإعراب أم لا؟ فذهب الفراء إلى أنها لا محل لها وأنها مع بئس شيء واحد كحبذا، وذهب/ الجمهور إلى أن لها محلاً، واختلف أهو نصب أم رفع؟ فذهب الأخفش إلى الأول على أنها تمييز، والجملة بعدها في موضع نصب على الصفة، وفاعل بئس مضمر مفسر بها، والتقدير بئس هو شيئاً اشتروا به، و {أَن يَكْفُرُواْ} هو المخصوص بالذمّ والتعبير بصيغة المضارع لإفادة الاستمرار على الكفر فإنه الموجب للعذاب المهين، ويحتمل على هذا الوجه أن يكون المخصوص محذوفاً، و (اشتروا) صفة له، والتقدير بئس شيء اشتروا به، و {أَن يَكْفُرُواْ} بدل من المحذوف أو خبر مبتدأ محذوف، وذهب الكسائي إلى النصب على التمييز أيضاً إلا أنه قدر بعدها (ما) أخرى موصولة هي المخصوص بالذم، و (اشتروا) صلتها، والتقدير بئس شيئاً الذي اشتروا، وذهب سيبويه إلى الثاني على أنها فاعل (بئس) وهي معرفة تامة، والمخصوص محذوف أي: شيء اشتروا، وعزي هذا إلى الكسائي أيضاً، وقيل: موصولة وهو أحد قولي الفارسي، وعزاه ابن عطية إلى سيبويه وهو وهم، ونقل المهدوي عن الكسائي أن (ما) مصدرية والمتحصل فاعل (بئس) واعترض بأن (بئس) لا تدخل على اسم معين يتعرف بالإضافة إلى الضمير، ولك على هذا التقدير أن لا تجعل ذلك فاعلاً بل تجعله المخصوص والفاعل مضمر والتمييز محذوف لفهم المعنى، والتقدير ـ بئس اشتراء اشتراؤهم ـ فلا يلزم الاعتراض، نعم يرد عود ضمير به على (ما) والمصدرية لا يعود عليها الضمير لأنها حرف عند غير الأخفش فافهم. {بَغْيًا أَن يُنَزّلُ ٱللَّهُ} ـ البغي ـ في الأصل الظلم والفساد من قولهم ـ بغى ـ الجرح فسد قاله الأصمعي، وقيل: أصله الطلب، وتختلف أنواعه ففي طلب زوال النعمة حسد، والتجاوز على الغير ظلم، والزنا فجور، والمراد به هنا بمعونة المقام طلب ما ليس لهم فيؤل إلى الحسد، وإلى ذلك ذهب قتادة وأبو العالية والسدي، وقيل: الظلم وانتصابه على أنه مفعول له ليكفرون فيفيد أن كفرهم كان لمجرد العناد الذي هو نتيجة الحسد لا للجهل وهو أبلغ في الذم لأن الجاهل قد يعذر، وذهب الزمخشري إلى أنه علة (اشتروا) ورد بأنه يستلزم الفصل بالأجنبـي وهو المخصوص بالذم وهو وإن لم يكن أجنبياً بالنسبة إلى فعل الذم وفاعله لكن لا خفاء في أنه أجنبـي بالنسبة إلى الفعل الذي وصف به تمييز الفاعل، والقول بأن المعنى ـ على ذم ما باعوا به أنفسهم حسداً وهو الكفر لا على ذم ما باعوا به أنفسهم وهو الكفر حسداً ـ تحكم، نعم قد يقال: إنما يلزم الفصل بأجنبـي إذا كان المخصوص مبتدأ خبره بئسما أما لو كان خبر مبتدأ محذوف ـ وهو المختار ـ فلا لأن الجملة حينئذٍ جواب للسؤال عن فاعل (بئس) فيكون الفصل بين المعلول وعلته بما هو بيان للمعلول ولا امتناع فيه، وجعله بعضهم علة لـ (اشتروا) محذوفاً فراراً من الفصل، ومنهم من أعربه حالاً ومفعولاً مطلقاً لمقدر أي بغوا بغياً، و {أَن يُنَزّلَ} إما مفعول من أجله للبغي أي حسداً لأجل تنزيل الله، وإما على إسقاط الخافض المتعلق بالبغي أي حسداً على أن ينزل والقول بأنه في موضع خفض على أنه بدل اشتمال من (ما) في قوله: {بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ} بعيد جداً، وربما يقرب منه ما قيل: إنه في موضع المفعول الثاني، والبغي بمعنى طلب الشخص ما ليس له يتعدى إليه بنفسه تارة، وباللام أخرى، والمفعول الأول هٰهنا أعني محمداً عليه الصلاة والسلام محذوف لتعينه؛ وللدلالة على أن الحسد مذموم في نفسه كائناً ما كان المحسود ـ كما لا يخفى ـ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب {يُنَزّلٍ} بالتخفيف. {مِن فَضْلِهِ} أراد به الوحي، و (من) لابتداء الغاية صفة لموصوف محذوف أي شيئاً كائناً من فضله وجوّز أبو البقاء أن تكون زائدة على مذهب الأخفش {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ} أي على من يختاره للرسالة، وفي «البحر» أن المراد به محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم حسدوه لما لم يكن منهم، وكان من العرب ومن ولد إسماعيل ـ ولم يكن من ولده نبـي سواه عليه الصلاة والسلام/ وإضافة ـ العباد ـ إلى ضميره تعالى للتشريف، و {مِنْ} إما موصولة أو موصوفة. {فَبَاءو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ} تفريع على ما تقدم، أي فرجعوا متلبسين بغضب كائن على غضب مستحقين له حسبما اقترفوا من الكفر والحسد. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الغضب الأول: لعبادة العجل والثاني: لكفرهم به صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة: الأول: كفرهم بالإنجيل والثاني: كفرهم بالقرآن، وقيل: هما الكفر بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، أو قولهم: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30] و {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ }تفسير : [المائدة: 64] وغير ذلك من أنواع كفرهم، وكفرهم الأخير بالنبـي صلى الله عليه وسلم ولا يخفى أن ـ فاء العطف ـ يقتضي صيرورتهم أحقاء بترادف الغضب لأجل ما تقدم، وقولهم: {عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ} مثلاً غير مذكور فيما سبق، ويحتمل أن يراد بقوله سبحانه: {بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ} الترادف والتكاثر لا غضبان فقط، وفيه إيذان بتشديد الحال عليهم جداً كما في قوله:شعر : ولو كان رمحاً واحداً لاتقيته ولكنه رمح (وثان وثالث) تفسير : ومن الناس من زعم أن ـ الفاء فصيحة ـ والمعنى فإذا كفروا وحسدوا على ما ذكر باءوا الخ، وليس بشيء. {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} ـ اللام ـ في الكافرين للعهد، والإظهار في موضع الإضمار للإيذان بعلية كفرهم لما حاق بهم؛ ويحتمل أن تكون للعموم فيدخل المعهودون فيه على طرز ما مر. و ـ المهين ـ المذل، وأصله مهون فأعل، وإسناده إلى العذاب مجاز من الإسناد إلى السبب ـ والوصف به للتقييد ـ والاختصاص الذي يفهمه تقديم الخبر بالنسبة إليه، فغير الكافرين إذا عذب فإنما يعذب للتطهير ـ لا للإهانة والإذلال ـ ولذا لم يوصف عذاب غيرهم به في القرآن فلا تمسك للخوارج بأنه خص العذاب بالكافرين فيكون الفاسق كافراً لأنه معذب ولا للمرجئة أيضاً.

