٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
82
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر بجنبها آية في الوعد، وذلك لفوائد: أحدها: ليظهر بذلك عدله سبحانه، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان، وثانيها: أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا»تفسير : ، وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق، وثالثها: أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصير ذلك سبباً للعرفان، وههنا مسائل: المسألة الأولى: العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان لأنه تعالى قال: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } فلو دل الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر العمل الصالح بعد الإيمان تكراراً أجاب القاضي بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة، إلا أن قوله: آمن لا يفيد إلا أنه فعل فعلاً واحداً من أفعال الإيمان، فلهذا حسن أن يقول: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ }. والجواب: أن فعل الماضي يدل على حصول المصدر في زمان مضى والإيمان هو المصدر، فلو دل ذلك على جميع الأعمال الصالحة لكان قوله: آمن دليلاً على صدور كل تلك الأعمال منه،والله أعلم. المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن صاحب الكبيرة قد يدخل الجنة لأنا نتكلم فيمن أتى بالإيمان وبالأعمال الصالحة، ثم أتى بعد ذلك بالكبيرة ولم يتب عنها، فهذا الشخص قبل إتيانه بالكبيرة كان قد صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في ذلك الوقت، ومن صدق عليه ذلك صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات وإذا صدق عليه ذلك وجب اندراجه تحت قوله: {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }، فإن قيل قوله تعالى: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } لا يصدق عليه إلا إذا أتى بجميع الصالحات ومن جملة الصالحات التوبة، فإذا لم يأت بها لم يكن آتياً بالصالحات، فلا يندرج تحت الآية. قلنا: قد بينا أنه قبل الإتيان بالكبيرة صدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات، لأنه متى صدق المركب يجب صدق المفرد، بل إنه إذا أتى بالكبيرة لم يصدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات في كل الأوقات، لكن قولنا: آمن وعمل الصالحات أعم من قولنا: إنه كذلك في كل الأوقات أو في بعض الأوقات، والمعتبر في الآية هو القدر المشترك، فثبت أنه مندرج تحت حكم الوعد. بقي قولهم: إن الفاسق أحبط عقاب معصيته ثواب طاعته فيكون الترجيح لجانب الوعيد إلا أن الكلام عليه قد تقدم. المسألة الثالثة: احتج الجبائي بهذه الآية على أن من يدخل الجنة لا يدخلها تفضلاً، لأن قوله: {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } للحصر، فدل على أنه ليس للجنة أصحاب إلا هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قلنا: لم لا يجوز أن يكون المراد أنهم هم الذين يستحقونها فمن أعطى الجنة تفضلاً لم يدخل تحت هذا الحكم،والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } جرت عادته سبحانه وتعالى على أن يشفع وعده بوعيده، لترجى رحمته ويخشى عذابه، وعطف العمل على ايمان يدل على خروجه عن مسماه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ }.
النسفي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } الميثاق العهد المؤكد غاية التأكيد {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ } إخبار في معنى النهي كما تقول تذهب إلى فلان تقول له كذا تريد الأمر. وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء وهو يخبر عنه، وتنصره قراءة أبيّ «لا تعبدوا»، وقوله «وقولوا» والقول مضمر. «لا يعبدون»: مكي وحمزة وعلي لأن بني إسرائيل اسم ظاهر والأسماء الظاهرة كلها غيب. ومعناه أن لا يعبدوا فلما حذفت «أن» رفع. {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } أي وأحسنوا ليلتئم عطف الأمر وهو قوله «وقولوا» عليه. {وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ } القرابة {وَٱلْيَتَـٰمَىٰ } جمع يتيم وهو الذي فقد أباه قبل الحلم إلى الحلم لقوله عليه السلام «حديث : لا يتم بعد البلوغ»تفسير : {وَٱلْمَسَـٰكِينِ } جمع مسكين وهو الذي أسكنته الحاجة. {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } قولاً هو حسن في نفسه لإفراط حسنه. «حسناً»: حمزة وعلي. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } عن الميثاق ورفضتموه {إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ } قيل: هم الذين أسلموا منهم {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } وأنتم قوم عادتكم الإعراض والتولية، عن المواثيق. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دِيَـٰرِكُمْ } أي لا يفعل ذلك بعضكم ببعض. جعل غير الرجل نفسه إذ اتصل به أصلاً أو ديناً. وقيل: إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } عليها كما تقول: فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها. أو وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق {ثُمَّ أَنتُمْ هَـٰؤُلاء } استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم. «أنتم» مبتدأ و«هؤلاء» بمعنى «الذين» {تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ } صلة «»«هؤلاء». و«هؤلاء» مع صلته خبراً «أنتم» {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن دِيَـٰرِهِمْ } غير مراقبين ميثاق الله {تَظَـٰهَرُونَ علَيْهِم } بالتخفيف كوفي أي تتعاونون. وبالتشديد غيرهم. فمن خفف فقد حذف إحدى التائين. ثم قيل: هي الثانية لأن الثقل بها. وقيل: الأولى. ومن شدد قلب التاء الثانية ظاء وأدغم. {بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوٰنِ } بالمعصية والظلم. {وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمْ } «تفدوهم»: أبو عمرو. «أسرى تفدوهم» مكي وشامي. «أسرى تفدوهم»: حمزة «أسارى تفادوهم»: علي. فدى وفادى بمعنى. و«أسارى» حال وهو جمع أسير وكذلك أسرى. والضمير في {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ } للشأن أو هو ضمير مبهم تفسيره {إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ } بفداء الأسرى. {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } بالقتال والإجلاء. قال السدي: أخذ الله عليكم أربعة عهود ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة وفداء الأسير فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء. {فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ } هو إشارة إلى الإيمان ببعض والكفر ببعض {مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ } فضيحة وهوان {فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ } وهو الذي لا روح فيه ولا فرح أو إلى أشد من عذاب الدنيا {وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } بالياء مكي ونافع وأبو بكر.
