٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
81
Tafseer
الرازي
تفسير : قال صاحب الكشاف: «بلى» إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله تعالى: {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ }، أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله: {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }. أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي. قال تعالى: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40]، {أية : مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } تفسير : [النساء: 123] ولما كان من الجائز أن يظن أن كل سيئة صغرت أو كبرت فحالها سواء في أن فاعلها يخلد في النار لا جرم بين تعالى أن الذي يستحق به الخلود أن يكون سيئة محيطة به، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة السور بالبلد والكوز بالماء وذلك ههنا ممتنع فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة لوجهين. أحدهما: أن المحيط يستر المحاط به والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات كالساترة لتلك الطاعات، فكانت المشابهة حاصلة من هذه الجهة، والثاني: أن الكبيرة إذا أحبطت ثواب الطاعات فكأنها استولت على تلك الطاعات وأحاطت بها كما يحيط عسكر العدو بالإنسان، بحيث لا يتمكن الإنسان من التخلص منه، فكأنه تعالى قال: بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، فإن قيل: هذه الآية وردت في حق اليهود، قلنا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، هذا هو الوجه الذي استدلت المعتزلة به في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر. واعلم أن هذه المسألة من معظمات المسائل، ولنذكرها ههنا فنقول: اختلف أهل القبلة في وعيد أصحاب الكبائر، فمن الناس من قطع بوعيدهم وهم فريقان، منهم من أثبت الوعيد المؤبد وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج. ومنهم من أثبت وعيداً منقطعاً وهو قول بشر المريسي والخالد، ومن الناس من قطع بأنه لا وعيد لهم وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر، والقول الثالث: أنا نقطع بأنه سبحانه وتعالى يعفو عن بعض المعاصي ولكنا نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا، ونقطع بأنه تعالى إذا عذب أحداً منهم مدة فإنه لا يعذبه أبداً، بل يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة وأكثر الإمامية، فيشتمل هذا البحث على مسألتين. إحداهما: في القطع بالوعيد، والأخرى: في أنه لو ثبت الوعيد فهل يكون ذلك على نعت الدوام أم لا؟ المسألة الأولى: في الوعيد ولنذكر دلائل المعتزلة أولاً. ثم دلائل المرجئة الخالصة ثم دلائل أصحابنا رحمهم الله. أما المعتزلة فإنهم عولوا على العمومات الواردة في هذا الباب وتلك العمومات على جهتين. بعضها وردت بصيغة «من» في معرض الشرط وبعضها وردت بصيغة الجمع، أما النوع الأول فآيات، إحداها: قوله تعالى في آية المواريث: {أية : تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } تفسير : [النساء: 13] إلى قوله: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـٰلِداً فِيهَا } تفسير : [النساء: 14]، وقد علمنا أن من ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وارتكب شرب الخمر والزنا وقتل النفس المحرمة فهو متعد لحدود الله، فيجب أن يكون من أهل العقاب، وذلك لأن كلمة «من» في معرض الشرط تفيد العموم على ما ثبت في أصول الفقه، فمتى حمل الخصم هذه الآية على الكافر دون المؤمن كان ذلك على خلاف الدليل ثم الذي يبطل قوله وجهان. أحدهما: أنه تعالى بين حدوده في المواريث ثم وعد من يطيعه في تلك الحدود وتوعد من يعصيه فيها، ومن تمسك بالإيمان والتصديق به تعالى فهو أقرب إليها إلى الطاعة فيها ممن يكون منكراً لربوبيته ومكذباً لرسله وشرائعه، فترغيبه في الطاعة فيها أخص ممن هو أقرب إلى الطاعة فيها وهو المؤمن، ومتى كان المؤمن مراداً بأول الآية فكذلك بآخرها، الثاني: أنه قال: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } ولا شبهة في أن المراد به الحدود المذكورة، ثم علق بالطاعة فيها الوعد وبالمعصية فيها الوعيد، فاقتضى سياق الآية أن الوعيد متعلق بالمعصية في هذه الحدود فقط دون أن يضم إلى ذلك تعدي حدود أخر، ولهذا كان مزجوراً بهذا الوعيد في تعدي هذه الحدود فقط ولو لم يكن مراداً بهذا الوعيد لما كان مزجوراً به، وإذا ثبت أن المؤمن مراد بها كالكافر بطل قول من يخصها بالكافر، فإن قيل: إن قوله تعالى: {أية : وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } تفسير : [النساء: 14] جمع مضاف والجمع المضاف عندكم يفيد العموم، كما لو قيل: ضربت عبيدي، فإنه يكون ذلك شاملاً لجميع عبيده، وإذا ثبت ذلك اختصت هذه الآية بمن تعدى جميع حدود الله وذلك هو الكافر لا محالة دون المؤمن، قلنا: الأمر وإن كان كما ذكرتم نظراً إلى اللفظ لكنه وجدت قرائن تدل على أنه ليس المراد ههنا تعدي جميع الحدود، أحدها: أنه تعالى قدم على قوله: {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ } فانصرف قوله: {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ } إلى تلك الحدود، وثانيها: أن الأمة متفقون على أن المؤمن مزجور بهذه الآية عن المعاصي، ولو صح ما ذكرتم لكان المؤمن غير مزجور بها، وثالثها: أنا لو حملنا الآية على تعدي جميع الحدود لم يكن للوعيد بها فائدة لأن أحداً من المكلفين لا يتعدى جميع حدود الله، لأن في الحدود ما لا يمكن الجمع بينها في التعدي لتضادها، فإنه لا يتمكن أحد من أن يعتقد في حالة واحدة مذهب الثنوية والنصرانية وليس يوجد في المكلفين من يعصي الله بجميع المعاصي، ورابعها: قوله تعالى في قاتل المؤمن عمداً:{أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا } تفسير : [النساء: 93]، دلت الآية على أن ذلك جزاؤه، فوجب أن يحصل له هذا الجزاء لقوله تعالى: {أية : مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ } تفسير : [النساء: 123]. وخامسها: قوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [الأنفال: 15] إلى قوله: {أية : وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير} تفسير : [الأنفال: 16]. وسادسها: قوله تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7، 8]. وسابعها: قوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ } [النساء: 29] إلى قوله تعالى: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوٰناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً } تفسير : [النساء: 30]. وثامنها: قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ } تفسير : [طه: 74، 75] فبين تعالى أن الكافر والفاسق من أهل العقاب الدائم كما أن المؤمن من أهل الثواب. وتاسعها: قوله تعالى: {أية : وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} تفسير : [طه: 111] وهذا يوجب أن يكون الظالم من أهل الصلاة داخلاً تحت هذا الوعيد، وعاشرها: قوله تعالى بعد تعداد المعاصي: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً } تفسير : [الفرقان: 68، 69] بين أن الفاسق كالكافر في أنه من أهل الخلود، إلا من تاب من الفساق أو آمن من الكفار، والحادية عشرة: قوله تعالى: {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءامِنُونَ وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ } تفسير : [النمل: 89، 90] الآية، وهذا يدل على أن المعاصي كلها متوعد عليها كما أن الطاعات كلها موعود عليها، والثانية عشرة: قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَءاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ } تفسير : [النازعات: 37 - 39]. والثالثة عشرة: قوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } تفسير : [الجن: 23] الآية ولم يفصل بين الكافر والفاسق، والرابعة عشرة: قوله تعالى: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ } الآية، فحكي في أول الآية قول المرجئة من اليهود فقال:{أية : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } تفسير : [البقرة: 80] ثم إن الله كذبهم فيه، ثم قال: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } فهذه هي الآيات التي تمسكوا بها في المسألة لاشتمالها على صيغة «من» في معرض الشرط واستدلوا على أن هذه اللفظة تفيد العموم بوجوه. أحدها: أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص أو مشتركة بينهما والقسمان باطلان، فوجب كونها موضوعة للعموم، أما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للخصوص فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلم أن يعطي الجزاء لكل من أتى بالشرط، لأن على هذا التقدير لايكون ذلك الجزاء مرتباً على ذلك الشرط، لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال: من دخل داري أكرمته أنه يحسن أن يكرم كل من دخل داره فعلمنا أن هذه اللفظة ليست للخصوص، وأما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للاشتراك، أما أولاً: فلأن الاشتراك خلاف الأصل، وأما ثانياً: فلأنه لو كان كذلك لما عرف كيفية ترتب الجزاء على الشرط إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قال: من دخل داري أكرمته، فيقال له: أردت الرجال أو النساء، فإذا قال: أردت الرجال يقال له: أردت العرب أو العجم، فإذا قال: أردت العرب يقال له: أردت ربيعة أو مضر وهلم جراً إلى أن يأتي على جميع التقسيمات الممكنة، ولما علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان قبح ذلك علمنا أن القول بالاشتراك باطل. وثانيها: أنه إذا قال: من دخل داري أكرمته حسن استثناء كل واحد من العقلاء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه لأنه لا نزاع في أن المستثنى من الجنس لا بد وأن يكون بحيث يصح دخوله تحت المستثنى منه، فإما أن يعتبر مع الصحة الوجوب أو لا يعتبر والأول باطل، أما أولاً: فلأنه يلزم أن لا يبقى بين الاستثناء من الجمع المنكر كقوله: جاءني الفقهاء إلا زيداً وبين الاستثناء من الجمع المعرف كقوله: جاءني الفقهاء إلا زيداً فرق لصحة دخول زيد في الكلامين، لكن الفرق بينهما معلوم بالضرورة. وأما ثانياً: فلأن الاستثناء من العدد يخرج ما لولاه لوجب دخوله تحته فوجب أن يكون هذا فائدة الاستثناء في جميع المواضع لأن أحداً من أهل اللغة لم يفصل بين الاستثناء الداخل على العدد وبين الداخل على غيره من الألفاظ، فثبت بما ذكرنا أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك يدل على أن صيغة «من» في معرض الشرط للعموم، وثالثها: أنه تعالى لما أنزل قوله: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 98] الآية قال ابن الزبعرى: لأخصمن محمداً ثم قال: يا محمد أليس قد عبدت الملائكة أليس قد عبد عيسى ابن مريم فتمسك بعموم اللفظ والنبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر عليه ذلك، فدل على أن هذه الصيغة تفيد العموم. النوع الثاني: من دلائل المعتزلة: التمسك في الوعيد بصيغة الجمع المعرفة بالألف واللام وهي في آيات. إحداها: قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } تفسير : [الإنفطار: 14] واعلم أن القاضي والجبائي وأبا الحسن يقولون: إن هذه الصيغة تفيد العموم، وأبو هاشم يقول: إنها لا تفيد العموم، فنقول: الذي يدل على أنها للعموم وجوه. أحدها: أن الأنصار لما طلبوا الإمامة احتج عليهم أبو بكر رضي الله عنه بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : الأئمة من قريش»تفسير : والأنصار سلموا تلك الحجة ولو لم يدل الجمع المعرف بلام الجنس على الاستغراق لما صحت تلك الدلالة، لأن قولنا: بعض الأئمة من قريش لا ينافي وجود إمام من قوم آخرين. أما كون كل الأئمة من قريش ينافي كون بعض الأئمة من غيرهم، وروي أن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر لما هم بقتال مانعي الزكاة: أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» تفسير : احتج على أبي بكر بعموم اللفظ ثم لم يقل أبو بكر ولا أحد من الصحابة: إن اللفظ لا يفيده بل عدل إلى الاستثناء، فقال إنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : إلا بحقها»تفسير : وإن كان الزكاة من حقها، وثانيها: أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق، فوجب أن يفيد الاستغراق، أما أنه يؤكد فلقوله تعالى: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } تفسير : [صۤ: 73] وأما أنه بعد التأكيد يقتضي الاستغراق، فبالاجماع، وأما أنه متى كان كذلك وجب كون المؤكد في أصله للاستغراق لأن هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد إجماعاً، والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ثابتاً في الأصل، فلو لم يكن الاستغراق حاصلاً في الأصل، وإنما حصل بهذه الألفاظ ابتداء لم يكن تأثير هذه الألفاظ في تقوية الحكم، بل في إعطاء حكم جديد، وكانت مبينة للمجمل لا مؤكدة، وحيث أجمعوا على أنها مؤكدة علمنا أن اقتضاء الاستغراق كان حاصلاً في الأصل. وثالثها: أن الألف واللام إذا دخلا في الاسم صار الاسم معرفة، كذا نقل عن أهل اللغة فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة، وإنما تحصل المعرفة عند إطلاقه بصرفه إلى الكل، لأنه معلوم للمخاطب، وأما صرفه إلى ما دون الكل فإنه لا يفيد المعرفة، لأنه ليس بعض الجمع أولى من بعض، فكان يبقى مجهولاً. فإن قلت: إذا أفاد جمعاً مخصوصاً من ذلك الجنس فقد أفاد تعريف ذلك الجنس، قلت: هذه الفائدة كانت حاصلة بدون الألف واللام، لأنه لو قال: رأيت رجالاً، أفاد تعريف ذلك الجنس وتميزه عن غيره، فدل على أن للألف واللام فائدة زائدة وما هي إلا الاستغراق. ورابعها: أنه يصح استثناء أي واحد كان منه وذلك يفيد العموم. وخامسها: الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر، لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف ولا ينعكس فإنه يجوز أن يقال: رأيت رجالاً من الرجال، ولا يقال رأيت الرجال من رجال، ومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع، إذا ثبت هذا، فنقول: إن المفهوم من الجمع المعرف، إما الكل أو ما دونه، والثاني: باطل لأنه ما من عدد دون الكل إلا ويصح انتزاعه من الجمع المعرف، وقد علمت أن المنتزع منه أكثر فوجب أن يكون الجمع المعرف مفيداً للكل والله أعلم. أما على طريقة أبي هاشم، وهي أن الجمع المعرف لا يفيد العموم فيمكن التمسك بالآية من وجهين آخرين. الأول: أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فقوله: {وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } يقتضي أن الفجور هي العلة، وإذا ثبت ذلك لزم عموم الحكم لعموم علته وهو المطلوب، وفي هذا الباب طريقة ثالثة يذكرها النحويون وهي أن اللام في قوله: {وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ } ليست لام تعريف، بل هي بمعنى الذي، ويدل عليه وجهان. أحدهما: أنها تجاب بالفاء كقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } تفسير : [المائدة: 38]، وكما تقول الذي يلقاني فله درهم. الثاني: أنه يصح عطف الفعل على الشيء الذي دخلت هذه اللام عليه قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ وَٱلْمُصَّدّقَـٰتِ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } تفسير : [الحديد: 18] فلولا أن قوله: {إِنَّ ٱلْمُصَّدّقِينَ } بمعنى: إن الذين أصدقوا لما صح أن يعطف عليه قوله: {وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ } وإذا ثبت ذلك كان قوله: {وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } معناه: إن الذين فجروا فهم في الجحيم، وذلك يفيد العموم. الآية الثانية في هذا الباب: قوله تعالى:{أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً } تفسير : [مريم: 85، 86] ولفظ المجرمين صيغة جمع معرفة بالألف واللام وثالثها: قوله تعالى: {أية : وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً } تفسير : [مريم: 72] ورابعها: قوله تعالى: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخّرُهُمْ } تفسير : [النحل: 61] بين أنه يؤخر عقابهم إلى يوم آخر وذلك إنما يصدق أن لو حصل عقابهم في ذلك اليوم. النوع الثالث: من العمومات: صيغ الجموع المقرونة بحرف الذي، فأحدها: قوله تعالى: {أية : وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ } [تفسير : [المطففين: 1، 2]. وثانيها: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } تفسير : [النساء: 10]. وثالثها: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } تفسير : [النحل: 28] فبين ما يستحق على ترك الهجرة وترك النصرة وإن كان معترفاً بالله ورسوله. ورابعها: قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيّئَاتِ جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} تفسير : [يونس: 27] ولم يفصل في الوعيد بين الكافر وغيره، وخامسها: قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 34]. وسادسها؛ قوله تعالى: {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيّئَـٰتِ } تفسير : [النساء: 18] ولو لم يكن الفاسق من أهل الوعيد والعذاب لم يكن لهذا القول معنى، بل لم يكن به إلى التوبة حاجة، وسابعها: قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلأرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ } تفسير : [المائدة: 33] فبين ما على الفاسق من العذاب في الدنيا والآخرة، وثامنها: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا أُوْلَٰـئِكَ لاَ خَلَـٰقَ لَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ } تفسير : [آل عمران: 77]. النواع الرابع: من العمومات، قوله تعالى: {أية : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [آل عمران: 180] توعد على منع الزكاة. النوع الخامس من العمومات: لفظة «كل» وهو قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلأرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ } تفسير : [يونس: 54] فبين ما يستحق الظالم على ظلمه. النوع السادس: ما يدل على أنه سبحانه لا بد وأن يفعل ما توعدهم به وهو قوله تعالى: {أية : قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [ق: 28،29] بين أنه لا يبدل قوله في الوعيد والاستدلال بالآية من وجهين. أحدهما: أنه تعالى جعل العلة في إزاحة العذر تقديم الوعيد، أي بعد تقديم الوعيد لم يبق لأحد علة ولا مخلص من عذابه، والثاني: قوله تعالى: {مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ } وهذا صريح في أنه تعالى لا بد وأن يفعل ما دل اللفظ عليه، فهذا مجموع ما تمسكوا به من عمومات القرآن. أما عمومات الأخبار فكثيرة. فالنوع الأول: المذكور بصيغة «من» أحدها: ما روى وقاص بن ربيعة عن المسور بن شداد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أكل بأخيه أكلة أطعمه الله من نار جهنم، ومن أخذ بأخيه كسوة كساه الله من نار جهنم ومن قام مقام رياء وسمعة أقامه الله يوم القيامة مقام رياء وسمعة»، تفسير : وهذا نص في وعيد الفاسق، ومعنى أقامه: أي جازاه على ذلك، وثانيها: قال عليه السلام: «حديث : من كان ذا لسانين وذا وجهين كان في النار ذا لسانين وذا وجهين» تفسير : ولم يفصل بين المنافق وبين غيره في هذا الباب، وثالثها: عن سعيد بن زيد قال عليه السلام: «حديث : من ظلم قيد شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين، تفسير : ورابعها: عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هاجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه».تفسير : وهذا الخبر يدل على وعيد الفاسق الظالم ويدل على أنه غير مؤمن ولا مسلم على ما يقوله المعتزلة من المنزلة بين المنزلتين. وخامسها: عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من جاء يوم القيامة بريئاً من ثلاثة، دخل الجنة: الكبر والغلول والدين»، تفسير : وهذا يدل على أن صاحب هذه الثلاثة لا يدخل الجنة وإلا لم يكن لهذا الكلام معنى، والمراد من الدين من مات عاصياً مانعاً ولم يرد التوبة ولم يتب عنه. وسادسها: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من سلك طريقاً يطلب به علماً سهل الله له طريقاً من طرق الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه». تفسير : وهذا نص في أن الثواب لا يكون إلا بالطاعة، والخلاص من النار لا يكون إلا بالعمل الصالح، وسابعها: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل مسكر خمر وكل خمر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة»، تفسير : وهو صريح في وعيد الفاسق وأنه من أهل الخلود، لأنه إذا لم يشربها لم يدخل الجنة لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. وثامنها: عن أم سلمة قالت: قال عليه السلام: «حديث : إنما أنا بشر مثلكم ولعلكم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه فإنما قطعت له قطعة من النار». تفسير : وتاسعها: عن ثابت بن الضحاك قال: قال عليه السلام: «حديث : من حلف بملة سوى الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال ومن قتل نفسه بشيء يعذب به في نار جهنم». تفسير : وعاشرها: عن عبد الله بن عمر قال: قال عليه الصلاة والسلام في الصلاة: «حديث : من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة ولا ثواباً وكان يوم القيامة مع قارون وهامان وفرعون وأبي بن خلف». تفسير : وهذا نص في أن ترك الصلاة يحبط العمل ويوجب وعيد الأبد، الحادي عشر: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عليه السلام: «حديث : من لقي الله مدمن خمر لقيه كعابد وثن»، تفسير : ولما ثبت أنه لا يكفر علمنا أن المراد منه إحباط العمل، الثاني عشر: عن أبي هريرة قال: قال عليه السلام:«حديث : من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يهوي في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من جبل متعمداً فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً»، تفسير : الثالث عشر: عن أبي ذر قال عليه السلام: «حديث : ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، قلت يا رسول الله من هم خابوا وخسروا؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف كاذباً»تفسير : يعني بالمسبل المتكبر الذي يسبل إزاره، ومعلوم أن من لم يكلمه الله ولم يرحمه وله عذاب أليم فهو من أهل النار، ووروده في الفاسق نص في الباب، الرابع عشر: عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة، ومن لم يجد عرف الجنة ». تفسير : فلا شك أنه في النار لأن المكلف لا بد وأن يكون في الجنة أو في النارالخامس عشر: عن أبي هريرة قال: قال عليه السلام:«حديث : من كتم علماً ألجم بلجام من نار يوم القيامة». تفسير : السادس عشر: عن ابن مسعود قال: قال عليه السلام: «حديث : من حلف على يمين كاذباً ليقطع بها مال أخيه لقي الله وهو عليه غضبان» تفسير : وذلك لأن الله تعالى يقول: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَـٰنِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا } تفسير : [آل عمران: 77] إلى آخر الآية، وهذا نص في الوعيد ونص في أن الآية واردة في الفساق كورودها في الكفار، السابع عشر: عن أبي أمامة قال: قال عليه السلام: «حديث : من حلف على يمين فاجرة ليقطع بها مال امرىء مسلم بغير حقه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار، قيل يا رسول الله: وإن كان شيئاً يسيراً، قال: وإن كان قضيباً من أراك». تفسير : الثامن عشر: عن سعيد بن جبير قال: كنت عند ابن عباس فأتاه رجل وقال: إني رجل معيشتي من هذه التصاوير، فقال ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من صور فإن الله يعذبه حتى ينفخ فيه الروح وليس بنافخ، ومن استمع إلى حديث قوم يفرون منه صب في أذنيه الآنك ومن يرى عينيه في المنام ما لم يره كلف أن يعقد بين شعرتين». تفسير : التاسع عشر: عن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة». تفسير : العشرون: عن ابن عمر في مناظرته مع عثمان حين أراد أن يوليه القضاء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من كان قاضياً يقضي بالجهل كان من أهل النار، ومن كان قاضياً يقضي بالجور كان من أهل النار». تفسير : الحادي والعشرون: قال عليه السلام: «حديث : من ادعى أباً في الإسلام وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام». تفسير : الثاني والعشرون: عن الحسن عن أبي بكرة قال عليه السلام: «حديث : من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة»، تفسير : وإذا كان في قتل الكفار هكذا فما ظنك بقتل أولاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الثالث والعشرون: عن أبي سعيد الخدري قال: قال عليه السلام: «حديث : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» تفسير : وإذا لم يلبسه في الآخرة وجب أن لا يكون من أهل الجنة لقوله تعالى: {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأنْفُسُ } تفسير : [الزخرف: 71]. النوع الثاني: من العمومات الإخبارية الواردة لا بصيغة «من» وهي كثيرة جداً، الأول: عن نافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال عليه السلام: «حديث : لا يدخل الجنة مسكين متكبر ولا شيخ زان ولا منان على الله بعمله». تفسير : ومن لم يدخل الجنة من المكلفين فهو من أهل النار بالإجماعالثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه السلام: «حديث : ثلاثة يدخلون الجنة: الشهيد، وعبد نصح سيده وأحسن عبادة ربه، وعفيف متعفف، وثلاثة يدخلون النار: أمير مسلط، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله، وفقير فخور». تفسير : الثالث: عن أبي هريرة قال: قال عليه السلام:«حديث : إن الله خلق الرحم، فلما فرغ من خلقه قامت الرحم، فقالت هذا مقام العائذ من القطيعة، قال: نعم ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فهو ذاك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:فاقرؤوا إن شئتم،{ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم}،{أَوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَـٰرَهُمْ}تفسير : [محمد: 23]، وهذا نص في وعيد قاطع الرحم وتفسير الآية، وفي حديث عبد الرحمن بن عوف قال الله تعالى: [حديث : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته]تفسير : . وفي حديث أبي بكرة أنه عليه السلام قال: «حديث : ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم». تفسير : الرابع: عن معاذ بن جبل قال: قال عليه السلام لبعض الحاضرين: «حديث : ما حق الله على العباد؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. قال: فما حقهم على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: أن يغفر لهم ولا يعذبهم». تفسير : ومعلوم أن المعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط فيلزم أن لا يغفر لهم إذا لم يعبدوه. الخامس: عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا اقتتل المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار، فقال: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه» تفسير : رواه مسلم. السادس: عن أم سلمة قالت: قال عليه السلام: «حديث : الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». تفسير : السابع: عن أبي سعيد الخدري قال: قال عليه السلام: «حديث : والذي نفسي بيده لا يبغض أهل البيت رجل إلا أدخله الله النار»، تفسير : وإذا استحقوا النار ببعضهم فلأن يستحقوها بقتلهم أولى. الثامن: في حديث أبي هريرة: أنا خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام خيبر إلى أن كنا بوادي القرى، فبينما يحفظ رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم وقتله فقال الناس هنيئاً له الجنة، قال رسول الله: «حديث : كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم حنين من الغنائم لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً». تفسير : فلما سمع الناس بذلك جاء رجل بشراك أو بشراكين إلى رسول الله فقال عليه السلام: شراك من نار أو شراكين من النار. التاسع: عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق السحر». تفسير : العاشر: عن أبي هريرة قال عليه السلام: «حديث : ما من عبد له مال لا يؤدي زكاته إلا جمع الله له يوم القيامة عليه صفائح من نار جهنم يكوي بها جبهته وظهره حتى يقضي الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون». تفسير : هذا مجموع استدلال المعتزلة بعمومات القرآن والأخبار. أجاب أصحابنا عنها من وجوه. أولها: أنا لا نسلم أن صيغة «من» في معرض الشرط للعموم، ولا نسلم أن صيغة الجمع إذا كانت معرفة باللام للعموم والذي يدل عليه أمور. الأول: أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض على هاتين اللفظتين، كل من دخل داري أكرمته وبعض من دخل داري أكرمته، ويقال أيضاً: كل الناس كذا، وبعض الناس كذا، ولو كانت لفظة «من» للشرط تفيد الاستغراق لكان إدخال لفظ الكل عليه تكريراً وإدخال لفظ البعض عليه نقضاً، وكذلك في لفظ الجمع المعرف، فثبت أن هذه الصيغ لا تفيد العموم. الثاني: وهو أن هذه الصيغ جاءت في كتاب الله، والمراد منها تارة الاستغراق وأخرى البعض، فإن أكثر عمومات القرآن مخصوصة، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل ولا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بين العموم والخصوص وذلك هو أن يحمل على إفادة الأكثر من غير بيان أنه يفيد الاستغراق أو لا يفيد. الثالث: وهو أن هذه الصيغ لو أفادت العموم إفادة قطعية لاستحال إدخال لفظ التأكيد عليها، لأنها تحصيل الحاصل محال فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم لا محالة، سلمنا أنها تفيد معنى ولكن إفادة قطعية أو ظنية؟ الأول: ممنوع وباطل قطعاً لأن من المعلوم بالضرورة أن الناس كثيراً ما يعبرون عن الأكثر بلفظ الكل والجميع على سبيل المبالغة كقوله تعالى: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء } تفسير : [النمل: 23] فإذا كانت هذه الألفاظ تفيد معنى العموم إفادة ظنية، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية لم يجز التمسك فيها بهذه العمومات، سلمنا أنها تفيد معنى العموم إفادة قطعية ولكن لا بد من اشتراط أن لا يوجد شيء من المخصصات، فإنه لا نزاع في جواز تطرق التخصيص إلى العام، فلم قلتم: إنه لم يوجد شيء من المخصصات؟ أقصى ما في الباب أن يقال: بحثنا فلم نجد شيئاً من المخصصات لكنك تعلم أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. وإذا كانت إفادة هذه الألفاظ لمعنى الاستغراق متوقفة على نفي المخصصات، وهذا الشرط غير معلوم كانت الدلالة موقوفة على شرط غير معلوم، فوجب أن لا تحصل الدلالة، ومما يؤكد هذا المقام قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [البقرة: 6] حكم على كل الذين كفروا أنهم لا يؤمنون، ثم إنا شاهدنا قوماً منهم قد آمنوا فعلمنا أنه لا بد من أحد الأمرين: إما لأن هذه الصيغة ليست موضوعة للشمول أو لأنها وإن كانت موضوعة لهذا المعنى إلا أنه قد وجدت قرينة في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يعلمون لأجلها أن مراد الله تعالى من هذا العموم هو الخصوص. وأما ما كان هناك فلم يجوز مثله ههنا؟ سلمنا أنه لا بد من بيان المخصص، لكن آيات العفو مخصصة لها والرجحان معنا لأن آيات العفو بالنسبة إلى آيات الوعيد خاصة بالنسبة إلى العام والخاص، مقدم على العام لا محالة، سلمنا أنه لم يوجد المخصص ولكن عمومات الوعيد معارضة بعمومات الوعد، ولا بد من الترجيح وهو معنا من وجوه، الأول: أن الوفاء بالوعد أدخل في الكرم من الوفاء بالوعيد، والثاني: أنه قد اشتهر في الأخبار أن رحمة الله سابقة على غضبه وغالبة عليه فكان ترجيح عمومات الوعد أولى. الثالث: وهو أن الوعيد حق الله تعالى والوعد حق العبد، وحق العبد أولى بالتحصيل من حق الله تعالى، سلمنا أنه لم يوجد المعارض ولكن هذه العمومات نزلت في حق الكفار، فلا تكون قاطعة في العمومات، فإن قيل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قلنا: هب أنه كذلك، ولكن لما رأينا كثيراً من الألفاظ العامة وردت في الأسباب الخاصة، والمراد تلك الأسباب الخاصة فقط علمنا أن إفادتها للعموم لا يكون قوياً، والله أعلم. أما الذين قطعوا بنفي العقاب عن أهل الكبائر فقد احتجوا بوجوه. الأول: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوء عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [النحل: 27] وقوله تعالى: {أية : إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } تفسير : [طه: 48] دلت هذه الآية على أن ماهية الخزي والسوء والعذاب مختصة بالكافر، فوجب أن لا يحصل فرد من أفراد هذه الماهية لأحد سوى الكافرين. الثاني: قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَهْلَ عِبَادِى ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } تفسير : [الزمر: 53]، حكم تعالى بأنه يغفر كل الذنوب ولم يعتبر التوبة ولا غيرها، وهذا يفيد القطع بغفران كل الذنوب. الثالث: قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ } تفسير : [الرعد: 6] وكلمة «على» تفيد الحال كقولك: رأيت الملك على أكله، أي رأيته حال اشتغاله بالأكل، فكذا ههنا وجب أن يغفر لهم الله حال اشتغالهم بالظلم وحال الاشتغال بالظلم يستحيل حصول التوبة منهم، فعلمنا أنه يحصل الغفران بدون التوبة ومقتضى هذه الآية أن يغفر للكافر لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] إلا أنه ترك العمل به هناك فبقي معمولاً به في الباقي. والفرق أن الكفر أعظم حالاً من المعصية. الرابع: قوله تعالى: {أية : فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ * لاَ يَصْلَـٰهَا إِلاَّ ٱلأشْقَى ٱلَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ } تفسير : [الليل: 14 ـ 16]، وكل نار فإنها متلظية لا محالة، فكأنه تعالى قال إن النار لا يصلاها إلا الأشقى الذي هو المكذب المتولي. الخامس: قوله تعالى:{أية : كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَىْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ كَبِيرٍ } تفسير : [الملك: 8، 9]، دلت الآية على أن جميع أهل النار مكذب لا يقال هذه الآية خاصة في الكفار، ألا ترى أنه يقول قبله: {أية : وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ } تفسير : [ الملك:6- 8]. وهذا يدل على أنها مخصوصة في بعض الكفار وهم الذين قالوا: {أية : بَلَىٰ قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَىْء } تفسير : [الملك: 9]، وليس هذا من قول جميع الكفار لأنا نقول: دلالة ما قبل هذه الآية على الكفار لا تمنع من عموم ما بعدها. أما قوله: إن هذا ليس من قول الكفار قلنا: لا نسلم، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون: ما نزل الله من شيء على محمد، وإذا كان كذلك فقد صدق عليهم أنهم كانوا يقولون ما نزل الله من شيء. السادس: قوله تعالى: {أية : وَهَلْ نُجْٰزِى إِلاَّ ٱلْكَفُورَ } تفسير : [سبأ: 17] وهذا بناء المبالغة فوجب أن يختص بالكفر الأصلي. السابع: أنه تعالى بعدما أخبر أن الناس صنفان: بيض الوجوه وسودهم قال: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ } تفسير : [آل عمران: 106] فذكر أنهم الكفار. و الثامن: أنه تعالى بعدما جعل الناس ثلاثة أصناف، السابقون وأصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، بين أن السابقين وأصحاب الميمنة في الجنة وأصحاب المشأمة في النار، ثم بين أنهم كفار بقوله: {أية : وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَئذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَـٰماً أَئنَّا لَمَبْعُوثُونَ } تفسير : [الواقعة: 47]. التاسع: إن صاحب الكبيرة لا يخزى وكل من أدخل النار فإنه يخزى فإذن صاحب الكبيرة لا يدخل النار وإنما قلنا إن صاحب الكبيرة لا يخزى لأن صاحب الكبيرة مؤمن والمؤمن لا يخزى، وإنما قلنا: إنه مؤمن لما سبق بيانه في تفسير قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [البقرة: 3] من أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإنما قلنا: إن المؤمن لا يخزى لوجوه. أحدها: قوله تعالى: {أية : يَوْمَ لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه}تفسير : [التحريم: 8]. وثانيها: قوله: {أية : إِنَّ ٱلْخِزْىَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوء عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [النحل: 27]. وثالثها: قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 191] إلى أن حكى عنهم أنهم قالوا: {أية : وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [آل عمران: 194]، ثم إنه تعالى قال: {أية : فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} تفسير : [آل عمران: 195] ومعلوم أن الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض يدخل فيه العاصي والزاني وشارب الخمر، فلما حكى الله عنهم أنهم قالوا: {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } ثم بين أنه تعالى استجاب لهم في ذلك ثبت أنه تعالى لا يخزيهم، فثبت بما ذكرنا أنه تعالى لا يخزي عصاة أهل القبلة، وإنما قلنا: إن كل من أدخل النار فقد أخزي لقوله تعالى: {أية : رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } تفسير : [آل عمران: 192]، فثبت بمجموع هاتين المقدمتين أن صاحب الكبيرة لا يدخل النار. العاشر: العمومات الكثيرة الواردة في الوعد نحو قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلأْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } تفسير : [البقرة: 4 ـ 5]، فحكم بالفلاح على كل من آمن، وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِئِينَ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ هم يحزنون} تفسير : [البقرة: 62]. فقوله: {وَعَمِلَ صَـٰلِحَاً } نكرة في الإثبات فيكفي فيه الإثبات بعمل واحد وقال: {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ } تفسير : [النساء: 124] وإنها كثيرة جداً، ولنا فيه رسالة مفردة من أرادها فليطالع تلك الرسالة. والجواب عن هذه الوجوه: أنها معارضة بعمومات الوعيد، والكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات يجيء في موضعه إن شاء الله تعالى، أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض وتوقفوا في البعض فقد احتجوا من القرآن بآيات. الحجة الأولى: الآيات الدالة على كون الله تعالى عفواً غفوراً كقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } تفسير : [الشورى: 25] وقوله تعالى: {أية : وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } تفسير : [الشورى: 30] وقوله: {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلاْعْلَـٰمِ } تفسير : [الشورى: 32] إلى قوله: {أية : أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } تفسير : [الشورى: 34] وأيضاً أجمعت الأمة على أن الله يعفو عن عباده وأجمعوا على أن من جملة أسمائه العفو فنقول: العفو إما أن يكون عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه أو عمن لا يحسن عقابه، وهذا القسم الثاني باطل، لأن عقاب من لا يحسن عقابه قبيح، ومن ترك مثل هذا الفعل لا يقال: إنه عفا، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يظلم أحداً لا يقال: إنه عفا عنه، إنما يقال له: عفا إذا كان له أن يعذبه فتركه ولهذا قال: {أية : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [البقرة: 237] ولأنه تعالى قال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيّئَـٰتِ } تفسير : [الشورى: 25]، فلو كان العفو عبارة عن إسقاط العقاب عن التائب لكان ذلك تكريراً من غير فائدة، فعلمنا أن العفو عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه وذلك هو مذهبنا. الحجة الثانية: الآيات الدالة على كونه تعالى غافراً وغفوراً وغفاراً، قال تعالى: {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ } تفسير : [غافر: 3] وقال: {أية : وَرَبُّكَ ٱلْغَفُورُ ذُو ٱلرَّحْمَةِ } تفسير : [الكهف: 58] وقال: {أية : وَإِنّى لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ } تفسير : [طه: 82] وقال: {أية : غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ } تفسير : [البقرة: 285]. والمغفرة ليست عبارة عن إسقاط العقاب عمن لا يحسن عقابه فوجب أن يكون ذلك عبارة عن إسقاط العقاب عمن يحسن عقابه، وإنما قلنا: إن الوجه الأول باطل لأنه تعالى يذكر صفة المغفرة في معرض الامتنان على العباد ولو حملناه على الأول لم يبق هذا المعنى لأن ترك القبيح لا يكون منة على العبد بل كأنه أحسن إلى نفسه فإنه لو فعله لاستحق الذم واللوم والخروج عن حد الإلهية فهو بترك القبائح لا يستحق الثناء من العبد، ولما بطل ذلك تعين حمله على الوجه الثاني وهو المطلوب. فإن قيل: لم يجوز حمل العفو والمغفرة على تأخير العقاب من الدنيا إلى الآخرة والدليل على أن العفو مستعمل في تأخير العذاب عن الدنيا قوله تعالى في قصة اليهود: {أية : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ } تفسير : [البقرة: 52] والمراد ليس إسقاط العقاب، بل تأخيره إلى الآخرة وكذلك قوله تعالى: {أية : وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ }تفسير : [الشورى:30] أي ما يعجل الله تعالى من مصائب عقابه إما على جهة المحنة أو على جهة العقوبة المعجلة فبذنوبكم ولا يعجل المحنة والعقاب على كثير منها، وكذا قوله تعالى: {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ ٱلْجَوَارِ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلاْعْلَـٰمِ } تفسير : [الشورى: 32]إلى قوله: {أية : أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } تفسير : [الشورى: 34] أي لو شاء إهلاكهن لأهلكهن ولا يهلك على كثير من الذنوب. والجواب: العفو أصله من عفا أثره أي أزاله، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المسمى من العفو الإزالة لهذا قال تعالى: {أية : فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْء } تفسير : [البقرة: 178] وليس المراد منه التأخير، بل الإزالة وكذا قوله: {أية : وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ } تفسير : [البقرة:237] وليس المراد منه التأخير إلى وقت معلوم، بل الإسقاط المطلق، ومما يدل على أن العفو لا يتناول التأخير أن الغريم إذا أخر المطالبة لا يقال: إنه عفا عنه ولو أسقطه يقال: إنه عفا عنه فثبت أن العفو لا يمكن تفسيره بالتأخير. الحجة الثالثة: الآيات الدالة على كونه تعالى رحماناً رحيماً والاستدلال بها أن رحمته سبحانه إما أن تظهر بالنسبة إلى المطيعين الذين يستحقون الثواب أو إلى العصاة الذين يستحقون العقاب، والأول: باطل لأن رحمته في حقهم إما أن تحصل لأنه تعالى أعطاهم الثواب الذي هو حقهم أو لأنه تفضل عليهم بما هو أزيد من حقهم. والأول: باطل لأن أداء الواجب لا يسمى رحمة، ألا ترى أن من كان له على إنسان مائة دينار فأخذها منه قهراً وتكليفاً لا يقال في المعطي إنه أعطى الآخذ ذلك القدر رحمة، والثاني: باطل لأن المكلف صار بما أخذ من الثواب الذي هو حقه كالمستغني عن ذلك التفضل فتلك الزيادة تسمى زيادة في الإنعام ولا تسمى ألبتة رحمة، ألا ترى أن السلطان المعظم إذا كان في خدمته أمير له ثروة عظيمة ومملكة كاملة، ثم إن السلطان ضم إلى ماله من الملك مملكة أخرى، فإنه لا يقال: إن السلطان رحمه بل يقال: زاد في الإنعام عليه فكذا ههنا. أما القسم الثاني: وهو أن رحمته إنما تظهر بالنسبة إلى من يستحق العقاب، فإما أن تكون رحمته لأنه تعالى ترك العذاب الزائد على العذاب المستحق، وهذا باطل لأن ترك ذلك واجب والواجب لا يسمى رحمة ولأنه يلزم أن يكون كل كافر وظالم رحيماً علينا لأجل أنه ما ظلمنا، فبقي أنه إنما يكون رحيماً لأنه ترك العقاب المستحق وذلك لا يتحقق في حق صاحب الصغيرة ولا في حق صاحب الكبيرة بعد التوبة، لأن ترك عقابهم واجب، فدل على أن رحمته إنما حصلت لأنه ترك عقاب صاحب الكبيرة قبل التوبة، فإن قيل: لم لا يجوز أن تكون رحمته لأجل أن الخلق والتكليف والرزق كلها تفضل، ولأنه تعالى يخفف عن عقاب صاحب الكبيرة؟ قلنا: أما الأول فإنه يفيد كونه رحيماً في الدنيا فأين رحمته في الآخرة مع أن الأمة مجتمعة على أن رحمته في الآخرة أعظم من رحمته في الدنيا. وأما الثاني: فلأن عندكم التخفيف عن العذاب غير جائز هكذا قول المعتزلة الوعيدية، إذا ثبت حصول التخفيف بمقتضى هذه الآية ثبت جواز العفو لأن كل من قال بأحدهما قال بالآخر. الحجة الرابعة: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48]، فنقول: «لمن يشاء» لا يجوز أن يتناول صاحب الصغيرة ولا صاحب الكبيرة بعد التوبة، فوجب أن يكون المراد منه صاحب الكبيرة قبل التوبة، وإنما قلنا: لا يجوز حمله على الصغيرة ولا على الكبيرة بعد التوبة لوجوه. أحدها: أن قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ }، معناه أنه لا يغفره تفضلاً لا أنه لا يغفره استحقاقاً دل عليه العقل والسمع وإذا كان كذلك لزم أن يكون معنى قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } أي ويتفضل بغفران ما دون ذلك الشرك حتى يكون النفي والإثبات متوجهين إلى شيء واحد، ألا ترى أنه لو قال: فلان لا يتفضل بمائة دينار ويعطي ما دونها لمن استحق لم يكن كلاماً منتظماً، ولما كان غفران صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة مستحقاً امتنع كونهما مرادين بالآية. وثانيها: أنه لو كان قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } أنه يغفر المستحقين كالتائبين وأصحاب الصغائر لم يبق لتمييز الشرك مما دون الشرك معنى لأنه تعالى كما يغفر ما دون الشرك عند الاستحقاق ولا يغفره عند عدم الاستحقاق فكذلك يغفر الشرك عند الاستحقاق ولا يغفره عند عدم الاستحقاق، فلا يبقى للفصل والتمييز فائدة، وثالثها: أن غفران التائبين وأصحاب الصغائر واجب والواجب غير معلق على المشيئة، لأن المعلق على المشيئة هو الذي إن شاء فاعله فعله يفعله وإن شاء تركه يتركه فالواجب هو الذي لا بد من فعله شاء أو أبى، والمغفرة المذكورة في الآية معلقة على المشيئة فلا يجوز أن تكون للمغفرة المذكورة في الآية مغفرة التائبين وأصحاب الصغائر، واعلم أن هذه الوجوه بأسرها مبينة على قول المعتزلة من أنه يجب غفران صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة، وأما نحن فلا نقول ذلك. ورابعها: أن قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } يفيد القطع بأنه يغفر كل ما سوى الشرك وذلك يندرج فيه الصغيرة والكبيرة بعد التوبة وقبل التوبة إلا أن غفران كل هذه الثلاثة يحتمل قسمين، لأنه يحتمل أن يغفر كلها لكل أحد وأن يغفر كلها للبعض دون البعض فقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } يدل على أنه تعالى يغفر كل هذه الثلاثة، ثم قوله: {لِمَن يَشَاء } يدل على أنه تعالى يغفر كل تلك الأشياء لا للكل بل للبعض. وهذا الوجه هو اللائق بأصولنا، فإن قيل: لا نسلم أن المغفرة تدل على أنه تعالى لا يعذب العصاة في الآخرة بيانه أن المغفرة إسقاط العقاب وإسقاط العقاب أعم من إسقاط العقاب دائماً أو لا دائماً واللفظ الموضوع بإزاء القدر المشترك لا إشعار له بكل واحد من ذينك القيدين، فإذن لفظ المغفرة لا دلالة فيه على الإسقاط الدائم. إذا ثبت هذا فنقول: لم لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى لا يؤخر عقوبة الشرك عن الدنيا ويؤخر عقوبة ما دون الشرك عن الدنيا لمن يشاء، لا يقال: كيف يصح هذا ونحن لا نرى مزيداً للكفار في عقاب الدنيا على المؤمنين لأنا نقول: تقدير الآية أن الله لا يؤخر عقاب الشرك في الدنيا لمن يشاء ويؤخر عقاب ما دون الشرك في الدنيا لمن يشاء فحصل بذلك تخويف كلا الفريقين بتعجيل العقاب للكفار والفساق لتجويز كل واحد من هؤلاء أن يعجل عقابه، وإن كان لا يفعل ذلك بكثير منهم. سلمنا أن الغفران عبارة عن الإسقاط على سبيل الدوام فلم قلتم إنه لا يمكن حمله على مغفرة التائب ومغفرة صاحب الصغيرة؟ أما الوجوه الثلاثة الأول: فهي مبنية على أصول لا يقولون بها وهي وجوب مغفرة صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة، وأما الوجه الرابع: فلا نسلم أن قوله: {مَا دُونَ ذَلِكَ } يفيد العموم، والدليل عليه أنه يصح إدخال لفظ «كل» و «بعض» على البدل عليه مثل أن يقال: ويغفر كل ما دون ذلك. ويغفر بعض ما دون ذلك ولو كان قوله: {مَا دُونَ ذَلِكَ } يفيد العموم لما صح ذلك، سلمنا أنه للعموم ولكنا نخصصه بصاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة، وذلك لأن الآيات الواردة في الوعيد كل واحد منها مختص بنوع واحد من الكبائر مثل القتل والزنا، وهذه الآية متناولة لجميع المعاصي والخاص مقدم على العام، فآيات الوعيد يجب أن تكون مقدمة على هذه الآية. والجواب عن الأول: أنا إذا حملنا المغفرة على تأخير العقاب وجب بحكم الآية أن يكون عقاب المشركين في الدنيا أكثر من عقاب المؤمنين وإلا لم يكن في هذا التفصيل فائدة، ومعلوم أنه ليس كذلك بدليل قوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ } تفسير : [الزخرف:33] الآية. قوله: لم قلتم إن قوله: {مَا دُونَ ذَلِكَ } يفيد العموم؟ قلنا: لأن قوله: «ما» تفيد الإشارة إلى الماهية الموصوفة بأنها دون الشرك، وهذه الماهية ماهية واحدة، وقد حكم قطعاً بأنه يغفرها، ففي كل صورة تتحقق فيها هذه الماهية وجب تحقق الغفران، فثبت أنه للعموم ولأنه يصح استثناء أي معصية كانت منها وعند الوعيدية صحة الاستثناء تدل على العموم، أما قوله: آيات الوعيد أخص من هذه الآية، قلنا: لكن هذه الآية أخص منها لأنها تفيد العفو عن البعض دون البعض وما ذكرتموه يفيد الوعيد للكل، ولأن ترجيح آيات العفو أولى لكثرة ما جاء في القرآن والأخبار من الترغيب في العفو. الحجة الخامسة: أن نتمسك بعمومات الوعد وهي كثيرة في القرآن، ثم نقول: لما وقع التعارض فلا بد من الترجيح أو من التوفيق، والترجيح معناه من وجوه. أحدها: أن عمومات الوعد أكثر والترجيح بكثرة الأدلة أمر معتبر في الشرع، وقد دللنا على صحته في أصول الفقه، و ثانيها: أن قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ } تفسير : [هود: 114] يدل على أن الحسنة إنما كانت مذهبة للسيئة لكونها حسنة على ما ثبت في أصول الفقه، فوجب بحكم هذا الإيماء أن تكون كل حسنة مذهبة لكل سيئة ترك العمل به في حق الحسنات الصادرة من الكفار، فإنها لا تذهب سيئاتهم فيبقى معمولاً به في الباقي. وثالثها: قوله تعالى: {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } تفسير : [الأنعام: 160]، ثم إنه تعالى زاد على العشرة فقال: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } ثم زاد عليه فقال: {أية : وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَاء } تفسير : [البقرة: 261] وأما في جانب السيئة فقال: {وَمَن جَاء بِٱلسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا }، وهذا في غاية الدلالة على أن جانب الحسنة راجح عند الله تعالى على جانب السيئة. و رابعها: أنه تعالى قال في آية الوعد في سورة النساء: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قيلاً}تفسير : [النساء: 122] فقوله: {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا} إنما ذكره للتأكيد ولم يقل في شيء من المواضع وعيد الله حقاً. أما قوله تعالى: {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَىَّ } تفسير : [ق: 29] الآية، يتناول الوعد والوعيد. و خامسها: قوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً * وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } تفسير : [النساء: 110 ـ 111] والاستغفار طلب المغفرة وهو غير التوبة، فصرح ههنا بأنه سواء تاب أو لم يتب فإذا استغفر غفر الله له، ولم يقل ومن يكسب إثماً فإنه يجد الله معذباً معاقباً، بل قال: {فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } فدل هذا على أن جانب الحسنة راجح ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } تفسير : [الإسراء: 7] ولم يقل: وإن أسأتم أسأتم لها فكأنه تعالى أظهر إحسانه بأن أعاده مرتين وستر عليه إساءته بأن لم يذكرها إلا مرة واحدة، وكل ذلك يدل على أن جانب الحسنة راجح. و سادسها: أنا قد دللنا على أن قوله تعالى: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] لا يتناول إلا العفو عن صاحب الكبيرة ثم إنه تعالى أعاد هذه الآية في السورة الواحدة مرتين والإعادة لا تحسن إلا للتأكيد، ولم يذكر شيئاً من آيات الوعيد على وجه الإعادة بلفظ واحد، لا في سورة واحدة ولا في سورتين، فدل على أن عناية الله بجانب الوعد على الحسنات والعفو عن السيئات أتم. و سابعها: أن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضت فلا بد من صرف التأويل إلى أحد الجانبين وصرف التأويل إلى الوعيد أحسن من صرفه إلى الوعد لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف وإهمال الوعد مستقبح في العرف، فكان صرف التأويل إلى الوعيد أولى من صرفه إلى الوعد. و ثامنها: أن القرآن مملوء من كونه تعالى غافراً غفوراً غفاراً وأن له الغفران والمغفرة، وأنه تعالى رحيم كريم، وأن له العفو والإحسان والفضل والإفضال، والأخبار الدالة على هذه الأشياء قد بلغت مبلغ التواتر وكل ذلك مما يؤكد جانب الوعد وليس في القرآن ما يدل على أنه تعالى بعيد عن الرحمة والكرم والعفو، وكل ذلك يوجب رجحان جانب الوعد على جانب الوعيد. وتاسعها: أن هذا الإنسان أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر، بل أتى بالشر الذي هو في طبقة القبائح ليس في الغاية والسيد الذي له عبد ثم أتى عبده بأعظم الطاعات وأتى بمعصية متوسطة فلو رجع المولى تلك المعصية المتوسطة على الطاعة العظيمة لعد ذلك السيد لئيماً مؤذياً فكذا ههنا، فلما لم يجز ذلك على الله ثبت أن الرجحان لجانب الوعد. وعاشرها: قال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعةٰ إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي وإلا فالكفر أعظم من الإيمان!فإن يكن كذلك فلا أقل من رجاء العفو. وهو كلام حسن، الحادي عشر: أنا قد بينا بالدليل أن قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } لا يمكن حمله على الصغيرة ولا على الكبيرة بعد التوبة، فلو لم تحمله على الكبيرة قبل التوبة لزم تعطيل الآية، أما لو خصصنا عمومات الوعيد بمن يستحلها لم يلزم منه إلا تخصيص العموم، ومعلوم أن التخصيص أهون من التعطيل، قالت المعتزلة: ترجيح جانب الوعيد أولى من وجوه. أولها: هو أن الأمة اتفقت على أن الفاسق يلعن ويحد على سبيل التنكيل والعذاب وأنه أهل الخزي وذلك يدل على أنه مستحق للعقاب وإذا كان مستحقاً للعقاب استحال أن يبقى في تلك الحالة مستحقاً للثواب، وإذا ثبت هذا كان جانب الوعيد راجحاً على جانب الوعد. أما بيان أنه يلعن، فالقرآن والإجماع، أما القرآن فقوله تعالى في قاتل المؤمن: {أية : وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ } تفسير : [النساء: 93] وكذا قوله: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأعراف: 44] وأما الإجماع فظاهر، وأما أنه يحد على سبيل التنكيل فلقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلاً مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 38] وأما أنه يحد على سبيل العذاب فلقوله تعالى في الزاني: {أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [النور: 2]، وأما أنهم أهل الخزي فلقوله تعالى في قطاع الطريق: {إِنَّمَا جَزَاء ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } إلى قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } تفسير : [المائدة: 33]. وإذا ثبت كون الفاسق موصوفاً بهذه الصفات ثبت أنه مستحق للعذاب والذم، ومن كان مستحقاً لهما دائماً ومتى استحقهما دائماً امتنع أن يبقى مستحقاً للثواب، لأن الثواب والعقاب متنافيان، فالجمع بين استحقاقهما محال، وإذا لم يبق مستحقاً للثواب ثبت أن جانب الوعيد راجح على جانب الوعد، وثانيها: أن آيات الوعد عامة وآيات الوعيد خاصة والخاص مقدم على العام. وثالثها: أن الناس جبلوا على الفساد والظلم فكانت الحاجة إلى الزجر أشد، فكان جانب الوعيد أولى، قلنا: الجواب عن الأول من وجوه: الأول: كما وجدت آيات دالة على أنهم يلعنون ويعذبون في الدنيا بسبب معاصيهم كذلك أيضاً وجدت آيات دالة على أنهم يعظمون ويكرمون في الدنيا بسبب إيمانهم. قال الله تعالى: {أية : وَإِذَا جَاءكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـئَايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } تفسير : [الأنعام: 54]، فليس ترجيح آيات الوعيد في الآخرة بالآيات الدالة على أنهم يذمون ويعذبون في الدنيا بأولى من ترجيح آيات الوعد في الآخرة بالآيات الدالة على أنهم يعظمون بسبب إيمانهم في الدنيا. الثاني: فكما أن آيات الوعد معارضة لآيات الوعيد في الآخرة فهي معارضة لآيات الوعيد والنكال في الدنيا، فلم كان ترجيح آيات وعيد الدنيا على آيات وعيد الآخرة أولى من العكس. الثالث: أنا أجمعنا على أن السارق وإن تاب إلا أنه تقطع يده لا نكالاً ولكن امتحاناً، فثبت أن قوله: {أية : جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلاً } تفسير : [المائدة: 38] مشروط بعدم التوبة، فلم لا يجوز أيضاً أن يكون مشروطاً بعدم العفو. والرابع: أن الجزاء ما يجزي ويكفي وإذا كان كافياً وجب أن لا يجوز العقاب في الآخرة وإلا قدح ذلك في كونه مجزياً وكافياً، فثبت أن هذا ينافي العذاب في الآخرة، وإذا ثبت فساد قولهم في ترجيح جانب الوعيد فنقول: الآيتان الدالتان على الوعد والوعيد موجودتان فلا بد من التوفيق بينهما، فأما أن يقال: العبد يصل إليه الثواب ثم ينقل إلى دار العقاب وهو قول باطل بإجماع الأمة، أو يقال: العبد يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب. أما الترجيح الثاني فهو ضعيف لأن قوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } لا يتناول الكفر وقوله: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [النساء: 14] [الأحزاب: 36] يتناول الكل فكان قولنا هو الخاص والله أعلم. الحجة السادسة: أنا قد دللنا على أن تأثير شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في إسقاط العقاب وذلك يدل على مذهبنا في هذه المسألة. الحجة السابعة: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } تفسير : [الزمر: 53] وهو نص في المسألة. فإن قيل: هذه الآية إن دلت فإنما تدل على القطع بالمغفرة لكل العصاة، وأنتم لا تقولون بهذا المذهب، فما تدل الآية عليه لا تقولون به وما تقولون به لا تدل الآية عليه؟ سلمنا ذلك، لكن المراد بها أنه تعالى يغفر جميع الذنوب مع التوبة وحمل الآية على هذا المحمل أولى لوجهين: أحدهما: أنا إذا حملناها على هذا الوجه فقد حملناها على جميع الذنوب من غير تخصيص، الثاني: أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَأَنِـيبُواْ إِلَىٰ رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ } تفسير : [الزمر: 54] والإنابة هي التوبة. فدل على أن التوبة شرط فيه، والجواب عن الأول. أن قوله: {يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً } وعد منه بأنه تعالى سيسقطها في المستقبل، ونحن نقطع بأنه سيفعل في المستقبل ذلك، فإنا نقطع بأنه تعالى سيخرج المؤمنين من النار لا محالة، فيكون هذا قطعاً بالغفران لا محالة، وبهذا ثبت أنه لا حاجة في إجراء الآية على ظاهرها على قيد التوبة، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة وبالله التوفيق. ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول: إن المعتزلة فسروا كون الخطيئة محبطة بكونها كبيرة محبطة لثواب فاعلها، والاعتراض عليه من وجوه، الأول: أنه كما أن من شرط كون السيئة محيطة بالإنسان كونها كبيرة فكذلك شرط هذه الإحاطة عدم العفو، لأنه لو تحقق العفو لما تحققت إحاطة السيئة بالإنسان، فإذن لا يثبت كون السيئة محيطة بالإنسان إلا إذا ثبت عدم العفو، وهذا أول المسألة ويتوقف الاستدلال بهذه الآية على ثبوت المطلوب وهو باطل. الثاني: أنا لا نفسر إحاطة الخطيئة بكونها كبيرة، بل نفسرها بأن يكون ظاهره وباطنه موصوفاً بالمعصية، وذلك إنما يتحقق في حق الكافر الذي يكون عاصياً لله بقلبه ولسانه وجوارحه، فأما المسلم الذي يكون مطيعاً لله بقلبه ولسانه ويكون عاصياً لله تعالى ببعض أعضائه دون البعض فههنا لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد، ولا شك أن تفسير الإحاطة بما ذكرناه أولى، لأن الجسم إذا مس بعض أجزاء جسم آخر دون بعض لا يقال: إنه محيط به، وعند هذا يظهر أنه لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد إلا إذا كان كافراً. إذا ثبت هذا فنقول قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } يقتضي أن أصحاب النار ليسوا إلا هم وذلك يقتضي أن لا يكون صاحب الكبيرة من أهل النار، الثالث: أن قوله تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } يقتضي كونهم في النار في الحال وذلك باطل، فوجب حمله على أنهم يستحقون النار. ونحن نقول بموجبه: لكن لا نزاع في أنه تعالى هل يعفو عن هذا الحق وهذا أول المسألة، ولنختم الكلام في هذه الآية بقاعدة فقهية: وهي أن الشرط ههنا أمران، أحدهما: اكتساب السيئة، والثاني: إحاطة تلك السيئة بالعبد والجزاء المعلق على وجود الشرطين لا يوجد عند حصول أحدهما. وهذا يدل على أن من عقد اليمين على شرطين في طلاق أو إعتاق أنه لا يحنث بوجود أحدهما والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {بَلَىٰ} أي ليس الأمر كما ذكرتم. قال سيبويه: ليس «بلى» و «نعم» ٱسمين. وإنما هما حرفان مثل «بل» وغيره؛ وهي رَدٌّ لقولهم: لن تمسّنا النار. وقال الكوفيون: أصلها بل التي للإضراب عن الأوّل، زيدت عليها الياء ليحسن الوقف، وضُمّنت الياء معنى الإيجاب والإنعام. فـ «ـبَلْ» تدلّ على رَدّ الجَحْد، والياء تدلّ على الإيجاب لما بعدُ. قالوا: ولو قال قائل: ألم تأخذ ديناراً؟ فقلت: نعم؛ لكان المعنى لا، لم آخذ؛ لأنك حقّقت النفي وما بعده. فإذا قلت: بلى؛ صار المعنى قد أخذت. قال الفراء: إذا قال الرجل لصاحبه: مالك عليّ شيء؛ فقال الآخر: نعم؛ كان ذلك تصديقاً؛ لأن لا شيء له عليه؛ ولو قال: بلى، كان ردّاً لقوله؛ وتقديره: بلى لي عليك. وفي التنزيل {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172] ولو قالوا نعم لكفروا. الثانية: قوله تعالى: {سَيِّئَةً} السيئة الشِّرك. قال ٱبن جُريج قلت لعطاء: «مَن كَسب سيئة»؟ قال: الشّرك؛ وتلا {وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ}. وكذا قال الحسن وقتادة، قالا: والخطيئة الكبيرة. الثالثة: لما قال تعالى: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} دلّ على أن المعلّق على شرطين لا يتم بأقلهما؛ ومثله قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ}تفسير : [فصلت: 30]، وقوله عليه السلام لسُفيان بن عبد اللَّه الثَّقَفِي وقد قال له: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: «حديث : قل آمنت بالله ثم استقم»تفسير : . رواه مسلم. وقد مضى القول في هذا المعنى وما للعلماء فيه عند قوله تعالى لآدم وحواء: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ }تفسير : [البقرة: 35]. وقرأ نافع «خطيئاته» بالجمع، الباقون بالإفراد؛ والمعنى الكثرة، مثل قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}.
