٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
89
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا نوع من قبائح اليهود. أما قوله تعالى: {كِتَابٌ } فقد اتفقوا على أن هذا الكتاب هو القرآن لأن قوله تعالى: {مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم وما ذاك إلا القرآن. أما قوله تعالى: {مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: لا شبهة في أن القرآن مصدق لما معهم في أمر يتعلق بتكليفهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة واللائق بذلك هو كونه موافقاً لما معهم في دلالة نبوته إذ قد عرفوا أنه ليس بموافق لما معهم في سائر الشرائع وعرفنا أنه لم يرد الموافقة في باب أدلة القرآن، لأن جميع كتب الله كذلك ولما بطل الكل ثبت أن المراد موافقته لكتبهم فيما يختص بالنبوة وما يدل عليها من العلامات والنعوت والصفات. المسألة الثانية: قرىء: {مُصَدّقاً } على الحال، فإن قيل: كيف جاز نصبها عن النكرة؟ قلنا: إذا وصفت النكرة تخصصت فصح انتصاب الحال عنها وقد وصف {كِتَابٌ } بقوله: {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ }. المسألة الثالثة: في جواب «لما» ثلاثة أوجه، أحدها: أنه محذوف كقوله تعالى:{أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ } تفسير : [الرعد: 31] فإن جوابه محذوف وهو. لكان هذا القرآن، عن الأخفش والزجاج، وثانيها: أنه على التكرير لطول الكلام والجواب: كفروا به كقوله تعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ } إلى قوله تعالى: {أية : أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ } تفسير : [المؤمنون: 35] عن المبرد، وثالثها: أن تكون الفاء جواباً للما الأولى {وَكَفَرُواْ بِهِ } جواباً للما الثانية وهو كقوله: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } تفسير : [البقرة: 38] [طه: 133] الآية عن الفراء. أما قوله تعالى: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ففي سبب النزول وجوه. أحدها: أن اليهود من قبل مبعث محمد عليه السلام ونزول القرآن كانوا يستفتحون، أي يسألون الفتح والنصرة وكانوا يقولون: اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأمي. وثانيها؛ كانوا يقولون لمخالفيهم عند القتال: هذا نبي قد أظل زمانه ينصرنا عليكم، عن ابن عباس. وثالثها: كانوا يسألون العرب عن مولده ويصفونه بأنه نبي من صفته كذا وكذا، ويتفحصون عنه على الذين كفروا أي على مشركي العرب، عن أبي مسلم. ورابعها: نزلت في بني قريظة والنضير، كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل المبعث. عن ابن عباس وقتادة والسدي. وخامسها: نزلت في أحبار اليهود كانوا إذا قرؤوا وذكروا محمداً في التوراة وأنه مبعوث وأنه من العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصفات ليعلموا أنه هل ولد فيهم من يوافق حاله حال هذا المبعوث. أما قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: تدل الآية على أنهم كانوا عارفين بنبوته وفيه سؤال: وهو أن التوراة نقلت نقلاً متواتراً، فأما أن يقال: إنه حصل فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التفصيل، أعني بيان أن الشخص الموصوف بالصورة الفلانية والسيرة الفلانية سيظهر في السنة الفلانية في المكان الفلاني، أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه، فإن كان الأول كان القوم مضطرين إلى معرفة شهادة التوراة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام، فكيف يجوز على أهل التواتر إطباقهم على الكذب وإن لم يكن الوصف على هذه الصفة لم يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً، فكيف قال الله تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ }؟ والجواب: أن الوصف المذكور في التوراة كان وصفاً إجمالياً وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف، بل بظهور المعجزات صارت تلك الأوصاف كالمؤكدة، فلهذا ذمهم الله تعالى على الإنكار. المسألة الثانية: يحتمل أن يقال: كفروا به لوجوه. أحدها: أنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل وكانوا يرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه، فلما بعث الله تعالى محمداً من العرب من نسل إسماعيل صلوات الله عليه، عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب وخالفوا طريقهم الأول. وثانيها: اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم وأموالهم فأبوا وأصروا على الإنكار. وثالثها: لعلهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصة فلا جرم كفروا به. المسألة الثالثة: أنه تعالى كفرهم بعد ما بين كونهم عالمين بنبوته، وهذا يدل على أن الكفر ليس هو الجهل بالله تعالى فقط. أما قوله تعالى: {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } فالمراد الإبعاد من خيرات الآخرة، لأن المبعد من خيرات الدنيا لا يكون ملعوناً. فإن قيل: أليس أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة: {أية : وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } تفسير : [البقرة: 83] وقال: {أية : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 108] قلنا: العام قد يتطرق إليه التخصيص على أنا بينا فيما قبل أن لعن من يستحق اللعن من القول الحسن والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ} يعني اليهود. {كِتَابٌ} يعني القرآن. {مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ} نعت لكتاب؛ ويجوز في غير القرآن نصبه على الحال؛ وكذلك هو في مصحف أُبَيَّ بالنصب فيما رُوِيَ. {لِّمَا مَعَهُمْ} يعني التوراة والإنجيل يخبرهم بما فيهما. {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ} أي يستنصرون. والاستفتاح الاستنصار. استفتحت: ٱستنصرت. وفي الحديث: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين؛ أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم. ومنه {فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ}. والنصر: فتح شيء مغلق؛ فهو يرجع إلى قولهم فتحت الباب. وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما نصر الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم»تفسير : وروى النسائي أيضاً عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أَبْغُونِي الضعيف فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم»تفسير : . قال ٱبن عباس: كانت يهود خَيْبر تقاتل غَطَفان فلما التقوا هزمت يهود، فعادت يهود بهذا الدعاء وقالوا: إنا نسألك بحق النبيّ الأُميّ الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم. قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان؛ فلما بُعث النبيّ صلى الله عليه وسلم كفروا؛ فأنزل الله تعالى: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بك يا محمد، إلى قوله: {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}. قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَهُمُ} جواب «لَمّا» الفاءُ وما بعدها في قوله: {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ} في قول الفَرّاء؛ وجواب «لمّا» الثانية «كفروا». وقال الأخفش سعيد: جواب «لما» محذوف لعلم السامع؛ وقاله الزجاج. وقال المبرد: جواب «لما» في قوله: «كفروا»، وأعيدت «لما» الثانية لطول الكلام. ويفيد ذلك تقرير الذنب وتأكيداً له.
البيضاوي
تفسير : {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَـٰبٌ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } يعنى القرآن {مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } من كتابهم، وقرىء بالنصب على الحال من كتاب لتخصصه بالوصف، وجواب لما، محذوف دل عليه جواب لما الثانية. {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي يستنصرون على المشركين ويقولون: اللهم انصرنا بنبي آخر الزمان المنعوت، في التوراة. أو يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبياً يبعث منهم، وقد قرب زمانه، والسين للمبالغة والإشعار أن الفاعل يسأل ذلك عن نفسه {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ } من الحق. {كَفَرُواْ بِهِ } حسداً وخوفاً على الرياسة. {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي عليهم، وأتى بالمظهر للدلالة على أنهم لعنوا لكفرهم، فتكون اللام للعهد، ويجوز أن تكون للجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً لأن الكلام فيهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَٰبٌ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدّقٌ لّمَا مَعَهُمْ } من التوراة: هو القرآن {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ } قبل مجيئه {يَسْتَفْتِحُونَ } يستنصرون {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } يقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبيّ المبعوث آخر الزمان {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ } من الحق وهو بعثة النبيّ {كَفَرُواْ بِهِ } حسداً وخوفاً على الرياسة، وجواب( لمّا) الأولى دل عليه جواب لمّا الثانية {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ }.
الشوكاني
تفسير : {وَلَمَّا جَاءهُمُ } يعني اليهود {كِتَابٌ } يعني القرآن، و{مُّصَدّقٌ } وصف له، وهو في مصحف أبي منصور، ونصبه على الحال، وإن كان صاحبها نكرة، فقد تخصصت بوصفها بقوله: {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } وتصديقه لما معهم من التوراة، والإنجيل أنه يخبرهم بما فيهما، ويصدقه، ولا يخالفه، والاستفتاح: الاستنصار، أي: كانوا من قبل يطلبون من الله النصر على أعدائهم، بالنبيّ المنعوت في آخر الزمان الذي يجدون صفته عندهم في التوراة، وقيل الاستفتاح هنا بمعنى الفتح، أي: يخبرونهم بأنه سيبعث، ويعرّفونهم بذلك. وجواب «لما» في قوله: {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَـٰبٌ } قيل هو: قوله: {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ } وما بعده، وقيل هو محذوف، أي: كذبوا، أو نحوه، كذا قال الأخفش، والزجاج. وقال المبرّد: إن جواب «لما» الأولى هو قوله: {كَفَرُواْ } وأعيدت «لما» الثانية لطول الكلام، واللام في الكافرين للجنس. ويجوز أن تكون للعهد، ويكون هذا من وضع الظاهر موضع المضمر. والأوّل أظهر. و«ما» في قوله: {بِئْسَمَا } موصولة، أو موصوفة، أي: بئس الشيء، أو شيئاً {ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } قاله سيبويه. وقال الأخفش «ما» في موضع نصب على التمييز كقولك: بئس رجلاً زيد. وقال الفراء: بئسما بجملته شيء واحد رُكب كحبذا. وقال الكسائي: «ما»، و«اشتروا» بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه، والتقدير: بئس اشتراؤهم أن يكفروا. وقوله: {أَن يَكْفُرُواْ } في موضع رفع على الابتداء عند سيبويه، وخبره ما قبله. وقال الفراء، والكسائي: إن شئت كان في موضع خفض بدلاً من الهاء في به، أي: اشتروا أنفسهم بأن يكفروا، وقال في الكشاف: إن «ما» نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس، بمعنى شيئاً اشتروا به أنفسهم، والمخصوص بالذم أن يكفروا، واشتروا بمعنى باعوا. وقوله: {بَغِيّاً } أي: حسداً. قال الأصمعي: البغي مأخوذ من قولهم قد بغى الجرح: إذا فسد، وقيل أصله الطلب، ولذلك سميت الزانية بغياً. وهو علة لقوله: {ٱشْتَرَوُاْ } وقوله: {أَن يُنَزِّلَ } علة لقوله: {بَغِيّاً } أي: لأن ينزل. والمعنى: أنهم باعوا أنفسهم بهذا الثمن البخس حسداً، ومنافسة {أَن يُنَزّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن محيصن: «أن ينزل» بالتخفيف. {فباءوا} أي: رجعوا، وصاروا أحقاء {بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ } وقد تقدّم معنى باءوا، ومعنى الغضب. قيل الغضب، الأول: لعبادتهم العجل، والثاني لكفرهم بمحمد. وقيل: كفرهم بعيسى، ثم كفرهم بمحمد. وقيل كفرهم بمحمد، ثم البغي عليه وقيل غير ذلك. والمهين مأخوذ من الهوان، قيل وهو: ما اقتضى الخلود في النار. وقوله: {بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ } هو: القرآن، وقيل كل كتاب، أي: صدّقوا بالقرآن، أو صدّقوا بما أنزل الله من الكتب {قَالُواْ نُؤْمِنُ } أي: نصدّق {بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } أي: التوراة. وقوله: {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ } قال الفراء: بما سواه. وقال أبو عبيدة: بما بعده. قال الجوهري: وراء بمعنى خلف، وقد يكون بمعنى قدّام، وهي من الأضداد. ومنه قوله تعالى: {أية : وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ } تفسير : [الكهف: 79] أي: قدّامهم، وهذه الجملة، أعني {ويكفرون} في محل النصب على الحال، أي: قالوا نؤمن بما أنزل علينا حال كونهم كافرين بما وراءه، مع كون هذا الذي هو وراء ما يؤمنون به هو الحق. وقوله: {مُصَدّقاً } حال مؤكدة، وهذه أحوال متداخلة أعني قوله: {وَيَكْفُرونَ } وقوله: {وَهُوَ ٱلْحَقُّ } وقوله: {مُصَدّقاً } ثم اعترض الله سبحانه عليهم، لما قالوا نؤمن بما أنزل علينا، بهذه الجملة المتشملة على الاستفهام المفيد للتوبيخ، أي: إن كنتم تؤمنون بما أنزل عليكم، فكيف تقتلون الأنبياء، وقد نهيتم عن قتلهم، فيما أنزل عليكم؟ وهذا الخطاب، وإن كان مع الحاضرين من اليهود، فالمراد به أسلافهم، ولكنهم لما كانوا يرضون بأفعال سلفهم كانوا مثلهم. واللام في قوله: {وَلَقَدْ } جواب لقسم مقدّر. والبينات يجوز أن يراد بها التوراة، أو التسع الآيات المشار إليها بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ } تفسير : [الإسراء: 101] ويجوز أن يراد الجميع، ثم عبدتم العجل بعد النظر في تلك البينات حال كونكم ظالمين بهذه العبادة الصادرة منكم، عناداً بعد قيام الحجة عليكم. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة في قوله: {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَـٰبٌ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدّقٌ لما معهم} قال: هو القرآن {مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } من التوراة، والإنجيل. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في الدلائل من طريق عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري؛ قال: حدّثني أشياخ منا قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا؛ لأن معنا يهود، وكانوا أهل كتاب، وكنا أصحاب وَثَن، وكانوا إذا بلغهم منا ما يكرهون قالوا: إن نبياً ليبعث الآن قد أظلّ زمانه نتبعه، فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبعناه، وكفروا به، ففينا والله، وفيهم أنزل الله: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة قالوا: كانت العرب تمرّ باليهود، فيؤذونهم، وكانوا يجدون محمداً في التوراة، فيسألون الله أن يبعثه نبياً، فيقاتلون معه العرب، فلما جاء محمد كفروا به حين لم يكن من بني إسرائيل. وقد روى نحو هذا، عن ابن عباس من غير وجه بألفاظ مختلفة، ومعانيها متقاربة. وروى عن غيره من السلف نحو ذلك. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } قال: هم: اليهود كفروا بما أنزل الله، وبمحمد صلى الله عليه وسلم بغياً، وحسداً للعرب {فَبَاءو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ } قال: غضب الله عليهم مرتين بكفرهم بالإنجيل، وبعيسى، وبكفرهم بالقرآن، وبمحمد. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {بَغْيًا أَن يُنَزّلَ ٱللَّهُ } أي: أن الله جعله من غيرهم {فَبَاءو بِغَضَبٍ } بكفرهم بهذا النبي {عَلَىٰ غَضَبٍ } كان عليهم بما صنعوه من التوراة. وأخرج ابن جرير، عن عكرمة نحوه. وأخرج أيضاً عن مجاهد معناه. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله: {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ } قال: بما بعده. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: بما وراءه: أي القرآن.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ} يعني القرآن {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: مصدق لما في التوراة والإنجيل من الأخبار التي فيهما. والثاني: مصدق بأن التوراة والإنجيل من عند الله عز وجل. {وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني يستنصرون، قال ابن عباس: إن اليهود كانوا يستنصرون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله تعالى من العرب كفروا به، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور: أو ما كنتم تخبروننا أنه مبعوث؟ فقال سلام بن مشكم: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله تعالى ذلك.
