٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
83
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا نوع آخر من أنواع النعم التي خصهم الله بها، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم وهو الجنة، والموصل إلى النعمة نعمة، فهذا التكليف لا محالة من النعم، ثم إنه تعالى بين ههنا أنه كلفهم بأشياء: التكليف الأول: قوله تعالى: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «يعبدون» بالياء والباقون بالتاء، ووجه الياء أنهم غيب أخبر عنهم، ووجه التاء أنهم كانوا مخاطبين والاختيار التاء، قال أبو عمرو: ألا ترى أنه جل ذكره قال: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } فدلت المخاطبة على التاء. المسألة الثانية: اختلفوا في موضع «يعبدون» من الإعراب على خمسة أقوال: القول الأول: قال الكسائي: رفعه على أن لا يعبدوا كأنه قيل: أخذنا ميثاقهم بأن لا يعبدوا إلا أنه لما أسقطت «أن» رفع الفعل كما قال طرفة:شعر : ألا أيهذا اللاثمي أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي تفسير : أراد أن أحضر ولذلك عطف عليه «أن» وأجاز هذا الوجه الأخفش والفراء والزجاج وقطرب وعلي بن عيسى وأبو مسلم. القول الثاني: موضعه رفع على أنه جواب القسم، كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا يعبدون، وأجاز هذا الوجه المبرد والكسائي والفراء والزجاج وهو أحد قولي الأخفش. القول الثالث: قول قطرب: أنه يكون في موضع الحال فيكون موضعه نصباً كأنه قال: أخذنا ميثاقكم غير عابدين إلا الله. القول الرابع: قول الفراء أن موضع «لا تعبدون» على النهي إلا أنه جاء على لفظ الخبر كقوله تعالى: {أية : لاَ تُضَارَّ وٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا } تفسير : [البقرة: 233] بالرفع والمعنى على النهي، والذي يؤكد كونه نهياً أمور. أحدها: قوله: {أَقِيمُواْ }، وثانيها؛ أنه ينصره قراءة عبد الله وأبي: {لاَّ تَعْبُدُواْ }. وثالثها: أن الإخبار في معنى الأمر والنهي آكد وأبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه. القول الخامس: التقدير أن لا تعبدوا تكون «أن» مع الفعل بدلاً عن الميثاق، كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل بتوحيدهم. المسألة الثالثة: هذا الميثاق يدل على تمام ما لا بد منه في الدين لأنه تعالى لما أمر بعبادة الله تعالى ونهى عن عبادة غيره، ولا شك أن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد والبراءة عن الصاحبة والأولاد، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة، فقوله: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ } يتضمن كل ما اشتمل عليه علم الكلام وعلم الفقه والأحكام لأن العبادة لا تتأتى إلا معها. التكليف الثاني: قوله تعالى: {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: يقال: بم يتصل الباء في قوله تعالى: {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } وعلام انتصب؟ قلنا فيه ثلاثة أقوال: الأول: قال الزجاج: انتصب على معنى أحسنوا بالوالدين إحساناً. والثاني: قيل على معنى وصيناهم بالوالدين إحساناً لأن اتصال الباء به أحسن على هذا الوجه ولو كان على الأول لكان. وإلى الوالدين كأنه قيل: وأحسنوا إلى الوالدين. الثالث: قيل: بل هو على الخبر المعطوف على المعنى الأول يعني أن تعبدوا وتحسنوا. المسألة الثانية: إنما أردف عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين لوجوه. أحدها: أن نعمة الله تعالى على العبد أعظم، فلا بد من تقديم شكره على شكر غيره ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعم النعم، وذلك لأن الوالدين هما الأصل والسبب في كون الولد ووجوده كما أنهما منعمان عليه بالتربية، وأما غير الوالدين فلا يصدر عنه الإنعام بأصل الوجود، بل بالتربية فقط، فثبت أن إنعامهما أعظم وجوه الإنعام بعد إنعام الله تعالى. وثانيها: أن الله سبحانه هو المؤثر في وجود الإنسان في الحقيقة والوالدان هما المؤثران في وجوده بحسب العرف الظاهر، فلما ذكر المؤثر الحقيقي أردفه بالمؤثر بحسب العرف الظاهر. وثالثها: أن الله تعالى لا يطلب بإنعامه على العبد عوضاً ألبتة بل المقصود إنما هو محض الإنعام والوالدان كذلك، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضاً مالياً ولا ثواباً، فإن من ينكر الميعاد يحسن إلى ولده ويربيه، فمن هذا الوجه أشبه إنعامهما إنعام الله تعالى. الرابع: أن الله تعالى لا يمل من الإنعام على العبد ولو أتى العبد بأعظم الجرائم، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه وروادف كرمه، وكذا الوالدان لا يملان الولد ولا يقطعان عنه مواد منحهما وكرمهما، وإن كان الولد مسيئاً إلى الوالدين. الخامس: كما أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان، فكذا الحق سبحانه وتعالى متصرف في طاعة العبد فيصونها عن الضياع ثم إنه سبحانه يجعل أعماله التي لا تبقى كالشيء الباقي أبد الآباد كما قال: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوٰلَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } تفسير : [البقرة: 261]. السادس: أن نعمة الله وإن كانت أعظم من نعمة الوالدين ولكن نعمة الله معلومة بالاستدلال ونعمة الوالدين معلومة بالضرورة، إلا أنها قليلة بالنسبة إلى نعم الله فاعتدلا من هذه الجهة والرجحان لنعم الله فلا جرم جعلنا نعم الوالدين كالتالية لنعم الله تعالى. المسألة الثالثة: اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين، ويدل عليه وجوه. أحدها: أن قوله في هذه الآية: {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } غير مقيد بكونهما مؤمنين أم لا، ولأنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف مشعر بعلية الوصف، فدلت هذه الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم، وهكذا الاستدلال بقوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً }. وثانيها: قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } الآية، وهذا نهاية المبالغة في المنع من إياذئهما، ثم إنه تعالى قال في آخر الآية: {أية : وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا } تفسير : [الإسراء: 23، 24] فصرح ببيان السبب في وجوب هذا التعظيم. وثالثها: أن الله تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه كيف تلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله: {أية : يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 42] ثم إن أباه كان يؤذيه ويذكر الجواب الغليظ وهو عليه السلام كان يتحمل ذلك، وإذا ثبت ذلك في حق إبراهيم عليه السلام ثبت مثله في حق هذه الأمة لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرٰهِيمَ حَنِيفًا } تفسير : [النحل: 123]. المسألة الرابعة: اعلم أن الإحسان إليهما هو ألا يؤذيهما ألبتة ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه، فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين. التكليف الثالث: قوله تعالى: {وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث المحرم وغير المحرم، ولا يدخل الأب والابن لأنهما لا يعرفان بالقريب، ويدخل الأحفاد والأجداد، وقيل: لا يدخل الأصول والفروع وقيل بدخول الكل. وههنا دقيقة، وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية فيتسع نسلهم وكلهم أقارب، فلو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي رضي الله عنه: يرتقي إلى أقرب جد ينتسب هو إليه ويعرف به وإن كان كافراً، وذكر الأصحاب في مثاله: أنه لو أوصى لأقارب الشافعي رضي الله عنه فإنا نصرفه إلى بني شافع دون بني المطلب وبني عبد مناف وإن كانوا أقارب، لأن الشافعي ينتسب في المشهور إلى شافع دون عبد مناف. قال الشيخ الغزالي: وهذا في زمان الشافعي، أما في زماننا فلا ينصرف إلا إلى أولاد الشافعي رضي الله عنه ولا يرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، أما قرابة الأم فإنها تدخل في وصية العجم ولا تدخل في وصية العرب على الأظهر، لأنهم لا يعدون ذلك قرابة، أما لو قال لأرحام فلان دخل فيه قرابة الأب والأم. المسألة الثانية: اعلم أن حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين والاتصال بالوالدين مقدم على الاتصال بذي القربى، فلهذا أخر الله ذكره عن الوالدين، وعن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : إن الرحم سجنة من الرحمن فإذا كان يوم القيامة يقول: أي رب إني ظلمت، إني أسيء إلي، إني قطعت. قال فيجيبها ربها: ألا ترضين أني أقطع من قطعك وأصل من وصلك، ثم قرأ {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ }تفسير : ، والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على القلب وأبلغ في الإيلام والإيحاش والضرورة، وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب، فلهذا وجبت رعاية حقوق الأقارب. التكليف الرابع: قوله تعالى: {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اليتيم الذي مات أبوه حتى يبلغ الحلم وجمعه أيتام ويتامى، كقولهم: نديم وندامى، ولا يقال لمن ماتت أمه إنه يتيم. قال الزجاج: هذا في الإنسان، أما في غير الإنسان فيتمه من قبل أمه. المسألة الثانية: اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب وذلك لأنه لصغره لا ينتفع به وليتمه وخلوه عمن يقوم به، يحتاج إلى من ينفعه والإنسان قلما يرغب في صحبة مثل هذا، وإذا كان هذا التكليف شاقاً على النفس لا جرم كانت درجته عظيمة في الدين. التكليف الخامس: قوله تعالى: {وَٱلْمَسَـٰكِينُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: «والمساكين» واحدها مسكين، أخذ من السكون كأن الفقر قد سكنه وهو أشد فقراً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه واحتجوا بقوله تعالى: {أية : أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } تفسير : [البلد: 16] وعند الشافعي رضي الله عنه: الفقير أسوأ حالاً، لأن الفقير اشتقاقه من فقار الظهر كأن فقاره انكسر لشدة حاجته وهو قول ابن الأنباري. واحتجوا عليه بقوله تعالى: {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَـٰكِينَ يَعْمَلُونَ فِى ٱلْبَحْرِ } تفسير : [الكهف: 79] جعلهم مساكين مع أن السفينة كانت ملكاً لهم. المسألة الثانية؛ إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسكين قد يكون بحيث ينتفع به في الاستخدام فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى، ولأن المسكين أيضاً يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين. المسألة الثالثة: الإحسان إلى ذي القربى واليتامى، لا بد وأن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير. التكليف السادس: قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: (حسناً) بفتح الحاء والسين على معنى الوصف للقول، كأنه قال: قولوا للناس قولاً حسناً، والباقون بضم الحاء وسكون السين، واستشهدوا بقوله تعالى: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } تفسير : [العنكبوت: 8] وبقوله: {أية : ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء } تفسير : [النمل: 11] وفيه أوجه، الأول: قال الأخفش: معناه قولاً ذا حسن. الثاني: يجوز أن يكون حسناً في موضع حسناً كما تقول: رجل عدل. الثالث: أن يكون معنى قوله: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } أي ليحسن قولكم نصب على مصدر الفعل الذي دل عليه الكلام الأول. الرابع: حسناً أي قول هو حسن في نفسه لإفراط حسنه. المسألة الثانية: يقال: لم خوطبوا بقولوا بعد الإخبار؟ والجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على طريقة الالتفات كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم} تفسير : [يونس: 22]. وثانيها: فيه حذف أي قلنا لهم قولوا. وثالثها: الميثاق لا يكون إلا كلاماً كأنه قيل: قلت لا تعبدوا وقولوا. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن المخاطب بقوله: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } من هو؟ فيحتمل أن يقال: إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله وعلى أن يقولوا للناس حسناً ويحتمل أن يقال: إنه تعالى أخذ الميثاق عليهم أن لا يعبدوا إلا الله ثم قال لموسى وأمته: قولوا للناس حسناً والكل ممكن بحسب اللفظ وإن كان الأول أقرب حتى تكون القصة قصة واحدة مشتملة على محاسن العادات ومكارم الأخلاق من كل الوجوه. المسألة الرابعة: منهم من قال: إنما يجب القول الحسن مع المؤمنين، أما مع الكفار والفساق فلا، والدليل عليه وجهان، الأول: أنه يجب لعنهم وذمهم والمحاربة معهم، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسناً، والثاني: قوله تعالى: {أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ } تفسير : [النساء: 148] فأباح الجهر بالسوء لمن ظلم، ثم إن القائلين بهذا القول منهم من زعم أن هذا الأمر صار منسوخاً بآية القتال، ومنهم من قال: إنه دخله التخصيص، وعلى هذا التقدير يحصل ههنا احتمالان، أحدهما: أن يكون التخصيص واقعاً بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد وقولوا للمؤمنين حسناً. والثاني: أن يقع بحسب المخاطب وهو أن يكون المراد قولوا للناس حسناً في الدعاء إلى الله تعالى. وفي الأمر المعروف، فعلى الوجه الأول: يتطرق التخصيص إلى المخاطب دون الخطاب وعلى الثاني: يتطرق إلى الخطاب دون المخاطب، وزعم أبو جعفر محمد بن علي الباقر أن هذا العموم باق على ظاهره وأنه لا حاجة إلى التخصيص، وهذا هو الأقوى والدليل عليه أن موسى وهرون مع جلال منصبهما أمرا بالرفق واللين مع فرعون، وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم مأمور بالرفق وترك الغلظة وكذلك قوله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } تفسير : [النحل: 125] وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 108] وقوله: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } تفسير : [الفرقان: 72] وقوله: {أية : وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 199] أما الذي تمسكوا به أولاً من أنه يجب لعنهم وذمهم فلا يمكنهم القول الحسن معهم، قلنا: أولاً لا نسلم أنه يجب لعنهم وسبهم والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأنعام: 108] سلمنا أنه يجب لعنهم لكن لا نسلم أن اللعن ليس قولاً حسناً بيانه: أن القول الحسن ليس عبارة عن القول الذي يشتهونه ويحبونه، بل القول الحسن هو الذي يحصل انتفاعهم به ونحن إذا لعناهم وذممناهم ليرتدعوا به عن الفعل القبيح كان ذلك المعنى نافعاً في حقهم فكان ذلك اللعن قولاً حسناً ونافعاً، كما أن تغليظ الوالد في القول قد يكون حسناً ونافعاً من حيث إنه يرتدع به عن الفعل القبيح، سلمنا أن لعنهم ليس قولاً حسناً ولكن لا نسلم أن وجوبه ينافي وجوب القول الحسن، بيانه أنه لا منافاة بين كون الشخص مستحقاً للتعظيم بسبب إحسانه إلينا ومستحقاً للتحقير بسبب كفره، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يكون وجوب القول الحسن معهم، وأما الذي تمسكوا به ثانياً وهو قوله تعالى: {أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوء مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ } تفسير : [النساء: 148] فالجواب لم لا يجوز أن يكون المراد منه كشف حال الظالم ليحترز الناس عنه؟ وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس». تفسير : المسألة الخامسة: قال أهل التحقيق: كلام الناس مع الناس إما أن يكون في الأمور الدينية أو في الأمور الدنيوية، فإن كان في الأمور الدينية فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان وهو مع الكفار أو في الدعوة إلى الطاعة وهو مع الفاسق، أما الدعوة إلى الإيمان فلا بد وأن تكون بالقول الحسن كما قال تعالى لموسى وهارون: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44] أمرهما الله تعالى بالرفق مع فرعون مع جلالتهما ونهاية كفر فرعون وتمرده وعتوه على الله تعالى، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } تفسير : [آل عمران: 159] الآية، وأما دعوة الفساق فالقول الحسن فيه معتبر، قال تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ } تفسير : [النحل: 125] وقال: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ } تفسير : [فصلت: 34] وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول لم يحسن سواه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا }. المسألة السادسة: ظاهر الآية يدل على أن الإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين كان واجباً عليهم في دينهم، وكذا القول الحسن للناس كان واجباً عليهم، لأن أخذ الميثاق يدل على الوجوب، وذلك لأن ظاهر الأمر للوجوب ولأنه تعالى ذمهم على التولي عنه وذلك يفيد الوجوب والأمر في شرعنا أيضاً، كذلك من بعض الوجوه، وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الزكاة نسخت كل حق، وهذا ضعيف لأنه لا خلاف أن من اشتدت به الحاجة وشاهدناه بهذه الصفة فإنه يلزمنا التصدق عليه، وإن لم يجب علينا الزكاة حتى أنه إن لم تندفع حاجتهم بالزكاة كان التصدق واجباً ولا شك في وجوب مكالمة الناس بطريق لا يتضررون به. التكليف السابع والثامن: قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } وقد تقدم تفسيرهما. واعلم أنه تعالى لما شرح أنه أخذ الميثاق عليهم في هذه التكاليف الثمانية، بين أنه مع إنعامه عليهم بأخذ الميثاق عليهم بكل ذلك ليقبلوا فتحصل لهم المنزلة العظمى عند ربهم، تولوا وأساءوا إلى أنفسهم ولم يتلقوا نعم ربهم بالقبول مع توكيد الدلائل والمواثيق عليهم، وذلك يزيد في قبح ما هم عليه من الإعراض والتولي، لأن الإقدام على مخالفة الله تعالى بعد أن بلغ الغاية في البيان والتوثق يكون أعظم من المخالفة مع الجهالة، واختلفوا فيمن المراد بقوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه من تقدم من بني إسرائيل، وثانيها: أنه خطاب لمن كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود، يعني أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم، وثالثها: المراد بقوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } من تقدم بقوله: {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } ومن تأخر. أما وجه القول الأول أنه إذا كان الكلام الأول في المتقدمين منهم فظاهر الخطاب يقتضي أن آخره فيهم أيضاً إلا بدليل يوجب الانصراف عن هذا الظاهر، يبين ذلك أنه تعالى ساق الكلام الأول سياقة إظهار النعم بإقامة الحجج عليهم، ثم بين من بعد أنهم تولوا إلا قليلاً منهم فإنهم بقوا على ما دخلوا فيه. أما وجه القول الثاني أن قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } خطاب مشافهة وهو بالحاضرين أليق وما تقدم حكاية، وهو بسلفهم الغائبين أليق، فكأنه تعالى بين أن تلك العهود والمواثيق كما لزمهم التمسك بها فذلك هو لازم لكم لأنكم تعلمون ما في التوراة من حال محمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم وأعرضتم عن ذلك إلا قليلاً منكم وهم الذين آمنوا وأسلموا، فهذا محتمل، وأما وجه القول الثالث فهو أنه تعالى لما بين أنه أنعم عليهم بتلك النعم، ثم إنهم تولوا عنها كان ذلك دالاً على نهاية قبح أفعالهم ويكون قوله: {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } مختصاً بمن في زمان محمد صلى الله عليه وسلم أي أنكم بمنزلة المتقدمين الذين تولوا بعد أخذ هذه المواثيق فإنكم بعد اطلاعكم على دلائل صدق محمد صلى الله عليه وسلم أعرضتم عنه وكفرتم به، فكنتم في هذا الإعراض بمثابة أولئك المتقدمين في ذلك التولي، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تقدّم الكلام في بيان هذه الألفاظ. وٱختلف في الميثاق هنا؛ فقال مَكي: هو الميثاق الذي أُخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذرّ. وقيل: هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على ألسنة أنبيائهم وهو قوله: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} وعبادةُ الله إثبات توحيدِه، وتصديقُ رُسُلِه، والعملُ بما أنزل في كتبه. الثانية: قوله تعالى: {لاَ تَعْبُدُونَ} قال سيبويه: «لاتعبدون» متعلّق بقَسَم؛ والمعنى وإذ استخلفناهم والله لا تعبدون؛ وأجازه المبرّد والكسائي والفرّاء. وقرأ أبيّ وٱبن مسعود «لا تعبدوا» على النَهي، ولهذا وصل الكلام بالأمر فقال: «وقوموا، وقولوا، وأقِيموا، وآتوا». وقيل: هو في موضع الحال؛ أي أخذنا ميثاقهم موحّدين، أو غير معاندين؛ قاله قُطْرب والمبرّد أيضاً. وهذا إنما يَتجه على قراءة ٱبن كثير وحمزة والكسائي «يعبدون» بالياء من أسفل. وقال الفرّاء والزجاج وجماعة: المعنى أخذنا ميثاقهم بألا يعبدوا إلا الله، وبأن يحسنوا للوالدين، وبألا يَسفكوا الدماء؛ ثم حذفت أنْ والباء فٱرتفع الفعل لزوالهما، كقوله تعالى: {أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ}. قال المبرّد: هذا خطأ؛ لأن كل ما اضمر في العربية فهو يعمل عمله مظهراً؛ تقول: وبلدٍ قطعت؛ أي رُبّ بلد. قلت: ليس هذا بخطأ، بل هما وجهان صحيحان، وعليهما أنشد سيبويه:شعر : ألاَ أيُّها ذا الزّاجرِي أحْضرَ الْوَغَى وأنْ أشهدَ اللّذاتِ هل أنت مُخْلِدِي تفسير : بالنصب والرفع؛ فالنصب على إضمار أن، والرفع على حذفها. الثالثة: قوله تعالى: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أي وأمرناهم بالوالدين إحسانا. وقَرَن الله عز وجل في هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد، لأن النَّشأة الأولى من عند الله، والنَّشء الثاني ـ وهو التربية ـ من جهة الوالدين؛ ولهذا قَرَن تعالى الشكر لهما بشكره فقال: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ}تفسير : [لقمان: 14]. والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضعُ لهما، وٱمتثال أمرهما، والدعاءُ بالمغفرة بعد مماتهما، وصلةُ أهلِ ودّهما؛ على ما يأتي بيانه مفصَّلاً في «الإسراء» إن شاء الله تعالى. الرابعة: قوله تعالى: {وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ} عطف ذي القربى على الوالدين. والقُرْبَى: بمعنى القرابة، وهو مصدر كالرُّجْعَى والعُقْبَى؛ أي وأمرناهم بالإحسان إلى القرابات بصلة أرحامهم. وسيأتي بيان هذا مفصَّلاً في سورة «القتال» إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: {وَالْيَتَامَىٰ} اليتامى عطف أيضاً، وهو جمع يتيم؛ مثل نَدَامَى جمع نَدِيم. واليُتْم في بني آدم بفقد الأب، وفي البهائم بفقد الأم. وحكى الماورديّ أن اليتيم يقال في بني آدم في فقد الأم؛ والأوّل المعروف. وأصله الانفراد؛ يقال: صبيٌّ يتيم، أي منفرد من أبيه. وبيت يتيم: أي ليس قبله ولا بعده شيء من الشِّعْر. ودُرّة يتيمة: ليس لها نظير. وقيل: أصله الإبطاء؛ فسُمّيَ به اليتيم؛ لأن البِرّ يبطىء عنه. ويقال: يَتُمَ يَيْتُم يُتْماً؛ مثل عَظُم يَعْظُم. وَيتِم يَيْتَم يُتْماً ويَتماً؛ مثل سَمِع يَسْمع؛ ذكر الوجهين الفرّاء. وقد أيتمه الله. ويدلّ هذا على الرأفة باليتيم والحضّ على كفالته وحفظ ماله؛ على ما يأتي بيانه في «النساء». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كافِل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة»تفسير : . وأشار مالك بالسبابة والوسطى؛ رواه أبو هريرة أخرجه مسلم. وخرّج الإمام الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث الحسن بن دينار أبي سعيد البصريّ وهو الحسن بن واصل قال حدّثنا الأسود بن عبد الرحمن عن هِصّان عن أبي موسى الأشعري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما قَعدَ يتيم مع قوم على قَصْعتهم فَيَقْرَب قَصْعتهم الشيطان»تفسير : . وخرّج أيضاً من حديث حسين بن قيس وهو أبو علي الرَّحبي عن عكرمة عن ٱبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَن ضَمّ يتيماً من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يُغْنِيَه الله عز وجل غُفرت له ذنوبه ألْبتَّةَ إلاّ أن يعمل عملاً لا يُغفر ومن أذهب الله كريمتيه فصبَر وٱحتسب غُفرت له ذنوبه ـ قالوا: وما كريمتاه؟ قال: ـ عيناه ومن كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يَبِنّ أو يمتن غُفرت له ذنوبه ألْبَتَّةَ إلا أن يعمل عملا لا يُغفر» فناداه رجل من الأعراب ممن هاجر فقال: يا رسول الله أو اثنتين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو ٱثنتين»تفسير : . فكان ٱبن عباس إذا حدّث بهذا الحديث قال: هذا والله من غرائب الحديث وغُرَرِه. السادسة: السبّابة من الأصابع هي التي تلي الإبهام، وكانت في الجاهلية تدعى بالسبابة؛ لأنهم كانوا يَسُّبون بها؛ فلما جاء الله بالإسلام كرهوا هذا الاسم فسمّوْها المشيرة؛ لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد. وتُسمَّى أيضاً بالسبّاحة، جاء تسميتها بذلك في حديث وائل بن حُجْر وغيره؛ ولكن اللغة سارت بما كانت تعرفه في الجاهلية فغلبت. وروي عن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المشيرة منها كانت أطول من الوسطى، ثم الوسطى أقصر منها، ثم البنصر أقصر من الوسطى. روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا عبد اللَّه بن مِقْسم الطائفيّ قال حدّثتني عمتي سارة بنت مِقْسَم أنها سمعت ميمونة بنت كَرْدَم قالت: خرجتُ في حجّة حجّها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وسأله أبي عن أشياء؛ فلقد رأيتني أتعجّب وأنا جارية من طول أصبعه التي تلي الإبهام على سائر أصابعه. فقوله عليه السلام: «حديث : أنا وهو كهاتين في الجنة»تفسير : ، وقوله في الحديث الآخر: «حديث : أُحشَر أنا وأبو بكر وعمر يوم القيامة هكذا»تفسير : وأشار بأصابعه الثلاث؛ فإنما أراد ذكر المنازل والإشراف على الخلق فقال: نحشر هكذا ونحن مشرفون، وكذا كافل اليتيم تكون منزلته رفيعة. فمن لم يعرف شأن أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل تأويل الحديث على الانضمام والاقتراب بعضهم من بعض في محل القربة. وهذا معنى بعيد؛ لأن منازل الرسل والنبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة، ومنازل مختلفة. السابعة: قوله تعالى: {وَٱلْمَسَاكِينِ} «المساكين» عطف أيضاً؛ أي وأمرناهم بالإحسان إلى المساكين، وهم الذين أسكنتهم الحاجة وأذلتهم. وهذا يتضمّن الحضّ على الصدقة والمؤاساة وتفقّد أحوال المساكين والضعفاء. روى مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : السّاعِي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله ـ وأحسِبه قال ـ وكالقائم لا يَفْتُرُ وكالصائم لا يُفْطِر»تفسير : . قال ٱبن المنذر: وكان طاوس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله. الثامنة: قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} «حُسْناً» نصب على المصدر على المعنى؛ لأن المعنى ليَحْسُن قولُكم. وقيل: التقدير وقولوا للناس قولاً ذا حُسْن؛ فهو مصدر لا على المعنى. وقرأ حمزة والكسائي «حَسَناً» بفتح الحاء والسين. قال الأخفش: هما بمعنىً واحد؛ مثل البُخْل والبَخَل، والرُّشْد والرَّشَد. وحكى الأخفش: «حُسْنَى» بغين تنوين على فُعْلى. قال النحاس: «وهذا لا يجوز في العربية، لا يقال من هذا شيء إلا بالألف واللام، نحو الفُضْلَى والكُبْرَى والحُسْنَى؛ هذا قول سيبويه. وقرأ عيسى بن عمر «حُسُناً» بضمتين؛ مثل «الحُلُم». قال ٱبن عباس: المعنى قولوا لهم لا إلٰه إلا الله ومُرُوهم بها. ٱبن جُريج: قولوا للناس صدقاً في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا تغيّروا نعته. سُفيان الثَّوْرِي: مُروهم بالمعروف وٱنهوهم عن المنكر. أبو العالية: قولوا لهم الطيّب من القول، وجازوهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به. وهذا كله حض على مكارم الأخلاق؛ فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لَيناً ووجهه منبسطاً طَلْقاً مع البَرّ والفاجر، والسُّني والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يُرضي مذهبه؛ لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً}تفسير : [طه: 44]. فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون؛ والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيّ حِدّة فأقول لهم بعض القول الغليظ؛ فقال: لا تفعل! يقول الله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}. فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفيّ. وروي «حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة: «لا تكوني فحّاشة فإن الفحش لو كان رجلاً لكان رجل سوء»»تفسير : . وقيل: أراد بالناس محمداً صلى الله عليه وسلم؛ كقوله: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [النساء: 54]. فكأنه قال: قولوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم حُسْناً. وحكى المهدَوِيّ عن قتادة أن قوله: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} منسوخ بآية السيف. وحكاه أبو نصر عبد الرحيم عن ٱبن عباس. قال ٱبن عباس: نزلت هذه الآية في الابتداء ثم نسختها آية السيف. قال ٱبن عطية: وهذا يدلّ على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام؛ وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أُمِروا به فلا نسخ فيه، والله أعلم. التاسعة: قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} تقدّم القول فيه. والخطاب لبني إسرائيل. قال ٱبن عطية: وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها فتنزل النار على ما يُتَقَبَّل؛ ولا تنزل على ما لم يُتقبَّل، ولم تكن كزكاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قلت: وهذا يحتاج إلى نقل، كما ثبت ذلك في الغنائم. وقد روي عن ٱبن عباس أنه قال: الزكاة التي أَمِروا بها طاعةُ الله والإخلاصُ. العاشرة: قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} الخطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم؛ وأُسند إليهم تولِّي أسلافهم إذ هم كلهم بتلك السبيل في إعراضهم عن الحق مثلهم؛ كما قال: «شِنْشِنة أعرفها من أَخْزَم» {إِلاَّ قَلِيلاً} كعبد اللَّه بن سَلاَم وأصحابه. و «قليلاً» نصب على الاستثناء؛ والمستثنى عند سيبويه منصوب؛ لأنه مشبه بالمفعول. وقال محمد بن يزيد: هو مفعول على الحقيقة؛ المعنى ٱستثنيت قليلاً. {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } ابتداء وخبر. والإعراض والتولِّي بمعنىً واحد، مخالَف بينهما في اللفظ. وقيل: التولّي بالجسم، والإعراض بالقلب. قال المهدوِيّ: {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } حال؛ لأن التوليّ فيه دلالة على الإعراض.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِي إِسْراءيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ } إخبار في معنى النهي كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ }تفسير : [البقرة: 282] وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهي سارع إلى الانتهاء فهو يخبر عنه ويعضده قراءة: «لا تعبدوا». وعطف {قُولُواْ } عليه فيكون على إرادة القول. وقيل: تقديره أن لا يعبدوا فلما حذف أن رفع كقوله:شعر : > أَلا أَيّهذا الزاجري أَحضُرَ الوَغَى وأَنْ أشَهدَ اللذاتِ هَلْ أنتَ مُخلِدي تفسير : ويدل عليه قراءة: «ألا تعبدوا»، فيكون بدلاً عن الميثاق، أو معمولاً له بحذف الجار. وقيل إنه جواب قسم دل عليه المعنى كأنه قال: وحلفناهم لا يعبدون. وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بالتاء حكاية لما خوطبوا به، والباقون بالياء لأنهم غيب {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } تعلق بمضمر تقديره: وتحسنون، أو أحسنوا {وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ } عطف على الوالدين. {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ } جمع يتيم كنديم وندامى وهو قليل. ومسكين مفعيل من السكون، كأن الفقر أسكنه {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} أي قولاً حسناً، وسماه {حَسَنًا} للمبالغة. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب حسناً بفتحتين. وقرىء {حَسَنًا} بضمتين وهو لغة أهل الحجاز، وحسنى على المصدر كبشرى والمراد به ما فيه تخلق وإرشاد {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} يريد بهما ما فرض عليهم في ملتهم {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} على طريقة الالتفات، ولعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قبلهم على التغليب، أي أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه {إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ } يريد به من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ، ومن أسلم منهم {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} قوم عادتكم الإعراض عن الوفاء والطاعة. وأصل الإعراض الذهاب عن المواجهة إلى جهة العرض.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر. {إِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ} في التوراة وقلنا {لاَ تَعْبُدُونَ} بالتاء والياء {إِلاَّ ٱللَّهَ} خبر بمعنى النهي، وقرىء:( لا تعبدوا) {و} أحسنوا {بِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَٰناً} برّاً {وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ } القرابة عطف على (الوالدين) {وَالْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ } قولاً {حُسَنًا} من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد والرفق بهم، وفي قراءة بضم الحاء وسكون السين مصدر وُصِفَ به مبالغة {وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَءَاتُواْ الزَّكٰوةَ } فقبلتم ذلك {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عن الوفاء به، فيه التفات عن الغيبة والمراد آباؤهم {إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} عنه كآبائكم.
