٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
84
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه الآية تدل على نوع آخر من نعم الله عليهم وهو أنه تعالى كلفهم هذا التكليف وأنهم أقروا بصحته ثم خالفوا العهد فيه. وأما قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ } ففيه وجوه. أحدها: أنه خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وثانيها: أنه خطاب مع أسلافهم، وتقديره وإذ أخذنا ميثاق آبائكم. وثالثها: أنه خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف ومعنى: {أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ } أمرناكم وأكدنا الأمر وقبلتم وأقررتم بلزومه ووجوبه. أما قوله تعالى: {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ } ففيه إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه، وإذا كان كذلك فلا فائدة في النهي عنه. والجواب عنه من أوجه، أحدها: أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت في أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور والصلاح أو كثير ممن صعب عليه الزمان، وثقل عليه أمر من الأمور، فيقتل نفسه، فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صح كونه مكلفاً به، وثانيها: المراد لا يقتل بعضكم بعضاً، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به نسباً وديناً وهو كقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 54] وثالثها: أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه، ورابعها: لا تتعرضوا لمقاتلة من يقتلكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم، وخامسها: لا تسفكون دماءكم من قوامكم في مصالح الدنيا بهم فتكونون مهلكين لأنفسكم. أما قوله تعالى: {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ } ففيه وجهان، الأول: لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم، الثاني: المراد النهي عن إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم لأن ذلك مما يعظم فيه المحنة والشدة حتى يقرب من الهلاك. أما قوله تعالى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } ففيه وجوه، أحدها: وهو الأقوى، أي: ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه وأنتم تشهدون عليها كقولك فلان مقر على نفسه بكذا أي شاهد عليها، وثانيها: اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك لأنه كان شائعاً فيما بينهم مشهوراً. وثالثها: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق، ورابعها: الإقرار الذي هو الرضاء بالأمر والصبر عليه كأن يقال: فلان لا يقر على الضيم فيكون المعنى أنه تعالى يأمركم بذلك ورضيتم به فأقمتم عليه وشهدتم بوجوبه وصحته، فإن قيل: لم قال: {أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } والمعنى واحد، قلنا فيه ثلاثة أقوال: الأول: أقررتم يعني أسلافكم وأنتم تشهدون الآن يعني على إقرارهم، الثاني: أقررتم في وقت الميثاق الذي مضى وأنتم بعد ذلك تشهدون، الثالث: أنه للتأكيد.
القرطبي
تفسير : . فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} تقدّم القول فيه. {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءِكُمْ} المراد بنو إسرائيل؛ ودخل فيه بالمعنى مَن بعدهم. «لاتسفكون» مثل «أية : لاَ تَعْبُدُون»تفسير : [البقرة: 83] في الإعراب. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء، وهي لغة؛ وأبو نهيك «تُسَفِّكون» بضم التاء وتشديد الفاء وفتح السين. والسَّفْك: الصّب. وقد تقدّم. {وَلاَ تُخْرِجُونَ} معطوف. {أَنْفُسَكُمْ} النفس مأخوذة من النَّفَاسة، فنفس الإنسان أشرف ما فيه. والدار: المنزل الذي فيه أبنية المقام بخلاف منزل الارتحال. وقال الخليل: كل موضع حَلّه قوم فهو دار لهم وإن لم تكن فيه أبنية. وقيل: سُمِّيت داراً لدورها على سكانها؛ كما سُمّيَ الحائط حائطاً لإحاطته على ما يحويه. و {أَقْرَرْتُمْ} من الإقرار؛ أي بهذا الميثاق الذي أُخِذ عليكم وعلى أوائلكم. {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} من الشهادة؛ أي شهداء بقلوبكم على هذا. وقيل: الشهادة بمعنى الحضور؛ أي تحضرون سفك دمائكم، وإخراج أنفسكم من دياركم. الثانية: فإن قيل: وهل يَسفِك أحد دمه ويُخرج نفسه من داره؟ قيل له: لما كانت ملّتهم واحدة وأمرهم واحد وكانوا في الأمم كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضاً وإخراج بعضهم بعضاً قتلاً لأنفسهم ونَفياً لها. وقيل: المراد القصاص؛ أي لا يَقتل أحد فيُقتل قصاصاً، فكأنه سفك دمه. وكذلك لا يزني ولا يرتدّ، فإن ذلك يبيح الدم. ولا يُفْسِد فيُنْفَى، فيكون قد أخرج نفسه من دياره. وهذا تأويل فيه بُعْدٌ وإن كان صحيح المعنى. وإنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقاً ألاّ يقتل بعضهم بعضاً؛ ولا يَنفيه ولا يسترقّه، ولا يدعه يسرق؛ إلى غير ذلك من الطاعات. قلت: وهذا كله محرّم علينا، وقد وقع ذلك كله بالفتن فينا؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون! وفي التنزيل: {أية : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}تفسير : [الأنعام: 65] وسيأتي. قال ٱبن خُوَيْزِ منداد: وقد يجوز أن يراد به الظاهر، لا يقتل الإنسان نفسه، ولا يخرج من داره سفهاً؛ كما تقتل الهند أنفسها. أو يقتل الإنسان نفسه من جَهد وبلاء يصيبه، أو يَهيم في الصحراء ولا يأوي البيوت جهلاً في ديانته وسفهاً في حِلمه؛ فهو عموم في جميع ذلك. وقد "حديث : روي أن عثمان بن مَظْعُون بايع في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزموا أن يلبسوا المسوح، وأن يَهيموا في الصحراء ولا يأوُوا البيوت، ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء؛ فبلغ ذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم فجاء إلى دار عثمان بن مظعون فلم يجده، فقال لامرأته: «ما حديثٌ بلغني عن عثمان»؟ وكَرهت أن تُفشي سِرّ زوجها، وأن تكذِب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالت: يا رسول الله، إن كان قد بلغك شيء فهو كما بلغك؛ فقال: «قولي لعثمان أخلاف لسُنتي أم على غير مِلّتي إني أصلّي وأنام وأصوم وأُفطِر وأَغْشَى النساء وآوي البيوت وآكل اللحم فمن رَغِب عن سُنتي فليس مني» فرجع عثمان وأصحابه عما كانوا عليه"
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ} على نحو ما سبق والمراد به أن لا يتعرض بعضهم بعضاً بالقتل والإجلاء عن الوطن. وإنما جعل قتل الرجل غيره قتل نفسه، لاتصاله به نسباً أو ديناً، أو لأنه يوجبه قصاصاً. وقيل معناه: لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم، أو لا تفعلوا ما يرديكم ويصرفكم عن الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة، ولا تقترفوا ما تمنعون به عن الجنة التي هي داركم، فإنه الجلاء الحقيقي {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } بالميثاق واعترفتم بلزومه {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } توكيد كقولك. أقر فلان شاهداً على نفسه. وقيل وأنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم، فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازاً.
ابن كثير
تفسير : يقول تبارك وتعالى منكراً على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير: حلفاء الخزرج، وبنو قريظة: حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم، قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم، ويخرجونهم من بيوتهم، وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها، استفكّوا الأسارى من الفريق المغلوب؛ عملاً بحكم التوراة، ولهذا قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} ولهذا قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءِكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَـٰرِكُمْ} أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»تفسير : وقوله تعالى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} أي: ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته، وأنتم تشهدون به {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاَۤءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَـٰرِهِمْ} الآية، قال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس: {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاَۤءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَـٰرِهِمْ} الآية، قال: أنبأهم الله بذلك من فعلهم، وقد حرم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع، وهم حلفاء الخزرج والنضير، وقريظة وهم حلفاء الأوس، فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب، خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى تسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم، والأوس والخزرج أهل شرك، يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة ولا ناراً، ولا بعثاً ولا قيامة، ولا كتاباً ولا حلالاً ولا حراماً، فإذا وضعت الحرب أوزارها، افتدوا أسراهم؛ تصديقاً لما في التوراة، وأخذاً به بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلبون ما أصابوا من دمائهم، وقتلوا من قتلوا منهم فيما بينهم؛ مظاهرة لأهل الشرك عليهم، يقول الله تعالى ذكره حيث أنبأهم بذلك: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} أي: تفادونهم بحكم التوراة، وتقتلونهم، وفي حكم التوراة أن لا يقتل، ولا يخرج من داره، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا؟ ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة. وقال أسباط عن السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب بينهم، فتقاتل بنو قريظة مع حلفائهم النضير وحلفائهم، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها ويغلبونهم، فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما، جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك، يقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن تستذل حلفاؤنا، فذلك حين عيرهم الله تبارك وتعالى، فقال تعالى: {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاَۤءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَـٰرِهِمْ} الآية، وقال أسباط عن السدي عن الشعبي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخطيم {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاَۤءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَـٰرِهِمْ} الآية، وقال أسباط عن السدي، عن عبد خير، قال: غزونا مع سليمان بن ربيعة الباهلي بلنجر، فحاصرنا أهلها، ففتحنا المدينة، وأصبنا سبايا، واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة، فلما مر برأس الجالوت، نزل به، فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت هل لك في عجوز ههنا من أهل دينك تشتريها مني؟ قال: نعم، قال: أخذتها بسبعمائة درهم، قال: فإني أربحك سبعمائة أخرى، قال: فإني قد حلفت أن لا أنقصها من أربعة آلاف، قال: لا حاجة لي فيها، قال: والله لتشرينها مني، أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه، قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه مما في التوراة: إنك لا تجد مملوكاً من بني إسرائيل إلا اشتريته، فأعتقته {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين، ورد عليه ألفين. وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا أبو جعفر، يعني الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، أخبرنا أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب، ولا يفادي من وقع عليه العرب، فقال عبد الله: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن. والذي أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق، ذم اليهود في قيامهم بأمر التوارة التي يعتقدون صحتها ومخالفة شرعها، مع معرفتهم بذلك، وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها، ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما كتموه من صفة الرسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته ومبعثه ومخرجه ومهاجره، وغير ذلك من شؤونه التي أخبرت بها الأنبياء قبله عليهم الصلاة والسلام، واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم، ولهذا قال تعالى: {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْىٌ فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا} أي: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره {وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ} جزاء على مخالفتهم كتاب الله الذي بأيديهم { وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} أي: استحبوها على الآخرة واختاروها {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم منه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ } وقلنا {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ } تريقونها بقتل بعضكم بعضاً {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دِيَٰرِكُمْ } لا يخرج بعضكم بعضاً من داره {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } قبلتم ذلك الميثاق {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } على أنفسكم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُ مِّن دِيَارِكُمْ} أما النفس فمأخوذة من النفاسة، وهي الجلالة، فنفس الإنسان أنفس ما فيه، وأما الديار فالمنزل، الذي فيه أبنية المقام، بخلاف منزل الارتحال، وقال الخليل: كل موضع حَلَّهُ قوم، فهو دار لهم، وإن لم يكن فيه أبنية. فإن قيل: فهل يسفك أحد دمه، ويخرج نفسه من داره؟ ففيه قولان: أحدهما: معناه لا يقتل بعضكم بعضاً، ولا يخرجه من داره، وهذا قول قتادة، وأبي العالية. والثاني: أنه القصاص الذي يقتص منهم بمن قتلوه. وفيه قول ثالث: أن قوله "أنفسكم" أي إخوانكم فهو كنفس واحدة. قوله تعالى: {تَظَاهَرُونَ عَليْهِم بالإثْمِ وَالعُدْوَانِ} يعني تتعاونون، والإثم هو الفعل الذي يستحق عليه الذم، وفي العدوان قولان: أحدهما: أنه مجاوزة الحق. والثاني: أنه في الإفراط في الظلم. {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُم} وقرأ حمزة {أُسْرَى}. وفي الفرق بين أَسْرَى وأُسَارَى قولان: أحدهما: أن أَسْرَى جمع أسير، وأُسَارَى جمع أَسْرَى. والثاني: أن الأَسْرى الذين في اليد وإنْ لم يكونوا في وَثَاق، وهذا قول أبي عمرو بن العلاء، والأُسارَى: الذين في وَثَاق.
ابن عبد السلام
تفسير : [ {لا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} ] لا تقتلون أنفسكم لا يقتل بعضكم بعضاً أو لا تقتلوا أحداً فيقتص منكم به، فتكونوا قاتلين لأنفسكم بالتسبب، والنفس من النفاسة، لأنها أنفس ما في الإنسان. {دِيَارِكُمْ} الخليل: كل موضع حله قوم فهو دار وإن لم يكن فيه أبنية، أو الدار موضع فيه أبنية المقام.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءِكُمْ...} تضمن الكلام السابق أمرا اعتقاديا وأمرا فرعيا، (وهذا تضمّن أمرا فرعيا فقط) وسفك الدماء أشد من الإخراج من الديار، فالنّهي عنه لا يستلزم النهي عن الإخراج من الديار، فكان ذلك ترقيا في الذمّ. وقراءة "يسفكون" بالتخفيف أعم من (قراءة) التشديد لأنه نهي عن مطلق السفك. ووجه قراءة التشديد أنّ النّهي أتى على وفق حالهم/ في سفك الدّماء، وكانوا قد تَنَاهَوْا وبلغوا الغاية. قوله تعالى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ}. قال ابن عرفة: إما أنّ المراد أقررتم بذلك إقرارا يتضمن أنّكم حصل لكم بذلك العلم اليقيني، فهو يبلغ إلى درجة الشهادة، لأنّ الإنسان يُقِرّ بها: يظن ولا يشهد إلا بما يعلم. قلت: وأشار الزمخشري إليه حيث جعله كقولك: فلان مُقر على نفسه بكذا، شاهد عليه. قال ابن عرفة: وإمّا أن يراد أقر كل واحد منكم على نفسه وشهد على غيره. الزمخشري: وقيل: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق. زاد ابن عطية: أقررتم (خلفا بعد سلف) أنّ هذا الميثاق أخذ عليكم، والتزمتموه، فيتجه في هذه اللفظة أن تكون من الإقرار الذي هو ضد الجحد، ويتعدى بالباء، وأن تكون من الإقرار الذي هو إبقاء الأمر على حاله أي أقررتم هذا الميثاق ملتزما. "وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ" أي تحضرون أخذ الميثاق والإقرار.