ابن عطية
تفسير : الكتاب القرآن، و {مصدق لما معهم} يعني التوراة، وروي أن في مصحف أبي بن كعب "مصدقاً" بالنصب. و {يستفتحون} معناه أن بني إسرائيل كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قد علموا خروجه بما عندهم من صفته وذكر وقته، وظنوا أنه منهم، فكانوا إذا حاربوا الأوس والخزرج فغلبتهم العرب قالوا لهم: لو قد خرج النبي الذي قد أظل وقته لقاتلناكم معه واستنصرنا عليكم به و {يستفتحون} معناه يستنصرون، وفي الحديث: "كان رسول الله صلى الله عيله وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين"، وروي أن قريظة والنضير وجميع يهود الحجاز في ذلك الوقت كانوا يستفتحون على سائر العرب، وبسبب خروج النبي المنتظر كانت نقلتهم إلى الحجاز وسكناهم به، فإنهم كانوا علموا صقع المبعث، وما عرفوا أنه محمد عليه السلام وشرعه، ويظهر من هذه الآيات العناد منهم، وأن كفرهم كان مع معرفة ومعاندة، "ولعنة الله": معناه إبعاده لهم وخزيهم لذلك. واختلفت النحاة في جواب {لما} و {لِما} الثانية في هذه الآية. فقال أبو العباس المبرد: جوابهما في قولَه: {كَفروا}، وأعيدت {لما} الثانية لطول الكلام، ويفيد ذلك تقريراً للذنب، وتأكيداً له، وقال الزجاج: {لما} الأولى لا جواب لها للاستغناء عن ذلك بدلالة الظاهر من الكلام عليه؟ قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فكأنه محذوف، وقال الفراء: جواب {لما} الأولى في الفاء وما بعدها، وجواب {لما} الثانية {كفروا}. " وبيس" أصله "بئس" سهلت الهمزة ونقلت إلى الباء حركتها، ويقال في "بئس" "بيس" اتباعاً للكسرة، وهي مستوفية للذم كما نعم مستوفية للمدح، واختلف النحويون في {بيسما} في هذا الموضع، فمذهب سيبويه أن "ما" فاعلة ببيس، ودخلت عليها بيس كما تدخل على أسماء الأجناس والنكرات لما أشبهتها "ما" في الإبهام، فالتقدير على هذا القول: بيس الذي {اشتروا به أنفسهم أن يكفروا}، كقولك: بيس الرجل زيد، و"ما" في هذا القول موصولة، وقال الأخفش: "ما" في موضع نصب على التمييز كقولك "بيس رجلاً زيد"، فالتقدير "بيس شيئاً أن يكفروا"، و {اشتروا به أنفسهم} في هذا القول صفة "ما"، وقال الفراء "بيسما بجملته شيء واحد ركب كحبذا"، وفي هذا القول اعتراض لأنه فعل يبقى بلا فاعل، و "ما" إنما تكف أبداً حروفاً، وقال الكسائي: "ما"، و {اشتروا} بمنزلة اسم واحد قائم بنفسه، فالتقدير بيس اشتراؤهم أنفسهم أن يكفروا، وهذا أيضاً معترض لأن "بيس" لا تدخل على اسم معين متعرف بالإضافة إلى الضمير، وقال الكسائي أيضاً: إن "ما" في موضع نصب على التفسير وثم "ما" أخرى مضمرة، فالتقدير بيس شيئاً ما اشتروا به أنفسهم، و {أن يكفروا} في هذا القول بدل من "ما" المضمرة، ويصح في بعض الأقوال المتقدمة أن يكون {أن يكفروا} في موضع خفض بدلاً من الضمير في {به}، وأما في القولين الأولين فــ {أن} {يكفروا} ابتداء وخبره فيما قبله، و {اشتروا} بمعنى باعوا، يقال: شرى واشترى بمعنى باع، وبمعنى ابتاع، و {بما أنزل الله} يعني به القرآن، ويحتمل أن يراد به التوراة لأنهم إذ كفروا بعيسى ومحمد عليهما السلام فقد كفروا بالتوراة، ويحتمل أن يراد به الجميع من توراة وإنجيل وقرآن، لأن الكفر بالبعض يلزم الكفر بالكل، و {بغياً} مفعول من أجله، وقيل نصب على المصدر، و {أن ينزل} نصب على المفعول من أجله أو في موضع خفض بتقدير بأن ينزل. وقرأ أبو عمرو وابن كثير "أن ينزل" بالتخفيف في النون والزاي، و {من فضله} يعني من النبوة والرسالة. و {من يشاء} يعني به محمداً صلى الله عليه وسلم لأنهم حسدوه لما لم يكن منهم وكان من العرب. ويدخل في المعنى عيسى عليه السلام لأنهم قد كفروا به بغياً، والله قد تفضل عليه، و"باؤوا" معناه: مضوا متحملين لما يذكر أنهم باؤوا به، و {يغضب} معناه من الله تعالى لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم على غضب متقدم من الله تعالى عليهم، قيل لعبادتهم العجل، وقيل لقولهم عزير ابن الله، وقيل لكفرهم بعيسى عليه السلام. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فالمعنى على غضب قد باء به أسلافهم حظ هؤلاء وافر بسبب رضاهم بتلك الأفعال وتصويبهم لها. وقال قوم: المراد بقوله {بغضب على غضب} التأكيد وتشديد الحال عليهم لا أنه أراد غضبين معللين بقصتين، و {مهين} مأخوذ من الهوان وهو ما اقتضى الخلود في النار لأن من لا يخلد من عصاة المسلمين إنما عذابه كعذاب الذي يقام عليه الحد لا هوان فيه بل هو تطهير له. وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم} يعني: اليهود أنهم إذ قيل لهم: آمنوا بالقرآن الذي أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم {قالوا نؤمن بما أنزل علينا} يعنون التوراة وما وراءه. قال قتادة: أي ما بعده، وقال الفراء، أي ما سواه ويعني به القرآن، وإذا تكلم رجل أو فعل فعلاً فأجاد يقال له ما وراء ما أتيت به شيء، أي ليس يأتي بعده. ووصف الله تعالى القرآن بأنه الحق، و {مصدقاً} حال مؤكدة عند سيبويه، وهي غير منتقلة، وقد تقدم معناها في الكلام ولم يبق لها هي إلا معنى التأكيد، وأنشد سيبويه على الحال المؤكدة. [البسيط]: شعر : أنا ابن دارة معروفاً بها حسبي وهل لدارة يا للنّاس من عار تفسير : و {لما معهم} يريد به التوراة. وقوله تعالى: {قل فلم تقتلون} الآية رد من الله تعالى عليهم في أنهم آمنوا بما أنزل عليهم، وتكذيب منه لهم في ذلك، واحتجاج عليهم. ولا يجوز الوقف على {فلم} لنقصان الحرف الواحد إلا أن البزي وقف عليه بالهاء، وسائر القراء بسكون الميم. وخاطب الله من حضر محمداً صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل بأنهم قتلوا الأنبياء لما كان ذلك من فعل أسلافهم. وجاء {تقتلون} بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله {من قبل} وإذا لم يشكل فجائز سوق الماضي بمعنى المستقبل وسوق المستقبل بمعنى الماضي. قال الحطيئة [الكامل أخذ مضمر]. شعر : شهد الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالعذر تفسير : وفائدة سوق الماضي في موضع المستقبل، الإشارة إلى أنه في الثبوت كالماضي الذي قد وقع. وفائدة سوق المستقبل في معنى الماضي الإعلام بأن الأمر مستمر. ألا ترى أن حاضري محمد صلى الله عليه وسلم لما كانوا راضين بفعل أسلافهم بقي لهم من قتل الأنبياء جزء، و {إن كنتم} شرط والجواب متقدم، وقالت فرقة: {إن} نافية بمعنى ما.
