Verse. 94 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَ لَقَدْ اٰتَيْنَا مُوْسَى الْكِتٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنْۢ بَعْدِہٖ بِالرُّسُلِ۝۰ۡ وَاٰتَيْنَا عِيْسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنٰتِ وَاَيَّدْنٰہُ بِرُوْحِ الْقُدُسِ۝۰ۭ اَفَكُلَّمَا جَاۗءَكُمْ رَسُوْلٌۢ بِمَا لَا تَہْوٰۗى اَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ۝۰ۚ فَفَرِيْقًا كَذَّبْتُمْ۝۰ۡوَفَرِيْقًا تَقْتُلُوْنَ۝۸۷
Walaqad atayna moosa alkitaba waqaffayna min baAAdihi bialrrusuli waatayna AAeesa ibna maryama albayyinati waayyadnahu biroohi alqudusi afakullama jaakum rasoolun bima la tahwa anfusukumu istakbartum fafareeqan kaththabtum wafareeqan taqtuloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد آتينا موسى الكتاب» التوراة «وقفيَّنا من بعده بالرسل» أي اتبعناهم رسولا في إثر رسول «وآتينا عيسى ابن مريم البينات» المعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص «وأيدناه» قويناه «بروح القدس» من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الروح المقدسة جبريل لطهارته يسير معه حيث سار فلم تستقيموا «أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى» تحب «أنفسُكم» من الحق «استكبرتم» تكبرتم عن إتباعه جواب كلما وهو محل الاستفهام، والمراد به التوبيخ «ففريقا» منهم «كذبتم» كعيسى «وفريقاً تقتلون» المضارع لحكاية الحال الماضية: أي قتلتم كزكريا ويحيى.

87

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من النعم التي أفاضها الله عليهم ثم إنهم قابلوه بالكفر والأفعال القبيحة، وذلك لأنه تعالى لما وصف حال اليهود من قبل بأنهم يخالفون أمر الله تعالى في قتل أنفسهم وإخراج بعضهم بعضاً من ديارهم وبين أنهم بهذا الصنيع اشتروا الدنيا بالآخرة، زاد في تبكيتهم بما ذكره في هذه الآية. أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله إياها جملة واحدة، روي عن ابن عباس أن التوراة لما نزلت أمر الله تعالى موسى بحملها فلم يطق ذلك، فبعث الله لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها فخففها الله على موسى فحملها. وأما قوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ ٱلرُّسُلَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قفينا، أتبعنا مأخوذ من الشيء يأتي في قفاه الشيء، أي بعد نحو ذنبه من الذنب، ونظيره قوله: {أية : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } تفسير : [المؤمنون: 44]. المسألة الثانية: روي أن بعد موسى عليه السلام إلى أيام عيسى عليه السلام كانت الرسل تتواتر ويظهر بعضهم في أثر بعض، والشريعة واحدة إلى أيام عيسى عليه السلام، فإنه صلوات الله عليه جاء بشريعة مجددة، واستدلوا على صحة ذلك بقوله تعالى: {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ } فإنه يقتضي أنهم على حد واحد في الشريعة يتبع بعضهم بعضاً فيها، قال القاضي: إن الرسول الثاني لا يجوز أن يكون على شريعة الأول حتى لا يؤدي إلى تلك الشريعة بعينها من غير زيادة ولا نقصان، مع أن تلك الشريعة محفوظة يمكن معرفتها بالتواتر عن الأول، لأن الرسول إذا كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلا ما كان قد علم من قبل أو يمكن أن يعلم من قبل، فكما لا يجوز أن يبعث الله تعالى رسولاً لا شريعة معه أصلاً، تبين العقليات لهذه العلة، فكذا القول في مسألتنا: فثبت أنه لا بد في الرسل الذين جاؤوا من بعد موسى عليه السلام أن يكونوا قد أتوا بشريعة جديدة إن كانت الأولى محفوظة أو محيية لبعض ما اندرس من الشريعة الأولى. والجواب: لم لا يجوز أن يكون المقصود من بعثة هؤلاء الرسل تنفيذ تلك الشريعة السالفة على الأمة أو نوع آخر من الألطاف لا يعلمها إلا الله، وبالجملة، فالقاضي ما أتى في هذه الدلالة إلا بإعادة الدعوى، فلم قال: إنه لا يجوز بعث هؤلاء الرسل إلا لشريعة جديدة أو لإحياء شريعة اندرست وهل النزاع وقع إلا في هذا؟ المسألة الثالثة: هؤلاء الرسل هم: يوشع، وشمويل، وشمعون، وداود، وسليمان وشعياء، وأرمياء، وعزير، وحزقيل، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم. أما قوله تعالى: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات } ففيه مسائل: المسألة الأولى: السبب في أن الله تعالى أجمل ذكر الرسول ثم فصل ذكر عيسى لأن من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متبعين له، وليس كذلك عيسى، لأن شرعه نسخ أكثر شرع موسى عليه السلام. المسألة الثانية: قيل عيسى بالسريانية أيشوع، ومريم بمعنى الخادم، وقيل: مريم بالعبرانية من النساء كزير من الرجال، وبه فسر قول رؤبةشعر : قلت لزير لم تصله مريمة تفسير : المسألة الثالثة: في البينات وجوه. أحدها: المعجزات من إحياء الموتى ونحوها عن ابن عباس، وثانيها: أنها الإنجيل. وثالثها: وهو الأقوى أن الكل يدخل فيه، لأن المعجز يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية شريعته فلا يكون للتخصيص معنى. أما قوله تعالى تعالى: {وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء وأيدناه قرأ ابن كثير «القدس» بالتخفيف والباقون بالتثقيل وهما لغتان مثل رعب ورعب. المسألة الثانية: اختلفوا في الروح على وجوه. أحدها: أنه جبريل عليه السلام وإنما سمي بذلك لوجوه. الأول: أن المراد من روح القدس الروح المقدسة كما يقال: حاتم الجود ورجل صدق فوصف جبريل بذلك تشريفاً له وبياناً لعلو مرتبته عند الله تعالى. الثاني: سمي جبريل عليه السلام بذلك لأنه يحيا به الدين كما يحيا البدن بالروح فإنه هو المتولي لإنزال الوحي إلى الأنبياء والمكلفون في ذلك يحيون في دينهم. الثالث: أن الغالب عليه الروحانية وكذلك سائر الملائكة غير أن روحانيته أتم وأكمل. الرابع: سمي جبريل عليه السلام روحاً، لأنه ما ضمته أصلاب الفحول وأرحام الأمهات، وثانيها: المراد بروح القدس الإنجيل، كما قال في القرآن: {أية : رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } تفسير : [الشورى: 52] وسمي به لأن الدين يحيا به ومصالح الدنيا تنتظم لأجله. وثالثها: أنه الاسم الذي كان يحيي به عليه السلام الموتى، عن ابن عباس وسعيد بن جبير، ورابعها: أنه الروح الذي نفخ فيه والقدس هو الله تعالى فنسب روح عيسى عليه السلام إلى نفسه تعظيماً له وتشريفاً، كما يقال: بيت الله وناقة الله، عن الربيع، وعلى هذاب المراد به الروح الذي يحيا به الإنسان. واعلم أن اطلاق اسم الروح على جبريل وعلى الانجيل وعلى الاسم الأعظم مجاز لأن الروح هو الريح المتردد في مخارق الإنسان ومنافذه ومعلوم أن هذه الثلاثة ما كانت كذلك إلا أنه سمي كل واحد من هذه الثلاثة بالروح على سبيل التشبيه من حيث أن الروح كما أنه سبب لحياة الرجل، فكذلك جبريل عليه السلام سبب لحياة القلوب بالعلوم، والانجيل سبب لظهور الشرائع وحياتها، والاسم الأعظم سبب لأن يتوسل به إلى تحصيل الأغراض إلا أن المشابهة بين مسمى الروح وبين جبريل أتم لوجوه. أحدها: لأن جبريل عليه السلام مخلوق من هواء نوراني، لطيف فكانت المشابهة أتم، فكان إطلاق اسم الروح على جبريل أولى. وثانيها: أن هذه التسمية فيه أظهر منها فيما عداه، وثالثها: أن قوله تعالى: {وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } يعني قويناه، والمراد من هذه التقوية الإعانة وإسناد الإعانة إلى جبريل عليه السلام حقيقة وإسنادها إلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز، فكان ذلك أولى، ورابعها: وهو أن اختصاص عيسى بجبريل عليهما السلام من آكد وجوه الاختصاص بحيث لم يكن لأحد من الأنبياء عليهم السلام مثل ذلك لأنه هو الذي بشر مريم بولادتها وإنما ولد عيسى عليه السلام من نفخة جبريل عليه السلام وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء. أما قوله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم ٱسْتَكْبَرْتُمْ } فهو نهاية الذم لهم، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه. وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم. أما قوله تعالى: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } فلقائل أن يقول: هلا قيل وفريقاً قتلتم؟ وجوابه من وجهين: أحدهما: أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب. الثاني: أن يراد فريقاً تقتلونهم بعد لأنكم حاولتم قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة. وقال عليه السلام عند موته: «حديث : ما زالت أكلة خيبر تعاودني. فهذا أوان انقطاع أبهري»تفسير : والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} يعني التوراة. {وَقَفَّيْنَا} أي أتبعنا. والتَّقفِية: الإتباع والإرداف؛ مأخوذ من إتباع القَفَا وهو مؤخر العنق. تقول ٱستقفيته إذا جئت من خلفه؛ ومنه سُمِّيت قافية الشعر؛ لأنها تتلو سائر الكلام. والقافية: القفا؛ ومنه الحديث: «حديث : يَعقِد الشيطان على قافية رأسِ أحدِكم»تفسير : . والقَفِيّ والقَفاوة: ما يدّخر من اللبن وغيره لمن تريد إكرامه. وقفوت الرجل: قذفته بفجور. وفلانٌ قِفْوَتي أي تُهَمَتي. وقِفوتي أي خيرتي. قال ٱبن دريد كأنه من الأضداد. قال العلماء: وهذه الآية مثل قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى}تفسير : [المؤمنون: 44]. وكل رسول جاء بعد موسى فإنما جاء بإثبات التوراة والأمر بلزومها إلى عيسى عليه السلام. ويقال: رُسُل ورُسْل لغتان؛ الأولى لغة الحجاز، والثانية لغة تميم؛ وسواء كان مُضافاً أو غير مضاف. وكان أبو عمرو يخفف إذا أضاف إلى حرفين، ويُثَقّل إذا أضاف إلى حرف واحد. قوله تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} أي الحجج والدّلالات؛ وهي التي ذكرها الله في «آل عمران» و «المائدة»؛ قاله ٱبن عباس. {وَأَيَّدْنَاهُ} أي قويناه. وقرأ مجاهد وٱبن مُحَيْصِن «آيدناه» بالمدّ، وهما لغتان. {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} روى أبو مالك وأبو صالح عن ٱبن عباس ومَعْمر عن قتادة قالا: جبريل عليه السلام. وقال حسان:شعر : وجبريلٌ رسولُ الله فِينا ورُوحُ القُدْس ليس به خَفاءُ تفسير : قال النحاس: وسُميَ جبريل روحا وأضيف إلى القدس؛ لأنه كان بتكوين الله عز وجل له رُوحاً من غير ولادة والد ولده؛ وكذلك سُمّيَ عيسى رُوحاً لهذا. وروى غالب بن عبد اللَّه عن مجاهد قال: القدس هو الله عز وجل. وكذا قال الحسن: القدس هو الله، وروحه جبريل. وروى أبو روق عن الضحاك عن ٱبن عباس: «بِروحِ ٱلقُدُسِ» قال: هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى الموتى؛ وقاله سعيد بن جبير وعبيد بن عمير، وهو ٱسم الله الأعظم. وقيل: المراد الإنجيل؛ سمّاه روحاً كما سمى الله القرآن روحاً في قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا}تفسير : [الشورى: 52]. والأوّل أظهر، والله تعالى أعلم. والقدس: الطهارة. وقد تقدّم. قوله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ} أي بما لا يوافقها ويلائمها؛ وحُذفت الهاء لطول الاسم؛ أي بما لا تهواه. {ٱسْتَكْبَرْتُمْ} عن إجابته ٱحتقاراً للرسل، وٱستبعاداً للرسالة. وأصل الهوى الميل إلى الشيء؛ ويجمع أهواء، كما جاء في التنزيل، ولا يجمع أهوية؛ على أنهم قد قالوا في نَدًى أندِية؛ قال الشاعر:شعر : في ليلةٍ من جُمادَى ذاتِ أنْدِيةٍ لا يُبصِر الكلبُ في ظَلْمائها الطُّنُبَا تفسير : قال الجوهري: وهو شاذ. وسُمّيَ الهَوَى هَوًى لأنه يهوِي بصاحبه إلى النار؛ ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه؛ وهذه الآية من ذلك. وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر رضي الله عنه في أسارى بَدْر: فَهوِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلت. وقالت عائشة للنبيّ صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث: والله ما أرَى ربَّك إلاّ يُسارِع في هواك. أخرجهما مسلم. قوله تعالى: {فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ} «ففريقاً» منصوب بـ «ـكذبتم»، وكذا «وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ» فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد عليهما السلام، وممن قتلوه يحيى وزكريا عليهما السلام، على ما يأتي بيانه في «سبحان» إن شاء الله تعالى.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } أي التوراة {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ } أي: أرسلنا على أثره الرسل، كقوله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى }. يقال قفاه إذا تبعه، وقفاه به إذا أتبعه إياه من القفا، نحو ذنبه من الذنب {وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص، والإِخبار بالمغيبات. أو الإنجيل، وعيسى بالعبرية أبشوع. ومريم بمعنى الخادم، وهو بالعربية من النساء كالزير من الرجال، قال رؤبة: قُلْتُ لِزِيْرٍ لَمْ تَصُلْهُ مَرْيمه. ووزنه مفعل إذ لم يثبت فعيل{وَأَيَّدْنَـٰهُ } وقويناه، وقرىء «آيدناه» بالمد {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } بالروح المقدسة كقولك: حاتم الجود، ورجل صدق، وأراد به جبريل. وقيل: روح عيسى عليه الصلاة والسلام، ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان، أو لكرامته على الله سبحانه وتعالى ولذلك أضافه إلى نفسه تعالى، أو لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث، أو الإنجيل، أو اسم الله الأعظم الذي كان يحيي به الموتى، وقرأ ابن كثير {ٱلْقُدُسِ } بالإسكان في جميع القرآن {أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم } بما لا تحبه. يقال هَوِيَ بالكسر هَوىً إذا أحب هُوياً بالفتح هَوىً بالضم إذا سقط. ووسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به توبيخاً لهم على تعقيبهم ذاك بهذا وتعجيباً من شأنهم، ويحتمل أن يكون استئنافاً والفاء للعطف على مقدر، {ٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الإيمان واتباع الرسل. {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ } كموسى وعيسى عليهما السلام، والفاء للسببية أو للتفصيل {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } كزكريا ويحيى عليهما السلام، وإنما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استحضاراً لها في النفوس، فإن الأمر فظيع. أو مراعاة للفواصل، أو للدلالة على أنكم بعد فيه فإنكم تحومون حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم، لولا أني أعصمه منكم، ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.

ابن كثير

تفسير : ينعت تبارك وتعالى بني إسرائيل بالعتو والعناد، والمخالفة والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب، وهو التوراة، فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها، وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ}تفسير : [المائدة: 44] الآية: ولهذا قال تعالى: {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ} قال السدي عن أبي مالك: أتبعنا، وقال غيره: أردفنا، والكل قريب؛ كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا} تفسير : [المؤمنون: 14] حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى بن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله من البينات، وهي المعجزات، قال ابن عباس: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله، وإبراء الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس، وهو جبريل عليه السلام، ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له، وحسدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في البعض، كما قال تعالى إخباراً عن عيسى: {أية : وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [آل عمران: 50] الآية، فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء أسوأ المعاملة، ففريقاً يكذبونه، وفريقاً يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم، وبالإلزام بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها، فلهذا كان ذلك يشق عليهم، فكذبوهم، وربما قتلوا بعضهم، ولهذا قال تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنفُسُكُم ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}. والدليل على أن روح القدس هو جبريل، كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية، وتابعه على ذلك ابن عباس ومحمد ابن كعب وإسماعيل بن خالد والسدي والربيع بن أنس وعطية العوفي وقتادة، مع قوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ }تفسير : [الشعراء: 193 - 194] ما قال البخاري: وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لحسان بن ثابت منبراً في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك» تفسير : فهذا من البخاري تعليقاً، وقد رواه أبو داود في سننه عن ابن سيرين، والترمذي عن علي بن حجر وإسماعيل بن موسى الفزاري، ثلاثتهم، عن أبي عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة، عن عائشة به، قال الترمذي: حسن صحيح، وهو حديث أبي الزناد، وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عُيينة، عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن عمر ابن الخطاب مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : أجب عني، اللهم أيده بروح القدس»تفسير : فقال: اللهم نعم، وفي بعض الروايات: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان: «حديث : اهجهم، أو هاجهم، وجبريل معك»تفسير : وفي شعر حسان قوله:شعر : وجِبْريلٌ رسولُ اللّهِ فينا وروحُ القُدْسِ لَيْسَ بِهِ خَفاءُ تفسير : وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفراً من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أخبرنا عن الروح، فقال: «حديث : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبرائيل، وهو الذي يأتيني؟»تفسير : قالوا: نعم، وفي صحيح ابن حبان، عن ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن روح القدس نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»تفسير : . أقوال أخر، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا بشر عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس {وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} قال: هو الاسم الأعظم الذي كان عيسى يحيي به الموتى. وقال ابن جرير: حدثت عن المنجاب فذكره، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك، ونقله القرطبي عن عبيد بن عمير أيضاً، قال: وهو الاسم الأعظم. وقال ابن أبي نجيح: الروح هو حفظة على الملائكة، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس: القدس هو الرب تبارك وتعالى، وهو قول كعب، وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا: القدس: هو الله تعالى، وروحه: جبريل، فعلى هذا يكون القول الأول، وقال السدي: القدس: البركة. وقال العوفي عن ابن عباس: القدس: الطهر، وقال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، قال ابن زيد في قوله تعالى: {وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحاً، كما جعل القرآن روحاً، كلاهما روح من الله، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} ثم قال ابن جرير: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع: جبرائيل، فإن الله تعالى أخبر أنه أيد عيسى به؛ كما أخبر في قوله تعالى: {أية : إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ}تفسير : [المائدة: 110] الآية، فذكر أنه أيده به، فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل، لكان قوله: {أية : إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ... وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ}تفسير : [المائدة: 110] تكرير قول لا معنى له، والله سبحانه وتعالى أعز وأجل أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به، (قلت): ومن الدليل على أنه جبرائيل ما تقدم من أول السياق، و لله الحمد، وقال الزمخشري: {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} بالروح المقدسة، كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق، ووصفها بالقدس كما قال: {أية : وَرُوحٌ مِّنْهُ}تفسير : [النساء: 171] فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة، وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث، وقيل: بجبريل، وقيل بالإنجيل؛ كما قال في القرآن {أية : رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52] وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، فتضمن كلامه قولاً آخر، وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدسة المطهرة، وقال الزمخشري في قوله تعالى: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} إنما لم يقل وفريقاً قتلتم، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضاً؛ لأنهم حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بالسم والسحر، وقد قال عليه السلام في مرض موته: «حديث : ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري»تفسير : (قلت): وهذا الحديث في صحيح البخاري وغيره.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَٰبَ } التوراة {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ } أي أتبعناهم رسولاً في إ ثر رسول { ءاتَيْنَا عِسَى ٱبْنَ مَرْيَمَٱلْبَيِّنَٰتِ } المعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص {وَأَيَّدْنَٰهُ } قوّيناه {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الروح المقدّسة جبريل لطهارته يسير معه حيث سار فلم تستقيموا {أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى } تحب {أَنفُسَكُمْ } من الحق {ٱسْتَكْبَرْتُمْ } تكبرتم عن اتباعه؟ جواب( كلما) وهو محل الاستفهام، والمراد به التوبيخ {فَفَرِيقًا } منهم {كَذَّبْتُمْ } كعيسى {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } المضارع لحكاية الحال الماضية أي: قتلتم كزكريا ويحيى؟

