٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
88
Tafseer
الرازي
تفسير : أما الغلف ففيه ثلاثة أوجه. أحدها: أنه جمع أغلف والأغلف هو ما في غلاف أي قلوبنا مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها، وثانيها: روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غلف بالعلم ومملوءة بالحكمة فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد عليه السلام، وثالثها: غلف أي كالغلاف الخالي لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك. أما المعتزلة فإنهم اختاروا الوجه الأول، ثم قالوا: هذه الآية تدل على أنه ليس في قلوب الكفار ما لا يمكنهم معه الإيمان، لا غلاف ولا كن ولا سد على ما يقوله المجبرة لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صادقين في هذا القول، فكان لا يكذبهم الله بقوله: {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } لأنه تعالى إنما يذم الكاذب المبطل لا الصادق المحق المعذور، قالوا: وهذا يدل على أن معنى قوله: {أية : إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً } تفسير : [الكهف: 57] وقوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِى أَعْنـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلاً } وقوله: {أية : وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً} تفسير : [يس: 8، 9] ليس المراد كونهم ممنوعين من الإيمان، بل المراد إما منع الألطاف أو تشبيه حالهم في إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على الكفر. قالوا: ونظير ذم الله تعالى اليهود على هذه المقالة ذمه تعالى الكافرين على مثل هذه المقالة وهو قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } تفسير : [فصلت: 5] ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هؤلاء القوم صادقين في ذلك، ولو كانوا صادقين لما ذمهم بل كان الذي حكاه عنهم إظهاراً لعذرهم ومسقطاً للومهم. واعلم أنا بينا في تفسير الغلف وجوهاً ثلاثة فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل. سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلت إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم؟ أما قوله تعالى: {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } ففيه أجوبة. أحدها: هذا يدل على أنه تعالى لعنهم بسبب كفرهم، أما لم قلتم بأنه إنما لعنهم بسبب هذه المقالة فلعله تعالى حكى عنهم قولاً ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم. وثانيها: المراد من قوله: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار يعني ليست قلوبنا في أغلاف ولا في أغطية، بل قوية وخواطرنا منيرة ثم إنا بهذه الخواطر والأفهام تأملنا في دلائلك يا محمد، فلم نجد منها شيئاً قوياً. فلما ذكروا هذا التصلف الكاذب لا جرم لعنهم الله على كفرهم الحاصل بسبب هذا القول، وثالثها؛ لعل قلوبهم ما كانت في الأغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى: {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ } تفسير : [الأنعام: 20] [البقرة: 146] إلا أنهم أنكروا تلك المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف وغير واقفة على ذلك فكان كفرهم كفر العناد فلا جرم لعنهم الله على ذلك الكفر. أما قوله تعالى: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسيره ثلاثة أوجه. أحدها: أن القليل صفة المؤمن، أي لا يؤمن منهم إلا القليل عن قتادة والأصم وأبي مسلم. وثانيها: أنه صفة الإيمان، أي لا يؤمنون إلا بقليل مما كلفوا به لأنهم كانوا يؤمنون بالله، إلا أنهم كانوا يكفرون بالرسل. وثالثها: معناه لا يؤمنون أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً كما يقال: قليلاً ما يفعل بمعنى لا يفعل ألبتة. قال الكسائي: تقول العرب: مررنا بأرض قليلاً ما تنبت، يريدون ولا تنبت شيئاً. والوجه الأول أولى لأنه نظير قوله: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [النساء: 155] ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم. المسألة الثانية: في انتصاب «قليلاً» وجوه. أحدها: فإيماناً قليلاً ما يؤمنون «وما» مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب، وثانيها: انتصب بنزع الخافض أي بقليل يؤمنون. وثالثها: فصاروا قليلاً ما يؤمنون.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ} يعني اليهود «قُلُوبُنَا غُلْفٌ» بسكون اللام جمع أغلف؛ أي عليها أغطية. وهو مثل قوله: {أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ}تفسير : [فصلت: 55] أي في أوْعية. قال مجاهد: {غُلْفٌ} عليها غشاوة. وقال عكرمة: عليها طابع. وحكى أهل اللغة غَلّفت السيف جعلت له غلافاً؛ فَقَلْبٌ أغلف، أي مستور عن الفهم والتمييز. وقرأ ٱبن عباس والأعرج وٱبن مُحَيْصِن «غُلُف» بضم اللام. قال ٱبن عباس: أي قلوبنا ممتلئة علماً لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره. وقيل: هو جمع غِلاف؛ مثل خِمار وخُمُر؛ أي قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم عنك وقد وَعَينا علما كثيرا! وقيل: المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد صلى الله عليه وسلم. فردّ الله تعالى عليهم بقوله: {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} ثم بيّن أن السبب في نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لُعِنوا بما تقدّم من كفرهم وٱجترائهم؛ وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه. وأصل اللَّعن في كلام العرب الطّرد والإبعاد. ويقال للذئب: لعين. وللرجل الطريد: لعين؛ وقال الشماخ:شعر : ذَعَرْتُ به القَطا ونَفَيْتُ عنه مَقامَ الذّئب كالرجل اللّعينِ تفسير : ووجه الكلام: مقام الذئب اللعين كالرجل؛ فالمعنى أبعدهم الله من رحمته. وقيل: من توفيقه وهدايته. وقيل: من كل خير؛ وهذا عام. «فقليلاً» نعت لمصدر محذوف؛ تقديره فإيماناً قليلاً ما يؤمِنون. وقال مَعْمَر: المعنى لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره؛ ويكون «قليلاً» منصوب بنزع حرف الصفة. و «ما» صلة؛ أي فقليلاً يؤمنون. وقال الواقدي: معناه لا يؤمنون قليلاً ولا كثيراً؛ كما تقول: ما أقلَّ ما يفعل كذا؛ أي لا يفعله ألْبَتّة. وقال الكسائي: تقول العرب مَررْنا بأرضٍ قلَّ ما تنبت الكُرّاث والبصل؛ أي لا تنبت شيئاً.
البيضاوي
تفسير : {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } مغشاة بأغطية خلقية لا يصل إليها ما جئت به ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن وقيل: أصله غلف جمع غلاف فخفف، والمعنى أنها أوعية للعلم لا تسمع علماً إلا وعته، ولا تعي ما تقول. أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره. {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } رد لما قالوه، والمعنى أنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، ولكن الله خذلهم بكفرهم فأبطل استعدادهم، أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لخلل فيه، بل لأن الله تعالى خذلهم بكفرهم كما قال تعالى: {فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ }، أو هم كفرة ملعونون، فمن أين لهم دعوى العلم والاستغناء عنك؟ {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } فإيماناً قليلاً يؤمنون، وما مزيده للمبالغة في التقليل، وهو إيمانهم ببعض الكتاب. وقيل: أراد بالقلة العدم.
ابن كثير
تفسير : قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد، عن ابن عباس {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي: في أكنة، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي: لا تفقه. وقال العوفي عن ابن عباس: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} هي القلوب المطبوع عليها، وقال مجاهد: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ}: عليها غشاوة. وقال عكرمة: عليها طابع، وقال أبو العالية: أي: لا تفقه، وقال السدي: يقولون: عليه غلاف، وهو الغطاء، وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: فلا تعي ولا تفقه، قال مجاهد وقتادة: وقرأ ابن عباس: غُلُف، بضم اللام، وهو جمع غلاف، أي: قلوبنا أوعية لكل علم، فلا نحتاج إلى علمك، قاله ابن عباس وعطاء {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} أي: طردهم الله، وأبعدهم من كل خير {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} قال قتادة: معناه: لا يؤمن منهم إلا القليل {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} هو كقوله: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ}تفسير : [فصلت: 5] وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله غلف، قال: تقول قلبي في غلاف فلا يخلص إليه مما تقول شيء، وقرأ: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ}تفسير : [فصلت: 5] وهذا الذي رجحه ابن جرير، واستشهد بما روي من حديث عمرو بن مرة الجملي عن أبي البختري، عن حذيفة قال: «حديث : القلوب أربعة»تفسير : فذكر منها:«حديث : وقلب أغلف مغضوب عليه، وذاك قلب الكافر»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن العرزمي، أنبأنا أبي، عن جدي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} قال: لم تختن، هذا القول يرجع معناه إلى ما تقدم من عدم طهارة قلوبهم، وأنها بعيدة من الخير. قول آخر؛ قال الضحاك عن ابن عباس: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} قال: يقولون: قلوبنا غلف مملوءة، لا تحتاج إلى علم محمد، ولا غيره. وقال عطية العوفي عن ابن عباس: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي: أوعية للعلم، وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار فيها، حكاه ابن جرير، وقالوا: قلوبنا غلف، بضم اللام، نقلها الزمخشري، أي: جمع غلاف، أي: أوعية، بمعنى أنهم ادعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر، كما كانوا يفتون بعلم التوراة، ولهذا قال تعالى: {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} أي: ليس الأمر كما ادعوا، بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها، كما قال في سورة النساء: {أية : وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [النساء: 155] وقد اختلفوا في معنى قوله: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ}، وقوله: {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} فقال بعضهم: فقليل من يؤمن منهم، وقيل: فقليل إيمانهم، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم؛ لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به مـحمد صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم: إنما كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قال: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: قلما رأيت مثل هذا قط، تريد: ما رأيت مثل هذا قط، وقال الكسائي: تقول العرب: من زنى بأرض، قلما تنبت، أي: لا تنبت شيئاً، حكاه ابن جرير رحمه الله، والله أعلم. {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} يقول تعالى: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ} يعني: اليهود {كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} يعني من التوراة، وقوله: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان، نقتلكم معه قتل عاد وإرم، كما قال محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو، عن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم، قال: فينا والله وفيهم، يعني: في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم، نزلت هذه القصة يعني: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} قالوا: كنا قد علوناهم قهراً دهراً في الجاهلية، ونحن أهل شرك، وهم أهل كتاب، وهم يقولون: إن نبياً سيبعث الآن نتبعه، قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله من قريش، واتبعناه، كفروا به، يقول الله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ}، وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} قال: يستنصرون، يقولون: نحن نعين محمداً عليهم، وليسوا كذلك، بل يكذبون، وقال محمد بن إسحاق: أخبرني محمد بن أبي محمد، أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن يهوداً كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب، كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود بن سلمة: يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك، وتخبروننا بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، ما هو الذي كنا نذكر لكم، فينزل الله في ذلك من قولهم: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} الآية، وقال العوفي عن ابن عباس: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يقول: يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب، يعني بذلك أهل الكتاب، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم، كفروا به، وحسدوه. وقال أبو العالية: كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوباً عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم. فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به؛ حسداً للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى: {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} وقال قتادة: {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} قال: وكانوا يقولون: إنه سيأتي نبي. {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} وقال مجاهد {فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ} قال: هم اليهود.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ } للنبي استهزاء {قُلُوبُنَا غُلْفٌ } جمع أغلف أي مغشاة بأغطية فلا تعي ما تقول قال تعالى: {بَلِ } للإضراب {لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ } أبعدهم من رحمته وخذلهم عن القبول {بِكُفْرِهِمْ } وليس عدم قبولهم لخلل في قلوبهم {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } (ما) زائدة لتأكيد القلة أي إيمانهم قليل جداً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى:{وَقَالُواْ: قُلُوبُنَا غُلْفٌ} فيه تأويلات: أحدهما: يعني في أَغْطِيَةٍ وَأَكِنَّةٍ لا تفقه، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد وقتادة، والسدي. والثاني: يعني أوعية للعلم، وهذا قول عطية، ورواية الضحاك عن ابن عباس. {بَّل لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ} وَاللَّعن: الطرد والإبعاد، ومنه قول الشماخ: شعر : ذعرتُ به القطا ونفيتُ عنه مقام الذئب ـ كالرجل ـ اللعين تفسير : ووجه الكلام: مقام الذئب اللعين كالرجل. في قوله تعالى: {فَقَليلاً مَّا يُؤْمنُونَ} تأويلان: أحدهما: معناه فقليل منهم من يؤمن، وهذا قول قتادة، لأن مَن آمن من أهل الشرك أكثر ممن آمن مِنْ أهل الكتاب. والثاني: معناه فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم، وهو مروي عن قتادة. ومعنى {مَا} هنا الصلة للتوكيد كما قال مهلهل: شعر : لو بأبانين جاء يخطبها خُضَّب ما أنف خاضب بدم
ابن عبد السلام
تفسير : {غُلْفُ} في أغطية لا تفقه، أو هي أوعية للعلم. {لَّعَنَهُمُ} طردهم وأبعدهم. {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} قليلاً من يؤمن منهم، لأن من آمن من المشركين أكثر ممن آمن من أهل الكتاب، أو لا يؤمنون إلا بالقليل من كتابهم، و"ما" صلة.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ...} الظّاهر أنه بلسان المقال لا بلسان الحال، واختلفوا في تفسيرها؟ فقال الزمخشري: أي خلقت قلوبهم غير قابلة (للإيمان) بوجه. ونقل ابن عطية عن ابن عباس رضي الله عنه: أن المعنى قلوبنا ذات غلاف يمنعها من (قبول) الإيمان. والأول أشد، أو معناه أنّها ممتنعة من القبول لذاتها وهذا يقتضي أنّ المانع لها غير ما قال الزمخشري. وقيل: غُلْف مخفف غَلَفَ جمع غِلاَفٍ أي قلوبنا غِلاَف لغيرها، والغلاف الوعاءُ، أي هو وعاء للعلم، وهو نقيض الأول لأنه يقتضي أنها مستغنية بعلمها عن علم الرّسول الذي (جاء) به. وعلى الأول يكونون: إما قصدوا الاستهزاء به، وإما الاستعذار (له) بأنّهم جاهلون (لا يفهمون ذلك ولا يطيقون، فعلى أنّهم قصدوا الإخبار) بأنّهم (غنِيّون بعلمهم عن علمه) يكون الإضراب يدلّ على ذلك الكلام حقيقة، وكذلك إن أرادوا أنها خلقت غير قابلة للإيمان فالإضراب عن لازم ذلك وهو الاستعذار أي لا عذر لهم في ذلك بوجه لأن كونها ذات مانع هو الثابت في نفس الأمر فلا يصح (إبطاله).
