Verse. 92 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

ثُمَّ اَنْتُمْ ھٰۗؤُلَاۗءِ تَقْتُلُوْنَ اَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُوْنَ فَرِيْـقًا مِّنْكُمْ مِّنْ دِيَارِھِمْ۝۰ۡتَظٰھَرُوْنَ عَلَيْہِمْ بِالْاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ۝۰ۭ وَاِنْ يَّاْتُوْكُمْ اُسٰرٰى تُفٰدُوْھُمْ وَھُوَمُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ اِخْرَاجُہُمْ۝۰ۭ اَفَتُؤْمِنُوْنَ بِبَعْضِ الْكِتٰبِ وَتَكْفُرُوْنَ بِبَعْضٍ۝۰ۚ فَمَا جَزَاۗءُ مَنْ يَّفْعَلُ ذٰلِكَ مِنْكُمْ اِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيٰوۃِ الدُّنْيَا۝۰ۚ وَيَوْمَ الْقِيٰمَۃِ يُرَدُّوْنَ اِلٰۗى اَشَدِّ الْعَذَابِ۝۰ۭ وَمَا اللہُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُوْنَ۝۸۵
Thumma antum haolai taqtuloona anfusakum watukhrijoona fareeqan minkum min diyarihim tathaharoona AAalayhim bialithmi waalAAudwani wain yatookum osara tufadoohum wahuwa muharramun AAalaykum ikhrajuhum afatuminoona bibaAAdi alkitabi watakfuroona bibaAAdin fama jazao man yafAAalu thalika minkum illa khizyun fee alhayati alddunya wayawma alqiyamati yuraddoona ila ashaddi alAAathabi wama Allahu bighafilin AAamma taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم أنتم» يا «هؤلاء تقتلون أنفسكم» بقتل بعضكم بعضا «وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تَظَّاهَرُونَ» فيه إدغام التاء في الأصل في الظاء، وفي قراءة بالتخفيف على حذفها تتعاونون «عليهم بالإثم» بالمعصية «والعدوان» الظلم «وإن يأتوكم أسارى» وفي قراءة أسرى «تَفْدُوهُمْ» وفي قراءة «تُفَادُوهُمْ» تنقذوهم من الأسر بالمال أو غيره وهو مما عهد إليهم «وهو» أي الشأن «محرَّم عليكم إخراجهم» متصل بقوله وتخرجون والجملة بينهما اعتراض: أي كما حرم ترك الفداء، وكانت قريظةُ حالفوا الأوسَ، والنضيرُ الخزرجَ فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه ويخرب ديارهم ويخرجهم فإذا أسروا فدوهم، وكانوا إذا سئلوا لم تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا أمرنا بالفداء فيقال فَلِمَ تقاتلونهم؟ فيقولون حياء أن تستذل حلفاؤنا. قال تعالى: «أفتؤمنون ببعض الكتاب» وهو الفداء «وتكفرون ببعض» وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة «فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ» هوان وذلّ «في الحياة الدنيا» وقد خزوا بقتل قريظة ونفي النضير إلى الشام وضرب الجزية «ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافلِ عما يعملون» بالياء والتاء.

85

Tafseer

الرازي

تفسير : أما قوله تعالى: {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء } ففيه إشكال لأن قوله: {أَنتُمْ } للحاضرين و {هَـؤُلاء } للغائبين فكيف يكون الحاضر نفس الغائب، وجوابه من وجوه، أحدها: تقديره ثم أنتم يا هؤلاء، وثانيها: تقديره ثم أنتم أعني هؤلاء الحاضرين، وثالثها: أنه بمعنى الذي وصلته «تقتلون» وموضع تقتلون رفع إذا كان خبراً ولا موضع له إذا كان صلة. قال الزجاج: ومثله في الصلة قوله تعالى: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 17] يعني وما تلك التي بيمينك، ورابعها: هؤلاء تأكيد لأنتم، والخبر «تقتلون»، وأما قوله تعالى: {تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } فقد ذكرنا فيه الوجوه، وأصحها أن المراد يقتل بعضكم بعضاً، وقتل البعض للبعض قد يقال فيه إنه قتل للنفس إذ كان الكل بمنزلة النفس الواحدة وبينا المراد بالإخراج من الديار ما هو. أما قوله تعالى: {تَظَـٰهَرُونَ علَيْهِم بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوٰنِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي «تظاهرون» بتخفيف الظاء، والباقون بالتشديد فوجه التخفيف الحذف لإحدى التاءين كقوله: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ } ووجه التشديد إدغام التاء في الظاء، كقوله تعالى: {أية : ٱثَّاقَلْتُمْ } تفسير : [التوبة: 38] والحذف أخف والادغام أدل على الأصل. المسألة الثانية: اعلم أن التظاهر هو التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة بين الله تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان. المسألة الثالثة: الآية تدل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة، فإن قيل: أليس أن الله تعالى لما أقدر الظالم على الظلم وأزال العوائق والموانع وسلط عليه الشهوة الداعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحة لوجب أن لا يوجد ذلك من الله تعالى، والجواب: أنه تعالى وإن مكن الظالم من ذلك فقد زجره عن الظلم بالتهديد والزجر، بخلاف المعين للظالم على ظلمه فإنه يرغبه فيه ويحسنه في عينه ويدعوه إليه فظهر الفرق. المسألة الرابعة: الآية لا تدل على أن قدر ذنب المعين مثل قدر ذنب المباشر، بل الدليل دل على أنه دونه لأن الإعانة لو حصلت بدون المباشرة لما أثرت في حصول الظلم ولو حصلت المباشرة بدون الإعانة لحصل الضرر والظلم، فعلمنا أن المباشرة أدخل في الحرمة من الإعانة. أما قوله تعالى: {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وعاصم والكسائي: (أسارى تفادوهم) بالألف فيهما، وقرأ حمزة وحده بغير ألف فيهما والباقون: «أسارى» بالألف و «تفدوهم» بغير ألف و «الأسرى» جمع أسير كجريح وجرحى، وفي أسارى قولان: أحدهما: أنه جمع أسرى كسكرى وسكارى، والثاني: جمع أسير، وفرق أبو عمرو بين الأسرى والأسارى، وقال: الأسارى الذين في وثاق، والأسرى الذين في اليد، كأنه يذهب إلى أن أسارى أشد مبالغة، وأنكر ثعلب ذلك، وقال علي بن عيسى: الاختيار أسارى بالألف لأن عليه أكثر الأئمة ولأنه أدل على معنى الجمع إذ كان يقال بكثرة فيه، وهو قليل في الواحد نحو شكاعى ولأنها لغة أهل الحجاز. المسألة الثانية: تفدوهم وتفادوهم لغتان مشهورتان تفدوهم من الفداء وهو العوض من الشيء صيانة له، يقال: فداه فدية وتفادوهم من المفاداة. المسألة الثالثة: جمهور المفسرين قالوا: المراد من قوله: {تُفَـٰدُوهُمْ } وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم، وذكر أبو مسلم أنه ضد ذلك، والمراد أنكم مع القتل والإخراج إذا وقع أسير في أيديكم لم ترضوا منه إلا بأخذ مال، وإن كان ذلك محرماً عليكم ثم عنده تخرجونه من الأسر، قال أبو مسلم والمفسرون: إنما أتوا من جهة قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ }، وهذا ضعيف لأن هذا القول راجع إلى ما تقدم من ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليهم، والمراد أنه إذا كان في الكتاب الذي معكم نبأ محمد فجحدتموه فقد آمنتم ببعض الكتاب وكفرتم ببعض، وكلا القولين يحتمل لفظ المفاداة لأن الباذل عن الأسير يوصف بأنه فاداه والأخذ منه للتخليص يوصف أيضاً بذلك، إلا أن الذي أجمع المفسرون عليه أقرب، لأن عود قوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } إلى ما تقدم ذكره في هذه الآية أولى من عوده إلى أمور تقدم ذكرها بعد آيات. المسألة الرابعة: قال بعضهم: الذين أخرجوا والذين فودوا فريق واحد، وذلك أن قريظة والنضير كانا أخوين كالأوس والخزرج، فافترقوا فكانت النضير مع الخزرج وقريظة مع الأوس. فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه، فعيرتهم العرب وقالوا: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا، وقال آخرون: ليس الذين أخرجوهم فودوا ولكنهم قوم آخرون فعابهم الله عليه. أما قوله تعالى: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } ففي قوله: {وَهُوَ } وجهان، الأول: أنه ضمير القصة والشأن كأنه قيل والقصة محرم عليكم إخراجهم، الثاني: أنه كناية عن الإخراج أعيد ذكره توكيداً لأنه فصل بينهما بكلام فموضعه على هذا رفع كأنه قيل وإخراجهم محرم عليكم، ثم أعيد ذكر إخراجهم مبيناً للأول. أما قوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } فقد اختلف العلماء فيه على وجهين. أحدهما: أخراجهم كفر، وفداؤهم إيمان، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وابن جريج، ولم يذمهم على الفداء، وإنما ذمهم على المناقضة إذ أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم لا يقال هب أن ذلك الإخراج معصية، فلم سماها كفراً مع أنه ثبت أن العاصي لا يكفر، لأنا نقول لعلهم صرحوا أن ذلك الإخراج غير واجب مع أن صريح التوراة كان دالاً على وجوبه. وثالثهما: المراد منه التنبيه على أنهم في تمسكهم بنبوة موسى عليه السلام مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم مع أن الحجة في أمرهما على سواء يجري مجرى طريقة السلف منهم في أن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض والكل في الميثاق سواء. أما قوله تعالى: {إلا خزي في الحياة الدنيا} فأصل الخزي الذل والمقت. يقال: أخزاه الله، إذا مقته وأبعده، وقيل: أصله الاستحياء، فإذا قيل: أخزاه الله كأنه قيل: أوقعه موقعاً يستحيا منه، وبالجملة فالمراد منه الذم العظيم، واختلفوا في هذا الخزي على وجوه. أحدها: قال الحسن: المراد الجزية والصغار، وهو ضعيف لأنه لا دلالة على أن الجزية كانت ثابتة في شريعتهم، بل إن حملنا الآية على الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم صح هذا الوجه، لأن من جملة الخزي الواقع بأهل الذمة أخذ الجزية منهم. وثانيها: إخراج بني النضير من ديارهم، وقتل بني قريظة وسبي ذراريهم، وهذا إنما يصح لو حملنا الآية على الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم، وثالثها: وهو الأولى أن المراد منه الذم العظيم والتحقير البالغ من غير تخصيص ذلك ببعض الوجوه دون بعض والتنكير في قوله: «خزي» يدل على أن الذم واقع في النهاية العظمى. أما قوله: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدّ ٱلّعَذَابِ } ففيه سؤال وهو أن عذاب الدهرية الذين ينكرون الصانع يجب أن يكون أشد من عذاب اليهود، فكيف قال في حق اليهود: {يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدّ ٱلّعَذَابِ } والجواب: المراد منه أنه أشد من الخزي الحاصل في الدنيا، فلفظ «الأشد» وإن كان مطلقاً إلا أن المراد أشد من هذه الجهة. أما قوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وعاصم بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة، وجه الأول: البناء على أول الكلام، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض، ووجه الثاني: البناء على أنه آخر الكلام واختيار الخطاب لأن عليه الأكثر ولأنه أدل على المعنى لتغليب الخطاب على الغيبة إذا اجتمعا. المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة، لأن الغفلة إذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع أنه أقدر القادرين وصلت الحقوق لا محالة إلى مستحقيها.

القرطبي

تفسير : . قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ} «أنتم» في موضع رفع بالابتداء، ولا يعرب؛ لأنه مضمَر. وضُمت التاء من «أنتم» لأنها كانت مفتوحة إذا خاطبت واحداً مذكّراً، ومكسورة إذا خاطبت واحدة مؤنثة؛ فلما ثنّيت أو جمعت لم يبق إلا الضمة. {هَـٰؤُلاۤءِ} قال القُتَبِيّ: التقدير يا هؤلاء. قال النحاس: هذا خطأ على قول سيبويه، ولا يجوز هذا أقبل. وقال الزجاج: هؤلاء بمعنى الذين. و {تَقْتُلُونَ} داخل في الصلة؛ أي ثم أنتم الذين تقتلون. وقيل: «هؤلاء» رفع بالابتداء، و «أنتم» خبر مقدم، و «تقتلون» حال من أولاء. وقيل: «هؤلاء» نصب بإضمار أعني. وقرأ الزُّهْرِيّ «تُقَتِّلون» بضم التاء مشدّداً، وكذلك {أية : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَآءَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة:91]. وهذه الآية خطاب للمواجهين لا يحتمل ردّه إلى الأسلاف. نزلت في بني قَيْنُقاع وقُرَيظة والنَّضِير من اليهود؛ وكانت بنو قَيْنُقاع أعداء قُريظة، وكانت الأَوْس حلفاء بني قَيْنُقاع، والخَزْرج حلفاء بني قُريظة. والنَّضير والأوس والخزرج إخوان، وقريظة والنضير أيضاً إخوان، ثم ٱفترقوا فكانوا يقتتلون، ثم يرتفع الحرب فيفدون أساراهم؛ فعيّرهم الله بذلك فقال: «وَإنْ يأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ». قوله تعالى: {تَظَاهَرُونَ} معنى «تظاهرون» تتعاونون، مشتقّ من الظَّهر؛ لأن بعضهم يقوّي بعضاً فيكون له كالظهر؛ ومنه قول الشاعر:شعر : تظاهرتُم أسْتاه بيتٍ تجّمعت على واحد لا زِلْتُمُ قِرْنَ واحدِ تفسير : والإثم: الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم. والعدوان: الإفراط في الظلم والتجاوز فيه. وقرأ أهل المدينة وأهل مكة «تَظّاهرون» بالتشديد، يُدغمون التاء في الظاء لقربها منها؛ والأصل تتظاهرون. وقرأ الكوفيون «تَظَاهرون» مخفّفاً، حذفوا التاء الثانية لدلالة الأولى عليها؛ وكذا«أية : وَإنْ تَظَاهَرا عَلَيْهِ»تفسير : [التحريم: 4]. وقرأ قتادة «تَظْهرون عليهم» وكله راجع إلى معنى التعاون؛ ومنه: {أية : وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً }تفسير : [الفرقان: 55] وقوله: {أية : وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} تفسير : [التحريم: 4] فٱعلمه. قوله تعالى: {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ} شَرْط، وجوابه «تفادوهم» و «أُسارَى» نصب على الحال. قال أبو عبيد وكان أبو عمرو يقول: ما صار في أيديهم فهم الأسارى، وما جاء مستأسِراً فهم الأَسْرَى. ولاَ يعرف أهل اللغة ما قال أبو عمرو، إنما هو كما تقول: سَكارى وسَكْرى. وقراءة الجماعة «أُسارى» ما عدا حمزة فإنه قرأ «أَسْرَى» على فَعْلَى، جمع أسير بمعنى مأسور؛ والباب ـ في تكسيره إذا كان كذلك ـ فَعْلَى، كما تقول: قتيل وقتلى، وجريح وجرحى. قال أبو حاتم: ولا يجوز أَسَارى. وقال الزجاج: يقال أسارى كما يقال سَكارى، وفَعالى هو الأصل، وفُعَالَى داخلة عليها. وحُكي عن محمد بن يزيد قال: يقال أسير وأُسراء؛ كظريف وظُرفاء. قال ابن فارس: يقال في جمع أسير أسرى وأسارى؛ وقرىء بهما. وقيل: أَسارى (بفتح الهمزة) وليست بالعالية. الثانية: الأسير مشتق من الإسار، وهو القِدّ الذي يُشدّ به المحمل فسمِّيَ أسيراً؛ لأنه يشدّ وثاقه؛ والعرب تقول: قد أَسَرَ قَتَبه، أي شدّه؛ ثم سُمّيَ كل أَخِيذ أسيراً وإن لم يؤسر؛ وقال الأعشى:شعر : وَقَيّدني الشِّعرُ في بَيْتِهِ كما قَيّد الآسِراتُ الحِمارا تفسير : أي أنا في بيته؛ يريد بذلك بلوغه النهاية فيه. فأمّا الأَسْر في قوله عز وجل: {أية : وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ}تفسير : [الإنسان: 28] فهو الخَلْق. وأُسرة الرجل رهطه؛ لأنه يتقوّى بهم. الثالثة: قوله تعالى: {تُفَادُوهُمْ} كذا قرأ نافع وحمزة والكسائي. والباقون «تَفْدُوهم» من الفداء. والفداء: طلب الفِدية في الأسير الذي في أيديهم. قال الجوهري: «الفداء إذا كُسِر أوله يُمدّ ويقصر، وإذا فُتح فهو مقصور؛ يقال: قُمْ ـ فدًى لك أبي. ومن العرب من يكسر «فِداءً» بالتنوين إذا جاور لام الجر خاصة؛ فيقول: فِداءٍ لك، لأنه نكرة يريدون به معنى الدعاء. وأنشد الأصمعي للنابغة:شعر : مَهْلاً فِداءٍ لك الأقوامُ كلُّهمُ وما أُثمِّرُ من مالٍ ومن وَلَدِ تفسير : ويقال: فَداه وفاداه إذا أعطى فِداءه فأنقذه. وفَداه بنفسه، وفدّاه يُفَدّيه إذا قال جعلت فَداك. وتَفَادَوْا؛ أي فَدَى بعضهم بعضاً». والفِدية والفَدَى والفِداء كله بمعنىً واحد. وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئاً، بمعنى فديت؛ ومنه قول العباس للنبيّ صلى الله عليه وسلم: فاديتُ نفسي وفاديتُ عَقِيلاً. وهما فعلان يتعدّيان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف الجر؛ تقول: فديت نفسي بمالي وفاديته بمالي؛ قال الشاعر:شعر : قِفِي فادِي أسيرَكَ إن قومي وقومَك ما أرى لهمُ ٱجتماعَا تفسير : الرابعة: قوله تعالى: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} «هو» مبتدأ وهو كناية عن الإخراج، و «مُحَرّمٌ» خبره؛ و «إخراجُهم» بدل من «هو» وإن شئت كان كناية عن الحديث والقصة، الجملة التي بعده خبره؛ أي والأمر محرّم عليكم إخراجهم. فـ «ـإخراجهم» مبتدأ ثان. و «محرم» خبره، والجملة خبر عن «هو»؛ وفي «محرّم» ضمير ما لم يسم فاعله يعود على الإخراج. ويجوز أن يكون «محرمٌ» مبتدأ، و «إخراجهم» مفعول ما لم يُسَمّ فاعله يسدّ مسدّ خبر «محرم»، والجملة خبر عن «هو». وزعم الفراء أن «هو» عماد؛ وهذا عند البصريين خطأ لا معنى له؛ لأن العماد لا يكون في أول الكلام. ويُقرأ «وهْوَ» بسكون الهاء لثقل الضمة؛ كما قال الشاعر:شعر : فَهْو لا تَنْمِي رَمِّيتُه مالَه لا عُدّ مِن نَفَرِهْ تفسير : وكذلك إن جئت باللام وثم؛ وقد تقدم. قال علماؤنا: كان الله تعالى قد أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أساراهم؛ فأعرضوا عن كل ما أمِروا به إلا الفداء؛ فوبّخهم الله على ذلك توبيخاً يُتْلَى فقال: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ} وهو التوراة {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}!! قلت: ولَعَمْرُ الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن فتظاهر بعضنا على بعض! ليت بالمسلمين، بل بالكافرين! حتى تركنا إخواننا أذِّلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين؛ فلا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم!. قال علماؤنا: فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد. قال ٱبن خُوَيزِ مَنْداد: تضمّنت الآية وجوب فَكّ الأسرى، وبذلك وردت الآثار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه فكّ الأسارى وأمر بفكّهم، وجرى بذلك عمل المسلمين وٱنعقد به الإجماع. ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين؛ ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين. وسيأتي. الخامسة: قوله تعالى: {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ٱبتداء وخبر. والخِزْيُ الهوان. قال الجوهري: وخَزِيَ ـ بالكسر ـ يَخْزَى خِزْياً إذا ذَلّ وهان. قال ٱبن السكّيت: وقع في بلية. وأخزاه الله، وخَزِي أيضاً يَخْزَى خِزاية إذا ٱستحيا، فهو خَزْيان. وقوم خَزَايا وٱمرأة خَزْيا. السادسة: قوله تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ} «يردون» بالياء قراءة العامة، وقرأ الحسن «تردون» بالتاء على الخطاب. {إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تقدّم القول فيه، وكذلك: {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ} الآية؛ فلا معنى للإعادة. «يومَ» منصوب بـ «ـيُرَدُّون».