الشوكاني

تفسير : الكتاب: التوراة، والتقفية: الإتباع، والإرداف، مأخوذة من القفا، وهو مؤخر العنق، تقول: استقفيته: إذا جئت من خلفه، ومنه سميت قافية الشعر؛ لأنها تتلو سائر الكلام. والمراد: أن الله سبحانه أرسل على أثره رسلاً جعلهم تابعين له، وهم أنبياء بني إسرائيل المبعوثون من بعده. و {ٱلْبَيِّنَـٰتُ } الأدلة التي ذكرها الله في "آل عمران"، و"المائدة". والتأييد: التقوية. وقرأ مجاهد وابن محيصن: {آيدناه} بالمدّ، وهما لغتان. وروح القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة: أي: الروح المقدّسة. والقدس: الطهارة، والمقدّس: المطهر، وقيل: هو: جبريل أيد الله به عيسى، ومنه قول حسان:شعر : وَجِبرِيل أمِينُ الله فينا وَرَوحُ القُدسِ لَيْس بِه خَفَاءُ تفسير : قال النحاس: وسمي جبريل روحاً، وأضيف إلى القدس؛ لأنه كان بتكوين الله له من غير ولادة. وقيل: القدس، هو الله عز وجل، وروحه: جبريل، وقيل المراد بروح القدس: الاسم الذي كان عيسى يحيـى به الموتى، وقيل المراد به الإنجيل. وقيل: المراد به الروح المنفوخ فيه، أيده الله به لما فيه من القوّة. وقوله: {بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم } أي: بما لا يوافقها، ويلائمها، وأصل الهوى: الميل إلى الشيء. قال الجوهري: وسمي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه إلى النار. وبخهم الله سبحانه بهذا الكلام المعنون بهمزة التوبيخ فقال: {أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ } منكم {بِمَا لاَ } يوافق ما تهوونه استكبرتم عن إجابته، احتقاراً للرسل، واستبعاداً للرسالة. والفاء في قوله: {أفكلما} للعطف على مقدّر، أي: آتيناكم يا بني إسرائيل من الأنبياء ما آتيناكم، أفكلما جاءكم رسول. وفريقاً منصوب بالفعل الذي بعده، والفاء للتفصيل، ومن الفريق المكذبين عيسى ومحمد، ومن الفريق المقتولين يحيـى وزكريا. والغُلف جمع أغلف، المراد به هنا: الذي عليه غشاوة تمنع من وصول الكلام إليه، ومنه: غلفت السيف، أي: جعلت له غلافاً. قال في الكشاف: هو: مستعار من الأغلف الذي لم يختن كقوله: {أية : قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } تفسير : [فصلت: 5] وقيل إن الغلف جمع غلاف مثل حمار وحمر: أي: قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم عنك، وقد وعينا علماً كثيراً، فردّ الله عليهم ما قالوه فقال: {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } وأصل اللعن في كلام العرب الطرد، والإبعاد، ومنه قول الشماخ:شعر : ذَعَرْتُ به القَطا وَنَفَيْتُ عنه مَقامَ الذِّئِب كالرجل اللّعين تفسير : أي: كالرجل المطرود. والمعنى: أبعدهم الله من رحمته، و {قَلِيلاً } نعت لمصدر محذوف، أي: إيماناً قليلاً {مَّا يُؤْمِنُونَ } و«ما» زائدة، وصف إيمانهم بالقلة؛ لأنهم الذين قصّ الله علينا من عنادهم، وعجرفتهم، وشدّة لجاجهم، وبعدهم عن إجابة الرسل ما قصه، ومن جملة ذلك: أنهم يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض. وقال معمر: المعنى لا يؤمنون إلا قليلاً مما في أيديهم، ويكفرون بأكثره، وعلى هذا يكون {قليلاً} منصوباً بنزع الخافض. وقال الواقدي: معناه لا يؤمنون قليلاً، ولا كثيراً. قال الكسائي: تقول العرب مررنا بأرض قلَّ ما تنبت الكراث، والبصل، أي: لا تنبت شيئاً. وقد أخرج ابن عساكر عن ابن عباس في قوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } يعني به التوراة جملة، واحدة مفصلة محكمة {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ } يعني رسولاً يدعى أشمويل بن بابل، ورسولاً يدعى منشابيل، ورسولاً يدعي شعياء، ورسولاً يدعى حزقيل، ورسولاً يدعى أرمياء، وهو الخضر، ورسولاً يدعى داود، وهو أبو سليمان، ورسولاً يدعى المسيح عيسى ابن مريم، فهؤلاء الرسل ابتعثهم الله، وانتخبهم من الأمة بعد موسى، فأخذنا عليهم ميثاقاً غليظاً أن يؤدوا إلى أمتهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وصفة أمته. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات } قال: هي الآيات التي وضع على يديه من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير، وإبراء الأسقام. والخبر بكثير من الغيوب، وما ورد عليهم من التوراة، والإنجيل الذي أحدث الله إليه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَأَيَّدْنَـٰهُ } قال: قوّيناه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال: روح من القدس الاسم الذي كان عيسى يحيـى به الموتى. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: القدس: الله تعالى. وأخرج عن الربيع بن أنس مثله. وأخرج عن ابن عباس قال: القدس الطهر. وأخرج عن السدّي قال: القدس البركة. وأخرج عن إسماعيل بن أبي خالد أن روح القدس جبريل. وأخرج عن ابن مسعود مثله. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : روح القدس جبريل"تفسير : . وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اللهم أيد حسان بروح القدس» تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {فَرِيقاً } قال: طائفة. وأخرج عن ابن عباس قال: إنما سمي القلب لتقلبه. وأخرج الطبراني في الأوسط عنه أنه كان يقرأ: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ } مثقلة أي: كيف نتعلم، وقلوبنا غلف للحكمة أي: أوعية للحكمة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } مملوءة علماً لا تحتاج إلى علم محمد، ولا غيره. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ } قال: في غطاء. وروى ابن إسحاق، وابن جرير عنه أنه قال: {أية : في أكِنَّةٍ}تفسير : [فصلت: 5]. وأخرج ابن جرير عنه أنه قال: هي القلوب المطبوع عليها. وأخرج وكيع عن عكرمة، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال: هي التي لا تفقه. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن جرير عن حذيفة قال: القلوب أربعة: قلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح، فذلك قلب المنافق، وقلب أجرد فيه مثل السراج، فذلك قلب المؤمن، وقلب فيه إيمان، ونفاق، فمثل الإيمان كمثل شجرة يمدّها ماء طيب، ومثل المنافق كمثل قرحة يمدّها القيح، والدم. وأخرج أحمد بسند جيد، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد، فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف، فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس، فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح، فقلب فيه إيمان، ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدّها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدّها القيح، فأيّ المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمان الفارسي مثله سواء موقوفاً. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } قال: لا يؤمن منهم إلا قليل.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} يعني التوراة. {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} والتَّقْفِيَةُ: الإتْباع، ومعناه: وأَتْبَعْنَا، يقال اسْتَقْفَيْتُهُ إِذَا جئت من خلفه، وسميت قافية الشعر قافية لأنها خلفه. {وَءَاتينا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أن البينات الحجج. والثاني: أنها الإنجيل. والثالث: وهو قول ابن عباس، أن البينات التي أوتيها عيسى إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير، فيكون طيراً بإذن الله، وإبراء الأسْقَام. {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدْسِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن روح القدس الاسم الذي يحيي به عيسى الموتى، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه الإنجيل، سماه روحاً، كما سمى الله القرآن روحاً في قوله تعالى: {وَكَذلِكَ أَوحَينَا إِلَيكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا}. والثالث: وهو الأظهر، أنه جبريل عليه السلام، وهذا قول الحسن وقتادة، والربيع، والسدي، والضحاك. واختلفوا في تسمية جبريل بروح القدس، على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه سُمِّيَ رُوحاً، لأَنَّه بمنزلة الأرواح للأبدان، يحيي بما يأتي به من البينات من الله عز وجل. والثاني: أنه سمي روحاً، لأن الغالب على جسمه الروحانية، لرقته، وكذلك سائر الملائكة، وإنما يختص به جبريل تشريفاً. والثالث: أنه سمي روحاً، لأنه كان بتكوين الله تعالى له روحاً من عنده من غير ولادة. والقُدُس فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: هو الله تعالى، ولذلك سُمِّي عيسى عليه السلام روح القدس، لأن الله تعالى كوَّنه من غير أب، وهذا قول الحسن والربيع وابن زيد. قال ابن زيد: القدس والقدوس واحد. والثاني: هو الظهر، كأنه دل به على التطهر من الذنوب. والثالث: أن القدس البركة، وهو قول السدي.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَقَفَّيْنَا} أتبعنا، التقفية: الإتباع. {الْبَيِّنَاتِ} الحجج، أو الإنجيل أو إحياء الموتى، وخلق الطير، وإبراء الأسقام. {بِرُوحِ الْقُدُسِ} الاسم الذي كان يحيي به الموتى، أو جبريل عليه السلام ـ على الأظهر ـ سمي به، لأنه كالروح للبدن يحيا بما يأتي به من الوحي، أو لأن الغالب على جسده الروحانية، أو لأنه وجد بقوله {كن} من غير ولادة, القدس: البركة، أو الطهر لبراءته من الذنوب، والقدس والقدوس واحد.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ...} إن قلت: الخطاب لليهود وهم معترفون بنبوة موسى عليه السلام فما فائدة القَسم على ذلك؟ قلنا: فائدته التنبيه على مساواة غيره من الرسل الآتين بعده (له) في النبوة، وأن نبوتهم حق كما (هي) نبوة موسى عندهم حق. قال ابن عرفة: وهذه معجزة للنَّبي صلى الله عليه وسلّم، لأنّ القاعدة أن من ادّعى أمرا محالا لم يسمع منه، وإن ادعى أمرا ممكنا (سمع منه وطلب) بالدّليل على صحّته. والدليل قسمان: جدلي برهاني للخواص، ودليل للعوام، فبين لهم أولا أنه ادّعى أمرا ممكنا، (واستدلّ عليه لهم بدليل برهاني) خاص بالخواص، ثم استدلّ لهم الآن بالدليل الّذي يفهمه العوام، وهو أنّه إنّما (ادّعى) أمرا تكرر أمثاله قبله فلم يأتكم بأمر غريب فهو ممكن عقلا، (واقع) أمثاله بالمشاهدة، فحقكم أن تنظروا في معجزته فتؤمنوا به. فإن قلت: ما أفاد "مِن بَعْدِهِ" مع أنّ (القبلية) تفيد معنى البعدية؟ قلت: لإفادة أول أزمنة البعدية إشارة إلى أنّ موسى عليه السلام من حين أرسله لم تزل شريعته باقية معمولا بها حتى أرسل رسولا آخرا فكان مقرر لها كيوشع بن نون أو ناسخا كعيسى. وعين موسى وعيسى دون غيرهما إما لأن المخاطبين بهذه الآية اليهود والنصارى، أو لأن المتبعين لشريعة موسى وعيسى باقون قيام الساعة، ولم يبق أحد (ممن) تشرع بشريعة غيرهما من الأنبياء. فإن قلت: لِم خصّص عيسى بذكر (الآيات) البينات؟ قلنا لوجهين: إما لأنه بَشّر بنبينا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: {أية : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ} تفسير : واستظهر على صحة قوله بمعجزات واضحات، وإمّا لأنّ الخطاب لليهود وهم كافرون بعيسى، (فمعناه) أرسلنا من بعده موسى رسلا، منهم عيسى ورسالته، (قام) الدليل على صحتها، وأنها نسخت شريعة نبيكم موسى عليه الصلاة والسلام فكذلك هذه الرسالة. قوله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ...} قال ابن عرفة: هذا نهي عليهم، ومبالغة في ذمّهم، لأن ما لا تهواه (النفس) أعمّ مما تكرهه (النّفس)، والمعنى أنهم مهما أتاهم رسول من عند الله تعالى بأمر (لا يحبونه) سواء كانوا يكرهونه أو لا، فإنّهم (يستكبرون) ويكفرون به ونظيره قوله تعالى في سورة العقود: {أية : وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} تفسير : ولم يقل: ومن حكم بغير ما أنزل الله، فيتناول من ترك الحكم ولم يحكم بشيء، لأن الفصل بين المسلمين بالحق واجب. وأورد الزمخشري سؤالا قال: لم قال "فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ" بالماضي "وفَرِيقاً تَقْتُلُونَ" بالمضارع؟ وأجاب بان التكذيب في أفراد متعلقاته كله ماض، والقتل في (بعض) آحاد متعلقاته مستقبل، لأنهم كانوا يحبون أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أهدت له يهودية في (خيبر) شاة مصلية وسمت فيها الذراع، لأنه كان صلى الله عليه وسلم يحبه، وأخبره الذراع بالسم بعد أن لاكه في فيه، ثم ألقاه منه، ثم قال عليه الصلاة والسلام في مرضه الذي (انتقل فيه إلى الفردوس الأعلى): ما زالت من الأكلة التي أكلت بخيبر (فهذا أوان انقطاع) أبهري. ولهذا يقال: إن النبي صلى الله عليه ولم مات شهيدا.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {القدس} بسكون الدال حيث كان: ابن كثير. {بئسما} وبابه بغير همز: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف. {ينزل} خفيفاً: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الوقوف: {القدس} (ط) {استكبرتم} (ج) لتناهي الاستفهام مع تعقب فاء التعقيب بعده {كذبتم} (ز) لعطف المستقبل على الماضي مع تقدم المفعولين فيهما {تقتلون} (ه) {غلف} (ط) (ز) لأن "بل" إعراض عن الأول وتحقيق للثاني {يؤمنون} (ه) {لما معهم} (ط) "لأن" الواو للحال {كفروا} (ج) لأن "لما" متضمنة للشرط وجوابها منتظر والوصل أجوز لأن "لما" مكرر وجوابهما متحد، وقوله: {وكانوا من قبل} حال معترض {كفروا به} (ج) لأن ما بعده مبتدأ لكن الفاء تقتضي تعجيل ذكر جوابهم {الكافرين} (ه) {من عباده} (ج) لطول الكلام مع فاء التعقيب {على غضب} (ط) {مهين} (ه) {لما معهم} (ط) {مؤمنين} (ط). التفسير: لما ذكر سبحانه في آلاي المتقدمة صنيع اليهود في مخالفتهم أمره تعالى ومناقضة حالهم، أكد ذلك في هذه الآي بذكر نعم أفاضها عليهم ثم إنهم قابلوها بالكفران ونقيض المقصود زيادة في تبكيتهم. أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله تعالى إياه جملة واحدة. عن ابن عباس أنها لما نزلت أمر الله موسى بحملها فلم يطق ذلك، فبعث الله لكل آية منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فبعث الله لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فخففها الله على موسى عليه السلام فحملها. القفو والتقفية الإتباع وهو من القفا كالتذنيب من الذنب أي أتبعنا على أثره رسلاً كثيرين وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم. روي أن هؤلاء الرسل كانوا على شريعة واحدة إلى أيام عيسى عليه السلام فإنه جاء بشريعة مجددة ناسخة لأكثر شرع موسى، وكان المقصود من بعثة هؤلاء تنفيذ الشريعة السالفة وإحياء بعض ما اندرس منها ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" "إن الله سيبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها دينها" فقيل عيسى بالسريانية أيشوع أي المبارك، ومريم بمعنى الخادم. وقيل مريم بالعبرية من النساء كالزير من الرجال وهو الذي يحب محادثة النساء ومجالستهن، سمي بذلك لكثرة زيارته لهن وبه فسر قول رؤبة: شعر : قلت لزير لم تصله مريمه تفسير : ووزن "مريم" عند أهل الصرف "مفعل" لأن فعيلاً بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو "عثير" للغبار "وعليب" اسم واد. البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، أيدناه قويناه من الأيد القوة، وبروح القدس الروح المقدس كما يقال حاتم الجود ورجل صدق أي بجبريل سمي بذلك لأنه سبب حياة الدين كما أن الروح سبب حياة البدن، ولأنه الغالب عليه الروحانية، ولأنه لم تضمه أصلاب الفحول ولا أرحام الأمهات، وقيل بالإنجيل كما قال {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} تفسير : [الشورى: 52] لأن العلم سبب حياة القلوب، وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، عن ابن عباس وسعيد بن جبير. وقيل: الروح الذي نفخ فيه، والقدس والقدوس هو الله، وإضافة الروح إليه تشريف وتعظيم كما يقال "بيت الله" و "ناقة الله". عن الربيع: وكون الروح ههنا جبريل أظهر لأن اختصاصه بعيسى أكثر لأنه الذي بشر مريم بولادتها وقد تولد عليه السلام من نفخة جبريل في أمه وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء. قوله تعالى: {أفكلما} وسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به من قوله: {ولقد آتينا} لإفادة التوبيخ والتعجيب من شأنهم، ويجوز أن تكون الفاء للعطف على مقدر معناه أأعرضتم فكلما {جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم} الباء للتعدية أو بمعنى "مع"، وذلك أنهم كانوا إذا أتاهم رسول بخلاف ما يهوون كذبوه وإن تهيأ لهم قتله قتلوه ترفعاً وترؤساً على عامتهم. وأخذ أموالهم بغير حق يوهمون عوامهم أنهم على الحق والنبي صلى الله عليه وسلم على الباطل، ويحتجون على ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم عليه السلام {ففريقاً كذبتم} على التمام وما بقي منه غير مكذب {وفريقاً تقتلون} أي ما تيسر لكم قتله بعد على التمام لأنكم تحومون حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة. قال صلى الله عليه وسلم عند وفاته: حديث : ما زالت أكلة خيبر تعادّني فهذا أوان قطعت أبهري. تفسير : والعداد اهتياج وجع اللديغ بعد كل سنة، والأبهر عرق يخرج من القلب إذا انقطع مات صاحبه. ويجوز أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب كقوله: شعر : فأضربها بلا دهش فخرت تفسير : وفائدة تقديم المفعول به على الفعلين بعد رعاية الفاصلة في {يقتلون} بيان غاية عنادهم وفرط عتوهم حيث جعلوا الرسل فريقين: أحدهما مخصص بالتكذيب والآخر بالقتل، كأن وصف الرسالة عندهم هو الذي اقتضى عندهم أحد هذين حتى خص المنعوت به دون سائر الناس بأحد الأمرين، وهذا نهاية الجهالة حيث استقبلوا أشرف الأصناف لأكرم الأوصاف بغاية الاستخفاف. غلف جمع أغلف وهو كل ما فيه غلاف ومنه الأغلف للذي لم يختن، أي قلوبنا مغشاة بأغطية فلا تتأثر من دعوتك لمكان الحائل بينهما. وقيل: غلف تخفيف غلف بضمتين جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلم والحكمة فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره لا حاجة بنا إلى شرعك. {بل لعنهم الله} رد لقولهم وأن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة، والتمكن من قبول الحق ولكنهم لعنوا أي طردوا عن رحمة الله وأبعدوا عن الخيرات بسبب كفرهم الذي أحدثوه بعد نصب الأدلة وإزاحة العلة. وفي هذا لطف للمكلفين أن لا يتسلقوا إلى المعاصي بإبلاء نحو هذا العذر وإبداء مثل هذه الحجة، ولكن يشمرون عن ساق الاجتهاد "فكل ميسر لما خلق" له {فقليلاً ما يؤمنون} أي إيماناً قليلاً يؤمنون. و "ما" مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب أو بقليل مما كلفوا به. يؤمنون، فانتصب بنزع الخافض. و "ما" صفة أي بشيء قليل من الأشياء المكلف بها. ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم أي لا يؤمنون أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً كما يقال: قليلاً ما تفعل. أي لا تفعل ألبتة. وذلك أن الإيمان بالله إنما يعبأ به إذا كان مؤمناً بجميع ما أنزل الله، فإذا فرق بين أوامره فهو عن الإيمان بمعزل. {ولما جاءهم} جوابه محذوف وهو نحو: كذبوا به واستهانوا بمجيئه. ويجوز أن يكون جوابه هو جواب "لما" الثانية المكررة للتأكيد لطول الكلام نحو قوله {أية : فلا تحسبنهم بمفازة}تفسير : [آل عمران: 188] بعد قوله {أية : لا تحسبن} تفسير : [آل عمران: 188]. واتفقوا على أن المراد بالكتاب هو القرآن، ووجه تصديقه لما معهم ليس هو الموافقة في أصول الشرائع، لأن جميع كتب الله كذلك، بل المراد ما يختص بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من العلامات والنعوت والصفات. والتحقيق أن ذكر الكتاب ههنا كناية عن الرسول لأن الرسول يلزمه الكتاب عرفاً أو مجازاً لأن الكتاب مستلزم للرسول لا محالة يدل على ذلك قوله {أية : يستخفون على الذين كفروا}تفسير : [البقرة: 89] وذلك أن اليهود قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن كانوا يسألون به الفتح والنصرة على المشركين إذا قاتلوهم يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة. وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. وقيل: معنى يستفتحون يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبياً يبعث منهم قد قرب أوانه. والسين للمبالغة أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم كالسين في "استعجب" و "استخسر"، أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليه، {فلما جاءهم ما عرفوا من الحق} وهو نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن تكون "ما" بمعنى "من" نحو: سبحان ما سخركن لنا أي فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم {كفروا به}، إما لأنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة مجيء الرسل منهم فيرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم من العرب من ذرية إسماعيل عليه السلام عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب بغياً وحسداً وعناداً ولدداً، وإما لأنهم ظنوا أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى العرب خاصة، وإما لأن اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم ومكاسبهم فأبوا وأصروا على الإنكار. فكفرهم إذاً كفر عناد، {فلعنة الله} وهي الإبعاد عن الخيرات الحقيقية الباقية) {على الكافرين} أي عليهم، فوضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أن اللعنة إنما لحقتهم لكفرهم، واللام للعهد أو للجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً. فإن قيل: أليس أنه تعالى ذكر {أية : وقولوا للناس حسناً}تفسير : [البقرة: 83] قلنا: العام قد يخص، وأيضاً لعن من يستحق اللعن حسن، وأيضاً أولئك بالنسناس أشبه منهم بالناس {أية : أولئك كالأنعام بل هم أضل} تفسير : [الأعراف: 179] "بئس" لإنشاء الذم، وفاعله قد يكون مظهراً نحو "بئس الرجل زيد"، وقد يكون مضمراً يعود إلى معهود ذهني فيفسر حينئذ بنكرة منصوبة وبعدهما المخصوص بالذم فـ "ما" نكرة منصوبة مفسرة: لفاعل "بئس" أي بئس شيئاً اشتروا به أنفسهم، والمخصوص بالذم {أن يكفروا} واختلف في إعراب المخصوص فقيل: مبتدأ والجملة قبله خبره. وقيل خبر مبتدأ محذوف أي هو أن يكفروا. واشتروا بمعنى باعوا لأن الكفر حاصل تعلق نفوسهم بأبدانهم كما أن، الثمن حاصل ملك المالك. وقيل: إن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله تعالى فأتى بأعمال يظن بها أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، وهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب ويوصلهم إلى الثواب، فقد ظنوا أنهم قد اشتروا أنفسهم بها، والمراد بما أنزل الله القرآن لأنهم كانوا مؤمنين بغيره. ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر فقال {بغياً} أي حسداً وطلباً لما ليس لهم، ولولا هذا البيان لجاز أن يكون الباعث لهم على ذلك الكفر هو الجهل لا البغي ولما كان الباعث على البغي قد يكون وجوهاً شتى بين أن الحامل لهم على البغي هو {أن ينزل الله من فضله} الذي هو الوحي {على من يشاء} وتقتضي حكمته إرساله وهذا هو اللائق بما حكينا من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم يحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد، وعلى هذا يكون الجار المحذوف هو لام الغرض أي لأجل أن ينزل، ويحتمل أني قال المحذوف على أي حسدوه على أن ينزل. {فباءوا بغضب على غضب} لا بد من إثبات سببي غضبين: أحدهما تكذيبهم عيسى وما أنزل عليه، والثاني تكذيبهم محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه، فصار ذلك سبباً بعد سبب لسخط بعد سخط وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة. وقيل: الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكتمانهم نعت محمد صلى الله عليه وسلم وجحدهم نبوته عن السدي. وقيل: ليس المراد إثبات الغضبين فقط، بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور متوالية صدرت عنهم كقولهم {أية : عُزير ابن الله} تفسير : [التوبة: 30] {أية : يد الله مغلولة} تفسير : [المائدة: 64] {أية : إن الله فقير ونحن أغنياء} تفسير : [آل عمران: 181] عن عطاء وعبيد بن عمير. وقيل: المراد تأكيد الغضب وتكثير له لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه عظيم، وهو قول أبي مسلم. ومعنى الغضب في حقه تعالى قد عرفت مراراً أنه عبارة عن لازمه وهو إرادة الانتقام، وأما تزايده وتكثره فيصح فيه ذلك كصحته في العذاب، فلا يكون غضبه على من كفر بخصال كثيرة كمن كفر بخصلة واحدة {وللكافرين عذاب مهين} من وضع الظاهر مقام المضمر أي ولهم عذاب، وفائدته ما ذكرنا في قوله {فلعنة الله على الكافرين} ووصف العذاب بالمهين والمهين هو المعذب لأن الإهانة لما حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه لأنها بسبب منه، ولا يلزم من اقتران العذاب بالإهانة تكرار فقد يكون العذاب ولا إهانة كالوالد يؤدب ولده {آمنوا بما أنزل الله} بكل ما أنزل الله من كتاب وقد يستدل به على عموم "ما" {قالوا نؤمن بما أنزل علينا} أي بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى عليه السلام {ويكفرون بما وراءه} أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة وهو الإنجيل والقرآن {وهو الحق} الضمير يعود إلى "ما وراءه" أو إلى القرآن فقط. و {مصدقاً} حال مؤكدة لوجود شرطها وهو كونها مقررة لمضمون جملة اسمية، أو كون مضمونها لازماً لمضمون الجملة الاسمية، فإن التصديق لازم حقية القرآن فصار كأنه هو والعامل في {مصدقاً} محذوف وهو يبدو أو يثبت على الأصح. وأما الواو في {وهو الحق} فيجوز أن تكون معترضة فلا محل للجملة، ويجوز أن تكون للحال وحينئذ إما أن يكون العامل فيها هو العامل في قوله {ويكفرون} على أن كلاً منهما حال بحيالها، وإما أن يكون العامل فيها هو يكفرون على أنهما حالان متداخلتان. وفي قوله {وهو الحق مصدقاً لما معهم} دلالة على وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه لما أثبت نبوته بالمعجزات ثم إنه أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله وأنه صلى الله عليه وسلم أمر المكلفين بالإيمان، كان الإيمان به واجباً لا محالة، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعضهم وبعضها محال. وأيضاً أنه صلى الله عليه وسلم لم يتعلم علماً ولم يقرأ ولم يخط، ثم إنه صلى الله عليه وسلم أتى بالقصص والأخبار مطابقة لما في التوراة، فيعلم بالضرورة أنه صلى الله عليه وسلم استفادها من قبل الوحي وأيضاً القرآن يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فلما أخبر الله تعالى عنه أنه مصدق التوراة وجب اشتمال التوراة على الأخبار عن نبوته. فمدعي الإيمان بالتوراة يجب أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وإلا كان كاذباً. ثم إنه تعالى بين من وجه آخر كذب دعواهم، وهو أن التوراة لا تسوغ قتل الأنبياء وأنهم سوغوا ذلك، وفيه دليل على أن إيراد المناقضة على الخصم الألد جائز. والكلام وإن كان على وجه الخطاب إلا أن المراد بذلك أسلافهم بدليل {من قبل} وتقتلون حكاية حال ماضية. وأصل "لم" لما بإدخال لام التعليل في "ما" الاستفهامية، حذفت الألف للتخفيف أي لأي غرض وبأي حجة كان أسلافكم يقتلون الأنبياء. وفي قوله {إن كنتم مؤمنين} تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم الإيمان، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما تقدمه. وفيه تنبيه على أن اليهود المعاصرين خرجوا بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان بالتوراة كما أن أسلافهم خرجوا بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بها والله تعالى أعلم. التأويل: هذا حال أكثر البطالين المتشبهين بالطالبين يصغون إلى كلمات العلماء الراسخين، فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استغربته نبذوه وأنكروه، فيكذبون فريقاً منهم فراراً عن تحمل أعباء الطلب ويثيرون الفتنة على فريق بالحسد والإنكار والفتنة أشد من القتل {وقالوا قلوبنا غلف} فيه إشارة إلى أن الطالب إذا ابتلى في أثناء الطلب بالرهقة أو الفترة لم يضره ذلك ما دام متمسكاً بالإرادة، فيرجى رجوعه بإذن الله وبمدد همة الأستاذ والشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة وأظهر الإنكار والاعتراض فلن يرجى فلاحه. {ولما جاءهم كتاب} فيه إشارة إلى أن أهل كل زمان يتمنون أن يدركوا أحداً من العلماء والأولياء المحظوظين بالعلوم الكسبية واللدنية ويتوسلون بهم إلى الله تعالى عند رفع حوائجهم في صالح دعائهم ويظهرون محبتهم عند الخلق {فلما وجدوا} واحداً منهم {ما عرفوا} قدره وحسدوه وأظهروا عداوته وما أنصفوه {فباءوا بغضب} من رد ولاية الأولياء {على غضب} من الله لأوليائه كما جاء في الحديث "حديث : من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة" تفسير : و "إنما أنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لجروه" والله أعلم بالصواب.

