٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
86
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله سبحانه مكن المكلف من تحصيل أيهما شاء وأراد، فإذا اشتغل بتحصيل أحدهما فقد فوت الآخر على نفسه، فجعل الله ما أعرض اليهود عنه من الإيمان بما في كتبهم وما حصل في أيديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء، وذلك من الله تعالى في نهاية الذم لهم لأن المغبون في البيع والشراء في الدنيا مذموم حتى يوصف بأنه تغير في عقله فبأن يذم مشتري متاع الدنيا بالآخرة أولى. أما قوله تعالى: {فَلا يخفف عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في دخول الفاء في قوله: {فَلاَ يُخَفَّفُ } قولان، أحدهما: العطف على {ٱشْتَرَوُاْ } والقول الآخر بمعنى جواب الأمر، كقولك أولئك الضلال انتبه فلا خير فيهم والأول أوجه لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار. المسألة الثانية: بعضهم حمل التخفيف على أنه لا ينقطع بل يدوم، لأنه لو انقطع لكان قد خف، وحمله آخرون على شدته لا على دوامه والأولى أن يقال: إن العذاب قد يخف بالانقطاع وقد يخف بالقلة في كل وقت أو في بعض الأوقات، فإذا وصف تعالى عذابهم بأنه لا يخفف اقتضى ذلك نفي جميع ما ذكرناه. أما قوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } ففيه وجهان: الأكثرون حملوه على نفي النصرة في الآخرة يعني أن أحداً لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا هم ينصرون على من يريد عذابهم ومنهم من حمله على نفي النصرة في الدنيا، والأول أولى لأنه تعالى جعل ذلك جزاء على صنيعهم، ولذلك قال: {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ } وهذه الصفة لا تليق إلا بالآخرة، لأن عذاب الدنيا وإن حصل فيصير كالحدود التي تقام على المقصر ولأن الكفار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض الأوقات.
البيضاوي
تفسير : {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلأَخِرَةِ } آثروا الحياة الدنيا على الآخرة. {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ } بنقض الجزية في الدنيا، والتعذيب في الآخرة. {وَلاَهُمْ يُنصَرُونَ} بدفعهما عنهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أُولَئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلاْخِرَةِ } بأن آثروها عليها {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } يمنعون منه.
ابن عطية
تفسير : جعل الله ترك الآخرة وأخذ الدنيا مع قدرتهم على التمسك بالآخرة بمنزلة من أخذها ثم باعها بالدنيا، وهذه النزعة صرفها مالك رحمه الله في فقه البيوع، إذ لا يجوز الشراء على ان يختار المشتري في كل ما تختلف صفة آحاده، ولا يجوز فيه التفاضل كالحجل المذبوحة وغيرها، ولا يخفف عنهم العذاب في الآخرة، ولا ينصرون لا في الدنيا ولا في الآخرة، و {الكتاب} التوراة، ونصبه على المفعول الثاني لــ {آتينا}، {وقفينا} مأخوذ من القفا، تقول قفيت فلاناً بفلان إذا جئت به من قبل قفاه، ومنه قفا يقفو إذا اتبع. وهذه الأية مثل قوله تعالى: {أية : ثم أرسلنا رسلنا تترا} تفسير : [المؤمنون: 144]، وكل رسول جاء بعد موسى عليه السلام فإنما جاء بإثبات التوراة والأمر بلزومها إلى عيسى عليه السلام، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر "بالرسْل" ساكنة السين، ووافقهما أبو عمرو إذا انضاف ذلك إلى ضمير نحو رسلنا ورسلهم، و {البينات} الحجج التي أعطاها الله عيسى، وقيل هي آياته من إحياء وإبراء وخلق طير، وقيل هي الإنجيل، والآية تعم جميع ذلك، و {أيدناه} معناه قويناه، والأيد القوة، وقرأ ابن محيصن والأعرج وحميد "آيدناه". وقرأ ابن كثير ومجاهد "روح القدْس" بسكون الدال. وقرأ الجمهور بضم القاف والدال، وفيه لغة فتحهما، وقرأ أبو حيوة "بروح القدوس" بواو، وقال ابن عباس رضي الله عنه "روح القدس هو الاسم الذي به كان يحيي الموتى"، وقال ابن زيد: "هو الإنجيل كما سمى الله تعالى القرآن روحاً" وقال السدي والضحاك والربيع وقتادة: "روح القدس جبريل صلى الله عليه وسلم"، وهذا أصح الأقوال. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان ابن ثابت: "حديث : اهج قريشاً وروح القدس معك" تفسير : ومرة قال له "حديث : وجبريل معك"تفسير : ، وقال الربيع ومجاهد: {القدس} اسم من أسماء الله تعالى كالقدوس، والإضافة على هذا إضافة الملك إلى المالك، وتوجهت لما كان جبريل عليه السلام من عباد الله تعالى، وقيل {القدس} الطهارة، وقيل {القدس} البركة. وكلما ظرف، والعامل فيه {استكبرتم}، وظاهر الكلام الاستفهام، ومعناه التوبيخ والتقرير، ويتضمن أيضاً الخبر عنهم، والمراد بهذه الآية بنو إسرائيل. ويروى أن بني إسرائيل كانوا يقتلون في اليوم ثلاثمائة نبي ثم تقوم سوقهم آخر النهار، وروي سبعين نبياً ثم تقوم سوق بقلهم آخر النهار، وفي {تهوى} ضمير من صلة ما لطول اللفظ، والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحق، وهذه الآية من ذلك، لأنهم إنما كانوا يهوون الشهوات، وقد يستعمل في الحق، ومنه قول عمر رضي الله عنه في قصة أسرى بدر: "فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت"، و {استكبرتم} من الكبر، {وفريقاً} مفعول مقدم. وقرأ جمهور القراء "غلْف" بإسكان اللام على أنه جمع أغلف مثل "حمْر" و "صفْر"، والمعنى قلوبنا عليها غَلَف وغشاوات فهي لا تفقه، قاله ابن عباس، وقال قتادة: "المعنى عليها طابع"، وقالت طائفة: غلْف بسكون اللام جمع غلاف، أصله غلّف بتثقيل اللام فخفف. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قلما يستعمل إلا في الشعر. وقرأ الأعمش والأعرج وابن محيصن "غلّف" بتثقيل اللام جمع غلاف، ورويت عن أبي عمرو، فالمعنى هي أوعية للعلم والمعارف بزعمهم، فهي لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد صلى الله عليه وسلم؟، فرد الله تعالى عليهم بقوله: {بل لعنهم الله بكفرهم}، و {بل} في هذه الآية نقض للأول، وإضراب عنه، ثم بين تعالى أن السبب في نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترامهم، وهذا هو هو الجزاء على الذنب فالذنب أعظم منه، واللعن الإبعاد والطرد، و {قليلاً} نعت لمصدر محذوف تقديره فإيماناً قليلاً ما يؤمنون، والضمير في {يؤمنون} لحاضري محمد صلى الله عليه وسلم، ويتجه قلة هذا الإيمان: إما لأن من آمن بمحمد منهم قليل فيقل لقلة الرجال، قال هذا المعنى قتادة، وإما لأن وقت إيمانهم عندما كانوا يستفتحون به قبل مبعثه قليل، إذ قد كفروا بعد ذلك، وإما لأنهم لم يبق لهم بعد كفرهم غير التوحيد على غير وجهه، إذ هم مجسمون فقد قللوه بجحدهم الرسل وتكذيبهم التوراة، فإنما يقل من حيث لا ينفعهم كذلك، وعلى هذا التأويل يجيء التقدير فإيماناً قليلاً، وعلى الذي قبله فوقتاً قليلاً، وعلى الذي قبله فعدداً من الرجال قليلاً، و {ما} في قوله: {فقليلاً ما يؤمنون} زائدة مؤكدة، و {قليلاً} نصب بـ {يؤمنون}.