البيضاوي

تفسير : {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء } استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق والإقرار به والشهادة عليه. وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره على معنى أنتم بعد ذلك هؤلاء الناقصون، كقولك أنت ذلك الرجل الذي فعل كذا، نزل تغير الصفة منزلة تغير الذات، وعدهم باعتبار ما أسند إليهم حضوراً وباعتبار ما سيحكي عنهم غيباً. وقوله تعالى: {تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن دِيَـٰرِهِمْ } إما حال والعامل فيها معنى الإشارة، أو بيان لهذه الجملة. وقيل: هؤلاء تأكيد، والخبر هو الجملة. وقيل بمعنى الذين والجملة صلته والمجموع هو الخبر، وقرىء {تَقْتُلُونَ } على التكثير. {تَظَـٰهَرُونَ علَيْهِم بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوٰنِ } حال من فاعل تخرجون، أو من مفعوله، أو كليهما. والتظاهر التعاون من الظهر. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بحذف إحدى التاءين. وقرىء بإظهارها، وتظهرون بمعنى تتظهرون {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ } روي أن قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، فإذا اقتتلا عاون كل فريق حلفاءه في القتل وتخريب الديار وإجلاء أهلها، وإذا أسر أحد من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه. وقيل معناه: إن يأتوكم أسارى في أيدي الشياطين تتصدوا لإنقاذهم بالإرشاد والوعظ مع تضييعكم أنفسكم كقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ }. وقرأ حمزة {أَسْرَىٰ } وهو جمع أسير كجريح وجرحى، وأسارى جمعه كسكرى وسكارى. وقيل هو أيضاً جمع أسير، وكأنه شبه بالكسلان وجمع جمعه. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر «تفدوهم» {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } متعلق بقوله {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن دِيَـٰرِهِمْ }، وما بينهما اعتراض، والضمير للشأن، أو مبهم ويفسره إخراجهم، أو راجع إلى ما دل عليه تخرجون من المصدر. وإخراجهم بدل أو بيان {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ } يعني الفداء. {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} يعني حرمة المقاتلة والإجلاء. {فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } كقتل قريظة وسبيهم. وإجلاء بني النضير، وضرب الجزية على غيرهم. وأصل الخزي ذل يستحيا منه، ولذلك يستعمل في كل منهما. {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدّ ٱلّعَذَابِ } لأن عصيانهم أشد. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } تأكيد للوعيد، أي الله سبحانه وتعالى بالمرصاد لا يغفل عن أفعالهم. وقرأ عاصم في رواية المفضل، «تردون» على الخطاب لقوله {مّنكُمْ }. وابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر، وخلف ويعقوب «يعملون» على أن الضمير لمن.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ أَنتُمْ } يا {هَٰؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } يقتل بعضكم بعضاً {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن دِيَٰرِهِمْ تَظَٰهَرُونَ } فيه إدغام (التاء) في الأصل في (الظاء) وفي قراءة بالتخفيف على حذفها تتعاونون {علَيْهِم بِٱلإِثْمِ } بالمعصية {وَٱلْعُدْوَانِ } الظلم {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَٰرَىٰ } وفي قراءة( أسرى) {تُفْدوهم } وفي قراءة:( تفادوهم): تنقذوهم من الأسر بالمال أو غيره وهو مما عُهِدَ إليهم {وَهُوَ } أي الشأن {مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } متصل بقوله و(تخرجون) والجملة بينهما اعتراض أي كما حُرِمَ ترك الفداء، وكانت قريظةُ حالفوا الأوسَ والنضيرَ الخزرج فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه ويخرب ديارهم ويخرجهم فإذا أُسِرُوا فدوهم،كانوا إذا سئلوا لم تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: أُمرنا بالفداء فيقال فلم تقاتلونهم؟ فيقولون حياء أن تُسْتَذَلَّ حلفاؤنا؟ قال الله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ } وهو الفداء {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة؟{فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْىٌ } هوانٌ وذل {فِى ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا } وقد خزوا بقتل قريظة ونفي النضير إلى الشام وضرب الجزية {وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } بالياء والتاء.

ابن عطية

تفسير : {هؤلاء} دالة على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل رداً إلى الأسلاف، قيل: تقدير الكلام يا هؤلاء، فحذف حرف النداء، ولا يحسن حذفه عند سيبويه مع المبهمات، لا تقول هذا أقبل، وقيل تقديره أعني هؤلاء، وقيل {هؤلاء} بمعنى الذين، فالتقدير ثم أنتم الذين تقتلون، فـ {تقتلون} صلة {لهؤلاء}، ونحوه قال يزيد بن مفرغ الحميري. شعر : عدسْ ما لعبّاد عليك إمارة نجوت وهذا تحملين طليق تفسير : وقال الأستاذ الأجل أبو الحسن بن أحمد شيخنا رضي الله عنه: {هؤلاء} رفع بالابتداء و {أنتم} خبر مقدم، و {تقتلون} حال، بها تم المعنى، وهي كانت المقصود فهي غير مستغنى عنها، وإنما جاءت بعد أن تم الكلام في المسند والمسند إليه، كما تقول هذا زيد منطلقاً، وأنت قد قصدت الإخبار بانطلاقه لا الإخبار بأن هذا هو زيد. وهذه الآية خطاب لقريظة والنضير وبني قينقاع، وذلك أن النضير وقريظة حالفت الأوس، وبني قينقاع حالفت الخزرج، فكانوا إذا وقعت الحرب بين بني قيلة ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها فقتل بعضهم بعضاً وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرى بعض اتباعاً لحكم التوراة وهم قد خالفوها بالقتال والإخراج، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "تُقتِّلون" بضم التاء الأولى وكسر الثانية وشدّها على المبالغة، والديار مباني الإقامة، وقال الخليل: محلة القوم دارهم، وقرأ حمزة وعاصم والسكائي " تظاهرون" بتخفيف الظاء وهذا على حذف التاء الثانية من تتظاهرون، وقرأ بقية السبعة "تظَّاهرون" بشد الظاء على إدغام التاء في الظاء، وقرأ أبو حيوة "تُظهِرون" بضم التاء وكسر الهاء، وقرأ مجاهد وقتادة "تَظَّهَرَّون" بفتح التاء وشد الظاء والهاء مفتوحة دون ألف، ورويت هذه عن أبي عمرو، ومعنى ذلك على كل قراءة تتعاونون، وهو مأخوذ من الظهر، كأن المتظاهريْن يسند كل واحد منهما ظهره إلى صاحبه، والإثم العهد الراتبة على العبد من المعاصي، والمعنى بمكتسبات الإثم، {والعدوان} تجاوز الحدود والظلم، وحسن لفظ الإتيان من حيث هو في مقابلة الإخراج فيظهر التضاد المقبح لفعلهم في الإخراج، وقرأ حمزة "أسرى تفدوهم"، وقرأ نافع وعاصم والكسائي "أسارى تفادوهم"، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير "أسارى تفدوهم"، وقرأ قوم "أسرى تفادوهم". و {أسارى} جمع أسير، والأسير مأخوذ من الأسر وهو الشد، سمي بذلك لأنه يؤسر أي يشد وثاقاً، ثم كثر استعماله حتى لزم وإن لم يكن ثم ربط ولا شد، وأسير فعيل بمعنى مفعول، ولا يجمع بواو ونون وإنما يكسر على أسرى وأسارى، والأقيس فيه أسرى، لأن فعيلاً بمعنى مفعول الأصل فيه أن يجمع على فعلى، كقتلى وجرحى، والأصل في فعلان أن يجمع على "فَعالى" بفتح الفاء و"فُعالى" بضمها كسكران وكسلان وسُكَارى وكُسَالى، قال سيبويه: فقالوا في جمع كسلان كسْلى، شبّهوه بأسرى كما قالوا {أسارى} شبهوه بكسالى، ووجه الشبه أن الأسر يدخل على المرء مكرهاً كما يدخل الكسل، وفعالى إنما يجيء فيما كان آفة تدخل على المرء. و {تفَادوهم} معناه في اللغة تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئاً، قاله أبو علي، قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفاديت نفسي إذا أطلقتها بعد أن دفعت شيئاً، فعلى هذا قد تجيء بمعنى فديت أي دفعت فيه من مال نفسي، ومنه قول العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: أعطني فإني فاديت نفسي، وفاديت عقيلاً، وهما فعلان يتعديان إلى مفعولين الثاني منهما بحرف جر، تقول: فديت زيداً بمال وفاديته بمال، وقال قوم: هي في قراءة تفادوهم مفاعلة في أسرى بأسرى، قال أبو علي: كل واحد من الفريقين فعل، الأسر دفع الأسير، والمأسور منه دفع أيضاً إما أسيراً وإما غيره، والمفعول الثاني محذوف. وقوله تعالى: {وهو محرم} قيل في {هو} إنه ضمير الأمر، تقديره والأمر محرم عليكم، و {إخراجهم} في هذا القول بدل من {هو}، وقيل {هو} فاصلة، وهذا مذهب الكوفيين، وليست هنا بالتي هي عماد، و {محرم} على هذا ابتداء، و {إخراجهم} خبره، وقيل هو الضمير المقدر في {محرم} قدم وأظهر، وقيل هو ضمير الإخراج تقديره وإخراجهم محرم عليكم. وقوله تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب} يعني التوراة، والذي آمنوا به فداء الأسارى، والذي كفروا به قتل بعضهم بعضاً وإخراجهم من ديارهم، وهذا توبيخ لهم، وبيان لقبح فعلهم. وروي أن عبد الله بن سلام مرّ على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء من لم تقع عليه العرب ولا يفادي من وقع عليه، فقال له ابن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن. ثم توعدهم عز وجل: والخزي: الفضيحة والعقوبة، يقال: خزي الرجل يخزى خزياً إذا ذل من الفضحية، وخزي يخزى خزاية إذا ذل واستحيا. واختلف ما المراد بالخزي ها هنا فقيل: القصاص فيمن قتل، وقيل ضرب الجزية عليهم غابر الدهر، وقيل قتل قريظة، وإجلاء النضير، وقيل: الخزي الذي توعد به الأمة وهو غلبة العدو. والدنيا مأخوذة من دنا يدنو، وأصل الياء فيها واو ولكن أبدلت فرقاً بين الأسماء والصفات. وأشد العذاب الخلود في جهنم، وقرأ الحسن وابن هرمز "تردون" بتاء. وقوله تعالى: {وما الله بغافل} الآية، فرأ نافع وابن كثير "يعملون" بياء على ذكر الغائب فالخطاب بالآية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والآية واعظة لهم بالمعنى إذ الله تعالى بالمرصاد لكل كافر وعاص، وقرأ الباقون بتاء على الخطاب المحتمل أن يكون في سرد الآية وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن بني إسرائيل قد مضوا وأنتم الذين تعنون بهذا يا أمة محمد، يريد: وبما يجري مجراه.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَظَاهَرُونَ} تتعاونون. {الإِثْمِ} الفعل الذي يستحق عليه الذم. {العدوان} مجاوزة الحق، أو الإفراط في الظلم. {أُسَارَى} أَسري جمع أسير، وأُساري جمع أَسرى، أو الأُساري: الذين في الوثاق، والأَسرى: الذين في اليد وإن لم يكونوا في وَثاق، قاله ابن العلاء.

الخازن

تفسير : {ثم أنتم هؤلاء} يعني يا هؤلاء اليهود {تقتلون أنفسكم}أي يقتل بعضكم بعضاً {وتخرجون فريقاً منكم من دياركم} أي يخرج بعضكم بعضاً من ديارهم {تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان} أي تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم {وإن يأتوكم أسارى} جمع أسير {تفادوهم} أي بالمال وهو استنقاذهم بالشراء، وقرئ تفادوهم أي تبادلوهم وهو مفاداة الأسير بالأسير، ومعنى الآية أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة ان لا يقتل بعضهم بعضاً. ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وأيما عبد أو أمة من بني إسرائيل وجدتموه فاشتروه بما قام من ثمنه، وأعتقوه وكانت قريظة حلفاء الأوس والنضير حلفاء الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حروب فكانت بنو النضير تقاتل مع حلفائهم وبنو قريظة تقاتل مع حلفائهم فإذا غلب أحد الفريقين أخرجوهم من ديارهم وخربوها. وكان إذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له مالاً يفدونه به فعيرتهم العرب. وقالوا: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟ فقالوا: إنا أمرنا أن نفديهم فقالوا: كيف تقاتلونهم؟ فقالوا: إنا نستحي أن تذل حلفاؤنا فعيرهم الله تعالى فقال: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} وفي الآية تقديم وتأخير تقديره وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان {وهو محرم عليكم إخراجهم} وإن يأتوكم أسارى تفدوهم فكان الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهر مع أعدائهم وفك أسراهم فأعرضوا عن الكل إلا الفداء قال الله عز وجل: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} معناه إن وجدتموهم في يد غيركم فديتموهم وأنتم تقتلونهم بأيديكم فكان إيمانهم الفداء وكفرهم قتل بعضهم بعضاً فذمهم على مناقضة أفعالهم لا على الفداء لأنهم أتوا ببعض ما وجب عليهم وتركوا البعض {فما جزاء من يفعل ذلك منكم} يعني يا معشر اليهود {إلا خزي في الحياة الدنيا} أي عذاب وهوان فكان خزي بني قريظة القتل والسبي وخزي بني النضير الإجلاء والنفي من منازلهم إلى أريحاء وأذرعات من أرض الشام {ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} يعني عذاب النار {وما الله بغافل عما تعملون} فيه وعيد وتهديد عظيم.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {بِٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ} يحتمل أن يكون الإثم هو مواقعة الذنب خطأ من غير قصد، والعدوان مواقعة (الذنب عن قصد). قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ...} أنكر عليهم تناقضهم كما هو في قول الله عز وجل {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} تفسير : ليس المنكر كل واحد (من الأمرين) على حدته، لأن الإيمان (بالبعض) وأمر الناس بالبر غير منكر، إنما المنكر (الكفر) بالبعض (وعدم) الاتصاف بالبر، والمنكر (الجمع بين) الأمرين. وعبر بالفعل المضارع للتصوير والدوام. قيل لابن عرفة: في الآية حجة لمن يقول بوجوب فِدَاء الأسارى لقوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ} بعد أن قالوا: {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ} فدل على أن (فداء) الأسارى (من جملة) ما في كتابهم. فإذا قلنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا، نقول: إن الفداء في شرعنا واجب؟ (فقال: نعم). قوله تعالى: {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ...} ولم يقل: من فعل. قال ابن عرفة: في التعبير بالمضارع ترج وإطماع لهم في العفو، (لأن) من فعل ذلك في الماضي وتاب لا يجازى بالخزي، إنما يجازى به من لم يتب. قوله تعالى: {يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ...} إن قلت: (الرد) يقتضي تقدم الحلول في المردود إليه؟ قلنا: هؤلاء كانوا فيما هو من جنس ذلك العذاب لأن العذاب نالهم في الدنيا. قال الله تعالى: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} تفسير : فإن قلت: كيف هو أشد وعذاب المنافقين أشد وعذاب الدهرية أشد لنفيهم الصانع؟ قلنا: الأشديّة مقولة بالتشكيك، أو المراد أشد العذاب الّذي علم الله حلوله بهم في الدنيا والآخرة، فلا ينافي أن يحل بغيرهم ما هو أشد منه. فعذاب الدهرية أشد، وعذاب المجوس أشد، وكان بعضهم يقول: إن الدهرية لم يدّعوا نفي وجود الصّانع إنّما قالوا: {أية : وَمَا يُهْلِكُنَآ إلاّ ٱلدَّهْرُ} تفسير : فادّعوا أن لهم خالقا أوجدهم فقط، أو (يقال): قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ }. تفسير : لم يعين أنه أسفل الطبقات نصا فالمراد أنه أسفل من غيره بالإطلاق فيصدق بكونه أسفل من طبقة (ما منها). قلت: الآية خرجت مخرج الذم للمنافقين و"الدَّرْكِ" معرّف بالألف واللام العهدية، والمعهود (هنا) في الأسفل إنما هو ما بلغ الغاية في الانخفاض لا سيما إن قلنا: (الأصح) الأخذ بأواخر الأشياء. قيل لابن عرفة: ظاهر الآية أنّ من كفر بالجميع عذابه أخف من عذاب من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه مع أن كفر الأول أشد؟ فأجاب: بأن الإيمان بالبعض دليل على حصول (العلم) وكفر العالم أشد من كفر الجاهل. قلنا: أو يجاب بأن (عذاب) الجميع (متساو) فيصدق على كل فريق أن عذابه أشد، وهم مستوون في الأشدية، أو المراد أشد العذاب المعهود في الدنيا، لأن عذاب الدنيا على أنواع: (منها) الضَّرب والسجن، وأشدها عذابا النّار أي يردون إلى عذاب النار.