ابن عادل

تفسير : روي عن ابن عباس أن التَّوراة لما نزلت أمر الله موسى بِحَمْلِهَا فلم يطق ذلك، فبعث لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فخفّفها الله على موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ فحملها. [قوله]: {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ} التضعيف في "قَفَّيْنَا" ليس للتَّعدية؛ إِذْ لو كان كذلك لتعدّى إلى اثنين؛ لأنه قيل: التضعيف يتعدّى لواحد، نحو: "قَفَوْتُ زَيْداً"، ولكنه ضُمِّن معنى "جئنا" كأنه قيل: وجئنا من بعده بالرُّسل. فإن قيل: يجوز أن يكون متعدياً لاثنين على معنى أنَّ الأول محذوف، والثاني "بالرسل" والباء فيه زائدة تقديره: "وَقَفَّيْنَا من بعده الرسل". فالجَوَاب: أن كثرة مجيئه في القرآن كذلك يبعد هذا التَّقْدِير، وسيأتي لذلك مزيد بيان في "المائدة" [الآية:46] إن شاء الله تعالى. و "قَفَّيْنَا" أصله: قَفَّوْناً، ولكن لما وقعت "الواو" رابعة قلبت "ياء"، واشتقاقه من "قَفَوْتُ"، وقَفَوْتُه إذا اتَّبَعْتُ قَفَاه، ثم اتُّسِع فيه، فأطلق على تابع، وإن بَعُدَ زمان التابع عن زمان المتبوع. قال أميَّةُ: [البسيط] شعر : 646ـ قَالَتْ لأُخْتٍ لَهُ قُصِّيهِ عَنْ جُنُبٍ وَكَيْفَ تَقْفُو وَلاَ سَهْلٌ وَلاَ جَبَلُ تفسير : و "القَفَا": مؤخّر العُنُق، ويقال له: القافية أيضاً، ومنه الحديث: "حديث : يعقد الشيطان على قَافِيَة رَأْس أَحَدِكُمْ ". تفسير : والقَفَاوَة: ما يدّخر من اللّبن وغيره لمن تريد إكرامه، وقفوت الرجل: قذفته بِفُجُور، "وفلان قِفْوتِي": أي تُهْمتي، وقِفْوتي أي خيرتي. قال ابن دريد: كأنه من الأضداد. ومنه قافية الشعر؛ لأنها يتلو بعضها بعضاً، ومعنى قفّينا: أي أتبعنا، كقوله: {أية : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا}تفسير : [المؤمنون:44]. و "مِنْ بَعْدِهِ" متعلق به، وكذلك: "بالرُّسُل" وهو جمع رسول بمعنى مُرْسَل، وفُعُل غير مقيس في "فعيل" بمعنى "مفعول" وسكون العين لغة "الحجاز" وبها قرأ الحسن، والضم لغة "تميم" وبها قرأ السَّبعة إلاَّ أبا عمر، وفيما أضيف إلى"نا" أو "كم" أو "هم"، فإنه قرأ بالسكون لتوالي الحركات. فصل في تعيين الرسل المقفى بهم هؤلاء الرُّسل: يوشع، وشمويل، وداود، وسليمان، وشعياء، وأرمياء، وعزير، وحزقيل، وإلياس، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم. وروي أن بعد موسى إلى أيام عيسى كانت الرسل متواترةً، ويظهر بعضهم في أثر البعض. والشريعة واحدة في أيام عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ فإنه جاء بشريعة مجدّدة، والدليل على ذلك قوله: {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ}؛ لأنه يقتضي أنهم على حدٍّ واحدٍ في الشريعة يتبع بعضهم بعضاً فيها. وقال القاضي: إنَّ الرسول الثاني لا يجوز أن يكون على شِرْعَةِ الأوّل بحيث لا يؤدي إلا تلك بعينها من غير زيادة ولا نُقْصَان، مع أنّ تلك الشريعة محفوظةٌ يمكن معرفتها بالتَّواتر عن الأول؛ لأن الرَّسُول إذا كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلاَّ ما كان قد علم من قبل، أو يمكن أن يعلم من قبل، فكما لا يجوز أن يبعث الله رسولاً لا شريعة معه أصلاً، فكذا هاهنا، فثبت أنه لا بد وأن يكونوا قد بعثوا بشريعة جديدة إن كانت الأولى محفوظةً، أو محيية لبعض ما اندرس من الشَّريعة الأولى. والجواب: لم لا يجوز أن يكون المقصود من بعثة هؤلاء الرسل التعبُّد بتلك الشريعة السَّابقة بنوع آخر من الأَلْطَاف لا يعلمه إلا الله؟ فصل في لفظ عيسى [قوله]: "عيسى": علم أعجمي فلذلك لم ينصرف، وقد تكلم النحويون في وَزْنِهِ، واشتقاقه على تقدير كونه عَرَبيَّ الوضع فقال سيبويه: وزنه "فِعْلَى" والياء فيه ملحقة ببنات الأربعة كياء "مِعْزى" بالياء لا الألف، سمّاها ياء لكتابتها بالياء. وقال الفارسي: ألفه ليست للتأنيث كـ "ذِكْرَى"، بدلالة صرفهم له في النكرة. وقال عثمان بن سعيد الصيرفي: وزنه "فِعْللَ" فالألف عنده أصيلة بمعنى أنها مُنْقلبة عن أصل. ورد عليه ذلك ابن البَاذش بأن الياء والواو لا يكونان أصليين في بنات الأربعة، فمن قال: إن "عيسى" مشتق من "الْعَيْس": وهو بياض تُخالطه شُقْرة ليس بمصيب، لأن الأعجمي لا يدخله اشتقاق ولا تصريف. وقل الزمخشري: "وقيل: عيسى بالسُّريانية يشوع". قوله: "ابن مريم" عطف بيان له أو بدل، ويجوز أن يكون صفة إلا أن الأول أولى؛ لأن "ابن مريم" جرى مجرى العلم له، وللوصف بـ "ابن" أحكام تخصّه، ستأتي إن شاء الله تعالى مبينة، وقد تقدم اشتقاق "ابن" وأصله. و "مريم" أصله بالسّريانية صفة بمعنى الخَادِمِ، ثم سُمِّيَ به؛ فلذلك لم ينصرف، وفي لغة العرب: هي المرأة التي تُكْثر مخالطة الرجال كـ "الزِّير" من الرجال، وهو الذي يكثر مُخالطتَهُن. قال رؤبة: [الرجز] شعر : 647ـ قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ تفسير : و "ياء" الزّير عن واو؛ لأنه من "زار ـ يزور" فقلبت للكسرة قبلها كـ "الريح"، فصار لفظ "مريم" مشتركاً بين اللِّسَانين، ووزنه عند النحويين "مَفْعَل" لا "فَعْيَل"، قال الزمخشري: لأن "فَعْيلاً"، بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو: "عثير وعِلَيْب" وقد أثبت بعضهم "فَعْيلاً"، وجعل منه نحو: "ضهيد": اسم مكان و "مَدْين" على القول بأصالة ميمه و "ضهيأ" بالقَصْر ـ وهي المرأة التي لا تحيض، أو لا ثَدْيَ لها، مشتقّة من "ضَاهَأَتْ" أي: "شابهت"؛ لأنها شابهت الرجال في ذلك، ويجوز مدّها قاله الزَّجَّاج. وقال ابن جني: وأما "ضهيد وعثير" فمصنوعان فلا دلالة فيهما على ثبوت "فَعْيَل"، وصحة الياء في "مريم" على خلاف القياس، إذْ كان من حقّها الإعلال بنقل حركة الياء إلى الراء، ثم قَلْب الياء ألفاً نحو: "مُبَاع" من البيع، ولكنه شذّ كما شذ "مَزْيَد ومدين". وقال أبو البقاء: ومريم على أعجمي، ولو كان مشتقّاً من "رام ـ يَرِيم" لكان مَرِيْماً بسكون الياء. وقد جاء في الأعلام فتح الياء نحو: [مزيد] وهو على خلاف القياس. و "البَيِّنَات" قيل: هي المُعْجِزَات المذكورة في سورة "آل عمران" و "المائدة". وقيل: الإنجيل. وقيل: أعم من ذلك. قوله: "وَأَيَّدْنَاهُ" معطوف على قوله: "وَآتيْنَا عِيسَى". وقرأ الجمهور: "وَأَيَّدْنَاهُ" على "فَعَّلْنَاهُ"، وقرأ مجاهد وابن محيصن ويروى عن أبي عمرو: "وَآيَدْنَاهُ" على "أَفْعَلْنَاهُ"، والأصل فيه: "أَأْيد" بهمزتين ثانيتهما ساكنة، فوجب إبدال الثانية ألفاً نحو: "أأمن" وبابِه، وصححت العين كما صحّت في "أغيلت وأغميت" وهو تصحيح شاذّ إلا في فعل التعجّب نحو: ما أبين وأطول. وحكي عن أبي زيد أن تصحيح "أغيلت" مقيس. فإن قيل: لم لا أعلّ "أَيَّدْنَاه" كما أعلّ نحو: أَبَعْنَاهُ حتى لا يلزم حمله على الشَّاذ؟. فالجواب: أنه لو أعلّ بأن ألقيت حركة العَيْن على الفاء، فيلتقي ساكنان العين واللام، فتحذف العين لالتقاء الساكنين، فتجتمع همزتان مَفْتُوحتان، فيجب قلب الثانية واواً نحو: "أوادم" فتتحرك الواو بعد فتحة، فتقلب ألفاً فيصير اللفظ: أَأَدْنَاهُ؛ لأدّى إلى إعلال الفاء والعين، فالأجل ذلك رُفِضَ بخلاف أَبَعْنَاه وأقمناه، فإنه ليس فيه إلاَّ إعلال العَيْن فقط، قال أبو البقاء: فإن قلت: فلم لم تحذف الياء التي هي عَيْن كما حذفت من نحو: "أسلناه" من "سال ـ يسيل"؟. قيل: لو فعلوا ذلك لتوالى إِعْلاَلاَن: أحدهما: قلب الهمزة الثانية ألفاً، ثم حَذْفُ الألف المبدلة من الياء لسكونها، وسكون الألف قبلها، فكان يصير اللَّفط أدْنَاه، فتحذف الفاء والعين، وليس "أَسَلْنَاه" كذلك؛ لأن هناك حذفت العين فقط. وقال الزمخشري في "المائدة": "أَيَّدْتُك على أَفْعَلْتُكَ". وقال ابن عطية: "على فاعَلْتُكَ"، ثم قال: "ويظهر أنَّ الأصل في القراءتين: أفعلتك، ثم اختلف الإعلال" والذي يظهر أن "أَيَّدَ" فَعَّلَ لمجيء مضارعه على يُؤَيِّد بالتشديد، ولو كان أَيَّدَ بالتشديد بزنة "أَفْعَل" لكان مضارعه "يُؤْيِدُ" كـ "يُؤْمِنُ" من "آمن" وأما آيَدَ ـ بالمدّ ـ فَيحْتَاج في نقل مُضَارعة إلى سماع، فإن سُمِع "يُؤايِد" كـ "يُقَاتل" فهو "فَاعَلَ" فإن سمع "يُؤْيِد" كـ "يكرم" و "آيَد" فهو أَفْعَلَ، ذكر جميع ذلك أبو حَيّان في "المائدة"، ثم قال: إنه لم يظهر كلام ابن عطيّة في قوله: "اختلف الإعلال"، وهو صحيح، إلاَّ أن قوله: والذي يظهر أن "أَيَّد" في قراءة الجمهور "فَعَّل" لا "أَفْعَل" إلى آخره فيه نظر؛ لأنه يُشْعِرُ بجواز شيء آخر متعذّر. كيف يتوهّم أن "أَيَّدَ" بالتشديد في قراءة الجمهور بزنة "أَفَعْلَ"، هذا ما لا يقع. و "الأَيْد": القوة. قال عبد المطّلب: [الرجز] شعر : 648ـ أَلْحَمْدُ لِلَّهِ الأعَزِّ الأَكْرَمِ أَيَّدَنَا يَوْمَ زُحُوفٍ الأَشْرَمِ تفسير : والصحيح أن "فَعَّلَ" و "أفْعَل" هنا بمعنى واحد وهو"قَوَّيْنَاهُ"، وقد فرق بعضهم بينهما، فقال: "أما المَدُّ فمعناه: القوة، وأما القَصْر فمعناه: التأييد والنصر" وهذا في الحقيقة ليس بفرق، وقد أبدلت بعض العرب في آيَدَ على أَفْعَلَ الياء جيماً فقالت: آجَدَهُ أي قواه. قال الزمخشري: "يقال: الحمد لله الذي آجَدَني بعد ضَعْف، وأوجدني بعد فَقْر". وهذا كما أبدلوا من يائه جيماً فقالوا: لا أفعل ذلك جَدَ الدَّهْرِ أو مد الدهر، وهو إبدال لا يطّرد. ومن إبدال الياء جيماً قول الراجز: [الرجز] شعر : 649ـ خَالِي عُوَيْفٌ وَأَبُو عَلِجِّ أَلْمُطْعِمَانِ اللَّحْمَ بِالْعَشِجِّ تفسير : يريد: "وأبو علي" و "بالعشي". قوله: "بِرُوحِ القُدُسِ" متعلق بـ "أيدناه". وقرأ ابن كثير: "القُدْس" بإسكان الدال، والباقون بضمها، وهما لغتان: الضم لـ "الحجاز" والإسكان لـ"تميم"، وقد تقدم ذلك، وقرأ أبو حيوة: "القُدُّوس" بواو، فيه لغة فتح القاف والدال معناه: الطَّهارة أو البركة كما [تقدم عند قوله: {أية : وَنُقَدِّسُ لَكَ}تفسير : [البقرة:30]] و "الروح" في الأصل: اسم للجزء الذي تحصل به الحياة في الحيوان، قاله الرَّاغب. فصل في المراد بـ "روح القدس" اختلفوا في "روح القُدُس" هنا على وجوه: أحدها: أنه جبريل عليه السلام؛ لقول حسّان: [الوافر] شعر : 650ـ وجبْرِيلٌ رَسولُ اللهِ فِينَا ورُوحُ القُدْسِ لَيْسَ بِهِ كِفَاءُ تفسير : قال الحسن: القُدُس هو الله عزّ وجلّ، وروحه: جبريل، قال تعالى: {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ}تفسير : [النحل:102] وقيل: سمي جبريل روحاً لِلَطَافته ولمكانته من الوَحْي الذي هو سبب حياة القلوب. قال النحاس: وسمي جبريل روحاً أو أضيف إلى القدس؛ لأنه كان بتكوين الله عزّ وجلّ له روحاً من غير ولادة والد والده [وقيل: المارد بروح القدس الإنجيل كما قال في القرآن "روحاً من أمرنا" لأنه الذي يوحى به]، وكذلك سمي عيسى روحاً لهذا. وقال ابن عَبَّاس وسعيد بن جُبَيْرٍ: "هو الاسم الأعظم الذي كان يحيي به عيسى الموتى". وقيل: هو الروح الذي نفخ فيه. والقُدُس والقُدُّوس هو الله، فنسب روح عيسى إلى نفسه تعظيماً وتشريفاً، كما يقال: بَيْت الله، ونَاقَة الله؛ قاله الربيع وغيره، كقوله: {أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا}تفسير : [التحريم:12] وعلى هذا المراد به الروح الذي يحيى به الإنسان. [واعلم أن إطلاق الروح على "جبريل" وعلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز]. قوله: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ} الهمزة هنا ـ للتوبيخ والتَّقريع، والفاء للعطف عَطَفَتْ هذه الجملة على ما قَبْلَها، واعْتُنِيَ بحرف الاستفهام فَقُدِّم، وتقدم تحقيق ذلك، وأن الزمخشري يقدر بين الهمزة وحرف العطف جملةً ليعطف عليها، وهذه الجملة يجوز أن تكون معطوفة على ما قبلها من غير حذف شيء كأنه قال: ولقد آتينا يا بني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم فكلما جاءكم رسول. ويجوز أن يُقَدَّر قبلها محذوف أي: ففعلتم ما فعلتم فكلما جاءكم رسول، وقد تقدّم الكلام في "كلما" عند قوله "كُلَّمَا أَضَاءَ"، والناصب لها هنا استكبرتم. و "جاء" يتعدّى بنفسه تارة كهذه الآية، وبحرف الجر أخرى، نحو: "جئت إليه" و "رسول" "فَعُول" بمعنى "مفعول" أي: مُرْسَل، وكون "فَعُول" بمعنى "المفعول" قليل، جاء منه: "الرَّكُوب والحَلُوب"، ويكون مصدراً بمعنى: الرِّسالة قاله الزمخشري؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 651ـ لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ ما فُهْتُ عِنْدَهُمْ بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ تفسير : أي: برسالة، ومن عنده: {أية : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء:16]. قوله: {بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ} متعلّق بقوله: "جاءكم" و "ما" موصولة بمعنى الَّذِي، والعائد محذوف لاستكمال الشّروط والتقدير: بما لا تَهْوَاه، و "تهوى" مضارع "هَوِي" بكسر العين ولامه من ياء؛ لأن عينه واو، وباب "طويت وشويت" أكثر من باب "قُوَّةٌ وحُوةٌ" ولا دليل في "هَوِي" لانكسار العين، وهو مثل "شَقِي" من الشّقاوة، وقولهم في تثنية مصدر هوي: هَوَيان أدلُّ على ذلك. ومعنى تهوى: تحبّ وتختار، وأصل الهَوَى: الميل، سمي بذلك؛ لأنه يَهْوي بصاحبه في النار، ولذلك لا يستعمل غالباً إلاّ فيما لا خير فيه، وقد يستعمل فيما هو خير، ففي الحديث الصحيح قول عمر في أسارى "بدر": "فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يَهْو ما قلت". وعن عائشة رضي الله عنها: "والله ما أرى رَبَّك إلا يُسَارع في هواك". وجمعه "أهواء". قال تعالى: {أية : بِأَهْوَائِهِم}تفسير : [الأنعام:119] ولا يجمع على "أَهْوِية"، وإن كان قد جاء "نَدَى" و"أنْدِية"؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 652ـ فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أَنْدِيَةٍ لاَ يُبْصِرُ الكَلْبُ مِن ظَلْمَائِهَا الطُّنُبَا تفسير : وأما "هَوَى يَهْوِي" بفتحها في الماضي وكسرها في المضارع فمعناه السُّقوط، و"الهَوِيُّ" بفتح الهاء، ذهاب في انْحِدَار. و "الهُوِيُّ": ذهاب في صعود وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. وأسند الفعل إلى "الأنفس" دون المُخَاطب فلم يقل: "بما لا تَهْوُون" تنبيهاً على أنّ النفس يُسْند إليها الفعل السيّىء غالباً نحو: {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ}تفسير : [يوسف:53] {أية : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ}تفسير : [يوسف:18] و"استكبر" بمعنى: "تكبر". قوله: "فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ" "الفاء" عاطفة جملة "كذبتم" على "استكبرتم"، و "فريقاً" مفعول مقدم، قدم لتتفق رؤوس الآي، وكذا: "فَرِيقاً تَقْتُلُونَ"، ولا بُدّ من محذوف، أي: فريقاً منهم، والمعنى أنه نشأ عن اسْتِكْبَارهم مُبَادرة فريق من الرسل بالتكذيب، ومبادرةُ آخرين بالقتل. وقدم التكذيب؛ لأنه أول ما يفعلونه من الشَّر؛ ولأنه مشترك بين المقتول وغيره، فإنَّ المقتولين قد كذبوهم أيضاً، وإنما لما يُصَرِّح به؛ لأنه ذكر أقبح منه في الفِعل. وجيء بـ "تقتلون" مضارعاً، إما لكونه مستقبلاً؛ لأنهم كانوا يَرُومُونَ قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك سحروه، وسَمُّوا له الشاة، وقال عليه الصلاة والسلام عند موته: "حديث : مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي، فَهَذَا أوان انْقِطَاع أَبْهَرِي"تفسير : ولما فيه من مُنَاسبة رؤوس الآي والفَوَاصل، وإما أن يراد به الحال الماضية؛ لأن الأمر فظيع، فأريد استحضاره في النُّفوس، وتصويره في القلوب. وأجاز الرَّاغب أنْ يكون "ففريقاً كَذّبتم" معطوفاً على قوله: "وآتيناه"، ويكون "أفكلّما" مع ما بعده فصلاً بينهما على سبيل الإنْكَارِ. والأظهر الأول وإن كان ما قاله محتملاً. فصل في بيان الذي استحق به بنو إسرائيل نهاية الذم هذا نهاية الذَّم؛ لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم رسول بخلاف ما يهوون كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه، لإرادتهم الرّفعة في الدنيا، وطلب لذاتها، والتَّرؤس على عامتهم، وأخذ أموالهم بغير حَقّ، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك، فيكذبونهم ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين، ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل، وبعضهم كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم عليه الصلاة والسَّلام، فلما سمعت اليهود ذكر عيسى ـ عليه الصَّلاة السلام ـ قالوا: يا محمد لا مثل عيسى فعلت كما تزعم ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت فائتنا بما أتى به عيسى ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ إن كنت صادقاً، فقال الله عز وجل: أفكلّما جَاءَكم يا معشر اليهود رسول بما لا تهوي أنفسكم استكبرتم، وتعظّمتم عن الإيمان به، فطائفة كذبتم مثل عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وطائفة تقتلون أي: قتلتم مثل: زكريا ويحيى وشعيب، وسائر من قتلوا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {‏وقفينا‏}‏ اتبعنا‏.‏ وأخرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله {‏ولقد آتينا موسى الكتاب‏}‏ يعني التوراة جملة واحدة مفصلة محكمة ‏{‏وقفينا من بعده بالرسل‏} يعني رسولاً يدعى اشمويل بن بابل، ورسولاً يدعي مشتانيل، ورسولاً يدعى شعيا بن أمصيا، ورسولاً يدعى حزقيل، ورسولاً يدعى أرميا بن حلقيا وهو الخضر، ورسولاً يدعى داود بن أيشا وهو أبو سليمان، ورسولاً يدعى المسيح عيسى ابن مريم، فهؤلاء الرسل ابتعثهم الله وانتخبهم للأمة بعد موسى بن عمران، وأخذ عليهم ميثاقاً غليظاً أن يؤدوا إلى أممهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم وصفة أمته‏.‏ وأما قوله تعالى: ‏{‏وآتينا عيسى ابن مريم البينات‏}‏ . أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم قال‏:‏ هي الآيات التي وضعت على يده من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب، وما رد عليهم من التوراة مع الإِنجيل الذي أحدث الله إليه‏.‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأيدناه بروح القدس‏}‏. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏وأيدناه‏} ‏قال‏:‏ قوّيناه‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ روح القدس‏.‏ الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال‏:‏ القدس لله تعالى‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال‏:‏ القدس هو الرب تعالى‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ القدس الطهر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ القدس البركة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن إسمعيل بن أبي خالد في قوله {‏وأيدناه بروح القدس‏} قال‏:‏ أعانه جبريل‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال‏:‏ روح القدس جبريل‏.‏ وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حديث : روح القدس جبريل‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن سعيد وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن عائشة ‏"‏حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لحسان منبراً في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيه‏ ". تفسير : وأخرج ابن حبان عن ابن مسعود ‏"حديث : ‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إن روح القدس نفث في روعي‏:‏ أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب‏ ". تفسير : وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن الحسن قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏من كلمة روح القدس لن يؤذن للأرض أن تأكل من لحمه‏ ". تفسير : وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون‏}‏. أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {‏فريقا‏ً}‏ يعني طائفة‏.‏

التستري

تفسير : قوله: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ}[87] قال: القدس هو الحق، يعني الذي طهّر من الأولاد والشركاء والصاحبة.