ابن عادل
تفسير : "قُلُوبُنَا غُلْفٌ" متبدأ وخبر، والجملة في محلّ نصب بالقول قبله، وقرأ الجمهور: "غُلْف" بسكون اللام، وفيها وجهان: أحدهما: وهو الأظهر أن يكون جمع "أَغْلَف" كـ "أحمَر وحُمْر" و "أصفر وصُفْر"، والمعنى على هذا: أنها خلقت وجعلت مغشَّاة لا يصل إليها الحَقّ، فلا تفهمه ونظيره: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ}تفسير : [فصلت:5] قال مجاهد وقتادة استعارة من الأَغْلَف الذي لم يَخْتَتِنْ. والثاني: أن يكون جمع "غلاف"، ويكون أصل اللام الضم، فتخفف نحو: "حمار وحمر"، و "كتاب وكتب"، إلاّ أن تخفيف "فُعُل" إنما يكون في المفرد غالباً نحو: "عُنُق" في "عُنْق" وأما "فُعُل" الجمع فقال ابن عطية: "لا يجوز تخفيفه إلاَّ في ضرورة"، وليس كذلك، بل هو قليل، وقرأ ابن عَبَّاس والأعرج ـ ويروى عن أبي عمرو ـ بضمّ اللام، وهو جمع "غلاف"، ولا يجوز أن يكون "فُعُل" في هذه القراءة جمع أَغْلَف؛ لأن تثقيل "فعل" الصحيح العين، لا يجوز إلاَّ في شعر، والمعنى على هذه القراءة: أن قلوبنا أوعية فهي غير محتاجة إلى علم آخر، وهو قول ابن عباس وعَطَاء. وقال الكلبي: "معناه أوعية لكلّ علم فهي لا تسمع حديثاً إلا وَعَتْهُ إلاَّ حديثك لا تعقله ولا تعيه، ولو كان فيه خبر لفهمته ووعته". وقيل: غلف كالغلاف الذي لا شيء فيه مما يدلّ على صحة قولك: التغليف كالتعمية في المعنى. فصل في كلام المعتزلة قالت المعتزلة: هذه الآية تدلّ على أنه ليس في قلوب الكُفَّار مَا لاَ يمكنهم معه الإيمان، لا غلاَف ولا كِنّ ولا سدّ على ما يقوله المجبرة، لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صَادقين في هذا القول، فلا يكذبهم الله في قوله: {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} وإنما يذمّ الكاذب المبطل لا الصَّادق المحق، وقالوا: هذا يدل على أن معنى قوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ}تفسير : [الكهف:57] و{أية : إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً}تفسير : [يس:8] {أية : وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً}تفسير : [يس:9] ليس المراد كونهم ممنوعين عن الإيمان، بل المراد: إما منع الألْطَاف، أو تشبيه حالهم في إصْرَارهم على الكُفْرِ بمنزلة المجبور على الكفر. قالوا: ونظير ذم الله ـ تعالى اليهود على هذه المَقَالَةِ ذمه الكافرين على مثل هذه المَقَالة، وهو قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِي ءَاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}تفسير : [فصلت:5] ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هؤلاء القوم صادقين، وإذا كان الأمر كذلك لم يذمّوا. قال ابن الخطيب: واعلم أنا بَيّنا في تفسير "الغلف" ثلاثة أوجه، فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل. سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلتم: إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم؟ فإن قيل: إنما لعنهم الله بسبب هذه المقالة. فالجواب من وجوه: أحدها: لا نسلم، بل لعلّه ـ تعالى ـ حكى عن حالهم، أو عنهم قولاً، ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم. وثانيها: لعلّ المراد من قوله تعالى: "قُلُوبُنَا غُلْفٌ" أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار، يعني: ليس قلوبنا في غلاف ولا في غطاء، بل أفهامنا قويّة، وخواطرنا منيرة، ثم إنا تأملنا في دلائلك فلم نجد شيئاً قويًّا فلما ذكروا هذه الوصف الكاذب لا جَرَمَ لعنهم الله على كفرهم الحاصل بهذا القول. وثالثها: أن قلوبهم لم تكن في أغْطية، بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}تفسير : [البقرة:146] إلاّ أنهم أنكروا تلك المعرفة وادّعوا أن قلوبهم غُلف، فكان كفرهم عناداً. قوله: {بَلْ لَّعَنَهُمُ ٱللهُ} "بل": حرف إضراب، والإضراب راجع إلى ما تضمَّنه قولهم من أن قلوبهم غُلْف، فردّ الله عليهم ذلك بأن سببه لعنهم بكفرهم السّابق، والإضراب على قسمين: إبطال، وانتقال. فالأول، نحو: "ما قام زيد بل عمرو"، والانتقال كهذه الآية، ولا تعطف "بل" إلا المفردات، وتكون في الإيجاب والنفي والنهي، ويزاد قبلها "لا" تأكيداً. واللَّعن: الطَّرد والبُعْد، ومنه: شأو لَعِينٌ، أي: بعيد؛ قال الشَّمَّاخ: [الوافر] شعر : 653ـ ذَعَرْتُ بِهِ القَطَا وَنفَيْتُ عَنْهُ مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعينِ تفسير : أي: الرجل البعيد، وكان وجه الكلام أن يقول: "مقام الذّئب اللّعين كالرجل" والباء في "بكفرهم" للسبب، وهي متعلّقة بـ "لَعَنَهُم". وقال الفارسي: النية به التقدم أي: وقالوا: قلوبنا غلف بسبب كفرهم، فتكون الباء متعلقة بـ "قالوا"، وتكون "بل لعنهم" جملة معترضة، وفيه بُعْد، ويجوز أن تكون حالاً من المفعول في "لعنهم" أي: لعنهم كافرين، أي: ملتبسين بالكُفْرِ كقوله {أية : وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ}تفسير : [المائدة:61]. قوله: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} في نصب "قليلاً" ستة أوجه: أحدها: أنه نَعْت لمصدر محذوف، أي: فإيماناً قليلاً يؤمنون؛ لأنهم كانوا يؤمنون بالله، ويكفرون بالرسل. الثاني: أنه حال من ضمير ذلك [المصدر] المحذوف، أي: فيؤمنونه أي: الإيمان في حال قلّته، وقد تقدم أنه مذهب سيبويه، وتقدّم تقريره. الثالث: أنه صفة لزمان محذوف، أي: فزماناً قليلاً يؤمنون، وهو كقوله: {أية : ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ}تفسير : [آل عمران:72]. الرابع: أنه على إسقاط الخافض، والأصل: فبقليل يؤمنون، فلما حذف حرف الجرّ انتصب، ويعزى لأبي عبيدة. الخامس: أن يكون حالاً من فاعل "يؤمنون" أي: فَجَمْعاً قليلاً يؤمنون، أي: المؤمن فيهم قليلٌ، قال معناه ابن عباس وقتادة والأصم وأبو مسلم. قال ابن الخطيب: "وهو الأولى؛ لأن نظيره قوله: {أية : بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [النساء:155]، ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها [ذكر] القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم". وقال المهدوي: ذهب قتادة إلى أن المعنى: فقليل منهم يؤمن، وأنكره النحويون، وقالوا: لو كان كذلك للزم رفع "قليل". وأجيب: بأنه لا يلزم الرَّفْع مع القول بالمعنى الذي ذهب إليه قَتَادَةُ لما تقدم من أنَّ نصبه على الحال وافٍ بهذا المعنى. و"ما" على هذه الأقوال كلها مزيدة للتأكيد. السادس: أن تكون "ما" نافية، أي فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، ومثله: {أية : قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ}تفسير : [الأعراف:10] {أية : قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الأعراف:3]، كما يقال: قليلاً ما يغفل أي: لا يعقل ألبتة. قال الكِسَائي: "تقول العرب: مررنا بأرض قليلاً ما تنبت"، يريدون: لا تنبت شيئاً، وهذا قول الوَاقِدِيّ. وهو قوي من جهة المعنى، وإنما يضعف من جهة تقديم ما في حَيّزها عليها قاله أبو البقاء [وإليه ذهب ابن الأنباري]، إلا أن تقديم ما في حيّزها عليها لم يُجِزْه البصريون، وأجازه الكوفيون. قال أبو البقاء: "ولا يجوز أن تكون "ما" مصدرية؛ لأن "قليلاً" يبقى بلا ناصب"، يعني: أنك إذا جعلتها مصدرية كان ما بعدها صلتها، ويكون المصدر مرفوعاً بـ "قليلاً" على أنه فاعل به فأين الناصب له؟ وهذا بخلاف قوله تعالى: {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}تفسير : [الذاريات:17] فإن "ما" ـ هاهنا ـ يجوز أن تكون مصدرية؛ لأن "قليلاً" منصوب بـ "كان" وقال الزمخشري: "يجوز أن تكون القلّة بمعنى العدم". وقال أبو حَيَّان: وما ذهب إليه من أن "قليلاً" يراد به النَّفي فصحيح، لكن في غير هذا التركيب، أعني قوله تعالى: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} لأن "قليلاً" انتصب بالفعل المثبت، فصار نظير: "قمت قليلاً" أي: قمت قياماً قليلاً، ولا يَذْهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت، وجعلت "قليلاً" منصوباً نعتاً لمصدر ذلك الفِعْلِ يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة، أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأساً وعدم وقوعه بالكلية، وإنما الذي نقل النحويون: أنه قد يراد بالقلّة النفي المحض في قولهم: "أقل رجل يقول ذلك وقلّما يقوم زيد"، وإذا تقرر هذا فحمل القلّة على النفي المحض ـ هنا ـ ليس بصحيح انتهى. وأجيب [بأن ما] قاله الزمخشري من أن معنى التقليل ـ هنا ـ النَّفي قد قال به الوَاقِدِيّ قبله، كما تقدم فإنه قال: "أي: لا قليلاً ولا كثيراً"، كما تقول: قلّما يفعل كذا، أي: ما يفعله أصلاً.
البقاعي
تفسير : ولما بين سبحانه مخازيهم حتى ختمها بعظيم ما ارتكبوا من الرسل من القتل المعنوي بالتكذيب والحسي بإزهاق الروح مع العلم بأنهم أتوا بالبينات والآيات المعجزات فأرشد المقام إلى أن التقدير فقالوا للأنبياء لما أتوهم أموراً كثيرة يعجب من صدورها عن عاقل وأتوا في الجواب عن تكذيبهم وقتلهم من التناقضات بما لا يرضاه عالم ولا جاهل عطف عليه أو على { أية : وقالوا لن تمسّنا النار } تفسير : [البقرة: 80] قوله - بياناً لشدة بهتهم وقوة عنادهم: {وقالوا} في جواب ما كانوا يلقون إليهم من جواهر العلم التي هي أوضح من الشمس {قلوبنا غلف} جمع أغلف وهو المغشى الذكر بالقلفة التي هي جلدته، كأن الغلفة في طرفي المرء: ذكره وقلبه، حتى يتم الله كلمته في طرفيه بالختان والإيمان - قاله الحرالي. فالمعنى: علهيا أغطية فهي لا تفهم ما تقولون. فكان المراد بذلك مع أنهم أعلم الناس أن ما يقولونه ليس بأهل لأن يوجه إليه الفهم، ولذلك أضرب الله سبحانه عنه بقوله: {بل} أي ليس الأمر كما قالوا من أن هناك غلفاً حقيقة بل {لعنهم الله} أي طردهم الملك الأعظم عن قبول ذلك لأنهم ليسوا بأهل للسعادة بعد أن خلقهم على الفطرة الأولى القويمة لا غلف على قلوبهم، لأن اللعن إبعاد في المعنى والمكانة إلى أن يصير الملعون بمنزلة النعل في أسفل القامة يلاقي به ضرر الموطي - قاله الحرالي. ثم بين علة ذلك بقوله: {بكفرهم}. قال الحرالي: أعظم الذنوب ما تكون عقوبة الله تعالى عليها الإلزام بذنوب أشد منها، فأعقب استكبارهم اللعن كما كان في حق إبليس مع آدم عليه السلام، فانتظم صدر هذه السورة إظهار الشيطنتين من الجن والإنس الذي انختم به القرآن في قوله: { أية : من الجنة والناس } تفسير : [الناس: 6] ليتصل طرفاه، فيكون ختماً لا أول له ولا آخر، والفاتحة محيطة به لا يقال: هي أوله ولا آخره، ولذلك ختم بعض القراء بوصله حتى لا يتبين له طرف، كما قالت العربية لما سئلت عن بنيها: هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها. ولما أخبر بلعنهم سبب عنه قوله: {فقليلاً ما يؤمنون}، فوصفه بالقلة وأكده بما إيذاناً بأنه مغمور بالكفر لا غناء له. ولما ذكر سبحانه من جلافتهم ما ختمه بلعنهم وكان قد قدم ذكر كتابهم مراراً وأشار إلى الإنجيل بإيتاء عيسى عليه السلام البينات ذكر سبحانه كفرهم بهذا الكتاب الذي مقصود السورة وصفه بالهدى وبهذا الرسول الآتي به دليلاً على إغراقهم في الكفر، لأنهم مع استفتاحهم به صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه على من يعاديهم واستبشارهم به وإشهادهم أنفسهم بالسرور بمجيئه كانوا أبعد الناس من دعوته تمادياً في الكفر وتقيداً بالضلال، فكان هذا الدليل أبين من الأول عند أهل ذلك العصر وذلك قوله تعالى: {ولما جاءهم كتاب} أي جامع لجميع الهدى لعظمته لكونه {من عند الله} الجامع لجميع صفات الكمال، ثم ذكر من المحببات لهم في اتباعه قوله {مصدقاً لما معهم} على لسان نبي يعرفون صحة أمره بأمور يشهد بها كتابهم، وبتصديق هذا الكتاب له بإعجاز نظمه وتصديق معناه لكتابهم، والجواب محذوف ودل ما بعد على أنه كفروا به، وفي ذلك قاصمة لهم لأن كتابهم يكون شاهداً على كفرهم، ولما بين شهادة كتابهم أتبعه شهادتهم لئلا يحرفوا معنى ذلك فقال {وكانوا} أي والحال أنهم كانوا، ولما كان استفتاحهم في بعض الزمان أثبت الجار فقال: {من قبل} أي قبل مجيئه {يستفتحون} أي يسألون الله الفتح بالاسم الآتي به تيمناً بذكره!! {على الذين كفروا} يعني أنهم لم يكونوا في غفله عنه بل كانوا أعلم الناس به وقد وطنوا أنفسهم على تصديقه ومع ذلك كله {فلما جاءهم} برسالة محمد صلى الله عليه وسلم علم {ما عرفوا} أي ما صدقه بما ذكر من نعوته في كتابهم {كفروا به} اعتلالاً بأنواع من العلل البينة الكذب، منها زعمهم أن جبريل عليه السلام عدوهم وهو الآتي به؛ قال الثعلبي والواحدي: "روى ابن عباس رضي الله عنهما أن عبد الله بن صوريا حاجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء، فلما اتجهت الحجة عليه قال: أي ملك يأتيك من السماء؟ قال: جبريل، ولم يبعث الله نبياً إلا وهو وليه - وفي رواية: وسأله عمن يهبط عليه بالوحي، فقال: جبريل - فقال: ذاك عدونا، ولو كان غيره لآمنا بك" وقال ابن إسحاق في السيرة: حدثني عبد الله ابن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي عن شهر بن حوشب الأشعري "أن نفراً من أحبار يهود جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: خبرنا عن أربع نسألك عنهن، فإن فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقني، قالوا: نعم، قال: فاسألوا عما بدا لكم! قالوا: فأخبرنا: كيف يشبه الولد أمه وإنما النطفة من الرجل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة ونطفة المرأة صفراء رقيقة فأيتهما علت صاحبتها كان الشبه لها؟ قالوا: اللهم نعم، قالوا: فأخبرنا عن كيف نومك؟ قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أن نوم الذي تزعمون أني لست به تنام عينه وقلبه يقظان؟ قالوا: اللهم نعم، قال: فكذلك نومي، تنام عيني وقلبي يقظان، قالوا: فأخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه، قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها وأنه اشتكى شكوى فعافاه الله منها فحرم على نفسه أحب الطعام والشراب إليه شكراً لله فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها؟ قالوا: اللهم نعم؛ قالوا: فأخبرنا عن الروح، قال: أنشدكم بالله وبأيامه هل تعلمون جبريل وهو الذي يأتيني؟ قالوا: اللهم نعم ولكنه يا محمد لنا عدو، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء، ولولا ذلك لاتبعناك. فأنزل الله فيهم { أية : من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين } تفسير : [البقرة: 97] إلى قوله: { أية : أو كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون } تفسير : [البقرة: 100]، وأصل ذلك في البخاري في خلق آدم والهجرة والتفسير عن أنس بن مالك رضي الله عنه - من روايات جمعت بين ألفاظها - قال: "أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أي في الهجرة - إلى أن قال: فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب رضي الله عنه، فإنه ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم، فعجل أن يضع التي يخترف لهم فيها فجاء وهي معه، فسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : أي بيوت أهلنا أقرب " تفسير : - فذكر نزوله على أبي أيوب رضي الله عنه ثم قال: "حديث : فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه فقال: أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق! وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ"تفسير : وفي رواية: "حديث : بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي" "حديث : ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله" تفسير : وفي رواية: "حديث : وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني بهن جبريل آنفاً، فقال عبد الله: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} [البقرة: 97] " حديث : أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت " تفسير : وفي رواية "الحوت" "حديث : وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبقت كان الشبه لها"تفسير : وفي رواية: "حديث : وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت" "حديث : قال: اشهد أنك رسول الله! ثم قال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا عليه"تفسير : وفي رواية: "حديث : فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت - فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر اليهود! ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو! إنكم لتعلمون أني رسول الله وأني جئتكم بحق فأسلموا، قالوا: ما نعلمه - قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وقالها ثلاث مرار، قال: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا، قال: أفرأيتم إن أسلم! قالوا: حاشا لله! ما كان ليسلم" تفسير : وفي رواية: "حديث : أعاذه الله من ذلك" تفسير : قال: "حديث : "يا ابن سلام! اخرج عليهم"، فخرج فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يا معشر اليهود! اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق، قالوا: كذبت، وقالوا: شرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه فانتقصوه، قال: فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله! فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم" تفسير : وللواحدي في أسباب النزول عن عمر رضي الله عنه قال: "كنت آتي اليهود عند دراستهم التوراة فأعجب من موافقة القرآن التوراة وموافقة التوراة القرآن، فقالوا: يا عمر! ما أحد أحب إلينا منك، قلت: ولم؟ قالوا: لأنك تأتينا وتغشانا، قلت: إنما أجيء لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضاً وموافقة التوراة القرآن وموافقة القرآن التوراة، فبينا أنا عندهم ذات يوم إذ مر رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف ظهري فقالوا: إن هذا صاحبك فقم إليه، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل خوخة من المدينة، فأقبلت عليهم فقلت: أنشدكم الله وما أنزل عليكم من كتاب أتعلمون أنه رسول الله؟ قال سيدهم: قد نشدكم بالله فأخبروه، فقالوا: أنت سيدنا فأخبره، فقال سيدهم: نعلم أنه رسول الله، قلت: فأني أهلككم إن كنتم تعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تتبعوه، فقالوا: إن لنا عدواً من الملائكة وسلماً من الملائكة، فقلت: من عدوكم ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل، قلت: ومن سلمكم؟ قالوا: ميكائيل، قلت: فإني أشهد ما يحل لجبريل أن يعادي سلم ميكائيل، وما يحل لميكائيل، أن يسالم عدو جبريل، وإنهما جميعاً ومن معهما أعداء لمن عادوا وسلم لمن سالموا، ثم قمت فاستقبلني - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا ابن الخطاب! ألا أقرئك آيات؟ فقرأ { أية : من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك} حتى بلغ {وما يكفر بها إلا الفاسقون } تفسير : [البقرة: 99] قلت والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا أخبرك بقول اليهود فإذا اللطيف الخبير قد سبقني بالخبر! قال عمر: "فلقد رأيتني في دين الله أشد من حجر" انتهى. وقد سألت بعض فضلاء اليهود الموجودين في زماننا عن عداوتهم لجبريل عليه السلام فلم يسمح بالتصريح وقال: ما يعطى ذلك. وقد روى هذا الحديث أيضاً إسحاق بن راهويه في مسنده عن الشعبي عن عمر رضي الله عنه، قال شيخنا البوصيري: وهو مرسل صحيح الإسناد وفيه: أنه قال لهم: "وكيف منزلتهما من ربهما؟ قالوا: أحدهما عن يمينه والآخر من الجانب الآخر، وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا". ولما بين سبحانه بهذا أنهم أعتى الناس وأشدهم تدليساً وبهتاً بل كذباً وفسقاً كانوا أحق الناس بوصف الكفر فسبب عن ذلك قوله: {فلعنة الله} أي الذي له الأمر كله {على الكافرين} فأظهر موضع الإضمار تعليقاً للحكم بالوصف ليعم وإشعاراً بصلاح من شاء الله منهم. ولما استحقوا بهذا وجوه المذامّ كلها وصل به قوله {بئسما} فأتى بالكلمة الجامعة للمذام المقابلة لنعم الجامعة لوجوه المدائح كلها أي بئس شيء {اشتروا به أنفسهم} أي حظوظهم، فقدموها وآثروها فكان ذلك عين فأخبرها عكس ما فعل المؤمنون من بيعهم لأنفسهم وخروجهم عنها بتعبدهم لله بإيثار ما يرضيه على هوى أنفسهم، فكان ذلك عين تحصيلها وتقديمها، ثم فسر الضمير العائد على المبهم المأخوذ في إحراز النفس فقال: {أن يكفروا} أي يستروا على التجدد والاستمرار علمهم {بما أنزل الله} الذي لا كفؤ له، أي اشتروا أنفسهم فأبقوها لهم على زعمهم بالكفر ولم يجعلوها تابعة؛ ويجوز أن يكون {اشتروا} بمعنى باعوا، لأنهم بذلوها للشيطان بالكفر كما بذل المؤمنون أنفسهم لله بالإيمان. ثم علل كفرهم بقوله: {بغياً} أي حسداً وظلماً لأن تكون النبوة في بني إسماعيل عليه السلام. وقال الحرالي: هو اشتداد في طلب شيء ما - انتهى. وأصله مطلق الطلب والإرادة، كأن الإنسان لما كان مجبولاً على النقصان ومطبوعاً على الشر والعصيان إلا من عصم الله وأعان كان مذموماً على مطلق الإرادة، لأن من حقه أن لا تكون له خيرة ولا إرادة بل تكون إرادته تابعة لإرادة مولاه كما هو شأن العبد - والله الموفق. ثم علل بغيهم بقوله: {أن ينزل الله} ذو الجلال والإكرام {من فضله} وفي صيغة {ينزل} إشعار بتمادي ما يغيظهم فيما يستقبل، وبشرى للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {على من يشاء من عباده} من العرب الذين حسدوهم. ثم سبب عن ذلك قوله {فباؤوا} أي رجعوا لأجل ذلك {بغضب} في حسدهم لهذا النبي صلى الله عليه وسلم لكونه من العرب {على غضب} كانوا استحقوه بكفرهم بأنبيائهم عناداً. ثم علق الحكم الذي استحقوه بوصفهم تعميماً وإشارة إلى أنه سيؤمن بعضهم فقال: {وللكافرين} أي الذين هم راسخون في هذا الوصف منهم ومن غيرهم {عذاب مهين} من الإهانة وهي الإطراح إذلالاً واحتقاراً. ولما أقام سبحانه الدليل على استحقاقهم للخلود في النار بكفرهم بالكتاب الذي كانوا يستفتحون بالآتي به أقام دليلاً آخر على ذلك أبين منه وذلك بكفرهم بكتابهم نفسه فقال: {وإذا قيل لهم} أي هؤلاء الذين نقضوا عهود كتابهم {آمنوا بما أنزل الله} أي الملك الذي له الأمر كله مطلقاً. وعلى جهة العموم من الكتب والصحف. ولما رفع مقدارهم بالدعاء إلى الإيمان بما أسند إلى هذا الاسم الأعظم {قالوا} تسفيلاً لأنفسهم {نؤمن بما أنزل علينا} فأسقطوا اسم من يتشرف بذكره ويتبرك باسمه وخصوا بعض ما أنزله. ثم عجب من دعواهم هذه بقوله: {ويكفرون} أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون {بما وراءه} أي وراء ما أنزل عليهم مما أنزل الله على رسله، وهو يشمل ما قبل التوراة وما بعدها، لأن وراء يراد بها تارة خلف وتارة قدام، فإذا قلت: زيد ورائي، صح أن يراد في المكان الذي أورايه أنا بالنسبة إلى من خلفي فيكون أمامي، وأن يراد في المكان الذي هو متوار عني فيكون خلفي. وقال الحرالي: وراء ما لا يناله الحس ولا العلم حيث ما كان من المكان، فربما اجتمع أن يكون الشيء وراء من حيث إنه لا يعلم ويكون أماماً في المكان - انتهى. {وهو} أي والحال أن ذلك الذي وراءه هو {الحق} الواصل إلى أقصى غاياته بما دلت عليه "أل" قال الحرالي: فأنهاه لغاية الحق بكلمة "أل" لأن ما ثبت ولا زوال له لانتهائه هو {الحق} وما ثبت وقتاً ما ثم يتعقبه تكملة أو يقبل زيادة فإنما هو "حق" منكر اللفظ، فإن بين المعروف بكلمة "أل" وبين المنكر أشد التفاوت في المعنى - انتهى. {مصدقاً لما معهم} فصح أنهم كافرون بما عندهم، لأن المكذب بالمصدق لشيء مكذب بذلك الشيء. ثم كشف ستر مقالتهم هذه بأبين نقض فقال {قل فلم} أي تسبب عن دعواكم هذه أن يقال لكم: لم {تقتلون أنبياء الله} الملك الأعظم مع أن كتابكم محرم لمطلق القتل فكيف بقتل الأنبياء! ثم بين أن كفرهم بهذا القتل إنما هو بطريق الرضى بقتل أسلافهم بقوله مثبتاً الجار لأن ذلك كان منهم في بعض الأزمان الماضية {من قبل} وفي صيغة المضارع تصوير لشناعة هذا القتل بتلك الحال الفظيعة ورمز إلى أنهم لو قدروا الآن فعلوا فعلهم، لأن التقدير: وتُصرّون على قتلهم من بعد؛ وفيه إيماء إلى حرصهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم تحذيراً منهم، ولقد صدق هذا الإيماء الواقع، فقد عزم بنو النضير على أن يلقوا عليه صخرة، وسمّه أهل خيبر. ثم أورد مضمون دعواهم بأداة الشك فقال {إن كنتم مؤمنين} إشعاراً بأن مثل ذلك لا يصدر من متلبس بالإيمان. ولما دل على كذبهم في دعوى الإيمان بما فعلوا بعد موسى مما استحقوا به الخلود في النار أقام دليلاً آخر أقوى من كل ما تقدمه، فإنه لم يعهد إليهم في التوراة ما عهد إليهم في التوحيد والبعد عن الإشراك وهو في النسخ الموجودة بين أظهرهم الآن، وقد نقضوا جميع ذلك باتخاذ العجل في أيام موسى وبحضرة هارون عليهما السلام كما هو منصوص الآن فيما بين أيديهم منها فقال تعالى: {ولقد جاءكم موسى بالبينات} من الآيات. ولما كان كفرهم مع ذلك في غاية الاستبعاد عبر عنه بأداته مصوراً لزيادة قبحه بترتبه على أظهر البيان وموبخاً لهم فقال: {ثم اتخذتم} أي مع العلاج لفطركم الأولى وعقولكم السليمة {العجل} ونبه بالجار على أن الاتخاذ في بعض زمن البعد فقال: من بعده أي بعد مفارقة موسى لكم إلى الطور كما في الآية الأخرى { أية : فتنا قومك من بعدك } تفسير : [طه: 85] {وأنتم} أي والحال أنكم {ظالمون *} أي لم تزعموا أنه إلهكم على جهل منكم بل بعد مجيء البينات إليكم أن إلهكم إنما هو الله الذي أنقذكم من العبودية وأراكم من العجائب الخوارق ما لا يقبل شكاً وسمعتم كلامه فعلمتم أنه ليس بجسم ولا يشبه الجسم، فلم تفعلوا ذلك إلا لأن الظلم وهو المشي على غير نظام خبط عشواء وصف لكم لازم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما سمي القلب لتقلبه. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أنه كان يقرأ {قلوبنا غلف} مثقلة، كيف تتعلم وإنما قلوبنا غلف للحكمة أي أوعية للحكمة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وقالوا قلوبنا غلف} مملوءة علماً لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية في قوله {وقالوا قلوبنا غلف} قال: هي القلوب المطبوع عليها. وأخرج وكيع عن عكرمة في قوله {قلوبنا غلف} قال: عليها طابع. وأخرج ابن جرير عن مجاهد {وقالوا قلوبنا غلف} عليها غشاوة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {وقالوا قلوبنا غلف} قال: قالوا لا تفقه. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب الإِخلاص وابن جرير عن حذيفة قال: القلوب أربعة: قلب أغلف فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح فذلك قلب المنافق، وقلب أجرد فيه مثل السراج فذلك قلب المؤمن، وقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإِيمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب، ومثل النفاق كمثل قرحة يمدها القيح والدم، فأي المادتين غلبت صاحبتها أهلكته. وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: تعرض فتنة على القلوب، فأي قلب أنكرها نكتت في قلبه نكتة بيضاء، وأي قلب لم ينكرها نكتت في قلبه نكتة سوداء، ثم تعرض فتنة أخرى على القلوب فإن أنكرها القلب الذي أنكرها نكتت في قلبه نكتة بيضاء، وإن لم ينكرها نكتت نكتة سوداء، ثم تعرض فتنة أخرى فإن أنكرها ذلك القلب الذي اشتد وابيض وصفاً ولم تضره فتنة أبداً، وإن لم ينكرها في المرتين الأوليتين أسود وارتد ونكس، فلا يعرف حقاً ولا ينكر منكراً. وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب الايمان والبيهقي في شعب الإِيمان عن علي رضي الله عنه قال: إن الإِيمان يبدو لحظة بيضاء في القلب، فكلما ازداد الإِيمان عظماً ازداد ذلك البياض، فإذا استكمل الإِيمان ابيض القلب كله، وإن النفاق لحظة سوداء في القلب، فكلما ازداد النفاق عظماً ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب كله، وأيم الله لو شققتم على قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود. وأخرج أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الكافر عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فيه إيمان ونفاق، ومثل الإِيمان كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق كمثل القرحة يمدها القيح والدم، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمان الفارسي موقوفاً مثله سواء. وأما قوله تعالى: {فقليلاً ما يؤمنون}. أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله {فقليلاً ما يؤمنون} قال: لا يؤمن منهم إلا قليل.
ابو السعود
تفسير : {وَقَالُواْ} بـيانٌ لفنٍ آخرَ من قبائحهم على طريق الالتفاتِ إلى الغَيْبة إشعاراً بإبعادهم عن رُتبة الخِطاب لِمَا فُصِّل من مخازيهم الموجبةِ للإعراض عنهم وحكايةِ نظائرِها لكل من يفهم بُطلانها وقباحتَها من أهل الحق، والقائلون هم الموجودون في عصر النبـي عليه الصلاة والسلام {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جمعُ أَغْلَفَ، مستعار من الأغلف الذي لم يُختَنْ أي مُغشّاة بأغشية جِبِلِّيةٍ لا يكاد يصلُ إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ولا تفقَهُه كقولهم قلوبُنا في أكِنّة مما تدعونا إليه وقيل: هو تخفيفُ غلُفٌ جمع غِلاف، ويؤيده ما رُوي عن أبـي عمرو من القراءة بضمتين، يعنون أن قلوبنا أوعيةٌ للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره قاله ابن عباس وعطاءٌ. وقال الكلبـي: يعنون أن قلوبَنا لا يصل إليها حديثٌ إلا وعَتْه ولو كان في حديثك خيرٌ لوعتْه أيضاً {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} ردٌّ لما قالوه وتكذيبٌ لهم في ذلك والمعنى على الأول بل أبعدهم الله سبحانه عن رحمته بأن خذلهم وخلاّهم وشأنَهم بسبب كفرهم العارضِ وإبطالِهم لاستعدادهم بسوء اختيارِهم بالمرة وكونِهم بحيث لا ينفعهم الإلطاف أصلاً بعد أن خلقهم على الفطرة والتمكنِ من قبول الحق. وعلى الثاني بل أبعدهم من رحمته فأنى لهم ادعاءُ العلمِ الذي هو أجلُّ آثارِها وعلى الثالث بل أبعدهم من رحمته فلذلك لا يقبلون الحق المؤديَ إليها {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} ما مزيدة للمبالغة أي فإيماناً قليلاً يؤمنون وهو إيمانُهم ببعض الكتاب وقيل: فزماناً قليلاً يؤمنون وهو ما قالوا: {أية : آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ} تفسير : [آل عمران، الآية 72] وكلاهما ليس بإيمان حقيقةً، وقيل: أريد بالقِلة العدمُ. والفاءُ لسببـية اللعن لعدم الإيمان.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [الآية: 88]. أى حرم قسم السعادةِ لها فى الأزل.