النسفي
تفسير : {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ } اختاروها على الآخرة اختيار المشتري {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم. {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ } التوراة. أتاه جملة {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ } يقال: قفاه إذا اتبعه من القفا نحو ذنبه من الذنب وقفاه به إذا أتبعه إياه. يعني وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل وهم يوشع واشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياء وأرمياء وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيـى وغيرهم.صلوات الله عليهم {وآتينا عيسى ابن مريم البينات } هي بمعنى الخادم، ووزن مريم عند النحويين «مفعل» لأن «فعيلاً» لم يثبت في الأبنية، البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص والإخبار بالمغيبات. {وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } أي الطهارة وبالسكون حيث كان: مكي. أي بالروح المقدسة كما يقال «حاتم الجود» ووصفها بالقدس للاختصاص والتقريب. أو بجبريل عليه السلام لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب، وذلك لأنه رفعه إلى السماء حين قصد اليهود قتله. أو بالإنجيل كما قال في القرآن {أية : رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا }تفسير : [الشورى: 52]، أو باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره. {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى } تحب {أَنفُسُكُم ٱسْتَكْبَرْتُمْ } تعظمتم عن قبوله {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ } كعيسى ومحمد عليهما السلام {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } كزكريا ويحيـى عليهما السلام. ولم يقل قتلتم لوفاق الفواصل، أو لأن المراد وفريقاً تقتلونه بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد عليه السلام لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة. والمعنى ولقد آتينا يا بني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم فكلما جاءكم رسول منهم بالحق استكبرتم عن الإيمان به، فوسط ما بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجب من شأنهم. {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } جمع أغلف أي هي خلقة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد عليه السلام ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لا يختن {بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } فرد الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، وإنما طردهم بكفرهم وزيغهم. {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } فـ «قليلاً» صفة مصدر محذوف أي فإيماناً قليلاً يؤمنون. و«ما» مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب. وقيل: القلة بمعنى العدم. غلف تخفيف غلف وقرىء به جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، أو أوعية للعلوم فلو كان ما جئت به حقاً لقبلنا. {وَلَمَّا جَاءَهُمُ } أي اليهود {كِتَـٰبٌ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ } أي القرآن {مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } من كتابهم لا يخالفه {وَكَانُواْ مِن قَبْلُ } يعني القرآن {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم قالوا: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة، ويقولون لأعدائهم المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. {فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ } «ما» موصولة أي ما عرفوه وهو فاعل «جاء». {كَفَرُواْ بِهِ } بغياً وحسداً وحرصاً على الرياسة. {فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي عليهم وضعاً للظاهر موضع المضمر للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم. واللام للعهد أو للجنس ودخلوا فيه دخولاً أولياً، وجواب «لما» الأولى مضمر وهو نحو كذبوا به أو أنكروه، أو كفروا جواب الأولى والثانية لأن مقتضاهما واحد. و «ما» في {بِئْسَمَا } نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس أي بئس شيئاً {ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } أي باعوه والمخصوص بالذم. {أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ } يعني القرآن. {بَغِيّاً } مفعول له أي حسداً وطلباً لما ليس لهم، وهو علة اشتروا {أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ } لأن ينزل. أو على أن ينزل أي حسدوه على أن ينزل الله. {مِن فَضْلِهِ } الذي هو الوحي {عَلَىٰ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } وهو محمد عليه السلام. {فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ } فصاروا أحقاء بغضب مترادف لأنهم كفروا بنبي الحق وبغوا عليه أو كفروا بمحمد بعد عيسى عليهما السلام، أو بعد قولهم عزيز ابن الله وقولهم يد الله مغلولة وغير ذلك. {وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ } مذل. «بئسما» وبابه غير مهموز: أبو عمرو. و«ينزل» بالتخفيف: مكي وبصري. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } لهؤلاء اليهود. {آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ } يعني القرآن، أو مطلق يتناول كل كتاب {قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } أي التوراة. {وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ } أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة. {وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لّمَا مَعَهُمْ } غير مخالف له وفيه رد لمقالتهم لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها، و«مصدقاً» حال مؤكدة. {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ ٱللَّهِ } أي فلم قتلتم فوضع المستقبل موضع الماضي ويدل عليه قوله {مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي من قبل محمد عليه السلام، اعتراض عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادعائهم الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل الأنبياء. قيل: قتلوا في يوم واحد ثلثمائة نبي في بيت المقدس.