القشيري

تفسير : الإشارة: أوصلنا لهم الخطاب، وأردفنا رسولاً بعد رسول، والجميع دَعَوْا إلى واحد. ولكنهم أصْغَوْا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قَبلُوه، وما استثقلته أهواؤهم جحدوه، فإذا كان الهوى صفتهم ثم عبدوه، صارت للمعبود صفات العابد، فلا جَرَمَ الويل لهم ثم الويل!.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد آتينا} اى بالله لقد اعطينا يا بنى اسرائيل {موسى} لغة عبرانية قد سبق تفصيله عند قوله تعالى {أية : وإذ واعدنا موسى} تفسير : البقرة: 51] الآية. {الكتاب} اى التوراة جملة واحدة {وقفينا من بعده بالرسل} يقال قفاه به اذا اتبعه اياه اى اتبعنا من بعد موسى رسولا بعد رسول مقتفين اثره وهم يوشع وشمويل وداود وسليمان وشمعون وشعيا وارميا وعزيز وحزقيل والياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم عليهم السلام {وآتينا عيسى} بالسريانية اليسوع ومعناه المبارك والاصح انه لا اشتقاق له ولأمثاله فى العربية {ابن} باثبات الالف وان كان واقعا بين العلمين لندرة الاضافة الى الام {مريم} بالسريانية بمعنى الخادمة والعابدة قد جعلتها امها محررة لخدمة المسجد ولكمال عبادتها لربها سماها الحق تعالى فى كتابه الكريم مع الانبياء عليهم السلام سبع مرات وخاطبها كما خوطب الانبياء كما قال تعالى {أية : يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين} تفسير : [آل عمران: 43]. فشاركها مع الرجال {البينات} المعجزات الواضحات من احياء الموتى وابراء الاكمه والابرص والاخبار بالمغيبات والانجيل {وأيدناه} اى قويناه {بروح القدس} من اضافة الموصوف الى الصفة اى بالروح المقدسة المطهرة وهى روح عيسى عليه السلام وصفت بالقدس للكرامة لان القدس هو الله تعالى او الروح جبريل ووصف بالطهارة لانه لم يقترف ذنبا وسمى روحا لانه كان يأتى الانبياء بما فيه حياة القلوب ومعنى تقويته به انه عصمه من اول حاله الى كبره فلم يدن منه الشيطان عند الولادة ورفعه الى السماء حين قصد اليهود قتله وتخصيص عيسى من بين الرسل ووصفه بايتاء البينات والتأييد بروح القدس لما ان بعثتهم كانت لتنفيذ احكام التوراة وتقريرها واما عيسى فقد نسخ بشرعه كثير من احكامها وحسم مادة اعتقادهم الباطل فى حقه ببيان حقيقته واظهار كمال قبح ما فعلوا به وما بين موسى وعيسى اربعة آلاف نبى وقيل سبعون الف نبى {أفكلما جاءكم} خاطب اهل عصر النبى عليه السلام بهذا وقد فعله اسلافهم يعنى لم يوجد منهم القتل ان وجد الاستكبار لانهم يتولونهم ويرضون بفعلهم والفاء للعطف على مقدر يناسب المقام اى ألم تطيعوهم فكلما جاءكم {رسول بما لا تهوى} اى لا تريد {أنفسكم} ولا يوافق هواكم من الحق الذى لا انحراف عنه {استكبرتم} اى تعظمتم عن الاتباع له والايمان بما جاء به من عند الله {ففريقا} منهم {كذبتم} كعيسى ومحمد عليهما السلام {وفريقا تقتلون} كزكريا ويحيى وغيرهما عليهم السلام. وقدم فريقا فى الموضعين للاهتمام وتشويق السامع الى ما فعلوا بهم لا للقصر ولم يقل قتلتم وان اريد الماضى تفظيعا لهذه الحالة فكأنها وان مضت حاضرة لشناعتها ولثبوت عارها عليهم وعلى ذريتهم بعدهم او يراد وفريقا تقتلونهم بعد وانكم على هذه النية لانكم حاولتم قتل محمد عليه الصلاة والسلام لولا انى اعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة. حتى قال عليه السلام عند موته "حديث : ما زالت اكلة خيبر تعاودنى ". تفسير : اى يراجعنى اثر سمها فى اوقات معدودة "حديث : فهذا او ان قطعت ابهرى ". تفسير : وهو عرق منبسط فى القلب اذا انقطع مات صاحبه. وقصته انه لما فتحت خيبر وهو موضع بالحجاز اهديت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شاة فيها سم فقال رسول الله "حديث : انى سائلكم عن شىء فهل انتم صادقى فيه" قالوا نعم يا ابا القاسم قال "هل جعلتم فى هذه الشاة سما" قالوا نعم قال "فما حملكم على ذلك" قالوا اردنا ان كنت كاذبا ان نستريح منك وان كنت صادقا لم يضرك ". تفسير : واعلم ان اليهود انفوا من ان يكونوا اتباعا وكانت لهم رياسة وكانوا متبوعين فلم يؤمنوا مخافة ان تذهب عنهم الرياسة فما دام لم يخرج حب الرياسة من القلب لا تكون النفس مؤمنة بالايمان الكامل وللنفس صفات سبع مذمومة العجب والكبر والرياء والغضب والحسد وحب المال وحب الجاه ولجهنم ايضا ابواب سبعة فمن زكى نفسه عن هذه السبع فقد اغلق سبعة ابواب جهنم ودخل الجنة واوصى ابراهيم بن ادهم بعض اصحابه فقال كن ذنبا ولا تكن رأسا فان الرأس يهلك والذنب يسلم: قال فى المثنوى شعر : تاتوانى بنده شو سلطان مباش زخم كش جون كوى شوجوكان مباش اشتهار خلق بند محكمست در ره اين از بند آهن كى كم است تفسير : وعن بعض المشايخ النقشبندية انه قال دخلت على الشيخ المعروف بدده عمر الروشنى لعيادة فوجدته متغير الحال بسبب انه داخله شىء من حب الرياسة لانه كان مشهورا فى بلدة تبريز مرجعا للاكابر والاصاغر فنعوذ بالله من الحور بعد الكور. وفى شرح الحكم ادفن وجودك اى ما يكون سبب ظهور اختصاصك بين الخلق من علم او عمل او حال فى ارض الخمول التى هى احد ثلاثة امور. احدها ان ترى ما جبلت عليه من النقص فلا تعتد بشىء يظهر منك لعلمك بدسائسك وخباثة نفسك. الثانى ان تنظر اليك من حيث انت فلا ترى لائقا بك الا النقص وتنظر الى مولاك فتراه اهلا لكل كمال فكل ما يصدر لك من احسان نسبته اليه اعتبارا بما انت عليه من خمول الوصف. الثالث ان تظهر لنفسك ما يوجب نفى دعواها من مباح مستبشع او مكروه لم يمنع دواء لعلة العجب لا محرما متفقا عليه اذ كما لا يصح دفن الزرع فى ارض رديئة لا يجوز الخمول فى حالة غير مرضية.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {قفينا}: أتبعنا، و {عيسى} عجمي معدول عن أيشوع في لغة السريانية، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة، و {مريم}: بمعنى الخادم، ووزنه: مَفْعَل لا فعيل، و {أيدناه} أي: قويناه ونصرناه، و {روح القدس} هنا جبريل عليه السلام أي: الروح المقدسة - من إضافة الموصوف إلى الصفة، سمي به لطهارته من كدر الحس. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى} التوراة، فما قمتم بحقها ولا عملتم بما فيها، واتبعنا بعده الرسل كلما مات رسول بعثنا بعده آخر اعتنا بكم، {وَآتَيْنَا عيِسَى ابْنَ مَرْيَمَ} المعجزات الواضحات كإحياء الموتى، وإبراء الأكمة والأبرص، والإخبار بالمغيبات، والإنجيل، {وَأَيَّدْنَاهُ} بجبريل عليه السلام كان يسير معه حيث سار، ورفعه إلى السماء حين أردتم يا معشر اليهود قتله، {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أنفُسُكُمُ} من مشاق الطاعات وترك الحظوظ والشهوات، {اسْتَكْبَرْتُمْ} وامتنعتم من الإيمان به {فَفَرِيقاً} منهم كذبتموه كعيسى وسليمان ومحمد - عليهم السلام -، {وَفَرِيقاً} تقتلونه كزكريا ويحيى - عليهما السلام -؟ قال القشيري: أصْغَوْا إلى الداعين بسمع الهوى، فصار معبودهم صفاتهم وهواهم. هـ. الإشارة: كل ما قاله الحق جلّ جلاله لبني إسرائيل في فحوى الخطاب يقوله لهذه الأمة في سرّ الخطاب، فلقد آتانا الكتاب، وبيَّن فيه الرشد والصواب، وقفَّى بعد إنزاله بعلماء أتقياء، وأولياء أصفياء، يحكمون بحكمه، ويهدون بهديه، فإذا أمروا بالزهد في الدنيا وترك الحظوظ والهوى رفضوهم وكذبوهم، وربما كفَّروهم وقتلوهم، واستكبروا عن الأذعان لهم والانقياد لقولهم، ففريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون. وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لَتَتَّبِعُنّ سُنَنَ مَنْ قَبلكمُ شِبراً بشِبرٍ وذَراعاً بذراعٍ، حتى لَو دَخلُوا جُحْرَ لدَخَلْتُموه، فقالوا: مَن يا رسول الله اليهودُ والنصارى؟ قالَ: نعم... ومَنْ إذن؟"تفسير : أي: ومَن تتبعون إلا هم. فالدعاة إلى الله لا ينقطعون ما دام الدين قائماً، فقوم يدعون إلى أحكام الله، وقوم يدعون إلى معرفة الله، فالأول: العلماء، والثاني: الأولياء، فإذا أمروا بالخروج عن العوائد والشهوات، رموهم بسهام العتاب والمخالفات، إذ لم يأت أحد بمثل ما جاءوا به إلا عودي، إلا من خصته سابق العناية، وهبت عليه ريح الهداية، فيتبع آثارهم، وقليلٌ ما هم.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ أهل الكوفة الرسل مثقّل في جميع القرآن. وقرأ ابن كثير القدس بسكون الدال حيث وقع. الباقون بتثقيلها، المعنى: ومعنى قوله {آتينا موسى الكتاب} انزلناه اليه واعطيناه. والكتاب بالمراد به التوراة. وقوله {وقفينا} معناه واردفنا، واتبعنا بعضه خلف بعض، كما بقفو الرجل الرجل: اذا سار في اثره من ورائه واصله من القفا. يقال فيه قفوت فلاناً اذا صرت خلف قفاه. كما يقال دبرته اذا صرت في دبره قال امرؤ القيس: شعر : وقفى على اثارهن بحاصب فمرّ العشى البارد المتحصب تفسير : ومعنى قوله: {بالرسل} من بعد موسى. والمراد بالرسل الانبياء، وهم جمع رسول يقال: رسول ورسل، كما يقال: رجل صبور وقوم صبر. ورجل شكور، وقوم شكر. والمعنى في {قفينا} اتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد، وشريعة واحدة، لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى إلى زمن عيسى بن مريم (ع) فانما بعثه باقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها، فلذلك، قال: {وقفينا من بعده بالرسل} يعني على منهاجه وشريعته. وقوله: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} اعطينا عيسى بن مريم الحجج والدلالات على نبوته من احياء الموتى وابراء الاكمه والابرص ونحو ذلك من الآيات التي دلت على صدقه وصحة نبوته. وقوله: {وأيدناه بروح القدس} أي قويناه واعناه. يقال منه ايدك الله، أي قواك الله. وهو رجل ذو ايد وذو اياد أي ذو قوة ومنه قول العجاج: شعر : من ان تبدلت بآدي آدا تفسير : يعني بقوة شبابي قوة الشيب قال الشاعر: شعر : ان القداح اذا اجتمعن فرامها بالكسر ذو جلد وبطش أيّد تفسير : يعنى بالايد القوي قال قتادة والسدي والضحاك والربيع: روح القدس هو جبرائيل "ع". قال: ابن زيد ايد الله عيسى بالانجيل روحا كما جعل القرآن روحا كلاهما روح الله كما قال: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا}. وروى الضحاك عن ابن عباس ان الروح: الاسم الذي كان يحيي به الموتى. واقوى الاقوال قول من قال: هو جبرائيل (ع) لأن الله تعالى ايد عيسى به كما قال تعالى {أية : يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } تفسير : فاخبر انه ايده به ناو كان المراد به الانجيل لكان ذلك تكراراً. وانما سمي الله تعالى جبرائيل روحاً واضافه إلى القدس، لأنه كان بتكوين الله روحاً من عنده من غير ولادة والدٍ ولده. وقال قوم سمي روحاً لأنه كان بمنزلة الارواح للابدان تحيى بما يأتي به من البينات وقال آخرون: سمي بذلك، لأن الغالب على جسمه الروحانية لرقته وكذلك سائر الملائكة وانما خص به تشريفا والتقديس والتطهير والقدس: الطهر وقال السدي: القدس ها هنا البركة يقال: قدس عليه: برك عليه. ويكون اضافته إلى نفسه كقوله {حق اليقين} وقال الربيع: القدس الرب. وقال ابن زيد القدس هو الله، وايده بروحه، واحتج بقوله {الملك القدوس}. وقال القدوس والقدس واحد. وروي عن ابن عباس ان القدس الطاهر وقال الراجز: شعر : الحمد لله العلى القادس تفسير : وقال رؤبة: شعر : دعوت رب القوة القدوسا تفسير : وقوله: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون} فالخطاب بذلك متوجه إلى يهود بني اسرائيل وكأنه قال: يا معشر يهود بني اسرائيل لقد اتينا موسى التوراة وتابعنا من بعده الرسل اليكم واتينا عيسى ابن مريم الحجج والبينات اذ بعثناه اليكم وايدناه بروح القدس وانتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه انفسكم استكبرتم عليهم تجبراً وبغياً وكذبتم منهم بعضاً وقتلتم بعضا، وظاهر الخطاب وان كان خرج مخرج التقدير فهو بمعنى الخبر.

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} فلا غرو فى ايتاء محمّدٍ (ص) الكتاب والمراد بالكتاب النّبوّة او الرّسالة والتّوراة صورتها {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ} بعثنا رسولاً على قفاء رسولٍ {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} يعنى بعثناه بعد الكلّ وأعطيناه المعجزات الواضحات كاحياء الموتى وإبراء الاكمه والابرص وحياة الطّين بنفخة والاخبار بالمغيبات او الاحكام الواضحات المحكمات او الاحكام القالبيّة او احكام النّبوّة فانّ البيّنة قد تطلق على المعجزة، وقد تطلق على المحكم مقابل المتشابه، وقد تطلق على احكام القالب مقابل احكام القلب، وقد تطلق على الرّسالة وأحكامها والنّبوّة وأحكامها مقابل الولاية وآثارها، وقد تطلق مقابل الزُّبُر على حروف اسم كلّ حرفٍ؛ فيقال: بيّنة العين العين والياء والنّون؛ وزبرها الملفوظ من العين، او على غير اوّل حروف الاسم كالياء والنون {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} الرّوح تطلق على الرّوح الحيوانيّة الّتى تنبعث عن القلب وعلى الرّوح النّفسانيّة الّتى تنبعث عن الدّماغ الى الاعصاب، وعلى القوّة المحرّكة الحيوانيّة، وعلى القوّة الشّهوانية، وعلى القوّة الغضبيّة، وعلى اللّطيفة الايمانيّة، وعلى الرّوح المجرّدة عن المادّة وعن التّعلّق بها، وعن التّقدّر وهى الّتى تسمّى بروح القدس، وهى الّتى ذكر فى الاخبار أنّه أعظم من جبرائيل وميكائيل ولم تكن مع أحدٍ من الانبياء وكانت مع محمّدٍ (ص) وكانت مع الائمّة (ع) وسمّاها الفهلويّون من أهل الفرس بربّ النّوع الانسانىّ وقالوا: انّه أعظم من جميع الملائكة والكلّ مسخّر له، وتطلق الرّوح على جملة المجرّدات وفى الخبر: يا مفضّل انّ الله تبارك وتعالى جعل فى النّبىّ خمسة أرواحٍ روح الحياة؛ فبه دبّ ودرج، وروح القوّة؛ فبه نهض وجاهد، وروح الشّهوة؛ فبه أكل وشرب واتى النّساء من الحلال، وروح الايمان فبه آمن وعدل، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ} يعنى بعثنا الرّسل بعضهم على قفاءِ بعضٍ فاستكبرتم وكذّبتم فريقاً وقتلتم فريقاً الا ترعوون عمّا فعلتم سابقاً من الشّنائع فكلّما جاءكم {رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ} من فعل الطّاعات وترك الشّهوات {ٱسْتَكْبَرْتُمْ} عن الانقياد للرّسول واتّباعه بعد ذلك مثل ما فعلتم سابقاً {فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ} اى تكذّبون وأتى بالماضى لفظاً للدّلالة على تحقّقه كأنّه وقع والاّ فهو مستقبل معنىً {وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} اتى هنا بالمضارع لكونه الاصل ولمراعاة رؤس الآى؛ والمقصود توبيخهم على شيمتهم الذّميمة وتقريعهم على الماضى وردعهم فى الأتى؛ عن الباقر (ع) أنّه قال: ضرب الله مثلاً لامّة محمّدٍ (ص) فقال لهم: فان جاءكم محمّد (ص) بما لا تهوى أنفسكم بموالاة علىٍّ (ع) استكبرتم ففريقاً من آل محمّد (ص) كذّبتم وفريقاً تقتلون قال: فذلك تفسيرها فى الباطن.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ} أي التوراة {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} أي اتبعناه بهم {وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ}. قال الكلبي: يعني الآيات التي كان يريهم عيسى من إحياء الموتى، وما سوى ذلك مما سمّاه الله: {وَأَيَّدْنَاهُ} أعنَّاهُ {بِرُوحِ الْقُدُسِ} يعني جبريل عليه السلام. الروح جبريل والقدس هو الله. وهو اسم به كان عيسى يحيي الموتى، وأيّده على عدوهم فأصبحوا ظاهرين على الكفار، وأيّده بما أتاه من العجائب والآيات. قوله: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ}. قال الكلبي: لما أنزل الله {وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ} قالت اليهود عند ذلك للنبي عليه السلام: فلا مثل ما جاء به موسى جئتنا به، ولا مثل ما عمل موسى. كما زعمت عملت، ولا كما يقص علينا أنبياؤنا فعلت، قال الله: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ}، أي: قتلتم، فلما قال لهم النبي عليه السلام ذلك سكتوا وعرفوا أنه الوحي من الله عيّرهم بما صنعوا. {وَقَالُوا} يا محمد {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} في أكنة لا تعقل ولا تفقه ما تقول، وكانت قلوبنا أوعية للعلم، فلو كنت صادقاً سمعنا ما تقول. ذكروا عن الحسن أنه قال: غُلْفٌ قلف لم تختن لقولك يا محمد. وقال ابن مجاهد عن أبيه: غلف أي: في أكنة. قال الله: {بَل لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ}. قال بعضهم: قلَّ من آمن من اليهود. وقال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لو آمن بي وصدّقني واتَّبعني عشرة من اليهود لم يبق على ظهرها يهودي إلاَّ اتَّبعني تفسير : . قال كعب: اثنا عشر من اليهود، ومصداق ذلك في كتاب الله: (أية : وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً) تفسير : [المائدة:12]. وقال بعض المفسِّرين: لا نعلم أحداً من اليهود أسلم على عهد النبي إلا رجل واحد. والحسن يذكر آخر، ولا ندري من هو. وقال بعض المفسّرين: في قوله تعالى: (أية : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ) تفسير : [القصص:52] ذكروا عن رِفاعة القُرَظي في قوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} قال نزلت في عشرة من اليهود أنا أحدهم. وذكر بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لو آمن بي واتبعني وصدَّقني عشرة من اليهود... تفسير : بعد ما أسلم الرجلان اللذان ذكر بعض أهل التفسير، فيكونون تمام اثني عشر كما قال كعب، والله أعلم.