ابو السعود

تفسير : {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاءِ} خطابٌ خاصٌّ بالحاضرين فيه توبـيخ شديدٌ واستبعادٌ قويٌّ لما ارتكبوه بعد ما كان من الميثاق والإقرارِ به والشهادةِ عليه، وأنتم مبتدأ هؤلاءِ خبرُه، ومَناطُ الإفادةِ اختلافُ الصفاتِ المنزَّلةِ منزلةَ اختلافِ الذات، والمعنى أنتم بعد ذلك هؤلاءِ المشاهِدون الناقضون المتناقضون حسبما تُعربُ عنه الجملُ الآتية، فإن قوله عز وجل: {تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} الخ بـيانٌ له وتفصيلٌ لأحوالهم المُنْكَرة المندرجةِ تحت الإشارةِ ضمناً كأنهم قالوا: كيف نحن؟ فقيل: تقتُلون أنفسَكم أي الجارين مَجرى أنفسِكم كما أشير إليه، وقرىء تُقتّلون بالتشديد للتكثير {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم} الضمير إما للمخاطبـين والمضافُ محذوفٌ أي من أنفسكم، وإما للمقتولين والخطابُ باعتبار أنهم جُعلوا أنفُسَ المخاطَبـين، وإلا فلا يتحقق التكافُؤُ بـين المقتولين والمخرجين في ذلك العنوان الذي عليه يدور فلَكُ المبالغة في تأكيد الميثاقِ حسبما نُصَّ عليه، ولا يظهر كمالُ قباحةِ جناياتِهم في نقضه {مِن دِيَـٰرِهِم} الضمير للفريق، وإيثارُ الغَيْبة مع جواز الخِطاب أيضاً - بناءً على اعتبار العنوان المذكورِ كما مر في الميثاق - للاحتراز عن توهّم كونِ المرادِ إخراجَهم من ديار المخاطَبـين من حيث هي ديارُهم لا من حيث هي ديارُ المخرِجين، وقيل: هؤلاءِ موصولٌ والجملتان في حيّز الصلةِ، والمجموعُ هو الخبرُ لأنتم {تَظَـٰهَرُونَ علَيْهِم} بحذف إحدى التاءين، وقرىء بإثباتهما وبالإدغام وتظّهرون بطرح إحدى التاءين من تتظهرون ومعنى الكل تتعاونون وهي حالٌ من فاعل تَخرجون أو من مفعوله أو منهما جميعاً، مبـينةٌ لكيفية الإخراج دافعةٌ لتوهم اختصاصِ الحُرمة بالإخراج بطريق الأصالةِ والاستقلالِ، دون المظاهرةِ والمعاونة {بِٱلإثْمِ} متعلقٌ بتظاهرون حال من فاعله أي متلبسين بالإثم وهو الفعلُ الذي يستحق فاعلُه الذمَّ واللومَ، وقيل: وهو ما ينفِرُ عنه النفسُ ولا يطمئن إليه القلب{وَٱلْعُدْوَانِ} وهو التجاوزُ في الظلم {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ} جمعُ أسير وهو من يؤخذ قهراً، فعيل بمعنى مفعول من الأسر أي الشدّ أو جمعُ أَسْرىٰ وهو جمع أسير كجرحىٰ وجريح، وقد قرىء أسْرى، ومحله النصبُ على الحالية {تُفَـٰدُوهُمْ} أي تخرجوهم من الأسر، بإعطاء الفداء وقرىء تَفْدوهم. قال السدي إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيلَ في التوراة الميثاقَ أن لا يقتُلَ بعضُهم بعضاً ولا يُخرجَ بعضُهم بعضاً من ديارهم وأيُّما عبدٍ أو أمةٍ وجدتموه من بني إسرائيلَ فاشترُوه وأعتِقوه، وكانت قريظةُ حلفاءَ الأوسِ والنضيرُ حلفاءَ الخزرج حتى كان بـينهما ما كان من العداوة والشَنَآن، فكان كلُّ فريقٍ يقاتل مع حُلفائه فإذا غَلَبوا خرَّبوا ديارَهم وأخرجوهم منها، ثم إذا أُسر رجل من الفريقين جمعوا له مالاً فيَفُدونه، فعيَّرتهم العربُ وقالت: كيف تقاتلونهم ثم تَفْدونهم؟ فيقولون: أُمرنا أن نفديَهم وحُرِّم علينا قتالُهم، ولكن نستحْيـي أن نُذِلَّ حلفاءَنا، فذمهم الله تعالى على المناقضة {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} ضميرُ الشأن وقع مبتدأ ومحرمٌ فيه ضمير قائم مقامَ الفاعلِ وقع خبراً عن إخراجهم والجملة خبرٌ لضمير الشأن، وقيل: محرَّمٌ خبرٌ لضمير الشأن وإخراجُهم مرفوع على أنه مفعولُ ما لم يُسمَّ فاعلُه، وقيل: الضميرُ مُبهم يفسّره إخراجهم، أو راجعٌ إلى ما يدل عليه تُخرجون من المصدر، وإخراجُهم تأكيدٌ أو بـيانٌ، والجملةُ حالٌ من الضمير في تخرجون أو من فريقاً أو منهما كما مر بعد اعتبار القيد بالحال السابقة، وتخصيصُ بـيان الحرمةِ ههنا بالإخراج مع كونه قريناً للقتل عند أخذ الميثاقِ لكونه مِظنّةً للمساهلة في أمره بسبب قِلة خَطَره بالنسبة إلى القتل، ولأن مساقَ الكلام لذمّهم وتوبـيخِهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم معاً، وذلك مختصٌّ بصورة الإخراجِ حيث لم يُنقلْ عنهم تدارُك القتلى بشيءٍ من دِيَةِ أو قِصاصٍ - هو السر في تخصيص التظاهرِ به فيما سبق، وأما تأخيرُه من الشرطية المعترضةِ مع أن حقه التقديمُ كما ذكره الواحدي فلأن نظْمَ أفاعيلِهم المتناقضةِ في سَمْطٍ واحدٍ من الذكر أدخَلُ في إظهار بطلانها {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ} أي التوراة التي أُخذ فيها الميثاقُ المذكور، والهمزةُ للإنكار التوبـيخيّ والفاءُ للعطف على مقدّر يستدعيه المقامُ أي أتفعلون ذلك فتؤمنون ببعض الكتاب وهو المفاداة، {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} وهو حرمةُ القتالِ والإخراج مع أن مِن قضية الإيمان ببعضه الإيمانُ بالباقي لكون الكلِّ من عند الله تعالى داخلاً في الميثاق، فمناطُ التوبـيخ كفرُهم بالبعض مع إيمانهم بالبعض حسبما يفيده ترتيبُ النظمِ الكريم، فإن التقديمَ يستدعي في المقام الخطابـي أصالةَ المقدَّم وتقدُّمَه بوجهٍ من الوجوه حتماً، وإذ ليس ذلك ههنا باعتبار الإنكارِ والتوبـيخ عليه وهو باعتبار الوقوعِ قطعاً لا إيمانُهم بالبعض مع كفرهم بالبعض كما هو المفهومُ لو قيل: أفتكفرون ببعض الكتاب وتؤمنون ببعض؟ ولا مجردُ كفرِهم بالبعض، وإيمانِهم بالبعض كما يفيده أن يقال: أفتَجْمعون بـين الإيمان ببعض الكتابِ والكفرِ ببعضٍ أو بالعكس! {فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ} ما نافية و(مَنْ) إن جُعلت موصولةً فلا محلَّ ليفعلُ من الإعراب وإن جعلت موصوفةً فمحله الجر على أنه صفتُها، وذلك إشارةٌ إلى الكفر ببعض الكتاب مع الإيمان ببعضٍ أو إلى ما فعلوا من القتل والإجلاء مع مُفاداةِ الأُسارىٰ {مّنكُمْ} حالٌ من فاعل يفعل {إِلاَّ خِزْىٌ} استثناءٌ مُفرَّغٌ وقع خبراً للمبتدأ، والخزيُ الذلُّ والهوانُ مع الفضيحة، والتنكيرُ للتفخيم، وهو قتلُ بني قُرَيظةَ وإجلاءُ بني النَّضير إلى أذْرِعاتَ وأريحاءَ من الشام وقيل: الجزية {فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} في حيز الرفع على أنه صفةُ خزيٌ أي خزيٌ كائن في الحياة الدنيا أو في حيز النصب على أنه ظرفُ الخزي، ولعل بـيانَ جزائِهم بطريق القصر على ما ذكر لقطع أطماعِهم الفارغةِ من ثمرات إيمانهم ببعض الكتاب وإظهارِ أنه لا أثرَ له أصلاً مع الكفر ببعض {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ} وقرىء بالتاء، أوثرَ صيغةُ الجمع نظراً إلى المعنى (مَنْ) بعد ما أوثِرَ الإفرادُ نظراً إلى لفظها لما أن الردَّ إنما يكون بالاجتماع {إِلَىٰ أَشَدّ ٱلّعَذَابِ} لما أن معصيتَهم أشدُّ المعاصي وقيل: أشدُّ العذاب بالنسبة إلى ما لهم في الدنيا من الخزي والصَّغار، وإنما غُيّر سبكُ النظمِ الكريم حيث لم يقُلْ مثلاً وأشدُّ العذاب يوم القيامة للإيذان بكمال التنافي بـين جزاءَي النشأتين وتقديم يوم القيامة على ذكر ما يقع فيه لتهويل الخطبِ وتفظيعِ الحال من أول الأمر، {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} من القبائح التي من جملتها هذا المنكَرُ. وقرىء بالياء على نهج (يُردّون) وهو تأكيد للوعيد.

السلمي

تفسير : قال تعالى: {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ} [الآية: 85]. قال أبو عثمان: وإن يأتوكم غرقى فى رؤية أفعالهم تُنقذوهم من ذلك برؤية المنن. قال الجنيد رحمه الله: وإن يأتوكم أسارى فى أسباب الدنيا تُنقذُوهم إلى قطع العلائق والأسباب فإن الحق أبى أن يتجلى لقلبٍ متعلقٍ بشىء. وقال بعض البغداديين: وإن يأتوكم أسارى فى صفاتهم ونعوتهم تُفادُوهم أى تخلوا عنهم وثاقَ صفاتهم بصفات الحقّ ونُعوتهِ.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. ... أضرابكم وقرنائكم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، الإشارة فيه أن نصرتكم لإخوانكم على ما فيه بلاؤهم نصرة عليهم بما فيه شقاؤهم، فالأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو. قوله جلّ ذكره: {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}. أي كما تراعون - بالفداء عنهم - حقوقهم، فكذلك يُفْتَرَضُ عليكم كَفُّ أيديكم عنهم، وتَرْكُ إزعاجهم عن أوطانهم، فإذا قُمتم ببعض ما يجب عليكم فما الذي يقعدكم عن الباقي، حتى تقوموا به كما أُمِرْتُم؟ أما علمتم أن مَنْ فَرّقَ بين ما أُمِرَ به فآمن ببعضٍ وكَفَرَ ببعضٍ فقط حبط - بما ضيَّعه - أجرُ ما عَمِلَهُ. قوله جلّ ذكره: {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. أي ظنوا أن ما فعلوه نَفَعهم، فانكشف لهم في الآخرة أن جميع ما فعلوه - لمَّا مزجوه بالآفات وجرَّدُوه عن الصدق والإخلاص - غيرُ مقبولٍ منهم. والأُسَرَاء أصناف: فَمِنْ أسير غَرِقَ في بحار الهوى فإنقاذُه بأن تدلَّه على الهُدَى. ومِنْ أسيرٍ بقي في أيدي الوساوس فافتداؤه أن ترشده إلى اليقين بلوائح البراهين لتنقذَه من الشك والتخمين، وتخرجه عن ظلمات التقليد فيما تقوده إلى اليقين. ومن أسيرٍ تجده في أسر هواجسه استأسرته غاغة نفسه، فَفَكُّ أسْرهِ بأن تدلَّه على شهود المِنن، بِتَبَرِّيه عن حسبانِ كلِّ حَوْلٍ بِخلْقٍ وغَيْر. ومن أسيرٍ تجده في ربيطة ذاته ففكُّ أسره إنشاده إلى إقلاعه، وإنجاده على ارتداعه. ومن أسير تجده في أسر صفاته فَفَكُّ أسْرِه أن تدله على الحق بما يحل عليه من وثائق الكون، ومن أسيرٍ تجده في قبضة الحق فتخبره أنه ليس لأسرائهم فداء، ولا لقتلاهم عَوْد، ولا لربيطهم خلاص، ولا عنهم بُدُّ، ولا إليهم سبيل، ولا مِنْ دونهم حيلة، ولا معَ سِواهم راحة، ولا لحكمهم رَدُّ.