ابن عادل
تفسير : هذا الخطاب كله كالذي قبله: وقوله: {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} كقوله: {لاَ تَعْبُدُونَ إلاَّ ٱللهَ} في الإعراب سواء. و "تُسْفِكُونَ" من "أَسْفَك" الرّباعي. وقرأ طلحة بن مصرف، وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء وهي لغة، وأبو نهيك "تُسَفِّكُونَ" بضم التاء، وفتح السين، وتشديد الفاء. و "وَلاَ تْخْرِجُونَ" معطوف. فإن قيل: الإنسان ملجأ إلى ألاَّ يقتل نفسه فأي فائدة في النهي عنه؟ فالجواب من أوجه: أحدها: أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت في أهل "الهِنْدِ" أنهم يقدرون في قتل النفس التَّخلُّص من عالم الفساد، واللحوق بعالم النور والصلاح، أو كثير ممن صعب عليه الزمان، وثقل عليه أمر من الأمور، فيقتل نفسه، فإذا انتفى كون الإنسان ملجأ إلى ترك قتله نفسه صحّ كونه مكلفاً به. وثانيها: المراد لا يقتل بعضكم بعضاً، وجعل غير الرجل نفسه إذا اتّصل به نَسَباً وديناً كقوله تعالى: {أية : فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة:54] وثالثها أنه إذا قتل غيره، فكأنما قتل نفسه؛ لأنه يقتصُّ منه بإقامة المسبّب مقام السَّبب، وهو قريب من قولهم: "القَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ"؛ وقال: [الطويل] شعر : 628ـ سَقَيْنَاهُمُ كَأْساً سَقَوْنَا بِمِثِلْهَا وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى المَوْتِ أَصْبَرَا تفسير : وقيل: لا تفسكوها بارتكاب أنفسكم ما يوجب سفكها كالارْتِدَاد نحوه وهو قريب مما قبله. ورابعها: لا تتعرضوا لمُقَاتلة من يقتلكم، فتكونوا قد قتلتم أنفسكم. وخامسها: لا تسفكوا دماءكم من قوامكم في مصالح الدنيا، فتكونوا مهلكين لأنفكسم. قوله: {وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم} فيه وجهان. الأول: لا تفعلون ما تستحقّون بسببه أن تخرجوا من دياركم. الثاني: المراد النهي عن إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم؛ لأن ذلك مما يعظم فيه المحنة. "مِّن دِيَارِكُمْ" متعلّق بـ "تخرجون"، و "من" لابتداء الغاية، و "ديار" جمع دار الأصل: دَوَرَ؛ لأنه من دَارَ ـ يَدُورُ ـ دَوَرَاناً، فأصل دِيَار: دِوَار، وإنما قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، واعتلالها في الواحد. وهذه قاعدة مطّردة [في كل جمع على "فِعَالٍ" صحيح اللام قد اعتلت عين مفردة، أو سكنت حرف علة نحو:] ديار وثياب، ولذلك صحّ "رِوَاء" لاعتلال لامه، و"طِوَال" لتحرك عين مفردة، وهو "طويل". فأما "طيال" في "طوال" فَشَاذّ، وحكم المصدر حكم هذا نحو: قام ـ قياماً، وصام ـ صياماً، ولذلك صح "لِوَاذ" لصحة فعله في قولهم: "لاوذ". وأما دَيَّار فهو من لفظة الدار، وأصله: ديوان، فاجتمع الياء والواو فأعلاً على القاعدة المعروفة فوزنه: "فَيْعَال" لا "فَعَّال"، إذ لو كان "فَعَّالاً" لقيل: دَوَّار كـ "صَوَّام وقَوَّام" والدَّار: مجتمع القوم من الأَبنية. وقال الخَلِيلُ: كل موضع حَلَّه الناس، وإن لم يكن أبنية. [وقيل: سميت داراً لدورها على سكانها، كما سمي الحائط حائطاً لإحاطته على ما يحويه]. و "النفس" مأخوذ من النّفَاسة، فنفس الإنسان أشرف ما فيه. وقوله: "ثم أقررتم". قال أبو البقاء: فيه وجهان: أحدهما: أن "ثُمّ" على بابها في إفادة العطف والتراخي، والمعطوف عليه محذوف تقديره: فَقَبِلْتُمْ، ثم أقررتم. والثاني: أن تكون "ثم" جاءت لترتيب الخبر لا لترتيب المخبر عنه، كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ}تفسير : [يونس:46]. قوله: "وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ" كقوله: {أية : وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ}تفسير : [البقرة:83] وفيها وجوه: أحدها: أقررتم بالمِيثَاق، ثم اعترفتم على أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون عليها، كقولك: فلان مقرّ على نفسه بكذا، شاهد عليها. وثانيها: اعترفتم بقَبُوله، وشهد بعضكم على بعض بذلك؛ لأنه كان شائعاً بينكم مشهوراً. وثالثها: وأنتم تشهدون اليوم ما مَعْشَرَ اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق. ورابعها: أن المراد بهذا الإقرار الذي هو الرِّضا بالأمر والصبر عليه، كما يقال فلان لا يقر على الضَّيم، فيكون المعنى أنه ـ تعالى ـ أمركم بذلك، ورضيتم به، وأقمتم عليه، وشهدتم على وجوبه وصحته. فإن قيل: لم قال {أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} والمعنى واحد؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أقررتم يعني أسْلافكم، وأنتم تشهدون الآن على إقرارهم. الثاني: أقررتم في وقت المِيثَاقِ الذي مضى، وأنتم بعد ذلك تشهدون [بقلوبكم]. الثالث: أنه للتأكيد. قوله: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} فيه سبعة أقوال: أحدها: وهو الظاهر أن "أنتم" في محل رفع بالابتداء، وهؤلاء خبره و "تقتلون" حال، والعامل فيها اسم الإشارة لما فيه من معنى الفِعْل، وهي حال منه ليتّحد ذُو الحال وعاملها. وقد قالت العرب: "ها أنت ذا قائماً" و "ها أنا ذا قائماً" و "ها هوذَا قائماً" فأخبروا باسم الإشارة عن الضَّمير في اللَّفظ والمعنى على الإخبار بالحال، فكأنه قال: "أنت الحاضر"، "وأنا الحاضر"، "وهو الحاضر" في هذه الحالة. ويدل على أن الجملة من قوله: "تَقْتُلُونَ" حال وقوع الحال الصريحة موقعها كما تقدم في: "ها أنا ذا قائماً" ونحوه إلى هذا المعنى نَحَا الزمخشري فقال: {ثُمّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ} استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارِهم وشَهَادتِهم، والمعنى: ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون: يعني أنكم قوم آخرون غيرُ أولئك المقربين، تنزيلاً لتغير الصّفة منزلة تغير الذَّات كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به. وقوله: "تَقْتُلُونَ" بيان لقوله: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ}. واعترضه أبو حَيّان فقال: الظاهر أن المشار إليهم بقوله: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ} هم المخاطبون أولاً، فليسوا قوماً آخرين، ألا ترى أن التقدير الذي قَدَّره الزمخشري من تقدير [تغير الصّفة منزلة] تغيّر الذات لا يتأتى في نحو: ها أنا ذا قائماً، ولا في نحو: ها أنتم هؤلاء، بل المُخَاطب هو المشار إليه من غير تَغَيُّرٍ. وأجيب بأن هذا الإيراد بعيد غير واضح. والثاني: أن "أنتم" أيضاً مبتدأ، و "هؤلاء" خبره، ولكن بتأويل حذف مضاف تقديره: ثم أنتم مِثْلُ هؤلاء، و "تقتلون" حال أيضاً، العامل فيها معنى التشبيه، إلا أنه يلزم منه الإشَارة إلى غائبين؛ لأن المراد بهم أَسْلاَفهم علىهذا، وقد يقال: إنه نزل الغائب منزلة الحاضر. الثالث: ونقله "ابن عطية" عن شيخه "ابن الباذش" أن "أنتم" خبر متقدم، و "هؤلاء" مبتدأ مؤخر. وهذا فاسد؛ لأن المبتدأ أو الخبر متى استويا تعريضاً وتنكيراً لم يَجُزْ تقدم الخبر، وإن ورد منه ما يوهم فمتأول. الرابع: أن "أنتم" مبتدأ و "هؤلاء" مُنَادى حذف منه حرف النِّدَاء، وتقتلون خبر المبتدأ، وفصل بالنداء بين المبتدأ وخبره. وهذا لا يجيزه جمهور البصريين إنما قال به "الفراء" وجماعة؛ أنشدوا: [البسيط] شعر : 629ـ إِنَّ الأُلَى وَصَفُوا قَوْمِي لَهُمْ فَبِهِمْ هَذَا اعْتَصِمْ تَلْقَ مَنْ عَادَاكَ مَخْذُولاَ تفسير : أي: يا هذا، وهذا لا يجوز عند البصريين، ولذلك لُحِّنَ المتنبي في قوله: [الكامل] شعر : 630ـ هَذِي بَرَزْتِ لَنَا فَهِجْتِ رَسِيسَا .................... تفسير : وفي البيت كلام طويل. الخامس: أن "هؤلاء" موصول بمعنى "الذي"، و "تقتلون" صلته، وهو خبر عن "أنتم" أي: أنتم الذين تقتلون. وهذا لا يجيزه جمهور البصريين إنما قال به "الفراء" وجماعة؛ أنشدوا: [البسيط] شعر : 631ـ................... نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ تفسير : أي: والذي تحملين، ومثله: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ}تفسير : [طه:17] يعني: وما التي؟ السادس: أنَّ "هؤلاء" منصوب على الاختصاص، بإضمار "أعني" و "أنتم" مبتدأ، و "يقتلون" خبره، اعترض بينهما بجملة الاختصاص، وإليه ذهب ابن كَيْسَان. وهذا لا يجوز، لأن النحويين قد نصّوا على أن الاختصاص لا يَكُون بالنكرات، ولا أسماء الإشارة، والمستقرأ من لسان العرب أن المنصوب على الاختصاص: إما "أي" نحو: "اللهم اغفر لنا أيتها العِصَابة" أو معرف بـ "أل" نحو: نحن العَرَبَ أَقْرَى النَّاس للضيف، أو بالإضافة نحو: نحن مَعَاشِرَ الأنبياء لا نورّث، وقد يجيء كقوله: [الرجز] شعر : 632ـ بِنَا تَمِيماً يُكْشَفُ الضَّبَابُ تفسير : وأكثر ما يجيء بعد ضمير تكلُّم كما تقدم، وقد يجيء مخاطب كقولهم: "بك الله نرجو الفضل". السابع: أن يكون "أَنْتُمْ هَؤُلاَء" على ما تقدّم من كونهما مبتدأ أو خبر، والجُمْلة من "تقتلون" مستأنفة مبينة للجملة قبلها، يعني: أنتم هؤلاء الأشخاص الحَمْقَى، وبيان حَمَاقتكم وقلّة عقلوكم أنكم تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من دِيَارِهِمْ، وهذا ذكره الزَّمخشري في آل عمران في قوله: {أية : هَٰأَنتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ}تفسير : [آل عمران:66] ولم يذكر هنا، وسيأتي بنصه إن شاء الله تعالى. قوله: "تَظَاهَرُونَ" هذه الجملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "تُخْرجون" وفيها خمس قراءات: "تَظَّاهرُون" بتشديد الظَّاء، والأصل: تتظاهرون فأُدغم لقرب الظاء من التاء. و "تَظَاهَرُون" مخففاً، والأصل كما تقدم، إلا أنه خفّفه بالحذف، وهل المحذوف الثانية وهو الأَوْلَى؛ لحصول الثقل بها، ولعدم دلالتها على معنى المُضَارعة، أو الأُولَى كما زعم هشام؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 633ـ تَعَاطَسُونَ جَمِيعاً حَوْلَ دَارِكُمُ فَكُلُّكُمْ يَا بَنِي حَمْدَانَ مَزكُومُ تفسير : أراد: تتعاطسون فحذف. و "تَظَّهَّرُون" بتشديد الظاء والهاء. و "تَظَاهَرُون" من "تَظَاهر" و "تَتَظَاهَرُونَ" على الأصل من غير حذف، ولا إدْغَام وكلهم يرجع إلى معنى المعاونة والتَّنَاصُر من المظاهرة، كأن كل واحد منهم يسند ظَهْرَهُ للآخر ليتقوّى به، فيكون له كالظَّهر؛ قال: [الطويل] شعر : 634ـ تَظَاهَرْتُمُ أَسْتَاهَ بَيْتٍ تَجَمَّعَتْ عَلَى وَاحِدٍ لاَ زِلْتُمُ قِرْنَ وَاحِدِ تفسير : قال ابن الخطيب: الآية تدلّ على أن الظُّلم كما هو محرم، فإعانة الظالم على ظلمه محرمة. فإن قيل: أليس أن الله ـ تعالى ـ لما أقدر الظَّالم على الظّلم، وأزال العوائق والموانع، وسلط عليه الشهوة الدّاعية إلى الظلم كان قد أعانه على الظلم، فلو كانت إعانة الظالم على ظلمه قبيحةً لوجب ألاَّ يوجد ذلك من الله تعالى؟ والجواب: أنه ـ تعالى ـ وإن مكّن الظَّالم من ذلك فقد زَجَرَهُ عن الظلم بالتَّهْديد والزجر، بخلاف المعني للظالم على ظلمه، فإنه يرغبه فيه، ويحسنه له ويدعوه إليه فظهر الفرق. و "الإثم" في الأصل: الذنب، وجمعه "آثام"، ويطلق على الفعل الذي يستحقّ به صاحبه الذّم واللوم. وقيل: هو ما تَنْفِرُ منه النفس، ولا يطمئنّ إليه القَلْب، فالإثْمُ في الآية يحتمل أن يكون مراداً به [أحد] هذه المعاني ويحتمل أن يتجوّز به عما يوجب الإثم من إقامة السَّبب مقام السَّبب مقام المسبب؛ كقوله: [الوافر] شعر : 635ـ شَرِبْتُ الإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي كَذَاكَ الإِثْمُ يَذْهَبُ بِالعُقُولِ تفسير : فعبر عن الخمر بالإثم، لما كان مسبَّباً عنها. فصل في معنى العدوان واشتقاقه و "العُدْوَان": التجاوز في الظلم، وقد تقدم في {أية : يَعْتَدُونَ}تفسير : [البقرة:61] وهو مصدر كـ "الكُفْرَان والغُفْرَان" والمشهور ضمّ فائه، وفيه لغة بالكَسْر. قوله: {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ} "إن" شرطية، و"يأتوكم" مجزوم بها بحذف النون والمخاطب مفعول. و"أسارى" حال من الفاعل في "يأتوكم". وقرأ الجماعة غير حمزة "أُسارى" وقرأ هو: "أَسْرَى" وقرىء: "أَسَارَى" بفتح الهمزة، فقراءة الجماعة تحتمل أربعة أوجه: أحدها: أنه جُمِعَ جَمْع "كَسْلاَن" لما جمعهما من عدم النَّشَاط والتصرف، فقالوا: "أسير وأسارى" بضم الهمزة كـ "كَسْلاَن وكُسَالَى" و "سَكْرَان وسُكَارى"، كما أنه قد شبه كَسْلان وسَكْران به فجمعا جمعه الأصلي الذي هو على "فعلى" فقالوا: كسلان وكَسْلى، وسكران وسَكْرى لقولهم: أسير وأسرى. قال سيبويه: فقالوا: في جمع كَسْلان كَسْلَى شبّهوه بـ "أَسْرَى". كما قالوا: أُسارى شبَّهوه بـ "كَسَالى"، ووجه الشبه أنَّ الأسْر يدخل على المرء كرهاً كما يدخل الكَسَل. قال بعضهم: والدَّليل على اعتبار هذا المعنى أنهم جمعوا "مريضاً وميتاً وهالكاً" على "فَعْلَى" فقالوا: "مرضى وموتى وهَلْكَى" لما جمعها المَعْنَى الذي في "قَتْلَى وجَرْحَى". الثَّاني: أنَّ "أُسَارى" جمع "أسير"، وقد وجدنا "فَعِيلاً" يجمع على "فُعَالى" قالوا: شيخ قديم، وشيوخ قُدَامى. وفيه نظر، فإن هذا شاذّ لا يقاس عليه. الثالث: أنه جمع "أسير" أيضاً، وإنما ضموا الهمزة من "أُسَارى" وكان أصلها الفَتْح كـ "نديم ونُدَامى" كما ضمت الكاف والسين من "كُسَالى" و "سُكَارى" وكان الأصل فيهما الفتح نحو: "عَطْشَان وعَطَاشى". الرابع: أنه جمع "أسرى" الذي هو جمع "أسير" فيكون جمع الجمع. وأما قراءة حمزة فواضحة؛ لأن "فَعْلَى" ينقاس في "فعيل" نحو: "جريح وجرحى" و "قتيل وقَتْلَى" و "مريض ومرضى". وأما "أَسَارَى" بالفتح فقد تقدم أنها أصل أُسَارَى بالضم عند بعضهم، ولم يَعْرِفْ أهل اللُّغَة فرقاً بين "أُسَارَى" و "أَسْرَى" إلاَّ ما حكاه أبو عُبَيْدَة عن أبي عمرو بن العلاء، فإنه قال: "ما كان في الوَثَاقِ فهم الأُسَارَى، وما كان في اليد، فهم الأَسْرَى" ونقل بعضهم عنه الفرقَ بمعنًى آخر، فقال: "ما جاء مستأسراً فهم الأسْرَى، وما صار في أيديهم، فهم الأُسَارَى"، وحكى النقَّاشُ عن ثَعْلَبٍ؛ أنه لما سمع هذا الفَرْق قال: "هذا كلامُ المَجَانِينِ"، وهي جُرْأة منه على أبي عمرو، وحكى عن المبرِّد أنه يقال: "أسِير وأُسَرَاء" كـ "شَهِيدٍ وشُهَدَاء" و "الأَسِير": مشتقٌّ من "الإسَارِ" وهو القَيْدُ الذي يُرْبَطُ به من المحمل، فسمي الأسير أسيراً، وإن لم يُرْبَط، والأَسْر: الخلْقُ في قوله: {أية : وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ}تفسير : [الإنسان:29] وأُسْرَة الرَّجْل: من يتقوَّى بهم، والأُسْر: احتباس البَوْل، ورجل مَأْسُور: أصابه ذلك؛ وقالت العربُ: أسَرَ قَتَبَهُ: أي: شَدَّه؛ قال الأعشى: [المتقارب] شعر : 636ـ وَقَيَّدَنِي الشِّعْرُ في بَيْتِهِ كَمَا قَيَّدَ الآسِرَاتُ الحَمَارَا تفسير : يريد: أنه بلغ في الشعر النّهاية؛ حتى صار له كالبيت الذي لا يَبْرَحُ عنه. قوله: "تُفَادُوهُمْ" قرأ نافع وعاصم والكسائي: "تُفَادُوهُمْ"، وهو جواب الشرط، فلذلك حذفت نون الرفع، وقرأ الباقون: "تَفْدُوهُمْ"، وهل القراءتان بمعنى واحد، ويكون معنى "فَاعَل" مثل معنى "فَعَل" المجرد مثل: "عاقبت وسَافرت" أو بينهما فرق؟ خلاف مشهور، ثم اختلف الناس في ذلك الفرق ما هو؟ فقيل: معنى "فَدَاه" أعطى فيه فِدَاء من مال، و "فَادَاهُ": أعطى فيه أسيراً مثله؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 637ـ وَلَكِنَّنِي فَادَيْتُ أُمِّيَ بَعْدَمَا عَلاَ الرَّأْسَ مِنْهَا كَبْرَةٌ وَمَشِيبُ تفسير : وهذا القول يرده قوله العباس رضي الله عنه: فَادَيْتُ نفسي وفاديت عقيلاً، ومعلوم أن لم يُعْط أسيره في مقابلة نفسه ولا وَلَدِهِ. وقيل: تفدوهم بالصّلح، وتفادوهم بالعنف. وقيل: تفدوهم تعطوا فديتهم، وتفادوهم تطلبون من أعدائكم فِدْيَةَ الأسير الذي في أيديكم؛ ومنه: [الوافر] شعر : 638ـ قِفِي فَادِي أَسِيرَكِ إنَّ قَوْمِي وَقَوْمَكِ مَا أَرَى لَهُمُ اجْتِمَاعَا تفسير : والظاهر أن "تفادوهم" على أصله من أثنين، وذلك أن الأسير يعطى المال والأسير يعطى الإطلاق، وتفدوهم على بابه من غير مُشَاركة، وذلك أن الفريقين يَفدي صاحبه من الآخر بمال أو غيره، فالفعل على الحقيقة من واحد. و "الفِدَاء" ما يفتدى به، فإذا كسروا فاءه، جاز فيه وجهان: المدُّ والقَصْر، فمن المَدِّ قول النابغة: [البسيط] شعر : 639ـ مَهْلاً فِدَاءً لَكَ الأَقْوَامُ كُلُّهُمُ وَمَا أُثَمِّرُ مِنْ مَالٍ وَمِنْ وَلَدِ تفسير : ومن القصر قوله: [الطويل] شعر : 640ـ..................... فِدًى لَكَ مِنْ رَبٍّ طَرِيفِي وتَالِدِي تفسير : ومن العرب من يكسر: "فدى" مع لام الجر خاصّة، نحو: "فِدًى لَكَ أَبي وأمي" يريدون الدعاء له بذلك، وفدى يتعدّيان لاثنين أحدهما بنفسه، والآخر بحرف جر، تقول: "فديت أو فاديت الأسير بمال"، وهو محذوف في الآية الكريمة. قال ابن عطية: وحَسُنَ لفظ الإتْيَان من حيث هو في مُقَابلة الإخراج، فيظهر التَّضادّ المقبح لفعلهم في الإخراج. يعني: أنه لا يناسب من أسأتم إليه بالإخراج من داره أن تحسنوا إليه بالفداء. فصل فيما أخذ الله على بني إسرائيل قال السّدي: إن الله أخذ على بني إسرائيل في التوراة ألاَّ يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وأيّما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، وكانت "قريظة" حلفاء "الأوس"، "والنضير" حلفاء "الخزرج"، وكانوا يقتلون في حرب سِنِيْنَ، فيقاتل "بنو قريظة" مع حلفائهم، "وبنو النضير" مع حلفائهم، وإذا غلبوا خربوا ديارهم، وأخرجوهم منها، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه، وإن كان الأسير من عدوّهم، فتعيّرهم العرب، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، فيقولون: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن تذلّ حلفاؤنا، فعيّرهم الله تعالى، فقال: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ}. وفي الآية تقديم وتأخير، ونظمها: وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان، وهو محرم عليكم إخراجهم، وإن يأتوكم أسارى تفادوهم فكان الله ـ تعالى ـ أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتال، وترك الإخراج، وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم، وفداء أسرائهم، فأعرضوا عن الكل إلا الفداء، فقال عز وجل: {أية : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}تفسير : [البقرة:85]. وقال مجاهد: يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك. قوله: "وَهُوَ مُحَرَّمٌ" فيه وجوه. والظاهر منها: أن يكون "هو" ضمير الشأن والقصّة، فيكون في محلّ رفع بالابتداء، و "محرم" خبر مقدم، وفيه ضمير قائم مقام الفاعل، و "إخراجهم" مبتدأ مؤخر، والجملة من هذه المبتدأ والخبر في محل رفع خبراً لضمير الشأن، ولم تحْتَجْ هنا إلى عائد على المبتدأ؛ لأن الخبر نفس المبتدأ أو عينه. وهذه الجملة مفسرة لهذا الضمير، وهو أحد المواضع التي يفسر فيها الضمير بما بعده وقد تقدّمت، وليس لنا من الضَّمائر ما يفسَّر بجملة غيرُ هذا الضمير، ومن شرطه أن يؤتى به في مَوَاضع التَّعْظيم، وأن يكون معمولاً للابتداء أو نواسخه فقط، وأن يفسر بجملة مصرح بجزئيها، ولا يُتبع بتابع من التَّوَابع الخمسة، ويجوز تذكيره وتأنيثه مطلقاً خلافاً لما فصل، فتذكيره باعتبار الأمر والشأن، وتأنيثه باعتبار القصّة فتقول: "هو زيد قائم"، ولا يثنى ولا يجمع، ولا يحذف إلا في مواضع تذكر إن شاء الله تعالى، والكوفيُّون يسمونه ضمير المَجْهُول، وله أحكام كثيرة. الوجه الثاني: أن يكون "هو" ضمير الشأن أيضاً، و "محرم" خبره، و "إخراجهم" مرفوع على أنه مفعول لَمْ يسمّ فاعله. وهذا مذهب الكوفيين، وإنما فَرُّوا من الوجه الأول؛ لأن عندهم أن الخبر المحتمل ضميراً مرفوعاً لا يجوز تقديمه على المبتدأ، فلا يقال: قائم زيد على أن يكون "قائم" خبراً مقدماً، وهذا عند البصريين ممنوع لما عرفته أن ضمير الشأن لا يفسّر إلا بجملة، والاسم المشتق الرافع لما بعده من قبيل المُفْرَدَات لا الجمل، فلا يفسر به ضمير الشَّأن. الثَّالث: أن يكون "هو" كناية عن الإخْرَاج، وهو مبتدأ، و "محرم" خبره، و "إخراجهم" بدل منه، وهذا على أحد القولين. وهو جواز إبدال الظَّاهر من المضمر قبله ليفسره، واستدلّ من أجاز ذلك بقوله: [الطويل] شعر : 641ـ عَلَى حَالَةٍ لَوْ أَنَّ في الْقَوْمِ حَاتِماً عَلَى جُودِهِ لَضَنَّّ بِالْمَاءِ حَاتِمِ تفسير : فـ"حَاتم" بَدلٌ عن الضمير في "جُودِهِ". الرابع: أن يكون "هو" ضمير الإخراج المَدْلُولَ عليه بقوله: "وَتُخْرِجُونَ" و "مُحَرَّمٌ" خبره، و "إخْرَاجُهُمْ" بدل من الضمير المستتر في "محرم". الخامس: كذلك، إلا أن"إخراجهم" بدلٌ من "هو". نقل هذين الوجيهن أبو البقاء، وفي هذا الأخير نظر، وذلك أنك إذا جعلت "هو" ضمير الإخراج المدلول عليه بالفعل كان الضمير مفسراً به نحو: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [المائدة:8] فإذا أبدلت منه "إخراجهم" المَلْفُوظَ به كان مَفسّراً به أيضاً، فيلزم تفسيره بشيئين، إِلاَّ أن يقال: هذان الشيئان في الحقيقة شيء واحد فيُحتمل ذلك. السادس: أجاز الكوفيون أن يكون "هو" عماداً، وهو الذي يسميه البصريون ضمير الفَصْل قُدّم مع الخبر، والأصل: وإخراجهم هو محرم عليكم، و"إخراجهم" مبتدأ، و "محرم" خبره، و "هو" عِمَاد، فلما قدم الخبر قدم معه. قال الفراء: لأن الواو ـ هنا ـ تطلب الاسم، وكل موضع نطلب فيه الاسم فالعماد جائز وهذا عند البصريين ممنوع من وجهين: أحدهما: أنَّ الفصل عندهم من شرطه أن يقع بين معرفتين أو بين معرفة ونكرة قريبة من المعرفة في امتناع دخول أل كـ "أفعل من" ومثل وأخواتها. والثاني: أن الفَصْل عندهم لا يجوز تقديمه مع ما اتصل به. والسابع: قال ابن عطية: وقيل في "هو": إنه ضمير الأمر، والتقدير: والأمر محرم عليكم، وإخراجهم في هذا القول بدل من "هو". وقال أبو حَيَّان: وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: تفسير ضمير الأمر بمفرده، وذلك لا يجيزه بَصْري ولا كُوفي، أما البصري فلاشتراطه جملة، وأما الكوفي فلا بد أن يكون المفرد قد انتظم منه [نحو "ظننته قائماً الزيدان". والثاني: أنه جعل "إخراجهم"] بدلاً من ضمير الأمر، وقد تقدم "أَلاَّ يُتْبَع بِتَابعٍ". الثامن: قال ابن عطيّة أيضاً: وقيل: هو فاصلة، وهذا مذهب الكوفيين، وليست هنا بالتي هي عماد، و "مُحَرّم" على هذا ابتداء، و "إخراجهم" خبر. قال: أبو حيان والمنقول عن الكوفيين عكس هذا الإعراب، أي: يكون "إخراجهم" مبتدأ مؤخراً، و "محرم" خبر مقدم قُدِّم مع الفَصْل كما تقدم، وهو الموافق للقواعد، ولا يلزم منه الإخبار بمعرفة عن نكرة من غير ضرورة تدعو إلى ذلك. التاسع: نقله ابن عطيّة أيضاً عن بعضهم أن "هو" الضمير المقدر في "محرم" قدم وأَظْهِر. قال الشيخ: وهذا ضعيف جدّاً؛ إذ لا ضرورة تدعو إلى انفصال هذا الضمير بعد اسْتِتَارِهِ وتقديره، وأيضاً فإنه يلزم خلوّ اسم المفعول من ضمير؛ إذ على هذا القول يكون "محرم" خبراً مقدماً، و "إخراجهم" متبدأ مؤخراً ولا يوجد اسم فاعل، ولا مفعول خالياً من الضمير إلاَّ إذا رفع الظَّاهر، ثم يبقى هذا الضمير لا ندري ما إعرابه، إذ لا يجوز مبتدأ، ولا فاعلاً مقدماً وفي قول الشيخ: "يلزم خُلوُّه من ضمير" نظر؛ إذ هو ضمير مرفوع به، فلم يخل منه غاية ما في الباب أنه انفصل للتقديم. وقوله: "لا ندري ما إعرابه"؟ قد دري، وهو الرفع بالفاعلية. وقوله: والفاعل لا يقدم "ممنوع" فإن الكوفي يجيز تقديم الفَاعِلِ، فيحتمل أن يكون هذا القائل يرى ذلك، ولا شكّ أن هذا قول رديء منكر لا ينبغي أن يجوز مثله في الكلام، فكيف في القرآن! فالشيخ معذور، والعجب من ابن عطية كيف يورد هذه الأشياء حاكياً لها ولم يُعَقِّبْها بنكير؟ وهذه الجملة يجوز أن تكون محذوفةً من الجمل المذكورة قبلها، وذلك أنه قد تقدم ذكر أربعة أشياء كلها محرمة وهي قوله: تقتلون أنفسكم وتخرجون [فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ]، وتظاهرون، وتفادون فيكون التقدير: تقتلون أنفسكم وهو محرّم عليكم قتلها وكذلك مع البواقي. ويجوز أن يكون خصّ الإخراج بذكر التحريم، وإن كانت كلها حراماً، لما فيه من معرَّة الجلاء والنّفي الذي لا ينقطع شرّه إلا بالموت والقَتْل، وإن كان أعظمَ منه إلاَّ أن فيه قطعاً للشر، فالإخراج من الدِّيَار أصعب الأربعة بهذا الاعتبار. و "المحرم": الممنوع، فإن التَّحريم هو المَنْع من كذا، والحَرَام: الشَّيء الممنوع منه يقال: حَرَامٌ عليك وسيأتي تحقيقه في "الأنبياء" إن شاء الله تعالى. فصل في المراد بالكفر والإيمان في الآية اختلف العلماء في قوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} قال ابن عباس وقتادة وابن جريج: "إخراجهم كفر، وفداؤهم إيْمَان؛ لأنه ذمهم على المُنَاقضة، إذ أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض". فإن قيل: هَبْ أن ذلك الإخراج كان معصيةً، فَلِمَ سماها كفراً؟ مع أنه ثبت أن العاصي لا يكفر. فالجواب: لعلّهم صرحوا بأن ذلك الإخراج غير واجب مع أنّ صريح التوراة كان دالاً على وجوبه. الثاني: أن المراد تمسّكهم بنبوة موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع التكذيب بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أن الحُجّة في أمرها سواء. قوله: {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ} "ما" يجوز فيها وجهان: أحدهما: أن تكون نافية، و "جزاء" متبدأ، و "إلاَّ خِزْيٌ" خبره وهو استثناء مفرّغ وبَطَلَ علمها عند الحِجَازيين لانتقاض النفي بـ "إلاّ"، وفي ذلك خلاف وتفصيل وتلخيصه: أن خبرها الواقع بعد "إلا" جمهور البصريين على وجوب رفعه مطلقاً سواءً كان هو الأول، أمر منزلاً منزلته، أو صفة أو لم يكن، ويتأولون قوله: [الطويل] شعر : 642ـ وَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ مَنْجَنُوناً بِأَهْلِهِ وَمَا صَاحِبُ الْحَاجَاتِ إِلاَّ مُعَذَّبَا تفسير : على أن الناصب لـ"منجنوناً" و "معذباً" محذوف، أي: يدور دَوَرَان منجنون، ويعذب مُعَذَّباً تَعْذِيباً. وأجاز يونس النصب مطلقاً، وإن كان النَّحَّاس نقل عدم الخلاف في رفع ما زيد إِلاَّ أخوك فإن كان الثَّاني منزلاً منزلة الأوّل نحو: "ما أنت إِلاَّ عمامتك تحسيناً وإلاَّ رداءك تزييناً". فأجاز الكوفيون نصبه، وإنْ كان صفة نحو: "ما زيد إلا قائم" فأجاز الفراء نصبه أيضاً. والثاني: أن تكون استفهاميةً في محلّ رفع بالابتداء، و "جزاء" خبره، و "إِلاَّ خِزْي" بدل من "جزاء" نقله أبو البَقَاءِ. و "الجزاء": المقابلة خَيْراً كان أو شَرًّا. و "مَنْ" موصولة، أو نكرة موصوفة، و "يفعل" لا محلّ لها على الأول، ومحلها الجر على الثاني. "مِنْكُمْ" في محلّ نصب على الحال من فاعل "يفعل"، فيتعلّق بمحذوف، أي: يفعل ذلك حال كونه منكم. و "الخِزْي": الهَوَان والذّل والمَقْت، يقال: أخزاه الله إذا مَقَتَهُ وأبعده، ويقال: خَزِيَ ـ بالكسر ـ يَخْزى خِزْياً فهو خَزْيَان، وامرأة خَزْيَا، والجمع خَزَايَا. وقال ابن السِّكِّيت: الخزي الوقوع في بَلِيَّةٍ، وخَزِيَ الرجل في نفسه يخزى خزايةً إذا استحيا. وإذا قيل: أخْزَاه الله، كأنه قيل: أوقعه موقعاً يُستحيى منه، فأصله على هذا الاستحياء. قوله: "فِي الْحَيَاةِ" يجوز فيه وَجْهَان: أحدهما: أن يكون في محلّ رفع؛ لأنه صفة لـ "خِزْي" فيتعلّق بمحذوف، أي: خِزْيٌ كائن في الحياة. الثَّاني: أن يكون محلّه النصب على أنه ظرف لـ "خِزْي"، فهو منصوب به تقديراً. و "الدُّنْيَا" "فُعْلَى" تأنيث الأدنى من الدّنو، وهو القُرْب، وألفها للتأنيث، ولا تحذف منها "أل" إلا لضرورة كقوله: [الرجز] شعر : 643ـ يَوْمَ تَرَى النُّفُوسُ مَا أَعَدَّتِ في سَعْيِ دُنْيَا طَالَمَا قَدْ مُدَّتِ تفسير : وياؤها عن واو، وهذه قاعدة مطردة، وهي: كل"فُعْلَى" صفة لامها واو تبدل ياء. نحو"الدنيا والعُلْيَا". فأما قولهم: "القُصْوَى" عند غير "تميم"، و "الحُلْوَى" عند الجميع فَشَاذٌّ. فلو كانت "فُعْلَى" اسماً صحّت الواو؛ كقوله: [الطويل] شعر : 644ـ أَدَارًا بِحُزْوَى هِجْتِ لِلْعَيْنِ عَبْرَةً فَمَاءُ الْهَوَى يَرْفَضُّ أَوْ يَتَرَقْرَقُ تفسير : وقد استعملت استعمال الأسماء، فلم يذكر [موصوفها، قال تعالى: {أية : تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الأنفال:67] وقال ابن السّراج في "المقصور والممدود": و "الدنيا"] مؤنّثة مقصورة، تكتب بالألف، هذه لغة "نجد" و "تميم"، إلاَّ أن "الحجاز"، "وبني أسد" يلحقونها ونظائرَهَا بالمَصَادر ذوات الواو، فيقولون: دَنْوَى مثل شَرْوَى وكذلك يفعلون بكل "فُعْلَى" موضع لامها واو، ويفتحون أولها، ويقلبون باءها واواً، وأما أهل اللغة الأولى، فيضمون الدال، ويقلبون من الواو ياء لاستثقالهم الواو مع الضمة. فصل في المراد بالخِزْي في الآية اختلفوا في هذا الخِزْي على جوه: أحدها: قال الحَسَن: وهو الجزية والصَّغَار، وهو ضعيف؛ لأن الجِزْيَةَ لم تكن ثابتةً، في شريعتهم، بل إن حملنا الآية على خطاب الذين كانوا في زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيصحّ. الثاني: خِزْي "بني قريظة" بالقَتْل والسَّبي، وخزي بني النَّضير بالجَلاَء والنفي عن منازلهم إلى "أَذْرعات" و "أريحا" من "الشام"، وهذا أيضاً إنما يصحّ إذا حملنا الآية على الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم. الثالث: قال ابن الخَطِيْبِ وهو الأولى: إنّ المراد منه الذَّمّ العظيم ولتحقير البالغ من غير تخصيص ذلك ببعض الوجوه دون بعض، والتنكير في قوله: "خزي" يدلّ على أن الذّم واقع في النهاية العظمى. [وقوله] يُرَدُّونَ [قرىء] بالغيبة على المشهور وفيه وجهان. أحدها: أن يكون التفاتاً، فيكون راجعاً إلى قوله "أَفَتُؤْمِنُونَ" فخرج من ضمير الخطاب إلى الغيبة. والثَّاني: أنه لا التفات فيه، بل هو راجع إلى قوله: "مَنْ يَفْعَلْ". وقرأ الحسن: "تُرَدُّون" بالخطاب وفيه الوجهان المتقدمان: فالالتفات نظراً لقوله: "مَنْ يَفْعَلْ"، وعدم الالتفات نظراً لقوله: "أَفَتُؤْمِنُونَ". وكذلك: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قرىء في المشهور بالغيبة والخطاب والكلام فيهما كما تقدم. فإن قيل: عذاب الدّهري الذي ينكر الصَّانع يجب أن يكون أَشدَّ من عذاب اليهود، فكيف يكون في حقّ اليهود {يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ}؟ فالجواب: المراد منه أشد من الخِزْي الحاصل في الدنيا، فلفظ الأشد وإن ـ كان مطلقاً ـ إلاّ أن المراد أشد من هذه الجهة.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن عاصم. أنه قرأ {لا تسفكون دماءكم} بنصب التاء وكسر الفاء ورفع الكاف. وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن مصرف أنه قرأها {تسفكون} برفع الفاء. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} يقول: لا يقتل بعضكم بعضاً {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} يقول: لا يخرج بعضكم بعضاً من الديار، ثم أقررتم بهذا الميثاق وأنتم تشهدون. يقول: وأنتم شهود. وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ثم أقررتم وأنتم تشهدون} إن هذا حق من ميثاقي عليكم {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} أي أهل الشرك حتى تسفكوا دماءكم معهم {وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم} قال: تخرجونهم من ديارهم معهم {تظاهرون عليهم بالإِثم والعدوان} فكانوا إذا كان بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، وظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى تسافكوا دماءهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقاً لما في التوراة {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم} وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم {وهو محرم عليكم} في كتابكم {إخراجهم} {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} أتفادونهم مؤمنين بذلك وتخرجونهم كفراً بذلك. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية. أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب، ولا يفادي من وقع عليه العرب، فقال له عبد الله بن سلام: أما أنه مكتوب عندك في كتابك أن فادوهن كلهن. وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنه قرأ {وإن يأتوكم أسارى تفدوهم} . وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنه قرأ {أسارى تفادوهم} . وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءتنا {وإن يؤخذوا تفدوهم} . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: يكون أول الآية عاماً وآخرها خاصاً، وقرأ هذه الآية {ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون}. وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} قال: استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ} منصوب بفعل مُضمرٍ خوطب به اليهودُ قاطبةً على ما ذكر من التغليب ونُعي عليهم إخلالُهم بمواجب الميثاق المأخوذِ منهم في حقوق العبادِ على طريقة النهي إثرَ بـيانِ ما فعلوا بالميثاق المأخوذِ منهم في حقوق الله سبحانه وما يجري مَجراه على سبـيل الأمرِ فإن المقصودَ الأصليَّ من النهي عن عبادة غيرِ الله تعالى هو الأمرُ بتخصيص العبادةِ به تعالى أي واذكروا وقت أخذِنا ميثاقَكم في التوراة وقوله تعالى: {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ} كما قبله إخبارٌ في معنى النهي غُيِّر السبكُ إليه لما ذَكر من نُكتة المبالغة. والمرادُ به النهيُ الشديدُ عن تعرُّض بعضِ بني إسرائيلَ لبعضٍ بالقتل والإجلاءِ، والتعبـيرُ عن ذلك بسفك دماءِ أنفسِهم وإخراجِها من ديارهم بناءً على جَرَيان كلِّ واحدٍ منهم مَجرىٰ أنفسِهم لما بـينهم من الاتصال القويِّ نسَباً وديناً، للمبالغة في الحمل على مراعاة حقوقِ الميثاق بتصوير المنهيِّ عنه بصورةٍ تكرَهها كلُّ نفس وتنفِرُ عنها كلُّ طبـيعةٍ. فضميرُ (أنفسَكم) للمخاطبـين حتماً إذ به يتحقق تنزيلُ المخْرِجين منزلتَهم كما أن ضميرَ (ديارِكم) للمخرَجين قطعاً، إذ المحذورُ إنما هو إخراجُهم من ديارهم لا من ديار المخاطَبـين من حيث إنهم مخاطبون كما يفصحُ عنه ما سيأتي من قوله تعالى: {مِن دِيَـٰرِهِم} وإنما الخطابُ ههنا باعتبار تنزيلِ ديارِهم منزلةَ ديارِ المخاطَبـين بناءً على تنزيل أنفسِهم منزلتَهم لتأكيد المبالغةِ وتشديدِ التشنيع، وأما ضميرُ (دماءَكم) فمحتملٌ للوجهين: مَفادُ الأول كونُ المسفوكِ دماءً ادعائيةً للمخاطَبـين حقيقةً، ومَفادُ الثاني كونُه دماءً حقيقيةً للمخاطبـين ادعاءً وهما متقاربان في إفادة المبالغةِ فتدَّبرْ. وأما ما قيل ــ من أن المعنى لا تباشروا ما يؤديّ إلى قتل أنفسِكم قِصاصاً، أو ما يبـيح سفكَ دمائِكم وإخراجَكم من دياركم ويصرِفُكم عن دياركم، أو لا تفعلوا ما يُرديكم ويصرِفُكم عن الحياة الأبدية فإنه القتلُ في الحقيقة ولا تقترفوا ما تُحْرَمون به عن الجنة التي هي دارُكم فإنه الجلاءُ الحقيقيُّ ــ فمما لا يساعده سياقُ النظمِ الكريم بل هو نصٌّ فيما قلناه كما ستقف عليه {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} أي بالميثاق وما يوجب المحافظةَ عليه، {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} توكيدٌ للإقرار كقولك: أقرَّ فلانٌ شاهداً على نفسه، وقيل: وأنتم أيها الحاضرون تشهدون اليوم على إقرار أسلافِكم بهذا الميثاق.