اطفيش

تفسير : {وَلَقدْ آتَيْنَا مُوسى الْكِتابَ}: التوراة نزلت عليه بمرة، واللام فى قوله (لقد) لام ابتداء عند بعض، ولام جواب قسم محذوف عند بعض، ورجحه كثير ومعناه التوكيد على القولين، قال السهولى: موسى مفعول ثانى والكتاب مفعول أول، ووجهه عندى أن همزة آتينا للتعدية، صيرت الفاعل مفعولا وهى مزيدة على أتى الثلاثى للتعدية والمفعول الذى أصله فاعل هو الذى يسمى مفعولا أولا، والمعنى ولقد جعلنا الكتاب آتياً موسى بالغاً إليه، وقال غيره: موسى مفعول أول والكتاب مفعول ثان، ووجهه عندى أنه ضمن آتينا معنى أعطينا، فكان موسى آخذاً فهو الفاعل فى المعنى فهو المفعول الأول. {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ}: تشديد قفينا للتأكيد والياء للتعدية قائمة مقام الهمزة التى للتعدية، ويجوز كون التشديد للتعدية لا للتأكيد، والرسل مفعول به والياء زائدة فيه، والمعنى اتبعنا الرسل بعضها بعضاً أى صيرنا بعضها يتبع بعضاً. قفى زيد عمراً أى جعله قافياً إياه، أى تابعاً له وذلك من القفا ويقال أيضاً: قفيت فلاناً فلاناً إذا جئت به من جهة قفاه، وقفوته بالتخفيف تبعته، وقفوته ببكر أى تبعته به، ويقال ذنبته بالتشديد أى صيرته ذنباً، والمعنى اتبعنا الرسل الكثيرة بعد موسى بعضاً خلف بعض، وهم: يوشع وإسمؤيل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم، كما ذكره الزمخشرى، وكلهم يحكمون بالتوراة حتى بعث الله عيسى بن مريم وأنزل عليه الإنجيل وخالف بعض الإنجيل بعض التوراة، فقال بعضهم: الإنجيل هو المراد بالآيات البينات فى قوله عز وجل: {وآتَيْنَا عيسَى بنَ مَرْيَم الْبَيِّنَاتِ}: أى الآيات الواضحات الدالة على الأحكام الشرعية، وهى الآيات التى تتلى فى الإنجيل، وقال الكلبى: البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار بالغيب بإذن الله، وقيل: الحجج التى يحتج بها فى كلامه، ويجوز أن يراد ذلك كله، وعيسى بالسريانية وهى العبرية يشوع بالشين المعجمة، ويقال أيضاً بالمهملة ومريم علم لأمه رضى الله عنها، وأصل هذا اللفظ بالعبرية صفة بمعنى الخادم، سميت به وتلقيت عليه الاسمية، وقيل المريم فى لسان العرب موجود بمعنى المرأة التى تحدث الرجال وتميل إليهم، كالزئر بكسر الزاء بعده همزة وهو الرجل الذى يحب محادثة النساء ومجالستهن، قال رؤبة يمدح السفاح أو المنصور: شعر : قلت لزير لم تصله مريم قليل أهوى الصبى تندسى تفسير : وهذه فى لغة العرب، وليست هذه الصفة فى مريم إلا أن أحبت محادثة الأنبياء والعلماء، ووزن مريم بالمعنى العربى، مفعل فميم زائدة والياء أصل من رامه يرميه إذا فارقه أو لازمه يستعمل بالمعنيين، وليس وزنه فعيل بأصالة الميم وزيادة الياءَ لأن هذا غير موجود فى الأبنية، بل الموجودة فعيل بضم الفاءِ كعليب وفعيل بكسرها كعثير. {وَأَيَّدْنَاهُ}: قويناه والأيد القوة، وقرئ: أيدناه بهمزة فألف وفتح الياء خفيفة، والمعنى واحد كما قال أجده بتشديد الجيم بمعنى قواه واجد بتخفيفها بعد ألف وهمزة، والمعنى واحد، ويقال الحمد لله الذى أجدنى بعد ضعف، أى قوانى وأوجدنى بعد فقر، أى أغنانى. {بِرُوحِ القُدُس}: أى بجبريل الطهارة، فروح بمعنى جبريل علم عليه، فيكون من إضافة العلم لعلة المدح كما أضيف للبيان فى قوله: شعر : على زيدنا يوم الوغى رأس زيدكم تفسير : ونقول فى المدح زيد العلم وزيد العقل وزيد الفوز، والقدس الطهارة من الذنوب، وجبريل طاهر منها، فأضيف للقدس لأجل ذلك أو لكرامته على الله سبحانه، وسمى روحاً للطافته كروح الحيوان، لأنه روحانى خلق من النور، وقيل سمى روحاً لمكانه من الوحى الذى هو للقلب كالروح للجسد، ويحتمل أن يكون روح هو جبريل والقدس من الطهارة كذلك، لكن بمعنى القدس من إضافة الموصوف للصفة، وفيه تكلف ويحتمل أن يكون الروح جبريل، والقدس الله، كما يقال عبدالله، وما ذكرته من كون روح هو جبريل هو قول السدى والضحاك والربيع وقتادة وهو الأصح لتعاقب روح القدس، وجبريل فى قوله، صلى الله عليه وسلم: "حديث : اهج قريشاً وروح القدس معك" تفسير : مع قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرة أخرى: "حديث : اهج قريشاً وجبريل معك" تفسير : فإن المتبادر أنهما فى الحديثين واحد، وإن قلت: كيف قلت روح علم جبريل وقد قرن بأل فى قوله تعالى: {أية : تنزل الملائكة والروح}تفسير : ؟ قلت: أل فيه للمنح، وقيل الروح عيسى عليه السلام أضيف للقدس، والقدس بمعنى الطهارة مجرد إضافة المدح بالمعنى المصدرى، أو إضافة موصوف لصفته، بمعنى القدس أى المطهر، ووجه نسبته للطهر أنه سالم من مس الشيطان حين ولد، أو أنه كريم على الله تعالى، ولذلك أضاف الروح إلى نفسه فى قوله: وروح الله كلمته، أو أنه لم يكن فى صلب الرجال ولا أرحام الحوائض، كذا قيل، ويبحث فيه بأنه قد ضمه ظهر آدم، وقد ذكر الواحدى وغيره أن الله سبحانه وتعالى أخرج الناس من ظهر آدم، وأخذ عليهم الميثاق {أية : أَلسْتُ بربِّكم قالوا بلى} تفسير : ثم ردهم إلا روح عيسى لم يردها بل حفظها، إلى أن قدر أن تحمل مريم، فأرسل جبريل بروح عيسى فنفخ فحملت. وقد يجاب بأن المراد لم يكن فى أصلاب جماعة الرجال العامة، أما رجل واحد نبى أو رسول فلا ضير به، ولو تصور تضمن أنبياء كثيرة له لم يضر ذلك. ويبحث أيضاً بأن مريم لما رأت جبريل بصورة شاب يتبادر أنه نزل منه الماء إلى رحمها وهى قد كانت فى أصلاب الرجال، فقد كان فيها بكون أمه فيها إلا أن يجاب بأنه لم ينزل لها ماء، ويبحث أيضاً بأن المشهور أنها تحيض، ويجاب بأنه قول، وعدم حيضها قول، فلا يرد قول بمجرد قول. ويبحث أيضاً بأنه كان فى أرحام الحوائض بكون أمه فى أرحام الحوائض، إلا أن يقال بأنه لم ينزل لها ماء كما مر، وبيان تأييد الله جل وعلا، عيسى عليه السلام بجبريل، أن جبريل أمره الله ألا يفارقه وأن يسدده، فكان كذلك فلم يفارقه حتى صعد هو به إلى السماء. وقال ابن زيد: روح القدس هو الإنجيل كما سمى الله تعالى القرآن روحاً، وقال ابن عباس: هو اسم الله الأعظم الذى كان يحيى به الموتى بإذن الله عز وجل، وإضافة الإنجيل أو الاسم الأعظم للقدس تشريف، والقدس الطهارة من النقائص أو اسم الله أو الإضافة من إضافة الموصوف للصفة، كما مر من القولين الأخيرين أيضاً. قال أبو عمرو الدانى: قرأ ابن كثير القدس مخففاً حيث وقع، يعنى مسكن الدال والباقون مثقلا يعنى مشدد الدال. قال الكلبى: ولما سمعت اليهود بذكر عيسى وبيانه فى هذه الآية قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فلا مثل ما جاء به موسى جئنا به، ولا مثل ما عمل عيسى كما تزعم عملت، ولا كما نقص علينا من أخبار الأنبياء فعلت فائتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقاً، وفى رواية إسقاط ذكر موسى، فنزل قوله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جاءَكُم رسولٌ بما لا تَهْوَى أنفُسُكُم اسْتَكْبرتُم ففريقاً كذّبْتُم وفريقاً تَقْتُلُونَ}: ولما تلا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك سكتوا وعرفوا أنه الوحى من الله عز وجل، عيرهم بما فعلوا. والهمزة للاستفهام التوبيخى وفيها تعجب من شأنهم، وهى فى المعنى داخلة على قوله استكبرتم، فهو محط الاستفهام، لكن فصل بينهما بقوله: {أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم} والفاء للاستئناف مقدمة على الهمزة فى الأصل، ولكن أخرت لتمام صدارة الهمزة، وكذا تقول: إن جعلت الفاء عاطفة على محذوف معطوف على محذوف، أى ولقد آتينا أنبياءكم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم، أفكلما.. إلخ بعطف الاستفهام على الأخبار، وكذا يجوز العطف على ولقد آتينا موسى الكتاب، وليس كما قيل إن الهمزة فى مكانها إذا جعلت الفاء للاستئناف، فإن حكم فاء الاستئناف فى ذلك حكم فاء العطف، ولو لم يذكروه، بل أصل فاء الاستئناف العطف وكذا واو الاستئناف، ولذا لا يؤتى بهما للاستئناف فى أول كلام لم يسبقه شئ مذكور ولا مقدر، وكل ظرف زمان متعلق باستكبرتم، وذلك أنه أضيف للمصدر النائب عن اسم الزمان وهو المجئ، فإن ما مصدرية، وجاء فى تأويل مصدر مضاف إليه، وتهوى بفتح الواو بمعنى تحب وماضيه هوى بكسرها وأكثر ما يستعمل شرعاً فيما ليس بحق وأما لغة فيستعمل فى الحق والباطل والمباح وهو حق، وفى كل شئ، وأما السقوط فيقول فيه هوى بفتحها يهوى بكسرها، أى بما لا تحبه أنفسكم من الحق ومعنى استكبرتم تعظمتم وترفعتم عن الإيمان بالحق، واتباع الرسول الذى جاءكم فى أى حين جاءكم، والفريق الذين كذبوا كموسى وعيسى ومحمد وغيرهم، وما جاء رسول إلا كذبوا به كما هو نص الآية، والفاء فى قوله: (ففريقاً) للاستئناف استؤنف بها كذبتم، وتقتلون، وفيما بعدها من الجملتين تفصيل لما تضمنه الاستكبار، وعاطفة على استكبرتم وهى للتفصيل أيضاً أو عاطفة سببية، بمعنى أن ما بعدها من التكذيب والقتل مسبب عن الاستكبار المذكور قبلها، والمعطوف هو جملة كذبتم وتقتلون، والفريق الذى يقتلون كزكريا ويحيى وعدد كثير، روى أنهم قتلوا ثلثمائة نبى فى يوم واحد، ثم قامت سوق بقلهم آخر النهار، وفى رواية يقتلون ثلثمائة نبى فى اليوم الواحد، ثم تقول سوق البقل آخره، وهذه الرواية تدل على تعدد قتل هذا العدد فى أيام. وروى أنهم قتلوا فى يوم واحد سبعين نبيا، وقامت سوق بقلهم آخر النهار، ويمكن الجمع عندى بأن السبعين أنبياء رسل وثلثمائة أنبياء غير رسل أو أنبياء فيهم رسل، وتقتلون مضارع بمعنى الماضى، أو شبه القتل الماضى المنقطع الذى لا يرى بالقتل الحاضر المشاهد لتحقق وقوعه كتحقق المشاهد، فعبر عنه بالمضارع الدال على الحال، أو شبه هذا الزمان الذى نزلت فيه الآية بذلك الزمان الذى وقع فيه القتل، كأنه زمان حاضر يشاهد ما وقع فيه من القتل، فإن الحاضر أوقع فى النفس، فمعاينة القتل أشد على النفس وهو فى نفسه أفظع، وأما حكايته فدون ذلك ولو اطمأن القلب، وفى ذلك مراعاة الفواصل، فإنها النون آخرها قبله واو أو ياء، ولو قال قلتم لم يكن ذلك، ويجوز كونه للحال الحاضرة باعتبار أنهم إلى زمان النزول على ذلك الطغيان، فكم تشاوروا فى قتل محمد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكم عدد تصدى لقتله، وقد سحروه، حتى نزلت المعوذتان عصمة له، حتى سمته يهودية فى ذراع شاة حين فتح خيبر، فمات رجل أجل منها، وكانت سبب موت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكثت فيه مضرة أكله منها سنين، يتوجع بها تارة وتسكن أخرى حتى مات بها، فجمع الله تعالى له النبوة والشهادة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما زالت أكلة خيبر تعاودنى فهذا أوان قطعت أبهرى" شعر : ثم سمّت له اليهودية الشا ة وكم سام الشقوة الأشقياء تفسير : وذلك كله لحبّهم الدنيا، فلا ترى أحب للدنيا من اليهود فيما يظهر لى مالها وجاهها، كانوا كلما جاءهم رسول بما لا يحبون مما خالف شهواتهم كذبوه وقتلوه إن تهيأ لهم قتله، وإلا كذبوه، وقد قصدوا عيسى بالقتل فنجاه الله إليه بعد ما عملوا فى قتله، وعالجوا حتى قتلوا أخاهم ـ قبحهم الله ـ وقيل قتلوا مؤمناً ألقى عليه الشبه إكراماً له.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَٰبَ} المعهود التوراة، أو الجنس، فيشمل الصحف المنزلة عليها قبلها {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} التشديد للمبالغة، والباء للتعدية، والمفعول محذوف، أى فقرناه، بتخفيف الفاء، بالرسل، أى تبعناه بالرسل أى اتبعناه الرسل، وهذا أولى من جعل التشديد للتعدية إلى آخر، والباء صلة، أى قفيناه الرسل، لأن كثرة مجيئه فى القرآن تبعد هذا، والرسل يوشع وشمويل وشمعون، وداود وسليمان، وشعيا، وأرميا، وعزير، وحزقيل، وإلياس، واليسع، يرنس وزكريا، ويحيى، وغيرهم، ويقال: عدد الأنبياء بين موسى وعيسى عليهم السلام سبعون ألفا، وقيل أربعة آلاف، وكلهم على شريعة موسى عليه السلام، وبينهما ألف سنة وتسعمائة سنة وخمس وعشرون سنة، ولا حجة لهذه الأعداد، والعلم عند الله، ومعنى اتباع الرسل من بعده الإتيان بعده برسول وبآخر بعده، وباثنين فى زمان وبثلاثة فى آخر، وما أشبه ذلك من انفراد رسول بزمان، ومن تعدده فى زمان، كما مر أنهم قتلوا سبعين نبيّاً فى يوم واحد، وروى أنه لم يطق موسى أن يحمل التوراة فأعانه الله على حملها بملائكة عدد حروفها، فلم يقدروا، فخففها الله بالنقص فحملها، ويبعد ما قيل: إن المراد بإيتاء التواره إفهامه معانيها له {وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ} لفظ عيسى سريانى أو عبرانى، قولان، كما هو مراد القاموس بأو على عادته، وليس ترديداً، أو هو معرب من إيسوع بهمزة بين بين، أو مكسورة، ومعناه، المبارك أو السيد، وقيل أليشون بالشين المعجمة، أبدلت سينا، ومريم بالسريانة الخادم، سميت لأنها أريد بجنين هوهى أن يكون خادماً لبيت المقدس لو كان ذكراً، أو معنى مريم العابدة، والعبادة خدمة لله عز وجل، وفى لغة العرب: مريم المرأة تحب التكلم مع الرجال وخالطتهم، وعليه فمعنى مريم المرأة أو عليه فمعنى مريم المرأة التى تحب ذلك، كقولهم للأسود: كافوراً، وقيل تتحدث معهم ولا تفجر، وقيل: من شأن من تخدمها الرجال والنساء أن تتحدث معهم، فسميت بذلك {الْبَيِّنَٰتِ} المعجزات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالغيوب، وليس المراد الإنجيل كما قيل، لأن اليهود كفروا به، قائما يقمعون بتلك المعجزات، والآية فى قمعهم وذكر عيوبهم، إذ لم يستقيموا مع المعجزات، لا بالإنجيل لأنه ليس معجزا، وخص عيسى مع أنه من الرسل بعد موسى لأنه جاء بالإنجيل ناسخاً لبعض التوراة، فلم يكن كن قبله من أتباع موسى {وَأَيَّدْنَٰهُ} قويناه {بِرُوحِ الْقُدُسِ} جبريل، يسير معه حيث سار، مقارنا له من حين ولد إلى أن رفعه الله إلى السماء، ابن ثلاث وثلاثين سنة، وسمى جبريل روحا تشبيها بروح الإنسان مثلا فى أن كلا جسم لطيف نورانى، وأن كلا مادة للحياة، فما يجيء به جبريل من الوحى لحياة القلوب، كالروح لحياة الأبدان، وأضيف للطهر لطهارة عن مخالفة الله عز وجل، قيل خص، أى عيسى، بذلك اللفظ لأنه من ولادته كحاله بعد الرسالة وقيل من بطن أمه، ولا تقل، ذلك من إضافة المنعوت إلى النعت، وأن الأصل الروح المقدسة، أو ذات القدس، من إضافة الشىء إلى حال من أحواله ليخص به، أو ليعرف، أو يمدح، أو لنحو ذلك، أو روح القدس روح من ملك الله، أو روح عيسى أضيفت للقدس لعظم شأنه، أو لأنه منزه عن مس الشيطان، فتنزيهه لروحه، أو أضيفت إليه لكرامته على الله، أو لأنه لم يكن فى رحم حيض، وقيل حاضت حيضتين، وحملته ذات عشر سنين، أو ثلاثة عشرة أو روح القدس الإنجيل، كما قال الله فى شأن القرآن "أية : أوحينا إليك روحا من أمرنا" تفسير : [الشورى: 52] أو اسم الله الأعظم، كما أن القدوس اسمه، وقيل: القدس اسمه. والاسم الأعظم غيره، وقيل: إنه اسمه الأعظم الذى كان يحيى به الموتى، وقيل لأنه قصده سبعون ألف يهودى لقتله، فطيره الله عنهم {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ} أفعلتم ما فعلتم، أو أكفرتم، فكلما جاءكم رسول {بِمَا لاَ تَهُوَى} تحب {أَنْفُسُكُمْ} من الحق {اسْتَكْبَرْتُمْ} أى تكبرتم كل وقت مجىء رسول بما لا يوافق هواكم عن اتباعه {فَفَرِيقاً} منهم {كَذَّبْتُمْ} كعيسى، وقدم التكذيب لأنه عام منهم لمن لم يقتلوه ولمن قتلوه، ولأنه سبب للقتل {وَفَرِيقاً} منهم {تَقْتُلُونَ} تحقيقاً كيحيى وزكريا، وفى قتل زكريا خلاف، أو حكما كما قصدوا قتل عيسى فخابوا، والمراد قتلتم، ولكن المضارع تنزيل لما مضى من القتل منزلة الحاضر المشاهد، أو الموجودين الآن منزلة من مضى وحضر، لأن مشاهدة الشىء أقوى، وخوطبوا بالقتل والتكذيب لرضاهم عن آبائهم الفاعلين لذلك، ولأنهم يحاولون قتل النبى صلى الله عليه وسلم بإلقاء الصخرة، وبسمّ الشاة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما زالت أكلة خيبر تعاديني أو تعاودني، فالآن قطعت أبهري"تفسير : ، فمات بقتلهم، والجملتان عطفتا على استكبرتم لا على أيدنا كما أجازه بعض، وقدم فريقا فى الموضعين على طريق الاهتمام، والتشويق إلى ما بعد، وكذا نقول. بالتشويق فى سائر القرآن، إذا صح المقام له، وقلت على طريق، لأن الله عز وجل منزه عن الاهتمام، وبدأ بالتكذيب لأنه أول ما يفعلونه، ولأنه المشترك بين المكذب والمقتول.