البيضاوي
تفسير : {بَلَىٰ } إثبات لما نفوه من مساس النار لهم زماناً مديداً ودهراً طويلاً على وجه أعم، ليكون كالبرهان على بطلان قولهم، وتختص بجواب النفي {مَن كَسَبَ سَيّئَةً } قبيحة، والفرق بينها وبين الخطيئة أنها قد تقال فيما يقصد بالذات، والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض لأنه من الخطأ، والكسب: استجلاب النفع. وتعليقه بالسيئة على طريق قوله: {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }تفسير : [آل عمران: 21] {وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـئَـتُهُ} أي استولت عليه، وشملت جملة أحواله حتى صار كالمحاط بها لا يخلو عنها شيء من جوانبه، وهذا إنما يصح في شأن الكافر لأن غيره وإن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم تحط الخطيئة به، ولذلك فسرها السلف بالكفر. وتحقيق ذلك: أن من أذنب ذنباً ولم يقلع عنه استجره إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه، حتى تستولي عليه الذنوب وتأخذ بمجامع قلبه فيصير بطبعه مائلاً إلى المعاصي، مستحسناً إياها معتقداً أن لا لذة سواها، مبغضاً لمن يمنعه عنها مكذباً لمن ينصحه فيها، كما قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤأَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ }تفسير : [الروم: 10]. وقرأ نافع {خطيئاته}. وقرىء «خطيته» و «خطياته» على القلب والإدغام فيهما. {فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ } ملازموها في الآخرة كما أنهم ملازمون أسبابها في الدنيا {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } دائمون، أو لابثون لبثاً طويلاً. والآية كما ترى لا حجة فيها على خلود صاحب الكبيرة وكذا التي قبلها.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم ولا كما تشتهون، بل الأمر أنه من عمل سيئة، وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة، وليست له حسنة، بل جميع أعماله سيئات، فهذا من أهل النار، {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} أي: آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الصالحات من العمل الموافق للشريعة، فهم من أهل الجنة، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: {أية : لَّيْسَ بِأَمَـٰنِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً }تفسير : [النساء: 123 - 124] قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} أي: عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به حتى يحيط به كفره، فماله من حسنة، وفي رواية عن ابن عباس، قال: الشرك، قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي وائل وأبي العالية ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه، وقال الحسن أيضاً والسدي: السيئة: الكبيرة من الكبائر، وقال ابن جريج، عن مجاهد: {وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} قال: بقلبه، وقال أبو هريرة وأبو وائل وعطاء والحسن: {وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} قال: أحاط به شركه، وقال الأعمش عن أبي رزين عن الربيع بن خيثم: {وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} قال: الذي يموت على خطاياه من قبل أن يتوب، وعن السدي وأبي رزين نحوه، وقال أبو العالية ومجاهد والحسن في رواية عنهما، وقتادة والربيع بن أنس: {وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيۤـ?َـتُهُ} الموجبة الكبيرة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ويذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمرو بن قتادة عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إياكم ومحقرات الذنوب؛ فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه»تفسير : وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهم مثلاً كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود حتى جمعوا سواداً، وأججوا ناراً، فأنضجوا ما قذفوا فيها. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد عن سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} أي: من آمن بما كفرتم، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبداً، لا انقطاع له. { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىۤ إِسْرءِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} يذكر تبارك وتعالى بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصداً وعمداً، وهم يعرفونه، ويذكرونه، فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِىۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ}تفسير : [الأنبياء: 25] وقال تعالى: {أية : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُواْ ٱلْطَّـٰغُوتَ}تفسير : [النحل: 36] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تبارك وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن تبارك وتعالى بين حقه وحق الوالدين كما قال تعالى: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ إِلَيَّ ٱلْمَصِيرُ}تفسير : [لقمان: 14] وقال تبارك وتعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً} تفسير : [الإسراء: 23] إلى أن قال: {أية : وَءَاتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ}تفسير : [الإسراء: 26] وفي الصحيحين عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله أيّ العمل أفضل؟ قال: «حديث : الصلاة على وقتها»تفسير : قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : بر الوالدين»تفسير : قلت: ثم أي؟ قال: «حديث : الجهاد في سبيل الله»تفسير : ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رجلاً قال: يا رسول الله من أبر؟ قال: «حديث : أمك»تفسير : قال: ثم من؟ قال: «حديث : أمك»تفسير : قال: ثم من؟ قال: «حديث : أباك، ثم أدناك ثم أدناك»تفسير : وقوله تعالى: {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} قال الزمخشري: خبر بمعنى الطلب، وهو آكد، وقيل: كان أصله {أن لا تعبدوا إلا الله} كما من قرأها من السلف، فحذفت أن فارتفع، وحكي عن أبيّ وابن مسعود أنهما قرآها: {لا تعبدوا إلا الله}، ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبوبه. قال: واختاره الكسائي والفراء، قال: {وَالْيَتَـٰمَىٰ} وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء، {وَٱلْمَسَـٰكِينِ} الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء التي أمرنا الله تعالى بها صريحاً في قوله: {أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً}تفسير : [النساء: 36] الآية، وقوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} أي كلموهم طيباً، ولينوا لهم جانباً، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف كما قال الحسن البصري في قوله تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} فالحسن من القول يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحلم ويعفو ويصفح، ويقول للناس حسناً؛ كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله. وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا أبو عامر الخراز، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تحقرن من المعروف شيئاً، وإن لم تجد، فالق أخاك بوجه منطلق»تفسير : وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي، وصححه من حديث أبي عامر الخراز، واسمه صالح بن رستم، به، وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسناً، بعدما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي، ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمتعين من ذلك، وهو الصلاة والزكاة، فقال: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ} وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله، أي: تركوه وراء ظهروهم، وأعرضوا عنه على عمد، بعد العلم به، إلا القليل منهم، وقد أمر الله هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء بقوله: {أية : وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}تفسير : [النساء: 36] فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها، ولله الحمد والمنة. ومن النقول الغريبة ههنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن يوسف، يعني: التنيسي، حدثنا خالد بن صبيح عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وداعة: أنه كان يخرج من منزله، فلا يلقى يهودياً ولا نصرانياً إلا سلم عليه، فقيل له: ما شأنك تسلم على اليهودي والنصراني؟ فقال: إن الله تعالى يقول: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا} وهو السلام. قال: وروي عن عطاء الخراساني نحوه (قلت): وقد ثبت في السنة أنهم لا يبدؤون بالسلام، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {بَلَىٰ } تَمَسُّكم وَتُخَلَّدونَ فيها {مَن كَسَبَ سَيّئَةً } شركا {وَأَحَٰطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } بالإفراد والجمع[خطيئاته] أي استولت عليه وأحدقت به من كل جانب بأن مات مشركاً {فَأُوْلَٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ } روعي فيه معنى (منَ).
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً}. أما (بلى)، فجوات النفي، وأما (نعم) فجواب الإيجاب، قال الفراء: إذا قال الرجل لصاحبه: ما لك عَليَّ شيء، فقال الآخر: نعم، كان ذلك تصديقاً أن لا شيء عليه، ولو قال بَلَى: كان رداً لقوله، وتقديره: بَلَى لِيَ عليك. وقوله: {مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} اختلفوا في السيئة ها هنا، على قولين: أحدهما: أنها الشرك، وهذا قول مجاهد. والثاني: أنها الذنوب التي وعد الله تعالى عليها النار، وهذا قول السدي. وقوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} فيه تأويلان: أحدهما: أنه مات عليها، وهذا قول ابن جبير. والثاني: أنها سَدَّتْ عليه المسالك، وهذا قول ابن السراج.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَلَى} إيجاب للنفي: إذا قال مالي عليك شيء فقال بلى [كان رداً لقوله وتقديره "بلى لي عليك"]. {سَيِّئَةً} شركاً، أو ذنوباً وعد عليها بالنار. {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} مات عليها، أو سدت عليه مسالك النجاة.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً...} قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تضمن الكلام السابق (ادّعاء) الكفار أنّهم لا يعذبون بالنار إلا زمانا (مخصوصا) يسيرا، رد عليهم ذلك بوجهين: - الأول: مطالبتهم بالدّليل على ذلك حسبما تضمنه {أية : قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً }. تفسير : - الثاني: أنّهم لما عجزوا عن الإتيان بالدليل (احتمل) أن يكون دعواهم في نفس الأمر صحيحة، فأتى بهذا الدليل على بطلانها. فقال: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً}. ظاهر الآية حجة لأهل السنة في إثبات الكسب لأنهم اصطلحوا على إطلاق هذا اللفظ مرادا به القدرة على الفعل مع العلم بما فيه من مصلحة أو مفسدة، والأصل عدم النقل، فإن قلت: المراد به معناه اللّغوي؟ قلنا: الأصل موافقة اللغة للاصطلاح، وعدم النقل فلعله كذلك في اللغة. فإن قلت بقول (المعتزلة): المراد به عندي استقلال العبد بقدرته وأنه يخلق أفعاله، والأصل عدم النقل، فلعله كذلك في اللغة؟ قلنا: قد أبطلنا مذهبهم في الأصول بموافقتهم على الدّاعي. و "مَن" إما موصولة أو شرطية، والظاهر الأول لعطف الموصول عليها ولأنّ الشرط (قد) يتركب من المحال. تقول: (لو اجتمع) النقيضان لكان زيد متحركا ساكنا، وهذا صادق مع أنه محال، وكسب السيئة قيل: المراد به ما سوى الكفر من المعاصي. {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} المراد به الكفر. وقيل: بالعكس. قيل لابن عرفة: أو المراد بالجميع الكفر؟ فقال: يكون العطف تكرارا. (قيل له): بل المعنى كسب السيئة وأحاطت به تلك السيئة؟ (قال): والخلود إن كان كسب السيئة مرادا به المعاصي سوى الكفر، والخطيئة المراد بها الكفر، فيكون من استعمال اللّفظ الواحد في حقيقته ومجازه لأن خلود الكفار حقيقة وإن كان شيئا واحدا، (فيجوز) فيه أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. ويفرع على القول الأول بأن معنى الخطاب بذلك راجع إلى تضعيف العذاب على المخالفة في الدار الآخرة، فيكون هذا خلودا خاصا. والآية حجة لأهل السّنّة (بدليل) أداة الحصر. (فالمعنى): هم الخالدون لا غيرهم. قيل لابن عرفة: يخرج من حافظ منهم على الفروع فيلزم أن يكون غير (مخلد)؟ فقال: السياق يبين أنّ هذا خلود خاص. قال الطيبي: يحتمل أن يراد بالسّيئة كل ما فعل عن قصد، وبالخطيئة ما فعل غير مقصود كمن شرب الخمر فلما سكر ضرب رجلا (أو قتله). الزمخشري: قال الحسن: كل آية نهى الله عنها، وأخبرك أن من عمل بها أدخله النار فهي الخطيئة المحيطة. قال ابن عرفة: صوابه كل نهي. قال ابن عرفة: وزيادة لفظ الخلود دليل على أن الصحبة (تطلق) على مطلق الاجتماع وإن لم يكن معه دوام.
ابن عادل
تفسير : "بلى" حرف جواب كـ "نعم وجير وأَجَل وإي"، إلا أن "بلى" جواب لنفي متقدم، سواءً دخله استفهام أم لا فيكون إيجاباً له نحو قول القائل ما قام زيد، فتقول: بلى، أي: قد قام، وتقول: أليس زيد قائماً فتقول: بلى أي هو قائم قال تعالى: {أية : أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف:172] ويروى عن ابن عَبّاس أنهم لو قالوا نعم لكفروا. وقال بعضهم: إن "بلى" قد تقع جواباً لنفي متقدّم وقد تقع جواباً لاستفهام إثبات كما قال عليه الصّلاة والسلام للذي سأله عن عطية أولاده: أَتُحِبُّ أَنْ تُسَاوِيَ بَيْنَ أَوْلاَدِكَ في البِرِّ؟ قال: "بَلَى". وقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ لرجل: أَلَسْتَ أَنْتَ الَّذِي لَقِيتُهُ بـ "مكة"؟ قال: "بلى" فأما قوله: [الوافر] شعر : 612ـ أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو وَإِيَّانَا، فَذَاكَ بِنَا تَدَانِي نَعَمْ وَتَرى الْهِلاَلَ كَمَا أَرَاهُ وَيعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلاَنِي تفسير : فقيل: ضرورة. وقيل: نظر إلى المعنى؛ لأن الاستفهام إذا دخل على النفي قرره وبهذا يقال: فيكف نقل عن ابن عباس أنهم لو قالوا لكفروا مع أنّ النفي صار إيجاباً. وقيل: قوله: "نعم" ليس جواباً بـ "أليس" إنما هو جواب لقوله: "فَذَاكَ بِنَا تَدانِي" فقوله تعالى: "بَلَى" رد لقولهم: {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ} أي: بلى تمسّكم أبداً، في مقابلة قولهم: {إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} وهو تقدير حسن. والبصريون يقولون: إن "بلى" حرف بَسِيْط، وزعم الكوفيون أن أصلها "بل" التي للإضراب زيدت عليها "الباء" ليحسن الوَقْف عليها، وضمنت الياء معنى الإيجاب قيل: تدّل على رد النفي، والياء تدلّ على الإيجاب يعنون بالياء الألف. وإنما سموها ياء؛ لأنها حرف عال وتكتب بالياء. و "مَنْ" يجوز فيها وَجْهَان. أحدهما: أن تكون موصولة بمعنى "الذي" والخبر قوله: "فأولئك"، وجاز دخول الفاء في الخبر لاستكمال الشروط، ويؤيد كونها موصولة، وذكر قسيمها موصولاً وهو قوله: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا"، ويجوز أن تكون شرطية، والجواب قوله: "فَأُوْلَئِكَ"، وعلى كلا القولين فحملّها الرفع بالابتداء، ولكن إذا قلنا: إنها موصولة كان الخبر: "فأولئك" وما بعدها بلا خلاف، ولا يكون لقوله: "كَسَبَ سَيِّئَةً" وما عطف عليه محلّ من الإعراب؛ لوقوعة صلة. وإذا قلنا: إنها شرطية جاء في خبرها الخلاف المشهور، إما الشرط أو الجزاء، أو هما حسب ما تقدم، ويكون قوله: "كَسَبَ" وما عطف عليه في محلّ جزم بالشرط. "سَيّئة" مفعول به، وأصلها: "سَيْوِئَة"؛ لأنها من ساء يسوءُ فوزنها "فَيْعِلَة" فاجتمع الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فأعلت إعلال "سَيِّد ومَيِّت" كما تقدم. وراعى لفظ "مَن" فأفرد في قوله: {كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} والمعنى مرة أخرى مجمع في قوله: {فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. وقرأ نافع وأهل "المدينة" "خَطِيئَاتِه" بجمع السلامة والجمور: "خَطِيْئة" بالإفراد، ووجه القراءتين ينبني على معرفة السّيئة والخطيئة. وفيهما أقوال: أحدها: أنهما عبارتان عن الكُفْر بلفظين مُخْتلفين. الثاني: أنهما عبارتان عن الكُفْر بلفظين مُخْتلفين. الثالث: [عكس الثاني]. فوجه قراءة الجماعة على الأول والثالث أن المراد بالخطيئة الكفر، وهو مفرد، وعلى الوجه الثَّاني أن المراد به جنس الكبيرة، ووجه قراءة نافع على الوَجْه الأول والثالث أن المراد بالخَطِيئات أنواع الكُفْر المتجددة في كلّ وقت، وعلى الوجه الثاني أن المراد به الكبائر وهي جماعة. وقيل: المراد بالخطيئة نفس السّيئة المتقدمة، فسماها بهذين الاسمين تقبيحاً لها كأنه قال: وأحاطت به خطيئتهُ تلك أي السيئة، ويكون المراد بالسّيئة الكُفْر، أو يراد بهم العُصَاة، ويكون أراد بالخلود المُكث الطويل، ثم بعد ذلك يخرجون. وقوله: {فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} إلى آخره تقدم نظيره. وقرى "خطاياه" تكسيراً، وهذه مخالفة لسواد المصحف؛ فإنه رسم "خطيئتهُ" بلفظ التوحيد، وتقدم القول في تعريف خَطَايا. فصل في لفظة "بلى" قال صاحب "الكشاف": بلى إثبات لما بعد حرف النفي، وهو قوله: {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ} ـ أي: بلى تمسكم أبداً بدليل قوله: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي، قال تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى:40] {أية : مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ}تفسير : [النساء:123] ولما كان من الجائز أن يظن أن كلّ سيئة صغرت أو كبرت، فحالها سواء في أنّ فاعلها يخلد في النَّار لا جرم بَيَّنَ تعالى أن الذي يستحقّ به الخلود أن يكون سيئة مُحِيْطة به، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة السُّور بالبلد والكُوز بالماء، وذلك هاهنا ممتنع، فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة لوجهين: أحدهما: أن المحيط يستر المحاط به، والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات كالسَّاترة لتلك الطاعات، فكانت المُشَابهة حاصلةً من هذه الجهة. والثاني: أن الكبير إذا أَحْبَطَتْ ثواب الطَّاعات، فكأنها استولت على تلك الطاعات، وأحاطت بها كما يحيط العَسْكر بالإنسان بحيث لا يتمكن من التخلص منه فكأنه ـ تعالى ـ قال: بلى من كَسَبَ كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. فإن قيل: هذه الآية: وردت في حق اليهود؟ [فالجواب]: العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السبب، هذا وجه استدلال المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر. وقد اختلف أهل القبلة [فيه] فمنهم من قطع بوعيدهم وهم فريقان؛ منهم من أثبت الوعيد المؤبّد، وهم جمهور المعتزلة والخوارج. ومنهم من أثبت وعيداً منقطعاً، وهو قول بشر المريسي. ومنهم من قطع بأنه لا وعيد لهم، وهو قول شاذّ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر. والقول الثالث: أنّا نقطع بأنه ـ سبحانه ـ يعفو عن بعض العُصَاة ولكنا نتوقف في حقّ كل أحد على التعيين، ونقطع بأنه إذا عَذَّبَ أحداً منهم، فإنه لا يعذبه أبداً، بل يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الأَصْحَاب والتابعين، وأهل السنة والجماعة، وأكثر الإمامية، فيشتمل هذا البحث على مسألتين. إحداهما: القطع بالوعيد. والأخرى: إذا ثبت الوعيد، فهل يكون ذلك على صفة الدوام أم لا؟ أما المعتزلة فإنهم استدلوا بالعمومات الواردة وهي على قسمين: أحدهما: صيغة "من" في معرض الشرط. والثاني: صيغة الجمع. فأما صيغة "من" في الشرط فإنها تفيد العُمُوم على ما ثبت في أصول الفقه، فكلّ آية وردت في القرآن بصيغة "من" في الوعيد، فقد استدلّت المعتزلة بها. قالوا: لأنها تفيد العموم من وجوه: أحدها: أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص، أو مشتركة بينهما، والقسمان باطلان، فوجب كونها موضوعة للعموم. أما بطلان كونها موضوعة للخُصُوص، فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلّم أن يعطي الجزاء لكلّ من أتى بالشرط؛ لأنّ على هذا التقدير لا يكون ذلك الجزاء مرتباً على ذلك الشّرط لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال: من دخل داري أكرمته أنه يحسن أن يكرم كلّ من دخل داره، فعلمنا أن هذه اللفظة ليست للخصوص. وأما بطلان كونها موضعة للاشتراك فلأمرين: الأول: أنَّ الاشتراك خلاف الأصل. والثاني: أنه لو كان ذلك لما عرف كيفية ترتّب الجزاء على الشرط إلاَّ بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قال: مَنْ دخل داري أكرمته، فيقال له: أردت الرجال أو النساء؟ فإذا قال: أردت الرجال يقال له: أردت العرب أم العجم؟ فإذا قال: أردت العرب يقال له: أردت ربيعة أم مضر؟ وهلم جرّاً إلى أن يأتي على جميع التقسيمات المُمْكنة، لما علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان قُبْحَ ذلك علمنا أن القول بالاشتراك باطل. الوجه الثاني: صحة الاستثناء منهما، فإن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل. الوجه الثالث: أنه لما نزل قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء:98] قال ابن الزبعرى: لأخصمن محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم قال يا محمد أليس قد عبدت الملائكة؟ أليس قد عبد عيسى ابن مريم، فتمسك بعموم اللفظ والنبي ـ عليه الصلاة ـ لم ينكر عليه ذلك، فدل ذلك على أن هذه الصيغة تفيد العموم. النوع الثاني من دلائل المعتزلة: التمسّك في الوعيد بصيغة الجمع المعرفة بالألف واللام، قال تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}تفسير : [الانفطار:14] فإنها تفيد العموم، ويدل عليه وجوه: أحدها: قول أبي بكر رضي الله عنه: "الائمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" والأنصار سلموا له صحة تلك الحجة. ولما هَمّ بقتال مانعي الزكاة قال له عمر رضي الله عنه: أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ"تفسير : فاحتج عليه بهذا اللفظ بعمومه، ولم يقل أبو بكر ولا أحد من الصحابة: إن اللفظ لا يفيده، بل عدل إلى الاستثناء، فقال إنه عليه الصلاة والسلام قال: "حديث : إِلاَّ بحَقِّهَا ". تفسير : الثاني: أن هذا الجمع يؤكّد بما يقتضي الاستغراق، فوجب أن يفيد الاستغراق لقوله تعالى: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاَۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}تفسير : [الحجر:30] وما كان كذلك فوجب أن يؤكد المؤكد في أصله الاستغراق؛ لأن هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد أجماعاً، والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ثابتاً في الأصل. الثالث: صحّة الاستثناء منه. الرابع: أن المعرف يقتضي الكثرة فوق المنكر؛ لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف ولا ينعكس، ومعلوم أن المنتزع [منه أكثر من المنتزع]. النوع الثاني: صيغ الجموع المقرونة بحرف "الذي" كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً}تفسير : [النساء:10] {أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلآئِكَةُ}تفسير : [النحل:28] {أية : وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ}تفسير : [يونس:27] {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ}تفسير : [التوبة:34] {أية : وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ}تفسير : [النساء:18] فلو لم يكن الفاسق من أهل الوعيد لم يكن له في التوبة حاجة. النوع الثالث: لفظة "ما" كقوله {أية : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [آل عمران:180]. النوع الرابع: لفظة "كل" كقوله: {أية : وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ}تفسير : [يونس:54]. النوع الخامس: ما يدلّ على أنه ـ سبحانه ـ لا بد وأن يفعل ما توعدهم به وهو قوله: {أية : لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ}تفسير : [ق:28، 29] صريح في أنه ـ تعالى ـ لا بد وأن يفعل ما دلّ اللفظ عليه، وكذا الكلام في الصّيغ الواردة في الحديث. والجواب من وجوه: أحدها: لا نسلم أن صيغة "من" في [معرض] الشرط للعموم، ولا نسلّم أن صيغة الجمع إذا كانت معرفة بالألف واللام كانت للعموم، والذي يدلّ عليه أمور: الأول: أنه يصحّ إدخال لفظتي الكل والبعض على هاتين اللَّفظتين، فيقال: كل من دخل داري أكرمته، وبعض مَنْ دخل داري أكرمته، ويقال أيضاً: كل الناس كذا، وبعض الناس كذا، ولو كانت لفظة "من" في معرض الشرط تفيد العموم لكان إدخال لفظة "كل" عليها تكريراً، وإدخال لفظة "بعض" عليها نقضاً، وكذلك في [لفظ الجمع] المعرف. الثاني أن هذه الصيغ جاءت في كتاب الله تارةً للاستغراق، وأخرى للبعض، فإن أكثر العمومات مخصوصة، والمجاز والاشتراك خلاف الأصل، فلا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك بين العموم والخصوص، وذلك هو أن يحمل على إفادة الأكثر من غير بيان أن يفيد الاستغراق أو لا يفيد. الثالث: أن هذه الصيغ لو أفادت العموم إفادة قطعية لاستحال إدخال لفظ التأكيد عليها؛ لأن تحصيل الحاصل مُحَال، فحيث حسن إدخال هذه الألفاظ عليها علمنا أنها لا تفيد معنى العموم لا مَحَالة، سلمنا أنها تفيد معنى ولكن إفادة قطعية أو ظنية، والأول ممنوع وباطل قطعاً؛ لأن من المعلوم بالضرورة أنَّ الناس كثيراً ما يعبرون عن الأكثر بلفظ الكل، والجمع على سبيل المبالغة كقوله تعالى: {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [النمل:23] وإذا كانت هذه الألفاظ تفيد معنى العموم إفادة ظنية، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية، سلّمنا أنها تفيد معنى العموم إفادة قطعية، ولكن لا بد من اشتراط أَلاَّ يوجد شيء من المخصصات، فإنه لا نزاع في جواز تطرق التخصيص إلى العام، فلم قلتم: إنه لم يوجد شيء من المخصصات؟ أقصى ما في الباب أن يقال: بحثنا فلم نجد شيئاً من المخصصات، لكن عدم الوِجْدَان لا يدلّ على عدم الوجود. وإذا كانت إفادة هذه الألفاظ الاستغراق متوقفة على نفي المخصصات، وهذا الشرط غير معلوم [كانت الدلالة متوقفة على شرط غير معلوم] فوجب ألاَّ تحصل الدلالة، ومما يؤكد هذا قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [البقرة:6] حكم على كل الذين كفروا أنهم لا يؤمنون، ثم إنا شاهدنا قوماً منهم قد آمنوا، فعلمنا أنه لا بد من أحد الأمرين: إما لأن هذه الصيغة ليست موضوعة للشمول، أو لأنها وإن كانت موضوعة لهذا المعنى، إلاَّ أنه قد وجدت قرينة في زمان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كانوا يعلمون من أجلها أن مراد الله ـ تعالى ـ من هذا العموم هو الخصوص، وأما ما كان هناك فَلِمَ يجوز مثله هاهنا؟ سلمنا أنه لا بد من بيان المخصص لكن آيات العفو مخصصة لها، والرجحان معنا؛ لأن آيات العفو بالنسبة إلى آيات الوعيد خاصة بالنسبة إلى العام، والخاصّ مقدم على العام لا محالة، سلّمنا أنه لا يوجد المخصّص، ولكن عمومات الوعيد مُعَارضة بعمومات الوعد، ولا بدّ من الترجيح، وهو معنى من وجوه: أحدها: أنَّ الوفاء بالوعد أدخل في الكرم من الوفاء بالوعيد. الثاني: أنه قد اشتهر في الأخبار أن رحمة الله سابقة على غضبه وغالبة عليه، فكان ترجيح عمومات الوعد أولى. الثالث: أن الوعيد حق الله ـ تعالى ـ والوعد حق العبد، وحق العبد أولى بالتحصيل من حق الله تعالى، سلّمنا أنه لم يوجد المعارض، ولكن هذه العمومات نزلت في حق الكُفَّار، فلا تكون قاطعة في العمومات. فإن قيل: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب. قلنا: هَبْ أنه كذلك، ولكن لما رأينا كثيراً من الألفاظ العامة وردت في الأسباب الخاصة، والمراد تلك الأسباب الخاصة فقط علمنا أنّ إفادتها للعموم لا تكون قوية. والله أعلم. فهذا أصل البَحْث في دلائل الفريقين، وأما دلائل الفريقين من الكتاب والسُّنة فكثيرة، فمنها على هذه الأصل حجّة من قال بالعفو في حق العبد، [وبعض] الآيات الدالة على أنه ـ تعالى ـ غفور رحيم غافر غفار، وهذا لا يحسن إلاّ في حق من يستحق العذاب. [فإن قيل]: لم لا يجوز حمله على تأخير العِقَابِ كقوله في قصة اليهود: {أية : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ}تفسير : [البقرة:52] والمراد تأخير العقاب إلى الآخرة، وكذا قوله: {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}تفسير : [الشورى:30] وكذا قوله: {أية : أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ}تفسير : [الشورى:34]. فالجواب: العفو أصله الإزالة من عَفَا أمره كما قال تعالى: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ}تفسير : [البقرة:178] وليس المراد منه التأخير إلى وقت معلوم، بل الإسقاط المطلق، فإن الغريم إذا أخر المطالبة لا يقال: إنه عفى فيه، ولو أسقطه يقال: إنه عفى عنه. الثانية: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء:48] وهذا يتناول صاحب [الصغيرة وصاحب الكبيرة] قبل التوبة؛ لأن الغفران للتائبين وأصحاب الصغائر واجب غير معلّق على المشيئة. فإن قيل: لا نسلم أن تلك المغفرة تدلّ على أنه ـ تعالى ـ لا يعذب العُصَاة في الآخرة؛ لأن المغفرة إسقاط العقاب، وهو أعم من إسقاطه دائماً أو لا دائماً واللفظ الموضوع بإزار القَدْرِ المشترك لا إشعار له بكل واحد، فيجوز أن يكون المراد أن الله ـ تعالى ـ لا يؤخّر عقاب الشرك في الدنيا لمن يشاء، ويؤخر عقاب ما دون ذلك في الدنيا لمن يشاء. فحصل بذلك تخويف كل الفريقين. سلمنا أنَّ الغفران عبارة عن الإسقاط على الدوام، فلم لا يمكن حمله على مغفرة التائب، ومغفرة صاحب الصغيرة؟ وأيضاً لا نسلم أن قوله: "مَا دُونَ ذَلِكَ" يفيد العموم لصحة إدخال لفظ "كل" و "بعض" على البدل، [مثل أن] يقال: ويغفر كل ما دون ذلك، وهو يمنع العموم. سلمنا أنه للعموم، ولكنا نخصصه بصاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة. فالجواب: أما إذا حملنا المغفرة على التأخير، وجب أن يكون عقاب المشركين في الدنيا أكثر [من عقاب المؤمنين]، وإلاَّ لم يكن في التفضيل فائدة، وليس كذلك لقوله تعالى: {أية : لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ}تفسير : [الزخرف:33]. قوله: لم قلتم: إن قوله: "مَا دُونَ ذَلِكَ" يفيد العموم؟ قلنا: لأن قوله "ما" تفيد الإشَارَة إلى الماهية الموصوفة بأنها دون الشرك وهذه الماهيّة ماهية واحدة، وقد حكم قطعاً بأنه يغفرها، ففي كل صغيرة متحقق فيها هذه الماهية وجب تحقق الغفران. الثالثة: قال يحيى بن معاذ: إلهي إذا كان توحيد ساعة يَهْدم كفر خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات كان مقتضى العَدْل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي لعمومات الوعد وهي كثيرة ثم نقول: لما وقع التعارض فلا بد من الترجيح وهو معنا من وجوه: أحدها: أن عمومات الوعد أكثر، والترجيح بكثرة الأدلة أمر معتبر في الشرع. وثانيها: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ}تفسير : [هود:114] [يدلّ على أن الحسنة إنما كانت مذهبة للسيئة لكونها حسنة، فوجب أن تكون كل حسنة مذهبة لكل سيئة] ترك العمل به في حسنات الكُفَّار، [فإنها لا تذهب سيئاتهم] فيبقى معمولاً به في الباقي. وثالثها: تضعف الحسنة، كما قال تعالى: {أية : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ}تفسير : [البقرة:261] ثم زاد فقال: {وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} وفي جانب السَّيئة قال: {أية : وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا}تفسير : [الأنعام:160]. ورابعها: قال في آية الوعد: {أية : خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً}تفسير : [النساء:122]. ذكره للتأكيد ولم يقل في شيء من المواضع وعيد الله حقّاً. وخامسها: أن القرآن مملوء من كونه تعالى غافراً غفوراً رحيماً كريماً عفوّاً رحماناً. والأخبار في هذا قد بلغت حدّ التواتر، وكل ذلك يوجب رُجْحَان الوعد، وليس في القرآن ما يدل على أنه ـ تعالى ـ بعيد عن الرحمة والكرم والعفو، وكل ذلك يوجب رُجْحَان جانب الوعد. سادسها: أن الإنسان [هذا أتى] بأفضل الخيرات وهو الإيمان ولم يأت بأقبح القبائح وهو الكفر [بل أتى بالشر الذي هو في طبقة القبائح ليس في الغاية والسيد إذا أتى عبده من الطاعات، وأتى بمعصية متوسطة، فلو تولى بتلك المعصية على الطاعة لعد لئيماً مؤذياً]. فصل في الاستدلال بالآية قد شُرِطَ في هذه الآية شرطان: أحدهما: اكتساب السّيئة. والثاني: إحاطة تلك السيئة بالعَبْدِ. وذلك يدل على أنه لا بُدّ من وجود الشرطين ولا يكفي وجود أحدهما، وهذا يدل على أن من عقد اليمين على شرطين في طلاق أو إعتاق أنه لا يحنث بوجود أحدهما.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {بلى من كسب} قال: الشرك. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة وقتادة. مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله {وأحاطت به خطيئته} قال: أحاط به شركه. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {بلى من كسب سيئة} أي من عمل مثل أعمالكم وكفر بما كفرتم به حتى يحيط كفره بما له من حسنة {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها يخبرهم أن الثواب بالخير والشر، مقيم على أهله أبداً لا انقطاع له أبداً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {وأحاطت به خطيئته} قال: هي الكبيرة الموجبة لأهلها النار. وأخرج وكيع وابن جرير عن الحسن أنه سئل عن قوله {وأحاطت به خطيئته} ما الخطيئة؟ قال: اقرأوا القرآن، فكل آية وعد الله عليها النار فهي الخطيئة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {وأحاطت به خطيئته} قال: الذنوب تحيط بالقلب، فكلما عمل ذنباً ارتفعت حتى تغشى القلب حتى يكون هكذا وقبض كفه، ثم قال: والخطيئة كل ذنب وعد الله عليه النار. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن الربيع بن خيثم في قوله {وأحاطت به خطيئته} قال: هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب. وأخرج وكيع وابن جرير عن الأعمش في قوله {وأحاطت به خطيئته} قال: مات بذنبه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} [الآية: 81]. كسَب سيئة برؤيةِ أفعَالِهِ، وأحاطَت به خطِيئتهُ بظنهِ أن عَمله ينجيه أو يُقَربُه، فهمُ المبعدُون عَنّى بِما تَقَربوا به إلىَّ.
القشيري
تفسير : الذي أحاطت به خطيئته هو الكافر - على لسان العلم. ولكنّ الإشارة منه إلى مَنْ سكن قلبُه على استغاثاته على وجه الدوام، فإن أصحاب الحقائق كالحب على المَقْلَى - في أوقات صحوهم، فَمَنْ سَكَنَ فَلِفَرْطِ عَزّتِه - لا يفترون. ومَنْ استند إلى طاعة يتوسَّلُ بها ويَظن أنه يقرب بها ينبغي أن يتباعد عن السكون إليها ومَنْ تَحَقَّقَ بالتوحيد علِمَ ألا وسيلة إليه إلا به. شعر : في الحال جنان الوصل................