الخازن
تفسير : {أولئك الذين اشتروا} أي استبدلوا {الحياة الدنيا بالآخرة} لأن الجمع بين لذات الدنيا والآخرة غير ممكن فمن اشتغل بتحصيل لذات الدنيا فاتته لذات الآخرة {فلا يخفف عنهم العذاب} أي فلا يهون عليهم {ولا هم ينصرون} أي ولا يمنعون من عذاب الله تعالى. قوله عز وجل: {ولقد آتينا} أي أعطينا {موسى الكتاب} يعني التوراة جملة واحدة {وقفينا} أي وأتبعنا من التقفية وهو أن يقفو أثر الآخر {من بعده بالرسل} يعني رسولاً بعد رسول وكانت الرسل بعد موسى إلى زمن عيسى عليهم السلام متواترة يظهر بعضهم في أثر بعض، والشريعة واحدة: قيل إن الرسل بعد موسى يوشع بن نون وأشمويل وداود وسليمان وأرمياء وحزقيل وإلياس ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم، وكانوا يحكمون بشريعة موسى إلى أن بعث الله تعالى عيسى عليه السلام فجاءهم بشريعة جديدة، وغير بعض أحكام التوراة فذلك قوله تعالى: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} اي الدلالات الواضحات وهي المعجزات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وقيل هي الإنجيل. واسم عيسى بالسريانية أيشرع ومريم بمعنى الخادم وقيل هو اسم علم لها كزيد من الرجال {وأيدناه} أي وقويناه {بروح القدس} قيل: أراد بالروح الذي نفخ فيه والقدس هو الله تعالى وأضاف روح عيسى إليه تشريفاً وتكريماً وتخصيصاً له كما تقول عبدالله وأمة الله وبيت الله وناقة الله وقال ابن عباس هو اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يحيي به الموتى وقيل هو الإنجيل لأنه حياة القلوب سماه روحاً كما سمى القرآن روحاً وقيل هو جبريل ووصف بالقدس وهو الطهارة لأنه لم يقترف ذنباً قط وقيل القدس هو الله تعالى والروح جبريل كما تقول عبدالله، سمي جبريل روحاً للطافته لأنه روحاني خلق من النور وقيل سمى روحاً لمكانه من الوحي الذي هو سبب حياة القلوب وحمل روح القدس هنا على جبريل أولى لأنه تعالى قال وأيدناه أي قويناه بجبريل وذلك أنه أمر أن يكون مع عيسى ويسير معه حيث سار فلم يفارقه حتى صعد به إلى السماء فلما سمعت اليهود بذكر عيسى قالوا يا محمد لا مثل عيسى كما تزعم علمت ولا كما يقص علينا من أخبار الأنبياء فعلت فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقاً قال الله تعالى: {أفكلما جاءكم} يعني يا معشر اليهود {رسول بما لا تهوى} تقبل {أنفسكم استكبرتم} أي تعظمتم عن الإيمان به {ففريقاً كذبتم} يعني مثل عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم {وفريقاً تقتلون} يعني مثل زكريا ويحيى وسائر من قتلوه، وذلك أن اليهود كانوا إذا جاءهم رسول بما لا يهوون كذبوه فإن تهيأ لهم قتله قتلوه وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الدنيا وطلب الرياسة {وقالوا} يعني اليهود {قلوبنا غلف} جمع أغلف وهو الذي عليه غشاوة فلا يعي ولا يفقه. قال ابن عباس غلف بضم اللام جمع غلاف والمعنى أن قلوبنا أوعية للعلم فلا تحتاج إلى علمك وقيل أوعية من الوعي لا تسمع حديثاً إلى وعته إلا حديثك فإنها لا تعيه ولا تعقله ولو كان خيراً لفهمته ووعته قال الله تعالى: {بل لعنهم الله بكفرهم} أي طردهم وأبعدهم من كل خير. وسبب كفرهم أنهم اعترفوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثم إنهم أنكروه وجحدوه فلهذا لعنهم الله تعالى: {فقليلاً ما يؤمنون} أي لم يؤمن منهم إلا قليل لأن من آمن من المشركين كان أكثرهم منهم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ...} قوله تعالى: {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} قال ابن عرفة: هذا ليس بتكرار: - فالأول اقتضى أن ذلك العذاب لا يرجى من فاعله شفقة على المفعول ولا تخفيفا عنه. - والثاني اقتضى أنه لا يقدر أحد على (استخلاص) المفعول من ذلك العذاب ونصرته بوجه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلأَخِرَةِ...} الآية: جعل اللَّه ترك الآخرةِ، وأخْذَ الدنيا عوضاً عنها، مع قدرتهم على التمسُّك بالآخرة - بمنزلة من أخذها، ثم باعها بالدنيا، {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ}، في الآخرة، {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ }؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة. * ص *: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ }: «اللام» في «لَقَدْ»: يحتمل أن تكون توكيداً، ويحتمل أن تكون جواب قسم، وموسَىٰ هو المفعول الأول، والكتاب الثانِي، وعكس السُّهَيْلِيُّ. و {مَرْيَمَ }: معناه في السُّرْيانية: الخَادَم، وسميت به أمُّ عيسَىٰ، فصار علماً عليها. انتهى. و {ٱلْكِتَـٰبَ}: التوراةُ. {وَقَفَّيْنَا }: مأخوذ من القَفَا؛ تقول: قَفَيْتُ فُلاَناً بِفُلاَنٍ، إِذا جئْتَ به من قبل قَفَاه، ومنه: قَفَا يَقْفُو، إِذا اتبع، وكلُّ رسول جاء بعد مُوسَىٰ، فإِنما جاء بإِثبات التوراة، والأمر بلزومها إلى عيسَى - عليهم السلام -. و {ٱلْبَيِّنَـٰتِ }: الحججُ التي أعطاها اللَّه عيسَىٰ. وقيل: هي آياته من إحياء، وإبراء، وخَلْق طَيْرٍ، وقيل: هي الإِنجيل، والآية تعم ذلك. {وَأَيَّدْنَـٰهُ}: معناه: قويْناه، والأَيْدُ القوة. قال ابن عبَّاس: {رُوح ٱلْقُدُسِ }: هو الاسم الذي كان يُحْيِـــي به الموتَىٰ، وقال ابن زِيْد: هو الإِنجيل؛ كما سمَّى اللَّه تعالَى القرآن رُوحاً، وقال السُّدِّيُّ، والضَّحَّاك، والربيع، وقتادة: {رُوحُ ٱلْقُدُسِ }: جبريلُ - عليه السلام -؛ وهذا أصحُّ الأقوال، «حديث : وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لِحَسَّان: ٱهْجُ قُرَيْشاً، وَرُوحُ القُدُسِ مَعكَ» تفسير : ومرةً قال له: «حديث : وَجِبْرِيلُ مَعَكَ»تفسير : ، و {كُلَّمَا }: ظرف؛ والعامل فيه: {ٱسْتَكْبَرْتُمْ }، وظاهر الكلامِ الاستفهامُ، ومعناه التوبيخُ؛ روي أن بني إِسرائيل كانوا يقتلون في اليومِ ثلاثمائة نبيٍّ، ثم تقوم سوقُهم آخر النهار، وروي سبعين نبيًّا، ثم تقومُ سوق بَقْلِهِمْ آخر النهار. والهَوَىٰ أكثر ما يستعمل فيما ليس بحقٍّ، وهو في هذه الآية من ذلك؛ لأنهم إنما كانوا يَهْوَوْنَ الشهوات، ومعنَىٰ: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ}، أي: عليها غشاواتٌ، فهي لا تفقه، قال ابن عبَّاس. ثم بيَّن تعالَىٰ سبب نُفُورهم عن الإِيمان إِنما هو أنهم لُعِنُوا بما تقدَّم من كفرِهِم وٱجترامِهِمْ، وهذا هو الجزاء على الذنْبِ بذنْب أعظم منه، واللعن: الإبعاد والطرد. و {قَلِيلاً}: نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: فإِيماناً قَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ، والضميرُ في «يُؤْمِنُونَ» لحاضري محمَّد صلى الله عليه وسلم منْهُمْ؛ ومَا في قوله: {مَّا يُؤْمِنُونَ} زائدةٌ موكِّدَة.