الشوكاني
تفسير : قد تقدّم تفسير الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل. وقال مكي: إن الميثاق الذي أخذه الله عليهم هنا هو: ما أخذه الله عليهم في حياتهم، على ألسن أنبيائهم، وهو قوله: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ } وعبادة الله إثبات توحيده، وتصديق رسله، والعمل بما أنزل في كتبه. قال سيبويه: إن قوله: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ } هو: جواب قسم، والمعنى، استحلفناهم، والله لا تعبدون إلا الله. وقيل: هو: إخبار في معنى الأمر. ويدل عليه قراءة أبيّ، وابن مسعود: «لا تعبدوا» على النهي، ويدل عليه أيضاً ما عطف عليه من قوله: {وقولوا ــ وأقيموا ــ وآتوا} وقال قطرب، والمبرّد: إن قوله: {لاَ تَعْبُدُونَ } جملة حالية، أي: أخذنا ميثاقهم موحدين أو غير معاندين. قال القرطبي: وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير، وحمزة والكسائي: «يعبدون» بالياء التحتية. وقال الفراء، والزجاج وجماعة: إن معناه أخذنا ميثاقكم بأن لا تعبدوا إلا الله، وبأن تحسنوا بالوالدين، وبأن لا تسفكوا الدماء. ثم حذف "أن"، فارتفع الفعل لزوالها. قال المبرّد: هذا خطأ؛ لأن كل ما أضمر في العربية، فهو يعمل عمله مظهراً. وقال القرطبي: ليس بخطأ بل هما وجهان صحيحان، وعليهما أنشد:شعر : ألا أيُّهذا الزّاجِري أحْضُرَ الوَغَى وأنْ أشْهَدَ اللّذاتِ هل أنت مُخْلِدي تفسير : بالنصب لقوله أحضر، وبالرفع. والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، وسائر ما أوجبه الله على الولد لوالديه من الحقوق. والقربى: مصدر كالرجعى، والعقبى، هم القرابة، والإحسان بهم: صلتهم، والقيام بما يحتاجون إليه بحسب الطاقة، وبقدر ما تبلغ إليه القدرة. واليتامى جمع يتيم، واليتيم في بني آدم من فقد أبوه. وفي سائر الحيوانات من فقدت أمه. وأصله الانفراد يقال: صبيّ يتيم، أي: منفرد من أبيه، والمساكين جمع مسكين، وهو: من أسكنته الحاجة وذللته، وهو أشدّ فقراً من الفقير عند أكثر أهل اللغة، وكثير من أهل الفقه. وروى عن الشافعي أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين. وقد ذكر أهل العلم لهذا البحث أدلة مستوفاة في مواطنها. ومعنى قوله: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حسنا} أي: قولوا لهم قولاً حسناً، فهو صفة مصدر محذوف، وهو: مصدر كبشرى. وقرأ حمزة، والكسائي: «حسناً» بفتح الحاء، والسين، وكذلك قرأ زيد بن ثابت، وابن مسعود. قال الأخفش هما بمعنى واحد، مثل البُخل، والبَخل، والرُّشد، والرَّشد، وحكى الأخفش أيضاً: «حسنى» بغير تنوين على فعلى. قال النحاس: وهذا لا يجوز في العربية، لا يقال من هذا شيء إلا بالألف، واللام نحو الفضلى، والكبرى، والحسنى، وهذا قول سيبويه. وقرأ عيسى، بن عمر: «حُسُناً» بضمتين: والظاهر أن هذا القول الذي أمرهم الله به لا يختص بنوع معين، بل كل ما صدق عليه أنه حسن شرعاً كان من جملة ما يصدق عليه هذا الأمر، وقد قيل: إن ذلك هو: كلمة التوحيد. وقيل: الصدق. وقيل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقيل غير ذلك. وقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } قد تقدّم تفسيره، وهو: خطاب لبني إسرائيل، فالمراد: الصلاة التي كانوا يصلونها، والزكاة التي كانوا يخرجونها. قال ابن عطية: وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها، فتنزل النار على ما يُقبل، ولا ينزل على ما لا يُقبَل. وقوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } قيل الخطاب للحاضرين منهم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم مثل سلفهم في ذلك، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب. وقوله: {إِلاَّ قَلِيلاً } منصوب على الاستثناء، ومنهم عبد الله بن سلام، وأصحابه. وقوله: {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } في موضع النصب على الحال، والإعراض، والتولي بمعنى واحد، وقيل: التولي بالجسم، والإعراض بالقلب. وقوله: {لاَ تَسْفِكُونَ } الكلام فيه كالكلام في لا تعبدون، وقد سبق. وقرأ طلحة بن مُصَرَّف، وشعيب بن أبي حمزة بضم الفاء، وهي لغة. وقرأ أبو نهيك بضم الياء، وتشديد الفاء، وفتح السين، والسفك: الصبّ، وقد تقدّم، والمراد أنه لا يفعل ذلك بعضهم ببعض، والدار: المنزل الذي فيه أبنية المقام، بخلاف منزل الارتحال. وقال الخليل: كل موضع حلّه قوم، فهو دار لهم، وإن لم يكن فيه أبنية؛ وقيل سميت داراً؛ لدورها على سكانها، كما يسمى الحائط حائطاً؛ لإحاطته على ما يحويه. وقوله: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } من الإقرار: أي حصل منكم الاعتراف بهذا الميثاق المأخوذ عليكم، في حال شهادتكم على أنفسكم بذلك، قيل الشهادة هنا بالقلوب، وقيل هي بمعنى الحضور: أي: أنكم الآن تشهدون على أسلافكم بذلك. وكان الله سبحانه قد أخذ في التوراة على بني إسرائيل أن لا يقتل بعضهم بعضاً، ولا ينفيه، ولا يسترقه. وقوله: {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء } أي: أنتم هؤلاء المشاهدون الحاضرون تخالفون ما أخذه الله عليكم في التوراة، فتقتلون أنفسكم إلى آخر الآية. وقيل {إن هؤلاء} منصوب بإضمار أعني، ويمكن أن يقال منصوب بالذم، أو الاختصاص، أي: أذمّ، أو أخص. وقال القتيبي: إن التقدير: يا هؤلاء قال النحاس: هذا خطأ على قول سيبويه لا يجوز. وقال الزجاج هؤلاء بمعنى الذين، أي: ثم أنتم الذين تقتلون. وقيل هؤلاء مبتدأ، وأنتم خبره مقدّم، وقرأ الزهري: {تقتلون} مشدّداً، فمن جعل قوله: {أَنتُمْ هَـٰؤُلاء } مبتدأ، وخبراً جعل قوله: {تَقْتُلُونَ } بياناً؛ لأن معنى قوله: {أَنتُمْ هَـٰؤُلاء } أنهم على حالة كحالة أسلافهم من نقض الميثاق، ومن جعل هؤلاء منادى، أو منصوباً بما ذكرنا جعل الخبر تقتلون وما بعده. وقوله: {تَظَـٰهَرُونَ } بالتشديد، وأصله تتظاهرون أدغمت التاء في الظاء لقربها منها في المخرج، وهي: قراءة أهل مكة. وقرأ أهل الكوفة: «تظاهرون» مخففاً بحذف التاء الثانية، لدلالة الأولى عليها. وأصل المظاهرة المعاونة، مشتقة من الظهر؛ لأن بعضهم يقوي بعضاً، فيكون له كالظهر، ومنه قول الشاعر:شعر : تظاهرتُم من كل أوب ووجهة على واحد لا زلْتُمْ قِرنَ واحدِ تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱلْكَـٰفِرُ عَلَىٰ رَبّهِ ظَهِيراً } تفسير : [الفرقان: 55] وقوله: {أية : وَالْمَلَـئِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ }تفسير : [التحريم: 4]. و{أسارى} حال. قال أبو عبيد، وكان أبو عمرو يقول: ما صار في أيديهم، فهو أسارى، وما جاء مستأسراً، فهو الأسرى. ولا يعرف أهل اللغة ما قال أبو عمرو، وإنما هذا كما تقول سكارى، وسكرى. وقد قرأ حمزة: «أسرى». وقرأ الباقون: {أسارى}، والأسرى جمع أسير، كالقتلى جمع قتيل، والجرحى جمع جريح. قال أبو حاتم: ولا يجوز أسارى. وقال الزجاج: يقال أسارى كما يقال سكارى. وقال ابن فارس: يقال في جمع أسير: أسرى وأسارى. انتهى. فالعجب من أبي حاتم حيث ينكر ما ثبت في التنزيل. وقرأ به الجمهور، والأسير مشتق من السير، وهو: القيد الذي يشدّ به المحمل، فسمي أسيراً؛ لأنه يشدّ وثاقه، والعرب تقول: قد أسَرَقتْبه: أي: شدّه، ثم سمي كل أخيذ أسيراً، وإن لم يؤخذ. وقوله: {تُفَـٰدُوهُمْ } جواب الشرط، وهي: قراءة حمزة، ونافع، والكسائي، وقرأ الباقون: «تفدوهم». والفداء: هو: ما يؤخد من الأسير ليفكّ به أسره، يقال: فداه، وفاداه: إذا أعطاه فداءه. قال الشاعر:شعر : قفى فادى أسيرك إن قومي وقومك ما أرى لهم اجتماعاً تفسير : وقوله: {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } الضمير للشأن وقيل مبهم تفسره الجملة التي بعده، وزعم الفراء أن هذا الضمير عماد، واعترض عليه بأن العماد لا يكون في أوّل الكلام. و {إِخْرَاجُهُمْ } مرتفع بقوله: {مُحَرَّمٌ } سادّ مسدّ الخبر، وقيل بل مرتفع بالابتداء، ومحرّم خبره. قال المفسرون: كان الله سبحانه قد أخذ على بني إسرائيل أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء، فوبخهم الله على ذلك. بقوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ }. والخزي: الهوان. قال الجوهري: والخزي بالكسر يخزي خزياً: إذا ذلّ وهان، وقد وقع هذا الجزاء الذي وعد الله به الملاعين اليهود موفراً، فصاروا في خزي عظيم، بما ألصق بهم من الذلّ، والمهانة بالقتل، والأسر، وضرب الجزية، والجلاء، وإنما ردهم الله يوم القيامة إلى أشدّ العذاب؛ لأنهم جاءوا بذنب شديد، ومعصية فظيعة. وقد قرأ الجمهور "يردّون" بالياء التحتية. وقرأ الحسن بالفوقية على الخطاب. وقد تقدّم تفسير قوله: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } وكذلك تفسير {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ } وقوله: {فَلاَ يُخَفَّفُ } إخبار من الله سبحانه بأن اليهود لا يزالون في عذاب موفر لازم لهم بالجزية، والصغار، والذلة والمهانة، فلا يخفف عنهم ذلك أبداً ما داموا، ولا يوجد لهم ناصر يدفع عنهم، ولا يثبت لهم نصر في أنفسهم على عدّوهم. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرءيلَ } قال يؤنبهم أي ميثاقكم. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حسنا } قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وروى البيهقي في الشعب عن عليّ في قوله: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ } قال: يعني الناس كلهم، ومثله روى عبد بن حميد، وابن جرير، عن عطاء. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } قال: أي: تركتم ذلك كله. وأخرج ابن جرير عنه أنه قال: معناه أعرضتم عن طاعتي إلا قليلاً منكم، وهم: الذين اخترتهم لطاعتي. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله: {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ } لا يقتل بعضكم بعضاً {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ } لا يخرج بعضكم بعضاً من الديار {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } بهذا الميثاق {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } وأنتم شهود. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } أن هذا حق من ميثاقي عليكم {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } أي: أهل الشرك حتى تسفكوا دماءهم معهم {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن دِيَـٰرِهِمْ } قال: تخرجونهم من ديارهم معهم {تَظَـٰهَرُونَ علَيْهِم بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوٰنِ } فكانوا إذا كان بين الأوس، والخزرج حرب خرجت معهم بنو قينقاع مع الخزرج، والنضير، وقريظة مع الأوس، وظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يسافكوا دماءهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقاً لما في التوراة {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ } وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ } في كتابكم لإخراجهم {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } أتفادونهم مؤمنين بذلك، وتخرجونهم كفراً بذلك. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله: {أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلأخِرَةِ } قال: استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ} يعني في التوراة بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم. ويقال الميثاق الأول (حين أُخرِجوا) من صلب آدم. {وَقُولُوا للِنَّاسِ حُسْناً} فمن قرأ حَسَناً، يعني قولاً صدقاً في بعث محمد صلى الله عليه وسلم، وبالرفع، أي قولوا لجميع الناس حسناً، يعني خالقوا الناس بِخُلُقٍ حسن.
ابن عطية
تفسير : المعنى: "واذكروا إذ أخذنا"، وقال مكي رحمه الله: "هذا هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر"، وهذا ضعيف، وإنما هو ميثاق أخذ عليهم وهم عقلاء في حياتهم على لسان موسى عليه السلام وغيره من أنبيائهم عليهم السلام، وأخذ الميثاق قول، فالمعنى قلنا لهم {لا تعبدون}، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي "لا يعبدون" بالياء من أسفل، وقرأ الباقون بالتاء من فوق، حكاية ما قيل لهم، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود "لا تعبدوا" على النهي. قال سيبويه: {لا تعبدون} متعلق لقسم، والمعنى وإذ استخلفناكم والله لا تعبدون، وقالت طائفة: تقدير الكلام بأن لا تعبدوا إلا الله، ثم حذفت الباء ثم حذفت أن فارتفع الفعل لزوالها، {فلا تعبدون} على هذا معمول لحرف النصب، وحكي عن قطرب أن {لا تعبدون إلا الله} في موضع الحال أي أخذنا ميثاقهم موحدين، وهذا إنما يتجه على قراءة ابن كثير، ونظام الآية يدفعه مع كل قراءة، وقال قوم {لا تعبدون إلا الله} نهي في صيغة خبر، ويدل على ذلك أن في قراءة أبي لا تعبدوا. والباء في قوله {وبالوالدين} قيل هي متعلقة بالميثاق عطفاً على الباء المقدرة أولاً على قول من قال التقدير بأن لا تعبدوا، وقيل: تتعلق بقوله و {إحساناً} والتقدير قلنا لهم لا تعبدون إلا الله، وأحسنوا إحساناً بالوالدين ويعترض هذا القول بأن المصدر قد تقدم عليه ما هو معمول له، وقيل تتعلق الباء بأحسنوا المقدر والمعنى وأحسنوا بالوالدين إحساناً، وهذا قول حسن، وقدم اللفظ {وبالوالدين} تهمماً فهو نحو قوله تعالى {إياك نعبد} [الفاتحة:5] وفي الإحسان تدخل أنواع بر الوالدين كلها، {وذي القربى} عطف على الوالدين، و {القربى} بمعنى القرابة، وهو مصدر كالرجعى والعقبى، وهذا يتضمن الأمر بصلة الرحم، {واليتامى}: جمع يتيم كنديم وندامى، واليتم في بني آدم فقد الأب، وفي البهائم فقد الأم، وقال عليه السلام: "لا يتم بعد بلوغ"، وحكى الماوردي أن اليتيم في بني آدم في فقد الأم، وهذا يتضمن الرأفة باليتامى وحيطة أموالهم، {والمساكين}: جمع مسكين وهو الذي لا شيء له، لأنه مشتق من السكون وقد قيل: إن المسكين هو الذي له بلغة من العيش، وهو على هذا مشتق من السكن، وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمواساة وتفقد أحوال المساكين. وقوله تعالى: {وقولوا للناس حسناً}، أمر عطف على ما تضمنه {لا تعبدون إلا الله} وما بعده من معنى الأمر والنهي، أو على أحسنوا المقدر في قوله {وبالوالدين}، وقرأ حمزة والكسائي "حَسَناً" بفتح الحاء والسين، قال الأخفش: هما بمعنى واحد كالبخل والبخل، قال الزجاج وغيره: بل المعنى في القراءتين وقولوا قولاً حسناً بفتح السين أو قولاً ذا "حُسن" بضم الحاء، وقرأ قوم "حسنى" مثل فعلى، ورده سيبويه لأنه أفعل وفعلى لا تجيء إلا معرفة إلا أن يزال عنها معنى التفضيل وتبقى مصدراً كالعقبى، فذلك جائز، وهو وجه القراءة بها، وقرأ عيسى بن عمر وعطاء بن أبي رباح "حُسُناً" بضم الحاء والسين، وقال ابن عباس: معنى الكلام قولوا لهم لا إلا إلا الله ومروهم بها، وقال ابن جريج: قولوا لهم حسناً في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال سفيان الثوري: معناه مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، وقال أبو العالية: معناه قولوا لهم الطيب من القول وحاوروهم بأحسن ما تحبون أن تحاوروا به، وهذا حض على مكارم الأخلاق، وحكى المهدوي عن قتادة أن قوله تعالى {وقولوا للناس حسناً}: منسوخ بآية السيف. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا على أن هذه الأمة خوطبت بمثل هذا اللفظ في صدر الإسلام، وأما الخبر عن بني إسرائيل وما أمروا به فلا نسخ فيه، وقد تقدم القول في إقامة الصلاة، وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها وتنزل النار على ما تقبل ولا تنزل على ما لم يتقبل، ولم تكن كزكاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: "الزكاة التي أمروا بها طاعة الله والإخلاص". وقوله تعالى: {ثم توليتم} الآية خطاب لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم أسند إليهم تولي أسلافهم، إذ هم كلهم بتلك السبيل، قال نحوه ابن عباس وغيره، و {ثم} مبنية على الفتح ولم تجر مجرى رد وشد لأنها لا تتصرف، وضمت التاء الأخيرة من {توليتم} لأن تاء المفرد أخذت الفتح وتاء المؤنث أخذت الكسر فلم يبق للتثنية والجمع إلا الضم، و {قليلاً} نصب على الاستثناء قال سيبويه: المستثنى منصوب على التشبيه بالمفعول به، قال المبرد: هو مفعول حقيقة لأن تقديره استثنيت كذا، والمراد بالقليل جميع مؤمنيهم قديماً من أسلافهم وحديثاً كابن سلام وغيره، والقلة على هذا هي في عدد الأشخاص، ويحتمل أن تكون القلة في الإيمان أي لم يبق حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا إيمان قليل، إذ لا ينفعهم، والأول أقوى، وقرأ قوم "إلا قليلٌ" برفع القليل، ورويت عن أبي عمرو، وهذا على بدل قليل من الضمير في {توليتم}، وجاز ذلك مع أن الكلام لم يتقدم فيه نفي لأن {توليتم} معناه النفي كأنه قال ثم لم تفوا بالميثاق إلا قليل، والسفك صب الدم وسرد الكلام، وقرأ طلحة بن مصرف وشعيب ابن أبي حمزة "لا تسفُكون" بضم الفاء، وقرأ أبو نهيك "تُسفِّكون" بضم التاء وكسر الفاء وتضعيفها، وإعراب {لا تسفكون} كما تقدم في {لا تعبدون}، و {دماءكم} جمع دم، وهو اسم منقوص أصله دمي، وتثنيته دميان، وقيل أصله دمْي بسكون الميم، وحركت في التثنية لتدل الحركة على التغيير الذي في الواحد. وقوله تعالى {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} معناه ولا ينفي بعضكم بعضاً بالفتنة والبغي، ولما كانت ملتهم واحدة وأمرهم واحداً وكانوا في الأمم كالشخص الواحد، جعل قتل بعضهم لبعض ونفي بعضهم بعضاً قتلاً لأنفسهم ونفياً لها، وكذلك حكم كل جماعة تخاطب بهذا اللف في القول، وقيل {لا تسفكون دماءكم} أي لا يقتل أحد فيقتل قصاصاً، فكأنه سفك دم نفسه لما سبب ذلك ولا يفسد في الأرض فينفى فيكون قد أخرج نفسه من دياره، وهذا تأويل فيه تكلف، وإنما كان الأمر أن الله تعالى قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة ميثاقاً أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا ينفيه ولا يسترقه ولا يدعه يسترق إلى غير ذلك من الطاعات. وقوله تعالى {ثم أقررتم} أي خلفاً بعد سلف أن هذا الميثاق أخذ عليكم والتزمتموه فيتجه في هذه اللفظة أن تكون من الإقرار الذي هو ضد الجحد وتتعدى بالباء، وأن تكون من الإقرار الذي هو إبقاء الأمر على حاله، أي أقررتم هذا الميثاق ملتزماً. وقوله {وأنتم تشهدون} قيل الخطاب يراد به من سلف منهم والمعنى وأنتم شهود أي حضور أخذ الميثاق والإقرار، وقيل إن المراد من كان في مدة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى وأنتم شهداء أي بينة أن هذا الميثاق أخذ على أسلافكم فمن بعدهم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ...} قال ابن عرفة: هذا دليل على أن الاستثناء من النفي إثبات. قيل لابن عرفة: نقول إنه محتمل للإثبات والنفي، والدليل العقلي عين هنا أحد المحتملات، وهو الإثبات، فقد تقرر عند الجدليين والأصوليين أنه إذا تعارض حمل الكلام على فائدة (احتمل أن تكون) فهمت من مجرد اللّفظ، (أو) من خارج، فالأولى (ترجيح) فهمها من اللّفظ. وتقرر عند الجدليين أنّ جواز الإرادة موجب (للإرادة) بجواز إرادة أن الاستثناء من النفي إثبات موجب لإرادة ذلك. قال: ولا يصح أن يكون {لاَ تَعْبُدُونَ} بدلا من {مِيثَاقَ} فإنه متعلق الميثاق لا نفس الميثاق. قلت: يكون بدل اشتمال، أو بدل شيء من شيء على تقدير مضاف أي ميثاق لا تعبدون إلاّ الله. قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً...}. قال ابن عرفة: المراد هو الحسن شرعا، فيدخل فيه تغيير المنكر، فإنّه من القول الحسن، وليس المراد به القول الملائم للناس، ومجرد تحسين الخلق معهم، فإنه يخرج عنه تغيّر المنكر مع أن الأمر يتناوله هو وغيره، ويحتمل أن التكليف به لهم في شريعتهم أو في شريعتنا بعد (إيمانهم، أو بعد التوفيه بذلك)، وتقيده بالإعراض إشارة إلى دوامهم على ذلك، والإصرار عليه فإن (المتولي) على قسمين: فواحد يطمع في رجوعه، وآخر لا يطمع فيه بوجه فهذا هو المعرض.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {لا يعبدون} بالياء للغيبة. ابن كثير وحمزة وعلي والمفضل {القربى} بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على وزن "فعلى" {حسنا} وصفاً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف والمفضل {تظاهرون} خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وحذف إحدى التاءين للتخفيف، الباقون بالتشديد ووجهه إدغام التاء في الظاء {أسارى} بالإمالة {تفدوهم} أبو عمرو وخلف. {أسارى} مفخماً {تفدوهم} ابن كثير وابن عامر {أسرى} بالإمالة {تفدوهم} حمزة. {أسارى} بالإمالة {تفادوهم} علي والنجاري عن ورش والخراز عن هبيرة، والباقون {أسارى} مفخماً {تفادوهم} {تردون} بتاء الخطاب: أبو زيد عن المفضل {يعلمون} بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف ويعقوب وأبو بكر وحماد بناء لآخر الكلام على أوّله، الباقون بالتاء تغليباً للمخاطبين على الغيب. الوقوف: {الزكاة} لأن "ثم" لترتيب الأخبار أي مع ذلك توليتم و {معرضون} و {تشهدون} (ه) {من ديارهم} (ز) لأن {تظاهرون} يشبه استئنافاً، وكونه حالاً أوجه و {العدوان} (ط) {إخراجهم} (ط) {ببعض} (ج) لابتداء الاستفهام أو النفي مع فاء التعقيب {الدنيا} (ط) لعطف الجملتين المختلفتين {العذاب} (ط) {يعملون} (ه) {الآخرة} (ز) لأن الفعل مستأنف وفيه فاء التعقيب للجزاء {ينصرون} (ه). التفسير: إنه سبحانه كلفهم بأشياء: الأوّل: قوله {لا تعبدون إلا الله} من قرأ بياء الغيبة فلأنهم غيب، ومن قرأ بتاء الخطاب فلحكاية ما خوطبوا به، وفي إعرابه أقوال: أحدها: أنه إخبار في معنى النهي كقولك "تذهب إلى فلان" تريد الأمر وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي كأنه سورع إلى الامتثال فهو يخبر عنه. ويؤيد هذا القول عطف {وقولوا} {وأقيموا} عليه. وثانيها: التقدير أن لا تعبدوا فلما حذفت "أن" رفعت كقوله "ألا أبهذا الزاجري أحضر الوغى" ويحتمل أن تكون "أن" مفسرة وأن تكون مع الفعل بدلاً من الميثاق كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل توحيدهم. وثالثها: هو جواب قوله {أخذنا ميثاق بني إسرائيل} إجراء له مجرى القسم كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون. وهذا التكليف بالحقيقة يتضمن جميع ما لا بد منه في الدين، لأن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه وبجميع ما يجب له ويستحيل عليه، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة. التكليف الثاني: قوله: {وبالوالدين إحساناً} معناه يحسنون بالوالدين إحساناً ليناسب {لا تعبدون} أو أحسنوا ليناسب {وقولوا} ويمكن أن يقدر "وصيناهم" عطفاً على {أخذنا} وهذا أنسب لمكان الباء، ولا بد من تقدير القول إما قبل {لا تعبدوا} وإما قبل {أحسنوا} وإما قبل {قولوا} وإنما جعل الإحسان إلى الوالدين تالياً لعبادة الله لوجوه منها: أنهما سبب وجود الولد كما أنهما سبب التربية، وغير الوالدين قد يكون سبب التربية فقط فلا إنعام بعد إنعام الله تعالى أعظم من إنعام الوالدين. ومنها أن إنعامهما يشبه إنعام الله تعالى من حيث إنهما لا يطلبان بذلك ثناء ولا ثواباً {أية : إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً} تفسير : [الإنسان: 9]. ومنها أنه تعالى لا يمل من إنعامه على العبد وإن أتى بأعظم الجرائم، فكذا الوالدان لا يقطعان عنه مواد كرمهما وإن كان غير بارٍ بهما، ومنها أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح والغبطة، والله سبحانه يأخذ الحبة فيربيها مثل جبل أحد. ومنها أن المناسبة والميل والحبة بين الوالد وولده ذاتية حتى عمت جميع الحيوان، كما أن المناسبة بين الواجب والممكن ذاتية لا عرضية، وههنا أسرار فليتأمل. ومنها أنه لا كمال يمكن للولد إلا ويطلبه الوالد لأجله ويريده عليه، كما أن الله تعالى لا خير يمكن للعبد إلا وهو يريده عليه، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب ونصب الأدلة وأزاح العلة، ومن غاية شفقة الوالدين أنهما لا يحسدان ولدهما إذا كان خيراً منهما بل يتمنيان ذلك بخلاف غيرهما فإنه لا يرضى أن يكون غيره خيراً منه. وتعظيم الوالدين أمر معتبر في جميع الشرائع ومركوز في كل العقول، وقد ورد "أطع الوالدين وإن كانا كافرين" وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركاً، ولهذا أطلق الإحسان إليهما في الآية إطلاقاً. وقد تلطف إبراهيم عليه السلام في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله {يا أبت، يا أبت} والإحسان إليهما أن يحبهما من صميم القلب ويراعي دقائق الأدب والخدمة والشفقة ويبذل وسعه في رضاهما قولاً وفعلاً، ولا يمنع أعز أوقاته وكرائم أمواله عنهما، ويجتهد في تنفيذ وصاياهما ويذكرهما في صالح دعائه كما أرشد الله تعالى إلى جميع ما ذكرنا في قوله {أية : فلا تقل لهما أف} تفسير : [الإسراء: 23] إلى آخر الآية. التكليف الثالث: الإحسان إلى ذوي القرابة ويعبر عنه بصلة الرحم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الرحم شجنة من الرحمن قال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قعطعته"تفسير : والشجنة الاشتباك أي الرحم مشتقة من الرحمن يعني أنها قرابة من الله مشتبكة كاشتباك العروق والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، ولهذا صار كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين قال الشافعي: لو أصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث وغير الوارث، والمحرم وغير المحرم، والمسلم والكافر، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والأجداد والأحفاد، لا الأبوان والولد على الأظهر، لأن الوالد والولد لا يعرفان في العرف بالقريب. وههنا دقيقة وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية ليرتفع نسبهم، ونحن لو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي: نرتقي إلى أقرب جد ينسب هو إليه ويعرف به. وذكروا في مثاله أنه لو أوصى لأقارب الشافعي فإنا نصرفه إلى أولاد شافع فإنه منسوب إليه، ولا يدخل فيها أولاد علي والعباس وإن كان شافع وعلي والعباس كلهم أولاد السائب بن عبيد، والشافعي هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. قال المحققون: هذا في زمان الشافعي، وأما في زماننا فلا نصرفه إلا إلى أولاد الشافعي ولا نرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، ولا يدخل الأقارب من الأم في وصية العرب لأن قرابة الأم لا تعدها العرب قرابة ولا تفتخر بها أما لو أوصى لذي رحم زيد فيدخل فيه قرابة الأم في وصية العرب والعجم، لأن لفظ الرحم لا يختص بطرف الأب بحال. وذهبت طائفة إلى أن الأقوى على ما أجاب به العراقيون ومال إليه أبو حنيفة، هو أن أقارب الأم تدخل في الوصية سواء كانت في وصية العرب أو وصية العجم، وتوجيه الفارق ممنوع لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : سعد خالي فليرني امرؤ خاله". تفسير : والإحسان إلى الأقارب قريب من الإحسان إلى الوالدين، وذلك بأن يجتهد في رضاهم بما تيسر له عرفاً وشرعاً، وينفق عليهم بالمعروف إن كانوا معسرين وهو موسر. التكليف الرابع: الإحسان إلى اليتامى واليتيم من الأطفال الذي مات أبوه إلى أن يبلغ الحلم، فيجب على وليه حفظ ماله واستنماؤه قدر النفقة والزكاة ومؤن الملك بما أمكنه والقيام بمصالحه مع رعاية دقائق الغبطة وقضاء حقوق النصيحة. قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم. واليتم في غير الإنسان من قبل أمه، واليتيم من الدر ما لا أخت له وإنما يجمع "يتيم" على "يتامى" لأن اليتم لما كان من صفات الابتلاء حمل على الوجع والحبط. فكما قالوا في وجع وحبط للمنتفخ البطن، وجاعي وحباطي، قيل في يتيم يتامى. وفي الكشاف: إنه أجرى يتيم مجرى الأسماء نحو "صاحب" و "فارس" فقيل "يتائم" ثم "يتامى" على القلب وكذا في اليتيمة. التكليف الخامس: الإحسان إلى المساكين واحدها مسكين أخذ من السكون، كأن الفقر سكنه، أو لأنه الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالسكير الدائم السكر وهو أسوأ حالاً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة ومالك، واحتجوا عليه بقوله تعالى {أية : أو مسكيناً ذا متربة}تفسير : [البلد: 16] وعند الشافعي وأحمد: الأمر بالعكس قالوا: اشتقاق الفقير من فقار الظهر، كأن فقاره انكسرت لشدة حاجته، والمسكين قد يملك ما يتعلل به كما في قوله تعالى {أية : أما السفينة فكانت لمساكين}تفسير : [الكهف: 79] ويظهر أثر الخلاف فيما لو أوصى للفقراء دون المساكين أو بالعكس. والإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين ينبغي أن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير. التكليف السادس: {وقولوا للناس حسناً} بالوصف أي قولاً حسناً. وحسناً على المصدر أي قولاً ذا حسن، أو قولاً هو الحسن في نفسه لإفراط حسنه، أو ليحسن قولكم حسناً. والظاهر أن المخاطبين بذلك هم الذين أخذ ميثاقهم لاتحاد القصة. قيل: إنه مخصوص إما بتخصيص الناس أي قولوا للمؤمنين حسناً بدليل آية القتال {أية : أشداء على الكفار رحماء بينهم}تفسير : [الفتح: 29] وإما بتخصيص القول أي قولوا للناس حسناً في الدعاء إلى الله والأمر بالمعروف. وقال أهل الحقيقة: إنه على العموم وذلك أن كلام الناس مع الناس في الأمور الدينية إن كان بالدعوة إلى الإيمان وجب أن يكون بالرفق واللين كما قال لموسى {أية : فقولا له قولاً ليناً} تفسير : [طه: 44] وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم {أية : ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} تفسير : [آل عمران: 159] وإن كان بالدعوة إلى الطاعة كالفساق فحسن القول أيضاً معتبر {أية : أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} تفسير : [النحل: 125] {أية : ادفع بالتي هي أحسن}تفسير : [فصلت: 34] وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض باللطيف من القول لم يعدل إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا شانه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخل تحت هذا القول. وعن الباقر: قولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم. التكليف السابع والثامن: قوله {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} وقد تقدم تفسيرهما. ولا شك في وجوب هذه التكاليف عليهم بدليل: أخذ الميثاق، ولأن ظاهر الأمر للوجوب ولترتب الذم عليه بتوليهم، وهذه التكاليف أيضاً واجبة في شرعنا. وعن ابن عباس: أن الزكاة نسخت كل حق. وضعف بأن إغاثة المضطر واجبة وإن لم تجب علينا الزكاة. واعلم أن التكليف إما بدني أو مالي وكل منهما إما عام أو خاص. فالبدني العام هو العبادة المطلقة، وهي أن يكون بكل الجوارح والقوى منقاداً مطيعاً مؤتمراً لأمر الله تعالى، بحيث لا يرى لنفسه شيئاً من التصرف والاختيار كالعبد الماثل بين يدي مولاه وإليه الإشارة بقوله تعالى {لا تعبدون إلا الله}. والبدني الخاص هو الصلاة وأشار إليه بقوله {وأقيموا الصلاة} فللصلاة أوقات مخصوصة وأركان وشروط معدودة. والمالي الخاص هو الزكاة لتخصصها بالأصناف الزكوية وبالنصاب وبالحول وغير ذلك. والمالي العام لكونه منوطاً بالقدرة. والإمكان سببه إما نسب أولاً، والنسب إما سابق أو مقارن أو لاحق. فالسابق الوالدان، والمقارن الأقارب، واللاحق اليتامى، لأنهم أولاد. وذلك إذا كان الولي جداً أو بمنزلة الأولاد، وذلك إذا كان الولي غيره. وغير النسب إما الاحتياج والفقر وهو المساكين، أو الاشتراك في النوع، ولا يمكن إلا بالقول الحسن، وما ينخرط في سلكه من مكارم الأخلاق الفعلية "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم" فالقول الحسن يشمل الأصناف المتقدمة أيضاً بهذا الاعتبار، وحين هذا الترتيب مما لا مزيد عليه، وقد كرر أكثر هذه المعاني في سورة النساء بضرب من التأكيد، فأكد العبادة بقوله {أية : ولا تشركوا به شيئاً} تفسير : [النساء: 36] وأكد الإحسان إلى ذي القربى. وما يتلوه بتكرير الجار وهو الباء وبضم أصناف أخر وهم الجار وغيره إليهم فكأنه كالتفصيل لقوله {وقولوا للناس حسناً}. قوله تعالى {ثم توليتم} قيل الخطاب لمتقدمي بني إسرائيل على طريقة الالتفات، ووجهه أن أول الكلام معهم فكذا آخره إلا بدليل يوجب الانصراف عن هذا الظاهر، وقيل: إنه خطاب لمن كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود، كأنه تعالى بين أن تلك المواثيق كما لزمهم التمسك بها فكذلك هي لازمة لكم لأنكم تعلمون ما في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصحة نبوته، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم إلا قليلاً منكم وهم الذين آمنوا وأنتم معرضون. الواو للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الإعراض، أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم. وقيل: ثم توليتم للمتقدمين وأنتم معرضون للمتأخرين. وأما قوله تعالى {وإذ أخذنا ميثاقكم} فقيل: خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد أخذنا ميثاق آبائكم. وقيل: خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف. وفي قوله {لا تسفكون دماءكم} إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه فأي فائدة في النهي؟ والجواب أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت من أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور، وككثير ممن يصعب عليه الزمان، أو المراد لا يفعل ذلك بعضكم ببعض جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلاً أو ديناً، أو أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه، أو لا تتعرضوا لمقاتلة من يغلبكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم. {ولا تخرجون أنفسكم} لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم. والمراد إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم لأن ذلك مما تعظم فيه الفتنة حتى يقرب من الهلاك. وإعراب {لا تسفكون} و {لا تخرجون} على قياس ما تقرر في {لا تعبدون} {ثم أقررتم وأنتم تشهدون} أي ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون عليها كقولك "فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها" أو اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك، لأنه كان شائعاً فيما بينهم مشهوراً، وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق. {ثم أنتم} معنى "ثم" الاستبعاد لما أسند إليهم من القتل، والاجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم، وإقرارهم وشهادتهم. "وأنتم" مبتدأ و "هؤلاء" خبره أي أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلاً لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: خرجت بغير الوجه الذي دخلت به، و "تقتلون" بيان "لأنتم هؤلاء" وقيل "هؤلاء" موصول بمعنى الذين وهذا عند الكوفيين فإنهم يجوزون كون جميع أسماء الإشارة بمعنى الموصول. والتظاهر التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة، بيّن تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان، وفيه دليل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة. ولا يشكل هذا بتمكين الله تعالى الظالم من الظلم فإنه كما مكنه فقد زجره عنه ونهاه بخلاف معين الظالم فإنه يدعوه إلى الظلم ويحسنه في عينه مع أنه تعالى لا يسأل عما يفعل. أسرى جمع أسير كجرحى في جريح، وأسارى جمع أسرى كسكرى وسكارى. وقيل: أسارى من الجموع التي ترك مفردها كأنه جمع "إسران" كعجالى وعجلان. وقوله {تفادوهم} جمهور المفسرين على أنه وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم و {هو} ضمير الشأن و {إخراجهم} مبتدأ و {محرم} خبره والجملة خبر الضمير. ويجوز أن يكون {هو} مبتدأ مبهماً و {محرم} خبره و {إخراجهم} تفسيره، {أفتؤمنون ببعض الكتاب} أي بالفداء {وتكفرون ببعض} أي بالقتال والإجلاء. وذلك أن قريظة كانوا حلفاء الأوس والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فعيرتهم العرب فقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟ فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحيي أن يذل حلفاؤنا فذمهم الله تعالى على المناقضة إذا أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، ولعلهم صرحوا باعتقاد عدم وجوبه فلهذا سماه كفراً، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم وفي ذلك تنبيه على أنهم في تصديقهم بنبوة موسى مع التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم والحجة في أمرهما على سواء، يجرون مجرى طريقة السلف منهم في الإيمان ببعض والكفر ببعض وكل في الميثاق سواء. الخزي الذل والهوان خزي بالكسر يخزي خزياً أي ذل وهان، وخزي أيضاً يخزى خزاية أي استحيا فهو خزيان. فإذا قيل: أخزاه الله. فالمراد أهانه أو أوقعه موقعاً يستحيي منه وتنكير "خزي" يدل على فظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغاً لا يكتنه كنهه، والأظهر أنه غير مختص ببعض الوجوه. وقيل: هو قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير، وقيل: الجزية، وعلى هذين القولين يختص الخزي بمن في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وبمن يخلفهم دون أسلافهم، فإن قيل: عذاب منكري الصانع كالدهرية يجب أن يكون أشد، فكيف يقال في حق اليهود يردون إلى أشد العذاب؟ قلنا: إما لأن كفر العناد أغلظ، وإما لأن المراد أشد من الخزي لا الأشد مطلقاً. وفي قوله: {وما الله بغافل} وعيد شديد للعاصين وبشارة عظيمة للمطيعين، لأن القدرة الكاملة مع عدم الغفلة تدل على وصول الحقوق إلى مستحقها لا محالة. {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} استبدلوها بها {فلا يخفف عنهم العذاب} لا ينقطع ولا يفتر بل يدوم على حالة واحدة {ولا هم ينصرون} بدفع هذا العذاب عنهم. وفيه تنبيه على أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا إذا كانت على وفق الهوى لا الشرع، وبين لذات الآخرة ممتنع يستتبع وجود إحداهما عدم الأخرى والله ولي التوفيق. التأويل: {وإذ أخذنا ميثاقكم} في عهد {ألست بربكم} {لا تسفكون دماءكم} بامتثال أوامر الشيطان واتباع خطواته كما قيل: شعر : إلــــى حتفــــي مشــــى قــــدمــــي أرى قـــدمــــي أراق دمـــــــــي تفسير : {ولا تخرجون أنفسكم} من ديار عبوديتكم التي كنتم فيها في أصل الفطرة {وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم} لا تقتصرون على ضلالكم بل يعاون بعضكم بعضاً على الإعراض عن حقوق الله والإقبال على حظوظ النفس {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم} فمن أسر في قيد الهوى فإنقاذه بالدلالة على الهدى، ومن أسر في قيد حب الدنيا فخلاصه في كثرة ذكر المولى، ومن أسر في أيدي الشكوك والشبهات ففداؤه إرشاده إلى اليقين بلوائح البراهين ولوامع البينات، ومن أسر في حبس وجود فنجاته فيما يحل عنه وثاق الكون ويوصله إلى معبوده، ومن أسر في قبضة الحق فليس لأسراهم فداء ولا لقتلاهم قود ولا لرهطهم خلاص ولا لقومهم مناص ولا منهم فرار ولا معهم قرار ولا إليهم بغيره سبيل ولا لديهم دليل {أفتؤمنون ببعض الكتاب} وهو ما سمعتم في أول الخطاب {ألست بربكم} فقلتم بلى {وتكفرون ببعض} وهو الذي عاهدتم عليه ألا تعبدوا غير الله من الشيطان والنفس والهوى الله حسبي.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ...} الآية: أخذ اللَّه سبحانه الميثاق عليهم على لسان موسَىٰ - عليه السلام -وغيره من أنبيائهم، وأخْذ الميثاق قولٌ، فالمعنى: قلنا لهم: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ...} الآية، قال سيبوَيْهِ: «لا تعبدون: متلق لقسم»؛ والمعنى: وإذ ٱستحْلفناهم، واللَّهِ لا تعبدونَ إلاَّ اللَّه، وفي الإحسان تدخل أنواع بِرِّ الوالدين كلُّها، واليُتْم في بَنِي آدمَ: فَقْدُ الأبِ، وفي البهائمِ فَقْدُ الأمِّ، وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لاَ يُتْمَ بَعْدَ بُلُوغٍ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ شَيْءَ لَهُ»تفسير : ، وقيل: هو الذي له بُلْغَةٌ، والآية تتضمَّن الرأفة باليتامَىٰ، وحيطة أموالهم، والحضّ على الصدقة، والمواساة، وتفقُّد المساكين. وقوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا }: أمر عطف على ما تضمَّنه {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ } وما بعده، وقرأ حمزة والكسَائِيُّ: «حَسَناً»؛ بفتح الحاء والسين، قال الأخفش: وهما بمعنى واحدٍ، وقال الزجَّاج وغيره: بل المعنَىٰ في القراءة الثانية، وقولوا «قَوْلاً حَسَناً»؛ بفتح الحاء والسين، أو قولاً ذا حُسْن بضم الحاء وسكون السين في الأولى؛ قال ابن عبَّاس: معنى الكلام قولُوا للنَّاس: لا إله إلا اللَّه، ومُرُوهم بها، وقال ابن جُرَيْجٍ: قولوا لهم حُسْناً في الإعلام بما في كتابكم من صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال سفيانُ الثَّوْرِيُّ: معناه: مروهم بالمَعْروف، وٱنْهُوهم عن المُنْكَر، وقال أبو العالية: قولوا لهم الطيبَ من القول، وحاورُوهم بأحسن ما تُحِبُّونَ أن تحاوروا به، وهذا حضٌّ على مكارم الأخلاق، وزكاتُهم هي التي كانوا يَضعُونها، وتنزل النار على ما تُقُبّلَ منها، دون ما لم يتقبل. وقوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ...} الآية: خطابٌ لمعاصري النبيِّ صلى الله عليه وسلم أسند إليهم تولّي أسلافهم؛ إِذ هم كلُّهم بتلك السبيل، قال نحوه ابنُ عَبَّاس وغيره. والمراد بالقليلِ المستثنَىٰ جميعُ مؤمنيهم قديماً من أسلافهم، وحديثاً كابن سَلاَمٍ وغيره، والقِلَّة علَىٰ هذا هي في عدد الأشخاصِ، ويحتمل أن تكون القِلَّة في الإِيمان، والأول أقْوَىٰ. * ص *: {إِلاَّ قَلِيلاً}: منصوب على الاستثناء، وهو الأفصح؛ لأنه استثناءٌ من موجب، وروي عن أبي عَمرو: «إلاَّ قَلِيلٌ»؛ بالرفع، ووجَّهه ابن عطية علَىٰ بدل قليل من ضمير: «تَوَلَّيتُمْ» على أن معنى «تَوَلَّيْتُم» النفي، أي: لم يف بالميثاق إلا قليل، ورد بمنع النحويِّين البدل من الموجب؛ لأن البدل يحل محلَّ المبدل منه، فلو قلْت: قام إلا زيد، لم يجز؛ لأن «إِلاَّ» لا تدخل في الموجب، وتأويله الإِيجاب بالنفْي يلزم في كل موجب بٱعتبار نفي ضده أو نقيضه؛ فيجوز إِذَنْ: «قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيْدٌ»؛ على تأويل: «لَمْ يَجْلِسُوا إِلاَّ زَيْدٌ» ولم تبن العَرَب علَىٰ ذلك كلامها، وإِنما أجازوا: «قام القَوْمُ إِلاَّ زَيْدٌ»؛ بالرفع على الصفة، وقد عقد سيبوَيْه لذلك باباً في كتابه. انتهى. و {دِمَاءَكُمْ }: جمع دَمٍ، وهو اسمٌ منقوصٌ. أصله «دَمَيٌ»؛ {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَـٰرِكُمْ}: معناه: ولا ينفي بعضكم بعضاً بالفتنة والبغْي، وكذلك حكم كلّ جماعة تخاطب بهذا اللفظ في القول. وقوله تعالى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ}، أي: خَلفَاً بعد سَلَف، أن هذا الميثاق أخذ عليكم، وقوله: {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} قيل: الخطابُ يُرادُ به من سلف منهم، والمعنى: وأنتم شهود، أي: حُضور أخْذ الميثاق والإِقرار. وقيل: المراد: من كان في مدة محمَّد صلى الله عليه وسلم والمعنَىٰ: وأنتم شهداء، أي: بيِّنةَ أن الميثاق أخذ على أسلافكم، فمنْ بعدهم منْكُمْ. وقوله تعالى: {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ...}: {هَـٰؤُلاءِ} دالَّةٌ على أن المخاطبة للحاضرين لا تحتمل ردًّا إلى الأسلاف، قيل: تقدير الكلام: يا هؤلاءِ، فحذف حرف النداء، ولا يحسن حذفه عند سيبوَيْه، مع المبهمات. وقال الأستاذ الأَجَلُّ أبو الحسن بْن أحمد شيخُنا: {هَـٰؤُلاء}: رفع بالابتداء، و {أَنتُمْ }: خبر، {تَقْتُلُونَ }، حال بها تَمَّ المعنَىٰ، وهي المقصود. * ص *: قال الشيخ أبو حَيَّان: ما نقله ابن عطية عن شيخه أبي الحسن بن البَادْش من جعله {هَـٰؤُلاءِ} مبتدأً، و {أَنتُمْ } خبر مقدَّم، لا أدري ما العلَّة في ذلك، وفي عدوله عن جعل {أَنتُمْ } مبتدأ، {هَـٰؤُلاءِ} الخبر، إلى عكسه. انتهى. * ت *: قيل: العلة في ذلك دخولُ هاء التنبيه عليه؛ لاختصاصها بأول الكلام؛ ويدلُّ على ذلك قولهم: «هَأَنَذَا قَائِماً»، ولم يقولوا: «أَنَا هَذَا قَائِماً»، قال معناه ابنُ هِشَامٍ، فـــ «قَائِماً» في المثال المتقدِّم نصب على الحال. انتهى. وهذه الآية خطابٌ لقُرَيْظة، والنضير، وبني قَيْنُقَاع، وذلك أن النَّضِيرَ وقُرَيْظة حَالَفَت الأوسَ، وبني قَيْنُقَاع حالفتِ الخزرج، فكانوا إِذا وقعتِ الحربُ بين بني قَيْلَة، ذهبت كل طائفة من بني إسرائيل مع أحلافها، فقتل بعضهم بعضاً، وأخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، وكانوا مع ذلك يفدي بعضهم أسرَىٰ بعض ٱتِّباعاً لحكم التوراة، وهم قد خالَفُوها بالقتَالِ، والإِخراج. والديارُ: مباني الإِقامة، وقال الخليلُ: «مَحَلَّةِ القَوْمِ: دَارُهُمْ». ومعنى {تَظَـٰهَرُونَ }: تتعاونون، و {العُدْوَانِ}: تجاوز الحدُودِ، والظلم. وقرأ حمزة: «أَسْرَىٰ تُفْدُوهُمْ»، و {أُسَـٰرَىٰ }: جمع أَسِيرٍ، مأخوذ من الأَسْر، وهو الشَّدُّ، ثم كثر ٱستعماله؛ حتى لزم، وإن لم يكنْ ثَمَّ رَبْطٌ ولا شَدٌّ، وأَسِيرٌ: فَعِيلِ: بمعنَىٰ مفعول، و {تُفَـٰدُوهُمْ }: معناه في اللغة: تطلقونهم بعد أن تأخذوا عنهم شيئاً، وقَالَ الثَّعْلَبِيُّ: يقال: فَدَىٰ، إِذا أعطى مالاً، وأخذ رجلاً، وفَادَىٰ، إِذا أعطى رجلاً، وأخذ رجُلاً فتُفْدُوهم: معناه بالمالِ، وتُفَادُوهم، أي: مفادات الأسير بالأسير. انتهى. * ت *: وفي الحديث من قوْل العَبَّاس رضي اللَّه عنه: «فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وعَقِيلاً»، وظاهره لا فَرْق بينهما. وقوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ...} الآية: والذي آمنوا به فداءُ الأسارَىٰ، والذي كَفَرُوا به قتْلُ بعضهم بعضاً، وإِخراجُهُمْ من ديارهم، وهذا توبيخٌ لهم وبيانٌ لقبح فعلهم، والخِزْيُ: الفضيحة، والعقوبة، فقيل: خزيهم: ضرْبُ الجزية عليهم غابَر الدهر، وقيل: قتل قريظة، وإِجلاءُ النضير، وقيل: الخزْيُ الذي تتوعَّد به الأمة من الناسِ هو غلبةُ العدوِّ. و {ٱلدُّنْيَا }: مأخوذةٌ من دَنَا يدْنُو، وأصل الياء فيها واوٌ، ولكن أبدلتْ فرقاً بين الأسماء والصفات، وأَشَدّ العَذَابِ: الخلودُ في جهنم. وقوله تعالى: {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قرأ نافعٌ، وابن كَثِير بياءٍ على ذِكْر الغائب، فالخطاب بالآية لأمة محمَّد صلى الله عليه وسلم والآية واعظةٌ لهم بالمعنَىٰ، إذ اللَّه تعالَىٰ بالمرصاد لكل كافر وعاص. وقرأ الباقون بتاء؛ على الخطاب لمن تقدَّم ذكره في الآية قبل هذا؛ وهو قوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ...} الآية، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون لأمة محمَّد صلى الله عليه وسلم فقد رُوِيَ؛ أنَّ عمر بن الخَطَّاب - رضي اللَّه عنه - قال: «إِنَّ بنِي إِسرائيل قد مضَوْا، وأنتم الذين تُعْنَوْنَ بهذا، يا أمة محمَّد»؛ يريد هذا، وما يجري مجراه.
ابن عادل
تفسير : "إِذْ" معطوف على الظرف قبله، وقد تقدم ما فيه من كونه متصرفاً أو لا. و "أَخَذْنَا" في محلّ خفض، أي: واذكر وَقْت أَخْذنا ميثاقهم، أو نحو ذلك. "لا تَعْبُدُونَ" قرأ ابن كثير وغيره والكِسائي بالياء، والباقون بالتاء. فمن قرأ بالغيبة فلأن الأسماء الظَّاهرة حكمها الغيبة، ومن قرأ بالخطاب هو الْتِفَات، وحكمته أنه أدعى لِقَبُول المخاطب الأمر والنهي الواردين عليه. وجعل أبو البقاء قراءة الخِطَاب على إضمار القول. قال: يقرأ بالتاء على تقدير: قلنا لهم: لا تعبدون إلا الله وكونه التفاتاً أحسن. وفي هذه الجملة المنفيّة من الإعراب ثمانية أوجه: أظهرها: أنها مفسرة لأخذ الميثاق، وذلك لأنه ـ تعالى ـ لما ذكر أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل كان في ذلك إبْهَام للميثاق ما هو؟ فأتى بهذه الجُمْلة مفسرة له، ولا محلّ لها حينئذ من الإعراب. الثاني: أنها في محلّ نصب على الحال من "بَنِي إِسْرَائِيْلَ" وفيها حينئذ وجهان: أحدهما: أنها حال مقدّرة بمعنى: أخذنا ميثاقهم مقدّرين التوحيد أبداً ما عاشوا. والثَّاني: أنَّها حال مقارنة بمعنى: أخذنا مِيْثَاقهم ملتزمين الإقامة على التوحيد، قاله أبو البقاء [وسبقه إلى ذلك قطرب والمبرد]. وفيه نظر من حيث مجيء الحال من المضاف إليه في غير المواضع الجائز فيها ذلك على الصحيح، خلافاً لمن أجاز مجيئها من المُضَاف إليه مطلقاً، لا يقال: المضاف إليه معمول له في المعنى لـ "ميثاق"؛ لأن ميثاقاً إما مصدر أو في حكمه، فيكون ما بعده إما فاعلاً أو مفعولاً، وهو غير جائز؛ لأن من شرط عمل المصدر غير الواقع موقع الفعل أن ينحل إلى حرف مصدري، وفعل هذا لا ينحل لهما، لو قدرت: وإذ أخذنا أن نواثق بني إسرائيل، أو أن يواثقنا بنو إسرائيل، لم يصح ألا ترى أنك لو قلت: أخذت علم زيد لم يتقدر بقول: أخذت أن يعلم زيد، ولذلك منع ابن الطَّراوة في ترجمة سيبويه: "هذا باب علم ما الكلم من العربية" أن يقدر المصدر بحرف مصدري والفعل، ورده وأنكر على من أجازه. الثالث: أن يكون جواباً لقسم محذوف دلّ عليه لفظ المِيْثَاق، أي: استحلفناهم، أو قلنا لهم: بالله لا تعبدون، ونسب هذا الوجه لسيبويه، ووافقه الكسائي والفَرّاء والمبرد. الرابع: أن يكون على تقدير حذف حرف الجر، وحذف "أن"، والتقدير: أخذنا ميثاقهم على ألاَّ تعبدوا، فَحُذِف حرف الجر؛ لأن حذفه مطرد مع "أنَّ وأنْ" كما تقدم، ثم حذفت "أن" الناصبة، فارتفع الفعل بعدها؛ كقول طرفة: [الطويل] شعر : 613ـ أَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الْوَغَى وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ، هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي تفسير : وحكي عن العرب: "مُرْهُ يَحْفِرَهَا" أي: بأن يحفرها، والتقدير: عن أن يحضر، أو بأن يحفرها، وفيه نظر، فإن [إضمار] "أن" لا ينقاس، إنما يجوز في مواضع عدها النحويون، وجعلوا ما سواها شاذّاً قليلاً، وهو الصحيح خلافاً للكوفيين، وإذا حذفت "أن"، فالصحيح جواز [النصب والرفع]، وروي "مُرْهُ يَحْفِرهَا" و"أحضر الوَغَى" بالوجهين، وهذا رأي المبرد والكوفيين خلافاً لأبي الحسن، حيث التزم رفعه. وأيد الزمخشري هذا الوجه الرابع بقراءة عبد الله: "لاَ تَعْبُدُوا" على النهي، قال: إلاَّ أنه جاء على لفظ الخبر لقوله تعالى: {أية : لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا}تفسير : [البقرة:233]، قال: والذي يؤكد كونه نهياً [قوله: "وأقيموا الصلاة"] فإنه تنصره قراءة عبد الله وأُبي: "لا تعبدوا". الخامس: أن يكون في محلّ نصب بالقول المحذوف، وذلك القول حال تقديره: قائلين لهم: لا تعبدون إلا الله، ويكون خبراً في معنى النهي، ويؤيده قراءة أُبَي المتقدمة، ولهذا يصح عطف "قُولُوا" عليه، وبه قال الفَرّاء. السادس: أَنَّ "أنْ" الناصبة مضمرة كما تقدم، ولكنها هي وما في حَيّزها في محلّ نصب على أنها بدل من "مِيْثَاق"، وهذا قريب من القول الأول من حيث إن هذه الجملة مفسرة للميثاق، وفيه النظر المتقدم أعني حذف أن في غير المواضع المقيسة. السابع: أن يكون منصوباً بقول محذوف، وذلك القول ليس حالاً، بل مجرد إخبار، والتقدير: وقلنا لهم ذلك، ويكون خبراً في معنى النهي. قال الزمخشري: كما تقول: تذهب إلى فلان تقول له: كذا تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي؛ لأنه كأنه سُورعَ إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه، وتَنْصره قراءة عبد الله وأُبَيّ: "لاَ تَعْبُدُوا" ولا بد من إرادة القول بهذا. الثامن: أن يكون التقدير: "لاَّ تَعْبُدُونَ" وهي "أن" المفسرة؛ لأن في قوله: {أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ} إيهاماً كما تقدم، وفيه معنى القول، ثم حذف "أن" المفسرة، ذكره الزَّمخشري. وفي ادعاء حذف حرف التفسير نظر لا يخفى. قوله: "إِلاَّ اللهَ" استثناء مفرغ؛ لأن ما قبله مفتقر إليه وقد تقدم تحقيقه أولاً. وفيه التفات من التكلّم إلى الغيبة، إذ لو جرى الكَلاَم على نسقه لقيل: لا تعبدون إلاَّ إيانا، لقوله: "أَخّذْنَا". وفي هذا الالتفات من الدّلالة على عظم هذا الاسم والتفرد به ما ليس في المضمر، وأيضاً الأسماء الواقعة ظاهرة، فناسب أن يجاوز الظاهرُ الظاهرَ. فصل في مدلول "الميثاق" هذا الميثاق يدلّ على تمام ما لا بد منه في الدين، لأنه ـ تعالى ـ لما أمر بعبادته، ونهى عن عبادة غيره، وذلك مسبوق بالعِلْمِ بذاته سبحانه، وجميع ما يجب ويجوز ويستحيل عليه، وبالعلم بوحدانيته وبراءته عن الأضداد والأنداد، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة الَّتِي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوَحْي والرسالة، فقوله: {لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللهَ} يتضمّن كلّ ما اشتمل عليه علم الكلام والفقه والأحكام. وقال مكّي: "هذا الميثاق هو الذي أخذه عليهم حين أخرجوا من ظهر آدم كالذَّر" و "بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً" فيه خمسة أوجه: أحدها: أن تتعلق الباء بـ "إحساناً" على أنه مصدر واقع [موقع] فعل الأمر، والتقدير وأحسنوا وبالوالدين، والباء ترادف "إلى" في هذا المعنى، تقول: أحسنت به وإليه، بمعنى أن يكون على هذا الوجه ثَمَّ مضافٌ محذوف، وأحسنوا بر الوالدين بمعنى: أحسنوا إليهما برّهما. قال ابن عطية: يعترض على هذا القول، أن يتقدّم على المصدر معمولُهُ، وهذا الاعتراض لا يتم على مَذْهَب الجمهور، فإن مذهبهم جواز تقديم معمول المَصْدر النَّائب عن فعل الأمر عليه، تقول: "ضرباً زيداً" وإن شئت: "زيداً ضرباً" وسواء عندهم إن جعلنا العمل للفعل المقدر، أم للمصدر النائب عن فعله، فإن التقديم عندهم جائز، وإنما يمتنع تقدم معمول المَصْدر المنحل لحرف مصدري والفعل كما تقدم وإنما يتم على مذهب أبي الحسن، فإنه منع تقديم معمول المصدر النائب عن الفعل، ويخالف الجمهور في ذلك. الثاني: أنها متعلّقة بمحذوف وذلك المحذوف يجوز أن يقدر فعل أمر مُرَاعاة لقوله: "لاَ تَعْبُدُونَ" فإنه في معنى النهي كما تقدم، كأنه قال: لا تبعدوا إلا الله وأحسنوا بالوالدين، ويجوز أن يقدر خبراً مراعاة لِلَفْظِ "لاَ تَعْبُدُونَ" والتقدير: وتحسنون [وإن كان معناه الأمر، وبهذين] الاحتمالين قدره الزمخشري، وينتصب "إحساناً" حينئذ على المصدر المؤكّد لذلك الفعل المحذوف. وفيه نظر من حيث إن حذف عامل المؤكّد منصوصٌ على عدم جوازه، وفيه بحث ليس هذا موضعه. الثالث: أن يكون التقدير: واستوصوا بالوالدين، فـ "البَاء" متعلّقة [بهذا الفعل المقدر] أيضاً، وينتصب "إحساناً" حينئذ على أنه مفعول به. الرابع: تقديره: وَوَصَّيْنَاهُمْ بالوالدين، فالباء متعلّقة بالمحذوف أيضاً، وينتصب "إحساناً" [حينئذ] على أنه مفعول لأجله، أي: لأجل إحساننا إلى الموصى بهم من حيث إنّ الإحسان متسبّب عن وصيتنا بهم، أو الموصى لما يترتب الثواب منّا لهم إذا أحسنوا إليهم. الخامس: أن تكون الباء وما عملت فيه عطفاً على قوله: "لاَ تَعْبُدُونَ" إذا قيل بأن "أن" المصدرية مقدرة فينسبك منها ومما بعدها مصدر يعطف عليه هذا المجرور، والتقدير: أخذنا ميثاقهم بإفراد الله بالعبادة وبالوالدين، أي: وببرّ الوالدين، أو: بإحسان إلى الوالدين، فتتعلّق "الباء" حينئذ بـ "الميثاق" لما فيه من مَعْنَى الفعل، فإن الظرف وشبهه تعمل فيه رَوَائح الأفعال، وينتصب "إحساناً" حينئذ على المصدر من ذلك المضاف المحذوف، وهو "البر" لأنه بمعناه، أو الإحسان الذي قدرناه. والظّاهر من هذه الأوجه هو الثَّاني، لعدم الإضمار اللازم في غيره، أو لأن ورود المصدر نائباً عن فعل الأمر مطّرد شائع. وإنما تقدّم المعمول اهتماماً به وتنبيهاً على أنه أولى بالإحسان إليه ممن ذُكِرَ معه. و"الَوالِدَان" الأب والأم، يقال لكل واحدٍ منهما: والد؛ قال: [الطويل] شعر : 614ـ عَجِبْتُ لمَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أِبَوَانِ تفسير : وقيل: لا يقال في الأم: والدة بالتاء، وإنما قيل فيها وفي الأب: والدان تغليباً للذكر. و"الإحسان": الإنعام على الغير. وقيل: بل هو أعم من الإنعام. وقيل: هو النَّافع لكل شيء. فصل في وجوه ذكر البر بالوالدين مع عبادة الله قال ابن الخَطِيْبِ: إنما أراد عبادة الله بالإحْسَان إلى الوالدين لوجوه: أحدها: أن نعمة الله على العَبْدِ أعظم النعم، فلا بد من تقديم شكره على شُكْرِ غيره، ثم بعد نعمة الله فنعمة الوالدين أعظم النّعم؛ لأن الوالدين هما الأصل في وجود الولد، ومنعمان عليه بالتربية، فإنعامهما أعظم الإنْعَام بعد إنعام الله تعالى. وثانيها: أن الله سبحانه وتعالى المؤثر في وجود الإنْسَان في الحقيقة، والوالدان مؤثران في وجوده بحسب العُرْفِ الظاهر، فلأنه المؤثر الحقيقي أردفه بذكر المؤثر بحسب العرف الظَّاهر. وثالثها: أن الله سبحانه وتعالى لا يطلب على إنعامه على العبد عوضاً ألبتَّة، وإنعام الوالدين كذلك، فإنهما لا يطلبان على الإنعام على الولد عوضاً. ورابعها: أن الله لا يملّ من الإنعام على العبد، ولو أتى العبد بأعظم الجرائم، فإنه لا يقطع عنه مواد نعمه، وكذلك الوالدان لا يملاَّن الولد ولا يقطعان عنه موادتهما وإن كان الولد مسيئاً إلى الوالدين. وخامسها: كما أن الوالد المشفق يتصرّف في مال ولده بالاسْتِرْبَاحِ، وطلب الزيادة ويصونه عن البخس والنقصان، فكذلك الحقّ ـ سبحانه وتعالى ـ يتصرف في طاعة العبد، فيصونها عن الضياع ويضاعفها كما قال: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [البقرة:261]. فلما تشابها من هذه الحيثيات كانت نعم الوالدين قليلة بالنسبة إلى نِعَمِ الله تعالى، [بل النعم كلها من الله ـ تعالى ـ فلا] جَرَمَ ذكر الإحسان إلى الوالدين عقب ذكر عبادة الله تعالى. فصل في وجوب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين لقوله في هذه الآية: "وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً" بغير تقييد بكونهما مؤمنين أم لا، وقد ثبت في أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف يشعر بغلبة الوصف فالأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما وَالدَيْن، وذلك يقتضي العموم، وهكذا الاستدلال بقوله تعالى: {أية : فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}تفسير : [الإسراء:23] وهذا نهاية المبالغة في المنع من إيذائهما إلى أن قال: {أية : وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}تفسير : [الإسراء:24] فصرّح ببيان السّبب في وجوب هذا التعظيم، وكذلك قوله: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}تفسير : [الإسراء:23] وقوله تعالى: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً}تفسير : [لقمان:15] صريح في الدّلالة. و "ذِي الْقُرْبى" وما بعده عطف على المجرور بالباء، وعلامة الجر فيها الياء؛ لأنها من الأسماء الستة التي ترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجر بالياء بشروط مذكورة، وهل إعرابها بالحروف أو بغيرها؟ عشرة مذاهب للنَّحويين فيها. وهي من الأسماء اللاَّزمة للإضافة لفظاً ومعنى إلى أسماء الأجناس الظاهرة؛ ليتوصّل بذلك إلى وصف النكرة باسم الجنس؛ نحو: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ ذِي مَالٍ" وإضافته إلى المضمر ممنوعةٌ إلا في ضرورة أو نادر كلام؛ كقوله: [الوافر] شعر : 615ـ صَبَحْنَا الْخزرَجِيَّةَ مُرْهَفَاتٍ أَبَانَ ذَوِي أَرُومَتِهَا ذَوُوهَا تفسير : وأنشد الكسائِيُّ: [الرمل] شعر : 616ـ إِنَّمَا يَعْرِفُ الْمَعْرُوفَ في النَّاسِ ذَوُوهُ تفسير : وعلى هذا قولهم: "اللهم صَلِّ على محمد وذويه". وإضافته إلى العلم قليلة جدًّا، وهي على ضربين: واجبة: وذلك إذا اقترنا وضعاً، نحو: "ذي يزن" و "ذي رعين". وجائزة وذلك إذا لم يقترنا وضعاً، نحو: "ذي قطري" و "ذي عمرو" أي: صاحب هذا الاسم. وأقل من ذلك إضافتها إلى ضمير المخاطب؛ كقوله: [الطويل] شعر : 617ـ وَإِنَّا لَنَرْجُو عَاجِلاً مِنْكَ مِثْلَ مَا رَجَوْنَاهُ قِدْماً مِنْ ذَوِيكَ الأَفَاضِلِ تفسير : وتجيء "ذو" موصولة بمعنى "الَّذِي" وفروعه، والمشهورُ حينئذ بِنَاؤها وتذكيرها، ولها أحكام كثيرة. و "القربى" مضاف إليه، وألفه للتَّأنيث، وهو مصدر كـ "الرُّجْعَى والعُقْبَى"، ويطلق على قرابة الصُّلْب والرَّحِم؛ قال طَرَفَةُ: [الطويل] شعر : 618ـ وَظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً عَلَى الْحُرِّ مِنْ وَقْعِ الْحُسَامِ الْمُهَنَّدِ تفسير : وقال أيضاً: [الطويل] شعر : 619ـ وَقَرَّبْتُ بالْقُرْبَى وَجَدِّكَ إِنَّهُ مَتَى يَكُ أَمْرٌ لِلنَّكِيثَةِ أَشْهَدِ تفسير : والمادة تدلّ على الدّنو عند البعد. فصل اعلم أن حقّ ذوي القُرْبى كالتَّابع لحق الوالدين؛ لأن اتصال الأقارب بواسطة اتِّصَال الوالدين، فلذلك أَخَّر الله ـ تَعَالى ـ ذكرهم بعد ذكر الوالدين، والسبب في تأكيد رعاية هذا الحق إلى القرابة؛ لأن القرابة مظنّة الاتِّحَاد والأُلْفَة والرعاية والنصرة، فلهذا وجبت رعاية حُقُوق الأَقَارب. فصل في أحكام تؤخذ من الآية قال الشَّافعي رضي الله عنه: لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث المَحرم، وغير المَحرَم، ولا يدخل الأب والابن؛ لأنهما لا يعرفان بالقَرابَة، ويدخل الأحفاد والأجداد. وقيل:لا يدخل الأصول والفروع. وقيل: يدخل الكلّ. قال الشافعي: يرتقي إلى أقرب جدّ ينسب هو إليه ويعرف به، وإن كان كافراً. وذكر أصحابه في مثاله: لو أنه أوصى لأقارب الشافعي، فإنا نصرفه إلى بني شَافعٍ دون بني المطّلب، وبني عبد مناف، وإن كانوا أقارب؛ لأنّ الشّافعي ينتسب في المشهور إلى بني شافع دون عبد مَنَاف. قال الغَزَالي: وهذا في زمان الشَّافعي، أما في زماننا فلا ينصرف إلاَّ إلى أولاد الشافعي ولا يرتقي إلى بني شافع؛ لأنّه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، أما قرابة الأم، فإنها تدخل في وصيّة العجم، ولا تدخل في وصيّة العرب الأَظْهر؛ لأنهم لا يعدون ذلك قَرَابةً أما لو قال: لأرحام فلان دخل فيه قَرَابَة الأب والأم. قوله: "وَاليَتَامَى" وزنه "فَعَالى"، وألفه للتأنيث، وهو جمع "يتيم" كـ "نديم ونَدَامى" ولا ينقاس هذا الجمع. وقال ابن الخطيب: جمعه "أَيْتَام ويتامى" واليُتْم: الانفراد، ومنه اليتيم؛ لانفراده عن أبويه أو أحدهما، ودرة يتيمة: إذا لم يكن لها نظير. وقيل: اليَتَيم: الإبطاء، ومنه: صبي يتيم؛ لأنه يبطىء عنه البرّ وقيل: هو التغافل، لأن الصبيّ يتغافل عما يصلحه. قال الأَصْمَعيّ: "اليتيم في الآدميين من فَقَدَ الآباء، وفي غيرهم من فقد الأمّهات". وقال المَاوَرْدِي: إن اليتم أيضاً في الناس من قبل فقد الأمهات. والأول هو المعروف عند أهل اللغة، ويسمى يتيماً إلى أن يبلغ، يقال: يَتِمَ يَيْتَم يَتْماً مثل: سَمِعَ يَسْمعُ سَمْعاً ويَتُمَ يَيْتُم يُتْماً مثل: عَظُمَ يَعْظُم عُظْماً، فهاتان لُغَتان مشهورتان حكاهما الفرَّاء، ويقال: أيتمه الله إيتاماً، أي: فعل به ذلك. وعلامة الجَرّ في "القربى" و "اليَتَامى" كسرة مقدرة على الألف، وإن كانت للتأنيث؛ لأنَّ ما لا ينصرف إذا أضيف أو دخلته "أل" انجزّ بالكسرة، وهل يسمّى حينئذ منجرّاً أو منصرفاً. ثلاثة أقوال، يفصل في الثالث بين أن يكون أحدَ سببيه العلمية، فيسمى منصرفاً نحو: "يَعْمُرُكُمْ" أو لا يسمى منجراً نحو: "بالأحمر"، و "القربى واليتامى" من هذا الأخير. فصل في رعاية اليتيم [اليتيم كالتالي] لرعاية حقوق الأقارب؛ لأنه لصغره لا ينتفع به وليتمه وخلوه عمن يقوم به يحتاج إلى من ينفعه، والإنسان قلّما يرغب في صُحبة مثل هذا، وإن كان هذا التكليف شاقّاً على الأنفس لا جَرَمَ كانت درجته عظيمةً في الدين. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيْمِ كَهَاتَيْنِ فِي الجَنَّةِ"تفسير : وأشار بالسَّبَّابة والوسطى. وقال عليه الصلاة والسلام: ["حديث : مَا قَعَدَ يَتِيْم مع قَوْم عَلَى قَصْعَتِهِمْ فَيقرب قَصْعَتَهُمُ الشَّيْطَانُ"تفسير : وقال عليه السلام]: "حديث : مَنْ ضَمَّ يَتِيْماً مِنْ بَيْنِ المُسْلِميْنَ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يُغْنِيَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ أَلْبَتَّةَ إِلاَّ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلاً لاَ يُغْفَرُ ". تفسير : قوله: "والمساكين" جمع "مسكين"، ويسمونه جمعاً لا نظير له من الآحاد، وجمعاً على صيغة منتهى الجُمُوع، وهو من العِلَلِ القائمة مقام علّتين، وسيأتي تحقيقه قريباً إن شاء الله تعالى. وتقدم القول في اشتقاقه عند ذكر المسكنة. واختلف فيه: هل هو بمعنى الفقير أو أسوأ حالاً منه كقوله: {أية : أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ}تفسير : [البلد:16] أي: لصق جلده بالتراب، وهو قول أبي حنيفة وغيره بخلاف الفقير؛ فإن له شيئاً ما. قال: [البسيط] شعر : 620ـ أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَم يُتْرَكْ لَهُ سَبدُ تفسير : أو أكمل حالاً؛ لأن الله جعل لهم ملكاً ما، قال: {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ}تفسير : [الكهف:79] وهو قول الشافعي وغيره. فصل إنما تأخّرت درجتهم عن اليتامى؛ لأن المِسْكين قد ينتفع به في الاستخدام، فكان الميل إلى مُخَالطته أكثر من المَيْل إلى مُخَالطة اليتامى، وأيضاً المسكين يمكنه الاشتغال بتعهّد نفسه، ومصالح معيشته، واليتيم ليس كذلك، فلا جَرَمَ قدم الله ذكر اليتيم على المسكين. قال: عليه الصَّلاة والسلام: "حديث : السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ والمِسْكِين كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيْلِ اللهِ ـ وأحسبه قال ـ وَكَالقَائِمِ لاَ يَفْتُرُ مِنْ صَلاَةٍ وَكَالصَّائم لاَ يُفْطِرُ ". تفسير : قال ابن المنذر: كان طاوس يرى السَّعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله. قوله: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} هذه الجملة عَطْفٌ على قوله: "لاَ تْعُبُدُونَ" في المعنى، كأنه قال: لا تعبدوا إلا الله، وأحسنوا بالوالدين وقولوا، أو على "أحسنوا" المقدر، كما تقدم تقريره في قوله تعالى: "وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً". وأجاز أبو البقاء أن يكون معمولاً لقول محذوف تقديره: وقلنا لهم: قولُوا. وقرأ حمزة والكسائي: "حَسَناً" بفتحتين، و"حُسُناً" بضمتين، و "حُسْنَى" من غير تنوين كـ "حُبْلى" و"إِحْسَاناً" من الرباعي. فأما من قرأ: "حُسْناً" بالضم والإسكان، فيحتمل أوجهاً: أحدها ـ وهو الظَّاهر ـ أنه مصدر وقع صفةً لمحذوف تقديره: وقولوا للناس حُسناً أي: ذا حسن. الثاني: أن يكون وصف به مُبَالغة كأنه جعل القول نفسه حسناً. الثالث: أنه صفة على وزن "فُعْل"، وليس أصله المصدر، بل هو كالحلو والمر، فيكون بمعنى "حَسَنٍ" بفتحتين، فيكون فيه لغتان: حُسْن وحَسَن كـ "البُخْل والبَخَل، والحُزْن والحَزَن، والعُرْب والْعَرب". الرابع: أنه منصوب على المَصْدر من المعنى، فإن المعنى: وَلْيَحْسُنْ قَوْلُكم حُسْناً. وأما قراءة: "حَسَناً" بفتحتين فصفة لمصدر محذوف تقديره: قولاً حسناً، كما تقدم في أحد أوجه "حُسْناً". وأما "حُسْناً" بضمتين، فضمة السين لإتباع الحاء، فهو بمعنى "حُسْناً" بالسكون، وفيه الأوجه المتقدمة. وأما "حُسْنَى" بغير تنوين فمصدر كـ "البُشْرَى والرُّجْعَى". وقال النحاس في هذه القراءة: ولا يجوز هذا في العربية، لا يقال من هذا شيء إلا بالألف واللام، نحو: الكُبْرَى والفُضْلى. هذا قول سيبويه، وتابعه ابن عطية على هذا، فإنه قال: ورده سيبويه؛ لأن "أفعل" و"فعلى" لا يجيء إلا معرفة إلاَّ أن يزال عنها معنى التَّفضيل، ويبقى مصدراً كـ "العُقْبى"، فذلك جائز، وهو وجه القراءة بها. انتهى وناقشه أبو حيان وقال: في كلامه ارْتباك؛ لأنه قال: لأن "أفعل" و"فعلى" لا يجيء إلا معرفة، وهذا ليس بصحيح. أما "أَفْعل" فله ثلاثة استعمالات. أحدها: أن يكون معها "مِنْ" ظاهرة أو مقدرة، أو مضافاً إلى نكرة، ولا يتعرف في هذين بحال. الثاني: أن تدخل عليه "أل" فيتعرف بها. الثالث: أن يضاف إلى معرفة فيتعرف على الصحيح. وأما "فُعْلى" فلها استعمالان: أحدهما: بالألف واللام. والثاني: الإضافة لمعرفة، وفيها الخلاف السابق. وقوله: "إلا أن يزال عنها معنى التفضيل، وتبقى مصدراً" ظاهر هذا أن "فُعْلى" أنثى "أفعل" إذا زال عنها معنى التفضيل تبقى مصدراً وليس كذلك، بل إذا زال عن "فعلى" أنثى "أفعل" معنى التفضيل صارت بمنزلة الصفة التي لا تفضيل فيها؛ ألا ترى إلى تأويلهم "كُبْرى" بمعنى كبيرة، "وصُغْرى"بمعنى صغيرة، وأيضاً فإن "فعلى" مصدر لا يَنْقَاسُ، إنما جاءت منها الألفاظ كـ "العُقْبَى والبُشْرَى" ثم أجاب الشيخ عن هذا الثاني بما معناه أن الضمير في قوله: "عنها" عائد إلى "حسنى" لا إلى "فعلى" أنثى "أفعل"، ويكون استثناء منقطعاً كأنه قال: إلا أن يزال عن "حسنى" التي قرأ بها أُبَيّ معنى التفضيل، ويصير المعنى: إلا أن يُعْتقد أن "حسنى" مصدر لا أنثى "أفعل". وقوله: "وهو وجه القراءة بها" أي والمصدر وجه القراءة بها. وتخريج هذه القراءة على وجهين: أحدهما: المصدر كـ "البُشْرى" وفيه الأوجه المتقدمة في "حسناً" مصدراً، إلا أنه يحتاج إلى إثبات "حُسْنى" مصدراً من قول العرب: حَسُن حُسْنَى، كقولهم: رَجَع رُجْعَى، إذ مجيء "فُعْلى" مصدراً لا يَنْقَاسُ. والوجه الثاني: أن تكون صفةً لموصوف محذوف، أي: وقولوا للناس كلمةً حُسْنى، أو مقالةً حسنى، وفي الوصف بها حينئذ وجهان: أحدهما: أن تكون للتفضيل، ويكون قد شَذَّ استعمالها غير معرفة بـ "ألْ"، ولا مضافة إلى معرفة، كما شذَّ قوله: [البسيط] شعر : 621ـ وَإِنْ دَعَوتِ إِلَى جُلَّى وَمَكْرُمَةٍ يَوْماً سَرَاةَ كِرَامِ النَّاسِ فَادْعِينَا تفسير : وقوله: [الرجز] شعر : 622ـ في سَعْي دُنْيَا طَالَمَا قَدْ مَدَّتِ تفسير : والوجه الثاني: أن تكون لغير التفضيل، فيكون معنى حُسْنى: حَسَنة كـ "كبرى" في معنى كبيرة، أي: وقولوا للناس مَقَالة حَسَنة، كما قال: يوسف أحسن إخوته في معنى حسن إخوته انتهى. وبهذا يعلم فساد قول النحاس. وأما من قرأ: "إحساناً" فهو مصدر وقع صفةً لمصدر محذوف، أي: قولاً إحساناً [وفيه تأويل مشهور]، فـ"إحساناً" مصدر من أحسن الذي همزته للصيرورة، أي: قولاً ذا حُسْن، كما تقول: أعشبت الأرض، أي: صارت ذا عُشْب. فإن قيل: لم خوطبوا بـ "قُولوا" بعد الإخبار؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه على طريقة الالْتِفَاتِ، كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم}تفسير : [يونس:22]. الثاني: فيه حذف، أي: قلنا لهم: قولوا. الثالث: الميثاق لا يكون إلا كلاماً كأنه قيل: قلت: لا تعبدوا وقولوا. فصل في بيان هل الكفار داخلون في المخاطبة بالحسنى قال بعضهم: إنما يجب القول الحسن مع المؤمنين، أما مع الكُفّار والفُسَّاق فلا، بدليل أنه يجب لعنهم وذمّهم ومحاربتهم، فكيف يمكن أن يكون القول معهم حسناً، وأيضاً قوله تعالى: {أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ}تفسير : [النساء:148] والقائلون بهذا القول منهم من زعم أن هذا الأمر صار منسوخاً بآية القِتَالِ. ومنهم من قال: إنه دخله التَّخصيص. وزعم أبو جعفر محمد بن علي البَاقِر أن هذا العموم باقٍ على ظاهره، ولا حاجة إلى التخصيص، ويدلّ عليه أن موسى وهارون مع عُلوّ منصبهما أُمِرَا بالرِّفْق واللِّين مع فرعون، وكذا محمد صلى لله عليه وسلم أمر بالرفق وترك الغِلْظَة بقوله: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ}تفسير : [النحل:125]. وقال: {أية : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}تفسير : [الأنعام:108]. وقوله: {أية : وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً}تفسير : [الفرقان:72]. وقوله: {أية : وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ}تفسير : [الأعراف:199]. وأما ما تمسكوا به من أنه يجب لعنهم وذمهم. قلنا: لا نسلّم أنه يجب لعنهم، وإن سلّمنا لكن لا نسلّم أن اللّعن ليس قَوْلاً حسناً. بيانه: أنّ القول الحسن ليس عبارة عن القول الذي يستهوونه، بل القول الحسن هو الذي يحصل انتفاعهم به، ونحن إذا لعنَّاهم وذَمَمْنَاهم ليرتدعوا به عن الفعل القبيح كان ذلك نافعاً في حقهم، فكان قولاً حسناً، كما أن تغليظ الوالد لولده في القول يكون حسناً ونافعاً من حيث يَرْتَدِعُ به عن الفعل القبيح. سلمنا أنّ لعنهم ليس قولاً حسناً، ولكن لا نسلّم أن وجوبه ينافي وجوب القول الحسن. بيانه: أنه لا مُنَافَاةَ بين كون الشخص مستحقًّا للتعظيم بسبب إحسانه إلينا، ومستحقًّا للتحقير بسبب كفره، وإذا كان كذلك، فلم لا يجوز أن يقال بوجوب القول الحَسَنِ معهم، وأما تمسّكهم بقوله تعالى: {أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ}تفسير : [النساء:148] فجوابه: لِمَ يجوز أن يكون المراد منه كشف حال الظالم ليحترز الناس عنه [وهو المراد بقوله عليه السلام "حديث : اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس"تفسير : ]. فصل في أن الإحسان كان واجباً عليهم ظاهر الآية يدلّ على أن الإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين كان واجباً علهيم في دينهم، وكذا القول الحسن للناس كان واجباً عليهم؛ لأن أخذ الميثاق يدلّ على الوجوب، وذلك لأن ظاهر الأمر للوجوب، والأمر في شرعنا أيضاً كذلك من بعض الوجوه، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه: أن الزّكاة نسخت كلّ حق، وهذا ضعيف؛ لأنه لا خلاف أن من اشتدت به الحاجة، وشاهدناه بهذه الصفة، فإنه يلزمنا التصدق عليه، وإن لم يجب علينا الزكاة حتى أنه إن لم تندفع حاجتهم بالزَّكَاةِ كان هذا التصدّق واجباً، ولا شك في وجوب مُكَالمة الناس بطريق لا يتضررون منه. قال ابن عَبَّاس معنى الآية: "قولوا لهم لا إله إلا الله". وفسّره ابن جريج: "قولوا للناس حسناً صدقاً في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا تغيّروا صفته". وقال سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانْهوهم عن المنكر. وقال أبو العالية: "قولوا لهم الطّيب من القول، وجاوزهم بأحسن ما تحبون أن تجازوا به"، وهذا كلّه حضٌّ على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لَيْناً حسناً، كما قال تعالى لموسى وهارون: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً}تفسير : [طه:44]. وقال عليه الصلاة والسلام لعائشة: "حديث : لاَ تَكُوني فَحَّاشَةً فَإِنَّ الفُحْشَ لَوْ كَانَ رَجُلاً لَكَانَ رَجُلَ سُوءٍ"تفسير : ، ويدخل في هذه الآية المؤمن والكافر. قوله: "وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وآتُوا الزَّكَاةَ" تقدم نظيره. وقال ابن عطية: زكاتهم هي التي كانوا يضعونها، وتنزل النَّار على ما تقبل منه، ولم تنزل على ما لم يتقبل، ولم تكن كزكاتنا. قال القرطبي: "وهذا يحتاج إلى نَقْل...". قوله: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ}. قال الزمخشري: "وهذا على طريقة الالتفات" وهذا الذي قاله إنما يجيء على قراءة: "لاَ يَعْبُدُونَ" بالغيبة، وأما على قراءة الخطاب فلا التفات ألبتَّة، ويجوز أن يكون أراد بالالتفات الخروج من خطاب بني إسرائيل القدماء إلى خطاء الحاضرين في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم [وقد قيل ذلك] ويؤيده قوله تعالى: {إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ}. قيل: يعني بهم الذين أسلموا في زمانه ـ عليه الصلاة والسلام ـ كعبد الله بن سَلام وأضرابه، فيكون التفاتاً على القِرَاءتين. ثم قال ابن الخطيب: الآية تحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون المُرَاد من تقدم من بني إسرائيل، لأنه ـ تعالى ـ قد سَاقَ الكلام الأول في إظهار النعم بإقامة الحجج ثم بيّن بعد أنهم تولوا إلا قليلاً، فإنهم بقوا على ما دخلوا فيه، فإنّ أول الكلام في المتقدمين، فالظاهر يقتضي أن آخره فيهم، إلا بدليل يوجب الانصراف عن الظاهر. وثانيها: أنه خطاب للحاضرين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أَسْلاَفكم؛ لأنه خطاب مشافهة، وهو بالحاضرين أليق. وثالثها: أن يكون المراد بقوله: "ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ" من تقدم؛ لأنه ـ تعالى ـ لما بين أنه ـ تعالى ـ أنعم عليهم بتلك النّعم ثم تولّوا عنها بعد ذلك كان ذلك دالاًّ على نهاية قبح أفعالهم، ويكون قوله: وأنتم معرضون مختصًّا بمن كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أي: أنكم بمنزلة المتقدّمين الذين تولّوا بعد أخذ المواثيق، فإنكم بعد اطّلاعكم على صدق دلائل النّبيّ صلى الله عليه وسلم أعرضتم عنه، فكنتم بهذا الإعراض بمثابة أولئك المتقدمين [الذين تولّوا بعد أخذ المواثيق بذلك الشِّرك] في ذلك التولي والله أعلم. و "قليلاً" منصوب على الاستثناء؛ لأنه من موجب. وقال القرطبي: المستثنى عند سيبويه منصوب؛ لأنه مشبه بالمَفْعُول. وقال محمد بن يزيد: هو المفعول حقيقة؛ لأن معناه: استثنيت قليلاً. وروي عن أبي عمرو وغيره: "إلاَّ قَلِيلٌ" بالرفع، وفيه ستّة أقوال: أصحها: أن رفعه على الصفة بتأويل "إلاّ" وما بعدها بمعنى "غَيْر"، وقد عقد سيبويه رحمه الله في كتابه لذلك باباً فقال: "هذا باب ما يكون فيه "إلاَّ" وما بعدها وصفاً بمنزلة غَيْر ومثل" وذكر من أمثلة هذا الباب: "لو كان معنا رجلٌ إلا زيدٌ لغُلِبْنَا" و{أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا}تفسير : [الأنبياء:22]. قال: الطويل شعر : 623ـ.................. قَلِيلٌ بِهَا الأَصْوَاتُ إِلاَّ بُغَامُهَا تفسير : وسَوَّى بين هذا وبين قراءة: {أية : لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَاعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ}تفسير : [النساء:95] برفع "غير" وجوز في نحو: "ما قام القومُ إلا زيدٌ" بالرفع البدل والصِّفة، وخرج على ذلك قوله: [الوافر] شعر : 624ـ وَكُلّ أخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلاَّ الفَرْقَدَانِ تفسير : كأنه قيل: "وكلُّ أخٍ غيرُ الفَرْقَدَين مُفَارِقُهُ أخُوهُ"؛ كما قال الشَّمَّاخ: [الطويل] شعر : 625ـ وَكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرُ هَاضِمِ نَفْسِهِ لِوَصلِ خَلِيلٍ صَارٍمٌ أَو مُعَارِزُ تفسير : وأنشد غيره: [الرمل] شعر : 626ـ لِدَمٍ ضَائِعٍ تَغَيَّبَ عَنْهُ أَقْرَبُوهُ إلاَّ الصَّبَا والجَنُوبُ تفسير : وقوله: [البسيط] شعر : 627ـ وَبِالصَّرِيمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ عَافٍ تَغَيَّرَ إلاَّ النُّؤْيُ والوَتِدُ تفسير : والفرق بين الوصف بـ "إلاَّ" والوصْفِ بغيرها أنَّ "إلاَّ" توصف بها المعارفُ والنكرات، والظاهرُ والمضمرُ. وقال بعضهم: "لا توصف بها إلا النكرة أو المعرفة بلام الجنس، فإنه في قوة النكرة". وقال المبرِّد: "شرطه صلاحية البدلِ في موضعه". الثاني: أنه عطف بيان، قاله ابن عصفور. وقال: "إنما يعني النحويون بالوصف ـ "إلاَّ" عطف البيان"، [وفيه نظرٌ]. الثالث: أنه مرفوع بفعل مَحْذُوف، كأنه قال: امتنع قليل. الرابع: أن يكون مبتدأ وخبره محذوف، أي إلاَّ قليل منكم لم يتولّوا، كما قالوا "ما مررت بأحد إلاّ رجلٌ من بني تميم خيرٌ منه". الخامس: أنه توكيد للضمير المرفوع، ذكر هذه الأوجه أبو البقاء. وقال: سيبويه وأصحابه يسمونه نعتاً ووصفاً يعني التوكيد، وفي هذه الأوجه التي ذكرها ما لا يخفى، ولكنها قد قيلت. السادس: أنه بدلٌ من الضمير "تولّيتم". قال ابن عطية: وجاز ذلك مع أن الكلام لم يتقدم فيه نفي؛ لأنَّ "توليتم" معناه النفي كأنه قال: لم تَفُوا بالميثاق إلا قليل، وهذا الذي ذكره مِنْ جَوَاز البدل منعه النحويون، فلا يجيزون "قام القوم إلا زيد" على البدل. قالوا: لأن البدل يَحُلّ محلّ المبدل منه فيؤول إلى قولك: "قام إلا زيد"، وهو ممتنع. وأما قوله: إنه في تأويل النفي، فما من موجب إلاَّ يمكن فيه ذلك، ألا ترى أن قولك: "قام القوم إلا زيد" في حكم قوله: "لم يجلسوا إلاَّ زيد"، فكل موجب إذا أخذت نفي نقيضه أو ضده كان كذلك، ولم تعتبر العرب هذا في كلامها، وإنما أجاز النحويون: "قام القوم إلا زيد" بالرفع على الصيغة كما تقدم تقديره. و "منكم" صفة لـ "قَلِيلاً" فيه في محل نصب، أو رفع على حسب القراءتين، والظاهر أن القليل مراد بهم الأشخاصُ لوصفه بقوله: "مِنْكُمْ". وقال ابن عطية: "ويُحْتَمَل أن تكون القلة في الإيمان، أي: لم يبق حينَ عَصَو وكفروا آخرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا إيمان قليل، إذ لا ينفعهم، والأول أقوى" انتهى. وهذا قول بعيد جدّاً أو ممتنع. "وأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ" جملة من مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحال من فاعل "تَوَلَّيْتُمْ" وفيها قولان: أحدهما: أنها حال مؤكِّدة؛ لأن التولّي والإعراض مُتَرَادفان، وقيل مبيِّنة، فإن التولي باليدين والإعراض بالقلب، قاله أبو البقاء. وقال بعده: وقيل: "تَوَلَّيْتُمْ" يعني آباءهم، "وأنتم معرضون" يعني أنفسهم، كما قال: {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ}تفسير : [البقرة:49] أي آباءهم انتهى. وهذا يؤدّي إلى أن جملة قوله: "وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ" لا تكون حالاً؛ لأن فاعل التولّي في الحقيقة ليس هو صَاحِبَ الحال والله أعلم. وكذلك تكون "مبيّنة" إذا اختلف متعلّق التولي والإعراض كما قال بعضهم: ثم توليتم عن أخذ ميثاقكم، وأنتم معرضون عن هذا النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: التولّي والإعراض مأخوذان من سلوك الطريق، وذلك أنه إذا سلك طريقاً ورجع عَوْدَه على بَدْئه سمي ذلك تولياً، وإن سلك في عُرْض الطريق سمي إعراضاً. وجاءت الحال جملة اسمية مصدرة بـ "أنتم"؛ لأنه أكد. وجيء بخبر المبتدأ اسماً، لأنه أولّ على الثبوت فكأنه قيل: وأنتم عادتكم التولي والإعراض عن الحق.
البقاعي
تفسير : ثم شرع سبحانه يقيم الدليل على أنهم ممن أحاطت به خطيئته فقال: {وإذ} أي اذكروا ما تعلمون في كتابكم من حال من كسب سيئة محيطة واذكروا إذ {أخذنا} بما لنا من تلك العظمة التي أشهدناكم كثيراً منها ميثاقكم ولكنه أظهر لطول الفصل بذكر وصف يعمهم وغيرهم فقال: {ميثاق بني إسرائيل} ويجوز أن يكون معطوفاً على {نعمتي} في قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} لأن الكل في مخاطبتهم وبيان أمورهم. ولما كان الدين إنما هو الأدب مع الخالق والخلق ذكر المعاهد عليه من ذلك مرتباً له على الأحق فالأحق فقال ذاكراً له في صيغة الخبر مريداً به النهي والأمر وهو أبلغ من حيث إنه كأنه وقع امتثاله ومضى ودل على إرادة ذلك بعطف {وقولوا} عليه: {لا تعبدون إلا الله} المنعم الأول الذي له الأمر كله لتكونوا محسنين بذلك إحساناً هو الإحسان كله {و} أحسنوا أو تحسنون {بالوالدين} ولو كانا كافرين. قال الحرالي: تثنية والد من الولادة لاستبقاء ما يتوقع ذهابه بظهور صورة منه تخلف صورة نوعه - انتهى {إحساناً} عظيماً لا يبلغ كنهه، لكونهما في الرتبة الثانية لجعلهما سبحانه السبب في نعمة الإيجاد الأول والمباشرين للتربية، وغيّر السياق فلم يقل: ولا تحسنون إلا إلى الوالدين، إفهاماً لأن الإحسان إليهما يشركهما فيه من بعدهما، لو جبر فوات هذا الحصر بتقديمهما إيذاناً بالاهتمام {وذي القربى} وهم المتوسلون بالوالدين لما لهم من أكيد الوصلة {واليتامى} لضعفهم، واليُتم قال الحرالي: فقد الأب حين الحاجة، ولذلك أثبته مثبت في الذكر إلى البلوغ، وفي البنت إلى الثيوبة لبقاء حاجتها بعد البلوغ، والقربى فعلى من القرابة وهو قرب في النسب الظاهر أو الباطن - انتهى {المساكين} لكسرهم. ولما لم يكن وسع الناس عامة بالإحسان بالفعل ممكناً أمر بجعل ذلك بالقول فقال عطفاً على الخبر الذي معناه الإنشاء: {وقولوا للناس} عامة {حسناً} أي حَسَناً بالتحريك وهو لغة فيه كالبُخْل والبَخَل، وذلك بأن يأمروهم بما أمر الله به وينهوهم عما نهى عنه. ولما أمرهم بما إن امتثلوه اجتمعت كلمتهم ذكر أعظم جامع على الله من الأعمال فقال: {وأقيموا الصلاة} ثم ذكر ما به تمام الجمع ودوامه فقال: {وآتوا الزكاة} ولما كان الإعراض عن هذه المحاسن في غاية البعد فكيف إذا كانت بعهد فكيف إذا كان من الله أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم توليتم} أي عن ذلك أو عن كثير منه، وأشار بصيغة التفعل إلى أن الأمور الدينية لحسنها لا يعرض عنها إلا بعلاج بين الفطرة الأولى والأمارة {إلا قليلاً منكم وأنتم} أي والحال أنكم {معرضون} عادتكم ذلك، لم يكن ذلك منكم عن غير علم، والإعراض صرف الشيء إلى العُرض التي هي الناحية. قال السمين: وروى عن أبي عمرو وغيره: إلا قليل - بالرفع، وفيه أقوال، أصحها رفعه على الصفة بتأويل إلا وما بعدها بمعنى غير - انتهى. ويأتي إن شاء الله تعالى بسط هذا الإعراب عند قوله: { أية : فشربوا منه إلا قليلاً منهم } تفسير : [البقرة: 249] ذكر ما يشهد لذلك من التوراة، قال في السفر الثاني منها لما ذكر أمر المناجاة وحضورهم عند الجبل وقال الله جميع هذه الآيات كلها: أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا تكون لك آلهة غيري، لا تعملن شيئاً من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني أنا الرب، إلهك إله غيور، أجازي الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة من أعدائي، وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحبائي وحافظي وصاياي، لا تقسم بالرب إلهك كذباً، لأن الرب لا يزكي من حلف باسمه كذباً. أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيكها الرب إلهك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على صاحبك شهادة زور، لا تتمن بنت صاحبك، ولا تشتهين امرأة صاحبك ولا كل شيء لصاحبك - وكان جميع الشعب يسمعون الأصوات ويرون المصابيح. وقال في موضع آخر من السفر الثالث: لا تسرقوا، ولا تغدروا، ولا تحلفوا باسمي كذباً، ولا تنجسوا اسم الرب إلهكم، أنا الرب وليس غيري، لا تظلمن صاحبك، ولا تشتمن الأخرس، ولا تضع عثرة بين يدي الضرير، اتق الله ربك، لا تحيفوا في القضاء، ولا تأثموا، ولا تحابين المسكين ولا تحاب الكبير أيضاً بل أقض بالبر والعدل، لا تبغض أخاك في قلبك بل بكّت صاحبك ووبخه بالحق لكيلا يلزمك خطيئة في سببه، ولا تحقدن على أحد بل أحبب صاحبك كما تحب نفسك، ولا تتطيروا بسنح الطير، ولا يكونن فيكم عراف، ولا تُطوّلن شعر رؤوسكم، ولا تحلقوا عنافق لحاكم، ولا تخدشوا وجوهكم على الميت، ولا تكتبوا على لحومكم بالإبر، أنا الله ربكم، لا تتبعوا العرّافين والقافة ولا تنطلقوا إليهم ولا تسألوهم عن شيء لئلا تتنجسوا بهم، أكرم الشيخ وقم إليه إذا رأيته، وأكرم من هو أكبر منك، واتق الله ربك، أنا الله ربكم، وإذا سكن بينكم الذي يقبل إليّ فلا تظلموه بل أنزلوه منزلة أحدكم وصيروه منكم، الذين يقبلون إليّ ويسكنون معكم أحبوهم كما تحبون أنفسكم لأنكم كنتم سكاناً بأرض مصر، أنا الله ربكم، لا تأثموا في القضاء ولا تأثموا في الأوزان والمكاييل بل اتخذوا ميزان الحق واتخذوا مكاييل الحق، أنا الله ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر احفظوا جميع وصاياي وأحكامي بها، أنا الرب وليس غيري. وقال في الثاني: ومن تبع العرافين والقافة وضل بهم أنزل به غضبي الشديد وأهلكه من شعبي، وأي رجل شتم والديه يقتل قتلاً ودمه في عنقه؛ ثم قال بعده: وأي رجل أو امرأة صار عرافاً أو منجماً يقتلان قتلاً، ويكون قتلهما الرجم بالحجارة، ودمهما في أعناقهما؛ وقال قبل ذلك: وكل من ضرب رجلاً فمات فليقتل قتلاً، ومن ضرب أباه وأمه فليقتل قتلاً، ومن سرق إنساناً فوجد معه يريد بيعه فليقتل قتلاً، ومن شتم أباه وأمه فليقتل قتلاً، ثم قال: لا يؤذّن الساكن بينكم ولا تعقّوهم تحوّجوهم، لأنكم كنتم سكاناً بأرض مصر، ولا تؤذوا الأرامل والأيتام، فإن آذيتموهم فصلوا بين يدي أسمع صلاتهم وأستجيب لهم فيشتد غضبي وأقتلكم في الحرب وتكون نساؤكم أرامل وبنوكم يصيرون يتامى، وإن أسلفت رزقك للمسكين الذي معك من شعبي فلا تكونن له كالغريم، ولا تأخذن منه رباً؛ ثم قال: ولا تقبلن الرشوة، فإن الرشوة تعمي أبصار الحكماء في القضاء وترد فلج الصالحين. ولما كان أكبر الكبائر بعد الشرك القتل تلاه بالتذكير بما أخذ عليهم فيه من العهد، وقرن به الإخراج من الديار لأن المال عديل الروح والمنزل أعظم المال وهو للجسد كالجسد للروح فقال: {وإذ أخذنا ميثاقكم} يا بني إسرائيل {لا تسفكون دماءكم} أي لا يسفك بعضكم دماء بعض {ولا تخرجون أنفسكم} بإخراج بعضكم لبعض لأن المتواصلين بنسب أو دين كالنفس الواحدة {من دياركم}، قال الحرالي: وأصلها ما أدارته العرب من البيوت كالحلقة استحفاظاً لما تحويه من أموالها - انتهى. ولما كانوا قد نكصوا عند حقوقِ الأمر فلم يقبلوا ما أتاهم من الخير حتى خافوا الدمار بسقوط الطور عليهم أشار إلى ذلك بقوله: {ثم أقررتم} أي بذلك كله بعد ليّ وتوقف، والإقرار إظهار الالتزام بما خفي أمره - قاله الحرالي: {وأنتم تشهدون} بلزومه وتعاينون تلك الآيات الكبار الملجئة لكم إلى ذلك، وقد مضى مما يصدق هذا عن التوراة آنفاً ما فيه كفاية للموفق، وسيأتي في المائدة بقيته، إن شاء الله تعالى. ولما كان هذا بما أكد به من ذكر الميثاق في مظهر العظمة وإضافة الجناية إلى نفس الجاني جديراً بالبعد منه أشار إلى ذلك بقوله: {ثم أنتم هؤلاء} الحقيرون المقدور عليهم المجهولون الذين لا يعرف لهم اسم ينادون به، أو الموجودون الآن؛ ثم استأنف البيان عن هذه الجملة فقال: {تقتلون أنفسكم} من غير التفات إلى هذا العهد الوثيق {وتخرجون فريقاً منكم} أي ناساً هم أشقّاء لكم فهم