ابن عبد السلام
تفسير : {كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ} القرآن. {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} من التوراة والإنجيل أنه من عند الله تعالى، أو مصدق لما فيهما من الأخبار {يَسْتَفْتِحُونَ} يستنصرون.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ولما جاءهم كتاب من عند الله} يعني القرآن {مصدق لما معهم} يعني التوراة وهذا التصديق في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأن نبوته وصفته ثابته في التوراة {وكانوا} يعني اليهود {من قبل} أي من قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم {يستفتحون} أي يستنصرون به {على الذين كفروا} يعني مشركي العرب وذلك أنهم كانوا إذا أحزنهم أمر ودهمهم عدو يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوارة فكانوا ينصرون، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم {فما جاءهم ما عرفوا} أي الذي عرفوه يعني محمداً صلى الله عليه وسلم عرفوا نعته وصفته وأنه من غير بني إسرائيل {كفروا به} أي جحدوه وأنكروه بغياً وحسداً {فلعنة الله على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم} أي بئس شيء اشتروا به أنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحق واشتروا بمعنى باعوا والمعنى بئس ما باعوا به حظ أنفسهم {أن يكفروا بما أنزل الله} يعني القرآن {بغياً} أي حسداً {أن ينزل الله من فضله} يعني الكتاب والنبوة {على من يشاء من عباده} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {فباؤوا} أي فرجعوا {بغضب على غضب} أي مع غضب قال ابن عباس الغضب الأول بتضييعهم التوراة وتبديلها والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل الأول بكفرهم بعيسى والإنجيل والثاني بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقيل: الأول بعبادتهم العجل والثاني: بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم {وللكافرين} يعني الجاحدين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم {عذاب مهين} أي يهانون فيه.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ...} قال الزمخشري: أي ما عرفوا من الحق كفروا به بغيا وحسدا وحرصا على الرئاسة. قال ابن عطية: المراد بقوله "مَّا عَرَفُواْ" الرّسول صلى الله عليه وسلم؟ قال ابن عرفة: واستشكلوه لأنّ "ما" لا تقع إلا على (ما لا يعقل) (أو على أنواع من يعقل). وأجيب بأنها واقعة على صفة من يعقل لا على ذاته، أي ما عرفوا من نبوته وصفاته وصحّة رسالته كفروا به، وكان بعضهم يأخذ من الآية جواز الاكتفاء في الشهادة والأحكام بالصفة دون تعريف. وأجيب: بأنه احتفت به قرائن تقوم مقام التّعيين، وهي المعجزات التي جاءهم بها. ورُدَّ بأن المعجزات خارجة عن هذا وكافية وحدها، وليست مذكورة في الآية إنما المذكور فيها معرفتهم له من حيث الصفة التي في كتابهم فقط من غير ضميمة إلى ذلك. وفي كتاب اللقطة: وإذا وصل كتاب القاضي إلى قاض آخر، وثبت عنده بشاهدين، فإن كان الفعل موافقا لما في كتاب القاضي من صفته، وخاتم القاضي في عنقه لم يكلف الذي جاء به أن يقيم بينة أنّ هذا (الحكم) هو الذي حكم به عليه. قوله تعالى: {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} قال ابن عرفة: وانظر هل هذا إنشاء أو إخبار لقول متقدم؟ ثم قال: لا يبعد أن يكون إنشاء، وتكون اللّعنة مقولة بالتشكيك والتفاوت،/ لأن هؤلاء كفروا وهم جاهلون، إذا بنينا على أن ذلك (استعذار)، وهؤلاء كفروا بعد علمهم ومجيء الكتاب لهم فاللّعنة في حقهم أشد.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ...} الآية الكتاب: القرآن، و {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ}: يعني التوراةَ، و {يَسْتَفْتِحُونَ} معناه أن بني إِسرائيل كانوا قبل مَبْعَثِ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم قد علموا خروجه بما علموا عنْدَهُمْ من صفته، وذكر وقته، وظنُّوا أنه منهم، فكانوا إذا حاربوا الأوْسَ والخَزْرجَ، فغلبتهم العَرَبُ، قالوا لهم: لو قد خرج النبيُّ الذي أظلَّ وقتُهُ، لقاتلْنَاكُم معه، وٱستنصرنا عليكم به، ويَسْتَفْتِحُونَ: معناه يستنصرُونَ، قال أحمد بن نَصْرٍ الداووديُّ: ومنه: «عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالفَتْحِ»، أي: بالنصر. انتهى. وروى أبو بكر محمد بن حُسَيْنٍ الاْجُرِّيُّ عن ابن عبَّاس، قال: كانت يهودُ خَيْبَرَ يُقَاتِلُونَ غَطَفَانَ، فكُلَّمَا ٱلْتَقَوْا، هزمت اليهودَ، فَعَاذَ اليهودُ يوماً بالدعاء، فقالوا: اللهم، إِنا نسألكَ بحَقِّ محمَّدٍ النبيِّ الأُمِّيِّ الذي وعدتَّنَا أن تخرجَهُ لَنَا في آخر الزمان إِلاَّ نَصَرْتَنا علَيْهم، فكانوا إِذا ٱلْتَقَوْا، دعوا بهذا الدعاء، فهزموا غَطَفَانَ، فلما بُعِثَ رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَفَرُوا به، فأنزل اللَّه عزَّ وجلَّ، {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }، والاستفتاحُ: الاستنصار، ووقع ليهود المدينة نحو هذا مع الأنصار قُبَيْل الإِسلام. انتهى من تأليف حسن بن عليِّ بن عبد المَلْكِ الرّهونيِّ المعروفِ بابْنِ القَطَّان، وهو كتابٌ نفيسٌ جِدًّا ألَّفه في معجزات النبيِّ صلى الله عليه وسلم وآيات نبوءته. وروي أن قريظة والنضير وجميعَ يَهُودِ الحجازِ في ذلك الوقْتِ كانوا يستفتحون علَىٰ سائر العرب، وبسبب خروج النبيِّ المنتظر، كانت نقلتهم إلى الحجاز، وسُكْناهم به، فإِنهم كانوا علموا صُقع المَبْعَث، وما عرفوا هو محمَّد صلى الله عليه وسلم وشرعه؛ ويظهر في هذه الآية العنادُ منهم، وأن كفرهم كان مع معرفة ومعاندة و {لَعْنَةُ ٱللَّهِ } إبعاده لهم، وخزيهم لذلك. و{بِئْسَ }: أصله «بَئِسَ»، سُهِّلت الهمزة، ونقلت حركتها إلى الباء، و «مَا» عند سيبويه: فَاعِلَةٌ بـــ «بِئْسَ» والتقدير: بِئْسَ الذي ٱشْتَرَوْا به أنفسُهُمْ. و{ٱشْتَرَوُاْ}: بمعنى: بَاعُوا. و {مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ}، يعني به القرآن، ويحتمل التوراة، ويحتمل أن يراد الجميع من توراة، وإِنجيل، وقرآن؛ لأن الكفر بالبعض يستلزمُ الكفر بالكلِّ، و {مِن فَضْلِهِ }، يعني: من النبوءة والرسالة، و {مَن يَشَآءُ}، يعني به محمَّداً صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم حَسَدوه لما لم يكن منهم، وكان من العرب، ويدخلُ في المعنَىٰ عيسَىٰ صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كفروا به بَغْياً، واللَّه قد تفضَّل عليه. و {بَاءُو}: معناه: مَضَوْا متحمِّلين لما يذكر؛ أنهم بَاءُوا به. وقال البُخَاريُّ: قال قتادة: {بَاءُو}: معناه: ٱنْقَلَبُوا. انتهى. و {بِغَضَبٍ } معناه من اللَّه تعالى؛ لكفرهم بمحمَّد صلى الله عليه وسلم علَىٰ غَضَبٍ متقدِّم من اللَّه تعالَىٰ عليهم، قيل: لعبادتهم العِجْلَ. وقيل: لكفرهم بعيسَىٰ - عليه السلام - فالمعنَىٰ: عَلَىٰ غَضَبٍ قد باءَ به أسلافهم، حظُّ هؤلاءِ منْهُ وافرٌ؛ بسبب رضاهم بتلك الأفعال، وتصويبِهِمْ لها. و {مُّهِينٌ }: مأخوذ من «الهَوَانِ»، وهو الخلود في النَّار؛ لأن من لا يخلد من عصاة المسلمين، إنما عذابه كعذابِ الذي يقام عليه الحدُّ، لا هوان فيه، بل هو تطهيرٌ له. وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ }، يعني لليهود: {آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ } على محمَّد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن، {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا} يعنون: التوراةَ، {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءَهُ }؛ قال قتادة: أي: بما بعده، قال الفَرَّاء. أي: بما سواه، ويعني به: القرآن، ووصف تعالى القرآن؛ بأنه الحق و {مُصَدِّقاً }: حالٌ مؤكِّدة؛ عند سيبَوَيْهِ. وقوله تعالى: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ردٌّ من اللَّه تعالى عليهم، وتكذيبٌ لهم في ذلك، وٱحْتجاجٌ عليهم.
ابن عادل
تفسير : اتفقوا على أنّ هذا الكتاب غير ما هو معهم، وما ذاك إلاَّ القرآن. قوله: {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: أنه في محلّ رفع صفة لـ "كتاب"، فيتعلّق بمحذوف، أي كتاب كائن من عند الله. والثَّاني: أن يكون في محلّ نصب لابتداء غاية المجيء قاله أبو البقاء. وقد رد أبو حيان هذا الوجه فقال لا يقال: إنه يحتمل أن يكون "من عند الله" متعلقاً بـ "جَاءَهُمْ"، فلا يكون صفةً، للفصل بين الصفة والموصوف بما هو معمول لغير أحدهما يعني أنه ليس معمولاً للموصوف ولا للصفة، فلا يفتقر الفصل به بينهما. والجمهور على رفع "مصدق" على أنه صفة ثانية، وعلى هذا يقال: قد وجد صفتان إحداهما صريحة، والأخرى مؤولة، وقد قدّمت المؤولة. وقد تقدم أن ذلك ممتنع، وإن زعم بعضهم أنه لا يجوز إلا ضَرُورَةً. والذي حسن تقديم غير الصريحة أن الوصف بكينونته من عند الله آكد، وأن وصفه بالتصديق ناشىء عن كونه من عند الله. وقرأ ابن أبي عبلة: "مصدقاً" نصباً، وكذلك هو في مصحف أُبَيّ، ونصبه على الحال، وفي صاحبها قولان: أحدهما: أنه "كتاب". فإن قيل: كيف جاءت الحال من النكرة؟ فالجواب: أنها قربت من المعرفة لتخصيصها بالصفة وهو "مِنْ عِند اللهِ" كما تقدم. على أن سيبويه أجاز مجيئها منها بلا شَرْطٍ، وإلى هذا الوجه أشار الزمخشري. والثاني: أنه الضَّمير الذي تحمله الجار والمجرور لوقوعه صفةً، والعامل فيها إما الظرف، أو ما يتعلق به، ولهذا اعترض بعضهم على سيبويه في قوله: [مجزوء الوافر] شعر : 654ـ لِمَيَّةَ مَوحِشاً طَلَلُ يَلَوحُ كَأَنَّه خِلَلُ تفسير : إن "موحشاً" حال من "طَلَل"، وساغ ذلك لتقدمه، فقال: لا حاجة إلى ذلك، إذ يمكن أن يكون حالاً من الضمير المستكنّ في قوله: "لِمَيَّةَ" الواقع خبراً لـ "طَلَل"، وجوابه في موضع غير هذا. واللام في "لما معهم" وقعت لتعدية "مصدق" لكونه فرعاً. و "ما" موصولة، والظَّرف صلتها، ومعنى كونه مصدقاً، أي: موافقاً لما معهم من التوراة في أمر يتعلّق بتكاليفهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة، وما يدلّ عليها من العلامات والنعوت، فإنهم عرفوا أنه ليس بموافق لما مَعَهُمْ في سائر الشَّرائع، وعلمنا أنه لم ترد الموافقة في أدلّة القرآن؛ لأن جميع كتب الله كذلك، فلم تبق إلاَّ الموافقة فيما ذكرناه. قوله: "وَكَانُوا" يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معطوفاً على "جاءهم" فيكون جواب "لما" مرتباً على المجيء والكون. والثاني: أن يكون حالاً، أي: وقد كانوا، فيكون جواب "لما" مرتباً على المجيء بقيد في مفعوله، وهم كونهم يستفتحون. قال أبو حيان: وظاهر كلام الزمخشري أن "وكانوا" ليست معطوفة على الفعل بعد "لما"، ولا حالاً لأنه قدر جواب "لما" محذوفاً قبل تفسيره يستفتحون، فدلَّ على أن قوله: "وكانوا" جملة معطوفة على مجموع الجملة من قوله: "ولما". وهذا هو الثالث. و "مِنْ قَبْلُ" متعلق بـ "يستفتحون"، والأصل: من قبل ذلك، فلما قطع بني على الضم. و "يَسْتَفْتِحُونَ" في محل نصب على أنه خبر "كان". واختلف النحويون في جواب "لما" الأولى والثانية. فذهب الأخفش والزَّجاج إلى أن جواب الأولى محذوف تقديره: ولما جاءهم كتاب كفروا به، وقدّره الزمخشري: "كذبوا به واستهانوا بمجيئه". وهو حسن، ونظيره قوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْءَاناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ}تفسير : [الرعد:31] أي: لكان هذا القرآن. وذهب الفَرّاء إلى أن جوابها الفاء الداخلة على "لما"، وهو عنده نظير قوله: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ}تفسير : [البقرة:38] قال: لا يجوز أن تكون الفاء ناسقة، إذ لا يصلح موضعها "الواو". و "كَفَرُوا" جواب "لما" الثانية على القولين. وقال أبو البَقَاءِ: في جواب "لما" الأولى وجهان: أحدهما: جوابها "لما" الثانية وجوابها، وهذا ضعيف؛ لأن "الفاء" مع "لما" الثانية، و "لما" لا تجاب بالفاء إلاَّ أن يعتقد زيادة "الفاء" على ما يجيزه الأخفش. قال شهاب الدين: ولو قيل برأي الأخفش في زيادة "الفاء" من حيث الجملة، فإنه