البقلي

تفسير : {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ} اى ان يأتوكم اسارى الشوق وسكارى العشق ترحمتموهم باصواتٍ شجية واقوالٍ مرفقة تقدوهم برؤية الصفات وتشغلونهم عن رؤية الايات وايضاً ان يأتوكم اسارى تنكرة تفدوهم بشواند المعرفة وايضاً ان يأتوكم اسارى تنكرة تفدوهم بشواهد المعرفة وايضاً ان يأتوكم من غيوبات القولب تفدوهم برؤية انوار الغيوب وقال ابو عثمن وان يأتوكم غَرقى في بحر الذنوب تدلوهم على طريق التوبة وقال الواسطى ان غَرَّتهم رؤية افعالهم تنقذوهم من ذلك برؤية المنَنْ وقال الجنيد وان يأتوكم اسارى في اسباب الدّنيا تنقذوهم الى قطع العلائق والاسباب فان الحق ابى ان يتجلى نقلب متعلّق بسببٍ وقال بعض البغداديين وان ياتوكم اسارى في صفاتهم ونعوتهم تفادوهم اى تخلوا عنهم وثاق صفاتهم بصفات الحق ونوته قوله تعالى حاليً عنهم قالوا قلوبنا غلف اى مسدودة بعوارض البشريات محجوبة عن فهم الايات والمعجزات وايضاً قلوبنا فى فرج اصابع القهريات محجوبة عن لطائق الازليّات وقيل حُرِم قسم السعادة بها في الازل.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم أنتم} مبتدأ {هؤلاء} خبر ومناط الافادة اختلاف الصفات المنزل منزلة اختلاف الذات كما تقول رجعت بغير الوجه الذى خرجت به والمعنى انتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون والناقضون المتناقضون يعنى انكم قوم آخرون غير اولئك المقرين كأنهم قالوا كيف نحن فقيل {تقتلون انفسكم} اى الجارين مجرى انفسكم فهو بيان لقوله ثم انتم هؤلاء {وتخرجون فريقا منكم من ديارهم} الضمير للفريق وهو الطائفة {تظاهرون عليهم} بحذف احدى التاءين حال من فاعل تخرجون او من مفعوله مبينة لكيفية الاخراج رافعة لتوهم اختصاص الحرمة بالاخراج بطريق الاصالة والاستقلال دون المظاهرة والمعنى تقوون ظهوركم للغلبة عليهم {بالاثم} حال من فاعل تظاهرون اى ملتبسين بالاثم وهو الفعل الذى يستحق فاعله الذم واللوم {والعدوان} اى التجاوز فى الظلم. ودلت الآية على ان الظلم كما هو محرم فكذا اعانة الظالم على ظلمه كذا فى التفسير الكبير {وإن يأتوكم أسارى} اى جاؤكم حال كونهم مأسورين اى ظهروا لكم على هذه الحالة ولم يرد به الاتيان الاختيارى والاسارى والاسرى جمع اسير وهو من يؤخذ قهرا فعيل بمعنى المفعول من الاسر بمعنى الشد والايثاق والفرق انهم اذا قيدوا فهم اسارى واذا حصلوا فى اليد من غير قيد فهم اسرى {تفادوهم} اى تخرجوهم من الاسر باعطاء الفداء والمفاداة تجرى بين الفادى وبين قابل الفداء {وهو} مبتدأ اى الشان {محرم عليكم اخراجهم} محرم فيه ضمير قائم مقام الفاعل وقع خبرا عن اخراجهم والجملة خبر لضمير الشان وذلك ان الله تعالى اخذ على بنى اسرائيل فى التوراة ان لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وايما عبد او امة وجدتموه من بنى اسرائيل فاشتروه واعتقوه وكان قريظة والنضير من اليهود اخوين وكذا الاوس والخزرج وهم اهل شرك يعبدون الاصنام ولا يعرفون القيامة والجنة والنار والحلال والحرام فافترقوا فى حرب شمر ووقعت بينهم عداوة فكانت بنو قريظة معينة للاوس وحلفاءهم اى ناصريهم والنضير معينة للخزرج وحلفاءهم فكانوا اذا كانت بين الاوس والخزرج حرب خرجت بنو قريظة مع الاوس والنضير مع الخزرج يظاهر كل قوم حلفاءهم على اخوانهم حتى يتسافكوا الدماء واذا غلبوا خربوا ديارهم واخرجوهم منها وبايديهم التوراة يعرفون ما فيها مما عليهم وما لهم فاذا وضعت الحرب اوزارها افتدى قريظة ما كان فى ايدى الخزرج منهم وافتدى النضير ما كان فى ايدى الاوس منهم من الاسارى فعيرتهم العرب بذلك وقالوا كيف تقاتلونهم وتفدونهم فقالوا امرنا ان نفديهم وحرم علينا قتالهم قالوا فلم تقاتلونهم قالوا انا نستحيى ان يستذل حلفاؤنا فذمهم على المناقضة وتلخيصه اعرضتم عن الكل الا الفداء لان الله تعالى اخذ عليهم اربعة عهود ترك القتل وترك الاخراج وترك المظاهرة عليهم مع اعداهم وفداء اساراهم فاعرضوا عن الكل الا الفداء {أفتؤمنون ببعض الكتاب} وهو الفداء والهمزة للانكار التوبيخيى والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام اى أتفعلون ذلك فتؤمنون ببعض الكتاب {وتكفرون ببعض} هو حرمة القتال والاخراج مع ان قضية الايمان ببعضه الايمان بالباقى لكون الكل من عند الله داخلا فى الميثاق فمناط التوبيخ كفرهم بالبعض مع ايمانهم بالبعض {فما جزاء} نفى اى ليس جزاء {من يفعل ذلك} اى الكفر ببعض الكتاب مع الايمان بالبعض {منكم} يا معشر اليهود حال من فاعل يفعل {إلا خزى} استثناء مفرغ وقع خبرا للمبتدأ اى ذل وهو ان مع الفضيحة وهو قتل بنى قريظة واسرهم واجلاء بنى النضير الى اذرعات واريحا من الشام وقيل هو اخذ الجزية {فى الحيوة الدنيا} صفة خزى ولعل بيان جزائهم بطريق القصر على ما ذكر لقطع اطماعهم الفارغة من ثمرات ايمانهم ببعض الكتاب واظهار انه لا اثر له اصلا مع الكفر بالبعض {ويوم القيامة} يوم تقام فيه الاجزية {يردون} اى يرجعون والرد الرجع بعد الاخذ {إلى أشد العذاب} هو التعذيب فى جهنم وهو اشد من خزيهم فى الدنيا واشد من كل عذاب كان قبله فانه ينقطع وهذا لا ينقطع وفى الحديث "حديث : فضوح الدنيا اهون من فضوح الآخرة" تفسير : وانما كان اشد لما ان معصيتهم كانت اشد المعاصى: وفى المثنوى شعر : هركه ظالم تر جهش باهول تر عدل فرموده است بدتررا بتر تفسير : {وما الله بغافل} بساه {عما تعملون} من القبائح التى من جملتها هذا المنكر اى لا يخفى عليه شىء من اعمالهم فيجازيهم بها يوم البعث تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة لان الغفلة اذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع انه اقدر القادرين وصلت الحقوق الى مستحقيها.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ اهل الكوفة تظاهرون ها هنا، وفي التحريم بتخفيف الظاء. الباقون بالتشديد فيهما. وقرأ حمزة "أسرى" بفتح الهمزة، وسكون السين بغير الف بعدها. وقرأ اهل المدينة، وعاصم، والكسائي ويعقوب (تفادوهم) بضم التاء وبألف. وقوله {ثم أنتم هؤلاء} يحتمل وجهين: احدهما ـ ان يكون اريد به ثم انتم يا هؤلاء فترك يا استغناء، لدلالة الكلام عليه: كما قال {أية : يوسف أعرض عن هذا} تفسير : ومعنى الكلام ثم انتم يا معشر يهود بني اسرائيل بعد اقراركم بالميثاق الذي اخذته عليكم: ألاّ تسفكوا دماءكم، ولا تخرجوا انفسكم من دياركم، وبعد شهادتكم على انفسكم بذلك انه حق لازم لكم الوفاء به تقتلون انفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم متعاونين عليهم في اخراجكم اياهم بالاثم، والعدوان. والتعاون هو التظاهر، وانما قيل للتعاون: التظاهر، لتقوية بعضهم ظهر بعض. فهو تفاعل من الظهر. هو مساندة بعضهم ظهره إلى ظهر بعض. قال الشاعر: شعر : تظاهرتم اشباه نيب تجمعت على واحد لازلتم قرن واحد تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه }تفسير : وقوله {أية : والملائكة بعد ذلك ظهير } تفسير : وقوله: {أية : ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } تفسير : وقوله: {أية : سحران تظاهرا } تفسير : وقوله: {أية : وكان الكافر على ربه ظهيرا} تفسير : ويقال: اتخذ معك نفراً ونفرين ظهيرين يعني عدة، والوجه الآخر أن يكون معناه: ثم انتم القوم تقتلون انفسكم فيرجع إلى الخبر عن {أنتم} وقد اعترض بينهم وبين الخبر عنهم {هؤلاء} كما تقول العرب: انا ذا أقوم، وانا ذا أجلس. ولو قيل أنا هذا يجلس لكان صحيحاً. وكذلك انت ذاك تقوم، وقال بعض النحويين: ان هؤلاء [في] قوله: {ثم أنتم هؤلاء} تنبيه، وتوكيد لانتم. وزعم أن انتم: وان كان كناية عن اسماء جميع المخاطبين فانما جازان يؤكد بهؤلاء. وأولاء يكنى بها عن المخاطبين كما قال خُفاف بن ندبة: شعر : اقول له والرمح يأطر متنه تبيّن خفافا انني انا ذلكا تفسير : يريد انا هو، وكما قال {أية : حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة}. تفسير : والاثم قيل معناه: هو ما تنفر منه النفس ولم يطمئن اليه القلب. ومنه قول النبي (صلى الله عليه وسلم) لنواس بن سمعان، حين سأله عن البر والاثم، فقال (صلى الله عليه وسلم): البر ما اطمأنت اليه نفسك والاثم ما حك في صدرك. وقال قوم: معنى الاثم ما يستحق عليه الذم، وهو الاصح. والعدوان مجاوزة الحق. وقال قوم: هو الافراط في الظلم. واسرى جمع اسير واسارى جمع اسرى. كما قالوا: مريض ومرضى وجريح وجرحى وكسير وكسرى. هذا قول المفضل بن سلمة قال ابو عمرو بن العلاء: الاسارى هم الذين في الوثاق والاسرى الذين في اليد. وان لم يكونوا في الوثاق. ومعنى تفادوهم أو تفدوهم: طلب الفدية من الاسير الذي في ايديهم من اعدائهم قال الشاعر: شعر : قفي فادي اسيرك إن قومي وقومك ما أرى لهم اجتماعا تفسير : وكان هذا محرما عليهم ـ وان كان مباحا لنا ـ فذكر الله تعالى توبيخا لهم في فعل ما حرم عليهم. وقال آخرون: انه افتداء الاسير منهم اذا اسره اعداؤهم. وهذا مدح لهم ذكره من بعد ذمهم انهم خالفوه في سفك الدماء، وتابعوه في افتداء الاسرى استشهاداً على هذا الباطل بقوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} وقال قوم: الفرق بين تفدوهم وتفادوهم، ان تفدوهم هو افتكاك بمال وتفادوهم هو افتكاك الاسرى بالأسرى. واختلفوا فيمن عنى بهذه الآية فروى عكرمه عن ابن عباس انه قال: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} إلى قوله: والعدوان أي اهل الشرك، حتى يسفكوا دماءهم معهم، ويخرجوهم من ديارهم معهم قال: انبأهم الله بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء اسراهم. وكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع وانهم حلفاء الخزرج. وحلفاء النضير وقريظة، وانهم حلفاء الاوس. وكانوا اذا كانت بين الاوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت بنو النضير وقريظة مع الاوس، يظاهر كل فريق حلفاءه على اخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم وبايديهم التوراة، يعرفون منها ما عليهم ولهم. والاوس والخزرج اهل شرك يعبدون الاوثان ولا يعرفون جنة ولا نارا، ولا قيامة ولا كتابا، ولا حلالا ولا حراما، فاذا وضعت الحرب اوزارها افتدوا اسراهم تصديقاً لما في التوارة، واخذا به يفتدي بنو قينقاع من كان (من) اسراهم في ايدي الاوس، ويفتدي بنو النضير وقريظة ما كان في ايدي الخزرج. ويطلبون ما اصابوا من الدماء، وما قتلوا من قتلوا منهم، فيما بينهم مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى حين انبأهم بذلك: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض}؟ أي تفادونهم بحكم التوراة وفي حكم التوراة ان لا يقتل ويخرج من داره ويظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الاوثان من دونه ـ ابتغاء عرض الدنيا ـ ففي ذلك من فعلهم مع الاوس والخزرج نزلت هذه القصة. وذكر فيه اقوال اخر تزيد وتنقص لا فائدة في ذكرها، معناها متقارب لما اوردناه. وقوله {يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} القصد بذلك توبيخهم وتعنيفهم على سوء افعالهم. فقال: ثم أنتم بعد اقراركم بالميثاق الذي أخذته عليكم: "لا تسفكوا دماءكم ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم" تقتلون أنفسكم يعني يقتل بعضكم بعضاً. وانتم مع قتلكم من تقتلون منكم. اذا وجدتم اسيراً منكم في ايدي غيركم من اعدائكم تفدونهم. ويخرج بعضكم بعضاً من ديارهم، وقتلكم اياهم واخراجكم اياهم من ديارهم حرام عليكم كما حرام عليكم تركهم اسرى في ايدي عدوكم. فكيف تستجيزون قتلهم ولا تستجيزون ترك فدائهم. وتستجيزون قتلهم وهما جميعاً في اللازم لكم من الحكم فيهم سواء، لأن الذي حرمت عليكم من قتلهم واخراجهم من دورهم نظير الذي حرمت عليكم من تركهم اسرى في ايدي عدوهم. {أفتؤمنون ببعض الكتاب} الذي فرضت عليكم فيه فرائضي وبينت لكم فيه حدودي، واخذت عليكم بالعمل بما فيه ميثاقي، فتصدقون به فتفادون اسراكم من ايدي عدوكم، وتكفرون ببعضه فتجحدونه فتقتلون من حرمت عليكم قتله، من اهل دينكم ومن قومكم، وتخرجونهم من ديارهم وقد علمتم ان في الكفر منكم ببعضه نقضاً منكم في عهدي وميثاقي. وقوله: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا} فالخزي: الذل، والصغار يقال خزي الرجل يخزى خزياً. {في الحياة الدنيا} يعني في عاجل الدنيا قبل الآخرة. ثم اختلفوا في الخزي الذي خزاهم الله بما سلف منهم من المعصية فقال بعضهم: ذلك حكم الله الذي انزله على نبيه (صلى الله عليه وسلم) من اخذ القاتل بما قتل، والقود به قصاصاً، والانتقام من الظالم لمظلوم. وقال آخر: بل ذلك هو الجزية منهم ـ ما اقاموا على دينهم ـ ذلة لهم وصغاراً وقال آخرون: الخزي الذي خزوا به في الدنيا إخراج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بني النضير من ديارهم لأول الحشر. وقيل: مقاتلة بني قريظة وسبي ذراريهم. وكان ذلك خزياً في الدنيا وفي الآخرة عذاب عظيم ومعنى قوله: {يوم القيامة يردون إلى أشد العذاب} أي اسوء العذاب، يعني بعد الخزي الذي يحل بهم في الدنيا يردهم الله إلى اشد العذاب ـ الذى اعده الله لاعدائه. وقال بعضهم: يردهم يوم القيامة إلى اشد العذاب، يعني اشد من عذاب الدنيا ـ والاول اقوى: انه من أشد العذاب يعني اشد جنس العذاب. وذلك يقتضي العموم ولا يخص إلا بدليل. وقوله: {وما الله بغافل عما تعملون}. منهم من قرأ بالياء، رده إلى من أخبر عنهم. ومن قرأ بالتاء، رده إلى المواجهين بالخطاب. والياء اقوى، لقوله: {فما جزاء من يفعل ذلك}. وقوله: {ويوم القيامة يردون} فالرد إلى هذا أقرب من قوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب} فاتباع الأقرب أولى من إلحاقه بالاول. والكل حسن. والمعنى وما الله بساهٍ عن اعمالهم الخبيثة بل هو محص لها وحافظ لها حتى يجازي عليها. فان قيل: ظاهر الآية يقتضي ان يصح الايمان ببعض الاشياء، وان كفروا بالبعض الآخر، وذلك مناف لمذهبكم في الارجاء والموافاة. لأن المعنى في ذلك إظهار التصديق بالبعض، والمنع بالتصديق بالبعض الآخر. ويحتمل ان يكون المراد ان ذلك على ما يعتقدونه، لأنكم اذا اعتقدتم جميع ذلك ثم عملتم ببعضه دون بعض، فكأنكم آمنتم ببعضه دون بعض.

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ أَنْتُمْ} يا {هَـٰؤُلاۤءِ} الحمقى على ان يكون هؤلاء منادى وهذا أدلّ على ما هو المقصود من اظهار حمقهم وسفاهتهم، او هو منصوب على الاختصاص، او هو منصوب بفعل مضمر أعنى أعنى، او هو تأكيد لانتم او هو خبر انتم {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ} غضباً عليهم {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ} تتعاونون على قتل المقتولين واخراج المخرجين {بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} والحال انّكم مأمورون بالتّظاهر على البرّ والتّقوى ومنهيّون عن التّظاهر على الاثم والعدوان {وَإِن يَأتُوكُمْ} اى المقتولون المخرجون {أُسَارَىٰ} جمع الاسرى جمع الاسير وقيل هو جمع الاسير ابتداء {تُفَادُوهُمْ} يعنى ليس قتلكم واخراجكم لهم من غيرةٍ دينيّةٍ وأمرٍ الهىٍّ بل عن أهوية نفسانيّةٍ وأغراض فاسدة لأنّه ان كان عن أمرٍ الهىٍّ كنتم راضين به سواء كان ذلك منكم او من غيركم والحال انّه اذا فعل ذلك غيركم وأسروهم تعصّبتم لهم وفديتموهم بأموالكم {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} هو ضمير الشّأن او مبتدءٌ راجع الى اخراجهم المذكور فى ضمن تخرجون واخراجهم بدل منه او هو مبتدءٌ مبهم مفسّر باخراجهم {أَفَتُؤْمِنُونَ} تذعنون {بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ} ببعض المكتوب عليكم او ببعض التّوراة او ببعض القرآن؛ على ان يكون الخطاب لمنافقى الامّة، وذلك البعض هو فريضة المفاداة {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} وهو حرمة القتل والاخراج يعنى انّكم لا تكترثون بالكتاب وتتّبعون أهواءكم فما وافقها منه تتّبعونه وما خالفها تتركونه {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ} يا معاشر اليهود او يا امّة محمّدٍ (ص) {إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ} قرئ على الخطاب والغيبة باعتبار منكم ومن يفعل {إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} كأنّ الآخرة كانت مملوكة لهم وهى كذلك فباعوها وجعلوا مكانها الحياة الدّنيا الّتى كانت عارية لهم والآخرة كانت دائمة والدّنيا دائرة، والعاقل لا يبيع الدّائم المملوك بالدّاثر المعار {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} لانّه لم يبق لهم مقام وموطنٌ فى دار الرّاحة حتّى يستريحوا اليها {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} يعنى لا يخفّف عنهم العذاب بنفسه ولا من قبل الموكّلين عليه ولا ينصرهم ناصر فيغلب على موكّلى العذاب ويدفع العذاب عنهم، نسب الى رسول الله (ص) أنّه (ص) قال "حديث : لمّا نزلت الآية فى اليهود اى الّذين نقضوا عهد الله وكذّبوا رسل الله وقتلوا أولياء الله: افلا أنبّئكم بمن يضاهيهم من يهود هذه الامّة؟ - قالوا: بلى يا رسول الله (ص)، قال: قوم من امّتى ينتحلون أنّهم من اهل ملّتى يقتلون أفاضل ذرّيّتى وأطياب أرومتى، ويبدّلون شريعتى وسنّتى، ويقتلون ولدىّ الحسن والحسين (ع) كما قتل أسلاف اليهود زكريّا ويحيى (ع)، الا وانّ الله يلعنهم ويبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هادياً مهديّاً من ولد الحسين (ع) المظلوم يحرقهم بسيوف أوليائه الى نار جهنّم .