الخازن
تفسير : {والذين آمنوا وعملوا الصالحات}. فإن قلت: العمل الصالح خارج عن اسم الإيمان لأنه تعالى قال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} فلو دل الإيمان على العمل الصالح لكان ذكر العمل الصالح بعد الإيمان تكراراً. قلت: أجاب بعضهم بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة إلا أن قوله: آمن لا يفيد إلا أنه فعل فعلاً واحداً من أفعال الإيمان فإذا حسن أن يقول: والذين آمنوا وعملوا الصالحات وقيل: إن قوله آمنوا يفيد الماضي وعملوا الصالحات يفيد المستقبل فكأنه تعالى قال آمنوا أولاً ثم داوموا عليه آخراً ويدخل فيه جميع الأعمال الصالحات {أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} قوله عز وجل: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} يعني في التوراة. والميثاق العهد الشديد {لا تعبدون إلا الله} أي أمر الله تعالى بعبادته فيدخل تحته النهي عن عبادة غيره لأن الله تعالى هو المستحق للعبادة لا غيره {وبالوالدين إحساناً} أي براً بهما ورحمة لهما ونزولاً عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى ويوصل إليهما ما يحتاجان إليه، ولا يؤذيهما البتة وإن كانا كافرين بل يجب عليه الإحسان إليهما ومن الإحسان إليهما أن يدعوهما إلى الإيمان بالرفق واللين، وكذا إن كانا فاسقين يأمرهما بالمعروف بالرفق، واللين من غير عنف وإنما عطف بر الوالدين على الأمر بعبادته، لأن شكر المنعم واجب، ولله على عبده أعظم النعم لأنه هو الذي خلقه وأوجده بعد العدم فيجب تقديم شكره على شكر غيره، ثم إن للوالدين على الولد نعمة عظيمة، لأنهما السبب في كون الولد ووجوده ثم إن لهما عليه حق التربية أيضاً فيجب شكرهما ثانياً {وذي القربى} أي القرابة لأن حق القرابة تابع لحق الوالدين والإحسان إليهم: إنما هو بواسطة الوالدين فلهذا حسن عطف القرابة على الوالدين {واليتامى} جمع يتيم وهو الذي مات أبوه وهو طفل صغير، فإذا بلغ الحلم زال عنه اليتم وتجب رعاية حقوق اليتيم لثلاثة أمور: لصغره ويتمه ولخلوه عمن يقوم بمصلحته، إذ لا يقدر هو أن ينتفع بنفسه، ولا يقوم بحوائجه {والمساكين} جمع مسكين وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وإنما تأخرت درجة المساكين عن اليتامى، لأنه قد يمكن أن ينتفع بنفسه وينفع غيره بالخدمة {وقولوا للناس حسناً} فيه وجهان: أحدهما: أنه خطاب للحاضرين من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلهذا عدل من الغيبة إلى الحضور، والمعنى قولوا: حقاً وصدقاً في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فمن سألكم عنه فأصدقوه وبينوا صفته ولا تكتموها قاله ابن عباس. الوجه الثاني إن المخاطبين به هم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام، وأخذ عليهم الميثاق وإنما عدل من الغيبة إلى الحضور على طريق الالتفات كقوله: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} وقيل: فيه حذف تقديره وقلنا لهم: في الميثاق وقولوا: للناس حسناً ومعناه مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر وقيل هو اللين في القول والعشرة وحسن الخلق {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ولما أمرهم الله تعالى بهذه التكاليف الثمانية لتكون لهم المنزلة عنده بما التزموا به أخبر عنهم أنهم ما وفوا بذلك بقوله تعالى: {ثم توليتم} أي أعرضتم عن العهد {إلا قليلاً منكم} يعني من الذين آمنوا كعبدالله بن سلام وأصحابه فإنهم وفوا بالعهد {وأنتم معرضون} أي كإعراض آبائكم. قوله عز وجل: {وإذ أخذنا ميثاقكم} قيل: هو خطاب لمن كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود وقيل: هو خطاب لآبائهم وفيه تقريع لهم {لا تسفكون} أي لا تريقون {دماءكم} أي لا يسفك بعضكم دم بعض وقيل: معناه لا تسفكوا دماء غيركم فيسفك دماءكم فكأنكم أنتم سفكتم دماء أنفسكم {ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} أي لا يخرج بعضكم بعضاً من داره، وقيل: لا تفعلوا شيئاً فتخرجوا بسببه من دياركم {ثم أقررتم} أي بهذا العهد أنه حق {وأنتم تشهدون} يعني أنتم يا معشر اليهود اليوم تشهدون على ذلك.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى: ما ذكر في القرآن آية وعيد إلا وذكر في جنبها آية وَعْد، وذلك لفوائد: أحدها: أن يظهر سبحانه بذلك عدله؛ لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصّرين على الكفر، وجب أن يحكم بالنَّعيم الدائم على المصرين على الإيمان. وثانيها: أنّ المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه على ما قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : المُؤْمِنُ لَوْ وُزِنَ خَوْفُهُ وَرَجَاؤهُ لاَعْتَدَلاَ"تفسير : وذلك الاعتدال لا يحصل إلا بهذا الطريق. وثالثها: أن يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كما حِكْمته، فيصير ذلك سبباً [للعرفان]. فإن قيل: دلّت الآية على أنْ العمل الصالح خارج عن الإيمان؛ لأنه لو دلّ الإيمان على العمل الصالح لعد الإيمان تكريراً. أجاب القاضي: بأن الإيمان وإن كان يدخل فيه جميع الأعمال الصالحة إلاّ أن قوله: "آمن" لا يفيد إلا أنه فعل فعلاً واحداً من أفعال الإيمان، فلهذا حسن أن يقول: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}. والجواب: أن فعل الماضي يدلّ على حصول المصدر في زمان معين والإيمان هو المصدر فلو دلّ ذلك على جميع الأعمال الصالحة لكان قوله: "آمَنَ" دليلاً على صدور تلك الأعمال منه. فصل في مرتكب الكبيرة هذه الآية تدلّ على أن صاحب الكبيرة قد يدخل الجنة؛ لأنه أتى بالإيمان والأعمال الصالحات، ثم أتى بعد ذلك بالكبيرة، ولم يَتُبْ عنها، فهذا الشَّخص قبل إتيانه بالكبيرة كان قد صدق عليه أنه آمن، وعلم الصالحات [في ذلك الوقت، ومن صدق عليه ذلك قوله: {أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. فإن قيل قوله تعالى: "وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" لا يصدق عليه إلا إذا أتى بجميع [الأعمال]، ومن جملة الصَّالحات التوبة، فإذا لم يأت بها لم يكن آتياً بالصالحات، فلا يندرج تحت [الآية]. قلنا: [لو سلمنا أنه قبل] الإتْيَان بالكبيرة [صدق] عليه أنه آمن وعمل الصالحات [لأنه متى صدق المركب يجب صدق المفرد، بل إنه إذا أتى بالكبيرة لم يصدق عليه أنه آمن وعمل الصالحات] في كل الأوقات، لكن قولنا: آمن وعمل الصالحات أعم من قولنا: إنه كذلك في كل الأوقات، أو في بعض الأوقات، والمعتبر في الآية هو القَدْرُ المشترك، فثبت أنه مندرج تحت حكم الوَعْدِ.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} جرت السنةُ الإلهيةُ على شفْع الوعدِ بالوعيد مراعاةً لما تقتضيه الحِكمةُ في إرشاد العبادِ من الترغيب تارةً والترهيبِ أخرى، والتبشيرِ مرةً والإنذارِ أخرى {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءِيلَ} شروعٌ في تَعداد بعضٍ آخرَ من قبائح أسلافِ اليهودِ مما ينادي بعدم إيمانِ أخلافِهم، وكلمةُ إذ نُصب بإضمار فعلٍ خوطب به النبـيُّ صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ليؤدِّيَهم التأملُ في أحوالهم إلى قطع الطمَع عن إيمانهم، أو اليهودُ الموجودون في عهد النبوة توبـيخاً لهم بسوء صنيعِ أسلافِهم أي اذكروا إذ أخذنا ميثاقهم {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} على إرادة القول أي وقلنا أو قائلين لا تعبدون إلخ وهو إخبارٌ في معنى النهي كقوله تعالى: {وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ} وكما تقول: تذهب إلى فلان وتقول كيتَ وكيتْ وهو أبلغُ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهيَّ حقُّه أن يسارعَ إلى الانتهاء عما نُهي عنه فكأنه انتهى عنه فيُخبرُ به الناهيَ. ويؤيده قراءةُ (لا تعبدوا) وعطفُ (قولوا) عليه وقيل تقديره أن لا تعبدوا إلخ فحُذِف الناصبُ ورُفع الفعل كما في قوله: [الطويل] شعر : ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوغَى وأن أشهدَ اللذاتِ، هل أنت مُخْلِدي؟ تفسير : ويعضُدُه قراءةُ (ألا تعبُدوا) فيكون بدلاً من الميثاق أو معمولاً له بحذف الجار وقيل: إنه جوابُ قسمٍ دل عليه المعنى كأنه قيل: وحلّفناهم لا تعبدون إلا الله، وقرىء بالياء لأنهم غُيَّبٌ {وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} متعلق بمضمر أي وتحسنون أو وأحسنوا {وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ} عطفٌ على الوالدين ويتامىٰ جمع يتيم كندامىٰ جمع نديم، وهو قليل، ومسكين مِفْعيل من السكون كأن الفقرَ أسكنه من الحَراك وأثخنه عن التقلب {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} أي قولاً حسناً سماه (حُسْناً) مبالغة وقرىء كذلك وحُسُناً بضمتين، وهي لغة أهل الحجاز وحُسْنى كبُشرى والمراد به ما فيه تخلّقٌ وإرشاد {وأقيموا الصلاة وآتوا وآتوا الزكاة} هما ما فُرض عليهم في شريعتهم {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} إن جُعل ناصبُ الظرف خطاباً للنبـي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فهذا التفاتٌ إلى خطاب بني إسرائيلَ جميعاً بتغليب أخلافِهم على أسلافهم لجَرَيان ذِكرِ كلِّهم حينئذ على نهْج الغَيْبة، فإن الخطاباتِ السابقةَ لأسلافهم محْكيةٌ داخلةٌ في حيز القول المقدّر قبل لا تعبدون كأنهم استُحضِروا عند ذكرِ جناياتِهم فنُعيت هي عليهم، وإنْ جعل خِطاباً لليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا تعميمٌ للخطاب بتنزيل الأسلافِ منزلةَ الأخلاف كما أنه تعميمٌ للتولي بتنزيل الأخلافِ منزلةَ الأسلاف للتشديد في التوبـيخ أي أعرضتم عن المُضِيِّ على مقتضىٰ الميثاقِ ورفضتموه {إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ} وهم من الأسلاف مَنْ أقام اليهوديةَ على وجهها قبل النسخِ، ومن الأخلاف مَنْ أسلم كعبد اللَّه بنِ سلام وأضرابِه {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} جملةٌ تذيـيلية أي وأنتم قومٌ عادَتُكم الإعراضُ عن الطاعة ومراعاةِ حقوقِ الميثاق، وأصلُ الإعراض الذهابُ عن المواجهة والإقبالُ إلى جانب العَرْض.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [الآية: 82]. قيلَ آمَنُوا: أَيقَنُوا أنَّ النَّجاةَ فى سَعادَةِ الأزَلِ، وأنه ليس فى الطاعات إلا اتباع الأمر فيها، وعملوا الصالحات اتقوا من صالح أعمالهم لعلمهم بقصورها عن حقيقة تعبده، أولئك هم الواصلون إلى الرضوان الأكبر زيادة فى قوله تعالى {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} [الآية: 54] أى: امنعوها عن الاشتغالِ بعبادة غيره. وقيل: اقتلوا أنفسكم فى طاعته ثم توبُوا إليه من أفعالكم وأقوالكم وطاعاتكم. وقال أبو منصور: توبُوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم قال: التوبة محو البشرية وإثبات الإلهية وقتلُ النفس عَما دون الله وعن الله حتى يرجع إلى أصل القدم ويبقى الحق كما لم يزل.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين آمنوا} اى صدقوا بالله تعالى ومحمد عليه السلام بقلوبهم {وعملوا الصالحات} اى ادوا الفرائض وانتهوا عن المعاصى {اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون} لا يموتون ولا يخرجون منها ابدا جرت السنة الآلهية على شفع الوعد بالوعيد مراعاة لما تقتضيه الحكمة فى ارشاد العباد من الترغيب تارة والترهيب اخرى والتبشير مرة والانذار اخرى فان باللطف والقهر يترقى الانسان الى الكمال ويفوز بجنة الجمال والجلال ـ حكى ـ انه كان لشيخ مريد فقال له يوما لو رأيت ابا يزيد كان خيرا لك من شغلك فقال كيف يكون هو خيرا وهو مخلوق ويتجلى الخالق كل يوم سبعين مرة ثم بالآخرة ذهب مع شيخه الى ابى يزيد البسطامى فقالت امرأته لا تطلبوه فهو امرؤ ذهب للحطب فوقفا فى طريقه فاذا هو حمل الحطب على اسد عظيم وبيده حية يضرب الاسد بها فى بعض الاوقات فلما رآه المريد مات وقال ابو يزيد لشيخه قد ربيت مريدك باللطف ولم ترشده الى طريق القهر فلم يتحمل لما رآنى فلا تفعل بعد اليوم وأرهم القهر ايضا قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى ان ابا يزيد برؤية القهر واللطف من الطريق كان مظهرا لتجلى الذات بخلاف المريد فلما رآه فيه لم يتحمل: قال فى المثنوى شعر : عاشقم بر قهر وبر لطفش بجد بو العجب من عاشق اين هردوضد والله ارزين خاردر بستان شوم همجو بلبل زين سبب نالان شوم اين عجب بلبل كه بكشايد دِهان تاخورد اوخار را با كلستان اين جه بلبل اين نهنك آتشيست جملة ناخوشهازعشقاوراخوشيست تفسير : والاشارة فى الآيات الى ان بعض المغرورين بالعقل من الفلاسفة والطبايعية وغيرهم لفرط غفلتهم ظنوا ان قبائح اعمالهم وافعالهم واقوالهم لا تؤثر فى صفاء ارواحهم والارواح فاذا فارقت الارواح الاجساد يرجع كل شىء الى اصله فالاجساد ترجع الى العناصر والارواح الى حظائر القدس ولا يزاحمها شىء من نتائج الاعمال الا اياما معدودة وهذا فاسد لان العاقل يشاهد حسا وعقلا ان تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية يورث الاخلاق الذميمة من الحرص والامل والحقد والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك وهذه من صفات النفس الامارة بالسوء فتصير بالمجاورة والتعود اخلاق الروح فيتكدر صفاؤه ويتبدل اخلاقه الروحانية من الحلم والكرم والمرؤة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك من مكارم الاخلاق وصفاء القلب وتحننه الى وطنه الاصلى وغير ذلك فلا يساوى الروح المتبع للنفس الامارة كما للعوام بعد المفارقة مع الروح المتبع لالهامات الحق كما يكون للخواص وبعضهم قالوا وان تدنست الارواح بقدر تعلقها بمحبوبات طباعها فبعد المفارقة بقيت فى العذاب اياما معدودة على قدر انقطاع التعلقات عنها وزوال الكدروات ثم تخلص وهذا ايضا خيال فاسد وكذبهم الله بقوله بلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته تظهر على مرآة قلبه بقدرها رينا فان تاب محى عنه وان اصر على السيآت حتى اذا احاط بمرآة قلبه رين السيآت بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطرى وخرج منه نور الايمان وضوء الطاعات فاحاطت به الخطيئات {أية : فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} تفسير : [البقرة: 81]. وفيه اشارة ايضا الى بعض ارباب الطلب ممن يركن الى شهوات الدنيا فى اثناء الطلب فيتظفر عليه الشيطان ويغره بزهده فيوقعه في ورطة العجب فينظر الى نفسه بنظر التعظيم والى الخلق بنظر التحقير فيهلك او يغتر بما يظهر فى اثناء السلوك من بعض الوقائع الصادقة والرؤيا الصالحة وشىء من المشاهدات والمكاشفات الروحانية لا الرحمانية فيظن المغرور ان ليس وراء عبادته قربة وانه بلغ مبلغ الرجال فيسكت عن الطلب وتعتريه الآفات حتى احاطب به خطيئته فرجع القهقرى الى اسفل الطبيعة واما الذين آمنوا من اهل الطلب {وعملوا} على قانون الشريعة باشارة شيخ الطريقة الصالحات المبلغات الى الحقيقة اولئك اصحاب الوصول الى جنات الاصول خالدين فيها بالسير الى ابد الآباد فان المنازل والمقاصد وان كانت متناهية لكن السير فى المقصد غير متناه بخلاف الذين احاطت بهم خطيئتهم فانهم خالدون فى نار القطيعة ولن تنفعهم المجاهدات والنظر فى المعقولات والاستدلال بالشبهات.