لا يمكن هاهنا لأن "لما" لا يجاب بمثلها، لا يقال: "لما جاء زيد لما قعد أكرمتك" على أن يكون"لما قعد" جواب "لما جاء" والله أعلم. وذهب المبرد إلى أن "كفروا" جواب "لما" الأولى، وكررت الثَّانية لطول الكلام، ويفيد ذلك تقرير الذنب وتأكيده كقوله تعالى: {أية : أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ}تفسير : [المؤمنون:35] إلى قوله: {أية : أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ}تفسير : [المؤمنون:35]، وهو حسن لولا أن "الفاء" تمنع من ذلك. وقال أبو البقاء بعد أن حكى وجهاً أول: والثاني: أن "كفروا" جواب الأولى والثانية؛ لأن مقتضاها واحد. وقيل: الثانية تكرير، فلم تحتج إلى جواب. فقوله: وقيل: الثانية تكرير، هو قول المبرّد، وهو في الحقيقة ليس مغايرةً للوجه الذي ذكره قبله من كون "كفروا" جواباً لهما بل هو هو. فصل في الاستفتاح اختلفوا في هذا الاستفتاح، فقال ابن عباس رضي الله عنه وقتادة والسّدي: نزلت في بني "قريظة" و "النضير" كانوا يستفتحون على "الأوس" و "الخزرج" برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المبعث. وقال أبو مسلم: كانوا يقولون لمخالفيهم: غداً القتال هذا نبي قد أظلّ زمان مولده، ويصفونه بأنه نبي، ومن صفته كذا، ويتفحّصون عنه على الذين كفروا، أي: على مشركي العرب. وقيل: إن اليهود وقبل مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يستفتحون أي: يسألون الفَتْح والنصر، وكانوا يقولون: اللّهم افتح علينا، وانصرنا بالنبي الأمّيّ [المبعوث] في آخر الزمان الذي نجد صِفَتَهُ في التوراة، وكانوا يستنصرون، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظلّ زماننا نبيٌّ يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قَتْلَ عَادٍ وإرَم، فلما جاءهم ما عرفوا يعني محمداً صلى الله عليه وسلم من غير بني إسرائيل، وعرفوا نَعْتَهُ وصدقه كفروا به بَغْياً. [وقيل:] نزلت في أَحْبَار اليهود كانوا إذا قرأوا وذكروا محمداً في التوراة، وأنه مبعوث من العرب سألوا مشركي العرب عن تلك الصِّفات ليعلموا أنه هل ولد فيهم من يوافق حاله حال هذا المبعوث وهذه الآية دلّت على أنهم كانوا عارفين بنبوته. فإن قيل: التوراة نقلت نقلاً متواتراً، فإما أن يقال: إنه حصل فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التَّفصيل أعني بيان أن الشَّخص الموصوف بالصُّورة الفلانية، والسيرة الفلانية سيظهر في السَّنة الفلانية في المكان الفُلاني، أو لم يوجد هذا الوصف على هذا الوجه، فإن كان الأول كان القوم مضطرين إلى معرفة شَهَادَةِ التوراة على صدق محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ فكيف يجوز على أهل التواتر إطباقهم على الكذب؟ وإن لم يكن الوصف على هذه الصفة لم يلزم من الأوصاف المذكورة في التوراة [كون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً فكيف قال تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} والجواب: أن الوصف المذكور في التوراة] كان وصفاً إجمالياً، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف، بل كانت كالمؤكدة، فلهذا ذمهم الله ـ تعالى ـ على الإنكار. قال ابن الخطيب: وأما كُفْرهم فيحتمل أنهم كانوا يظنّون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة من جاء من الأنبياء من بني إسرائيل، وكانوا يرغبون النَّاس في دينه، ويدعونهم إليه، فلما بعث الله محمداً من العرب من نسل إسماعيل عَظُمَ ذلك عليهم، فأظهروا التكذيب، وخالفوا طريقهم الأول. وهذا فيه نظر؛ لأنهم كانوا عالمين أنه من العرب. ويحتمل أنهم لأجل اعترافهم بنبوّته كان يوجب عليهم زوال رِيَاسَتِهِمْ وأموالهم، فَأَبَوْا وأصرُّوا على الإنكار. ويحتمل أنهم ظنوا أنه مبعوث إلى العرب خاصّة، فلا جرم كفروا به. قوله: {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} جملة من مبتدأ أو خبر متسببة عمّا تقدم، والمصدر ـ هنا ـ مضاف للفاعل، وأتى بـ "على" تنبيهاً على أن اللَّعْنة قد استعلت عليهم وشملتهم. وقال: "على الكافرين" ولم يقل: "عليهم" إقامة للظَّاهر مقام المضمر، لينبّه على السبب المقتضي لذلك وهو الكفر.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {ولما جاءهم كتاب من عند الله} قال: هو القرآن {مصدق لما معهم} قال: من التوراة والإِنجيل. وأما قوله تعالى: {وكانوا من قبل يستفتحون} الآية. أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طريق عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري حدثني أشياخ منا قالوا: لم يكن أحد من العرب أعلم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا، كان معنا يهود، وكانوا أهل كتاب وكنا أصحاب وثن، وكنا إذا بلغنا منهم ما يكرهون قالوا: إن نبياً يبعث الآن قد أظل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله اتبعناه وكفرو به، ففينا - والله - وفيهم أنزل الله {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا...} الآية كلها. وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة في الآية قال: كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم، وكانوا يجدون محمداً في التوراة فيسألون الله أن يبعثه نبياً فيقاتلون معه العرب، فلما جاءهم محمد كفروا به حين لم يكن من بني إسرائيل. وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس قال: كانت يهود بني قريظة والنضير من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يستفتحون الله، يدعون على الذين كفروا ويقولون: اللهم إنا نستنصرك بحق النبي الأمي إلاَّ نصرتنا عليهم فينصرون {فلما جاءهم ما عرفوا} يريد محمداً ولم يشكوا فيه {كفروا به}. وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان يهود أهل المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من أسد، وغطفان، وجهينة، وعذرة، يستفتحون عليهم ويستنصرون، يدعون عليهم باسم نبي الله فيقولون: اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه، الذي وعدتنا إنك باعثه في آخر الزمان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم عن قتادة قال: كانت اليهود تستفتح بمحمد على كفار العرب، يقولون: اللهم ابعث النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم، فلما بعث الله محمداً كفروا به حين رأوه بعث من غيرهم حسداً للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله. وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل بسند ضعيف عن ابن عباس قال: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود، فعاذت بهذا الدعاء: اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا فهزموا غطفان، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} يعني وقد كانوا يستفتحون بك يا محمد إلى قوله {فلعنة الله على الكافرين}. وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس. أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء، وداود بن سلمة: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، وتخبرونا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته. فقال سلام بن مشكم أحد بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم، فأنزل الله {ولما جاءهم كتاب من عند الله...} الآية. وأخرج أحمد وابن قانع والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن سلمة بن سلامة بن وقش وكان من أهل بدر قال: كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل، فخرج علينا يوماً من بيته قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بيسير حتى وقف على مجلس بني الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سناً، عليّ بردة مضطجعاً فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، قال: ذلك لأهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت. فقالوا له: ويحك يا فلان..! ترى هذا كائناً أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟ فقال: نعم، والذي يحلف به يودّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه وأن ينجو من تلك النار غداً. قالوا له: ويحك وما آية ذلك؟! قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن. فقالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إليّ من أحدثهم سناً أن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغياً وحسداً، فقلنا ويلك يا فلان ألست بالذي قلت لنا؟! قال: بلى، وليس به. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} يقول يستنصرون بخروج محمد على مشركي العرب يعني بذلك أهل الكتاب، فلما بعث الله محمداً ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} قال: نزلت في اليهود عرفوا محمداً أنه نبي وكفروا به.
ابو السعود
تفسير : {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَـٰبٌ} هو القرآن، وتنكيرُه للتفخيم ووصفُه بقوله عز وجل {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي كائنٌ من عنده تعالى للتشريف {مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} من التوراة عُبر عنها بذلك لما أن المعيةَ من موجبات الوقوفِ على ما في تضاعيفها المؤدّي إلى العلم بكونه مصدقاً لهما، وقرىء (مصدّقاً) على أنه حال من كتاب لتخصصه بالوصف {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ} أي من قبل مجيئِه {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي وقد كانوا قبل مجيئه يستفتحون به على المشركين ويقولون: اللهم انصرنا بالنبـي المبعوث في آخر الزمانِ الذي نجد نعته في التوراة ويقولون لهم: قد أظل زمانُ نبـيٍّ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلُكم معه قتلَ عادٍ وإِرَمَ. قال ابن عباس وقتادة والسدي: نزلت في بني قُرَيظةَ والنضير كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثِه وقيل: معنى يستفتحون يفتحون عليهم ويُعرِّفونهم بأن نبـياً يُبعث منهم قد قرُب أوانُه والسين للمبالغة كما في استعجب أي يسألون من أنفسهم الفتحَ عليهم أو يسأل بعضُهم بعضاً أن يَفتحَ عليهم. وعلى التقديرين فالجملة حاليةٌ مفيدةٌ لكمال مكابرتِهم وعنادِهم، وقولُه عز وعلا: {فَلَمَّا جَاءهُمُ} تكريرٌ للأول لطول العهد بتوسط الجملةِ الحاليةِ، وقولُه تعالى: {مَّا عَرَفُواْ} عبارةٌ عما سلف من الكتاب لأن معرفةَ من أنزل عليه هو معرفةٌ له، والاستفتاحُ به استفتاح به، وإيرادُ الموصولِ دون الاكتفاء بالإضمار لبـيان كمالِ مكابرتِهم، فإن معرفةَ ما جاءهم من مبادىء الإيمان به ودواعيه لا محالةَ والفاء للدلالة على تعقيب مجيئِه للاستفتاح به من غير أن يتخلل بـينهما مدةٌ منسيةٌ له وقوله تعالى: {كَفَرُواْ بِهِ} جوابُ (لمّا) الأولى كما هو رأيُ المبرِّد أو جوابُهما معاً كما قاله أبو البقاء وقيل: جوابُ الأولى محذوفٌ لدلالة المذكورِ عليه فيكونُ قولُه تعالى: وكانوا الخ جملةً معطوفةً على الشرطية عطفَ القصة على القصة والمرادُ (بما عرفوا) النبـيُّ صلى الله عليه وسلم، كما هو المراد بما (كانوا يستفتحون به) فالمعنى ولما جاءهم كتابٌ مصدقٌ لكتابهم كذّبوه وكانوا من قبل مجيئِه يستفتحون بمن أُنزل عليه ذلك الكتابُ فلما جاءهم النبـيُّ الذي عرَفوه كفروا به {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} اللامُ للعهد أي عليهم، ووضعُ المظهرِ موضِعَ المُضْمَرِ للإيذان بأن حلولَ اللعنةِ بسبب كفرِهم كما أن الفاءَ للإيذان بترتبها عليه، أو للجنس وهم داخلون في الحُكم دخولاً أولياً إذ الكلامُ فيهم، وأياً ما كان فهو محقِّقٌ لمضمون قوله تعالى: {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ}.
القشيري
تفسير : الإشارة فيه لمن عزم على الصفاء، ووعد من نفسه تحقيق الوفاء، ونشر أعلام النشاط عند البروز إلى القتال، تنادى بالنِّزال وصدق القتال - انهدم عند التفات الصفوف، وانجزل عن الجملة خشية هجوم المحذور، قال تعالى: {أية : فَإِذَا عَزَمَ ٱلأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ}تفسير : [محمد: 21].
