Verse. 87 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَقَالُوْا لَنْ تَمَسَّـنَا النَّارُ اِلَّاۗ اَيَّامًا مَّعْدُوْدَۃً۝۰ۭ قُلْ اَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللہِ عَہْدًا فَلَنْ يُّخْلِفَ اللہُ عَہْدَہٗۗ اَمْ تَقُوْلُوْنَ عَلَي اللہِ مَا لَا تَعْلَمُوْنَ۝۸۰
Waqaloo lan tamassana alnnaru illa ayyaman maAAdoodatan qul attakhathtum AAinda Allahi AAahdan falan yukhlifa Allahu AAahdahu am taqooloona AAala Allahi ma la taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالوا» لما وعدهم النبيُّ النار «لن تمسَّنا» تصيبنا «النار إلا أياماً معدودة» قليلة أربعين يوماً مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول «قل» لهم يا محمد «أتخذتم» حذفت منه همزة الوصل استغناءً بهمزة الاستفهام «عند الله عهداً» ميثاقاً منه بذلك «فلن يُخلف الله عهده» به؟ لا «أم» بل «تقولون على الله ما لا تعلمون».

80

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أقوالهم وأفعالهم وهو جزمهم بأن الله تعالى لا يعذبهم إلا أياماً قليلة، وهذا الجزم لا سبيل إليه بالعقل ألبتة أما على قولنا، فلأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه في فعله، فلا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي، وأما على قول المعتزلة فلأن العقل يدل عندهم على أن المعاصي يستحق بها من الله العقاب الدائم، فلما دل العقل على ذلك احتج في تقدير العقاب مدة ثم في زواله بعدها إلى سمع يبين ذلك، فثبت أن على المذهبين لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي، وحيث توجد الدلالة السمعية لم يجز الجزم بذلك، وههنا مسألتان: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير الأيام المعدودة وجهين. الأول: أن لفظ الأيام لا تضاف إلا إلى العشرة فما دونها، ولا تضاف إلى ما فوقها. فيقال: أيام خمسة وأيام عشرة ولا يقال أيام أحد عشر إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى:{أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } تفسير : [البقرة: 183، 184] هي أيام الشهر كله، وهي أزيد من العشرة. ثم قال القاضي: إذا ثبت أن الأيام محمولة على العشرة فما دونها فالأشبه أن يقال: إنه الأقل أو الأكثر لأن من يقول ثلاثة يقول أحمله على أقل الحقيقة فله وجه، ومن يقول عشرة يقول أحمله على الأكثر وله وجه، فأما حمله على الواسطة أعني على ما هو أقل من العشرة وأزيد من الثلاثة فلا وجه له، لأنه ليس عدد أولى من عدد اللهم إلا إذا جاءت في تقديرها رواية صحيحة فحينئذ يجب القول بها، وجماعة من المفسرين قدروها بسبعة أيام، قال مجاهد: إن اليهود كانت تقول: الدنيا سبعة آلاف سنة فالله تعالى يعذبهم مكان كل ألف سنة يوماً، فكانوا يقولون: إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام. وحكى الأصم عن بعض اليهود أنهم عبدوا العجل سبعة أيام فكانوا يقولون إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام وهذان الوجهان ضعيفان. أما الأول: فلأنه ليس بين كون الدنيا سبعة آلاف سنة وبين كون العذاب سبعة أيام مناسبة وملازمة ألبتة. وأما الثاني: فلأنه لا يلزم من كون المعصية مقدرة بسبعة أيام أن يكون عذابها كذلك. أما على قولنا فلأنه يحسن من الله كل شيء بحكم المالكية، وأما عند المعتزلة فلأن العاصي يستحق على عصيانه العقاب الدائم ما لم توجد التوبة أو العفو، فإن قيل: أليس أنه تعالى منع من استيفاء الزيادة فقال: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } تفسير : [الشورى: 40] فوجب أن لا يزيد العقاب على المعصية؟ قلنا: إن المعصية تزداد بقدر النعمة. فلما كانت نعم الله على العباد خارجة عن الحصر والحد لا جرم كانت معصيتهم عظيمة جداً. الوجه الثاني: روي عن ابن عباس أنه فسر هذه الأيام بالأربعين، وهو عدد الأيام التي عبدوا العجل فيها، والكلام عليه أيضاً كالكلام على السبعة. الوجه الثالث: قيل في معنى «معدودة» قليلة، كقوله تعالى: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰهِمَ مَعْدُودَةٍ } تفسير : [يوسف: 20]، والله أعلم. المسألة الثانية؛ ذهبت الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة، واحتجوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : دعي الصلاة أيام إقرائك»، تفسير : فمدة الحيض ما يسمى أياماً وأقل عدد يسمى أياماً ثلاثة وأكثره عشرة على ما بيناه، فوجب أن يكون أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة، والإشكال عليه ما تقدم. المسألة الثالثة: ذكر ههنا: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } وفي آل عمران: {أية : إِلا أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } تفسير : [آل عمران: 24] ولقائل أن يقول: لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو «أياماً»؟ والجواب: أن الاسم إن كان مذكراً فالأصل في صفة جمعه التاء. يقال: كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان مؤنثاً كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء، يقال: جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات. إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادراً نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى: {فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ } و {فِى أَيَّامٍ مَّعْلُومَـٰتٍ } فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله: {أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } وفي آل عمران بما هو الفرع. أما قوله تعالى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: العهد في هذا الموضع يجري مجرى الوعد والخبر، وإنما سمي خبره سبحانه عهداً لأن خبره سبحانه أوكد من العهود المؤكدة منا بالقسم والنذر، فالعهد من الله لا يكون إلا بهذا الوجه. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: «فلن يخلف الله» متعلق بمحذوف وتقديره إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ٱتَّخَذْتُمْ } ليس باستفهام، بل هو إنكار لأنه لا يجوز أن يجعل تعالى حجة رسوله في إبطال قولهم أن يستفهمهم، بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال وهي أنه لا سبيل إلى معرفة هذا التقدير إلا بالسمع، فلما لم يوجد الدليل السمعي وجب ألا يجوز الجزم بهذا التقدير. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ } يدل على أنه سبحانه وتعالى منزه عن الكذب وعده ووعيده. قال أصحابنا: لأن الكذب صفة نقص، والنقص على الله محال، وقالت المعتزلة: لأنه سبحانه عالم بقبح القبيح وعالم بكونه غنياً عنه، والكذب قبيح لأنه كذب والعالم بقبح القبيح وبكونه غنياً عنه يستحيل أن يفعله، فدل على أن الكذب منه محال، فلهذا قال: {فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ }، فإن قيل: العهد هو الوعد وتخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي ما عداه، فلما خص الوعد بأنه لا يخلفه علمنا أن الخلف في الوعيد جائز، ثم العقل يطابق ذلك، لأن الخلف في الوعد لؤم وفي الوعيد كرم. قلنا: الدلالة المذكورة قائمة في جميع أنواع الكذب. المسألة الخامسة: قال الجبائي: دلت الآية على أنه تعالى لم يكن وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده على أنه تعالى يخرج أهل المعاصي والكبائر من النار بعد التكذيب، لأنه لو وعدهم بذلك لما جاز أن ينكر على اليهود هذا القول، وإذا ثبت أنه تعالى ما دلهم على ذلك وثبت أنه تعالى دلهم على وعيد العصاة إذا كان بذلك زجرهم عن الذنوب، فقد وجب أن يكون عذابهم دائماً على ما هو قول الوعيدية، وإذا ثبت ذلك في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة، لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم، إذ كان قدر المعصية من الجميع لا يختلف، واعلم أن هذا الوجه في نهاية التعسف فنقول: لا نسلم أنه تعالى ما وعد موسى أنه يخرج أهل الكبائر من النار، قوله: لو وعدهم بذلك لما أنكر على اليهود قولهم، قلنا: لم قلت إنه تعالى لو وعدهم ذلك لما أنكر على اليهود ذلك، وما الدليل على هذه الملازمة؟ ثم إنا نبين شرعاً أن ذلك غير لازم من وجوه. أحدها: لعل الله تعالى إنما أنكر عليهم لأنهم قللوا أيام العذاب، فإن قولهم: {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً }، يدل على أيام قليلة جداً، فالله تعالى أنكر عليهم جزمهم بهذه القلة لا أنه تعالى أنكر عليهم انقطاع العذاب. وثانيها: أن المرجئة يقطعون في الجملة بالعفو، فأما في حق الشخص المعين فلا سبيل إلى القطع، فلما حكموا في حق أنفسهم بالتخفيف على سبيل الجزم لا جرم أنكر الله عليهم ذلك. وثالثها: أنهم كانوا كافرين وعندنا عذاب الكافر دائم لا ينقطع، سلمنا أنه تعالى ما وعد موسى عليه السلام أنه يخرج أهل الكبائر من النار، فلم قلت أنه لا يخرجهم من النار؟ بيانه أنه فرق بين أن يقال إنه تعالى ما وعده إخراجهم من النار وبين أن يقال: إنه أخبره أنه لا يخرجهم من النار والأول لا مضرة فيه، فإنه تعالى ربما لم يقل ذلك لموسى إلا أنه سيفعله يوم القيامة، وإنما رد على اليهود وذلك لأنهم جزموا به من غير دليل، فكان يلزمهم أن يتوقفوا فيه وأن لا يقطعوا لا بالنفي ولا بالإثبات، سلمنا أنه تعالى لا يخرج عصاة قوم موسى من النار، فلم قلت: إنه لا يخرج عصاة هذه الأمة من النار، وأما قول الجبائي: لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم. فهو تحكم محض، فإن العقاب حق الله تعالى، فله أن يتفضل على البعض بالإسقاط وأن لا يتفضل بذلك على الباقين، فثبت أن هذا الاستدلال ضعيف. أما قوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فهو بيان لتمام الحجة المذكورة، فإنه إذا كان لا طريق إلى التقدير المذكور إلا السمع وثبت أنه لم يوجد السمع، كان الجزم بذلك التقدير قولاً على الله تعالى بما لا يكون معلوماً لا محالة، وهذه الآية تدل على فوائد. أحدها: أنه تعالى لما عاب عليهم القول الذي قالوه لا عن دليل علمنا أن القول بغير دليل باطل. وثانيها: أن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلاً لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي. وثالثها: أن منكري القياس وخبر الواحد يتمسكون بهذه الآية. قالوا: لأن القياس وخبر الواحد لا يفيد العلم، فوجب أن لا يكون التمسك به جائزاً لقوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ذكر ذلك في معرض الإنكار. والجواب: أنه لما دلت الدلالة على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد كان وجوب العمل معلوماً، فكان القول به قولاً بالمعلوم لا بغير المعلوم.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَقَالُواْ} يعني اليهود. {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} ٱختلف في سبب نزولها؛ فقيل: «حديث : إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لليهود: «مَنْ أهل النار». قالوا: نحن، ثم تخْلُفونا أنتم. فقال: «كذبتم لقد علمتم أنّا لا نخلفكم»»تفسير : فنزلت هذه الآية؛ قاله ٱبن زيد. وقال عكرمة عن ٱبن عباس: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تقول: إنما هذه الدنيا سبعة آلاف، وإنما يعذّب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في النار من أيام الآخرة، وإنما هي سبعة أيام؛ فأنزل الله الآية؛ وهذا قول مجاهد. وقالت طائفة: قالت اليهود إن في التوراة أن جهنم مسيرة أربعين سنة، وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم. ورواه الضحاك عن ٱبن عباس. وعن ٱبن عباس: زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوباً أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم. وقالوا: إنما نعذِّب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك. وعن ٱبن عباس أيضاً وقتادة: أن اليهود قالت إن الله أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوماً عدد عبادتهم العجل؛ فأكذبهم الله، كما تقدّم. الثانية: في هذه الآية رَدُّ على أبي حنيفة وأصحابه حيث ٱستدلوا بقوله عليه السلام: «حديث : دَعِي الصلاة أيامَ أقرائك»تفسير : في أن مدة الحيض ما يُسمَّى أيام الحيض، وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة؛ قالوا: لأن ما دون الثلاثة يسمَّى يوماً ويومين، وما زاد على العشرة يقال فيه أحد عشر يوماً ولا يقال فيه أيام؛ وإنما يقال أيام من الثلاثة إلى العشرة؛ قال الله تعالى: {أية : فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ}تفسير : [البقرة: 196]، {أية : تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ}تفسير : [هود: 65]، {أية : سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً}تفسير : [الحاقة: 7] فيقال لهم: فقد قال الله تعالى في الصوم: {أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} يعني جميع الشهر؛ وقال: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ}تفسير : [آل عمران:24] يعني أربعين يوماً. وأيضاً فإذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يُرَد به تحديد العدد؛ بل يقال: أيامُ مَشْيِك وسَفرِك وإقامتك، وإن كان ثلاثين وعشرين وما شئت من العدد؛ ولعله أراد ما كان معتاداً لها، والعادة ستّ أو سبع؛ فخرِّج الكلام عليه، والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ} تقدّم القول في «ٱتخذ» فلا معنى لإعادته. {عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً} أي أسلفتم عملاً صالحاً فآمنتم وأطعتم فتستوجبون بذلك الخروج من النار! أو هل عرفتم ذلك بوَحْيِهِ الذي عهده إليكم {فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} توبيخ وتقريع.