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ أنتُم هَؤلاءِ}: أنتم مبتدأ وألاء خبراً والجملة معطوفة على أقررتم عطف اسيمة على فعلية، وإنما كان العطف بثم الموضوعة على تراخى وقوع الفعل أو تراخى عدم وقوعه، ليفيد استبعاد ما فعلوه من نقض الميثاق مع الإقرار به والشهادة عليه، عن الصواب والدين ومقتضى العقل، فقد استعملت ثم للتراخى فى غير النسبة مع أنها وضعت للتراخى فى النسبة فقط استعمالا للمقيد فى المطلق، ولك أن تجعلها بمعنى الواو أو الترتيب فى الإخبار بلا تراخ، وهكذا فى مثل ذلك مما لم تستعمل فيه للتراخى فى النسبة، وأشار بلفظ هؤلاء إلى الناقضين للميثاق، وإن قلت كيف صح عطف هذه الجملة بثم الدالة على التراخى على الوجه الأول، مع أن هؤلاء الناقضين أبداً هم أنفسهم أعينهم لا تمضى مدة متراخية ولا غير متراخية، وهم فيها غير أنفسهم فإنهُ لا يقال لزيد ثم أنت زيد، لأنه هو زيد قبل وبعد وفى الحال، قلت: نزل تغير الصفة منزلة تغير الذات فإن تغير الصفة التى هى الوفاء الواقع تحقيقاً أو إمكاناً إلى الصفة التى هى النقض كتغير الذات، ولذلك صح الإخبار عن لفظ أنتم بما هو نفس مدلوله، إذ المعنى ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء الناقضون، كقولك ثم أنت ذلك الرجل الذى خان وغدر بعد ما أكرمته وائتمنته، ولذلك أيضاً صح العطف على أقررتم، كأنه قيل: أقررتم ثم نقضتم، ومن تنزيل تغير الصفة منزلة تغير الذات قول المشركين فى شأن الذى أرسلوه إلى سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشركاً ورجع مؤمناً: والله لقد رجع بغير الوجه الذى ذهب به. وقال أبو الحسن بن أحمد الباد: أنتم خبر وهؤلاء مبتدأ، واعترضه أبو حيان بأنه لا داعى إلى جعل مبتدأ أنتم وهؤلاء خبر مع سلامته من تقديم وتأخير. قلت: لعل داعيه أنه قلما يجتمع الضمير والإشارة يخبر بأحدهما عن الآخر إلا قرن الضمير بها للتنبيه، وجئ بعده باسم الإشارة مجرداً منها ومقروناً، فحينئذ يتبادر كون الضمير مبتدأ لقرنه بهاء التنبيه، ومثل الآية قوله تعالى: {هم أولاء} والجملة على كل حال وعيد لهم لاعتبار ما أسند إليهم من الأفعال القبيحة حصوراً للفظ أنتم.. إلخ، وباعتبار ما حكى عنهم غيباً لقوله يردون. {تَقْتلون}: حال ناصبها معنى الإشارة، وبهذه الحال تم المعنى كما قال ابن الباذش، ويجوز كون هذه الجملة بدلا من قوله: {أنتم هؤلاء} أو عطف بيان عند من أجازه فى الجملة، أو مستأنفة لبيان الجملة قبلها، وقيل: هؤلاء منادى بحرف محذوف، وتقتلون خبر أنتم، أى ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون وحذفه مع الإشارة قليل منع سيبويه القياس عليه، قال ابن هشام: شذ حذفه معها فى قوله: شعر : إذا هملت عينى لها قال صاحبى بمثلك هذا لوعة وغرام تفسير : أى يا هذا، ولحسن بعضهم المتنبى فى قوله: شعر : *هذى بررت لنا فهجت رسيسا* تفسير : أى يا هذه وأجيب بأن هذى مفعول مطلق، أى برزت هذه البرزة، ورده ابن مالك بأنه لا يشار إلى المصدر إلا منعوناً بالمصدر المشار إليه كضربته ذلك الضرب، ويرده بيت أنشده هو وهو قوله: شعر : يا عمرو إنك قد مللت صحابتى وصحابتك إخال ذاك قليل تفسير : انتهى ولم يشترط غير ابن مالك نعته بالمصدر، وفى تلحين المتنبى نظراً لأنه كوفى والكوفى يجيز حذف حرف النداء مع الإشارة ومن ذلك قولهُ: شعر : إن الأولى وصفوا قومى لهم فيهم هذا اغتصم تلق من ذاك مخذولا تفسير : أى يا هذا، وقوله: شعر : ذا ارعواء فليس بعد اشتعا ل الرأس شيباً إلى الصبا من سبيل تفسير : أى ارعوا رعواء بذا، وذلك مقيس مطرد عند الكوفيين، ومنع البصريون القياس عليه لأنهُ إنما ورد نصا فى الضرورة فلا تحمل عليهِ الآية، مع أن لها أوجهاً منها ما تقدم من كون هؤلاء مبتدأ أو خبراً، ومنها ما قيل إنهُ توكيد لأنتم والخبر تقتلون، ومنها ما قيل إنهُ موصول خبر لأنتم أو مبتدأ له وتقتلون صلته، وقرئ بتشديد التاء للتكثير. {أَنفُسَكم}: أى يقتل بعضكم بعضا. {وَتُخْرِجون فريقاً مِّنكم}: من للتبعيض. {مِنْ ديارهم}: من للابتداء والدار ما يبنى للإقامة مشتملا على بيوت. وقال الخليل: الديار محلة القوم بناء أو غيره. {تَظَاهَرُونَ عليهم بالإثم والعُدْوان}: الجملة حال من واو تخرجون، أو من فريق لأنه منعوت بمنكم، أو حال منهما لاشتمال الجملة على ضميرهما، والتظاهر التعاون مأخوذ من الظهر، يستعمل فى المعاونة، لأن قوة الجوارح فى الجيد والدفع بقوة الظهر، ولأنهُ كلما طال الظهر وكثرت فقراته وعظامه ازدادت القوة، ولو صغر الحيوان كالحية فقد تغلب الإنسان بالجيد، وقد يكون على شكلها لكنه أطول وأغلظ بقليل منها، فيقبض الإنسان بذنبه وعجزه فيحمله، والأصل تظاهرون بتائين أبدلت الثانية ظاء وأدغمت فى الظاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائى بتاء واحدة، وتخفيف الظاء حذف تاء الماضى وهى الثانية، أو تاء المضارع وقرئ تتظاهرون بإثباتهما وتخفيف الظاء، وقرئ تظهر بتاء وظاء مشددة وإسقاط الألف بعدها، وتشديد الهاء بوزن تتفعلون بتائين، وتشديد العين، والأصل تتظهرون بهذا الوزن، أبدلت التاء الثانية ظاء أو أدغمت وكذا القراءات فى التحريم والإثم والمعصية صغيرة كانت أو كبيرة، والعدوان الكبيرة التى عدت حد الكبائر أى جاوزته فى العظم. {وَإنْ يَأتوكُم}: أى وإن يأتكم الفريق الذين أخرجتم من ديارهم، أو أن يأتكم جماعة من الذين تخرجون منهم من قدرتم عليه، وتقتلون من قدرتم عليه، وهذا أعم والكلام السابق يدل عليه. {أُسَارَى}: بضم الهمزة جمع أسرى بفتحها وإسكان السين، وأسرى جمع أسير بمعنى مأسور فعيل بمعنى مفعول، كقتيل وقتلى لما كان أسرى بوزن سكرى جمع على أسارى كسكارى، فأسارى جمع الجمع، ويجوز أن يكون جمع أسير للتشبيه بكسلان، لأن الأسير محبوس عن كثير من تصرفه، كما لا يتوصل الكسلان إلى كثير مما يحتاج إليه، فجمع على أسارى كما يجمع كسلان على كسالى، والأصل أسير المشدود بالأسر، أى الحبل أطلق على كل من جلبه العدو، لأن من شأنه أن يشد بالحبل لئلا يهرب سواء شد به أو بغيره كالحديد أو لم يشد، ولأن من جلبه العدو ممنوع عن أهله، وما يريد كمن شد بالحبل عما يحب، وقرأ حمزة: وإن يأتكم أسارى. {تُفَادُوهم}: تنقذوهم من الأسر بالمال، أو بأمثالهم من الرجال أو غير ذلك وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر: تفدوهم بفتح التاء وإسكان الفاء، والمعنى واحد، ولكن المفاداة تدل بالمطابقة على أن كلا من الغالبين والمغلوبين أخذ وأعطى، وفدى يدل على ذلك بالالتزام، أو أما بالمطابقة فإنما دل على إعطاء المغلوبين وأخذهم فقط فافهم، وقال الثعالبى يقال: فدى إذا أعطى مالا وأخذ رجلا، وفادا إذا أعطى رجلا وأخذ رجلا، ومن استعمال فادى فى إعطاء مال وأخذ رجل قول العباس رضى الله عنه: فإنى فديت نفسى وعقيلا. روى أن قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، فكان قريظة وهم يهود يعاونون الأوس وهم عرب ويقاتلون معهم عدوهم الخزرج، وكان النضير وهم يهود يعانون الخزرج وهم عرب ويقاتلون معهم عدوهم الأوس، يدخل كل فريق مع حلفائه فى القتال وتخريب الديار والإخراج منها، وإذا أسر الخزرج رجلا من قريظة جمعت لهُ النضير حتى يفكوه من الخزرج ويفدوه، وكذا إذا أسره النضير لأنهم، فى القتال مع الخزرج، إلا أن سامحه الخزرج وتركوه وسبيله بلا فداء، وإذا أسر الأوس رجلا من النضير جمعت لهُ قريظة حتى يفدوه من الأوس على حد ما مر كله، وقيل إن النضير وقريظة حالفوا الأوس، وبنى قينقاع حالفوا الخزرج، فإذا وقع الحرب بين الأوس والخزرج ذهبت كل طائفة من اليهود مع أحلافها، وذكر أن العرب عيرتهم كيف تقتلونهم ثم تفدونهم؟ فقالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، فقال العرب: كيف تقاتلونهم؟ فقالوا: نستحى أن تذل حلفاؤنا وذلك أن الله ـ جل وعلا ـ أخذ عليهم الميثاق فى التوراة ألا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعض بعضاً من داره، وأيما عبد وأمة من بنى إسرائيل وجدتموه فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، وخالفوا أحكام التوراة وعيرهم الله ـ جل وعلا ـ بقوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم} إلى قوله: {وَهُوَ مُحرَّمٌ عليْكم إخْراجُهم}: الجملة متصلة بقوله: {وتخرجون} وهى حال من واو تخرجون، وجملة {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم}، معترضة أو معطوفة على تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، ولفظ هو ضمير الشان، ومحرم خبر مقدم، وإخراج مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ضمير الشان ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره لفظ إخراجهم على أن يكون عطف بيان على هو، أو بدلا منه، ومحرم خبراً وأخراج مبتدأ سبق تفسيراً له، ويجوز كون هو عائد إلى الإخراج الذى دل عليه تخرجون، وإخراجهم بدل أو بيان له، ومحرم على هذا خبر، ويجوز على هذا كون إخراج نائب محرم وضعاً للظاهر موضع المضمر. {أفتُؤْمِنون بِبَعْضِ الْكِتَاب}: المراد بالكتاب التوراة، وبعضه الذى آمنوا به هو لزوم الفداء المفروض عليهم فيه. {وتَكْفُرُونَ ببعضِ}: هو تحريم القتال والإخراج من الديار والمعاونة فى ذلك بلا وجه شرعى. {فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلكَ منْكُم إِلاّ خِزْىٌ فى الحَيَاة الدّنيا}: قال الكلبى: المراد بالخزى الإخراج من الديار والقتل أخرجت النضير وقتلت قريظة، يا بن آدم كما تدين تدان، وقال الحسن: الخزى الجزية، ولعل ذلك منهما تمثيل، والمراد ما يعم ذلك وغيره، فقد قتلت قريظة وأسرت وسبت، وأخرجت النضير وضربت الجزية على غيرهم، ولما أخرجت النضير سكنت أريحاء وأذرعات من أرض الشام، وتلك الجزية هى أصل الجزية إلى آخر الدهر، ولفظ الخزى: الفضيحة والعقوبة، فهو عام يحتمل على عمومه، وأصله ذل يستحى منه، ولذلك فسره بعضهم هنا بغلبة العدو، والحياة مصدر نائب عن اسم الزمان، أى فى وقت الحياة التى هى دانية، أى قريبة الزوال أو قريبة الأطراف، فهى غير طويلة، والدنيا مؤنثة لاسم تفضيل، وهو الأدنى باق على الوصفية وباؤه عن واو أبدلت فرقاً بين الأسماء والصفات. {وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ}: هو عذاب النار الدائم أو عذابها والحشر بحال قبيحة يستحيون منها، والتشديد عليهم والتضييق فى المحشر والنداء على رءوس الأشهاد بقبائحهم ردوا إلى أشد العذاب، لأن عصيانهم من أشد العصيان. وقرأ عاصم فى رواية المفاضل شذوذاً تردون بالمثناة الفوقية. {وَمَا اللهُ بغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ}: بالياء المثناة التحتية عند نافع وابن كثير وأبى بكر، وقرأ الباقون بالفوقية قاله أبو عمرو الدانى: وقال القاضى قرأ بالتحتية نافع ويعقوب، والباقون بالفوقية، فالتحتية فى يردون ويعملون بالنظر إلى من فى قوله: من يفعل، والفوقية على طريق الخطاب السابق فى الناقضين، وإنما صدق واحداً وعلى طريق الالتفات إلى الخطاب عن الغيبة التى فى قوله: من يفعل، والجملة تأكيد للوعيد، كأنه قيل إن الله سبحانه وتعالى لبالمرصاد لا يغفل عما تعملون، فهو مجازيكم بكل ما فعلتم من صغير أو كبير، والكلام فى ذلك كله لليهود فقط، وإنما يدخل غيرهم بالمعنى فقط، إذ كل مكلف كذلك، ويحتمل أن يكون قوله: {وما الله بغافل عما تعملون} بالفوقية خطاباً لقريش ونحوهم، أى لا يغفل عنكم كما لم يغفل عن اليهود، وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنهُ قال: إن بنى إسرائيل قد مضوا وأنتم الذين تعنون بهذا يا أمة محمد، يريد أن أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكلفون بذلك الذى كلف به بنو إسرائيل، ومعاقبون إن توفوا كما عوقبت بنو إسرائيل حين لم يوفوا، وليس مراده أن الآية خطاب لهذه الأمة، وأول ما ظهر هذا العقاب الظهور الفاحش الشنيع بخراسان من المشرق، وبالأندلس من المغرب، شاع الجور والمعصية فعوقبوا بأيدى الروم. وفى الأثر عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الحديث القدسى: "حديث : إذا عصانى من يعرفنى سلطت عليه من لا يعرفنى" تفسير : وهذه المعرفة مراتب فانظر كيف سلط الله على الموحدين لما عصوه الروم، وسلط المخالفين على الإباضية الوهبية وسلط عوام الإباضية الوهبية على خواصهم لما عصت الخواص.