اسماعيل حقي
تفسير : {ولما جاءهم كتاب} كائن {من عند الله} وهو القرآن ووصفه بقوله من عند الله للتشريف {مصدق لما معهم} اى موافق للتوراة فى التوحيد وبعض الشرائع. قال ابن التمجيد المصدق به ما يختص ببعثة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وما يدل عليها من العلامات والصفات لا الشرائع والاحكام لان القرآن نسخ اكثرها {وكانوا من قبل} اى قبل مجىء محمد صلى الله عليه وسلم {يستفتحون على الذين كفروا} اى يستنصرون به على مشركى العرب وكفار مكة ويقولون اللهم انصرنا بالنبى المبعوث فى آخر الزمان الذى نجد نعته فى التوراة ويقولون لاعدائهم قد اظل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عد وارم {فلما جاءهم ما عرفوا} من الكتاب لان معرفة من انزل هو عليه معرفة له والفاء للدلالة على تعقيب مجيئه للاستفتاح به من غير ان يتخلل بينهما مدة منسية {كفروا به} حسدا وحرصا على الرياسة وغيروا صفته وهو جواب لما الاولى والثانية تكرير للاولى {فلعنة الله على الكافرين} اى عليهم وضعا للظاهر موضع الضمير للدلالة على ان اللعنة لحقتهم لكفرهم والفاء للدلالة على ترتيب اللعنة على الكفر واللعنة فى حق الكفار الطرد والابعاد من الرحمة والكرامة والجنة على الاطلاق وفى حق المذنبين من المؤمنين الابعاد عن الكرامة التى وعد بها من لا يكون فى ذلك الذنب ومنه قوله عليه السلام "حديث : من احتكر فهو ملعون ". تفسير : اى من ادخر ما يشتريه وقت الغلاء ليبيعه وقت زيادة الغلاء فهو مطرود من درجة الابرار لا من رحمة الغفار. واعلم ان الصفات المقتضية للعن ثلاث الكفر والبدعة والفسق وله فى كل واحدة ثلاث مراتب. الاولى اللعن بالوصف الاعم كقولك لعنة الله على الكافرين او المبتدعة او الفسقة. والثانية اللعن باوصاف اخص منه كقولك لعنة الله على اليهود والنصارى او على القدرية والخوارج والروافض او على الزناة والظلمة واكل الربا وكل ذلك جائز. والثالثة اللعن على الشخص فان كان ممن ثبت كفرهم شرعا يجوز لعنه ان لم يكن فيه اذى على مسلم كقولك لعنة الله على فرعون وابى جهل لانه ثبت ان هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعا وان كان ممن لم يثبت شرعا كلعنة زيد او عمرو او غيرهما بعينه فهذا فيه خطر لان حال خاتمته غير معلوم وربما يسلم الكافر او يتوب فيموت مقربا عند الله فكيف يحكم بكونه ملعونا ألا يرى ان وحشيا قتل عم النبى عليه السلام اعنى حمزة رضى الله عنه ثم اسلم على يد النبى عليه السلام وبشره الله بالجنة وهذه حجة من لم يلعن يزيد لانه يحتمل ان يتوب ويرجع عنه فمع هذا الاحتمال لا يلعن. قال بعضهم لعن يزيد على اشتهار كفره وتواتر فظاعة شره لما انه كفر حين امر بقتل الحسين رضى الله عنه ولما قال فى الخمر شعر : فان حرمت يوما على دين احمد فخذها على دين المسيح ابن مريم تفسير : واتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين رضى الله عنه او امر به او اجازه او رضى به كما قال سعد الملة والدين التفتازانى الحق ان رضى يزيد بقتل الحسين واستبشاره واهانته اهل بيت النبى عليه السلام مما تواتر معناه وان كان تفاصيله آحادا فنحن لا نتوقف فى شأنه بل فى ايمانه لعنة الله عليه وعلى انصاره واعوانه انتهى. وكان الصاحب بن عباد يقول اذا شرب ماء بثلج شعر : قعقعة الثلج بماء عذب تستخرج الحمد من اقصى القلب تفسير : ثم يقول اللهم جدد اللعن على يزيد ويكف اللسان عن معاوية تعظيما لمتبوعه وصاحبه عليه السلام لانه كاتب الوحى وذو السابقة والفتوحات الكثيرة وعامل الفاروق وذى النورين لكنه اخطأ فى اجتهاده فتجاوز الله عنه ببركة صحبة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. قال الخياط المتكلم ما قطعنى الا غلام قال ما تقول فى معاوية قلت انا اقف فيه قال فما تقول فى ابنه يزيد قلت العنه قال فما تقول فيمن يحبه قلت العنه قال افترى ان معاوية كان لا يحب ابنه كذا فى روضة الاخبار. ثم اعلم ان اللعنة ترتد على اللاعن ان لم يكن الملعون اهلا لذلك ولعن المؤمن كقتله فى الاسم وربما يلعن شيأ من ماله فتنزع منه البركة فلا يلعن شيأ من خلق الله لا للجماد ولا للحيوان ولا للانسان قال عليه السلام "حديث : اذا قال العبد لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله اعصانا لربه" تفسير : فالاولى ان يترك ويشتغل بدله بالذكر والتسبيح اذ فيه ثواب ولا ثواب فى اللعن وان كان يستحق اللعن. قال عليه السلام "حديث : رايت النار واكثر اهلها النساء فانهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير فلو احسنت الى احديهن الدهر كله ثم اذا رأت منك شيأ قالت ما رأيت منك خيرا قط ". تفسير : قال على كرم الله وجهه من افتى الناس بغير علم لعنته السماء والارض وسألت بنت على البلخى اباها عن القيىء اذا خرج الى الحلق فقال يجب اعادة الوضوء فرأى رسول الله عليه السلام يقول لا يا على حتى يكون ملئ الفم فقال علمت ان الفتوى تعرض على رسول الله فآليت على نفسى ان لا افتى ابدا كذا فى الروضة.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {لمَّا} حرف وجود لوجود إذا وليها الماضي، ولها شرط وجواب، وهو هنا محذوف دلّ عليه جواب {لما} الثانية، أي: ولما جاءهم كتاب من عند الله كفروا به، أو {لما} الثانية تأكيد للأولى. والجواب: {كفروا به}، أو فلما وجوابها جواب الأولى، كقوله:{أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ...}تفسير : [طه: 123] الآية، و {يستفتحون} ينتصرون، وفي الحديث:"حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يَستَفْتِحُ بِصعَالِيكِ المُهَاجِرينَ"تفسير : ، الذين لا مال لهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ} أي: اليهود، القرآن مصدقاً {لِّمَا مَعَهُمْ} من التوراة، أي: موافقاً له وشاهداً له بالصحة، وقد كانوا قبل ظهوره يستنصرون على أعدائهم بالنبيّ الذي جاء به، فيقولون: اللهم انصرنا عليهم بالنبيّ المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: (قد أظلَّ زمانُ نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا، فنقتلكم معه قتل عاد وإرَم)، فلما ظهر وعرفوه كفروا به {فَلَعْنَةُ الله} عليهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ للدلالة على أنهم لُعنوا لكفرهم، فاللام في {الْكَافِرِينَ} للعهد، وهم كفار اليهود، أو للجنس، فتكون اللعنة عامة لكل كافر، ويدخلون فيها دخولاً أوليّاً، والله تعالى أعلم. الإشارة: ترى كثيراً من الناس إذا ذكر لهم الأولياء المتقدمون أقروهم وصدقوهم، وإذا ذكر لهم أولياء أهل زمانهم أنكروهم وجحدوهم، مع كونهم يستنصرون بأهل زمانهم في الجملة. فهذه نزعة يهودية، آمنوا ببعض وكفروا ببعض. والناس في إثبات الخصوصية ونفيها على ثلاثة أقسام: قسم أثبتوها للمتقدمين، ونفوها عن المتأخرين، وهم أقبح العوام، وقسم أقروها قديماً وحديثاً، وقالوا: إنهم أخفياء في زمانهم، فحرمهم الله بركتهم، وقوم أقروا الخصوصية في أهل زمانهم، وعرفوهم وظفروا بهم وعظموهم، وهم السعداء الذين أراد الله أن يوصلهم إليه ويقربهم إلى حضرته. وفي الحكم: "سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه". وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : المعنى: التقدير: ولما جاء اليهود من بني اسرائيل الذين وصفهم الله، كتاب من عند الله يعني به القرآن الذي انزله على محمد "صلى الله عليه وسلم" واشتقاق الكتاب من الكتب، وهو جمع كتبة وهي الخرزة. وكلما ضممت بعضه إلى بعض، فقد كتبته. والكتيبة من الجيش من هذا الانضمام بعضها إلى بعض. وقوله: {مصدق لما معهم} من الكتب التي انزلها الله قبل القرآن من التوراة والانجيل وغيرهما. "ومعنى مصدق لما معهم" لما في التوارة والانجيل، والاخبار التي فيها. ويحتمل ان يكون المراد: مصدق بان التوراة والانجيل من عند الله. ومصدق رفع، لأنه نعت الكتاب. ولو نصب على الحال، لكان جائزاً، لكن لم يقرأ به. وقوله: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا}. قال ابو عبيدة معناه يستنصرون. قال ابن عباس: إن اليهود كانوا يستنصرون على الاوس الخزرج برسول الله "صلى الله عليه وسلم" قبل مبعثه فلما بعثه الله في العرب، فقال لهم معاذ بن جبل وبشير ابن معرور: يا معشر اليهود اتقوا الله واسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن اهل الشرك، وتخبرونا بانه مبعوث. فقال لهم سلام بن مثكم: ما جاء بشيء، وما هو بالذي كنا نذكر لكم. فانزل الله ذلك. وقال قوم: معنى {يستفتحون} يستحكمون ربهم على كفار العرب. كما قال الشاعر: شعر : ألا أبلغ بني عُصم رسولا فاني عن فُتاحتكم غني تفسير : اي محاكمتكم. وقال قوم: معناه يستعلمون من علمائهم صفة نبي يبعث من العرب، وكانوا يصفونه. فلما بعث انكروه. واما جواب قوله: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم} فقال قوم: ترك جوابه استغناء بمعرفة المخاطبين. معناه كما قال: {أية : ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى } تفسير : فترك الجواب، وكان تقديره ولو ان قرآناً سوى هذا القرآن سيرت به الجبال، او قطعت به الارض، او كلم به الموتى لسيرت بهذا. ترك ذلك لدلالة الكلام عليه وكذلك الآية الجواب فيها محذوف لدلالة قوله: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} وقال آخرون: قوله: {كفروا} جواب لقوله: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم}. ولقوله: {ولما جاءهم ما عرفوا}. ونظيره قوله: {أية : فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } تفسير : فصار قوله: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون جواباً لقوله: {فإما يأتينكم}، ولقوله: {فمن تبع هداي}، ومثله في الكلام قولك ما هو إلا ان جاءني فلان، فلما ان قعد وسعت له، فصار قولك: وسعت له جواباً لقولك: ما هو إلا ان جاءني، ولقولك: فلما ان قعد. وجاء الاول للكتاب وجاء الثاني ـ قيل: إنه ـ للرسول، فلذلك كرر. وقوله: {فلعنة الله على الكافرين} فقد بينا فيما مضى، معنى اللعنة، ومعنى الكفر فلا وجه لاعادته. وقد مضى الجواب عمن يستدل بمثل ذلك على ان الكافر قد يكون عالماً ببعض الاشياء التي اوجبها الله تعالى بخلاف ما يذهب اليه اصحاب الموافاة، وان من عرف الله فلا يجوز ان يكفر وان المعتمد على ذلك: ان نقول: لا يمتنع ان يكونوا قد عرفوا الله وكثيراً مما وجب عليهم، لكن لم يكن وقع نظرهم على وجه يستحقون به الثواب، لأن ذلك هو الممنوع منه، وقد بينا ايضاً صفة من يتعلق بذلك من اصحاب الضرورات، لأن غاية ما في ذلك ان القوم كانوا عارفين فجحدوا ما عرفوا، وليس يمتنع ان يكونوا عارفين استدلالاً ثم جحدوا: فالضرورة لم يجر لها ذكر.
الأعقم
تفسير : {ولما جاءهم كتاب من عند الله} وهو القرآن. {مصدق لما معهم} من كتابهم. {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا} يستنصرون على المشركين، نزلت الآية في بني قريظة والنضير اذا قاتلوهم قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة، فلما بعث من العرب ولم يكن منهم كفروا به وجحدوه كما قال تعالى: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} فقال لهم معاذ بن جبل وبشير: يا معاشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ونحن اهل شرك، وتصفونه وتذكرونه أنه مبعوث، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو الذي كنا نذكره لكم فنزلت الآية عن ابن عباس، وقيل: معناه تستفتحون تفتحون عليهم وتعرفونهم ان نبياً منهم يبعث قد قرب. {بئس ما اشتروا به انفسهم} يعني بئس شيئاً اشتروا به انفسهم، والمخصوص بالذم {ان يكفروا}، واشتروا بمعنى باعوا. {بغياً} حسداً، وطلباً لما ليس لهم. {ان ينزل الله من فضله} الذي هو الوحي. {على من يشاء} وتقتضي حكمته. {فباؤوا بغضب على غضب} فصاروا أحقاء بغضبٍ مترادف لانهم كفروا بنبي الحق وبَغوا عليه، وقيل: معنى فباؤوا بغضب على غضب الاول بكفرهم بعيسى ابن مريم والثاني بكفرهم بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتبديل نعته في كتابهم. {واذا قيل لهم آمنوا بما انزل الله قالوا نؤمن بما انزل علينا} ارادوا التوراة. {ويكفرون بما وراءه} وهو القرآن. {وهو الحق مصدقا لما معهم} غير مخالف له. {ولقد جاءكم موسى بالبينات} بالمعجزات. {ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون} وانتم عادتكم الظلم. {ورفعنا فوقكم الطور} وكرر رفع الطور لما نيط به من زيادة ليست مع الأولى مع ما فيه من التوكيد. {خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا} ما امرتم به. {قالوا سمعنا} قولك. {وعصينا} امرك. {وأشربوا في قلوبهم العجل} أي حبه، والحرص على عبادته، وقد تقدم الكلام فيه. {قل بئس ما يأمركم به إيمانكم} بالتوراة لأنه ليس في التوراة عبادة عجل. {قل إن كانت لكم الدار الاخرة عند الله خالصةً} الآية نزلت في اليهود لما ادّعوا انهم أبناء الله واحباؤه، وقولهم: {أية : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودةً} تفسير : [البقرة: 80] فقال تعالى: {فتمنوا الموت} لانه من أيقن انه من اهل الجنة اشتاق اليها، وتمنى سرعة الوصول الى دار النعيم، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "حديث : لو تمنوا الموت ما بقي على وجه الأرض يهودي"تفسير : . {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت ايديهم} بما سلف من موجبات الكفر بمحمد وما جاء به وتحريف كتاب الله وسائر انواع الكفر. {والله عليم بالظالمين} تهديد لهم. {ولن يتمنوه أبداً} من المعجزات لانه اخبار بالغيب وكان كما اخبر به كقوله تعالى: {أية : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} تفسير : [البقرة: 24].