البيضاوي

تفسير : {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ } المس اتصال الشيء بالبشرة بحيث تتأثر الحاسة به، واللمس كالطلب له ولذلك يقال ألمسه فلا أجده. {إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } محصورة قليلة، روي أن بعضهم قالوا نعذب بعدد أيام عبادة العجل أربعين يوماً، وبعضهم قالوا مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا } خبراً أو وعد بما تزعمون. وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال. والباقون بإدغامه {فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ } جواب شرط مقدر أي: إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده، وفيه دليل على أن الخلف في خبره محال. {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أم معادلة لهمزة الاستفهام بمعنى أي الأمرين كائن، على سبيل التقرير للعلم بوقوع أحدهما، أو منقطعة بمعنى: بل أتقولون، على التقرير والتقريع.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى إخباراً عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم؛ من أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة، ثم ينجون منها، فرد الله عليهم ذلك بقوله تعالى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا} أي: بذلك، فإن كان قد وقع عهد، فهو لا يخلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا أتى بأم التي بمعنى بل، أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه، قال محمد بن إسحاق عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عباس: إن اليهود كانوا يقولون: إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوماً في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة، فأنزل الله تعالى: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} إلى قوله: {خَالِدُونَ} ثم رواه عن محمد، عن سعيد، أو عكرمة عن ابن عباس، بنحوه، وقال العوفي عن ابن عباس: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة، زاد غيره: وهي مدة عبادتهم العجل، وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة، وقال الضحاك: وقال ابن عباس: زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوباً أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم التي هي نابتة في أصل الجحيم، وقال أعداء الله: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم، فتذهب جهنم وتهلك، فذلك قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل. وقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها قوم آخرون، يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رؤوسهم: «حديث : بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم فيها أحد»تفسير : فأنزل الله عز وجل: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} الآية، وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه رحمه الله: حدثنا عبد الرحمن بن جعفر، حدثنا محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرىء، حدثنا ليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اجمعوا لي من كان من اليهود ههنا»تفسير : ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أبوكم؟»تفسير : قالوا: فلان، قال: «حديث : كذبتم، بل أبوكم فلان»تفسير : فقالوا: صدقت وبررت، ثم قال لهم: «حديث : هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه»تفسير : ؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أهل النار»تفسير : ؟ فقالوا: نكون فيها يسيراً، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اخسؤوا والله لا نخلفكم فيها أبداً»تفسير : ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟»تفسير : قالوا: نعم يا أبا القاسم قال: «حديث : هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟»تفسير : فقالوا: نعم، قال: «حديث : فما حملكم على ذلك؟»تفسير : فقالوا: أردنا إن كنت كاذباً أن نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك، ورواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي من حديث الليث بن سعد بنحوه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالُواْ } لما وعدهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم النارَ {لَن تَمَسَّنَا } تصيبنا {ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } قليلة أربعين يوماً مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول {قُلْ } لهم يا محمد {أَتَّخَذْتُمْ } حذفت منه همزة الوصل استغناء بهمزة الاستفهام {عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا } ميثاقاً منه بذلك {فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ } به لا {أَمْ } بَلِ { تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} والفرق بين اللمس والمس، أن مع اللمس إحساساً. وفي الأيام المعدودة قولان: أحدهما: أنها أربعون يوماً، وهذا قول قتادة، والسدي، وعكرمة، وأبي العالية، ورواه الضحاك عن ابن عباس، ومن قال بهذا اختلفوا في تقديرهم لها بالأربعين: فقال بعضهم: لأنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل. وقال ابن عباس: أن اليهود يزعمون أنهم، وجدوا في التوراة مكتوباً، أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، وهم يقطعون مسيرة كل سنة في يوم، فإذا انقطع المسير انقضى العذاب، وهلكت النار، وهذا قول من قدر "المعدودة" بالأربعين. والقول الثاني: أن المعدودة التي تمسهم فيها النار سبعة أيام، لأنهم زعموا، أن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنهم يُعَذَّبُون عن كل ألف سنة يوماً، وهذا قول مجاهد، ورواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَّعْدُودَةً} سبعة أيام، زعموا أن عمر الدنيا سبعة آلاف وأنهم يعذبون على كل ألف يوماً واحداً من أيام الآخرة، وهو ألف سنة من أيام الدنيا، أو أربعون يوماً التي عبدوا فيه العجل، أو زعموا أن في التوراة أن مسيرة ما بين طرفي [جهنم] أربعون سنة يسيرون كل سنة في يوم فإذا انقطع السير هلكت النار وانقطع عذابهم فتلك أربعون.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وقالوا} أي اليهود {لن تمسنا} أي لن تصيبنا {النار إلا أياماً معدودة} أي قدر مقدراً ثم يزول عنا العذاب قال ابن عباس: قالت اليهود: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنا نعذب بكل ألف سنة يوماً ثم ينقطع عنا العذاب بعد سبعة أيام وقيل: إنهم عنوا بالأيام الأربعين يوماً التي عبدوا فيها العجل وقيل: إن اليهود زعموا أن الله تعالى عتب عليهم في أمر فأقسم ليعذبنهم أربعين يوماً تحلة القسم فقال الله رداً عليهم وتكذيباً لهم {قل} أي يا محمد لليهود {أتخذتم عند الله عهداً} أي موثقاً أن لا يعذبكم إلا هذه المدة {فلن يخلف الله عهده} أي وعده {أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى} إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله: لن تمسنا النار والمعنى بلى تمسكم النار أبداً {من كسب سيئة} السيئة اسم يتناول جميع المعاصي كبيرة كانت أو صغيرة، والسيئة هنا الشرك في قول ابن عباس {وأحاطت به خطيئته} أي أحدقت به من جميع جوانبه قال ابن عباس: هي الشرك يموت عليه صاحبه وقيل: أحاطت به أي أهلكته خطيئته وأحبطت ثواب طاعته فعلى مذهب أهل السنة يتعين تفسير السيئة والخطيئة في هذه الآية، بالكفر والشرك لقوله تعالى: {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} فإن الخلود في النار هو للكفار والمشركين.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ...} قال الزمخشري: الفاء جواب شرط مقدر أي أن اتخذتم عند الله عهدا. قال ابن عرفة: لا يحتاج إلى هذا لأنَّ (الثاني) ملزوم للأول، فاتخاذ (العهد) ملزوم للوفاء به فيصح عطفه عليه، ودخل (العهد) الإنكار على الفعل وما عطف عليه فهو كالنفي سواء ينفي الفعل وما عطف عليه. وكذا قال الطيبي: إن كلام الزمخشري هنا مبني على أن {فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ} كلام مستأنف ولو كان عنده معطوفا على {أَتَّخَذْتُمْ} لما احتاج إلى تقدير شيء. قال ابن عرفة: وكان (يظهر) لنا أنه يخرج لنا من الآية أن النّافي للدعوة مطالب بالدليل على ذلك (لأنه) أنكر عليهم قولهم {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ} قال: (وكان) ابن عبد السلام يجيب عنه بأنهم ادعوا أمرا مشتملا على نفي وإثبات فطولبوا بالدليل على طرف الإثبات. ورد بأن من ادعى ما يوافقه الخصم عليه لا يحتاج إلى دليل، ونحن نوافقهم على مس النار لهم أيّاما ونخالفهم في طرف النفي. وأجيب عنه بأن الإنكار في طرف النفي لكنه نفي ما قد حصل وتقرر ثبوته لأنهم وافقوا على مسّ النار إياهم أربعين يوما. ومن ادعى على رجل حقا فأقرّ به، وقال: دفعته، يطالب بالدليل على براءته منه. قال ابن عرفة: الكلام معهم في مدة النفي لا في مدة الإقرار. وأجيب أيضا بأنّ هذا النّفي يستلزم ثبوتا، لأنه ليس هناك إلا جنة أو نار، فإذا نفوا عنهم النار فقد/ ادعوا أنهم في الجنّة، فقال: إنما علمنا الجنة أو النار بالشرع، وكلامنا الآن في الدليل العقلي، لأن الدليل العقلي اقتضى أنّ النافي لا يطالب بالدليل. فقيل له: بل ذلك أيضا معلوم من الشرع لحديث "حديث : البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر ".

ابن عادل

تفسير : فقوله: {إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} استثناء مفرّغ، و "أيَّاماً" منصوب على الظرف بالفعل قبله، والتقدير: لن تمّسنا النار أبداً إلاّ أياماً قلائل يَحْصُرُها العَدُّ؛ لأن العد يحصر القليل، وأصل: "أيّام": أَيْوَام؛ لأنه جمع يوم، نحو: "قوم وأقوام"، فاجتمع الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسكون، فوجب قلب الواو ياء، وإدغام الياء في الياء مثل: "هَيّن وميّت". فصل ذكروا في الأيام المعدودة وجهين: الأول: أن لفظه الأيام [لا تضاف إلا إلى العشرة فما دونها، ولا تضاف إلى ما فوقها، فيقال: أيام خمسة، وأيام عشرة، ولا يقال: أيام أحد عشر. إلاَّ أن هذا] يشكل بقوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ}تفسير : [البقرة:183] إلى أن قال: {أية : أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍِ}تفسير : [البقرة:184] وهي أيام الشهر كله، وهي أزيد من العشرة. قال القاضي: إذا ثبت أن الأيام محمولة على العَشْرة فما دونها، فالأشبه أن يقال: إنه الأقل أو الأكثر؛ لأن من يقول ثلاثة يقول: أحمله على أقل الحقيقة فله وجه، ومن يقول: عشرة يقول: أحمله على الأكثر وله وجه. فأما حمله على أقل من العشرة وأزيد من الثلاثة فلا وجه له؛ لأنه ليس عَدَدٌ أولى من عَدَدٍ، اللهم إلا إنْ جاءت في تقديرها رواية صحيحة، فحينئذ يجب القول بها. روي عن ابن عباس ومجاهد: أن اليهود كانت تقول: "الدنيا سبعة آلاف سنة، فالله يعذب على كلّ ألف سنة يوماً واحداً". وحكى الأصم عن بعض اليهود: أنهم عبدوا العِجْل سبعة أيام. وروي عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: أنه قدر هذه الأيام بالأربعين، وهو عدد الأيام التي عبد آباؤهم العجل فيها، وهي مدّة غيبة موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ عنهم. وقال الحسن وأبو العالية: قالت اليهود: إن ربنا عتب علينا في أمرنا، فأقسم ليعذّبنا أربعين يوماً، فلن تمسّنا النار إلاّ أربعين يوماً تحلّة القسم، فكذبهم الله ـ تعالى ـ بقوله تعالى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً}. وقالت طائفة: إن اليهود قالت في التوراة: إنَّ جهنم مسيرة أربعين سنة، وأنهم يقطعون في كلّ يوم سنة حتى يكملوها، وتذهب جهنّم. رواه الضَّحاك عن ابن عباس. وعن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ زعم اليهود أنه وجدوا في التوراة مكتوباً أن ما بين طرفي جهنّم أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزَّقوم، فتذهب جهنم وتهلك. فإن قيل: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} وقال في مكان آخر: {أية : أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ}تفسير : [آل عمران:24] والمصروف في المكانين واحد وهو "أيام". فالجواب: أن الاسم إن كان مذكراً، فالأصل في صفة جمعه التاء، يقال: كُوز وكِيزان مكسورة، وثياب مَقْطوعة، وإن كان مؤنثاً كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء يقال: جرّة وجِرَار مكسورات، وخَابِية وخَوَابي مكسورات، إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكّر في بعض الصور، وعلى هذا ورد قوله: {أية : فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ}تفسير : [البقرة:203]، و {أية : فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ}تفسير : [الحج:28]. فصل في مدة الحيض ذهب الحنفيّة إلى أنّ أقل الحَيْض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : دَعِي الصَّلاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ"تفسير : فمدّة الحيض تسمى أياماً، وأقلّ عدد يسمى أياماً ثلاثة، وأكثره عشرة على ما بَيّنا، وعليه الإشكال المتقدم. قوله: "أَتَّخَذْتُمْ" الهمزة للاستفهام، ومعناها الإنكار والتَّقْريع، وبها استغني عن همزة الوصل الدّاخلة على"أتخذتم" كقوله: {أية : أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ}تفسير : [سبأ:8] {أية : أَصْطَفَى}تفسير : [الصافات:153] وبابه. وقد تقدم القول في تصريف "أتَّخَذْتُمْ" وخلاف أبي علي فيها. ويحتمل أن تكون هنا لواحد. وقال أبو البقاء: وهو بمعنى "جَعَلتم" المتعدية لواحد. ولا حاجة إلى جعلها بمعنى "جعل" لتعديها لواحد، بل المعنى: هل أخذتم من الله عهداً؟ ويُحتمل أن يتعدّى لاثنين، الأول "عهد"، والثاني "عند الله" مقدماً عليه، فعلى الأول يتعلّق "عند الله" بـ "اتَّخَذْتُمْ". وعلى الثاني يتعلّق بمحذوف. ويجوز نقل حركة همزة الاستفهام إلى لام "قل" قبلها، فتفتح وتحذف الهمزة. وهي لغة مطّردة قرأ بها نافع في رواية وَرْش عنه. قوله: {فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ} هذا جواب الاستفهام المتقدم في قوله: "أتَّخَذْتُمْ". وهل هذا بطريق تضمين الاستفهام معنى الشرط، أو بطريق إضمار الشَّرط بعد الاستفهام وأخواته؟ قولان [تقدم تحقيقهما] واختار الزمخشري القول الثاني، فإنه قال: "فَلَنْ يُخْلِفَ" متعلّق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده. وقال ابن عطية: "فلن يخلف الله عَهْده: اعتراض بين أثناء الكلام" كأنه يعني بذلك أن قوله: "أم تقولون" مُعَادل لقوله: "أتخذتم" فوقعت هذه الجملة بين المتعادلين مُعْترضة، والتقدير أيّ هذين واقع اتخاذكم العهد أم قولكم بغير علم؟ فعلى هذا لا محلّ لها من الإعراب، وعلى الأول محلها الجزم. قوله: "أَمْ تَقُولُونَ" "أم" هذه يجوز فيها وجهان: أحدهما: أن تكون متّصلة، فتكون للمعادلة بين الشيئين، أي: أيّ هذين واقع، وأخرجه مُخْرج المتردّد فيه، وإن كان قد علم وقوع أحدهما، وهو قولهم على الله ما لا يعلمون للتقرير، ونظيره: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [سبأ:24] علم أيهما على هدى، وأيهما في ضلال، وقد عرف شروط المتصلة أول السورة. ويجوز أن تكون منقطعة، فتكون غير عاطفة، وتقدر بـ"بل" والهمزة، والتقدير: بل أتقولون، ويكون الاستفهام للإنكار؛ لأنه قد وقع القول منهم بذلك، هذا هو المشهور في "أم" المنقطعة، وزعم جماعة أنها تقدر بـ "بل" وحدها دون همزة استفهام، فيعطف ما بعدها [على ما قبلها] في الإعراب؛ واستدّل عليه بقولهم: "إن لنا إبلاً أَمْ شَاءً" بنصب "شَاءً" وقول الآخر: [الطويل] شعر : 611ـ فَلَيْتَ سُلَيْمَى في الْمَمَاتِ ضَجِيعَتي هُنَالِكَ أَمْ فِي جَنَّةٍ أَمْ جَهَنَّمِ تفسير : التقدير: بل في جهنَّم، ولو كانت همزة الاستفهام مقدَّرةً بعدها لوجب الرفع في "شاء"، و "جهنم" على أنها خبر لمبتدأ محذوف، وليس لقائل أن يقول: هي في هذين الموضعين مُتَّصلة لما عرف أن من شرطها أن تتقدّمها الهمزة لفظاً أو تقديراً، ولا يصلح ذلك هنا. قوله: "مَا لاَ تَعْلَمُونَ" ما منصوبة بـ "تقولون"، وهي موصولة بمعنى "الذي" أو نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف، أي: ما لا تعلمونه، فالجملة لا محلّ لها على القول الأول، ومحلّها النصب على الثاني. فصل في الاستدلال بالآية على أمور الآية تدلّ على أمور: أحدها: أن القول بغير دليل باطل. الثاني: ما جاز وجوده وعدمه عقلاً لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلاَّ بدليل سمعي. الثالث: تمسّك منكرو القياس وخبر الواحد بهذه الآية، قالوا: لأن القياس وخبر الواحد لا يفيدان العلم، فهو قول على الله بما لا يعلم. والواجب: أنه دلت الدلائل على وجوب العمل عند حصول الظّن المستفاد من القياس، منه خبر الواحد، فكان وجوب العمل عنده معلوماً، فكان القول به قولاً بالمعلوم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والواحدي عن ابن عباس أن يهود كانوا يقولون‏:‏ مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوماً واحداً في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودات ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله فيه ذلك ‏ {‏وقالوا لن تمسنا النار‏}‏ إلى قوله {‏هم فيها خالدون‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي عن ابن عباس قال‏:‏ وجد أهل الكتاب مسيرة ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين، فقالوا‏:‏ لن يعذب أهل النار إلا قدر أربعين، فإذا كان يوم القيامة ألجموا في النار فساروا فيها حتى انتهوا إلى سقر، وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعهودة، فقال لهم خزنة النار‏:‏ يا أعداء الله زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياماً معدودة فقد انقضى العدد وبقي الأبد، فيأخذون في الصعود يرهقون على وجوههم‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس‏.‏ أن اليهود قالوا‏:‏ لن تمسنا النار إلا أربعين يوماً مدة عبادة العجل‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ اجتمعت يهود يوماً فخاصموا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا‏:‏ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وسموا أربعين يوماً، ثم يخلفنا فيها ناس وأشاروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : ورد يده على رؤوسهم كذبتم بل أنتم خالدون مخلدون فيها لا نخلفكم فيها إن شاء الله تعالى أبداً، ففيهم أنزلت هذه الآية ‏{‏وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة‏}‏ يعنون أربعين ليلة‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لليهود ‏"‏حديث : أنشدكم بالله وبالتوراة التي أنزل الله على موسى يوم طور سيناء من أهل النار الذين أنزلهم الله في التوراة‏؟ قالوا‏:‏ إن ربهم غضب عليهم غضبة فنمكث في النار أربعين ليلة، ثم نخرج فتخلفوننا فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: كذبتم والله لا نخلفكم فيها أبداً، فنزل القرآن تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيباً لهم ‏{‏وقالوا لن تمسنا النار‏} إلى قوله ‏{‏وهم فيها خالدون‏}‏ ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري والدارمي والنسائي والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال ‏"حديث : ‏لما افتتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: اجمعوا لي من كان ههنا من اليهود، فقال لهم‏:‏ من أبوكم‏؟‏ قالوا‏:‏ فلان‏.‏ قال‏:‏ كذبتم، بل أبوكم فلان‏.‏ قالوا‏:‏ صدقت وبررت‏.‏ ثم قال لهم‏: هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا‏.‏ فقال لهم‏:‏ من أهل النار‏؟‏ قالوا‏:‏ نكون فيها يسيراً ثم تخلفوننا فيها‏.‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: اخسئوا - والله - لا نخلفكم فيها أبداً‏ ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏قل أتخذتم عند الله عهداً‏} أي موثقاً من الله بذلك أنه كما تقولون‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ لما قالت اليهود ما قالت قال الله لمحمد ‏{‏قل أتخذتم عند الله عهدا‏ً}‏ يقول‏:‏ أدخرتم عند الله عهداً‏.‏ يقول‏:‏ اقلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا به، فإن كنتم قلتموها فارجوا بها، وإن كنتم لم تقولوها فلم تقولون على الله ما لا تعلمون‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {‏قل أتخذتم عند الله‏}‏ قال‏:‏ بفراكم وبزعمكم أن النار ليس تمسكم إلا أياماً معدودة، يقول‏:‏ إن كنتم اتخذتم عند الله عهداً بذلك فلن يخلف الله عهده ‏ {‏أم تقولون على الله ما لا تعلمون‏} قال‏:‏ قال القوم‏:‏ الكذب والباطل، وقالوا عليه ما لا يعلمون‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَقَالُواْ} بـيانٌ لبعضٍ آخرَ من جناياتهم، وفصلُه عما قبله مُشعرٌ بكونه من الأكاذيب التي اختلقوها ولم يكتبوها في الكتاب {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ} في الآخرة {إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} قليلةً محصورةً عددَ أيام عبادتِهم العجلَ أربعين يوماً مُدةَ غَيْبةِ موسى عليه السلام عنهم. وحَكى الأصمعي عن بعض اليهود أن عددَ أيام عبادتهم العجلَ سبعة. ورُوي عن ابن عباس ومجاهدٍ أن اليهودَ قالوا عُمرُ الدنيا سبعةُ آلاف سنة وإنما نعذَّب بكل ألفِ سنةٍ يوماً واحداً. ورَوى الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اليهود زعمت أن ما وجدوا في التوراة أن ما بـين طرفي جهنمَ مسيرةُ أربعين سنةً إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، وأنهم يقطعون في كل يوم مسيرةَ سنة فيكملونها {قُلْ} تبكيتاً لهم وتوبـيخاً {ٱتَّخَذْتُمْ} بإسقاط الهمزةِ المجتَلَبة لوقوعها في الدَّرْج وبإظهار الذال وقرىء بإدغامها في التاء {عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا} خبَراً أو وعداً بما تزعمون، فإن ما تدّعون لا يكون إلا بناءً على وعدٍ قوي ولذلك عَبَّر عنه بالعهد {فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ} الفاءُ فصيحة معربة عن شرط محذوفٍ كما في قول من قال: شعر : قالوا خراسانُ أقصىٰ ما يُراد بنا ثم القُفولُ فقد جئنا خُراسانا تفسير : أي إن كان الأمر كذلك فلن يُخلِفَه، والجملةُ اعتراضيةٌ وإظهارُ الاسمِ الجليل للإشعار بعِلّة الحُكم فإن عدم الإخلاف من قضية الألوهية، وإظهارُ العهدِ مضافاً إلى ضميره عز وجل لما ذكر، أو لأن المرادَ به جميعُ عهوده لعمومه بالإضافة فيدخل فيه العهدُ المعهودُ دخولاً أولياً، وفيه تجافٍ عن التصريح بتحقق مضمونِ كلامِهم وإن كان معلقاً بما لم يكَدْ يشَمُّ رائحةَ الوجود قطعاً أعني اتخاذَ العهد {أَمْ تَقُولُونَ} مفترين {عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وقوعَه، وإنما عُلّق التوبـيخ بإسنادهم إليه سبحانه ما لا يعلمون وقوعَه ــ مع أن ما أسندوه إليه تعالى من قبـيل ما يعلمون عدمَ وقوعِه ــ للمبالغة في التوبـيخ والنكير فإن التوبـيخَ على الأدنىٰ مستلزِمٌ للتوبـيخ على الأعلى بالطريق الأَوْلى، وقولُهم المحكيُّ وإن لم يكن تصريحاً بالافتراء عليه سبحانه مستلزِمٌ له، لأن ذلك الجزمَ لا يكون إلا بإسناد سببِه إليه تعالى، وأمْ إما متصلةٌ والاستفهام للتقرير المؤدي إلى التبكيت لتحقق العلم بالشق الأخيرِ كأنه قيل: أم لم تتخذوه بل تتقوّلون عليه تعالى، وإما منقطعةٌ والاستفهام لإنكار الاتخاذِ ونفيِه ومعنى بل فيها الإضرابُ والانتقالُ من التوبـيخ بالإنكار على اتخاذ العهدِ إلى ما تفيد همزتُها من التوبـيخ على التقوُّل على الله سبحانه، كما في قوله عز وجل: قل آلله أذِنَ لكم أم على الله تفترون {بَلَىٰ} إلى آخره، جوابٌ عن قولهم المحكيِّ وإبطالٌ له من جهته تعالى وبـيانٌ لحقيقة الحالِ تفصيلاً في ضمن تشريعٍ كليٍّ شاملٍ لهم ولسائر الكَفَرة بعد إظهار كذِبِهم إجمالاً، وتفويضُ ذلك إلى النبـي صلى الله عليه وسلم لما أن المُحاجَّةَ والإلزامَ من وظائفه عليه السلام مع ما فيه من الإشعار بأنه أمرٌ هيِّنٌ لا يتوقف على التوقيف، وبلى حرفُ إيجابٍ مختصٌّ بجواب النفي خبراً واستفهاماً {مَن كَسَبَ سَيّئَةً} فاحشةً من السيئات أي كبـيرةً من الكبائر كدأب هؤلاء الكَفَرة، والكسبُ استجلابُ النفعِ، وتعليقُه بالسيئة على طريقة فبشِّرْهم بعذاب أليم {وَأَحَـٰطَتْ بِهِ} من جميع جوانبِه بحيث لم يبقَ له جانبٌ من قلبه ولسانه وجوارحِه إلا وقد اشتملت واستولت عليه {خَطِيـئَـتُهُ} التي كسَبها وصارت خاصةً من خواصّه كما تُنبىءَ عنه الإضافةُ إليه، وهذا إنما يتحقق في الكافر، ولذلك فسرها السلفُ بالكفر حسبما أخرجه ابن أبـي حاتم عن ابن عباس وأبـي هريرة رضي الله عنهم وابنُ جرير عن أبـي وائل ومجاهدٌ وقَتادةُ وعطاءٌ والربـيعُ وقيل: السيئةُ الكفرُ والخطيئةُ الكبـيرة، وقيل: بالعكس وقيل: الفرق بـينهما أن الأُولى قد تطلق على ما يُقصَد بالذات والثانيةُ تغلِبُ على ما يُقصَدُ بالعَرَض لأنها من الخطأ. وقرىء خَطِيَّتُه وخطِيّاتُه على القلب والإدغام فيهما وخطيئاتُه وخَطاياه وفي ذلك إيذانٌ بكثرة فنون كفرهم {فَأُوْلَـٰئِكَ} مبتدأ {أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ} خبرُه والجملةُ خبر للمبتدأ، والفاءُ لتضمُّنه معنى الشرط، وإيرادُ اسمِ الإشارة المنبـيءِ عن استحضار المشارِ إليه بما لَه من الأوصاف للإشعار بعلِّيتها لصاحبـيّة النار، وما فيه من معنى البُعد للتنبـيه على بُعد منزلتِهم في الكفر والخطايا، وإنما أشير إليهم بعنوان الجَمْعية مراعاةً لجانب المعنىٰ في كلمة (مَنْ) بعدَ مراعاة جانبِ اللفظ في الضمائر الثلاثةِ لما أن ذلك هو المناسبُ لما أسند إليهم في تَيْنِك الحالتين، فإن كسْبَ السيئة وإحاطة خطيئتِه به في حالة الانفراد، وصاحبـيّةَ النارِ في حالة الاجتماع أي أولئك الموصوفون بما ذكر من كسب السيئات وإحاطة خطاياهم بهم أصحابُ النار أي ملازموها في الآخرة حسب ملازمتهم في الدنيا لما يستوجبُها من الأسباب التي جملتها ما هم عليه من تكذيب آياتِ الله تعالى وتحريفِ كلامِه والافتراءِ عليه وغيرِ ذلك، وإنما لم يُخَصَّ الجوابُ بحالهم بأن يقال مثلاً: بلى إنهم أصحابُ النار الخ لما في التعميم من التهويل وبـيانِ حالِهم بالبرهان والدليل، مع ما مر من قصد الإشعار بالتعليل {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} دائماً أبداً فأنَّى لهم التفَصِّي عنها بعد سبعة أيام أو أربعين كما زعموا فلا حجةَ في الآية الكريمة على خلود صاحبِ الكبـيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر، ولا حاجة إلى حمل الخلودِ على اللُبْث الطويل على أن فيه تهوينَ الخطب في مقام التهويل.

القشيري

تفسير : الإشارة في هذه الآية لمن مرت على قلبه دعاواه العريضة، وغلب عليه حسبانه، فحكم لنفسه - لفرط غفلته - بأنه من أهل القصة ويَخْلَدُ إلى هواجس مناه، فيحكم على الغيب بأنه يُتَجاوز عنه؛ نَسِيَ قبائح ما أسلفه، ويذكر مغاليط ما ظنَّه، فهو عَبْدُ نَفْسِه يغلب عليه حسن ظنه، وفي الحقيقة تعتريه نتائج غفلته ومكره، قال تعالى: {أية : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ ٱلُخَاسِرِينَ}تفسير : [فصلت: 23].