اطفيش

تفسير : {ثُمًَّ أَنْتُمْ} يا معاصرى محمد صلى الله عليه وسلم {هَؤُلاَءِ} أخص هؤلاء، أو يا هؤلاء، أو أنتم المشار إليهم المعهودون، كأنه قيل بماذا فأجيب، بما بعد، وأجاز الكوفيون، أن هؤلاء بمعنى الذين، فتكون صلته هى قوله {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فََرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَٰرِهِمْ} وذلك الإخراج بالاستعانة عليهم، كما قال {تَظَٰهَرُونَ} تتعاونون {عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ} فعل ما يستحق به الذم، أو نفس هذا الذى يستحق به الندم، أو ما ينفر عنه {وَالْعُدْوَانِ} الظلم الشديد {وَإِنْ يَأْتُوكُمْ} ذلك الفريق الذين تخرجونهم من ديارهم وقت الحرب {أُسَٰرَى تُفَٰدُوهُمْ} بالمال أو بغيره، كالرجال العرب فى المدينة وأعمالها. الأوس والخزرج واليهود قريظة والنضير، وبنو قينقاع، وكان بين الأوس والخزرج حروب، فكانت اقريظة حلفاء الأوس والنضير حلفاء الخزرج، ولم يكن بين اليهود محالفة ولا قتال، وإنما يقاتلون لحفائهم، فإذا أسرت الأوس والخزرج يهوديا فداه النضير وقريظة جميعا. وفى الحرب يقتل القريظى النضيرى والنضيرى القريظى، ويخرب بعضهم دار بعض، ويخرجه منها معاونه لحفائهم، يقال لهم، ما هذا؟ فيقولون، القتل والإخراج لأجل حلفائنا، لانستذلهم، وهو مخالف لما عهد فى التوراة، ولذلك نفاديهم، لأنا أمرنا بالفداء، فأحلوا بعضا وحرموا بعضا، فكأنهم حرموا جميعا، وأما بنو قينقاع فلم يقتلوا ولم يخرجوا أحداً من داره، ولم يظاهروا، وضرب الجزية عليهم لأنهم لم يؤمنوا وبقوا فى ديارهم {وَهُوَ} أى الشأن {مُحَرَّمٌ} خير مقدم {عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} مبتدأ، أى الشأن أن إخراجهم من ديارهم محرم عليكم، كما عاتبهم بقوله، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم، حرم الله عليهم إخراج إخوانهم وقتلهم فى التوراة، وفيها بعد ذلك، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بنى إسرائيل فاشتروه بكل ما وجدتم واعتقوه {أَفَتُؤمِنُونَ} أتتعدون الحدود فتؤمنون {بِبَعْضِ الْكِتَٰبِ} التوراة، وبعضها هو نداء من وجدوه منهم أسيراً عند الأوس والخزرج {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} ببعض الكتاب، وهو ترك القتل والإخراج والمظاهرة، وهم لم يتركوا القتل، إذ يقتلون بعضهم بعضاً فى الحرب، معاونة لحفائهم، ولم يتركوا الإخراج ولا المظاهرة، وفى الآية تنزيل ترك العمل بالكتابة منزلة الكفر، أى الشرك فإنهم آمنوا بالتوراة كلها، لكن نافقوا، ومن لازِم لإيمان بالشىء العمل بمقتضاه بذلك ويحتمل أن ذلك فى دينهم شرك، وفيه أن الشرك لا تختلف الشرائع فيه، قيل: أو سمى ذلك شركا مبالغة، أو المراد بالكفر كفر الجارحة وهى الفسق، وقيل عن ابن عباس رضى الله عنهما، عادة قريظة القتل، وعادة النضير الإخراج، فأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم النضير وقتل قريظة، وأسر نساءهم وأطفالهم، جازى كلا بما كان يفعل {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ} ذل {فِي الْحَيَٰوةِ الدُّنْيَا} بقتل سبعمائة من قريظة فى السنة الثالثة عقب الأحزاب، وأسر نسائهم وأطفالهم وضرب الجزية على باقيهم، وضرب الجزية على بنى النضير، ثم إجلائهم إلى الشام، ولا جزية عليهم بعد الإجلاء، لأن الشام فتح بعده صلى الله عليه وسلم، ولو كان قد تصرف فى بعضه بالتمليك {وَيَوْمَ الْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} هو أشد مما لقوا فى الدنيا، وفى القبر، فلا يرد أن المنكر لله، وعبدة الأصنام أشد منهم عذاباً، إلا من كان منافقاً، بإضمار نوع من الشرك أو بإسرار إلى بعض، فإن عذابه فى الدرك الأسفل. والمراد التصيير إلى عذاب أشد، لا إلى عذاب كانوا فيه، ولا شك أن عذاب النار أشد من عذاب القبر وعذاب الدنيا، وزاد أيضاً بالدوام ولا يتصور أن عذاب النار لله دون عذاب اليهود والنصارى والفاسق، بل أعظم {وَمَا اللهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فهو لعلمه بما عملوا يجازيهم على كل صغيرة وكبيرة، وصغائر المشرك كلها كبائر.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} نزلت ـ كما في «البحر» ـ في بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير من اليهود، كان بنو قينقاع أعداء بني قريظة، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء بني قريظة، والنضير والأوس والخزرج إخوان؛ وبنو قريظة والنضير إخوان ـ ثم افترقوا ـ فصارت بنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانوا يقتتلون ويقع منهم ما قص الله تعالى فعيرهم الله تعالى بذلك. و {ثُمَّ} للاستبعاد في الوقوع ـ لا للتراخي في الزمان ـ لأنه الواقع في نفس الأمر ـ كما قيل به ـ و (أنتم) مبتدأ، و (هؤلاء) خبره على معنى أنتم بعد ذلك المذكور من الميثاق والإقرار والشهادة هؤلاء الناقضون، كقولك: أنت: ذلك الرجل الذي فعل كذا، وكان مقتضى الظاهر، ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق نقضتم العهد فتقتلون أنفسكم الخ أي صفتكم الآن غير الصفة التي كنتم عليها، لكن أدخل (هؤلاء) وأوقع خبراً ليفيد أن الذي تغير هو الذات نفسها نعياً عليهم لشدة وكادت الميثاق ثم تساهلهم فيه وتغيير الذات فهم من وضع اسم الإشارة الموضوع للذات موضع الصفة لا من جعل ذات واحد في خطاب واحد مخاطباً وغائباً، وإلا لفهم ذلك من نحو {أية : بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تفسير : [النمل: 55] أيضاً. وصح الحمل مع اعتبار التغير لأنه ادعائي ـ وفي الحقيقة واحد ـ وعدوا حضوراً مشاهدين باعتبار تعلق العلم بما أسند إليهم من الأفعال المذكورة سابقاً وغيباً باعتبار عدم تعلق العلم بهم لما سيحكى عنهم من الأفعال بعد، لا لأن المعاصي توجب الغيبة عن غير الحضور إذ المناسب حينئذ الغيبة في (تقتلون) و(تخرجون) قاله السيالكوتي. و (تقتلون) إما حال والعامل فيه معنى الإشارة أو بيان كأنه لما قيل: {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء} قالوا كيف نحن/ فجيء بـ {تَقْتُلُونَ} تفسيراً له، ويحتمل أن تجعل مفسرة لها من غير تقدير سؤال، وذهب ابن كيسان وغيره إلى أن {أَنتُمْ} مبتدأ و {تَقْتُلُونَ} الخبر و {هَـؤُلاء} تخصيص للمخاطبين لما نبهوا على الحال التي هم عليها مقيمون فيكون إذ ذاك منصوباً بأعنى وفيه أن النحاة نصوا على أن التخصيص لا يكون بأسماء الإشارة ولا بالنكرة والمستقر من لسان العرب أنه يكون بأيتها كاللهم اغفر لنا أيتها العصابة وبالمعرف ـ باللام ـ كنحن العرب أقرى الناس للضيف ـ أو الإضافة كـ "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" ـ وقد يكون بالعلم ـ كـ: شعر : بنا تميما نكشف الضبابا تفسير : وأكثر ما يأتي بعد ضمير متكلم ـ وقد يجيء بعد ضمير المخاطب ـ كبك الله نرجو الفضل، وقيل: (هؤلاء) تأكيد لغوي (لأنتم) فهو إما بدل منه أو عطف بيان عليه وجعله من التأكيد اللفظي بالمرادف توهم، والكلام على هذا خال عن تلك النكتة، وقيل: هؤلاء بمعنى الذين والجملة صلته والمجموع هو الخبر، وهذا مبني على مذهب الكوفيين حيث جوزوا كون جميع أسماء الإشارة موصولة سواء كانت بعد (ما) أولا والبصريون يخصونه إذا وقعت بعد (ما) الاستفهامية ـ وهو المصحح ـ على أن الكلام يصير حينئذ من قبيل:شعر : أنا الذي سمتني أمي حيدرة تفسير : وهو ضعيف ـ كما قاله الشهاب ـ وقرأ الحسن {تَقْتُلُونَ} على التكثير وفي «تفسير المهدوي» أنها قراءة أبـي نهيك. {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن دِيَـٰرِهِمْ} عطف على ما قبله وضمير ديارهم للفريق وإيثار الغيبة مع جواز دياركم كما في الأول للاحتراز عن توهم كون المراد إخراجهم من ديار المخاطبين من حيث ديارهم لا ديار المخرجين {تَظَـٰهَرُونَ علَيْهِم بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوٰنِ} حال من فاعل {تُخْرَجُونَ} أو من مفعوله قيل: أو من كليهما لأنه لاشتماله على ضميرهما يبين هيئتهما، والمعنى على الأول تخرجون متظاهرين عليهم وعلى الثاني تخرجون فريقاً متظاهراً عليهم، وعلى الثالث تخرجون واقعاً التظاهر منهم عليهم و ـ التظاهر ـ التعاون وأصله من ـ الظهر ـ كأن المتعاونين يسند كل واحد منهما ظهره إلى صاحبه و(الاثم) الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم واللوم، وقيل: ما تنفر منه النفس ولا يطمئن إليه القلب، وفي الحديث: «حديث : الإِثم ما حاك في صدرك» تفسير : وهو متعلق بتظاهرون حال من فاعله أي متلبسين بالإثم، وكونه هنا مجازاً عما يوجبه من إطلاق المسبب على سببه كما سميت الخمر إثماً في قوله:شعر : شربت (الاثم) حتى ضل عقلي كذاك (الاثم) تذهب بالعقول تفسير : مما لا يدعو إليه داع، والعدوان تجاوز الحد في الظلم. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي {تَظِـٰهَرُونَ} بتخفيف الظاء وأصله ـ بتاءين ـ حذفت ثانيتهما عند أبـي حيان وأولاهما عند هاشم وقرأ باقي السبعة بالتشديد على إدغام ـ التاء في الظاء ـ وأبو حيوة (تتظاهرون) ـ بضم التاء وكسر الهاء ـ ومجاهد وقتادة باختلاف عنهما {تَظَّهَّرونَ} ـ بفتح التاء والظاء والهاء مشددتين دون ألف ـ ورويت عن أبـي عمرو أيضاً وبعضهم تتظاهرون على الأصل. {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ } أي تخرجوهم من الأسر بإعطاء الفداء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر (تفدوهم) وعليه حمل بعض قراءة الباقين إذ لا مفاعلة، وفرق جمع بين فادى وفدى بأن معنى الأول: بادل أسيراً بأسير والثاني: جمع الفداء ويعكر عليه قول العباس رضي الله تعالى عنه فاديت نفسي وفاديت عقيلاً إذ من المعلوم أنه ما بادل أسيراً بأسير، وقيل: (تفادوهم) بالعنف و (تفدوهم) بالصلح؛ وقيل: (تفادوهم) تطلبوا الفدية من الأسير الذي في أيديكم من أعدائكم ومنه قوله:شعر : قفي فادي أسيرك إن قومي وقومك لا أرى لهم احتفالاً تفسير : /وقال أبو علي: معناه لغة تطلقونهم بعد أن تأخذوا منهم شيئاً، وأراه هنا كسابقه في غاية البعد، والقول بأن ـ معنى الآية وإن يأتوكم أسارى في أيدي الشياطين تتصدون لانقاذهم بالإرشاد والوعظ من تضييعكم أنفسكم إلى البطون ـ أقرب كما لا يخفى، و ـ الأسارى ـ قيل: جمع أسير بمعنى مأسور وكأنهم حملوا أسيراً على كسلان فجمعوه جمعه كما حملوا كسلان عليه فقالوا كسلى كذا قال سيبويه، ووجه الشبه أن الأسير محبوس عن كثير من تصرفه للأسر والكسلان محبوس عن ذلك لعادته، وقيل: إنه مجموع كذا ابتداء من غير حمل كما قالوا في قديم قدامى، وسمع بفتح الهمزة وليست بالعالية خلافاً لبعضهم حيث زعم أن الفتح هو الأصل والضم ليزداد قوة، وقيل: جمع أسرى ـ وبه قرأ حمزة ـ وهو جمع أسير كجريح وجرحى فيكون أسارى جمع الجمع قاله المفضل، وقال أبو عمرو: الأسرى من في اليد، والأسارى من في الوثاق ـ ولا أرى فرقاً ـ بل المأخوذون على سبيل القهر والغلبة مطلقاً أسرى وأسارى. {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} حال من فاعل {تُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم} أو مفعوله بعد اعتبار التقييد بالحال السابقة، وقوله تعالى: {وَإِن يَأْتُوكُمْ} اعتراض بينهما لا معطوف على {تَظَـٰهَرُونَ} لأن الاتيان لم يكن مقارناً للإخراج وقيد الإخراج بهذه الحال لإفادة أنه لم يكن عن استحقاق ومعصية موجبة له، وتخصيصه بالتقييد دون القتل للإهتمام بشأنه لكونه أشد منه {أية : وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ } تفسير : [البقرة: 191] وقيل: لا بل لكونه أقل خطراً بالنسبة إلى القتل فكان مظنة التساهل، ولأن مساق الكلام لذمهم وتوبيخهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم وذلك مختص بصورة الإخراج إذ لم ينقل عنهم تدارك القتلى بشيء من دية أو قصاص وهو السر في تخصيص التظاهر فيما سبق، وقيل: النكتة في إعادة تحريم الإخراج وقد أفاده ـ لا تخرجون أنفسكم ـ بأبلغ وجه، وفي تخصيص تحريم الإخراج بالإعادة دون القتل أنهم امتثلوا حكماً في باب المخرج وهو الفداء وخالفوا حكماً وهو الإخراج فجمع مع الفداء حرمة الإخراج ليتصل به {أَفَتُؤْمِنُونَ} الخ أشد اتصال ويتضح كفرهم بالبعض وإيمانهم بالبعض كمال اتضاح حيث وقع في حق شخص واحد، والضمير للشأن والجملة بعده خبره. وقيل: خبره (محرم) و (إخراجهم) نائب فاعل وهو مذهب الكوفيين وتبعهم المهدوي، وإنما ارتكبوه لأن الخبر المتحمل ضميراً مرفوعاً لا يجوز تقديمه على المبتدأ فلا يجيزون قائم زيد على أن يكون قائم خبراً مقدماً، والبصريون يجوزون ذلك ولا يجيزون هذا الوجه لأن ضمير الشأن لا يخبر عنه عندهم إلا بجملة مصرح بجزأيها، وقيل: إنه ضمير مبهم مبتدأ أيضاً و (محرم) خبره و (إخراجهم) بدل منه مفسر له، وهذا بناء على جواز إبدال الظاهر من الضمير الذي لم يسبق ما يعود إليه، ومنهم من منعه وأجازه الكسائي، وقيل: راجع إلى الإخراج المفهوم من (تخرجون) و (إخراجهم) عطف بيان له أو بدل منه أو من ضمير محرم، وضعف بأنه بعد عوده إلى الإخراج لا وجه لإبداله منه. ومن الغريب ما نقل عن الكوفيين أنه يحتمل أن يكون هو ضمير فصل، وقد تقدم مع الخبر والتقدير ـ وإخراجهم هو محرم عليكم ـ فلما قدم خبر المبتدأ عليه قدم هو معه ولا يجوزه البصريون ـ لأن وقوع الفصل بين معرفة ونكرة لا تقارب المعرفة ـ لا يجوز عندهم وتوسطه بين المبتدأ والخبر أو بين ما هما أصله شرط عندهم أيضاً، ولابن عطية في هذا الضمير كلام يجب إضماره. {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} عطف على {تَقْتُلُونَ} أو على محذوف أي أتفعلون ما ذكر فتؤمنون الخ والاستفهام للتهديد والتوبيخ على التفريق بين أحكام الله تعالى إذ العهد كان بثلاثة أشياء ترك القتل وترك الإخراج ومفاداة الأسارى فقتلوا وأخرجوا على خلاف العهد وفدوا بمقتضاه، وقيل: المواثيق أربعة فزيد ترك المظاهرة، وقد أخرج ابن جرير عن أبـي العالية أن عبد الله بن سلام مر على رأس/ الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء ما لم يقع عليه العرب ولا يفادي من وقع عليه العرب فقال له عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن فادوهن كلهن، وروى محيـى السنة عن السدي أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه فأعتقوه، ولعل كفرهم بما ارتكبوا لاعتقادهم عدم الحرمة مع دلالة صريح التوراة عليها لكن ما في «الكشاف» من أنه قيل لهم: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟ فقالوا: أمرنا بالفداء وحرم علينا القتال لكنا نستحي من حلفائنا يدل على أنهم لا ينكرون حرمة القتال فاطلاق الكفر حينئذ على فعل ما حرم إما لأنه كان في شرعهم كفراً أو أنه للتغليظ كما أطلق على ترك الصلاة ونحوه ذلك في شرعنا، والقول بأن المعنى أتستعملون البعض وتتركون البعض فالكلام محمول على المجاز بهذا الاعتبار لا اعتبار به كالقول بأن المراد بالبعض المؤمن به نبوة موسى عليه السلام، والبعض الآخر نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم. {فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْىٌ فِي ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا} الإشارة إلى الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعض، أو إلى ما فعلوه من القتل والاجلاء مع مفاداة ـ الأسارى ـ والجزاء المقابلة؛ ويطلق في الخير والشر. ـ والخزي ـ الهوان، والماضي ـ خزي ـ بالكسر، وقال ابن السكيت: معنى ـ خزي ـ وقع في بلية ـ وخزي ـ الرجل ـ خزاية ـ إذا استحى وهو ـ خزيان ـ وقوم ـ خزايا ـ وامرأة ـ خزيا ـ والمراد به هنا الفضيحة والعقوبة أو ضرب الجزية غابر الدهر أو غلبة العدو أو قتل قريظة وإجلاء النضير من منازلهم إلى أريحاء وأذرعات. وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان عادة بني قريظة القتل وعادة بني النضير الإخراج فلما غلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى بني النضير وقتل رجال قريظة وأسر نساءهم وأطفالهم وتنكير ـ الخزي ـ للإيذان بفظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغاً لا يكنه كنهه، ومن هنا لم يخصه بعضهم ببعض الوجوه، وادعى أن الأظهر ذلك وجعل الإشارة إلى الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعض أي بعض كان ولذلك أفردها، وحينئذ يتناول الكفرة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونظيره من يفعل جميع ذلك. و (الدنيا) مأخوذة من دنا يدنو وياؤها منقلبة عن ـ واو ـ ولا يحذف منها ـ الألف واللام ـ إلا قليلاً، وخصه أبو حيان في الشعر، و (ما) نافية و (مَنْ) إن جعلت موصولة فلا محل ليفعل من الإعراب، وإن جعلت موصوفة فمحله الجر على أنه صفتها، و (منكم) حال من فاعل ـ يفعل ـ. و (إلا خزي) استثناء مفرغ وقع خبراً للمبتدأ ولا يجوز النصب في مثل ذلك على المشهور. ونقل عن يونس إجازته في الخبر بعد (إلا) كائنا ما كان، وقال بعضهم: إن كان (ما) بعد إلا هو الأول في المعنى أو منزل منزلته لم يجز فيه إلا الرفع عند الجمهور، وأجاز الكوفيون النصب فيما كان الثاني فيه منزلاً منزلة الأول، وإن كان وصفاً أجاز فيه الفراء النصب ـ ومنعه البصريون ـ وحكى عنهم أنهم لا يجوزون النصب في غير المصادر إلا أن يعرف المعنى فيضمر ناصب حينئذ وتحقيقه في محله. {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدّ ٱلّعَذَابِ} أي يصيرون إليه فلا يلزم كينونتهم قبل ذلك في أشد العذاب، وقد يراد بالرد الرجوع إلى ما كانوا فيه كما في قوله تعالى: {أية : فَرَدَدْنَـٰهُ إِلَىٰ أُمّهِ } تفسير : [القصص: 13] وكأنهم كانوا في الدنيا، أو في القبور في أشد العذاب أيضاً فردوا إليه، والمراد به الخلود في النار وأشديته من حيث إنه لا انقضاء له، أو المراد أشد/ جميع أنواع العذاب ولكن بالنسبة إلى عذاب من لم يفعل هذا العصيان لأن عصيانهم أشد من عصيان هؤلاء وجزاء سيئة سيئة مثلها ويدل على ما قررناه قوله تعالى: {مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ} فلا يرد ما أورده الإمام الرازي أنه كيف يكون عذاب اليهود أشد من الدهرية المنكرين للصانع ولا يفيد ما قيل لأنهم كفروا بعد معرفتهم أنه كتاب الله تعالى وإقرارهم وشهادتهم إذ الكافر الموحد كيف يقال إنه أشد عذاباً من المشرك؟! أو النافي للصانع وإن كان كفره عن علم ومعرفة، وضمير (يردون) راجع إلى (مَنْ) وأوثر صيغة الجمع نظراً إلى معناها بعد ما أوثر الإفراد نظراً إلى لفظها لما أن الرد إنما يكون بالاجتماع وغير السبك حيث لم يقل مثلا ـ وأشد العذاب يوم القيامة ـ للايذان بكمال التنافي بين جزاءي النشأتين، وتقديم ـ اليوم ـ على ذكر ما يقع فيه لتهويل الخطب وتفظيع الحال من أول الأمر. وقرأ الحسن وابن هرمز باختلاف عنهما، وعاصم في رواية المفضل ـ تردون ـ على الخطاب، والجمهور على الغيبة، ووجه ذلك أن (يردون) راجع إلى من يفعل فمن قرأ بصيغة الغيبة نظر إلى صيغة (مَنْ) ومن قرأ بصيغة الخطاب نظر إلى دخوله في (منكم) لا أن الضمير حينئذ راجع إلى (كُمْ) كما وهم. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} اعتراض وتذييل لتأكيد الوعيد المستفاد مما قبله أي ـ إنه بالمرصاد لا يغفل عما تعملون من القبائح ـ التي من جملتها هذا المنكر؛ والمخاطب به من كان مخاطباً بالآية قبل، وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن بني إسرائيل قد مضوا وأنتم تعنون بهذا يا أمة محمد وبما يجري مجراه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر ـ يعملون ـ بالياء على أن الضمير لمن والباقون بالتاء من فوق.