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ} أي القرآن {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} أي: التوراة والإِنجيل {وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} والاستفتاح الدعاء {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}. قال بعض المفسّرين: كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على كفار العرب. كانوا يقولون: اللهم ايت بهذا النبي الذي يقتل العرب ويذلهم. فلما رأوا أنه من غيرهم حسدوه وكفروا به. قال الله: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ}. قوله: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ} أي: باعوا به {أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللهُ بَغْياً} كفروا به حسداً {أَن يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} أي: استوجبوا غضباً على غضب {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. قال بعض المفسرين: غضب على غضب: غضب عليهم بكفرهم بالإِنجيل، وغضب عليهم بكفرهم بالقرآن. وقال الكلبي: تفسير اشتروا به أنفسهم، يعني أحبارهم أن جحدوا نبي الله مخافة أن تذهب مأكلتهم فباعوا أنفسهم بما يصيبون فأهلكوا أنفسهم فصاروا في النار. قوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} أي بما بعده. كفرت اليهود بالإِنجيل وبالقرآن. قال الله: {وَهُوَ الحَقُّ} ويعني القرآن {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} أي التوراة والإِنجيل، موافقاً للذي في كتبهم. قالوا: فإنك لم تأتنا بمثل الذي أتى به نبينا. ولم يكن لنا نبي إلا يأتينا بقربان تأكله النار. وكان أعداء الله يتولون آباءهم الذين قتلوا أنبياء الله من قبل، فلذلك يقول: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. قال الحسن: يعني به أوَّليهم: يقول إن كانوا يؤمنون بما أنزل الله عليهم فليس فيما أنزل الله عليهم قتل أنبيائهم. فكذَّبهم الله في قولهم: {نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا}.
اطفيش
تفسير : {وَلَمّا جاءَهُم كِتابٌ}: القرآن. {مِنْ عِنْدِ الله}: متعلق بجاءَ أو بمحذوف نعت الكتاب. {مُصَدِّقٌ لِمَّا مَعَهُم}: من التوراة. وقيل ما معهم التوراة والإنجيل وذلك أن رسالة سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصفته مذكورتان فى التوراة والإنجيل كما ذُكرت رسالته فى القرآن وصفته، مثل قوله تعالى: {أية : إنك لعلى خلق عظيم} تفسير : وقرئ (مصدقاً) بالنصب على الحال من كتاب على أن من عند الله نعت لكتاب وسوغ مجئ الحال من النكرة وصفها ولك تعليق من عند الله أيضاً فى هذه القراءة بجاءَ، والمسوغ الوصف المعنى فإن تنكير كتاب للتعظيم، ومعناه كتاب عظيم، ويحتمل أن يكون معنى قوله: (ما معهم) الذى معهم من العلم برسالته وصفته أو الذى معهم من رسالته وصفته وجواب لما محذوف يقدر قبل قوله: {وَكانُوا مِنْ قَبْلُ}: أى من قبل مجيئه. {يَسْتَفْتِحُون}: والدليل عليه جواب لما الثانية فيقدر بلفظه، أى ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم كفروا به، ويجوز تقديره بما يناسب جواب الثانية وجوابها أيضاً دليل عليه، فإن الشئ يدل على مناسبه كما يدل على مماثله، ويستشعر بذكره أى ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم كذبوا به أو استهانوا به أو ما أشبه ذلك، ومعنى يستفتحون يستنصرون. قال الله جل وعلا: {أية : فعسى الله أن يأتى بالفتح} تفسير : أى بالنصر، أى يطلبون من الله الفتح أى النصر بسيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ على مشركى العرب إذ آذوهم، كما قال الله جل وعلا: {عَلَى الّذين كَفَرُوا}: أى مشركى العرب يقولون اللهم انصرنا بالنبى المبعوث آخر الزمان الذى نجد صفته فى التوراة، ويقولون فى ظل بعث نبى نقتلكم معه، قتل إرم وعاد، وإذا كذبوهم وآذوهم قالوا قد ظل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل إرم وعاد، وقيل: يقولون للمشركين إذا قاتلوهم اللهم انصرنا بالنبى المبعوث فى آخر الزمان الذى نجد نعته وصفته فى التوراة، ويقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه، قتل عاد وأرم، وقيل: كانوا يقولون اللهم ائت بهذا النبى يقتل العرب ويذلهم، فلما رأوه من غيرهم كفروا به كما ذكره الله، وقيل إذا غلبتهم الأوس أو الخزرج قالوا لهم لو خرج النبى الذى أظل وقته لقاتلناكم معه واستنصرنا عليكم به. وذكر ابن القطان وهو حسن بن على ابن عبد الملك، وليس عبدالملك الذى هو سلطان جائر مستعملا للحجاج: أن يهود المدينة كانوا يقاتلون العرب، فكلما التقوا غلبهم العرب فقالوا: الهلم إنا نسألك بحق محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ النبى الأمى الذى وعدتنا أن تخرجه لنا فى آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، فنصرهم، فكانوا يقولون وينصرون، ولما بعثه الله كفروا به. وذكر ابن بكر محمد بن حسين الأحرى عن ابن عباس: أن يهود خيبر يقاتلون غطفان، فكلما التقوا هزمت اليهود فدعوا بهذا الدعاء فنصروا فكانوا يدعون وينصرون، فلما بعث كفروا به، وروى أن قريظة والنضير وجميع يهود الحجاز فى ذلك الوقت يستنصرون على سائر العرب بخروج النبى، صلى الله عليه وسلم ـ وكان اليهود ينتقلون إلى الحجاز ويهاجرون إليه لعلمهم بأنه موضع بعثته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويجوز أن يكون المراد يستفتحون بالكتاب الذى هو القرآن قبل مجيئة، والاستفتاح به هو الاستفتاح بالنبى، صلى الله عليه وسلم، لأنه نزل عليه ويعمل هو بما فيه من جهاد الذين كفروا، ويجوز أن يكون المعنى الفتح على الذين كفروا فيما أغلق عنهم، أى تبيينهم للذين كفروا ما لم يعرفوا من كون نبى يبعث من العرب هو آخر الأنبياء مهاجره يثرب ومولده مكة، وقد قرب زمانه. وعلى هذا الوجه لا تكون السين والتاء فى ذلك للطلب، بل للتأكيد أى بالغون فى تبين ذلك للعرب، وفيهما تلويح بأنهم يطلبون أنفسهم أن يبينوا ذلك للعرب، ومن حرص على أمر طلب وألح فيه، والشئ بعد طلبه أبلغ منه بدون طلب وأعز، وفى هذا تجريد بديعى إذ جردوا من أنفسهم أشخاصاً يطلبونها أو بأن بعضاً يطلب بعضاً أن يبين لهم حرصاً على البيان. {فَلمّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا}: وهو محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو القرآن أو الحق الذى عرفوه وهو صفاته وبعثته، وأنه من العرب وإنما صدق واحد. {كَفَرُوا بِهِ}: حسداً وأنفة أن تخرج النبوة عن بنى إسرائيل، وخوفاً على زوال جاههم ورئاستهم وما يعطى لهم. {فَلَعْنَةُ الله}: إبعاده عن الخير وجزيه. {على الكافرين}: أى عليهم، أعنى على هؤلاء الذين جاءهم ما عرفوا فكفروا، ووضع الظاهر موضع المضمر ليدل الظاهر وهو لفظ الكافرين على أنهم لعنوا لكفرهم، لأن تعليق الحكم بالمشتق يؤدن بعليته، ولو قال فلعنة الله عليهم لم يكن ذلك، قال للعهد الذكرى، ويجوز أن يكون المراد كل كافر إياهم وغيرهم على أن أل للجنس الاستغراقى فيفهمون منه فهما أولياً، لأن الكلام سيق فيهم وقصدوا به قصداً أولياً بالذات وغيرهم ثانياً، وبالتبع يحتمل وجهاً آخر أدق وهو أن أل للحقيقة لا للإفراد خصوصاً ولا عموماً، ويكون الكلام حجة ببرهان كأنه قيل من اتصف بكفر فعليه اللعنة.
اطفيش
تفسير : {وَلَمَّا جَاءَهُمْ} أى اليهود المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم {كِتَٰبٌ} هو القرآن {مِّنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} هو التوراة وغيرها من كتب الله، والأخبار المكتوبة، ومعنى تصديقه إياها أنه نزل بحسب ما نعت فيها هو، أعنى القرآن، وما نعت فيها النبى صلى الله عليه وسلم، وما يختص ببعثته صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك مما لم ينسخه القرآن وليس المراد أنه موافق للكل، والقرآن لإعجازه لا يحتاج إلى ما يصدقه {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ} قبل بعثته صلى الله عليه وسلم {يَسْتَفْتِحُونَ} الله آى يستنصرونه {عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} مشركى العرب من الأوس والخزرج المجاورين لهم إذا نالوا منهم سوءا وغضبوا لدينهم قالوا، اللهم انصرنا عليهم بالنبى المبعوث آخر الزمان، الذى نجد صفته فى التوراة، ويضعون أيديهم على اسمه فينصرون، وهو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: وقال لهم معاذ وبشر بن البراء، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، فقال سلام بن مشكم، ما جاء بشىء نعرفه، وما هو بالذى نذكره. فنزلت الآية، أو يستفتحون يملون ويخبرون العرب أن نبيا يبعث الآن، نقاتلكم معه قتل عاد وإرم، كما يقال: فتح المأموم على الإمام إذا أخبره بما توقف فيه، وكانوا يقاتلون عطفان فتغلبهم غطفان فى كل وقعة، فكانوا يقولون، اللهم إنا نسألك بالنبى الأمى صلى الله عليه وسلم الذى وعدتنا أن تبعثه آخر الزمان، انصرنا عليهم فينصرون. فلما بُعث كفروا به، فنزلت، وكانوا من قبل يستفتحون، الآية، أو يستخبرون، هل ولد {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ} فى التوراة وغيرها عن النبى صلى الله عليه وسلم وصفاته وعلاماته وكتابه {كَفَرُوا بِهِ} حسدا وخوفاً على زوال رياستهم وما يُعْطون، وجواب لما الأولى يقدر كجواب الثانية تأكيداً، أى كفروا به، أو تأسيساً مدلولا عليه بجواب الثانية، أى استهانوا، أو ردوه، أو امتنعوا، أو نحو ذلك، أو جوابها كفروا، فتكون الثانية أعيدت لبعض الأولى، كقوله "أية : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون" تفسير : [المؤمنون: 35] فأعاد أنكم، وعلى هذا الوجه أقحمت ألفا للإشعار بأن ذلك عقب استفتاحهم قبل، أو لما وما بعدها جواب للأولى، كقوله تعالى "أية : فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي... " تفسير : [البقرة: 38] إلخ، ويرده، أن جواب لما لا يقرن بالفاء إلا نادرا جدا، ولا سيما أنه فعل ماض مجرد، لأن ما ظرف للكفر، وكفروا ومتعلقه جواب للأولى، وكذا لا يقبل قول بعض، أن الجواب هو قوله {فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَٰفِرِينَ} إذ قرن بالفاء، وإذ هو جملة اسميه، الذين سبقت لهم الشقاوة أن يموتوا كافرين، وهكذا لا يدخل فى لعن الكافرين فى القرآن إلا من قضى الله أن يموت كافرا، والمراد فى الآية الجنس أو الاستغراق، فتدخل اليهود ببرهان أن الكافر ملعون، وأولا وبالذات بمعنى أن الكلام سبق لهم، وكذا كلما قلت أولا وبالذات، أو المراد اليهود، وعليه فذكر باسم الكفر لا بالضمير، ذما وتصريحا بموجب اللعن.