الخليلي

تفسير : هذا انتقال من مواجهة بني إسرائيل بالإِنكار عليهم لما كان منهم من نقض الميثاق وتبديل أوامر الله إلى مواجهتهم بإنكار ما هو أفظع من ذلك، وهو مقابلة الرسل الذين بعثهم الله منهم وفيهم وإليهم بأنواع التحديات من بينها قتل بعضهم مع أن بعث الرسل داعية الارعواء عن الغي، والإِقلاع عن الإِثم، وسلوك المنهج السوي، وقد سبق ذكر إيتاء موسى الكتاب في صدر قصتهم في السورة، وإنما أعيد هنا مؤكدا بقد التحقيقية المقرونة بلام القسم ليكون توطئة لذكر المرسلين الذين جاءوا من بعده لتأكيد التمسك بالتوراة، واتباع شريعتها، والرجوع إلى حكمها، فإن جميع أنبياء بني اسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهما السلام ما جاءوا بشريعة مستقلة، ولا بكتاب جديد، وإنما جاؤوا مؤكدين شريعة موسى، ومبينين معاني التوراة التي عزت عن أفهامهم لتقادم العهد، أو لتراكم الجهل، والإِهمال الذي ينشأ عنه تلاشي نسخ التوراة حتى تجدد نزولها ثانية على أحد أولئك الرسل وهو عزير عليه السلام، وهذا لا ينافي إيتاء داود عليه السلام الزبور، فإن الزبور ليس كتاب شريعة وإنما هو كتاب موعظة. والتقفية جعل أحد قافيا غيره أي تابعا له في جهة قفاه وهي مؤخرة العنق، يقال قفاه يقفوه قفْواً وقُفوَّا، فإذا أريدت تعديته إلى مفعولين ضُعِّف كما في الآية نحو قفى زيد عمرا خالدا أي جعلهُ قفاه، ويطلق على مجرد الاتباع حتى فيما ليست له قفاً حقيقة نحو قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} والمراد في الآية إرسال الرسل إثر موسى عليه السلام لتكون دعوتهم امتدادا لدعوته، ورسالتهم استمرارا لرسالته، وسماهم رسلا وإن لم يأتوا برسالة جديدة لأنهم مطالبون بالإِبلاغ، فلم يكن ما يوحى إليهم خاصا بهم فحسب حتى يحصروا في صفة النبوة، ولأن بيان ما خفى من مقاصد التوراة لقومهم، وتقويم نصوصها المحرفة في حكم رسالة جديدة جاءوا بها. وعيس تعريب ليشوع أو يسوع قلبت حروفه في تعريبه تجنبا للثقل الناشئ عن ترتيب حروفه، فإن الشين ذاتها ثقيلة وقد توسطت حرفي علة واختتمت حروفه بالعين وهي من حروف الحلق, وبإهمال الشين وتقديم العين خف النطق به، ولم يعسر معه التنفس، وقد ساعد على ذلك حركات الحروف في ترتيبها المعرب، ومعناه بالعبرانية السيد أو المبارك. وهو آخر أنبياء بني إسرائيل، وقد كانت ولادته في عهد الإِمبراطور الروماني أغسطس وكان ممثله في حكم الأرض المقدسة هيرودس، ووُلد بقرية تسمى بيت لحم. ومريم أمه، وهو اسم أعجمي ليس له اشتقاق عربي، وما شاع من أن مريم وصف للمرأة المتباعدة عن محادثة النساء أو أنها التي تأنس بالرجال، كقول رؤبة: شعر : قلت لزير لم تزره مريمه .................... تفسير : فهو ناشئ عن اصطلاح متنصرة العرب، ولعلهم أخذوا ذلك من كون مريم عليها السلام نذرتها أمها لله - أي لخدمة بيته المقدس - عندما كانت جنينا في رحمها، وهي صفة تختص بالرجال، وستأتي قصتها إن شاء الله في سورة آل عمران. وقد كانت رسالة عيسى عليه السلام عندما بلغ من العمر ثلاثين عاما - على ما قيل - ورفعه الله إليه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. ورسالة عيسى عليه السلام في عمومها مقررة لما جاءت به رسالة موسى عقيدة وشريعة ما عدا بعض النواسخ المشار إليها بقوله تعالى: {أية : وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} تفسير : [آل عمران: 50]، فإن بني إسرائيل بكفرهم حُرمت عليهم طيبات من المطعومات تأديبا لهم وعقوبة، وقد كان هذا التحريم موقوتا رُفع في شريعة عيسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه. والبينات التي أوتيها هي المذكورة في سورتي آل عمران والمائدة، وهي خلقه من الطين صورا للطير تنقلب طيورا بنفخة فيها، وإبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الموتى، وإخباره بما يؤكل وما يدخر في البيوت، وقيل: هي الإِنجيل لأنه بيان للناس وبلاغ، وتأييده بروح القدس قرنه بجبريل، فإن الله سماه روحا في قوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]، وقوله: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا} تفسير : [القدر: 4]، وإضافته إلى القدس من باب إضافة الموصوف إلى مصدر صفته، كإضافة محمد إلى الصدق في قولك محمد الصدق بمعنى الصادق، أي الروح المقدس، والتقديس التطهير كما سبق، وقيل المراد به روح الله، وعليه فتسمية الله جبريل روحا وإضافته إليه لما أودع فيه من سره الغيبي الأقدس الذي لا يحيط به علم ما مكنه من الاتيان بما لا يقوى عليه أحد من خلق الله، وقيل: المراد بروح القدس روح عيسى عليه السلام نفسه التي قدسها الله باصطفاء صاحبها لما اصطفاه له، وقيل: الإِنجيل، وتسميته روحا كتسمية القرآن بذلك في قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52]، وأرجح هذه الأقوال أولها، وما يعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم لحسان: "حديث : اهجهم وروح القدس معك"تفسير : وفي رواية: "حديث : وجبريل معك"تفسير : . ومما قاله حسان: شعر : وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس له كفاء تفسير : والهمزة في قوله: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ...} الخ، للاستفهام المنقول إلى التوبيخ والتقريع، وذلك أنهم جعلوا ما جاءت به الرسل تبعا لهوى أنفسهم، فما وافق هواهم قبلوه، وما خالفه رفضوه مع أن النفس لا تدعو غالبا إلا إلى السوء والشر والمفسدة، والإِيمان يقتضي إخضاع هواها لما جاءت به رسل الله من الحق، وليس بعد الوحي برهان ولا حكم. والهوى مصدر هوى يهوى بمعنى أحب، ويغلب في الشر، ويندر في الخير كقول عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أرى ربك إلا يسارع في هواك". والاستكبار والتكبر بمعنى واحد، وهو إظهار الكبر على الغير، والاستكبار أدل على التكلف في محاولة إظهار ذلك ولذلك يوصف الله تعالى بالتكبر دون الاستكبار لأن الكبرياء صفة لا تليق بغيره، ولا تكون إلا في ذاته، وإنما غاية ما يكون في الغير إدعاؤها فحسب، والمراد به في الآية أنهم يشمخون بأنوفهم كلما جاءهم رسول منهم بما يخالف ما تطبعوا به من الفساد وتخلقوا به من الرذائل فيقابلون أولئك المرسلين إما بالتكذيب وإما بالقتل. والتعبير عن القتل بصيغة المضارعة الدالة على الحضور لأجل تبشيعه وتهويل أمره عند السامعين، وذلك بتصويره بصورة الأمر الواقع حال الخطاب وإحضاره للنفوس بكل ما فيه من بشاعة، وفظاعة يحس بهما من شاهد ارتكابه (وليس الخبر كالعيان). وقيل عُبر عنه بالمضارعة للإِشعار بأنهم في حكم من استمر عليه، فإنهم ما كانوا يتورعون عن مثله إبان نزول الآية، فكم حاولوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم لولا أن عصمه الله منهم وقد سّمته إحدى نسائهم في أكلة أهدتها إليه بخيبر، وقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام: "حديث : ما زالت أكلة خيبر تعاودني، وهذا زمان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم"تفسير : والقول الأول أصح وأبين، فإن استمرارهم على التكذيب المعبر عنه بصيغة المضي أبين وأدخل في الواقع من القتل. وقد سبق القول في قتلهم الأنبياء كما سبقت التفرقة بين الرسول والنبي عن من يفرق بينهما، وبقى مما ينبغي التنبيه عليه أن الرسول بمعنى المرسَل - بفتح السين - وهو فعول بمعنى مفعول، ونحوه نادر كالحلوب والركوب.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ} شروع في بيان بعض آخر من جناياتهم، وتصديره بالجملة القسمية لإظهار كمال الاعتناء به، و ـ الايتاء ـ الاعطاء، و (الكتاب) التوراة في قول الجمهور وهو مفعول ثان ـ لآتينا ـ وعند السهيلي مفعول أول، والمراد بإتيانها له إنزالها عليه. وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن التوراة نزلت جملة واحدة فأمر الله تعالى موسى عليه السلام بحملها فلم يطق فبعث بكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها فخففها الله تعالى لموسى عليه السلام فحملها، وقيل: يحتمل أن يكون ـ آتينا ـ الخ أفهمناه ما انطوى عليه من الحدود والأحكام والأنباء والقصص وغير ذلك مما فيه، والكلام على حذف مضاف أي علم ـ الكتاب ـ أو فهمه وليس بالظاهر. {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ} يقال ـ قفاه ـ إذا اتبعه ـ وقفاه ـ به إذا أتبعه إياه من ـ القفا ـ وأصل هذه الياء واو لأنها متى وقعت رابعة أبدلت كما تقول عريت من العرو أي أرسلناهم على أثره كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا } تفسير : [المؤمنون: 44] وكانوا إلى زمن عيسى عليه السلام أربعة آلاف، وقيل: سبعين ألفاً وكلهم على شريعته عليه السلام منهم يوشع وشمويل وشمعون. وداود وسليمان وشعياء وارمياء وعزيز وحزقيل والياس واليسع ويونس وزكريا ويحيـى وغيرهم عليهم الصلاة والسلام، وقرأ الحسن ويحيـى بن يعمر ـ بالرسل ـ بتسكين السين، وهو لغة أهل الحجاز والتحريك لغة تميم. {وَءاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ} أي الحجج الواضحة الدالة على نبوته فتشمل كل معجزة ـ أوتيها ـ عليه السلام وهو الظاهر، وقيل: الإنجيل، وعيسى أصله بالعبرانية أيشوع بهمزة ممالة بين بين، أو مكسورة ـ ومعناه السيد ـ وقيل: المبارك فعرب، والنسبة إليه عيسي وعيسوي وجمعه عيسون بفتح السين ـ وقد تضم ـ وأفرده عن الرسل عليه السلام لتميزه عنهم لكونه من أولي العزم وصاحب كتاب، وقيل: لأنه ليس متبعاً لشريعة موسى عليه السلام حيث نسخ كثيراً من شريعته، وأضافه إلى أمه رداً على اليهود إذ زعموا أن له أباً، ومريم بالعبرية الخادم وسميت أم عيسى به لأن أمها نذرتها لخدمة بيت المقدس، وقيل: العابدة، وبالعربية من النساء من تحب محادثة الرجال فهي كالزير من الرجال، وهو الذي يحب محادثة النساء، قيل: ولا يناسب مريم أن يكون عربياً لأنها كانت برية عن محبة محادثة الرجال اللهم إلا أن يقال سميت بذلك تمليحاً كما يسمى الأسود كافوراً، وقال بعض المحققين: لا مانع من تسميتها بذلك بناء على أن شأن من تخدم من النساء ذلك، وفي «القاموس» هي التي تحب محادثة الرجال ولا تفجر ـ وعليه لا بأس بالتسمية كما ذكره المولى عصام ـ والأولى عندي أن التسمية وقعت بالعبري لا بالعربـي بل يكاد يتعين ذلك كما لا يخفى على المنصف؛ وعن الأزهري المريم المرأة التي لا تحب مجالسة الرجال وكأنه قيل لها ذلك تشبيهاً لها بمريم البتول ووزنه عربياً مَفْعَل لا فعيلاً/ لأنه لم يثبت في الأبنية على المشهور، وأثبته الصاغاني في «الذيل»، وقال: إنه مما فات سيبويه، ومنه عثير للغبار، وضَهْيَد ـ بالمهملة والمعجمة ـ للصلب واسم موضع، ومدين على القول بأصالة ميمه، وضهيا بالقصر وهي المرأة التي لا تحيض أو لا ثدي لها من المضاهاة كأنها أطلق عليها ذلك بمشابهتها الرجل؛ وابن جني يقول: إن ضهيد وعثير مصنوعان فلا دلالة فيهما على إثبات فعيل، وذكر السيالكوتي أن عثير بمعنى الغبار ـ بكسر العين ـ وإذا كان مفعلاً فهو أيضاً على خلاف القياس إذ القياس إعلاله بنقل حركة الياء إلى الراء وقلبها ألفاً نحو مباع لكنه شذ كما شذ مدين، ومزيد، وإذا كان من رام يريم إذا فارق وبرح فالقياس كسريائه أيضاً. {وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } أي قويناه بجبريل عليه السلام وإطلاق روح القدس عليه شائع فقد قال سبحانه: {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ }تفسير : [النحل: 102] وقال صلى الله عليه وسلم لحسان رضي الله تعالى عنه: «حديث : اهجهم وروح القدس معك»تفسير : ومرة قال له: «حديث : وجبريل معك» تفسير : وقال حسان:شعر : وجبريل وروح القدس فينا (وروح القدس) ليس له كفاء تفسير : و (القدس) الطهارة والبركة، أو ـ التقديس ـ ومعناه التطهير. والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الاختصاص، وهي معنوية بمعنى ـ اللام ـ فإذا أضيف العلم كذلك يكون مؤلا بواحد من المسمين به. وقال مجاهد والربيع: (القدس) من أسماء الله تعالى ـ كالقدوس ـ وزعم بعضهم أن إطلاق الروح على جبريل مجاز لأنه الريح المتردد في مخارق الإنسان ـ ومعلوم أن جبريل ليس كذلك ـ لكنه أطلق عليه سبيل التشبيه من حيث إن ـ الروح ـ سبب الحياة الجسمانية، وجبريل سبب الحياة المعنوية بالعلوم، وكأن هذا الزعم نشأ من كثافة روح الزاعم وعدم تغذيها بشيء من العلوم، وخص عيسى عليه السلام بذكر التأييد بروح القدس لأنه تعالى خصه به من وقت صباه إلى حال كبره، كما قال تعالى: {أية : إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً }تفسير : [المائدة: 110] ولأنه حفظه حتى لم يدن منه الشيطان، ولأنه بالغ إثنا عشر ألف يهودي لقتله، فدخل عيسى بيتاً فرفعه عليه السلام مكاناً علياً. وقيل: ـ الروح ـ هنا اسم الله تعالى الأعظم الذي كان يحيي به الموتى ـ وروي ذلك كالأول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ وقال ابن زيد: الإنجيل ـ كما جاء في شأن القرآن ـ قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا }تفسير : [الشورى: 52] وذلك لأنه سبب للحياة الأبدية والتحلي بالعلوم والمعارف التي هي حياة القلوب وانتظام المعاش الذي هو سبب الحياة الدنيوية، وقيل: روح عيسى عليه السلام نفسه، ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان، أو لكرامته عليه تعالى ـ ولذلك أضافها إلى نفسه ـ أو لأنه لم يضمه الأصلاب ولا أرحام الطوامث، بل حصل من نفخ جبريل عليه السلام في درع أمه فدخلت النفخة في جوفها. وقرأ ابن كثير (القدس) ـ بسكون الدال ـ حيث وقع، وأبو حيوة (القدوس) بواو. {أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم ٱسْتَكْبَرْتُمْ} مسبب عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا} بحيث لا يتم الكلام السابق بدونه كالشرط بدون الجزاء، وقد أدخلت ـ الهمزة ـ بين السبب والمسبب للتوبيخ على تعقيبهم ذلك بهذا، والتعجيب من شأنهم على معنى ولقد آتينا موسى الكتاب وأنعمنا عليكم بكذا وكذا لتشكروا بالتلقي بالقبول ـ فعكستم بأن كذبتم ـ ويحتمل أن يكون ابتداء كلام ـ والفاء ـ للعطف على مقدر كأنه قيل: أفعلتم ما فعلتم ـ فكلما جاءكم ـ ثم المقدر يجوز أن يكون عبارة عما وقع بعد ـ الفاء ـ فيكون العطف للتفسير، وأن يكون غيره مثل (أكفرتم النعمة واتبعتم الهوى) فيكون لحقيقة التعقيب، وضعف هذا الاحتمال بما ذكره الرضى/ أنه لو كان كذلك لجاز وقوع ـ الهمزة ـ في الكلام قبل أن يتقدمه ما كان معطوفاً عليه ـ ولم تجيء إلا مبنية على كلام متقدم، وفي كون الهمزة الداخلة على جملة معطوفة ـ بالواو، أو الفاء، أو ثم ـ في محلها الأصلي، أو مقدمة من تأخير حيث إن محلها بعد العاطف خلاف مشهور بين أهل العربية، وبعض المحققين يحملها في بعض المواضع ـ على هذا ـ وفي البعض ـ على ذلك ـ بحسب مقتضى المقام ومساق الكلام ـ والقلب يميل إليه ـ قيل: ولا يلزم بطلان صدارة ـ الهمزة ـ إذ لم يتقدمها شيء من الكلام الذي دخلت هي عليه، وتعلق معناها بمضمونه غاية الأمر أنها توسطت بين كلامين لإفادة إنكار جمع الثاني مع الأول، أو لوقوعه بعده متراخياً أو غير متراخ، وهذا مراد من قال: إنها مقحمة مزيدة لتقرير معنى الإنكار أو التقرير، أي مقحمة على المعطوف مزيدة بعد اعتبار عطفه، ولم يرد أنها صلة. و (تهوى) من ـ هوي ـ بالكسر إذا أحب، ومصدره ـ هوى ـ بالقصر، وأما ـ هوى ـ بالفتح فبمعنى سقط، ومصدره ـ هوى ـ بالضم وأصله فعول فأعل. وقال المرزوقي: ـ هوى ـ انقض انقضاض النجم والطائر، والأصمعي يقول: هوت العقاب إذا انقضت لغير الصيد، وأهوت إذا انقضت للصيد، وحكى بعضهم أنه يقال: هوى يهوي هوياً ـ بفتح الهاء ـ إذا كان القصد من أعلى إلى أسفل، وهوى يهوي هوياً بالضم إذا كان من أسفل إلى أعلى ـ وما ذكرناه أولاً هو المشهور ـ والهوى ـ يكون في الحق وغيره، وإذا أضيف إلى النفس فالمراد به الثاني في الأكثر، ومنه هذه الآية. وعبر عن المحبة بذلك للإيذان بأن مدار الرد والقبول عندهم هو المخالفة لأهواء أنفسهم والموافقة لها لا شيء آخر، ومتعلق (استكبرتم) محذوف أي عن الإيمان بما جاء به مثلاً، واستفعل هنا بمعنى تفعل. {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} الظاهر أنه عطف على {ٱسْتَكْبَرْتُمْ} والفاء للسببية إن كان التكذيب والقتل مرتبين على الاستكبار، وللتفصيل إن كانا نوعين منه، وجوز الراغب أن يكون عطفاً على {وَأَيَّدْنَـٰهُ} ويكون {أَفَكُلَّمَا} مع ما بعده فصلا بينهما على سبيل الإنكار، وقدم {فَرِيقاً} في الموضعين للاهتمام وتشويق السامع إلى ما فعلوا بهم لا للقصر، وثمّ محذوف أي: فريقاً منهم، وبدأ بالتكذيب لأنه أول ما يفعلونه من الشر ولأنه المشترك بين المكذب والمقتول، ونسب القتل إليهم مع أن القاتل آباؤهم لرضاهم به ولحوق مذمته بهم، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية واستحضاراً لصورتها لفظاعتها واستعظامها، أو مشاكلة للأفعال المضارعة الواقعة في الفواصل فيما قبل، أو للدلالة على أنكم الآن فيه فإنكم حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم ولولا أني أعصمه لقتلتموه ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة، فالمضارع للحال ولا ينافيه قتل البعض. والمراد من القتل مباشرة الأسباب الموجبة لزوال الحياة سواء ترتب عليه أو لا، وقيل: لا حاجة إلى التعميم لأنه صلى الله عليه وسلم قتل حقيقة بالسم الذي ناولوه على ما وقع في "الصحيح" بلفظ «حديث : وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم» تفسير : وفيه أنه لم يتحقق منهم القتل زمان نزول الآية بل مباشرة الأسباب فلا بد من التعميم.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من الإنحاء على بني إسرائيل في فعالهم مع الرسول موسى عليه السلام بما قابلوه به من العصيان والتبرم والتعلل في قبول الشريعة وبما خالفوا من أحكام التوراة بعد موته إلى قرب مجيء الإسلام إلى الإنحاء عليهم بسوء مقابلتهم للرسل الذين أتوا بعد موسى مثل يوشع وإلياس وأرمياء وداوود مؤيدين لشريعته ومفسرين وباعثين للأمة على تجديد العمل بالشريعة مع تعدد هؤلاء الرسل واختلاف مشاربهم في الدعوة لذلك المقصد من لين وشدة، ومن رغبة ورهبة، ثم جاء عيسى مؤيداً وناسخاً ومبشراً فكانت مقابلتهم لأولئك كلهم بالإعراض والاستكبار وسوء الصنيع وتلك أمارة على أنهم إنما يعرضون عن الحق لأجل مخالفة الحق أهواءَهم وإلا فكيف لم يجدوا في خلال هاته العصور ومن بين تلك المشارب ما يوافق الحق ويتمحض للنصح. وإن قوماً هذا دأبهم يرثه الخلف عن السلف لجديرون بزيادة التوبيخ ليكون هذا حجة عليهم في أن تكذيبهم للدعوة المحمدية مكابرة وحسد حتى تنقطع حجتهم إذ لو كانت معاندتهم للإسلام هي أُولى فعلاتهم لأوهموا الناس أنهم ما أعرضوا إلا لِمَا تبين لهم من بطلان فكان هذا مرتبطاً بقوله: {أية : وآمنوا بما أنزلت مصدقاً}تفسير : [البقرة: 41] ومقدمة للإنحاء عليهم في مقابلتهم للدعوة المحمدية الآتي ذكرها في قوله تعالى: {أية : وقالوا قلوبنا غُلف}تفسير : [البقرة: 88]. فقوله تعالى: {ولقد آتينا موسى الكتاب} تمهيد للمعطوف وهو قوله: {وقفَّينا من بعده بالرسل} الذي هو المبني عليه التعجب في قوله: {أفكلما جاءكم رسول} فقوله: {ولقد آتينا موسى الكتاب} تمهيد التمهيد وإلا فهو قدعُلم من الآيات السابقة فلا مقتضى للإعلام به استقلالاً هنا ولكنه ذكر ليبنى عليه ما بعده فكأنه تحصيل لما تقدم أي ولقد كان ما كان مما تقدم وهو إيتاء موسى الكتاب وقفينا أيضاً بعده بالرسل فهو كالعلاوة أو كقول القائل هذا وقد كان كذا. و(قفى) مضاعف قفا تقول قفوت فلاناً إذا جئت في إثره لأنك حينئذ كأنك تقصد جهة قفاه فهومن الأفعال المشتقة من الجوامد مثل جبهه، فصار المضاعف قفاه بفلان تقفية وذلك أنك جعلته مأموراً بأن يقفو بجعل منك لا من تلقاء نفسه أي جعلته يقفوه غيره ولكون المفعول واحداً جعلوا المفعول الثاني عند التضعيف متعلقاً بالفعل بباء التعدية لئلا يلتبس التابع بالمتبوع فقالوا: قفَّى زيداً بعمرو عوض أن يقولوا: قفى زيداً عمراً. فمعنى {قفينا من بعه بالرسل} أرسلنا رسلاً وقد حذف مفعول {قفينا} للعلم به وهو ضمير موسى. وقوله: {من بعده} أي من بعد ذهابه أي موته، وفيه إيماء إلى التسجيل على اليهود بأن مجيء الرسل بعد موسى ليس ببدع. والجمع في الرسل للعدد والتعريف للجنس وهو مراد به التكثير قاله صاحب «الكشاف» أي لأن شأن لفظ الجنس المعرف إذا لم يكن عهد أن يدل على الاستغراق فلما كان الاستغراق هنا متعذراً دل على التكثير مجازاً لمشابهة الكثير بجميع أفراد الجنس كقولك لم يبق أحد في البلد لم يشهد الهلال إذا شهده جماعات كثيرة وهو قريب من معنى الاستغراق العرفي. وسمي أنبياء بني إسرائيل الذين من بعد موسى رسلاً مع أنهم لم يأتوا بشرع جديد اعتباراً بأن الله لما أمرهم بإقامة التوراة وتفسيرها والتفريع منها فقد جعل لهم تصرفاً شرعياً وبذلك كانوا زائدين على مطلق النبوة التي لا تعلق لها بالتشريع لا تأصيلاً ولا تفريعاً. وقال الباقلاني فيما نقله عنه الفخر: لا بد أن يكون هؤلاء الرسل جاءوا بشرع جديد ولو مع المحافظة على الشرع الأول أو تجديد ما اندرس منه وهو قريب مما قلناه قال تعالى: {أية : وإن إلياس لمن المرسلين}تفسير : [الصافات: 123] وقال: {أية : وإن يونس لمن المرسلين}تفسير : [الصافات: 139] وما كان عيسى عليه السلام إلا مثلهم في أنه ما أتى بأحكام جديدة إلا شيئاً قليلاً وخص عيسى بالذكر من بين سائر الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى زيادة في التنكيل على اليهود لأنهم يكفرون به ويكذبونه ولذلك أيضاً خصه بقوله: {وأيدناه بروح القدس} ولأن من جاء بعد موسى من الرسل لم يخبروا أن جبريل جاءهم بوحي وعيسى كان أوسع منهم في الرسالة. وعيسى اسم معرب من يشوع أو يسوع وهو اسم عيسى ابن مريم قلبوه في تعريبه قلباً مكانياً ليجري على وزن خفيف كراهية اجتماع ثقل العجمة وثقل ترتيب حروف الكلمة فإن حرفي علة في الكلمة وشيناً والختم بحرف حلق لا يجري هذا التنظيم على طبيعة ترتيب الحروف مع التنفس عند النطق بها فقدموا العين لأنها حلقية فهي مبدأ النطق ثم حركوا حروفه بحركات متناسبة وجعلوا شينه المعجمة الثقيلة سيناً مهملة فلله فصاحة العربية. ومعنى يشوع بالعبرانية السيد أو المبارك. ومريم هي أم عيسى وهذا اسمها بالعبرانية نقل للعربية على حاله لخفته ولا معنى لمريم في العربية غير العلمية إلا أن العرب المتنصرة عاملوه معاملة الصفة في معنى المرأة المتباعدة عن مشاهدة النساء لأن هاته الصفة اشتهرت بها مريم إذ هي أول امرأة عبرانية خدمت بيت المقدس فلذلك يقولون امرأةٌ مريمٌ أي معرضة عن صفات النساء كما يقولون رجل حاتم بمعنى جواد وذلك معلوم منهم في الأعلام المشتهرة بالأوصاف ولذلك قال رؤبة:شعر : قلت لزيرٍ لم تزره مريمه تفسير : فليس هو مشتقاً من رام يريم كما قد يتوهم. وينبغي أن يكون وزنها فعيل بفتح الفاء وإن كان نادراً. وعيسى عليه السلام هوابن مريم كونه الله في بطنها بدون مس رجل، وأمه مريم ابنة عمران من سبط يهوذا. ولد عيسى في مدة سلطنة أغسطس ملك رومية وفي مدة حكم هيرودس على القدس من جهة سلطان الرومان وذلك في سنة 430 عشرين وستمائة قبل الهجرية المحمدية، وكانت ولادته بقرية تعرف ببيت لحم اليهودية، ولما بلغ ثلاثين سنة بعث رسولاً إلى بني إسرائيل وبقي في الدنيا إلى أن بلغ سنه ثلاثاً وثلاثين سنة. وأما مريم أمه فهي مريم ابنة عمران بن ماثان من سبط يهوذا ولدت عيسى وهي ابنة ثلاث عشرة سنة فتكون ولادتها في سنة ثلاث عشرة قبل ميلاد عيسى وتوفيت بعد أن شاخت ولا تعرف سنة وفاتها، وكان أبوها مات قبل ولادتها فكفلها زكرياء من بني أبيا وهو زوج اليصابات خالة مريم وكان كاهناً من أحبار اليهود كما سيأتي في سورة آل عمران. والبينات صفة لمحذوف أي الآيات والمعجزات الواضحات، {وأيدناه} قويناه وشددنا عضده ونصرناه وهو مشتق من اسم جامد وهو اليد فأيد بمعنى جعله ذا يد واليد مجاز في القوة والقدرة فوزن أيد أفعل، ولك أن تجعله مشتقاً من الأيد وهو القوة فوزنه فعل. والتأييد التقوية والإقدار على العمل النفسي وهو مشتق من الأيد وهو القوة قال تعالى: {أية : واذكر عبدنا داود ذا الأيد}تفسير : [ص: 17] والأيد مشتق من اليد لأنها آلة القدرة والأحسن أن يكون مشتقاً من اليد أي جعله ذا يد أي قوة، والمراد هنا قوة معنوية وهي قوة الرسالة وقوة الصبر على أذى قومه وسيأتي في الأنفال (62) قوله؛ {أية : وهو الذي أيدك بنصره}تفسير : . والروح جوهر نوراني لطيف أي غير مدرك بالحواس فيطلق على النفس الإنساني الذي به حياة الإنس، ولا يطلق على ما به حياة العجماوات إلا لفظ نفس، قال تعالى: {أية : ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي}تفسير : [الإسراء: 85] ويطلق على قوة من لدن الله تعالى يكون بها عمل عجيب ومنه قوله: {أية : فنفخنا فيها من روحنا}تفسير : [التحريم: 12]، ويطلق على جبريل كما في قوله: {أية : نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين}تفسير : [الشعراء: 193، 194] وهو المراد في قوله تعالى: {أية : تنزل الملائكة والروح فيها}تفسير : [القدر: 4] وقوله: {أية : يوم يقوم الروح والملائكة}تفسير : [النبأ: 38]. والقدس بضمتين وبضم فسكون مصدر أو اسم مصدر بمعنى النزاهة والطهارة. والمقدس المطهر وتقدم في قوله تعالى: {أية : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}تفسير : [البقرة: 30]. وروح القدس روح مضاف إلى النزاهة فيجوز أن يكون المراد به الروح الذي نفخ الله في بطن مريم فتكوّن منه عيسى وإنما كان ذلك تأييداً له لأن تكوينه في ذلك الروح اللدني المطهر هو الذي هيأه لأن يأتي بالمعجزات العظيمة، ويجوز أن يكون المراد به جبريل والتأييد به ظاهر لأنه الذي يأتيه بالوحي وينطق على لسانه في المهد وحين الدعوة إلى الدين وهذا الإطلاق أظهر هنا، وفي الحديث الصحيح «حديث : إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي أجلها»تفسير : . وعلى كلا الوجهين فإضافة (روح) إلى (القدس) إما من إضافة ما حقه أن يكون موصوفاً إلى ما حقه أن تشتق منه الصفة ولكن اعتبر طريق الإضافة إلى ما منه اشتقاق الصفة لأن الإضافة أدل على الاختصاص بالجنس المضاف إليه لاقتضاء الإضافة ملابسة المضاف بالمضاف إليه وتلك الملابسة هنا تؤول إلى التوصيف وإلى هذا قال التفتزاني في «شرح الكشاف» وأنكر أن يكون المضاف إليه في مثله صفة حقيقة حتى يكون في الوصف بالمصدر. وقوله تعالى: {أفكلما جاءكم رسول} هو المقصود من الكلام السابق، وما قبله من قوله: {ولقد آتينا} تمهيد له كما تقدم، فالفاء للسببية والاستفهام للتعجيب من طغيانهم ومقابلتهم جميع الرسل في جميع الأزمان بمقابلة واحدة ساوى فيها الخلف السلف مما دل على أن ذلك سجية في الجميع. وتقديم همزة الاستفهام على حرف العطف المفيد للتشريك في الحكم استعمال متبع في كلام العرب وظاهره غريب لأنه يقتضي أن يكون الاستفهام متسلطاً على العاطف والمعطوف وتسلط الاستفهام على حرف العطف غريب فلذلك صرفه علماء النحو عن ظاهره ولهم في ذلك طريقتان: إحداهما طريقة الجمهور قالوا: همزة الاستفهام مقدمة من تأخير وقد كان موقعها بعد حرف العطف فقدمت عليه لاستحقاق الاستفهام التصدير في جملته، وإنما خصوا التقديم بالهمزة دون غيرها من كلمات الاستفهام لأن الهمزة متأصلة في الاستفهام إذ هي الحرف الموضوع للاستفهام الأكثر استعمالاً فيه، وأما غيرها فكلمات أشربت معنى الاستفهام منها ما هو اسم مثل (أين)، ومنها حرف تحقيق وهو (هل) فإنه بمعنى قد فلما كثر دخول همزة الاستفهام عليه حذفوا الهمزة لكثرة الاستعمال فأصل هل فعلت أهل فعلت فالتقدير فأكلما جاءكم رسول فقلب، وقيل: أفكلما جاءكم رسول فعلى هذه الطريقة يكون الاستفهام معطوفاً وتكون الجملة معطوفة على التي قبلها أو معطوفة على محذوف بحسب ما يسمح به المقام. الطريقة الثانية طريقة صاحب «الكشاف» وفي «مغني اللبيب» أن الزمخشري أول القائلين بها وادعى الدماميني أن الزمخشري مسبوق في هذا ولم يعين من سبقه فإنه قد جوز طريقة الجمهور وجوز أن تكون همزة الاستفهام هي مبدأ الجملة وأن المستفهم عنه محذوف دل عليه ما عطف عليه بحرف العطف والتقدير في مثله أتكذبونهم فكلما جاءكم رسول إلخ. وعلى هذه الطريقة تكون الجملة استفهامية مستأنفة محذوفاً بقيتها ثم عطف عليها ما عطف، ولا أثر لهذا إلا في اختلاف الاعتبار والتقدير فأما معنى الكلام فلا يتغير على كلا الاعتبارين لأن العطف والاستفهام كليهما متوجهان إلى الجملة الواقعة بعدهما. والظاهر من كلام صاحب «الكشاف» في هذه الآية وفي قوله تعالى في سورة آل عمران (165): {أية : أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها} تفسير : أن الطريقتين جائزتان في جميع مواقع الاستفهام مع حرف العطف وهو الحق وأما عدم تعرضه لذلك عند آيات {أية : أفتطمعون أن يؤمنوا لكم}تفسير : [البقرة: 75] {أية : أفلا تعقلون}تفسير : [البقرة: 44]. {أية : أفتؤمنون ببعض الكتاب}تفسير : [البقرة: 85] فيما مضى من هذه السورة فذلك ذهول منه وقد تداركه هنا. وعندي جواز طريقة ثالثة وهي أن يكون الاستفهام عن العطف والمعنى أتزيدون على مخالفاتكم استكباركم كلما جاءكم رسول إلخ وهذا متأت في حروف التشريك الثلاثة كما تقدم من أمثلة الواو والفاء وكقوله تعالى: {أية : أثم إذا ما وقع آمنتم به} تفسير : في سورة يونس (51) وقوله النابغة:شعر : أثم تَعذَّران إلى منها فإني قد سمعتُ وقد رأيتُ تفسير : وقد استقريت هذا الاستعمال فوجدت مواقعه خاصة بالاستفهام غير الحقيقي كما رأيت من الأمثلة. ومعنى الفاء هنا تسبب الاستفهام التعجيبي الإنكاري على ما تقرر عندهم من تقفية موسى بالرسل أي قفينا موسى بالرسل فمن عجيب أمركم أن كل رسول جاءكم استكبرتم وجوز صاحب الكشاف كون العطف على مقدر أي آتينا موسى الكتاب إلخ ففعلتم ثم وبخهم بقوله: {أفكلما}، فالهمزة للتوبيخ والفاء حينئذ عاطفة مقدراً معطوفاً على المقدر المؤهل للتوبيخ، وهو وجه بعيد، ومرمى الوجهين إلى أن جملة {آتينا موسى الكتاب} إلخ غير مراد منها الإخبار بمدلولها. وانتصب (كلما) بالنيابة عن الظرف لأنه أضيف إلى ما الظرفية المصدرية والعامل فيه قوله: {استكبرتم}، وقدم الظرف ليكون موالياً للاستفهام المراد منه التعجيب ليظهر أن محل العجب هو استمرار ذلك منهم الدال على أنه سجية لهم وليس ذلك لعارض عرض في بعض الرسل وفي بعض الأزمنة، والتقدير أفاستكبرتم كلما جاءكم رسول فقدم الظرف للاهتمام لأنه محل العجب، وقد دل العموم الذي في (كلما) على شمول التكذيب أو القتل لجميع الرسل المرسلين إليهم لأن عموم الأزمان يستلزم عموم الأفراد المظروفة فيها. و{تهوى} مضارع هوي بكسر الواو إذا أحب والمراد به ما تميل إليه أنفسهم من الانخلاع عن القيود الشرعية والانغماس في أنواع الملذات والتصميم على العقائد الضالة. والاستكبار الاتصاف بالكبر وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعاً لهم، فالسين والتاء في {استكبرتكم} للمبالغة كما تقدم في قوله تعالى: {أية : إلا إبليس أبى واستكبر}تفسير : [البقرة: 34] وقوله: {ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون} مسبب عن الاستكبار فالفاء للسببية فإنهم لما استكبروا بلغ بهم العصيان إلى حد أن كذبوا فريقاً أي صرحوا بتكذيبهم أو عاملوهم معاملة الكاذب وقتلوا فريقاً وهذا كقوله تعالى عن أهل مدين: {أية : قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك}تفسير : [هود: 9]. وتقديم المفعول هنا لما فيه من الدلالة على التفصيل فناسب أن يقدم ليدل على ذلك كما في قوله تعالى: {أية : فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة}تفسير : [الأعراف: 30]. وهذا استعمال عربي كثير في لفظ فريق وما في معناه نحو طائفة إذا وقع معمولاً لفعل في مقام التقسيم نحو {أية : يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم}تفسير : [آل عمران: 159]. والتفصيل راجع إلى ما في قوله: {رسول} من الإجمال لأن (كلما جاءكم رسول) أفاد عموم الرسول وشمل هذا موسى عليه السلام فإنهم وإن لم يكذبوه بصريح اللفظ لكنهم عاملوه معاملة المكذبين به إذ شكوا غير مرة فيما يخبرهم عن الله تعالى وأساءوا الظن به مراراً في أوامره الاجتهادية وحملوه على قصد التغرير بهم والسعي لإهلاكهم كما قالوا حين بلغوا البحر الأحمر وحين أَمرهم بالحضور لسماع كلام الله تعالى، وحين أمرهم بدخول أريحا، وغير ذلك، وأما بقية الرسل فكذبوهم بصريح القول مثل عيسى وقتلوا بعض الرسل مثل أشعياء وزَكرياء ويحيى ابنه وأرمياء. وجاء في {تقتلون} بالمضارع عوضاً عن الماضي لاستحضار الحالة الفظيعة وهي حالة قتلهم رسلهم كقوله: {أية : الله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه}تفسير : [الروم: 48] مع ما في صيغة {تقتلون} من مراعاة الفواصل فاكتمل بذلك بلاغة المعنى وحسن النظم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ}. لم يبين هنا ما هذه البينات ولكنه بينها في مواضع أخر كقوله: {أية : وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ} تفسير : [آل عمران: 49] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ}. هو جبريل على الأصح، ويدل لذلك قوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193] الآية، وقوله: {أية : فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا} تفسير : [مريم: 17] الآية.