القشيري
تفسير : لو كان منهم شيء بمجرد الدعوى لهان وجود المعاني، ولكن عند مطالبات التحقيق تَفْتَرُّ أنيابُ المُتَلَبِّسِين عن أسنانٍ شاحذة بل (....) وقيل: شعر : إذا انسكبت دموعٌ في خدود تبيَّن مَنْ بكى ممن تباكى
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا} اى اليهود الموجودون فى عصر النبى عليه السلام {قلوبنا غلف} جمع اغلف مستعار من الاغلف الذى لم يختن اى هى مغشاة باغشية جبلية لا يكاد يصل اليها ما جاء به محمد ولا تفقهه ثم رد الله ان تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لانها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق واضرب وقال {بل لعنهم الله بكفرهم} اى خذلهم وخلاهم وشأنهم بسبب كفرهم العارض وابطالهم لاستعدادهم بسوء اختيارهم بالمرة {فقليلا ما يؤمنون} ما مزيدة للمبالغة اى فايمانا قليلا يؤمنون وهو ايمانهم ببعض الكتاب والفاء لسببية اللعن لعدم الايمان.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {غُلف}: جمع ألف، كأحمر وحُمْر، وأصفر وصُفْر، وهو الذي عليه غشاوة، أي: هي في غلاف؛ فلا تفقه ما تقول، بمنزلة الأغلف، وهو غير المختون، وقيل: أصله {غُلُف} بضم اللام، وبه قرأ ابن محيصن. فيكون جمع غلاف، كحجاب وحجب، وكتاب وكتب، ومعناه، قلوبنا أوعية لكل علم فلا نحتاج إلى علمك وكتابك. و {قليلاً} صفة لمحذوف؛ أي: فإيماناً قليلاً، أو عدداً قليلاً يؤمنون، أو ظرف؛ لأنه من صفة الأحيان، والعامل فيه ما يليه، و {ما} لتأكيد القلة، أي: في قليل من الأحيان يؤمنون، أو حال من الواو في {يؤمنون} أي: فيؤمنون في حال قلتهم. يقول الحقّ جلّ جلاله: قالت اليهود استهزاء بما تدعوهم إليه: {قُلُوبُنَا} مغلفة ومغشاة فلا نفقه ما تقول، أو أوعية للعلوم فلا تحتاج إلى علمك، قال الله تعالى: {بل} لا غطاء على قلوبهم حساً، بل هي على الفطرة لكن {لعنهم الله} وطردهم وخذلهم بسبب {كُفْرِهِمْ} فأبطل استعدادها للعلم، {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} أي: فإيماناً قليلاً يؤمنون كإيمانهم ببعض الكتاب، أو فلا يؤمن إلا قليل منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا أمر الدعاة إلى الله أهل الدنيا بذبح النفوس وحط الرؤوس ودفع الفلوس، ليتأهلوا به لدخول حضرة القدوس، أو أمروهم بخرق العوائد، لتخرق لهم العوائد، أنفوا وعنفوا وقالوا: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه، فيقال لهم: بل سبق لكم من الله البعد والحرمان، فأنكرتم أسباب الشهود والعيان، لكن مَن سبقت له من الله العناية، وهبَّ عليه نسيم الهداية، فلا تضره الجناية، فقد يلتحق بالخصوص، وإن كان من أعظم اللصوص، وهو قليل بالنسبة إلى من جاهد نفسه في طلب السبيل،{أية : وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقْتَدِراً}تفسير : [الكهف: 45].
الطوسي
تفسير : القراءة: القراء المعرفون على تسكين اللام من قوله غلف. وقال ابن محيص غلف بضم اللام المعنى: وروي عن ابن عباس ذلك فمن قرأ بالتسكين قال: معنى غلف الواحد منها اغلف وغلف مثل احمر وحمر فكأنهم قالوا: قلوبنا أوعية فلم لا تعي ما تأتينا به قالوا كما {قالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} أي لا تفقه لأنها في حجاب. ومنه يقال للرجل الذي لم يختن اغلف والمرأة غلفاء ويقال للسيف اذا كان في غلاف اغلف وقوس غلفاء: وجمعها غلف وكذلك كل لغة على وزن افعل للذكر والانثى فعلاء يجمع على فعل مضمومة الاول ساكنة الثاني نحو احمر وحمر واصفر وصفر فيكون ذلك جمعاً للتذكير والتأنيث ولا يجوز ثقيل عين الفعل إلا في ضرورة الشعر. قال طرفه: شعر : ايها الفتيان في مجلسنا جردوا منها وراداً وشُقر تفسير : فحرك لضرورة الشعر. ومن قرأ "غلف" مثقلا قال: هو جمع غلاف مثل مثال ومثل وحمار وحمر. فيكون معناه إن قلوبنا اوعية للعلم فما بالها لا تفهم، وهي اوعية للعلم. ويجوز ان يكون التسكين عين التثقيل مثل رسْل ورُسل. وقال عكرمة غلف: أي عليها طابع. والمعنى عندنا ان الله اخبر ان هؤلاء الكفار ادعوا ان قلوبهم ممنوعة من القبول وذهبوا إلى ان الله منعهم من ذلك، فقال الله رداً عليهم {بل لعنهم الله بكفرهم} أي انهم لما كفروا فالفوا كفرهم واشتد اعجابهم به ومحبتهم اياه، منعهم الله، من الالطاف والفوائد ـ ما يؤتيه المؤمنين ثواباً على ايمانهم وترغيباً لهم في طاعتهم، وزجر الكافرين عن كفرهم، لأن من سوى بين المطيع والعاصي له، فقد اساء اليهما. وفي الآية ردّ على المجبرة ايضاً، لأنهم قالوا: مثل ما يقول اليهود من أن على قلوبهم ما يمنع من الايمان ويحول بينهم وبينه، وكذبهم الله تعالى في ذلك بأن لعنهم وذمهم. فدل على أنهم كانوا مخطئين، كما هم مخطئون. وقال ابو علي الفارسي: ما يدرك به المعلومات من الحواس وغيرها، اذ اذكر بانه لا يعلم وصف بان عليه مانعاً كقوله تعالى: {أية : أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} تفسير : فان الفعل لما كان مانعاً من الدخول إلى المقفل عليه شبه القلوب به. ومثله قوله: {أية : سكرت أبصارنا}تفسير : وقوله: {أية : الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري } تفسير : ومثله {أية : بل هم منها عمون } تفسير : وقوله: {أية : صم بكم}. تفسير : لأن العين اذا كانت في غطاء لم ينفذ شعاعها فلا يقع بها ادراك، فكأن شدة عنادهم بحملهم على رفع المعلومات. واللعن هو الاقصاء والابعاد. يقال: لعن الله فلانا يلعنه لعناً. فهو ملعون، ثم يصرف مفعول إلى فعيل، فيقال: هو لعين. كما قال الشماخ بن ضرار: شعر : ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين تفسير : أي المبعد: فصار معنى الآية قالت اليهود: {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه} محمد (صلى الله عليه وسلم). فقال الله: ليس ذلك كما زعموا ولكنه تعالى اقصاهم وأبعدهم عن رحمته وطردهم عنها، لجحودهم به وبرسله. وقوله تعالى: {قليلاً ما يؤمنون} قال قتادة: قيل منهم من يؤمن. وقال قوم: {قليلاً ما يؤمنون} أي لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم. والذي نقوله ان معنى الآية ان هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى قليلوا الايمان بما انزله الله تعالى على نبيه محمد "صلى الله عليه وسلم" ولذلك نصب قوله {قليلاً} لأنه نصب على نعت المصدر المتروك. وتقديره لعنهم الله بكفرهم، فأيماناً قليلاً يؤمنون. ولو كان الامر على ما قال قتادة، لكان القليل مرفوعاً، وكان تقديره فقليل ايمانهم. وقال قوم من اهل العربية: ان ما زائدة لا معنى لها. كقوله: {أية : فبما رحمة من الله لنت لهم } تفسير : وتقديره الكلام: قليلا يؤمنون، وانشد بيت مهلهل شعر : لو بأبانين جاء يخطبها ضرج ما انف خاطب بدم تفسير : يعني ضرج انف خاطب. وما زائدة. وقال قوم: ذلك خطأ في الآية وفي البيت وان ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الاشياء اذا كانت " ما " كلمة تجمع كل الاشياء، ثم تخص بعض ما عمته، فانها تذكر بعدها. وفي الناس من قال: {فقليلا ما يؤمنون}، لأنه كان معهم بعض الايمان من التصديق بالله وبصفاته، وغير ذلك مما كان فرضاً عليهم، وذلك هو القليل بالاضافة الى ما جحدوا به من التصديق بالنبي "صلى الله عليه وسلم" وما جاء به. والذي يليق بمذهبنا ان نقول: إنه لم يكن معهم ايمان اصلا، وانما قال: "فقليلا ما يؤمنوا" كما يقول القائل: قل ما رأيت هذا قط. وروي عنهم سماعاً: ـ اعني العرب ـ مررت ببلد قل ما ينبت إلا الكراث والبصل. يريدون ما ينبت إلا الكراث والبصل.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالُواْ} التفات من الخطاب الى الغيبة تبعيداً لهم عن ساحة الخطاب وعطف باعتبار المعنى كأنّه قيل على ما بيّن فى الخبر السّابق استكبروا عن محمّد (ص) وكذّبوه وقالوا فى مقام الاستهزاء والاستكبار {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جمع الاغلف اى قلوبنا فى غلافٍ وحجاب ممّا تدعونا اليه فهى فى اكنّةٍ لا يصل اليها قولك ونصحك، او جمع الغلاف وأصله غلف بالضّمّتين كما قرئ به فخفّف باسكان العين والمعنى قلوبنا أوعية للعلوم فلا حاجة لنا الى ما جئت به او ليس فى علومنا خبر منك ولا اثر وفى تفسير الامام (ع) بعد ذكر قراءة {غلف} بضمّتين واذا قرئ {غلف} فانْهم قالوا قلوبنا غلف فى غطاءٍ فلا نفهم كلامك وحديثك نحو ما قال الله تعالى: {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}تفسير : [فصلت: 5]، وكلتا القرائتين حقّ وقد قالوا بهذا وبهذا جميعاً فرّد الله عليهم وقال: ليس الامر كما يقولون {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} بمحمّد (ص) ولذا لا يتأثّرون ولا يدركون ما يصدّق محمّداً (ص) {فَقَلِيلاً مَّا} لفظ ما زائدٌ او صفةٌ لقليلاً لتأكيد القلّة وقليلاً صفة مصدرٍ محذوفٍ اى ايماناً قليلاً اىّ قليلٍ {يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَآءَهُمْ} اى اليهود وهو عطف على قالوا {قلوبنا غلف} {كِتَابٌ} القرآن {مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} من التّوراة الّتى فيها نعت محمّد (ص) وعلىٍّ (ع) وآلهما ومبعثه ومهاجره {وَكَانُواْ} اى هؤلاء اليهود {مِن قَبْلُ} اى قبل ظهور محمّدٍ (ص) بالرّسالة {يَسْتَفْتِحُونَ} بمحمّدٍ (ص) وعلىّ (ع) وآلهما {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بمحمّدٍ (ص) او بنبوّة الانبياء او بنبوّة موسى (ع) ودينه وكانوا يظفّرون على اعدائهم الكفرة بالاستفتاح والاستنصار بهم، وقصص استفتاحهم مسطورة فى المطوّلات مثل الصّافى وغيره {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ} تأكيد للاوّل وزيادة الفاء فى التّأكيد مبالغة وتأكيد فى التّأكيد والمراد بما عرفوا امّا القرآن او محمّد (ص) وعلىّ (ع) ونعوتهما، ولا ينافى التّأكيد هذه المخالفة فانّ مجيء الكتاب المصدّق فى قوّة مجيء صاحب الكتاب وقوله تعالى {كَفَرُواْ بِهِ} جواب {لمّا} الاولى، او جواب {لمّا} الاولى محذوف بقرينة جواب {لمّا} الثّانية اى لمّا جاءهم كتاب مصدّق لما معهم كذّبوه فلمّا جاءهم ما عرفوا من نعوت محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) وآلهما واصحابهما كفروا به، او {لمّا} الثّانية مع جوابها جواب لمّا الاولى وهذا على جواز اتيان الفاء فى جواب {لمّا} وقد منعه البصريّون وجوّزه الكوفيّون {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تقريع على الكفر بما عرفوا انّه حقّ وأتى بالمظهر موضع المضمر للتّطويل والتّصريح بوصفهم القبيح الّذين يقتضيهما مقام السّخط وللاشعار بعلّة الحكم؛ ونسب الى علىّ (ع) انّه قال بعد ذكر استفتاح اليهود واستنصارهم على أعدائهم: فلمّا ظهر محمّد (ص) حسدوه اذ كان من العرب وكذّبوه ثمّ قال رسول الله (ص) هذه نصرة الله لليهود على المشركين بذكرهم لمحمّد (ص) وآله الا فاذكروا يا أمّة محمّدٍ محمّداً (ص) وآله عند نوائبكم وشدائدكم لينصر الله به ملائكتكم على الشّياطين الّذين يقصدونكم فانّ كلّ واحدٍ منكم معه ملكٌ عن يمينه يكتب حسناته وملكٌ عن يساره يكتب سيّئاته ومعه شيطانان من عند ابليس يغويانه فاذا وسوسا فى قلبه وذكر الله تعالى وقال: لا حول ولا قوّة الاّ بالله العلىّ العظيم وصلّى الله على محمّدٍ (ص) خنس الشّيطانان واختفيا.