الالوسي
تفسير : /{وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَـٰبٌ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ} وهو القرآن وتنكيره للتعظيم ووصفه بما عنده للتشريف والإيذان بأنه جدير بأن يقبل ما فيه ويتبع لأنه من خالقهم وإلههم الناظر في مصالحهم، والجملة عطف على {أية : قَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } تفسير : [البقرة: 88] أي وكذبوا لما جاءهم الخ {مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} من كتابهم أي نازل حسبما نعت أو مطابق له، و {مُصَدِقٌ} صفة ثانية لكتاب وقدمت الأولى عليها لأن الوصف بكينونته من عنده تعالى آكد ووصفه بالتصديق ناشىء عنها وجعله مصدقاً لكتابهم لا مصدقاً به إشارة إلى أنه بمنزلة الواقع ونفس الأمر لكتابهم لكونه مشتملاً على الإخبار عنه محتاجاً في صدقه إليه؛ وإلى أنه باعجازه مستغن عن تصديق الغير، وفي مصحف أبـيّ {مُصَدّقاً} بالنصب، وبه قرأ ابن أبـي عبلة، وهو حينئذ حال من الضمير المستقر في الظرف، أو من {كِتَـٰبٌ} لتخصيصه بالوصف المقرب له من المعرفة، واحتمال أن الظرف لغو متعلق بجاء بعيد ـ فلا يضر ـ على أن سيبويه جوّز مجيء الحال من النكرة بلا شرط. {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} نزلت في بني قريظة والنضير كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه ـ قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة ـ والمعنى يطلبون من الله تعالى أن ينصرهم به على المشركين، كما روى السدي أنهم كانوا إذا اشتد الحرب بينهم وبين المشركين أخرجوا التوراة ووضعوا أيديهم على موضع ذكر النبـي صلى الله عليه وسلم وقالوا: اللهم إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان أن تنصرنا اليوم على عدوّنا فينصرون ـ فالسين ـ للطلب ـ والفتح ـ متضمن معنى النصر بواسطة (على) أو يفتحون عليهم من قولهم: فتح عليه إذا علمه ووقفه كما في قوله تعالى: {أية : أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 76] أي يعرفون المشركين أن نبياً يبعث منهم وقد قرب زمانه ـ فالسين ـ زائدة للمبالغة، كأنهم فتحوا بعد طلبه من أنفسهم ـ والشيء بعد الطلب أبلغ ـ وهو من باب التجريد، جرّدوا من أنفسهم أشخاصاً وسألوهم الفتح كقولهم: استعجل كأنه طلب العجلة من نفسه، ويؤول المعنى إلى يا نفس عرّفي المشركين أن نبياً يبعث منهم، وقيل: (يستفتحون) بمعنى يستخبرون عنه صلى الله عليه وسلم، هل ولد مولود صفته كذا وكذا؟ نقله الراغب وغيره، وما قيل: إنه لا يتعدى بعلى لا يسمع بمجرد التشهي. {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} كنى عن الكتاب المتقدم بما عرفوا لأن معرفة من أنزل عليه معرفة له، والاستفتاح به استفتاح به، وإيراد الموصول دون الاكتفاء بالإضمار لبيان كمال مكابرتهم، ويحتمل أن يراد به النبـي صلى الله عليه وسلم وما قد يعبر بها عن صفات من يعقل، وبعضهم فسره بالحق إشارة إلى وجه التعبير عنه عليه الصلاة والسلام بما وهو أن المراد به الحق ـ لا خصوصية ذاته المطهرة ـ وعرفانهم ذلك حصل بدلالة المعجزات والموافقة لما نعت في كتابهم ـ فإنه كالصريح عند الراسخين ـ فلا يرد أن نعت الرسول في التوراة إن كان مذكوراً على التعيين فكيف ينكرونه فإنه مذكور بالتواتر ـ وإلا فلا عرفان للاشتباه ـ على أن الإيراد في غاية السقوط، لأن الآية مساقة على حد قوله تعالى: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ } تفسير : [النمل: 14] أي جحدوه مع علمهم به ـ وهذا أبلغ في ذمهم ـ و {كَفَرُواْ } جواب لما الأولى ولما الثانية تكرير لها لطول العهد كما في قوله تعالى: {أية : لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ ٱلْعَذَابِ }تفسير : [آل عمران: 188] وإلى ذلك ذهب المبرد، وقال الفراء: لما الثانية مع جوابها جواب الأولى كقوله تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ } تفسير : [البقرة: 38] الخ، وعلى الوجهين يكون قوله سبحانه: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ} جملة حالية بتقدير ـ قد ـ مقررة، واختار الزجاج والأخفش أن جواب الأولى/ محذوف ـ أي كذبوا به مثلاً ـ وعليه يكون {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ} الخ مع ما عطف عليه من قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءهُمُ} من الشرط، والجزاء جملة معطوفة على {لما جاءهم} بعد تمامها، تدل الأولى على معاملتهم مع الكتاب المصدق، والثانية مع الرسول المستفتح به، وارتضاه بعض المحققين ـ لما ـ في الأول من لزوم التأكيد ـ والتأسيس أولى منه ـ واستعمال الفاء للتراخي الرتبـي فإن مرتبة المؤكد بعد مرتبة المؤكد، و ـ لما ـ في الثاني من دخول الفاء في جواب (لما) مع أنه ماض وهو قليل جداً حتى لم يجوزه البصريون ولو جوز وقوعها زائدة (فلما) لا تجاب بمثلها لا يقال ـ لما جاء زيد، لما قعد عمرو أكرمتك ـ بل هو كما ترى تركيب معقود في لسانهم مع خلو الوجهين عن فائدة عظيمة وهو بيان سوء معاملتهم مع الرسول واستلزامهما جعل و(كانوا) حالاً. واختار أبو البقاء إن (كفروا) جواب ـ لما ـ الأولى، والثانية ولا حذف لأن مقتضاهما واحد وليس بشيء كجعل {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ}. جواباً للأولى وما بينهما اعتراض واللام في الكافرين للعهد أي عليهم ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم بسبب كفرهم كما أن الفاء للإيذان بترتبها عليه، وجوز كونها للجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً، واعترض بأن دلالة العام متساوية فليس فيها شيء أول ولا أسبق من شيء، والجواب أن المراد دخولاً قصدياً لأن الكلام سيق بالأصالة فيهم ويكون ذلك من الكناية الإيمائية ويصار إليها إذا كان الموصوف مبالغاً في ذلك الوصف ومنهمكاً فيه حتى إذا ذكر خطر ذلك الوصف بالبال كقولهم لمن يقتني رذيلة ويصر عليها ـ أنا إذا نظرتك خطر ببالي سبابك وسباب كل من هو من أبناء جنسك ـ فاليهود لما بالغوا في الكفر والعناد وكتمان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونعى الله تعالى عليهم ذلك صار الكفر كأنه صفة غير مفارقة لذكرهم وكان هذا الكلام لازماً لذكرهم ورديفه وأنهم أولى الناس دخولاً فيه لكونهم تسببوا استجلاب هذا القول في غيرهم وجعل السكاكي من هذا القبيل قوله:شعر : إذا الله لم يسق إلا الكراما فيسقي وجوه بني حنبل تفسير : فإنه في إفادة كرم بني حنبل كما ترى لا خفاء فيه.
ابن عاشور
تفسير : معطوف على قوله: {أية : وقالوا قلوبنا غلف}تفسير : [البقرة: 88] لقصد الزيادة في الإنحاء عليهم بالتوبيخ فإنهم لو أعرضوا عن الدعوة المحمدية إعراضاً مجرداً عن الأدلة لكان في إعراضهم معذرة ما ولكنهم أعرضوا وكفروا بالكتاب الذي جاء مصدقاً لما معهم والذي كانوا من قبل يستفتحون به على المشركين. فقوله: {من عند الله} متعلق بجاءهم وليس صفة لأنه ليس أمراً مشاهداً معلوماً حتى يوصف به. وقوله: {مصدق لما معهم} وصف شأن لقصد زيادة التسجيل عليهم بالمذمة في هذا الكفر والقول في تفسيره قد مضى عند قوله تعالى: {أية : وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم}تفسير : [البقرة: 41]. والاستفتاح ظاهره طلب الفتح أي النصر قال تعالى: {أية : إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح}تفسير : [الأنفال: 19] وقد فسروه بأن اليهود كانوا إذا قاتلوا المشركين أي من أهل المدينة استنصروا عليهم بسؤال الله أن يبعث إليهم الرسول الموعود به في التوراة. وجوز أن يكون {يستفتحون} بمعنى يفتحون أي يعلمون ويخبرون كما يقال فتح على القارىء أي علمه الآية التي ينساها فالسين والتاء لمجرد التأكيد مثل زيادتهما في استعصم واستصرخ واستعجب والمراد كانوا يخبرون المشركين بأن رسولاً سيبعث فيؤيد المؤمنين ويعاقب المشركين. وقوله: {فلما جاءهم ما عرفوا} أي ما كانوا يستفتحون به أي لما جاء الكتاب الذي عرفوه كفروا به وقد عدل عن أن يقال فلما جاءهم الكتاب ليكون اللفظ أشمل فيشمل الكتاب والرسول الذي جاء به فإنه لا يجيء كتاب إلا مع رسول. ووقع التعبير بما الموصولة دون مَن لأجل هذا الشمول ولأن الإبهام يناسبه الموصول الذي هو أعم فإن الحق أن ما تجيء لما هو أعم من العاقل. والمراد بما عرفوا القرآن أي أنهم عرفوه بالصفة المتحققة في الخارج وإن جهلوا انطباقها على القرآن لضلالهم لأن الظاهر أن بني إسرائيل لم يكن أكثرهم يعتقد صدق القرآن وصدق الرسول وبعضهم كان يعتقد ذلك ولكنه يتناسى ويتغافل حسداً قال تعالى: {أية : حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق}تفسير : [البقرة: 109] ويصير معنى الآية: «وما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم» وعرفوا أنه الذي كانوا يستفتحون به على المشركين. وجملة: {وكانوا من قبل يستفتحون} في موضع الحال وفائدتها هنا استحضار حالتهم العجيبة وهي أنهم كذبوا بالكتاب والرسول في حال ترقبهم لمجيئه وانتظار النصر به وهذا منتهى الخذلان والبهتان. وقوله: {فلما جاءهم ما عرفوا} بالفاء عطف على جملة {كانوا يستفتحون}. و(لما) الثانية تتنازع مع (لما) الأولى الجواب وهو قوله: {كفروا به} فكان موقع جملة (وكانوا) إلخ بالنسبة إلى كون الكتاب مصدقاً موقع الحال لأن الاستنصار به أو التبشير به يناسب اعتقاد كونه «مصدقاً لما معهم» وموقعها بالنسبة إلى كون الكتاب والرسول معروفين لهم بالأمارات والدلائل موقع المنشإ من المتفرع عنه مع أن مفاد جملة {لما جاءهم كتاب من عند الله} إلخ وجملة {لما جاءهم ما عرفوا} إلخ واحد وإعادة (لما) في الجملة الثانية دون أن يقول: وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فجاءهم ما عرفوا إلخ قصد إظهار اتحاد مفاد الجملتين المفتتحتين بلما وزيادة الربط بين المعنيين حيث انفصل بالجملة الحالية فحصل بذلك نظم عجيب وإيجاز بديع، وطريقة تكرير العامل مع كون المعمول واحداً طريقة عربية فصحى، قال تعالى: {أية : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب}تفسير : [آل عمران: 188] وقال: {أية : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون}تفسير : [المؤمنون: 35] فأعاد (أنكم) قبل خبر الأولى وقد عدلنا في هذا البيان عن طريقة الزجاج وطريقة المبرد وطريقة الفراء المذكورات في حاشية الخفاجي وعبد الحكيم وصغناه من محاسن تلك الطرائق كلها لما في كل طريقة منها من مخالفة للظاهر. وقوله: {فلعنة الله على الكافرين} جملة دعاء عليهم وعلى أمثالهم والدعاء من الله تعالى تقدير وقضاء لأنه تعالى لا يعجزه شيء وليس غيره مطلوباً بالأدعية وهذا كقوله: {أية : وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم}تفسير : [المائدة: 64] وقوله: {أية : قاتلهم الله أنى يؤفكون}تفسير : [التوبة: 30] وسيأتي بيانه عند قوله تعالى: {أية : عليهم دائرة السوء} تفسير : في سورة براءة (98). والفاء للسببية والمراد التسبب الذكري بمعنى أن ما قبلها وهو المعطوف عليه يسبب أن ينطق المتكلم بما بعدها كقول قيس بن الخطيم:شعر : وكنت امرءاً لا أسمع الدهر سبة أسب بها إلا كشفت غطاءها فإني في الحرب الضروس موكل بإقدام نفس ما أريد بقاءها تفسير : فعطف قوله: (فإني) على قوله كشفت غطاءها لأن هذا الحكم يوجب بيان أنه في الحرب مقدام. واللام في (الكافرين) للاستغراق بقرينة مقام الدعاء يشمل المتحدث عنهم لأنهم من جملة أفراد هذا العموم بل هم أول أفراده سبقاً للذهن لأن سبب ورود العام قطعي الدخول ابتداء في العموم. وهذه طريقة عربية فصيحة في إسناد الحكم إلى العموم والمراد ابتداءً بعض أفراده لأن دخول المراد حينئذ يكون بطريقة برهانية كما تدخل النتيجة في القياس قال بَشَامَةُ بن حَزن النهشلي:شعر : إنَّا محيوك يا سَلْمى فحيينا وإن سَقَيْتِ كرام الناس فاسقِينا تفسير : أراد الكناية عن كرمهم بأنهم يُسقون حين يُسقى كرام الناس.