ابن عادل
تفسير : قد تقدم إعراب نظائرها إلا أنّ بعضهم ذكر وجوهاً مردودة لا بُدّ من التنبيه عليها، فأجاز أن يكون "أولئك" مبتدأ، و "الذين اشتروا" خبره، "فلا يُخَفَّف عنهم العَذَاب" خبراً ثانياً لـ "أولئك". قال: ودخلت الفاء في جواب الخبر لأجل الموصول المشبه بالشرط وهذا خطأ فإن قوله: "فَلا يُخَفَّفُ" لم يجعله خبراً للموصول حتى تدخل "الفاء" في خبره، وإنما جعله خبراً عن "أولئك" وأين هذا من ذاك؟ وأجاز أيضاً أن يكون الذين مبتدأ ثانياً، و "فلا يخفف" خبَره، دخلت لكونه خبراً للموصول، والجملة خبراً عن "أولئك". قال: ولم يَحْتَج هذا إلى عائد؛ لأن "الذين" هم "أولئك" كما تقول: "هذا زيد منطلق"، وهذا أيضاً خطأ لثلاثة أوجه: أحدها: خلوّ الجملة من رابط، وقوله: "لأن الذين" هم "أولئك" لا يفيد، فإن الجملة المستغنية لا بُدّ وأن تكون نفس المبتدأ. وأما تنظيره بـ "هذا زيد منطلق" فليس بصحيح، فإن "هذا" مبتدأ و "زيد" خبره، و "منطلق" خبر ثانٍ، ولا يجوز أن يكون "زيد" مبتدأ ثانياً، و "منطلق" خبره، والجملة خبر عن الأول، للخلو من الرابط. الثاني: أن الموصول ـ هنا ـ لقوم معيّنين وليس عامّاً، فلم يُشْبه الشرط، فلم تدخل "الفاء" في خبره. الثالث: أن صلته ماضية لفظاً ومعنى، فلم تشبه فعل الشرط في الاستقبال، فلا يجوز دخول الفاء في الخبر. فتعيّن أن يكون "أولئك" مبتدأ والموصول بصلته خبرَه، و "فلا يخفف" معطوف على الصِّلَةِ، ولا يضر تَخَالُف الفعلين في الزمان، فإنّ الصِّلاتِ من قبيل الجُمَل، وعطف الجمل لا يشترط فيه اتحاد الزمان، فيجوز أن تقول: جاء الذي قتل زيداً أمس، وسيقتل عَمْراً غداً، وإنما الذي يشترط فيه ذلك حيث كانت الأفعال منزلة منزلة المفردات. وقيل: دخلت "الفاء" بمعنى جواب الأمر كقوله: أولئك الضّلال انتبه فلا خير فيهم. فصل في تفسير تخفيف العذاب حمل بعضهم عدم التخفيف على عدم الانقطاع؛ لأنه لو انقطع لكان قد خفف، وحمله آخرون على الشدّة لا على الدوام، أو في كلّ الأوقات، فإذا وصف عذابهم بأنه لا يخفّف عنهم اقتضى ذلك نَفْيَ جميع ما ذكرناه. قوله: {وَلاَ هُمْ يَنْصَرُونَ} يجوز في "هو" وجهان: أحدهما: أن يكون محلّ رفع بالابتداء، وما بعده خبره، ويكون قد عطف جملة اسمية على جملة فعلية وهي: "فلا يخفف". والثاني: أن يكون مرفوعاً بفعل محذوف يفسره هذا الظاهر، وتكون المسألةُ مِنْ باب الاشتغال، فلما حذف الفعل انفصل الضَّمير؛ ويكون كقوله: [الطويل] شعر : 645- فإِنْ هُوَ لَمْ يَحْمِلْ عَلَى النَّفْسِ ضَيْمَهَا فَلَيْسَ إِلَى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبِيلُ تفسير : وله مرجّح على الأول بكونه قد عطف جملة على مثلها، وهو من المواضع المرجح فيها الحمل على الفعل في باب الاشْتِغَال. وليس المرجح كونه تقدمه "لا" النافية، فإنها ليست من الأدوات المختصة بالفعل ولا الأولى به، خلافاً لابن السيد حيث زعم أَنَّ "لا" النافية من المرجّحات لإضمار الفِعْل، وهو قول [مرغوب عنه] ولكنه قَوِيَ من حيث البحث. فقوله: "ينصرون" لا محلّ له على هذا؛ لأنه مُفَسِّرٌ، ومحلّه الرفع على الأولى لوقوعه موقع الخبر. فصل حمله بعضهم على نفس النُّصْرة في الآخرة، والأكثرون حملوه على نفي النُّصْرة في الدنيا. قال ابن الخطيب: والأول أولى، لأنه ـ تعالى ـ جاء على صنعهم ولذلك قال: {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} وهذه الصّفة لا تليق إلا بالآخرة؛ لأنَّ عذاب الدنيا وإن حصل، فيصير كالحدود؛ لأن الكُفَّار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض الأوقات.