الطوسي
تفسير : هذه الآية متناولة لمن آمن بالله وصدق به، وصدق النبي (صلى الله عليه وسلم) وعمل الصالحات التي اوجبها الله تعالى عليه، فانه يستحق بها الجنه خالداً ابداً. وظاهرها يمنع من ان مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لأنه اذا كان مؤمناً مستحقاً للثواب الدائم، فلا يجوز ان يستحق مع ذلك عقاباً دائماً، لأن ذلك خلاف ما اجمع المسلمون عليه ومتى عادوا إلى الأحباط، كلموا فيه بينهم وبين بطلان قولهم.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} قد مضى بيانٌ للايمان والعمل الصّالح {أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} اذكروا يا بنى اسرائيل او يا امّة محمّد (ص) او الخطاب عامّ لمن يتأتّى منه الخطاب او ذكّر يا محمّد (ص) بنى اسرائيل او أمّتك او مطلق الخلق {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} على أيدى أنبيائهم فى ضمن البيعة العامّة او الخاصّة، وقد سبق انّه كلّما ذكر عهد وعقد وميثاق فالمراد هو الّذى يكون فى ضمن البيعة {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} امثال هذه العبارة تستعمل على ثلاثة أوجهٍ بعد ذكر أخذ الميثاق؛ الاوّل - ان تكون على صورة الاخبار ايجاباً او نفياً. والثّانى - ان تكون على صورة الانشاء امراً او نهياً. والثّالث - ان يكون الفعل عقيب لفظ ان وقد قرء هاهنا بالوجوه الثّلاثة فان كان على صورة الاخبار فامّا ان يكون بمعنى الانشاء بتقدير القول اى أخذنا ميثاق بنى اسرائيل قائلين: {لا تعبدوا}، ويؤيّد هذا الوجه عطف قولوا، واقيموا، وآتوا؛ عليه، وامّا بمعنى الاخبار بتقدير ان المصدريّة والمعنى أخذنا ميثاقهم على ان لا يعبدوا، او لان لا يعبدوا؛ او يكون بدلاً من الميثاق ولا اشكال على قراءة لا يعبدون بالياء، وامّا على قراءة لا تعبدون بالتّاء فهو على حكاية الحكاية الماضية من غير تغييرٍ او هو بمعنى الاخبار على الحاليّة والمعنى أخذنا ميثاقهم حال كونهم لا يعبدون او حال كوننا قائلين لهم {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} {وَ} تحسنون {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}. تحقيق الوالدين والنّسبة الروحانيّة اعلم انّ الانسان ذو مراتب كثيرةٍ وكلّ مرتبة منه ذات اجزاءٍ كثيرةٍ طوليّة وعرضيّةٍ، ولكلّ مرتبة منه سبب ومعدّ لوجودها غير السّبب والمعدّ لوجود الاخرى؛ فالمعدّ لوجود مرتبته الجسمانيّة هو والداه الجسمانيّان وكلّ من انتسب اليهما بتلك النّسبة كان مناسباً له ومناسبته تسمّى بالاخوّة، والسّبب لوجود مرتبة صدره المنشرح بالكفر هو الشّيطان او من يناسب الانسان من جنود الشّيطان الّذين هم اهل عالم الظّلمة والمنسوبون الى الجانّ ابى الجانّ، ومرتبة نفسه القابلة المستعدّة لتصرّف الشّيطان وبتصرّف الشّيطان وتأثّر نفسه يفاض من الرّحمن قوّة مناسبة لتلك النّفس، والشّيطان وكلّ من يناسبه من هذه الجهة فهو اخ له، وسبب وجود مرتبة صدره المنشرح بالاسلام هو الملك ومرتبة نفسه القابلة المستعدّة لذلك، وبتصرّف الملك وتأثّر نفسه يفاض من الله قوّة مناسبة لتلك النّفس هذا بحسب التّكوين وامّا بحسب التّكليف فأبوا مرتبة صدره المنشرح بالكفر هما اللّذان يبايعان البيعة العامّة معه من غير اذنٍ واجازةٍ لكنّ الانسان فى تلك المرتبة بتلك النّسبة ولد لغاية ومنفىّ النّسبة كما انّه بحسب التّكوين فى مرتبته الجسمانيّة ايضاً كذلك، وأبوا مرتبة صدره المنشرح بالاسلام هما اللّذان يبايعان معه البيعة العامّة بالاذن والاجازة من الله او من خلفائه، وكلّ من يناسبه من جهة تلك النّسبة فهو أخ له، وسبب وجود مرتبة قلبه جبرئيل العقل ومريم النّفس المنشرحة بالاسلام، وبنفخ جبرئيل العقل فى جيب مريم النّفس ينعقد عيسى القلب ويتولّد من ساعته ويتكلّم فى المهد صبيّاً؛ هذا بحسب التّكوين، وأمّا بحسب التّكليف فأبوا مرتبة قلبه هما اللّذان يبايعان معه البيعة الخاصّة الولاية والمناسب للانسان من جهة تلك النسبة أخ له، وهكذا المراتب الاُخَر منه، ونسبة كلّ نسبةٍ الى ما فوقها كنسبة الجسم الى الرّوح واللغة الرّوحانيّة كاللغة الجسمانيّة منفيّة النسبة ومنفيّة الحكم وقد يعتبر النّسبة الفاسدة ويطلق الابوّة عليها بحسب اصل النّسبة لا صحّتها كما اعتبر النّسبة فى قوله تعالى: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}تفسير : [لقمان: 15] وفسّر الأبوان المجاهدان فيه بالشّيطان والنّفس على طريقة الاستخدام فى ضمير جاهداك، ولمّا كان اطلاق الابوّة والبنوّة باعتبار تلك النّسبة فكلّما كانت النّسبة اقوى كان اطلاقهما عليها اولى، وتبادر النّسبة الجسمانيّة من اطلاقهما؛ لكونهما مدركة مشاهدة لكلّ احد بحسب العلائم والمقارنات لا لاولويّة اطلاقهما عليها، ولعدم اعتبار النّسبة الفاسدة فى الشّريعة المطهّرة كان اطلاق الوالدين والابوين فى لسان الشّارع منصرفاً الى من كان نسبته صحيحة لا فاسدة فلا يدخل الوالدان الفاسدان النّسبة تحت الامر بالاحسان، والولادة الجسمانيّة عبارة عن انفصال مادّة الولد عن الوالد لا انفصال صورته عن صورته، والولادة الرّوحانيّة عبارة عن تنزّل صورة الوالد وظهورها بصورة الولد وتقيّدها وتعيّنها بتعيّنات المرتبة النّازلة عن مرتبتها كالشّمس المنعكسة فى المرايا العديدة التّى لا تخلّ كثرتها فى وحدة الشّمس، فالولد الرّوحانىّ هو الوالد والوالد هو الولد لكن فى المرتبة النّازلة فلو ارتفع التّعيّنات النّازلة لم يبق الاّ الوالد الواحد ونعم ما قال المولوى قدّس سرّه فى بيان هذه النّسبة وذلك الاتّحاد: شعر : جان حيوانى ندارد اتّحاد تو مجو اين اتّحاد ازجان باد جان كَركَان وسكَان ازهم جداست متّحد جانهاى شيران خداست همجو آن يك نور خورشيد سما صد بود نسبت بصحن خانه ها ليك يك باشد همه انوارشان جونكه بر كَيرى توديوار ازميان جون نماند خانه ها را قاعده مؤمنان مانند نفس واحده تفسير : وعلى هذا فالاخوّة هاهنا تنتهى الى الاتّحاد فى الصّورة وان كان المادّة متعدّدة بخلاف الاخوّة الجسمانيّة فانّها لا اتّحاد فيها لا فى الصّورة ولا فى المادّة بل الوحدة فيمن ينفصل عنه المادّة ومن هاهنا يعلم وجه شدّة حرمة غيبة المؤمن بحيث نقل انّه اشدّ من سبعين زنية مع الامّ تحت الكعبة، وكذا شدّة حرمة ذكره بسوءٍ فى حضوره وغيبته، وشدّة حرمة الاهانة والاستهزاء به فانّ الكلّ راجع الى والده، ويعلم ايضاً وجه المبالغة فى الدّعاء للاخون بظهر الغيب، والسّعى فى حاجاتهم وقضائها، والمواساة معهم، ووجه قوله: "حديث : من زار أخاه المؤمن فى بيته من غير عوضٍ ولا غرضٍ فكأنّما زار الله فى عرشه"تفسير : ؛ فانّ زيارة المؤمن زيارة الله لكن فى المرتبة النّازلة، ووجه قوله: "حديث : اذا تصافح المؤمنان يتحاطّ الذّنوب عنهما كما يتحاطّ الورق عن الشّجر"تفسير : ، وقوله: "حديث : اذا تصافح المؤمنان كان يد الله بين أيديهما او فوق أيديهما، او ينظر الله اليهما بالرّحمة"تفسير : ، فانّ تصافحهما سببٌ لقوّة ظهور والدهما فيهما وبقدر ظهور الوالد يكون انمحاء الذّنوب من الولد ويظهر من ذلك سرّ الاهتمام باحسان الوالدين الرّوحانيّين بحيث جعله الله تعالى قريناً بتوحيده حيثما ذكر ففى سورة النّساء {أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}تفسير : [النساء:36]، وفى سورة الانعام {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [الأنعام:151]، وفى سورة بنى اسرائيل: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} تفسير : [الإسراء: 23]، والوالدان الجسمانيّان بمظهريّتهما ومناسبتهما للوالدين الرّوحانيّين وكثرة حقوقهما وشفقتهما على الاولاد وتحمّلهما للزّحمات الشّاقّة مثل الرّوحانيّين فى التّعظيم والاشفاق والاحسان، ويعلم أيضاً أنّ الاحسان الى الوالدين الرّوحانيّين احسان الى نفسه، وانّ الطّاعات كلّما كانّت أتمّ وأكثر كان الاحسان الى الوالدين أتمّ وأكثر؛ فانّ الطّاعات احسان الى ذاته الّتى هى ظهور والده؛ وكلّما كان سبباً لشدّة ظهور الوالد فى الولد كان احساناً الى الوالد لانّه يفيد سعة الوالد بحسب المظاهر. ويستفاد ممّا ذكر وجه كون النّبىّ (ص) أولى بالمؤمنين من أنفسهم وكونه (ص) مع علىّ (ع) أبوين لهذه الامّة بحسب مرتبة الصّدر والقلب، وأمّا بحسب الجسد فانّه ان كان بما هو منفصلاً عن الغير غير اولى به وغبرابٍ له فهو بما هو مستنير بنور الصّدر والقلب محكوم بحكمهما واولى بالمؤمنين من أنفسهم وأبٌ لهم، ولذلك صارت أزواجه اللاّتى هنّ ازواج مرتبة بدنه أمّهاتهم وبتلك الاستنارة والمحكوميّة سرى بجسده الى عالم الارواح، وكان يبصر من خلفه كما كان يبصر ببصره، ولم يكن له ظلّ، ولو لم يكن هذه المحكوميّة والمغلوبيّة لم يظهر على جسده حكم الرّوح روى عن رسول الله (ص) انّه قال: "حديث : افضل والديكم وأحقّهما لشكركم محمّد (ص) وعلىّ (ع)"تفسير : ، وقال علىّ بن ابي طالب (ع) سمعت رسول الله (ص) يقول: "حديث : انا وعلىّ أبوا هذه الامّة ولحقّنا عليهم أعظم من حقّ أبوى ولادتهم، فانّا ننقذهم ان اطاعونا من النّار الى دار القرار، ونلحقهم من العبوديّة بخيار الاحرار"تفسير : ، والاحسان اليهما والى سائر من أمر الله باحسانهم أمّا بحسن صحابتهم والتّواضع لهم واظهار الرّحمة عليهم، او بالخدمة لهم والسّعى فى حاجاتهم وقضائها ودفع الاذى عنهم، او بالسؤال عن الله والدّعاء لهم، او بحفظهم فى عرضهم وعيالهم واموالهم فى غيابهم. {وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ} اى لهما او لكم ويظهر ممّا مرّ أنّه لا اختلاف بينهما وانّه لا اختصاص لذى القربى بالمرتبة الجسمانيّة بل يعمّها وغيرها من المراتب الرّوحانيّة؛ قال رسول الله (ص) "حديث : من رعى حقّ قرابات أبويه أعطى فى الجنّة ألف الف درجةٍ"تفسير : ، ومن رعى حقّ قربى محمّد (ص) وعلىّ (ع) أوتى من فضائل الدّرجات وزيادة المثوبات على قدر زيادة فضل محمّدٍ (ص) وعلىّ (ع) على أبوى نسبه {وَالْيَتَامَىٰ} اليتيم الجسمانىّ من فقد أباه ما لم يبلغ مبلغ الرّجال، واليتيم الرّوحانىّ من فقد أباه الرّوحانىّ ولم يصل اليه سواء مات او كان حيّاً لكن لم يصل اليتيم بعدُ اليه او وصل ثمّ انقطع عنه بالغيبة عنه وسواءٌ باع معه وصحّة الابوّة والبنوّة بينه وبينه حتّى صار من ذوى القربى او لم يبع ولم يصدق النّسبة لكن كان يستعدّ لوقوع النّسبة والبيعة وفى الخبر بعد ذكر اليتيم الجسمانىّ: وأشدّ من يتم هذا اليتيم من يتم عن امامه لا يقدر على الوصول اليه ولا يدرى كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه، الا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا فهذا الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا يتيم فى حجره الا فمن هداه وأرشده وعلّمه شريعتنا كان معنا فى الرّفيق الاعلى {وَٱلْمَسَاكِينِ} جمع المسكين وزن المفعيل من السّكون عن الحركة وهو مبالغة فى السّكون بحيث لم يبق له قوّة الحركة فهو أسوأ حالاً من الفقير لانّه المحتاج الّذى يمكنه الحركة فى رفع حاجاته او هو أعمّ من المسكين والمراد مساكين المؤمنين كاليتامى او أعمّ منهم؛ ومسكنة الفقر معلومة، وامّا مسكنة الايمان والعلم فهى عبارة عن سكن رجل النّفس عن السّير فى اراضى الآيات والاخبار وسير الاخيار، وسكون بصرها عن ادراك دقائق الامور، ولسانها عن الاحتجاج على أعدائه، ويدها عن البطش على الاعداء، ونقل أنّه من واساهم بحواشى ماله وسّع الله عليه جنانه وأناله غفرانه ورضوانه، ثمّ قال: انّ من محبّى محمّدٍ (ص) مساكين مواساتهم أفضل من مواساة مساكين الفقر؛ وهم الّذين سكنت جوارحهم وضعفت عن مقابلة أعداء الله الّذين يعيّرونهم بدينهم ويسفّهون أحلامهم، الا فمن قوّاهم بفقهه وعلمه حتّى أزال مسكنتهم ثمّ سلّطهم على الاعداء الظّاهرين من النواصب وعلى الاعداء الباطنين ابليس ومردته حتّى يهزموهم عن دين الله ويذودوهم عن اولياء آل رسول الله (ص) حوّل الله تلك المسكنة الى شياطينهم وأعجزهم عن إضلالهم وقضى الله بذلك قضاءً حقّاً على لسان رسول الله (ص) {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} قرئ بالضمّ وبالتّحريك والمعنى واحدٌ فانّ اظهار حسن القول واظهار القول الحسن واحد والمراد بالنّاس جملة الاناسىّ قريبهم وبعيدهم ويتيمهم ومسكينهم فهو أعمّ مطلقاً ممّا تقدّمه، وبين القريب واليتيم مثل المسكين عمومٌ من وجه وحسن القول أمر اضافىّ يختلف باختلاف الاشخاص والاحوال والمقامات فانّ الصّدق حسن ما لم يكن فيه شين والاّ كان قبيحاً والكذب حسناً؛ فما يخاطب به الاطفال حسنه بوجه ان يناسب مقتضياته وبوجه ان يردعه عمّا يضرّه، وما يخاطب به التّاجر والزّارع وسائر أرباب الحرف حسنه بوجه ان يناسب حرفهم ومذاقهم وبوجه ان يناسب انسانيّتهم لكن فى المقام والشّأن الّذى هم فيه، وما يخاطب به أرباب الصّناعات العلميّة حسنه ان يناسب صناعاتهم، وهكذا حال ارباب الحكم والمناصب، وحسن القول مع السّالك المنجذب الّذى يخاف فوت سلوكه ان يخاطب بما يشغله بالسّلوك، ومع السّالك الواقف ان يخاطب بما يهيّجه الى الانجذاب، ولو خوطب الاطفال بخطاب العقلاء، والجهّال بخطاب العلماء، والحلاّج بخطاب الحدّاد، او بالعكس؛ كان قبيحاً، روى عن الصّادق (ع): قولوا للنّاس حسناً كلّهم مؤمنهم ومخالفهم، امّا المؤمنون فيبسط لهم وجهه وبشره، وامّا المخالفون فيكلّمهم بالمداراة لاجتذابهم الى الايمان فان ييأس من ذلك يكّف شرورهم عن نفسه واخوانه المؤمنين ثمّ قال: انّ مداراة أعداء الله من أفضل صدقة المرء على نفسه واخوانه، كان رسول الله (ص) فى منزله أذن استأذن عليه عبد الله بن أبىّ بن أبى سلول فقال رسول الله (ص): بئس أخو العشيرة ائذنوا له فلمّا دخل أجلسه وبشّر فى وجهه فلمّا خرج قالت عائشة: يا رسول الله (ص) قلت فيه ما قلت وفعلت فيه من البشر ما فعلت؟! فقال رسول الله (ص): "حديث : يا عويش يا حميراء انّ شرّ النّاس عند الله يوم القيامة من يكرم اتّقاء شرّه"تفسير : {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أخّر الامر باقامة الصّلاة لشدّة الاهتمام بالاحسان مع الخلق ارحاماً كانوا او غير ارحام، وقد مضى بيان لاقامة الصّلاة وقد فسّر فى الخبر اقامة الصّلاة باتمام ركوعها وسجودها وحفظ مواقيتها واداء حقوقها الّتى اذا لم تؤدّ لم يتقبّلها ربّ الخلائق وقال: اتدرون ما تلك الحقوق؟! هو اتباعها بالصّلوة على محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) وآلهما منطوياً على الاعتقاد بأنّهم افضل خيرة الله والقوّام بحقوق الله، والنّصّار لدين الله تعالى؛ قال (ع): وأقيموا الصّلاة على محمّدٍ (ص) وآله (ع) عند أحوال غضبكم ورضاكم وشدّتكم ورخاكم، وهمومكم المعلّقة بقلوبكم {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} قد مضى بيانه {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} لمّا كان أخذ الميثاق هاهنا مستعقباً للصّفات الانسانيّة قال {أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} الّذين هم بنو آدم حقيقةً وأتى بقوله: ثمّ تولّيتم المشعر بصفة النّقص، وبقوله {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} لمستعقب لقوله {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ} المشعر بعدم الطّاعة والقبول منهم وبقوله الآتى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} لمستعقب لقوله {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} المشعر ببشاعة سفك الدّماء بخطاب الحاضرين اشعاراً بذمّهم ونقصهم بالنّسبة الى بنى اسرائيل {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} اى والحال انّ عادتكم الاعراض عن العهد او هو حال مؤكّدة.