ابن عاشور

تفسير : استئناف لذمهم وتسفيه رأيهم إذ رضوا لأنفسهم الكفر بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وأعرضوا عن النظر فيما اشتملت عليه كتبهم من الوعد بمجيء رسول بعد موسى، إرضاء لداعية الحسد وهم يحسبون أنهم مع ذلك قد استبقَوْا أنفسهم على الحق إذ كفروا بالقرآن، فهذا إيقاظ لهم نحومعرفة داعيهم إلى الكفر وإشهار لما ينطوي عليه عند المسلمين. و {بئسما} مركّب من (بئسَ) و (ما) الزائدة. وفي بئسَ وضِدّها نِعْمَ خلاف في كونهما فعلين أو اسمين والأصح أنهما فعلان. وفي (ما) المتصلة بهما مذاهب أحدها أنها معرفة تامة أي تفسر باسم معرف بلام التعريف وغير محتاجة إلى صلة احترازاً عن (ما) الموصولة فقوله: {بئسما} يفسر ببئس الشيء قاله سيبويه والكسائي. والآخر أنها موصولة قاله الفراء والفارسي وهذان هما أوضح الوجوه فإذا وقعت بعدها (ما) وحدها كانت (ما) معرفة تامة نحو قوله تعالى: {أية : إن تبدوا الصدقات فنِعِمَّا هي}تفسير : [البقرة: 271] أي نعم الشيء هي وإن وقعت بعد ما جملة تصلح لأن تكون صلة كانت (ما) معرفة ناقصة أي موصولة نحو قوله هنا: {بئسما اشتروا به أنفسهم} و(ما) فاعل (بئس). وقد يذكر بعد بئس ونِعْم اسم يفيد تعيين المقصود بالذم أو المَدْح، ويسمى في علم العربية المخصوصَ وقد لا يذكر لظهوره من المقام أو لتقدم ما يدل عليه فقوله: {أن يكفروا} هو المخصوص بالذم والتقدير كفرهم بآيات الله، ولك أن تجعله مبتدأ محذوف الخبر أو خبراً محذوف المبتدأ أو بدلاً أوبياناً من (ما) وعليه فقوله تعالى: {اشتروا} إما صفة للمعرفة أو صلة للموصولة و{أن يكفروا} هو المخصوص بالذم خبر مبتدأ محذوف وذلك على وزان قولك نِعْم الرجل فلان. والاشتراء الابتياع وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى}تفسير : [البقرة: 16] فقوله تعالى هنا: {بئسما اشتروا به أنفسهم} مجاز أطلق فيه الاشتراء على استبقاء الشيء المرغوب فيه تشبيهاً لاستبقائه بابتياع شيء مرغوب فيه فهم قد آثروا أنفسهم في الدنيا فأَبْقَوْا عليها بأن كفروا بالقرآن حسداً، فإن كانوا يعتقدون أنهم محقون في إعراضهم عن دعوة محمد صلى الله عليه وسلم لتمسكهم بالتوراة وأَن قوله فيما تقدم {أية : فلما جاءهم ما عرفوا}تفسير : [البقرة: 89] بمعنى جاءهم ما عرفوا صفتَه وإن فرطوا في تطبيقها على الموصوف، فمعنى اشتراء أنفسهم جار على اعتقادهم لأنهم نجوها من العذاب في اعتقادهم فقوله: {بئسما اشتروا به أنفسهم} أي بئسما هو في الواقع وأما كونه اشتراء فبحسب اعتقادهم وقوله: {أن يكفروا بما أنزل الله} هو أيضاً بحسب الواقع، وفيه تنبيه لهم على حقيقة حالهم وهي أنهم كفروا برسول مرسل إليهم للدوام على شريعة نسخت. وإن كانوا معتقدين صدق الرسول وكان إعراضهم لمجرد المكابرة كما يدل عليه قوله قبله: {فلما جاءهم ما عرفوا} على أحد الاحتمالين المتقدمين، فالاشتراء بمعنى الاستبقاء الدنيوي أي بئس العوض بَذلُهم الكفر ورضاهم به لبقاء الرئاسة والسمعة وعدم الاعتراف برسالة الصادق بالآية على نحو قوله تعالى: {أية : أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة}تفسير : [البقرة: 86]. وقيل: إن {اشتروا} بمعنى باعوا أي بذلوا أنفسهم والمراد بذلها للعذاب في مقابلة إرضاء مكابرتهم وحسدهم