اطفيش
تفسير : {وَقَالُوا}: لرسول الله صلى الله عليه وسلم. {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}: مغطاة بأغطية خلقت عليها فلا يصل إليها ما تقول يا محمد ولا نَفْقَه، وهذا كذب منهم بل ذل قلوبهم وفهموه حقا ولم تخلق عليهم أغطية وجحدوه عمداً، ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك عناداً ظاهراً وجحوداً مواجهاً، بمعنى أن قلوبهم لم تقبل ما جاء به، ولو كان حقا. ويحتمل أن يكون ذلك كناية عن أنهم لا يقبلون كلامه، ولو قبلته قلوبهم وكان حقا، ويحتمل أن يكون المعنى أن قلوبهم تأبى قبول ما قال، لكونه خطأ فذلك كناية منهم ـ قبحهم الله ـ عن أن ما يقول ليس بحق، وأنه لو كان حقا لأثر فى قلوبهم. وإن قلت: كيف صح الاحتمال الذى قبل هذا، مع أن لفظ قلوبنا غلف ينافيه؟ قلت: صح لأنه لا يلزم استعمال الكناية فى المعنى الحقيقى مع لازمه، بل تستعمل فيها تارة وتستعمل فى لازمة فقط أخرى، وعدم قبول كلام الإنسان فى الجملة يجوز أن يكون عن كون قلب السامع مغطى، والغلف جمع أغلف، والأغلف الذى لم يختن، استعير للقلب المغطى بجامع كون الستر على كل من القلب بما غطى به فى زعمهم، ومن رأس الذكر بالغفلة التى يقطعها الخاتن، ولذلك صح ذلك الجمع هنا ومفرده فإن أفعل وفعلا فيما هو خلقه أو لون كأبكم وبكم وأحمر وحمر، قال الحسن: غلف قلف لم تختن، لقولك يا محمد، وقال ابن مجاهد عن أبيه: غلف أى فى أكنة، والمعنى واحد، لأن هذا معنى لفظ الاستعارة فى كلام الحسن، وتفسير الغلف بالمغطاة مروى عن ابن عباس، وهو أيضاً معنى ذلك اللفظ، وذلك كقوله: {أية : قلوبنا فى أكنة مما تدعونا إليه} تفسير : وفى رواية عن ابن عباس: أن الغلف جماعة، والواحد غلاف وأصله غلف بضم اللام كالغين سكن تخفيفاً، وقد روى عن أبى عمر شذوذاً بضم اللام كالغين على أصل، وإن المعنى إن قلوبنا أوعية للعلم لا تسمع علماً إلا وعنه، ولا تعى ما تقول لأنه ليس حقاً، وقيل قلوبنا أوعية للعلم مملوءة به، مستغنية عما تقول قال الله ـ عز وجل ـ ردا عليهم: {بَل لَّعَنتمُ اللهُ بِكُفْرِهِم}: أى لم يخلق الله غطاء على قلوبهم مانعاً من فهم ما يقول محمد. وقبوله وإنما خلقهم على الفطرة والتمكن من فهمه وقبوله ولذلك عصوا بمخالفة التوراة فكفروا فأبعدهم الله بكفرهم الموجب للإبعاد عن قبوله وفهمه، فذلك خذلان فبطل تمكنهم بسوء اختيارهم مخالفة التوراة وذلك جزاء على الذنب بذنب أعظم منه، ويجوز أن يكون لما زعموا أن قلوبهم ممتنعة من قبوله وفهمه لكونه غير صواب، رد الله تعالى عليهم بأنها لم تمتنع لكونه غير صواب، لأنه صواب، بل امتنعت للخذلان الذى جره كفرهم السابق من مخالفة أمر التوراة، كقوله: {يضل من يشاء} وقوله: {أية : فأصمهم وأعمى أبصارهم} تفسير : أو لما قالوا إن قلوبنا أوعية للعلم مملوءة به مستغنية عنك، رد الله عز وجل عليهم بأنهم كفرة أبعدهم الله عن مقامات العلم، فمن أين لهم العلم والاستغناء عنك. {فَقَليلاً مَّا يُؤمِنونَ}: قليلا مفعول مطلق ليؤمنون على حد الموصوف، وما صلة لتأكيد القلة أى يؤمنون إيماناً قليلا قلة دقيقة، ولا يجوز أن تكون ما نافية، لأن لا نافية الصدر فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهنا قد عمل ما بعدها فيما قبلها فليست نافية، وأجازه بعضهم إن لم تعمل عمل ليس، ولأن فى كونها نافية إيهاماً فإن المعنى المقصود على النفى أنهم لا يؤمنون ولو إيماناً قليلا، واللفظ يوهم أن الإيمان القليل لا يؤمنونه ولكن يؤمنون الإيمان الكثير، وهذا لا يصح، والقلة فى الآية على أصلها كما مر فى قولى يؤمنون إيماناً قليلا قلة دقيقة، ويجوز كونها بمعنى النفى، ولا يمكن كون ما على هذا الوجه نافية إلا على تأكيد النفى تأكيداً لغوياً اصطلاحياً، فإن اللغوى يكون فى كل واحد من الفعل والاسم والحرف للآخر، فكأنه قيل لا لا يؤمنون بتكرير لا، ولو جعلت نافية غير مؤكدة للنفى المستفاد من: قليلا، لكان المعنى انتفاء عدم إيمانهم وهذا غير مراد، وإبقاء القلة على أصلها هو الراجح والقلة إنها هى بالنسبة إلى من آمن من غيرهم إذ قد من أكثر من ثلاثة منهم كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار ورفاعة القرضى، وذكر رفاعة القرضى فى قوله تعالى: {أية : الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون} تفسير : أنه من عشرة من اليهود، وأنهم المراد فى هذه الآية {الذين آتيناهم..} إلخ، وأنا أحدهم ولا ينافى قوله هذا قول الحسن عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه لو آمن بى واتبعنى وصدقنى عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودى إلا اتبعنى، لأن المراد عشرة غير اثنين أتم بهما رفاعة العشرة التى ذكرها هو، وقال كعب ردا على الحسن لما روى الحديث بلفظ العشرة بل اثنى عشر قال: ومصداقى فى كتاب الله: {أية : ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيباً} تفسير : ويحتمل أن يراد فى رواية الحسن عشرة بعد اثنين أسلما يتم بهما اثنى عشر، ولو أسلم عشرة وهذا على أنه لم يسلم إلا اثنان كما زعم بعض المفسرين، قال بعض لا نعلم أحداً من اليهود أسلم على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا رجلا واحداً، والحسن يذكر آخر ولا أدرى من هو.
اطفيش
تفسير : {وَقَالُوا} للنبي صلى الله عليه وسلم استهزاء به صلى الله عليه وسلم {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جمع أغلف، كحمر جمع أحمر، طبعت على أن لا يصل إليها ما يذكر لها من الوعظ والأمر والنهى، كشىء متعظ أغلف بغطاء حسى، فالآية تشبيه أو استعارة، كما فى زيد أسد، ولا يوجد فى اللغة الغلفة بمعنى الرين حقيقة، بل مجاز، كما أريد فى الآية، والرين وقع فى قلوبهم تحقيقا، وكذبوا فى قولهم خلقت لا يصل إليها ذلك، لأنهم متمكنون من الفهم، وأعرضوا كل مولود يولد على الفطرة، فذلك الإعراض كان به الرين، وبعضهم فهم الحق وجحد، وذلك الجحود، وذلك الفعل رين مانع عن النظر والقبول، وترك الجحود، أو جمع غلاف. فأصله ضم اللام سكن تحقيقا ككتاب وكتب، أى أوعية للعلم، فلو كان قولك حقا لوعته، أو استغنينا بما فيها من العلم بالتوراة، أو بسلامة الفطرة عن غيره، كما يمنع الغلاف الزيادة {بَلْ} أى ليس كما قالوا من الخلقة على عدم الفهم، أو امتلائها علما، ومن عدم حقية ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم {لَّعَنَهُمُ اللهُ} أبعدهم بالخدلالن عن القبول {بِكُفْرِهِمْ} أى بكفرهم السابق الذى جر إليهم قولهم، قلوبنا غلف، ولم تأبه قلوبهم لعدم كونه حقا، فإنه حق، ولكن خذلهم الله عز وجل، أو أبعدهم عن رحمته بكفرهم هذا الذى هو قولهم قلوبنا غلف {فَقَلِيلاً مَّا} صلة لتأكيد القلة {يُؤمِنُونَ} أى يؤمنون إيماناً قليلا جدا، لقلة ما آمنوا به، أو لقلة من آمن، أو زمانا قليلا، فإن قله ما آمنوا به قلة لزمان يوقع فيه الإيمان، ولو كثر ما أومن به لكثر زمان الإيمان، إذ تنزل الآية فيؤمنون بها، وتنزل الأخرى فى زمان فيؤمنون، وهكذا، وقلة من أمن من قلة الزمان إيقاع الإيمان، إذ لو كثر من آمن لوقع إيمان هذا فى زمان، وهذا فى زمان آخر، وهكذا، فتكثر أزمنة إيقاع لإيمان، وأما قولهم آمنوا بالذى أنزل على الدين آمنوا وجه النهار... أو أراد بالذلة النفى، كما جاء حديث : أنه صلى الله عليه وسلم يقل اللغوتفسير : ، ولا مانع من ذلك، وقيل: المراد إيمانهم حال الاحتضار تحقيقاً، لكن لا يقبل.
الخليلي
تفسير : انتقل الكلام من خطاب بني إسرائيل بتقريعهم على ما ارتكبوا، وتوبيخهم على ما ضيعوا، إلى التحدث عنهم حديث الغائب عن الغائب مع سرد مجموعة أخرى من أعمالهم المنكرة، وأحوالهم العجيبة، والانتقال من الخطاب إلى الغيبة ضرب من ضروب الالتفات الذي سبق الكلام فيه كضده، ونكتته هنا أن الخطاب لا يخلو عادة من تكريم المخاطب، والعناية به، ومن حيث إنهم وقعوا فيما وقعوا فيه من ذل المعصية وهوان الخذلان، كانوا بمنأى عن استحقاق العناية بهم واستئهال الالتفات إليهم، فكان الحديث عنهم حريا بأن يوجه إلى غيرهم للاعتبار بأحوالهم، والاتعاظ بما حاق بهم، فهو مشعر بطردهم من ساحات التكريم، والالقاء بهم في زوايا الإِهمال. وضم العلامة ابن عاشور إلى هذه النكتة نكتة أخرى، وهي أن مواجهتهم بالخطاب كانت حال تذكيرهم بما سلف منهم مع الأنبياء الذين بعثوا إليهم خاصة من بين جلدتهم، وعندما جاء دور تقريعهم على سوء مواجهتهم لدعوة النبي الأمي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام الذي يجدونه مكتوبا عندهم فيما جاء به أنبياؤهم عن الله أجرى الخطاب بأسلوب الغيبة للإِيذان بالانتقال من أمر إلى آخر. وجوز الألوسي وابن عاشور عطف جملة: {قَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} على كل من {ٱسْتَكْبَرْتُمْ} أو {كَذَّبْتُمْ}؛ قال ابن عاشور: "فيكون على الوجه الثاني تفسيرا للاستكبار، أي يكون على تقدير عطفه على كذبتم من جملة تفصيل الاستكبار بأن أشير إلى أن استكبارهم أنواع، تكذيب، وتقتيل، وإعراض". وأشار الألوسي إلى مثل ما قاله، والصحيح عندي خلاف ما قالاه؛ فإن ما ذكر قبل هذه الآية إنما هو من أحوالهم الغابرة في سلسلة جرائرهم وتحدياتهم للنبيين الذين أرسلوا إليهم من قبل، أما هذه الآية والآيات الثلاث بعدها فهي تتحدث عن أحوالهم الحاضرة عندما كانوا يواجهون دعوة النبي الأمي صلوات الله وسلامه عليه بأنواع المؤامرات، ويرمونها بقذائف التشكيك، وكما أنه لا يجوز جعل قوله تعالى: {لَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ...} الآية وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} المعطوفين على قوله: {قَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} بيانا للاستكبار المذكور في الآية السابقة، للتفاوت في الأزمان فإنه من غير الجائز أيضا أن يكون قوله: {قَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} بيانا له، فإن العطف يقتضي تشريك المعطوف مع المعطوف عليه في الحكم الذي ذكر له، سواء كان عطف مفرد على مفرد أو جملة على جملة، وإنما الوجه في ذلك أن هذه الآية وما بعدها من الآيات الثلاث معطوفة على: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} عطف القصة على القصة. والمراد بالقلوب هنا العقول كما سبق، والغلف جمع أغلف، وهو الذي غُلِّف بالغلاف الشديد بحيث يقيه نفاذ أي شيء إليه، ومرادهم بهذا القول أن ييأس رسول الله صلى الله عليه وسلم من تأثير دعوته في نفوسهم، ولا يبعد أن يكونوا مشيرين بذلك إلى أن هذه الدعوة خطر يتوقونه، فإن من شأن الغلاف أن يصان فيه الشيء الثمين مما يكره أن يصل إليه من الأذى فيتلفه أو يفسده، ومثل ذلك قول المشركين: {أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} تفسير : [فصلت: 5]. وقرأ ابن عباس والأعمش وابن محيصن "غُلُفُ" - بضم اللام - ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو من القراء السبعة، وعليها فهو جمع غلاف ككتاب وكتب، وحمل بعضهم قراءة الجمهور على هذا المعنى، وعدَّ التسكين للتخفيف، وبناء على ذلك يكون مرادهم أن قلوبهم أوعية يختزن فيها العلم، فلا حاجة لهم - مع ما حوته - إلى ما يدعوهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبينه لهم، أو أنهم ما كان ليفوت مداركهم ما يدعوهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لو كان حقا، وفي هذا إيماء إلى تكذيبه عليه أفضل الصلاة والسلام بالأسلوب الكنائي. وعلى جميع هذه الوجوه فقوله: {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} رد على دعواهم، أما على القول الأول - وهو الصحيح - فمقتضى الرد عليهم أن قلوبهم كسائر القلوب من حيث تكوينها الخِلْقي فهي متمكنة - لو أرادوا - من فهم الحق، إذ لا حائل بينها وبينه، وإنما صدها عنه إخلادها إلى الكفر الذي استوجبت من أجله لعنة الله أي طردها من رحمته وحرمانها من توفيقه، ونحوه قوله في سورة النساء: {أية : وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [النساء: 155]. وأما على الوجهين الأخيرين فحاصل الرد أن استنكافهم من الإِيمان بما جاء به النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وأنفتهم من اتباعه فيما يدعوهم إليه من الحق ليس لاستغنائهم بما عندهم من العلم أو لعدم كون ما يُدْعَون إليه حقا صريحا ولكن لأجل ما حاق بهم من اللعن. واللعن هو الطرد - كما سبق - وهو دال على البعد، كما يقال شأو لعين أي بعيد، ومنه قول الشماخ: شعر : ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين تفسير : وذلك أن الطريد عن الشيء مبعد عنه. وقوله: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} مرتبط بما قبله برباط السببية الذي تؤذن به الفاء وذلك أن لعنهم بكفرهم كان سبباً في استمرارهم على الكفر وعدم تقبل نفوسهم للإِيمان إلا إيمانا جزئيا لا وزن له في كفة الاعتقاد وهو الموصوف بالقلة هنا والمراد به إيمانهم بوجود الله سبحانه، وإنما كان هذا الإِيمان قليلا غير معتد به؛ لأنه شِيب صفاؤه بأكدار التشبيه والتجسيم، ووصفه تعالى بصفات النقص، وهُدِم بكفرهم بسائر أركان الإِيمان، والإِيمان لا يعتد به إلا اذا كان متكاملاً فإذا انهدّ بعضه انتقض كله وهم قد كفروا بالنبي الخاتم محمد عليه الصلاة والسلام كما كفروا قبله بالمسيح عليه السلام وبغيره من النبيين الذين بعثوا مؤيدين لرسالة موسى عليه السلام ومؤكدين وجوب الحفاظ على التوراة والعمل بها وقد أفضت مكابرتهم لهم إلى قتلهم لبعضهم، وقد كفروا باليوم الآخر؛ إذ لم يؤمنوا به على حقيقته فكان تصديقهم بوجود الله سبحانه - مع ذلك - كعدمه. و"قليلا" صفة لموصوف يقتضيه المقام؛ أي فإيمانا قليلا. وقلة الإِيمان بقلة ما يتعلق به، ذلك لأنهم كفروا بأغلب ما يجب أن يؤمن به فكان جديراً إيمانهم بوصف القلة. وذهب قتادة إلى أن القلة هنا وصف لمن آمن منهم فقد أخرج عنه ابن جرير أنه قال: فلعمري لمن رجع من أهل الشرك أكثر ممن رجع من أهل الكتاب، وإنما آمن من أهل الكتاب رهط يسير، وروى عنه أيضا أنه قال: لا يؤمن منهم إلا قليل. وتعقبه ابن جرير بأن انتصاب "قليلا" قاضٍ بأنه صفة لمصدر يدل عليه فعلُه وهو: يؤمنون، قال: ومعناه بل لعنهم الله بكفرهم فإيمانا قليلا ما يؤمنون فقد تبين إذن بما بينا فساد القول الذي رُوي عن قتادة في ذلك؛ لأن معنى ذلك لو كان على ما رُوي من أنَّه يَعْني به فلا يؤمن منهم إلا قليل، أو فقليل منهم من يؤمن، لكان القليل مرفوعاً لا منصوباً، لأنه إذا كان ذلك تأويله كان القليل حينئذ مرافعا "ما"، وإن نصب القليل، "وما" في معنى "من" أو "الذي" بقيت ما لا مرافع لها وذلك غير جائز في لغة أحد من العرب. وحاصل كلامه أنه يلزمه على مذهب قتادة أن تكون "ما" بمعنى من