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالوا} اى اليهود زعما منهم {لن تمسنا النار} اى لا تصل الينا النار فى الآخرة {الا اياما معدودة} قليلة محصورة سبعة ايام فانهم يقولون ان ايام الدنيا سبعة آلاف سنة فنعذب مكان كل الف سنة يوما او يراد اربعين يوما مقدار عبادة آبائهم العجل. قال ابو منصور رحمه الله تصرف الايام المعدودة الى العمر الذى عصوا فيه وهم لم يروا التعذيب الا على قدر وقت العصيان او كانوا لا يرون التخليد فى النار كالجهمى او لانهم كانوا يقولون نحن ابناء الله واحباؤه فلا نعذب ابدا بل نعذب تعذيب الاب ابنه والحبيب حبيبه فى وقت قليل ثم يرضى وهذا منهم باطل وعقوبة الكفر ابدا وثواب الايمان كذلك لان من اعتقد دينا انما يعتقده للابد فعلى ذلك جزاؤه للابد {قل} يا محمد تبكيتا لهم وتوبيخا {أتخذتم} بقطع الهمزة لانه الف استفهام بمعنى التوبيخ والالف المجتلبة ذهبت بالادراج اى ءاتخذتم {عند الله عهدا} خبرا او وعدا بما تزعمون فان ما تدعون لا يكون الا بناء على وعد قوى ولذلك عبر عنه بالعهد {فلن} الفاء فصيحة معربة عن شرط محذوف اى ان اتخذتم عند الله عهدا وامانا فلن {يخلف الله} الاخلاف نقض العهد {عهده} الذى عهده اليكم يعنى ينجز وعده البتة. قال الامام ابو منصور لهذان وجهان احدهما هل عندكم خبر عن الله تعالى انكم لا تعذبون ابدا لكن اياما معدودة فان كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده ووعده والثانى ألكم عند الله اعمال صالحة ووعدكم بها الجنة فهو لا يخلف وعده {أم تقولون} مفترين {على الله ما لا تعلمون} وقوعه وام معادلة لهمزة الاستفهام بمعنى اى الامرين المتساويين كائن على سبيل التقرير لان العلم واقع بكون احدهما تلخيصه ان كان لكم عنده عهد فلا ينقض ولكنكم تخرصون وتكذبون روى انهم اذا مضت تلك المدة عليهم فى النار يقول لهم خزنة جهنم يا اعداء الله ذهب الاجل وبقى الابد فايقنوا بالخلود.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {بلى}: حرف جواب كنعم، والفرق بينهما أن {بلى} لا يقع إلا في جواب النفي ويصير إثباتاً، تقول: ألم يأت زيد؟ فتقول: بلى. أي: أتى، ومثله: {قالوا لن تمسنا النار} فقال تعالى: {بلى} أي تمسكم، بخلاف نعم؛ فإنها لتقرير ما قبلها نفياً أو إثباتاً، فإذا قيل: ألم يأت زيد؟ فقلت: نعم، أي لم يأت، وإذا قيل: هل أتى زيد فقلت: نعم، أي أتى.وقد نظم ذلك بعضهم فقال: شعر : "نعَمْ" لتقرير الذي قبلها إثباتاً أو نفياً، كذا قرَّرُوا "بلى" جواب النفي لكنه يصير إثباتاً، كذا حرَّرُوا تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وَقَالُوا} أي: بنو إسرائيل في أمانيهم الباطلة: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} أربعين يوماً مقدار عبادة العجل، ثم يخلفنا فيها المسلمون. قال الحقّ جلّ جلاله: {قُلْ} لهم يا محمد: {أَتَّخَذْتُمْ} بذلك عهداً عند الله {فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} - {بَلَى} تمسكم النار وتخلدون فيها؛ لأن {مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} أي: كفراً ومات عليه، {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} أي: أحدقت به، واستولت عليه، {فأوْلَئِكَ أَصْحَابَ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} - {والذين آمنوا} بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم {وعلموا} بشريعته المطهرة الأعمال {الصالحات} {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالدُونَ} هذه عادته تعالى؛ إذا ذكر فريقاً شفع بضده ترغيباً وترهيباً وبالله التوفيق. الإشارة: اعلم أن كثيراً من الناس يعتمدون على صحبة الأولياء، ويُطلقون عنان أنفسهم في المعاصي والشهوات، ويقولون: سمعنا من سيدي فلان يقول: مَن رآنا لا تمسه النار. وهذا غلط وغرور، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - لابنته:"حديث : يا فاطمةَ بنتَ مُحمَّد، لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللّهِ شيئاً، اشترِيِ نفسك من الله"تفسير : . وقال للذي قال: ادع الله أن أكون رفيقك في الجنة فقال له: "حديث : أعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بكَثْرةِ السُّجُود"تفسير : . نعم، هذا المقالة: إن صدرت من ولي متمكن مع الله فهي حق، لكن بشرط العمل ممن رآه بالمأمورات وترك المحرمات، فإن المأمول من فضل الله، ببركة أوليائه، أن يتقبل الله منه أحسن ما عمل، ويتجاوز عن سيئاته، فإن الأولياء المتمكنين اتخذوا عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده؛ وهو أن من تعلق بهم وتمسك بالشريعة شفعوا فيه. والغالب على مَن صَحِبَ أولياء الله المتمكنين - الحفظ وعدم الإصرار، فمن كان كذلك لا تمسه النار، وفي الحديث:"حديث : إذَا أحَبَّ اللّهُ عَبْداً لَمْ يضرُّه ذَنْب"تفسير : ، يعني: يُلهم التوبة سريعاً، كما قيل لأهل بدر: "افْعلُوا مَا شِئْتُم فَقَدْ غَفَرتْ لَكُم". ولا يتخذ عند الله العهد إلا أهل الفناء والبقاء، لأنهم بالله فيما يقولون، فليس لهم عن أنفسهم إخبار، ولا مع غير الله قرار، وأما من لم يبلغ هذا المقام فلا عهد له؛ لأنه بنفسه، فمن تعلّق بمثل هذا فهو على خطر، وبالله التوفيق. قوله تعالى: {بلى من كسب سيئة}، من اقتنى حب الدنيا أحاطت به أشغالها وعلائقها، فهو في نار القطعية مقيم، أحاط به سرادق الهموم والأكدار، تلدغه عقارب الشكوك والأغيار، بخلاف من أشرفت عليه أنوار الإيمان، وصحب أهل الشهود والعيان، فإنه في روح وريحان وجنة ورضوان، متعنا الله بذلك في الدارين. آمين.

الطوسي

تفسير : المعنى: قوله: {وقالوا} يعني اليهود الذين قالوا لن تمسنا النار، ولن ندخلها إلا اياماً معدودة. وانما لم يبين عددها في التنزيل، لأنه تعالى اخبر عنهم بذلك، وهم عارفون بعدد الايام التي يوقتونها في النار، فلذلك نزل تسمية عدد الايام، وسماها معدودة، لما وصفنا. وقال ابو العالية وعكرمة والسدي وقتادة: هي أربعون يوماً. ورواه الضحاك عن ابن عباس. ومنهم قال: انها عدد الايام التي عبدوا فيها العجل. وقال ابن عباس: إن اليهود تزعم انهم وجدوا في التوراة مكتوباً ان ما بين طرفي جهنم مسيرة اربعين سنة، وهم يقطعون مسيرة كل سنة في يوم واحد، فاذا انقطع المسير، انقطع العذاب وهلكت النار. وقال مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس: إنها سبعة ايام، لأن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وانهم يعذبون بعدد كل ألف سنة يوماً واحداً من ايام الآخرة، وهو كألف سنة من ايام الدنيا. ولما قالت اليهود ما قالت من قولها: لن تمسنا النار إلا اياماً معدودة على ما بيناه، قال الله تعالى لنبيه: {قل أتخذتم عند الله عهداً} بما تقولون من ذلك أو ميثاقاً، فالله لا ينقض عهده {أم تقولون على الله ما لا تعلمون} من الباطل جهلاً وجراءة عليه القراءة: وفي القراء من قرأ "أوتخذتم" بادغام الذال في التاء. ومنهم من لم يدغم. واصل أتخذتم أأتخذتم. دخلت ألف الاستفهام على ألف القطع من نفس الكلمة، فكره اجتماعهما فحذفت الاصلية، وبقيت التي للاستفهام، لانها لمعنى ـ وهي وان كانت للاستفهام في الاصل ـ فالمراد بها ها هنا التكبر، والتوبيخ، والاعلام لهم ولغيرهم أن الامر بخلاف ما قالوه، وانهم يقولون بغير علم. والدليل على انها ألف استفهام كونها مفتوحة. ولو كانت اصلية لكانت مكسورة في إتخذتم، ولذلك يدخل بينهما المد كما قالوا في {أية : آلله أذن لكم }،تفسير : لأن قوله: "اذن الله" لو اخبر بها لكانت مفتوحة. ولو لم تدخل المدة لاشتبهت ألف الاستفهام بهمزة الخبر، وليس كذلك ها هنا، لأن الفتحة تختص للاستفهام وفي الخبر تكون مكسورة. وفي المفتوحتين لا بد من الجمع بين الهمزتين. ومنهم من يفصل بينهما بمدة. ومنهم من لا يفصل، نحو قوله {أية : أأمنتم من في السماء}

الجنابذي

تفسير : {وَقَالُواْ} عطف على قد كان فريق {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} يعنى افتطمعون ان يؤمنوا لكم والحال أنّهم قائلون بانّ النّار لن تمسّنا الاّ ايّاماً معدودة ليتمكّنوا من آمالهم وانتم داعون لهم الى ترك الشّهوات ورفض الآمال {قُلْ} يا محمّد (ص) لهم: انّ هذا القول لا يكون الاّ عن مشاهدة النّار وأصحابها وأنّهم ما مستّهم النّار الاّ ايّاماً، ولستم أهل المشاهدة، او عن عهدٍ من الله وصل اليكم بلا واسطةٍ، او بواسطة الانبياء، او عن افتراءٍ على الله تعالى فسلهم {أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ} يعنى ان اتّخذتم عهداً فلن يخلف الله عهده او المعنى فسلهم الن يخلف الله عهده {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} لكن ليس لكم عهد عند الله ولستم مدّعيه فبقى انّكم تفترون على الله وتستحقّون به شدّة العذاب فضلاً عن دوامه.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً}: روى حديث : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لليهود: من أبوكم؟ قالوا فلان، قال: كذبتم أبوكم فلان، قالوا صدقت وبررت. قال: من أهل النار؟ قالوا: نكون فيها مدة ثم تخلفوننا فيها، قال: كذبتم اخسئوا فيها فوالله لا نخلفكم فيها أبداً. تفسير : وفى الحديث زيادة من أوله نسبتها ويأتى إن شاء الله تاماً فى موضع. قال ابن زيد وغيره: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لليهود: من أهل النار؟ فقالوا: نحن ثم تخلفوننا فيها أنتم. فقال لهم: كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم. تفسير : فنزلت الآية، ونزل فى النبى صلى الله عليه وسلم ومن تبعه: {أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}تفسير : . والأيام المعدودة أيام الأسبوع سبعة أيام، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: قالت اليهود مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنا نعذب بكل ألف سنة يوماً، ثم ينقطع عنا العذاب بعد سبعة أيام. وكذا قال مجاهد. وقيل: قالوا نمكث فى النار أربعين يوماً مقدار الأيام التى عبدوا فيها العجل، وقيل: زعموا أن الله عز وجل عتب عليهم فى أمر فأقسم ليعذبنا أربعين يوماً تحله القسم، ويمكن الجمع بين ذلك الأمر الذى عتب عليهم فيهِ هو عبادة العجل، ثم رأيت الشيخ هوداً ـ رحمه الله ـ ذكر ما يدل له والحمد لله إذ قال: قال بعض المفسرين، قالت اليهود: لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم عدد الأيام التى عبدوا فيها العجل، فإذا انقضت تلك الأيام انقطع عنا العذاب والشر، ويمكن الجمع بين قول السبعة وقول الأربعين، بأن بعض اليهود قال: سبعة، وبعضاً قال: أربعين، كما أشار إليه القاضى. قال الكلبى: فإذا دخلوا النار لبثوا فيها لكل يوم من الأربعين التى زعموا سنة، فتلك أربعون سنة، ثم يقال لهم: يا أعداء الله هذه الأيام قد مضت والأجل الذى قلتم وبقى الأبد لا تخرجون منها أبداً، فعند ذلك انقطع الرجاء وأيقنوا بالخلود فى النار، ومعنى {لن تمسنا} لن تصيبنا، ومعنى المس اتصال الشئ بالشئ بحيث لا يبقى شئ من الهواء بينهما، وهدا على عمومه، وإن قيل يختص بأن يكون من الحيوان إلى آخر أو إلى غيره فيقال: إيصال الحيوان جسمه بشئ سواء تأثرت الحاسة به أم لم تتأثر مثل المس بالشعر، فإن الشعر لا يدرك الحس، واللمس يطلق كالمس، ويطلق بمعنى طلب المس، يقال لمسه والتمسه فلم يجده أو فوجده أى طلبه فوجده، وأشاروا، بكون الأيام معددة إلى قلتها كما يشار إلى الكثرة بقولك لا يحصى، ولو أمكن إحصاؤه وإنما نعت أياماً بمفرد مؤنث لأنها فى معنى الجماعة، وذكر الرضى أن جمع القلة بمنزلة المفرد وأيام بوزن أفعال جمع قلة، ولذا وصف هنا بالمفرد، ووصف به المفرد فى قوله: {أية : من نطفة أمشاج} تفسير : ويأتى كلام فيه إن شاء الله تعالى. {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ}: بإثبات الهمزة مفتوحة سواء نقلت حركتها بعد اللام كما هو قراءة ورش فتحذف أم لا، وذلك لأنها همزة استفهام، وأما همزة الوصل فمحذوفة من الخط كما حذفت من الكلام، وهذا الاستفهام إنكارى فتكون بمنزلة النفى وأم منقطعة بمنزلة بل، والهمزة أو بل تقريرى فتكون أم متصلة، وأظهر ابن كثير وحفص الذال ولم يدغمها فى التاء، قال أبو عمرو الدانى: أظهر ابن كثير وحفص أتخذتم وأخذت وأتخذت وما كان مثله من لفظه، وأدغم ذلك الباقون، وأظهر ابن كثير وورش وهشام يلهث ذلك، واختلف عن قالون وأدغم ذلك الباقون، وأدغم أبو عمرو بن العلاء الراء الساكنة فى اللام نحو قوله عز وجل: {أية : نغفر لكم خطاياكم}، {أية : واصبر لحكم ربك} تفسير : وشبهه، بخلاف بين أهل العراق عنه فى ذلك. قال أبو عمرو الدانى: وحدثنا محمد بن أحمد على قال حدثنا ابن مجاهد عن أصحابه عن اليزيدى عن أبى عمرو بالإدغام ولم يذكر خلافاً ولا اختياراً، وأظهرها الباقون، وأظهر ورش وابن عامر وحمزة: {با بنى اركب معنا} واختلف عن قالون وعن البزى وعن خلاد، وأظهر ورش {ويعذب من يشاء} فى البقرة، واختلف فيه عن قنبل والبرى، وأدغم ذلك الباقون وأجمعوا على إدغام النون الساكنة والتنوين فى الراء واللام بغير غنه، وأجمعوا على إدغمها فى الميم والنون بغنة، واختلفوا عند الواو والياء فقرأ خلف بإدغامها فيهما بغير غنة نحو قوله عز وجل: {ومن يقل}، {ويومئذ يصدعون}، {ومن وال}، و {يومئذ واهية}، والباقون يدغمونها فيهما ويبقون الغنة فيمتنع القلب الصحيح مع ذلك، واجتمعوا على إظهارهما عند حروف الحلق إلا ما كان من مذهب ورش عند الهمزة مع إلقاء حركة الهمزة عليها، وكذا أجمعوا على قلبهما ميماً عند الباء خاصة وعلى إخفائها عند باقى حروف المعجم والإخفاء حال بين حالين: الإظهار والإدغام وهوعار من التشديد، والمشهور عن ورش أنه لا يدغم التنوين فى الياء والواو، واختلفوا فى الذال من (إذ) عند ستة أحرف: عند الجيم والزاى والسين والصاد والتاء والدال نحو قوله عز وجل: {وإذ جعلنا} {وإذ زين لهم} {وإذ سمعتموه}، {وإذ صرفنا}، {وإذ تبرأ}، {وإذ دخلوا}، فكان الحرميان وعاصم يظهرون الذال عند ذلك كله، وأدغم ابن ذكوان فى الدال وحدها، وأدغم خلف فى الدال والتاء، وأظهر خلاد والكسائى عند الجيم فقط، وأدغم أبو عمرو وهشام الذال فى الستة. واختلفوا فى الدال من قد عند ثمانية أحرف: عند الجيم والسين والشين والصاد والزاى والذال والضاد والطاء نحو قوله عز وجل: {لقد جاءكم}، {وقد سمع الله}، {وقد شغفها حباً}، {ولقد صرفنا}، {ولقد ذرأنا}، {ولقد زينا}، و{فقد ضل}، و{فقد ظلم}. فكان ابن كثير وقالون وعاصم يظهرون الدال عند ذلك كله، وأدغم ورش فى الضاد والظاء فقط، وإدغام ابن ذكوان فى الزاى والذال والظاء والضاد فى الأربعة لا غيره، وروى النقاش عن الأخفش الإظهار عند الزاى، وأظهر هشام {لقد ظلمك} فى سورة (ص) فقط، وأدغم الباقون الدال فى الثمانية. واختلفوا فى تاء التأنيث المتصلة بالفعل عند ستة أحرف: عند الجيم والسين والصاد والزاى والتاء والطاء نحو قوله تعالى: {نضجت جلودهم} و{كذبت ثمود} و{أنزلت سورة} و{حصرت صدورهم} و{خبت زدناهم}. و{كانت ظالمة} فأظهر ابن كثير وقالون وعاصم التاء عند ذلك كله، وأدغم ورش فى الظاء فقط، وأظهر ابن عامر عند الجيم والسين والزاى، واختلف ابن ذكوان وهاشم فى قوله: {لهدمت صوامع} فأدغم ابن ذكوان وأظهر هاشم وأدغم الباقون التاء فى الستة. واختلفوا فى لام هل وبل عند ثمانية أحرف: عند التاء والثاء والسين والزاى والطاء والظاء والضاد والنون نحو قوله تعالى: {هل تعلم} و{هل ثوب} و{بل سولت} و{بل زين}. و{بل طمع} و{بل ضلوا} و{بل ظننتم} و{هل ندلكم} و{هل ننبئكم} و{هل نحن} فأدغم الكسائى اللام فى الثمانية، وأدغم حمزة فى التاء والثاء والسين فقط، واختلف عن خلاد عند الطاء فى قوله تعالى: {بل طبع} قال أبو عمرو الدانى: فقرأته بالوجهين وبالإدغام أخذ له وأظهر هشام عند النون والضاد وعند الياء فى قوله فى الرعد: {أم هل يستوى} لا غير، وأدغم أبو عمرو {هل ترى من فطور} و{فهل ترى لهم} فى الملك والحاقة لا غير، وأظهر الباقون اللام عند الثمانية، وأدغم أبو عمرو وخلاد والكسائى الياء فى الفاء حيث وقع نحو قوله تعالى: {أو يغلب فسوف} و{من لم يتب فأولئك} وخير خلاد فى {ومن لم يتب فأولئك} وأظهر ذلك الباقون؛ وأدغم الكسائى الفاء فى الباء فى قوله تعالى:{إن نشأ نخسف بهم الأرض} فى سبأ، وأظهر الباقون ذلك، وأدغم أبو الحارث اللام من قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك} وأظهرها الباقون، وأظهر الحرميان وعاصم ليثبت ولبثتم {ومن يرد ثواب} حيث وقع وأدغم ذلك الباقون، وأدغم هشام وأبو عمرو وحمزة والكسائى {أو ورثتموها فى المكانين}، وأظهر ذلك الباقون. وأدغم أبو عمرو وحمزة والكسائى {فنبذتها}، و{إنى عذت بربى}، وأظهر ذلك الباقون. {عِنْدَ اللهِ عَهْداً}: ميثاقاً منه أنهُ لا تمسكم النار إلا أياماً معدودة، ويجوز تفسير العهد بالخبر أو بالوعد أو علماً، وأصله العلم بالشئ بين عالمين به فصاعداً، والعلم بالشئ مطلقاً وذلك موجود فيما يستوثق به. {فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ}: الفاء عاطفة على ما بعد همزة الاستفهام، فالاستفهام متسلط على هذه الجملة على طريق التفريع لا على الاستقلال، كأنه تعالى استفهم على مجموع الاتخاذ وعدم الحلف، هل هو موجود؟ وقد علمت أنه استفهام إنكار أو تقرير، ومثل ذلك فى انسحاب الاستفهام على الجملة المعطوفة، قولك هل شربت لبناً؟ فلن يسهر ولا فرق من جهة المعنى بين هذه الفاء وفاء جواب الاستفهام المنصوب، فلسنا نحتاج إلى جعل ذلك جواب شرط محذوف كما قيل إن التقدير: إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده، ولا إلى ما قيل فمن الاستفهام معنى الشرط فأجيب بالفاء والأولى ما قيل إن الجملة معترضة بين {اتخذتم} وقوله: {أم تقولون} والآية دلت على أن الحلف فى خبره محال تعالى، حيث رتب عدم الحلف على أخذ الميثاق منه سبحانهُ، وكل كلام له يكون ميثاقاً إذا كان إخباراً بما يكون لا بما كان، إذ لا ضعف فى كلامه مطلقاً. {أمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}: أى لا اتخاذ بل تقولون أو بل أتقولون أو أقروا بما كندكم من أحد الأمرين باتخاذ العهد، وقول مالا تعلمون أو أقروا بالحق منهما فإن أحدهما واقع لا محالة.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} كناية عن دخولها {إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} أى قليله، وكان الحساب فى العرب عزيزاً، فصاروا يعبرون عن القليل بالعدد، لا يألفهون عد الكثير وقوانين الحساب، والقائلون لن تسمنا النار إلا أياماً معدودة يهود المدينة، وهم نشأوا على العربية، وكلامهم فيها حجة، فقالوا معدودة مكان قليلة، وهى مقدار عبادة أبائهم العجل أربعين، زعموا أن الأربعين مدة جعلها الله عذاباً لآبائهم ولهم، وقال من قال: نعذبه سبعة أيام عدد الأسبوع، وأنه سبعة آلاف سنة، رجع إلى سبعة أيام، يوم مكان ألف سنة {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ} بهمزة مفتوحة ثابتة وصلا، حتى إنه نقل فتحها اللام فيه ووقفا للاستفهام الإنكارى أو التقريرى على معنى التخطئة، فهو فى معنى التوبيخ، أو نزلة منزلة الاستفهام الحقيقى {عِنْدَ اللهِ عَهْداً} علماً يوثق به أنكم تعذبون أياماً معدودة {فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ} عطف على مدخول الهمزة، كقوله تعالى"أية : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه" تفسير : [الزمر: 22] وقوله تعالى: " أية : أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لـَٰقيه" تفسير : [القصص: 61] وذلك بمرتبة المضارع المنصوب فى جواب الاستفهام، إلا أن النصب هنا بلن، كأنه قيل، اتخذتم عند الله عهداً فيوفى لكم به، وينصب يوفى، ولا حاجة إلى تقدير الشرط هكذا: إن اتخذتم عند الله فلن يخلف الله عهده، بمعنى أىّ هذين واقع اتخاذكم العهد أم قولكم على الله ما لا تعلمون، خرج ذلك مخرج للتردد فى تعيينه على سبيل التقرير. والنبى صلى الله عليه وسلم عالم بوقوع أحدهما، وهو قولهم بما لا يعلمون على التعيين {أَمْ} متصلة عطفت جملة، لأنه تعطف المفرد والجملة، أو حرف ابتداء منقطعة بمعنى بل، وهمزرة الإنكار. وهكذا ما أشبهه، والمنقطعة حرف ابتداء وإضراب، وتقدر ببل والهمزة، أو بل أو بالهمزة، وإذا كان الاستفهام بعدها فبمعنى بل فقط، وإذا لم تصلح بل وحدها حمل الكلام على آلهتكم إن قدرت، كقوله تعالى"أية : أم كنتم شهداء"تفسير : [البقرة: 133] أى بلى كنتم شهداء، فإنهم لم يكونوا شهداء، أو يقدر، بل تقولون عل مقتضى دعواكم، أنكم كنتم شهداء. {تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} بل أنتم فيه جاهلون من دعوى الخروج من النار، وتقليل المدة.