الواحدي

تفسير : {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفَّينا من بعده الرسل} أَيْ: وأرسلنا رسولاً بعد رسول {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} يعني: ما أُوتي من المعجزة {وأيدناه} وقوَّيناه {بِرُوحِ القدس} بجبريل عليه السَّلام، وذلك أنَّه كان قرينه يسير معه حيث سار، يقول: فعلنا بكم كلَّ هذا فما استقمتم؛ لأنَّكم {كلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم} ثمَّ تعظَّمتم عن الإِيمان به {ففريقاً كذَّبتم} مثل عيسى ومحمَّدٍ عليهما السَّلام {وفريقاً تقتلون} مثل يحيى وزكريا عليهما السَّلام. {وقالوا قلوبنا غلفٌ} هو أنَّ اليهود قالوا استهزاءً وإنكاراً لما أتى به محمد عليه السَّلام: قلوبنا غلفٌ عليها غشاوةٌ، فهي لا تعي ولا تفقه ما تقول، وكلُّ شيءٍ في غلافٍ فهو أغلف، وجمعه: غُلْف، ثمَّ أكذبهم الله تعالى فقال: {بل لعنهم الله} أَيْ: أبعدهم من رحمته فطردهم {فقليلاً ما يؤمنون} أَيْ: فبقليلٍ يؤمنون بما في أيديهم. وقال قتادة: "فقليلاً ما يؤمنون"، أَيْ: ما يؤمن منهم إلاَّ قليلٌ، كعبد الله بن سلام. {ولما جاءهم كتاب} يعني: القرآن {مصدِّق} موافقٌ {لما معهم} {وكانوا} يعني: اليهود {من قبل} نزول الكتاب {يستفتحون} يستنصرون {على الذين كفروا} بمحمد عليه السَّلام وكتابه، ويقولون: اللَّهم انصرنا بالنَّبيِّ المبعوث في آخر الزَّمان {فلما جاءهم ما عرفوا} يعني: الكتاب وبعثة النبيّ {كفروا} ثمَّ ذمَّ صنيعهم فقال: {بئس ما اشتروا به أنفسهم} أَيْ: بئس ما باعوا به حظَّ أنفسهم من الثَّواب بالكفر بالقرآن {بغياً} أَيْ: حسداً {أن ينزل الله} أَيْ: إنزال الله {من فضله على من يشاء من عباده} وذلك أنَّ كفر اليهود لم يكن من شكٍّ والا اشتباهٍ، وإنَّما كان حسداً حيث صارت النُّبوَّة في ولد إسماعيل عليه السَّلام {فباؤوا} فانصرفوا واحتملوا {بغضب} من الله عليهم لأجل تضييعهم التَّوراة {على غضب} لكفرهم بالنَّبي محمَّد صلى الله عليه وسلم والقرآن. {وإذا قيل} لليهود {آمنوا بما أنزل الله} بالقرآن {قالوا نؤمن بما أنزل علينا} يعني: التَّوراة {ويكفرون بما وراءه} بما سواه {وهو الحقُّ} يعني: القرآن {مصدِّقاً لما معهم} موافقاً للتَّوراة، ثمَّ كذَّبَهم الله تعالى في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا بقوله: {فلمَ تقتلون أنبياء الله} أَيْ: أيُّ كتابٍ جُوِّز فيه قتلُ نبيٍّ؟! [ {إن كنتم مؤمنين} شرطٌ، وجوابه ما قبله]، ثمَّ ذكر أنَّهم كفروا بالله تعالى مع وضوح الآيات في زمن موسى عليه السَّلام فقال: {ولقد جاءكم موسى بالبينات} يعني: العصا واليد وفلق البحر {ثمَّ اتخذتم العجل من بعده} إلهاً {وأنتم ظالمون}.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: موسى: موسى بن عمران نبي مرسل إلى بني إسرائيل. الكتاب: التوراة. قفّينا: أرسلناهم يَقْفُو بعضهم بعضاً أي واحداً بعدَ واحد. الرسل: جمع رسول: ذكر من بني آدم أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه. البينات: المعجزات وآيات الله في الإِنجيل. روح القدس: جبريل عليه السلام. غلفٌ: عليها غلاف يمنعها من الفهم لما تدعونا إليه، أو هي أوعية للعلم فلا نحتاج معها إلى أن نتعلم عنك. كتاب من عند الله: القرآن الكريم. يستفتحون: يطلبون الفتح أي النصر. بئسما: بئس كلمة ذَمّ، ضدها نِعْمَ فإنها للمدح. بغياً: حسداً وظلماً. باءوا بغضب: رجعوا والغضب ضد الرضا، ومن غضب الله عليه أبعده ومن رضي عنه قربه وأدناه. مهين: عذاب فيه إهانة وصغار وذل للمعذب به. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر إنعام الله تعالى على بني إسرائيل، وذكر معايبهم وبيان مثالبهم لعل ذكر الإِنعام يحملهم على الشكر فيؤمنوا، وذكر المعايب يحملهم على الإِصلاح والتوبة فيتوبوا ويصلحوا ففي الآية [87] يذكر تعالى منته بإعطاء موسى التوراة وإرسال الرسل بعده بعضهم على أثر بعض، وبإعطاء عيسى البينات وتأييده بروح القدس جبريل عليه السلام ومع هذا فإنهم لم يستقيموا بل كانوا يقتلون الأنبياء ويكذبونهم فوبخهم الله تعالى على ذلك قوله: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ}. وفي الآية الثانية [88] يذكر تعالى تبجحهم بالعلم واستغناءهم به، ويبطل دعواهم ويثبت علة ذلك وهي أن الله لعنهم بكفرهم فلذا هم لا يؤمنون وفي الآية الثالثة [89] يذكر تعالى كفرهم بالقرآن ونبيّه بعد أن كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يقولون للعرب إن نبياً قد أظل زمانه وسوف نؤمن به ونقاتلكم معه وننتصر عليكم فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنه الله عليهم لأنهم كافرون. وفي الآية الرابعة [90] يقبّح الله تعالى سلوكهم حيث باعوا أنفسهم رخيصة، باعوها بالكفر فلم يؤمنوا بالقرآن ونبيّه حسداً أن يكون في العرب نبي يوحى إليه ورسول يطاع ويتبع، فرجعوا من طول رحلتهم في الضلال بغضب عظيم سببه كفرهم بعيسى، وبغضب عظيم سببه كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ومع الغضب العذاب المهين في الدنيا والآخرة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- واجب النعمة الشكر، وواجب الذنب التوبة. 2- قبح رد الحق لعدم موافقته لهوى النفس. 3- فظاعة جريمة القتل والتكذيب بالحق. 4- سوء عاقبة التبجح بالعلم وإدعاء عدم الحاجة إلى المزيد منه. 5- ذم الحسد وأنه أخو البغي وعاقبتهما الحرمان والخراب. 6- شر ما يخاف منه سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى.

القطان

تفسير : قفّيناه: أتبعناه. البينات: الحجج الواضحة. أيدناه: قويناه. روح القدس: جبريل. غلف: ومفرده أغلف: المغطى المقفل الذي لا يفقه ما يقال. ولقد أعطينا موسى الكتاب، أي التوراة، ثم أَتبعنا من بعده الرسل يعلّمونكم شرائع الله، وأعطينا عيسى بن مريم المعجزات الباهرة، وقويناه بروح القدس الذي يمدّه بالوحي من عندنا وهو جبريل، فلم يكن حظه بأحسن من حظ سابقيه. ثم بين الله تعالى ما كان حظ الرسل من بني اسرائيل فقال: أفكلّما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم عن اتّباعه وبغيتم في الارض، ففريقاً كذبتموه، وفريقاً قتلتموه!! هكذا كان موقفهم من أنبيائهم. بعد ذلك كله قالوا: ان قلوبنا مغلقة لا تنفذ اليها دعوة جديدة، كدعوة محمد، فلا نكاد نفقه شيئاً مما يقول. ولم تكن قلوبهم كما يزعمون، لكنهم استكبروا وآثروا الضلالة على الهدى.. فلعنهم الله اي طردهم عن الهدى بسبب ذلك "فقليلاً ما يؤمنون" اي سبب هذا الطرد. القراءات: قرىء "آيدناه" بمد الألف وفتح الياء بدون تشديد وقرأ ابن كثير "القدس" باسكان الدال في جميع القرآن.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَا} {ٱلْكِتَابَ} {وَآتَيْنَا} {ٱلْبَيِّنَاتِ} {وَأَيَّدْنَاهُ} (87) - يَصِفُ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالعُتُوِّ والعِنَادِ وَالاسْتِكْبَارِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ، وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُمْ يَتبَعُونَ في ذلِكَ أَهْوَاءَهُمْ. وَيُذَكِّرهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ آتى مُوسَى التَّوراةَ فَحرَّفُوهُ وَبَدَّلُوهُ، وَخَالَفُوا أَوَامِرَهُ وَأَوَّلُوها. ثُمَّ أَرْسَلَ مِنْ بَعْدِهِ النَّبِيِّينَ وَالرُّسُلَ، يَحْكُمُونَ بِشَرِيعَتِهِ، وَيُذَكِّرُونَ النَّاسَ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ، وَيَأْمُرُونَ بِالالتِزَامِ بِأَحْكَامِهِ، وَلِذلِكَ لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ عُذْرٌ فِي نِسْيَانِ الشَرَائِعِ وَتَحْرِيفِهَا. وَخَتَمَ اللهُ تَعَالى أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، فَجَاءَ بِمُخَالَفَةِ بَعْضِ أَحْكَامِ التَّورَاةِ، وَلِهذَا أَيَّدَهُ اللهُ بِالبَيِّنَاتِ وَالمُعْجِزاتِ، تَأْكِيداً لِنُبُوَّتِهِ، وَلِمَا أَتَى بِهِ، وَأَيَّدَهُ بِجِبْرِيلَ عَلَيهِ السَّلاَمُ. وَكَان بَنُو إِسْرَائِيلَ يُعَامِلُونَ الأَنْبِيَاءَ أَسْوَأَ مُعَامَلَةٍ، فَكَانُوا يُكَذِّبُونَ بَعْضَهُمْ كَعِيسى وَمُحَمَّدٍ، وَيَقْتُلُونَ بَعْضاً آخَرَ كَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى، وَكُلُّ ذلِكَ لأَنَّ هؤُلاءِ الأَنْبِيَاءَ والرُّسُلَ كَانُوا يُطَالِبُونَهُمْ بِالالْتِزَامِ بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَكَانُوا يَأْتُونَ بِمَا يُخَالِفُ أَهْوَاءَهُمْ، وَلِذلِكَ فَلاَ عَجََبَ إِنْ هُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ وَرِسَالَتِهِ، لأَنَّ العِنَادَ وَالجُحُودَ مِنْ صِفَتِهِمْ. قَفَّاهُ بِهِ - أَتْبَعَهُ بِهِ. الكِتاَبَ - التَّوْرَاةَ. رُوحِ القُدُسِ - جِبْرِيلَ، عَلَيهِ السَّلاَمُ.