الموصولة، و"يؤمنون" صلتها، وهي مبتدأ خبره "قليل" مقدم عليه فيتعين رفعه، وحكى المهدوي اعتراض ابن جرير على قتادة عن النحويين؛ نقل ذلك عنه أبو حيان، وتعقبه بقوله: "قول قتادة صحيح, ولا يلزم ما ذكره النحويون لأن قتادة إنما بين المعنى وشرحه، ولم يرد شرح الإِعراب فيلزمه ذلك، وإنما انتصاب (قليلا) عنده على الحال من الضمير في (يؤمنون)، والمعنى عنده فيؤمنون قوما قليلا، أي في حالة قلة". ويفهم من كلام العلامة السيد محمد رشيد رضا أنه يجنح إلى هذا القول فإنه بعد ذكره لقول الإِمام محمد عبده المتفق مع قول الجمهور أورد هذا الرأي وأتبعه بقوله: "والاستدراك على هذا الوجه أظهر، فإنه لما بين أن كفرهم المستمر، وعصيانهم المستمر كانا سببا في لعنهم وإبعادهم، كان للوهم أن يذهب إلى أنهم قوم قد سُجل عليهم الشقاء، وعمهم حتى لا مطمع في إيمان أحد منهم، فجاء قوله تعالى: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} يبين أن هذا الوهم لا يصح أن ينطلق على إطلاقه وأن تأثير ما ذكر في مجموع الشعب لم يستغرق أفراده استغراقا وإنما غمر الأكثرين، ويرجى أن ينجو منه النفر القليل وكذلك كان". وأتبع هذا قوله: "وفيه من دقة القرآن في الصدق، وتحديد الحق ما لا يعهد في كلام الناس". و"ما" الداخلة على "قليلا" فائدتها تأكيد عموم القلة، فهي كأختها في قوله تعالى: {مَثَلاً مَّا} وقد سبق بيانها، وهذا كما تأتي لتفخيم الشيء في نحو قوله تعالى: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} تفسير : [آل عمران: 159]، أي فبسبب رحمة عظيمة الشأن خصك الله بها لنت لهم على ما لقيت منهم، وقد بيّن تعالى هذه الرحمة بقوله في وصفه صلى الله عليه وسلم: {أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 128]، وقوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107]. وتجرأ جماعة من أهل العربية والمفسرين فسموها زائدة في الموضعين، وهو لا يليق بجلاله القرآن، كما أوضحه الإِمام محمد عبده، ونقل ابن جرير إنكار زيادتها عن جماعة، واستصوب هذا الإِنكار لذات السبب الذي ذكرته، وقد تكرر بيان مثل هذا في هذا التفسير. وجوز جماعة منهم الزمخشري وابن عاشور أن تكون القلة هنا مستعملة في معنى العدم على حد قول أبي كبير الهذلي: شعر : قليل التشكي للمهم يصيبه كثير الهوى شتى النوى والمسالك تفسير : وكما قال بعضهم في أرض نصيبين "كثيرة العقارب قليلة الأقارب" وأراد عديمة الأقارب، ويقال فلان قليل الحياء وقليل الأدب مرادا به عدمهما، وهو إما أن يكون من باب المجاز للشبه بين القلة والعدم، أو من باب الكناية لصيرورة ما يقل إلى الاضمحلال، وهو من باب إطلاق اسم الملزوم وإرادة لازمه؛ هكذا حرر المسألة الإِمام ابن عاشور في تحريره وتنويره. ويتجه لي وجه ثالث وهو أنه مجاز مرسل علاقته السببية فإن القلة سبب للإِنعدام. ولم ير أبو حيان جواز حمل القلة على العدم في مثل هذا التركيب لإِنتصاب قليلا بفعل مثبت وهو "يؤمنون" مع أن مثله لا يكون إلا في مقام النفي، وقد أتى عقب كلامه ما ينقضه حيث قال: "وإنما الذي نقل النحويون أنه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهم أقل رجل يقول ذلك، وقل رجل يقول ذلك، وقلما يقوم زيد، وقليل من الرجال يقول ذلك، وقليلة من النساء تقول ذلك". فإن هذه الأمثلة كلها مسوق مساق الإِثبات مع قصد النفي كما في الآية. وربط الإِمام محمد عبده بين قوله تعالى: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ...} وقوله بعده: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ...} الخ، وذلك أن جعل الواو في الثاني للحال، ومعنى ذلك أن إيمانهم كان قليلا حال كونهم كانوا ينتظرون نبيا وكتابا مصدقا لما معهم، وكانوا يستفتحون به على المشركين، فكيف لا يكون قليلا أو أقل بعد ما جاء ما كانوا ينتظرون، وعرفوا أنه الحق ثم كفروا. وذهب الإِمام ابن عاشور، إلى أن الواو عاطفة، والمعطوف عليه "قلوبنا غلف" لقصد الزيادة في الإِنحاء عليهم بالتوبيخ، فإنهم لو أعرضوا عن الدعوة المحمدية إعراضا مجردا من الأدلة لكان في اعراضهم معذرة ما، ولكنهم أعرضوا وكفروا بالكتاب الذي جاء مصدقا لما معهم، والذي كانوا من قبل يستفتحون به على المشركين" وهو أبين. سلوك يهود المدينة ومشركي العرب ولا خلاف أن هذه الآية نزلت في بيان ما كانت عليه يهود المدينة أيام الجاهلية مع جيرانهم العرب المشركين، وذلك أن اليهود بما كان عندهم من علم النبوات كانت عندهم بشارة جلية مما يتلونه في الكتاب بمبعث خاتم النبيين، وكانوا على علم بأن هجرته ستكون إلى أرض المدينة - يثرب قديما - فآثرت طائفة منهم الهجرة إليها فرارا من اضطهاد دولة الروم التي كانت تسيطر على بلاد الشام المقدسة لما كانوا يطمعون فيه من وجدانهم الملجأ الرحب في أكنافه ووصولهم الى مراقي العز والشرف والسؤدد بالتفافهم حوله، ونصرتهم إياه، وكانت هذه الأخبار تتسلسل في أجيالهم المتوالدة، وكانوا لا يكتمونها عن العرب الأميين، وخصوصا عندما يمنون بالهزائم في حروبهم معهم، فكانوا ينذرونهم بإظلال زمن نبي يقتلونهم معه قتل إرم وعاد، وقد فات هؤلاء اليهود أن النبي لن يكون من ولد إسرائيل كما كانوا يطمعون بسبب كون ولد إسرائيل عنصر النبوة منذ وجدوا، وعندما ظهر من ذرية إسماعيل حنقوا واستبد بهم الحسد فكفروا به مع علمهم بصدقه، ومعرفتهم بأنه النبي المنتظر الذي كانوا يستفتحون به على أعدائهم من العرب، وقد اقتضت مشيئة الله أن يسوق هذا الخير، ويخص بهذه المرحمة أولئك العرب الذين كانوا من قبل على جاهلية جهلاء، لا يعرفون مبدأ ولا معادا، ولس لديهم ما يستبصرون به من كتاب أو علم. وهو معنى ما رواه ابن اسحاق وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم والبيهقي في دلائلهما من طريق عاصم بن عمر وبن قتادة الأنصاري عن أشياخ من الأنصار قالوا فينا والله وفيهم - يعني في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم - نزلت هذه القصة، كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية ونحن أهل الشرك وهم أهل الكتاب، فكانوا يقولون إن نبيا الآن مبعثه قد أظل زمانه يقتلكم قتل عاد وإرم، فلما بعث الله تعالى ذكره رسوله من قريش واتبعناه كفروا به. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ ابن جبل وبشر بن البراء بن معروف أخو بني سلمة يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله جل ثناؤه الآية، وروى ذلك عن ابن عباس بأسانيد متعددة، وألفاظ مختلفة، وروى البيهقي في الدلائل عنه وعن ابن مسعود وناس من الصحابة رضي الله عنهم، قالوا كانت العرب تمر باليهود فيؤذونهم، وكانوا يجدون محمدا في التوراة فيسألون الله أن يبعثه نبيا فيقاتلون معه العرب فلما جاءهم محمد كفروا به حينما لم يكن من بني إسرائيل. والقول بذلك مستفيض عن أئمة التفسير من التابعين فمن بعدهم. والكتاب هو القرآن، وتصديقه لما معهم تقريره لما أنزل الله تعالى على أنبيائهم من التوراة والإِنجيل، وما اشتملا عليه من توحيد الله عز وجل، ووجوب إخلاص العبادة له وتنزيهه عما لا يليق به من صفات خلقه، أو أن تصديقه لهما تحقق ما فيهما من البشارة بالنبي الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام لإِنزاله عليه كتابا ساطعا برهانه، شاملا بيانه، دامغة حجته، واضحة معجزته، وفي هذا الوصف مالا يخفى من تقريعهم، والتسجيل عليهم بالعناد والمكابرة. والاستفتاح طلب الفتح كالاستنصار والاستنجاد، وفسروه بما سبق ذكره من تطلعهم إلى مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لتظلهم رايته وتكون نصرتهم على يديه، وقيل: هو فتحهم على الذين كفروا معرفة هذا النبي بما كانوا يتحدثون به من وصفه عندما يلقون منهم من الأذى فكان من مشيئة الله أن سبقوهم إليه وآمنوا به دونهم؛ وعليه فالإِستفتاح هنا بمعنى الفتح، وصيغة الاستفعال للمبالغة. وتكرر "لما" لطول الفاصل بينها وبين جوابها كما تكررت أن مع اسمها في قوله تعالى: {أية : أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ}تفسير : [المؤمنون: 35]، وكما تكرر "لا تحسبن"، في قوله تعالى: {أية : لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [آل عمران: 188] لذات السبب نفسه. وهذا أولى من القول بأن جواب الأولى محذوف تقديره كذبوا به مثلا، كما ذهب إليه الزمخشري، واختاره من قبله الزجاج والأخفش، والقول بأن الثانية مع جوابها جواب الأولى كقوله تعالى: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} تفسير : [البقرة: 38] كما قاله الفراء لاختلاف هذا عن ذلك فإن "لما" أعيدت هنا نفسها بخلاف أداتي الشرط في الآية المستشهد بها فإنهما مختلفتان، وقول غيرهم بتنازع "لما" الأولى والثانية للجواب. وجملة {كَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ} حالية على الصحيح لأن الكتاب جاءهم، والاستئناس بإظلال زمن النبي المنتظر قد استولى على أفكارهم رجاء إخراجه إياهم من المأزق الذي هم فيه، وجوز أبو حيان أن تكون معطفة على (جاءهم) فيكون جواب (لما) مرتبا على المجيء والكون، وعلى الأول فترتبه على المجىء مع القيدية التي تفيدها الحال. وفي قوله تعالى: {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} بعد جواب الشرط بـ (كفروا) مع الربط بينها بفاء السببية تنصيص على استحقاقهم اللعن بسبب كفرهم وتعميم لهذا الحكم على جميع الكافرين، وإنما دخول المعنيين فيه دخول أولى لأنه من المعلوم أن الحكم الوارد بسبب خاص - وهو عام لفظا يشمل ما دل عليه السبب نصا وغيره ظاهرا، ولأجل ما تقدم جاءت هذه العبارة بدلا من: فلعنة الله عليهم. وشمول (الكافرين) لغيرهم مبني على أن التعريف للإِستغراق، وهو أولى من جعله للعهد، والمعهود هم الذين كفروا بخاتم النبيين بعد استفتاحهم به.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} عطف على {أية : ٱسْتَكْبَرْتُمْ }تفسير : [البقرة: 87] أو على {أية : كَذَّبْتُمْ } تفسير : [البقرة: 87] فتكون تفسيراً للاستكبار، وعلى التقديرين فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضاً عن مخاطبتهم وإبعاداً لهم عن الحضور، والقائلون هم الموجودون في عصر النبـي صلى الله عليه وسلم، و ـ الغلف ـ جمع أغلف كأحمر وحمر وهو الذي لا يفقه، قيل: وأصله ذو الغلفة الذي لم يختن، أو جمع غلاف ويجمع على غلف بضمتين أيضاً. وبه قرأ ابن عباس وغيره، وأرادوا على الأول قلوبنا مغشاة بأغشية خلقية مانعة عن نفوذ ما جئت به فيها، وهذا كقولهم: {أية : قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ }تفسير : [فصلت: 5] قصدوا به إقناط النبـي صلى الله عليه وسلم عن الإجابة وقطع طمعه عنهم بالكلية، وقيل: مغشاة بعلوم من التوراة نحفظها أن يصل إليها ما تأتي به، أو بسلامة من الفطرة كذلك، وعلى الثاني أنها أوعية العلم فلو كان ما تقوله حقاً وصدقاً لوعته ـ قاله ابن عباس وقتادة والسدي ـ أو مملوءة علماً فلا تسع بعد شيئاً فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، روي ذلك عن ابن عباس أيضاً، وقيل: أرادوا أنها أوعية العلم فكيف يحل لنا اتباع الأمي ولا يخفى بعده. {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} رد لما قالوه، وتكذيب لهم فيما زعموه، والمعنى أنها خلقت على فطرة التمكن من النظر الصحيح الموصل إلى الحق لكن الله تعالى أبعدهم، وأبطل استعدادهم الخلقي للنظر الصحيح بسبب اعتقاداتهم الفاسدة وجهالاتهم الباطلة الراسخة في قلوبهم، أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لعدم كونه حقاً وصدقاً بل لأنه سبحانه طردهم وخذلهم بكفرهم فأصمهم وأعمى أبصارهم أو أن الله تعالى أقصاهم عن رحمته فأنى لهم ادعاء العلم الذي هو أجل آثارها، ويعلم من هذه الوجوه كيفية الرد على ما قيل قبل من الوجوه. {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} الفاء لسببية اللعن لعدم الإيمان، و ـ قليلاً ـ نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي إيماناً قليلاً، وهو إيمانهم ببعض الكتاب و (ما) مزيدة لتأكيد معنى القلة لا نافية لأن ما في حيزها لا يتقدمها ولأنه وإن كان بمعنى ـ لا يؤمنون قليلاً فضلاً عن الكثير ـ لكن ربما يتوهم لا سيما مع التقديم أنهم لا يؤمنون قليلاً بل كثيراً، ولا مصدرية لاقتضائها رفع القليل بأن يكون خبراً، والمصدر المعرف بالإضافة مبتدأ، والتقدير فإيمانهم قليل، وجوز بعضهم ـ كونها نافية بناء على مذهب الكوفيين من جواز تقدم ما في حيزها عليها ولم يبال بالتوهم وآخرون كونها مصدرية، والمصدر فاعل {قَلِيلاً} وكانوا مقدرة في نظم الكلام فتكون على طرز {أية : كَانُواْ قَلِيلاً مّن ٱلَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ }تفسير : [الذاريات: 17] ـ ولا يخفى ما فيه من التكلف، وجوز أيضاً انتصاب قليلاً على الحال إما من ضمير الإيمان أو من فاعل {يُؤْمِنُونَ} والتقدير فيؤمنونه أي الإيمان في حال قلته، وهو المروي عن سيبويه أو فيؤمنون حال كونهم جمعاً قليلاً أي المؤمن منهم قليل، وهو المروي عن ابن عباس وطلحة وقتادة، ولذا جوز كونه نعتاً للزمان أي زماناً قليلاً وهو زمان الاستفتاح أو بلوغ الروح التراقي، أو ما قالوا: {أية : آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ} تفسير : [آل عمران: 72] وأولى الوجوه أولها، والظاهر أن المراد بالإيمان المعنى اللغوي، والقلة مقابل الكثرة، وقال الزمخشري: يجوز أن تكون بمعنى العدم، وكأنه أخذه من كلام الواقدي لا قليلاً ولا كثيراً؛ واعترضه في «البحر» بأن القلة بمعنى النفي، وإن صحت لكن في غير هذا التركيب لأن قليلاً انتصب بالفعل المثبت، فصار نظير قمت قليلاً أي قياماً قليلاً، ولا يذهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت، وجعلت قليلاً صفة لمصدره يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأساً، وعدم وقوعه بالكلية، وإنما الذي نقل النحويون أنه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهم ـ أقل رجل يقول ذلك، وقلما يقوم زيد ـ فحملها هنا على ذلك ليس بصحيح، وليت شعري أي معنى لقولنا يؤمنون إيماناً معدوماً، وما نقل الكسائي عن العرب أنهم يقولون: مررنا بأرض قليلاً ما تنبت ويريدون لا تنبت شيئاً فإنما ذلك لأن قليلاً حال من الأرض، وإن كان نكرة، و (ما) مصدرية والتقدير قليلاً إنباتها فلا مانع فيه من حمل القلة على العدم ـ وأين ما نحن فيه ـ من ذاك اللهم إلا على بعض الوجوه المرجوحة لكن الزمخشري غير قائل به، ويمكن أن يقال: إن ذلك على طريق الكناية فإن قلة الشيء تستتبع عدمه في أكثر الأوقات لا على أن لفظ القلة مستعمل بمعنى العدم فإنه هنا قول بارد جداً ولو أوقد عليه الواقدي ألف سنة.