اسماعيل حقي
تفسير : {وإذ أخذنا ميثاقكم} اى واذكروا ايها اليهود وقت اخذنا اقراركم وعهدكم فى التوراة وقلنا لكم {لا تسفكون دماءكم} لا يريق بعضكم دم بعض جعل غير الرجل نفسه اذا اتصل به اصلا او دينا فلما بينهم من الاتصال القوى نسبا ودينا اجرى كل واحد منهم مجرى انفسهم وقيل اذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لانه يقتص منه وهو اخبار فى معنى النهى كانه سورع الى الانتهاء فهو يخبر عنه {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} اى لا يخرج بعضكم بعضا من دياره او لا تسبوا جيرانكم فتلجئوهم الى الخروج وفى اقتران الاخراج من الديار بالقتل ايذان بانه بمنزلة القتل {ثم أقررتم} اى بالميثاق واعترفتم على انفسكم بلزومه وبوجوب المحافظة عليه {وأنتم تشهدون} عليها توكيد للاقرار كقولك فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها او انتم اليوم ايها اليهود تشهدون على اقرار اسلافكم بهذا الميثاق.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء} {أَنتُمْ}: مبتدأ، و {هَؤُلاء}: خبر، و {تَقْتُلُون}: حال، كقولك: أنت ذلك الرجل الذي فعلت كذا وكذا، أو {هَؤُلاءِ}: بدل، و {تَقْتُلُونَ}: خبر أو منادي، أي: يا هؤلاء، أو منصوب على الاختصاص، والْعُدْوَانِ: الإفراط في الظلم، و {أُسَارَى} حالٌ، جميع أسير، ويجمع على أًسرى، وقرئ به؛ أي: مأسورين: و {هُوَ} ضمير الشأن، و {مُحَرَّمٌ} خبر، و {إِخْرَاجُهُمْ} مبتدأ مؤخر، أو ضمير الإخراج فيكون مبتدأ، و {مُحَرَّمٌ} خبره، و {إِخْرَاجُهُمْ} بدل من الضمير، وهذه الجملة متصلة بقوله: {وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان}، وما قبلها اعتراض. يقول الحقّ جلّ جلاله: {و} اذكروا أيضاً {إِذْ أَخْذْنَا ميثَاقَكُمْ} وقلنا لكم: {لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} أي: لا يسفك بعضكم دم بعض، {وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ} أي: لا يخرج أحدكم أخاه من داره ويجليه عنها، وجعلهم الحق نفساً واحدة، وذلك هو في الحقيقة، وفي ذلك يقول الشاعر: شعر : عُنْصُرُ الأنفاسِ مِنَّا واحِدٌ وكّذا الأجْسَامُ جِسْمٌ عَمَّنَا تفسير : {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} بهذا العهد والتزمتموه لأنفسكم {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} على أنفسكم بذلك، {ثُمَّ أَنتُمْ} يا {هَؤُلاءِ} اليهود {تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} أي: يقتل بعضكم بعضاً، {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ} إجلاءً عنها، تتغالبون {عَلَيْهِم} بالظلم والطغيان، {وَإِن يَأتُوكُمْ} مأسورين تفدوهم بمالكم، وذلك الإخراج محرم عليكم. وحاصل الآية: أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل العهد في التوراة ألا يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وأيّما عبدٍ أو أمَةٍ وجدتموه من بني إسرائيل أسيراً فاشتروه بما كان من ثمنه واعتقوه، فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، وكانوا يقتتلون في الحرب فيُعين بنو قريظة حلفاءهم الأوس، فيقاتلون بني النضير في قتالهم مع الخزرج، فإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه، فعيرتهم العرب، فقالوا: تقاتلونهم وتفدونهم؟! فيقولون: قد أمرنا أن نفديهم وحُرم علينا قتالهم، قالوا: فلم تقاتلونهم؟ فقالوا: إنا نسْتحي أن يُذَل حلفاؤنا، فوبخهم الله على ذلك، فقال: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَاب} وهو الفداء {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} وهو القتل والإخراج؟ {فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ} أي: ذل وهوان {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، وهو السبي والقتل لبني قريظة، والجلاء والإخراج من الوطن لبني النضير، أو الذل والجزية للفريقين إلى يوم القيامة، {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ}. وليس ما أصابهم تكفيراً لذنوبهم، بل نقمة وغضباً عليهم، {وَمَا اللَّهُ بِغَافلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. الإشارة: الناس على قسمين: قوم ضعفاء تمسكوا بظاهر الشريعة ولم ينفذوا إلى باطنها، ولم يقدروا على قتل نفوسهم، ولا على الخروج من وطن عوائدهم، فيقول لهم الحق جلّ جلاله: لا تسفكوا دماءكم في محبتي؛ لأنكم لا تقدرون على ذلك، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم في سياحة قلوبكم، فقد أقررتم بعجزكم وضعفكم، ويقول للأقوياء: ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون أنفسكم في طلب معرفتي، وتخرجون فريقاً منكم من ديار عوائدهم في طلب مرضاتي، تتعاونوا على نفوسكم بالقهر والغلبة، وكذلك ورد في بعض الأخبار: (أول ما يقول الله للعبد: اطلب العافية والجنة والأعمال وغير ذلك، فإن قال: لا، ما أريد إلا أنت، قال له: من دخل في هذا معي فإنما يدخل بإسقاط الحظوظ، ورفع الحدث، وإثبات القدم، وذلك يوجب العدم) وأنشدوا: شعر : منْ لَم يَكُن فَانِياً عَنْ حَظِّهِ وَعِنِ الفَنَا والأُنسِ بالأحْبَابِ فلأَنَّهُ بَيْنَ المنَازِل واقفٌ لِمنَالِ حَظّ أَوْ لُحُسْنِ مَآبِ تفسير : ويقول أيضاً للأقوياء الذين قتلوا أنفسهم وخرجوا عن عوائدهم: وإن يأتوكم أسارة في أيدي نفوسهم وعوائدهم، أو في طلب الدنيا وشهواتها، تفدوهم من أسرهم، وتفكوهم من قيودهم، وتدخلوهم في حضرة مولاهم، وفي بعض الآثار: (طالب الدنيا أسير، وطالب الآخرة أجير، وطالب الحق أمير) هـ. والأمير هو الذي يفك الأسارى من أيدي العدو، لأجل ما ملكه الله من القوة والاستعداد، فإذا انفك العبد من هواه، دخل في حضرة مولاه، فمن رام إخراجه منها بعد دخوله يقال له: وهو محرم عليكم إخراجهم، فكيف تؤمنون بظاهر الشريعة وتنكرون علم الطريقة، وأنوار الحقيقة؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا وهو الحرص والطمع، والخوف والجزع وطول الأمل، وعدم النهوض إلى العمل، {ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب}، وهو غم الحجاب وسوء الحساب، {وما الله بغافل عما يعملون}.
الطوسي
تفسير : المعنى: قد بينا فيما مضى أن الميثاق هو العهد. والمعنى في الآية: واذكروا اذ اخذنا ميثاق اسلافكم الذين كانوا في زمن موسى، والانبياء الماضين (ع)، وانما اضاف اليهم لما كانوا أخلافا لهم على ما مضى القول فيه. وتقدير الاعراب في هذه الآية مثل الآية الاولى سواء. واما سفك الدم، فانه صبه واراقته. ومعنى {لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} النههي عن أن يقتل بعضهم بعضاً، وكان في قتل الرجل منهم قتل نفسه اذا كانت ملتهما واحدة، ودينهما واحد وكان اهل الدين الواحد في ولاية بعضهم بعضاً بمنزلة رجل واحد. كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم): حديث : انما المؤمنون في تعاطفهم وتراحمهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالحمى والسهرتفسير : . فهذا قول قتادة وابي العالية. ويحتمل ان يكون المراد لا يقتل الرجل منكم غيره فيقاد به قصاصاً. فيكون بذلك قاتلا نفسه، لانه كالسبب فيه واضيف قتل الولي اياه قصاصاً اليه بذلك. كما يقال لرجل يعاقب لجناية جناها على نفسه: انت جنيت على نفسك. وفيه قول ثالث: وهو ان قوله: {أنفسكم} اراد به اخوانكم، لانهم كنفس واحدة. وقوله: {ثم أقررتم وأنتم تشهدون} اي اقررتم بذلك ايضاً، وبذلتموه من انفسكم، وانتم شاهدون على من تقدمكم باخذنا منهم الميثاق، وما بذلوه من انفسهم. فذكر تعالى اقرارهم وشهادتهم، لأن اخذ الميثاق كان على اسلافهم ـ وإن كان لازماً للجميع، لتوكيد الحجة عليهم. ـ وقال بعض المفسرين: نزلت هذه الآية في بني قريظة والنضير. يقول: حرم الله في الكتاب ان تسفكوا دماءكم، اي لا تقتتلوا فيقتل بعضكم بعضاً، ولا تتركوا أسيراً في يد الآسرين ليقتلوه {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} معناه لا تغلبوا احداً على داره، فتخرجوه، فقبلتم ذلك واقررتم به. وهو اخذ الميثاق {وأنتم تشهدون} بذلك. واما النفس فمأخوذة من النفاسة، وهي الجلالة فنفس الانسان انفس ما فيه. والدار هي المنزل الذي فيه ابنية المقام، بخلاف منزل الارتحال. وقال الخليل: كل موضع حل فيه قوم فهو دار لهم ـ وان لم يكن فيه ابنية. وقيل ايضاً: إن معنى قوله: {ثم أقررتم وأنتم تشهدون} ان اقرارهم هو الرضاء به، والصبر عليه: كما قال الشاعر: شعر : الست كليبياً اذ سيم خطة اقرّ كاقرار الحليلة للبعل تفسير : وقوله: {وأنتم تشهدون} يحتمل امرين: احدهما ـ وانتم تشهدون على انفسكم بالاقرار. والثاني ـ وانتم تحضرون دماءكم. وتخرجون انفسكم من دياركم. وحكي عن ابن عباس انه قال: ذلك خطاب من الله تعالى لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجري رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أيام هجرته اليهم موبخاً لهم على تضييعهم احكام ما في ايديهم من التوراة التي كانوا يقرون بحكمها. فقال الله تعالى لهم: {ثم أقررتم} يعني بذلك اقر أوّلكم وسلفكم وانتم تشهدون على اقرارهم، باخذ الميثاق عليهم بان لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا انفسهم من ديارهم، ويصدقوا بان ذلك حق من ميثاقي عليكم. وقال ابو العالية: ذلك خبر من الله عن أوائلهم. ولكنه اخرج الخبر مخرج المخاطبة عنهم على النحو الذي وصفناه في سائر الآيات. {وأنتم تشهدون} اي وانتم شهود.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} اى ميثاق اسلافكم يا بنى اسرائيل على أيدى أنبيائهم وخلفاء أنبيائهم، او ميثاق أنفسكم على أيدى المتشبّهين بخلفاء الانبياء فانّ رسم البيعة لم يكن متروكاً بالكلّيّة فيهم، فعلى هذا فهو تعريض بأمّة محمّد (ص) كما فى الاخبار من تفسيره بهم، او الخطاب لهم ابتداء، والمعنى واذكروا يا أمّة محمّدٍ (ص) وقت البيعة مع محمّد (ص) واخذه ميثاقكم {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} قد مضى بيان محلّ الجملة الواقعة بعد أخذ الميثاق {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ} بجعل قتل الغير واخراجه قتلاً واخراجاً لنفس الرّجل لاتّحاده معه فى المعاشرة او القرابة او الدّين او الموطن او لادّائه الى القصاص المفنى لنفس الرّجل والمكافاة المورثة لاخراج الغير له، او المعنى لا ترتكبوا فعلاً يؤدّى الى قتل انفسكم واخراجها من ديارها، او المعنى لا ترتكبوا فعلاً يؤدّى الى قطع الحياة الابديّة والاخراج من الدّيار الحقيقيّة الّتى هى الجنّة {مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} بالميثاق {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} على أنفسكم بذلك الميثاق وهذا الاقرار.
الهواري
تفسير : وقوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ} [أي لا يخرج بعضكم بعضاً] {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} [أن هذا حق] {ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاَءِ} [قيل أراد يا هؤلاء] {تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم} [أي تعاونون عليهم] {بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [يعني الظلم] {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ}. قال الحسن: فنكثوا فجعل يقتل بعضهم بعضاً ويخرج بعضهم بعضاً من ديارهم يظاهرون عليهم بالإِثم والعدوان، وإن أسِر من أصحابهم أحد فادوهم. وكان ذلك الفداء مفروضاً عليهم، فاختلفت أحكامهم، فقال الله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ} أي الفداء {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} أي القتل والإِخراج من الدور. قوله: {فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال الكلبي: الخزي النفي والقتل. فقتلت قريظة ونفيت النضير، أخزاهم الله بما صنعوا. وقال الحسن: الخزي الجزية. قال الله: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} يعنيهم. وهي تقرأ على ثلاثة أوجه: بالتاء جميعاً: تُرَدُّون وتعملون، والوجه الآخر بالياء؛ يقول للنبي: يُرَدُّونَ ويَعْمَلُونَ. والوجه الثالث يقوله لهم: فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌّ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ جَميعاً. قوله: {أُوْلَئِكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ} قال بعضهم: استحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة؛ استحبوا قليل الدنيا، لأن ما فيها ذاهب، على كثير الآخرة الباقي. قال الحسن: اختاروا الحياة الدنيا على الآخرة. قال: {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي ليس لهم ناصر ينصرهم من عذاب الله.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ}.. إلخ: الكلام فيه كالكلام فى الذى تقدم. {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُم ولا يُخْرجونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكمُ}: يحتمل تقدير مضافات أى لا يسفك بعضكم دماءَ بعضكم، ولا يخرج بعضكم أنفس بعضكم من ديار بعضكم، أى من دياره، ونكتة الحذف بقاء صورة الكلام دالة على أنه قاتل نفسه إذا قتل الآخر، ومخرج نفسه إذا أخرج الآخر، لأنهما كواحد للنسب أو للدين، ولأنه كما يدين يدان فيقتل إذا قتل: ويخرجه إذا أخرج من طبع الناس المجازاة، فإذا قوى المغلوب أخرج ولا سيما القصاص، فإن الشرع والطبع كليهما يدعوان إليه، وإن قلت. كيف أضيفت دما لبعض والأنفس كذلك؟ قلت: مسوغ ذلك أن البعض يجوز إطلاقه على فرد وفردين وثلاثة وأكثر، فتشمل الأنفس والدماء نفس المفروض على حدة، والمفروضَيْن على حدة، والثلاثة المفروضِينَ كذلك فصاعداً ودماؤهم وكذلك الديار ولا سيما أنه يجوز اعتبار أجزاء دم الواحد، فيقال له دمه فيعبر عن قتله بسفك دمائه، وكذا أجزاء نفسه وتشمل الديار ديار الواحد ودار كل أحد، ويجوز كون الأصل لا يسفك بعضكم دم بعضكم، ولا يخرج بعضكم نفس بعض من دار بعضكم، أى من داره كلما حذف المضاف ساغ جمع الدم والنفس والدار، لأنهن يضفن للجميع ويحتمل ألا يقدر مضاف، بل يخرج الكلام على المجاز المرسل الذى علاقته سببية أو المسببية أو هما أو اللازمية أو الملزومية وهما بأن عبر عن قتل الإنسان أخروا إخراجه من داره بقتل الإنسان نفسه وإخراجه من داره، لأن فعله ذلك بالآخر يؤدى إلى أن يجازى بما فعل أو على المجاز الاستعارى بأن يشبه الإنسان بالآخر حتى كأنهُ نفسه لجمع النسب، أو الدين أو كليهما بينهما، وقبل المعنى لا تفعلوا ما يكون سبباً لسفك دمائكم وإخراجكم من دياركم من الشرك والزنى وقتل النفس المحرمة والفساد فى الأرض، فنهى عن المسبب وهو اللازم وأراد النهى عن السبب وهو الملزوم، وقيل المعنى لا تخسروا أنفسكم الخسران الحقيق بالإصرار على الشرك والمعاصى، فإن هذا هو القتل الأبدى الدائم، ولا تخرجوا أنفسكم بالإصرار على ذلك من ما دياركم فى الجنة، فإن هذا الإخراج الحقيقى، وأصل دم دمى بإسكان الميم، وقيل دمو كذلك حذفت لامه وأعرب على العين. {ثُمَّ أَقْرَرْتُم}: بالميثاق ولزوم الوفاء به، أو بأنكم فيكم الميثاق وأخذ منكم {وَأَنْتُم تَشْهَدُونَ}: حال مؤكدة وإن جعلنا الخطاب السابق لأسلافهم وهذا لهم كانت الجملة مستأنفة، أى وأنتم تشهدون على أسلافكم أنهم أقروا بالميثاق والتزامه، ولك أن تجعل إقرارهم وأنتم تشهدون كله خطاب لهم لا خطاب لأسلافهم، كانت الجملة الثانية حالا مؤكداً، وكان إسناد الإقرار إليهم مجازاً، وأصله أن يسند لأسلافهم، وحقيقة الكلام أن يقال: ثم ذكرتم ذلك عن أسلافكم وأنتم تشهدون، أو الجامع أن كلا من الإقرار والذكر تكلم بما هو الواقع أو عبر بالإقرار لأن مضرة أسلافهم مضرة لهم، أو لأنهم على طريقهم فإقرارهم على أسلافهم إقرار على أنفسهم.