الخليلي

تفسير : الواو عاطفة، والمعطوف عليه قيل هو قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً}، وعلى هذا فهو عطف قصة على قصة، وقيل: هو قوله: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ}، وعليه فهو عطف جملة على جملة، فتكون الجملة المعطوفة حالية كالمعطوف عليها، ومؤدى ذلك التعجيب من طمع المؤمنين أو بعضهم في إيمانهم مع أن هذه هي عقيدتهم التي اصطبغت بها أذهانهم، كما أن تبديل كلام الله بعدما سمعوه شأن عرف به فريق منهم من قبل، وهو قول أبي حيان في البحر، وقيل المعطوف عليه هو قوله: {يَكْتُبُونَ...} الخ أي فعلوا ذلك وقالوا لن تمسنا النار، وهو قول الإِمام ابن عاشور، وذكر مناسبته له، وهي أن قولهم: {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ} دل على اعتقاد مقرر في نفوسهم يشيعونه بين الناس بألسنتهم قد أنبأ بغرور عظيم من شأنه أن يقدمهم على تلك الجريمة وغيرها، إذ هم قد آمنوا من المؤاخذة إلا أياما معدودة كتب عذابها على جميعهم فهم لا يتوقون الإِقدام على المعاصي لأجل ذلك، فبالعطف على أخبارهم حصلت فائدة الإِخبار عن عقيدة من ضلالاتهم، ولموقع هذا العطف حصلت فائدة الاستئناف البياني إذ يعجب السامع من جرأتهم على هذا الإِجرام. وبيان ذلك أنهم اعتقدوا أنهم لا نجاة لهم من هذا العذاب سواء أقلوا من المعاصي أم أكثروا، فلذلك لم يبالوا بمعصية يرتكبونها أو حرمة ينتهكونها أو واجب مقدس يضيعونه وقد بيّن لنا الحق تعالى في وسورة آل عمران أن عقيدتهم هذه هذه مصدر نبذهم الكتاب وراء ظهورهم، وذلك حيث قال: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} تفسير : [آل عمران: 23-24]. والأيام المعدودة التي زعموا أن عذابهم منحصر فيها، قيل: هي سبعة أيام لأن عمر الدنيا - حسبما زعموا - سبعة آلاف عام، فهم يعذبون يوما عن كل ألف عام، وقيل: أربعون يوما بقدر أيام عبادتهم العجل، وقيل: بقدر ما يقطعون ما بين طرفي النار لأن عرضها - حسبما زعموا - أربعون عاما وهم يقطعون مسيرة كل عام في يوم حتى يصلوا إلى شجرة الزقوم. ووصف الأيام بأنها معدودة يؤذن بقلتها، فقد سلكوا مسلك العرب في تعبيرهم لاحتكاكهم بهم، وتأثرهم بأساليبهم، وقد كانت العرب تصف القليل بالمعدود، إما لعدم اعتنائهم بالحساب، وإما لأن الكثير ليس من شأنه أن يقاس بالعدد، بل بمقاييس أخرى، كالوزن والكيل، وقد سلكوا هذا المسلك حتى فيما لا يكال ولا يوزن. ورد الله عليهم زعمهم هذا بقوله: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} لأن أمثال هذه القضايا لا يجوز أن يستند فيها إلا إلى ما بينه الله سبحانه فيما أوحاه إلى رسله، لأنها قضايا سمعية بحتة فلا حكم فيها للعقول. والإِستفهام بالهمزة إما للتقرير لإِلجائهم إلى الاعتراف بأصدق الأمرين، وعليه فـ (أم) متصلة، وإما للإِنكار، فهو في حكم النفي لما وليه، وعليه فـ (أم) منقطعة تفيد بل مع الهمزة، فكأنه قيل بل أتقولون على الله ما لا تعلمون. والفاء في قوله: {فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ} فصيحة على حد قول الشاعر: شعر : قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا تفسير : وعليه فيقدر قبلها شرط مستفاد من الجملة الاستفهامية، أي فإن اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده، فالفاء وما بعدها جواب للشرط، وقيل: جملة: {فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ} معترضة بين الاستفهامين المتعادلين، وعليه ابن عطية، ولا اعتراض عليه بتصديرها بالفاء لأن ذلك معهود في الاعتراض نحو قوله تعالى: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 43] المعترض بين قوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 43] وقوله: {أية : بِٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلزُّبُرِ} تفسير : [النحل: 44]، ومثله: {فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ} المعترض بين قوله: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} تفسير : [عبس: 12] وقوله: {أية : فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ} تفسير : [عبس: 13]، وقد سبق الاستشهاد له بقول الشاعر: شعر : واعلم - فعلم المرء ينفعه - أن سوف يأتي كل ما قدرا تفسير : وجنح القطب - رحمه الله تعالى - في الهيميان الى قول من يرى أن هذه الجملة معترضة غير أنه صدر برأي آخر ملخصه أن الفاء عاطفة على ما بعد همزة الاستفهام فيكون الاستفهام واقعا على هذه الجملة على طريق التفريع لا على الاستقلال، وذلك باعتبار الاستفهام مقصودا به الأمران، الإِتخاد وعدم الخلف، وأتبع ذلك قوله: "ولا فرق من جهة المعنى بين هذه الفاء وفاء جواب الاستفهام المنصوب، فلسنا نحتاج إلى جعل ذلك جواب شرط محذوف، كما قيل إن التقدير إن اتخذتم عند الله عهدا فلن يُخلف الله عهده، ولا إلى ما قيل ضمن الاستفهام معنى الشرط فأجيب بالفاء". والعهد الوعد المؤكد، وكل وعود الله مؤكدة، وقيل: المراد به هنا الإِيمان الخالص والعمل الصالح الواقيان من النار على حد قوله تعالى: {أية : أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} تفسير : [مريم: 78]، ويرجح الأول قوله: {فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ}. وفي قوله: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تنبيه بالأدنى على الأعلى فإنهم بما ادعوه قائلون على الله ما يعلمون الحق في خلافه، وإذا كان الخائض فيما لا يعلم من أمر الله حقيقا بالملامة والتقريع كما هو في الآية فإن من علم الحقيقة فأنكرها أحق بهما لأنه تعمد مخالفة الحق وطمس الحقيقة. وبعد نقض دعواهم بما يفيد إفلاسهم من الحجة على صحتها أبان الحق سبحانه أن الحقيقة ليست كما تمنوا فإن الدار الآخرة لا تحكم فيها الأماني بل كل أحد فيها رهين عمله، والناس فيها بين امرئ جمع بين الإِيمان والعمل الصالح فهو موعود بالخلد في النعيم وآخر ارتكس في المعصية، ولم يجد منها مخلصا لعدم تعلقه بأسباب التوبة النصوح، فليس له قرار إلا النار والعياذ بالله، لا يجد منها مخرجا، ولا عن عذابها مخلصا، لأن الجزاء من جنس العمل، فكما لم ينفلت من قيود المعصية في الدنيا لن ينفلت من سجن عذابها في الآخرة. و"بلى" جواب إيجابي على نفي سابق سواء اقترن بالإِستفهام أم لا، مثال الأول: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172]، ومثال الثاني: هاتان الآيتان فإن بلى فيهما رد على قولهم المحكى وهو: {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}. والكسب أصلا طلب ما ينفع حسيا كان أو معنويا كقولهم اكتسب مالا، أو جاها، أو منصبا، أو سمعة حسنة، واستعمله القرآن في اتيان أسباب الإِثم للكشف عن الحالة النفسية التي يتلبس بها العاصي في إجرامه، فإن الإِقدام على المعصية لا يكون إلا لمنفعة وهمية تدفع بصاحبها إليه، فالزاني عندما يقدم على الزنا يظن أنه منفعة له لما يجد فيه من اللذة، والسارق يتوهم في سرقته منفعة له بما يأخذه من مال المسروق وقاتل النفس المحرمة بغير حق يتخيل أن في ذلك منفعة له، لأن القتل إما أن يكون لشفاء غيظه من عدوه، أو لشهرة بالإِقدام ينالها القاتل بين الناس، وشارب الخمر يجد في السكر نشوة يظنها منفعة له، وآكل الربا يتصور أنه أيسر وسيلة لجمع المال بغير عناء، وكذلك صاحب الميسر، وما هذه الأوهام إلا حبائل للشيطان يتصيد بها النفوس المضطربة والعقول الكليلة. والسيئة اسم للمعصية لأنها تسوء صاحبها في العاقبة، أو لأنها تسوء غيره منذ صدورها منه، ويجوز أن تكون في الأصل صفة لموصوف أميت، كالفعلة، ونحوها الحسنة في كلا الإِحتمالين. وإطلاق السيئة هنا يتناول كل معصية من غير تمييز بين صنف وآخر لأنها نكرة في سياق الشرط، فمثلها كمثل القائل لإِمرأته إذا رأيت رجلا وكلمته فأنت طالق، فإن الطلاق يقع عليها باجتماع رؤيتها وتكليمها أي رجل كان، ولا ينحصر هذا الوعيد في اليهود وحدهم، وإن كانوا السبب في نزول هذه الآيات، لأن الحكم العام لا ينحصر في سببه الخاص، وهو معنى قول الأصوليين: "لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ"، وكثير من هذه الأمة راقت لهم - مع الأسف الشديد - هذه العقيدة التي سرت إليهم من الأفكار اليهودية البحتة، فأخذوا يؤولون الآيات الوعيدية تأويلا بعيدا عن مدلولها البين، ويحرفون معانيها حتى تتفق مع معتقداتهم المخالفة للنصوص الجلية، فحصروا السيئة هنا في الشرك مع فقدان أي قرينة شرعية أو وضعية تقيد إطلاقها إلا ما توهموه من أن قوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} يدل على ما ذهبوا إليه، والحقيقة عكس ما قالوه كما سيأتيكم بيانه. ومما يضاعف الأسف أن يتتابع الجمّ الغفير من الناس - ومن بينهم علماء نابهون - على تلقي هذه الفكرة بالقبول من غير تمحيص لها والنظر في مصدرها، والرجوع بها إلى الأدلة الظاهرة من الكتاب العزيز والسنة الصحيحة الثابتة، فقد أخذ اللاحق يتبع فيها أثر سابقه من غير تبصر وروية حتى أنهم أخذوا يشنعون على مخالفيهم فيها، ويكيلون لهم التهم كيلا، اللهم الا الذين ارتقوا عن حضيض التقليد وسموا إلى ذروة التحقيق فأبصروا الحقيقة الناصعة، فلم يستحيوا من تجليتها للمبصرين بأقلامهم المتحررة من أسر التقليد البغيض، ومن بين هؤلاء الإِمام محمد عبده القائل في هذه الآية: "السيئة هنا على إطلاقها وخصها مفسرنا (الجلال) وبعض المفسرين بالشرك، ولو صح هذا لما كان لقوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} معنى، فإن الشرك أكبر السيئات وهو يستحق هذا الوعيد لذاته كيفما كان، ومعنى إحاطة الخطيئة هو حصرها لصاحبها، وأخذها بجوانب إحساسه ووجدانه، كأنه محبوس فيها، لا يجد لنفسه مخرجا منها، يرى نفسه حرا مطلقا، وهو أسير الشهوات وسجين الموبقات، ورهين الظلمات، وإنما تكون الإِحاطة بالاسترسال في الذنوب، والتمادي على الإِصرار، قال تعالى: {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تفسير : [المطففين: 14] أي من الخطايا والسيئات، ففي كلمة {يَكْسِبُونَ} معنى الاسترسال والاستمرار، وران عليه غطاه وستره، أي أن قلوبهم قد أصبحت في غلف من ظلمات المعاصي، حتى لم يبق منفذ للنور يدخل إليها منه، ومن أحدث لكل سيئة يقع فيها توبة نصوحا، وإقلاعا صحيحا، لا تحيط به الخطايا، ولا ترين على قلبه السيئات، روى أحمد والترمذي والحاكم وصححاه وابن ماجة وابن حبان وغيرهم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله تعالى في القرآن {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : لمثل هذا كان السلف يقولون: المعاصي بريد الكفر". وقال أيضا في الآية: "ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها ولم يؤولها بالشرك ولكنهم أولوا جزاءها، فقالوا: ان المراد بالخلود طول مدة المكث، لأن المؤمن لا يخلد في النار، وإن استغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته، أولوا هذا التأويل هروبا من قول المعتزلة: "إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار"، وتأييدا لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة، والقرآن فوق المذاهب يرشد إلى أن من تحيط به خطيئته لا يكون أو لا يبقى مؤمنا. وأتبع تلميذه العلامة السيد رشيد رضا كلامه هذا بيان ما يترتب على تأويل الخلود من القول بعدم خلود المشركين أيضا في النار، وإليكم نص قوله: "إن فتح باب تأويل الخلود يجرئ أصحاب استقلال الفكر في هذا الزمان على الدخول فيه والقول فيه بأن معنى خلود الكافرين في العذاب طول مكثهم فيه لأن الرحمن الرحيم الذي سبقت رحمته غضبه ما كان ليعذب بعض خلقه عذابا لا نهاية له لأنهم لم يهتدوا بالدين الذي شرعه لمنفعتهم لا لمنفعته، ولكنهم لم يفقهوا المنفعة، وإذا كان التقليد مقبولا عند الله كما يرى فاتحوا الباب، فقد وضح عذر الأكثرين لأنهم مقلدون لعلمائهم... الخ، ما يتكلم به الناس ولا سيما في هذا العصر، فإن هذه المسألة قديمة وهي أكبر مشكلات الدين، نعم إن العلماء يحتجون عليهم بالاجماع ولو سكوتيا، ولكن التأويل باب لا يكاد يسده متى فتح شيء. وتعضد التأويل الصحيح الذي ذكرته من قبل، آثار مروية عن السلف في تفسير الخطيئة وإحاطتها، فعن الحسن البصري أن رجلا سأل عن قوله: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} فقال: ما ندري ما الخطيئة يا بني أتل القرآن، فكل آية وعد الله عليها النار فهي الخطيئة". أخرجه ابن جرير، وأخرج عن سعيد عن قتادة أنه قال: أما الخطيئة فالكبيرة الموجبة، وعن عبد الرزاق عن قتادة انه قال: الخطيئة الكبائر، وعن مجاهد أنه قال: كل ذنب محيط فهو ما وعد الله عليه النار؛ وعن الضحاك أنه قال في إحاطة الخطيئة الموت عليها، ومثله عن الربيع بين خيثم، وعن الربيع أيضا أنه قال في الخطيئة الكبيرة الموجبة، وعن السدي أنه قال: "أحاطت به خطيئته" فمات ولم يتب، وعن أبي رزين أنه قال: "أحاطت به خطيئته" مات بخطيئته، أخرج هذه الآثار ابن جرير الطبري، ولا يمكن رد هذه الأقوال أو تأويلها بما يخالف ظاهرها لأجل روايات أخرى معزوة إلى بعض السلف، إذ ليس ما وافق القرآن والسنة كالذي خالفهما، ونصوص الكتاب العزيز والسنة الصحيحة قاضية بتعذيب أهل الكبائر وتخليدهم في العذاب، وحسبكم حجة على صحة هذا التفسير للسيئة وإحاطتها حديث الران السالف الذكر. وإذا كانت عقيدة توقيت عذاب الآخرة جرأت اليهود على ما جرأتهم عليه من نبذ الكتاب وانتهاك الحرمات وتعدي الحدود، فإن الذي تلقفوها عنهم من هذه الأمة أخذوا بحظ وافر من ذلك كله، فكم من حرمة ارتكبت، ومحرمة أبيحت، وحقيقة طمست تحت مظلة اعتقاد العفو عن أهل الكبائر بعدم دخول النار مطلقا أو تعذيبهم عذابا موقتا ينقلبون بعده إلى النعيم المقيم فيتساوون مع البررة المتقين في المنزلة والثواب، فيا لله من هذه المصيبة في الدين، أين عقول هؤلاء من قوله تعالى: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} تفسير : [ص: 28]. وبعد هذا القرار الحاسم في مصير الفجار جاء تبيان مصير أضدادهم، أولئك الذين جمعوا بين صحة العقيدة وصلاح العمل، وهو ما عُبِّر عنه بـ {ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} والعمل الصالح أثر لازم للإِيمان الصحيح، فإِن الإِيمان الحق ما تعمق في النفوس حتى تولدت عنه الاستقامة في السلوك، والإِخلاص في العبادة، واللين في الأخلاق، والتسامح في المعاملة، وكما توعد الله الذين كسبوا السيئات بالخلد في الجحيم، وعد هؤلاء بالخلد في النعيم، وعبر عن أولئك بـ {أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} وعن هؤلاء بـ {أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ} لأن من شأن الصحبة تلازم المتصاحبين، فأولئك يصحبون النار لا ينفكون عنها، وهؤلاء يصحبون الجنة لا يبرحونها. وإتباع الوعيد بالوعد أو العكس منهج قرآني معهود في تربية النفوس بالترغيب وبالترهيب أخرى، لما في الترغيب من الحفز على الخير، وما في الترهيب من الردع عن الشر.

الالوسي

تفسير : {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً} جملة حالية معطوفة على قوله تعالى: {أية : وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } تفسير : [البقرة: 75] عند فريق منهم، وعند آخرين على {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ }تفسير : [البقرة: 72] عطف قصة على قصة، واختار بعض المحققين أنها اعتراض لرد ما قالوا حين أوعدوا ـ على ما تقدم ـ بالوليل ـ بل جميع الجمل عنده من قوله تعالى: {أية : أَفَتَطْمَعُونَ} تفسير : [البقرة: 75] إلى قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ }تفسير : [البقرة: 83] الخ، ذكر استطراداً بين القصتين المعطوفتين، فالضمير في {قَالُواْ} عائد على {أية : لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ }تفسير : [البقرة: 79] ـ والمس ـ اتصال أحد الشيئين بآخر ـ على وجه الإحساس والإصابة ـ وذكر الراغب أنه كاللمس، لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء ـ وإن لم يوجد ـ كقوله:شعر : وألمسه فلا أجده تفسير : والمراد من النار نار الآخرة، ومن المعدودة المحصورة القليلة، وكنى ـ بالمعدودة ـ عن القليلة لما أن الأعراب لعدم علمهم بالحساب وقوانينه تصوّر القليل متيسر العدد والكثير متعسره، فقالوا: شيء معدود ـ أي قليل ـ وغير معدود ـ أي كثير ـ والقول بأن ـ القلة ـ تستفاد من أن الزمان ـ إذا كثر ـ لا يعد بالأيام، بل بالشهور والسنة والقرن يشكل بقوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ }تفسير : [البقرة: 183] إلى {أية : أَيَّامًا مَّعْدُودٰتٍ } تفسير : [البقرة: 184] وبقوله سبحانه: {أية : وإِذْ وٰعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } تفسير : [البقرة: 51] وروي عنهم أنهم يعذبون أربعين يوماً عدد عبادتهم العجل؛ ثم ينادى أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل، وفي رواية أنهم يعذبون سبعة أيام لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم، وهي سبعة آلاف سنة. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنهم زعموا أنهم وجدوا مكتوباً في التوراة إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، وأنهم يقطعون في كل يوم مسيرة سنة فيكملونها، وقد قالوا ذلك حين دخل النبـي صلى الله عليه وسلم المدينة وسمعه المسلمون فنزلت هذه الآية. {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا} تبكيت لهم وتوبيخ ـ والعهد ـ مجاز عن خبره تعالى، أو وعده بعدم مساس النار لهم سوى ـ الأيام المعدودة ـ وسمي ذلك عهداً لأنه أوكد من العهود المؤكدة بالقسم والنذر، وفسره قتادة هنا بالوعد مستشهداً بقوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ عَـٰهَدَ ٱللَّهَ }تفسير : [التوبة: 75] إلى قوله سبحانه: {أية : بِمَا أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ }تفسير : [التوبة: 77]. واعترض: بأنه لا وجه للتخصيص، فإن {لَن تَمَسَّنَا} الخ فرع الوعد والوعيد لأن مساس النار وعيد، وأجيب بأنه إنما لم يتعرض للوعيد، لأن المقصود بالاستفهام الوعد ـ لا الوعيد ـ فإنه ثابت في حقهم. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى الآية هل قلتم لا إله إلا الله، وآمنتم وأطعتم فتستدلون بذلك وتعلمون خروجكم من النار؟ ويؤول إلى هل أسلفتم عند الله أعمالاً توجب ما تدعون؟ والمعنى الأول أظهر. وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار ـ الذال ـ والباقون بإدغامه، وحذفت من اتخذ ـ همزة الوصل ـ لوقوعها في الدرج. {فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ} جواب شرط مقدر، أي إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف وقدره العلامة إن كنتم اتخذتم ـ إذ ليس المعنى على الاستقبال ـ وهو مبني على أن حرف الشرط لا يغير معنى ـ كان ـ وفيه خلاف معروف فإن قلت: لا يصح جعل {فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ} جزاء لامتناع السببية والترتب لكون {لَنْ} لمحض الاستقبال قلت: ذلك ليس بلازم في ـ الفاء الفصيحة ـ كقوله:شعر : قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا تفسير : / ـ ولو سلم ـ فقد ترتب على اتخاذ العهد الحكم بأنه لا يخلف العهد فيما يستقبل من الزمان فقط، كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ }تفسير : [النحل: 53] كذا أفاده العلامة، والجواب الأول: مبني على أن ـ الفاء الفصيحة ـ لا تنافي تقدير الشرط، وأنها تفيد كون مدخولها سبباً عن المحذوف سواء ترتب عليه أو تأخر لتوقفه على أمر آخر بدليل أن قوله:شعر : فقد جئنا خراسانا تفسير : علم عندهم في ـ الفصيحة ـ مع كونه بتقدير الشرط وعدم الترتب ـ كما في «شرح المفتاح الشريفي» ـ ومبنى الثاني: على أن المراد حكمهم لا حكمه تعالى حين النزول، ولخفاء ذلك قال المولى عصام: ـ الأظهر ـ أنه دليل الجزاء وضع موضعه، أي إن كنتم اتخذتم عند الله عهداً فقد نجوتم لأنه لن يخلف الله عهده فافهم. ومن الناس من لا يقدر محذوفاً ويجعل ـ الفاء ـ سببية ليكون اتخاذ العهد مترتباً عليه عدم إخلاف الله تعالى عهده ويكون المنكر حينئذٍ المجموع فتفطن. وهذه الجملة ـ كما قال ابن عطية ـ اعتراضية بين {ٱتَّخَذْتُمْ} والمعادل فلا موضع لها من الإعراب. وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم فإن عدم الإخلاف من قضية الألوهية والعهد مضاف إلى ضميره تعالى لذلك أيضاً، أو لأن المراد به جميع عهوده لعمومه بالإضافة، فيدخل العهد المعهود مع التجافي عن التصريح بتحقق مضمون كلامهم، وإن كان معلقاً على الاتخاذ المعلق بحبال العدم واستدل بالآية من ذهب إلى نفي الخلف في الوعد والوعيد بحمل العهد على الخبر الشامل لهما، وادعى بعضهم أن العهد ظاهر في الوعد بل حقيقة عرفية فيه فلا دليل فيها على نفي الخلف في الوعيد. {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} {أَمْ} يحتمل أن تكون متصلة للمعادلة بين شيئين بمعنى أي هذين واقع اتخاذكم العهد ـ أم قولكم على الله ما لا تعلمون ـ وخرج ذلك مخرج المتردد في تعيينه على سبيل التقرير لأولئك المخاطبين لعلم المستفهم ـ وهو النبـي صلى الله عليه وسلم ـ بوقوع أحدهما، وهو قولهم بما لا يعلمون على التعيين فلا يكون الاستفهام على حقيقته، ويعلم من هذا أن الواقع بعد {أَمْ} المتصلة قد يكون جملة لأن التسوية قد تكون بين الحكمين ـ وبهذا صرح ابن الحاجب في «الإيضاح»، ويحتمل أن تكون منقطعة بمعنى ـ بل ـ والتقدير بل أتقولون، ومعنى بل فيها الإضراب والانتقال من التوبيخ بالإنكار على الاتخاذ إلى ما تفيد همزتها من التوبيخ على القول، وظاهر كلام صاحب «المفتاح» تعين الانقطاع حيث جعل علامة المنقطعة كون ما بعدها جملة، وإنما علق التوبيخ بإسنادهم إليه سبحانه وتعالى ما لا يعلمون وقوعه مع أن ما أسندوه إليه تعالى من قبيل ما يعلمون عدم وقوعه المبالغة في التوبيخ، فإن التوبيخ على الأدنى يستلزم التوبيخ على الأعلى بطريق الأولى، وقولهم المحكي ـ وإن لم يكن صريحاً بالافتراء عليه جل شأنه ـ لكنه مستلزم له لأن ذلك الجزم لا يكون إلا بإسناد سببه إليه تعالى.