ابن عاشور
تفسير : إما عطف على قوله: {أية : استكبرتم}تفسير : [البقرة: 87] أو على {أية : كذبتم}تفسير : [البقرة: 87] فيكون على الوجه الثاني تفسيراً للاستكبار أي يكون على تقدير عطفه على {كذبتم} من جملة تفصيل الاستكبار بأن أشير إلى أن استكبارهم أنواع: تكذيبٌ وتقتيل وإعراض. وعلى الوجهين ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة وإبعاد لهم عن مقام الحضور فهومن الالتفات الذي نكتته أن ما أجري على المخاطب من صفات النقص والفظاعة قد أوجب إبعاده عن البال وإعراضَ البال عنه فيشار إلى هذا الإبعاد بخطابه بخطاب البعد فهو كناية. وقد حسَّن الالتفاتَ أنه مؤذن بانتقال الكلام إلى سوء مقابلتهم للدعوة المحمدية وهو غرض جديد فإنهم لما تحدث عنهم بما هو من شؤونهم مع أنبيائهم وجه الخطاب إليهم، ولما أريد الحديث عنهم في إعراضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم صار الخطاب جارياً مع المؤمنين وأجرى على اليهود ضمير الغيبة. على أنه يحتمل أن قولهم {قلوبنا غلف} لم يصرحوا به علَنا ويدل لذلك أن أسلوب الخطاب جرى على الغيبة من مبدأ هذه الآية إلى قوله تعالى: {أية : ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل}تفسير : [البقرة: 92]. والقلوبُ مستعملة في معنى الأذهان على طريقة كلام العرب في إطلاق القلب على العقل. والغُلْف بضم فسكون جمع أغلف وهو الشديد الغلاف مشتق من غَلَّفه إذا جعل له غِلافاً وهو الوعاء الحافظ للشيء والساتر له من وصول ما يُكره له. وهذا كلام كانوا يقولونه للنبي صلى الله عليه وسلم حين يدعوهم للإسلام قصدوا به التهكم وقطع طمعه في إسلامهم وهو كقول المشركين: {أية : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب}تفسير : [فصلت: 5]. وفي الكلام توجيه لأن أصل الأغلف أن يكون محجوباً عما لا يلائمه فإن ذلك معنى الغِلاف فهم يُخيَلون أن قلوبهم مستورة عن الفهم ويريدون أنها محفوظة من فهم الضلالات ولذلك قال المفسرون: إنه مؤذن بمعنى أنها لا تعي ما تقول ولو كان حقاً لوعته، وهذان المعنيان اللذان تضمنهما لتوجيه يلاقيهما الرد بقوله تعالى: {بل لعنهم الله بكفرهم} أي ليس عدم إيمانهم لقصور في أفهامهم ولا لربوها عن قبول مثل ما دعوا إليه ولكن لأنهم كفروا فلعنهم الله بكفرهم وأبعدهم عن الخير وأسبابه. وبهذا حصل المعنيان المرادان لهم من غير حاجة إلى فرض احتمال أن يكون (غلف) جمع غلاف لما فيه من التكلف في حذف المضاف إليه حتى يقدر أنها أوعية للعلم والحق فلا يتسرب إليها الباطل. وقوله: {بل لعنهم الله بكفرهم} تسجيل عليهم وفضح لهم بأنهم صمموا على الكفر والتمسك بدينهم من غير التفات لحجة النبي صلى الله عليه وسلم فلما صمموا على ذلك عاقبهم الله باللعن والإبعاد عن الرحمة والخير فحرمهم التوفيق والتبصر في دلائل صدق الرسول، فاللعنة حصلت لهم عقاباً على التصميم على الكفر وعلى الإعراض عن الحق وفي ذلك رد لما أوهموه من أن قلوبهم خلقت بعيدة عن الفهم لأن الله خلقهم كسائر العقلاء مستطيعين لإدراك الحق لو توجهوا إليه بالنظر وترك المكابرة وهذا معتقد أهل الحق من المؤمنين عدا الجبرية. وقوله: {فقليلاً ما يؤمنون} تفريع على {لَعَنهم} و{قليلاً} صفة لمحذوف دل عليه الفعل والتقدير فإيماناً قليلاً وما زائدة للمبالغة في التقليل والضمير لمجموع بني إسرائيل ويجوز أن يكون (قليلاً) صفة للزمان الذي يستلزمه الفعل أي فحيناً قليلاً يؤمنون. وقيل يجوز أن يكون باقياً على حقيقته مشاراً به إلى إيمانهم ببعض الكتاب أو إلى إيمانهم ببعض ما يدعو له النبي صلى الله عليه وسلم مما يوافق دينهم القديم كالتوحيد ونبوءة موسى أو إلى إيمان أفراد منهم في بعض الأيام فإن إيمان أفراد قليلة منهم يستلزم صدور إيمان من مجموع بني إسرائيل في أزمنة قليلة أو حصول إيمانات قليلة. ويجوز أن يكون (قليلاً) هنا مستعملاً في معنى العدم فإن القلة تستعمل في العَدَم في كلام العرب قال أبو كبير الهذلي:شعر : قليلُ التشكي للمهم يصيبه كثيرُ الهوى شتى النوى والمسالك تفسير : أراد أنه لا يتشكى، وقال عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في أرض نصيبين «كثيرة العقارب قليلة الأقارب» أراد عديمة الأقارب ويقولون: فلان قليل الحياء وذلك كله إما مجاز لأن القليل شبه بالعدم وإما كناية وهو أظهر لأن الشيء إذا قل آل إلى الاضمحلال فكان الانعدام لازماً عرفياً للقلة ادعائياً فتكون (ما) مصدرية والوجهان أشار إليهما في «الكشاف» باختصار واقتصر على الوجه الثاني منهما في تفسيره قولَه تعالى: {أية : ءَإلٰهٌ مع الله قليلاً ما تذكرون} تفسير : في سورة النمل (62) فقال: والمعنى نفي التذكير والقلة تستعمل في معنى النفي وكأنَّ وجه ذلك أن التذكر من شأنه تحصيل العلم فلو تذكر المشركون المخاطبون بالآية لحصل لهم العلم بأن الله واحد لا شريك له، كيف وخطابهم بقوله: {ءَإلٰهٌ مع الله} المقصود منه الإنكار بناء على أنهم غير معتقدين ذلك.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 88- وكذلك كان موقفكم حيال رسولنا - محمد - خاتم النبيين. فلقد قلتم له حينما دعاكم إلى الإسلام: إن قلوبنا مغطاة بأغشية لا تنفذ إليها دعوتك، فلا نكاد نفقه شيئاً مما تقول. ولم تكن قلوبهم كما يزعمون، ولكنهم استكبروا وآثروا الضلالة على الهدى، فلعنهم الله بكفرهم وأوهن يقينهم وأضعف إيمانهم. 89- ولما جاءهم رسولنا بالقرآن - وهو كتاب من عند الله مصدق لما أنزل عليهم من التوراة، وعرفوا من التوراة نفسها صدق ما فى هذا الكتاب - كفروا به عناداً وحسداً لأنه قد جاءهم به رسول من غير شعبهم بنى إسرائيل، مع أنهم كانوا من قبل إذا اشتبكوا مع المشركين فى صراع حربى أو جدلى ذكروا أن الله سينصرهم بإرسال خاتم النبيين الذى بشر به كتابهم، والذى تتفق صفاته كل الاتفاق مع صفات محمد. ألا لعنة الله على أمثالهم من المعاندين الجاحدين. 90- ولبئس ما باعوا به أنفسهم بغياً وعدواناً، إذ مالوا مع أهوائهم وتعصبهم لشعبهم فكفروا بما أنزلنا، ناقمين على غيرهم أن خصهم الله دونهم بإرسال رسول منهم منكرين على الله أن يكون له مطلق الخيرة فى أن ينزل من فضله على من يشاء من عباده، فباءوا بغضب على غضب لكفرهم وعنادهم وحسدهم، وعذبوا بكفرهم وللكافرين عذاب عظيم. 91- هذا هو ما كانت تنطوى عليه نفوسهم، ولكنهم كانوا يبررون أمام الخلق عدم إيمانهم بالقرآن حينما يطلب منهم الإيمان بأنهم لا يؤمنون إلا بما أنزل عليهم هم ويكفرون بغيره، ولقد كذبوا فيما يدَّعون من إيمانهم بما أنزل عليهم من التوارة، لأن كفرهم بهذا الكتاب المصدق لما فى كتابهم هو كفر بكتابهم نفسه، ولأنهم قد قتلوا الأنبياء الذين دعوهم إلى ما أنزل عليهم، وقتلهم لهؤلاء أقطع دليل على عدم إيمانهم برسالتهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (88) - وَقَالَ اليَهُودُ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم حِينَ دَعَاهُمْ إِلى الإِسْلامِ: إِنَّ قُلُوبَهُمْ مُغَطَّاةٌ بِأَغْشِيَةٍ خِلْقِيَّةٍ تَمْنَعُهَا مِنْ تَفَهُّمِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ النَّبِيُّ، فَهِيَ لاَ تَعِي، وَلاَ يَصِلُ إِليهَا شَيءٌ مِمَّا يَقُولُهُ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ مُكَذِّباً: إِنَّ الأَمرَ لَيسَ كَمَا يَدَّعُونَ، فَقُلُوبُهم خُلِقَتْ مُسْتَعِدَّةً، بِحَسَبِ الفِطْرَةِ، لِلنَّظَرِ الذِي يُوصِلُ إِلى الحَقِّ، وَلكِنَّ اللهَ أَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، بِسَببِ كُفْرِهِمْ بِالأَنبِيَاءِ السَّابِقِينَ، وَبِالكِتَابِ الذِي تَرَكُوا العَمَلَ بِهِ وَحَرَّفُوهُ اتِّبَاعاً لأَِهْوَائِهِمْ، فَهُمْ يُؤْمِنُونَ إِيمَاناً قَليلاً، وَهُوَ إِيمَانُهُمْ بِبَعْضِ الكِتَابِ، وَتَحْرِيفُ بَعْضِهِ الآخَرِ، وَتَرْكُ العَمَلِ بِهِ. (وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ أَنَّ الذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَبِمَا جَاءَ بِهِ قَلِيلُونَ مِنْهُمْ). الغُلْفُ - وَاحِدُها أَغْلَفُ - هُوَ الذِي لا يَفْقَهُ مَا يُقَالُ لَهُ أَوْ هُوَ الذِي غُلِّفَ قَلْبهُ بِأَغْطِيَةٍ خِلْقِيَّةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الله سبحانه وتعالى يذكر لنا كيف برر بنو إسرائيل عدم إيمانهم وقتلهم الأنبياء وكل ما حدث منهم .. فماذا قالوا؟ لقد قالوا {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة: 88] والغلف مأخوذ من الغلاف والتغليف .. وهناك غلْف بسكون اللام، وغلُف بضم اللام .. مثل كتاب وكتب {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة: 88] أي مغلفة وفيها من العلم ما يكفيها ويزيد، فكأنهم يقولون إننا لسنا في حاجة إلى كلام الرسل .. أو {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة: 88] أي مغلفة ومطبوع عليها .. أي أن الله طبع على قلوبهم وختم عليها حتى لا ينفذ إليها شعاع من الهدية .. ولا يخرج منها شعاع من الكفر. إذا كان الله سبحانه وتعالى قد فعل هذا .. ألم تسألوا أنفسكم لماذا؟ ما هو السبب؟ والحق تبارك وتعالى يرد عليهم فيقول: {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88]: لفظ "بل" يؤكد لنا أن كلامهم غير صحيح .. فهم ليس عندهم كفاية من العلم بحيث لا يحتاجون إلى منهج الرسل .. ولكنهم ملعونون ومطرودون من رحمة الله .. فلا تنفذ إشعاعات النور ولا الهداية إلى قلوبهم .. ولكن ذلك ليس لأن ختم عليها بلا سبب .. ولكنه جزاء على أنهم جاءهم النور والهدى .. فصدوه بالكفر أولاً .. ولذلك فإنهم أصبحوا مطرودين من رحمة الله .. لأن من يصد الإيمان بالكفر يطرد من رحمة الله، ولا ينفذ إلى قلبه شعاع من أشعة الإيمان. وهنا يجب أن نتنبه إلى أن الله سبحانه وتعالى لم يبدأهم باللعنة. وبعض الناس الذين يريدون أن يهربوا من مسئولية الكفر - علها تنجيهم من العذاب يوم القيامة - يقولون إن الله سبحانه وتعالى قال: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ..} تفسير : [فاطر: 8]. تلك هي حجة الكافرين الذين يظنون أنها ستنجيهم من العذاب يوم القيامة .. إنهم يريدون أن يقولوا إن الله يضل من يشاء .. وما دام الله قد شاء أن يضلني فما ذنبي أنا؟ وهل أستطيع أن أمنع مشيئة الله .. نقول له: إن الله إذا قيد أمراً من الأمور المطلقة فيجب أن نلجأ إلى التقييد .. والله تبارك وتعالى يقول: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [التوبة: 37]. ويقول سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [التوبة: 19]. ويقول جل جلاله: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ} تفسير : [التوبة: 24]. والحق سبحانه وتعالى أخبرنا أنه منع إعانته للهداية عن ثلاثة أنواع من الناس .. الكافرين والظالمين والفاسقين .. ولكن هل هو سبحانه وتعالى منع معونة الهداية أولاً؟ أم أنهم هم الذين ارتكبوا من الضلال ما جعلهم لا يستحقون هداية الله؟! إنسان واجه الله بالكفر .. كفر بالله .. رفض أن يستمع لآيات الله ورسله .. ورفض أن يتأمل في كون الله .. ورفض أن يتأمل في خلقه هو نفسه ومن الذي خلقه .. ورفض أن يتأمل في خلق السماوات والأرض .. كل هذا رفضه تماماً .. ومضى يصنع لنفسه طريق الضلال ويشرع لنفسه الكفر .. لأنه فعل ذلك أولاً .. ولأنه بدأ بالكفر برغم أن الله سبحانه وتعالى وضع له في الكون وفي نفسه آيات تجعله يؤمن بالله، وبرغم ذلك رفض. هو الذي بدأ والله سبحانه وتعالى ختم على قلبه. الإنسان الظالم يظلم الناس ولا يخشى الله .. يذكرونه بقدره الله وقوة الله فلا يلتفت .. يختم الله على قلبه .. كذلك الإنسان الفاسق الذي لا يترك منكراً إلا فعله .. ولا إثماً إلا ارتكبه .. ولا معصية إلا أسرع إليها .. لا يهديه الله .. أكنت تريد أن يبدأ هؤلاء الناس بالكفر والظلم والفسوق ويصرون عليه ثم يهديهم الله؟ يهديهم قهراً أو قَسْراً، والله سبحانه وتعالى خلقنا مختارين؟ طبعاً لا .. ذلك يضيع الاختيار البشري في أن يطيع الإنسان أو يعصي. والحق تبارك وتعالى أثبت طلاقة قدرته فيما نحن مقهورون فيه .. في أجسادنا التي تعمل أعضاؤها الداخلية بقهر من الله سبحانه وتعالى وليس بإرادة منا كالقلب والتنفس والدورة الدموية .. والمعدة والأمعاء والكبد .. كل هذا وغيره مقهور لله جل جلاله .. لا نستطيع أن نأمره ليفعل فيفعل .. وأن نأمره ألا يفعل فلا يفعل .. وأثبت الله سبحانه وتعالى طلاقة قدرته فيما يقع علينا من أحداث في الكون .. فهذا يمرض، وهذا تدهمه سيارة، وهذا يقع عليه حجر .. وهذا يسقط، وهذا يعتدي عليه إنسان .. كل الأشياء التي تقع عليك لا دخل لك فيها ولا تستطيع أن تمنعها .. بقي ذلك الذي يقع منك وأهمه تطبيق منهج الله في افعل ولا تفعل .. هذا لك اختيار فيه. إن الله سبحانه وتعالى أوجد لك هذا الاختيار حتى يكون الحساب في الآخرة عدلاً .. فإذا اخترت الكفر لا يجبرك الله على الإيمان .. وإذا اخترت الظلم لا يجبرك الله على العدل .. وإذا اخترت الفسوق لا يجبرك الله على الطاعة .. إنه يحترم اختيارك لأنه أعطاك هذا الاختيار ليحاسبك عليه يوم القيامة. لقد أثبت الله لنفسه طلاقة القدرة بأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ولكنه سبحانه قال إنه لا يهدي القوم الكافرين ولا القوم الظالمين ولا القوم الفاسقين .. فمن يرد أن يخرج من هداية الله فليكفر أو يظلم أو يفسق .. ويكون في هذه الحالة هو الذي اختار فحق عليه عقاب الله .. لذلك فقد قال الكافرون من بني إسرائيل إن الله ختم على قلوبهم فهم لا يهتدون، ولكنهم هم الذين اختاروا هذا الطريق ومشوا فيه .. فاختاروا عدم الهداية .. لقد أثارت هذه القضية جدلاً كبيراً بين العلماء ولكنها في الحقيقة لا تستحق هذا الجدل .. فالله سبحانه وتعالى قال: {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 88] .. واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله .. ويتم ذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى .. لأن الطرد يتناسب مع قوة الطارد. فمثلاً .. ابنك الصغير يطرد حجراً أمامه تكون قوة الطرد متناسبة مع سنه وقوته .. والأكبر أشد فأشد .. فإذا كان الطارد هو الله سبحانه وتعالى فلا يكون هناك مقدار لقوة اللعن والطرد يعرفه العقل البشري. قوله تعالى: {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 88] .. أي طردهم الله بسبب كفرهم .. والله تبارك وتعالى لا يتودد للناس لكي يؤمنوا .. ولا يريد للرسل أن يُتْعِبُوا أنفسهم في حمل الناس على الإيمان .. إنما وظيفة الرسل هي البلاغ حتى يكون الحساب حقاً وعدلاً .. واقرأ قوله جل جلاله: {أية : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 3-4]. أي أنهم لا يستطيعون ألا يؤمنوا إذا أردناهم مؤمنين قهراً .. ولكننا نريدهم مؤمنين اختياراً .. وإيمان العبد هو الذي ينتفع به .. فالله لا ينتفع بإيمان البشر .. وقولنا لا إله إلا الله لا يسند عرش الله .. قلناها أو لم نقلها .. فلا إله إلا الله .. ولكننا نقولها لتشهد علينا يوم القيامة .. نقولها لتنجينا من أهوال يوم القيامة ومن غضب الله .. وقوله تعالى: "بكفرهم" يعطينا قضية مهمة هي: أنه تبارك وتعالى أغنى الشركاء عن الشرك. فمن يشرك معه أحداً فهو لمن أشرك .. لذلك يقول الحق جل جلاله في الحديث القدسي: (حديث : أنا أغنى الشركاءِ عن الشِّركِ من عَمِلَ عملاً أَشْرَكَ فيه معي غيري تركْتُهُ وشِركُه ). تفسير : وشهادة الله سبحانه وتعالى لنفسه بالألوهية .. هي شهادة الذات للذات .. وذلك في قوله تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [آل عمران: 18]. فالله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق خلقاً يشهدون أنه لا إله إلا الله .. شهد لنفسه بالألوهية .. ولنقرأ الآية الكريمة: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ ..} تفسير : [آل عمران: 18]. والله سبحانه وتعالى شهد لنفسه شهادة الذات للذات. والملائكة شهدوا بالمشاهدة .. وأولو العلم بالدليل .. والحق تبارك وتعالى يقول: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] .. عندما تقول قليلاً ما يحدث كذا، فإنك تقصد به هنا صيانة الاحتمال، لأنه من الممكن أن يثوب واحد منهم إلى رشده ويؤمن .. فيبقي اللهُ البابَ مفتوحاً لهؤلاء. ولذلك نجد الذين أسرفوا على أنفسهم في شبابهم قد يأتون في آخر عمرهم ويتوبون .. في ظاهر الأمر أنهم أسرفوا على أنفسهم .. ولكنهم عندما تابوا واعترفوا بخطاياهم وعادوا إلى طريق الحق تقبل الله إيمانهم .. لذلك يقول الله جل جلاله: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] أي أن الأغلبية تظل على كفرها .. والقلة هي التي تعود إلى الإيمان.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} معناهُ مُغطَّىً عليها. واحدُها أَغلفٌ. تفسير : وقولهُ تعالى: {أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ} تفسير : [فصلت: 5] معناهُ أَغطيةٌ. واحدُهَا كِنٌ. تفسير : وقولهُ تعالى: {لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ معناهُ باعَدهم الله تعالى مِنْ رَحمتِهِ.
الأندلسي
تفسير : {وَقَالُواْ} الضمير لأبناء اليهود الذين بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جمع أغلف وهو الذي لا يفقه كاحمر وحمرا والغلاف: الغشاء، وأصله: التثقيل كخمار وخمر قالوا ذلك بهتاً. {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي طردهم الله وأبعدهم. وقرىء غلف بسكون اللام وبضمها. {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} ما زائدة وانتصب قليلاً على أنه حال على رأي سيبويه، أو نعت لمصدر محذوف على المشهور وتقليل إيمانهم بحسب متعلقة. (وقال) الزمخشري: ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم. تبع ابن الأنباري إذ قال: المعنى: فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً. وهذا لا يصح لأن قليلاً انتصب بالفعل المثبت فصار نظير ممت قليلاً وللقليل الذي يراد به النفي المحض مواضع ذكرها النحويون وهو قولهم أقل رجل يقول ذلك وقل رجل يقول ذلك وقلما يقوم زيد وقليل من الرجال يقول ذلك وقليلة من النساء تقول ذلك. وإذا تقرر هذا فحمل القلة هنا على النفي المحض ليس بصحيح. {وَلَمَّا جَآءَهُمْ} الضمير عائد على اليهود نزلت فيهم حين كانت غطفان تقاتلهم وتهزمهم وكانوا يلقون من العرب أذى كثيراً حتى أن الأوس والخزرج حاربوهم فغلبوهم. {كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} هو القرآن وصفه بكونه من عند الله جدير أن يقبل ويتبع ما فيه ويعمل بمضمونه إذ هو وارد من عند خالقهم وفي مصحف أبي. {مُصَدِّقٌ} بالنصب أي. {لِّمَا مَعَهُمْ} من التوراة والإِنجيل ونصبه على الحال من كتاب تخصص بالوصف. {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ} أي من قبل مجيء الكتاب. {يَسْتَفْتِحُونَ} أي يستنصرون. {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم المشركون الذين يقاتلونهم أو يفتحون عليهم بأنه قد أظل زمان نبي يبعث نتبعه ومجيء الكتاب يستدعي من ينزل عليه الكتاب وهو النبي وجواب لما تقديره كذبوه. {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ} أي ما سبق لهم تعريفه للمشركين كفروا به وجحدوه وهذا أبلغ في ذمهم إذ كفروا بما علموا كقوله: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} تفسير : [النمل: 14]. وما: كناية عن الكتاب إذ هو المتقدم في الذكر لما كفرا بما جاءهم من عند الله، وتضمن كفرهم بالكتاب كفرهم بمن جاء به استهانة بالمرسل والمرسل قابلهم تعالى بالاستهانة والطرد وجعل اللعنة مستغلية عليهم جللهم بها. وألْ في الكافرين للعموم واندرج فيهم اليهود أو أقيم الظاهر مقام المضمر إشعاراً بالوصف الذي استحقوا به اللعنة. (وقال) الزمخشري: ويجوز أن تكون للجنس ويدخلون فيه دخولاً أوّلياً ويعني بالجنس العموم، ودلالته على كل فرد فرد دلالة متساوية فليس بعض الأفراد أولى من بعض.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إنكارهم واستهزائهم بقوله تعالى: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة: 88]، والإشارة فيها أنت المريد إذا ابتلي في أثناء الطلب بالوقفة والفترة ما دام متمسكاً بذيل الإرادة لا يضره أحد بل يرجى رجوعه إلى صدق الطلب بمدد هذا الشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة فأظهر الاعتراض والإنكار على شيخه ويعرض عنه حتى أدركته رد ولاية الشيخ وطرده، فابتلي بموت القلب فلا يرجى رجوعه إلى صدق الطلب حتى قال الجنيد رحمه الله: من قال لأستاذه لم لا يفلح أبداً. ثم أخبر عن نتائج إنكارهم بقوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} [البقرة: 89]، الآيتين الإشارة فيهما أن بعض إقرار الزهاد والمتقشفين من أهل العلم في كل زمان يتمنون أن يتبركوا بأحد من الأولياء والعلماء المخصوصين بالمكاشفات والمشاهدات والعلوم اللدنية، ويتوسلون بهم إلى الله تعاالى عند رفع حوائجهم في مصالح دعائهم ويظهرون محبته عند الخلق، فلما وجدوا واحداً من هذا القوم ما عرفوا قدره وحدوده وطعنوا فيه وأنكروا على كلماته وأظهروا عداوته فيكون حاصل أمرهم فيه الطرد من غيرة ولاية والبعد من الله باللعن. {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 90]، أن ينكروا على أولياء الله {أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ بَغْياً} [البقرة: 90]، فتح الله لهم من حقائق العلوم حسداً {أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ} [البقرة: 90]، من رد ولاية الأولياء {عَلَىٰ غَضَبٍ} [البقرة: 90]، من الله لأوليائه فإنه في الحديث الصحيح: "حديث : من عادى لي وليّاً فقد بارزني بالحرب وأنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لحرده"تفسير : وللمنكرين {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [البقرة: 90]، في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالهوان عند أهل النظر الواقفين على أحوالهم وبالحرمان عن تنسم نغمات ألطاف الحق، وفي الآخرة بالخسران والفضوح وإن الإنكار على أهل العرفان يورث الحرمان والخسران. ثم أخبر عن إصرارهم على جحودهم بقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [البقرة: 91]، والإشارة فيها أنه إذا قيل للمنكرين اعتقدوا مواهب الحق التي ألهمها الله إلى أوليائه من أسرار القرآن ومعاينه وحقائقه هي مؤكدة بالبراهين من الآيات والأخبار المنقولة من المشايخ المتقدمين سمحت نفوسهم ببعض ما التمس منهم مما يوافق عقولهم وأهواءهم، وقالوا: تعتقد القرآن وما بعد له ظاهراً، ثم ينكرون بما وراء حظوظهم مع أنه الحق من ربهم محققاً لما معهم من العلوم الظاهرة قال الله تعالى في جوابهم: فلو تقاتلوا وتجادلوا أولياء الله إن كنتم معتقدين للقرآن، فإن ما نطق به الأولياء فهو من أسرار القرآن وحقائقه، فالذي ينكرها فلا يكون معتقداً للقرآن بحقيقته والمقاتلة مع الأولياء مقاتلة مع الأنبياء والإنكار على كلماتهم يكون إنكاراً على القرآن بحقيقة؛ لقوله تعالى: {أية : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ}تفسير : [الأحقاف: 11]. ثم كرر الإخبار عن إصرارهم على الجحود مع وضوح الآيات من موسى عليه السلام وغلوهم في حب العجل بقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 92]، الآيتين والإشارة فيهما أن الأنبياء - عليهم السلام - يدعون العباد إلى التوحيد وإقرار العبودية عن كل مشهود ومحدود ومعدود، ولكنهم لم يحتجوا إلا بعبادة ما لا يليق بقصر نظرهم وخسة همتهم، فقوم عبدوا الصنم وقوم عبدوا الهوى، وقوم عبدوا الدنيا، وإنهم قد ظلموا على أنفسهم بوضعهم عبادتها في غير معبوداً مع أن الله تعالى أخذ ميثاقهم بعبوديته من غير شرك، ورفع فوقهم طور الأمانة التي عرضها وحملها الإنسان في الميثاق الأول، وقال: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم} [البقرة: 93]، من خطاب {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172]، {بِقُوَّةٍ} [البقرة: 93]، بشوق وصدق في جواب بلى {وَٱسْمَعُواْ} [البقرة: 93]، الخطاب يسمع الإجابة في الثبات على العبودية {قَالُواْ سَمِعْنَا} [البقرة: 93]، اجبنا بقولهم بلى {وَعَصَيْنَا} [البقرة: 93] أي: بالثبات والاستقامة {وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ} [البقرة: 93]، حب عجل الدنيا {بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 93]، بزلة أقدامهم عن صراط مستقيم العبودية بالميل إلى الدنيا وحب الدنيا رأس كل خطيئة، كما أن الكفر رأس كل خطيئة {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ} [البقرة: 93]، أن تعبدوا عجل الدنيا {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 93]، حقيقة لا مجاز بالرسم والعادة فإن من علامة الإيمان ما أخبر عنه حارثة حين "حديث : سأله النبي صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت؟ قال: أصبحت مؤمناً حقّاً قال: إن لكل حق حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأظمأت نهارها وأسهرت ليلها واستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى الجنة يزاورون وإلى أهل النار يتضاغون وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، فقال: أصبت فألزم ".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: اعتذروا عن الإيمان لما دعوتهم إليه، يا أيها الرسول، بأن قلوبهم غلف، أي: عليها غلاف وأغطية، فلا تفقه ما تقول، يعني فيكون لهم - بزعمهم - عذر لعدم العلم، وهذا كذب منهم، فلهذا قال تعالى: { بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } أي: أنهم مطرودون ملعونون، بسبب كفرهم، فقليلا المؤمن منهم، أو قليلا إيمانهم، وكفرهم هو الكثير.
همام الصنعاني
تفسير : 85- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}: [الآية: 88]، قال: هو كقوله: {أية : قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ}تفسير : : [فصلت: 5]. 86- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} [الآية: 88]، قال: لايؤمن منهم إلا قليل. 87- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن الكلبي، قالا: لا يؤمنون إلاّ بقيل مما في أيديهم، ويكفرون بما وراءه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):