وهذا الوجه منظور فيه إلى قوله قبله: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} وهو بعيد من اللفظ لأن استعمال الاشتراء بمعنى البيع مجاز بعيد إذ هو يفضي إلى إدخال الغلط على السامع وإفساد ما أحكمته اللغة من التفرقة وإنما دعا إليه قصد قائله إلى بيان حاصل المعنى، على أنك قد علمت إمكان الجمع بين مقتضى قوله: {ما عرفوا} وقوله هنا: {اشتروا به أنفسهم} فأنتَ في غنى عن التكلف. وعلى كلا التفسيرين يكون {اشتروا} مع ما تفرع عنه من قوله: {فباءُوا بغضب على غضب} تمثيلاً لحالهم بحال من حاول تجارة ليربح فأصابه خسران، وهو تمثيل يقبَل بعضُ أجزائه أن يكون استعارة وذلك من محاسن التمثيلية. وجيء بصيغة المضارع في قوله: {أن يَكفروا} ولم يؤتَ به على ما يناسب المبيَّن وهو {مَا اشتروا} المقتضي أن الاشتراء قد مضى للدلالة على أنهم صرحوا بالكفر بالقرآن من قبل نزول الآية فقد تبين أن اشتراء أنفسهم بالكفر عمل استقر ومضى، ثم لما أريد بيان ما اشتروا به أنفسهم نبه على أنهم لم يزالوا يكفرون ويعلم أنهم كفروا فيما مضى أيضاً إذ كان المبيَّن بأن يَكْفروا معبَّراً عنه بالماضي بقوله: {ما اشتروا}. وقوله: {بغياً} مفعُول لأجله علة لقوله: {أن يكفروا} لأنه الأقرب إليه، ويجوز كونه علة لاشتروا لأن الاشتراء هنا صادق على الكفر فإنه المخصوص بحكم الذم وهو عين المذمُوم، والبغي هنا مصدر بَغى يبغي إذا ظلم وأراد به هنا ظلماً خاصاً وهو الحسد وإنما جُعل الحسد ظلماً لأن الظلم هو المعاملة بغير حق والحسد تمني زوال النعمة عن المحسود ولا حق للحاسد في ذلك لأنه لا يناله من زوالها نفع، ولا من بقائها ضر، ولقد أجاد أبو الطيب إذ أخذ المعنى في قوله:شعر : وأَظْلَمُ خلقِ الله من بات حاسداً لِمنْ بَاتَ في نَعْمائِه يَتَقَلَّب تفسير : وقوله: {أن ينزل الله} متعلق بقوله: {بغياً} بحذف حرف الجر وهو حرف الاستعلاء لتأويل {بغياً} بمعنى حسداً. فاليهود كفروا حسداً على خروج النبوءة منهم إلى العرب وهو المشار إليه بقوله تعالى: {على من يشاء من عباده} وقوله: {فباءوا بغضب على غضب} أي فرجعوا من تلك الصفقة وهي اشتراء أنفسهم بالخسران المبين وهو تمثيل لحالهم بحال الخارج بسلعته لتجارة فأصابته خسارة فرجع إلى منزله خاسراً. شبه مصيرهم إلى الخسران برجوع التاجر الخاسر بعد ضميمة قوله: {بئس ما اشتروا به أنفسهم}. والظاهر أن المراد بغضب على غضب الغضب الشديد على حد قوله تعالى: {أية : نور على نور}تفسير : [النور: 35] أي نور عظيم وقوله: {أية : ظلمات بعضها فوق بعض}تفسير : [النور: 40] وقول أبي الطيب:شعر : أَرَقٌ على أرَق ومثْلِىَ يَأْرَقُ تفسير : وهذا من استعمال التكرير باختلاف صيغه في معنى القوة والشدة كقول الحطيئة:شعر : أتت آل شماس بن لأي وإنما أتاهم بها الإحكام والحسب العد تفسير : أي الكثير العدد أي العظيم وقال المعري:شعر : بني الحسب الوضاح والمفخر الجم تفسير : أي العظيم قال القرطبي قال بعضهم: المراد به شدة الحال لا أنه أراد غضبين وهما غضب الله عليهم للكفر وللحسد أو للكفر بمحمد وعيسى عليهما السلام. وقوله: {وللكافرين عذاب مهين} هو كقوله: {أية : فلعنة الله على الكافرين}تفسير : [البقرة: 89] أي ولهم عذاب مهين لأنهم من الكافرين، والمهين المذل أي فيه كيفية احتقارهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {فَبَآءُو} {وَلِلْكَافِرِينَ} (90) - يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: بِئْسَمَا اخْتَارَهُ هؤُلاءِ اليَهُودُ لأَنْفُسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، فَبَدَلاً مِنْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وَيُصَدِّقُوهُ وَيَنْصُرُوهُ، كَفَرُوا بِهِ وَكَذَّبُوهُ. وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذلِكَ إِلاَّ البَغْيُ وَالحَسَدُ وَالكَرَاهِيَةُ لاخْتِيارِ اللهِ النَّبِيِّ الذِي يُنَزِّلُ عَلَيهِ رِسَالَتَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَاسْتَحَقُّوا بِذلِكَ غَضَباً مِنَ اللهِ لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وَقُرْآنِهِ، كَمَا اسْتَحَقُوا مِنْ قَبْلُ غَضَبَ اللهِ لِكُفْرِهِمْ، وَلإِعْنَاتِهِمْ مُوسَى، عَلِيهِ السَّلاَمُ، ثُمَّ لِكُفْرِهِمْ بِعِيسَى وَإِنْجِيلِهِ، وَبِذلِكَ يَكُونُونَ قَدِ استَحَقُّوا غَضَباً عَلَى غَضَبٍ. وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ تَعَالَى لِهؤلاءِ اليَهُودِ الكَافِرينَ عَذاباً مُهِيناً لَهُمْ، يَتَمَثَّلُ فِي الدُّنيا بالخِزْي والنَّكَالِ وَسُوءِ الحَالِ، وَيَتَمَثَّلُ فِي الآخِرَةِ بِالخُلُودِ في نَارِ جَهَنَّمَ. اشْتَرَوا - بِمَعْنَى بَاعُوا. بَاءَ - رَجَعَ أَوْ حَمَلَ. مُهِينٌ - فِيهِ إِهَانَةٌ وَذِلَّةٌ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : عندما رفض اليهود الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وطردهم الله من رحمته .. بيّن لنا أنهم: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 90] .. وكلمة اشترى سبق الحديث عنها وقلنا إننا عادة ندفع الثمن ونأخذ السلعة التي نريدها .. ولكن الكافرين قلبوا هذا رأساً على عقب وجعلوا الثمن سلعة .. على أننا لابد أن نتحدث أولاً عن الفرق بين شرى واشترى .. شَرَى بمعنى باع .. واقرأ قوله عز وجل: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ} تفسير : [يوسف: 20]. ومعنى الآية الكريمة أنهم باعوه بثمن قليل .. واشترى يعني ابتاع .. ولكن اشترى قد تأتي بمعنى شرى .. لأنك في بعض الأحيان تكون محتاجاً إلى سلعة ومعك مال .. وتذهب وتشتري السلعة بمالك وهذا هو الوضع السليم .. ولكن لنفرض أنك احتجت لسلعة ضرورية كالدواء مثلاً .. وليس عندك المال ولكن عندك سلعة أخرى كأن يكون عندك ساعة أو قلم فاخر .. فتذهب إلى الصيدلية وتعطي الرجل سلعة مقابل سلعة .. أصبح الثمن في هذه الحالة مشترى .. إذن فمرة يكون البيع مشتري ومرة يكون مبيعاً .. والحق تبارك وتعالى يقول: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 90] .. وكأنما يعيرهم بأنهم يدعون الذكاء والفطنة .. ويؤمنون بالمادية وأساسها البيع والشراء .. لو كانوا حقيقة يتقنون هذا لعرفوا أنهم قد أتموا صفقة خاسرة .. الصفقة الرابحة كانت أن يشتروا أنفسهم مقابل التصديق بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم .. ولكنهم باعوا أنفسهم واشتروا الكفر فخسروا الصفقة لأنهم أخذوا الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة .. والله