ابن عاشور

تفسير : الواو في قوله: {وإن يأتوكم أُسارى} يجوز أن تكون للعطف فهو عطف على قوله: {تقتلون أنفسكم وتخرجون} فهو من جملة ما وقع التوبيخ عليه مما نكث فيه العهد وهو وإن لم يتقدم في ذِكر ما أُخذ عليهم العهدُ مَا يدل عليه إلا أنه لما رجع إلى إخراج الناس من ديارهم كان في جملة المنهيات. ولك أن تجعل الواو للحال من قوله: {وتخرجون فريقاً} أي تخرجونهم والحال إن أسرتموهم تفدونهم. وكيفما قدرت فقوله: {وهو محرم عليكم إخراجهم} جملة حالية من قوله: {يأتوكم} إما حال من معطوف وإما حال من حال إذ ليس فداء الأسير بمذموم لذاته ولكن ذمه باعتبار ما قارنه من سبب الفداء فحمل التوبيخ هو مجموع المفاداة مع كون الإخراج محرماً وبعد أن قتلوهم وأخرجوهم، فجملة {وهو محرم عليكم إخراجهم} حالية من ضمير {تفادوهم}. وصُدرت بضمير الشأن للاهتمام بها وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم وليست معطوفة على قوله: {وتخرجون فريقاً منكم} وما بينهما اعتراض لقلة جدواه إذ قد تحقق ذلك بقوله: {ولا تخرجون أنفسكم}. وفي قوله: {وهو محرم عليكم إخراجهم} تشنيع وتبليد لهم إذ توهموا القُربة فيما هو من آثار المعصية أي كيف ترتكبون الجناية وتزعمون أنكم تتقربون بالفداء وإنما الفداء المشروع هو فداء الأسرى من أيدي الأعداء لا من أيديكم فهلا تركتم موجب الفداء؟. وعندي أن في الآية دلالةً على ترجيح قول إمام الحرمين في أن الخارج من المغصوب ليس آتياً بواجب ولا بحرام ولكنه انقطع عنه تكليف النهي وأن القُربة لا تكون قربة إلا إذا كانت غير ناشئة عن معصية. والأُسارى ـــ بضم الهمزة ـــ جمع أسير حَمْلاً له على كَسْلان كما حملوا كسلان على أسير فقالوا: كَسْلَى هذا مذهب سيبويه لأن قياس جمعه أَسرى كقتلى. وقيل: هو جمع نادر وليس مبنياً على حمل، كما قالوا قدَامى جمع قديم. وقيل: هو جمعُ جمعٍ فالأسير يجمع على أسرى ثم يجمع أسرى على أُسارى وهو أظهر. والأسير فَعِيل بمعنى مفعول من أَسَرَه إذا أوثقه وهو فعل مشتق من الاسم الجامد فإن الإسَار هو السَّيْر من الجِلد الذي يوثق به المَسجون والمَوثوق وكانوا يُوثِقون المغولبين في الحرب بسيور من الجِلد، قال النابغة:شعر : لم يبقَ غيرُ طريدٍ غيرِ مُنْفَلِت أو موثَقٍ في رجالِ القدِّ مسلوبِ تفسير : وقرأ الجمهور (أُسارى)، وقرأه حمزة (أَسْرَى). وقرأ نافع والكسائي وعاصم ويعقوب {تفادوهم} بصيغة المفاعلة المستعملة في المبالغة في الفداء أي تفدوهم فداء حريصاً، فاستعمال فادى هنا مسلوب المفاضلة مثل عافاه الله وقول امرىء القيس:شعر : فعادَى عداء بين ثور ونعجة دراكاً فلم ينضح بماء فيغسل تفسير : وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر وخلف {تفدوهم} بفتح الفوقية وإسكان الفاء دون ألف بعد الفاء. والمحرم الممنوع ومادة حرم في كلام العرب للمنع، والحرام الممنوع منعاً شديداً أو الممنوع منعاً من قبل الدين، ولذلك قالوا: الأشهر الحرم وشهر المحرم. وقوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} استفهام إنكاري توبيخي أي كيف تعمدتم مخالفة التوراة في قتال إخوانكم واتبعتموها في فداء أسراهم، وسمي الاتباع والإعراض إيماناً وكفراً على طريقة الاستعارة لتشويه المشبه وللإنذار بأن تعمد المخالفة للكتاب قد تفضي بصاحبها إلى الكفر به، وإنما وقع {تؤمنون} في حيز الإنكار تنبيهاً على أن الجمع بين الأمرين عجيب وهو مؤذن بأنهم كادوا أن يجحدوا تحريم إخراجهم أو لعلهم جحدوا ذلك وجحد ما هو قطعي من الدين مروق من الدين. والفاء عاطفة على {تقتلون أنفسكم}، وما عطف عليه، عطفت الاستفهام أو عطفت مقدراً دل عليه الاستفهام وسيأتي تحقيق ذلك قريباً عند قوله {أية : أفكلما جاءكم رسول}تفسير : [البقرة: 87]. والفاء في قوله: {فما جزاء من يفعل ذلك منكم} فصيحة عاطفة على محذوف دل عليه الاستفهام الإنكاري أو عاطفة على نفس الاستفهام لما فيه من التوبيخ. وقال عبد الحكيم: إن الجملة معترضة والاعتراض بالفاء وهذا بعيد معنى ولفظاً، وأما الأول فلأن الاعتراض في آخر الكلام المعبر عنه بالتذييل لا يكون إلا مفيداً لحاصل ما تقدم وغير مفيد حكماً جديداً وأما الثاني فلأن اقتران الجملة المعترضة بحرف غير الواو غير معروف في كلامهم. والخزي بالكسر ذل في النفس طارىء عليها فجأة لإهانة لحقتها أو معرة صدرت منها أو حيلة وغلبة تمشت عليها وهواسم لما يحصل من ذلك وفعله من باب سمع فمصدره بفتح الخاء، والمراد بالخزي ما لحق باليهود بعد تلك الحروب من المذلة بإجلاء النضير عن ديارهم وقتل قريظة وفتح خيبر وما قدر لهم من الذل بين الأمم. وقرأ الجمهور (يُردون) و(يعملون) بياء الغيبة، وقرأ عاصم في رواية عنه (تردون) بتاء الخطاب نظراً إلى معنى (من) وإلى قوله (منكم)، وقرأ نافع وابن كثير ويعقوب: (يعملون) بياء الغيبة وقرأه الجمهور بتاء الخطاب. وقد دلت هذه الآية على أن الله يعاقب الحائدين عن الطريق بعقوبات في الدنيا وعقوبات في الآخرة. وقد وقع اسم الإشارة وهو قوله: {أولئك الذين اشتروا} موقع نظيره في قوله: {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5]. والقول في {اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} كالقول في: {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدي}تفسير : [البقرة: 16]. والقول في {فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون} قريب من القول في {ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون}. وموقع الفاء في قوله: {فلا يخفف عنهم العذاب} هو الترتب لأن المجرم بمثل هذا الجرم العظيم يناسبه العذاب العظيم ولا يجد نصيراً يدفع عنه أو يخفف.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} الآية. يعني: تقتلون إخوانكم. ويبين أن ذلك هو المراد، كثرة وروده كذلك في القرآن نحو قوله: {أية : وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [الحجرات: 11] أي: لا يلمز أحدكم أخاه، وقوله: {أية : لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} تفسير : [النور: 12] أي بإخوانهم، وقوله: {أية : فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 54] أي: بأن يقتل البريء من عبادة العجل من عبده منهم، إلى غير ذلك من الآيات. ويوضح هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم. كمثل الجسد الواحد إِذا أُصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى ". تفسير : قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}. يتبين مما قبله أن البعض الذي آمنوا به هو فداء الأسارى منهم، والبعض الذي كفروا به هو إخراجهم من ديارهم وقتلهم ومظاهرة العدو عليهم، وإن كفروا بغير هذا من الكتاب وآمنوا بغيره منه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 85- وها أنتم أولاء يقتل بعضكم بعضا، ويخرج فريق منكم فريقاً آخر من ديارهم متعاونين فى ذلك عليهم مع غيركم بالإثم والعدوان، ثم إن وقع فريق منكم أسرى لدى من تتعاونون معهم تعملون على إنقاذهم من الأسر بافتدائهم، وإن سئلتم عما حملكم على افتدائهم قلتم: لأن أسفارنا أمرتنا أن نفدى أسرانا من اليهود، أو لم تأمركم أسفاركم كذلك ألا تسفكوا دماء إخوانكم، وألا تخرجوهم من ديارهم؟، أفتذعنون لبعض ما جاء فى الكتاب وتكفرون ببعض؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردهم الله - المطلع على أعمالهم وسرائرهم - إلى أشد العذاب. 86- وذلك لأنهم قد آثروا أعراض الدنيا الزائلة على نعيم الآخرة الدائم، وكانوا بهذا كمن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، فلن يخفف عنهم عذاب جهنم، ولن يجدوا من ينقذهم منه. 87- ولتذكروا كذلك - معشر اليهود - مواقفكم الضالة الآثمة حيال موسى ومن بعثناه من بعده إليكم من المرسلين. فلقد أرسلنا إليكم موسى وآتيناه التوراة وبعثنا إليكم على آثاره عدة رسل، منهم عيسى ابن مريم الذى أمددناه بالمعجزات وأيدناه بروح القدس، وهو جبريل رسول الوحى الأمين، فكنتم كلما جاءكم رسول من هؤلاء بما لا تهوى أنفسكم تستكبرون عن اتباعه، ففريق كذبتموه وفريق آخر قتلتموه.

د. أسعد حومد

تفسير : {دِيَارِهِمْ} {تَظَاهَرُونَ} {الْعُدْوَانِ} {أُسَارَىٰ} {تُفَادُوهُمْ} {ٱلْكِتَابِ} {ٱلْحَيَاةِ} {ٱلْقِيَامَةِ} {بِغَافِلٍ} (85) - كَانَ فِي المَدِينَةِ ثَلاَثُ قَبَائِلَ مِنَ اليَهودِ: بَنُو قَيْنُقَاعَ وَبَنُو النَّضِيرِ، وَهُمْ حُلَفَاءُ الخَزْرَجِ، وَبَنُو قُرَيْظَةَ وَهُمْ حُلَفَاءُ الأَوْسِ، وَكَانُوا إِذَا وَقَعَتِ الحَرْبُ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ انتَصَرَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ اليَهُودِ لِحُلَفَائِهِ، وَانْضَمَّ إِلَيِهِمْ يُقَاتِلُ خُصُومَهمْ. وَكَثيراً مَا كَانَ اليَهودِيُّ يَقْتُلُ اليَهُودِيَّ فِي الحَرْبِ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ، وَيَنْتَهِبُ مَالَهُ وَأَثَاثَ مَنْزِلِهِ، وَكلُّ ذلِكَ محَرَّمٌ عَلَيهِمْ فِعْلُهُ بِنَصِّ التَّورَاةِ. وَلكِنَّهُمْ كَانُوا إِذا وَضَعَتِ الحِرْبُ أَوْزَارَهَا يَقُومُونَ بِافْتِكَاكِ الأَسْرَى وَمُفَادَاتِهِمْ، عَمَلاً بِنَصِّ التَّورَاةِ، فَاسْتَنْكَرَ اللهُ تَعَالَى أَفْعَالَهُمْ هذِهِ، فَهُمْ يَقتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً خِلاَفاً للنَّصِّ، وَلكِنَّهُمْ يَفْتَكُّونَ الأَسْرَى وَيُفَادُونَهُمْ عَمَلاً بِنَصِّ التَّورَاةِ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ مُسْتَنْكِراً تَصَرُّفَاتِهِمْ هذِهِ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَعْمَلُونَ بِهِ، وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِهِ وَتُخَالِفُونَهُ؟ وَتَوَعَّدَ اللهُ تَعَالَى مَنْ يُؤْمِنُ بِبَعْضِ الكِتَابِ، وَيَكْفُرُ بِبَعْضِهِ الآخَرِ بِالخِزْيِ وَالمَذَلَّةِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيا، وَبِالعَذابِ الأَلِيمِ الشَّدِيدِ يَوْمَ القِيَامَةِ. ثُمَّ يُذَكِّرُهُمْ اللهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ غَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ. تَظَاهَرُونَ - تَتَعَاوَنُونَ. الإِثْمُ - الفِعْلُ الذِي يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ اللَّومَ (العِقَابَ). العُدْوَانِ - تَجَاوُزِ الحَدَِّ فِي الظُّلْمِ. خِزْيٌ - ذُلٌّ وَفَضِيحَةٌ.