ابن عاشور

تفسير : قيل: الواو لعطف الجملة على جملة: {أية : وقد كان فريق منهم}تفسير : [البقرة: 75] فتكون حالاً مثلها أي كيف تطمعون أن يؤمنوا لكم وهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ويقولون: {لن تمسنا النار}. والأظهر عندي أن الواو عطف على قوله {أية : يكتبون}تفسير : [البقرة: 79] إلخ أي فعلوا ذلك وقالوا لن تمسنا النار. ووجه المناسبة أن قولهم {لن تمسنا النار} دل على اعتقاد مقرر في نفوسهم يشيعونه بين الناس بألسنتهم قد أنبأ بغرور عظيم من شأنه أن يقدمهم على تلك الجريمة وغيرها إذ هم قد أمنوا من المؤاخذة إلا أياماً معدودة تعادل أيام عبادة العجل أو أياماً عن كل ألف سنة من العالم يوم وإن ذلك عذاب مكتوب على جميعهم فهم لا يتوقون الإقدام على المعاصي لأجل ذلك، فبالعطف على أخبارهم حصلت فائدة الإخبار عن عقيدة من ضلالاتهم. ولموقع هذا العطف حصلت فائدة الاستئناف البياني إذ يعجب السامع من جرأتهم على هذا الإجرام. وقوله: {وقالوا} أراد به أنهم قالوه عن اعتقاد لأن الأصل الصدق في القول حتى تقوم القرينة على أنه قول على خلاف الاعتقاد كما في قوله {أية : قالوا آمنا}تفسير : [البقرة: 14] ولأجل أن أصل القول أن يكون على وفق الاعتقاد ساغ استعمال القول في معنى الظن والاعتقاد في نحو قولهم: قال مالك، وفي نحو قول عمرو بن معد يكرب:شعر : علام تقول الرمح يثقل عاتقي تفسير : والمس حقيقته اتصال اليد بجرم من الأجرام وكذلك اللمس قال تعالى: {أية : والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب}تفسير : [الأنعام: 49]. وعبر عن نفيهم بحرف (لن) الدال على تأييد النفي تأكيداً لانتفاء العذاب عنهم بعد تأكيد، ولدلالة (لن) على استغراق الأزمان تأتّى الاستثناء من عموم الأزمنة بقوله: {إلا أياماً معدودة} على وجه التفريع فهو منصوب على الظرفية. والوصف بمعدودة مؤذن بالقلة لأن المراد بالمعدود الذي يعده الناس إذا رأوه أو تحدثوا عنه، وقد شاع في العرف والعوائد أن الناس لا يعمدون إلى عد الأشياء الكثيرة دفعاً للملل أو لأجل الشغل سواء عرفوا الحساب أم لم يعرفوه لأن المراد العد بالعين واللسان لا العد بجمع الحسابات إذ ليس مقصوداً هنا. وتأنيث (معدودة) وهو صفة (أياماً) مراعى فيه تأويل الجمع بالجماعة وهي طريقة عربية مشهورة ولذلك كثر في صفة الجمع إذا أنثوها أن يأتوا بها بصيغة الإفراد إلا إذا أرادوا تأويل الجمع بالجماعات، وسيأتي ذلك في قوله تعالى: {أية : أياماً معدودات}تفسير : [البقرة: 184]. وقوله: {قل أتخذتم عند الله عهداً} جواب لكلامهم ولذلك فصل على طريقة المحاورات كما قدمناه في قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] والاستفهام غير حقيقي بدليل قوله بعده {بلى} فهو استفهام تقريري للإلجاء إلى الاعتراف بأصدق الأمرين وليس إنكاري لوجود المعادل وهو {أم تقولون} لأن الاستفهام الإنكاري لا معادل له. والمراد بالعهد الوعد المؤكد فهو استعارة، لأن أصل العهد هو الوعد المؤكد بقسم والتزام، ووعد الذي لا يخلف الوعد كالعهد، ويجوز أن يكون العهد هنا حقيقة لأنه في مقام التقرير دال على انتفاء ذلك. وذكر الاتخاذ دون أعاهدتم أو عاهدكم لما في الاتخاذ من توكيد العهد و«عند» لزيادة التأكيد يقولون اتخذ يداً عند فلان. وقوله: {فلن يخلف الله عهده} الفاء فصيحة دالة على شرط مقدر وجزائه وما بعد الفاء هو علة الجزاء والتقدير فإن كان ذلك فلكم العذر في قولكم لأن الله لا يخلف عهده وتقدم ذلك عند قوله تعالى: {أية : فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً}تفسير : [البقرة: 60]. ولكون ما بعد فاء الفصيحة دليل شرط وجزائه لم يلزم أن يكون ما بعدها مسبباً عما قبلها ولا مترتباً عنه حتى يشكل عليه عدم صحة ترتب الجزاء في الآية على الشرط المقدر لأن (لن) للاستقبال. و(أم) في قوله: {أم تقولون على الله ما لا تعلمون} معادلة همزة الاستفهام فهي متصلة وتقع بعدها الجملة كما صرح به ابن الحاجب في «الإيضاح» وهو التحقيق كما قال عبد الحكيم، فما قاله صاحب «المفتاح» من أن علامة أم المنقطعة كون ما بعدها جملة أمر أغلبي ولا معنى للانقطاع هنا لأنه يفسد ما أفاده الاستفهام من الإلجاء والتقرير. وقوله: {بلى} إبطال لقولهم: {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة}، وكلمات الجواب تدخل على الكلام السابق لا على ما بعدها فمعنى بلى بل أنتم تمسكم النار مدة طويلة. وقوله: {من كسب سيئة} سند لما تضمنته (بلى) من إبطال قولهم، أي ما أنتم إلا ممن كسب سيئة إلخ ومن كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فأولئك أصحاب النار فأنتم منهم لا محالة على حد قول لبيد:شعر : تمنَّى ابنتاي أن يعيش أبوهما وهل أَنا إلا من ربيعةَ أو مُضَرْ تفسير : أي فلا أخلد كما لم يخلد بنو ربيعة ومضر، فمَنْ في قوله: {من كسب سيئة} شرطية بدليل دخول الفاء في جوابها وهي في الشرط من صيغ العموم فلذلك كانت مؤذنة بجملة محذوفة دل عليها تعقيب (بلى) بهذا العموم لأنه لو لم يرد به أن المخاطبين من زمر هذا العموم لكان ذِكر العموم بعدها كلاماً متناثراً ففي الكلام إيجاز الحذف ليكون المذكور كالقضية الكبرى لبرهان قوله: {بلى}. والمراد بالسيئة هنا السيئة العظيمة وهي الكفر بدليل العطف عليها بقوله: {وأحاطبت به خطيئاته}. وقوله: {وأحاطت به خطيئاته} الخطيئة اسم لما يقترفه الإنسان من الجرائم وهي فعيلة بمعنى مفعولة من خطى إذا أساء، والإحاطة مستعارة لعدم الخلو عن الشيء لأن ما يحيط بالمرء لا يترك له منفذاً للإقبال على غير ذلك قال تعالى: {أية : وظنوا أنهم أحيط بهم}تفسير : [يونس: 22] وإحاطة الخطيئات هي حالة الكفر لأنها تجريء على جميع الخطايا ولا يعتبر مع الكفر عمل صالح كما دل عليه قوله: {أية : ثم كان من الذين آمنوا}تفسير : [البلد: 17]. فلذلك لم تكن في هذه الآية حجة للزاعمين خلود أصحاب الكبائر من المسلمين في النار إذ لا يكون المسلم محيطة به الخطيئات بل هو لا يخلو من عمل صالح وحسبك من ذلك سلامة اعتقاده من الكفر وسلامة لسانه من النطق بكلمة الكفر الخبيثة. والقصر المستفاد من التعريف في قوله: {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} قصر إضافي لقلب اعتقادهم. وقوله: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون} تذييل لتعقيب النذارة بالبشارة على عادة القرآن. والمراد بالخلود هنا حقيقته.

الواحدي

تفسير : قالوا: {لن تمسنا النَّارُ إلاَّ أياماً معدودةً} قليلةً، ويعنون الأيَّام التي عبد آباؤهم فيها العجل، فكذَّبهم الله سبحانه فقال: قل لهم يا محمَّدُ: {أَتَّخَذْتُمْ عند الله عهداً} أخذتم بما تقولون من الله ميثاقاً؟ [ {فلن يخلف الله عهده} ] والله لا ينقض ميثاقه {أم تقولون على الله} الباطلَ جهلاً منكم، ثمَّ ردَّ على اليهود قولهم: لن تمسَّنا النَّار، فقال: {بلى} أُعذِّب. {مَنْ كسب سيئة} وهي الشِّرك {وأحاطت به خطيئته} : سدَّت عليه مسالك النَّجاة، وهو أّنْ يموت على الشِّرك {فأولئك [أصحاب النار هم فيها خالدون]} الذين يُخلَّدون في النَّار.ثمَّ أخبر عن أخذ الميثاق عليهم بتبيين نعت محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فقال: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل} أَيْ: في التَّوراة {لا تعبدون} أَيْ: بأن لا تعبدوا {إلاَّ الله وبالوالدين إحساناً} أَيْ: ووصَّيناهم بالوالدين إحساناً {وذي القربى} أَي: القرابة في الرَّحم [ {واليتامى} يعني: الذين مات أبوهم قبل البلوغ] {وقولوا للناس حسناً} أَيْ: صدقاً وحقَّاً في شأن محمَّدٍ عليه السَّلام، وهو خطابٌ لليهود، {ثم توليتم} أعرضتم عن العهد والميثاق، يعني: أوائلهم {إلاَّ قليلاً منكم} يعني: مَنْ كان ثابتاً على دينه، ثمَّ آمن بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {وأنتم معرضون} عمَّا عُهد إليكم كأوائلكم.

القطان

تفسير : وهنا جعل يبين منشأ اجترائهم على كل موبقة، وهو غرورهم بزعمهم ان النار لن تمسهم الا اياماً معدودات. فقل لهم يا محمد، ومن باب دحض الدعوى: أين البرهان على ما تزعمون؟ ثم ينقضه الحق تعالى ببيان مخالفته لقانون العهد الإلَهي الذي لا يعرف شيئاً من الظلم، ولا المحاباة لأحد. المس: واللمس بمعنى، وهو اتصال الشيء بالبشرة بحيث تتأثر الحاسة. العهد: الخبر أو الوعد. بلى: لفظ يجاب به بعد كلام منفي سابق. الكسب: جلب المنفعة، وهنا يراد به التهكم. السيئة: الفاحشة. يزعم اليهود أنهم سيعذَّبون بالنار اربعين ليلة وذلك عدةُ أيام عبادتهم للعجل، وزعم بعضهم ان النار ستمسُّهم سبعة أيام فقط. وهنا يرد الله تعالى عليهم افتراءهم ويسألهم: هل تعاهدتم مع الله على ذلك. فاطمأننتم لأن الله لا يخلف عهده معكم؟ ثم يؤكد أن: من كسَب سيئةً وأحاطت به خطيئةٌ وفأولئك أصحابُ النار هم فيها خالدون". فحْكم الله نافذ في خلقه لا فرق بين يهودي وغيره الا بما كسبت يداه. القراءات: قرأ ابن كثير وحفص: اتخذتم باظهار الذال. وقرأ الباقون بالادغام. اتخذتم. وقرأ نافع: "خطيئاته" وقرىء خطيته وخطياته.

د. أسعد حومد

تفسير : (80) - كَانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ: إِنَّهُم أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، يُؤَاخِذُهُمْ مُؤَاخَذَةَ الأَبِ لابْنِهِ، بِرِفْقٍ وَحَنَانٍ، وَإِنَّهُمْ لَنْ يُعَذَّبُوا فِي النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ، ثُمَّ يَرْضى الله عَنْهُم فَيَنْجُونَ مِنَ العَذَابِ وَمِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، مَهْمَا كَانَتْ ذُنُوبُهُمْ عَظِيمَةً. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ قَائِلاً: أَحَصَلْتُمْ عَلَى عَهْدٍ وَوَحْيٍ وَخَبرٍ صَادِقٍ بِذلِكَ مِنَ اللهِ؟ فَإِنْ كُنْتُمْ حَصَلْتُمْ عَلَى عَهْدٍ فَإِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ عَهْدَهُ وَوَعْدَهُ أَبَداً، وَلكِنَّ ذلِكَ لَمْ يَقَعْ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنَ اللهِ عَهْدٌ لِلْيَهُودِ، وَإِنَّكُمْ مُفْتَرُونَ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ شَيئاً لاَ عِلْمَ لَكُمْ بِهِ. مَعْدُودَةً - مَحْصُورَةَ العَدَدِ.