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا} أعطينا. {مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} التوراة جملة واحدة. {وَقَفَّيْنَا} أردفنا واتبعنا. {مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ} رسولاً بعد رسول. يُقال: مضى أثرهُ وقفا غيره؛ في التعدية وهو مأخوذ من قفا الإنسان قال الله {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} تفسير : [الإسراء: 36]، وقال أُمية بن الصّلت: شعر : قالت لأخت له قُصيه عن جنب وكيف تقفو ولا سهل ولا جدد تفسير : {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} العلامات الواضحات والدلالات اللايحات وهي التي ذكرها الله عزّ وجلّ في سورة آل عمران والمائدة. {وَأَيَّدْنَاهُ} قويناه وأعناه من الآد والأيد، مجاهد: أيدناه بالمد وهما لغتان مثل كرّم وأكرم. {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} خفف ابن كثير القدس في كل القرآن، وثقله الآخرون، وهما لغتان مثل الرّعب والسّحت ونحوهما، واختلفوا في روح القدس فقال الربيع وعكرمة: هو الرّوح الذي نفخ فيه إضافة إلى نفسه؛ تكريماً وتخصيصاً نحو بيت الله، وناقة الله وعبد الله، والقدس: هو الله عزّ وجلّ يدلّ عليه قوله تعالى {أية : وَرُوحٌ مِّنْهُ } تفسير : [النساء: 171] وقوله {أية : فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} تفسير : [التحريم: 12]. والآخرون: أرادوا بالقدس الطهارة يعني الرّوح الطاهر سمّى روحه قدساً؛ لأنّه لم يتضمنه أصلاب الفحولة ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث إنّما كان أمراً من الله تعالى. السّدي والضّحاك وقتادة وكعب: الروح القدس: جبرئيل قال الحسن: القدس: هو الله وروحه جبرئيل. السّدي: القدس: البركة وقد عظّم الله بركة جبرئيل إذ أنزل الله عامة وحيه إلى أنبيائه على لسانه وتأييد عيسى عليه السلام بجبرئيل هو إنّه كان قرينه يسير معه حيثما شاء والآخر إنّه صعد به إلى السّماء، ودليل هذا التأويل قوله تعالى {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [النحل: 102]. وقال ابن عبّاس وسعيد بن جبير وعبيد بن عمير: هو اسم الله الأعظم وبه كان يُحيي الموتى ويُري النّاس تلك العجائب. وقال ابن زيد: هو الأنجيل جُعل له روحاً كما جعل القرآن لمحمّد صلى الله عليه وسلم روحاً، يدلّ عليه قوله تعالى {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى: 52] فلمّا سمعت اليهود بذكر عيسى عليه السلام قالوا: يا محمّد لا مثل عيسى كما زعمت ولا كما يقصّ علينا من الأنبياء(عليهم السلام) قالوا: فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقاً. فأنزل الله عزّ وجلّ {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ} يا معشر اليهود {رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ} لا تحب ولا توافق. {أَنْفُسُكُمْ ٱسْتَكْبَرْتُمْ} تكبّرتم وتعظمتم عن الأيمان به. {فَفَرِيقاً} طائفة سُميّت بذلك لأنّها فرقت من الحملة. {كَذَّبْتُمْ} عيسى ومحمّداً. {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ} أيّ قتلتم زكريا ويحيى وسائر من قُتلوا من الأنبياء. {وَقَالُواْ} يعني اليهود {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} قرأ ابن محيصن بضم اللام، وقرأ الباقون بجزمه. فمن خففه فهو جمع الأغلف مثل أصفر وصُفر وأحمر وحُمر وهو الذي عليه غطاء وغشاء بمنزلة الأغلف غير المختون فالأغلف والأعلف واحد ومعناه عليها غشاوة فلا تعي ولا تفقه ما تقول يا محمّد. قاله مجاهد وقتادة نظيره قوله عزّ وجلّ {أية : وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} تفسير : [فصّلت: 5]، ومن ثقّل فهو جمع غلاف مثل حجاب وحجب وكتاب وكتب، ومعناه: قلوبنا أوعية لكلّ علم فلا نحتاج إلى علمك وكتابك. قالهُ عطاء وابن عبّاس. وقال الكلبي: يريدون أوعية لكلّ علم فهي لا تسمع حديثاً إلاّ وعته إلاّ حديثك لا تفقهه ولا تعيه ولو كان فيه خيراً لفهمته ووعته. قال الله عزّ وجلّ {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} وأصل اللعن الطرد والأبعاد تقول العرب [نماء] ولعين أي بُعد. قال الشّماخ: شعر : ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذنب كالرّجل اللعين تفسير : فمعنى قوله: لعنهم الله طردّهم وأبعدهم من كل خير، وقال النضر بن شميل: الملعون المخزي المهلك. {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} معناه لا يؤمن منهم إلاّ قليلاً؛ لأنّ من آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود، قاله قتادة، وعلى هذا القول ما: صلة معناه فقليلاً يؤمنون، ونصب قليلاً على الحال. وقال معمر: معناه لا يؤمنون إلاّ بقليل بما في أيديهم ويكفرون بأكثره، وعلى هذا القول يكون {قَلِيلا} منصوباً بنزع حرف الصّفة وما صلة أيّ فبقليل يؤمنون. وقال الواقدي وغيره: معناه لا يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، وهذا كقول الرّجل لأخر: ما قل ما تفعل وكذا يريد لا تفعله البتة. وروى الفراء عن الكسائي: مررنا بأرض قلَّ ما ينبت الكراث والبصل يريدون لا ينبت شيئاً. {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} يعني القرآن. {مُصَدِّقٌ} موافق {لِّمَا مَعَهُمْ} وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة مصدقاً بالنّصب على الحال. {وَكَانُواْ} يعني اليهود {مِن قَبْلُ} أي من قبل بعث محمّد صلى الله عليه وسلم {يَسْتَفْتِحُونَ} يستنصرون، قال الله تعالى {أية : إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} تفسير : [الأنفال: 19] أيّ أن تستنصروا فقد جاءكم النّصر. وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم حديث : [أنه] كان يستفتح القتال بصعاليك المهاجرين . تفسير : {عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} مشركي العرب وذلك إنّهم كانوا يقولون إذا حزم أمر ودهمهم عدو: "اللّهمّ انصرنا عليهم بالنبيّ المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة"، وكانوا يقولون زماناً لاعدائهم من المشركين قد أطل زمان نبي يخرج بتصديق ما قُلنا، ونقتلكم معه قبل عاد وأرم. {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ} يعني محمّداً صلى الله عليه وسلم من غير بني إسرائيل، وعرفوا نعته وصفته. {كَفَرُواْ بِهِ} بغياً وحسداً. {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} بئس ونعم فعلان ماضيان وضعا للمدح والذم لا يتصرفان تصرف الافعال ومعنى الآية: بئس الذي اختاروا لأنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحق، والكفر بالأيمان. وقيل: معناه بئس ما باعوا به حظ أنفسهم. {أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ} يعني القرآن. {بَغْياً} بالبغي وأصل البغي الفساد. يُقال: بغى الجرح إذا أمد وضمد. {أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} النبوة والكتاب. {عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} محمّد صلى الله عليه وسلم. {فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ} أي مع غضب. قال ابن عبّاس: الغضب الأوّل بتضييعهم التوراة، والغضب الثاني بكفرهم بهذا النبيّ الذي اتخذه الله تعالى. فيهم قتادة وأبو العالية: الغضب الأوّل بكفرهم بعيسى عليه السلام والأنجيل والثاني: كفرهم بمحمّد صلى الله عليه وسلم والقرآن. السّدي: الغضب الأوّل بعبادتهم العجل، والثاني بكفرهم بمحمّد صلى الله عليه وسلم وتبديل نعته. {وَلِلْكَافِرِينَ} وللجاحدين [لدين] محمّد صلى الله عليه وسلم من النّاس كلهم. {عَذَابٌ مُّهِينٌ} يُهانون فلا يُعزُون.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن بَيَّنَ الحق سبحانه وتعالى لنا ما فعله اليهود مع نبيهم موسى عليه السلام .. أراد أن يبين لنا ما فعله بنو إسرائيل بعد نبيهم موسى .. وأراد أن يبين لنا موقفهم من رسول جاءهم منهم .. ولقد جاء لبني إسرائيل رسل كثيرون لأن مخالفاتهم للمنهج كانت كثيرة .. ولكن الآيةَ الكريمة ذكرت عيسى عليه السلام .. لأن الديانتين الكبيرتين اللتين سبقتا الإسلام هما اليهودية والنصرانية .. ولكن لابد أن نعرف أنه قبل مجيء عيسى .. وبين رسالة موسى ورسالة عيسى عليهما السلام رسل كثيرون .. منهم داود وسليمان وزكريا ويحيى وغيرهم .. فكأنه في كل فترة كان بنو إسرائيل يبتعدون عن الدين .. ويرتكبون المخالفات وتنتشر بينهم المعصية .. فيرسل اللهُ رسولاً يعدل ميزان حركة حياتهم .. ومع ذلك يعودون مرة أخرى إلى معصيتهم وفسقهم .. فيبعث اللهُ رسولاً جديداً .. ليزيل الباطل وهوى النفس من المجتمع ويطبق شرع الله .. ولكنهم بعده يعودون مرة أخرى إلى المعصية والكفر. وقال اللهُ سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} [البقرة: 87] والقائلُ هو اللهُ جل جلاله .. والكتابُ هو التوراةُ: {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ} [البقرة: 87] .. واللهُ تبارك وتعالى بين لنا موقفَ بني إسرائيل من موسى .. وموقِفَهُم من رسولِ الله صلى اللهُ عليه وسلم خاتمِ الأنبياءِ والمرسلين .. ولكنه لم يبين لنا موقفَهُم من الرسلِ الذين جاءوا بعد موسى حتى عيسى ابن مريم. الحقُ سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا .. إلى أنه لم يترك الأمر لبني إسرائيل بعد موسى .. أن يعملوا بالكتاب الذي أرسل معه فقط .. ولكنه أتبع ذلك بالرسل .. حين تسمع "قفينا" .. أي اتبعنا بعضهم بعضاً .. كل يخلف الذي سبقه "وقفينا" مشتقة من قفا .. وقفا الشيء خلفه .. وتقول قفوت فلاناً أي سرت خلفه قريباً منه. إن الحق يريد أن نلتفت إلى أن رسالةَ موسى لم تقف عند موسى وكتابه .. ولكنه سبحانه أرسل رسلاً وأنبياء ليذكروا وينبهوا .. ولقد قلنا إن كثرة الأنبياء لبني إسرائيلَ ليست شهادة لهم ولكنها شهادة عليهم .. إنهم يتفاخرون أنهم أكثرُ الأمم أنبياءً .. ويعتبرون ذلك ميزة لهم ولكنهم لم يفهموا .. فكثرة الأنبياء والرسل دلالةَ على كثرة فساد الأمة، لأن الرسل إنما يجيئون لتخليص البشرية من فساد وأمراض وإنقاذها من الشقاء .. وكلما كثُرَ الرسل والأنبياء دل ذلك على أن القوم قد انحرفوا بمجرد ذهاب الرسولِ عنهم، ولذلك كان لابد من رسول جديد .. تماماً كما يكون المريض في حالة خطرة فيكثر أطباؤه بلا فائدة .. وليقطع اللهُ سبحانه وتعالى عليهم الحجةَ يوم القيامة .. لم يترك لهم فترة من غفلة .. بل كانت الرسلُ تأتيهم واحداً بعد الآخر على فترات قريبة. وإذا نظرنا إلى يوشع وأشمويه وشمعون. وداود وسليمان وشعيب وأرميا. وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى .. نرى موكباً طويلاً جاء بعد موسى .. حتى إنه لم تمر فترةٌ ليس فيها نبي أو رسول .. وحتى نفرق بين النبيِ والرسول .. نقول النبي مرسل والرسول مرسل .. كلاهما مرسل من الله .. ولكن النبي لا يأتي بتشريع جديد .. وإنما هو مرسل على منهج الرسول الذي سبقه .. واقرأ قوله سبحانه: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ ..} تفسير : [الحج: 52]. إذن فالنبي مرسل أيضاً .. ولكنه أسوة سلوكية لتطبيق منهج الرسول الذي سبقه. وهل الله سبحانه وتعالى قص علينا قصص كل الرسل والأنبياء الذين أرسلهم؟ اقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} تفسير : [النساء: 164]. إذن هناك رسل وأنبياء أرسلوا إلى بني إسرائيل لم نعرفهم .. لأن الله لم يقصص علينا نبأهم .. ولكن الآية الكريمة التي نحن بصددها لم تذكر إلا عيسى عليه السلام .. باعتباره من أكثر الرسل أتباعاً .. والله تبارك وتعالى حينما أرسل عيسى أيده بالآيات والبينات التي تثبت صدقَ بلاغه عن الله .. ولذلك قال جل جلاله: {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} [البقرة: 87] .. وعيسى ابن مريم عليه السلام جاء ليرد على المادية التي سيطرت على بني إسرائيل .. وجعلتهم لا يعترفون إلاَّ بالشيء المادي المحسوس فعقولهم وقلوبهم أغلقت من ناحية الغيب .. حتى إنهم قالوا لموسى: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153] .. وحين جاءهم المن والسلوى رزقاً من الله .. خافوا أن ينقطع عنهم لأنه رزق غيبي فطلبوا نبات الأرض .. لذلك كان لابد أن يأتي رسول كل حياته ومنهجه أمور غيبية .. مولده أمر غيبي، وموته أمر غيبي ورفعه أمر غيبي ومعجزاته أمور غيبية حتى ينقلهم من طغيان المادية إلى صفاء الروحانية. لقد كان أول أمره أن يأتي عن غير طريق التكاثر المادي .. أي الذي يتم بين الناس عن طريق رجل وأنثى وحيوان منوي .. واللهُ سبحانه وتعالى أراد أن يخلع من أذهان بني إسرائيل أن الأسباب المادية تحكمه .. وإنما هو الذي يحكم السبب. هو الذي يخلق الأسباب ومتى قال: "كن" كان .. بصرف النظر عن المادية المألوفة في الكون .. وفي قضية الخلق أراد الله جل جلاله للعقول أن تفهم أن مشيئته هي السبب وهي الفاعلة .. واقرأ قوله سبحانه: {أية : لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} تفسير : [الشورى: 49-50]. فكأن الله سبحانه وتعالى جعل الذكورة والأنوثة هما السبب في الإنجاب .. ولكنه جعل طلاقة القدرة مهيمنةً على الأسباب .. فيأتي رجل وامرأة ويتزوجان ولكنهما لا ينجبان .. فكأن الأسباب نفسها عاجزة عن أن تفعل شيئاً إلا بإرادة المسبب. والله سبحانه وتعالى يقول: {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} [البقرة: 87] .. لماذا قال الحق تبارك وتعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} [البقرة: 87] .. ألم يكن باقي الرسل والأنبياء مؤيدين بروح القدس؟ نقول: لقد ذكر هنا تأييد عيسى بروح القدس لأن الروح ستشيع في كل أمر له .. ميلاداً ومعجزة وموتاً .. والروح القدس هو جبريل عليه السلام لم يكن يفارقه أبداً .. لقد جاء عيسى عليه السلام على غير مألوف الناس وطبيعة البشر مما جعله معرضاً دائماً للهجوم .. ولذلك لابد أن يكون الوحي في صحبته لا يفارقه .. ليجعل من مهابته على القوم ما يرد الناس عنه .. وعندما يتحدث القرآن أنه رفع إلى السماء .. اختلف العلماء هل رفع إلى السماء حياً؟ أو مات ثم رفع إلى السماء؟ نقول: لو أننا عرفنا أنه رُفع حياً أو مات .. ما الذي يتغير في منهجنا؟ لا شيء .. وعندما يقال إنه شيء عجيب أن يرفع إنسان إلى السماء، ويظل هذه الفترة ثم يموت .. نقول إن عيسى ابنَ مريمَ لم يتبرأ من الوفاة .. إنه سَيُتَوَفَّى كما يُتَوَفَّى سائر البشر .. ولكن هل كان ميلاده طبيعياً؟ الإجابة لا .. إذن فلماذا تتعجب إذا كانت وفاته غير طبيعية؟ لقد خُلِقَ من أم بدون أب .. فإذا حدث أنه رفع إلى السماء حياً وسينزل إلى الأرض فما العجب في ذلك؟ ألم يصعد رسولنا صلى الله عليه وسلم إلى السماء حياً؟ ثم نزل لنا بعد ذلك إلى الأرض حياً؟ لقد حدث هذا لمحمدٍ عليه الصلاة والسلام .. إذن فالمبدأ موجود .. فلماذا تستبعد صعود عيسى ثم نزوله في آخر الزمان؟ والفرق بين محمدٍ صلى الله عليه وسلم وعيسى هو أن محمداً لم يمكث طويلاً في السماء، بينما عيسى بقى .. والخلاف على الفترة لا ينقض المبدأ. عن ابن المسيب أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ). تفسير : وهذا الحديث موجود في صحيح البخاري .. فقد جعله الله مثلاً لبني إسرائيل .. واقرأ قوله سبحانه: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [الزخرف: 59]. قوله تعالى: {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} [البقرة: 87] .. البينات هي المعجزات مثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله وغير ذلك من المعجزات .. وهي الأمور البينة الواضحة على صدق رسالته. لكننا إذا تأملنا في هذه المعجزات .. نجد أن بعضها نسبت لقدرة الله كإحياء الموتى جاء بعدها بإذن الله .. وبعضها نسبها إلى معجزته كرسول .. ومعروف أنه كرسول يؤيده الله بمعجزات تخرق قوانين الكون .. ولكن هناك فرق بين معجزة تعطي كشفاً للرسول .. وبين معجزة لابد أن تتم كل مرة من الله مباشرة .. واقرأ الآية الكريمة: {أية : وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وٱلأَبْرَصَ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 49]. وهكذا نرى في الآية الكريمة أنه بينما كان إخبار عيسى لما يأكل الناس وما يدخرون في بيوتهم كشفاً من الله .. كان إحياء الموتى في كل مرة بإذن الله .. وليس كشفاً ولا معجزة ذاتية لعيسى عليه السلام .. إن كل رسول كان مؤيداً بروح القدس وهو جبريل عليه السلام .. ولكن الله أَيَّد عيسى بروح القدس دائماً معه .. وهذا معنى قوله تعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} [البقرة: 87] .. وأيدناه مشتقة من القوة ومعناها قويناه بروح القدس في كل أمر من الأمور .. وكلمة روح تأتي على معنيين .. المعنى الأول ما يدخل الجسم فيعطيه الحركة والحياة .. وهناك روح أخرى هي روح القيم تجعل الحركة نافعة ومفيدة .. ولذلك سمى الحق سبحانه وتعالى القرآن بالروح .. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ..} تفسير : [الشورى: 52]. والقرآن روح .. من لا يعمل به تكون حركة حياته بلا قيم .. إذن كل ما يتصل بالمنهج فهو روح .. والقدس هذه الكلمة تأتي مرة بضم القاف وتسكين الدال .. ومرة بضم القاف وضم الدال .. وكلا اللفظين صحيح وهي تفيد الطهر والتنزه عن كل ما يعيب ويشين .. والقدس يعني المطهر عن كل شائبة. قوله تبارك وتعالى: {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ ٱسْتَكْبَرْتُمْ} [البقرة: 87] قوله تعالى: "أفكلما" .. هناك عطف وهناك استفهام، وهي تعني أكفرتم، وكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم .. أي إن اليهود جعلوا أنفسهم مشرعين من دون الله .. وهم يريدون أن يشرعوا لرسلهم .. فإذا جاء الرسول بما يخالف هواهم كذبوه أو قتلوه. وقوله تعالى: {بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ} [البقرة: 87] .. هناك هَوَى بالفتحة على الواو وهَوِيَ بالكسرة على الواو .. هَوَى بالفتحة على الواو بمعنى سقط إلى أسفل .. وهَوِيَ بالكسرة على الواو معناه أحب وأشتهى .. اللفظان ملتقيان .. الأول معناه الهبوط، والثاني حب الشهوة والهوى يؤدي إلى الهبوط .. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى حينما يشرع يقول (تَعَالَوْا) ومعناها ارتفعوا من موقعكم الهابط .. إذن فالمنهج جاء ليعصمنا من السقوط .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم .. يعطينا هذا المعنى، وكيف أن الدين يعصمنا من أن نهوى ونسقط في جهنم يقول: حديث : إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً فجعلت الدواب والفراش يقعْن فيه فأنا آخذ بحجزكم وأنتم موحمون فيه . تفسير : ومعنى آخذ بحجزكم أي آخذ بكم .. وكأننا نقبل على النار ونحن نشتهيها باتباعنا شهواتنا .. ورسول الله بمنهج الله يحاول أن ينقذنا منها .. ولكن رب نفسٍ عشقت مصرعها .. والحق تبارك وتعالى يقول: {ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87]. معنى استكبرتم أي أعطيتم لأنفسكم كبراً لستم أهلاً له .. ادعيتم أنكم كبارٌ ولستم كباراً .. ولكن هل المشرع مساو لك حتى تتكبر على منهجه؟ طبعا لا .. قوله تعالى: {فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ} [البقرة: 87] .. والكذب كلام يخالف الواقع .. أي أنكم اتهمتم الرسل بأنهم يقولون كلاماً يخالف الواقع. لأنه يخالف ما تشتهيه أنفسكم .. وقوله تعالى: {وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87] .. التكذيب مسألة منكرة .. ولكن القتل أمر بشع .. وحين ترى إنساناً يتخلص من خصمه بالقتل فاعلم أنها شهادة بضعفه أمام خصمه .. وإن طاقته وحياته لا تطيق وجود الخصم .. ولو أنه رجل مكتمل الرجولة لما تأثر بوجود خصمه .. ولكن لأنه ضعيف أمامه قتله .. قوله تعالى: {وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87] .. مثل نبي الله يحيى ونبي الله زكريا .. وهناك قصص وروايات تناولت قصة سالومي .. وهي قصة راقصة جميلة أرادت إغراء يحيى عليه السلام فرفض أن يخضع لإغرائها .. فجعلت مهرها أن يأتوها برأسه .. وفعلاً قتلوه وجاءوها برأسه على صينية من الفضة.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلْكِتَابَ} التوراة {وَقَفَّيْنَا} أردفنا وأتبعنا وأصله من القفا يقال: قَفَاه إذا أتبعه، وقفَّاه بكذا إِذا أتبعه إِياه {ٱلْبَيِّنَاتِ} المعجزات الباهرات كإِبراء الأكمه والأبرص، وإِحياء الموتى {أَيَّدْنَاهُ} قويناه مأخوذ من الأيْد وهو القوة {رُوحِ ٱلْقُدُسِ} جبريل عليه السلام، والقدسُ: الطهر والبركة {تَهْوَىٰ} تحب من هَوي إِذا أحب ومصدره الهوى {غُلْفٌ} جمع أغلف، والغلاف: الغطاء، يقال سيف أغلف إِذا كان في غلافه، وقلب أغلف أي مستور عن الفهم والتمييز، مستعار من الأغلف الذي لم يختن {لَّعَنَهُمُ} أصل اللعن في كلام العرب: الطردُ والإِبعاد يقال: ذئب لعين أي مطرود مبعد والمراد: أقصاهم وأبعدهم عن رحمته {يَسْتَفْتِحُونَ} يستنصرون من الاستفتاح وهو طلب الفتح أي النصرة {بِئْسَمَا} أصلها بئس ما أي بئس الذي، وبئس فعل للذم، كما أنّ "نِعْم" للمدح {بَغْياً} البغي: الحسد والظلم، وأصله الفساد من بغى الجرح إِذا فسد قاله الأصمعي {بَآءُو} رجعوا وأكثر ما يستعمل في الشر {مُّهِينٌ} مخزٍ مذل مأخوذ من الهوان بمعنى الذل. المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن بني إِسرائيل، وفي هذه الآيات الكريمة تذكير لهم بضربٍ من النعم التي أمدّهم الله بها ثم قابلوها بالكفر والإِجرام، كعادتهم في مقابلة الإِحسان بالإِساءة، والنعمة بالكفران والجحود. التفسِير: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} أي أعطينا موسى التوراة {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ} أي أتبعنا وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} أي أعطينا عيسى الآيات البينات والمعجزات الواضحات الدالة على نبوته {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} أي قويناه وشددنا أزره بجبريل عليه السلام {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ} أي أفكلما جاءكم يا بني إِسرائيل رسول بما لا يوافق هواكم {ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} أي تكبرتم عن اتباعه فطائفة منهم كذبتموهم، وطائفة قتلتموهم.. ثم أخبر تعالى عن اليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وبيّن ضَلالهم في اقتدائهم بالأسلاف فقال حكاية عنهم {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أي في أكنة لا تفقه ولا تعي ما تقوله يا محمد، والغرض إِقناطه عليه السلام من إِيمانهم، قال تعالى رداً عليهم {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} أي طردهم وأبعدهم من رحمته بسبب كفرهم وضلالهم {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} أي فقليلٌ من يؤمن منهم، أو يؤمنون إِيماناً قليلاً وهو إِيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم بالبعض الآخر {وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ} وهو القرآن العظيم الذي أنزل على خاتم المرسلين، مصدقاً لما في التوراة {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي وقد كانوا قبل مجيئه يستنصرون به على أعدائهم ويقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث آخر الزمان، الذي نجد نعته في التوراة {فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ} أي فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم الذي عرفوه حق المعرفة كفروا برسالته {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِين} أي لعنة الله على اليهود الذين كفروا بخاتم المرسلين {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} أي بئس الشيء التافه الذي باع به هؤلاء اليهود أنفسهم {أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ} أي كفرهم بالقرآن الذي أنزله الله {بَغْياً} أي حسداً وطلباً لما ليس لهم {أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} أي حسداً منهم لأجل أن ينزّل الله وحياً من فضله على من يشاء ويصطفيه من خلقه {فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ} أي رجعوا بغضب من الله زيادة على سابق غضبه عليهم {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي ولهم عذاب شديد مع الإِهانة والإِذلال لأن كفرهم سببه التكبر والحسد فقوبلوا بالإِهانة والصغار {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} أي آمنوا بما أنزل الله من القرآن وصدّقوه واتبعوه {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا} أي يكفينا الإِيمان بما أنزل علينا من التوراة {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} أي يكفرون بالقرآن مع أنه هو الحق موافقاً لما معهم من كلام الله {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي قل لهم يا محمد إِذا كان إيمانكم بما في التوراة صحيحاً فلم كنتم تقتلون أنبياء الله من قبل إِذا كنتم فعلاً مؤمنين؟ {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} أي بالحجج الباهرات {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} أي عبدتم العجل من بعد ذهابه إِلى الطور، وأنتم ظالمون في هذا الصنيع. البَلاَغَة: 1- تقديم المفعول في الموضعين {فَرِيقاً كَذَّبْتُمْ} و {فَرِيقاً تَقْتُلُونَ} للإِهتمام وتشويق السامع إِلى ما يلقى إِليه. 2- التعبير بالمضارع {وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} ولم يقل قتلتم كما قال كذبتم، لأن الفعل المضارع - كما هو المألوف في أساليب البلاغة - يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغاً عظيماً، فكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السامع، وجعله ينظر إِليها بعينه، فيكون إِنكاره لها أبلغ، واستفظاعه لها أعظم. 3- وضع الظاهر مكان الضمير {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} ولم يقل "عليهم" ليشعر بأن سبب حلول اللعنة هو كفرهم. 4- الخبر في قوله {وَلَقَدْ جَآءَكُمْ مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ} يراد به التبكيت والتوبيخ على عدم اتباع الرسول. 5- أسندت الإِهانة إِلى العذاب فقال {عَذَابٌ مُّهِينٌ} لأن الإِهانة تحصل بعذابهم، ومن أساليب البيان إِسناد الأفعال إِلى أسبابها. فَائِدَة: قال الحسن البصري: إِنما سمي جبريل "روح القدس" لأن القدس هو الله، وروحه جبريل، فالإِضافة للتشريف، قال الرازي: ومما يدل على أن روح القدس جبريل قوله تعالى في سورة النحل {أية : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ ٱلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الآية: 102].

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ} معناهُ أَتْبَعْنَا. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ}. قالَ زيدُ بن علي عليهما السلام معناهُ قوينا. يقالُ رجلٌ ذو أَيدٍ، وذوو ايدٍ. ومن ذَلِكَ قولهُ تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ} تفسير : [الذاريات: 47] وروحُ القُدسِ: جبريل عليهِ السلامُ، والقُدُس: الله عزَّ وجلَّ. ويقالُ القُدُسُ: الملائكةُ.

الأندلسي

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} هو التوراة. {وَقَفَّيْنَا} ضمن معنى وجئنا. {مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ} يقفوا بعضهم بعضاً ومن لابتداء الغاية يحكى أن موسى عليه السلام لم يمت حتى نبىء يوشع وبالرسل يوشع وشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيباً وأرميا وعزير وحزقيل والياس ويونس وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام وآخرهم وخاتمهم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالرسل متعلق بقفينا وقرىء بضم السين وبإِسكانها. {وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ} إضافة إلى أمه رداً على اليهود والنصارى فيما أضافوه إليه. والبينات الحجج الواضحة الدالة على نبوته من إنزال الانجيل عليه وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والاخبار بالمغيبات وخلقه من الطين صورة طائرة فينفخ فيه الله الروح إلى غير ذلك مما دل على نبوته وأجمل ذكر الرسل لأنهم كانوا متبعي شريعة موسى ونص على عيسى لأن شرعه نسخ كثيراً من شرع موسى عليهما السلام وعيسى وزنه عند سيبويه فعلى والألف فيه للإِلحاق كألف معزى. وقال أبو عمرو: الداني وزنه فعلل. ومريم باللسان السرياني معناه: الخادم، وباللسان العربي: المرأة الكبيرة خلطة الرجال ومريم مفعل لا فعيل لعدم ثبوته في أبنية كلام العرب وصحة حرف العلة على غير قياس كمزيد. وقرىء {وَأَيَّدْنَاهُ} وأأيدناه أيّد فعّل وأأيد أفعل وكلاهما من الأيد وهو القوة أي قويناه. {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} جبريل عليه السلام. والقدس: الطهارة. وقرىء القدس بضمتين وبإِسكان الدال وبواو بعد ضمة الدال وفي الحديث اهج وروح القدس معك. ومرة قال: وجبريل معك. قيل: وخص عيسى بذكر جبريل عليهما السلام معه إذ كان هو الذي بشر مريم بولادته وتولد عيسى بنفخه ورباه في جميع أحواله وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء. {أَفَكُلَّمَا} الاستفهام للتوبيخ وكلما تقتضي التكرار. {جَآءَكُمْ رَسُولٌ} والخطاب لبني إسرائيل إذ كانوا على طبع رجل واحد من سوء الأدب وتكذيب الرسل وكثرة سؤالهم والشك فيما أتوهم به واجتمع في الخطاب الأسلاف والأخلاف الذين هم معاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذ هم راضون بأفعال أسلافهم وقد كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطعموه السم وسحروه. وأسند الهوى إلى الأنفس لا إلى ضمير الخطاب اشعار بأنها تسند إليها السيئات غالباً. {ٱسْتَكْبَرْتُمْ} أي تكبرتم من قبول ما أتى به. {فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ} والعطف بالفاء فيه تعقيب التكذيب أي لم تنظروا فيما أتى به بل استكبرتم عن قبول ما أتى به وأعقبتموه بالتكذيب إذ لم يقدروا على قتله. {وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} واستغنى بذكر قتله عن ذكر تكذيبه وذكر أقبح فعلهم وثم محذوف أي ففريقاً منهم كذبتم وآخر تقتلون مضارعاً محكياً به الحالة الماضية وتصورت كأنها ملتبس بها مشروع فيها ولمناسبة رؤوس الآي.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يمتن تعالى على بني إسرائيل أن أرسل لهم كليمه موسى، وآتاه التوراة، ثم تابع من بعده بالرسل الذين يحكمون بالتوراة، إلى أن ختم أنبياءهم بعيسى ابن مريم عليه السلام، وآتاه من الآيات البينات ما يؤمن على مثله البشر، { وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } أي: قواه الله بروح القدس. قال أكثر المفسرين: إنه جبريل عليه السلام، وقيل: إنه الإيمان الذي يؤيد الله به عباده. ثم مع هذه النعم التي لا يقدر قدرها، لما أتوكم { بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ } عن الإيمان بهم، { فَفَرِيقًا } منهم { كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } فقدمتم الهوى على الهدى، وآثرتم الدنيا على الآخرة، وفيها من التوبيخ والتشديد ما لا يخفى.

همام الصنعاني

تفسير : 84- عبد الرزّاق، قال أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ}: [الآية: 87]، قال: هو جبريل.