سبحانه وتعالى يجعل بعض العذاب في الدنيا ليستقيم ميزان الأمور حتى عند من لم يؤمن بالآخرة .. فعندما يرى ذلك من لا يؤمن بالآخرة عذاباً دنيوياً يقع على ظالم .. يخاف من الظلم ويبتعد عنه حتى لا يصيبه عذاب الدنيا ويعرف أن في الدنيا مقاييس في الثواب والعقاب .. وحتى لا ينتشر في الأرض فساد من لا يؤمن بالله ولا بالآخرة .. وضع الحق تبارك وتعالى قصاصاً في الدنيا .. واقرأ قوله جل جلاله: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَاةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 179]. والله سبحانه وتعالى في قصاصه يلفت المؤمن وغير المؤمن إلى عقوبة الحياة الدنيا .. فيأتي للمرابي الذي يمتص دماء الناس ويصيبه بكارثة لا يجد بعدها ما ينفقه .. ولذلك نحن نقول يا رب إن القوم غرهم حلمك واستبطأوا آخرتك فخذهم ببعض ذنوبهم أخذ عزيز مقتدر حتى يعتدل الميزان. والله تبارك وتعالى جعل مصارع الظالمين والباغين والمتجبرين في الدنيا .. جعلها الله عبرة لمن لا يعتبر بمنهج الله. فتجد إنساناً ابتعد عن دينه وأقبلت عليه الدنيا بنعيمها ومجدها وشهرتها ثم تجده في آخر أيامه يعيش على صدقات المحسنين .. وتجد امرأة غرها المال فانطلقت تجمعه من كل مكان حلالاً أو حراماً وأعطتها الدنيا بسخاء .. وفي آخر أيامها تزول عنها الدنيا فلا تجد ثمن الدواء .. وتموت فيجمع لها الناس مصاريف جنازتها .. كل هذه الأحداث وغيرها عبرة للناس .. ولذلك فهي تحدث على رؤوس الأشهاد .. يعرفها عدد كبير من الناس .. إما لأنها تنشر في الصحف وإما أنها تذاع بين أهل الحي فيتناقلونها .. المهم أنها تكون مشهورة. وتجد مثلاً أن اليهود الذين كانوا زعماء المدينة تجار الحرب والسلاح .. ينتهي بهم الحال أن يطردوا من ديارهم وتؤخذ أموالهم وتسبى نساؤهم .. أليس هذا خزياً؟ قوله تعالى: {أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ بَغْياً} [البقرة: 90] .. البغي تجاوز الحد، والله جعل لكل شيء حداً مَنْ تجاوزه بَغَى .. والحدود التي وضعها الله سبحانه هي أحكام .. ومرة تكون أوامر ومرة تكون نواهي. ولذلك يقول الحق بالنسبة للأوامر: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ..} تفسير : [البقرة: 229]. ويقول تعالى بالنسبة للنواهي: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ..} تفسير : [البقرة: 187]. ولكن ما سبب بغيهم؟.. بغيهم حسد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تأتي إليه الرسالة .. وعلى العرب أن يكون الرسول منهم .. واليهود اعتقدوا لكثرة أنبيائهم أنهم الذين ورثوا رسالات الله إلى الأرض .. وعندما جاءت التوراة والإنجيل يبشران برسول خاتم قالوا إنه منا .. الرسالة والنبوة لن تخرج عنا فنحن شعب الله المختار .. ولذلك كانوا يعلنون أنهم سيتبعون النبي القادم وينصرونه .. ولكنهم فوجئوا بأنه ليس منهم .. حينئذ ملأهم الكبر والحسد وقالوا ما دام ليس منا فلن نتبعه بل سنحاربه .. لقد خلعت منهم الرسالات لأنهم ليسوا أهلاً لها .. وكان لابد أن يعاقبهم الله على كفرهم ومعصيتهم ويجعل الرسالة في أمة غيرهم .. والله تبارك وتعالى يقول: {أية : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} تفسير : [فاطر: 16-17]. لقد اختبرهم الله في رسالات