القطان
تفسير : يستفتحون: يستنصرون. اشتروا: باعوا. البغي: الفساد: بغضب: رجعوا محّملين بالغضب. مهين: مذل. بما وراءه: بما سواه. كل هذا القصص الذي يقصه الله عن بني اسرائيل للمسلمين انما يُقصد به تحذيرهم من الوقوع في مثله، حتى لا تُسلب منهم الخلافة في الارض. والامانة التي ناطها الله بهم. {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ...} هذه الآية مرتبطة بالآية السابقة.. {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ}. ولما جاء رسولنا محمد بالقرآن، وهو كتاب من عند الله مصدّق لما أُنزل عليهم من التوراة، وعرفوا من التوراة نفسها صدق ما فيه كفروا به عناداً وحسداً. وذلك لأن من جاء به رسول من غير بني اسرائيل. روى كثير من الصحابة ان الأوس والخزرج تغلبوا على اليهود، وأذلّوهم زمن الجاهلية فكانوا يقولون للعرب: إن نبيّاً الآن مبعثُه قد أظلّ زمانه، يقتلكم قتل عادٍ وإرمَ. وكان اليهود يستفتحون به على الكفار، يعني يستنصرون به، ويقولون: اللهمّ ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة. فلما بعث الله محمداً كفروا به. وقد قال لهم مُعاذ بن جبَل وبشرْ بن البراء: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شِرك، وتخبروننا انه مبعوث، وتصِفونه بصفاته. فقال له سلام بن مشكم بن النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالّذي كنا نذكره لكم. فأنزل الله تعالى في ذلك: "ولما جاءهم، الآية..." ومعنى "مصدق لما معهم": موافق له في التوحيد وأصول الدين والايمان بالبعث واليوم الآخر. {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} ساء ما باعوا به أنفسهم، حين اختاروا الكفر على الايمان، حسداً أن يأتي نبي من غير اليهود، منكِرين على الله أن يكون له مطلق الخيرة في ان يوحي لمن يشاء من عباده. واذا قيل لهم، أي اليهود المعاصرين للنبي في الحجاز، صدِّقوا بما أنزل الله من القرآن على محمد واتبعوه، قالوا: نحن نؤمن بما أُنزل علينا من التوراة فحسب.. مع ان القرآن مصدق لما معهم من التوراة. وعلى هذا يكون كفرهم بهذا الكتاب المصدق لما في كتابهم كفراً بكتابهم نفسه. ثم يخاطب الله الرسول الكريم بقوله تعالى: قل يا محمد لليهود، لمَ كنتُم تقتلون أنبياء الله في الماضي مع أنهم دعوا الى ما انزل عليكم؟ إنّ قتلكم للأنبياء دليل قاطع على عدم ايمانكم برسالتهم. القراءات: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب "ان ينزل" بالتخفيف، والباقون "ان ينزّل" بالتشديد.
د. أسعد حومد
تفسير : {كِتَابٌ} {ٱلْكَافِرِينَ} (89) - وَلَمَّا جَاءَ اليَهُودَ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، هُوَ مُحَمَّدٌ عَلَيهِ السَّلامُ، وَمَعَهُ كِتَابٌ مُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، هُوَ القُرآنُ، يُصَدِّقُ التَّورَاةَ وَأَحْكَامَهَا، وَيُوَافِقُها فِي التَّوحِيدِ، وَأُصُولِ الدِّينِ وَمَقَاصِدِهِ، كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَبِالقُرآن، مَعَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ حَقٌّ، وَأَنَّ القُرآنَ صِدْقٌ، وَقَدْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ، يَقُولُونَ لِمُشْرِكِي المَدِينَةِ إِنَّ كُتُبَهُمْ تُشِيرُ إِلى مَبْعَثِ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، وَإِنَّهُمْ سَيُحَارِبُونَ المُشْرِكِينَ تَحْتَ لِوائِهِ، وَيَنْتَقِمُونَ مِنْهُمْ، أَيْ إِنَّ اليَهُودَ كَانُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم المُنْتَظَرِ، وَيَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَى المُشْرِكِينَ، فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللهِ اتَّبَعَهُ عَرَبُ المَدِينَةِ، وَكَفَرَ بِهِ اليَهُودُ، وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى الكُفْرِ إِلاَّ الحَسَدُ وَالجُحُودُ، وَالعِنَادُ وَالطَّمَعُ بِمَتَاعِ الدُّنْيَا الحَقِيرِ، فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ الكَافِرِينَ. يَسْتَفْتِحُونَ - يَسْتَنْصِرُونَ بِبَعْثَةِ نَبِيٍّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن بين لنا الله سبحانه وتعالى .. أن بني إسرائيل قالوا إن قلوبهم غلف لا يدخلها شعاع من الهدى أو الإيمان .. أراد تبارك وتعالى أن يعطينا صورة أخرى لكفرهم بأنه أنزل كتاباً مصدقاً لما معهم ومع ذلك كفروا به .. ولو كان هذا الكتاب مختلفاً عن الذي معهم لقلنا إن المسألة فيها خلاف .. ولكنهم كانوا قبل أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينزل عليه القرآن كانوا يؤمنون بالرسول والكتاب الذي ذكر عندهم في التوراة .. وكانوا يقولون لأهل المدينة .. أَهَلَّ زمن رسول سنؤمن به ونتبعه ونقتلكم قبل عاد وإرم. لقد كان اليهود يعيشون في المدينة .. وكان معهم الأوس والخزرج وعندما تحدث بينهم خصومات كانوا يهددونهم بالرسول القادم .. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كفروا به وبما أنزل عليه من القرآن. واليهود في كفرهم كانوا أحد أسباب نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. لأن الأوس والخرزج عندما بعث الرسول عليه الصلاة والسلام قالوا هذا النبي الذي يهددنا به اليهود وأسرعوا يبايعونه .. فكأن اليهود سخرهم الله لنصرة الإسلام وهم لا يشعرون. والرسول عليه الصلاة والسلام كان يذهب إلى الناس في الطائف .. وينتظر القبائل عند قدومها إلى مكة في موسم الحج ليعرض عليهم الدعوة فيصدونه ويضطهدونه .. وعندما شاء الله أن ينتشر دعوة الإسلام جاء الناس إلى مكة ومعهم الأوس والخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذهب هو إليهم، وأعلنوا مبايعته والإيمان برسالته ونشر دعوته .. دون أن يطلب عليه الصلاة والسلام منهم ذلك .. ثم دعوه ليعيش بينهم في دار الإيمان .. كل هذا تم عندما شاء الله أن ينصر الإسلام بالهجرة إلى المدينة وينصره بمن اتبعوه. ويقول الحق تبارك وتعالى: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [البقرة: 89] .. أي أنهم قبل أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستفتحون بأنه قد أطل زمن رسول سنؤمن به ونتبعه .. فلما جاء الرسول كذبوه وكفروا برسالته. وقوله تعالى: {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [البقرة: 89] .. أي كفار المدينة من الأوس والخزرج الذين لم يكونوا أسلموا بعد .. لأن الرسول لم يأت .. الحق سبحانه وتعالى يعطينا تمام الصورة في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 89]. وهكذا نرى أن بني إسرائيل فيهم جحود مركب، جاءهم الرسول الذي انتظروه وبشروا به .. ولكن أخذهم الكبر رغم أنهم موقنون بمجيء الرسول الجديد وأوصافه موجودة عندهم في التوراة إلا أنهم رفضوا أن يؤمنوا فاستحقوا بذلك لعنة الله .. واللعنة كما قلنا هي الطرد من رحمة الله.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} معناهُ يَسْتَنصِرُونَ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} قالَ زيدُ بن علي عليهم السلامُ معناهُ إِنَّ اليهودَ عَرَفوا أَنَّ محمداً صلى الله عليهِ وآلهِ وسلم نبيُّ الله فكفرُوا بِهِ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} أيضاَ من غاية عداوتهم وعتوهم وعنادهم وحسدهم على ظهرو دين الإسلام {لَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ} مشتمل على الأحكام والمعتقدات والحقائق والمعارف جزموا أنه نازل {مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} لتوافقه على ما في كتابهم وإعجازه عموم من تحدى معه ومع ذلك {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} من الكتب المنزلة على الأنبياء الماضين {وَ} الحال أنهم {كَانُواْ مِن قَبْلُ} ظهوره ونزوله {يَسْتَفْتِحُونَ} يستنصرون بهذا النبي ودينه وكتابه {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بكتابهم ونبيهم ويقولون: سينصر ديننا بالنبي الموعود والدين الموعود {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ} في كتابهم ونبيهم انتظروا له قبل مجيئه وافتخروا به على معاصريهم {كَفَرُواْ بِهِ} حين مجيئه عناداً ومكابرة فاستحقوا بهذا الكفر والعناد طرد الله ومقمته وتبعيده عن طريق التوحيد وتخليده إياهم في جنهم الإمكان، نعوذ بالله من غضب الله {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ} الهادي للكل إلى سواء السبيل نازلة دائماً {عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] المصرين على العناد، المستكبرين على العباد. ثم لما ذكر سبحانه ذمائم أخلاقهم وقبائح أفعالهم، أراد أن يذكر كلاماً مطلقاً على وجه العظة والنصيحة في ضمن تعبيره وتقريعهم، ليتذكر به المؤمنون فقال: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} بما باعوا واستبدلوا به أنفسهم معارف نفوسهم أو شهدوها أو وصولها {أَن يَكْفُرُواْ} أن يكذبوا من غاية خبائثهم وعنادهم {بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ} على من هو أهل وقابل له؛ ليهدي به من ضل عن طريق الحق مع جزمهم أيضاً بحقيته بلا شبهة ظهرت لهم، بل إنما يكفرون {بَغْياً} وحسداً على {أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ} المستجمع المستحصر للقابليات والاستعدادات {مِن} محض {فَضْلِهِ} ولطفه بلا علة وغرض {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} يختار ويريد من عباده الخلص، وهم الذين ارتفعت هوياتهم وتلاشت ماهياتهم واضمحلت وفنيت تعيناتهم، وصاروا ما صاروا لا إله إلا هو، ولما كفروا بالله وحدسوا لأنبيائه وبخلوا عن خزائن فضله {فَبَآءُو} رجعوا مقاربين {بِغَضَبٍ} عظيم من الله المنتقم عن جريمتهم {عَلَىٰ غَضَبٍ} عظيم إلى ما شاء الله الظهور باسم المنتقم، وقل يا أكمل الرسل للمؤمنين: {وَلِلْكَافِرِينَ} المستهينين بكتاب الله ودينه ونبيه {عَذَابٌ مُّهِينٌ} [البقرة: 90] لهم في الدنيا والآخرة، إهانتهم في الدنيا ضرب الذلة والمسكنة والجزية والصغار، وفي الآخرة حرمانهم عن الكمال الإنساني الذي يتوقع منهم، ولا عذاب أشد من ذلك. ربنا اصرف عنا عذابك وقنا من سخطك. {وَ} من غاية استنكافهم واستكبارهم {إِذَا قِيلَ لَهُمْ} كلاماً صادقاً يقبله كل العقول {آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} في الواقع مطلقاً {قَالُواْ} في الجواب حاصرين: بل {نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا} فقط، ولا تم الإنزال لغيرنا {وَ} لا يقتصرون عليه بل {يَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَ} إن كان {هُوَ ٱلْحَقُّ} المطابق للواقع في نفسه وهم يعلمون حقيته، وإن كان {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} من الكتاب، والحسد والعناد الراسخين في نفوسهم وطباعهم ومبالغتهم في العناد والإصرار على تكذيب هذا الكتاب مع أن الإيمان بأحد المتصدقين المتوافقين يوجب الإيمان بالآخر، يدل على ألاَّ إيمان لهم بالتوارة أيضاً، بل هم كافرون بها لدلالة أفعالهم وأعمالهم على الكفر بها وإن أنكروه {قُلْ} لهم إلزاماً يا أكمل الرسل: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ} أيها المدينون بدين اليهود المؤمنون المصدقون بالتوراة {أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ} الحاملين لها العاملين بها {مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ} صادقين في أنكم {مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 91] بها فثبت أنكم لستم مؤمنين بها حينئذ لتخلفكم عن مقتضاه وتكذيبكم من أنزل عليه، وإن أنكروه اذكر له:
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ولما جاءهم كتاب من عند الله على يد أفضل الخلق وخاتم الأنبياء، المشتمل على تصديق ما معهم من التوراة، وقد علموا به، وتيقنوه حتى إنهم كانوا إذا وقع بينهم وبين المشركين في الجاهلية حروب، استنصروا بهذا النبي، وتوعدوهم بخروجه، وأنهم يقاتلون المشركين معه، فلما جاءهم هذا الكتاب والنبي الذي عرفوا، كفروا به، بغيا وحسدا، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، فلعنهم الله، وغضب عليهم غضبا بعد غضب، لكثرة كفرهم وتوالى شكهم وشركهم. { وللكافرين عذاب مهين } أي: مؤلم موجع، وهو صلي الجحيم، وفوت النعيم المقيم، فبئس الحال حالهم، وبئس ما استعاضوا واستبدلوا من الإيمان بالله وكتبه ورسله، الكفر به، وبكتبه، وبرسله، مع علمهم وتيقنهم، فيكون أعظم لعذابهم.
همام الصنعاني
تفسير : 88- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عَنْ قَتَادة، في قوله تعالى: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [الآية: 89]، قال: كانوا يقُولُون: إِنَّهُ سيأتي نبي، {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}: [الآية: 89].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):