جديرون منكم بالإحسان لا بالإخراج {من ديارهم}. ولما كان من المستبعد جداً بعد الاستبعاد الأول أن يقعوا في ذلك على طريق العدوان استأنف البيان لذلك بقوله: {تظاهرون} أي تتعاونون، من التظاهر، وهو تكلف المظاهرة وهي تساند القوة كأنه استناد ظهر إلى ظهر - قاله الحرالي: {عليهم بالإثم} أي مصاحبين للإثم وهو أسوأ الاعتداء في قول أو فعل أو حال، ويقال لكذوب: أثوم، لاعتدائه بالقول على غيره، والإثم الخمر لما يقع بها من العدواة والعدوى - قاله الحرالي: {والعدوان} أي والامتلاء في مجاوزة الحدود {وإن يأتوكم} أي هؤلاء الذين تعاونتم أو عاونتم عليهم {أسارى} جمع أسرى جمع أسير، وأصله المشدود بالأسر، وهو القد وهو ما يقد أي يقطع من السير {تفادوهم} أي تخلصوهم بالمال، من الفداء وهو الفكاك بعوض، و {تفادوهم} من المفاداة وهي الاستواء في العوضين. قاله الحرالي. ثم أكد تحريم الإخراج بزيادة الضمير والجملة الاسمية في قوله: {وهو محرم} من التحريم وهو تكرار الحرمة بالكسر وهي المنع من الشيء لدنايته، والحرمة بالضم المنع من الشيء لعلوه - قاله الحرالي: {عليكم} ولما كان يُظن أن الضمير للفداء عينه فقال: {إخراجهم} ثم أنكر عليهم التفرقة بين الأحكام فقال: {أفتؤمنون ببعض الكتاب} أي التوراة وهو الموجب للمفاداة {وتكفرون ببعض} وهو المحرم للقتل والإخراج، ثم سبب عن ذلك قوله: {فما جزاء من يفعل ذلك} الأمر العظيم الشناعة {منكم إلا خزي} ضد ما قصدتم بفعلكم من العز، والخزي إظهار القبائح التي يستحي من إظهارها عقوبة - قاله الحرالي: {في الحياة الدنيا} تعجيلاً للعقوبة له في الدار التي جعلها محط قصده. وقد فعل سبحانه ذلك بأنواع الذل والقتل فما دونه، {ويوم القيامة} هي فعالة تفهم فيها التاءُ المبالغةَ والغلبة، وهو قيام أمر مستعظم، والقيام هو الاستقلال بأعباء ثقيلة {يردون} أي بالبعث، والرد هو الرجوع إلى ما كان منه بدء المذهب - قاله الحرالي: {إلى أشد العذاب} لأنه الخزي الأعظم. ولما كانت المواجهة بالتهديد أدل على الغضب التفت إليهم في قراءة الجماعة فعطف على ما تقديره ذلك بأن الله عالم بما قصدتموه في ذلك فهو يجازيكم بما تستحقون قوله: {وما الله} أي المحيط علماً وقدرة {بغافل عما} أي عن شيء بما {تعملون} من ذلك ومن غيره، وقراءة نافع وابن كثير بالغيب على الأسلوب الماضي. ولما كانت هذه الآيات كلها كالدليل على قوله تعالى: { أية : وضربت عليهم الذلة والمسكنة - ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } تفسير : [البقرة: 61] فذلكة ذلك قوله تعالى: {أولئك} أي البعداء البغضاء {الذين اشتروا} أي لجوا فأخذوا {الحياة الدنيا} على خساستها {بالآخرة} مع نفاستها، والدنيا فُعلى من الدنو وهو الأنزل رتبة، في مقابلة عليا، ولأنه لزمتها العاجلة صارت في مقابلة الأخرى اللازمة للعلو، ففي الدنيا نزول قدر وتعجل وفي الأخرى علو قدر وتأخر، فتقابلتا على ما يفهم تقابلين من معنى كل واحدة منهما - قاله الحرالي: فالآية من الاحتكاك، ذكر الدنيا أولاً يدل على حذف العليا ثانياً، وذكر الآخرة ثانياً يدل على حذف العاجلة أولاً. {فلا} أي فتسبب عن ذلك أنه لا {يخفف} من التخفيف وهو مصير الثقيل والمستفل إلى حال الطافي المستعلي كحال ما بين الحجر والهواء - قاله الحرالي: {عنهم العذاب} في واحدة من الدارين {ولا هم ينصرون} وهو أيضاً من أعظم الأدلة على خذلان من غزا لأجل المغنم أو غل، وقد ورد في كثير من الأحاديث والآثار التصريح بذلك، منها ما رواه مالك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب " تفسير : وهو أيضاً شرع قديم ففي سفر يوشع بن نون عليه الصلاة والسلام أنه لما فتح مدينة أريحا بعد موت موسى عليه السلام بعث إلى مدينة عاي ثلاث آلاف مقاتل ليفتحوها، فقتل منهم أهل عاي جماعة وهزموهم، فاضطربت قلوبهم وصارت كالماء، فسجد يشوع على الأرض أمام تابوت الرب هو ومشيخة بني إسرائيل، فقال له الرب: انهض قائماً، وأخبره أن قومه قد غلوا فلا يقدرون الآن أن يثبتوا لأعدائهم حتى ينحوا الحرام عنهم، وقال الله له: وإذا كان غد فقدموا أسباطكم ليقترعوا، والسبط الذي تصيبه قرعة الرب تتقدم عشائره، والعشيرة التي تصيبها القرعة تتقدم بيوتاتها، والبيت الذي يصيبه قرعة الرب ويصاب الحرام عنده يحرق بالنار هو وكل شيء له، لأنه تعدى على أمر الرب ولأنه أثم بإسرائيل؛ ففعل ما أمره الرب فأصابت القرعة عاجار بن كرمى من سبط يهودا، فأحضره وبنيه وبناته ومواشيه وخيمته وكل من كان له، فأصعدهم إلى غور عاجار، ورجمهم جميع بني إسرائيل بالحجارة، وأحرقوهم بالنار، وجعلوا فوقه تلاً من الحجارة الكبار إلى اليوم، ولذلك دعي اسم ذلك الموضع غور عاجار إلى اليوم، ثم أتوا من الغد إلى عاي فقتلوا جميع من فيها من بني آدم الذكور والإناث وأحرقوها. ولما بين لهم أنهم نقضوا العهود فأحاطت بهم الخطايا فاستحقوا الخلود في النار توقع السائل الإخبار عن سبب وقوعهم في ذلك هل هو جهل أو عناد فبشع سبحانه ذلك عليهم بما افتتحه بحرف التوقع فقال: {ولقد} باللام التي هي توكيد لمضمون الكلام، و "قد" هي لوقوع مرتقب مما كان خبراً أو مما سيكون علماً - قاله الحرالي. {آتينا} أي بعظمتنا {موسى الكتاب} أي نقضتم تلك العهود مع أن عندكم فيها كتاب الله التوراة تدرسونه كل حين، فلم ندعكم هملاً بعد موسى عليه السلام بل ضبطنا أمركم بالكتاب {وقفينا} من التقفية وهي متابعة شيء شيئاً كأنه يتلو قفاه، وقفاء الصورة منها خلفها المقابل الموجه - قاله الحرالي: {من بعده} أي بعد موسى {بالرسل} أي ثم لم نقتصر على الضبط بالكتاب الذي تركه فيكم موسى بل واترنا من بعده إرسال الرسل مواترة، وجعلنا بعضهم في قفاء بعض ليجددوا لكم أمر الدين ويؤكدوا عليكم العهود والرسالة انبعاث أمر من المرسل إلى المرسل إليه {وآتينا} بما لنا من العظمة {عيسى} اسم معرب. أصله يسوع {ابن مريم} الذي أرسلناه لنسخ بعض التوراة تجديد ما درس من بقيتها {البينات} من الآيات العظيمة التي لا مرية فيها لذي عقل، والبينة من القول والكون ما لا ينازعه منازع لوضوحه - قاله الحرالي: {وأيدناه} أي قويناه على ذلك كله، من التأييد وهو من الأيد وهو القوة، كأنه يأخذ معه بيده في الشيء الذي يقويه فيه، كأخذ قوة المظاهرة من الظهر، لأن الظهر موضع قوة الشيء في ذاته، واليد موضع قوة تناوله لغيره - قاله الحرالي: {بروح القدس} أي الروح الطاهر وهو جبريل عليه السلام كما أيدنا به غيره من أولي العزم. قال الحرالي: والروح لمحة من لمحات أمر الله، وأمر الله قيوميته في كلية خلقه ملكاً وملكوتاً، فما هو قوام الخلق كله ملكاً وملكوتاً هو الأمر { أية : ألا له الخلق والأمر } تفسير : ، [الأعراف: 54]، وما هو قوام صورة من جملة الخلق هو الروح الذي هو لمحة من ذلك الأمر؛ ولقيام عالم الملكوت وخصوصاً جملة العرش بعالم الملك وخصوصاً أمر الدين الباقي سماهم الله روحاً، ومن أخصهم روح القدس، والقدس الطهارة العلية التي لا يلحقها تنجس على ما تقدم، ومن أخص الروح به جبريل عليه السلام بما له من روح الأمر الديني، وإسرافيل عليه السلام بما له من روح النفخ الصوري - انتهى. وقد كان لعيسى عليه السلام بالروح مزيد اختصاص لكثرة ما أحيى من الموتى؛ والمعنى فعلنا بكم يا بني إسرائيل ذلك ولم تزالوا في عهد جميع من ذكر ناقضين للعهود، فلا أحد أحق منكم بالخلود في النار، ثم جاء محمد صلى الله عليه وسلم فلم تصدقوه. ذكر شيء من الإنجيل يدل على أنه عليه السلام أتى بالبينات مع تأييده بروح القدس مستخلصاً من الأناجيل الأربعة وقد جمعت بين ألفاظها، قال متى - ومعظم السياق له: فلما سمع يسوع أن يوحنا - يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام - قد أسلم - يعني خذله أصحابه مضى إلى الجليل وترك الناصرة وجاء وسكن كَفَرناحوم التي على ساحل البحر في تخوم زابلون وبغتاليم ليكمل ما قيل في أشعيا النبي إذ يقول: أرض زابلون أرض بغتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم الشعب الجالس في الظلمة أبصر نوراً عظيماً الجلوس في الكورة وظلال الموت نوراً أشرق عليهم، ومن ذلك بعد حبس يوحنا وافى يسوع إلى الجليل يكرز بإنجيل ملكوت الله قائلاً: قد كمل الزمان وقربت ملكوت الله! فتوبوا وآمنوا بالإنجيل. قال متى: وكان يمشي على بحر الجليل فأبصر أخوين سمعان الذي يدعى بطرس واندراوس أخاه يلقيان شباكهما في البحر لأنهما كانا صيادين، فقال لهما: اتبعاني أجعلكما تكونان صيادي الناس وللوقت تركا شباكهما وتبعاه؛ وجاز من هناك فرأى أخوين آخرين يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه في سفينة مع أبيهما زبدي يصلحون شباكهم فدعاهما، فللوقت تركا السفينة وأباهما زبدي وتبعاه وفي إنجيل يوحنا بعد قصة يحيى بن زكريا الآتية في آل عمران: هذا كان في بيت عينا في عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد، ومن الغد نظر يسوع مقبلاً إليه فقال: هذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم! هذا ذلك الذي قلت من أجله: إنه يأتي وهو كان قبلي لأنه أقدم مني وأنا لم أكن أعرفه لكن ليظهر لإسرائيل، من أجل هذا جئت أنا لأعمد بالماء؛ وشهد يوحنا وقال: إني رأيت الروح نزل من السماء مثل حمامة وحل عليه ولم أعرفه، لكن من أرسلني لأعمد بالماء هو الذي قال: الذي ترى الروح ينزل ويثبت عليه هو يعمد بروح القدس. وأنا عاينت وشهدت: وفي الغد كان يوحنا واقفاً واثنان من تلاميذه فنظر يسوع فقال: هذا حمل الله! فسمع تلميذاه كلامه فتبعا يسوع، فالتفت يسوع فرآهما يتبعانه فقال لهما: ماذا تريدان؟ قالا له: ربي - الذي تأويله يا معلم - أين تكون؟ فقال لهما: تعاليا لتنظرا، فأتيا وأبصرا موضعه أين يكون، وأقاما عنده يومهما ذلك وكان نحو عشر ساعات، وإن واحداً من اللذين سمعا من يوحنا وتبعا يسوع كان اندراوس أخا سمعان وإنه أبصر أولاً سمعان أخاه وقال له: قد وجدنا مسياً - الذي تأويله المسيح - فجاء به إلى يسوع؛ فلما نظر إليه يسوع قال له: أنت سمعان بن يونان الذي يدعى الصفا - الذي تأويله بطرس ومن الغد أراد الخروج إلى الجليل فلقي فيليس ناتاناييل وقاله له: الذي كتب موسى من أجله في الناموس والأنبياء وجدناه وهو يسوع الذي من الناصرة، فقال له: ناتاناييل هل يمكن أن يخرج من الناصرة شيء فيه صلاح؟ فقال له فيليس: تعال وانظر، فلما رأى يسوع ناتاناييل مقبلاً إليه قال: من أجله هذا حقاً إسرائيلي لا غش فيه، فقال له ناتاناييل: من أين تعرفني؟ فقال له يسوع: قبل أن يدعوك فيليس وأنت تحت التينة رأيتك فقال له: يا معلم! أنت هو ملك إسرائيل، قال له يسوع: لأني قلت لك إني رأيتك تحت التينة آمنت سوف تعاين ما هو أعظم من هذا، وقال له: الحق الحق أقول لكم، إنكم من الآن ترون السماء مفتحة وملائكة الله ينزلون ويصعدون على ابن البشر. وفي اليوم الثالث كان عرش في قانا الجليل وكانت أم يسوع هناك ودُعي يسوع وتلاميذه إلى العرش وكان الخمر قد فرغ، فقالت أم يسوع له: ليس لهم خمر، فقال لها يسوع: ما لي ولك أيتها المرأة لم تأت ساعتي بعد؟ فقالت أمه للخدام: افعلوا ما يأمركم به، وكان هناك ستة أجاجين من حجارة موضوعة لتطهير اليهود تسع كل واحدة مطرين أو ثلاثة، فقال لهم يسوع: املؤوا الأجاجين ماء، فملؤوها إلى فوق، وقال لهم: اغرفوا الآن وناولوا رئيس السقاة، فلما ذاق رئيس السقاة ذلك الماء المتحول خمراً لم يعلم من أين هو، فدعا رئيس السقاة العريس وقال له: كل إنسان إنما يأتي بالشراب الجيد أولاً فإذا سكروا عند ذلك يأتي بالدون وأنت أبقيت الجيد إلى الآن! هذه الآية الأولى التي فعلها يسوع في قانا الجليل وأظهر مجده وآمن به تلاميذه. وبعد هذا انحدر إلى كفرناحوم هو وأمه وإخوته وتلاميذه فأقاموا هناك أياماً يسيرة؛ ثم قال: وعلم السيد يسوع أن الفريسيين سمعوا أنه قد اتخذ تلاميذ كثيرة وأنه يعمد أكثر من يوحنا إذ ليس هو يعمد بل تلاميذه فترك اليهودية ومضى إلى الجليل وكان قد أزمع أن يعبر على موضع السامرة، فأقبل إلى مدينة السامرة التي تسمى بسوخار إلى جانب القرية التي كان يعقوب وهبها ليوسف ابنه وكان هناك بئر يعقوب وكان يسوع قد عيى من تعب الطريق، فجلس على البئر في ست ساعات، فجاءت امرأة من السامرة تستقي ماء، فقال لها يسوع أعطيني أشرب - وكان تلاميذه قد دخلوا إلى المدينة ليبتاعوا لهم طعاماً - فقالت له تلك المرأة: كيف وأنت يهودي تستقي الماء وأنا امرأة سامرية واليهود لا يختلطون بالسامرة! أجاب يسوع وقال لها: لو كنت تعرفين عطية الله ومن هذا الذي قال لك: ناوليني أشرب، لكنت أنت تسألينه أن يعطيك ماء الحياة! قالت المرأة: يا سيد! إنه لا دلو لك والبئر عميقة فمن أين لك ماء الحياة؛ لعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا هذه البئر ومنها شرب هو وبنوه وماشيته! فقال لها: كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً، فأما من يشرب من الماء الذي أعطيه لا يعطش إلى الأبد، قالت المرأة: يا سيد! أعطني من هذا الماء لئلا أعطش ولا أجيء ولا أستقي من ههنا، فقال: انطلقي وادعي زوجك وتعالي إلى هاهنا، قالت: ليس لي زوج، قال لها: حسناً قلت: إنه لا بعل لي، لأنه قد كان لك خمسة بعولة والذي هو لك الآن ليس هو زوجك، أما هذا فحقاً قلت، قالت: يا سيد! إني أرى أنك نبي، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون: إنه ياروشليم المكان الذي ينبغي أن يسجد فيه، قال: أيتها المرأة! آمني به، إنه ستأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في يروشليم يسجدون للأب، أنتم تسجدون لما لا تعلمون ونحن نسجد لما نعلم، لكن ستأتي ساعة وهي الآن لكيما الساجدون المحقون يسجدون بالروح والحق، والرب إنما يريد مثل هؤلاء الساجدين، والذين يسجدون له بالروح والحق ينبغي أن يسجدوا، قالت المرأة: قد علمت أن مَسيا الذي هو المسيح يأتي، فإذا جاء ذاك فهو يعلمنا كل شيء، فقال: أنا هو الذي أكلمك وفي هذا جاء تلاميذه وتعجبوا من كلامه مع امرأة ولم يقل أحد: ماذا تريد ولم تكلمها فتركت المرأة جرّتها ومضت إلى المدينة وقالت للناس: تعالوا انظروا رجلاً أعلمني كل ما فعلت، لعل هذا هو المسيح، فخرجوا من المدينة وأقبلوا نحوه؛ وفي هذا سأله تلاميذه قائلين: يا معلم! كل، فقال: إن لي طعاماً لا تعرفونه أنتم، فقالوا فيما بينهم: لعل إنساناً وافاه بشيء فطعمه، فقال: طعامي أنا أن أعمل مسرة من أرسلني وأتم عمله أليس أنتم تقولون: إن الحصاد يأتي بعد أربعة أشهر، وأنا قائل لكم: ارفعوا أعينكم وانظروا إلى الكور قد ابيضت وبلغت الحصاد، والذي يحصد يأخذ الأجرة ويجمع ثمار الحياة الدائمة، والزارع والحاصد يفرحان معاً، لأنه في هذا توجد كلمة الحق، إن واحداً يزرع وآخر يحصد، أنا أسألكم تحصدون شيئاً ليس أنتم تعبتم فيه بل آخرون تعبوا فيه وأنتم دخلتم على تعب أولئك؛ فآمن به في تلك المدينة سامريون كثيرون من أجل كلمة تلك المرأة، ولما صار إليه السامريون طلبوا إليه أن يقيم عندهم، فمكث عندهم يومين فآمن به كثير، وكانوا يقولون للمرأة: لسنا من أجل قولك نؤمن به لكنا قد سمعنا وعلمنا أن هذا هو المسيح بالحقيقة مخلص العالم. وبعد يومين خرج يسوع إلى الجليل ومضى من هناك، لأنه شهد أن النبي لا يكرم في مدينته، ولما صار إلى الجليل قبله الجليليون، لأنهم عاينوا كل ما عمل بايروشليم في العيد؛ ثم جاء يسوع حيث صنع الماء خمراً وكان في كفرناحوم عند الملك ابن مريض فسمع أن يسوع قد جاء من يهودا إلى الجليل، فمضى إليه وسأله أن ينزل ويبرىء ولده، لأنه قد كان قارب الموت، فقال له يسوع: إن لم تعاينوا الآيات الأعاجيب لا تؤمنون، فقال له الملك: انزل يا سيد قبل أن يموت فتاي، قال له يسوع: امض فابنك حي، فآمن الرجل بالكلمة التي قالها يسوع ومضى، وفيما هو ماض استقبله علمانه وبشروه بأن ابنه قد عاش، فسألهم: في أي وقت؟ فقالوا له: أمس في الساعة السابعة تركته الحمى، فعلم أبوه أنه في تلك الساعة التي قال له يسوع فيها: إن ابنك قد حيي، فآمن هو وبيته بأسره؛ وهذه أيضاً آية ثانية عملها يسوع لما جاء من يهودا إلى الجليل. قال مرقس: فأقبل إلى كفرناحوم وبقي يعلم في مجامعهم يوم السبت، فتعجبوا من تعليمه لأنه كان كالمسلط. قال متى: وكان يسوع يطوف في كل الجليل ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويبرىء كل برص ووجع في الشعب، فخرج خبره في جميع الشام فقدم إليه كل من به أصناف الأمراض والأوجاع المختلفة والذين بهم الشياطين والمعترين في رؤوس الأهلة والمخلعين فأبرأهم، وتبعه جموع كثيرة من الجليل والعشرة المدن ويروشليم واليهودية وعبر الأردن، فلما أبصر الجميع صعد إلى الجبل وجلس، وجاء إليه تلاميذه وفتح فاه يعلمهم قائلاً: طوبى للمساكين بالروح! فإن لهم ملكوت السماوات، طوبى للحزانى! فإنهم يعزون، طوبى للمتواضعين! فإنهم يرثون الأرض، طوبى للجياع والعطاش من أجل البر! فإنهم يشبعون، طوبى للرحماء! فإنهم يرحمون، طوبى للنقية قلوبهم! فإنهم يعاينون الله، طوبى لفاعلي السلامة! فإنهم بني الله يُدعون، طوبى للمطرودين من أجل البر! فإن لهم ملكوت السماوات طوبى لكم إذا طردوكم وعَيَّروكم وقالوا فيكم كل كلمة شر من أجلي؛ افرحوا وتهللوا، فإن أجركم عظيم في السماوات، لأن هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم. وقال لوقا: هكذا كان آباؤكم يصنعون بالأنبياء الويل لكم أيها الأغنياء! لأنكم قد أخذتم عزاكم، الويل لكم أيها الشباعى الآن! فإنكم ستجوعون؛ الويل لكم أيها الضاحكون الآن! فإنكم ستبكون وتحزنون، الويل لكم إذا قال الناس فيكم قولاً حسناً! لأن آباءهم كذلك فعلوا بالأنبياء الكذبة - يعني المتنبئين - وفيه من الألفاظ التي لا يجوز إطلاقها في شرعنا حمل الله والأب، وقوله: بني الله، وسيأتي إن شاء الله تعالى في آل عمران تأويل مثل هذا على تقدير صحته عنه وأنه يرد إلى المحكم على أوضح وجه مثل الألفاظ التي وردت في شرعنا ورددناها إلى المحكم، وضل بها من حملها على ظاهرها ممن يدعي الإسلام والله الموفق. ولما كان هذا حالهم مع الرسل مع أنسهم بهم ومعرفتهم بأحوالهم واتصالهم بالله وكمالهم علم أنهم في منابذتهم لهم عبيد الهوى وأسرى الشهوات، فتسبب عن ذلك الإنكار عليهم فقال: {أفكلما} أي أفعلتم ما فعلتم من نقض العهود مع مواترة الرسل ووجود الكتاب فكلما {جاءكم رسول} أي من عند الله ربكم {بما لا تهوى أنفسكم} من الهوى وهو نزوع النفس لسفل شهوتها في مقابلة معتلى الروح لمنبعث انبساطه، كأن النفس ثقيل الباطن بمنزلة الماء والتراب، والروح خفيف الباطن بمنزلة الهواء والنار، وكأن العقل متسع الباطن بمنزلة اتساع النور في كلية الكون علواً وسفلاً - قاله الحرالي: وقد دل على أن المراد الباطل بالتعبير بالهوى والنفس {استكبرتم} أي طلبتم الكبر وأوجدتموه بما لكم من الرئاسة على قومكم عن قبول الحق ميلاً إلى سنة إبليس مع إعطائكم العهد قبل ذلك على الدوام على اتباعه {ففريقاً} أي فتسبب عن طلبكم الكبر أنكم فريقاً {كذبتم} كعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام {وفريقاً تقتلون} أي قتلتم ولم تندموا على قتلهم بل عزمتم على مثل ذلك الفعل كلما جاءكم أحد منهم بما يخالف الهوى وهم لم يبعثوا إلا لصرف الأنفس عن الهوى لأن دعوة الرسول إلى الأعلى الذي هو ضد هوى النفس؛ والظاهر أنه سبحانه أشار بهذه الصيغة المستقبلة إلى قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم بالسم في خيبر كما أشار إليه الحديث الماضي آنفاً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} أي ميثاقكم. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل...} الآية. قال: أخذ مواثيقهم أن يخلصوا له وأن لا يعبدوا غيره. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} قال: ميثاق أخذه الله على بني إسرائيل فاسمعوا على ما أخذ ميثاق القوم {لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً...} الآية. وأخرج عبد بن حميد عن عيسى بن عمر قال: قال الأعمش: نحن نقرأ {لا يعبدون إلا الله} بالياء لأنا نقرأ آخر الآية {ثم تولوا} عنه وأنتم تقرأون {ثم توليتم} فاقرأوها لا تعبدون. وأخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله {وقولوا للناس حسناً} قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أمرهم أن يأمروا بلا إله إلا الله من لم يقلها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وقولوا للناس حسناً} قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن علي بن أبي طالب في قوله {وقولوا للناس حسناً} قال: يعني الناس كلهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء وأبي جعفر في قوله {وقولوا للناس حسناً} قالا: للناس كلهم. وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر عن عبد الملك بن سليمان أن زيد بن ثابت كان يقرأ {وقولوا للناس حسناً} وكان ابن مسعود يقرأ {وقولوا للناس حسناً} . وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ثم توليتم} أي تركتم ذلك كله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ثم توليتم} قال: أعرضتم عن طاعتي {إلا قليلاً منكم} وهم الذين اخترتهم لطاعتي.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل} فى التوراة والميثاق العهد الشديد وهو على وجهين عهد خلقة وفطرة وعهد نبوة ورسالة واذ نصب باضمار فعل خوطب به النبى عليه السلام والمؤمنون ليؤديهم التأمل فى احوالهم الى قطع الطمع عن ايمان اخلافهم لان قبائح اسلافهم مما تؤدى الى عدم ايمانهم ولا يلد الحية الا الحية ومن ههنا قيل اذا طاب اصل المرء طابت فروعه او اليهود الموجودون فى عصر النبوة توبيخا لهم بسوء صنيع اسلافهم اى اذكروا اذ اخذنا ميثاقهم بان {لا تعبدون الا الله} اى ان لا تعبدوا فلما اسقط ان رفع تعبدون لزوال الناصب او على ان يكون اخبارا فى معنى النهى كما تقول تذهب الى فلان تقول له كذا تريد به الامر اى اذهب وهو ابلغ من صريح الامر والنهى لما فيه من ايهام ان المنهى حقه ان يسارع الى الانتهاء عما نهى عنه فكأنه انتهى عنه فيخبر به الناهى اى لا توحدوا الا الله ولا تجعلوا الالوهية الا لله وقيل انه جواب قسم دل عليه المعنى كأنه قيل واحلفناهم وقلنا بالله لا تعبدون الا الله {وبالوالدين احسانا} اى وتحسنون احسانا على لفظ تعبدون لانه اخبار او واحسنوا على معناه لانه انشاء اى برا كثيرا وعطفا عليهما ونزولا عند امرهما فيما لا يخالف امر الله {وذى القربى} اى وتحسنون الى ذى القرابة ايضا مصدر كالحسنى {واليتامى} جمع يتيم وهو الصغير الذى مات ابوه قبل البلوغ ومن الحيوانات الصغير الذى ماتت امه والاحسان بهم بحسن التربية وحفظ حقوقهم عن الضياع {والمساكين} بحسن القول وايصال الصدقة اليهم جمع مسكين من السكون كأن الفقر اسكنه عن الحراك اى الحركة واثقله عن التقلب {و} قلنا {قولوا للناس} قولا {حسنا} سماه حسنا مبالغة لفرط حسنه امر بالاحسان بالمال فى حق اقوام مخصوصين وهم الوالدان والاقرباء واليتامى والمساكين ولما كان المال لا يسع الكل امر بمعاملة الناس كلهم بالقول الجميل الذى لا يعجز عنه العاقل يعنى وألينوا لهم القول بحسن المعاشرة وحسن الخلق وائمروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر اى وقولوا للناس صدقا وحقا فى شأن محمد عليه السلام فمن سألكم عنه فاصدقوه وبينوا صفته ولا تكتموا امره {واقيموا الصلوة وآتوا الزكوة} كما فرضا عليهم فى شريعتهم ذكرهما تنصيصا مع دخولهما فى العبادة المذكورة تعميما وتخصيصا تلخيصه اخذنا عهدكم يا بنى اسرائيل بجميع المذكور فقبلتم واقبلتم عليه {ثم توليتم} على طريقة الالتفات اي اعرضتم عن المضى على مقتضى الميثاق ورفضتموه {الا قليلا منكم} وهم من الاسلاف من اقام اليهودية على وجهها ومن الاخلاف من اسلم كعبدالله بن سلام واضرابه {وانتم معرضون} جملة تذييلية اى وانتم قوم عادتكم الاعراض عن الطاعة ومراعاة حقوق الميثاق وليس الواو للحال لاتحاد التولى والاعراض فالجملة اعتراض للتأكيد فى التوبيخ واصل الاعراض الذهاب عن المواجهة والاقبال الى جانب العرض. واعلم ان فى الآية عدة اشياء. منها العبادة فمن شرط العبودية تفرد العبد لعبادة المعبود وتجرده عن كل مقصود فمن لا حظ خلقا او استحلى ثناء او استجلب بطاعته الى نفسه حظا من حظوظ الدنيا والآخرة او داخله بوجه من الوجوه مزج او شوب فهو ساقط عن مرتبة الاخلاص برؤية نفسه شعر : حجاب راه توبي حافظ از ميان برخيز خوشا كسى كه ازين راه بى حجاب رود تفسير : ومنها الاحسان الى الوالدين وقد عظم الله حق الوالدين حيث قرن حقه بحقهما فى آيات من القرآن لان النشأة الاولى من عند الله والنشأة الثانية وهى التربية من جهة الوالدين ويقال ثلاث آيات انزلت مقرونة بثلاث آيات ولا تقبل احديها بغير قرينتها احديها قوله تعالى {أية : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} تفسير : [النور: 54]. والثانية {أية : أن اشكر لى ولوالديك} تفسير : [لقمان: 14]. والثالثة {أية : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} تفسير : [النور: 56]. والاحسان الى الوالدين معاشرتهما بالمعروف والتواضع لهما والامتثال الى امرهما وصلة اهل ودّهما والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما: قال السعدى شعر : سالها برتو بكذردكه كذر نكنى سوى تربت بدرت توبجاى بدرجه كردى خير تاهمان جشم دارى ازبسرت تفسير : وفى التأويلات النجمية ان فى قوله {وبالوالدين إحسانا} [البقرة: 83]. اشارة الى ان اعز الخلق على الولد والداه لاجل انهما سببا وجوده فى الظاهر ولكن ينبغى ان يحسن اليهما بعد خروجه من عهدة عبودية ربه اذ هو موجد وجوده ووجود والديه فى الحقيقة ولا يختار على اداء عبوديته احسان والديه فكيف الالتفات لغيرهما. ومنها البر الى اليتامى شعر : برحمت بكن آبش از ديده باك بشفقت بيفشانش ازجهره خاك تفسير : وفى الحديث "حديث : ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فلا يقرب قصعتهم الشيطان ". تفسير : وفى الحديث ايضا "حديث : من ضم يتيما من بين مسلمين الى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله عز وجل غفرت له ذنوبه البتة الا ان يعمل عملا لا يغفر ومن اذهب الله كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه" قالوا وما كريمتاه قال "عيناه ومن كان له ثلاث بنات او ثلاث اخوات فانفق عليهن واحسن اليهن حتى يكبرون او يمتن غفرت له ذنوبه البتة الا ان يعمل عملا لا يغفر" فناداه رجل من الاعراب ممن هاجر فقال يا رسول الله او اثنتان فقال صلى الله عليه وسلم "او اثنتان ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : كافل اليتيم انا وهو كهاتين فى الجنة" واشار بالسبابة والوسطىتفسير : والسبابة من الاصابع هى التى تلى الابهام وكانت فى الجاهلية تدعى بالسبابة لانهم كانوا يسبون بها فلما جاء الله بالاسلام كرهوا هذا الاسم فسموها بالمشيرة لانهم كانوا يشيرون بها الى الله بالتوحيد والمشيرة من اصابع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كانت اطول من الوسطى ثم الوسطى اقصر منها ثم البنصر اقصر من الوسطى فقوله عليه السلام "حديث : انا وهو كهاتين فى الجنة" تفسير : وقوله فى الحديث الآخر "حديث : احشر انا وابو بكر وعمر يوم القيامة هكذا ". تفسير : واشار باصابعه الثلاث فانما اراد ذكر المنازل والاشراف على الخلق فقال نحشر هكذا ونحن مشرفون وكذلك كافل اليتيم يكون له منزلة رفيعة فمن لم يعرف شأن اصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل تأويل الحديث على الانضمام واقتراب بعضهم من بعض فى محل القربة وهذا معنى بعيد لان منازل الرسل والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة ومنازل مختلفة كذا فى تفسير القرطبى. ومنها البر الى المساكين وهم الذين اسكنتهم الحاجة وذللتهم وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمواساة وتفقد احوال المساكين والضعفاء وفى الحديث "حديث : الساعى على الارملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله" تفسير : وكان طاووس يرى السعى على الأخوات افضل من الجهاد فى سبيل الله شعر : نخواهى كه باشى براكنده دل براكندكانرا ز خاطر مهل بريشان كن امروز كنجينه جست كه فردا كليدش نه دردست تست تفسير : ومنها القول الحسن ولما خرج الطالب من عهدة حق العبودية وعمت رحمته وشفقته الوالدين وغيرهما لزم له ان يقول للناس حسنا يأمرهم بالمعروف ويناههم عن المنكر ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة الى الله ويهديهم الى طريق الحق ويخالقهم بحسن الخلق وان يكون قوله لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر والسنى والمبتدع من غير مداهنة ومن غير ان يتكلم معه بكلام يظن انه يرضى مذهبه لان الله تعالى قال لموسى وهارون عليهما السلام {أية : فقولا له قولا لينا} تفسير : [طه: 44]. فليس بافضل من موسى وهارون والفاجر ليس باخس من فرعون وقد امرهما الله باللين معه فدخل فى هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفى: قال الحافظ شعر : آسايش دوكيتى تفسير اين دو حرفست بادوستان تلطف با دشمنان مدارا تفسير : وقال السعدى شعر : درشتى نكيرد خردمند بيش نه سستى كه ناقص كند قدر خويش