متعددة ولكنهم كما قرأنا في الآيات السابقة .. كذبوا فريقاً من الأنبياء. ومن لم يكذبوه قتلوه .. لذلك كان لابد أن ينزع الله منهم هذه الرسالات ويجعلها في أمة غيرهم .. لتكون أمة العرب فيها ختام رسالات السماء إلى الأرض .. ولذلك بغوا. وقوله تعالى: {بَغْياً أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} [البقرة: 90] .. ومن هنا نعرف أن الرسالات واختيار الرسل .. فضل من الله يختص به من يشاء .. والله سبحانه حين يطلق أيدينا ويملكنا الأسباب .. فإننا لا نخرج عن مشيئته بل نخضع لها .. ونعرف أنه لا ذاتية في هذا الكون .. وذلك حتى لا يغتر الإنسان بنفسه .. فإن بطل العالم في لعبة معينة هو قمة الكمالات البشرية في هذه اللعبة .. ولكن هذه الكمالات ليست ذاتية فيه لأن غيره يمكن أن يتغلب عليه .. ولأنه قد يصيبه أي عائق يجعله لا يصلح للبطولة .. وعلى كل حال فإن بطولته لا تدوم .. لأنها ليست ذاتية فيه ومَنْ وهبها له وهو الله سيهبها لغيره متى شاءَ .. ولذلك لابد أن يعلم الإنسان أن الكمال البشري متغير لا يدوم لأحد .. وأن كل من يبلغ القمة ينحدر بعد ذلك لأننا في عالم أغيار .. ولابد لكل من علا أن ينزل .. فالكمال لله وحده .. والله سبحانه يحرس كماله بذاته. إذن اليهود حسدوا رسول الله .. حسدوا نزول القرآن على العرب .. والحق سبحانه يقول: {فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [البقرة: 90] .. والله جل جلاله يخبرنا أنه غضب عليهم مرتين. الغضب الأول أنهم لم ينفذوا ما جاء في التوراة فغضب الله عليهم .. والغضب الثاني حين جاءهم رسول مذكور عندهم في التوراة ومطلوب منهم أن يؤمنوا به فكفروا به .. وكان المفروض أن يؤمنوا حتى يرضى الله عنهم .. ولذلك غضب الله عليهم مرة أخرى عندما كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم .. وقوله تعالى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [البقرة: 90] .. العذاب في القرآن الكريم وُصِفَ بأنه أليم .. وَوُصِفَ بأنه عظيم وَوُصِفَ بأنه مهين .. أليم أي شديد الألم يصيب من يعذب بألم شديد .. ولكن لنفرض أن الذي يعذب يتجلد .. ويحاول ألا يظهر الألم حتى لا يشمت فيه الناس .. يأتيه الله بعذاب عظيم لا يقدر على احتماله .. ذلك أن عظمة العذاب تجعله لا يستطيع أن يحتمل .. فإذا كان الإنسان من الذين تزعموا الكفر في الدنيا .. ووقفوا أمام دين الله يحاربونه وتزعموا قومهم .. يأتيهم الله تبارك وتعالى بعذاب مهين .. ويكون هذا أكثر إيلاماً للنفس من الألم .. تماماً كما تأتي لرجل هو أقوى مَنْ في المنطقة يخافه الناس جميعاً ثم تضربه بيدك وتسقطه على الأرض .. تكون في هذه الحالة قد أهنته أمام الناس .. فلا يستطيع بعد ذلك أن يتجبر أو يتكبر على واحد منهم .. ويكون هذا أشد إيلاماً للنفس من ألم العذاب نفسه ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيّاً} تفسير : [مريم: 69-70]. وقوله جل جلاله: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49]. ذلك هو العذاب المهين.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ} معناهُ بكفرٍ على كفرِهِمْ قالَ زيدٌ بن علي عليهما السلامُ: كفرُهُمْ بعيسى عَليهِ السَّلامُ، وكفرُهُمْ بمحمدٍ صَلى الله عليهِ وآلهِ وسلم.