ابو السعود
تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبـيحةِ وهو مبتدأ خبرُه قولُه تعالى: {ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ} أي آثروا {الحياة الدنيا} واستبدلوها {بِٱلآخِرَةِ} وأعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها فإن ما ذُكر من الكفر ببعض أحكامِ الكتاب إنما كان لمراعاة جانبِ حلفائِهم لما يعود إليهم منهم من بعض المنافعِ الدينيةِ والدنيوية {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} دنيوياً كان أو أُخروياً {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} يدفعه عنهم شفاعةً أو جبراً، والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها عطفَ الاسمية على الفعلية، أو ينصرون مفسِّرٌ لمحذوف قبل الضمير، فيكونُ من عطف الفعلية على مثلها {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَـٰبَ} شروعٌ في بـيانِ بعضٍ آخرَ من جناياتهم، وتصديرُه بالجملة القَسَمية لإظهار كمالِ الاعتناءِ به، والمرادُ بالكتاب التوراة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن التوراة لما نزلت جُملةً واحدة أمر الله تعالى موسى عليه السلام بحملها فلم يُطق ذلك فبعث الله بكل حرفٍ منها مَلَكاً فلم يطيقوا حملَها فخففها الله تعالى لموسى فحملها {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ} يقال: قفّاه به إذا أتبعه إياه، أي أرسلناهم على أَثَرِه كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} تفسير : [المؤمنون، الآية 44] وهم يوشَعُ وأشمَويلُ وشمعونُ وداودُ وسليمانُ وشَعْيا وأرميا وعُزيرٌ وحزْقيل وإلياسُ واليسعُ ويونسُ وزكريا ويحيـى وغيرُهم عليهم الصلاة والسلام {وءاتَيْنَا عيسى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ} المعجزاتِ الواضحاتِ من إحياء الموتى وإبراءِ الأكمَهِ والأبرصِ والإخبارِ بالمغيّبات، أو الإنجيلَ وعيسى بالسريانية إيشوُعُ ومعناه المبارك ومريم بمعنى الخادم وهو بالعبرية من النساء كالزير من الرجال وبه فُسر قولُ رؤبة: [الرجز] شعر : قلتُ لزيرٍ لم تصِلْه مَرْيمُه ضليلِ أهواءِ الصِّبا تندّمُهْ تفسير : ووزنه مِفْعل إذ لم يثبت فعيل {وَأَيَّدْنَـٰهُ} وقرىء وآيدناه {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} بضم الدال وقرىء بسكونها أي بالروح المقدسة، وهي روحُ عيسى عليه السلام كقولك: حاتمُ الجود ورجلُ صدقٍ وإنما وُصِفت بالقدْس لكرامته، أو لأنه عليه السلام لم تضُمَّه الأصلابُ ولا أرحامُ الطوامِث، وقيل: بجبريلَ عليه السلام وقيل: بالإنجيل كما قيل: في القرآن (رُوحاً من أمرنا) وقيل: باسم الله الأعظم الذي يُحيـي الموتى بذكره، وتخصيصُه من بـين الرسل عليهم السلام بالذكر ووصفُه بما ذكر من إيتاء البـينات والتأيـيدِ بروح القدسِ لما أن بِعْثتَهم كانت لتنفيذ أحكامِ التوراة وتقريرِها، وأما عيسى عليه السلام فقد نُسخ بشرعه كثيرٌ من أحكامها ولحسم مادةِ اعتقادِهم الباطلِ في حقه عليه السلام ببـيان حقّيتِه وإظهارِ كمالِ قُبح ما فعلوا به عليه السلام {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ} من أولئك الرسل {بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم} من الحق الذي لا محيدَ عنه أي لا تحبُّه، من هِويَ كفرح إذا أحب، والتعبـيرُ عنه بذلك للإيذان بأن مدارَ الردِّ والقبولِ عندهم هو المخالفةُ لأهواء أنفسِهم والموافقةُ لها لا شيءٍ آخرَ، وتوسيطُ الهمزة بـين الفاء وما تعلّقت به من الأفعال السابقةِ لتوبـيخهم على تعقيبهم ذلك بهذا، أو للتعجب من شأنهم، ويجوز كونُ الفاء للعطف على مقدر يناسب المقام، أي ألم تطيعوهم فكلما جاءكم رسولٌ منهم بما لا تهوىٰ أنفسكم {ٱسْتَكْبَرْتُمْ} عن الاتباع له والإيمانِ بما جاء به من عند الله تعالى {فَفَرِيقًا} منهم {كَذَّبْتُمْ} من غير أن تتعرضوا لهم بشيءٍ آخرَ من المضارِّ، والفاءُ للسببـية أو للتعقيب {وَفَرِيقًا} آخرَ منهم {تَقْتُلُونَ} غيرَ مكتفين بتكذيبهم كزكريا ويحيـى عليهما السلام، وتقديمُ (فريقاً) في الموضعين للاهتمام وتشويق السامعِ إلى ما فعلوا بهم لا للقصر، وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ في القتل لاستحضار صورتِه الهائلةِ، أو للإيماء إلى أنهم بعْدُ على تلك النية، حيث همُّوا بما لم ينالوه من جهته عليه السلام وسحَروه وسمُّوا له الشاةَ حتى قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما زَالتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تعاودني فهذا أوَانُ قَطَعَتْ أبهري «
القشيري
تفسير : إن الذين آثروا عليه شيئاً خسروا في الدنيا والآخرة كما قالوا: شعر : أناسٌ أعرضوا عنَّا بلا جُرْمٍ ولا معنى فإن كانوا قد استَغْنَوْا فإنَّا عنهم أغنى
اسماعيل حقي
تفسير : {أولئك} الموصوفون بما ذكر من الاوصاف القبيحة {الذين اشتروا الحيوة الدنيا} واستبدلوها {بالآخرة} واعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها فان ما ذكر ما الكفر ببعض احكام الكتاب انما كان مراعاة لجانب حلفائهم لما يعود اليهم منهم من بعض المنافع الدينية والدنيوية {فلا يخفف عنهم العذاب} دنيويا كان او اخرويا {ولا هم ينصرون} يمنعون من العذاب بدفعه عنهم بشفاعة او جبر. اعلم ان الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله سبحانه مكن المكلف من تحصيل ايتهما شاء واراد فاذا اشتغل بتحصيل احديهما فقد فوت الاخرى على نفسه فجعل الله ما اعرض اليهود عنه من الايمان بما فى كتابهم وما حصل فى ايديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء وذلك من الله نهاية الذم لهم لان المغبون فى البيع