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {لا تعبدون}: خبر في معنى النهي، كقوله تعالى:{أية : وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ}تفسير : [البَقَرَة: 282]، وهو أبلغ من صريح النهي، لما فيه من إيهام أو المنهي سارع إلى الانتهاء، وقيل: حُذفت "أن"، وارتفع المضارع، وهو على حذف القول، أي: وقلنا لهم: لا تعبدون، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالغيب. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكروا إذ أخذنا الميثاق على بني إسرائيل وقلنا لهم: لا يتصوّر منكم شرك معي ولا ميل إلى غيري، فلا تعبدوا إلا إياي، وأحسنوا {بالوالدين} إحساناً كاملاً، وأحسنوا {وذي الْقُرْبَى} نسباً وديناً، وأحسنوا باليتامى {وَالْمَسَاكِينِ}، بالمواساة والملاطفة، {وَقُولُوا لِلنَّاسِ} قولاً {حُسْناً} أو ذا حسن، وهو ما لا لغو فيه، ولا تأثيم بل ما فيه نصح وإرشاد، {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} بإتقان شروطها وكمال آدابها، وأدوا {الزَّكَاةَ} لمستحقها، {ثُمَّ} بعد ذلك {تَوَلَّيْتُمْ}، وأعرضتم {إلاَّ قَلِيلاً} ممن أسلم {مِّنكُمْ وَأَنتُم مُعْرِضُونَ} عن الحقّ ظهوره. ذكر الحق تعالى في هذا العهد أربعة أعمال: عمل خاص بالقلب، وهو التوحيد، وعمل خاص بالبدن، وهو الصلاة، وعمل خاص بالمال، وهو الزكاة، وعمل عام وهو الإحسان، ورتَّبها باعتبار الأهم فالأهم، فقدّم الوالدين لتأكيد حقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلّة حيلتهم، ثم المساكين لضعفهم، والله تعالى أعلم. الإشارة: كل عهد أخذ على بني إسرائيل يؤخذ مثله على الأمة المحمدية، وهذا حكمة ذكر قصصهم لنا، وسرد مساؤئهم علينا؛ لنتحرز من الوقوع فيما وقعوا فيه، فنهلك كما هلكوا، وكل عهد أخذ على العموم باعتبار الظاهر يؤخذ مثله على الخصوص باعتبار الباطن، فقد أخذ الحق سبحانه العهد على المتوجهين إليه ألا تتوجه همتهم إلا إليه، ولا يعتمدون بقلوبهم إلا عليه، وأن يتخلقوا بالإحسان، مع الأقارب والأجانب وكافة الإخوان، وخصوصاً الوالدين من قِبل البشرية أو الروحانية، وهم أهل التربية النبوية، فحقوق أب الروحانية تُقدم على أب البشرية، لأن أب البشرية كان سبباً في خروجه إلى دار الفناء والهوان، وأب الروحانية كان سبباً في دخوله إلى رَوْحٍ وريحان. وأخذ العهد على المتوجهين أن يكلموا الناس بالملاطفة والإحسان، ويرشدوهم إلى الكريم المنان، ويقيموا الصلاة بالجوارح والقلوب، ويؤدوا زكاة نفوسهم بتطهيرها من العيوب، فمن تولّى بعد ذلك فأولئك الفاسقون، وعن دائرة الولاية خارجون.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: "لا يعبدون" بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ "حسناً" بنصب الحاء والسين حمزة والكسائي الباقون {حسناً} بضم الحاء وإسكان السين وتقدير الآية: واذكروا ايضاً يا معشر بني اسرائيل اذ أخذنا ميثاقكم لا تعبدون إلا الله، فلما اسقطت ان، رفع. كما قال الشاعر: شعر : ألا ايهذا اللائمي اشهد الوغى وان اشهد اللذات هل انت مخلدي تفسير : ومثله قوله: {أفغير الله تأمروني أعبد}. ومن قرأ بالياء، تقديره انه اخبر انه تعالى أخذ ميثاقهم، لا يعبدون إلا الله، وبالوالدين احساناً، ثم عدل إلى خطابهم فقال: {وقولوا للناس حسناً}. والعرب تفعل ذلك كثيراً. وانما استخاروا ان يصيروا إلى المخاطبة بعد الخبر، لأن الخبر انما كان عمن خاطبوه بعينه، لاعن غيره. وقد يخاطبون، ثم يصيرون بعد ذلك إلى الخبر عن المخاطب. مثال الاول قول الشاعر: شعر : شطت مزار العاشقين فاصبحت عسراً علي طلابك ابنة مخزم تفسير : مزار نصب. والتاء من اصبحت كناية عن المرأة فأخبر عنها ثم خاطبها. ومثال الثاني قول الشاعر: شعر : اسيئي بنا أو احسني لا ملومة لدنيا ولا مقلية ان تقلت تفسير : وقال زهير: شعر : فاني لو إلاقيك اجتهدنا وكان لكل منكره كفاء وابري موضحات الرأس منه وقد يبرى من الجرب الهناء تفسير : ومن قرأ بالتاء فان الكلام من أوله خطاب. وتقديره: واذ اخذنا ميثاق بني اسرائيل، قلنا لا تعبدوا الا الله. قال بعض النحويين: المعنى واذ أخذنا ميثاق بني اسرائيل لا تعبدون الا الله، وبالوالدين احسانا، حكاية، كأنه قال استحلفناهم لا يعبدون إلا الله، اذ قلنا لهم: والله لو قالوا والله لا تعبدون. والاول اجود. وقوله تعالى: {وبالوالدين إحساناً} عطف على موضع أن المحذوفة في {تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً} فرفع لا تعبدون، لما حذفت أن، ثم عطف بالوالدين على موضعها: كما قال الشاعر: شعر : معاوي اننا بشر فاسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا تفسير : فعطف ولا الحديد على موضع الجبال. واما الاحسان فمنصوب بفعل مضمر يؤدي عن معناه، قوله {وبالوالدين} اذ كان مفهوما معناه. وتقدير الكلام واذ اخذنا ميثاق بني اسرائيل بان لا تعبدوا إلا الله وان تحسنوا إلى الوالدين احسانا. فاكتفى بقوله: {وبالوالدين} عن ان يقول بان تحسنوا إلى الوالدين احسانا، اذ كان مفهوما بما ظهر من الكلام. وقال بعض اهل العربية: تقديره وبالوالدين فاحسنوا، فجعل الياء التي في الوالدين من صلة الاحسان مقدمة عليه. وقال آخرون: الا تعبدوا إلا الله واحسنوا بالوالدين احسانا، فزعموا ان الباء في وبالوالدين من صلة المحذوف. اعني من احسنوا. فجعلوا ذلك من كلامين والاحسان الذي اخذ عليهم الميثاق بان يفعلوه إلى الوالدين ما فرض على امتثالهما من فعل المعروف، والقول الجميل، وخفض جناح الذل رحمة بهما، والتحنن عليهما، والرأفة بهما، والدعاء لهما بالخير، وما اشبهه مما ندب الله تعالى إلى الفعل بهما. وقوله: {وذي القربي} أي وبذي القربى ان تصلوا قرابة منهم، ورحمة. اللغة: والقربى مصدر على وزن فعلى من قولك: قرب مني رحم فلان قرابة، وقربى وقربا بمعنى واحد. واليتامى جمع يتيم: مثل اسير واسارى. ويدخل في اليتامى الذكور منهم والاناث المعنى: ومعنى ذلك: اخذنا ميثاق بني اسرائيل بان لا تعبدوا إلا الله وحده، دون ما سواه من الانداد، وبالوالدين احسانا وبذي القربى ان يصلوا رحمه، ويعرفوا حقه. وباليتامى ان يتعطفوا عليهم بالرأفة، والرحمة، وبالمساكين أن يوفوهم حقوقهم التي ألزمها الله في اموالهم. والمسكين هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة وهو مفعيل من المسكنة وهي ذل الحاجة والفاقة. وقوله: {وقولوا للناس حسناً} فيه عدول إلى الخطاب بعد الخبر على ما مضى القول فيه. وقد ذكرنا اختلاف القراء في حَسنا وحُسنا. واختلف اهل اللغة في الفرق بينهما فقال بعض البصريين هو على احد وجهين: أحدهما ـ أن يكون أراد بالحُسن الحَسن. ويكون لمعنيين مثل البُخل والبَخل واما ان يكون جعل الحَسن هو الحُسن في التشبيه، لأن الحْسن مصدر والحسن هو الشيء الحسن، فيكون ذلك: كقول القائل: انما انت أكل وشرب قال الشاعر: شعر : وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : فجعل التحية ضربا وقال آخر: بل الحسن هو الاسم العام الجامع جميع معاني الحسن، والحسن هو البعض من معاني الحَسن، ولذلك قال تعالى اذ وصى بالوالدين {أية : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } تفسير : يعني بذلك انه وصاه بجميع معاني الحسن: وقرىء في الشواذ: حسنى. لا يقرء بها لشذوذها حكاها الاخفش. وذلك لا يجوز لأن فعلى، وافعل لا يستعمل إلا بالالف واللام. نحو الاحسن والحسنى والافضل والفضلى قال الله تعالى: {أية : للذين أحسنوا الحسنى }تفسير : وروي عن أبي جعفر محمد ابن علي الباقر "ع" وعن عطا انهما قالا: وقولوا للناس حسنا للناس كلهم. وعن الربيع بن انس قولوا للناس حسنا: أي معروفا. وعن ابن الحنفية انه قال: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} هي مسجلة للبر والفاجر. يريد بمسجلها انها مرسلة. ومنهم من قال: امروا بان يقولوا لبنى اسرائيل حسنا. قال ابن عباس يأمرون بألاّ اله الا الله، من لم يقبلها ويرغب عنها حتى يقولها: كما قالوها. فان ذلك قربة لهم من الله قال: والحسن ايضاً من لين القول ـ من الادب الحسن الجميل ـ والخلق الكريم وهو مما ارتضاه الله تعالى واحبه. وقال ابن جريج: قولوا للناس حسنا: أي صدقا في شأن محمد "صلى الله عليه وسلم" وقال سفيان الثوري: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر وقوله: {وأقيموا الصلاة} ادوها بحدودها الواجبة عليكم. {وآتوا الزكاة} معناه واعطوها اهلها كما اوجبها عليكم. والزكوة: التي فرضها الله على بنى اسرائيل. قال ابن عباس: كان فرض في اموالهم قربانا تهبط اليه نار فتحملها. وكان ذلك تقبله. ومن لم تفعل النار به ذلك، كان غير متقبل. وروي عنه أيضاً ان المعني به طاعة الله والاخلاص. وقوله: {ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} خبر من الله تعالى عن يهود بني اسرائيل انهم نكثوا عهده، ونقضوا ميثاقه بعد ما اخذ ميثاقهم على الوفاء له، بان لا يعبدوا غيره، وبان يحسنوا إلى الآباء والامهات، ويصلوا الارحام، ويتعطفوا على الايتام، ويردوا حقوق المساكين، ويأمروا عباد الله بما امرهم به، ويقيموا الصلاة بحدودها، ويؤتوا زكاة اموالهم، فخالفوا امره في ذلك كله، وتولوا عنه معرضين إلا من عصمه الله منهم، فوفى لله بعهده، وميثاقه. ووصف هؤلاء بأنهم قليل بالاضافة إلى من لم يؤمن. وقال بعضهم: أراد {ثم توليتم إلا قليلا منكم، وأنتم معرضون}: اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وعنى بسائر الآية اسلافهم، كأنه ذهب إلى ان معنى الكلام: ثم توليتم إلا قليلاً منكم ثم تولى سلفكم إلا قليلا منهم، ثم قال: وانتم معاشر بقاياهم معرضون ايضاً عن الميثاق الذي اخذ عليكم. وقال قوم: يلى قوله: {ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون} خطاب لمن كان بين ظهراني مهاجري رسول الله "صلى الله عليه وسلم" من يهود بنى اسرائيل، وذم لهم بنقضهم الميثاق، الذي اخذ عليهم في التوراة، وتبديلهم امر الله وركوبهم معاصيه. وروي عن ابن عباس انه قال: قوله {وقولوا للناس حسناً} نسخ بقوله: قاتلوهم حتى يقولوا لا إله إلا الله أو يقروا بالجزية. وقال آخرون: ليست منسوخة لكن امروا بأن يقولوا حسناً في الاحتجاج عليهم، اذا دعوا إلى الايمان، وبين ذلك لهم. وقال قتادة نسختها آية السيف. والصحيح انها ليست منسوخة، وانما امر، الله تعال بالقول الحسن في الدعاء اليه والاحتجاج عليه، كما قال تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) {أية : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن }تفسير : وبيّن في آية اخرى، فقال: {أية : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم} تفسير : وليس الامر بالقتال ناسخاً لذلك، لأن كل واحد منهما ثابت في موضعه
الأعقم
تفسير : {وقولوا للناس حسناً} قيل: هو عام في جميع الأفعال، وقيل: في بيان صفة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم} على طريق الالتفات أي توليتم عن الميثاق ورفضتموه. {إلا قليلاً منكم} هم الذين أسلموا منهم. وأنتم معرضون وأنتم قوم عادتكم الاعراض عن المواثيق والتولية. {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} معناه لا يسفك بعضكم دم بعض، وقيل: اذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه. {ولا تخرجون أنفسكم} لا يفعل ذلك بعضكم ببعض. {ثم أقررتم} بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه. {وأنتم تشهدون} عليها كقوله: فلان مقر على نفسه بكذا. {ثم انتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} قيل: ان الله عزّ وجلّ أخذ على اليهود عهوداً منها ترك القتال، وترك الاخراج وترك المظاهرة، فأعرضوا عن كل ما أمر الله به إلا الفداء وهو قوله تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب} اي بالفداءِ. {وتكفرون ببعض} اي بالقتل والإِجلاء وذلك ان بني قريظة كانوا حُلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، وكان كل فريق يقاتل مع حلفائه فإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم واذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فعيرتهم العرب وقالت: كيف تقاتلونهم: ثم تفدونهم؟! فيقولون: أُمِرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحيي أن نذل حلفاءنا. {فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا} والخزي هو قتل بني قريظة وأسرهم واجلاء بني النضير، وقيل: الجزية وانما رد من فعل ذلك منهم. {إلى أشد العذاب} لأن عصيانه أشد. {وما الله بغافل عما تعملون} قرِئ بالياء والتاء. {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب} يعني عذاب الدنيا بنقصان الجزية ولا ينصرهم احدٌ بالدفع، وكذلك عذاب الآخرة. {ولقد آتينا موسى الكتاب وقفيّنا من بعده بالرسل} يعني اتبعنا على اثره الكثير من الرسل يعني رسولاً بعد رسولٍ. {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} المعجزات الواضحات والحجج كاحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. {وأيدناه بروح القدس} قيل: يعني روحه وصفها بالطهارة، وقيل: الاسم الأعظم الذي كان يحي به الموتى عن ابن عباس، وقيل: بجبريل، وقيل: بالانجيل. {أفكلما جاءكم رسول} بالحق. {أستكبرتم} عن الإيمان {ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون} {وقالوا قلوبنا غلف} يعني مغطاة عما جاء به محمد (عليه السلام). {فقليلاً ما يؤمنون} يعني إيماناً قليلاً يؤمنون ويجوز أن يكون القلة بمعنى العدم.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَائيلَ}: حين رفع فوقهم الطور ليقبلوا التوراة ويعملوا بما فيها، فقبلوا على أن يعملوا فهذا ميثاقهم، أو حين طلبوا موسى أن يأتيهم بالكتاب الذى وعدهم ليعملوا به، وهو التوراة أو الميثاق هو إلزامه إياهم التكاليف التى فى التوراة سماه ميثاقاً لأنه عاهد إليهم أن يعملوا بها. {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاّ الله} جواب للقسم، لأن أخذ الميثاق تحليف، لأن المعنى وإذا حلفناهم لا تعبدون إلا الله، كقولك حلفت عمراً ألا يقوم، وذلك قول سيبويه بالقسم أخذ الميثاق، ويجوز كون ذلك جواباً للميثاق أى أخذنا حلفهم لا يعبدون إلا الله كقولك: أعجبنى حلف زيد ليقومن، وإن قلت: فهل حلفهم أو حلفوا؟ قلت: اللازم الشئ بشدة تحليف والتزامه بها حلف، ولا نافية، ويجوز كون لا تعبدون إلا الله مقولا لحال محذوفة، أى وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل قائلين لا تعبدون إلا الله، أو مقولا لمعطوف حذف مع العاطف أى وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل، وقلنا لا تعبدون إلا الله، وجاز حذف العاطف معه، كما جاز حذف القول مع فاء الجزاء، وعلى كون لا تعبدون إلا الله ومقولا لقول محذوف على الوجهين تكون لا نافية لفظاً ناهية معنى، ونكتة الإتيان بما لقطه خبر ومعناه نهى التلويح إلى أن هذا الميثاق مما يهتم بالوفاء به، لو لمسارعة فى أدائه فأتى بصيغة الخبر كأن عبادة غير الله المنهى عنها منتفية، فهو يخبر بأنها لا تقع، وهذا كما تعبر عن طلب ما ترغب فيه بصيغة وقوعه، تقول: رحم الله الشيخ يوسف بن إبراهيم والشيخ عامر ومشايخ الديوان وأصحابنا، نزيد اللهم ارحمهم، ويدل على كون المعنى نهياً قراءة ابن مسعود وأبى بن كعب، لا تعبدوا بحذف النون، ويدل عليه أيضاً عطف الأمر عليه، وهو قوله عز وعلا: {وقولوا للناس حسناً} ويجوز أن تكون لا نافية لفظاً ومعنى والناصب مقدر لما حذف ارتفع الفعل، كقول طرفة بن العبد: شعر : ألا أيهذا الزجرى أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلد تفسير : أى ألا أيها الذى يزجرنى عن أن أحضر أنا الحرب فحذف عن وأن ارتفع أحضر، ويدل لذلك لفظ الزجر وقوله أن أشهد، فالتقدير: {وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل على أن تعبدوا} فحذف الجار وأن وهو متعلق بأخذنا أو ميثاق، أو يجوز تقدير أن بدون على فيكون مصدر تعبد بدلا مطابقاً أو بياناً من ميثاق ويدل على انتصاب الفعل بمحذوف قراءة عبدالله بن مسعود ألا تعبدوا بذكر أن، ولو أدغم نونها فى اللام وبنى اسم ظاهر، والاسم الظاهر من قبيل الغيبة وتعبدون خطاب جئ به كما نزل فى التوراة، وخوطبوا فيها فذلك على طريق الالتفات من الغيبة للخطاب، وذلك قراءة نافع وابن عامر وأبى عمرو وعاصم ويعقوب، وقرأ غيرهم: (لا يعبدون) بالمثناة التحتية. {وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَاناً}: بالوالدين متعلق بمحذوف، وإحساناً مفعول مطلق لذلك المحذوف، ولو كان مصدراً مؤكداً لأن الصحيح جواز حذف عامل المصدر المؤكد، ولو اشتهر منعه أو ندوره، ولو علقنا بالوالدين بقوله إحساناً لكان غير مؤكد، وجاز تقديمه لأنه لا ينحل المصدر إلى فعل وحرف مصدر هنا على تقدير المحذوف، لكن إذا علق به كان نائباً عن الفعل المحذوف وذلك فى الإخبار قليل، وإن قدرنا المحذوف أمراً لفظاً ومعنى أو معنى فقط كان إحساناً نائياً عنه وعلقنا به الباء، وكان غير مؤكد، وكبقية تقدير ذلك المحذوف تحسنون أو أحسنوا لا تعبدون، فإن قلنا خير لفظ ومعنى فالتقدير تحسنون كذلك، لكن إن قدرنا أن مع لا تعبدون جاز تقدير تحسنون بثبوت النون وبحذفها، وتحسنوا وتقدير وأن تحسنوا كما قال وأن أشهد اللذات بعد رفع أحضر، وإن قلنا خبر لفظاً نهى معنى جاز تقدير تحسنون بلفظ الخبر، ومعنى الأمر جاز تقدير ألستوا بصيغة الأمر، ويتعين تقدير أحسنوا بصيغة الأمر عند من قرأ لا تعبدوا، وعند من قرأ ألا تعبدوا، وقدم عبادة الله عز وجل، لأن النعم كلها منه، ولو جرى ما جرى على يد مخلوق فشكره مقدم، وذكر بعد ذلك بر الوالدين لأن موجده بعد العدم، ولو كان هو الله لا غيره لكنهما سبب فى وجوده، وإنما قد ربَّياه وحق الأم أعظم كما بينته فى شرح النيل، واختلف أبو خرز وأبو القاسم فقال: الأب أعظم لأنه المأخوذ بحقوقه، وقال أبو القاسم: الأم أعظم لأنها أعظم مؤنة، والإحسان إلى الوالدين هو طاعتهما فى غير معصية والرغبة فى نفعهما وتعليم أمر الدين لهما وأمرهما ونهيهما بلطف. {وَذى الْقُرْبَى}: عطف على الوالدين، أى وتحسنون إحساناً بالوالدين وذى القربى، وإنما أتى بالقريب بعد الوالدين لأن حقه تابع لهما لحقهما، والقرابة تحصل بالوالدين، فإنما توجد بهما، والمولى كالقريب لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الولاء لحمة كلحمة النسب" تفسير : ولا يلزم وصله ما لم يحتج، وقيل: يلزم كسائر الأرحام للحديث، وكذا اختلف فى قرابة الرضاع والقربى مصدر مؤنث بمعنى القرابة. {وَالْيَتَامَى}: جمع يتيم كنديم وندامى وذلك قليل، واليتيم من بنى آدم والجن من مات أبوه قبل بلوغه، وتسميته بعد البلوغ يتيماً مجاز، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يتم بعد البلوغ" تفسير : واليتيم من البهائم من فقدت أمه عنه حيث لا تنفعه، ولو كانت حية إن كان يرضع، فإن فقدت بعد فطامه فليس بيتيم، وقيل لا يسمى يتيماً إلا إن ماتت، وذكر اليتامى بعد ذى القربى لشدة حاجتهم، فإنهم محتاجون لصغرهم ويتمهم، وخلوهم عمن يقوم بمصالحهم فإنهم لا يقومون بنفسهم فقدمهم على المساكين، فإن المساكين قد يقومون بأنفسهم وينفعون غيرهم بالخدمة واليتامى يقل فيهم ذلك. {وَالْمَسَاكِينِ}: جمع مسكين، ومسكين جمع كمفعيل من السكون كالفقر أسكنه، وإنما جمع اليتيم والمسكين دون القريب مراعاة للقربى، فإنه مفرد فكان إفراد ما أضيف إليه أولى من أن يقال وذوى القربى، ولكن المراد الجنس فكأنه قيل وذى القربى. {وَقُولُوا للنَّاسِ حُسْناً}: بضم الحاء وإسكان السين، أى كلاماً ذا حسن، فحسناً مفعول به بمعنى اذكروا للناس كلاما ذا حُسن، ويجوز أن يكون مفعولا مطلقاً، أى تولا ذا حسن، ويجوز تقدير القول بمعنى المقول، فيكون أيضاً مفعولا به، ويجوز ألا يقدر مضاف، ولكن بولغ فى حسن القول أو الكلام حتى كأنه نفس الحسن، كقولك زيد صوم عدل علم، ويجوز تأويله بحسن يفتح الحاء والسين الذى هو وصف، وقد قرأ حمزة والكسائى ويعقوب حسناً بفتح الحاء والسين، ونقول إنه وصف كما قال الزجاج: ويحتمل أن يكون مصدراً، وبه قال الأخفش كحسن بضم فإسكان. وقرأ بعض: حسناً بضم الحاء والسين جميعاً وهو لغة الحجاز، فإن حسناً بفتحهما يكون وصفاً ومصدراً، كما يقال على المصدرية رشد بضم فإسكان، ورشد بفتحتين وكل ذلك مصدر، وقرأ حسناء كحمراء، وحسنى كفضلى، فيحتمل أن الوصف أى قوله أو كلمة حسناء وحسناء والمصدر كبشرى ورجعى، وإن قلت: ما القول الحسن؟ قلت: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بلين فى محل يصلح فيه اللين، وبغلظه حيث تصلح الغلظة، وتعليم الناس ما نزل فى التوراة ومكارم الأخلاق، والتكلم فى المعاشرة وملاقاة الناس بما لا يضرهم ولا ينفرهم عند الحاجة إلى التكلم، وذلك خطاب لليهود فى زمان موسى، ويكون من بعدهم فى حكمهم، أو لكل من يصلح للخطاب فى زمانه أو بعده، وذلك خطاب فى التوراة، ولا يبعد أن يكون: {قولوا للناس حسناً} مع ما قبله وما بعده خطاباً لليهود فى زمان سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخذ الميثاق عليهم تكليفهم بما فى التوراة من عبادة الله وحده، وما ذكر بعدها وعلى هذا يكون الحسن ما تقدم ذكره، فهو شامل للإيمان بسيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والإخبار بصفاته كما هى بلا تغيير، وقال محمد بن على بن الحسين بن أبى طالب، قولوا لهم إن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى عن ابن عباس وابن جريج أن المعنى: قولوا حقاً وصدقاً فى شأن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمن ساءلكم عنه فاصدقوه وبينوا صحته ولا تكتموه، وفى رواية عنه: قولوا للناس لا إله إلا الله، ومروهم به ولعله مثل بذلك تمثيلا، وقال سفيان الثورى: معناه مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. وقال أبو العالية: قولوا لهم الطيبات من القول وحاوروهم بأحسن ما تحبون أن تحاوروا به، وهذا حض على مكارم الأخلاق قال عطاء: قولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم، قال ابن جريج: قلت لعطاء إن مجلسك هذا يحضره البار والفاجر أفتأمرنى أن أغلظ فيه على الفاجر؟ فقال: لا ألم تستمع إلى قوله تعالى: {قولوا للناس حسناً} وليس المراد تليين القول للفاسق وإكرامه بالقول بلا ضرورة، فإن ذلك تهوين للدين ومداهنة فيه، واختيار للدنيا على الدين، إلا أن فعل ليجره للإسلام وتوهم بعض أن الآية خطاب لأمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فزعم أنها فى ترك القتال ونسخت بآية السيف. {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ}: المفروضة عليكم. {وَآتوا الزَّكَاةَ}: هى ما فرض عليهم من زكاة، وقيل هى ما يضعونه للنار التى تنزل فتأكل ما تقبل دون ما لم يتقبل وهذا القول أعم {ثُمّ توَلَّيتم}: جار على أسلوب الالتفات فى قوله لا تعبدون بالمثناة الفوقية، وأما قراءة لا يعبدون بالتحتية ففى توليتم عليها التفات بالنظر إلى قوله بنى إسرائيل الغيبة إلى الخطاب، ويجوز أن يكون الخطاب فى توليتم لمن فى عهد سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودخل فيه من قبلهم تغليباً للحاضر على الغائب ومعنى توليتم أعرضتم عما أخذ منكم من الميثاق، فصرتم تعبدون غير الله، ولا تحسنون بالوالدين ولا بذى القربى والمساكين واليتامى، ولا تقولون للناس حسنا، ولا تقيمون الصلاة ولا تؤتون الزكاة، وروى عن ابن عباس أن الخطاب لمن فى عصره ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسند إليهم تولى أسلافهم لأنهم كلهم بتلك السبيل. {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُم}: لم يتول وهم من عمل بما فى التوراة قبل بعثته ـ صلى الله عليه وسلم، وبما لم ينسخ منها بعد البعثة وآمن به صلى الله عليه وسلم، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، والاستثناء من التاء فالعلة فى عدد الأشخاص، ويضعف أن يكون الاستثناء من التولى، أى توليتكم كل تول إلا توليا قليلا فإنهم لم يتولوه، وذلك بأن فعلوا بعض ما أمروا به دون بعض فيكون استثناء فى الإيجاب من محذوف، وهو قليل، وأجاز بعضهم القياس عليه. ورويت رواية ضعيفة برفع قليل، فيكون قليل بدلا من التاء، وإنما جاز ذلك مع أن الكلام تام موجب، لأن التولى بمعنى النفى، لأن معناه الترك وعدم الفعل وذلك نفى، وهو كما استثنى فى التفريع من الإيجاب لتضمنه النفى فى قوله: شعر : تغير إلا النوى والوتد تفسير : لأن تغير بمعنى لم يبق فيبطل اعتراض الصفاقصى إذا اعترض على رفع قليل، وعلى تأويل التولى، بقولك لم يوفوا بالميثاق بأنه مثل قولك قام القوم إلا زيد على تأويل لم يجلسوا، ووجه البطلان إن توليتم موضوع لمفهوم تركتم وانتفيتم، بخلاف قام فإنه لم يكن مدلوله لم يجلس بل مدلول له فعل فعلا يسمى قياماً، ولو كان التعبير عنه بلم يجلس جائز، ألا ترى أن قولك لم يجلس حرف وفعل فكيف يفسر فعل بحروف وفعل. {وَأَنْتُم مُّعرِضُون}: هذه الجملة حال مؤكدة لقوله: {توليتم}، ويجوز أن يكون المعنى وأنتم أيها الذين فى عهد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ معرضون عن الحق كآبائكم، على أن الخطاب قبل هذه الجملة لمن تقدمهم وأن يكون المعنى وأنتم قوم من شأنكم الإعراض عن الوفاء بالميثاق، أو عن الطاعة، سواء جعلنا هذه الجملة خطاباً للذين فى عهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو لمن قبلهم أو للكل، فالجملة على هذه الأوجه مستأنفة أو حال مؤسسة، والإعراض عن الشئ عبارة عن تركه، وأصله الذهاب عن المواجهة إلى جهة الإعراض.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِيّ إِسْرَاءِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ} إما مفعول لأخذنا لتضمنه معنى قلنا، واللفظ نفى، والمعنى نهى، وحكمته الحث على المسارعة للامتثال، حكى أنه قد امتثل فأخبر عنه، وصونا للكلام عن الكذب إن كان بصيغة الإخبار فلم يمتثل فلا حاجة إلى تقدير قلنا، ووجه ذلك، أن أمر الله عز وجل بشىء أو نهيه عنه أخذ للميثاق، ولو لم يقل المأمور والمنهى نعم، وإما جواب للقسم الذى هو الميثاق، ومقتضى الظاهر على هذا لا يعبدون بالتحتية، وإما تفسير لأخذ الميثاق، وهكذا فيما يأتى من القرآن تتصور فيه هذه الأوجه {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَٰناً} أى أحسنوا، أو تحسنون بالوالدين إحساناً أى أحسنوا، أو استواصوا بالوالدين، أى بالوالد والوالدة، فغلب المذكر، ويبعد تفسير الميثاق هنا بميثاق ألست بربكم، والآية مفصحة بعظم الإحسان إلى الوالدين، إذ قرن بطاعة الله تعالى {وَذِي الْقُرْبَى} القرابة كالرجعى بمعنى الرجوع {وَالْيَتَٰمَى وَالْمَسَٰكِينِ} أحسنوا إلا هؤلاء بالمال والخدمة والنفع بالجاه والبدن والرفق وتعليم العلم، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وهم على ذلك الترتيب، فالله أحق، لأنه الخالق المنعم، وحقه أعظم من كل حق، ثم الوالدان لأنهما سبب وجود الولد، ومتلقيان المشاق فى الولد، ثم ذو القربى، لأنه بواسطتهما، والرضاع لُحمه كالحمة النسب، ثم اليتيم لأنه أصعف لصغره من المسكين، مأخوذ من اليتيم بمعنى الانفراد، كدرة يتيمة، وهو من بنى آدم من مات أبوه قبل بلوغه، ولا يتم بعد بلوغ، ومن الدواب من ماتت أمه، وفى الطير من ماتا عنه، وقد يطلق على من ماتت أمه من الآدميين، وأفرد الغريب لأن القربى مصدر يصلح للأكثر، فتبعه المضاف، وهو ذى، والإشارة إلى أنهم كواحد ولو كثروا فلا تقصروا فى حقهم {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} بضم فإسكان، أى حسنا بفتحهما، أو ذا حسن، وهو الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وتعليم الجاهل، والصدق فى شأن محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن، والدعاء إلى التوحيد، والرفق بهم بما يحبونه مما لا معصية فيه ليذعنوا، وليس مما ينسخ {وَأَقِيمُوا الصَّلَٰوةَ} المفروضة عليكم فى التوراة {وَءَاتُواْ الزَّكَٰوةَ} على ما فرض عليكم فيها، وهو ربع المال، تنزل النار فتحرقه، أو تأخذه، أو شىء كالنار، وذلك علامة قبوله، ولا تحرق الحيوان، وهذا خطاب لأوائلهم المأخوذ عليهم الميثاق ومن بعدهم، والكلام فى ذلك لا فى المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن معاصريه تجب عليهم الصلاة والزكاة على ما فرض عليه صلى الله عليه وسلم، أمرناكم بما ذكر من إفراد الله بالعبادة، وما بعده إلى إيتاء الزكاة، وقبلتم {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} عن الوفاء {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ} وهو من اتبع التوراة والإنجيل قبل البعثة كعبد الله بن سلام {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} عن الوفاء. والآية كقوله "أية : ولى مدبرا" تفسير : [النمل: 10] وقيل، التولى الانصراف لحاجة مع ثبوت العقد، والإعراض الانصراف بالقلب، وقيل التولى الرجوع إلى ما كان أولا، والإعراض أخذ طريق آخر، والخطاب لمن قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجيز أن يكون الخطاب بقوله "وأنتم معرضون" لمعاصريه، أو المعنى معرضون عن الفكر فلا تأكيد، أى وأنتم معرضون عن الوفاء بعهد التوراة، والإنجيل قبل البعثة وقد وجب عليكم اتباعهما. وعن الوفاء بالقرآن بعد البعثة، وقد وجب عليكم اتباعه بعدها ويضعف أن يقال، معرضون عن الغضب على المتولين، أو عن القليل الذين لم يتولوا، بأن لم توالوهم وتحبوهم، والأولى أن الخطاب للآباء، لأن ما قبله وما بعده لهم، باعتبار آبائهم، وهو قوله: {وَإِذْْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ} أى اذكروا وقت أخذ العهد على آبائكم {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} أى لا يقتل بعضكم بعضاً، أو لا تقتلوا أمثالكم. وجاءت العبارة بذلك، لأنهم كنفس واحدة، نسبا ودينا، فمن قتل غيره كأنه قتل نفسه، وأيضاً هو كمثل قتل نفسه بالقصاص لأنه تعرض لأن يقتص منه، وكذا فيما أشبه هذا {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} لا يخرج بعضكم أنفس بعض، أو من أخرج أخاه كمن أخرج نفسه، لأنهم إخوة دينا ونسبا، أو لا تفعلون ما يوجب سفك دمائكم، وإخوانكم من دياركم، أو لا تهلكون أنفسكم بالمعاصى، كمن قتل نفسه، بحيث لا يلتذ، كميت، إذ كان لا ينال لذات الجنة، ولا تصرفونها عن دياركم فى الجنة {ثُمَّ أََقْرَرْتُمْ} اعتزمتم بأن ذلك الميثاق حق، فقبلتموه، ومن لازم ما يقربه أنه حق أن يقبل، وثم لترتيب الأخبار باتصال، أو فى الرتبة بالتراخى لأن رتبة الإقرار أقوى {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} على أنفسكم، تأكيد لأقررتم فى المعنى، أو أقررتم قبلتم وأنتم تشهدون على القبول، أو أنتم معشر المعاصرين له صلى الله عليه وسمل تشهدون على إقرار أسلافكم لتوسط الأنبياء والرواة إليكم بينكم وبينهم، وضعف بأن يكون حينئذ استبعاد الإجلاء والقتل منهم مع أن أخذ العهد والميثاق كان من أسلافهم.