الأندلسي

تفسير : {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ} اختلف في إعراب تركيب بئسما اختلافاً كثيراً والذي نختاره مذهب سيبويه إن ما: معرفة تامة. كأنه قال: بئس الشيء. والمخصوص بالذم محذوف تقديره شيء اشتروا به أنفسهم وإن يكفرُوا بدل من ذلك المحذوف. ومذهب الكسائي والفراء: ان ما موصولة اسمية وان يكفروا المخصوص بالذم. وقد عزى ابن عطية هذا القول إلى سيبويه وهو وهم على سيبويه. واشتروا: باعوا. والذي أنزل الله القرآن والتوراة والانجيل إذ فيهما التبشير برسول الله صلى الله عليه وسلم والتنبيه على اسمه وصفته. {بَغْياً} حسداً وظلماً وانتصاب بغيا على أنه مفعول من أجله والعامل أن يكفروا. {أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ} ان مع الفعل بتأويل المصدر أي بغوا لإنزال الله. وتخفيف ينزل وجميع المضارع وتشديده قراءتان إلا ما وقع الاجماع من السبعة على تشديده وهو وما ننزله إلا بقدر معلوم. {مِن فَضْلِهِ} من لاتبداء الغاية. {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} هو محمد صلى الله عليه وسلم حسدوه لما لم يكن منهم وكان من العرب وعز النبوة من يعقوب عليه السلام كان في إِسحاق فختم بعيسى عليه السلام ولم يكن من ولد إسماعيل نبي سوى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فختمت النبوة على غيرهم. {فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ} أي مترادف متكاثر. {وَلِلْكَافِرِينَ} أل للعهد أو للجنس. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ} هم من بحضرته عليه السلام من اليهود ذمّوا بما صدر من آبائهم وأسلافهم من قتل الأنبياء إذ كانوا راضين بأفعالهم. {بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} هو القرآن أو الكتب الالهية التي منها القرآن. {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا} وهو التوراة وما جاءهم على لسان أنبيائهم. {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ} جملة مستأنفة الاخبار عنهم. بما وراءه أي بما جاء بعد كتابهم وهو القرآن. {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} حال مؤكدة لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضاً فالتصديق لازم لا ينتقل. {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ} الفاء جواب شرط مقدر دل عليه المعنى أي قل لهم إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم فلم تقتلون أنبياء الله لأن الإِيمان بالتوراة واستحلال قتل الأنبياء لا يجتمعان وجاء تقتلون وإن كان قتل أسلافهم الأنبياء قد مضى تنبيهاً على أن جاحدي الرسول لهم حظ في ذلك بالرضا. وفي إضافة أنبياء إلى الله تشريف عظيم لهم وإن من جاء من عند الله جدير أن يعظم وأن ينصر. {إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} شرط جوابه محذوف أي فلم فعلتم ذلك وهي جملة مؤكدة حذف الشرط أولاً وجوابه فلم وحذف الجواب ثانياً وشرطه مذكور.

همام الصنعاني

تفسير : 83- عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، عن أبي بكير، عن عكرمة في قوله تعالى: {فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ}: [الآية: 90] قال: كفرهم بعيسى، وكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.