الخليلي
تفسير : ما مضى كان بيانا للميثاق الذي أخذه الله على بني إسرائيل في الواجبات العملية سواء ما كان منها حقا لله تعالى وحده أو حقا للعباد، وما هنا بيان للميثاق الذي أخذه عليهم في الواجبات التركية، وقد اختلف أسلوب البيانين، فأسلوب أولهما غيبي، وأسلوب آخرهما خطابي للتفنن وتعميم الفائدة والعبرة فيما مضى لاشتراك الأمم في تلك التكاليف، وقد مهد للعود إلى الأسلوب الخطابي المعهود في الآيات السوابق عند قصد بيان هتكهم الواجبات التركية بما اختتمت به الآية السابقة من الإِلتفات إليهم بقوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ}، ومن فائدة هذا الانتقال بعث الشعور بالخطأ في نفوس المعاصرين منهم لنزول القرآن لأنهم المقصودون بالموعظة، وهم أجدر بالاعتبار بأحوال سالفيهم. ولا داعي لتكرار القول في الميثاق، فهو كما تقدم. وقوله: {لاَ تَسْفِكُونَ} كقوله: {لاَ تَعْبُدُونَ} في وجوه الإِعراب، والقول في سفك الدماء سبق في قصة آدم. وإضافة الدماء إلى ضمير السافكين - مع كون المنهي عنه سفك بعضهم دماء بعض إذ الفطرة تزع كل أحد أن يسفك دمه بيده - لما في هذا التعبير من فائدة إشعارهم بوجوب وحدة أمتهم حتى تكون كالجسد الواحد يتألم كله بإصابة عضو منه حتى يحس من حدثته نفسه بأن يقتل أحداً من أمته أنه لا يسفك إلا دمه، والخسارة تعود إليه كما تعود على سائر أفراد الأمة، وكثيرا ما يرد خطاب أمتنا بهذا الأسلوب في القرآن في تضمنه لأمر كقوله تعالى: {أية : فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [النور: 61]، أو نهي كقوله: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [البقرة: 188]، وهو خطاب تربوي يدفع بالمخاطب إلى الإِحساس بأنه عضو من أمة يتألم لألمها ويسر بسرورها، ونحو قوله: {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} [البقرة: 84]، وإذا كان الرباط الذي يوحد الأمة الإِسرائيلية نسبيا ودينيا لأنهم ينحدرون من سلالة واحدة، ومخاطبون بشريعة واحدة فإن الأمة الإِسلامية التي شرفت برسالة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وجعل الله لحمتها العقيدة لا النسب أولى بالحفاظ على هذه الوحدة والإِحساس بهذا الشعور فلا يتعرض أحد منها لأذى أي أحد من أفرادها، ولو وقع ذلك من أحدها فهو في حكم إيذاء نفسه وإيذاء أمته جميعا، وهو الذي عبر عنه القرآن بالأخوة في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} تفسير : [الحجرات: 10]، وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"تفسير : وقوله: "حديث : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"تفسير : وقال: "حديث : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"تفسير : ويعني بذلك سلامتهم من كل شر يصدر منه، وإنما اقتصر على ذكر اللسان واليد لأنهما مصدر أكثر الشرور. وقيل المراد بقتل أنفسهم في الآية هو أن يقتل الإِنسان نفسه حقيقة سواء كان بسلاح أو سم أو ترد من شاهق فإنه معدود في الكبائر لثبوت النهي عنه، والوعيد عليه في الكتاب والسنة، فالله تعالى يقول: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً} تفسير : [النساء: 29 - 30]، وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا فيها أبداً، ومن نزل من جبل فقتل نفسه فهو ينزل في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدًا ". تفسير : وقيل: المراد به أن يتعرض أحد لقتل نفسه بقتل غيره فإنه مظنة القصاص، وقيل هو التعرض لأسباب القتل كالزنا بعد الإِحصان، والردة عن الإِسلام، وقتل النفس المحرمة بغير الحق، وقيل: هو عبارة عن ارتكاب الموبقات والإِصرار عليها لأنه يؤدي إلى هلاك النفس وفوات منفعتها في الآجلة، كما أن قتلها حسا يؤدي إلى هلاكها وفوات منفعتها في العاجلة. والقول الأول هو الصحيح لأن ما عداه إن ساغ في: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} فلا يسوغ في {تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} لتعين أن المراد به إخراج بعضهم بعضا من مساكنهم وهو صريح في قوله: {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ}، وسياق الجملتين واحد، فلا وجه لحمل الأنفس في إحداهما على معنى وفي الأخرى على آخر، على أن القول الأول هو الذي يتفق مع النص الموجود في التوراة في الوصايا الإِلهية المعبر عنها بالكلمات العشر، وهو: "لا تقتل، ولا تشته بيت قريبك". ويحتمل أن يكون الخطاب في قوله: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} للمعاصرين لنزول الآية لفظا ومعنى، لأنهم مقرون بتحمل أسلافهم العمل بهذا الميثاق، وأن يكون مرادا به أسلافهم المأخوذ منهم، وإنما خوطبوا هم به لاتحاد حكمهم ووحدة شريعتهم ما داموا على ملتهم، غير أنه يتعين أن يكون لهم الخطاب في قوله: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ}، لأن ما عُنفوا عليه كان واقعا فيهم كما سيأتي بيانه، وإن كان الخلاف بين بني اسرائيل بدأ منذ عهد بعيد عندما انشق يوربعام غلام سليمان عن رحبعام ابنه وخليفته من بعده، ومالأ أكثر الأسباط الغلام المنشق، كما تقدم إلا أن ما تشير إليه الآية كان واضحا جليا في سلوكهم عندما كانوا يشايعون طائفتي الأوس والخزرج في قتال بعضهم لبعض، فكانت فئة منهم عند الأوس، وفئة عند الخزرج يسفك بعضهم دم بعض، ويخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وإذا أسر أحدهم اجتمعت الفئتان المتقاتلتان على فكاكه من الأسر بفدية مالية يتعاون الكل عليها. والخلاصة أن المدينة المنورة كانت بها قبيلتان عربيتان وهما الأوس والخزرج، وكانت بها ثلاث قبائل إسرائيلية وهي قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع، فنجمت الفتنة بين القبيلتين العربيتين الشقيقتين واستعرت بينهما حرب زبون أكلت الأخضر واليابس، وشغلت الصغير والكبير، وكان لكل واحدة من القبيلتين أحلاف من اليهود يقاتلون بجانبها من يقاتلها من القبيلة الأخرى وأحلافهم، فيسفك بعضهم دم بعض، ويخرج بعضهم بعضا من ديارهم فإذا وقع أحد اليهود أسيرا في قبضة الأوس أو الخزرج اجتمعت طوائفهم المتقاتلة وتعاوت على فديته كما سبق. وقد اضطرب المفسرون في من كان حليفا للأوس، ومن كان حليفا للخزرج من القبائل الإِسرائيلية الثلاث، فذهبوا في ذلك مذاهب متعددة، أقربها إلى الصحة أن قريظة والنضير كانوا في صفوف الأوس، وأن بني قينقاع كانوا متحالفين مع الخزرج. والإِشارة بهؤلاء بعد خطابهم بأنتم ترمز الى أنهم - لهول ما ارتكبوا وفظاعة ما أحدثوا - تحولت ذواتهم إلى ذوات أخرى فحسنت الإِشارة اليها وقيل: بأن أولاء موصول وتقتلون صلته وهو مبني على رأي الكوفيين في جواز إتيان الألفاظ المستخدمة في الإِشارة أسماء موصولة وهو مقيد عند البصريين بلفظة واحدة وهي: ذا شريطة أن تكون مسبوقة ب "من" أو "ما" الاستفهاميتين؛ كقوله تعالى: {مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ}. وقول الشاعر: شعر : وقصيدة تأتي الملوك غريبة قد قلتها ليقال من ذا قالها تفسير : واختلف في إعراب {أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ} والصحيح أن أنتم مبتدأ خبره الإِشارة، وتقتلون حال منه، وذهب ابن كيسان إلى أن أولاء منصوب على الاختصاص، والخبر تقتلون وَردَّ بأن النصب على الاختصاص مُختص بأي نحو: نحن فعلنا كذا أيتها العصابة، والمعرف بأل كقولهم: نحن العرب أقرأُ الناس للضيف، وبالاضافة كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : نحن معاشر الأنبياء لا نُوْرث"تفسير : . وعطف هذه الجملة بـ "ثم" الرتبية لتهويل مضمونها، وذلك أنه مما يُستبعد عند أصحاب الفطر السليمة والعقول الراجحة صدور مثل هذا التصرف من قوم أوتوا حظا من الكتاب، وأخذت عليهم المواثيق بأن يعملوا بما فيه، وحُذِّرُوا من المخالفة في الأمر الذي يرتكبونه؛ وعلى القول المختار فجملة "تقتلون" حال من المبتدأ. وإخراج فريق منهم من ديارهم إلجاؤهم إلى الخروج في الحرب التي يشنونها عليهم مع حلفائهم من العرب. وأصل "تظاهرون" تتظاهرون من التظاهر، وهو شد بعضهم ظهر بعض، أي تقوية بعضهم بعضا، وأسقطت إحدى التاءين كما هو الشأن إذا اجتمعت تاء المضارعة مع أخرى، وبهذا قرأ عاصم وحمزة والكسائي، وقرأ بقية السبعة تظَّاهرون - بشد الظاء على إدغام التاء في الظاء - وروي عن مجاهد وقتادة أنها قرأ تظَّهَّرون - بتشديد الظاء والهاء مفتوحتين - وروي ذلك عن أبي عمرو، وروي عن أبي حيوة أنه قرأ تُظاهِرون - بضم تاء المضارعة وكسر الهاء - من ظاهر بمعنى أعان، وهي أدل على أنهم كانوا حال الإِخراج يعينون على إخوانهم فئة ليست منهم، ومؤدى جميع هذه القراءات أنهم كانوا يتعاونون على إخراج فريق منهم من ديارهم سواء كان هذا التعاون بينهم أنفسهم أو مع قوم ليسوا منهم كما هو شأنهم في تأريخ حروب الأوس والخزرج، وجملة: "تظاهرون ....الخ" منصوبة على الحال من فاعل: "تقتلون" و"تخرجون". والإِثم ما أوجب العقوبة أو اللوم، ولذلك تنفر منه النفس، ولا يطمئن إليه القلب كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الإِثم ما حاك في صدرك"تفسير : والعدوان تجاوز الحد في الظلم، مأخوذ من عدا. والأساري جمع أسير، ويجمع أيضا على أسرى، وفي قراءة حمزة "أسرى تفدوهم"، وقرأ نافع وعاصم والكسائي "أساري تفادوهم"، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وابن كثير "أسارى تفدوهم" والأسير هو الواقع في قبضة عدوه في الحرب سمي بذلك لأنه يشد بالإسار غالبا، والإِسار حبل يقد من الجلد ويسمى قدا، ولا فارق على الصحيح بين جمعه على أسارى أو على أسرى من حيث الدلالة وإن زعم بعضهم بأن الأسرى هم الذين لا يشدون بالوثاق بخلاف الأسارى، وكأن هؤلاء نظروا إلى أن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى، وهي قاعدة أغلبية وليست بمطردة، وزعم آخرون بأن الأسرى هم المستسلمون بأنفسهم والأسارى هم المأخوذون باليد من غير استسلام، ولا يبعد أن يكون أصحاب هذا القول ناظرين إلى تلك القاعدة أيضا، ولا دليل لأي واحد من القولين، وإنما الصحيح أن القياس في الأسير أن يجمع على أسرى كالمريض والمرضى، والقتيل والقتلى، والجريح والجرحى، وإنما حمل في جمعه على أسارى على كسلان، فجمع جمعه، كما يحمل كسلان على أسير فيجمع على كسلى مراعاة لتشابههما في الضعف، وقيل هو جمع نادر، كما يجمع قديم على قدامى من غير حمل على شيء، وقيل: الأسرى جمع أسير وأسارى جمع أسرى فهو جمع لجمع. وقد علمتم أن قراءتي "تفدوهم" و"تفادوهم" قرأ بهما السبعة فهما قراءتان متواترتان، وقراءة "تفدوهم" واضح معناها أنه دفع قدر من المال للقابضين على يد الأسير من أجل فكاكه من الأسر، أما قراءة "تفادوهم" فتحتمل هذا المعنى، وعليه فالمفاعلة هنا ليست للمشاركة، وإنما هي لتأكيد المعنى الذي في أصلها المجرد نحو عافاه الله وبارك فيه، وتحتمل أن تكون على بابها من المشاركة، وعليه فتحمل على تبادل الأسرى بين الفريقين غير أن المحكي عن اليهود من تعاضد طوائفهم على فكاك أسراهم جميعا يويد الإِحتمال الأول وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ} الخ. فالقراءتان إذن متحدتان معنى وإن اختلفتا أداء على الصحيح، وليس المنعى عليهم أن يفكوا أساراهم فإن ذلك من وصايا التوراة التي أُلزموها وإنما المنعى عليهم هذا التناقض العجيب في تصرفهم، فإن التوراة التي نصت على وجوب فك أسارى بني اسرائيل نصت كذلك على حرمة القتال بينهم، فراعوا جانبا منها وأهملوا جانبا، وكانت العرب في جاهليتهم يعيرونهم بذلك ويسألونهم عما يدعوهم إلى تعاونهم على فكاك الأسرى، فيجيبونهم إنا أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، فيسألونهم: فلم تقاتلونهم؟ فيجيبونهم: إنا نستحيي أن تستذل حلفاؤنا. وجملة: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} حال من فاعل تخرجون، والضمير المبتدأة به للشأن مبتدأ خبره الجملة بعده، والمحرم الممنوع ومادته موضوعه للمنع الشديد، واستعملها الشرع في ما كان منعه جازما، وفي إعراب مفردات هذه الجملة خلاف، قيل، محرم خبر مقدم وإخراج مبتدأ مؤخر، وقيل: محرم خبر عن الضمير وإخراج نائب فاعله لأنه اسم مفعول، وضعّف بأن المفرد لا يكون خبرا لضمير الشأن، وقيل: "هو" ضمير مبهم وإخراج بيانه، وهو مردود بأنه لم يعهد مثله في بيان الضمائر المبهمة بخلاف نحو رُبَّه رجلا إذ البيان فيه منصوب على التمييز. وقد وبخهم الله على الجمع بين الإِيمان والكفر وهما نقيضان، ذلك لأن امتثال المأمور به تجسيد للإِيمان بالأمر والآمر بخلاف رفضه، لأنه إما أن يكون للاستخفاف بالآمر، أو لعدم التصديق بالامر، وكلاهما كفر ولا يستبعد كل منهما من اليهود بعدما تقرر عنهم من وصف الله تعالى بما لا يليق بجلاله، كقولهم: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} تفسير : [آل عمران: 181]، وقولهم: {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} تفسير : [المائدة: 64]، ومجاهرتهم الأنبياء بالشك فيما جاؤوهم به عن الله، كقولهم: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [البقرة: 55]. ويحتمل أن يكون الكفر هنا كفر نعمة، فإن ترك أي شيء من الواجبات الدينية الثابتة بالقطع، وارتكاب أي شيء من المنهيات القطعية - مع الاعتراف بالوجوب والنهي - هما كفر بنعمة الله، كما سبق تقريره، ويؤيد هذا الاحتمال الأخير ما يحكى عنهم من جوابهم للذين يسألونهم عن هذا التناقض الذي يفيد اعترافهم بأنهم منهيون عن مقاتلة بعضهم لبعض ومطالبون بأن يفدوا أسراهم، ويدل على أنهم يدينون بهذا الحكم وإنما يأتون ما يأتونه انتهاكا بل يدل عليه دلالة صريحة قوله تعالى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}. وبما أن كثيرا من علماء المذاهب الإِسلامية لا يقولون بكفر النعمة حاروا في تفسير الآية حتى أفضت الحيرة ببعضهم إلى القول بأن المراد بكونهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض إيمانهم بموسى وكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد أبعد هذا القائل النجعة، وهرب من الواضح الى المشكل، فإن المقام ليس مقام حديث عن نبوة موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وإنما هو مقام ذكر ميثاق اخذ عليهم فوفوا ببعضه ونقضوا بعضه، والقول بأن إطلاق الكفر على صنيعهم لأنهم يعتقدون حله مردود بما ذكرته قبل قليل. وقال الإِمام محمد عبده في التعبير عن المخالفة والمعصية بالكفر دليل على ما سبق بيانه في معنى قوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ}، فالقرآن يصرح هنا وفي آيات كثيرة بأن من يقدم على الذنب لا تضطرب نفسه قبل إصابته، ولا يتألم ويندم بعد وقوعه فيرجع إلى الله تعالى تائبا، بل يسترسل فيه بلا مبالاة بنهي الله تعالى عنه، وتحريمه له فهو كافر به لأن المؤمن بأن هذا شيء حرمه الله تعالى المصدق بأنه من أسباب سخطه وموجبات عقوبته لا يمكن أن لا يكون لإِيمان قلبه أثر في نفسه فإن من الضروريات أن لكل اعتقاد أثرا في النفس، ولكل أثر في النفس تأثيرا في الأعمال، وهذا هو الوجه في الأحاديث الصحيحة الناطقة بأنه "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر شاربها وهو مؤمن ". تفسير : وروى ابن جرير عن قتادة وابن جريج أن فداءهم إيمان وإخراجهم كفر، وهو يؤكد ما قلته بأن المراد بالكفر هنا كفر النعمة. وما في الآية من إنكار ووعيد على الآخذ ببعض تعاليم الكتاب وترك بعض، واعتبار ذلك جمعا بين الإِيمان والكفر - وهما ضدان - ليس خاصا ببني اسرائيل بل هو شامل لهذه الأمة عندما تأخذ ببعض تعاليم القرآن وتترك بعضا مع قوة حجته، وظهور معجزته، ونصوع برهانه، وكونه منبعا لكل خير ومطلعا لكل هداية، وهو معنى ما حكاه ابن جرير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "إن بني اسرائيل قد مضوا، وإنكم أنتم تعنون بهذا الحديث". والهمزة في {أَفَتُؤْمِنُونَ} للإِنكار وليس المنكر إيمانهم وإن دخلت الهمزة على فعله وإنما هو الجمع بينه وبين الكفر مع أن الإِيمان لا يعتد به إلا إذا خلص من جميع شوائب الكفر كالماء إذا خالطته النجاسة فكدرت لونه وغيرت ريحه وطعمه. والخزي هو اقصى منازل الهوان، واختلف في المراد به في الآية، قيل: هو أخذ الجزية عليهم مع ما يصحبها من الذل والصغار، وقيل: قتل قريظة وجلاء بني النضير، والصحيح أن الخزي أعم معنى من كل ما قالوه، فما من هوان يصيبهم بما شرع الله فيهم من حكم أو بما أمضاه عليهم من قدر إلا وهو داخل في مدلول الخزي، وإن من أخزى الخزي أنهم بقوا طيلة القرون الماضية مشتتين في أصقاع الأرض يعانون أقسى المعاملات، ويكابدون شدائد الحياة لا ترق لهم الأفئدة ولا تعطف عليهم النفوس، ليست لهم جنسية تجمعهم، ولا وطن يأويهم، ولا لغة تربطهم. وأشد العذاب هو الخلود في النار، وأشديته بالقياس إلى ما أصابهم في الدنيا، وإلا فالملاحدة والمشركون الذين جحدوا جميع رسالات الله هم أشد منهم عذابا في الآخرة. وليست جدارتهم بهذا الوعيد راجعة إلى عنصرهم، بل هي راجعة إلى صنيعهم وإلا فقد خرج من عنصرهم أنبياء اصطفاهم الله لحمل رسالته، واختارهم لأداء أمانته، وفضلهم على العالمين بما اختصهم به، وفي ذلك عبرة لغيرهم، وتذكير لأمة القرآن الذي اشتمل على وعيدهم وبيان عاقبتهم ولكن هل من مدَّكر، فقد حذت هذه الأمة حذوهم فاصابهم ما أصابهم من الهوان، بل صيرهم الله تعالى عقوبة لهذه الأمة فجمع أوزاعهم ولم شتاتهم بعد أن كانوا متفرقين في أرجاء الأرض لا لأنهم أقلعوا عن غيهم، وتابوا إلى ربهم، ولكن ليكونوا بلاء على هذه الأمة، وتلك سنة في خلقه: {أية : وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [الأنعام: 129]، ولا مخلص من هذا البلاء، ولا منجاة من هذا العذاب إلا الأخذ بحجز أوامر الله، والاعتصام بحبله المتين، واتباع صراطه المستقيم. وقوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} تحذير إثر الوعيد السابق بأن المتوعد عليم بكل شيء فلا تعزب عنه أعمال الذين تُوُعدوا، وفي "تعملون" قراءتان، بالياء وهي قراءة نافع وابن كثير، وبالتاء وهي قراءة الباقين من العشرة، فالأولى روعيت فيها الغيبة التي في قوله: {مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ} وقوله: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ} والثانية روعي فيها الخطاب الذي في أصل السياق، وقيل: باحتمال أن يكون الخطاب فيها موجها إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما سلفت روايته عن عمر رضي الله عنه.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ} على نحو ما سبق في {أية : لاَ تَعْبُدُونَ } تفسير : [البقرة: 83] والمراد أن لا يتعرض بعضكم بعضاً بالقتل والإجلاء وجعل قتل الرجل غيره قتل نفسه لاتصاله نسباً أو ديناً، أو لأنه يوجبه قصاصاً، ففي الآية مجاز، إما في ضمير ـ كم ـ حيث عبر به عمن يتصل به أو في {تَسْفِكُونَ} حيث أريد به ما هو سبب السفك. وقيل: معناه لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم، أو لا تفعلون ما يرديكم ويصرفكم عن لذات الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة ولا تقترفوا ما تمنعون به/ عن الجنة التي هي داركم، وليس النفي في الحقيقة جلاء الأوطان بل البعد من رياض الجنان ولعل ما يساعده سياق النظم الكريم هو الأول. والدماء جمع دم معروف وهو محذوف ـ اللام ـ وهي ـ ياء ـ عند بعض لقوله:شعر : جرى الدميان بالخبر اليقين تفسير : ـ وواو ـ عند آخرين لقولهم دموان ووزنه فعل أو فعل، وقد سمع مقصوراً وكذا مشدداً، وقرأ طلحة وشعيب {تَسْفُكُونَ} ـ بضم الفاء ـ وأبو نهيك ـ بضم التاء وفتح السين وكسر الفاء مشددة ـ وابن أبـي إسحٰق كذلك إلا أنه سكن السين وخفف الفاء. {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} أي بالميثاق واعترفتم بلزومه خلفاً بعد سلف فالإقرار ضد الجحد ويتعدى ـ بالباء ـ قيل ويحتمل أنه بمعنى إبقاء الشيء على حاله من غير اعتراف به ـ وليس بشيء ـ إذ لا يلائمه حينئذ {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} حال مؤكدة رافعة احتمال أن يكون الإقرار ذكر أمر آخر لكنه يقتضيه، ولا يجوز العطف لكمال الاتصال ولا الاعتراض إذ ليس المعنى وأنتم عادتكم الشهادة بل المعنى على التقييد وقيل: وأنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازاً، وضعف بأن يكون حينئذ استبعاد القتل والإجلاء منهم مع أن أخذ الميثاق والإقرار كان من أسلافهم لاتصالهم بهم نسباً وديناً بخلاف ما إذا اعتبر نسبة الإقرار إليهم على الحقيقة فإنه يكون بسبب إقرارهم وشهادتهم ـ وهو أبلغ في بيان قبيح صنيعهم ـ وادعى بعضهم أن الأظهر: أن المراد أقررتم حال كونكم شاهدين على إقراركم بأن شهد كل أحد على إقرار غيره كما هو طريق الشهادة ولا يخفي انحطاظ المبالغة حينئذ.
ابن عاشور
تفسير : تفنن الخطاب هنا فجاء على نسق ما قبل الآية السابقة، إذ عبر هنا عن جميع بني إسرائيل بضمير الخطاب على طريق التغليب لأن المخاطبين حين نزول القرآن هم المقصودون من هذه الموعظة أو على طريق تنزيل الخلف منزلة السلف كما تقدم، لأن الداعي للإظهار عند الانتقال من الاستطراد إلى بقية المقصود في الآية السابقة قد أخذ ما يقتضيه فعاد أسلوب الخطاب إلى ما كان عليه. والقول في {لا تسفكون} كالقول في {أية : لا تعبدون إلا الله}تفسير : [البقرة: 83] والسفك الصب. وإضافة الدماء إلى ضمير فاعل {تسفكون} اقتضت أن مفعول {تسفكون} هو دماء السافكين وليس المراد النهي عن أن يسفك الإنسان دم نفسه أو يخرج نفسه من داره لأن مثل هذا مما يزع المرء عنه وازعه الطبيعي فليس من شأن الشريعة الاهتمام بالنهي عنه، وإنما المراد أن لا يسفك أحد دم غيره ولا يخرج غيره من داره على حد قوله تعالى: {أية : فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم}تفسير : [النور: 61] أي فليسلم بعضكم على بعض. فوجه إضافة الدماء إلى ضمير السافكين أن هذه الأحكام المتعلقة بالأمة أو القبيلة يكون مدلول الضمائر فيها مجموع الناس، فإذا تعلقت أحكام بتلك الضمائر من إسناد أومفعولية أو إضافة أرجع كل إلى ما يناسبه على طريقة التوزيع وهذا كثير في استعمال القرآن ونكتته الإشارة إلى أن المغايرة في حقوق أفراد الأمة مغايرة صورية وأنها راجعة إلى شيء واحد وهو المصلحة الجامعة أو المفسدة الجامعة، ومثله قوله تعالى: {أية : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}تفسير : [البقرة: 188] ومن هذا القبيل قول الحماسي الحارث بن وعلة الذهلي:شعر : قومي هم قتلوا أُميم أخي فإذا رميت يصيبني سهمي فلئن عفوت لأعفون جللا ولئن سطوت لأوهنن عظمي تفسير : يريد أن سهمه إذا أصاب قومه فقد أضرَّ بنفسه وإلى هذا الوجه أشار ابن عطية وسماه اللف في القول، أي الإجمال المراد به التوزيع، وذهب صاحب «الكشاف» إلى أنه من تشبيه الغير بالنفس لشدة اتصال الغير بالنفس في الأصل أو الدين فإذا قتل المتصل به نسباً أو ديناً فكأنما قتل نفسه وهو قريب من الأول ومبناه على المجاز في الضمير المضاف إليه في قوله: {دماءكم} و{أنفسكم}. وقيل: إن المعنى لا تسفكون دماءكم بالتسبب في قتل الغير فيقتص منكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم بالجناية على الغير فتنفوا من دياركم، وهذا مبني على المجاز التبعي في {تفسكون} و{تخرجون} بعلاقة التسبب. وأشارت هذه الآية إلى وصيتين من الوصايا الإلٰهية الواقعة في العهد المعروف بالكلمات العشر المنزلة على موسى عليه السلام من قوله: «لا تقتل، لا تشته بيت قريبك» فإن النهي عن شهوة بيت القريب لقصد سد ذريعة السعي في اغتصابه منه بفحوى الخطاب. وعليه فإضافة (ميثاق) إلى ضمير المخاطبين مراعى فيها أنهم لما كانوا متدينين بشريعة التوراة فقد التزموا بجميع ما تحتوي عليه. وقوله: {ثم أقررتم وأنتم تشهدون} مرتب ترتيباً رتبياً أي أخذ عليكم العهد وأقررتموه أي عملتم به وشهدتم عليه فالضميران في {أقررتم وأنتم تشهدون} راجعان لما رجع له ضمير {ميثاقكم} وما بعده لتكون الضمائر على سنن واحد في النظم. وجملة {وأنتم تشهدون} حالية أي لا تنكرون إقراركم بذلك إذ قد تقلدتموه والتزمتم التديُّن به. والعطف بثم في قوله: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} للترتيب الرتبي أي وقع ذلك كله وأنتم هؤلاء تقتلون، والخطاب لليهود الحاضرين في وقت نزول القرآن بقرينة قوله: {هؤلاء} لأن الإشارة لا تكون إلى غائب وذلك نحو قولهم: ها أنا ذا وها أنتم أولاء، فليست زيادة اسم الإشارة إلا لتعيين مفاد الضمير وهذا استعمال عربي يختص غالباً بمقام التعجب من حال المخاطب وذلك لأن أصل الإخبار أن يكون بين المخبر والمخبر عنه تخالف في المفهوم واتحاد في الصدق في الخارج وهوالمعروف عند المناطقة بحمل الاشتقاق نحو أنت صادق، ولذلك لزم اختلاف المسند والمسند إليه بالجمود والاشتقاق غالباً أو الاتحاد في الاشتقاق ولا تجدهما جامدين إلا بتأويل. ثم إن العرب قد تقصد من الإخبار معنى مصادفة المتكلم الشيءَ عينَ شيء يبحث عنه في نفسه نحو «أنت أبا جهل» قاله له ابن مسعود يوم بدر إذ وجده مثخناً بالجراح صريعاً ومصادفة المخاطب ذلك في اعتقاد المتكلم نحو «قال أنا يوسف وهذا أخي» فإذا أرادوا ذلك توسعوا في طريقة الإخبار فمن أجل ذلك صح أن يقال: «أنا ذلك» إذا كانت الإشارة إلى متقرر في ذهن السامع وهو لا يعلم أنه عين المسند إليه كقول خفاف ابن نَدبة:شعر : تَأَمَّلْ خُفَافاً إنني أنا ذلكا تفسير : وقول طريف العنبري:شعر : فتوسموني إنني أنا ذالكم تفسير : وأوسع منه عندهم نحوُ قول أبي النجم:شعر : أنا أبو النجم وشعري شعري تفسير : ثم إذا أرادوا العناية بتحقيق هذا الاتحاد جاءوا «بها التنبيهِ» فقالوا: هَا أنا ذا يقوله المتكلم لمن قد يشك أنه هو نحو قول الشاعر:شعر : إن الفتى مَن يقول ها أنا ذا تفسير : فإذا كان السبب الذي صحح الإخبار معلوماً اقتصَر المتكلم على ذلك وإلا أَتْبَع مثلَ ذلك التركيب بجملة تدل على الحال التي اقتضت ذلك الإخبار ولهم في ذلك مراتب: الأولى {ثم أنتم هؤلاء تقتلون}، الثانية: {أية : ها أنتم أولاء تحبونهم}تفسير : [آل عمران: 119]. ومنه «ها أنا ذا لديكما» قاله أمية بن أبي الصلت. الثالثة {أية : ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا}تفسير : [النساء: 109] ويستفاد معنى التعجب في أكثر مواقعه من القرينة كما تقول لمن وجدته حاضراً وكنت لا تترقب حضوره ها أنت ذا، أو من الجملة المذكورة بعده إذا كان مفادها عجيباً كما رأيت في الأمثلة. والأظهر أن يكون الضمير واسم الإشارة مبتدأ وخبراً والجملة بعدهما حالاً، وقيل: هي مستأنفة لبيان منشأ التعجب، وقيل: الجملة هي الخبر واسم الإشارة منادى معترض ومنعه سيبويه، وقيل: اسم الإشارة منصوب على الاختصاص وهذا ضعيف. وعلى الخلاف في موقع الجملة اختلف فيما لو أتى بعدها أنت ذَا ونحوِه بمفرد فقيل يكون منصوباً على الحال وقيل: مرفوعاً على الخبر ولم يسمع من العرب إلا مثال أنشده النحاة وهو قوله:شعر : أبا حَكَم ها أنتَ نَجْمٌ مُجَالد تفسير : ولأجل ذلك جاء ابن مالك في خطبة «التسهيل» بقوله: وها أنا ساع فيما انتدبت إليه، وجاء ابن هشام في خطبة «المغني» بقوله: وها أنا مبيح بما أسررته. واختلف النحاة أيضاً في أن وقوع الضمير بعد(ها) التنبيه هل يتعين أن يعقبه اسم الإشارة فقال في «التسهيل» هو غالب لا لازم وقال ابن هشام هولازم صرح به في «حواشي التسهيل» بنقل الدماميني في «الحواشي المصرية» في الخطبة وفي الهاء المفردة. وقال الرضى إن دخول (ها) التنبيه في الحقيقة إنما هو على اسم الإشارة على ما هو المعروف في قولهم هذا وإنما يفصل بينها وبين اسم الإشارة بفاصل فمنه الضمير المرفوع المنفصل كما رأيت ومنه القسم نحو قول الشاعر من «شواهد الرضي»:شعر : تَعَلَّمَنْ هَا لعمرُ الله ذا قسما فاقدر بذرعك فانظر أين تنسلك تفسير : وشذ بغير ذلك نحو قول النابغة:شعر : ها إنّ تَاعذرة إن لا تكن نفعت فإن صاحبها قد تاه في البلد تفسير : وقوله: {تقتلون} حال أو خبر. وعبر بالمضارع لقصد الدلالة على التجدد وأن ذلك من شأنكم وكذلك قوله: {وتخرجون فريقاً منكم}. وجعل في «الكشاف» المقصود بالخطابات كلها في هذه الآية مراداً به أسلاف الحاضرين وجعل قوله: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون} مع إشعاره بمغايرة المشار إليهم للذين وجه إليهم الخطاب مراداً منه مغايرة تنزيلية لتغير صفات المخاطب الواحد وذلك تكلف ساقه إليه محبة جعل الخطابات في هذه الآية موافقة للخطابات التي في الآي قبلها، وقد علمت أنه غير لازم وأن المغايرة مقصودة هنا وقد استقامت فلا داعي إلى التكلف. وقد أشارت هذه الآية إلى ما حدث بين اليهود من التخاذل وإهمال ماأمرتهم به شريعتهم والأظهر أن المقصود يهود قريظة والنضير وقَيْنُقَاعَ. وأراد من ذلك بخاصة ما حدث بينهم في حروب بُعَاث القائمة بين الأوس والخزرج وذلك أنه لما تَقَاتَل الأوسُ والخزرجُ اعتزل اليهودُ الفريقين زمناً طويلاً والأوسُ مغلوبون في سائر أيام القتال فدبر الأوس أن يخرجوا يسعون لمحالفة قُريظة والنَّضِير فلما علم الخزرج توعدوا اليهود إن فعلوا ذلك فقالوا لهم: إنا لا نحالف الأوس ولا نحالفكم فطلب الخزرجُ على اليهود رهائنَ أربعين غلاماً من غلمان قريظة والنضير فسلموهم لهم. ثم إن عمرو بن النعمان البياضي الخزرجي أطمع قومه أن يتحولوا لقريظة والنضير لحسن أرضهم ونخلهم وأرسل إلى قريظة والنضير يقول لهم: إما أن تخلوا لنا دياركم وإما أن نقتل الرهائن فخشي القوم على رهائنهم واستشاروا كعب بن أسيد القُرظي فقال لهم: «يا قوم امنعوا دياركم وخلوه يقتل الغلمان فما هي إلا ليلة يصيب أحدكم فيها امرأتَه حتى يولد له مثلُ أحدهم» فلما أجابت قريظة والنضير عمراً بأنهم يمنعون ديارهم عدا عمروٌ على الغلمان فقتلهم فلذلك تحالفت قريظة والنضير مع الأوس فسعى الخزرج في محالفة بني قينقاع من اليهود وبذلك نشأ قتال بين فِرق اليهود وكان بينهم يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين فكانت اليهود تتقاتل وتجلي المغلوبين من ديارهم وتأسرهم، ثم لمَّا ارتفعت الحرب جمعوا مالاً وفدوا به أسرى اليهود الواقعين في أسر أحلاف أحد الفريقين من الأوس أو الخزرج فعيرت العربُ اليهودُ بذلك وقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم بأموالكم فقالوا: قد حرم علينا قتالهم ولكنا نستحي أن نخذل حلفاءنا وقد أُمرنا أن نفدي الأسرى فذلك قوله تعالى: {وإن يأتوكم أُسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم}.
الواحدي
تفسير : {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} بأن لا يقتل بعضكم بعضاً، ولا يُخرج بعضكم بعضاً من داره ولا يغلبه عليها، {ثم أقررتم} أَيْ: قبلتم ذلك {وأنتم} اليوم {تشهدون} على إقرار أوائلكم، ثمَّ أخبر أنَّهم نقضوا هذا الميثاق فقال: {ثم أنتم هٰؤلاء} [أراد: يا هؤلاء] {تقتلون أنفسكم} يقتل بعضكم بعضاً. {وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم} تتعاونون على أهل ملَّتكم [ {بالإثم والعدوان} ]: بالمعصية والظُّلم {وإن يأتوكم أسارى} مأسورين يطلبون الفداء فديتموهم {وهو محرَّم عليكم إخراجهم} أَيْ: وإخراجهم عن ديارهم محَّرمٌ عليكم {أفتؤمنون ببعض الكتاب} يعني: فداء الأسير {وتكفرون ببعض} يعني: القتل والإخراج والمظاهرة على وجه الإباحة؟ قال السُّدِّيُّ: أخذ الله تعالى عليهم أربعة عهودٍ: تركَ القتل، وترك الإِخراج، وترك المظاهرة، وفداء أُسرائهم فأعرضوا عن كلِّ ما أُمروا به إلاَّ الفداء. {فما جزاء مَنْ يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ} فضيحةٌ وهوانٌ {في الحياة الدنيا} ، وقوله: {فلا يخفف عنهم العذاب} معناه: في الدُّنيا والآخرة، وقيل: هذه الحالة مختصَّةٌ بالآخرة.
القطان
تفسير : السفك: اراقة الدماء. التظاهر: التعاون. الأثم، العدوان: تجاوز الحد في الظلم. ذكّر الله بني اسرائيل في الآية السابقة بما أُمروا به من عبادة الله وحده والاحسان الى الوالدين وذوي القربى، وان يعاشروا الناس جميعاً بالحسنى.. ثم بيّن أنهم لم يطيعوا ما أُمروا به وتولَّوا وهم معرضون. وهنا يمضي السياق فيقص علينا عن حال اليهود، ومواقفهم التي تجلى فيها العصيان ويذكّرهم بأهم الأمور التي نُهوا عنها وقد أخذ الله عليهم العهد باجتنابها. والخطاب هنا لليهود في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كانوا في المدينة ثلاثة أحياء: بنو قينقاع، وبنو النضير، حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس. وكان العداء بين الأوس والخزرج مستحكما، فهم في أغلب الأحيان في حرب دائمة. اذ ذاك كان يقاتل كلُّ فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه وبينهم اليهودي من الفريق الآخر. وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله. وكانوا يخرجونهم من ديارهم اذا غُلب فريقهم وينهبون أموالهم ويأخذون سباياهم. وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله معهم. ثم اذا انتهت الحرب يَفدون الأسارى ويفكّون أسر المأسورين من اليهود، عملاً بحكم التوراة. هذا هو التناقض الذي يواجههم القرآن، وهو يسألهم باستنكار شديد {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}؟ ان الكتاب ينص على تحريم القتل والاخراج من الديار وأنتم تنقضون ذلك. لذا فان الله يتوعدهم بالخزي في الحياة الدنيا، وأشد العذاب في الآخرة. وذلك أنهم آثروا أعراض الدنيا الزائلة على نعيم الآخرة الدائم. فلن يخفَّف عنهنم عذاب جهنم، ولن يجدوا من ينقذهم منه. القراءات: قرأ عاصم وحمزة والكسائي. "تظاهرون" بحذف احدى التاءين وقُرىء "تتظاهرون" بهما معاً. وقرأ حمزة "أسرى" جمع أسير كجريح وجرحى. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر: "تفدوهم" وقرأ عاصم في رواية المفضل "تردون" بالتاء. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية ابن بكر وخلف ويعقوب "يعملون" بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {مِيثَاقَكُمْ} {دِيَارِكُمْ} (84) - يَذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى فِي هذِهِ الآيَةِ اليَهُودَ بِأَهَمِّ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، وَأَخَذَ المِيثَاقَ عَلَيهِمْ لاجْتِنَابِهِ، فَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّهُ أَخَذَ المِيثَاقَ فِي التَّورَاةِ عَلَى بَنِي إِسْرِائِيلَ أَنْ لاَ يَسْفِكَ بعضُهُمْ دَمَ بَعْضٍ، وَأَنْ لا يُخْرِجَ بَعْضُهُم بَعْضاً مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَوْطََانِهِمْ، وَإِنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ يُقِرُّونَ بِذلِكَ، وَيَشْهَدُونَ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَتْ بِهِ دِيَانَتُهُمْ فِي ذلِكَ، فَالحُجَّةُ قَائِمَةٌ عَلَيهِمْ. لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ - أَي لاَ يَسْفِكُ بَعضُكُمْ دَمَ بَعْضٍ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ بَعْضَ أَفرادِ الجَمَاعَةِ هُمْ مِنْ نَفْسِها. السَّفْكُ - الصَّبُّ والإِرَاقَةُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا ساعة تسمع "إذْ" فاعلم أن معناها اذكر .. وقلنا إن الميثاق هو العهد الموثق .. وقوله تعالى: {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} [البقرة: 84] .. والله تبارك وتعالى ذكر قبل ذلك في الميثاق عبادة الله وحده .. وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين .. وقولوا للناس حسناً وأقيموا الصلاة إلى آخر ما جاء في الآية الكريمة .. وكلها أوامر أي وكلها افعل .. استكمالاً للميثاق .. يقول الله في هذه الآية الكريمة ما لا تفعل .. فالعبادة كما قلنا هي إطاعة الأوامر والامتناع عن النواهي .. أو ما نهى عنه الميثاق: {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} [البقرة: 84] ومعناها لا يسفك كل واحد منكم دم أخيه .. لا يسفك بعضكم دم بعض. ولكن لماذا قال الله: "دماءكم"؟ لأنه بعد ذلك يقول: {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} [البقرة: 84] .. الحكم الإيماني يخاطب الجماعة الإيمانية على أنها وحدة واحدة .. لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ). تفسير : فكأن المجتمع الإيماني وحدة واحدة .. والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ..} تفسير : [النور: 61]. ولكن إذا كنت أنا الداخل فكيف أسلم على نفسي؟ كأن الله يخاطب المؤمنين على أساس أنهم وحدة واحدة .. وعلى هذا الأساس يقول سبحانه: {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} [البقرة: 84] .. أي لا تقتلوا أنفسكم .. السفك معناه حب إراقة الدم .. "ودماءكم" هو السائل الموجود في الجسم اللازم للحياة .. وقوله تعالى: {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} [البقرة: 84] يعني لا يخرج بعضكم بعضاً من ديارهم .. ثم ربط المؤمنين من بني إسرائيل بقوله تعالى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة: 84] .. أقررتم أي اعترفتم: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة: 84] الشهادة هي الإخبار بمشاهد .. والقاضي يسأل الشهود لأنهم رأوا الحادث فيروون ما شاهدوا .. وأنت حين تروي ما شاهدت .. فكأن الذين سمعوا أصبح ما وقع مشهوداً وواقعاً لديهم .. وشاهد الزور يغير المواقع. الحق سبحانه وتعالى يخاطب اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. ويذكرهم بما كان من آبائهم الأولين .. وموقفهم من أخذ الميثاق حين رفع فوقهم جبل الطور وهي مسألة معروفة .. والقرآن يريد أن يقول لهم إنكم غيرتم وبدلتم فيما تعرفون .. فالذي جاء على هواكم طبقتموه .. والذي لم يأت على هواكم لم تطبقوه.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} معناهُ لا تُهْرِقُونَها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا الفعل المذكور في هذه الآية، فعل للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مشركين، وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية، فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود، بنو قريظة، وبنو النضير، وبنو قينقاع، فكل فرقة منهم حالفت فرقة من أهل المدينة. فكانوا إذا اقتتلوا أعان اليهودي حليفه على مقاتليه الذين تعينهم (1) الفرقة الأخرى من اليهود، فيقتل اليهودي اليهودي، ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها، وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا. والأمور الثلاثة كلها قد فرضت عليهم، ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض، ولا يخرج بعضهم بعضا، وإذا وجدوا أسيرا منهم، وجب عليهم فداؤه، فعملوا بالأخير وتركوا الأولين، فأنكر الله عليهم ذلك فقال: { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ } وهو فداء الأسير { وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } وهو القتل والإخراج. وفيها أكبر دليل على أن الإيمان يقتضي فعل الأوامر واجتناب النواهي، وأن المأمورات من الإيمان، قال تعالى: { فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } وقد وقع ذلك فأخزاهم الله، وسلط رسوله عليهم، فقتل من قتل، وسبى من سبى منهم، وأجلى من أجلى. { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ } أي: أعظمه { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } . ثم أخبر تعالى عن السبب الذي أوجب لهم الكفر ببعض الكتاب، والإيمان ببعضه فقال: { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ } توهموا أنهم إن لم يعينوا حلفاءهم حصل لهم عار، فاختاروا النار على العار، فلهذا قال: { فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ } بل هو باق على شدته، ولا يحصل لهم راحة بوقت من الأوقات، { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } أي: يدفع عنهم مكروه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):