الحبري
تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. نَزَلْتْ في عَليٍّ خَاصَّةً، وَهُوَ أَوَّلُ مُؤْمِنٍ وَأَوَّلُ مُصَلٍّ بَعْدَ النَّبِيٍّ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ].
فرات الكوفي
تفسير : فرات قال: حدثنا الحسين بن الحكم قال: حدثنا الحسن بن الحسين قال: حدّثنا حبّان بن علي عن الكلبي عن أبي صالح: عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله [تعالى. ر]: {واستعينوا... الخاشعين} الخاشع الذليل في صلاته المقبل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وعلي [بن أبي طالب عليه السلام. ر]. [قوله. ر]: {والذين... خالدون} نزلت في علي [بن أبي طالب. ر] [عليه السلام. ر، ح] خاصة وهو أوّل مؤمن وأوّل مصلٍّ مع [ح، ش: بعد] النبي صلى الله عليه [وآله وسلم. ن].
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: المتبادر من العطف لأنه يقتضى التغاير أن الإيمان التصديق والإقرار أو التصديق وأن العمل الصالح سائر الأعمال كالصلاة وكالإقرار إذا قيل الإيمان مجرد التصديق، وزعم بعض أن الإيمان يدخل فيه جيمع الأعمال الصالحة، لكن لما كان لفظ آمن لا يدل صريحا ولا وضعاً على أكثر من فعل واحد ذكر بعده، وعملوا الصالحات دالا على تعدد الأعمال، وقيل آمنوا بمعنى عملوا الصالحات، لكنه للماضى فذكر بعده عملوا الصالحات، بمعنى داوموا على عمل الصالحات، وتدل هذه الآية على أن المراد بمن كسب سيئة المشرك والفاسق، لأن هذه الآية ذكر فيها الموحد غير الفاسق، فتشمل الآيتان جميع الأقسام، ولو أريد بمن كسب سيئة المشرك فقط لبقى الفاسق، فبطل قول بعض قومنا إن هذا دليل على أن المراد بمن كسب المشركون، ولا يخفى أن ظاهر قوله: {من كسب سيئة..} إلخ عام سبق حجة على القائلين لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، كأنه قيل: ليس كما قلتم بل كل من كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فهو خالد أبداً، فليس كما زعم بعض قومنا أن المراد بمن كسب اليهود القائلون لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، لأنه تأكيد والتأسيس أولى، ولأنه لا دليل على هذا التخصيص، فهو عام فى كل من كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته، كما أن قوله:{والذين آمنوا..} إلخ عام فى كل من آمن وعمل الصالحات، ذكره وعداً عاماً بعد ذكره وعيداً عاماً لترجى رحمته كما يخشى عذابه، كما هو سنة الله تعالى فى القرآن فى ذكر الوعد بعد الوعيد.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّٰلِحَٰتِ} شامل للتقوى، إذ ترك المعاصى من الأعمال الصالحات، وهكذا حيث لم يذكر التقوى مع العمل الصالح وذلك أولى من حمل المطلق على المقيد بالتقوى فى الآى الآخر، أو يقدر، وعملوا الصالحات واتقوا، وكذا فى سائر القرآن، فلا دليل فى الآية على أن العمل الصالح قد ينجو صاحبه مع عدم التوبة من الذنوب {أُوْلَٰئِكَ أَصْحَٰبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ} دائمون، وخلود أهل النار فيها، وأهل الجنة فيها دوام.
الالوسي
تفسير : لما ذكر سبحانه أهل النار وما أعد لهم من الهلاك أتبع ذلك بذكر أهل الإيمان وما أعد لهم من الخلود في الجنان، وقد جرت عادته جل شأنه على أن يشفع وعده بوعيده مراعاة لما تقتضيه الحكمة في إرشاد العباد من الترغيب تارة والترهيب أخرى، وقيل: إن في الجمع تربية الوعيد بذكر ما فات أهله من الثواب، وتربية الوعد بذكر ما نجا منه أهله من العقاب، وعطف العمل على الإيمان يدل على خروجه عن مسماه ـ إذ لا يعطف الجزء على الكل ـ ولا يدل على عدم اشتراطه به حتى يدل على أن صاحب الكبيرة غير خارج عن الإيمان، وتكون الآية حجة على الوعيدية ـ كما قاله المولى عصام ـ فإن قلت: للمخالف أن يقول: العطف للتشريف لكون العمل أشق وأحمز من التصديق وأفضل الأعمال أحمزها، أجيب بأن الإيمان أشرف من العمل لكونه أساس جميع الحسنات إذ الأعمال ساقطة عن درجة الاعتبار عند عدمه ويخطر في البال إنه يمكن أن يكون لذكر العمل الصالح هنا مع الإيمان نكتة، وهو أن يكون الإيمان في مقابلة السيئة المفسرة بالكفر ـ عند بعض ـ والعمل الصالح في مقابلة الخطيئة المفسرة بما عداه والمراد من (الذين آمنوا) أمة محمد صلى الله عليه وسلم ومؤمنو الأمم قبلهم، قاله ابن عباس وغيره ـ وهو الظاهر ـ وقال ابن زيد: المراد بهم النبـي صلى الله عليه وسلم وأمته خاصة وذكر ـ الفاء ـ فيما سبق وتركها هنا إما لأن الوعيد من الكريم مظنة الخلف دون الوعد فكان الأول حرياً بالتأكيد دون الثاني، وإما للإشارة إلى سبق الرحمة فإن النحاة قالوا: من دخل داري فأكرمه ـ يقتضي إكرام كل داخل لكن على خطر أن لا يكرم ـ وبدون ـ الفاء ـ يقتضي إكرامه البتة، وإما للإشارة إلى أن خلودهم في النار بسبب أفعالهم السيئة وعصيانهم وخلودهم في الجنة بمحض لطفه تعالى وكرمه، وإلا فالإيمان والعمل الصالح لا يفي بشكر ما حصل للعبد من النعم العاجلة ـ وإلى كل ذهب بعض ـ والقول بأن ترك ـ الفاء ـ هنا لمزيد الرغبة في ذكر ما لهم ليس بشيء.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 82- والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة، لأنهم آمنوا وأدوا ما يفرضه عليهم إيمانهم من صالح الأعمال، فهم فيها خالدون. 83- وإن لكم معشر اليهود بجانب هذا كله ماضياً حافلا بالإثم ونقض المواثيق، وتعدى ما وضعه الله لكم من حدود، فلتذكروا إذ أخذنا عليكم فى التوراة ميثاقاً ألا تعبدوا إلا الله، وأن تحسنوا إلى الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين، وتستخدموا فى حديثكم مع الناس القول الطيب الذى يؤلف بينكم وبينهم ولا ينفرهم منكم، وتؤدوا ما فرض عليكم من صلاة وزكاة، ولتذكروا ما كان من مسلككم حيال هذا الميثاق إذ نقضتموه وأعرضتم عنه إلا قليلا منكم ممن أذعن للحق. 84- وإذ أخذنا ميثاقاً عليكم فى التوراة ألا يسفك بعضكم دماء بعض، ولا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم، وهو ميثاق تقرون أنه فى كتابكم وتشهدون على صحته.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الميثاق: العهد المؤكد باليمين. حسناً: حسن القول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمخاطبة باللين، والكلم الطيب الخالي من البذاءة والفحش. توليتم: رجعتم عما التزمتم به مصممين على أن لا تتوبوا. سفك الدماء: إراقتها وصبها بالقتل والجراحات. تظاهرون: قرىء تظّاهرون، وتظاهرون بتاء واحدة ومعناه تتعاونون. بالإِثم والعدوان: الإِثم: الضار الموجب للعقوبة، والعدوان الظلم. أسارى: جمع أسير: من أخذ في الحرب. الخزي: الذل والمهانة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تذكير اليهود بما كان لأسلافهم من خير وغيره والمراد هدايتهم لو كانوا يهتدون، فقد ذكرهم في الآية [83] بما أخذ الله تعالى عليهم في التوراة من عهود ومواثيق على أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا في عبادته سواه. وأن يحسنوا للوالدين ولذي القربى واليتامى والمساكين وأن يقولوا للناس الحسن من القول ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وندّد بصنيعهم حيث ينقض هذا العهد والميثاق أكثرهم ولم يفوا به وفي الآية الثانية [84] ذكرهم بميثاق خاص أخذه عليهم في التوراة أيضاً وهو الإِسرائيلي لا يقتل الإِسرائيلي ولا يخرجه من داره بغياً وعدواناً عليه، وإذا وقع في الأسر وجب فكاكه بكل وسيلة ولا يجوز تركه أسيرا بحال، أخذ عليهم بهذا ميثاقاً غليظاً وأقروا به وشهدوا عليه وفي الآية الثالثة [85] وبّخهم على عدم وفائهم بما التزموا به حيث صار اليهودي يقتل اليهودي ويخرجه من داره بغياً وعدواناً عليه. وفي نفس الوقت إن أتاهم يهودي أسيراً فََدَوهُ بالغالي والرخيص، فندد الله تعالى بصنيعهم هذا الذي هو إهمال واجب وقيامٌ بآخر تبعاً لأهوائهم فكانوا كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ومن هنا توعدهم بخزي الدنيا وعذاب الآخرة. وفي الآية الرابعة [86] أخبر أنهم بصنيعهم ذلك اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فكان جزاؤهم عذاب الآخرة حيث لا يخفف عنهم ولا ينصرون فيه بدفعه عنهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية تذكير الناس ووعظهم بما يكون سبباً لهدايتهم. 