والشراء فى الدنيا مذموم فان يذم مشترى الدنيا بالآخرة اولى. فعلى العاقل ان يرغب فى تجارة الآخرة ولا يركن الى الدنيا ولا يسفك دمه بامتثال اوامر الشيطان فى استجلاب حظوظ النفس ولا يخرج من ديار دينه التى كان عليها فى اصل الفطرة فانه اذا يضل ويشقى وفى قوله {أية : لا تسفكون دماءكم} تفسير : [البقرة: 84]. اشارة اخرى الى ان العبد ولا يجوز له ان يقتل نفسه من جهد او بلاء يصيبه او يهيم فى الصحراء ولا يأتى البيوت جهلا فى ديانته وسفها فى حلمه فهو عام فى جميع ذلك. حديث : وقد روى ان بعض الصحابة رضى الله عنهم عزموا ان يلبسوا المسوح وان يهيموا فى الصحراء ولا يأووا الى البيوت ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء فقال عليه السلام "انى اصلى وانام واصوم وافطر واغشى النساء وآوى الى البيوت وآكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى" فرجعوا عما عزموا قال تعالى "وآت كل ذى حق حقه ". تفسير : فالكمال فى التجاوز عن القيود والوصول الى عالم الشهود وعين العارف لا ترى غير الله فى المرايا والمظاهر فمن اى شىء يهرب والى اين يهرب فاينما تولوا فثم وجه الله ولذا قيل الذى يطلب العلم لله اذا قيل له غدا تموت لا يضيع الكتاب من يده لكونه وفى الحقوق مشتغلا به لله مخلصا له النية فلم ير افضل مما هو فيه فيحب ان يأتيه الموت على ذلك. واعلم ايضا ان الاسارى اصناف شتى فمن اسير فى قيد الهوى فانقاذه بالدلالة على الهدى ومن اسير فى قيد حب الدنيا فخلاصة باخلاص ذكر الموت: وفى المثنوى شعر : ذكر حق كن بانك غولانرا بسوز جشم نركس را ازين كركس بدوز تفسير : ومن اسير بقى فى قيد الوسواس فقد استهوته الشياطين ففداؤه برشده الى اليقين بلوائح البراهين لينقذه من الشكوك والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمات التقليد وما تعود بالتلقين ومن اسير تجده فى اسر هواجس نفسه ربيط زلاته ففك اسره فى ارشاده الى اقلاعها ومن اسير تجده فى قبضة الحق فليس لاسيرهم فداء ولا لقتيلهم قود ولا لربيطهم خلاص ولا منهم بدل ولا معهم جدل ولا اليهم لغيرهم سبيل ولا لديهم الا بهم دليل ولا بهم فرار ولا معهم قرار فهذا مقام الاولياء الكمل فمن اتخذ هذه الطريقة سبيلا نال مراده ووصل الى مقام فؤاده وتخلص من الخزى الذى هو عمى القلب عن مشاهدة الحق والعمه فى تيه الباطل فى الدنيا والآخرة: قال فى المثنوى شعر : اصل صد يوسف جمال ذوالجلال اى كم اززن شو فداى آن جمال اصل بيند ديده جون اكمل بود فرع بيند جونكه مرداحول بود سرمه توحيد از كحال حال يافته رسته زعلت واعتلال تفسير : ولا بد من العشق فى طريق الحق ـ وحكى ـ ان عجوزا احضرت السوق قطعة غزل وقالت اكتبونى من مشترى يوسف حتى يوجد اسمى فى دفتر العشاق اللهم لا تحجبنا عن جمالك وعنك واجعلنا من الفائزين بنوال وصالك منك.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {أُوْلَئِكَ} الناقصون للعهود المتعدون الحدود {اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} وزخارفها الغرارة {بالآخِرَةِ} الباقية الدائمة، {فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} ساعة الدنيا بالذل والهوان، وفي الآخرة بدخول النيران، {وَلا هُمْ يُنصَرُونَ} بالامتناع منه في كل أوان. الإشارة: أولئك الذين نظروا إلى غرة ظاهرة الأكوان، ولم ينفذوا إلى عبرة باطنها، فلا ينقطع عنهم عذاب الوهم والحجاب، ولا هم ينصرون من أليم العذاب.
الطوسي
تفسير : المعنى: قوله: {أولئك} إشارة إلى الذين اخبر عنهم يؤمنون ببعض الكتاب، فيفادون أساراهم من اليهود، ويكفرون ببعض فيقتلون من حرم الله عليهم قتله من اهل ملتهم، ويخرجون من داره من حرم الله اخراجه. وهم الذين اشتروا رياسة الحياة الدنيا. ومعناه ابتاعوها على الضعفاء واهل الجهل والغباء منهم. وانما وصفهم بانهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، لأنهم رضوا بالدنيا بكفرهم الله عز وجل فيها عوضاً من نعيم الآخرة الذي اعده الله للمؤمنين. فجعل تركهم حظوظهم من نعيم الآخرة بكفرهم بالله ثمناً لما ابتاعوه من خسيس الدنيا بما اخبر الله انه لا حظ لهم في نعيم الآخرة، وان لهم في الآخرة عذاباً غير مخفف عنهم فيها العقاب. وقوله: {ولا هم ينصرون} أي لا ينصرهم احد في الآخرة فيدفع عنهم بنصرته عذاب الله تعالى
اطفيش
تفسير : {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحياةَ الدّنيا بالآخِرَةِ}: أى أخذوا الحياة الدنيا بدل الآخرة اختياراً لها على الآخرة، وذلك الشراءُ هو كسبهم المعاصى، فإن الجمع بين لذات الدنيا والآخرة غير ممكن، فالاشتغال بالمعاصى الموجبة للنار هو ترك للآخرة وبيع لها. {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم الْعَذَابُ}: عذاب الآخرة بنقص بعض أو قوته بتركه فى مدة. {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ}: لا يدفع عنهم العذاب ولا ينقذون منه، ويجوز أن يكون معنى {لا يخفف عنهم العذاب} لا يخفف عنهم عذاب الدنيا بنقص الجزية أبداً، أو فى مدة، ولا يخفف عذاب الآخرة كذلك، ومعنى: {ولا هم ينصرون} لا يدفع عنهم عذاب الآخرة ولا الجزية أبداً ويجوز أن يكون المعنى لا يخفف عنهم عذاب الدنيا ولا ينقذون من عذاب الآخرة.
اطفيش
تفسير : {أُوْلَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الحَيَٰوةَ الدُّنْيَا} لذتها ومتاعها {بِالآخِرَةِ} فباعوا ما لهم فيها من الخير بالدنيا، بأن ضيعوا دينهم لأجل تحصيل الدنيا {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} فى الآخرة أو فيها وفى الدنيا {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} يمنعون منه ألبنة، أو لا ينصرون بترك الجزية.