اسماعيل حقي
تفسير : {بلى} اثبات لما بعد النفى فهو جواب النفى ونعم جواب الايجاب اى قلتم لن تمسنا النار سوى الايام المعدودة بلى تمسكم ابدا بدليل قوله {هم فيها خالدون} وبين ذلك بالشرط والجزاء وهما {من} فهو رفع مبتدأ بمعنى الشرط ولذلك دخلت الفاء فى خبره وان كان جوابا للشرط {كسب} الكسب استجلاب النفع واستعماله فى استجلاب الضر كالسيئة على سبيل التهكم {سيئة} من السيآت يعنى كبيرة من الكبائر {واحاطت به خطيئته} تلك واستولت عليه من جميع جوانبه من قلبه ولسانه ويده كما يحيط العدو وهذا انما يتحقق فى الكافر ولذلك فسر السلف السيئة بالكفر {فأولئك} الموصوفون بما ذكر من كسب السيآت واحاطة خطاياهم بهم اشير اليهم بعنوان الجمعية مراعاة لجانب المعنى فى كلمة من بعد مراعاة جانب اللفظ فى الضمائر الثلاثة {اصحاب النار} اى ملازموها فى الآخرة حسب ملازمتهم فى الدنيا لما يستوجبها من الاسباب التى من جملتها ما هم عليه من تكذيب آيات الله وتحريف كلامه والافتراء عليه وغير ذلك وهو خبر اولئك والجملة خبر للمبتدأ {هم فيها خالدون} دائمون فأنى لهم التفضى منها بعد سبعة ايام او اربعين كما زعموا والجملة في حيز النصب على الحالية لورود التصريح به فى قوله {أية : أصحاب النار خالدين فيها} تفسير : [التغابن: 10]. ولا حجة فى الآية على خلود صاحب الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر.
الطوسي
تفسير : الاعراب والقراءة: قرأ اهل المدينة خطيئاته على الجمع. الباقون على التوحيد. قوله {بلى} جواب لقوله: {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} فرد الله عليهم بأن قال: {بلى من أحاطت به خطيئته} ابداً. وبلى تكون جواباً للاستفهام الذي اوله جحود. وتكون جواباً للجحد وان لم تكن استفهاماً، كقوله: {أية : تقول حين ترى العذاب} تفسير : إلى قوله {أية : بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها }. تفسير : ويقول القائل لم افعل كذا وكذا فيقول له غيره: بلى قد فعلت. بلى ونعم جوابان: أحدهما ـ يدخل فيما لا يدخل فيه الآخر، لأن بلى تدخل في باب الجحود. وقال الفراء: انما امتنعوا من استعمال نعم في جواب الجحد، لأنه اذا قال لغيره مالك عليّ شيء فقال له نعم، فكأنه قد صدقه، وكأنه قال نعم ليس لي عليك شيء، فلهذا اختلف نعم وبلى. وقوله: {سيئة} فمن همز اتى بيائين بعدهما همزة. ومن ترك الهمزة على لغة أهل الحجاز يقول "سية" مثل عية. ومن لين قال "سيئة" كأنه يشير إلى الهمزة ويسكنها. المعنى: قال مجاهد، وابن عباس وابو وايل، وقتادة وابن جريج: "السيئة" ها هنا الشرك. وقال السدي: الذنوب التي وعد الله عليها النار. والذي يليق بمذهبنا ها هنا قول مجاهد، لأن ما عدا الشرك لا يستحق عندنا عليه الخلود في النار. {وأحاطت به خطيئته}. قال ابن عباس ومجاهد انها الشرك. وقال الربيع ابن خيثم: من مات عليها. وقال ابن السراج: هي التي سدت عليه مسالك النجاة. وقال جميع المعتزلة: انه اذا كان ثوابه اكثر من عقابه. والذي نقوله: الذي يليق بمذهبنا ان المراد بذلك الشرك والكفر. لأنه الذي يستحق به الدخول مؤبداً. ولا يجوز ان يكون مراداً بالآية. وقوله: {وأحاطت به خطيئته} يقوي ذلك، لأن المعنى فيه ان تكون خطاياه كلها اشتملت عليه ولا يكون معه طاعة يستحق بها الثواب، تشبيهاً بما احاط بالشيء من كل وجه. ولو كان معه شيء من الطاعات، لكان مستحقاً للثواب فلا تكون السيئة محيطة به، لأن الاحباط عندنا باطل فلا يحتاج إلى تراعي كثرة العقاب، وقلة الثواب، لأن قليل الثواب عندنا يثبت مع كثرة العقاب، لما ثبت من بطلان التحايط بادلة العقل. وليس هذا موضع ذكرها، لأن الآية التي بعدها فيها وعد لأهل الايمان بالثواب الدائم. فكيف يجتمع الثواب الدائم والعقاب الدائم، وذلك خلاف الاجماع؟ ومتى قالوا احدهما يبطل صاحبه، قلنا الاحباط باطل ليس بصحيح على ما مضى.
الجنابذي
تفسير : {بَلَىٰ} جواب عن ادّعائهم انّ العذاب ليس بدائم {مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} اصله سيوء على وزن فيعل والتّاء للنّقل مثل تاء الحسنة، وسيّئة الانسان ما لا يلائم انسانيّته سواء كان ملائماً لنفسه وحيوانيّته ام لا، وأتى بالكسب المشير الى بقاء السّيّئة دون الاتيان والفعل والعمل الدّالة على حدوثها للاشارة الى انّ المستلزم لدخول النّار والخلود فيها هو الاثر الحاصل فى النّفس من فعل السّيّئة لا الحركات والافعال الغير القارّة زمانين {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} ولمّا كان كسب السّيّئة والاثر الباقى منها فى النّفس غير كافٍ فى استلزام الخلود ما لم يسدّ طرق الخروج الى الجنان بتمامها أضاف اليه احاطة الخطيئة والخطيئة الاثم عدل الى الاسم الظّهر لاقتضاء مقام الوعيد التّطويل وتكرار لفظ القبيح والاتيان بالالفاظ العديدة القبيحة {فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} مصاحبين مجانسين لها ولم يكتف بالصّحابة المشعرة بالسّنخيّة المشيرة الى الخلود وصرّح بالخلود مؤكّداً للتّطويل والتّشديد فقال تعالى: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لمّا كان المقام هاهنا مقتضياً للاهتمام بالوعيد للرّدّ على المغرورين بانكار الخلود قدّم الوعيد وأتى بلفظ من المشتركة بين الشّرطيّة والموصولة وأتى فى الخبر بالفاء المؤكّدة للتّلازم وأتى فى الوعد بصريح الموصول ولم يأت بالفاء فى الخبر بخلاف ما سبق من قوله تعالىٰ: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}؛ فانّ المقام هناك يقتضى الاهتمام بالوعد دون الوعيد.
الحبري
تفسير : وَقولُهُ: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ}. نَزَلَتْ في أَبِي جَهْلٍ.
الهواري
تفسير : {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} يعني الشرك {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} ثم مات ولم يتب منه {فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. أي لا يموتون ولا يخرجون منها أبد الأبد. عن الحسن قال: بلى من كسب سيئة، سيئة الشرك. وأما قوله: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً}، إِنْ شاء عذَّبه وإن شاء غفر له. قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} قال الحسن: تأمرونهم بما أمرهم الله به، وتنهونهم عما نهاهم الله عنه. قال: قال لهم نبيهم أمروهم أن يقولوا إن محمداً رسول الله. قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أي كفرتم وجحدتم {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ} القليل الذين اتبعوا النبي. {وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ} عما جاءَ به النبي جاحدون له.
اطفيش
تفسير : {بَلَى}: نفى للنفى الذى فى قولهم {لن تمسنا} أى لن تمسكم النار إلا أياماً معدودة، بل تمسكم أبداً ونفيه بهذه الكلمة كلمة (بلى) فقط أبلغ لكونه كالبرهان على بطلان قولهم، لأنه نفىٌ أعم من كونه دائماً أو غير دائم، وتختص بلى بالنفى غالباً وتدركونها بعد الإثبات، واستشهد له ابن هشام بما فى صحيح البخارى فى كتاب الإيمان حديث : أنه عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى،تفسير : وبما فى صحيح مسلم فى كتاب الهبة: حديث : أيسرك أن يكونوا لك فى البر سواء؟ قال: بلى، قال: أبداً. أو بما فيه أيضاً أنه قال: أأنت الذى لقيتنى بمكة؟ فقال له المجيب: بلى . تفسير : {مَنْ كَسَبَ}: الكسب جلب النفع، والاكتساب استجلابه، ولكن علق الكسب هنا بالشر وهو السيئة، على طريق التهكم، بمن فعل السيئة، وأحاطت به خطيئاته، ووجه ذلك أنه شبه عمل السيئة بعمل الحسنة جامع الرغبة فى كل، وعلاج العمل فاستعار لعمل السيئة ما وضع لعمل الحسنة، والخير هو الكسب واشتق منه كسب وسيئة قرينة ووجه آخر أنه أطلق الكسب المخصوص بالخير على مطلق العمل استعمالا للخاص فى العام، فاشتق منه كسب فهو مجاز مرسل تبعى. {سَيِّئَةً}: خصلة قبيحة وهى الذنب الكبير، سواء كان نفاقاً أو شركاً، ومن الذنوب الكبيرة الإصرار فإنه نفسه كبيرة سواء كان على الصغيرة أو الكبيرة، والدليل على أن السيئة الكبيرة قوله: {فأولئك أصحاب النار} ويحتمل وجه آخر وهى أن السيئة الذنب صغيراً أو كبيراً، ثم يختص الكلام بالكبير بقوله: {وأحاطت به خطيئَاته}. وإن قلت روى قومنا عن ابن عباس رضى الله عنهما أن السيئة هنا الشرك وكذا قال الشيخ هود رحمه الله إنها الشرك، قلت: ما ذكرته أولى مما ذكراه، فإن لفظ السيئة عام وحمله على العموم أولى إذ ذلك تفسير منهما لا حديث ولا سيما أنهما وقومنا يعترفون بأن الكبيرة تدخل فاعلها النار، ولم يحصروا دخولها على الشرك، ومعترفون بأن لفظ الخلود يطلق على المكث الكبير سواء كان أبديا أو غير أبدى، وادعاء أن الخلود فى الموحدين بمعنى المكث الطويل، وفى المشرك بمعنى المكث الدائم استعمال للكلمة فى حقيقتها ومجازها وهو ضعيف، وأيضاً ذكر إحاطة الخطيئات ولو ناسب الشرك كغيره لكنه أنسب بغيره لأن الشرك أقوى. {وَأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَاتُهُ}: ربطته ذنوبه وأوجبت له دخول النار فصار لا خلاص له منها كمن أحاط به العدو أو الحريق، أو حائط السجن وذلك بأن مات غير تائب، وقيل معنى الإحاطة أن ذنبه أغلب من طاعته، ومن مشدقة أصحابنا من يقول بذلك، شبه الخطيئات بنحو الحائط الدائر فى مضرة على شئ، وأحاطت رمزاً وشبه إيباق خطيئاته له إلى النار وقصرها إياه على النار بدوران الشئ الضار على شئ، وقرأ غير نافع: خطيئته بالإفراد والهمز وقرأ بعض من هو خارج العشرة خطاياه وقرئ خطيئته بالإفراد، وقلب الهمزة ياء وإدغام الياء فى الياء وخطياته بالجمع والإدغام كذلك، وتوحيد الموحد وإقراره عن الإحاطة لاتفاق الأمة على جواز دخول الفاسق النار، وقد غلط القاضى، والخطيئة فى قراءة الإفراد يحتمل أن تكون هى السيئة المذكورة أولا، ويحتمل أن يراد به الجنس كما صرحت به قراءة الجمع، وفى قراءة الجمع واحتمال إرادة الجنس فى قراءة الإفراد تلويح بأن المعصية تجر لأخرى مثلها ودونها وأكبر، وهكذا إذا لم يشعر بالتوبة عنها ويستحسنها بالطبع ويبغض من يعارضه عنها وما يعارضه عنها، ويعادى على ذلك ويكذب ناصحه وهذا غير بعيد فى الموحد، وذلك أشد عقابا أن يعاقب على معصية بجذلانه إلى أخرى، ومن ذلك فى المشرك قوله تعالى: {أية : ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأَى أن كذبوا بآيات الله}تفسير : والفرق بين السيئة والخطيئة أن السيئة عامة فيما يقصد بالذات وفيما يقصد بالعرض، والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض، لأن اشتقاقها من الخطأ، فالزنى مثلا سيئة، والنوم على بطنها مثلا بعده خطيئة ترتبت عليهِ، ومثل أن يقصد امرأة بالزنى فلما رأى وجهها استحسنها فقبله، فهذا التقبيل خطيئة. وسئل الحسن عن الخطيئة فقال: سبحان الله أن أراك ذا لحية ولا تدرى ما الخطيئة؟ انظر فى المصحف فكل آية نهى الله فيها عن خصلة وأخبرك أنه من عمل بها أدخله النار فهى خطيئة، وهذا الذى قال إنما هو فى القرآن وليس متعيناً فى جميعهِ أيضاً، وأما فى غيره فالخطيئة تحتمل الصغيرة وكذا السيئة والذنب والمعصية والله أعلم. فصل مذهب حمزة فى الهمزة المتوسطة الساكنة أن تبدل حرفاً خالصاً كالمؤمنين ويؤفكون، وكدأب والذئب والبئر وبئس والهدى أننا والذى أؤتمن ولقاؤنا وفرعون أؤتونى، واختلف الأندلسيون فى إدغام الحرف المبدل من الهمزة، وفى إظهاره فى قوله: ورئياً، وتؤوى، وتؤويه، ومنهم من يدغم اتباعاً للخط، ومنهم من يظهر لعروض البدل، والوجهان جائزان جيدان، واختلف أهل الأداء فى تغير حركة الهاء مع إبدال الهمزة ياء قبلها فى قوله عز وجل: {أنبئهم} و {نبئهم} فكان بعض يكسرها للياء وبعض يضمها لعروض الياء وهما صحيحان، وإذا تحركت الهمزة وهى متوسطة فما قبلها يكون متحركاً وساكناً، فإن كان ساكناً وكان أصلياً وسهلتها ألقيت حركتها على ذلك الساكن وحركته بها ما لم يكن ألفاً كقوله: شيئاً وخطئاً، والمشئمة وكهيئة ويجأرون ويسألون والقرآن ومنسوماً ومسئولا وموئلا والموءودة واسأل، وإن كان زائداً أبدلت وأدغمت إن كان ياء أو واوا نحو قوله عز وجل: {هنيئاً مريئاً} وبريئون وبريئاً وخطيئة وخطيئاتكم ولم تأت الواو فى القرآن ساكنة، فإن كان الساكن ألفاً مبدلة أو زائدة جعلت الهمزة بعدها بين بين، وإن شئت مكنت الألف قبلها، وإن شئت قصرتها، والتمكين أقيس وذلك كقوله: نساؤكم وأبناؤكم، وماء وغثاء، وسواء وهواء، ومن آبائهم وملائكته، وإذا كان قبل الهمزة متحركاً فإن انفتحت هى وانكسر ما قبلها أو انضم أبدلت فى حال التسهيل مع الكسرة ومع الضمة واواً وذلك نحو قوله: وينشئكم، وإن شانئك، والخاطئة، ولئلا ولؤلؤاً، ويؤده ويؤلف، ثم بعد هذا يجعلها بين بين فى جميع أحوالها وحركتها وحركات ما قبلها، فإن انضمت جعلتها بين الهمزة والواو نحو قوله عز وجل: ويؤسا ورءوف وبرءوسكم ولا يؤده ومستهزءون وليواطئوا ويأمنوكم، ما لم تكن صورتها ياء نحو: أنبئكم وسنقرئك وكان سيئة فإنك تبدلها ياء مضمومة على مذهب حمزة فى اتباع الخط عند الوقف على الهمزة، وهو قول الأخفش أعنى التسهيل فى ذلك بالبدل، وإن انفتحت جعلتها بين الهمزة والياء نحو قوله: جبريل وييئس الذين وسئل موسى ويومئذ وحينئذ وجميع ما يسهله حمزة من الهمزات فإنما يراعى فيها خط المصحف دون القياس، وقد اختلف الأندلسيون فى تسهيل ما يتوسط من الهمزات بدخول الزوائد عليهن نحو قوله عز وجل: {أفأنت}، و{فبأى آلاء} و{بأيكم} و{كائن}، و{كأنه} و{فلا أقطعن}، والأرض، والآخرة، وكذا ما وصل من الكلمتين فى الرسم فجعل كلمة نحو قوله: تعالى هؤلاء، وهاأنتم، ويا أيها، ويا أخت ويا آدم، ويا أولى الألباب. فبعض يسهل اعتداد بتوسطهن وبعض يحقق اعتداداً بكونهن مبتدءَات، وكلاهما جيد وبهما ورد نص الرواة. والله أعلم. فصل اعلم أن الهمزة إذا كانت مع حرف المد واللين فى كلمة واحدة توسطت أو تطرفت، فلا خلاف فى تمكين حرف المد زيادة نحو قوله عز وجل: أولئك، وشاء الله، والملائكة، وجئ، وجيئ وخطيئات وخطيئة، وإذا كانت أول كلمة وحرف المد آخر كلمة أخرى فإنهم يختلفون، فابن كثير وقالون بخلاف عنه، وأبو شعيب وغيره عن اليزيدى يقصرون حرف المد ولا يزيدونهُ تمكيناً على مافيه من المد الذى لا يوصل إلا به، كقوله عز وجل: {أية : بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك}،تفسير : {وفى آياتنا} وهؤلاء المذكورون أقصروا مدا فيهِ من الضرب الأول المتفق عليهِ، والباقون يطولون حرف المد فى ذلك زيادة، وأطولهم مدا فى الضربين جميعاً ورش وحمزة ودونهما عاصم ودونهُ ابن عامر والكسائى ودونهما أبو عمرو من طريق أهل العراق، وقالون من طريق أبى نشيط بخلاف عنه، وإذا كانت الهمزة قبل حرف المد سواءُ حققت أو ألقى حركتها على ساكن قبلها، أو أبدلت كآدم وآمن ولقد آتينا، ومن أوتى ولئلا وقريش وللإيمان فأهل الأداء من مشيخة المصريين الآخذين برواية أبى يعقوب عن ورش يزيدون فى تمكين حرف المد فى ذلك زيادة متوسطة على مقدار التحقيق، واستثنوا من ذلك قوله: بنى إسرائيل فلم يزيدوا فى تمكين الياء فيه، وأجمعوا على ترك الزيادة إذا سكن ما قبل الهمزة، وكان الساكن غير حرف مد ولين نحو قوله: مسئولا ومذءوماً والقرآن والظمآن وكذلك إذا كانت الهمزة مجتلبة للابتداء نحو: اتمن، وإيت بقرآن، وائذن لى والباقون لا يزيدون فى إشباع حرف المد فيما تقدم. وبالله التوفيق. {فأُولَئِكَ}: البعداء عن مقامات الخير، وإنما عبر بإشارة البعيد تلويحاً لهذا المعنى، واعتبر معنى من فى اسم الإشارة وما بعده بعد أن اعتبر لفظها فى كسب وهاء به وهاء خطيئاته. {أَصْحَابُ النَّارِ}: أى مستحقوها بكسبهم أو ملازموها فى الآخرة كما لزموا موجباتها فى الدنيا وهى الذنوب. {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: دائمون فيها لأنهم ماتوا، وقد أحاطت بهم خطاياهم مصرين فلم يكن للبثهم فيها آخر كما أن المصر لا آخر للمعصية وملازمتها عنده والناس إما مصر وإما غير مصرّ مرحوم يدخل الجنة.