الثعلبي

تفسير : {وَقَالُواْ} يعني اليهود. {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} قدراً مقدّراً ثمّ يزول عنّا العذاب وينقطع، واختلفوا في هذه الأيّام ما هي. وقال ابن عبّاس ومجاهد: حديث : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود يقولون: مدّة الدّنيا سبعة آلاف سنة وإنّما نعذّب بكل ألف سنة يوماً واحداً ثمّ ينقطع العذاب بعد سبعة أيّام، فأنزل الله تعالى هذه الآية . تفسير : قتادة وعطاء: يعنون أربعين يوماً التي عبد أباؤهم فيها العجل وهي مدّة غيبة موسى عليه السلام عنهم. الحسن وأبو العالية: قالت اليهود: إنّ ربّنا عتب علينا في أمرنا أقسم ليعذّبنا أربعين ليلة ثمّ يدخلنا الجنّة فلن تمسّنا النار إلاّ أربعين يوماً تحلّة القسم فقال الله تعالى تكذيباً لهم: قل يا محمّد {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ} ألف الاستفهام دخلت على ألف الوصل. {عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً} موثقاً ألاّ يعذّبكم إلاّ هذه المدّة. {فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ} وعده، وقال ابن مسعود: بالتوّعد يدلّ عليه قوله تعالى {أية : إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} تفسير : [مريم: 87] يعني قال: لا إله إلاّ الله مخلصاً {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قال {بَلَىٰ} "بل وبلى" حرفا استدراك ولهما معنيان لنفي الخبر الماضي واثبات الخبر المستقبل، قال الكسائي: الفرق بين (بلى ونعم)، إنّ بلى: أقرار بعد جحود، ونعم: جواب استفهام بغير جحد، فإذا قال: ألست فعلت كذا، فيقول: بلى، وإذا قال: ألم تفعل كذا؟ فيقول: بلى، وإذا قال: أفعلت كذا؟ فيقول: نعم. قال الله تعالى {أية : أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الملك: 8-9] وقال {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] وقال في غير الجحود {أية : فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ} تفسير : [الأعراف: 44] قالوا {أية : أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الصافات: 16-17] قل نعم وإنّما قال هاهنا بلى للجحود الّذي قبله وهو قوله {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} {مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} يعني الشرك. {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} قرأ أهل المدينة خطيّاته بالجمع، وقرأ الباقون خطيته على الواحدة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم والاحاطة الاحفاف بالشيء من جميع نواحيه واختلفوا في معناها هاهنا. وقال ابن عبّاس والضحاك وعطاء وأبو العالية والربيع وابن زيد: هي الشرك يموت الرجل عليه فجعلوا الخطيئة الشّرك. قال بعضهم: هي الذّنوب الكثيرة الموجبة لأهلها النّار. أبو رزين عن الربيع بن خيثم في قوله تعالى: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} قال: هو الّذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب ومثله قال عكرمة وقال مقاتل: أصرّ عليها. مجاهد: هي الذّنوب تحيط بالقلب كلّما عمل ذنباً إرتفعت حتّى تغشى القلب وهو الرّين. وعن سلام بن مسكين أنّه سأل رجل الحسن عن هذه الآية؟ فقال السّائل: يا سبحان الله إلاّ أراك ذا لحية وما تدري ما محاطة الخطيئة! انظر في المصحف فكل آية نهى الله عزّ وجلّ عنها وأخبرك إنّه من عمل بها أدخله النّار فهي الخطئية المحيطة. الكلبي: أو بقته ذنوبه دليله قوله تعالى {أية : إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} تفسير : [يوسف: 66]: أي تهلكوا جميعاً. وعن ابن عبّاس: أحيطت بما له من حسنة فأحبطته. {فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [وهذا من العام المخصوص بصور منها إلاّ من تاب بعد أن حمل على ظاهره] {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} في التّوراة. قال ابن عبّاس: الميثاق: العهد الجديد. {لاَ تَعْبُدُونَ} بالياء قرأه ابن كثير وحميد وحمزة والكسائي. الباقون: بالتّاء وهو إختيار أبي عبيد وأبو حاتم. قال ابو عمرو: ألا تراه يقول {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} فذلك المخاطبة على التّاء. قال الكسائي: إنّما ارتفع لا يعبدون لأنّ معناه أخذنا ميثاق بني إسرائيل أن لا تعبدوا إلاّ الله فلمّا ألقى أن رفع الفعل ومثله قوله {لاَ تَسْفِكُونَ}، نظير قوله عزّ وجلّ {أية : أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ تَأْمُرُونِّيۤ أَعْبُدُ} تفسير : [الزمر: 64]: يريد أن أعبد فلمّا حذفت النّاصبة عاد الفعل إلى المضارعة. وقال طرفة: شعر : ألا أيّهذا الزاجري احضر الوغى وأنْ أشهدَ اللّذاتِ هل أنت مخلدي تفسير : يريد أن أحضر، فلمّا نزع (أنْ) رفعه. وقرأ أُبي بن كعب: لا تعبدوا جزماً على النهي أي وقلنا لهم لا تعبدوا الاّ الله {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} ووصّيناهم بالوالدين إحسانا برّاً بهما وعطفاً عليهما. وانّما قال بالوالدين واحدهما والدة؛ لأنّ المذكّر والمؤنّث إذا اقتربا غلب المذكّر لخفّته وقوتّه. {وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي وبذي القرابة، والقربى مصدر على وزن فعلى كالحسنى والشّعرى. قال طرفة: شعر : وقربت بالقربى وجدك له يني فتحايك امر للنكيثة أشهد تفسير : {وَالْيَتَامَىٰ} جمع يتيم مثل ندامى ونديم وهو الطفل الذي لا أبَّ له. {وَٱلْمَسَاكِينِ} يعني الفقراء. {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} اختلفت القراءة فيه فقرأ زيد بن ثابت وأبو العالية وعاصم وأبو عمرو {حُسْنا} بضم الحَاء وجزم السّين وهو اختيار أبي حاتم دليله قوله عزّ وجلّ: {أية : بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} تفسير : [العنكبوت: 8] وقوله تعالى: {أية : ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً} تفسير : [النمل: 11]. وقرأ ابن مسعود وخلف حَسنا بفتح الحاء والسّين وهو اختيار أبي عبيد وقوله: إنّما إخترناها لأنها نعت بمعنى قولاً حسناً. وقرأ ابن عمر: حُسُنا بضم الحاء والسّين والتنوين مثل الرّعب والنّصب والسّحت والسُحق ونحوها. وقرأ عاصم والجحدري: احساناً بالألف. وقرأ أبي بن كعب وطلحة بن مصرف: حسنى وقرنت بالقربى بالتأنيث مرسلة. قال الثعلبي: سمعت القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عبدوس يقول: مجازه كلمة حسنى ومعناه قولوا للنّاس صدقاً وحقّاً في شأن محمّد صلى الله عليه وسلم فمن سألكم عنه فأصدقوه وبينوا له صفته ولا تكتموا أمره ولا تغيروا نعته هذا قول ابن عبّاس وابن جبير وابن جريج ومقاتل دليله قوله {أية : أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} تفسير : [طه: 86] أي صدقاً. وقال محمّد بن الحنفية: هذه الآية تشمل البرّ والفاجر. وقال سفيان الثّوري: ائمروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ} أي أعرضتم عن العهد والميثاق {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ} نصب على الإستثناء. {وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} وذلك أن قوماً منهم آمنوا. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ} لا تريقون {دِمَآءَكُمْ} وقرأ طلحة بن مصرف تسفكون بضم الفاء وهما لغتان مثل يعرشون ويعكفون. وقرأ أبو مجلز: تسفكون بالتشديد على التكثير. وقال ابن عبّاس وقتادة: معناه لا يسفك بعضكم دم بعض بغير حق وإنّما قال (دماءكم) لمعنيين: أحدهما إن كلّ قوم إجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة. والآخر: هو أنّ الرجل إذا قتل غيره كأنّما قتل نفسه لأنّه يقاد ويقتصّ منه {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ} أي لا يخرج بعضكم بعضاً من داره [ولا تسبوا من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج بسوء جواركم]. {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} بهذا العهد إنّه حقّ. {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} اليوم على ذلك يا معشر اليهود.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا يكشف الله سبحانه وتعالى فكر هؤلاء الناس .. لقد زين لهم الشيطان الباطل فجعلهم يعتقدون أنهم كسبوا فعلاً وأنهم أخذوا المال والجاه الدنيوي وفازوا به .. لأنهم لن يعذبوا في الآخرة إلا عذاباً خفيفاً قصيراً .. ولذلك يفضح الله تبارك وتعالى ما يقولونه مع بعضهم البعض .. ماذا قالوا؟: {وقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80]. المس يعني اللمس الخفيف أو اقتراب شيء من شيء .. ولكن لا يحس أحدهما بالآخر إلا إحساساً خفيفاً لا يكاد يذكر .. فإذا أتيت إلى إنسان ووضعت أَنَامِلَكَ على يده يقال مسست .. ولكنك لم تستطع بهذا المس أن تحس بحرارة يده أو نعومة جلده .. ولكن اللمس يعطيك إحساساً بما تلمس: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80] وهكذا أخذوا أقل الأقل في العذاب .. ثم أقل الأقل في الزمن فقالوا أياماً معدودة .. الشيء إذا قيل عن معدود فهو قليل .. أما الشيء الذي لا يحصى فهو الكثير .. ولذلك حين يتحدث الله عن نعمه يقول سبحانه: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ ..} تفسير : [النحل: 18]. فمجرد الإقبال على العد معناه أن الشيء يمكن إحصاؤه .. فإن لم يكن ممكنا لا يُقبل أحد على عده، ولا نرى من حاول عدَّ حبات الرمل أو ذرات الماء في البحار .. نِعَمُ الله سبحانه وتعالى ظاهرة وخفية لا يمكن أن تحصى، ولذلك لا يُقبل أحد على إحصائها .. وإذا سمعت كلمة "أياماً معدودة" فأعلم أنها أيام قليلة .. ولذلك نرى في سورة يوسف قول الحق جل جلاله: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ..} تفسير : [يوسف: 20]. قولهم لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة .. دليل على غبائهم لأن مدة المس لا تكون إلا لحظة .. ولكنها أماني وضعها الشيطان في عقولهم ليأتي الرد من الله في قوله سبحانه: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ} [البقرة: 80] أي إذا كان ذلك وعداً من الله، فالله لا يخلف وعده. والله يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم لستم أنتم الذين تحكمون وتقررون ماذا سيفعل الله سبحانه وتعالى بكم .. بل هو جل جلاله الذي يحكم .. فإن كان قد أعطاكم عهداً فالله لا يخلف وعده. وقوله تعالى: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 80] .. هنا أدب النبوة والخلق العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. فبدلاً من أن يقول لهم أتفترون على الله أو أتكذبون على الله .. أو أتختلقون على الله ما لم يقله .. قال: {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 80] إن الذي يختلق الكلام يعلم أنه مختلق .. إنه أول من يعلم كذب ما يقول، وقد يكون له حجة ويقنع من أمامه فيصدقه، ولكنه يظل يعلم إن ما قاله مختلق رغم أنهم صدقوه .. ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حديث : إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها ). تفسير : إذن مُخْتَلِقُ الشيء يعرف إن هذا الشيء مُخْتَلَقٌ. وهؤلاء اليهود هم أول من يعلمون أن قولهم .. {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} [البقرة: 80] قول مختلق .. ولكن لمن يقولون على الله ما هو افتراء وكذب؟ يقولون للأميين الذين لا يعرفون الكتاب.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، قال: قالت اليهود: الدنيا سبعة آلاف سنة، وإِنما العذاب مكان كل أَلف يوم. فقال الله: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً} أَي موثقاً بهذا الذي تقولون إنه كما تقولون {فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ} [الآية: 80]. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: {خَطِيـۤئَتُهُ} [الآية: 81]. يعني مما يعذب الله عليها. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ} [الآية: 83]. قال: هذا في ذكر اليهود. إِلى قوله: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الآية: 101]. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن علي الأَزدي، قال: كانت اليهود تقول: اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس. {يَسْتَفْتِحُونَ} [الآية: 89] به، أَي يستنصرون به على الناس. فقال الله عز وجل: {بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [الآية: 90]. إِلى قوله: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الآية: 101]. فهذا كله في اليهود.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} معناهُ أربعونَ يوماً، قَدْرَ ما عَبَدوا العِجلَ. تفسير : وقولهُ تعالى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً} مَعناهُ وعدٌ وميثاقٌ. والجمعُ: العهودُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ذكر أفعالهم القبيحة، ثم ذكر مع هذا أنهم يزكون أنفسهم، ويشهدون لها بالنجاة من عذاب الله، والفوز بثوابه، وأنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، أي: قليلة تعد بالأصابع، فجمعوا بين الإساءة والأمن. ولما كان هذا مجرد دعوى، رد الله تعالى عليهم فقال: { قُلْ } لهم يا أيها الرسول { أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا } أي بالإيمان به وبرسله وبطاعته، فهذا الوعد الموجب لنجاة صاحبه الذي لا يتغير ولا يتبدل. { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } ؟ فأخبر تعالى أن صدق دعواهم متوقفة على أحد هذين الأمرين اللذين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا قد اتخذوا عند الله عهدا، فتكون دعواهم صحيحة. وإما أن يكونوا متقولين عليه فتكون كاذبة، فيكون أبلغ لخزيهم وعذابهم، وقد علم من حالهم أنهم لم يتخذوا عند الله عهدا، لتكذيبهم كثيرا من الأنبياء، حتى وصلت بهم الحال إلى أن قتلوا طائفة منهم، ولنكولهم عن طاعة الله ونقضهم المواثيق، فتعين بذلك أنهم متقولون مختلقون، قائلون عليه ما لا يعلمون، والقول عليه بلا علم، من أعظم المحرمات، وأشنع القبيحات. ثم ذكر تعالى حكما عاما لكل أحد، يدخل به بنو إسرائيل وغيرهم، وهو الحكم الذي لا حكم غيره، لا أمانيهم ودعاويهم بصفة الهالكين والناجين، فقال: { بَلَى } أي: ليس الأمر كما ذكرتم، فإنه قول لا حقيقة له، ولكن { مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } وهو نكرة في سياق الشرط، فيعم الشرك فما دونه، والمراد به هنا الشرك، بدليل قوله: { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } أي: أحاطت بعاملها، فلم تدع له منفذا، وهذا لا يكون إلا الشرك، فإن من معه الإيمان لا تحيط به خطيئته. { فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية، وهي حجة عليهم كما ترى، فإنها ظاهرة في الشرك، وهكذا كل مبطل يحتج بآية، أو حديث صحيح على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه. { وَالَّذِينَ آمَنُوا } بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ولا تكون الأعمال صالحة إلا بشرطين: أن تكون خالصة لوجه الله، متبعا بها سنة رسوله. فحاصل هاتين الآيتين، أن أهل النجاة والفوز، هم أهل الإيمان والعمل الصالح، والهالكون أهل النار المشركون بالله، الكافرون به.

همام الصنعاني

تفسير : 81- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً}: [الآية: 80]، بما أصبنا في العجل. قال الله: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ}: [الأية: 80].