الخليلي
تفسير : في الآية نداء عليهم بسوء تفكيرهم في مصالحهم، فقد رضوا أن تكون سعادة الآخرة مع خلودها ثمنا لمصالح دنيوية يسعون إليها، وهي مصالح وهمية لا تكاد تدرك حتى تفوت ولا تحرز حتى تتلاشى، فإن تقاتلهم لم يدفعوا إليهم إلا حب المصلحة العاجلة وإيثار حظوظ النفس الفارغة على واجبات الدين فقد كان الذين يقاتلون بجانب الأوس لا يراعون الا المصالح المشتركة بينهم وبين الأوس فيؤثرونها على الحقوق التي فرضها الله عليهم لإخوانهم في الدين والنسب، وهكذا شأن الذين يقاتلون مع الخزرج، فما أضل سعيهم! وأسوأ تدبيرهم! وأحقهم بوعيد الله لهم أن لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة - والنص على عدم تخفيفه أدل على عدم رفعه - وأنهم لا ينصرون بدفاع مدافع أو شفاعة شافع.
الالوسي
تفسير : {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلأَخِرَةِ} أي آثروا الحياة الدنيا واستبدلوها بالآخرة وأعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} الموعودون به يوم القيامة أو مطلق العذاب دنيوياً كان أو أخروياً. {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} بدفع الخزي إلى آخر الدنيا أو بدفع الجزية في الدنيا، والتعذيب في العقبى، وعلى الاحتمال الأول في الأمرين يستفاد نفي دفع العذاب من نفي تخفيفه بأبلغ وجه وآكده، ورجحه بعضهم بأن المقام على الثاني يستدعي تقديم نفي الدفع على نفي التخفيف، وتقديم المسند إليه لرعاية الفاصلة والتقوى لا للحصر إذ ليس المقام مقامه، ولذا لم يقل فلا عنهم يخفف العذاب، والجملة معطوفة على الصلة. ويجوز أن يوصل الموصول بصلتين مختلفتين زماناً، وجوز أن يكون (أولئك) مبتدأ و (الذين) خبره، وهذه الجملة خبر بعد خبر، والفاء لما أن الموصول إذا كانت صلته فعلاً كان فيها معنى الشرط، وفيه أن معنى الشرطية لا يسري إلى المبتدأ الواقعة خبراً عنه، وجوز أيضاً أن يكون (أولئك) مبتدأ و (الذين) مبتدأ ثان، وهذه الجملة خبر الثاني، والمجموع خبر الأول، ولا يحتاج إلى رابط لأن الذين هم أولئك، ولا يخفى ما فيه. هذا ومن باب الإشارة في هذه الآيات {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ} بميلكم إلى هوى النفس وطباعها ومتاركتكم حياتكم الحقيقية لأجل تحصيل لذاتكم الدنية ومآربكم الدنيوية {وَلاَ تُخْرِجُونَ} ذواتكم من مقارّكم الروحانية، ورياضتكم القدسية {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} بقبولكم لذلك {أية : وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ }تفسير : [البقرة: 84] عليه باستعداداتكم الأولية وعقولكم الفطرية {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء} الساقطون عن الفطرة المحتجبون عن نور الاستعداد {تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} وتهلكونها بغوايتكم ومتابعتكم الهوى {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم} من أوطانهم القديمة باغوائهم وإضلالهم وتحريضهم على ارتكاب المعاصي تتعاونون عليهم بارتكاب الفواحش/ ليروكم فيتبعوكم فيها وبالزامكم إياهم رذائل القوتين البهيمية والسبعية وتحريضكم لهم عليها {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ} في قيد ما ارتكبوه ووثاق شين ما فعلوه قد أخذتهم الندامة وعيرتهم عقولهم وعقول أبناء جنسهم بما لحقهم من العار والشنار {تُفَادُوهُمْ} بكلمات الحكمة والموعظة الدالة على أن اللذات المستعلية هي العقلية والروحية وأن اتباع النفس مذموم رديء فيتعظوا بذلك ويتخلصوا من هاتيك القيود سويعة {أَفَتُؤْمِنُونَ} ببعض كتاب العقل والشرع قولاً وإقراراً {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} فعلاً وعملاً فلا تنتهون عما نهاكم عنه {فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ} ذلة وافتضاح {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ويوم مفارقة الروح البدن {يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ} وهو تعذيبهم بالهيآت المظلمة الراسخة في نفوسهم واحتراقهم بنيرانها {أية : وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ } تفسير : [البقرة: 85] عن أفعالكم أحصاها وضبطها في أنفسكم وكتبها عليكم.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُولَـٰئِكَ} {ٱلْحَيَاةَ} (86) - وَهؤُلاءِ الذِينَ يُخَالِفُونَ أَوَامِرَ التَّورَاةِ، وَيَعْمَلُونَ بِبَعْضِ مَا جَاءَ فِيهَا، هُمُ الذِينَ اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنيا، وَآثَروها وَفَضَّلُوهَا عَلَى الآخِرَةِ، بِمَا أَهْمَلُوا مِنَ الشَّرائعِ، وَبِمَا تَرَكُوا مِنْ أَوَامِرِهَا التِي يَعْرِفُونَها (كَالانتِصَارِ لِلحَلِيفِ المُشْرِكِ وَمُظَاهَرَتِهِ عَلَى قَوْمِهِمْ فِي الدِّينِ وَالنَّسَبِ، وَإِخْرَاجِ أَهْلِهِمْ مِنْ دِيَارِهِم ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ ذلِكَ الحَلِيفِ المُشْرِكِ)، فَكَانُوا كَمَنِ اشْتَرَى الحَيَاةَ الدُّنيا بِالآخِرَةِ. وَهؤلاءِ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم نَاصِراً يُنْقِذُهُمْ مِنَ العَذَابِ، وَلا مُجِيراً يُجِيرُهُمْ. اشتَرَوْا - هِيَ هُنَا بِمَعْنى آثَرُوا، أَوِ اسْتَبْدَلُوا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ويذكر لنا الله سبحانه وتعالى سبب خيبة هؤلاء وضلالهم لأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة .. جعلوا الآخرة ثمناً لنزواتهم ونفوذهم في الدنيا .. هم نظروا إلى الدنيا فقط .. ونظرة الإنسان إلى الدنيا ومقارنتها بالآخرة تجعلك تطلب في كل ما تفعله ثواب الآخرة .. فالدنيا عمرك فيها محدود .. ولا تقل عمر الدنيا مليون أو مليونان أو ثلاثة ملايين سنة .. عمر الدنيا بالنسبة لك هو