الثعلبي

تفسير : {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ} يعني يا هؤلاء فحذف النّداء للإستغناء بدلالة الكلام عليه كقوله: {أية : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا} تفسير : [الإسراء: 3] فهؤلاء للتنبيه ومبني على الكسرة مثل أنتم {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} قرآءة العامّة بالتخفيف من القتل. وقرأ الحسن: تقتلون بالتثقيل من التقتيل. {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ} قراءة العامّة وهم أهل الحجاز والشّام وأبو عمرو ويعقوب: تظاهرون بتشديد الظاء، واختاره أبو حاتم ومعناه تتظاهرون فأدغم التّاء في الظاء مثل: أثاقلتم وادّاركوا. وقرأ عاصم والأعمش وحمزة وطلحة والحسن وأبو عبد الرحمن وأبو رجاء والكسائي: تظاهرون بتخفيف الظاء، واختاره أبو عبيد ووجه هذه القراءة: إنّهم حذفوا تّاء الفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله {أية : وَلاَ تَعَاوَنُواْ} تفسير : [المائدة: 2] وقوله {أية : مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} تفسير : [الصافات: 25]. وقال الشّاعر: شعر : تعاطسون جميعاً حول داركم فكلّكم يا بني حمّان مزكوم. تفسير : وقرأ أُبي ومجاهد: تظهّرون مشدداً بغير ألف أي تتظهّرون [........] جميعاً تعاونون، والظهر: العون سمّي بذلك لإسناد ظهره إلى ظهر صاحبه. وقال الشّاعر: شعر : تكثّر من الاخوان ما اسطعت [.....] اذا إستنجدتهم فظهيرُ وما بكثير ألف خل وصاحب وانّ عدوّاً واحداً لكثيرُ تفسير : {بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} بالمعصية والظلم. {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ} قرأ عبد الرحمن السّلمي ومجاهد وابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل والجحدري وأبو عمرو وابن عامر: (أُسارى تفدوهم) بغير ألف، وقرأ الحسن: (أسرى) بغير ألف (تفادوهم) بألالف، وقرأ النخعي وطلحة والأعمش ويحيى بن رئاب وحمزة وعيسى بن عمرو وابن أبي إسحاق: (أسرى تفدوهم) كلاهما بغير ألف وهي إختيار أبي عبيدة. وقرأ أبو رجاء وأبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وقتادة والكسائي ويعقوب: (أُسارى تفادوهم) كلاهما بالألف، واختاره أبو حاتم. فالأسرى: جمع أسير مثل جريح وجرحى، ومريض ومرضى، وصريع وصرعى، والأسارى: جمع أسير أيضاً مثل كُسالى وسُكارى، ويجوز أن يكون جمع أسرى نحو قولك: أمرأة سكرى ونساءٌ سُكارى، ولم يفرق بينهما أحد من العلماء الأثبات إلاّ أبو عمرو. روى أبو هشام عن جبير الجعفي عن أبي عمرو قال: ما أُسر فهو أُسارى ومالم يؤسر فهو أُسرى، وروي عنه من وجه آخر قال: ما صار في أيديهم فهم أُسارى، وما جاء مستأسراً فهو أسرى. عن أبي بكر النقاش قال: سمعت أحمد بن يحيى ثعلب وقد قيل له هذا الكلام عن أبي عمرو فقال: هذا كلام المجانين. يعني لافرق بينهما. وحُكي عن أبي سعيد الضرير إنّه قال: الأُسارى: هم المقيدّون المشدَّدون والأسرى: هم المأسورون غير المقيدين. فأما قولهم تفدوهم بالمال وتنقذوهم بفدية أو بشىء آخر، وتفادوهم: تبادلوهم اراد مفاداة الأسير بالأسير، وأسرى: في محل نصب على الحال. فأما معنى الآية قال السّدي: إنّ الله عزّ وجلّ أخذ على بني إسرئيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم فأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام ثمنه فاعتقوه. فكانت قريظة خُلفاء الأوس، والنّضير خُلفاء الخزرج وكانوا يقتتلون في حرب نمير. فيُقاتل بنو قريظة مع حلفائهم، وبنو النّضير مع حلفائهم، وإذا غلبوا خرّبوا ديارهم وأخرجوهم منها فإذا أُسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتّى يفدوه وإن كان الاسير من عدوهم فيُعيّرهم العرب بذلك وتقول: كيف يقاتلونهم ويفدونهم.. ويقولن: إنّا قد أمرنا أنْ نفديهم وحُرّم علينا قتالهم. قالوا: فَلِمَ تقاتلونهم؟ قالوا: نستحي أن تستذل حلفاؤنا فذلك حين عيّرهم الله تعالى فقال: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ} الآية، وفي الآية تقديم وتأخير نظمها: وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالأثمّ والعدوان {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} وأن يأتوكم أُسارى تفدوهم. وكان الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الأخراج، وترك المظاهرة عليهم مع اعدائهم وفداء أُسرائهم. فأعرضوا عن كل ما أُمروا إلاّ الفداء. فقال الله عزّ وجلّ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} فأيمانهم بالفداء وكفرهم بالقتل والأخراج والمظاهرة. قال مجاهد: يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك، وقيل: معناه يستعملون البعض ويتركون البعض، تفادون أُسراء قبيلتكم وتتركون أُسراء أهل ملّتكم فلا تفادونهم. قال الله عزّ وجلّ {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ} يا معشر اليهود {إِلاَّ خِزْيٌ} عذاب هوان. {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} فكان خزي قريظة القتل والسّبي، وخزي بني النضير الجلاء والنفي عن منازلهم وجنانهم إلى أذرعات وريحا من الشّام. {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ} وهو عذاب النّار وقرأ أبو عبد الرحمن السّلمي وأبو رجاء والحسن: تُردّون بالتاء، لقوله {أَفَتُؤْمِنُونَ}. {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} بالتاء مدني وأبو بكر ويعقوب الباقون: بالتاء. {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ} استبدلوا. {ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ} يهوّن ويُرفّه. {عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} يمنعون من عذاب الله.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يخاطب الحق جل جلاله اليهود ليفضحهم؛ لأنهم طبقوا من التوراة ما كان على هواهم .. ولم يطبقوا ما لم يعجبهم ويقول لهم: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85]. إنه يذكرهم بأنهم وافقوا على الميثاق وأقروه. ولقد نزلت هذه الآية عندما زنت امرأة يهودية وأرادوا ألا يقيموا عليها الحد بالرجم .. فقالوا نذهب إلى محمد ظانين أنه سيعفيهم من الحد الموجود في كتابهم .. أو أنه لا يعلم ما في كتابهم .. فلما ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم هذا الحكم موجود عندكم في التوراة .. قالوا عندنا في التوراة أن نلطخ وجه الزاني والزانية بالقذارة ونطوف به على الناس .. قال لهم رسول الله لا .. عندكم آية الرجم موجودة في التوراة فانصرفوا .. فكأنهم حين يحسبون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيخفف حداً من حدود الله .. يذهبون إليه ليستفتوه. والحق سبحانه وتعالى يقول: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 85] .. أي بعد أن أخذ عليكم الميثاق ألا تفعلوا .. تقتلون أنفسكم .. يقتل بعضكم بعضاً، أو أن من قتل سَيُقْتَلُ. فكأنه هو الذي قتل نفسه .. والحق سبحانه قال: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 85] .. لماذا جاء بكلمة هؤلاء هذه؟ لإنها إشارة للتنبيه لكي نلتف إلى الحكم. وقوله تعالى: {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ} [البقرة: 85] وحذرهم بقوله: {أية : وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} تفسير : [البقرة: 84] .. وجاء هذا في الميثاق .. ما هو الحكم الذي يريد الحق تبارك وتعالى أن يلفتنا إليه؟ نقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما هاجر إلى المدينة انتقل من دار شرك إلى دار إيمان .. ومعنى دار إيمان أن هناك مؤمنين سبقوا .. فهناك مَنْ آمن مِنْ أهل المدينة .. لقد هاجر المسلمون قبل ذلك إلى الحبشة ولكنها كانت هجرة إلى دار أمن وليست دار إيمان .. ولكن حين حدثت بيعة العقبة وجاء جماعة من المدينة وعاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به .. أرسل معهم الرسول مصعب بن عمير ليعلمهم دينهم .. وجاءت هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام على خميرة إيمانية موجودة .. لما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أفسد على اليهود خطة حياتهم .. فاليهود كانوا ممثلين في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة .. وكان هناك في المدينة الأوس والخزرج .. وبينهما حروب دائمة قبل أن يأتي الإسلام .. فاليهود قسموا أنفسهم إلى قوم مع الأوس وقوم مع الخزرج حتى يضمنوا استمرار العداوة .. فكلما هدأ القتال أهاجوا أحد المعسكرين على الآخر ليعود القتال من جديد .. وهم كذلك حتى الآن وهذه طبيعتهم. إن الذي صنع الشيوعية يهودي، والذي صنع الرأسمالية يهودي .. والذي يحرك العداوة بين المعسكرين يهودي .. وكان بنو النضير وبنو قينقاع مع الخزرج وبنو قريظة مع الأوس .. فإذا اشتبك الأوس والخزرج كان مع كل منهم حلفاؤه من اليهود. عندما تنتهي المعركة ماذا كان يحدث؟ إن المأسورين من بني النضير وبني قينقاع يقوم بنو قريظة بالمساعدة في فك أسرهم .. مع أنهم هم المتسببون في هذا الأسر .. فإذا إنتصرت الأوس وأخذوا أسرى من الخرج ومن حلفائهم اليهود .. يأتي اليهود ويعملون على إطلاق سراح الأسرى اليهود .. لأن عندهم نصاً أنه إذا وجد أسير من بني إسرائيل فلابد من فك أسره. والحق سبحانه وتعالى يقول لهم إن أعمالكم في أن يحارب بعضكم بعضاً وأن تسفكوا دماءكم .. لا تتفق مع الميثاق الذي أخذه الله عليكم بل هي مصالح دنيوية .. تقتلون أنفسكم والله نهاكم عن هذا: {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ} [البقرة: 85] والله نهاكم عن هذا: {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} [البقرة: 85] .. وهذا ما كان يحدث في المدينة في الحروب بين الأوس والخزرج كما بَيَّنا .. والأسارى جمع أسير وهي على غير قياسها، لأن القياس فيها أسرى .. ولذلك نرى في آية أخرى أنه يأتي قول الله سبحانه وتعالى: {أية : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنفال: 67]. ولكن القرآن أتى بها أسارى .. واللغة أحياناً تأتي على غير ما يقتضيه قياسها لتلفتك إلى معنى من المعاني .. فكسلان تجمع كسالى .. والكسلان هو هابط الحركة .. الأسير أيضاً أنت قيدت حركته .. فكأن جمع أسير على أسارى إشارة إلى تقييد الحركة .. القرآن الكريم جاء بأسارى وأسرى .. ولكنه حين استخدم أسارى أراد أن يلفتنا إلى تقييد الحركة مثل كسالى .. ومعنى وجود الأسرى أن حرباً وقعت .. لحرب تقتضي الالتقاء والالتحام .. ويكون كل واحد منهم يريد أن يقتل عدوه. كلمة الأسر هذه أخذت من أجل تهدئة سعار اللقاء .. فكأن الله أراد أن يحمي القوم من شراسة نفوسهم وقت الحرب فقال لهم استأسروهم .. لا تقتلوهم إلا إذا كنتم مضطرين للقتل .. ولكن خذوهم أسرى وفي هذا مصلحة لكم لأنكم ستأخذون منهم الفدية .. وهذا تشريع من ضمن تشريعات الرحمة .. لأنه لو لم يكن الأسر مباحاً .. لكان لابد إذا التقى مقاتلان أن يقتل أحدهما الآخر .. لذلك يقال خذه أسيراً إلا إذا كان وجوده خطراً على حياتك. وقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} [البقرة: 85] .. كانت على طائفة من اليهود مع حليفتها من الأوس أو الخزرج .. وكانت تخرج المغلوب من ديارهم وتأخذ الديار .. وبعد أن تنتهي الحرب يفادوهم .. أي يأخذون منهم الفدية ليعيدوا إليهم ديارهم وأولادهم. لماذا يقسم اليهود أنفسهم هذه القسمة .. إنها ليست تقسيمة إيمانية ولكنها تقسيمة مصلحة دنيوية .. لماذا؟ لأنه ليس من المعقول وأنتم أهل كتاب .. ثم تقسمون أنفسكم قسما مع الأوس وقسماً مع الخزرج .. ويكون بينكم إثم وعدوان. وقوله تعالى: {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [البقرة: 85] .. تظاهرون عليهم. أي تعاونون عليهم وأنتم أهل دين واحد: "بالإثم" .. والإثم هو الشيء الخبيث الذي يستحي منه الناس: "والعدوان" .. أي التعدي بشراسة .. وقوله تعالى: {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} [البقرة: 85] .. أي تخرجونهم من ديارهم وتأخذوا الفدية لترجعوها إليهم. ثم يقول الله تبارك وتعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] .. أي تأخذون القضية على أساس المصلحة الدنيوية .. وتقسمون أنفسكم مع الأوس أو الخزرج .. تفعلون ذلك وأنتم مؤمنون بإله ورسول وكتاب .. مستحيل أن يكون دينكم أو نبيكم قد أمركم بهذا. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} [البقرة: 85] أي إنكم فعلتم ذلك وخالفتم لتصلوا إلى مجد دنيوي ولكنكم لم تصلوا إليه .. سيصيبكم الله بخزي في الدنيا .. أي أن الجزاء لن يتأخر إلى الآخرة بل سيأتيكم خزي وهو الهوان والذل في الدنيا .. وماذا في الآخرة؟ يقول الله تعالى: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ} [البقرة: 85] الخزي في الدنيا أصابهم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين .. وأخرج بنو قينقاع من ديارهم في المدينة .. كذلك ذُبِحَ بنو قريظة بعد أن خانوا العهد وخانوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين .. وهكذا لا يؤخر الله سبحانه وتعالى جزاء بعض الذنوب إلى الآخرة .. وجزاء الظلم في الدنيا لا يؤجل إلى الآخرة، لأن المظلوم لابد أن يرى مصرع ظالميه حتى يعتدل نظام الكون .. ويعرف الناس أن الله موجود وأنه سبحانه لكل ظالم بالمرصاد .. اليهود أتاهم خزي الدنيا سريعاً: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ} [البقرة: 85]. قد يتساءل الناس ألا يكفيهم الخزي في الدنيا عن عذاب الآخرة؟ نقول لا .. لأن الخزي لم ينلهم في الدنيا حداً .. ولم يكن نتيجة إقامة حدود الله عليهم .. فالخزي حين ينال الإنسان كحد من حدود الله يعفيه من عذاب الآخرة .. فالذي سرق وقطعت يده والذي زنا ورجم .. هؤلاء نالهم عذاب من حدود الله فلا يحاسبون في الآخرة .. أما الظالمون فالأمر يختلف .. لذلك فإننا نجد أُناسا من الذين ارتكبوا إثماً في الدنيا يلحون على إقامة الحد عليهم لينجوا من عذاب الآخرة .. مع أنه لم يرهم أحد أو يعلم بهم أحد أو يشهد عليهم أحد .. حتى لا يأتي واحد ليقول: لماذا لا يعفي الظالمون الذين أصابهم خزي في الدنيا من عذاب الآخرة؟ نقول إنهم في خزي الدنيا لم يحاسبوا عن جرائمهم .. أصابهم ضر وعذاب .. ولكن أشد العذاب ينتظرهم في الآخرة .. وما أهون عذاب الدنيا الذي هو بقدرة البشر عن عذاب الآخرة الذي هو بقدرة الله سبحانه وتعالى، كما أن هذه الدنيا تنتهي فيها حياة الإنسان بالموت، أما الآخرة فلا موت فيها بل خلود في العذاب. ثم يقول الحق جل جلاله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85] .. أي لا تحسب أن الله سبحانه وتعالى يغفل عن شيء في كونه فهو لا تأخذه سِنَةٌ ولا نَوْمٌ .. وهو بكل شيء محيط.

الأندلسي

تفسير : {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} هذا استبعاد لما أخبر به عنهم من القتل والاجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم، وأنتم: مبتدأ وخبره اسم الاشارة. وتقتلون: حال ومن كلامهم ها أنت ذا قائماً، وها لنا ذا قائماً والمقصود من حيث المعنى الاخبار بالحال. وترى: تقتلون - مخففاً ومشدداً -. {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ} كان بنو قينقاع حلفاء الأوس وأعداء قريظة، وكان بنو قريظة والنضير حلفاء الخزرج وقريظة والنضير إخوان كما أن الأوس والخزرج إخوان ثم افترقوا فصارت النضير حلفاء الخزرج، وقريظة حلفاء الأوس، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه فإِذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر الرجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فعيّرتهم العرب بذلك وقالوا: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم فيقولون أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا. وقرىء {تَظَاهَرُونَ} بإِدغام التاء في الظاء، وتظاهرون بحذف التاء، وتتظاهرون بتاءين، وتظهرون بشد الظاء والهاء، وتظاهرون: مضارع ظاهر. والتظاهر: هو التعاون والتناصر والاثم ما يستحق متعاطيه الذم أو ما تنفر منه النفس ولا يطمئن إليه القلب. والعدوان: الاعتداء وهو مجاوزة الحد في الظلم. وقرىء {أُسَارَىٰ} وأسرى. {تُفَادُوهُمْ} وتفدوهم: أي لا يناسب من أسأتم إليهم بالإِخراج أن تحسنوا إليهم بالفداء. {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} تقدم قتل النفس والاخراج من الديار والتظاهر والمفاداة وأكد الاخراج بالنص على تحريمه وإن كان ما سبق محرماً لما فيه من الجلاء والنفي لا ينقطع شره إلا بالموت، بخلاف القتل وإن كان فيه إفساد الصورة لكن فيه انقطاع الشر وهو ضمير الشأن. ومحرم: خبر مقدم. وإخراجهم: مبتدأ. والجملة: خبر عن ضمير الشأن. (ووقع لابن عطية في إعراب وهو محرم عليكم إخراجهم أقوال) تنتقد ذكرناها في البحر. {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} استفهام توبيخ أي ببعض الكتاب الالهي من التوراة وما أنزل على أنبيائكم وتكفرون ببعض من الكتاب الالهي كالانجيل والقرآن المنزل على محمد وذلك كله حق منزل من عند الله فالتفريق بينهما كفر وضلال. {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ} الجزاء يطلق في الخير. وجزاءهم بما صبروا جنة. وفي الشر فجزاؤه جهنم. والخزي: الفضيحة والقصاص فيمن قتل فإِن كان الخطاب في أفتؤمنون لمعاصري الرسول صلى الله عليه وسلم جاز أن يراد بالخزي. {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} ضرب الجزية عليهم وقتل قريظة وإجلاء النضير إلى اريحاء واذرعات. {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ} أي يصيرون. {إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ} وهو الخلود في النار دائماً وقرىء يردون بالياء اعتباراً بقوله: من يفعل ذلك، وبالتاء اعتباراً بقوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ} أو التفات بالنسبة إلى من يفعل. وقرىء يعملون بالياء وبالتاء. {أُولَـٰئِكَ} إلى الذين تقدم ذكرهم من اليهود الجامعين لتلك الأوصاف القبيحة. {ٱشْتَرَوُاْ} مجاز عن إيثار العاجل الفاني على الأجل الباقي والمشتري للشيء هو المؤثر لتحصيله والثمن المبذول فيه مرغوب عنه. وأولئك: مبتدأ. والذين: خبره. {فَلاَ يُخَفَّفُ} معطوف على الصلة من عطف الجمل فلا يشترط اتحاد الزمان، كما تقول: جاءني الذي قتل زيداً أمس وسيقتل أخاه غداً فلا يخفف أي يبقى على شدته. {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أى لا يجدون من يدفع عنهم ما حل بهم من عذاب الله وهي جملة اسمية معطوفة على فعل أو يرتفع هم على أنه مفعول لم يسم فاعله فيكون من باب الاشتغال.