الخليلي
تفسير : من أساليب القرآن التفنن في الخطاب، فبينا تجده يواجه طائفة من الناس مواجهة الحاضر بالأمر أو النهي أو التذكير أو التقريع أو الوعد أو الوعيد تجده يتحدث عن تلك الطائفة حديثه عن الغائب ليرسخ العبرة في نفوس القارئين والمستمعين، وليعمم حصيلة ما سلف من الحديث على جميع المستفيدين، وأول ما كان من ذكره لأخبار بني إسرائيل وأحوالهم في هذه السورة ورد بأسلوب الخطاب لهم لتذكير أعقابهم الموجودين بما أنعم الله عليه من فواضله التي قصروا في شكرها، بل بالغوا في كفرها، كتفضيلهم على العالمين بكثرة النبوات وتعاقب الرسالات بينهم، وإنجائهم من آل فرعون بما أهلك به عدوهم، وإيتاء موسى الكتاب والفرقان لتنجية أرواحهم من ردى الضلال كما نجيت أبدانهم من الهلاك بالعذاب أو الغرق وتيسير وسائل العيش الرغد لهم بسوق النعم إليهم، وما كان مع هذا كله من تعنتهم على نبيهم موسى عليه السلام في طلب ما لم يجعل الله لهم إليه سبيلا، ومبالغتهم في الإِعنات حتى اتخذوا معبودا لهم من دون الله سبحانه إلى غير ذلك مما مر ذكره، ثم ولى ذلك بيان تنوعت فيه الأساليب بحيث ذكر تارة حكمهم وحكم غيرهم ممن له تعلق بأسباب الرسالات، ووجهوا تارة بالخطاب مرة أخرى، والتفت إلى خطاب المؤمنين في شأنهم تارة أخرى، والسياق لا يزال في بني إسرائيل. وفي هذه الآية جيء بما لم يذكر من قبل من الأحكام العملية المشروعة لهم سواء ما كان منها خاصا بعبادتهم لربهم، أو كان فيما يختص بالتعامل بين أفراد الأسر، أو يعم جميع أفراد المجتمع الذي يعيشون فيه. وبما أن شرعية ما ذكر هنا لا تختص ببني إسرائيل ذكر هذا التشريع بأسلوب الغيبة لا الخطاب ليستفيد من حكمه المؤمنين، وإنما خوطبوا عندما ذكر نقضهم لهذه العهود. واختلف في أخذ هذا الميثاق، فقيل: كان أخذه عندما رفع فوقهم الطور، وإليه الإِشارة بقوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ...} الآية. وقيل هو الميثاق العام الذي أخذه الله على البشر جميعا كما صرح به قوله سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} ويضعفه أنه غير خاص ببني إسرائيل، والسياق هنا يقتضي أنه ميثاق أخذ عليهم من أنفسهم، وقيل: هو ميثاق منزل في التوراة، وقيل: على لسان موسى عليه السلام. والعبادة سبق بيانها في الفاتحة الشريفة، وهي تستلزم العقيدة الصحيحة، إذ لا بد للعابد من اعتقاد عظمة المعبود، واستشعار خوفه ورجائه، واستحضار إحسانه وبطشه، وذكرها بصيغة الخبر دون الأمر يفيد التأكيد عليها لأن هذا شأن الأوامر إذا صبت في قوالب الأخبار، لأن مدلولاتها أنزلت منزلة الأمور الواقعة لما تقتضيه أهميتها من سرعة امتثالها، وقيل: بأن الأصل أن لا تعبدوا إلا الله، أو بأن لا تعبدوا فحذفت أن على الوجه الأول، ومع الباء على الوجه الثاني فارتفع الفعل الذي كان منصوبا بها على حد قوله تعالى: {أية : تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ} تفسير : [الزمر: 64] برفع "أعبد" ويجوز في مثله - عربية - النصب على إضمارها، وقد رُوي بالوجهين قولهم: تسمعَ بالمعيدي خير من أن تراه، وقول الشاعر: شعر : ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي تفسير : وقرأ حمزة والكسائي وابن كثير لا يعبدون وأحسن ما حملت عليه قراءتهم حذف أن الناصبة. وقيل: بأن في اللام قسما محذوفا، أي والله لا تعبدون إلا الله، وأولى من ذلك أن يقال بأن للميثاق نفسه حكم القسم لأنه بمنزلته. والباء في قوله: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} قيل: هي متعلقة بـ (إحسانا) على أنه مصدر وضع موضع فعل الأمر كأنه قيل وأحسنوا بالوالدين. وهذا لأن: {لاَ تَعْبُدُونَ} فيه معنى الأمر وإن كانت صيغته خبرية كما تقدم، أو موضع فعل مضارع مدلوله أمر أيضا، أي وتحسنون بالوالدين وقيل متعلقة بمحذوف ناصب للمصدر المذكور، إما أمرا أي وأحسنوا بالوالدين إحسانا، وإما مضارعا، أي وتحسنون ... الخ، وقيل: متعلقة بمحذف تقديره ووصيناهم، وعليه فإحسانا مفعول لأجله، أي لأجل إحساننا إلى الموصى بهم. والوالدن تثنية والد، وهما الأب والأم، غلبت في صيغة تثنيتهما الذكورة كما هو الشأن في المثنيات، وقد وصى الله سبحانه بهما خيرا، وحض على الإِحسان إليهما حسب المستطاع في كل الشرائع، وحذر من عقوقهما ولهما فيما وصى به هذه الأمة في القرآن النصيب الأوفر، فقد قرن الله حقهما بحقه، وأمر ببرهما بعد الأمر بعبادته، وجمع بين شكرهما وشكره، ولم يسقط حقهما حتى مع شركهما به، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} تفسير : [لقمان: 14 - 15]، وإنما حذر ولدهما من طاعتهما إذا أمراه بالشرك، وكذا سائر المعاصي إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وسيأتي إن شاء الله القول في حقهما في الإِسلام في سورة النساء، وغيرها. وذوو القربى هم الذين يدلي إليهم بنسب من قبل الأم أو الأب، ويعبر عنهم بذوي الأرحام، والإِحسان إليهم واجب ديني في كل الشرائع المنزلة، لأنه داعية الترابط الأسرى المؤدي إلى الترابط الاجتماعي فإن من حكمة الله سبحانه أن جعل النوع الإنساني يتميز عن جميع أنواع خلقه بضرورته إلى التعايش الاجتماعي، إذ لا يمكن لفرد منه أن يستقل بمصالحه عن مجتمعه، والمجتمعات إنما تتكون من الأسر، بل الأسرة في حقيقتها مجتمع أصغر، والمجتمع أسرة كبرى، فإذا انحلت الروابط الأسرية تلاشت بالأحرى النظم الاجتماعية، ولم يعد فرق بين الناس والسباع إذ ليست المدينة مباني تشاد، ومدنا تخطط وتعمر بقدر ما هي تواد وتعاطف وتآلف وتعاون بين الناس، وسيأتي الحديث إن شاء الله عن حق ذوي القربى في الإِسلام في موضعه. واليتامى جمع يتيم وهم من البشر الذين مات عنهم آباؤهم قبل البلوغ، ولا يتم بعد البلوغ، وقد حضت الشرائع على مراعاتهم والإِحسان إليهم بحسن التربية والتوجيه السليم، ومواساتهم بالمال مع الاحتياج، والمحافظة على أموالهم، والعناية بجميع مصالحهم حتى يبلغوا رشدهم، لأن اليتيم بحاجة إلى الرقة والرحمة، والتربية والتوجيه، فإن من شأن الناس أن يعطفوا على أولادهم ويعرضوا عن أولاد غيرهم، فإذا لم يحضوا على الإِحسان إلى اليتامى ماديا ومعنويا فقد اليتيم ما هو أحوج إليه من العطف والرحمة، والإِرشاد والتوجيه فيضيع وسط تناسي الناس له، وكثيرا ما يؤدي به ذلك إلى الانحراف والشذوذ لأنه ينشأ ساخطا على مجتمعه الذي أضاعه، غير قادر على التحكم في رغبات نفسه وشهواتها، وإذا كان الكبار كثيرا ما ينجرفون وراء تيارات الفساد لغلب شهواتهم على عقولهم، فما بالكم بالأطفال الذين لا يجدون من يوجههم إلى الطريق المستقيم، وليس لهم ما يردعهم عن الانحراف من عقل أو ضمير، وإذا فسد اليتامى فسد غيرهم من الأولاد لما يكون بينهم من الاحتكاك غالبا، ومن هنا كان المشفق على أولاده من الانحراف جديرا بأن يحسن إلى اليتامى بالرعاية الحسنة، والتوجيه السليم وذلك من أسباب نيل رضوان الله تعالى والفوز برفعة الدرجات ووفرة الحسنات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : أنا وكافل اليتيم كهاتين" تفسير : مشيرا إلى سبابته ووسطاه. وتقديم اليتامى على المساكين لإِثارة الاهتمام بهم، فإنهم أحوج إلى الرعاية، فإن المساكين محتاجون إلى العون المادي فحسب، بينما اليتامى بحاجة إلى رعايات مختلفة، فهم يحتاجون إلى رعاية أجسادهم بوقايتها من الأذى، والمحافظة على صحتها، ورعاية عقولهم ومشاعرهم بتربيتها بالأفكار السليمة والأخلاق القويمة، ورعاية أموالهم بإصلاحها وحفظها من التلف مع تقديم العون المادي إليهم إن لم يكن لهم مال أو لم يكفهم مالهم لمطالبهم الضرورية. والمساكين جمع مسكين، وهو من لا يفي كسبه بنفقاته الضرورية، واختلف في التفرقة بينه وبين الفقير على أقوال جمة ستأتي إن شاء الله في آية الصدقات من سورة التوبة، ولا ينظر في المسكين إلى وفرة كسبه وقلته، وإنما يعتبر حاله، فرب ذي كسب قليل لا يعد من المساكين لسداد عوزه بما يكسب، ورب ذي كسب وفير معدود من المساكين لأن كسبه لا يفي بحاجته الضروية، فشتان بين من لا يعول إلا امرأته، ومن يعول أكثر من عشرة من الأولاد مع والديه الضعيفين، كما أن اختلاف أوضاع الناس الاجتماعية لها أثر في التفرقة بين حكم إنسان وآخر، فمن الناس من يأويه القصاد من شتى أنحاء البلاد، فلا يكاد يرحل عنه ضيف حتى يحل آخر، ومنهم من لا يكاد يطرق بابه طارق، ولا بد في باب الزكاة وغيرها من رعاية هذه الفروق. والإِنسان مطالب بالإِحسان على أي حال غير أنه لا يمكنه أن يساوي بين جميع الناس في الإِحسان إليهم، فلذلك طولب أولا بالإِحسان إلى والديه لأنهما منبتة ومخرجه إلى الحياة؛ ثم إلى ذوي القربى لما يجمعه بهم من الأواصر التي إذا لم تراع انحلت روابط المجتمع بأسره؛ ثم إلى اليتامى لافتقارهم إلى رعاية المجتمع لهم؛ ثم إلى المساكين لينالوا قسطهم من نعمة العيش بين إخوانهم، وليسود المجتمع التواد والتآخي، وأما سائر الناس فهو مطالب نحوهم بالإِحسان العام الذي لا يكلفه عناء، ولا يحتاج إلى انفاق، وهو القول الحسن الذي يغرس في النفوس المودة، ويؤلف النافر، ويدني البعيد، وهو ترجمة لحسن الطوية ومرآة لصفاء النفس، وقد يسره الله لجميع الناس، فلذلك فرضه على جميعهم لجميعهم. وقرأ حمزة والكسائي حسناً (بالتحريك)، وعلى ما قرأ فهو صفة لموصوف يدل عليه الوصف، أي قولا حسنا، وصوب هذه القراءة ابن جرير الطبري بانيا تصويبه على أن الحُسن هو الاسم العام الجامع لجميع أصول معاني مشتقات هذا اللفظ، والحَسَنَ هو بعض من تلك المشتقات وهو يريد بذلك أن الحُسن هو المصدر الذي يتفرع عنه الوصف بالحسَن كما تتفرع عنه بقية مشتقاته، ويفهم من تصويبه لهذه القراءة أن ما عداها غلط، لأن عبارته تقتضي حصر الصواب فيها، حيث قال: "فالصواب من القراءة في قوله: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} لأن القوم إنما أمروا في هذا العهد الذي قيل لهم وقولوا للناس باستعمال الحسن من القول، دون سائر معاني الحسن الذي يكون بغير القول". وقد علمتم أن القراءة التي صوبها قرأ بها اثنان من السبعة فهي من القرآءات المتواترة التي لا مجال للنظر فيها أصواب هي أم خطأ لأن القراءة سنة متبعة، والقراءات السبع متواترة، غير أن ابن جرير إنما صوبها دون غيرها لأنها ملائمة لذوقه، كما عهدنا منه إنكار القراءات التي لا تروق له، وإن كانت متواترة، على أن قراءة حُسْناً (بالضم والسكون) هي التي قرأ بها الجمهور من السبعة وغيرهم، فلا معنى لتصويبه إحدى القراءتين دون الأخرى، وما ذكره من أن معنى الحسن العام غير مراد هنا مردود بأن من أساليب العرب في كلامهم التعبير عن الأخص بالأعم والعكس بحسب اقتضاء المقامات، وفي أمرهم بأن يقولوا حسنا ما لا يخفى من التأكيد على تحري الكلم الطيب في مخاطبة الناس وهو الذي يجمع محاسن القول كأنما احتوى الحسن بأكمله، وهذا كما يقال محمد عدل، والقصد به عادل لتأكيد وصفه بالعدالة حتى كأنها تمحضت في ذاته على أنه قد قيل بترادف الحسن والحسن، وقد ذكر ذلك ابن جرير نفسه. وللمفسرين أقوال في الحُسْن الذي أمروا أن يقولوه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه الأمر بلا إله إلا الله لمن لم يقولوها ورغبوا عنها حتى يقولوها كما قالوها، وعن الحسن أنه لين القول، وعن أبي العالية أنه القول المعروف، وعن ابن جريج أنه الصدق في شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وعن سفيان الثوري أنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واقتصر عليه الإِمام محمد عبده، ومثل هذا لا يعد خلافا في التأويل، وإنما هو خلاف في التمثيل، فإن حُسْن القول ينتظم جميع ما قالوه غير أن مراعاة الأحوال لا بد منها، فقد يحسن اللطف في حال وتحسن الشدة في حال، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر مطالب بمعالجة الناس الناشزين عن الحق بما هو أجدى لهم وأنجع في ردهم إلى حظيرة الحق، فيتلطف بمن يفيده اللطف، ويشتد على من لا تردعه إلا الشدة، وكلا قوليه حسن يؤجر عليه. وجملة: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً..} وما بعدها .. معطوفات على: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ..} وما وليها.. والمعطوف والمعطوف عليه كلاهما إنشائي وإنما اختلف الأسلوب للتفنن وإثارة الاهتمام. وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة سبق الحديث فيهما، وفي الآية دليل على أن الصلاة والزكاة مفروضتان على الأمم من قبلنا كما فرضتا علينا، ولا يلزم تشابه صلاتنا وصلاتهم، ولا زكاتنها وزكاتهم في جميع الأحوال، وإن اتفقت في أصل الفرض، وكان بعض أحبارهم يزعمون أن زكاتهم لا تدفع لفقرائهم، ولا ينتفع بها أحد من الناس، وإنما هي قرابين تأكل الناس ما تقبل منها، وقد تأثر بذلك جماعة من المفسرين فأثبتوه في تفاسيرهم وعزوه إلى بعض السلف، وليس بشيء فإنهم كانوا متعبدين بزكوات ينفقونها على طوائف منهم مخصوصين كما تفيده كتبهم المقدسة. والتولي الإِدبار عُبِّر به عن ترك ما فرض عليهم، لأن من شأن المطيع أن يقبل على الآمر أو على الجهة التي يوجهه إليها بخلاف العاصي، فهو مجاز بالكناية والخطاب إما أن يكون لجميع بني إسرائيل من سلف منهم ومن خلف، وعليه فهو التفات حَسَّنهُ أنهم بعدما حكى الميثاق المأخوذ عليهم بصورة الخطاب كانوا بمثابة الحضور، وإما أن يكون خاصا بالخلف الذين عاصروا نزول الآية، وعليه فخطابهم بما يجدر أن يخاطب به سلفهم الذي أخذ عليه الميثاق لأنهم امتداد لهم، ولأن الميثاق المأخوذ عليهم ليس خاصا بصدر أمتهم، وهذا كما امتن عليهم بتنجيتهم من آل فرعون، وقد كانت في واقعها لأسلافهم. وقد حصل هذا التولي ممن سلف ومن خلف فإنهم جميعا لم يعبدوا الله حق عبادته، ولم يحسنوا إلى والديهم وذوي القربى واليتامى والمساكين، ولم يوفوا الصلاة حقها من الإِقامة، ولم يؤدوا الزكاة كما شرعت إلا قليلا منهم وهم الذين قال الله فيهم: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 159]، وهؤلاء لم يلبثوا أن آمنوا بدعوة الإِسلام وصدقوا نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام عندما بلغتهم حجته وهم عبد الله بن سلام ومن معه. والإِعراض الصد، ويكنى به عن الإِهمال فإن من شأن المكترث بالشيء أن يلتفت إليه بخلاف مهمله، فجملة: {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} حالية مؤكدة للمعنى الذي تفيده جملة: {تَوَلَّيْتُمْ} مع إفادة أنهم في توليهم لا يلوون على شيء ولا ينثنون عن ضلالهم، فقد يتولى أحد - أي ينصرف - عن شيء مع قصد العودة إليه، ولكن جملة الحال هنا تفيد انتفاء هذا القصد، بل انتفاء تراجعهم رأسا. ومنشأ هذا التولي غرور خاصتهم وجهل عامتهم، فالخاصة غرتهم الأماني وغرهم بالله الغرور، فطمعوا في غفران خطاياهم، لأنهم من سلالات الأنبياء، ولأنهم أوتوا علم الكتاب فحرفوا الكلم عن مواضعه، ونسوا حظا مما ذكروا به، وشرعوا لأنفسهم ولقومهم ما لم يأذن به الله، فهجروا الكتاب الذي أنزل إليهم، ونقضوا الميثاق الذي أخذ عليهم؛ والعامة تلقوا دينهم من أفواه الرجال - وهم الخاصة - ولم يرجعوا في فهمه إلى أصوله فقبلوا منهم تحليل الحرام وتحريم الحلال، وتعلقوا معهم بأذيال الأماني، فاقتادهم الهوى الى محارم الله، فكانوا سلفا ومثلا للذين يأتون من بعدهم، وهم ينهجون نهجهم في تعطيل أحكام الدين، اتباعا للشهوات، وتصامما عن الوعيد، كما هو الشأن في المغرورين من هذه الأمة بالأماني الباطلة يغدون ويروحون في معاصي الله، وهم جازمون بأنهم سيتبوأون في جنته منازل السعداء الأبرار، كأن مسامعهم لم تطرقها نذره، فلم يلتفتوا إلى قوله: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} تفسير : [ص: 28].
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ} شروع في تعداد بعض آخر من قبائح أسلاف اليهود مما ينادي باستبعاد إيمان أخلافهم، وقيل: إنه نوع آخر من النعم التي خصهم الله تعالى بها، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم ـ وهو الجنة ـ والموصل إلى النعمة نعمة، وهذا ـ الميثاق ـ ما أخذ عليهم على لسان موسى وغيره من أنبيائهم عليهم السلام، أو ميثاق أخذ عليهم في التوراة، وقول مكي: إنه ميثاق أخذه الله تعالى عليهم وهم في أصلاب آبائهم كالذر لا يظهرهم وجهه هنا. {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} على إرادة القول أي قلنا أو قائلين ليرتبط بما قبله وهو إخبار في معنى النهي كقوله تعالى: {أية : لا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } تفسير : [البقرة: 282] وكما تقول: تذهب إلى فلان وتقول له كيت وكيت، وإلى ذلك ذهب الفراء، ويرجحه أنه أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهي كأنه سارع إلى ذلك فوقع منه حتى أخبر عنه بالحال أو الماضي أي ينبغي أن يكون كذلك فلا يرد أن حال المخبر عنه على خلافه وأنه قرأ ابن مسعود {لاَّ تَعْبُدُواْ} على النهي وأن {قُولُواْ} عطف عليه فيحصل التناسب المعنوي بينهما في كونهما إنشاء، وإن كان يجوز عطف الإنشاء على الإخبار فيما له محل من الإعراب، وقيل: تقديره أن لا تعبدوا، فلما حذف الناصب ارتفع الفعل، ولا يجب الرفع بعد الحذف في مثل ذلك خلافاً لبعضهم ـ وإلى هذا ذهب الأخفش ـ ونظيره من نثر العرب/ مره يحفرها ومن نظمها:شعر : ألا أيها الزاجري احضر الوغى وإن أشهد اللذات هل أنت مخلدي تفسير : ويؤيد هذا قراءة {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ} ويضعفه أن (أن) لا تحذف قياساً في مواضع ليس هذا منها؛ فلا ينبغي تخريج الآية عليه، وعلى تخريجها عليه فهو مصدر مؤول بدل من الميثاق أو مفعول به بحذف حرف الجر أي بأن لا أو على أن لا، وقيل: إنه جواب قسم دل عليه الكلام، أي حلفناهم لا تعبدون، أو جواب الميثاق نفسه لأن له حكم القسم، وعليه يخلو الكلام عما مر في وجه رجحان الأول، وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب، ـ بالتاء ـ حكاية لما خوطبوا به والباقون ـ بالياء ـ لأنهم غيب، وفي الآية حينئذٍ التفاتان في ـ لفظ الجلالة ـ و (يعبدون). {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا} متعلق بمضمر تقديره وتحسنون، أو أحسنوا، والجملة معطوفة على (تعبدون) وجوّز تعلقه بـ (إحساناً) وهو يتعدى بالباء، وإلى كـ {أية : أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ ٱلسّجْنِ } تفسير : [يوسف: 100] {أية : وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ} تفسير : [القصص: 77] ومنع تقدم معمول المصدر عليه مطلقاً ممنوع، ومن المعربين من قدر استوصوا فبالوالدين متعلق به و (إحساناً) مفعوله، ومنهم من قدر ووصيناهم فإحساناً مفعول لأجله، والوالدان تثنية والد لأنه يطلق على الأب والأم أو تغليب بناءً على أنه لا يقال إلا للأب كما ذهب إليه الحلبـي، وقد دلت الآية على الحث ببر الوالدين وإكرامهما، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، وناهيك احتفالاً بهما أن الله عز اسمه قرن ذلك بعبادته. {وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ} عطف على (الوالدين) والقربـى مصدر كالرجعى ـ والألف ـ فيه للتأنيث وهي قرابة الرحم والصلب. واليتامى وزنه فعالى ـ وألفه ـ للتأنيث، وهو جمع يتيم كنديم وندامى، ولا ينقاس، ويجمع على أيتام. واليتم أصل معناه الإنفراد، ومنه: الدرة اليتيمة، وقال ثعلب: الغفلة، وسمي اليتيم يتيماً لأنه يتغافل عن بره، وقال أبو عمرو: الإبطاء لإبطاء البر عنه، وهو في الآدميين من قبل الآباء ـ ولا يتم بعد بلوغ ـ وفي البهائم من قبل الأمهات، وفي الطيور من جهتهما. وحكى الماوردي أنه يقال في الآدميين لمن فقدت أمه أيضاً ـ والأول هو المعروف ـ والمساكين جمع مسكين على وزن مفعيل مشتق من السكون، كأن الحاجة أسكنته ـ فالميم ـ زائدة كمحضير من الحضور، وروي تمسكن فلان ـ والأصح تسكن أي صار مسكيناً ـ والفرق بينه وبين الفقير معروف ـ وسيأتي إن شاء الله تعالى ـ. وقد جاء هذا الترتيب اعتناءً بالأوكد فالأوكد، فبدأ بالوالدين إذ لا يخفى تقدمهما على كل أحد في الإحسان إليهما، ثم بذي القربـى لأن صلة الأرحام مؤكدة، ولمشاركة الوالدين في القرابة وكونهما منشأ لها وقد ورد في الأثر «حديث : إن الله تعالى خاطب الرحم فقال: أنت الرحم وأنا الرحمن أصل من وصلك وأقطع من قطعك»تفسير : ، ثم باليتامى لأنهم لا قدرة لهم تامة على الاكتساب، وقد جاء: «حديث : أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين» تفسير : وأشار صلى الله عليه وسلم إلى السبابة والوسطى وتأخرت درجة المساكين لأن المسكين يمكنه أن يتعهد نفسه بالاستخدام ويصلح معيشته مهما أمكن بخلاف اليتيم ـ فإنه لصغره لا ينتفع به ـ ويحتاج إلى من ينفعه وأفرد (ذي القربـى) ـ كما في «البحر» ـ لأنه أريد به الجنس، ولأن إضافته إلى المصدر يندرج فيه كل ذي قرابة، وكأن فيه إشارة إلى أن ذوي القربـى ـ وإن كثروا ـ كشيء واحد لا ينبغي أن يضجر من الإحسان إليهم. {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} أي قولاً حسناً ـ سماه به للمبالغة ـ وقيل: هو لغة في الحسن كالبخل والبخل والرشد والرشد، والعرب والعرب، والمراد قولوا لهم القول الطيب وجاوبوهم بأحسن ما يحبون ـ قاله أبو العالية ـ وقال سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم/ عن المنكر، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قولوا لهم لا إله إلا الله مروهم بها، وقال ابن جريج: أعلموهم بما في كتابكم من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وقول أبـي العالية في المرتبة العالية ـ والظاهر أن هذا الأمر من جملة الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل: ومن قال: إن المخاطب به الأمة وهو محكم أو منسوخ بآية السيف أو إن الناس مخصوص بصالحي المؤمنين إذ لا يكون القول الحسن مع الكفار والفساق لأنا أمرنا بلعنهم وذمهم ومحاربتهم ـ فقد أبعد ـ. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب {حَسَنًا} ـ بفتحتين ـ وعطاء وعيسى ـ بضمتين ـ وهي لغة الحجاز وأبو طلحة بن مصرف {حسنى} على وزن فعلى، واختلف في وجهه فقيل: هو مصدر كرجعى، واعترضه أبو حيان بأنه غير مقيس ولم يسمع فيه، وقيل: هو صفة كحبلى أي مقالة أو كلمة حسنى وفي الوصف بها وجهان أحدهما: أن تكون باقية على أنها للتفضيل واستعمالها بغير الألف واللام والإضافة للمعرفة نادر وقد جاء ذلك في الشعر كقوله:شعر : وإن دعوت إلى جلى ومكرمة يوماً كرام سراة الناس فادعينا تفسير : وثانيهما: أن تجرد عن التفضيل فتكون بمعنى ـ حسنة ـ كما قالوا ذلك في: (يوسف أحسن إخوته) وقرأ الجحدري: {إِحْسَـٰناً} على أنه مصدر أحسن الذي همزته للصيرورة كما تقول: أعشبت الأرض إعشاباً أي صارت ذا عشب فهو حينئذٍ نعت لمصدر محذوف أي قولاً ذا حسن. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءاتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} أراد سبحانه بهما ما فرض عليهم في ملتهم لأنه حكاية لما وقع في زمان موسى عليه السلام وكانت زكاة أموالهم ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قرباناً تهبط إليها نار فتحملها ـ وكان ذلك علامة القبول ـ وما لا تفعل النار به كذلك كان غير متقبل، والقول بأن المراد بهما هذه الصلاة وهذه الزكاة المفروضتان علينا، والخطاب لمن بحضرة النبـي صلى الله عليه وسلم من أبناء اليهود لا غير، والأمر بهما كناية عن الأمر بالإسلام، أو للإيذان بأن الكفار مخاطبون بالفروع أيضاً ليس بشيء كما لا يخفى. {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أي أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه. و {ثُمَّ} للاستبعاد أو لحقيقة التراخي فيكون توبيخاً لهم بالارتداد بعد الانقياد مدة مديدة وهو أشنع من العصيان من الأول، وقد ذكر بعض المحققين أنه إذا جعل ناصب الظرف خطاباً له صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فهذا التفات إلى خطاب بني إسرائيل جميعاً بتغليب أخلافهم على أسلافهم لجريان ذكرهم كلهم حينئذٍ على نهج الغيبة، فإن الخطابات السابقة للأسلاف محكية بالقول المقدر قبل {لاَ تَعْبُدُونَ} كأنهم استحضروا عند ذكر جناياتهم فنعيت عليهم ـ وإن جعل خطاباً لليهود المعاصرين ـ فهذا تعميم للخطاب بتنزيل الأسلاف منزلة الأخلاف كما أنه تعميم للتولي بتنزيل الأخلاف منزلة الأسلاف للتشديد في التوبيخ، وقيل: الالتفات إنما يجىء على قراءة {لا يَعْبُدُونَ} بالغيبة، وأما على قراءة الخطاب ـ فلا التفات ـ ومن الناس من جعل هذا الخطاب خاصاً بالحاضرين في زمنه عليه الصلاة والسلام وما تقدم خاصاً بمن تقدم، وجعل الالتفات على القراءتين لكنه بالمعنى الغير المصطلح عليه أن كون الالتفات بين خطابين لاختلافهما لم يقل به أهل المعاني ـ لكنه وقع مثله في كلام بعض الأدباء ـ وما ذكرناه من التغليب أولى وأحرى خلافاً لمن التفت عنه. {إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ} وهم من الأسلاف من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ، ومن الأخلاف من أسلم كعبد الله بن سلام وأضرابه فالقلة في عدد الأشخاص، وقول ابن عطية: إنه يحتمل أن تكون في الإيمان أي لم/ يبق حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا إيمان قليل إذ لا ينفعهم لا يقدم عليه إلا القليل ممن لم يعط فهماً في الألفاظ العربية، وروي عن أبـي عمرو وغيره رفع قليل والكثير المشهور في أمثال ذلك النصب لأن ما قبله موجب، واختلفوا في تخريج الرفع فقيل: إن المرفوع تأكيد للضمير أو بدل منه، وجاز لأن (توليتم) في معنى النفي أي لم يفوا، وقد خرّج غير واحد قوله صلى الله عليه وسلم: فيما صح على الصحيح: «حديث : الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر» تفسير : وقول الشاعر:شعر : وبالصريمة منهم منزل خلق عاف تغير إلا النوء والوتد تفسير : على ذلك، وقول أبـي حيان إنه ليس بشيء إذ ما من إثبات إلا ويمكن تأويله بنفي فيلزم جواز قام القوم إلا زيد بالرفع على التأويل والإبدال ـ ولم يجوزه النحويون ـ ليس بشيء كما لا يخفى، وقيل: إن (إلا) صفة بمعنى غير ظهر إعرابها فيما بعدها، وقد عقد سيبويه لذلك باباً في «كتابه» فقال: هذا باب ما يكون فيه إلا وما بعدها وصفاً بمنزلة غير ومثل، وذكر من أمثلة هذا الباب لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا و {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : [الأنبياء: 22] وقوله:شعر : أينخت فألقت بلدة فوق بلدة قليل بها الأصوات إلا بغامها تفسير : وخرج جمع جميع ما سلف على هذا، وفيه أن ذلك فيما نحن فيه لا يستقيم إلا على مذهب ابن عصفور حيث ذهب إلى أن الوصف بـ (إلا) يخالف الوصف بغيرها من حيث إنه يوصف بها النكرة والمعرفة، والظاهر والمضمر وأما على مذهب غيره ـ وهو ابن شاهين ـ بالنسبة إليه من أنه لا يوصف بها إلا إذا كان الموصوف نكرة أو معرفة ـ بلام الجنس ـ فلا، والمبرد يشترط في الوصف بها صلاحية البدل في موضعه؛ وقيل: إنه مبتدأ خبره محذوف أي لم يقولوا ـ ولا يرد عليه شيء مما تقدم ـ إلا أن فيه كلاماً سنذكره إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: {أية : إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 11]. {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} جملة معترضة أي وأنتم قوم عادتكم الإعراض والتولي عن المواثيق، ويؤخذ كونه عادتهم من الاسمية الدالة على الثبوت، وقيل: حال مؤكدة ـ والتولي والإعراض شيء واحد ـ ويجوز فصل الحال المؤكدة ـ بالواو ـ عند المحققين وفرق بعضهم بين التولي والإعراض بأن الأول قد يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت العقد والإعراض هو الانصراف عن الشيء بالقلب. وقيل: إن التولي أن يرجع عوده إلى بدئه، والإعراض أن يترك المنهج ويأخذ في عرض الطريق والمتولي أقرب أمراً من المعرض لأنه متى عزم سهل عليه العود إلى سلوك المنهج والمعرض حيث ترك المنهج وأخذ في عرض الطريق يحتاج إلى طلب منهجه فيعسر عليه العود إليه. ومن الناس من جوز أن يكون (معرضون) على ظاهره، والجملة حال مقيدة أي لم يتول القليل وأنتم معرضون عنهم ساخطون لهم فيكون في ذلك مزيد توبيخ لهم ومدحاً للقليل ـ فهو بعيد ـ كالقول بأنها مقيدة ومتعلق التولي والإعراض مختلف أي توليتم على المضي في الميثاق وأعرضتم عن اتباع هذا النبـي صلى الله عليه وسلم.