مدة بقائك فيها .. فإذا خرجت من الدنيا انتهت بالنسبة لك .. والخروج من الدنيا بالموت .. والموت لا أسباب له ولذلك فإن الإسلام لا يجعل الدنيا هدفاً لأن عمرنا فيها مظنون .. هناك من يموت في بطن أمه .. ومن يعيش ساعة أو ساعات، ومن يعيش إلى أرذل العمر .. إذن فاتجه إلى الآخرة، ففيها النعيم الدائم والحياة بلا موت والمتعة على قدرات الله .. ولكن خيبة هؤلاء أنهم اشتروا الدنيا بالآخرة .. ولذلك يقول الحق عنهم: {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 86] .. لا يخفف عنهم العذاب أي يجب ألا يأمنوا أن العذاب في الآخرة سيخفف عنهم .. أو ستقل درجته أو تنقص مدته .. أو سيأتي يوماً ولا يأتي يوماً وقوله: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 86] .. النصرة تأتي على معنيين .. تأتي بمعنى أنه لا يغلب .. وتأتي بمعنى أن هناك قوة تنتصر له أي تنصره .. كونه يغلب .. الله سبحانه وتعالى غالب على أمره فلا أحد يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً .. ولكن الله يملك النفع والضر لكل خلقه .. ويملك تبارك وتعالى أن يقهر خلقه على ما يشاء .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {أية : قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الأعراف: 188]. أما مسألة أن ينصره أحد .. فمن الذي يستطيع أن ينصر أحداً من الله .. واقرأ قوله سبحانه وتعالى عن نوح عليه السلام: {أية : وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [هود: 30]. يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} [البقرة: 86] .. أمر لم يقع بعد بل سيقع مستقبلاً .. يتحدث الله سبحانه وتعالى عنه بلهجة المضارع .. نقول إن كل أحداث الكون وما سيقع منها هو عند الله تم وانتهى وقضى فيه .. لذلك نجد في القرآن الكريم قوله سبحانه: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ..} تفسير : [النحل: 1]. أَتَى: فعل ماضٍ .. ولا تستعجلوه مستقبل .. كيف يقول الله سبحانه وتعالى أتى ثم يقول لا تستعجلوه؟ إنه مستقبل بالنسبة لنا .. أما بالنسبة لله تبارك وتعالى فما دام قد قال أتى .. فمعنى ذلك أنه حدث .. فلا أحد يملك أن يمنع أمراً من أمور الله من الحدوث .. فالعذاب آت لهم آت .. ولا يخفف عنهم لأن أحدا لا يملك تخفيفه.
الجيلاني
تفسير : ولما ذكر سبحانه قبح معاشهم ومعادهم أراد أن ينبه على المؤمنين بأسباب مقابحهم وإعراضهم ليحذروا منها ويحترزوا عنها فقال مشيراً لهم: {أُولَـٰئِكَ} البعداء عن منهج الصدق والصواب هم {ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ} استبدلوا واختاروا {ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} الفانية غير القارة، بل اللاشيء المحض بالآخرة التي هي النعيم الدائم واللذة المستمرة والحياة الأزلية السرمدية {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي: عذاب الإمكان والافتقار لذلك {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 86] فيما هو متمناهم من الحوائج، بل دائماً مفترضون محتاجون، مسودة الوجوه في النشأتين. واذكر يا أكمل الرسل للمؤمنين أيضاً من قبح صنائعهم ليعتبروا: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ} المبعوث إليهم {ٱلْكِتَابَ} أي: التوراة المشتملة على مصالحهم الدنيوية والأخروية فكذبوه، ولم يلتفتوا إلى كتابه {وَ} بعدما قضى وانقرض موسى {قَفَّيْنَا} أي: عقبناه {مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ} المرسلة إليهم، أولي الدعوات والآيات والمعجزات، فكذبوهم أيضاً ولم يلتفتوا بما جاءوا به {وَ} بعد ذلك بزمان {آتَيْنَا} أيضاً {عِيسَى} المبعوث إليهم {ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ} الواضحات المبينات لأمر معاشهم ومعادهم {وَ} مع ذلك {أَيَّدْنَاهُ} أي: خصصناه وقويناه {بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ} بالروح المقدس عن رذائل الإمكان، فكذبوه أيضاً، فأرادوا قتله ولم يظفروا عليه، ألم تكونوا أنتم أيها الناقضون للعهود والمواثيق {أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ} من الرسل من عند ربكم لإصلاح حالكم {بِمَا لاَ تَهْوَىٰ} تحب وترضى {أَنْفُسُكُمْ} اشتغلتم بما جاءوا به بل {ٱسْتَكْبَرْتُمْ} عليهم واستحقرتموهم {فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ} كموسى وعيسى عليهما السلام {وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87] كزكريا ويحيى - عليهما السلام - والقوم الذين شأنهم هذا كيف يرجى منهم الفلاح والفوز بالنجاح. {وَ} من غاية عداوتهم معك يا أكمل الرسل ومع من بايعك من المؤمنين أنهم {قَالُواْ} حين دعوتكم إياهم إلى الإيمان والتصديق بالإسلام: لا نفقة حديثكم ولا نفهم كلامكم؛ إذ {قُلُوبُنَا} التي هي وعاء الإيمان والإذعان {غُلْفٌ} مغلوف مغشاة بالأغطية الكثيفة لا يصل إليها دعوتكم وإخباركم قل لهم يا أكمل الرسل: لا غطاء ولا غشاوة إلا عنادكم وحديثكم وحسدكم على ظهور دين الإسلام وبغيكم عليه مع جزمكم بحقيته عقلاً ونقلاً {بَل} قل لهم نيابة عنا: {لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ} أي: طردهم وبعدهم باسمه المنتقم {بِكُفْرِهِمْ} أي: بسبب كفرهم المذكور في جبلتهم، لكونهم مقهروين تحت اسم المضل المذل، وإذا كانوا من مقتضيات اسم المضل {فَقَلِيلاً مَّا} نزراً يسيراً منهم {يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] يهتدون بطريق التوحيد إيفاء لحق الفطرة الأصلية التي فطر الناس عليها، وهم الذين ذكرهم سبحانه في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ}تفسير : [البقرة: 62] وبالجملة فلا يجرى منهم الإيمان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):