اطفيش
تفسير : {بَلَى} تمسكم النار مع الخلود فيها، واحتج عليهم بما قضى فى الأزل وكتب فى اللوح المحفوظ من قوله {مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً} ذنباً كبيراً أو صغيراً أصر عليه، فالسيئة تشمل الشرك وما دونه، ولا دليل على تخصيص الشرك، ويدل على ما قلت قوله فى أهل الجنة، وعملوا الصالحات، وقومنا مجتمعون معنا على أن الإصر محبط للأعمال الصالحات، ودعوى أنه يحبط ثواب الأعمال ويبقى ثواب التوحيد، أو دخول الجنة لا دليل عليها، والله يقول "أية : وعملوا الصالحات" تفسير : [البقرة: 82] ومن أين لهم أن يقولوا بلا عمل للصالحات، وحديث دخول الجنة بمجرد التوحيد محمول على ما قبل أن تفرض الفرائض، وقد قال بهذا بعض سلفهم كما بينته فى وفاء الضمانة بأَداء الأمانة، ومن شأن السيئة غير المتوب منها أن تجر سيئات، وهو قوله {وَأَحَٰطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} سيئاته، أو أشار إلى أنه لما لم يتب عن السيئة لم تغفر له صغائره لإصراره أحدقت به من كل جانب إذا لم يتب منها كلها، ولو تاب من بعضها، وقيل: لا يعاقب على ما تاب منه، وهو قول لا بأس به، فيحيط به ما لم يتب منه ولو واحدة {فَأُولَٰئِكَ أَصْحَٰبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ} لا يخرجون منها، المشركون والفاسقون، والأصل فى الخلود الدوام، وحمله على المكث الطويل إنما يصح لدليل، ولا خلاف فى دوام المشرك فىالنار، ومعنى إحاطة الخطيئة به أنها أهلكته إذ لم يتخلص منها بالتوبة، وليس المراد أنها به معنى أنها فى قلبه وجوارحه، فلا دليل فى الآية على أن الخلود إنما هو لمن عمت قلبه بالشرك لأنا إذا صرنا إلى معنى تعميم البدن بالمعصية ورد علينا أن من جسد الكافر ما لم تصدر منه معصية، مثل عنقه وأ'لى صدره إذا لم تصدر منهما.
الالوسي
تفسير : جواب عن قولهم المحكي وإبطال له على وجه أعم شامل لهم ولسائر الكفرة، كأنه قال: بل تمسكم وغيركم دهراً طويلاً وزماناً مديداً ـ لا كما تزعمون ـ ويكون ثبوت الكلية كالبرهان على إبطال ذلك بجعله كبرى لصغرى سهلة الحصول فبلى داخلة على ما ذكر بعدها وإيجاز الاختصار أبلغ من إيجاز الحذف، وزعم بعضهم أنها داخلة على محذوف وأن المعنى على تمسكم أياماً معدودة ـ وليس بشيء ـ وهي حرف جواب ـ كجير ونعم ـ إلا أنها لا تقع جواباً إلا لنفي متقدم سواء دخله استفهام أم لا، فتكون إيجاباً له، وهي بسيطة. وقيل: أصلها ـ بل ـ فزيدت عليها ـ الألف ـ والكسب جلب النفع ـ والسيئة ـ الفاحشة الموجبة للنار، قاله السدي، وعليه تفسير من فسرها بالكبيرة/ لأنها التي توجب النار ـ أي يستحق فاعلها النار إن لم يغفر له ـ وذهب كثير من السلف إلى أنها هنا ـ الكفر ـ وتعليق ـ الكسب بالسيئة ـ على طريقة التهكم، وقيل: إنهم بتحصيل السيئة استجلبوا نفعاً قليلاً فانياً، فبهذا الاعتبار أوقع عليه الكسب، والمراد ـ بالإحاطة ـ الاستيلاء والشمول وعموم الظاهر والباطن ـ والخطيئة ـ السيئة، وغلبت فيما يقصد بالعرض أي لا يكون مقصوداً في نفسه بل يكون القصد إلى شيء آخر، لكن تولد منه ذلك الفعل كمن رمى صيداً فأصاب إنساناً، وشرب مسكراً فجنى جناية، قال بعض المحققين: ولذلك أضاف الإحاطة إليها إشارة إلى أن السيئات باعتبار وصف الإحاطة داخلة تحت القصد بالعرض لأنها بسبب نسيان التوبة، ولكونها راسخة فيه متمكنة حال الإحاطة أضافها إليه بخلاف حال الكسب فإنها متعلق القصد بالذات وغير حاصلة فيه فضلاً عن الرسوخ؛ فلذا أضاف الكسب إلى سيئة ونكرها، وإضافة الأصحاب إلى النار على معنى الملازمة لأن الصحبة وإن شملت القليل والكثير لكنها في العرف تخص بالكثرة والملازمة، ولذا قالوا: لو حلف من لاقى زيداً أنه لم يصحبه لم يحنث. والمراد ـ بالخلود ـ الدوام، ولا حجة في الآية على خلود صاحب الكبيرة لأن الإحاطة إنما تصح في شأن الكافر لأن غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم تحط خطيئته به لكون قلبه ولسانه منزهاً عن الخطيئة، وهذا لا يتوقف على كون التصديق والإقرار حسنتين، بل على أن لا يكونا سيئتين فلا يرد البحث بأن الخصم يجعل العمل شرطاً لكونهما حسنتين كما يجعل الاعتقاد شرطاً لكون الأعمال حسنات فلا يتم عنده أن الإحاطة إنما تصح في شأن الكافر، ولا يحتاج إلى الدفع بأن المقصود أنه لا حجة له في الآية، وهذا يتم بمجرد كون الإحاطة ممنوعة في غير الكافر، فلو ثبت أن العمل داخل في الإيمان صارت الآية حجة ـ ودون إثباته خرط القتاد ـ ثم إن نفي الحجية بحمل الإحاطة على ما ذكر إنما يحتاج إليه إذا كانت السيئة والخطيئة بمعنى واحد ـ وهو مطلق الفاحشة ـ أما إذا فسرت السيئة بالكفر أو ـ الخطيئة ـ به حسبما أخرجه ابن أبـي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبـي هريرة رضي الله تعالى عنه وابن جرير عن أبـي وائل ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع، فنفي الحجية أظهر من نار على علم. ومن الناس من نفاها بحمل ـ الخلود ـ على أصل الوضع وهو اللبث الطويل ـ وليس بشيء ـ لأن فيه تهوين الخطب في مقام التهويل مع عدم ملائمته حمل الخلود في الجنة على الدوام؛ وكذا لا حجة في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ } تفسير : [البقرة: 80] الخ بناءً على ما زعمه الجبائي حيث قال: دلت الآية على أنه تعالى ما وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده بإخراج أهل الكبائر والمعاصي من النار بعد التعذيب، وإلا لما أنكر على اليهود بقوله تعالى: {أية : قُلْ أَتَّخَذْتُمْ } تفسير : [البقرة: 80] الخ وقد ثبت أنه تعالى أوعد العصاة بالعذاب زجراً لهم عن المعاصي فقد ثبت أن يكون عذابهم دائماً وإذا ثبت في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة إذ الوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم إذا كان قدر المعصية واحداً لأن ما أنكر الله عليهم جزمهم بقلة العذاب لانقطاعه مطلقاً ـ على أن ذلك في حق الكفار لا العصاة كما لا يخفى ـ. و {مِنْ} تحتمل أن تكون شرطية، وتحتمل أن تكون موصولة، والمسوغات لجواز دخول ـ الفاء ـ في الخبر إذا كان المبتدأ موصولاً موجودة، ويحسن الموصولية مجىء الموصول في قسيمه وإيراد اسم الإشارة المنبـىء عن استحضار المشار إليه بما له من الأوصاف للإشعار بعليتها لصاحبية النار وما فيه من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلتهم في الكفر والخطايا، وإنما أشير إليهم بعنوان الجمعية مراعاة لجانب المعنى في كلمة {مِنْ} بعد مراعاة جانب اللفظ في الضمائر الثلاثة لما أن ذلك هو المناسب لما أسند إليهم في تينك الحالتين، فإن كسب السيئة وإحاطة الخطيئة به في حالة الإفراد ـ وصاحبية النار في حالة الاجتماع ـ / قاله بعض المحققين ـ ولا يخلو عن حسن ـ. وقرأ نافع: {خطيآته} وبعض {خطياه} و {خطيته} و {خطياته} بالقلب والإدغام، واستحسنوا قراءة الجمع بأن الإحاطة لا تكون بشيء واحد، ووجهت قراءة الإفراد بأن ـ الخطيئة ـ وإن كانت مفردة لكنها لإضافتها متعددة، مع أن الشيء الواحد قد يحيط كالحلقة فلا تغفل.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَحَاطَتْ} {فَأُوْلَـۤئِكَ} {أَصْحَابُ} {خَالِدُونَ} (81) وَيَقُولُ تَعَالَى لِليَهُود: لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا تَمَنَّيتُم، وَلاَ كَمَا تَشْتَهُونَ، بَلِ الأَمْرُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ قَضَى بِأَنَّ كُلَّ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً، وَأَتَى رَبَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَقَدْ أَثْقَلَتْهُ خَطَايَاهُ وَآثَامُهُ، وَلَيْسَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ، وَلاَ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ، وَلَمْ يَتُبْ مِنْ خَطَايَاهُ إِلَى اللهِ، فَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَبْقَى فِيهَا خَالِداً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ السَّيِّئَةَ هُنَا تَعْنِي الشِّرْكَ، لأَنَّ المُشْرِكَ خَالِدٌ فِي النَّارِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أراد الله سبحانه وتعالى أن يوضح كذبهم .. فجاء القرآن قائلاً: "بلى" وهي حرف جواب مثل نعم تماماً .. ولكن "بلى" حرف جواب في النفي .. يعني ينفي الذي قبله .. هم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ورسول الله سألهم هل اتخذوا عند الله عهداً أو يقولون على الله ما لا يعلمون، فجاء القرآن ليقول: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] .. بداية الجواب ببلى تنفي ما قالوا .. لأن بلى تأتي بعد النفي .. ونعم تأتي بعد الإجابة .. فإذا قال إنسان ليس لك عندي شيء وقلت نعم، فمعناها أنه صحيح أنك ليس لك عندي شيء .. أما إذا قلت بلى، فمعنى ذلك أن لك عندي شيئاً أو أشياء .. ولذلك بعد قولهم {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} تفسير : [البقرة: 80] .. لو جاء بعدها نعم، لكان قولهم صحيحاً، ولكن بلى نفت .. وجاء الكلام بعدها مؤكداً النفي: {مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] هم قالوا لن تمسنا النار .. قال لن تمسكم فقط بل أنتم فيها خالدون .. وقوله تعالى: {أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} [البقرة: 81] .. الصحبة تقتضي نوعاً من الملازمة فيها تجاذب المتصاحبين .. ومعنى ذلك أنه سيكون هناك تجاذب بينهم وبين النار .. هنا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} [البقرة: 81] .. وكان السياق يقتضي أن يقال اكتسب .. ولكن لأنهم ظنوا أنهم كسبوا .. كما بينا في الآية السابقة .. وقوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} [البقرة: 81] .. إحاطة بحيث لا يوجد منفذ للإفلات من الخطيئة لأنها محيطة به. وأنسب تفسير لقوله تعالى: {كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} [البقرة: 81] .. أن المراد الشرك .. لأن الشرك هو الذي يحيط بالإنسان ولا مغفرة فيه .. والله تعالى يقول: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ..} تفسير : [النساء: 48]. ولذلك فهؤلاء لم يكونوا عصاة فقط .. ولكنهم كانوا كافرين مشركين والدليل قوله تعالى: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] .. وأصحاب الصغائر أو الكبائر الذين يتوبون منها لا يخلدون في النار .. ولكن المشرك بالله والكافر به هم الخالدون في النار .. وكل من لم يؤمن بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كافر .. لأن الله سبحانه وتعالى قال: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 85]. ولذلك قلت هناك فرق بين .. الإنسان الذي يرتكب معصية لأنه لا يقدر على نفسه فيندم ويتوب .. وبين إنسان يفرح بالمعصية .. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ..} تفسير : [النساء: 17]. وهناك من يندم على المعصية وهذا له توبة .. وهناك من يفرح بالمعصية وهذا يزداد معصية.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} معناهُ مَنْ ماتَ بذنبِهِ ولم يَتبْ منهُ. ويقالُ السّيئةُ: الشِّركُ. والخَطِيئةُ: الكَبائرُ.
الأندلسي
تفسير : {بَلَىٰ} نقض لقولهم: لن تمسنا النار، أي تمسكم النار. {مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} من شرطية أو موصولة ويترجح بقسميها والذين آمنوا والسيئة الكفر. {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} بأن يوافي على الكفر والاحاطة احتفافها به من كل جانب. وقرىء: خطيئته وخطيآته وخطاياه وذكر الخلود دال على الموافاة على الكفر. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لما ذكر حال الكفار ذكر حال من يقابلهم وهم المؤمنون وهناك رتب الخلود في النار على شيئين وهنا رتب الخلود في الجنة على شيئين.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 25 : 126 - سفين في قوله: {مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} قال، الشرك، {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ}، قال، كل عمل أوجب عليه النار. [الآية 81].
همام الصنعاني
تفسير : 82- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ}: [الآية: 81]، قال: السيئة الشرك، والخطيئة الكبائر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):