ابن عاشور
تفسير : أعيد ذكر أحوال بني إسرائيل بعد ذلك الاستطراد المتفنن فيه، فأعيد الأسلوب القديم وهو العطف بإعادة لفظ (إذ) في أول القصص. وأظهر هنا لفظ {بني إسرائيل} وعدل عن الأسلوب السابق الواقع فيه التعبير بضمير الخطاب المراد به سلف المخاطبين وخلفهم لوجهين: أحدهما أن هذا رجوع إلى مجادلة بني إسرائيل وتوقيفهم على مساويهم فهو افتتاح ثان جرى على أسلوب الافتتاح الواقع في قوله تعالى: {أية : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم}تفسير : [البقرة: 40] الآية. ثانيهما: أن ما سيذكر هنا لما كان من الأحوال التي اتصف بها السلف والخلف وكان المقصود الأول منه إثبات سوء صنيع الموجودين في زمن القرآن تعين أن يعبر عن سلفهم باللفظ الصريح ليتأتى توجيه الخطاب من بعد ذلك إلى المخاطبين حتى لا يظن أنه من الخطاب الذي أريد به أسلافهم على وزان {أية : وإذ نجيناكم من آل فرعون}تفسير : [البقرة: 49] أو على وزان {أية : ثم اتخذتم العجل من بعده}تفسير : [البقرة: 51]. وقوله: {ميثاق بني إسرائيل} أريد به أسلافهم لأنهم الذين أعطوا الميثاق لموسى على امتثال ما أنزل الله من التوراة كما قدمناه، أو المراد بلفظ (بني إسرائيل) المتقدمون والمتأخرون، والمراد بالخطاب في {توليتم} خصوص من بعدهم لأنهم الذين تولوا فليس في الكلام التفات ما، وهو أولى من جعل ما صدق {بني إسرائيل} هو ما صدق ضمير {توليتم} وأن الكلام التفات. وقوله: {لا تعبدون إلا الله} خبر في معنى الأمر ومجيء الخبر للأمر أبلغ من صيغة الأمر لأن الخبر مستعمل في غير معناه لعلاقة مشابهة الأمر الموثوق بامتثاله بالشيء الحاصل حتى إنه يخبر عنه. وجملة {لا تعبدون} مبدأ بيان للميثاق فلذلك فصلت وعطف ما بعدها عليها ليكون مشاركاً لها في معنى البيانية سواء قَدَّرْت أنْ أو لم تقدِّرْها أو قدَّرت قولاً محذوفاً. وقوله: {وبالوالدين إحساناً} هو مما أخذ عليهم الميثاق به وهو أمر مؤكد لما دل عليه تقديم المتعلق على متعلقه وهما {بالوالدين إحساناً} وأصله وإحساناً بالوالدين، والمصدر بدل من فعله والتقدير وأحسنوا بالوالدين إحساناً. ولا يريبكم أنه معمول مصدر وهو لا يتقدم على عامله على مذهب البصريين لأن تلك دعوى واهية دعاهم إليها أن المصدر في معنى أنْ والفعل فهو في قوة الصلة ومعمول الصلة لا يتقدم عليها مع أن أن والفعل هي التي تكون في معنى المصدر لا العكس، والعجب من ابن جني كيف تابعهم في «شرحه للحماسة» على هذا عند قول الحماسي:شعر : وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان تفسير : وعلى طريقتهم تعلق قوله: {بالوالدين} بفعل محذوف تقديره وأحسنوا، وقوله: {إحساناً} مصدر ويرد عليهم أن حذف عامل المصدر المؤكد ممتنع لأنه تبطل به فائدة التأكيد الحاصلة من التكرير فلا حاجة إلى جميع ذلك. ونجزم بأن المجرور مقدم على المصدر، على أن التوسع في المجرورات أمر شائع وأصل مفروغ منه. واليتامى جمع يتيم كالندامى للنديم وهو قليل في جمع فعيل. وجعل الإحسان لسائر الناس بالقول لأنه القدر الذي يمكن معاملة جميع الناس به وذلك أن أصل القول أن يكون عن اعتقاد، فهم إذا قالوا للناس حسناً فقد أضمروا لهم خيراً وذلك أصل حسن المعاملة مع الخلق قال النبيء صلى الله عليه وسلم«حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»تفسير : . وقد علمنا الله تعالى ذلك بقوله: {أية : ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا}تفسير : [الحشر: 10] على أنه إذا عرض ما يوجب تكدر الخاطر فإن القول الحسن يزيل ما في نفس القائل من الكدر ويرى للمقول له الصفاء فلا يعامله إلا بالصفاء قال المعري:شعر : والخل كالماء يبدي لي ضمائره مع الصفاء ويُخفيها مع الكدر تفسير : على أن الله أمر بالإحسان الفعلي حيث يتعين ويدخل تحت قدرة المأمور وذلك الإحسان للوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين وإيتاء الزكاة، وأمر بالإحسان القولي إذا تعذر الفعلي على حد قول أبي الطيب:شعر : فليسعد النطق إن لم تسعد الحال تفسير : وقوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} أطلقت الزكاة فيه على الصدقة مطلقاً أو على الصدقة الواجبة على الأموال: وليس المراد الكناية عن شريعة الإسلام لما علمت من أن هاته المعاطيف تابعة لبيان الميثاق وهو عهد موسى عليه السلام. وقوله: {ثم توليتم إلا قليلاً منكم} خطاب للحاضرين وليس بالتفات كما علمت آنفاً. والمعنى أخذنا ميثاق الأمة الإسرائيلية على التوحيد وأصول الإحسان فكنتم ممن تولى عن ذلك وعصيتم شرعاً اتبعتموه. والتولي الإعراض وإبطال ما التزموه، وحذف متعلقه لدلالة ما تقدم عليه، أي توليتم عن جميع ما أخذ علكيم الميثاق به أي أشركتم بالله وعبدتم الأصنام وعققتم الوالدين وأسأتم لذوي القربى واليتامى والمساكين وقلتم للناس أفحش القول وتركتم الصلاة ومنعتم الزكاة. ويجوز أن يكون المراد بالخطاب في {توليتم} المخاطبين زمن نزول الآية، وبعض من تقدمهم من متوسط عصور الإسرائيليين فيكون ضمير الخطاب تغليباً، نكتته إظهار براءة الذين أخذ عليهم العهد أولاً من نكثه وهو من الإخبار بالجمع والمراد التوزيع أي توليتم فمنكم من لم يحسن للوالدين وذي القربى إلخ وهذا من صفات اليهود في عصر نزول الآية كما سيأتي في تفسير الآية التي بعدها، ومنكم من أشرك بالله وهذا لم ينقل عن يهود زمن النزول وإنما هومن صفات من تقدمهم من بعد سليمان فقد كانت من ملوك إسرائيل عبدة أصنام وتكرر ذلك فيهم مراراً كما هو مسطور في سفري الملوك الأول والثاني من التوراة. و(ثم) للترتيبين الترتبي والخارجي. وقوله: {إلا قليلاً منكم} إنصاف لهم في توبيخهم ومذمتهم وإعلان بفضل من حافظ على العهد. وقوله: {وأنتم معرضون} جملة حالية ولكونها اسمية أفادت أن الإعراض وصف ثابت لهم وعادة معروفة منهم كما أشار إليه في «الكشاف» وهو مبني على اعتبار اسم الفاعل مشتقاً من فعل منزل منزلة اللازم ولا يقدر له متعلق ويجوز أن يقدر مشتقاً من فعل حذف متعلقه تعويلاً على القرينة أي {وأنتم معرضون} عن الوصايا التي تضمنت ذلك الميثاق أي توليتم عن تعمد وجرأة وقلة اكتراث بالوصايا وتركاً للتدبر فيها والعمل بها.
القطان
تفسير : الميثاق: العهد الشديد. اليتيم: من لا أب له. المسكين: من سكنت يده عن العمل، العاجز عن الكسب. بعد ما بسطت الآيات السابقة ما انعم الله به على بني اسرائيل جاء الكتاب هنا يبين أهم ما أُمر به أسلافهم من عبادات وكيف كانوا يُصمّون أسماعهم عن سماع دعوى الحق. فأول شيء وأهمه دعاؤهم الى عبادة الله، وحده ثم الاحسان الى الوالدين. ويترتب على ذلك ترابط الاسرة وتماسكها. فالأمة مكونة من مجموع الأسر والبيوت، وصلاح الأمة بصلاح الأسرة. وقد أكد القرآن على ترابط الأسرة، والحفاظ عليها، وتقويتها من برِّ الوالدين أولاً. ثم ذوي القربى، ثم الاحسان الى اليتامى بحسن تربيتهم وحفظ حقوقهم من الضياع. ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أنا وكافلُ اليتيم في الجنة"تفسير : رواه البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي عن سهل بن سعد. وفي رواية: "حديث : أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين"تفسير : وأشار بالسّبابة والوسطى. فهل بعد ذلك منزلة أكبر! ثم قال تعالى بعد ذلك: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} فبعد ما أمر بالإحسان الى الوالدين والاقربين والمساكين واليتامى ـ أمرنا، اذا لم نستطع أن نحسن الى جميع الناس بالفعل، فلنُحسن العِشرة، اذ ان الكلمة الطيبة صدقة كما ورد في الحديث الصحيح. ثم بعد ذلك قال: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} وهنا لم يقل "صلّوا" بل قال أقيموا الصلاة، أي صلوها على أحسن وجوهها. وهاتان فريضتان من أهم الفرائض التي تنقّي النفوس من الأدران. فاذا صلحت النفوس صلَح المجتمع بأسره. ثم ماذا حصل بعد ان أخذ الميثاق على أسلاف بني إسرائيل؟ الذي حصل أنهم تولوا وأعرضوا ونقضوا الميثاق الا قليلا منهم أذعن للحق. القراءات قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم ويعقوب: "لا تعبدون" بالتاء الفوقية، وقرأ الباقون: "لا يعبدون" بالياء. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: "حَسَنا" والباقون "حُسنا" وقرىء: "حُسُنا" بضمتين. و"حسنى" كبشرى.
د. أسعد حومد
تفسير : {مِيثَاقَ} {ۤ إِسْرَائِيلَ} {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ} {ٱلصَّلاَةَ} {وَآتُواْ} {ٱلزَّكَاةَ} {الْيَتَامَىٰ} {ٱلْمَسَاكِينِ} (83) - ويُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَني إَسْرَائِيلَ بِأَوَامِرِهِ إِلَيهِمْ، وَبِالمِيثَاقِ الذِي أَخَذَهُ عَلَيهِمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى وَغَيرِهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ أَلاَّ يَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَلاَّ يُشْرِكُوا بِهِ شَيئاً، وَأَنْ يُحْسِنُوا مُعَامَلَةَ الوَالِدَينِ، وَأَنْ يُحسِنُوا إِلَى ذَوِي قُربَاهُمْ، وَإِلَى اليَتَامَى الذِين مَاتَ آبَاؤُهُمْ، وإِلى المَسَاكِينِ الذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعِيَالِهِمْ، وَأَنْ يُحْسِنُوا مُعَامَلَةَ النَّاسِ وَمُعَاشَرَتَهُمْ، وَأَنْ يَقُولُوا لَهُمْ كَلِمَاتٍ طَيِّبَاتٍ (وَيدخُلُ فِي ذلِكَ الأَمرُ بِالمَعْروفِ والنَّهيُ عَنِ المُنْكَرِ) وَأَنْ يُقِيموا الصَّلاَةَ، وَأَنْ يُؤَدُّوا الزَّكَاةَ. وَلكِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَوَلَّوْا عَنْ ذلِكَ، وَأَعْرَضُوا عَنْهُ عَنْ عَمْدٍ، بَعْدَ العِلْمِ بِهِ، وَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ بِأَمْرِ اللهِ إِلاَّ قَلِيلُونَ، أَقَامُوا الشَّرِيعَةَ عَلَى وَجْهِهَا الصَّحِيحِ فِي زَمَنِ مُوسَى وَبَعْدَهُ، وَدَخَلُوا فِي الإِسْلامِ حِينَمَا أَدْرَكُوهُ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاَّمٍ وَثَعْلَبَةَ بْنِ سعيدٍ. المِيثَاقَ - هُوَ العَهْدُ الشَّدِيدُ المُؤَكَّدُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أخذ الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل ثمانية أشياء: الميثاق .. وهو العهد الموثق المربوط ربطاً دقيقاً وهو عهد الفطرة أو عهد الذر .. مصداقاً لقوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ..} تفسير : [الأعراف: 172]. وهناك عهد آخر أخذه سبحانه وتعالى على رسله جميعاً .. أن يبشروا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ويطلبوا من أتباعهم أن يؤمنوا به عند بعثه .. أو ألا يكتموا ما في كتبهم وإلا يغيروه .. والميثاق هو كل شيء فيه تكليف من الله .. ذلك أنك تدخل في عقد إيماني مع الله سبحانه وتعالى بأن تفعل ما يأمر به وتترك ما نهى عنه .. هذا هو الميثاق .. كلمة الميثاق وردت في القرآن الكريم بوصف غليظ .. في علاقة الرجل بالمرأة .. قال سبحانه وتعالى: {أية : وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً} تفسير : [النساء: 20-21]. نقول نعم لأن هذا الميثاق سيحل للمرأة أشياء لا تكون إلا به .. أشياء لا تحل لأبيها أو لأخيها أو أي إنسان عدا زوجها .. والرجل إذا دخل على ابنته وكانت ساقها مكشوفة تسارع بتغطيتها .. فإذا دخل عليها زوجها فلا شيء عليها .. إذن هو ميثاق غليظ لأنه دخل مناطق العورة وأباح العورة للزوج والزوجة .. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ..} تفسير : [البقرة: 187]. إن كلا منهما يغطي ويخفي ويستر عورة الآخر .. والأب لا يفرح من انتقال ولاية ابنته إلى غيره .. إلا انتقال هذه الولاية لزوجها .. ويشعر بالقلق عندما تكبر الفتاة ولا تتزوج. الحق يقول: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} [البقرة: 83] هذا الميثاق شمل ثلاثة شروط: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} [البقرة: 83] .. أي تعبدون الله وحده .. وتؤمنون بالتوراة وبموسى نبياً .. لماذا؟ لأن عبادة الله وحده هي قمة الإيمان .. ولكن لا تحدد أنت منهج عبادته سبحانه .. بل الذي يحدد منهج العبادة هو المعبود وليس العابد .. لابد أن تتخذ المنهج المنزل من الله وهو التوراة وتؤمن به .. ثم بعد ذلك تؤمن بموسى نبياً .. لأنه هو الذي نزلت عليه التوراة .. وهو الذي سيبين لك طريق العبادة الصحيحة. وبدون هذه الشروط الثلاثة لا تستقيم عبادة بني إسرائيل.. وقوله تعالى: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [البقرة: 83] لأنهما السبب المباشر في وجودك .. ربياك وأنت صغير، ورعياك، وقوله تعالى: "إحساناً" معناه زيادة على المفروض. لأنك قد تؤدي الشيء بالقدر المفروض منك .. فالذي يؤدي الصلاة مثلاً بقدر الغرض يكون قد أدى .. أما الذي يصلي النوافل ويقوم الليل يكون قد دخل في مجال الإحسان .. أي عطاؤه أكثر من المفروض .. والله تبارك وتعالى يقول: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُواْ قَلِيلاً مِّن ٱللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِٱلأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ} تفسير : [الذاريات: 15-19]. وهكذا نرى أن الإحسان زيادة على المفروض في الصلاة والتسبيح والصدقة والله تبارك وتعالى يريد منك أن تعطي لوالديك أكثر من المفروض أو من الواجب عليك.. وقوله تعالى: {وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ} [البقرة: 83] .. يحدد الله لنا فيها المرتبة الثانية بالنسبة للإحسان .. فالله جل جلاله أوصانا أن نحسن لوالدينا ونرعى أقاربنا .. ولو أن كل واحد منا قام بهذه العملية ما وُجِدَ محتاج أو فقير أو مسكين في المجتمع .. والله يريد مجتمعاً لا فقر فيه ولا حقد .. وهذا لا يتأتى إلا بالتراحم والإحسان للوالدين والأقارب .. فيكون لكل محتاج في المجتمع مَنْ يكفله .. يقول الله سبحانه: "واليتامى" .. واليتيم هو من فقد أباه وهو طفل لم يبلغ مبلغ الرجال .. هذا في الإنسان .. أما في الحيوان فإن اليتيم من فقد أمه .. لأن الأمومة في الحيوان هي الملازمة للطفل، ولأن الأب غير معروف في الحيوان ولكن الأم معروفة .. اليتيم الذي فقد أباه فقد من يعوله ومن يسعى من أجله ومن يدافع عنه .. والله سبحانه وتعالى جعل الأم هي التي تربي وترعى .. والأب يكافح من أجل توفير احتياجات الأسرة .. ولكن الحال انقلب الآن ولذلك يقول شوقي رحمه الله: شعر : لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنْ هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفََاهُ ذَلِيلاَ إِنّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَهُ أُمَّاَ تَخَلَّتْ أَوْ أَباًً مَشْغُولاَ تفسير : إن اليتيم يكون منكسراً لأنه فقد والده فأصبح لا نصير له .. فإذا رأينا في المجتمع الإسلامي أن كل يتيم يرعاه - رعاية الأب - كل رجال المجتمع .. فذلك يجعل الأب لا يخشى أن يترك إبنه بعد وفاته .. إذن فرعاية المجتمع لليتيم تضمن أولاً حماية حقه، لأنه إذا كان يتيماً وله مال فإن الناس كلهم يطمعون في ماله، لأنه لا يقدر أن يحميه .. هذه واحدة .. والثانية أن هذا التكافل يُذْهِب الحقد من المجتمع ويجعل كل إنسان مطمئناً على أولاده .. وقوله سبحانه وتعالى: "والمساكين" .. في الماضي كنا نقول إن المساكين هم الذين لا يملكون شيئاً على الإطلاق ليقيموا به حياتهم .. إلى أن نزلت الآية الكريمة في سورة الكهف: {أية : أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ ..} تفسير : [الكهف: 79]. فعرفنا أن المسكين قد يملك .. ولكنه لا يملك ما يكفيه .. وهذا نوع من التكافل الإجتماعي لابد أن يكون موجوداً في المجتمع .. حتى يتكافل المجتمع كله .. فأنت إن كنت فقيراً أو مسكيناً ويأتيك من رجل غني ما يعينك على حياتك .. فإنك ستتمنى له الخير لأن هذا الخير يصيبك .. ولكن إذا كان هذا الغني لا يعطيك شيئاً .. هو يزداد غنى وأنت تزداد فقراً .. تكون النتيجة أن حقدك يزداد عليه.. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} [البقرة: 83] .. كلمة حسناً بضم الحاء ترد بمعنى حسن بفتح الحاء .. والحسن هو ما حسنه الشرع .. ذلك أن العلماء اختلفوا: هل الحسن هو ما حسَّنه الشرع أو ما حسنه العقل؟ نقول: ما حسنه العقل مما لم يرد فيه نص من تحسين الشرع .. لأن العقل قد يختلف في الشيء الواحد .. هذا يعتبره حسناً وهذا يعتبره قبيحاً .. والله تبارك وتعالى يقول: {أية : ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ..} تفسير : [النحل: 125]. هذا هو معنى قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} [البقرة: 83] .. ثم جاء قوله جل جلاله: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} [البقرة: 83] وقد تكلمنا عن معنى إقامة الصلاة وما يجعلها مقبولة عند الله. وهناك فرق بين أن تقول صلوا .. وبين أن تقول أقيموا الصلاة .. أقيموا الصلاة معناها صلّ ولكن صلاة على مستواها الذي يطلب منك .. وإقامة الصلاة كما قلنا هي الركن الذي لا يسقط أبداً عن الإنسان .. ويقول الحق: {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} [البقرة: 83] .. بالنسبة للزكاة عندما يقول الله سبحانه: {وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ} [البقرة: 83] .. نقول إن الأقارب واليتامى والمساكين لهم حق في الزكاة ما داموا فقراء .. لنحس جميعاً أننا نعيش في بيئة إيمانية متكاملة متكافلة .. يحاول كل منا أن يعاون الآخر .. فالزكاة في الأساس تعطي للفقير ولو لم يكن يتيماً أو قريباً .. فإن لكل فقير حقوقاً ورعاية .. فإذا كان هناك فقراء أقارب أو يتامى يصبح لهم حقان .. حق القريب وحق الفقير .. وإن كان يتيماً فله حق اليتيم وحق الفقير .. بعد أن ذكر الحق سبحانه وتعالى عناصر الميثاق الثمانية .. قال: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} [البقرة: 83] .. تولى يعني أعرض أو لم يُطعْ أو لم يستمع .. يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} [البقرة: 83] .. هذا هو واقع تاريخ بني إسرائيل .. لأن بعضهم تولى ولم يطع الميثاق وبعضهم أطاع.. إن القرآن لم يشن حملة على اليهود، وإنما شن حملة على المخالفين منهم. ولذلك احترم الواقع وقال: {إِلاَّ قَلِيلاً} [البقرة: 83] .. وهذا يقال عنه بالنسبة للبشر قانون صيانة الاحتمال.. إن الحق جل جلاله يتكلم بإنصاف الخالق للمخلوق .. لذلك لم يقل {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} [البقرة: 83] بل قال إلا قليلاً. "توليتم" يعني أعرضتم، ولكن الله تبارك وتعالى يقول: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} [البقرة: 83] نريد أن نأخذ الدقة الأدائية .. إذا أردنا أن نفسر توليّ .. فمعناها أعرض أو رفض الأمر .. ولكن الدقة لو نظرنا للقرآن لوجدنا أنه حين يلتقي المؤمن بالكافر في معركة .. فالله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأنفال: 16]. إذن فالتولي هو الإعراض .. والحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة بين لنا أن الإعراض يتم بنوايا مختلفة .. المقاتل يوم الزحف يعرض أو يتولى ليس بنية الهرب من المعركة .. ولكن بنية أن يذهب ليقاتل في مكان آخر أو يعاون إخوانه الذين تكاثر عليهم الأعداء .. هذا إعراض ولكن ليس بنية الهرب من المعركة .. ولكن بنية القتال بشكل أنسب للنصر .. نفرض أن إنساناً مدين لك رأيته وهو قادم في الطريق فتوليت عنه .. أنت لم تعرض عنه كرهاً .. ولكن رحمة لأنك لا تريد المساس بكرامته .. إذن هناك تولٍّ أو إعراض ليس بنية الإعراض. والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن هؤلاء اليهود تولوا بنية الإعراض، ولم يتولوا بأي نية أخرى .. أي أنهم أعرضوا وهم متعمدون أن يعرضوا .. وليس لهدف آخر.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تعدّد جرائم اليهود، وفي هذه الآيات أمثلة صارخة على عدوانهم وطغيانهم وإِفسادهم في الأرض، فقد نقضوا الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة، وقتلوا النفس التي حرّم الله، واستباحوا أكل أموال الناس بالباطل، واعتدوا على إِخوانهم في الدين فأخرجوهم من الديار، فاستحقوا اللعنة والخزي والدمار. اللغَة: {مِيثَاقَ} الميثاق: العهد المؤكد باليمين غاية التأكيد، فإِن لم يكن مؤكداً سمي عهداً {حُسْناً} الحُسْنُ: اسم عام جامعٌ لمعاني الخير، ومنه لين القول، والأدب الجميل، والخلق الكريم، وضده القُبْح والمعنى: قولوا قولاً حُسْناً فهو صفة لمصدر محذوف {تَوَلَّيْتُمْ} التولّي عن الشيء: الإِعراضُ عنه ورفضُه وعدم قبوله كقوله {أية : فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا} تفسير : [النجم: 29] وفرّق بعضهم بين التولي والإِعراض فقال: التولي بالجسم، والإِعراضُ بالقلب {تَظَاهَرُونَ} تتعاونون وهو مضارع حذف منه أحد التاءين، كأن المتظاهرين يسند كل واحد منهما ظهره إِلى الآخر، والظهير: المعين {ٱلإِثْمِ} الذنب الذي يستحق صاحبه الملامة وجمعه آثام {الْعُدْوَانِ} تجاوز الحد في الظلم {خِزْيٌ} الخزي: الهوان والمقت والعقوبة. التفسِيْر: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي اذكروا حين أخذنا على أسلافكم يا معشر اليهود العهد المؤكد غاية التأكيد {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} بأن لا تعبدوا غير الله {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} أي وأمرناهم بأن يحسنوا إِلى الوالدين إِحساناً {وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ} أي وأن يحسنوا أيضاً إِلى الأقرباء، واليتامى الذين مات آباؤهم وهم صغار، والمساكين الذين عجزوا عن الكسب {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} أي قولاً حسناً بخفض الجناح، ولين الجانب، مع الكلام الطيّب {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} أي صلوا وزكّوا كما فرض الله عليكم من أداء الركنين العظيمين "الصلاة، والزكاة" لأنهما أعظم العبادات البدنية والمالية {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} أي ثم رفضتم وأسلافكم الميثاق رفضاً باتاً، وأعرضتم عن العمل بموجبه إِلاّ قليلاً منكم ثبتوا عليه {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} أي واذكروا أيضاً يا بني إِسرائيل حين أخذنا عليكم العهد المؤكد بأن لا يقتل بعضكم بعضاً {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} ولا يعتدي بعضكم على بعض بالإِخراج من الديار، والإِجلاء عن الأوطان {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أي ثمّ اعترفتم بالميثاق وبوجوب المحافظة عليه، وأنتم تشهدون بلزومه {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} أي ثم نقضتم أيضاً الميثاق يا معشر اليهود بعد إِقراركم به، فقتلتم إِخوانكم في الدين، وارتكبتم ما نهيتم عنه من القتل {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ} أي كما طردتموهم من ديارهم من غير التفاتٍ إِلى العهد الوثيق {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} أي تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ} أي إِذا وقعوا في الأسر فاديتموهم، ودفعتم المال لتخليصهم من الأسر {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} أي فكيف تستبيحون القتل والإِخراج من الديار، ولا تستبيحون ترك الأسرى في أيدي عدوهم؟ {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}؟ أي أفتؤمنون ببعض أحكام التوراة وتكفرون ببعض؟ والغرض التوبيخ لأنهم جمعوا بين الكفر والإِيمان، والكفر ببعض آيات الله كفرٌ بالكتاب كله ولهذا عقّب تعالى ذلك بقوله {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي ما عقوبة من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض إِلا ذلٌ وهوان، ومقتٌ وغضب في الدنيا {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ} أي وهم صائرون في الآخرة إِلى عذاب أشدّ منه، لأنه عذاب خالد لا ينقضي ولا ينتهي {وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وفيه وعيد شديد لمن عصى أوامر الله، ثم أخبر تعالى عن سبب ذلك العصيان والعدوان فقال {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ} أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة هم الذين استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة بمعنى اختاروها وآثروها على الآخرة {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} أي لا يُفتَّر عنهم العذاب ساعة واحدة {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي وليس لهم ناصر ينصرهم، ولا مجير ينقذهم من عذاب الله الأليم. تنبيه: كانت (بنو قريظة) و (بنو النضير) من اليهود، فحالفت بنو قريظة الأوس، وبنو النضير الخزرج، فكانت الحرب إِذا نشبت بينهم قاتل كل فريق من اليهود مع حلفائه، فيقتل اليهودي أخاه اليهودي من الفريق الآخر، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والمتاع والمال، وذلك حرام عليهم في دينهم وفي نص التوراة، ثم إِذا وضعت الحرب أوزارها افْتكُوا الأسارى من الفريق المغلوب عملاً بحكم التوراة ولهذا قال تعالى {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}. البَلاَغَة: 1 - {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} خبرٌ في معنى النهي، وهو أبلغ من صريح النهي كما قال أبو السعود لما فيه من إِيهام أن المنهيَّ حقه أن يسارع إِلى الانتهاء فكأنه انتهى عنه، فجاء بصيغة الخبر وأراد به النهي. 2 - {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} وقع المصدر موقع الصفة أي قولاً حسناً أو ذا حسنٍ للمبالغة فإِن العرب تضع المصدر مكان اسم الفاعل أو الصفة بقصد المبالغة فيقولون: هو عدل. 3 - التنكير في قوله {خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} للتفخيم والتهويل. 4 - {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} عبّر عن قتل الغير بقتل النفس لأن من أراق دم غيره فكأنما أراق دم نفسه فهو من باب المجاز لأدنى ملابسة. 5 - {أَفَتُؤْمِنُونَ} الهمزة للإِنكار التوبيخي. الفَوائِد: الفائدة الأولى: جاء الترتيب في الآية بتقديم الأهم فالأهم، فقدّم حق الله تعالى لأنه المنعم في الحقيقة على العباد، ثم قدم ذكر الوالدين لحقهما الأعظم في تربية الولد، ثم القرابة لأن فيهم صلة الرحم وأجر الإِحسان، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثمّ المساكين لضعفهم ومسكنتهم. الثانية: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} ولم يقل: وقولوا لإِخوانكم أو قولوا للمؤمنين حسناً ليدل على أنّ الأمر بالإِحسان عامٌ لجميع الناس، المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وفي هذا حضٌ على مكارم الأخلاق، بلين الكلام، وبسط الوجه، والأدب الجميل، والخلق الكريم قال أحد الأدباء: شعر : بُنيَّ إِنَّ البرَّ شيءٌ هيّنُ وجهٌ طليقٌ ولسانٌ ليّنُ
الأندلسي
تفسير : {وَإِذْ أَخَذْنَا} وإذ معطوف على الظروف السابقة وهذه الآيات من الواردة في توبيخ بني إسرائيل. {مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} على لسان موسى والأنبياء عليهم السلام أو ما أخذ عليهم في الكتاب المنزل على نبيهم. وقرىء {لاَ تَعْبُدُونَ} بياء الغيبة وبتاء الخطاب ولا تعبدوا نهياً وأخذنا ميثاق في معنى القسم ولا تعبدون جوابه {إِلاَّ ٱللَّهَ} استثناء مفرغ وفيه التفات إذ لو جرى على أخذنا لكان إلا إيانا لكن في هذا الإِلتفات من الفخامة والدلالة على سائر الصفات والتفرد بالتسمية ما ليس في المضمر. {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ} أي الأب والأم ويقال للأم والد ووالدة. والاحسان برّهما واكرامهما وإحساناً مصدر في معنى الأمر أي وأحسنوا ببر الوالدين. وتقدم معمول المصدر على سبيل الاعتناء والاهتمام بأمرهما. {وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي وصاحب القرابة وفي ذلك صلة الرحم إذ هو مشارك للوالدين في القرابة. {وَالْيَتَامَىٰ} وهم الذين مات آباؤهم ولا قدرة لهم تامة على الاكتساب وجاء أنا وكافل اليتيم لهاتين في الجنة. {وَٱلْمَسَاكِينِ} وتأخروا إذ يمكن أن يتعهد نفسه باستخدام وإصلاح معيشة وأريد بذي القربى الجنس ولذلك أفرد ذو وإضافته إلى المصدر تدرج الجميع. {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} لما اتبع عبادة الله بالاحسان لمن ذكر وهو فعل اتبع ذلك بالقول ليكون الاحسان بالفعل والقول ولما كان إنما هو مجرد لفظ لا بذل مال كان متعلقة الناس عموماً. وقرىء حسناً وبضم السين وحسناً بفتحتين وحسنى فعلى. و{إِحْسَاناً} قال ابن عطية في قراءة من قرأ حسني على فعلى قال: رده سيبويه لأن أفعل وفعلى لا تجيىء إلا معرفة إلا أن يزال عنها معنى التفضيل وتبقى مصدراً كالعقبى فذلك جائز وهو وجه القراءة بها. "انتهى". وفي كلامه ارتباك كأنه قال: لأن افعل وفعلى لا يجيىء إلا معرفة وليس على ما ذكر اما أفعل فله استعمالات، احدها: أن يكون بمن ظاهرة أو مقدّرة أو مضافاً إلى نكرة، فهذا لا يتعرف بحال بل يبقى نكرة. والاستعمال الثاني: أن يكون بالألف واللام فإِذ ذاك لا يكون إلا معرفة بهما. والاستعمال الثالث: أن يضاف إلى معرفة وفي التعريف بتلك الاضافة خلاف، وذلك نحو: أفضل القوم. واما فعلى فلها استعمالات، احدها: بالألف واللام وتكون معرفة بهما. والثاني: بالاضافة إلى معرفة، نحو: فضلى النساء وفي التعريف بهذه الاضافة الخلاف الذي في أفعل. فقول ابن عطية لأن أفعل وفعلي لا يجيىء إلا معرفة ليس بصحيح وقوله: إلا أن يزال عنها، معنى التفضيل وتبقى مصدراً كالعقبى فذلك جائز ظاهر كلامه ان المعنى إلا أن يزال عن فعلى معنى التفضيل ويبقى مصدراً فيكون فعلى الذي هو مؤنث أفعل إذا أزلت منه معنى التفضيل يبقى مصدراً فليس كذلك بل لا ينقاس مجيىء فعلى مصدراً، إنما جاءت منه ألفاظ يسيرة فلا يجوز أن يعتقد في فعلى التي مذكرها أفعل انها تصير مصدراً إذا زال منها معنى التفضيل. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} أمر بهاتين العبادتين البدنية والمالية اهتماماً بهما وتوكيداً لأمرهما. {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} عما طلب منكم من العبادة والاحسان بالفعل والقول والصلاة والزكاة. {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ} أي أشخاصاً قليلين وهم من آمن حقيقة الإِيمان من أسلافهم وإن كان خطايا لمن بحضرته عليه السلام كان من القليل عبد الله ابن سلام وأصحابه واحتمال القلة في الإيمان لا في الأشخاص كما قاله ابن عطية بعيد. وقرىء إلا قليلاً - بالنصب - وهو الأفصح. وقرىء - بالرفع - وجعله بدلاً من ضمير توليتم لأن في التولي معنى النفي كأنه قال: لم يفوا بالميثاق إلا قليل: قاله ابن عطية. ولا تجيز النحاة البدل من الموجب. {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} حال مؤكدة إلا أن اختلف متعلق التولي والأعرض كما قال بعضهم توليتم عن عهد ميثاقكم وأنتم معرضون عن هذا النبي صلى الله عليه وسلم. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُون} كقوله: {لاَ تَعْبُدُونَ} إعراباً وقرىء - بكسر الفاء وضمها - وتسفكون مشدد ومخففاً، أي لا تتعاطون ما يؤدي إلى سفك دمائكم، أو لا يسفك بعضكم دم بعض. {وَلاَ تُخْرِجُونَ} أي لا يخرج بعضكم بعضاً من داره أي بالاساءة فيضطر إلى الإِخراج. {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} بالتزام الميثاق وقبوله. {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أن الله أخذه عليكم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذه الشرائع من أصول الدين، التي أمر الله بها في كل شريعة، لاشتمالها على المصالح العامة، في كل زمان ومكان، فلا يدخلها نسخ، كأصل الدين، ولهذا أمرنا بها في قوله: {أية : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } تفسير : إلى آخر الآية. فقوله: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به، استعصوا؛ فلا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة، والعهود الموثقة { لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ } هذا أمر بعبادة الله وحده، ونهى عن الشرك به، وهذا أصل الدين، فلا تقبل الأعمال كلها إن لم يكن هذا أساسها، فهذا حق الله تعالى على عباده، ثم قال: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } أي: أحسنوا بالوالدين إحسانا، وهذا يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه النهي عن الإساءة إلى الوالدين، أو عدم الإحسان والإساءة، لأن الواجب الإحسان، والأمر بالشيء نهي عن ضده. وللإحسان ضدان: الإساءة، وهي أعظم جرما، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى، والمساكين، وتفاصيل الإحسان لا تنحصر بالعد، بل تكون بالحد، كما تقدم. ثم أمر بالإحسان إلى الناس عموما فقال: { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب. ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله، أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول، فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار، ولهذا قال تعالى: {أية : وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } . تفسير : ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده، أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله، غير فاحش ولا بذيء، ولا شاتم، ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد، صبورا على ما يناله من أذى الخلق، امتثالا لأمر الله، ورجاء لثوابه. ثم أمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد. { ثُمَّ } بعد هذا الأمر لكم بهذه الأوامر الحسنة التي إذا نظر إليها البصير العاقل، عرف أن من إحسان الله على عباده أن أمرهم بها،، وتفضل بها عليهم وأخذ المواثيق عليكم { تَوَلَّيْتُمْ } على وجه الإعراض، لأن المتولي قد يتولى، وله نية رجوع إلى ما تولى عنه، وهؤلاء ليس لهم رغبة ولا رجوع في هذه الأوامر، فنعوذ بالله من الخذلان. وقوله: { إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ } هذا استثناء، لئلا يوهم أنهم تولوا كلهم، فأخبر أن قليلا منهم، عصمهم الله وثبتهم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 26 : 127 - قال سفين، كان أصحاب عبد الله يقرءونها {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً}. [الآية 83].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):