2- وجوب عبادة الله وتوحيده فيها. 3- وجوب الإِحسان إلى الوالدين ولذوي القربى واليتامى والمساكين. 4- وجوب معاملة الناس بحسن الأدب. 5- تعرض أمة الإِسلام لخزي الدنيا وعذاب الآخرة بتطبيقها بعض أحكام الشريعة وإهمالها البعض الآخر. 6- كفر من يتخير أحكام الشرع فيعمل ما يوافق مصالحه وهواه، ويهمل ما لا يوافق. 7- كفر من لا يقيم دين الله إعراضاً عنه وعدم مبالاة به.
القطان
تفسير : بيَن سبحانه هنا ان الّذين أطاعوا وصدقوا وعملوا صالح الأعمال سيدخلون الجنة ينعمون بما أعطاهم الله. وقد جرت سنة الله في كتابه العزيز ان يتبع الوعيد بالوعد حتى يستبشر الذين آمنوا ولا يقنطوا من رحمة الله, وتلك حكمة بارزة من لدنه. و يظهر من سياق الآية أن الإيمان وحده لا يكفي اذ يقول: {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} فالإيمان يجب ان يقترن بالعمل به.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {أُولَـٰئِكَ} {أَصْحَابُ} {خَالِدُونَ} (82) - أَمَّا الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَبِاليَومِ الآخِرِ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَاتِ، فَأَدَّوُا الوَاجِبَاتِ، وانتَهَوا عَنِ المَعَاصِي فَهؤُلاءِ هُمْ أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَخْلُدُونَ فِيها أَبَداً. فَدُخُولُ الجَنَّةِ مَنُوطٌ بِالإِيمَانِ الصَّحِيحِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ مَعاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : عندما يذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم .. العذاب والنار، يأتي بالمقابل وهو النعيم والجنة .. وذلك أن المقابلة ترينا الفرق .. وتعطي للمؤمن إحساساً بالسعادة .. لأنه زحزح عن عذاب الآخرة، وليس هذا فقط .. بل دخل الجنة ليقيم خالداً في النعيم .. ولذلك يقول سبحانه: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ..} تفسير : [آل عمران: 185]. إذن الفوز في الآخرة ليس على درجة واحدة ولكن على درجتين .. أولى درجات الفوز أن يزحزح الإنسان على النار ولو إلى الأعراف وهذا فوز عظيم .. يكفي إنك تمر على الصراط المضروب فوق النار وترى ما فيها من ألوان العذاب، ثم بعد ذلك تنجو من هذا الهول كله .. يكفي ذلك ليكون فوزاً عظيماً .. لأن الكافر في هذه اللحظة يتمنى لو كان تراباً حتى لا يدخل النار .. فمرور المؤمن فوق الصراط ورؤيته للنار نعمة لأنه يحس بما نجا منه .. فإذا تجاوز النار ودخل إلى الجنة لينعم فيها نعيماً خالداً كان هذا فوزاً آخر .. ولذلك حرص الله تبارك وتعالى أن يعطينا المرحلتين. فلم يقل: من زحزح عن النار فاز .. ولم يقل من أدخل الجنة فاز .. بل قال {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} تفسير : [آل عمران: 185] .. وجاءت هذه الآية الكريمة بعد آيات العذاب لتعطينا المقارنة.
الجيلاني
تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} واعتقدوا بوحدانية الله، وأيقنوا بألاَّ وجود لغير الله {وَ} مع الإيمان والإيقان {عَمِلُواْ} بالجوارح {ٱلصَّالِحَاتِ} المترتبة على هذا الاعتقاد المستلزمة إياه {أُولَـٰئِكَ} المقربون الواصلون إلى ما يصلون {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} القرب والوصول {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 82] متمكنون ما شاء الله، ولا مرمى وراء الله، ولا مقصد سوى: لا إله إلا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. {وَ} اذكر يا أكمل الرسل للمؤمنين أيضاً قصة {إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي: العهد الوثيق من بني إسرائيل المفرطين في بعض العهود والمواثيق، بأن قلنا لهم: {لاَ تَعْبُدُونَ} أي: لا تتوجهون ولا تتقربون {إِلاَّ ٱللَّهَ} الذي أظهركم من العدم ورتبكم ورباكم بأنواع اللطف والكرم، لكي تعرفون {وَ} لا تفعلون ولا تعاملون {بِٱلْوَالِدَيْنِ} المربيين لكم باستخلاف الله إياهما إلا {إِحْسَاناً} محسنين معهما بخفض جناح الذل وبذل المال وخدمة البدن {وَ} مع ذلك كذا مع {ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} المنتمين إليهما بواسطتهما {وَ} لا يقهرون {الْيَتَامَىٰ} الأطفال الذي لا متعهد لهم من الوالدين، بل تحسنون لهم وتتعطفون معهم {وَ} كذا مع {ٱلْمَسَاكِينِ} الذين لا يمكنهم الكسب لعدم مساعدة إلا أنهم بالجملة { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ} أي: لجميع الأجانب المستغنين عن جميع الأمداد { حُسْناً} قولاً حسناً هيناً ليناً مبيناً عن المحبة والوداد. {وَ} لما أمرناهم ونهيناهم بما يتعلق بمبدئهم ومعاشهم أمرناهم أيضاً بما يتعلق بمعادهم ورجوعهم إلينا، فقلنا لهم {أَقِيمُواْ} أديموا {ٱلصَّلاَةَ} التي هي معراجكم الحقيقي إلى ذروة التوحيد {وَ} العروج إليها لا يتحقق إلا بترك العلائق وطرح الشواغل لذلك {آتُواْ ٱلزَّكَاةَ} المطهرة المزيلة عن نفوسكم محبة الغير والسوى، بل محبة نفوسكم الشاغلة عن الوصول إلى شرف اللقاء {ثُمَّ} لما اشتغلتم بالأمر والنواهي نقضتم العهود بأن {تَوَلَّيْتُمْ} أعرضتم عنها، ونبذتموها وراء ظهوركم {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ} وهم الذين ذكرهم الله في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ}تفسير : [البقرة: 62] { وَأَنْتُمْ} قوم {مُّعْرِضُونَ} [البقرة: 83] شأنكم الإعراض عن الحق مستمرمين عليه. {وَ} كيف لا تكونون معرضين، اذكروا قبح صنيعكم وقت {إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} بأن {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} أي: لا يسفك بعضكم دم بعض بلا موجب شرعي {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} أي: لا يخرج بعضكم بعضاً من دياره تعدياً وظلماً {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } طوعاً، واعترفتم رغبة بهذا العهد {وَأَنْتُمْ} بأجمعكم {تَشْهَدُونَ} [البقرة: 84] تحضرون، وكلكم متفقون عليه. {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ} الخبيثون الدنيئون، نقضتم العهد بعد توكيده بأن {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} بعضكم نفس بعض بغير حق {وَتُخْرِجُونَ} أي: يخرج بعضكم {فَرِيقاً} بعضاً {مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ} المألوفة إجلاء وظلماً وأنتم بأجمعكم {تَظَاهَرُونَ} تعينون {عَلَيْهِمْ} على المخرجين الظالمين {بِٱلإِثْمِ} أي: الخصلة الفاحشة {وَالْعُدْوَانِ} أي: الظلم المتجاوز عن الحد {وَ} من جملة عهودكم أيضاً: {إِن يَأتُوكُمْ} أي: يأتي بعضكم بعضاً {أُسَارَىٰ} موثقين في يد العدو {تُفَادُوهُمْ} تعطوهم فديتهم وتنقذوهم من عدوهم تبرعاً، فلا ينقضون هذا العهد مع أنه غير محرم عليك ترك فدائهم وينقضون العهد الوثيق المتعلق بالقتل والإخراج {وَ} الحال أنه {هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} وقتلهم. {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ} وتوفون بعض العهد الثابت في الكتاب، وهو عهد الفدية {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} وهو عهد عدم القتل والإجلاء مع أنه لا تفاوت بين العهود المنزلة من عند الله {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ} التفرقة بين عهود الله المنزلة في كتابه عتوّاً واستكباراً {إِلاَّ خِزْيٌ} ذل يستكره جميع الناس {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} القائمة للعدل والجزاء {يُرَدُّونَ} هؤلاء الناقضون لعهد الله {إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ} وهو قعر بحر الإمكان الذي لا نجاة لأحد منه {وَمَا ٱللَّهُ} المستوي على عروش الذرات الكائنة في العالم رطبها ويابسها، شهادتها وغيبها {بِغَافِلٍ} مشغول بشيء يشغله {عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85] أنتم بل شأنكم وحالكم وأعمالكم كلها عنده مكشوف معلوم له سبحانه بالعلم الحضوري، بحيث لا يشذ عن حيطة علمه شيء فيها أصلاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 82]، من أهل الطلب بأن المنازل إلى المقصد، وإن كانت متناهية، فإن السير في المقصد غير متناه {وَعَمِلُواْ} [البقرة: 82]، على قانون الشريعة بإشارة شيخ الطريقة {ٱلصَّالِحَاتِ} [البقرة: 82]، وهي المبلغات إلى الحقيقة أولئك أصحاب الوصول إلى جانب الأصول خالدين فيها بالسير إلى أبد الآباد، وكذلك من اكتسب اعتقاداً فساداً من المتفلسفة على خلاف الشريعة وأحاطت به خطيئته فيبقى عليه إلى إن يموت {أية : فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}تفسير : [البقرة: 81] أبد الآباد، ولن تنفعهم المجاهدات ولا النظر في المعقولات والا الاستدلال بالشبهات، والذين آمنوا منهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات من المأمورات وغير المنهيات، {أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} [البقرة: 82]، وأهل الدرجات والغرفات في الجنات {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 82]. ثم أخبر الميثاق والعبودية على الإطلاق بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} [البقرة: 84]، إلى قوله: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 86] والإشارة فيها {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ } [البقرة: 84] أي: في عهد {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ} [البقرة: 84]، بامتثال أوامر الشيطان في استجلاب حظوظ النفس، فإنه يسعى في إراقة دماء قلوبكم، كما قال بعضهم: شعر : إلى حَتفي سعى قدَمي أرى قَدمي أراقَ دَمي تفسير : وكذلك لا تسفكون بتربص الشيطان بينكم تسفكوا دماءكم بعضكم دماء بعض، كما قالت الملائكة في حقكم: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}تفسير : [البقرة: 30]، {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} [البقرة: 84]، غير دينكم الذي كنتم عليه في أصل الفطرة {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة: 84]، بقولكم {بَلَىٰ} شهدنا والذي يدل على هذا التأويل، قوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}تفسير : [يس: 60]، {ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 85]، باستيفاء حظوظ النفس ولذاتها وشهواتها، فإن المجرمين اقتضوا بأيديهم حتفهم وآثروا باختيارهم ما فيه هلاكهم واستئصالهم، قال بعضهم: شعر : بعين نفسي أصبت نفسي فالله بيني وبين عيني تفسير : {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ} [البقرة: 85]، فيعاون بعضكم بعضاً على الإعراض عن الله تعالى والتساعد في مزاولة الحظوظ والخروج عن مقامات الحقوق فآفات أحوالكم غير لازمة عليكم بل هي متعدية عنكم إلى إخوانكم وقرنائكم {تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [البقرة: 85] أي: مضرتكم لأخوانكم على بلائهم مظاهرة الشيطان ونصرته عليهم بما فيه هلاك أنفسهم. {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ} [البقرة: 85]، وهم أصناف شتى فمن أسير في قيد الهوى فإنقاذه بأن يدله على الهدى، ومن أسير بقيد حب الدنيا فخلاصه في إخلاص ذكر المولى، ومن أسير بقى في قيد الوسواس فقد استهواه الشيطان ففداؤه أن يرشده إلى اليقين بلوائح البراهين لتنقذه من الشكوك والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمة التقليد وما تعود بالتلقين، ومن أسير تجده في أسر هواجس نفسه ربيط زلاته ذلك أسير في إرشاده إلى إقلاعها وإعانته وإنجازه على أرتداعها، ومن أسير تجده في أسر صفاته وحبس وجوده فنجاته في أن تدله على الحق فيما تحل عنه وثائق الكون، ومن أسير تجده في قبضة الحق فبجزائه ليس لأسراهم فداء ولا لقتلهم قود ولا لربيطهم خلاص، ولا لبطشهم مناص ولا عنهم بدل ولا معهم جدل، ولا إليهم لغيرهم سبيل ولا لديهم إلا بهم دليل ولا منهم فرار ولا معهم قرار: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ} [البقرة: 85] أي: بالذي سمعتموه من ربكم في أول الخطاب بقوله تعالى: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، آمنتم وقلتم {بَلَىٰ}. {وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] أي: بالذي عاهدتم عليه عند أخذ الميثاق ألا تعبدوا غيره من الشيطان والدنيا والنفس والهوى {فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ} [البقرة: 85]، وهو عمى القلب عن المشاهدة والعمى في تيه الباطل {فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ} [البقرة: 85]، وهو المبالغة في عمى القلب، كما قال تعالى: {أية : وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 72] {أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا} [البقرة: 86]، نعيمها ولذاتها وشهواتها {بِٱلآخِرَةِ} [البقرة: 86]، برفعة درجاتها وعلو عرفانها {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ} [البقرة: 86]، برحمة رب العالمين {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 86]، بشفاعة الشافعين. ثم أخبر عن كمال فضله وغاية جهلهم وسنة عدله بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ} [البقرة: 87]، والإشارة فيها أنا وصلنا لهم الخطاب وأردفنا رسولاً بعد رسول الجميع دعوا إلى واحد لكنهم أصغوا إلى دعاء الداعين بسمع الهوى، فما استلذته النفوس قبلوه وما استثقلته أهواءهم هجروه، وهذا حال أكثر البطالين الذين تلبسوا وتشبهوا بالطالبين الصادقين بعضهم بالزي واللباس وبعضهم بالعلم والوعظ والاقتصاص قبول الناس في هذا مع أهل البصيرة من المشايخ الواصلين والعلماء الراسخين يصغون إلى كلماتهم وإشاراتهم ليسمع الهوى في استحلته نفوسهم قبلوه، وما استكرهته أهواءهم واستغرتهم عقولهم نبذوه وراء ظهورهم بل طعنوا فيه وشنعوا عليه بجهالتهم ونكره لمقالهم، فيكذبون فريقاً منهم قراراً عن تحمل أعباء الطلب ويقاتلون فريقاً بالجدال وإثارة الفتنة حسداً وإنكاراً والفتنة أشد من القتل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):